الكاتب: محمد الرشودي

  • الاستعارة

    الكاتبديڤيد هيلز
    ترجمةأحمد فريحي

    الاِستعارةُ استِعْمالٌ مُتَّسِعٌ للألفاظِ شعراً أو نثراً، استعمالٌ منْ بابِ المَجاز، وبما يُخالفُ الحَقيقة. لقدْ حظيتِ الاستعارةُ، كأسلوب بلاغي، باهتمامٍ فلسفيٍّ بالغٍ، وأثارتْ جَدلاً فلسفياً أوسع بالمُقارنة مع أيٍّ أسلوبٍ من الأساليبِ البلاغية الأخرى.[1]

    1. تسمية طرفي الاستعارة

    قبلَ تحديد طرفيْ الاستعارة، لا بُد من الانطلاقِ من بعض الشَّواهد الاستعارية. قال روميو على لسان شكسبير: «مهلاً، ما هذا النُّورُ الَّذي يَتَسلَّلُ مِنْ تْلكِ النَّافذةِ؟ إنَّه المَشْرِقُ، وجولييت هي الشَّمسُ !». [2] وقال ستيفن جويسي:

    «التَّاريخُ كابوسٌ أحاولُ الاستيقاظَ منه».[3] وقال ڤالتر بنيامين: «الأعمالُ الأدبية أقنعةُ المَوتِ، تُخفي تصوُّرها.».[4]

    استناداً إلى هذه الشَّواهد الثَّلاثة، نلاحظُ أنَّه لمَّا نلجأ إلى الاستعارة، فإنَّنا نتحدَّث عن شيئين في آن واحد؛ نتحدَّث شيئين مُختلفيْن ومُنفصليْن، لكنَّهما اجتمعا معاً ليُنتجا تأثيراً غنياً وغير متوقع. فأحدُ هذيْن الموضوعين يكونُ معروضاً للنقاش، أو يكونُ موضوع الاهتمام لمَّا يلجأ المُتحدثُ إلى الاستعارة منذ الوهلة الأولى. وهو الّذي نسمِّيه المُستعَار له أو المَحْمول[5] في الشَّواهد المذكورة أعلاه، ويتجلى: في “الفتاة جولييت” في استعارة روميو؛ وفي “التَّاريخ، أي تاريخ إيرلندا، أو تاريخ العالم”، في استعارة ستيفن؛ وفي “الأعمال، والكتابات النثرية عموماً”، في استعارة بنيامين. أمَّا الموضوعُ، فيُعرضُ من بعد من إجل إغناءِ موارِدنا مؤقتاً للتفكير وللتحدُّثِ عن المستعار له. إنَّه المُستعار منه أو الحامل[6] حسب الشَّواهد المذكورة أعلاه، ويتجلى في: “الشَّمس” في استعارة روميو؛ وفي “الكابوس” الَّذي يحاولُ المرءُ الاستيقاظ منه في استعارة ستيفن؛ وفي “أقنعة الموت”، أي أقنعة الموت على نحو عام في استعارة بنيامين. قد يكونُ المستعار له في الاستعارة مفرداً، أو يطال مجموعة من الأشياء، والأمرُ سيّان بالنِّسبة إلى المستعار منه، ممَّا يؤدي إلى أنْ تتخذَ الاستعارةُ نفسُها الصُّورة اللَّفظية في عبارة يفهمُ منها التَّطابق[7] نحو: (“س”= جولييت “مفرد” هو “ج”= الشّمس “مفرد”) كما هو الحال في استعارة روميو؛ أو عبارة يُفهمُ منها الحَمْلُ[8] أو الانتماءُ[9] نحو: (“س”= التاريخ ” “مفهوم كلي” هو “ج“= كابوس “مفرد”) كما هو الحال في استعارة ستيفن؛ أو عبارة يُفهمُ منها الاحتواء أو التَّضمُن[10] نحو: (“س“= الأعمال الأدبية “جمع” هي “ج“= أقنعة الموت “جمع”) كما هو الحال في استعارة بنيامين.

    لو تساءلنا عن كيفية ربط المستعار له بالمستعار منه في علاقة، من خلال ذكرهِما معًا في جملة استعارية، فإنّه يبدو من الطَّبيعي القول إنَّ الاستعارةَ صورةٌ من صوَّر التَّشبيه، أو المُقارنة، أو التَّمثيل. فصائغُ الاستعارة يُشبِّهُ المُستعار له بالمُستعار منه، كما يُشبّه روميو جولييت بالشَّمس، وكما يُشبّه ستيفن التَّاريخ بالكابوس، وكما يُشبّه بنيامين الأعمال النثرية بأقنعة الموت. بَيْدَ أنَّ المعنى المقصودَ يظلُ غير واضحٍ، لدرجة أنَّ المرءَ يتردَّد في اللُّجوء إلى التَّشبيه، أو التَّشابه لتَفسير ماهية الاستعارة، أو بيانِ كيفية عمَلِها. إنَّ الاستعارةَ الجَيِّدة تستمدُ قوتَها وجاذبيتَها من مدى الاختلاف الكبير والواضح بين طرفيها: المستعار له والمستعار منه، لدرجة أنَّها تُعرَّف أحيانًا من قِبَل أولئك الذين لا يدّعون الأصالة بأنَّها: “تشبيهُ شيئين مُختلفيْن“. إنَّ تأويلَ الاستعارة لا يقومُ، في الغالب، على الصِّفات الَّتي يملكُها المُستعار منه بالفعل، أو حتَّى على تلك الصِّفات الَّتي يُعتقد أنَّه يملكُها، وإنَّما يقومُ على تلك الصِّفات الَّتي ندّعي[11] عادةً بأنَّه يملكُها. ولفهم ذلك جيداً، خُذ، على سبيل المثال، ما يحدُثُ لمَّا نصفُ شخصًا ما بأنَّه غوريلا.[12]

    ولهذا، فإنَّ الاستعارةَ بهذا المعنى ليست سوى آلية من الآليات، المَعلومة، وغير المعلومة؛ والَّتي تسعى إلى تشبيه شيءٍ بشيء آخر، باستعمالِ أدوات التَّشبيه. إذْ يُمكننا استعمالُ تشبيهٍ صريحٍ[13] بين شيئين، مُستعملين أدوات التَّشبيه نحو: “مثل” أو “كـاف التَّشبيه” أو أيِّ صيغةٍ تشبيهيِّةٍ صريحةٍ أخرى، والتي غالبا نعتبرها تشبيها، نحو قول رتشارد ويلبور: «منْ يَسِرْ في مُروجِ الخريفِ يجدْ حولَه زهرةَ الدَّانتيل الملكي تتناثرُ كأنَّها زنابقُ الماء.».[14] أو قول ريموند تشلاندر: «إنَّ مثلَ مَظهرٍه الغامضِ كمثل عنكبوتِ على قطعة من كعكة الملاك.».[15]

    وعلى غرار هذا، يُمكننا دمجُ ملاحظتين متماثلتين حول موضوعين مختلفين باستعمال أدوات ربط نحو: “لذلك” و “أيضًا” و”وهكذا”، وبذلك نؤلف استعارة. كما يُمكننا تشبيهُ مجموعة من الأشياء ببعضها من خلال تقديم عبارتين متماثلتين وواضحتين، ممَّا يدعو المستمعَ إلى إدراك هذا التَّماثل، والتَّأمل في دلالته، وبذلك نؤلف استعارة. أو يمكننا ببساطة وضعُ ذكر شيءٍ ما، بجانب ذكرِ شيء آخر بطريقة ملائمة ومُوحية لتأليف استعارة نحو قول عزرا باوند: «ظُهورُ هذه الوُجوهِ وسطَ الحشد؛/ بَتلاتٌ على غصنٍ أسودٍ مُبلَّل.».[16]

    إنَّ من أبرز ما يُميِّزُ التَّشبيه الاستعاري، على وجه الخصوص، هو أنَّنا لمَّا نلجأ إليه، فإنَّنا نتحدَّث عن شيء أو نوع باعتباره شيئًا أو نوعًا آخر. فنستعملُ اللُّغة كما لو كان المُستعار له والمستعار منه، أي جولييت والشمس، شيئًا واحدًا ونفس الشَّيء؛ أو كما لو كانَ المُستعار له، الّذي هو التاريخ مثالا للمستعار منه، الّذي هو الكابوس؛ أو كما لو كان المُستعار له، الّذي هو الأعمال الأدبية، مُتضمنًا في المُستعار منه، الّذي هو أقنعة الموت. وبهذا المعنى، يُشارُ إلى المُستعار له على أنَّه هو نفسه المُستعار منه. وتُستعارُ الألفاظ والعبارات الاصطلاحية وغيرها من أساليب الكلام الَّتي تُستعمل عادةً في المستعار منه، كما هو الحال في الشَّمس، وفي أقنعة الموت، ويُعاد توظيفها من أجل التّفكير والتَّحدَّث عن المُستعار له، كما هو الحال في جولييت، وفي الأعمال النثرية. وبهذا المعنى، يتمُ الحديثُ عن المُستعار له، ويُفكر فيه من خلال المُستعار منه. ومن اليسير أنْ نشعرَ أنَّه في استعارة روميو، يتحوَّل طرفان مألوفان من الحديث عن الشَّمس إلى الحديث عن جولييت دون أنْ تتوقف عن الحديث عن الشَّمس. وإذا تقرَّر هذا، فإنَّ الازدواجية في المعنى الَّتي تُظهرُها اللُّغة الاستعارية أمرٌ يجبُ على الفلاسفةِ السَّعيَ لفهمِه.

    عادةً ما تُشبِّهُ الجُملة الاستعاريةُ أشياءً أو أنواعًا عدة بأشياء أو أنواع أخرى كثيرة بعبارة لفظية واحدة. ولمَّا يُشبِّه بنيامين في حكمته المُوجزة الأعمال الأدبية بأقنعة الموت، فإنَّه يشبِّه التَّصورات أو المفاهيم بالبشر الأحياء، ويشبِّه التَّغيُّرات الَّتي تمرُ بها التَّصورات أو المفاهيم قبل أنْ تُدمج في عملٍ فنيٍّ مكتملٍ بالحياة؛ ويشبِّه الاستقرار والجُمود الَّذي يُزعم أنَّها تمرُ به بعد هذا الدَّمج بالموت، وهكذا دواليك. وفي سياق حديثه، يُشبّه روميو جولييت بالشَّمس، ويشبِّه غرفتَّها وشُرفَتها بالشَّرق، ويشبِّه نفسَه بالكائن الحي، الَّذي يعتمدُ على الشَّمس في الدِّفء والنُّور والغذاء، ويشبِّه حبيبتَه روزالين بذلك النُّور الخَافت، أي القمر، ويشبَّه مظهرَ جولييت بنور الشَّمس، ويشبِّه إطلالَتها من نافذتها بشروق الشَّمس من المشرق، وهكذا دواليك. لذلك، فلا يشارُ في أيِّ تعبير لفظي واردٍ في الاستعارة إلاَّ إلى بعض العناصر المتعلقة بالمستعار له، أمَّا العناصر المُتعلقة بالمستعار منه، فيجبُ على المُستمع استنباطَها بنفسِه. وعليه، فكلَّ استعارةٍ تتركُ فيها شيئاً مُضمراً ومُستتراً. ورغم ذلك، فإنَّ بعض الاستعارات تكونُ صريحةً، بمعنى أنَّها تشبِّه شيئًا أو أكثر من الأشياء أو الأنواع المُسمَّاة بأشياء أو أنواع أخرى مسمَّاة عن طريق التَّعبيرات الموجودة باطراد في العبارات الحرفية الصَّريحة من أجل التَّطابق، أو الانتماء، أو التَّضمن نحو قول شخصية القبطان آهاب بطل رواية “موبي ديك” للروائي هيرمان ميلڤيل: «إنَّني فَرَاشَةٌ وأنتَ لَهَبٌ./ إنَّني، أهاب، قاطرةٌ مُسرعةٌ.». بيد أنَّ الاستعارات الأخرى تكون مُضمرة، لأنَّها تتحاشى مثل هذه التَّشبيهات البسيطة، ولهذا، فإنَّ لغة المُستعار له، ولغة المستعار منه يندمجان على نحو عفوي تقريبًا، ولكن بطريقة تجعلُ المستمع قادراً على معرفة أيّهما مستعار له، وأيُّهما مستعار منه، ومعرفة أيّهما الَّذي يتمُ تشبيهُه بالآخر نحو قول أهاب: «سأرفرفُ مُجبراً، وأقتربُ شيئا فشيئاً حتَّى تَحرقَني، وحتَّى ألقى حتفي في النِّهاية. إنَّ دربي وهدفي القار مُمهَّدٌ بقضبان حديدية، وتسري فيه روحي. إنَّني أندفعُ بثباتٍ لا يلينُ، فوقَ الوديان السَّحيقة، وعبرَ مفازات الجبال، وتحت مجاري السَّيول. فلا شيءَ يقفُ في طريقي، ولا شيء يعترضُ سبيلي !.». [17]

    فضمن حدود الاستعارة، نميِّز بيسرٍ بين الألفاظ والعبارات الَّتي تُفهمُ استعاريًا، وتلك الَّتي تُفهم على وجه الحقيقة. إنَّ فهمَ التَّعبير من بابِ الاستعارة هو أحد طرق فهمِه مجازيًا، وفهمُ التَّعبير من باب المجاز هو إعادة تأويله، أي تأويلِه بطريقة، وإنْ كانت تختلفُ عن تأويل حقيقيٍّ سابقٍ متعلق به، فإنَّها تظل متأثرة به. وتتجلى أنواع أخرى من إعادة التَّأويل المجازي في العديد من الأساليب البلاغية المعروفة الأخرى كما هو الحال في: الكناية، كقولنا: “إن بوليصة التأمين هذه تغطيكَ من المهد إلى اللّحد“؛ وفي التَّهكم كقولنا: “أنتَ صديقٌ رائعٌ“؛ وفي المبالغة كقولنا: “إنَّه لصوتٌ عالٍ يصلُ حد إيقاظ الموتى“، وهكذا دواليك. إنَّ الجزءَ الَّذي يخضعُ لإعادة التَّأويل المجازي في الاستعارة هُو مِحْوَرُها،[18] أمَّا الباقي المأخوذ على وجه الحَقيقة، فهو إطارُها.[19] وقد يكونُ محورُ الاستعارة لفظاً واحدٌا من أيّ جزء من أجزاء الكلام تقريبًا، أو يكون عبارة مركبة مثل[20] “ال-شمس” أو “قناع الموت”، أو قد يتكونُ من أجزاء مُتفرقة من جملة طويلة، ويُؤخذ ما تبقى منها حرفيًا فقط نحو قول كول بورتر:

     «يا حبيبتي، إذا كنتُ القاعَ، فأنتِ القِمَّةُ.».[21]

    أو نحو قول أهاب السَّابق:

    «إنَّ دربي وهدفي القارَ مُمهَّدٌ بقضبانٍ حديديةِ، وتسري فيه روحي.».[22]

    أو ربما يكونُ عبارةً طويلةً، غنية البنية النَّحوية الدَّاخلية نحو قول الشاعر وليام بتلر ييتس:

    «إنّ الرَّجلَ المُسنَ ليس إلاّ شيئًا تافهاً،/ إنَّه مِعطفٌ مُهترئٌ معلقٌ على عصا…».[23]

    وعليه، فلكي يوضِّح الفلاسفة الاستعارة يحتاجون أمرين: الأمر الأول يتجلى في طبيعة الفرق بين أخذ اللُّغة على وجه الحقيقة، وأخذِها من باب الاستعارة، ثم طبيعة إعادة تأويل اللُّغة لمَّا نأخذُها على سبيل الاستعارة؛ والأمر الثاني يتجلى في طبيعة تقسيم التَّعبير إلى محور استعاري وإطار حرفي. ويُقرّ المنظرون في الأدب باستمرار بوجود الاستعارات المُطْنَبَة، وهي تشبيهاتٌ استعاريةٌ تطالُ جملَ متتالية عدة. وهناك أيضًا الاستعاراتُ المُوجَزة، وهي استعارات تقتصرُ على جملة، أو عبارة، أو لفظ واحد. وتتجلى هذه الاستعاراتُ على نحو أكثر وضوحا لمَّا تُمزَجُ استعارات مختلفة لتُحدث تأثيرًا قويًا ومُحكمًا، بعيدًا كلَّ البُعد عن البديع وزخرف القول، نحو قول الفيلسوف لودڤيغ ڤيتغنشتاين: «إنَّ الفلسفةَ معركةٌ ضدَ سِحْرِ عقولنا، سلاحُها لغتُنا.».[24]

    ولهذا، فلا ترد كلُّ الجمل الاستعارية على صورةَ جُمل خَبرية[25] بأيِّ حالٍ من الأحوال، لأنَّه توجد جملٌ إنشائية[26] على صورة استفهامات استعارية، وأوامر استعارية، وتمنيات استعارية، وهلم جرا. وعلى الرَّغم من هذه التَّعقيدات، فإنَّ نظريةَ الاستعارة الحديثة تميلُ إلى التَّعامل مع الجُملة الاستعارية الخَبرية المُستقلة باعتبارها الوحدة الأساسية للفعل الاستعاري.

    2. التصورات القديمة للاستعارة

    إنَّ ما سبقَ الحديثُ عنه يُعتبر تطوراً حديثاً بامتياز في الاستعارة. أمَّا الفلاسفةُ والبلاغيون القدماء فقد نظروا إليها على أنَّها تغيُّرٌ مَرحلي وبديهي في استعمالنا للفظٍ مفرد أو عام، وعادةً ما يكونُ اسمًا أو جملةً اسمية. فلمَّا نلجأُ إلى الاستعارة، يُصبحُ اللَّفظ الَّذي يَرمزُ في العادةً إلى شيء أو نوع معين، رمزًا لشيء أو نوع آخر له به علاقة مُلاءمة، ويحدثُ هذا التَّغيُّر في دلالةِ اللَّفظ على السَّجية، وبدون سابق إنذار أو تفسيرِ مُسبق. والنَّتيجةُ المترتبة عن هذا التَّغيُّر هي نقلُ اللَّفظ المقصودِ من وضعِه المُعتاد والحقيقي في تصنيفِنا اللَّفظي إلى وضع آخر غيرِ مُعتادٍ، أي استعاري، لأغراض بيانية عابرة وخاصة. إنّ أرسطو، الَّذي كتبَ عن الاستعارةِ في منتصف القرن الرَّابع قبل الميلاد، يعتبرُ إعادة توظيف اللَّفظ تكونُ مجازًا بغض النَّظر عن طبيعة العلاقة بين إشارتِه المُعتادة، وإشارتِه العابرة الخَاصة.[27] وقد أصبحتِ الاستعارةُ مع كوينتيليان ومع شيشرون إحدى الأساليب البلاغية المُتميِّزة والمُعتبَرة، ولا يُعدّ نقلُ الألفاظ الَّذي يُفسّر نفسه بنفسه استعاريًا إلاَّ إذا كانَ قائمًا على تمثيل، أو قائماً على تشابه مفترض أو حقيقي بين الإشارة المُعتادة، والإشارة العابرة الخاصة. ولا يُعدّ هذا التَّغيُّر مُهمًا بالقدر الَّذي قد يتوقَّعه المرءُ، فعلى الرّغم من أنَّ أرسطو قد أقرّ بأربعةِ أنواعٍ مُختلفةٍ من الاستعارة، إلاَّ أنَّه اعتبرَ النَّوعَ القائم على التَّمثيل [أي التَّناسب] هو النَّوع الأكثر إثارة للاهتمام، وقد كرّس له الجزء الأكبر من نقاشِه.[28]

    إنَّنا نكونُ في حاجة، أحيانا، إلى الاستعارة لعدَم وجودِ لفظٍ مُحدَّد للموضوع الَّذي نرغبُ في الحديث عنْه، ولعدم الحاجة إلى إبداع لفظٍ جديد يُشير إليه على وجه القَطع.[29] وفي أغلبِ الأحيان، وبشكلٍ أكثر إثارة للاهتمام، نكونُ في حاجة إلى الاستعارة لِما تُضفيه من مُتعةٍ لمستمعينا في محاولة فهمها، وللمكانة الَّتي تُتيحها لنا في مخاطبة مُستمعينا، وللبيان شبه الحسي الَّذي تُضفيه على فهم المُستمعين لمَّا نتلفظ بها.[30]

    يصوّر أرسطو فهمَ إحدى أنواع الاستعارة وكأنَّه تمرين مُحفز لحلِ مُعادلة تمثيلية [تناسبية]. لنفترض أنَّ أمبادوقليس يستعملُ لفظ “الشَّيخوخة” في سياق يبدو فيه وكأنَّه مسارُ يومٍ واحدٍ. فالشَّيخوخة مفهومُ لا يرتبط في حد ذاته ارتباطًا مباشرًا بفهم مسار يوم واحد، لذلك نفترضُ أنَّ لفظ “الشَّيخوخة” في هذه المناسبة الخاصة يرمزُ إلى شيءٍ له تأثيرٌ مباشرٌ على فهم مسار يومٍ واحدٍ، كما هو الحال في فهمِ موضوع آخر يتبادرُ إلى الذِّهن عند ذكر الشَّيخوخة، ألا وهو مسار حياة الإنسان. فكما أنَّ الشيخوخةَ تمثلُ المرحلة الأخيرة من مسارِ حياة الإنسان، فإنَّ ما يُمثِّلُ المرحلة الأخيرة من مسار يومٍ واحدٍ هو العَشية. ولهذا، فالشَّيخوخة بالنِّسبة إلى الحياة كالعشية بالنِّسبة إلى اليوم. نستنتجُ من ذلك أنَّ لفظ “الشَّيخوخة” في هذه المُناسبة الخاصة يُستعملُ للإشارة إلى العشية، ونؤولُ الجملة الَّتي ورد فيها وفقًا لذلك.[31]

    وفي سعينا لفهم هذا النَّوع من الاستعارة، نبدأ باستكشاف تمثيل معقَّد ومُثمر محتملٍ بين كيفية تلاشي القُدرات البدنية والعقلية للإنسان خلال مسار حياته، وكيفية تلاشي قوة الشَّمس خلال مسار يومٍ واحدٍ، وبين اطراد حياة الأفراد مع اختلافاتٍ ضمن سلالة بشرية مُمتدة، واطراد الأيام على مدار السَّنة، وهكذا. فإنَّ محاولة استعادة معنى استعاري بسيط (العشية) للفظ “الشيخوخة” تستدعي منا جهدًا فكريًا مفيدًا وممتعًا ومعقدًا. فقدْ تَحملُ الجملةُ الَّتي نفهمُها بذلك معنىً بسيطًا وليس فيه تجاوُّز، ويمكنُ التَّعبير عنه بسهولة دون اللُّجوء إلى الاستعارة، لكنّ الجهدَ المبذولَ لاستعادة هذا المعنى يحملُ قيمة معرفية تتجاوزُ قيمةَ المعنى نفسِه. يحدثُ شيء ما للألفاظ الَّتي نعتمدُ عليها في استحضار أفكارنا حول الأيام وكيفية سيرها، فتُعرض العَشية أمام أعيننا في صورة مُوحية ومُرشدة، على صورة إنسانٍ مُسن.

    ولتوسيع الاطلاع على مناقشة هذه المسألة بالذات، انظر: كتاب پول ريكور،[32] ومقالة جيوفري إرنست ريتشارد لويد “استعارات الاستعارات” الصَّادرة سنة 1996،[33] ومقالة ريتشارد موران “الحيلة والإقناع: دورُ الاستعارة في الخطابة” الصَّادرة سنة 1996،[34] وكتاب ستيفن هاليويل ” جماليات المحاكاة: النّصوص القديمة والمُشكلات الحديثة” الصَّادر سنة 2003.[35] أمَّا فيما يتعلقُ بالخطابة والشّعر القديمين على نحو عام، فيمكنك النَّظر في مدخل مقالة “بلاغة أرسطو”، ومدخل مقالة “بلاغة وشعر أفلاطون” المنشورين في هذه الموسوعة.[36] ومع تطوُّر الشِّعر الحديثِ من خلال البلاغة القديمة، أصبح ينظرُ إلى الاستعارات على أنَّها تعني، أو تنقلُ، أو على الأقل، تُوحي بشيء معقَّد بطبيعته، ومفتوحِ النَّهاية، ومقاومٍ للصياغة الحَرفية المُوجزة.

    3. إعادة الصياغة الحرفية للاستعارة

    في بعض الأحيان، يتطلبُ الجُهدَ المبذولَ لعرضِ عملٍ أدبي أوفني أصليٍّ ومُعطى من خلال وساطة لغوية محدَّدة، على وجه التقريب وعلى وجه التفصيل من جوانب مُختلفة؛ فلمَّا يكونُ أيُّ عرضٍ له بوساطة محدَّدة، ويكونُ سديداً من جهة، وغير سديد من جهة أخرى، فإنَّه يُسمَّى التَّقريب؛ ولمَّا يكونُ عرضُه أكثر تعقيد أو إطالة من العرض السَّابق، فإنَّه يُسمَّى التَّفصيل. وغالبًا ما نُطلقُ على عرضنا، في هذه الحال، اسم إعادة صياغة العملِ الأصلي. ويكونُ، أحيانا، كلٌّ من العمل الأصلي، وإعادة الصَّياغة لفظيان، ويكونُ الغرضُ من إعادة الصِّياغة تفسير النَّص الأصليِّ، أو بيانه، كما هو الحال في إعادة صياغة أو بيان محامٍ لنصٍ قانونيٍّ غامضٍ، أو إعادة صياغة أو بيان واعظٍ لنصٍ دينيٍّ غامضٍ. وأحيانًا لا يكونُ العمل الأصلي ولا إعادة الصّياغة لفظيين، ويكونُ الغرض هو تكييفُ العمل الفني الأصلي بطريقة أو بأخرى كما هو الحال في إعادة صياغة جيوڤاني الباليستريني[37] لمقطع موسيقي متعدِّد الأصوات لترنيمة دينية من العصور الوسطى، أو إعادة صياغة نحث ورقة الأقنثوس[38] على تاج كورنثي.[39]

    إنّ محاولةَ ترجمة عملٍ أدبي من لسانٍ إلى لسانٍ آخر، أيْ تقديم العمل الأدبي الأصلي بلسانٍ غيره، تنطوي على مَزجٍ معقَّد من التَّوضيح والتَّكيِّيف. ويلجأ المُترجمون، على وجه الخصوص، إلى التَّقريب والتَّفصيل، أي يلجؤون إلى إعادة الصِّياغة، لمَّا يعرضُون للاستعارات وغيرها من الأساليب البلاغية. ورغم ذلك، يُقالُ على الغالب: إنّ الشِّعر يفقدُ معناهُ في التَّرجمة، لدرجة أنّ كوليردج اقترحَ في “السِّيرة الذَّاتية” أنَّ القول بأنَّ: “التَّرجمة بألفاظٍ من اللِّسان نفسه غير ممكنة دونَ المساسِ بالمعنى” تعتبر “المعيار الأمثل للأسلوب النَّقي”.[40] ولهذا، فإذا كانتِ الاستعارة صورةً من صوَّر الشِّعر، فإنَّه قد يبدو منطقيًا أنّ إعادة صياغتها بألفاظٍ من اللِّسان نفسه أمرٌ مستحيل أو غير ضروري. وقد دافعَ عن هذا الطَّرح النَّاقد الأمريكي كلينث بروكس في مقالة شهيرة له تحت عنوان “هرطقة إعادة الصِّياغة” الصَّادرة سنة 1947.[41]

    وعلى الرّغم من ذلك، فإنَّ ثمةَ طريقة مألوفة لتسجيلِ كيفيةِ استيعاب المرءِ، أو فهمه لاستعارة معينة، تُسمى بطبيعة الحال إعادة الصِّياغة، بحيث أنَّ الاستغناء عنها تمامًا سيُحكم على صائغي الاستعارة البُلغاء بالصَّمت غير المُجدي. ومن الصَّعوبة بمكان ألاَّ نتعاطفَ مع ستانلي كاڤيل لمَّا كتب في مقالة “المشكلات الجمالية للفلسفة الحديثة” الصَّادرة سنة 1969 قوله: «لنفترض الآن أنَّني سُئلتُ عن معنى قولِ روميو: “جولييت هي الشَّمس” … فإنَّني قد أقولُ شيئًا من هذا القبيل: إنَّ روميو يقصدُ أنَّ جولييت دفءُ عالَمِه؛ وأنَّ يومَه يبدأ معها؛ وأنَّه لا ينمو إلاَّ في حِضنها. وتوحي عبارتُه بأنَّ القمر، الَّذي يتخذُه العُشاق الآخرون رمزًا لحُبهم، ليس إلاَّ انعكاسًا لضَوئِها، وباهتًا بالمقارنة مع سطُوعِها؛ وهكذا. فمجملُ القول، فأنا أعيدُ صياغة كلامِه. ثم إنَّه إذا لمْ يكنْ بمقدوري تقديمُ تفسيرٍ على هذا المنوال، فهذا سببٌ وجيهٌ، بل وسببٌ كافٍ، للافتراض بأنَّني لا أعرفُ معناها. وعليه، فالاستعاراتُ قابلة لإعادة الصِّياغة.».[42] ثم يضيفُ قوله: «إنَّ عبارة “وعليه” الَّتي ختمت مثالي المتعلق بإعادة الصِّياغة لها دلالة بالغة. فهي تُجسّد ما سمّاه ويليام إمبسون “فترة خُصوبة” الاستعارات، أيْ ازدهارٌ المعنى فيها… إنَّ الإفراطَ في قراءةِ الاستعارات، الَّذي كثيراً ما يُنتقدُ، وهو بلا شك مُحِقّ، خطرُ لا بدّ من تحمّله لِمَا له من أهمية بالغة.».[43]

    ولهذا، يمكنُ أنْ نتفقَ على أنَّ الشُّروح الَّتي يفكرُ فيها ستانلي كاڤيل حَاصلة، ولها دورٌ مشروعٌ تلعبُه في فهم ومعرفة قيمة الاستعارة، وقد نتفقُ على تسميَّتها إعادة صياغة شَّارحة، مع الإقرار بالاتفاق على الاختلاف حول كيفية ارتباطِها باللُّغة الَّتي تدعي بيانَها.

    إنَّ إمكانية إعادة صياغة الشَّعر على نحو عام، والاستعارة على نحو خاص، تعتبرُ موضوعَ نقاشٍ بالغ الأهمية في علم الجمال، ولمزيدٍ من التَّوسع في الموضوع يمكنُ الرجوع إلى: مقالة جيرولد ليڤينسون الّتي عنوانها:”من يخافُ من إعادة الصِّياغة”، الصَّادرة سنة 2001،[44] ومقالة إليزابيث كيمپ الَّتي عنوانها: “الاستعارةُ وذلك الشَّيء الَّذي ‘لا أعرفُه’”، الصَّادرة سنة 2006،[45] ومقالة ديڤيد هيلز الَّتي عنوانها: “مشكلاتُ إعادة الصٍّياغة: حلم بوتوم” الصَّادرة سنة 2008،[46] ومقالة إرني ليپور الَّتي عنوانها: “بدعة إعادة الصِّياغة: لمَّا تكون الوسيلة هي الرِّسالة نفسها” الصَّادرة سنة 2009،[47] ومقالة پيتر لامارك الَّتي عنوانها: “الدِّقة الدَّلالية والقيمة الشِّعرية” الصَّادرة سنة 2015،[48] ومقالة كلّ من غريغوري كوري وجاكوپو فراسكارولي الَّتي عنوانها: “الشِّعر وإمكانية إعادة الصِّياغة” الصَّادرة سنة 2021.[49]

    4. التصورات الأربعة للاستعارة

    لقد شهدَ منتصفُ القرن العشرين تجديداً ملحوظاً في الاهتمام بنظرية الاستعارة، وتميَّز هذا التَّجديدُ بتداخل وثيق ومستمر بين تخصُّصات مُختلفةٍ. فقد انخرطَ الشُّعراء، والرِّوائيون، واللُّغويون، ونقادُ الأدب، والفلاسفة التَّحليليون، والفلاسفة القاريون في هذا النّقاش الاستعاري، وتابعوا أعمالَ بعضهم بعض بعنايةٍ فائقةٍ واهتمامٍ بالغٍ. وتنقسمُ الدِّراساتُ الَّتي تناولت الاستعارة في هذه الفترة إلى أربعِ تصوُّرات أساسية، يمكنُ عرضُها كالآتي:

    1.4. تصوُّر التَّغيُّر الدَّلالي

    يرى تصوُّر التَّغير الدَّلالي أنَّ الاستعارةَ ناتجةٌ عن التَّفاعلِ، أو بالأحرى ناتجة عن الفعلِ المُتبادل بين الألفاظ الحَرفية [الإطار] ومعاني اللَّفظ الاستعاري [المحور] لمَّا يتم جمعُهما معًا، ولمَّا يؤثرُ بعضُهما في بعض في السِّياقات الَّتي توفرها عبارات مُحدَّدة تُقالُ في مقاماتٍ محدَّدةٍ. فلمَّا نأخذُ جملةً استعاريةً منطوقةً، فإنَّنا نُضفي عليها معنىً استعاريًا جديدًا ومُميزًا. ويَنتجُ إضفاءُ هذا المعنى الجديد على الجملة ككلّ عن إضفاء معنى جديدٍ على لفظٍ أو أكثر من ألفاظِها أو على عباراتها المكونة لها، وهي الألفاظ أو العبارات الَّتي نأخذها من باب الاستعارة، أي الألفاظ أو العبارات المِحورية. أمَّا المعاني المنسوبة إلى بقية الجُملة، أي الألفاظ أو العبارات الإطارية، فتبقى دون تغيير. ويُفترض هذا هنا، على نحو ضمني، أنَّ أيَّ معانٍ، مهما كانت، فإنَّها تخضعُ لمبدأ التَّأليف، الَّذي ينصُ على أنَّ معنى التَّعبير المؤلف يتجلى في دور معان مكوناته الأساسية، وفي كيفية ترابط هذه المكونات معًا من خلال بناء التَّعبير المُركب.

    لا يقتصرُ دورُ الإطارِ الحرفي على كونِه حشوا وغلافا سلبيًا لا عملَ له في تغيرات التَّأويل الَّذي يلحقُ المحور الاستعاري، وإنَّما يلعبُ دورَ المُحفز لهذه التَّغيرات ويتحكمُ فيها. فلمَّا نحاولُ فهمَ كلّ جُزءٍ من الجملةِ الاستعارية، بأبسط وأوضح طريقة مُمكنة، فإنَّه يتبيَّن وجود شيء شاذ، أو غير متناسق، أو غير منطقي فيها، أي وجود شيء غير ملائم من النَّاحية الدَّلالية أو من النَّاحية التَّداولية، وشيء غير متسق في أسوأ الأحوال، وفيه تجاوز في أفضلها، فيما يتعلق بكيفية فهمنا للجملة ككل. فإذا أردنا فهمَ الجملةِ برُمتها فهمًا سليمًا، ومتسقاً، ومناسبًا للسياق، فلا بد من التَّضحية بشيء ما. وما يتأثرُ في الحقيقة هو فهمُنا الحرفي المباشر للتعبيرات المِحورية. إذ تخضعُ معاني هذه التَّعبيرات لتغيُّر استعاري، وتغيُّر ناتج عن المعاني الحَرفية الصَّارمة للتعبيرات الَّتي تشكِّلُ إطار الاستعارةِ.

    ولهذا، فالاستعارة تنبثقُ من نوع من التَّوتر بين المعاني الحرفية، الَّتي تُنسب إلى المحور الاستعاري، من جهة، والمعاني الحَرفية التي تُنسب إلى الإطار الحرفي العام، من جهة ثانية؛ وهو توترٌ يزولُ لمَّا نُغيِّر المعاني المكثفة في المحور الاستعاري بما يكفي لجعل  هذا التوتر يختفي. أمَّا إعادة الصِّياغة، فهي محاولة لإعادة التَّعبير عن المعنى الجَديد للجملة، المُحدَّد استعارياً، بعباراتٍ أكثر حَرفية، أو محددا على الأقل، بعبارات أقل استعارية. وقد قدَّم كلٌّ من آيفور أرمسترونغ ريتشاردز في كتابه “فلسفة الخطابة” الصَّادر سنة 1936،[50] وماكس بلاك في مقالته “الاستعارة” الصَّادرة سنة1954،[51] ومونرو بيردسلي في مقالته “التَّغيُّر الاستعاري” الصَّادرة سنة1962،[52] تصورات مُبكرة ومؤثرة تتعلقُ بالتَّغيرات الدَّلالية.

    لقد قدّم الباحث في الأدب هارولد سكولسكي في مقالته “الاستعارة” الصادرة سنة 1986، وفي كتابه ” إعادة صياغة اللُّغة: شعراء الاستعارة في القرن السَّابع عشر وفعل الاستعارة ” الصَّادر سنة 1992،[53]  تصوُّراً بالغ الوضوح والدِّقة. إذ يرى أنَّ المُتحدث، لمَّا يستعملُ اللُّغة الاستعارية، فإنَّه ينتقلُ من اللِّسان الإنجليزي العامي العادي إلى لهجة مُرتجلة، ولغة استعارية، أغنى من اللُّغة العامية في دلالاتها اللُّغوية، سواءً من حيث صوَّرُ الجُمل، أو من حيث المعاني الَّتي تمنحُها لألفاظ أو عبارات معينة، أو لكليهما. فعلى المستمع أنْ يُتقنَ هذه اللَّهجة فورًا وبشكلٍ عفوي، معتبرًا استعمالَ المُتحدث الصَّحيح للغة دليله الرَّئيس على اختلافِها عن اللُّغة العامية المألوفة. إنَّنا نشهد هنا إبداعا لغويًا مقصودًا، وتحديًا من جانب المُتحدِّث، يليه سعيٌ دؤوب من جانب المُستمع لمواكبة هذا الإبداع، أي “نوعٌ مميَّز من النَّشاط التَّعاوني يقع بين اللُّعبة والطقوس”، وهو ما يتطلبُ، ويستثير، تواصلًا مَعرفيًا خاصًا بين الطَّرفين، يقول سكولسكي في هذا الباب: «إنَّ المَجَازَ لا يردُ إلاَّ لمَّا يكونُ كلام الْمُتحدِّث “مرتبكا” بلا داعٍ، طالما نحاولُ تأويله وفقًا لقواعد اللُّغة العامية الرَّاسخة، الَّتي تحدِّد إمكانات فعل الكلام، وصوّر الجُمل، ومعان الألفاظ أو العبارات، هذا من جهة. ومن جهة أخرى لمَّا يكونُ المُتحدِّثُ والمستمع، كلاهما، يدركان مجموعة مشتركة من المَناهج لتزويد صوّر الجمل بإمكانياتٍ مؤقتة لفعل الكلام غير العامي، الّتي تسمى صيغا، وتزويد الألفاظ والعبارات بمعانٍ مؤقتة غير عامية، الَّتي تسمّى مجازات. وتُتيح هذه الصّيغ والاستعارات سُبلاً لاستعمال اللُّغة بطريقة غير متواضع عليها [أي لغة استعارية غير تلك المتفق حولها].».[54]

    إنَّ العديدَ من الصّيغ والمجازات تنصُ على أنَّ الإبداعَ الَّذي تسمحُ به في مرحلة معينة يتوقفُ على ما هو مفهوم على نحو متبادل من أجل التّواصل المُتداول، وما يُفترضُ ضمنيًا أنّه صحيح أو على الأقل مُطمئِن، عند حدوث الإبداع. فأيُّ افتراض من هذا القبيل يُسمِّيه سكولسكي “الكلام المسلَّم به”. فقد يكونُ كلاماً مسلَّم به، لأنَّه شائع الاستعمال، ويُعتقد أنَّه بديهي، أي واضح بالبديهة، أو لأنَّنا نفترض صحته مؤقتًا في النّقاش، أو ببساطة، لأنَّنا ندعي تصديقِه أبدا في سياقات تحاورية محدَّدة. والنّقاط الأساسية الخاصة بهذا الباب ثلاث وهي كالآتي: النّقطة الأولى، تتجلى في أنَّه لا يلزمُ تصديقُ الكلام المسلَّم به، سواء من قبل النَّاس عامة، أو من قبل المُتحاورين خاصة. النّقطة الثّانية، تتجلى في أنّه ليس الكلامُ المسلَّم به، وليستِ المعتقدات الفعلية أو المفترضة للمتحاورين، هي الَّتي تحدِّد ما يمكنُ، وما لا يمكن تأكيده، أو طلبه، أو السُّؤال عنه بشكل مفهوم في سياق تحاوُر محدَّد. والنّقطة الثّالثة، تتجلى في أنَّه بما أنَّ الكلامَ المسلَّم به مِلكٌ مشترك، ويجبُ أنْ يكونَ كذلك، فإنَّه، كلَّما اتسع نطاقُ المجتمع الَّذي يستعملُ فيه، كلَّما أصبحَ من الصَّعب تغييرُه بالتَّحاور الفردي.[55]

    ولنضرب في ذلك مثلا. يُستعملُ التَّعبيرُ الشَّائعُ نحو قولنا: “ضحكتَ” في اللُّغة العامية للتأكيد على أنَّكَ ضحكتَ الآن، وبالتالي فقد أُخبرت بأنّك ضحكتَ. لكن تأكيد ذلك لك أو إخباركَ به أمرٌ مستحيل، ويختلف، في الوقت الّذي انفجرتَ ضحكًا في جنازة؛ ففي هذه الحال، فمن غير المعقول أنْ يكونَ ضحككَ خبرًا جديدًا بالنّسبة إليك. فهناك أسلوبٌ ما يحملُ على ضحكك هذا، لنسمّه أسلوب التَّوبيخ، ويُتيح لي استعمال هذا التَّعبير بطريقة غير اعتيادية لألومَك على ضحكك، أو أوبخك عليه، لمَّا يكون إخباركُ به أمرًا مستحيلًا.

    أمَّا المجازُ، فعلى النَّقيض من ذلك، فهو أسلوبٌ لاستنباطِ معانِ جديدة للألفاظ أو العبارات لمَّا لا تفي المعاني العامِية بالغَرض. ويمكنُ فهمُ المبالغة، والكناية على أنَّهما مجاز بهذا المعنى، وأنَّهما استعارة كذلك. قال سكولسكي في هذا الباب: «تأملْ ما قاله القَتلةُ لمَّا سألهُم ماكبث إنْ كانوا يُكنّون مشاعر طيبة تجاه ظالِمِهم، لقد قالوا: “نحنُ رجالٌ يا سيدي”[56]… إنَّ الجُملةَ كما نُطقت صحيحة، لكن بلا معنى؛ ففي هذه الحال، على عكس حالة الضحك في جنازة، ما يحتاج إلى إعادة تأويله هنا، ليس المعنى العامي للجملة؛ فالتّأكيد خطوةٌ جيدة بعد السُّؤال. هنا، المُذنب هو لفظ “رجال”، والَّتي لا يمكنُ أخذُها على ظاهرها. ففي السِّياق، يجبُ أنْ يفسحَ المعنى العامي المجال لمعنى آخر مرتبطٍ به بطريقة مألوفة، ربما يتعلقُ الأمر بنوع من التَّلميح غير المباشر. ولمَّا يتعلقُ الأمر بمشاعرنا تجاه الظَّالمين، فإنَّ الحقيقة البديهية أو الافتراض الشَّعبي المتداول حول كونهم رجالًا هو أنَّهم من النَّوع الَّذي يُحصي ويَعُدُ الإساءات ويتحينُ فُرص الانتقام. إنَّ لفظ “الرجال” هنا تعني أشخاص من هذا النوع.».[57]

    وللتعبير عن هذا بنوع من الرّمزية يمكن القول: يُشير كونُ الشَّيء “أ” ضمنيًا إلى كونه “ب“، في سياق تحاوري مُحدَّد، وذلك تحسبًا لأن يُستنتج بسهولة من الكلام المُسلّم به والجاري هناك أنَّ كلّ ما هو “ف” هو أيضًا “ج”. ففي حالة ماكبث، فإنَّ كلّ ما يُمثلُ الإنسان هو أنَّه يُحصي الإساءات، ويكون مُستعدًا للانتقام ممن يُؤذيه، كلّما سنحتُ له الفرصة بذلك. إذن، قد تكونُ صورة الاستعارة على النّحو الآتي: إذا كان كونُ الشَّيء (ف) هو ما يتطلبُه حملُ اللَّفظ (ت) بمعنى عامي بارز في التَّحاور، وإذا كان كون الشَّيء (ج) نتيجةً لكون الشَّيء (ف) بالنَّظر إلى الكلام المسلَّم به السَّائد في سياق التَّحاور الحالي، فإنَّ كون الشَّيء (ج) هو ما يتطلبُه حملُ اللفظ (ت) بالمعنى الاستعاري على نحو مؤقت وغير عامي. ويعتمد اكتساب (ت) لهذا المعنى على أفضل طريقةٍ لتوضيحه مجازيًا في سياق التَّحاور الحالي.

    2.4. تصوُّر التَّغيُّر التَّداوليِّ

    يرى تصوُّر التَّغيُّر التَّداولي أنَّ استعمالَنا للألفاظ والعبارات بمعانيها الحَرفية المُعتمدة، عند اللُّجوء إلى الاستعارة، يعني قولَ شيءٍ ما، أو التَّعبير عنه بألفاظ مُحدَّدة، لكن يُفهمُ من كلامنا أنَّنا نعني شيئًا مُختلفًا تمامًا عمَّا نقوله، أو نؤكِّده، أو نعترفُ به، أو نشير إليه بطريقة أخرى. فجُملتُنا، كما نستعملُها، تعني شيئًا، ويُفهمُ من استعمالِها، أو تُفسَّر على نحو صحيح، على أنَّنا نعني شيئًا مختلفًا تمامًا. إنَّ الاستعارة، حسب هذا التَّصور، نوعٌ من الإيحاء المقصود والصَّريح، الَّذي يلتزم به المتحدثون أنفسهم، ويشهدون ضمنيًا على صدق ما يُوحي به الكلام. أمَّا إعادة الصِّياغة، فهي محاولة للوصول إلى ما يُلمَّح إليه من باب الاستعارة، وذلك بالتَّعبير عنه على نحو تام، أو التَّعبير عن جزءٍ منه، أو التَّعبير عنه على وجه التَّقريب، مباشرة بالألفاظ، وبالتَّالي قول ما تمَ التأكيد عليه ضمنيًا في العبارة الاستعارية الأصلية، على نحو تام، أو غير تام، وبوجه دقيق، أو غير دقيق.

    إنَّ فكرة أنَّ الاستعارة تتعلقُ بما يقصدُه المتحدثون لا بما تعنيِه ألفاظُهم فكرةٌ قديمةٌ وشائعةٌ. وغالبًا ما تقترنُ هذه الفكرة بفكرة أخرى مفادُها أنَّ الاستعارة تنكشفُ من خلال الإخفاء، أيْ أنَّها تكشفُ الأشياء في النَّهاية انطلاقاً من إخفائِها في البداية. فالشَّاعر يقول “ب”، لكنَّه يقصد “أ”. إنَّه يُخفي “أ” في “ب”. إنَّ “ب” هو المعنى اليومي المُعتاد، الَّذي “ينبغي” أنْ تحملَه الألفاظُ على وجه الظَّاهر، و “أ” هو ما يريدُ الشَّاعرُ حقًا أن يقولَه لنا، والَّذي لا يستطيعُ قوله إلاَّ من خلال هذه المعاني اليومية المُعتادة، أو بالتوازي معها أو بتعديلها. لذلك، فإنَّ “أ” هو معناه الجديد، الأصيل، أو الشِّعري.[58]

    لقد كانت أولُ محاولة مُتضافرة لبناء تصوُّرٍ فلسفي للاستعارة حول هذه الأفكار المألوفة هي تصوُّر پاول هيربرت ​​غرايس للتضمين الحواري[59] في المحاضرة الثَّانية من محاضرات ويليام جيمس الَّتي طُبعت سنة 1967، والَّتي ظهرت من بعد مع العديد من الملاحق، والأفكار اللاحقة باسم غرايس في كتابه “المنطق والحوار” الصَّادر سنة 1989.[60] فهذا التَّصور يقدِّم تحديثًا طفيفًا لمنهج غرايس نفسه في بعض النِّقاط. وللاطلاع على مناقشات أوسع لأعمالِ غرايس ككل، يُرجى مُراجعة مقالاته حول التّضمين، وحول التّداول. وقد قدّم كلٌّ من جون سورل في الفصل الَّذي عنوانه “الاستعارة” من كتابه “التَّعبير والمعنى” الصَّادر سنة1979،[61] ومارتينيتش في مقالته “نظرية للاستعارة” الصَّادرة سنة 1984 شروحًا مُفصّلة لنظرية غرايس حول الاستعارة.[62]

    يعد التَّحاور تبادلاً تعاونياً حراً للمعلومات، يهدفُ إلى تحقيقِ هدفٍ واحدٍ أو أكثر متفَق عليه بين الطَّرفين. إذ لا يفترضُ المتحاوران أنَّهما يتشاركان معلومات معينة لها علاقة بالموضوع فحسب، وإنَّما يُفترضان أنَّ كلّ واحدٍ منهما يحتاجُ إلى معلومات إضافية، قد يكونُ الآخر قادراً على تقديمها. ففي التَّحاور، يُمكنُنا، بلْ ونفعل ذلك بانتظام، تحميل المشاركين الآخرين فيه مسؤولية صحة ما يقولونَه وما يصرِّحون به، سواءٌ كانَ قليلا أو كثيرا، وسواء كانَ قليلا في نواح، وكثيرا في نواحٍ أخرى. فبمجرد بدء التَّحاور، يحقُ لكلٍّ مِنَّا تفسير كلامِ الآخرين على أساس افتراضِ تعاونهم، وعقلانيتهم، ​​وفهمهم لسياق التَّحاور، حتَّى لو كانَ هناك سبب وجيهٌ للشَّك في هذا الافتراض أو عدم تصديقِه، كأنْ يُظهروا علامات مُقلقة تدلُ على التَّهور أو الخِداع. وهذا حملٌ لمبدأ أعمّ بكثير على الكلام مقتضاه أنَّه: في أيِّ نوع من التَّعاون الطَّوعي والمُرتجل، فإنَّ المسؤوليات الَّتي يتحمَّلها أيُّ طرف من المتحاورين هي تلك الَّتي يُبدي استعدادَه لتحمُلها طواعيةً، لا أكثر ولا أقل.

    وعلى الرّغم من ذلك، فقد تُحمَلُ ألفاظي على دلالاتٍ لا أقصدُها، فإذا كانَ ما تحملُه ألفاظي مقبولاً على وجه القطع لدرجة أنَّه لا يحتاجُ إلى تصديق مني؛ أو مرفوضاً على وجه القطع، أو غير قابل للمعرفة بالنِّسبة إلي، لدرجة أنَّني لا أستطيعُ الاستفادة من أيّ تصديق قد أسعى إليه، فإنَّه لا يشكلُ جزءاً ممَّا ألتزمُ به للتَّحدث. ومن جهة أخرى، فقد أحمّلُ ألفاظي دلالات، وهي لا تحملُها، أي أستطيع، بل وأشهد، على صحة أمرٍ لا تحمُله ألفاظي ضمنياً، ولمَّا يستطيعُ الذين يستمعوا إليَّ أنْ يربطوا بين تلفظي لتلك الألفاظ، وبين افتراض أنّني متعاون وعقلاني وواضح بشأن مُجريات التَّحاور، وذلك فقط بافتراض أنَّني في وضعٍ يسمحُ لي بالشّهادة على صحة ذلك الأمر (بمعنى أنَّني أؤمن به، ولدي أسبابٌ وجيهة للاعتقاد فيه) ومستعدُ للقيام بذلك فعلاً. هكذا، على وجه التَّقريب، عرّف غرايس ذلك النَّوع الخاص من معنى المُتحدِّث الَّذي أطلق عليه اسم التَّضمين التَّحاوري.

    فإذا كان ما سبق يُعرّفنا بالتَّضمين التَّحاوري، لكنَّه لا يُبيّن لنا كيف يحدُث هذا التَّضمين. لذلك، نحتاجُ إلى أربع أفكار أخرى لبيانه، وهي: الفكرة الأولى، مفادُها أنَّ الجُملُ الخَبرية تُعدُ أدواتٍ جاهزةً للفت الانتباه إلى القضايا الّتي تُعبّر عنها، فالقَضية الَّتي تتبادر إلى الذِّهن فورًا وبشكلٍ موثوقٍ ومقصود هي تلك الَّتي تُعبّر عنها من النَّاحية الدَّلالية. الفكرة الثانية، مفادُها أنَّه بمجرد بدء التَّحاور، يُمكنني أنْ أؤكد صدق أي قضيةٍ مهما كانت، وذلك بلفت الانتباه إليها ببيانٍ كافٍ من القَصد، هذا إذا كنتُ في وضعٍ يسمحُ لي بتأكيد صِدقها، أو إذا لمْ يكن هناك دافعٌ معقولٌ آخر يُتوقع أنْ يتبادر إلى الذِّهن للفت الانتباه إليها. الفكرة الثالثة، تقول بأنَّه لنفترض أنَّني لفتتُ الانتباه إلى شيءٍ ما ببيانٍ كافٍ من القَصد. فإذا بدا هذا الشَّيءُ للذين يستمعوا له على أنَّه موضوعٌ مناسبٌ تمامًا للانتباه في حد ذاته، فسوف يتركز انتباهُهم عليه، ولن يتجاوزوه؛ وسيعتبرون لفتَ انتباههم إليه غايةً في حد ذاته. لكن إذا لم يجدوا في الأمر ما يسترعي انتباههم، فسيعتبرون لفت انتباههم إليه وسيلةً لتحقيق غايةٍ أخرى، ومحاولةً لتوجيه انتباههم نحو شيءٍ آخر، أكثر أهمية منه. الفكرة الرَّابعة، مفادُها أنّ ما يسعى المُتحاور المُتعاون، والعقلاني، والواثق بذاته إلى تأكيد صدقه في حديثه، يطالُ ما تريد إيصاله، أي يطالُ الجزء المُتوقع منه تلبية احتياجات المستمع من المعلومات المفترضة، بالإضافة إلى مبررٍ أساسي لحديثه، ممَّا يُسهم في التَّوفيق بين ألفاظه، وبين افتراضِ أنَّه متعاون، وعقلاني، وواع. فبدون سُمعةٍ طيبةٍ في التَّعاون، وبدون العقلانية، وبدون الوُضوح، فإنَّ المتحدِّث لنْ يتمكنَ من التَّعاون بفعالية مع من يستمعوا له. وبهذا قد تؤدي بعض جوانب ما يسعى إلى تأكيده وظيفتين بالطبع: فيلبي احتياجات المستمع من المعلومات من جهة، ويُساعدُ في الحفاظ على سُمعته ومصداقيته أو تعزيزها من جهة ثانية.

    لذلك، فإذا كانَ المتحدثُ متعاوناً، وعقلانياً، وواضح الرُّؤية، فإنَّه يبذلُ قصارى جُهده لإضفاء سمات معينة على حديثه ، سواءً كان المضمونُ الَّذي يدافعُ عنه، أو الجزء الَّذي يريد إيصاله منه، أو الأسلوب اللَّفظي الَّذي يستعملُه لتحقيق هذه الأهداف، بحيث تكونُ هذه السِّمات مرغوبة بوضوح من وجهة نظر المُستمع. كما أنَّه يبذل قصارى جُهده للالتزام ببعض قواعد التَّحاور المألوفة، الَّتي يمكنُ عرضها  في أربعة مبادئ كالآتي: المبدأ الأول، هو مبدأ الكيف، ويقتضي أنْ تكونَ صادقاً، ولا تدافعُ إلاَّ عمَّا تعتقدُ أنّه صادق، وتٌدعمه بأدلة كافية. المبدأ الثاني هو مبدأ الكم، ومقتضاه أنْ تجعلَ ما تريدُ إيصالَه خبريًا، وموجزا، غير مُفرِط ولا مُقْتِّر في المعلومات، وأنْ تجعلَه مناسبًا لمقامه، وفي صورته لكي يستوعبَه المستمع بسلاسة. المبدأ الثالث هو مبدأ التَّعلق أو الصلة بالموضوع، ويقتضي أنْ تجعلَ ما تريدُ إيصالَه متعلقاً بحاجيات المستمع من المعلومات المُفترضة. المبدأ الرَّابع هو مبدأ الأسلوب، ومقتضاه أنْ تضبطَ العلاقة الدَّلالية بين ما تريدُ إيصاله، والألفاظ الَّتي تستعملها لإيصاله، بحيث يكونُ كلامُك واضحاً لا لَبْسَ فيه، ويكونُ مؤثراً، ومنطقياً.[63]  تتعلق هذه المبادئ بخصائص نسبية، لذلك فإنَّ أفضل طريقة لقراءتها بقيت محلَ جدل. وفقًا للتفسير المُعتمد هنا، سألتزم بالعلاقة الّتي تقول: يكونُ التحاور إذا وفقط إذا كان ما أريدُ إيصالَه، أي الشَّيء (أ)  له علاقة  كافية بالشَّيء (ب)، ويكون الشَّيء (ب) له علاقة قدر الإمكان بالشَّيء (أ)، دون التّضحية بأيِّ شيء له صلة بالموضوع. وينطبقُ الأمرُ نفسُه على المبادئ الأخرى. ووفقًا لهذا التَّأويل، فمبادئ غرايس لا تدعونا إلى تهويل أيِّ شيء والمبالغة في عرضه.

    يدركُ المستمعون أنَّ المُتحاوريْن اللَّذان يتحليا بالتَّعاون، والعقلانية، والوضوح يبذلان قصارى جُهدهما للالتزام بالمبادئ المذكورة. لذلك، يمكنُ أنْ يخلقا فرقًا بين ما يُعبران عنه، وما يُفترض أنَّهما يؤكدانه من خلال كلامِهما، وذلك لوضع سُمعتهما في التّعاون والعقلانية والوضوح في نوع من الخَطر المُتحكم فيه على المدى القصير، والَّذي يمكنُ لمستمعيهما إنقاذهما منهُ بيسر. لنفترض أنَّ المتحدِّثَ يعبِّرُ عن قضية بألفاظ محدَّدة. ولنفترض أنَّ الظُّروف تستدعي أنَّه، إذا فهمنا المُتحدّث المذكور على أنَّه يؤكد صدق تلك القضية وحدَها، بدون إفراط ولا تفريط، عند نطقِه بها، فإنَّنا بذلك نصوِّرها على أنَّها تنتهك قاعدة من القواعد المذكورة على نحو يمكن تجنبُه، أو على الأقل، نثير الشُّكوك حول انتهاكه لها على نحو يمكن تجنُبه، ممَّا يعني أنَّه إمَّا أنَّ مساهمَته لا تستجيبُ لحاجيات مستمعيه من المعلومات، أو أنَّه يتجاهلُ بدون مبرر الحِفاظ على سمعته كمتحدِّث متعاون، وعقلاني، وواضح. وفي كلتا الحالتين، فإنَّنا لنْ تتصرفَ كما ينبغي للمتحدّث المتعاون، والعقلاني، والواضح. ولتبرئة المتحدِّث من هذه التُّهمة، ولربط تفسيرنا بألفاظه ومع الافتراض السَّائد بأنَّها تتصرف كما ينبغي للمتحدث المتعاون، والعقلاني، والواضح، فإنَّنا نحتاج إلى إيجاد شيءٍ آخر قد يكونُ بصدد تأكيده. وفي هذه الحال توجد أربعة سيناريوهات أساسية مُحتملة، يُمكنُ عرضها كالآتي:

    • السِّناريو الأول: أحيانًا، يكونُ الهدفُ إيصالِ قضيةٍ محدَّدة وحدها هو ما يسعى إليه المُتحدِّث، على الرّغم من أنَّ إيصالَها باستعمال الألفاظ فقط، يُؤدي بشكلٍ واضح إلى انتهاك قاعدةً معينة. وفي هذه الحال، قد يريدُ المتحدِّث أن يُلفتَ الانتباه عمدًا إلى تفسيرٍ معقولٍ، وبالتالي يُحاولُ إثباتَ صِدقه، لسبب وجودِه في موقفٍ لا مفر فيه من هذا الانتهاك للقاعدة، أي مواجَهتِه لتضارب بين القواعد، نحو قول السَّائل: أينَ يقطنُ زيد؟  فيردُ عليه المُجيبُ: إنَّه يقطنُ في مكانٍ ما في جنوب فرنسا. فالمُجيبُ يشيرُ ضمنيًا هنا إلى أنَّ إجابَته غيرُ مُفيدة، وغيرُ وصادقة في آن واحد؛ وعليه، فردُّه يدل على أنَّه لا يعرفُ في أيِّ مدينة يعيشُ زيد.[64]
    • السِّيناريو الثاني: أحيانًا، قد يُخرِقُ إيصالُ قضية محدّدة باستعمال الألفاظ على نحو واضحٍ أحد المبادئ إذا كانَ بإمكان المتحدّث أن يُؤكد صدق أيٍّ من القضايا الأخرى الأكثر وضوحًا من خلال التَّعبير عن إحداها عبر تتالي الألفاظ المُتاحة. وفي هذه الحال، قد يريدُ المُتحدّث أن يُلفتَ الانتباه عمدًا، وبالتالي، يحاولُ إثبات صدق تفسيرٍ معقولٍ لسبب عدم قدرتِه على فعل ذلك، أي لم يُؤد احترامه للمبادئ في الواقع إلى استبعاد كلٍّ من هذه المساهمات، الَّتي تبدو أكثر جاذبية، نحو قولنا: أنجحَ بعضُ الطُّلاب. فالسَّائلُ يشير ضمنيًا هنا إلى أنَّه ليسَ في وضع يسمحُ له بتقديم العبارة الأكثر إفادة وإيجاز بنفس القدر لمَّا يقول: “نجح كلُّ الطلاب“، وبالتالي فهو يعني ضمنيًا، على حد علمه، أنَّ بعض الطُّلاب رسَبوا.
    • السِّيناريو الثالث: أحيانًا، قد ينتهكُ التَّعبير عن قضية ما بواسطة الألفاظ على نحو واضح بعض القواعد إذا كان ما يسعى إلى إيصاله، ولكنَّ الاستنتاج الطَّبيعي هو أنَّ ما يسعى إلى إيصاله هو القضية وأكثر، فالتَّعبيرُ عن القضية بواسطة الألفاظ يُذكّرنا بسهولة بقصةٍ فريدة أشمل للسؤال عن العالم الَّذي تُشكّل القضية جزءًا أساسيًا منه، بحيث قد يكونُ المتحدّث قادرًا على تأكيد صدق السُّؤال، وأنَّ القيام بذلك بواسطة الألفاظ، إنْ أمكن، قد يتوافقُ مع كلّ القواعد. وفي هذه الحال، قد يريدُ المتحدّثُ أنْ يُلفت الانتباه عمدًا إلى السُّؤال برُمته، وبالتالي يُحاولُ تأكيد صدقِه، نحو قول السَّائل: لقد نفدَ مني البنزين. فيردُ المجيبُ: يُوجدُ مرآب قريب. فالمجيبُ يشير هنا ضمنيا إلى أنَّ المرأب المقصود قد يكونُ مفتوحًا، وقد يكونُ لديه بنزين للبيع، وبالتالي قد يكونُ وسيلة فعالة لتلبية حاجة السَّائل المعلنة، لأنَّه فقط في ظلِّ هذه الخلفية يمكنُ توقع أنْ تكون حقيقة أنَّ المرأب يقع في الزَّاوية متعلقة بحاجة السَّائل.
    • السِّيناريو الرَّابع: أخيرًا وليس آخرًا، قد يُخالفُ التَّعبير عن القضية بواسطة الألفاظ أحيانًا قاعدةً معينةً بشكلٍ واضح إذا كانتِ القضيةُ تشكّل جزءًا أساسيًا ممَّا يسعى المتحدّث إلى إيصاله، والاستنتاج الطَّبيعي هو أنَّ ما يسعى المتحدّثُ إلى إيصاله شيءٌ مختلفٌ تمامًا، أي التَّعبير عن القضية بواسطة الألفاظ يُذكّر بسهولةٍ بخطاب بديلٍ وفريد للسؤال حول العالم الَّذي لا تُشكّل القضية جزءًا منه على الإطلاق، بحيث قد يكونُ المتحدِّث قادرا على تأكيد صدق السُّؤال، وبحيث أنَّ القيام بذلك بواسطة الألفاظ، إنْ أمكن، قد يتوافق بشكلٍ معقولٍ مع كلّ القواعد. هذه هي القوة المتبقية لفكرة أنَّ التعبيرات اللَّفظية عن القضية هي أدواتٌ لتأكيد القضية، بحيث سيُنظر إلى المتحدِّث على أنه يُؤكد صدق القضية أيضًا ما لم يكنِ القيام بذلك مستحيلاً بشكلٍ واضحٍ في الظُّروف الرَّاهنة، كما هو الحال غالبًا. فما لا يُؤكدُه المتحدث هو قيمة القضية أو أهميتها في ضوء احتياجات المُستمع المعلوماتية المفترضة. ولمَّا يتبادر إلى ذهن المتحدِّث سؤالٌ كهذا، فقد يكونُ قصدُه لفت الانتباه إليه، وبالتالي محاولة تأكيد صدقه. وفي هذه الحال، يتمكنُ المتحدّث من تطبيق قاعدة تحاورية، (بمعنى شيء آخر غير ما يقصده فعلاً) تحديداً من خلال التَّحدّث على نحو يخالفُ القاعدة بشكل صارخ، لو كان يقصدُ ما يقوله.

    يتحدَّث غرايس في مثل هذه الحالات عن استغلال القاعدة المعنية. ولكي تستغلَ القاعدة يعني تطبيقها “على مستوى” ما يقصدُه المرءُ من خلال انتهاكها بشكل واضح ويمكن تجنُبه، أي مخالفتها، “على مستوى” ما يعبّر عنه. وهناك طريقتان رئيسيتان لتنفيذ هذا السِّيناريو:

    ففي الطريقة الأولى، يمكنُ التَّعبيرُ عن سؤال على نحو مفهوم ومُوجَز، لكنَّ المتحدث يتردَّد، لأسبابٍ مفهومة، في تأكيده على وجه صريح. ومثالُ رسالة التوصية الشَّهير هو من هذا النوع: لما يقول زيد: سيدي العزيز، إنَّ إتقان عمرو للغة الإنجليزية مُمتاز، وحضوره للدروس منتظم. «فلا يمكن أنْ يكون زيد عاجزًا، عن قصد، عن قول المزيد، لأنَّ عمرو الَّذي يتحدَّث عنه تلميذُه؛ هذا بالإضافة إلى أنَّه يعرفُ أمورا أكثر ممَّا هو مطلوب، ويعرف معلومات من نوع مختلف، أي أنَّ زيدا سيكون مخالفًا لمبدأ الكم إذا كان ما قاله جزءًا ممَّا قصده. لذلك، لا بد أنَّه يرغبُ في نقل معلومات يتردَّد في تدوينها. هذا الافتراض لا يصحُ إلاَّ إذا كان يعتقدُ أنَّ عمرو ليس بارعًا في الفلسفة. وهوما يلمح إليه إذن.»[65]

    أمَّا في الطريقة الثانية، فإنّ السُّؤال الَّذي يكونُ واسع النِّطاق، أو يصعبُ التَّعبير عنه بإيجاز لأسباب أخرى، بحيث تفوقُ فوائد التَّعبير الموجز والبسيط، سواءً عند المتحدّث أو المستمع، والتّكاليف الاستنتاجية الّتي يتحمّلها المستمع في استخراج خطاب مسهبٍ من عبارة قصيرة. وهذا ما يحدُث غالبًا في التّلميحات، على سبيل المثال. فلمَّا يتعذَّر التّعبير الصَّريح والواضح، أو لمَّا يتطلَّب جهدًا كبيرًا من كلا الطّرفين، يكفي الإيحاء، ولنْ يخالفَ ذلك أيًا من قواعد التَّحاور العامة.

    يقترحُ غرايس أنَّ الاستعارة تُجسّد هذه الطَّريقة الثَّانية لتصوير سيناريو التَّجاهل. لنفترض أنَّني قلت لكِ: “أنتِ القِشدةُ في قهوتي”، فلا يوجدُ إنسان من بابِ الحقيقة، ولا يوجد أي إنسان من باب الحقيقة يكون مجرد قطرة من منتج ألبان لزج يمكنني إضافته إلى مشروب ساخنٍ مُعد للفطور. فهذا أمرٌ بديهي، ولن تُزعزعه ألفاظي. لذلك، فإذا اعتبرتِني مُخالفًا لهذا، سواءً بمفردي أو مع أمور أخرى، فسيكون ذلك بمثابة انتهاكٍ صارخ وغير مفهوم لمبدأ الكم (أو مبدأ العلاقة)؛ وستصوّرنَني على أنَّني كاذب تمامًا، وغير واضح، وغير مفيد، ولا علاقة لألفاظي بكِ. لكنْ في مثل هذه الظُّروف، فإنّ قولي “أنتِ القشدة في قهوتي” تُذكّرني بقولٍ آخر، وهو “أن تُنسب إليكِ سمةً أو سماتٍ تُشبهين بها، على نحو توهمي، المادة المذكورة”. ربما يرادُ القولُ إنكِ مُرفِّهةٌ مُريحةٌ لي، لدرجة أنكِ أصبحتِ ضرورةً لي في معظم الأحيان، وهو قول، للأسف، تعبيرُه الصَّريح مُبهمٌ، ومُسهبٌ، وغير مُناسبٍ. والحقيقة أنَّ هذا القولَ هو في أصل مطلع أغنية اقتبسه غرايس من كلمات أغنية دي سيلفا، براون، وهندرسون التي غنيت سنة 1924، يقول فيها: “أنتِ القشدة في قهوتي، / أنتِ المِلحُ في حسائي، / ستظلين على هذه الحال / دوما لا بُدكِ لي، / وسأكون تائهًا بدونكِ…”). إنَّ السَّبب الوحيد والواضح الَّذي قد يدفعُني إلى لفت انتباهكِ إلى هذا القول في هذه الظُّروف هو إيصالها إليكِ، وبالتالي، تأكيدُ صدقها لكِ. لذا، فأنا أؤكد صدقَها.

    من خلال حديث پاول غرايس عن “التَّشابه التَّوهمي”، أعاد إحياء الفكرة القديمة القائلة بأنَّ الاستعارة صورة خاصة قائمة، على نحو ما، على التَّشابه أو التَّمثيل. وقد أبدى بعض أنصار منهج التَّضمين في الاستعارة لاحقًا شكوكًا حول هذه السِّمة من التَّفسير. فعلى سبيل المثال، وجد جون سورل صعوبةً في رؤية أيِّ تشابهٍ حقيقي بين الأشياء الباردة من بابِ الحقيقة، والأشخاص الباردين من باب الاستعارة. وبعد أنْ بدأ بسرد قائمةٍ طويلة من العلاقتين المحتملتين بين ما يقولُه المتحدّث من باب الاستعارة عن شيء ما، وما ينبغي أنْ يُفهَم منه، يئسَ من إكمالِها، حتَّى بلغ به الحدّ أنْ قال في كتاب “التّعبير والمعنى”: «إنَّ السُّؤال الَّذي يقولُ: “كيفَ تعملُ الاستعارات؟” يُشبهُ، إلى حد ما، السُّؤال الَّذي يقول: “كيفَ يذكرنا شيءٌ بشيء آخر؟”، ولا توجدُ ولا إجابةٌ واحدةٌ عن أيٍّ منهما قط …».[66]

    يُسجّل هذا حقيقة عامة وهامة حول التَّفسيرات التّداولية في أسلوب غرايس. إذ لا يمكنُ استنباط الدّلالات المتضمنة في التَّحاور إلاّ إذا تبادرَ إلى الذِّهن أمرٌ مُحدَّدٌ على نحو موثوقٍ عند ظهور ما يُشير إلى انتهاكٍ لمبدأٍ ما يستدعي التَّفسير أو التّبرير. وفي كثير من الأحيان، يتبادرُ إلى الذهن أمرٌ مُحدَّدٌ بالفعل، لكن مبادئ غرايس التَّحاورية في حد ذاتها لا تُفسّرُ ما يتبادرُ إلى الذِّهن، أو لا تفسّر سبب تبادره.

    يمكنُ في كثير من الأحيان إعادة صياغة الاستعارة نفسها بطرقٍ مُختلفة جوهريًا. ومع ذلك، يبدو أنّ تصوُّر غرايس يعتمدُ على وجود خطاب بديل وفريد يتبادر إلى الذِّهن عند التأمل في ألفاظ المتحدّث. وقد لاحظ بعض المُعلقين أنَّ التّأويل الاستعاري ينطوي على نوع من عدم اليقين الَّذي لا تستطيعُ نظرية التضمين عند غرايس استيعابه بسهولة. انظر في هذا الباب كتاب واين ديڤيس “التَّضمين: القصد، والاتفاق، والمبدأ في فشل نظرية غرايس” الصَّادر سنة 1998،[67] وانظر الرَّد عنه في مقالة جنيفر سول “مراجعة لكتاب ديڤيس، التضمين: القصد، والاتفاق، وفشل نظرية غرايس” الصَّادرة سنة2001، وذلك من أجل الاطلاع على حجج كلا الطّرفين.[68] وهناك أيضاً ظاهرة الاستعارة المزدوجة والصّلة بالموضوع، الّتي وردت في مقالتي “الأهمية والحقيقة في الاستعارة اللفظية”، الصَّادرة سنة 1997،[69] وفي مقالتي “مشكلات إعادة الصّياغة: حلم بوتوم ” الصَّادرة سنة 200 .[70]

    لننظر إلى قول روميو الأخير: «إلى حبيبتي ! [وهو يُشرب] يا أيَّها الصَّيدلانيُّ المُخلص!/ إنَّ أدويتَك سريعةُ المفعول./ هكذا أموت بقُبلة.».[71] منْ هو الصَّيدلانيُّ المُخلص هنا؟ أهو الصّيدلانيُّ الفقيرُ الَّذي باع السُّم لروميو، أم هو الموتُ نفسه؟ فلا شك أنَّ الأمر يتعلقُ بكليهما. إذ نجدُ أنفسَنا، بين الفينة والأخرى، مضْطَرين لتأويل العبارة نفسها من باب الحقيقة ومن باب الاستعارة معا. ففي مثل هذه الحالات، تكونُ العبارة مناسبة بالفعل، ومتوافقة بالفعل مع قواعد التَّحاور المذكورة، لأنَّها تُعتبر محاولة للتعبير عما يقولُه المرء، لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، يتبادرُ إلى الذِّهن تأويلٌ استعاري جديد للعبارة، دون وجود أي تهديدٍ بعدم أهمية التَّأويل الحقيقي الأصلي الَّذي بُنيت عليه، وينظرُ المستمعون إلى المتحدّث على أنَّه يشهدُ بصدق كلاَ التَّأويلين الحقيقي والاستعاري في آن واحد.

    تُسْهم مخاوف الحتمية في تحفيز إعادة صياغةٍ مؤثرة وشاملة للنظرية التَّداولية عند غرايس، وهي نظرية الصِّلة بالموضوع عند كلّ من سبيربر وويلسون اللَّذان عرضَها في كتابِهما ” الصّلة بالموضوع: التَّواصل والمعرفة ” الصَّادر سنة 1995.[72] وفي صياغة مُبكرة ومبسّطة نوعًا ما في مقالة لهما تحت عنوان ” كلام فضفاض” الصَّادرة سنة 1985،[73] تعتبر نظرية الصلة بالموضوع الاستعارة صيغة مثيرة من صيغ الكلام غير الدَّقيق، وتعتبرُ الكلام على العموم غير دقيق إلى حد ما في معظم الأحيان. فعادةً ما يختلفُ المقصودُ عمَّا يُقال، لدرجة أنّ كلَّ ما يلتزمُ به المتحدّث عند التَّعبير عن قضية ما، هو تشابه تأويلي ملحوظ بين هذه القضية، وتلك القضية الّتي يسعى إلى إثبات صدقها. (تتشابه القضيتان تأويليا في سياق معين بقدر ما تتشابَه نتائجهما، مع الأخذ في الاعتبار ما يُفترض ضمنيًا في ذلك السّياق). وليس بمقدورِ المتحدّثين توقع ما سيفهمه المستمعون المتمكنون إلاّ إلى حد معين. فما يمكنهم توقعُه بثقة تامة يُفهم ضمنيًا من كلامِهم، أمَّا ما قد يُفهم أو لا يُفهم، اعتمادًا على معلومات عن المستمعين لا يمكنهما معرفتُه، فهو مفهوم ضمنيًا على نحو ضعيف. والنّتيجة هي أنّ المقصود بالكلام، وما يؤكده المتحدّث بقوله، ليس محدّدًا بدقة، وإنّما يتلاشى تدريجيًا، كما هو الحال في إعادة الصّياغة الجيدة.

    لمَّا يقرِّر المستمع مبدئياً أنَّ قولا ما يستحق المعالجة، فإنَّه يدخلُ في عملية الاستدلال الاستنباطي بالصُّورة المّحدَّدة للغاية الآتية: أولا، ينطلقُ المستمعُ من القول وحده باعتباره مَجموعة مقدمات للقول، لكنَّه يضيفُ تدريجياً افتراضات مساعدة لتلك المقدمات، مبتدئاً بما هو أكثر بروزاً، في السّياق الحالي، وبالأكثر قبولاً  ليخدم التّحاور الحالي، ولكنَّه ينتقل في النّهاية إلى إضافة افتراضات أقل بروزاً وأقل قبولاً. ثانيا، يشرعُ المستمع في استنباط النتائج من مجموعة مقدماته الّتي تتوسع ببطء، مبتدئاً بالنتائج الأكثر مباشرة وسهولة في الاستنباط، ولكنّه ينتقل في النهاية إلى استنباط نتائج أخرى أكثر بعدًا وأكثر صعوبة في الاستنباط. ثالثا، بينما يفعل ذلك، يحتفظُ المستمع بأيّ نتائج مستنبطة يعتبرها جديدة بما فيه الكفاية، وذات مصداقية كافية، وجديرة باهتمامه بما فيه الكفاية، مع الأخذ بعين الاعتبار فهمِه لاحتياجاته ومصالِحه ومسؤولياته باعتباره مستقبِلا للمعلومات الّتي يفترض أنّه يتشاركها مع المتحدّث، ويجمع هذه النتائج في مجموعة من النتائج. رابعا، يستمرُ المستمع حتّى يحصد في النّهاية مجموع النتائج الّتي يعتبرُها تعويضًا كافيًا له عن الجهد الّذي بذله للحصول عليها، أو ييأس من الوصول إلى هذه المرحلة، ويبحثُ عن حافزٍ آخر لمعالجتها بدلاً من ذلك.

    ففي الحال الأولى، لمّا يشعرُ المُستمع في النِّهاية بأنَّه قد حصلَ على تعويضٍ كافٍ عن معالجته لـلقول، فإنَّه يتوقفُ عن معالجة القول عند نقطة التَّعادل هذه، ويأخذُ القول لنقل مجموعة النتائج على نحو صحيح. وفي الحال الثانية، فإنه لا يتعاملُ مع القول على أنَّه ينقل أيّ شيء على الإطلاق. وعلى العموم، فإنَّ النّتائج ستكون أقوى من القول نفسِه في بعض الجوانب، وأضعف منه في جوانب أخرى. فهي أقوى في بعض الجوانب، لأنَّ الفرضيات المساعدة قد دخلت في صلب الموضوع. وهي أضعف في جوانب أخرى، لأنَّ أجزاءً مختلفة من مضمون القول نفسه، والّتي اعتُبرت بالية أو خاطئة على نحو جلي أو ببساطة لا تستحقُ الاهتمام، قد تم تجاهلُها. لنفترض أنَّ هذه هي الطَّريقة الوحيدة الّتي يعالجُ بها المستمعون القول دائما، فإنه بقدر ما يستطيعُ المتحدثون توقع مسار هذه المعالجة، أي ما سيُضاف إلى مجموع المقدمات، والنَّتائج التي ستُستنبط منها، وما الّذي سيُستبعد خلال العملية، وأينَ سيتم الوصول إلى نقطة التعادل، يستطيع المتحدّثون توقع ما سيستنبطه المستمعون من ألفاظهم. ومع ذلك، لا يمكنُهم توقع مسار أو مدى معالجة المستمعين بتفصيل كامل، ممّا يؤدي إلى تلاشي مسؤوليتهم عمَّا يستنبطُه المستمع من ألفاظهم، ومدى قُدرتهم على ضمان نتائج معالجة المستمع مسبقًا، مع استمرار هذه المعالجة. ويرى سپيربر وويلسون أنَّ نموذج المعالجة هذا يُفسّر الدّلالات الضمنية التَّمثيلية عند پاول غرايس، بما في ذلك الاستعارات، دون مطالبة المُستمع بإعادة بناء الأساس المنطقي الدّقيق للمتحدّث من أجل التحدث على النّحو الَّذي تحدّث به، وبدون مجموعة غنية ومثيرة للجدل من قواعد المحادثة.

    لكن لِمَ نصدّق أنّ هذه هي الطّريقة الّتي يُعالج بها المستمعون الاستنتاجات دائمًا؟ أولًا، لأنها هي المبادئ العامة للإدراك البشري، الّتي نعترف جميعًا بصدقِها ضمنيًا، وأنّ انتباهنا يتجه دائمًا إلى أيّ مثير في بيئتنا، إنْ وُجد، يبدو جديرًا بالمعالجة في تلك اللحظة، أي أنّ أيَّ شيء يبدو أنّه “يهم على النّحو الأمثل”، إن وُجد. يُعتبرُ المثير مُهما إذا كانَ يستحق المُعالجة أصلًا، وتعتمد مدى أهميته أو جدارته بالمعالجة على أمرين: الأمر الأول، أنْ يتوفر على مقدار من المعلومات الجديدة والمهمة الَّتي يمكن استخلاصها من خلال معالجة المُثير. والأمر الثاني، أنْ يتوفر على مقدار الجُهد الضَّئيل الَّذي سيتطلبُه استنباط هذه المعلومات. وتتخذُ معالجة أيّ مثير صورة استنباط نتائج أبعد فأبعد من ارتباطه بافتراضات مساعدة أقل بروزًا، وأقل قبولًا مسبقًا. وهذا هو مبدأ الصّلة المعرفي.[74]

    ثانيًا، لمّا يسعى المتحدّث إلى جذب انتباه المستمع، فإنَّه بذلك يؤكد له ضمنيًا أنّ المُثير الَّذي يقدّمه له، له علاقة بالمطلوب، ويكون الأنسب والأكثر أهمية له، أي المثير الأكثر أهمية والّذي يكون في متناول اليد. وبالنّظر إلى مبدأ الصّلة المعرفي، فإنَّه لن يستوعب المستمع قول المتحدّث إلا إذا اعتبره مثيرا أكثر أهمية وفي متناول اليد. ومن أجل حثه على استيعابه، يجب أنْ تجعله يعتبره كذلك. وهذا هو مبدأ الصّلة التّواصلي.[75]

    انطلاقاً من هذه المبادئ، يستنتج سپيربر وويلسون نتيجتين رئيسيتين:

    النتيجة الأولى تتجلى في أنّه لما أُقرّرُ مبدئيًا أنَّ مُثيرا ما مُهما على نحو مثالي، فإنّني أتعهد بمواصلة معالجته حتى يتحقَّق أحد أمرين إمَّا: أنْ أحصل على نتائج أجدها جديرة بالجُهد الَّذي بذلته حتى الآن، أو أن أُغيّر رأيي بشأن ما إذا كان المُثير ذا أهمية مثالية بالفعل. أمَّا ما إذا كان من المجدي بالنّسبة لي مواصلة معالجة هذا المُثير بعد الوصول إلى نقطة التّعادل، فإنّه يعتمد على المعلومات الإضافية المتاحة لي عند الوصول إلى تلك النّقطة.

    أمّا النتيجة الثانية، فتتجلى في أنَّه لمّا يُهيمن المتحدّث على انتباه المستمع بقوله، وبالتالي يؤكد ضمنيًا على صلة القول بالموضوع على نحو مثالي، فإنّه يؤكد ضمنيًا على أهمية كل القضايا، الَّتي يمكن أنْ تتوقع من المستمع جمعها في مجموع النّتائج الخاصة به، من خلال معالجة هذا القول إلى الحد الّذي يتم تشجيعه ضمنيًا من خلال اعتبار أنّ القول له أهمية بالغة.

    وإذا سلّمنا بالنتيجتين السّابقتين، فإنّنا سنحصل على تفسيرٍ فوريٍّ لسبب معالجة المستمعين للقول باعتباره ادعاءً مبني على نظرية الصلة بالموضوع، وسنحصل على تفسيرٍ لسبب إقرار المتحدثين ضمنيًا بنتائج هذه المعالجة، طالما كانت هذه النتائج قابلةً للتنبؤ. ولمَّا أطلب انتباه المستمع لقولي، فإنّني أقرّ ضمنيًا بصحة ما أتوقع أنْ يتوصل إليه المستمع إذا عالج ذلك القول بالطّريقة الّتي يعالج بها أيّ مثير واعد، واستمرّ في ذلك حتى يُثمر نتيجةً تُعوّض جهده المبذول حتى الآن. ولكن هذا كلَّ ما أقرُّه ضمنيًا في حديثي. وبعد ذلك، يبقى المستمع هو المسؤول.

    إنّ الجزء الأكثر تعقيدًا في هذا هو الحجة المؤيدة للنتيجة الثَّانية. لنفترض أنَّ جزءًا كبيرًا من مجموع النتائج الَّتي يُتوقع أنْ يستنبطها المستمع من القول يكون إمّا خاطئاً، على نحو لا يمكن اكتشافه، أو لا يهم المستمع في شيء، على نحو لا يمكن اكتشافه. وسيؤدي هذا إلى تقليل أهمية القول على نحو كبير، فأنْ يكون الجُزء خاطئًا، فإنّه يقلّل على نحو كبير من الحقيقة الإجمالية، وعدم أهمية الجزء يقلّل على نحو كبير من الأهمية الكل. وفي الحقيقة، سيكون للمتحدّث دائمًا تقريبًا قولٌ أخر متاح له، والّذي كان من شأن معالجته له أن تُعطي المستمع حقيقة أكثر أهمية من القول السّابق حتّى لو أخذنا في الاعتبار دوافع المتحدّث لإخفاء جزء ممّا يعرفه عن المستمع. وإذا تقرّر هذا، فلن يكون القولُ مُهما على النّحو الأمثل، أي لن يكون المثير أكثر صلة بالموضوع وفي متناول اليد، لأنّ القول الّذي يكون له صلة بالموضوع أكثر، هو الّذي يكون بالضبط في المتناول.

    من الممكن الاشتباه في أنَّ هذه الحجة ستصل إلى طريق مسدود في مراحلها الأخيرة. وحتّى ذلك الحين، يبدو أنّ القول الذي مفاده: “الَّذي له أهمية بالغة” يعني القول الأكثر أهمية للمستمع من بين مختلف المثيرات الفعلية الّتي يمكن لـه الانتباه إليها هنا والآن، بالنّظر إلى احتياجاته المعلوماتية المفترضة.

    وهذا ما يدعيه المتحدّث ضمنيًا لما يدعو المستمع للاستماع إلى قوله. ومع ذلك، في تلك المراحل النّهائية، يجب أنْ يعني القول الذي مفاده: “الذي له صلة بالموضوع على نحو مثالي”، أنَّ القول الأكثر صلة بالموضوع للمستمع من بين المثيرات المختلفة الممكنة الَّتي يستطيع المتحدّث تقديمها للمستمع هنا والآن، بالنظر إلى معلومات المتحدث واحتياجات المستمع المعلوماتية المفترضة.

    لقد كنتُ أعرضُ حتى الآن وجهة النَّظر القائمة على التّضمين في الاستعارة، والَّتي شرحَها سبيربر وويلسون في الطبعة الأولى من كتاب “نظرية الصّلة” الصَّادر سنة 1986،[76] وهي وجهة نظر ترى أنَّ الاستعارة تنطوي على القول أو على التعبير عن شيء ما من باب الحقيقة، بواسطة إيصال معنى آخر من باب الاستعارة. ثمَّ إنَّ سپيربر وويلسون انتقلا إلى وجهة نظر “التَّعبير المباشر” للاستعارة، بحديث مستفيض أكثر عمومية، وربطاها بالتّغييرات الَّتي يُحدثها السِّياق في الكلام، النَّاتج عن تغيرات سياقية في خصائص وعلاقات تعابير معينة تُسهم في شروط صدق الجُملة المنطوقة. وفي المقالات الثلاث: مقالة آن بيزويدنهوت ” الاستعارة وما يُقال: دفاع عن وجهة نظر التَّعبير المباشر للاستعارة” الصَّادرة سنة2001،[77] ومقالة ويلسون وسپيربر ” الصِّدق والصّلة” الصَّادرة سنة 2002،[78] ومقالة سپيربر وويلسون ” تصور مُبسط للاستعارات” الصَّادرة سنة 2008،[79] لم تعد الاستعارة مسألة تضمين تحاوري، وإنَّما أصبحت مسألة شرح تحاوري. وهذا يرفعُ الخط الفاصل، الَّذي تحدثنا عنه سابقًا، بين مقاربتي التّغير الدَّلالي، والتّغير التّداولي في الاستعارة، ويُلزم نظرية الصّلة بنوع من التداولية المشروطة بالصدق. وقد ورد الدّفاع الكامل، والتَّطوير الشَّامل لهذه المقاربة الجديدة في مقالة روبين كارستون “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادرة سنة 2002.[80] ولا تزال التَّصورات المتعلقة بنظرية الصّلة في تفسير الاستعارة، وغيرها من الأساليب المجازية في اللَّغة قيد التَّطوير المستمر. ويقدِّم بيلي كلارك في كتابه “نظرية الصّلة” الصَّادر سنة 2003،[81] نظرة عامة وشاملة، بينما يجمعُ كل من سكوت كات وكلارك بيلي وروبين كارستون في كتابهم ” الصِّلة، والتداول، والتأويل” الصَّادر سنة 2019،[82] التّطبيقات الحديثة في هذا المجال.

    3.4. التَّصوُّرُ التَّشْبِيهيُّ

    لقدْ كانَ الشِّعرُ الملحمي اليوناني حابلاً بالتَّشبيهات الصَّريحة والطَّويلة. ففي الإلياذة لهوميروس، يندفعُ إينياس نحو أخيل لمَّا تنقلبُ فجأة أدوارُ المُهاجِم إلى المُهاجَم؛  يقول هوميروس في هذا الباب: “انقضّ عليه كالأسدِ المُفترس/ الَّذي يتوقُ النَّاس والمدينةُ جميعا لقتلِه،/ ولمَّا احتشدوا. تجاهلُهُم الأسد./ وادعي كأنَّه يمضي في طريقِه،/ ولمَّا طعنَه أحدُ الشُّبان برُمح،/ انحنى فاتحا فاهُ،/ وظهر الزَّبد من بين أسنانِه، وتأوهت شجاعتُه في قلبه،/ فضربَ أضلاعَه بذيله من الجانبين، وهو يستعدُ للقتال./ وبعينين متوهجتين، اندفع بقوةٍ إلى الأمام،/ ليرى إنْ كان سيقتُلُ أحدَهم، أم سيُقتَل وسطَ الحشد.”.[83]

    لقدْ كانَ البلاغيون القُدماء يرونَ أنَّ تشبيهات هوميروس واستعارتِه الَّتي تستعمل صفة “الأسد” للإشارة بوضوح إلى أخيل، متشابهان في كونهما يقدِّمان التَّشبيهَ نفسَه، وإن كان كلٌّ من التشبيه والاستعارة على صورته، فإنّ كليهما يشبِّهان أخيل بالأسد. ويذهبُ أرسطو إلى القول بأنَّ: «التَّشبيهات ليست سوى استعارات تحتاجُ إلى أداة تشبيه»[84] وكأنَّ الفرق بين الاستعارة “انقض الأسد [أي أخيل]”، والتّشبيه “انقض [أخيل] كالأسد”، يكمن في وجود أداة التَّشبيه في العبارة الأخيرة، الَّتي تدل على أنَّ أخيل شنّ الهُجوم متنكرًا في زي أسد. فالتَّشبيه، حسب هذا المعنى، استعارة مُطْنَبة. أمَّا كوينتيليان فيقلبُ الأمور رأسًا على عقب، فيتحدَّث عن الاستعارات باعتبارها تشبيهات مُوجَزة. وعلى العموم، فالاستعارةُ صورةٌ موجَزةٌ من التَّشبيه؛ والفرق بينهما يتجلى في أنَّ التَّشبيه يُشبَّه شيء ما، على نحو صريح باستعمال الأداة، بالشيء الَّذي نرغبُ في وصفه؛ بينما في الاستعارة يتم استبدالُ شيءٍ ما بشيءٍ آخر.[85]

    لقد اعتبر كوينتيليان، كحال معاصريه القُدماء، أنَّ الاستعارةَ مسألةٌ ألفاظ أكثر من كونها مسألة جُمل. فاستعمالُ لفظ “أسد” الّذي نأخذه من باب الاستعارة للإشارة إلى أخيل لا يقول إنَّ أخيل يُشبهُ الأسد، لأنَّه لفظ لا يقولُ أيّ شيء. فالتّسميات ليست أقوالًا، وإنَّما تمهد الطَّريق للأقوال. إنَّ كوينتيليان يقصد أنَّ التَّشبيه يُصرِّحُ بالتَّشابه الواقعي أو المتوهَم، بين أخيل والأسد، بينما الاستبدالُ الاستعاري المتماثل يتركه منوطاً بخيال المُستمع.

    ولمَّا ننظرُ إلى الجُملة باعتبارها الوحدة الأساسية للفعل الاستعاري، فإنَّ ملاحظة كوينتيليان توحي لنا بشيءٍ لم تستطعْ أنْ توحي به له هو شخصيًا، فما تعنيه الاستعارةُ البسيطة نحو: جولييت شمس، والتَّاريخ كابوس، فهي تقول في الواقع أنَّ جولييت تشبِهُ الشَّمس، والتَّاريخ يشبِهُ الكابوس، بحيث يكون مدى وطبيعة التَّشابه المُتوهم بينهما شيئين يجبُ على المستمعين استنتاجهما من السِّياق التَّحاوري المتداول الَّذي تُستعمل فيه الاستعارة. وهذا يُوحي بأنَّ الجملةَ الاستعارية تشبيهٌ مُوجز، وتشبيهٌ مجازي مفهوم البنية التّشبيهية، ولكنَّها تبقى مُضمرة وغير مُصرَّح بها. وقد طُرحت بعض هذه التّصورات التّشبيهية للاستعارة من حين لآخر من قِبلِ نقاد معاصرين أمثال وينيفريد ناوتني، في كتابه “اللُّغة الَّتي يستعملُها الشُّعراء” الصَّادر سنة 1962،[86] وعند لغويين معاصرين أمثال أندرو أورتوني في مقالته “دور المماثلة في التَّشبيهات والاستعارات ” الصَّادرة سنة 1979.[87] وقد طوِّر تصوُّر مفصَّل ومخصوص من قبل روبرت فوغلين في كتابه “الكلامُ على سبيل المجاز” الصَّادر سنة 1998،[88] بناء على اقتراحات عاموس تفيرسكي  في مقالته “خصائص المُماثلة” الصَّادرة سنة 1977.[89]

    يرى روبرت فوغلين أنَّه لكي تتكلمَ مجازا، فهذا يعني أنَّ كلامكَ يستدعي التَّصحيح، وأنَّ كلامَك يدعو بوضوح إلى تصحيحٍ تلقائي من الجمهور، ويحفزُه على نحو موثوق. ويتضحُ هذا جليًا عند الحديث عن حمل العبارات على المجاز، كما هو الحال في التَّهكم أو التَّحقير. ففي هاتين الحالتين، يتمثل تصحيح المُتحدّث في فهمه على أنَّه قال شيئًا، بينما كان يقصد شيئًا آخر. ويأخذ المستمعون ألفاظ المتحدّث المحمولة على الحقيقة، ويعيدون صياغتها في أذهانهم، ليجعلوا كلامَه متوافقًا مع السِّياق والمقام الَّذي نطقه فيه، وفقًا لمبادئ پاول غرايس في فن التَّحاور. ولمَّا يميلُ المُتحدّث إلى التَّحقير، فإنَّ تصحيح كلامِه يتطلّب تعزيزه؛ ولمَّا يميلُ إلى التَّهكم، فإنَّ تصحيحنا يتطلب عكسه (بشكل أو بآخر، وتختلف طبيعة العكس من حالة لأخرى)، وهكذا دواليك. وغالبًا ما تزدادُ قيمة الفكرة وأهميتُها لمَّا يتوصل إليها المستمع بنفسه، ويقرِّر أنَّها مناسبة للمقام الَّذي يجد نفسه فيه. ويُعدّ الحمل المجازي أحد الطُّرق لفرض هذه المَهام على المستمع؛ وهذا أحد الأسباب الرَّئيسة الَّتي تدفعنا إلى اللُّجوء إليه.

    وسواء أكان ذلك من باب الحقيقة أم على سبيل المجاز، فإنَّه مجرد تشبيه بسيط لا تشوبه شائبة، فلما نقول: إنّ الشّيء (أ) يشبهُ الشّيء (ب)، فإنَّه يُفهم من قولنا إنَّ الشَّيء (أ) يمتلكُ ما يكفي من سمات الشَّيء (ب) البارزة في السِّياق الحالي. أو بعبارة أخرى، فإنَّ الشَّيء (أ) يشبه الشّيء (ب) بدرجة كافية في الجوانب المتعلقة بـالشَّيء (ب) البارزة في السِّياق الحالي. ويعتمد ما يُعتبر كافيًا من حيث السّمات البارزة المشتركة لـلشيء (ب)، أو من حيث التشابه مع الشَّيء (ب) في الجوانب البارزة لـلشيء (ب)، على الفوائد أو الشّواغل السِّياقية الّتي تُفهم على أنَّها الدَّافع وراء إجراء التَّشبيه في المقام الأول. لذلك، فسواء أُخذت التشبيه البسيط غير المشروط من باب الحقيقة أو على سبيل المجاز، فإنَّ شروط صدقه تعتمد بشكل كبير على السِّياق.

    ويسير فوغلين علىخطى تڤيرسكي في افتراضه أنَّه لمَّا يُشبَّه الشَّيء (أ) بـالشَّيء (ب)، فإنَّ السِّمات أو الجوانب البارزة حاليًا في الشَّيء (ب) أو نوعه هي الَّتي تحدد التَّشابه. ويُمثلُ هذا خروجًا عن كيفية تفسير التَّشابه، أو التّماثل أو المماثلة عادةً في الأدبيات الفلسفية، كعلاقة تناظرية، بحيث يكون الشّيء (أ) مشابهًا لـلشيء (ب) من باب الاحتمال، أو بالقدر الَّذي يكونُ فيه الشَّيء (ب) مشابهًا لـلشّيء (أ). ووفقًا للفهم المطروح هنا لمفهوم التّشابه، فإنَّه لنْ يكون هذا صحيحًا، على الأقل بشكل عام. ويبدو أنَّ فوغلين محقٌ في ذلك، إذ يقول: «سأنطلقُ من تجربةٍ شخصيةٍ. لقد لفتَ انتباهي ذاتَ مرة الشَّبه الكبير بين البابا الحالي[90] (في صورة فوتوغرافية) وأرنولد بالمر.[91] ولمْ يكن من الصُّعوبة تحديد مصدر هذا الشَّبه، لأنَّ البابا له عينين تُشبها عيني أرنولد بالمر. وفي الوقت نفسه، فإنّني لم أشعر بأيِّ دافع للقول بأنَّ أرنولد بالمر يشبهُ البابا. فلمَ لا أشعر بهذا الدافع؟ لأنَّني أعتقد أنَّ السَّبب يكمنُ في أنَّ عينيْ أرنولد بالمر، بتلك النَّظرة الضَّيقة المُتجعِّدة، هي إحدى السِّمات المُميِّزة لوجهه: فهي تظهر، على سبيل المثال، في الرُّسوم الكاريكاتورية المرسومة له. ومن جهة أخرى، لا تُعد عينا أرنولد بالمر من السِّمات المُميزة لوجه البابا. وبعبارة أخرى، فقد بدا لي أنَّ البابا يشبهُ أرنولد بالمر، وليس العكس، لأنّ البابا يمتلك إحدى السّمات المميزة لأرنولد بالمر، بينما لا يمتلك أرنولد بالمر أي سمة مميزة له موجودة عند البابا.».[92]

    ولهذا، فالتَّشبيهات تنطوي على مضامين قابلة للتَّعديل في سياق التّحاور، نتيجةً لإضفاء هذه المضامين على أفعال التّشبيه وأدواته مثل فعل “يشبه”. ولتحديد قيمة صدق معينة لعبارة تتضمن تشبيها، يجبُ الاستعانة بمعيار تشابه قابل للتَّعديل في سياق التَّحاور، معيار يوضّح لنا مدى تشابه الشَّيء (أ) مع الشّيء (ب)، وفي أي جوانب يجبُ أنْ يكونُ الشَّيء (أ) حتى يُعتبر (أ) مشابهًا تمامًا لـلشّيء (ب) لخلق تحاور جاري. لنأخذ مثالا يرد في السِّياقات العادية الّتي يحكُمها معيار تشابه افتراضي روتيني، نحو قولنا في الجملة الأولى: إنَّ آلة تسوية الطَّرق تُشبهُ الجَرافةَ. وقد يصدُق ذلك، حيث أنَّ “آلات تسوية الطُّرق مثل الجرافات تُستعملُ أيضًا لدفع كميات كبيرة من الأتربة، لكن الفرق الأساس بينهما يتجلى في أنَّ شِفرات آلات تسوية الطُّرق موجودة أسفلَ الهيكل بدلاً من أمامه.”[93] ولهذا، فقد أصبحنا الآن قادرين على التَّمييز بين التَّشبيهات الحَرفية والتَّشبيهات المجازية، بما يتوافق مع فكرة أنَّ الكلام المجازي هو كلام قابلٌ للتَّصحيح. فالتّشبيهات المجازية تستدعي نوعًا مختلفًا من التَّصحيح عن تلك الّتي تستدعيها المجازات الحملية.

    إنّ أخذ التَّشبيه من باب الحقيقة يعني تقييمه في ضوء معيار التَّشابه الموجود مسبقا عند طرحه، هو معيار تشابه سائد على نحو عام أو سائد على نحو فعلي. وهكذا نتعامل دائمًا مع التَّشبيه عند أول وروده. ولمَّا يتوافق مضمونه تمامًا مع مبادئ غرايس التحاورية، فهذه هي الطّريقة الوحيدة الّتي نتعامل بها معه، وهي الطّريقة الّتي نفترض أنّنا كنا نريد بها التعامل معه منذ البداية. وهكذا نتعامل مع الجملة الأولى على سبيل المثال. لكن في بعض الأحيان، يؤدي أخذ التّشبيه حرفيًا إلى مضمون خاطئ لا غبار عليه، أو غير مفيد بتاتا، أو يتعارض مع مبادئ التّحاور، كما هو الحال مع الصيغة الآتية في الجملة الثانية: “إنَّ مارغريت تاتشر تشبه الجَرافة”. يقول غيس: «إنَّ مارغريت تاتشر، على سبيل المثال، ليس بمقدورها تحريك كميات هائلة من التُّراب بكفاءة».[94] كما أنَّها ليست مستعدة للاتساخ بالمعنى الحرفي للكلمة. ويمكنُ الاعتماد على المستمعين لمعرفة هذا القدر وملاحظة هذا القدر. لذلك، فلّما يواجهوا الجملة الثانية، يبحثون عن تعديل مُحتمل لقاعدة التّشابه المعتمدة آنفا، بحيث يتماشى مضمونها مع مبادئ التّحاور، ويكون هذا التّعديل أصغر حجمًا، وأكثر طبيعية، وأسهل في التّنفيذ من أي تعديل آخر قد يفي بالغرض. يُخفف هذا التّعديل معايير مدى تشابه الشَّيء مع الجرافة حتّى يكون مجرد جَرافة، جرافة بلا تحفظ. كما أنّه يُضفي أهمية جديدة على سمات مجردة نسبيًا للجرافات، وهي سمات قد يتشاركها شخص ذو نفوذ يملك صفات من قبيل: القدرة على إنجاز مَهام كبيرة، والقدرة على إزالةِ العَقبات الكبيرة تدريجيًا، ونوعاً من عدم التّناسق في الأداء اللحظي، وما إلى ذلك.

    لمَّا يعتقد المستمعون أنَّهم توصلوا إلى تعديل مُحتمل، فإنَّهم يطبقونه على الفور، أي يعيدون تفسير التَّشبيه وفقًا لمعيار التشابه المعدل، ويعتبرون المضمون المعدَّل الناتج هو ما قصده المُتحدِّث منذ البداية. (تتم العملية برمتها دون استدلال واعٍ؛ بل إن هذا جزء مما يجعل التعديل طبيعيًا في نظر فوغلين). إنَّ أخذ التَّشبيه على سبيل المجاز هو ببساطة تطبيق هذا النوع من التّعديل في كيفية تفسيرنا له. إنَّ التَّشبيه، الذي هو عبارة تشبيهية مجازية، هو ببساطة تشبيهٌ يتطلَّب بشكل واضح، وبالتالي يتلقى بشكل روتيني، هذا النوع من التّفسير المشروط بالصِّدق المعدل. ولمّا يكون التّشبيه صحيحًا من النّاحية المجازية، فإنّه عادةً ما يكون خاطئًا من النَّاحية الحرفية، لأنه سيشبه شيئين، بحيث يكون الأول مختلفًا عن الثاني وفقًا للمعايير السائدة عمومًا أو السائدة سابقًا، ومع ذلك فإنّ الأول يشبه الثاني وفقًا لمعايير جديدة يساعد التّشبيه نفسه في فرضها؛ هذا هو المعنى الَّذي يكون فيه التّشبيه عرضًا للوحدة في التنوع، وتشبيهًا لأشياء غير متشابهة. يتنبأ هذا التَّصور باختلاف التَّشبيهات المجازية عن التَّشبيهات الحرفية المألوفة، وذلك بأنَّ التّشبيهات المجازية تُظهر نفس نوع فشل الانعكاس الَّذي تُظهره نظيراتُها الحرفية، وذلك لنفس السّبب الجوهري. ويبدو أنَّ هذا التَّنبؤ صحيح. إليكم هذه الملاحظة من الرِّوائي ويليام غاس: [في نشيد الأناشيد، نقرأ] « أسنانكَ كقطيع نعاجٍ محلوقة الصُّوف، وصاعدة من المِغسلة، وكلُّ نعجة منهنَّ تلدُ توأمين، وليس بينهنَّ عاقر». … فهل يمكنُ لي أنْ أتصور تلك الغنم كأنَّها أسنانٌ ضالة؟.».[95]

    وكما هو الحال مع التّشبيهات الحرفية عموماً، فإنَّ اهتمامنا بالتّشبيه المجازي لا ينبع عادةً من التَّشابه فقط، وإنَّما ينبع من الاهتمام بالخصائص المحدّدة للشيء (أ) الَّتي تجعله يُشبه الشَّيء (ب) من باب المجاز. لذلك: يُتوقع عادةً من المُستمع أن يستنتج أو يلاحظ بنفسه ما الذي يجعل الشَّيء (أ) يُعامل على أنَّه مشابه لـلشيء (ب) وفقاً لهذه المعايير الجديدة السَّائدة والمعدلة، أي ما الّذي يجعل الشَّيء (أ) في الواقع شبيهًا للشيء (ب) وفقًا لهذه المعايير (في حال الصدق المجازي)؛ وما الَّذي يجعلنا نعتقد أنَّ الشيء (أ) شبيهًا للشيء (ب) وفقًا لهذه المعايير (في حال الكذب المجازي). إنَّ القيام بذلك هو إعادة صياغة التَّشبيه المذكور. وفي حال الجملة الثانية، فإننا قد نتوصل إلى شيء من هذا القبيل في الجملة الثالثة الآتية: “إنَّ تاتشر شخصيةٌ قويةٌ، ومتسلِّطة، وتتغلَّب على كلِّ العقبات من أجل إنجاز المَهمة”.

    لما أخبرت غيرترود شتاين پيكاسو أنَّ الصُّورة الَّتي رسمها لها لا تشبهها كثيراً، يُقال إنَّ پيكاسو رد عليها قائلاً: “لا تقلقي، ستشبهينها”. وإذا أطلقنا على رسوم الوجه، الّتي تؤكد نفسها مع مرور الزّمن من خلال فرض معاييرها الجديدة الخاصة للإثبات، اسم “تشابهات بيكاسو”، فإنّه يمكننا القول إنّه وفقاً لتصور فوغلين، فإنّ التّشبيهات هي مجرد تشابهات بيكاسو.

    إذا كانَ بمقدورنا أنْ نفهمَ الاستعارةَ الآتية في الجملة الرَابعة التي تقول: “مارغريت تاتشر جرافة”، وإذا اعتبرنا الجملة الثالثة الَّتي تقول: “إنَّ تاتشر شخصيةٌ قويةٌ، ومتسلِّطة، تتغلَّب على كلِّ العقبات من أجل إنجاز المَهمة” تختصرها الجملة الثانية التي تقول: “إنَّ مارغريت تاتشر تشبه الجَرافة” ، فإننا سنرى كيف أنَّ الجملة الثالثة مناسبة أيضًا كإعادة صياغة لـلجملة الرابعة. وسيكونُ لدينا شرحٌ واضح للاختلاف الشَّاسع بين قولنا مجازًا إنَّ: “المال دمٌ”، لأنّه مادة تُنعش وتحيي بسريانها وتسهيلها للتبادلات الحيوية، وقولنا مجازًا إن: “الدم مال”، باعتبار أن إرهاقه، والسّماح بسفكه، طريقة قوية، ولكنها جذرية لكسب أشياء ثمينة. أمَّا بالنسبة لحقيقة أنَّ الاستعارات غالبًا ما تدعو إلى قراءات أكثر دقة وعمقًا من التَّشبيهات المقابلة لها، فإنَّ الحذفَ في حد ذاته له تأثيرات قوية على كيفية تفسير الألفاظ على أفضل وجه في سياقها.[96] تخيّل محاولة إيجاد مكافئات دقيقة وطبيعية في التّحاور، وغير محذوفة لمثل هذا الحذف المصاغ ببراعة في هذا القول الآتي: “إنَّ ما يَدخلُ في سَلة المُهملات يُخرجُ منها./ فكلٌّ على حسب قُدرته، وكلٌّ على حسب حاجَته”.

    4.4. التَّصَوُّرُ الْحَرْفِيُّ[97]

    يؤكد التَّصوُّر الحَرفي أنَّ الألفاظ لا تُحذَف في الاستعارة، ولا يُجبَر المتحدِّثون على إضفاء معنى غير مألوف عليها. فبدلاً من ذلك، فالعبارة، الَّتي كانت تبدو بلا إفادة أو بلا معنى، أصبحت تُنتج ما يُسمِّيه ريتشارد موران “تأثير التَّأطير”[98] في مقالته “الرُّؤية والتَّصديق: الاستعارةُ والصُّورة والقُوة” الصَّادرة سنة 1989[99]: إذ يُدفع المستمعون إلى رؤية المستعار له، أو التَّفكير فيه، أو تجربَته من منظورٍ جديد ومميَّز، أيْ من منظور يُوفره وضعُهُ جانب المستعار منه. إنَّ ما يجعلُ العبارة استعاريةً هو أنَّها تُحدِثُ تأثير التَّأطير هذا، إلى جانب الاستراتيجية النَّحوية المُحدَّدة الّتي تستعملُها لتحقيق هذا الغرض. أمَّا إعادة الصَّياغة، كما تُسمى، فيُمكنُ اعتبارها مُحاولة لتقديم عينةٍ بارزة وممثلة للوقائع الحقيقية أو الظَّاهرة حول المستعار له، والَّتي يدفعُنا تأثير التَّأطير إلى ملاحظتها أو التَّفكير فيها أو التَّمعن فيها. ولا ينبغي النَّظر إلى هذا على أنَّه إعادة صياغة لخطاب معبَّر عنه أو منقول استعاريًا، إذ لا يوجدُ خطاب من هذا القبيل، سواء كان قابلا لإعادة الصِّياغة أم لا. وكما قال دونالد ديڤيدسون في أكثر عبارات هذا النَّوع تأثيرًا، في مقالته “ما تعنيه الاستعارات”: «إنَّنا لمَّا نحاولُ تحديدَ معنى الاستعارة، فإنَّنا سرعان ما ندركُ أنَّ ما نريدُ ذكرَه لا حدودَ له… فكمْ من الحَقائق الَّتي تنقلُها صورةٌ فوتوغرافية؟ أتنقلُ لا حقيقة، أم تنقلُ عدداً لا نهائيا من الحقائق، أم تنقلُ حقيقةً واحدةً عظيمةً لا يمكنُ التَّعبير عنها؟ إنَّه سؤالٌ غير مناسب. إنَّ الصُّورة لا تساوي ألفَ لفظٍ، ولا أيَّ عدد آخر. إنَّ الألفاظ ليست العُملة المناسبة لاستبدال بالصُّورة.»[100]

    ويُقرّ ديڤيدسون، بصدر رحب، بوجود أشياء يُمكننا الإشارة إليها على نحو طبيعي ومفيد بالمعنى الاستعاري والحقيقة الاستعارية. لكنَّها ليست بذورا للفهم الاستعاري، وإنَّما هي من ثمراته. إنَّنا نُخطئ في تحديد المعاني الاستعارية لو اعتبرناها مُرتبطة بألفاظ أو عبارات مُحدَّدة، نأخذها من باب الاستعارة. ونُخطئ كذلك في تحديد الحقيقة الاستعارية إذا اعتبرناها مُرتبطة بجُمل مُحدَّدة، ونأخذها وكأنها استعارات.

    فيما يتعلَّق بالمعنى الاستعاري، تخضعُ الاستعارات للتَّأويل بنفس الطَّريقة أو بنفس المعنى الَّذي تخضعُ له الأحلام. فقد نؤوِّلُ الحُلمَ بهدف إضفاء قيمةٍ أو أهميةٍ معرفية محدَّدة عليه، وبالتالي بهدف فهمه. ويعتمدُ نجاحُ تأويلِ الحلم والقيمة أو الأهمية الّتي تُنسب إليه على طبيعة المؤوِّل، وعلى اهتماماتِه، بنفس قدر اعتماده على طبيعة الحُلم وأصله. ويُعدّ التَّأويل النَّاجحُ للحلم ثمرةَ تحاور تأويليٍّ ناجحٍ بين المؤوِّل والحُلم، من جهة، أو بين المؤوِّل والحالِم، من جهة ثانية، حيث يعتمدُ نجاح هذا التَّحاور على ما يقدِّمه كِلاَ الطَّرفين، قال ديڤيدسون: «الاستعارةُ عملٌ من أعمالِ أحلام اللُّغة، وباعتبارها كسائر أعمال الأحلام، فإنَّ تأويلَها ينعكسُ بشكل أكبر على الشَّخص المؤوِّل مثلما ينعكسُ على صاحِبها.».[101]أمّا فيما يتعلق بالحقيقة الاستعارية، فقد توجدُ حقيقة، لنسمّيها الحقيقة الاستعارية، في جملة، إذا نُظر إليها كجملة فقط، خاطئةً تمامًا؛ وعلى غرار ذلك، قد توجد في مقابل ذلك حقيقة، لنسمّيها الحقيقة الأسطورية، في قصة، إذا نُظر إليها كقصة فقط، خاطئة تمامًا. وبناءً على هذا الفهم، فإنَّ الحقيقة الاستعارية تُشبه القوة الكاشفة الَّتي تُمنح للجملة الاستعارية، أو تُمنح للدافع لاستعمالها، من خلال تأويل استعاري ناجح لها، وإضفاء معنى استعاري عليها.

    يتضمَّن تصوُّر ديڤيدسون الخاص، والمتعلق بالقوة الغاشمة فكرتين رئيسيتين إيجابيتين مُلهمتين: الفكرة الملهمة الأولى تتعلق بالتَّمثيلُ بين الاستعارات والنِّكات، وهو تمثيلُ ربما يكونُ قد صادَفه في الأصل في مقالة تيد كوهين “الاستعارة وتنمية الألفة” الصَّادرة سنة 1978.[102] إذ تتشابَه الاستعارات والنِّكات في كونهما تعبيرين فنيين لفظيين صغيري النِّطاق. فكما يتطلبُ الأمر ذكاءً لنسج النِّكات، ويتطلبُ الأمر حس فكاهة لفهمها؛ يتطلبُ الأمر كذلك عبقرية من نوع محدّد لصياغة الاستعارات، ويتطلب الأمر ذوقًا من نوع محدّد لفهمها. إنَّ القدرات الأربع المذكورة آنفًا قدرات إبداعية، وأنماطٌ من الابتكار، وبناءٌ إبداعي في غاية الذّكاء والعبقرية، وتفسير إبداعي في حالة الفكاهة والذَّوق. إنَّ اكتساب هذه القدرات لا يتعلقُ باستيعاب قواعد، ولا تتعلق ممارسة هذه القدرات بتطبيق قواعد. لكن القُدرات الَّتي هي إبداعية أو ابتكارية بهذا المعنى تعملُ بالفعل في البناء الحرفي، أو الأخذ من باب الحقيقة، حتَّى لو لمْ تكن لها مثل هذه الأسماء الرّفيعة.

    إنّنا نقتربُ أكثر من جوهر تمثيل ديڤيدسون إذا اعتبرنا أنَّ الاستعارات، إذا اتخذت كاستعارات، لا تحملُ معانٍ إلاّ بنفس الطّريقة أو بالمعنى الَّذي تحملُه معان النّكات، فإذا اعتبرناها نِكات، فلكلٍّ من الاستعارات والنّكات مغزى، مغزى يفهمُه بعض، ويغيب عن بعض. ويستندُ مغزى النّكتة أو الاستعارة، ويُمكن تحقيقه من خلال حملِ المعاني الحرفية المناسبة على الألفاظ والعبارات التي تُكوّن القول، أي من خلال تأويل حرفي مناسب للقول. ومع ذلك، قد ينجحُ المرء في التّأويل الحَرفي المطلوب للنكتة أو الاستعارة، ولكنّه مع ذلك يفشلُ في فهم مغزاها. إنّ مغزى النُّكتة أو الاستعارة يتجاوزُ في جوهره مجرد المعنى ثانوي، أو الدَّلالة التي تُضاف أثناء عملية تأويل ثانية، وفي الوقت نفسه هو أقل من ذلك. فهو يتجاوزُ ذلك، لأنّ إنتاج نُكتة أو استعارة في يتطلّب أولا نوعًا من النَّجاح الفني ودرجة منه: فمجرد إنتاج نكتة أو استعارة يعتبر إنجازا فحد ذاته. وفهم مغزى أيٍّ من هذين النّوعين من التّعبيرات اللَّفظية يستلزم تقدير ما أنجزه المتحدِّث في إنتاجه. ولا يكفي أيُّ قدر من الفهم الفكري لغايات المتحدّث، أو وسائله، أو الطَّريقة الَّتي حققت بها وسائله غاياته، ومدى نجاحها في ذلك، لتحقيق التّقدير. فالتّقدير ينطوي على القدرة والاستعداد لتجربة التّعبير النّهائي، وتقييمه بالطّرق الّتي يتطلّبها ما أنجزه صائغه.

    أمَّا الفكرة الملهمة الثّانية، فهي شرح لتأثير التَّأطير نفسه، والَّذي يتمثل في الغالب في حالة ذهنية تُشجعنا وتُمكّننا من إجراء التَّشبيهات، وتُشجعُنا، وتُمكّننا من ملاحظة أوجه التَّشابه وأوجه الاختلاف، والتّشابهات والاختلافات، بين المستعار له والمستعار منه. ولهذا، فالاستعارة تهتم بأوجه التَّشابه أو التَّشبيهات على الرّغم من أنّها لا تُصرح بهما. أحيانًا، يتألف التَّعبير الشِّعري الموجز، والقوي من مجرد ذكر متجاور لشيئين أو مشهدين أو موقفين مُختلفين، مُدارين بطريقة توحي بأنَّ أحدَهُما وارد لتسليط الضَّوء على الآخر. ففي قصيدة هايكو لبوسون ورد الآتي: «لقد راودتني قشعريرة مفاجئة، في غرفتنا،/ فمشط زوجتي المتوفاة تحت قدمي.».[103]  فمصدرُ الضَّوء، أي البرودة، يأتي أولاً. ولكن في أغلب الأحيان، كما في قصيدة باوند “في محطة مترو”، يأتي ثانياً. وغالباً ما ينظرُ النُّقاد إلى هذه الأبيات الشّعرية القصيرة على أنَّها حالات محدودة، أو حالات منحرفة بمعنى غير متحيز، من الاستعارة أو التَّشبيه. ويتحدّث نورثروب فراي عن “الاستعارة عن طريق التّجاور”؛[104] ويريدنا أنْ ننظر إلى الفاصلة المنقوطة عند باوند على أنَّها شبحُ صورة زائلة من صوّر فعل الكينونة الّذي كانَ يُستعمل في صياغة الاستعارات، نحو قول الشاعر: «هذه الوجوه في الحشد هي بتلات على غصن أسود مبلّل.». ويتحدّث جون هولاندر عن “التَّشبيه المُزيف”؛ ويريدنا أنْ ننظر إلى الفاصلة المنقوطة كشبح لبنية تشبيه زائل، نحو قول الشاعر:«مثل هذه الوجوه في الحشد كمثل بتلات على غصن أسود مبلل.».[105]

    تُعتبرُ فكرة ديڤيدسون عكس فكرة فراي وهولاندر: فهو يدعونا إلى اعتبار كلٍّ من فعل الوجود “هو” في الاستعارة وأداة التّشبيه “هو مثل” في التّشبيه بمثابة امتدادٍ لفاصلة باوند المنقوطة. إنّ ما يبرز في الشَّيء (أ) أو يلفتُ الانتباه عند النّظر إليه على ضوء الشَّيء (ب) هو ما يشترك فيه الشَّيء (أ) مع الشَّيء (ب)، أو ما يُمكن اعتباره مشتركًا بينهما، أي أوجه التّشابه الملموسة، الحقيقية أو المفترضة، بين الشَّيء (أ) والشَّيء (ب). إنّ تأثير التّأطير، عند ديڤيدسون، هو مسألة معرفية؛ إذ يتمثّل في لفت انتباه المرء إلى هذه التّشابهات، الحقيقية أو المفترضة. ولا يتفق معه في هذا الرأي كلُّ أنصار تصور القوة الغاشمة. (انظر على سبيل المثال: رورتي 1989، 17-18).[106]

    يواجه ديڤيدسون التَّصورات الَّتي تعتمد على التَّغير الدَّلالي مثل تصور سكولسكي من خلال التّجربة الفكرية التّالية: «هبْ أنت تُسلّي زائرًا من زُحل بمحاولة تعليمه لفظ “أرضية”. تتنقل بين الطُّرق المألوفة، وتقودُه من أرضية إلى أخرى، وتشير، وتدوس، وتكرّر اللفظ… هل نُسمّي هذه العملية تعلّم شيء عن العالم أم تعلّم شيء عن اللّغة؟ إنّه لسؤالٌ غريب، إذ إنّ ما يُتعلّم هو أنّ جزءًا من اللغة يُشير إلى جزء من العالم. ورغم ذلك، فمن السّهل التمييز بين تعلّم معنى لفظ واستعماله بعد تعلّم معناه. وبالمقارنة بين هذين النشاطين، فمن الطّبيعي القول إنّ الأول يتعلّق بتعلّم شيء عن اللّغة، بينما يتعلق الثاني بتعلّم شيء عن العالم. ينقلك صديقك القادم من زُحل عبر الفضاء إلى فلكه، فتنظر إليه من بعيد على الأرض وتقولُ له، وأنت تُومئ برأسك نحو الأرض: إنّها “أرضية”. ربما يظن أنّ هذا جزء من الدّرس، ويفترض أنّ لفظ “أرضية” يحمل على الأرض، على الأقل كما تُرى من زحل. لكن ماذا لو كنت تظن أنّه يعرف معنى “أرضية” بالفعل، وأنّك تتذكر كيف رأى دانتي، من مكان مشابه في السَّماء، الأرض المأهولة على أنَّها “الأرضية الصّغيرة المستديرة الّتي تُثير فينا الشَّغف”؟ [الفردوس 22.151، ترجمة لورانس بينيون] لقد كان هدفُك هو استعمال الاستعارة، لا التّدريب على اللّغة. ما الفرق الّذي سيحدث لصديقك في أي اتجاه فهمه للأمر؟ مع الأخذ بنظرية الاستعارة في الاعتبار، إنه لا فرق يُذكر.»[107]

    تُحدّد نظرية التّغير الدّلالي خصوصية الاستعارة في نوع خاص من تعلم اللّغة الفوري. لذلك، فهي تُعنى بالنّظر إلى الفهم الاستعاري كعملية تُؤثر فيها طريقة تفكيرنا واستجابتنا للمستعار له وللمستعار منه ، وكيفية إدراكنا لهما، على كيفية إدراكنا والتّفكير والاستجابة لألفاظ مثل لفظ “أرضية”. إنّها عملية يكون فيها ما يحتاج إلى اهتمام، وما يحتاج إلى إعادة إدراك فعّالة، هو اللّغة، وليس العالم. سيكون الفهم الاستعاري، أو تعلم اللّغة الاستعارية، مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعملية تعلم المعنى الحرفي للفظ “أرضية” السّابق. لكن الفهم الاستعاري ليس كذلك على الإطلاق. بل على العكس، إنه عملية تُؤثر فيها طريقة تفكيرنا واستجابتنا لألفاظ مثل لفظ “أرضية”، وكيفية إدراكنا له، على كيفية إدراكنا والتفكير والاستجابة للمستعار له وللمستعار منه. إنّها عملية يكون فيها ما يحتاج إلى اهتمام، وما يحتاج إلى إعادة إدراك فعّالة، هو العالم، وليس اللغة. تُصيب نظرية القوة الغاشمة في هذا تمامًا. نظرية التَّحريف الدلالي خاطئة تماماً.

    يتفق روجر وايت في كتابه “بنية الاستعارة” الصَّادر سنة 1996،[108] مع دونالد ديڤيدسون بشأن طبيعة التَّشبيه لتأثير التأطير، لكنَّه يرفضُ تصوره القائم على التَّجاور لكيفية توظيف الاستعارات لمادتها النَّحوية الصّرفة. وفقًا لتصوّر روجر وايت البديل القائم على القوة الغاشمة، تتضمن الاستعارة جملتين أصليتين قابلتين للاستعادة، تم دمجهما أو تشابكهما لتكوين الجملة المنطوقة فعليًا؛ ويتطلب التأثير المميز للاستعارة على المستمع إعادة بناء ضمنية من قِبَله لهاتين الجملتين الأصليتين، يتبعها مقارنة فعّالة للمواقف المختلفة الّتي تصفها هاتان الجملتان. ولا تزال الاستعارة تعمل من خلال إحداث تأثير تأطيري بدلًا من صياغة أو توصيل أي مضمون افتراضي محدّد. لكنه موقف تام، وليس شيئًا منفصلًا أو نوعًا من الأشياء، فما تُمكّننا الاستعارة من رؤيته من منظور جديد؛ ويُسلط هذا المنظور الجديد من خلال استحضار موقف ثانٍ ذي تعقيد مماثل؛ ويتم إدارة هذا الاستحضار من خلال تشابك الجملتين بدلًا من تجاور الألفاظ. يمكن تسمية هذا التصور الدمج. وهو جذاب بشكل خاص كتصور للاستعارات الضمنية مثل استعارة أهاب، ويستعمله روجر وايت لتقديم قراءات معمقة للاستعارات الأدبية المتسعة لأعمال شكسبير ودوستويڤسكي وغيرهما.

    في الآونة الأخيرة، استند ليپور وستون،[109] إلى عمل ديڤيد لويس حول العُرف، والإشارات، وحساب النّقاط في التحاور لتقديم سرد مستوحى من ديڤيدسون حول كيفية تعاون المتحاورين والجمهور في تحقيق الإنجاز اللّفظي الخاص الّذي تمثله الاستعارة.

    لن يكون من الممكن تحليل الاستعارة من حيث المعاني الخاصة للمتحدث، على غرار ما قام به پاول غرايس، أو المعاني الخاصة للألفاظ، على غرار ما قام به سكولسكي، إلا إذا استُعملت ألفاظ الاستعارة استعمالا تواصليًا خاصًا. ومع ذلك، فلا يُعد كلّ تنسيق مع الجمهور من خلال مقاصد مُشار إليها اتفاقا تواصلًا مع ذلك الجمهور. لنفترض أنّ متحدث ما يُنسق مع جمهوره في تحقيق هدف ما على نحو مشترك عن طريق وسيلة أو عبارة ما لمَّا تكون المقامات على النحو الآتي: أولا، يستطيع المتحدث تحفيز مستمعيه على التعاون معه في تحقيق الهدف بمجرد جعلهم يعتقدون أنّه ينوي التّعاون معهم في تحقيقه؛ ثانيا، إنّ تحفيز مستمعيه بهذه الطّريقة يستنفد إلى حد كبير المساهمة التي يحتاجها المتحدّث نفسه من أجل تحقيق هدفهم المشترك؛ ثالثا، يستطيع المتحدّث جعل مستمعيه يعتقدون أنّه ينوي ذلك بمجرد إنتاج شيء يعمل في ظل المقامات كإشارة متفق عليها تدل على قصده، حيث تُعرَّف أنظمة الإشارات المتفق عليها، وتُشرح وفقًا للخطوط الّتي وضعها ديڤيد لويس؛[110] رابعا، إنّ التّفاهم القائم بالفعل بين المتحدّث ومستمعيه يُمكّن إنتاجه لـلعبارة من العمل كإشارة متفق عليها تدل على هذا القصد من جانبه؛ خامسا، ينتج المتحدث بالفعل العبارة.

    لا شك أنّ سرد النِّكات واستعمال الاستعارات ينطويان على التَّنسيق مع جمهور محدّد: التّنسيق في الاستمتاع المشترك بسخافة موقف أو فكرة ما؛ والتّنسيق في استكشاف مشترك لتداعيات تشبيه له دلالة؛ أو ما شابه. ولكن إذا اتبعنا لويس،[111] فإنّ هذا التنسيق يُعدّ تواصلاً إذا وفقط إذا كان أحد الأمرين التاليين: الأمر الأول يتجلى في أنْ يتكون الهدف ببساطة من إضافة قضايا معينة إلى بعض النتائج أو السّجلات التحاورية العامة المشتركة؛ والأمر الثاني يتجلى في أنّ كل ما يتطلّبه الأمر لتحقيق الهدف في ظلّ هذه المقامات هو إضافة مثل هذه النتائج أو السّجلات التّحاورية.

    إنّ الأهداف الكامنة في إلقاء النّكات واستعمال الاستعارات لا تفي بهذا الشّرط. فمجرد تعديل ما يُعتبر بديهيًا من أجل التحاور الحالي لا يكفي بحد ذاته لنستمتع معًا بسخافة موقف ما، أو نستكشف معًا تبعات تشبيه ما، أو ما شابه ذلك. لذلك، تُعدّ الاستعارات والنّكات مثالين على التّنسيق اللّفظي غير التّواصلي: فمهما تطلب إلقاء الاستعارة أو النكتة من تواصل، فإنّ إلقاءهما لا يُعدّ في حد ذاته إنجازًا تواصليًا. يمكن الإشارة إلى أن لهذه النقطة تبعات مثيرة للاهتمام على نظريات أفعال الكلام. ففي بعض الأحيان، يتعاون المتحدثون مع الجمهور في إحداث أثر تأثيري دون التّعاون معهم في إحداث أيّ أثر إنجازي تمكيني. وتشمل هذه الأفعال التأثيرية المباشرة إلقاء الاستعارات والنّكات. فلّما نحكي نكتة أو نستعمل استعارة، فإنّنا نفعل شيئًا ما بالتحدث كما نتحدث، دون أن نفعل شيئًا آخر بالتحدث كما نتحدث.

    تُقدَّم تفاصيل مُهمة حول آراء ديڤيدسون الشَّخصية حول الاستعارة في مقالتيه: مقالة “اضطراب لطيف في النّقوش على القبور” الصّادرة سنة 1986، ومقالة “تحديد اللغة الأدبية” الصّادرة سنة 2005 .[112] وللاطلاع على تعليقات نقدية مُفصَّلة، يُرجى مراجعة مقالات ميرغا رايمر الثلاث: مقالة “مشكل الاستعارة الميتة” الصّادرة سنة 1996، ومقالة “ديڤيدسون حول الاستعارة” الصّادرة سنة 2001، ومقالة “رد على مقالة ‘ما تعنيه الاستعارات’ لدونالد ديڤيدسون” الصّادرة سنة 2004؛[113] وكذلك مراجعة مقالة كلّ من ميرغا رايمر وإليزابيث كيمپ “الاستعارة” الصّادرة سنة 2008،[114] ومقالة إليزابيث كيمب “الاستعارة وتعدّد المعنى” الصّادرة سنة 2013.[115] ولمزيد من المعلومات حول علاقة الاستعارات بالنّكات، وحول علاقة الاستعارة بالعلاقات الإنسانية الحميمة، يُرجى مراجعة كتاب تيد كوهين “التفكير في الآخرين: حول موهبة الاستعارة” الصّادر 2008.[116]

    5. التَّطَوُّرَاتُ الْأخِيرَةُ في الْبَحْثِ الاِسْتِعَارِيِّ

    1.5. اَلاِسْتِعَارَةُ واللِّسَانِياتُ الْمُعَاصِرَةُ

    لقد توصَّل اللِّسانيون المهتمون بالاستدلال التَّمثيلي، وبفهم المقروء، في أواخر سبعينيات القرن العشرين، إلى الاعتقاد بإمكانية إخضاع تصوُّر التَّغيُّر التَّداولي، كما هو مطروح عند پاول غرايس وجون سورل لاختبارات ميدانية صارمة، وباستعمال تقنيات طُوّرت في الأصل لدراسة علم النَّفس اللّساني. وقد استنتجوا أنَّه لو كانت التَّأويلات المَجازية للغة مبنية على تأويلات حرفية سابقة، ولم تُبنَ وتُقيَّم إلاّ لمَّا تعجز التَّأويلات الحرفية المتاحة عن تزويد العبارة بخطاب مناسب للسياق، فمن المتوقع حدوث تأخيرات طفيفة في معالجة فهم الاستعارات، وهي تأخيرات غائبة عن فهم التَّعبيرات والعبارات الحرفية المألوفة. كما يُتوقع أنْ تمرَ التّأويلات الاستعارية المتاحة للعبارات دون أنْ تُلاحظ لمَّا تكون غير ذات علاقة بالمَهمة المعرفية المطروحة. وقد نَشرتْ دراسةٌ رائدة أجراها أورتوني وآخرون[117] نتائجَ تتوافقُ إلى حد كبير مع نتائج كلّ من پاول غرايس وجون سورل. لكن سرعان ما زعمت دراسات أخرى سارت على نفس المنوال، وردت في مقالة سام غلوكسبرغ، وباتريسيا غيلديا، وهوارد بوكلين “حول فهم الكلام غير الحرفي: هل يمكن للناس تجاهل الاستعارات؟” الصّادرة سنة 1982؛[118] ومقالة داون بلاسكو وكينتيا كونين “تأثير الألفة والصلة في دراسة الاستعارة” الصّادرة سنة 1993،[119] أنها دحضت تجريبياً نظرية التَّغير التَّداولي. وقد بدأ البحث عن تصورات تُبيِّن أنَّ التأويلات الاستعارية يمكن أنْ تكون وظائف موحدة بسيطة للتأويلات الحَرفية الّتي تستند إليها، وقادرة على منافسة نظيراتها الحَرفية على قدم المساواة منذ بداية دراسة القول.

    لقد شاعَ تصوُّران من هذا القبيل في أوساط العلماء المتخصّصين في علم النّفس اللّغة. فحسب نظرية التّرابط البنيوي النَّسقي[120] الَّتي وضعَتها ديدري غينتنر وزملاؤها، يتألّفُ مضمون الاستعارة [الجديدة]، التي تُشبِّه المُحامين بأسماك القرش من الجزء الصَّادق والجديد، لما يُوحي به أفضل تمثيل متاح بين المحامين، من جهة، وأسماك القرش، من جهة ثانية. انظر في هذا الباب مقالة برين باودل وديدري غينتنر “تقدُّم الاستعارة” الصَّادرة سنة 2005.[121] أمّا نظرية الفئة العليا[122] الَّتي وضعَها سام غلوكسبرغ، فإنَّ فئة أسماك القرش الاستعارية فئة أوسع من الأشياء، إنَّها أشياء مفترسة، لا ترحم، وشرهة، وتتميز بكونها نموذجية لأسماك القرش.[123] وقد وردت مراجعات إيجابية لهذه المقاربة التّجريبية والنّظريات الّتي استلهمتها في كتاب ريموند غيبس “شعرية العقل: التفكير المجازي، واللغة، والفهم” الصّادر سنة 1994،[124] وكتاب كيث جيمس هوليوك ” خيط العنكبوت: الاستعارة في العقل، والدّماغ، والشعر” الصَّادر سنة 2019.[125]

    من المُمكن التّساؤل عمّا إذا كان تصور التّغير التّداولي يحملُ بالفعل الآثار المترتبة على دراسة الكلام في الوقت الفعلي كما يعتقد عادة العلماء المختصّون في علم النَّفس اللِّساني. لم يدّعِ تصور جون سورل لكيفية استنتاج معان المتحدّث الاستعارية، من حيث المبدأ، أنّه سردٌ تفصيلي لمعالجة الكلام في الوقت الفعلي. فكلمّا ازداد شيوع التّأويل الاستعاري ونمطيته، ازدادت احتمالية اكتشافه وتأييده دون النّظر في أيّ تأويلات حرفية منافسة ورفضها من البداية. وتتوقع نظرية غرايس وجود حالات يمكننا فيها أنْ نستنتج بثقة أنّ التأويل الحرفي يتوافقُ مع مبدأ التعاون فقط بعد أنْ ننظر في العديد من التأويلات المجازية المُنافسة ونرفضها. ومن الممكن كذلك التّساؤل عمّا إذا كان تصور التّرابط البنيوي، وتصور الفئات العليا قادرين على التّعامل مع معطيات الزمن المعقدة بشكل أفضل من نظرية غرايس. وتشيرُ دراسات أحدث إلى أنّ التأويلات الحرفية قد يكونُ لها أهمية مُلحة وفورية على نحو خاص في جذب انتباهنا. انظر في هذا الباب على وجه الخصوص كتاب راشيل غيورا “حول أذهاننا: البروز، والسّياق، واللغة المجازية” الصّادر سنة 2003.[126]

    وفي ثمانينيات القرن العشرين، تشكل أسلوبٌ مميّزٌ في التَّنظير حول اللّغة، والفكر، والمعنى في أعمال تشارلز فيلمور، وإليانور روش، وجورج ليكوف، ورونالد لانجاكر،وأتباعهم، والّذي أصبح يُعرف باسم اللِّسانيات المعرفية، انظر في هذا الباب كتاب ديڤيد لي “مدخل إلى اللّسانيات المعرفية” الصّادر سنة 2001،[127] وكتاب وليام كروفت و ألان كروز ” اللِّسانيات المعرفية الصادر سنة 2004.[128]

    يُخالفُ علماء اللّسانيات المعرفية أنصارَ النَّحو التّوليدي[129] للفيلسوف واللّساني نعوم تشومسكي، إذ يُنكرون عليهم قولهم بأنَّ الشّروط الّتي تتألف بها الألفاظ على نحو مفهوم تُحدَّد بمبادئ نحوية كونية جامدة ومُجسَّدة في وحدة لغوية خاصة؛ ويقولون، بخلافهم، إنّ الشُّروط الّتي تتحد بها الألفاظ على نحو دال هي انعكاس مباشر للشروط الّتي يمكن من خلالها تنسيق استراتيجيات معينة لتصوُّر المواقف الملموسة، وهي الاستراتيجيات الّتي تُستعمل الألفاظ للإشارة إليها واستحضارها، بنجاح مع بعضها بعض. كما يُخالف علماء اللّسانيات المعرفية أنصارَ لغة[130] فودور الفكرية، إذ ينكرون عليهم قولهم بأنّ الإدراك أو التّفكير ليس إلا مجرد تلاعب بالتّمثلات الذّهنية الخطابية الشّبيهة بالجمل وفقًا لقواعد استدلالية مُصاغة نحويًا تحافظ على الحقيقة؛ ويقولون، بخلافهم، إنّ التّصوُّر مسألة تلاعب بالصُّور الذّهنية اللاواعية بحيث تُمكِّن الأشياء والمواقف المادية المُصوَّرة على نحو ملموس من أنْ تحل محل الأشياء والمواقف الأكثر تجريدًا الّتي نسعى إلى فهمها.

    إنَّ الإشارات اللّفظية والإشارات غير اللَّفظية لا تحمل معاني ثابتة أو تحمل شروط تطبيق محدَّدة بمعزل عن سياقات استعمالها. لكنّها تدفع الجمهور إلى بناء معانٍ مناسبة لها على نحو فوري وتلقائي، في كلّ مرة يلجأ إليها المتواصلون. ويعتمد التّواصل على قدرة المُتواصل على توقع، وتوجيه بناء المعنى التّلقائي، والّذي غالباً ما يكونُ لا واعيا، والّذي ستثيره إشاراته لدى جمهوره المستهدف.

    إنَّ المفاهيم آليات للتعامل مع موضوعاتها، من جهة؛ ووسائل للإشارة إلى مكونات محدّدة لتلك الموضوعات من أجل صياغة أفكار صادقة أو كاذبة لها بنية خطابية محاطة بها، من جهة ثانية. لذلك، يجبُ التّعامل مع الحديث عن الأفكار المبنية خطابيا بحذر. فمع أنَّه من المُغري اعتبار معنى المفهوم مسألة تتعلق بالشَّيء، أو النَّوع، أو العلاقة المستقلة عن العقل الَّتي يُشير إليها؛ ومع أنَّه من المُغري اعتبار مضمون الفكرة الصَّادقة أو الكاذبة مسألة تتعلق بالقضية المستقلة عن العقل الَّتي تعبِّر عنها الفكرة؛ ومع أنَّه من المُغري اعتبار الأفكار الّتي نفكر بها كترتيب لمفاهيم لها معنى سابق، كما هو الحال في الجمل الّتي نَنطقها، والّتي تُرتّب ألفاظ لها معنى سابق، إلاَّ أنّ هذا التَّفكير يُقلّل من شأن مدى تأثير طريقة تفكيرنا على ما نستطيع التّفكير فيه وعلى ما نستطيع التّفكير حوله. إنَّ الحديث عن الإشارات، والمضامين القضوية، والصُّور المنطقية ينتمي إلى صيغة صورية لماهية التّفكير، وهي صيغة، في أحسن الأحوال، مُجرد خيال قد يكونُ ملائما في بعض الأحيان.

    إنّ مفاهيمنا الأساسية، واستراتيجياتنا الأساسية للتأقلم، هي تلك الّتي نستعملها باستمرار أثناء حركاتنا الجسدية الإرادية الهادفة، استجابةً لخصائص الأشياء المحسوسة في محيطنا المكاني المباشر. وترسم هذه المفاهيم الأساسية عالماً من الأشياء المنفصلة، ومجموعات منفصلة من عناصر فيزيائية متنوعة، موزعة في الفضاء، وتتغيّر مع مرور الزّمن مع ظهور هذه الأشياء والعناصر، وانتقالها من مكان إلى آخر، ثم زوالها في نهاية المطاف. وهي تُقدّم لنا هذا العالم الحسي الحركي من منظور زمكاني محدَّد، وتُعرّفه لنا على نحو أو بآخر كالذي يلي.

    إذا كان هناك فرق جوهري بين الاتجاهين الأفقي والعمودي؛ فإنّه يكمن في كون الاتجاه العمودي اتجاه واحد، والاتجاهات الأفقية اتجاهات متعددة. وإذا كان هناك فرق جوهري بين المُرتفعات والمنخفضات، فإنّ هناك فرق جوهري بين الحركة الصّاعدة والحركة النّازلة. فبعض الأجسام عبارة عن جسيمات نقطية غير متمايزة؛ وبعضها الآخر ممتدة، ولها واجهات، وجوانب وخلفيات مميزة؛ وقليل منها لها قمم وقيعان مميزة أيضًا. إن واجهة الجسم هي الجزء الّذي يواجه الأمام عادةً أثناء حركته، وهو الجزء الّذي يحتاج المرء عادةً إلى التّعامل معه عند إجراء معاملات جادة معه؛ وقمة الجسم هي الجزء الذي يكون عادةً في أعلى نقطة، وهكذا دواليك. إن بعض الحركات، أي الحركات القسرية، تنتج عن تأثيرات خارجية على جسم أو مادة متحركة، كالدفع، أو السحب الَّذي تمارسُه عليها أجسام أو مواد أخرى في محيطها المادي المباشر. أمّا الحركات الأخرى، أي الحركات التلقائية، فتحدث بمبادرة من الجسم المُتحرك نفسه؛ وهذه أفعال فيزيائية تقوم بها عوامل فيزيائية. يمكن لبعض الأجسام المجوفة استيعاب أجسام أو مواد أخرى بداخلها، في حيز داخلي يتحرك معها كلما تحركت؛ وهذه هي الحاويات. وقد يرتبط مكان أو جسم بمكان أو جسم آخر عبر مسار قابل للاجتياز يتكون من مواقع وسيطة. وقد يكون هذا المسار قصيرًا ومستقيمًا ومباشرًا، أو قد يكون طويلًا ومتعرجًا وغير مباشر. وترتبط الأجسام والمواد بعلاقات التّوافق، والالتصاق، والتماسك، والدعم وما شابه، ولكل من هذه العلاقات تبعات مباشرة على كيفية (ومدى استقلالية) حركة الأجسام أو العناصر المعنية. إلخ.

    تُشكّل المفاهيم الواردة في الملاحظات السّابقة نوعًا من الهندسة الشّعبية، والحركة الشّعبية، والديناميكا الشّعبية. فالعلاقات الّتي تتناولها هذه المفاهيم لا تقتصرٌ على كونها الموضوعات المباشرة الوحيدة للتجربة الإنسانية، فنحن نُدرك بعض مشاعرنا بنفس القدر من المباشرة. لكنّ المشاعر التي تُعدّ أكثر موضوعات التّجربة وضوحًا، هي التي يُعنى بها الفكر الإنساني بشكلٍ حتمي ودائم.

    نُظهر هذه العلاقات لأنفسنا ونستنتج منها من خلال صور ذهنية ترابطية بسيطة، وهي صور تُستعمل على نحو لاواعي على نحو روتيني في إجراء ترابط وتنفيذ حركاتنا الجسدية الإرادية، فهذه هي مخططات الصّور الحسية الحركية. نستعملُ هذه المخططات لمراقبة وإدارة أنشطتنا الجارية في الحاضر، ولتصور الظُّروف والأنشطة المستقبلية المحتملة عند التكهن أو التصميم. كما قد نستعملها في عروض تصويرية لمبادئ عامة مهمة تحكمُ العلاقات الهندسية، والحركية، والدّينامية الّتي تُمثلها، نحو قولنا:

    أولا: إذا كان جسمٌ ما في الحاوية الأولى، وإذا كانت الحاوية الأولى نفسها في الحاوية الثانية، فإنَّ الجسم المذكور يكون في الحاوية الثانية.

    ثانيا: إذا بدأ الجسم (س) من النقطة (أ)، وتحرك باستمرار في اتجاه واحد على طول مسار مباشر يؤدي من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، فإنه يقترب أكثر فأكثر من النقطة (ب) في أوقات لاحقة حتى يصل إليها في النهاية.

    تُصبح هذه العروض التّوضيحية ممكنة، لأنّه بمجرد إعدادها ونشرها على نحو صحيح، فغالبًا ما يُكتشف أنّ التّصوير التّخطيطي الذي يحتوي على مضمون يصف الواقع يتجاوز ما فرضه بانيه عمدًا من البداية. ولمّا يحدث هذا، يتعامل مُنشئ التّصوير مع ما بناه على أنّه يحمل معلومات صادقة (أو مضللة) متعلقة بطبيعة المواقف التي سعى إلى تصويرها، أو ما يجب أن تكونَ عليه بالضّرورة. قد تُعرض بعض هذه المعلومات الزائدة على نحو صريح وثابت، بحيث يمكنه ببساطة قراءتها من خلال التّصوير الذي بناه. هكذا يُمكننا إثبات المسألة الأولى أعلاه لأنفسنا. وهذا هو الاستدلال البنيوي. أمّا الباقي، فيُعرض ضمنيًا وديناميًا، بحيث لا يمكنه استرجاعه إلا بتحريك تصويره، والسّماح لحالاته المتغيرة بإخباره كيف تتطور المواقف الّتي سعى إلى تصويرها عادةً، أو ما يجب أن تتطور عليه بالضرورة مع مرور الوقت. وهكذا يُمكننا إثبات المسألة الثانية أعلاه لأنفسنا. وهذا هو التّنفيذ، ويُسمى أيضًا التّظاهر، أو التّوسع، أو إدارة فضاء ذهني. ومن أجل الاطلاع على “الاستدلال البنيوي” و “التّنفيذ”، انظر مقالة ليكوف وجونسون “الخاتمة” الصَّادرة سنة 2003.[131] ومن أجل الاطلاع على “التظاهر” و”التّوسع” و”إدارة الفضاء”، انظر كتاب فوكونيي وتورنر “الطَّريقة الّتي نفكر بها” الصّادر سنة 2002.[132]

    يؤكد ليكوف وزملاؤه أنّ الاستعارة في جوهرها مسألة مفهومية، أي مسألة التّفكير في شيء ما، ومن خلاله، على أنّه شيء آخر. فما يُسمّيه ليكوف بالاستعارة المفهومية، أو الخريطة العابرة للمجالات نحو استعارة: “الحب رحلة”، هو نزوع اجتماعي راسخ، ومتغلغل على نطاق واسع لتصوُّر نوع ثابت من الأشياء متعلق بمجال “العلاقات العاطفية”، على أنّه شيءٌ ثابت آخر ومن خلاله متعلق بمجال الرحلات. يُنشئ هذا النزوع المعرفي توافقًا دائمًا بين مفاهيم محددة وقياسية متعلقة بالعلاقات العاطفية من جهة، ومفاهيم محددة وقياسية متعلقة بالرحلات من جهة أخرى، بحيث أنّه في كلّ مرة تُستحضر فيها الاستعارة المفهومية، لمّا يتعلق الأمر بعشيقين جديدين، فنقول: « العشيقان يشبهان المسافران، وعلاقة الحب تشبه المركبة،  وأهداف العاشقين المشتركة تشبه وجهتيهما المشتركة في الرّحلة، والصُّعوبات في العلاقة تشبه عوائق السفر.»[133]وهكذا دواليك. فمن خلال استثمار هذه التوافقات، نستطيع، بل ونفعل، إعادة توظيف أنماط التّفكير المألوفة والسّهلة حول نوع مألوف من الأشياء الّتي يسهّل تمثلها الحسي الحركي المباشر، والتي هي الرّحلات، في نوبات تفكير جديدة وشاقة حول نوع ثانٍ من الأشياء، أكثر غموضًا، والّتي هي العلاقات العاطفية،قال ليكوف: « تتضمن الاستعارة فهم مجال من مجالات التّجربة، الّذي هو الحب، من منظور مجال مختلف تمامًا من مجالات التجربة، الّذي هو الرّحلات…».[134] وقال أيضا: «وتتيح لنا الاستعارة فهم موضوع مجرد نسبيًا أو غير منظم بطبيعته من خلال موضوع أكثر واقعية، أو على الأقل أكثر تنظيمًا.».[135]

    وبمرور الوقت، قد يتجلى هذا التّوجه المعرفي الواحد في العديد من التّعبيرات اللّفظية المختلفة، كما يقول أحد العشاق على لسان ليكوف: «لقد وصلت علاقتنا إلى طريق مسدود… انظر إلى المدى الَّذي وصلنا إليه. لا يمكننا العودة الآن. لقد كانَ طريقًا طويلًا ووعرًا. نحن الآن على مُفترق طرق. قد نضطر إلى الانفصال. إن العلاقة لا تسير في أي اتجاه. نحنُ ندورُ في حلقة مفرغة. إنَّ علاقتنا خارجة عن مسارها. إن هذا الزواج على وشك الانهيار. قد نضطر إلى إنهاء هذه العلاقة.».[136]

    إنَّ ما يجعل هذه التّعبيرات اللّفظية استعارية، حسب ليكوف، هو كونها تعبيرات مباشرة، وواضحة، عن أفكار استعارية بطبيعتها، إنّها أفكار بُنيت في البداية تحت إشراف الاستعارة المفهومية الوحيدة، الّتي هي “الحب رحلة”. لذلك، ابنِ استعارة مفهومية؛ واستعمِلها للتفكير في فكرة استعارية؛ وعبّر عن تلك الفكرة بالألفاظ بالطريقة المعتادة، وفقًا للمعاني المعتادة للألفاظ المعنية؛ وبذلك تُعتبر النّتيجة استعارة لفظية. يُعرّف ليكوف الاستعارة اللّفظية بأنّها التّعبير المباشر، والواضح، عن تصور استعاري بطبيعته، أو فكرة استعارية بطبيعتها. هذا هو تطبيق المبدأ اللغوي المعرفي العام على الاستعارة اللّفظية، وهو أنّ الصّورة النّحوية هي التّعبير المباشر عن العلاقات الدلالية الكامنة فيها.

    إنّ الفضاء الذّهني ترتيب لمفاهيم أو صور منفصلة تُستعمل لتمثيل نوع مألوف ومتكرر من الأوضاع. ويسمح لنا التّلاعب التّخيلي بهذا الفضاء بتوقع بنية الأوضاع في زمن محدّد، وفي سلوكها مع مرور الزمن، وهي الأوضاع التي صُمم لتمثيلها. تمثل الفضاءات الذّهنية طرقًا يمكنُ من خلالها تصوُّر الأشياء، كما تمثل العوالم الممكنة طرقًا يمكنُ أن تكون عليها. لقد اقترحها جيل فوكونيي في كتابه “الفضاءات الذهنية” الصّادر سنة 1994[137] كأساس لتأويل الافتراضات المُضادة للواقع، وبناء المواقف الافتراضية، الّتي اعتبرها متفوقة على التأويلات الشّرطية الصادقة والقياسية القائمة على التّحديد الكمي للعوالم المُمكنة.

    لنفترض أنّ مساحتين من هذا القبيل، تمثلان نوعين مختلفين من الأوضاع، يمكن اعتبارهما إثراءً متباينًا لفضاء عام واحد يمثل نوعًا أكثر عمومية من الأوضاع الّتي تجسدها بطرق مختلفة ومتناقضة. تتوافق المفاهيم أو الصُّور في المساحة الأولى مع المفاهيم أو الصُّور في المساحة الثّانية إذا كانت تُجسِّد المفهوم أو الصُّورة نفسها في المساحة العامة. ويمكن بعد ذلك إنشاء فضاء مُدمج رابع يستمد بعض سماته التّمثلية من فضاء الإدخال الأولى، وبعضها من الثانية، وبعضها الآخر من المبادئ العامة للتكامل المفهومي، على أمل أنْ تُمثل النتيجة بدقة، أي أنْ تتوّقع بدقة بنية الوضع في زمن محدد وسلوكه مع مرور الزّمن، نوعًا من الأوضاع المهمة على نحو مستقل. لقد قدم فوكونيي وتورنر في كتابهما “الطّريقة الّتي نفكر بها” الصّادر سنة 2000[138] إطارًا عامًا لدراسة المساحات المُدمجة وشبكات التّكامل المفهومي الّتي تُنتجها. وقد تصورا تطبيقات متنوعة لهذا الإطار في دراسة الاستدلال غير الصّوري، وتأويل اللّغة الطبيعية. وأحد هذه التطبيقات يتجلى في تأويل الاستعارات التّمثيلية الّتي تتخذ الصورة الآتية: “س= شيء  هو ص= شيء مضاف لشيء ع“، والّتي نعبر عنها باللّغة الطّبيعية في الجملة الاستعارية الآتية على سبيل المثال: “الغرور هو رمال متحركة للعقل”، وهو موضوع يستكشفه تورنر بالتّفصيل في مقالته “المجاز” الصّادرة سنة 1998.[139]

    إنّ نظرية الاستعارة المفهومية ونظرية المزج لا زالتا قيد التّطوير. ومن الدّراسات الشّاملة في هذا الباب نجد: كتاب زولتان كوفيتشيس “الاستعارة: مدخل تطبيقي” الصّادر سنة 2010،[140]  وكتاب باربارا دانسيجير وإيڤ سويتسر “اللّغة المجازية” الصّادر سنة 2014.[141] وقد استعرض ريموند غيبس ​​ في كتابه “حروب الاستعارة” الصّادر سنة 2017،[142] الاعتراضات على هذه المقاربة. كما توجد دراسة تربط بين الاختلافات في الاستعارة المفهومية، والاختلافات في إدراك الأفراد لتجسيدهم الذاتي في كتاب جينيتا ليتلمور “الاستعارات في العقل” الصّادر سنة 2019.[143]

    2.5. اَلاِسْتِعَارَةُ ومَعْرَكَةُ السِّيَاقِ

    إنَّ المعنى القابلَ لإعادةِ الصِّياغة في الاستعارةِ لا يُحسَمُ على وجه القطع بالمعاني الحرفية للألفاظ والعبارات. لأنَّ الشَّمسُ الَّتي يُفهم منها في إعادة الصِّياغة أنَّها قد تُغذي الجِسم وتُنيرُ المكان، قد يُفهم منها خلاف ذلك، أي أنَّها قد تُجفِّف الجِسم، وتُهلِكه، وتُحرِقه. وإنَّ ما أُعبّر عنه بشأن شخص ما من خلال تشبيهه بالشَّمس من باب الاستعارة يعتمد على صور الطَّاقة الشَّمسية، الَّتي تتبادر إلى ذهني حينئذ؛ وهذا بدوره يعتمدُ، على نحو صعبٍ، على المقام التَّحاوري الَّذي أقول فيه تلك الاستعارة. ففي الاستعارات تتجلى حساسية للسياق[144] عميقة وواضحة، ولهذا، فقد استندت عدة دراسات، أُجريت حول الاستعارة في السَّنوات القليلة الماضية إلى نقاشات أوسع تمحورت حول المعالجة الصَّحيحة لحساسية السِّياق في فلسفة اللَّغة النَّسقية.[145]

    بالنِّسبة للمُدعي حرفية الاستعارة، فإنّ المُعبِّرات اللَّفظية الأولية للقضايا، والحَاملات اللَّفظية الأساسية للقيم الصِّدقية، هي أنواع جمل مُحدَّدة المعنى على نحو دقيق. وبالتَّالي، فإنّ الحَّاملات الأساسية للإشارات، وللتَّوسعات، وللمضامين الشَّرطية للصدق، وإنَّ الوحدات الأساسية للتصور في الدّلالات التركيبية، هي لفظ وأنواع عبارات مُحدَّدة المعنى على نحو دقيق كذلك. ولهذا، فمن السَّهل إدراك ما يترتب على ذلك في اللُّغة الرَّمزية المُناسبة للرياضيات البحثة، المناسبة للموضوعات المجرَّدة المُشابهة لها. لكنْ من الصَّعب إدراك ما يترتبُ على ذلك في اللُّغات الطَّبيعية، إذ يُمكن استعمال نوعٍ واحد من الجملِ للتعبير عن العديد من القضايا المُختلفة مع كلِّ مظهر خارجي من الصّراحة والوضوح في العديد من المقامات التّحاورية المُتداولة المختلفة. وبذلك يأمل مُدعي الحرفية في اتخاذ حساسية السّياق للألفاظ الإشارية مثل أنا وهنا والآن نموذجًا لفهم حساسية السِّياق الدّلالية على نحو عام.

    هنا يأتي دور تصوّر مستقلٍ ومعقول للتبادل التّحاوري لدعمها. إنَّ كلا من أقوال المُتحاورين ونشاط المستمعين التأويلي يتأثرا على نحو عميق وشامل بالقيم الحالية لعدد قليل من المعالم الأساسية للسياق. ولهذه المعالم قيمٌ محدَّدة، إلى حد ما، في كلِّ مرحلة من مراحل التَّحاور الجاري على أحسن وجه؛ وتعتمد مجموعة واسعة من قواعد التّحاور، سواءً كانت لائقة أم لا، على قيمها الحالية في أي مرحلة محدّدة؛ وتتغيّر هذه القيم من قول إلى آخر استجابةً لأحداث واضحة للعيان، وفقًا لمبادئ بسيطة لديناميكيات التّحاور، إذ يمتلك المشاركون المتمرسون والواعون فرصة جيدة لمتابعة تغير هذه القيم. ويحتاجُ المشاركون إلى هذه الفرصة، لأنّ التّبادل التّحاوري السّلس وغير المقيّد، والّذي يؤدي إلى فهم تام من كلّ طرف لِمَا يقوله الآخر، ويتطلب من المشاركين امتلاك معرفة متبادلة دقيقة وشاملة، إلى حد ما، بواسطة قيم المعالم في كلّ نقطة من نقاط التّبادل التّحاوري.

    إنّ أهمّ معيار سياقي، وأكثرها وضوحًا هو الّذي يُفترض مسبقًا من النّاحية التّداولية، وهو مجموع القضايا الَّتي يُفترض صدقُها على نحو متبادل لأجل التّحاور الجاري. ومع ذلك، فمن السّهل اعتبار الذي يتحدث، والذي يخاطب، وزمن التحدث، وعلاقات الصلة المرتبطة بما يتم التّحدث عنه، وما إلى ذلك، معالم سياقية إضافية. يبدو، في الواقع، أنّ المعالم الّتي تتأثر بها مضامين الألفاظ والعبارات “الحساسة للسياق” على نحو خاص هي من بين المعالم السّياقية التي يُعدّ إدراكها المتبادل ضروريًا لتنسيق التّحاور بحرية على نحو عام. لذلك، ربما ينبغي لنا أنْ ننظر إلى أنواع الجمل على أنّها تعبّر عن قضايا، وأنْ ننظر إلى أنواع الألفاظ والعبارات على أنّها تعبّر عن مكونات أو مضامين القضايا، وذلك بارتباط بتعيين قيم لمعالم السّياق المختلفة الّتي تحكم التبادل التَّحاوري الجاري، والّذي سيسير تقريبا على النّحو الآتي: أولا، يحدّد المضمون المتراكم في نوع الجملة عند نطقها، أي المضمون الّذي تحمله مرتبطا بالقيم النّشطة الحالية للمعالم السّياقية المحدّدة، وما يمكن قوله أو إيصاله مباشرةً من خلال نطقها. ثانيا، يحدّد ما يُقال أو يُوصل مباشرةً من خلال القول، بالإضافة إلى مختلف التّغيرات الأخرى المتاحة للعامة في ظروف التّحاور، وكيفية تغير المعايير السّياقية استعدادًا للقول التالي. ثالثا، لمّا تكون القيم الّتي تتخذها المعالم السّياقية استعدادًا للقول التالي مناسبة تمامًا لتأويل القول التالي عند صدوره، فإنّ المضمون الّذي يحمله هذا القول عند صدوره هو المضمون الّذي تمتلكه الجٌملة المنطقية في ارتباطها بالقيم محددة المعالم مسبقًا. رابعا، لمّا تكون القيم الّتي تتخذها المعالم استعدادًا للقول التالي غير مناسبة كما هي عليه عند صدورها، ولكن يوجد تغيير بسيط، وفريد، ​​وممكن، وواضح للعيان في تلك القيم من شأنه أنْ يجعل القول مناسبا وقابل للتأويل على نحو صحيح، فإنّ هذا التغيير يحدث فورًا، ويكون المضمون الّذي حمله القول التالي عند صدوره هو المضمون الذي تحمله الجملة المنطوقة مرتبطة بمجموعة قيم المعالم الجديدة الناتجة عن هذا التعديل في اللحظة الأخيرة. وتُطلق الأدبيات على هذه العملية اسم التّكيف.

    من أجل التنظير الدّلالي والتّداولي، يمكننا تمثيل السّياقات الّتي تتأثر بها مضامين التّعبيرات الحساسة للسياق، والّتي تتغير تبعًا لها، من خلال مجموعة من القيم الممكنة محددة المعالم. كما يمكننا تمثيل معنى لفظ أو عبارة معينة، تم توضيح معناها على نحو مناسب، بواسطة قاعدة للوصول إلى مكون قضوي مناسب أو مساهمة أو مضمون مشروط بالصّدق، بالنّظر إلى سياق مفهوم على هذا النحو. لقد أطلق ديڤيد كابلان على هذه القاعدة، الّتي تنقلنا من السّياقات إلى المضمون، اسم خاصية. وقد وُضعت الموارد التّقنية التي يستعملها أنصار المذهب الحرفي تدريجيًا على مر السّنين من قِبل ريتشارد مونتاغ في كتابه “الفلسفة الصُّورية” الصَّادر سنة 1974،[146] ومقالة ديڤيد كابلان “أدوات الإشارة” الصَّادرة سنة1989،[147] ومقالة ديڤيد لويس “تسجيل النّقاط في لعبة لغوية” الصَّادرة سنة 1979،[148] وكتاب روبرت ستالناكر “سياق المضمون” الصَّادر سنة1999.[149] لكن يبقى التّساؤل مطروحًا حول ما إذا كان أيٌّ من هؤلاء سيؤيدها تأييدًا كاملًا. ومن بين أبرز أصحاب التّصور الحرفي نجد: كينت باخ في مقالته “سياق إكس ماكينا” الصَّادر سنة 2005،[150] وجيسون ستانلي في كتابه “اللُّغة والسِّياق” الصَّادر سنة2007،[151] وأولئك الذين أطلقوا على أنفسهم اسم أصحاب التّصور الدلالي البسيط وهم: إيما بورغ في كتابها “الدَّلاليات المبسطة ” الصَّادر سنة 2004،[152] وهيرمان كاپيلين وإرني ليپور  في كتابهما ” الدلاليات غير الحساسة: دفاع عن التبسيط الدَّلالي وتعدد أفعال الكلام ” الصَّادر سنة 2005.[153]

    وعلى النقيض من ذلك، يصرّ دعاةُ التصور السِّياقي على أنَّ ما يلزم ليكون القول صادقا أو كاذبا، وما يلزم ليكون نوع الجملة المنطوقة صادقا أو كاذبا كما تنطق، هو مسألة تتعلق بما يلزمنا لنكون صادقين أو كاذبين في قولنا. ولمَّا أستعملُ ألفاظي بكلّ صراحة ووضوح ظاهريين، فلا مجال ببساطة لتمييز مبدئي وتفسيري بين ما أقوله وما أعنيه، وبين القضية الَّتي أعبر عنها، والقضية التي أوصلها. وكقاعدة عامة، فإنَّ القضية التي أعبّر عنها في حديثي هي ما ستؤكده إذا أجبت بجواب “نعم، هذا صحيح“؛ وما ستنكره إذا أجبت بجواب “لا، هذا غير صحيح“؛ وما ستشكك فيه إذا أجبت بجواب “هل هذا صحيح؟”. ولما يكون هناك تباين بين ما يقال، وما يُقصد بنجاح في أي من الاتجاهين، ويجب أن يكون التباين قابلاً للتمييز نظريًا على الأقل في الخطوط العريضة، وإلا فلنْ تنطلق الاستنتاجات التَّحاورية عند پاول غرايس من البداية.

    ويتابع مدعي السِّياق قائلاً: إذا افترضتم هذا القدر، فسيتعين عليكم أنْ تستنتجوا أنَّه لا يوجد حدٌّ مُحدد لعدد المعاني الّتي يمكن أنْ يتخذَها لفظ له معنى حرفي مُحدد، ولا يوجد حدٌّ مُحدّد لخصائص مناسبة الاستعمال الّتي يمكن أن تُصبح مرتبطة بتحديد أيٍّ من هذه المعاني سيتخذها اللّفظ فعليًا في مناسبة استعمال مُعينة، بالنظر إلى معناه الحرفي. تقاوم السياقات التمثيل المُوجز من حيث مجموع من قيم محددة المعالم، ولا يُمكن تلخيصُ الانتقال من المعنى الحرفي إلى المضمون المُناسب، في سياق مُعين، وفي أي قاعدة معلمية مُنظمة؛ فهو هيرمينوتيقي [تأويليٌّ] بطبيعته أكثر منه خوارزمي. وكما يقول تشارلز تراڤيس: «خذ أي جملة مفتوحة، مهما كان عدد موضوعاتها المُفترضة، بحيث يُملأ كل موضعٍ منها بالإشارة إلى نوع معين من الأشياء. وخذ أيّ تسلسل من الأشياء، بحيث يكونُ كلُّ تسلسل مناسبًا للإشارة في موضعه المقابل. عندئذٍ، يكونُ معنى الجملة المفتوحة متوافقًا مع قولها أيًا من الأشياء التي لا حصر لها [عن] تلك الأشياء، المشار إليها في خاتمتها. على سبيل المثال، هناك تنوع لا محدود في الأشياء التي يمكن قولها عند وصف شخص ما بأنه في المنزل في وقت محدّد. (هل أنت في المنزل لما يكون منزلك، وأنت بداخله، وقد انزلق أسفل التل؟).».[154]

    يستنتج دعاة السِّياق أنّه لا يوجد معيار محدّد، وقابل للقياس يمكنُ من خلاله تحديد أنواع الجمل في اللُّغة الطبيعية الّتي تعبّر عن قضايا محدّدة. فأنواع الجُمل لا تعبّر في حد ذاتها، في الواقع، عن قضايا، ولا تمتلك شروط صدق على الإطلاق. إن ما يمثله الصدق، والكذب، والمضمون القضوي في المقام الأول هو دلالات على تأثير تواصلي محدّد من قبل متحاورين محدّدين. فكما يقول فرانسوا ريكاناتي: “فالجملة لا تعبّر في سياق فعل الكلام سوى عن مضمون محدّد”. ومن أبرز دعاة التّصور السياقي نجد: تراڤيس في مقالته “المدخل” الصَّادرة سنة 2008،[155] وجون سورل في مقالته “الاستعارة”الصَّادرة سنة1979،[156] وفرانسوا ريكاناتي في كتابه “المعنى الحرفي” الصَّادر سنة 2004،[157] وهيربرت كلارك  في مقالته “صناعة المعنى واللامعنى” الصَّادرة سنة 1992،[158] وستيفن ليڤينسون في كتابه “المعاني المفترضة” الصَّادر سنة 2000،[159] هذا بالإضافة إلى منظري الملاءمة المعاصرين أمثال: روبين كارستون  في مقالته “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادرة سنة2002،[160] وآن بيزويدنهوت في مقالتها “التداولية الشرطية الصادقة” الصَّادرة سنة 2002،[161] وسپيربر وويلسون في كتابهما “الملائمة: التّواصل والمعرفة” الصَّادر سنة 1995.[162]

    عند مواجهة ألغازٍ مثل لغز تراڤيس حول ما يتطلبُه الأمر للشعور بـ”الراحة التامة”، فإن المتمسك بالتفسير الحرفي يحتاج إلى التّأكيد على أنَّ الفكرة الّتي أنجح في إيصالها من خلال جملة ما، غالبًا ما تختلفُ عن الفكرة الّتي تعبّر عنها جُملتي بالنسبة للقيم السّائدة المرتبطة  بالمعالم السياقية، حتى لمّا أتحدّث بكلّ مظاهر الصَّراحة والوضوح. وتستنتج تراڤيس من ذلك وجود تباينات بين ما نقوله حرفيًا، أي الأفكار الّتي نعبّر عنها لفظيًا، وما نعنيه فعليًا، وهي تباينات أدق من تلك الّتي تظهر في التّضمين التّحاوري الكلاسيكي عند پاول غرايس. وتأملُ تراڤيس أن تُطبَّق الاستراتيجيات التّمييزية والتّفسيرية الّتي استعملها غرايس لدراسة التّباينات الواضحة نسبيًا بين القول والقصد، على هذه التّباينات الدّقيقة أيضًا.

    لمدعي السياق حرية اعتبار بعض الاستعمالات المجازية على الأقل تكون قائمة على التّباين بين المضمون الحرفي الّذي يكتسبه التّعبير مباشرةً ومن أسفله، بحكم معناه، وخصائص سياق استعماله، والمضمون المجازي المشتق، الّذي ينقله التعبير من خلال بنية القواعد النحوية كمساهمة منه في مضمون أي بنية نحوية أكبر قد يكون جزءًا منها. وبعبارة أخرى، فإن له حرية اعتبار بعض الأساليب البلاغية تكون، على الأقل، متضمنة لعمليات إعادة تعيين للمضمون مستوحى من النّاحية التداولية.

    أمّا بالنسبة لمدعي الحرفية، فإنَّ كلّ المضامين المُمكنة لتعبير محدّد تنبثقُ من معنى حرفيٍّ مناسب له، وبنفس الطّريقة والمباشرة، فنحن ببساطة نطبّق قاعدة واحدة لتحديد المضمون، ونطبّق نفس الخاصية، على سياقات مختلفة. لذلك، فالتّصور الحرفي، بهذا المعنى، لا مكان فيه للمضامين المجازية في تصوره لاستعمال اللغة المجازية.

    وتميل التصورات السياقية الحديثة للاستعارة إلى القول بأنْ تكون تمارين في “التّداولية الشّرطية للصدق”، فالاستعارة تتضمن مزجًا من الإثراء، والتّخفيف، في شروط تطبيق الألفاظ العامة المقصودة، حيث يكونُ التغيّر الجذري الناتج في المضمون كاف لجعل ما يُفترض أنّ المتحدث يقوله، وما يُفهم منه، أو يُلمح إليه متوافقًا مع معايير التّحاور المقصودة. وتستمد المواد المفهومية الأولية للمضمون المتغيّرة جزئيًا ممّا يُعتبر مُسلّمًا به في نقطة محدّدة من تحاور محدّد، وجزئيًا من المسلّمات الشائعة الّتي يستعملها المتمكنون من تلك الاصطلاحات. وفي التصورات القائمة على نظرية الملاءمة، كما هو الحال عند رونين كارستون في مقالته “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادر سنة 2002،[163] وآن بيزويدنهوت في مقالتها “الاستعارة وما يُقال: دفاع عن وجهة نظر التعبير المباشر للاستعارة” الصَّادرة سنة 2001،[164] ومقالة كل من دان سپيربر وديردي ويلسون ” تصور مُبسط للاستعارات ” الصَّادر سنة 2008[165] ويُعد التّغيير جزءًا من نفس عملية التّضمين التّحاوري الّتي يمكن الوصول إليها تأمليًا، والتي نستعملها لاستخلاص التضمين الكلاسيكي عند پاول غرايس. وفي تصور فرنسوا ريكاناتي المنافس له في كتابه “المعنى الحرفي” الصَّادر سنة 2004،[166] تُدار الاستعارة من خلال عمليات “ترابطية” يفتقر المستمع إلى الوصول التأملي فيها. ويؤكد سبيربر وويلسون أنّ الاستعارة ليست سوى مثال درامي بارز لعمليات تغيير المضمون، الّتي تعملُ في كلّ مراحل تأويل اللّغة، ولا تنطوي على مبادئ مميزة خاصة بها.

    لقد اتخذت التّأويلات الحرفية الحديثة للاستعارة نمطين يمكنٌ عرضهما كالآتي:

    النمط الأول، يتجلى في وجود محاولات لتصوير حساسية الاستعارة للسياق من خلال خصائص كابلان، أي من خلال قواعد تجعلُ المضمون الدَّلالي لمكون استعاري محدّد مناسبًا دالةً مناسبةً للقيمة الحالية لمعلم سياقي محدد له ارتباط خاص بالاستعارة. فعند استعمال التعبير الاستعاري المحوري في سياق البنى المشروطة والافتراضية، فإنّه يُضفي الخصائص الّتي يُبرزها فعليًا في هذه اللّحظة على وصف الظروف الّتي كان سيُبرز فيها خصائص أخرى لو استُعمل فيها. وهذا ما دفع جوزيف ستيرن في كتابه “الاستعارة في السّياق” الصَّادر سنة 2000،[167]  إلى افتراض عامل أخذ الاصطلاحات وتكوينها، “قول من باب الاستعارة” أو “استعاري”،[168] الّذي يُترك عادةً دون نطق، ويُحاكي سلوكه سلوك عامل كابلان المُثبِّت “مجازي”.[169] يفترض ستيرن أنّه في أي لحظة محدّدة من أي تحاور، توجد مجموعة من الأمور المسلّم بها بين الطّرفين لها أهداف تأويلية شكلية مختلفة؛ ويسميها الافتراضات الأولى.[170] استحضر في هذا الباب المسلمات الكلامية عند سكولسكي. وعلى غرار الافتراضات العادية، تتغير الافتراضات الأولى من قول إلى آخر تحت تأثير ضغوط التكيف، وتُضفي على الاصطلاحات “دلالات ضمنية” بمعنى مشابه لمعنى سكولسكي: فخاصية (ب) “مُتضمنة” أو مرتبطة بمصطلح عام محدد، وفي سياق محدد، وذلك في حال كان من المفترض ضمنيًا في ذلك السياق أن الأشياء التي ينطبق عليها مصطلح عام تمتلك الخاصية (ب). ويمكن تلخيص شرح كابلان الكامل لمصطلح “استعاري” بالتقريب على النحو الآتي:

    فإذا كان لدينا مصطلحا عامًا Φ، فإنه في سياق محدد، يكون مضمون  “Φ استعاري” عبارة عن اقتران كل الخصائص الاستعارية المرتبطة بالمصطلح Φ في ذلك السياق المحدد؛ وفي هذا السياق يتم تحديد هذا الاقتران من خلال الخصائص في أي ظرف من الظروف.[171] وهذا يجعل مضمون” Φ استعاري” دالةً لمعلم محدد له غرض خاص، وهي مجموعة الافتراضات الأولى الفعّالة ، حتى في الحالات التي يكون فيها للمصطلح Φ نفسه نفس المضمون في كل سياق.

    النمط الثاني، يتجلى في الجهود التي تُبذل لإحياء تصور پاول غرايس الكلاسيكي للاستعارة من خلال التشكيك في المعايير التشخيصية المحدّدة لما ” يُقال”، والتي يُصرّ السّياقيون المعاصرون على التشبث بها. ويسعى الحرفيون الجدد المتبنين لتصور غرايس إلى إثبات أنّ المعنى قد يختلفُ عما يُقال حتى لما يتحدّث المتحدثون بكلّ صراحة ووضوح، وأنّ هذا هو ما يحصل تحديدًا لما يلجأ المتحدثون إلى الاستعارة. تتشابه الحجج التي يستعملها أصحاب التصور السياقي ضد خصومهم تشابهاً لافتاً مع تلك التي استعملها كريپكي ضد تصور دونيلان القائم على المضمون للتمييز بين الاستعمالات الإشارية، والاستعمالات الوصفية. انظر في هذا الباب مقالة كيث دونيلان “الإشارة، والأوصاف المحددة” الصَّادرة سنة 1966،[172] ومقالة سول كريپكي “إشارة المتحدث والإشارة الدلالية “(1977)،[173] وانظر المدخل الخاص بالأوصاف في موسوعة ستانفورد الفلسفية.

    يُقدّم بحثٌ مُفصّلٌ بشكلٍ خاص في هذا السِّياق أنجزته إليزابيث كامب في مقالتها “السّياق، والاستعارة، وما يُقال” الصَّادرة سنة 2006؛[174] ولا يُمكننا هنا استعراض سوى إحدى حُججها. وقبل فترة، لفت اللُّغوي لاري هورن الانتباه إلى “ظاهرة النّفي ما وراء اللّغوي، وهي أداةٌ للاعتراض على عبارةٍ سابقةٍ لأي سببٍ كان، بما في ذلك الدّلالات التضّمنية التقليدية أو التحاورية التي قد تُوحي بها، أو بنيتها، أو أسلوبها، أو نطقها”.[175] لنأخذ على سبيل المثال عبارة “لمْ يكنِ الجوٌ دافئًا، وإنَّما كان خانقًا”، إذ يُفترض، بطبيعة الحال، أنّه إذا كان الجو خانقًا، فإنَّه كان دافئًا أيضًا. وفي كثيرٍ من الحالات، يُمكن في الواقع استعمال أداة لغويةٍ يعتبرها أصحاب السّياق مُخصصةً لنفي ما قيل، ولنفي قضيةٍ أو أخرى غير مُعلنةٍ ومرتبطةٍ بها.[176] تُؤكد إليزابيث كامب بأنَّ هذا يجعل التّشخيصات القائمة على النّفي المباشر لمَا قيل غير موثوقةٍ على نحو منهجي. وإذا كانت محقة في هذا، فإنَّ التشخيصات القائمة على التّأكيد المباشر، والتشخيصات القائمة على الاستجواب المباشر ستواجه مشكلة لنفس السَّبب المذكور.

    3.5. اَلاِسْتِعَارَةُ وَلُعْبَةُ التَّظاهُرِ

    أصدرَ الفيلسوفُ الأستراليُّ كولين موراي تورباين سنة 1962 كُتيباً حول نظرية الفيلسوف جورج بيركلي في مسألة رؤية الكون عنوانُه “أسطورة الاستعارة”.[177] وقد تناولَ هذا الكتاب الاستعارة على نحو عام أكثر ممَّا تناولَ نظرية بيركلي على وجه خاص.

    لقدْ فهِمَ كلُّ من ديكارت ونيوتن الأشياء المَادية كآلات معقَّدة، أو كساعات، أو كتحف فنية، صنعت من قبل صانع ساعات إلهي، مُجريا في بعضها بعض، وفي البشر المدركين لها، تأثيرًا إيجابيًا أو سلبيًا وفقًا لقوانين ميكانيكية بسيطة ومطلقة. أمَّا بيركلي، فقد فهمَها كمجموعٍ من الأفكار المرئية، وكآيات متبعة، كتبت بلغةٍ يستعملُها الله للإشارة إلى تبشيرات قد تكون مُمتعة، وإلى إنذارات قد تكون مهلكة، مخاطباً بها أرواحا بشرية محدودة ومسيَّرة مثلنا. ويرى تورباين أنَّ هذين النَّوعين من الفهم المتباين للأشياء المادية يُفضَّل النَّظر إليهما ليس كنظريتين متنافستين، وإنَّما كاستعارتين مُتلائمتين ومُتكاملتين.

    تتضمن الاستعارة استعمالَ لفظٍ أو رمزٍ بمعنى جديدٍ يختلفُ عن معناهُ المُعتاد، وهو ما يُسمِّيه تورباين “التَّحويل الرَّمزي”. فلا يُعتبرُ كلُّ تحويلٍ رمزي استعارة، مثلما لا يُعتبرُ كلُّ مجازٍ استعارة، وإنَّما يعتبر التَّحويلُ الرَّمزيُّ استعارةً لمَّا ينطوي على “التَّظاهر بأنَّ شيئًا ما يوجدُ على حالٍ، وهو لا يوجدُ عليها”، كما هو الحال لمَّا وصف ديكارت الأرض والعالم المحسوس بقوله: «إنَّ مَثلَ هذه الأرض، ومَثلَ هذا العالم المرْئي برمته، كمَثلِ آلة».[178] لذلك، فلمَّا أقول على سبيل المثال: إنَّ الإنسان ذئبٌ، «فبما أنَّني أطلق عليه [الإنسان] الاسم نفسه، فإنَّني لا أعتقدُ أنَّه نوع من أنواع من الذئاب. إنَّني أتظاهر فقط بأنَّه كذلك… أي أنَّني أتظاهر بأنَّ شيئًا ما يوجدُ على حالٍ، وهو لا يوجد عليها، وأطلبُ ضمنيًا من مُستمعي أنْ يفعلَ الشَّيء نفسَه.».[179] إنَّ هذا التَّظاهر يأتي مصحوبًا بقصد: أي «أنَّني أقصد أنَّ [الإنسان] يشتركُ مع الذئاب في بعض خصائص، ولكن ليس بالقدر الكافي لجعله ذئباً حقيقياً.». وعلى غرار ذلك، «فلمَّا أقولُ إنَّ الرُّؤيةَ لغةٌ، فإنّني أقصد أنَّ الرُّؤية تشتركُ في بعض الخصائص مع اللُّغة، ولكن ليس بالقدر الكافي لوضعها موضعَ اللُّغة الإنجليزية واللُّغة الفرنسية».[180] يبدو أنَّ ما أقوله لمَّا ألجأ إلى الاستعارة، وما أقصدُه بها بالمعنى الخاص عند تورباين، هو كلّ ما يلزم للحفاظ على تظاهري وجعلِه ذا قيمة. إنَّ التَّظاهر بشأن العالم يسير جنبًا إلى جنب مع التَّظاهر بشأن اللُّغة: يظهر الشُّعور بالتَّضليل الدلالي[181] في العبارة الَّتي تقول: «النَّاسُ، والذئابُ الخشبية ذئابٌ» أنَّ لفظ “ذئب” يُستعملُ في الواقع بمعنيين مختلفين على الرَّغم من أنَّه يبدو كما لو كانَ يُستعملُ بمعني واحد ؛[182] وهناك تظاهرٌ مشتركٌ بأنَّ المَعنيين متطابقان ،[183] هذا على الرّغم من إدراك كلاَ الطَّرفين على أنَّهما في الواقع مُختلفان. غالبًا ما يُتوقع أنْ يُدعم هذا التظاهر ويكافئُه، ما نقصده بالتّظاهر، مجموعة أوجهِ التَّشابه بين المستعار منه والمستعار له. لكن ليس بالضَّرورة أنْ يكونَ الأمرُ كذلك، ولمَّا لا يكونُ الأمرُ كذلك، تتوقفُ الاستعارة عن كونها مجرد مجازٍ قائم على المشابهة على نحو تام. لذلك، فالمجازُ المرسلُ، والكنايةُ الشِّعرييْن، وتلك الأساليب البلاغية الَّتي يرد فيها تجاوزٌ وتوسُّع تعتبرُ استعاراتٌ خاليةٌ من التَّشابهات.

    وإذا تقرَّر أنَّه من السَّهل أنْ يغيبَ التَّظاهر الاستعاري عن بالنا، فإنَّنا قد نخطئُ في اعتبار النَّموذج مثالا حقيقياً لمَا يُمثِّله، وننتقلُ من التَّظاهر إلى الاعتقادِ المطلق، ونَخلطُ القناعَ بالوجه الحقيقي، ونحمِلُ المعنى الاستعاري على وجه الحقيقة؛ وهذا ما حدثَ للفيلسوف جورج بيركلي ومعارضيه من الفلاسفة الآليين، على حد قول تورباين؛ فقد انطلقا من تقديم استعارتين، لكنهما انتهيا إلى طرح نظريتين؛ وبذلك فقدا بوصلةَ افتراضاتهما، وأصبحا ضحايا رؤيتيهما.

    لقد كانت فكرةُ تورباين عن الاستعارة تتجلى في أنَّها مجموعة من الإيماءات غير التامة. وقد احتاج الأمر إلى كيندال والتون في مقالته “الخيال القائم على الاستعارة والدعائم” الصَّادرة سنة 1993[184]  لإعادة اكتشاف هذه الفكرة، ووضع نظرية منظَّمة من خلالها. فقد كان والتون رائداً للمقاربة المُتعلقة باللَّعب التَّخيلي لدى الأطفال وما يُشابهُه في ثقافة الإنسان البالغ، وهي مقاربة قائمةٌ على مفهوم لعبة التَّخيّل. تخضع هذه اللُّعبة لقواعد أو معايير معقَّدة ومُضمرة ومتفق عليها، تُسمى مبادئ التَّوليد، والَّتي تجعلُ من الخيالي فيها، أي ما يُفترض أنْ يتخيلَه اللاعبون أثناء اللَّعب، وظيفةً ثابتة للحالات والسُّلوكيات الفعلية لمختلف الأشياء والأشخاص الَّذين يدركونها، ويتفاعلون معها أثناء اللَّعب. ويُطلق والتون على هذه المُولدات للمضمون الخيالي اسم الدَّعائم.

    إنَّ التَّمثلات الأيقونية واللَّفظية لأنواع تقليدية مألوفة من قبيل: الدمى، وأحصنة اللَّعب، والتَّماثيل، واللَّوحات، والرِّوايات… دعائم جامدة، وقطع أثرية وظيفتُها الأساس المساعدة في توليد مضمون خيالي في ألعاب التَّظاهر بأنواعها المألوفة والمُتكرِّرة. ويكمن جوهر هذه التَّمثلات في مدى جاهزيتها للعمل كدعائم، وكيفية تشكيلها للمضمون الخيالي من خلال المساعدة في توليده عند لعب هذه الألعاب المألوفة والمتكرِّرة، هذا من جهة. أمَّا المُمثِّلون، فهم، من جهة ثانية، دعائم حية، ودعائم من نوعٍ فاعلٍ وواعٍ بذاته؛ إنّهم، بصفتهم دعائم حية، يساهمون في تأليف وتوجيه المضمون الخيالي، الّذي يساهمون في إنتاجه، وبصفتهم مُتخيلين مطيعين، يستمرون في استهلاكه لاحقاً. إنّ الممثلين يتصرَّفون عن قصد، وبطريقة تهدف إلى تشكيل ما ينتج خياليًا في الألعاب الَّتي يلعبونها مع بعضهم بعض، من جهة، ومع العناصر الجامدة البارزة في العالم المحيط بهم، من جهة أخرى، وبذلك يُنظمون تخيلاتهم وتخيلات زملائهم اللاَّعبين على نحو قصدي.

    إنَّ أبرز ألعاب التَّخيُّل، أي تلك الألعاب التي تنطوي على تمثل مُخطط له مسبقًا، أو على تمثلات مُعدّة مسبقًا، أو على كليهما، هي تلك الألعاب الَّتي يتخيَّل فيها اللاعبون بوضوحٍ وشغف ما يُفترض بهم تخيُّله وفقًا للقواعد، لأنَّ القيام بذلك، في حد ذاته، يُشعرهم بالرِّضا. وتُعتبرُ الدَّعائم في هذه الألعاب وسائل لتحقيق غايات تخيُّلية، تستمد قيمتها أو أهميتها من القيمة أو الأهمية الجوهرية للمضمون الخيالي الَّذي تُساعد في توليده. ولهذا، فهذه الألعاب مُوجّهة نحو المضمون، ومن الأمثلة على ذلك: لعب دور الشُّرطة واللُّصوص، أو تمثيل مسرحية هاملت، أو قراءة رواية من أجل الاستمتاع بقصتها. لقد حلَّل والتون في كتابه “المُحاكاة باعتبارها خيالا” الصَّادر سنة 1900[185] أنماطًا مُهمة ومختلفة من التمثل داخل الفنون وخارجها، كالتَّصوير، والسرد، والتمثيل الدرامي، وما إلى ذلك، من خلال أنواع الدعائم الخاصة، وأنواع مبادئ التوليد الخاصة، التي تميز هذه الألعاب البارزة من الناحية الأنثروبولوجية، باعتبارها ألعابا مُرضية في حد ذاتها، من جهة، ومُوجّهة نحو المضمون، من جهة ثانية.

    لكن ليست كلُّ ألعاب التَّخيل تسير على هذا النحو. إنَّ الألعاب الَّتي نلعبُها، والقصص الَّتي نخلقها أثناء لعبها تستمد، أحيانا، جزءًا كبيرًا من قيمتها وجاذبيتها من الطريقة التي تمكننا بها من الإدراك والتصور والتعامل مع أدواتها. وأحيانًا، يمكن بناء أو إعادة بناء أفكارنا وكلامنا حول أشياء موجودة بالفعل وذات أهمية بالغة بالنسبة لنا، وذلك بتوظيف هذه الأشياء كأدوات في لعبة تخيلية مناسبة، وتحويلها مؤقتًا إلى تمثلات مرتجلة لشيء مختلف تمامًا. تخيَّل للحظة، على سبيل المثال، أن إيطاليا حذاء، وحوّل إيطاليا مؤقتًا إلى تمثل مرتجل لحذاء، فإنَّك ستحصل على مخطط جاهز لتحديد مواقع المدن إيطالية المحددة بالنسبة لبعضها بعض، مستمد من طرق التفكير والحديث المألوفة والراسخة حول الأحذية ومكوناتها. فهذا النوع الثاني، حسب والتون، من الألعاب موجه بالدعائم.[186] وبما أن الأمر لا يعتمد كثيرًا على مدى وضوح تخيُّلنا للأشياء التي تقتضيها هذه الألعاب، فقد لا ندركُ تمامًا أنَّنا نلعبها حتى أثناء قيامنا بذلك. ومع ذلك، فنحنُ بارعون بشكل ملحوظ في لعب مثل هذه الألعاب مع بعضنا بعض على أساس ارتجالي، وبدون صياغة، ناهيك عن تحديد، مبادئ التوليد الَّتي تحكم تعاوننا الإبداعي طالما استمر.

    ولهذا، فلمَّا نسمعُ استعارة روميو “جولييت هي الشمس” في سياقها الحواري المتداول، فإنَّنا نظنُ أنَّ روميو يتخيل حبيبته الجديدة على أنَّها الشَّمس بكل بساطة. إنَّنا نظن أنَّ روميو قادر على تخيل ذلك، وفي رأيه الشخصي، يُطلب منه تخيُّل ذلك، وفقًا لقواعد لعبة التَّظاهر، الّتي يجدُ نفسه يلعبها تلقائيًا، وهي لعبة نحاولُ مشاركتها معه، ونسعى جاهدين لفهم ألفاظه. وعليه، فإنَّ روميو يتخيَّل جولييت على أنَّها الشَّمس، لأنَّه يشعر بأنّه مطلوب منه القيام بذلك، ويشعر بهذا الطّلب بسبب القواعد الَّتي يظن نفسه ملتزمًا بها من جهة، وبسبب ما يعتقد فيه حقًا عن جولييت نفسها من جهة أخرى.

    بما أنَّه من المحتمل أن تقوم  لعبة روميو  على مبدأ أنه لما يُظهر ادعاءه بأنَّ جولييت شمس، فإنَّه يُضفي على هذا الادعاء طابعًا خياليًا، ويجعله يبدو صادقًا ومخلصًا، لأن العديد من ألعاب التظاهر تعمل بهذه الطريقة. وإذا تقرر هذا، فإنّ كلامَه يُعدّ مشاركةً لفظيةً في اللُّعبة التي يُعلّق عليها، وحركةً تُولّد خيالًا في اللعبة وفقًا لقواعدها، أي إظهار ادعاءه بأنَّ جولييت شمس سيُعتبر خياليًا إقرار صادق ومخلص لهذا الأمر. أو ربما لا يكون كذلك، أي ربما لا يتظاهر بقول أو إقرار بأي شيء على الإطلاق في حديثه. ربما لا يتحدث بصفته ممثلًا متظاهرا على الإطلاق؛ ربما يتحدث فقط بصفته مؤلفًا، ومخرجًا، ومستمعًا. وفي كلتا الحالتين، فإنَّ ألفاظه تشير إلى فهمه أن كون جولييت شمس هو أمرٌ خيالي في اللعبة الَّتي يلعبها، أي أن فهمه القائم على قواعد اللعبة التي يلعبها هو وأي مستمعين منسجمين بشكل مناسب، عليهم أن يتخيلوا جولييت على أنها الشمس، أي تخيلوها على أنها كذلك تمامًا.

    وكما رأينا سابقًا، فإنَّ هذا الفهم لدى روميو هو نتاج مشترك، وتعبير مشترك عن فهمه العملي للقواعد الَّتي يلتزم بها من جهة، وفهمه العملي لطبيعة جولييت الحقيقية من جهة أخرى. إذن، فما الذي ستقدمه إشارة روميو لمستمع منسجم معه، ومستمع يميل بالفعل إلى الالتزام بالقواعد التي يلعبها؟ ستنسب الإشارة إلى جولييت الصِّفات الَّتي تجعل، في رأي روميو، كونها الشمس مجرد خيال، أي الصفات الَّتي تجعل، في رأي روميو، دور الشَّمس منوطًا بها، وفقًا لتلك القواعد. وهذه هي الصِّفات نفسها التي تظهر في إعادة صياغة ناجحة لقول روميو لمَّا يُؤخذ على أنَّه استعارة. إنَّنا نحن المستمعين نتعهد باكتشاف ماهية هذه الخصائص من خلال الاستجابة لقول روميو كإشارة وهمية، وبذل قصارى جهدنا للدخول في روح لعبة جارية بيننا وبينه بالفعل، والتَّفكير في القواعد التي نجد أنفسنا نلعب بها إذا ما أمكننا أن ننجح في القيام بذلك.

    ومهما يكن، فالأمور تسير على هذا المنوال في الحال الأساسية. وتكونُ القواعد الَّتي يتبعها مُبدع الاستعارة أحيانا مألوفة ونمطية لدرجة أنَّنا نستطيع استنباطها دون أي جُهد مسبق للمشاركة واللعب، وفي هذه الحال قد لا نُكلِّف أنفسنا عناء ذلك. فقد يكتفي مُبادر في المشاركة في لعب اللعبة أحيانًا بأداء حركاتها فقط، دون أنْ يتخيل الأشياء التي يُفترض به تخيُّلها من خلال إشارات وهمية يُصدرُها بنفسه، وفي هذه الحال يُلمّحُ فقط إلى لعبة لا يُكلفُ نفسَه عناءَ لعبها.

    كلُّ هذا يُشير إلى الخطوط العريضة لتصور جديد يتعلق بكيفية فهمنا للعديد من الاستعارات، يقول كيندال: «تُشيرُ العبارة الاستعارية، في سياقها، إلى لعبة تظاهر، محتملة، أو تُلمّح إليها أو تُقدّمها أو تُثيرها في الذهن. وقد تكونُ هذه العبارة مشاركة لفظية في اللُّعبة المضمرة، أو قد تكون مجرد جملة يُمكن استعمالُها للمشاركة في هذه اللُّعبة. وعند قول هذه العبارة الاستعارية ما تقوله، فإن المتحدث يصف أشياء تُعدّ أو يُمكن أنْ تكونَ أدوات في اللُّعبة المضمرة. وفي بعض الحالات، يُمكن إعادةُ صياغة ما يقوله عنها بدقة معقولة. وعادةً، تُحدّد إعادة الصياغة خصائص هذه الأدوات الَّتي تجعلُ كلام المتحدث حقيقيًا في اللُّعبة المضمرة، إذا كانَ تعبيرُه مشاركة لفظية فيها.».[187] ولمزيد من التَّوسع في هذا الباب، يُقدّم هيلز، في مقالته ” المًلاءمة والحَقيقة في الاستعارة اللَّفظية ” الصَّادرة سنة 1997، ومقالته ” مشكلات إعادة الصياغة: حلم بوتوم” الصَّادرة سنة 2008،[188] ووالتون (2000) تفاصيل إضافية حول تصور والتون.[189] وهناك توضيحات وردود على الاعتراضات في مقالة هيلز ” ماهية وكيفية التَّخيل الاستعاري” الصَّادرة سنة 2017.[190]

    المراجع

    • Aristotle, 1987, Rhetoric: A Theory of Civic Discourse, George A. Kennedy (trans.), Oxford: Oxford University Press, 1987.
    • –––, 1987, Poetics I, With the Tractatus Coislinianus, a Hypothetical Reconstruction of Poetics II, and the Fragments of the On the Poets, Richard Janko (trans.), Indianapolis: Hackett, 1987.
    • –––, 2018, Rhetoric, C.D.C. Reeve (trans.), Indianapolis: Hackett.
    • Bach, Kent, 2005, “Context Ex Machina,” in Semantics vs. Pragmatics, Zoltan Szabó (ed.), Oxford and New York: Oxford University Press, pp. 15–44.
    • Barfield, Owen, 1962, “Poetic Diction and Legal Fiction,” in The Importance of Language, Max Black (ed.), Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1962, 57–71.
    • Beardsley, Monroe C., 1962, “The Metaphorical Twist,” Philosophy and Phenomenological Research, 22(3): 293–307.
    • Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.
    • –––, 2002, “Truth Conditional Pragmatics,” Philosophical Perspectives, 16: 105–34.
    • Black, Max, 1954, “Metaphor,” Proceedings of the Aristotelian Society, 55: 273–94.
    • Blasko, Dawn G. and Cynthia M. Connine, 1993, “Effects of Familiarity and Aptness on Metaphor Processing,” Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition 19(2): 295–308.
    • Borg, Emma, 2004. Minimal Semantics, Oxford: Oxford University Press.
    • Boys-Stones, G.R. (ed.), 2003, Metaphor, Allegory, and the Classical Tradition: Ancient Thought and Modern Revisions, Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Bowdle, Brian F. and Dedre Gentner, 2005, “The Career of Metaphor,” Psychological Review 112(1): 193–216.
    • Brooke-Rose, Christine, 1958, A Grammar of Metaphor, London: Secker & Warburg.
    • Brooks, Cleanth, 1947, “The Heresy of Paraphrase,” in The Well Wrought Urn: Studies in the Structure of Poetry, New York: Reynal & Hitchcock, 1947, 192–214.
    • Camp, Elisabeth, 2006, “Contextualism, Metaphor, and What is Said,” Mind & Language, 21(3): 280–309.
    • –––, 2006. “Metaphor and That Certain ‘Je Ne Sais Quoi’,” Philosophical Studies 129(1): 1–25.
    • –––, 2013, “Metaphor and Varieties of Meaning,” in A Companion to Donald Davidson, Ernest Lepore and Kirk Ludwig (eds.), Hoboken: Wiley-Blackwell, 361–78.
    • Cappelen, Herman, and Ernie Lepore, 2005, Insensitive Semantics: A Defense of Semantic Minimalism and Speech Act Pluralism, Oxford: Blackwell Publishing.
    • Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.
    • Cavell, Stanley, 1969, “Aesthetic Problems of Modern Philosophy,” in Must We Mean What We Say? A Book of Essays, New York: Charles Scribner’s Sons, 73–96.
    • Cicero, De Oratore, in On the Ideal Orator, James M. May and Jakob Wisse (trans.), London and New York: Oxford University Press, 2001.
    • Clark, Billy, 2003, Relevance Theory. Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • Clark, Herbert H., 1992, “Making Sense of Nonce Sense,” in Arenas of Language Use, Chicago and London: Chicago University Press and CSLI, 305–40.
    • Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.
    • –––, 2008, Thinking of Others: On the Talent for Metaphor, Princeton: Princeton University Press.
    • Croft, William and D. Alan Cruse, 2004, Cognitive Linguistics, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • Currie, Gregory and Jacopo Frascaroli, 2021, “Poetry and the Possibility of Paraphrase,” Journal of Aesthetics and Art Criticism 79(4): 428–39.
    • Dancygier, Barbara and Eve Sweetser. Figurative Language, Cambridge: Cambridge University Press, 2014.
    • Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, 5(1) : 31–47. Reprinted in Inquiries into Truth and Interpretation, Oxford and New York: Oxford University Press, 1984, 245–264.
    • –––, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs,” in Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson, Ernest Lepore (ed.), Oxford and New York: Blackwell, 433–46.
    • –––, 2005, “Locating Literary Language,” in Truth, Language, and History, Oxford: Clarendon Press, 167–181.
    • Davis, Wayne A., 1998, Implicature: Intention, Convention, and Principle in the Failure of Gricean Theory, New York: Cambridge University Press.
    • Donnellan, Keith S., 1966, “Reference and Definite Descriptions”, Philosophical Review, 75(3): 281–304.
    • Donoghue, Denis, 2014, Metaphor, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.
    • Fauconnier, Gilles, 1994, Mental Spaces: Aspects of Meaning Construction in Natural Languages, New York: Cambridge University Press.
    • Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 1998, “Conceptual Integration Networks,” Cognitive Science, 22(2): 133–187.
    • –––, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books.
    • Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011.
    • Frye, Northrop, 1957, Anatomy of Criticism: Four Essays, Princeton: Princeton University Press.
    • Gass, William H., 1972, “In Terms of the Toenail: Fiction and the Figures of Life,” in Fiction and the Figures of Life, New York: Vintage, 55–78.
    • –––, 1975, On Being Blue: A Philosophical Inquiry, Boston: David R. Godine.
    • Geary, James, 2011, I is an Other: The Secret Life of Metaphor and How it Shapes the Way We See the World, New York: HarperCollins.
    • Gibbs, Jr., Raymond W., 1994, The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • –––, 2017, Metaphor Wars: Conceptual Metaphors in Human Life, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • Giora, Rachel, 2003, On Our Mind: Salience, Context, and Figurative Language. Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Glucksberg, Sam, 2001, Understanding Figurative Language: From Metaphors to Idioms. Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Glucksberg, Sam, Patricia Gildea, and Howard B. Booklin, 1982, “On Understanding Nonliteral Speech: Can People Ignore Metaphors?” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 21: 85–98.
    • Goatly, Andrew 2011, The Language of Metaphors, 2nd ed. London and New York: Routledge.
    • Goodman, Nelson, 1976, Languages of Art, Indianapolis: Hackett Publishing Company.
    • –––, 1979, “Metaphor as Moonlighting,” Critical Inquiry, 6(1): 125–130.
    • Grice, Herbert Paul, 1989, “Logic and Conversation, Lecture 2” in Studies in the Way of Words, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 22–40.
    • Guetti, James L., 1993, “Gambling With Language: Metaphor,” in Wittgenstein and the Grammar of Literary Experience, Athens: University of Georgia Press, 122–146.
    • Halliwell, Stephen, 2002, The Aesthetics of Mimesis: Ancient Texts and Modern Problems, Princeton and Oxford: Princeton University Press.
    • Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.
    • –––, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL= <http://thebalticyearbook.org/journals/baltic/article/view/22/21>
    • –––, 2017, “The What and the How of Metaphorical Imagining, Part One.” Philosophical Studies 174(1): 13–31.
    • Hollander, John, 1985, Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form, 2nd edition, New Haven: Yale University Press.
    • Holyoak, Keith James, 2019, The Spider’s Thread: Metaphor in Mind, Brain, and Poetry. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
    • Horn, Laurence R., 1988, A Natural History of Negation, Chicago, University of Chicago Press, 1988. A reissue edition with a new introduction was published by Stanford: CSLI Publications, 2001.
    • Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press, 481–563.
    • Kirby, John T., 1997, “Aristotle on Metaphor,” The American Journal of Philology, 118(4): 517–554.
    • Kittay, Eva Feder, 1987, Metaphor: Its Cognitive Force and Linguistic Structure, Oxford and New York: Clarendon Press.
    • Kövecses, Zoltán, 2010, Metaphor: A Practical Introduction, 2nd ed. Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Kripke, Saul, 1977, “Speaker’s Reference and Semantic Reference,” Midwest Studies in Philosophy, 2: 255–276.
    • Lakoff, George, 1993, “The Contemporary Theory of Metaphor.” In Metaphor and Thought, 2nd edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 202–251.
    • Lakoff, George, and Mark Johnson, 2003, “Afterword,” in Metaphors We Live By, 2nd edition, Chicago and London: University of Chicago Press, 170–190.
    • Lamarque, Peter, 2015, “Semantic Finegrainedness and Poetic Value,” in The Philosophy of Poetry, John Gibson (ed.), Oxford University Press, 18–36.
    • Lee, David, 2001, Cognitive Linguistics: An Introduction, Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Lepore, Ernie, 2009, “The Heresy of Paraphrase: When the Medium Really is the Message,” Midwest Studies in Philosophy, 33(1): 177–97.
    • Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2010, “Against Metaphorical Meaning,” Topoi, 29(2): 165–180.
    • –––, 2015, Imagination and Convention: Distinguishing Grammar and Inference in Language, Oxford: Oxford University Press.
    • Levinson, Jerrold, 2001, “Who’s Afraid of a Paraphrase?” Theoria 67(1): 7–23.
    • Levinson, Stephen C., 2000, Presumptive Meanings: The Theory of Generalized Conversational Implicature, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
    • Lewis, David, 1969, Convention: A Philosophical Study, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
    • –––, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.
    • Littlemore, Jeanette, 2019, Metaphors in the Mind: Sources of Variation in Embodied Metaphor, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Lloyd, G.E.R., 1996, “The Metaphors of Metaphors,” in Aristotelian Explorations, Cambridge: Cambridge University Press, 205–222.
    • Martinich, A.P., 1984, “A Theory for Metaphor,” Journal of Literary Semantics, 13(1): 35–56.
    • Montague, Richard, 1974, Formal Philosophy; Selected Papers of Richard Montague, Richmond H. Thomason (ed.), New Haven: Yale University Press.
    • Moran, Richard, 1989, “Seeing and Believing: Metaphor, Image, and Force,” Critical Inquiry, 16(1): 87–112.
    • –––, 1996, “Artifice and Persuasion: The Work of Metaphor in the Rhetoric,” in Essays on Aristotle’s Rhetoric, Amelie Rorty (ed.), Berkeley: University of California Press.
    • Nowottny, Winifred, 1962, The Language Poets Use, New York: Oxford University Press.
    • Ortony, Andrew, 1979, “The Role of Similarity in Similes and Metaphors,” in Metaphor and Thought, 1st edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 186–201.
    • Ortony, Andrew, Diane L. Schallert, Ralph E. Reynolds, and Stephen J. Antos, 1978, “Interpreting Metaphors and Idioms: Some Effects of Context on Comprehension,” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 17(4): 465–77.
    • Quintilian, Institutio Oratoria, in The Orator’s Education, 5. vols, Donald A. Russell (trans.), Loeb Classical Library, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 2001.
    • Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • Reimer, Marga, 1996, “The Problem of Dead Metaphor,” Philosophical Studies, 82(1): 13–25.
    • –––, 2001, “Davidson on Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 142–156.
    • –––, 2004, “What Malapropisms Mean: A Reply to Donald Davidson,” Erkenntnis, 60(3): 317–334.
    • Reimer, Marga and Elisabeth Camp, 2008, “Metaphor,” in Oxford Handbook of the Philosophy of Language, Ernest Lepore and Barry C. Smith (eds.), Oxford: Oxford University Press, 845–63.
    • Richards, Ivor A., 1936, The Philosophy of Rhetoric, London and New York: Oxford University Press.
    • Richie, L. David, 2013, Metaphor (Key Topics in Semantics and Pragmatics), Cambridge and New York: Cambridge University Press.
    • Ricoeur, Paul, 1978, “The Metaphorical Process as Cognition, Imagination, and Feeling,” Critical Inquiry, 5(1): 143–159.
    • –––, 1977, The Rule of Metaphor: Multi-Disciplinary Studies of the Creation of Meaning in Language, Robert Czerny (trans.), Toronto and Buffalo: University of Toronto Press.
    • Saul, Jennifer M., 2001, “Review of Wayne A. Davis, Implicature: Intention, Convention, and the Failure of Gricean Theory,” Noûs, 35(4): 630–641.
    • Scott, Kate, Billy Clark, and Robyn Carston, eds, 2019, Relevance, Pragmatics and Interpretation: Essays in Honour of Deirdre Wilson. Cambridge: Cambridge University Press.
    • Scott, William C., 2006, “Similes in a Shifting Scene: Iliad, Book 11,” Classical Philology, 101(2): 103–114.
    • Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.
    • –––, 1979b, “Literal Meaning,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 117–36.
    • Skulsky, Harold, 1986, “Metaphorese.” Noûs, 20(3): 351–69.
    • –––, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press.
    • Sparshott, Francis E., 1974, “ ‘As,’ Or the Limits of Metaphor,” New Literary History, 6(1): 75–94.
    • Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1985, “Loose Talk,” Proceedings of The Aristotelian Society, 86: 153–171.
    • –––, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.
    • –––, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.
    • Stalnaker, Robert, 1999, Context and Content: Essays on Intentionality in Speech and Thought, Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Stanley, Jason, 2007, Language in Context: Selected Essays, Oxford: Oxford University Press.
    • Stern, Josef, 2000, Metaphor in Context, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
    • Stryk, Lucien, and Takashi Ikemoto, 1995, Zen Poetry: Let the Spring Breeze Enter, New York: Grove Press.
    • Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, 1–16.
    • Turbayne, Colin Murray, 1970, The Myth of Metaphor, rev ed., Columbia, South Carolina: University of South Carolina Press. First published by Yale University Press in 1962.
    • Turner, Mark, 1998, “Figure,” in Figurative Language and Thought, Albert N. Katz (ed.), New York and Oxford: Oxford University Press, 44–87.
    • Tversky, Amos, 1977, “Features of Similarity,” Psychological Review, 84(4): 327–352.
    • Walton, Kendall L, 1990, Mimesis as Make-Believe: On the Foundations of the Representational Arts, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.
    • –––, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.
    • White, Roger M., 1996, The Structure of Metaphor: The Way the Language of Metaphor Works, Oxford and Cambridge, MA: Blackwell.
    • Wilson, Deirdre, and Dan Sperber, 2002, “Truthfulness and Relevance,” Mind, 111(443): 583–632.

    أدوات أكاديمية

    • اطلع على نسخة محملة على صيغة PDF على موقع جمعية أصدقاء موسوعة ستانفورد للفلسفة.
    • ابحث عن قضايا مطروحة حول الاستعارة، ولها علاقة بهذه المقالة في مشروع أنطولوجيا فلسفة الإنترنت (InPhO).
    • توجد قائمة مراجع مُحسّنة لهذه المقالة على موقع PhilPapers.

    مصادر أخرى في الإنترنت

    • يوجد برنامج إذاعي يذاع على راديو بي بي سي من إنتاج توماس موريس، يعرض تاريخ الاستعارة.
    • يمكن الرجوع إلى الصفحة الرئيسة للاستعارة المفهومية، نسخة مؤرشفة من صفحة ويب كان يديرها جورج لاكوف (جامعة كاليفورنيا/بيركلي).
    • هناك مقالة نقدية تحت عنوان “رسم خريطة دوائر الاستعارة في الدماغ: التفكير الاستعاري في العقل اليومي”، للعالم جورج ليكوف، نُشرت في مجلة “حدود في الرومانسية الإنسانية الجديدة”، 16 ديسمبر 2014.
    • يمكن مشاهدة إلى درس عرضه برنامج TED-Ed لجين هيرشفيلد، تحت عنوان “فن الاستعارة”
    • يمكن الاستماع لمحاضرة من برنامج TED لجيمس جيري، تحت عنوان “حديث استعاري”
    • ليز كامب تتحدث عن الاستعارة، هناك حلقة من برنامج “فلسفة 101″، تتحدث فيه ليز كامب عن الاستعارة.
    • وجهات نظر نفسية حول الاستعارة، ببليوغرافيا أكسفورد من تأليف برايان بودل.
    • يمكن الرجوع إلى قائمة مراجع أكسفورد حول الاستعارة، من تأليف ديفيد هيلز.
    • يمكن الرجوع إلى قائمة مراجع أكسفورد حول الاستعارة، من تأليف مارك جونسون.

    مداخل ذات صلة

    Aristotle, General Topics: rhetoric | cognition: embodied | Davidson, Donald | descriptions | fictionalism | Grice, Paul | Hamann, Johann Georg | implicature | Kuhn, Thomas | Plato: rhetoric and poetry | pragmatics | Ricoeur, Paul | speech acts

    مقالات مترجمة موضوعها الاستعارة من إنجاز المترجم:

    • إيوب، إميلي، “ماكس ودونالد ديڤيدسون حول الاستعارة”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 11 أكتوبر 2022.
    • بلاك، ماكس، “الاستعارة”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 17 يونيو 2022.
    • جولياني، أليس، “اللغة الاستعارية عند ماكس بلاك: الكشف عن الخط الفاصل بين التحليل والجمال”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 25 فبراير 2025.
    • ديڤيدسون، دونالد، “ما تعنيه الاستعارات”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 5 غشت 2022.

    الهوامش

    [1] – أعتقد أنّ هذه المقالة من أشمل وأهم المداخل لدراسة الاستعارة، لأنّها جمعت الشتات، وحصرت جل، إن لم نقل أهم النّظريات الغربية الّتي تناولت الاستعارة، سواء كانت قديمة (يونانية ورومانية) أو حديثة أو معاصرة. ورغم تأثر كاتبها ديڤيد هيلز بنظرية التّضمين التحاوري عند پاول هيربرت غرايس، إلا أنّ هذا لم يمنعه من تناول النّظريات الّتي تفاعلت معها، والنظريات التي انتقدتها، وقد انتقدها هو نفسه. قد نعاتب الكاتب على عدم تناوله للاستعارة عند البلاغيين العرب، وبالخصوص عند عبد القاهر الجرجاني، وأبي يعقوب السكاكي. لكن تصنيف الاستعارة عند البلاغيين العرب لا يخرج عن دائرة التّصور التشبيهي القديم (اليوناني) الّذي أشار إليه، والذي ما زال مؤثرا في كل نظريات الاستعارة، وإن تناولته الكثير منها بالنقد. وربما اللوم لا يلقى على هذا الباحث الغربي، وإنّما يلقى على عاتق الباحثين العرب، الذين لم يطوروا البحث في الاستعارة من جهة، ولم يتفاعلوا مع تطور الدراسات الاستعارية الغربية من جهة ثانية، وأوقفوا الدراسات حول الاستعارة، واعتبروا التعاريف والأمثلة السائدة تعاريف قارة، وكأنها حقائق لا غبار عليها. ومهما يكن، فقد انحصر هدفي في ترجمة هذا المدخل في تقريب المفاهيم بما يتناسب مع الاصطلاحات المعهودة في البلاغة العربية، وشرح ما يتطلب المقام لشرحه بالإشارة إليه في الهامش، وإدراج المصادر والمراجع المشار إليها في الهامش كذلك مع ترجمة عناوينها إلى العربية في المتن؛ ثم تخليص المتن من الأمثلة الرمزية، التي قد تساهم في عرقلة فهم القارئ. وأتمنى أن أكون موفقا في إضفاء لمسة عربية على هذه المقالة ما يجعلها ترقى إلى مستوى التعريب بدل من الترجمة.

    [2]– William Shakespeare, Romeo and Juliet, 2. 2. 2–3.

    هذان البيتان مقتبسان من قصيدة شعرية من المشهد الثَّاني من الفصل الثاني، من مسرحية شكسبير “روميو وجولييت”، مطلع القصيدة: «من لم يذق طعم الجراح يسخر من الندوب/ ما ذلك النور الذي ينساب عبر النافدة/ قل إنه المشرق لاح/ قل إنها جولييت بل شمس الصباح…» (انظر شكسبير، وليام، روميو وجوليت، ترجمة محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للترجمة، القاهرة، مصر، 1993، ص ص.114-115.). (المترجم).

    [3]– James Joyce, Ulysses, chap. 2.

    هذه العبارة مقتبسة من الفصل الثاني من رواية “الأوليسة” للروائي والشاعر الأيرلندي جيمس أوغستين ألوسيوس جويسي James Augustine Aloysius Joyce (1882-1941)والتي تدور أحداثهاحول وصف يوم واحد، الذي هو السادس عشر من شهر يونيو سنة 1904 في حياة شخصية ليوبولد بلوم وزوجته مولي، والشاب ستيفن ديدالوس في مدينة دبلن، مستوحيةً بنية ملحمة «الأوديسة» للشاعر اليوناني هوميروس. تُعد هذه الرواية تحفة حداثية تستعمل تيار الوعي، وتقنيات أسلوبية متنوعة، وتكشف عن العزلة، والوجود في سياق يومي عادي. (المترجم).

    [4]– Walter Benjamin, Einbahnstraße.

    هذه العبارة مقتبسة من “مجموع المقالات” للفيلسوف، والمترجم، والناقد الأدبي الألماني ڤالتر بنيامين Walter Benjamin (1892-1940)، التي تتضمن خواطر فلسفية ونقدية. والمقالة بالضبط التي اقتبس منها هذا الشاهد عنوانها “طريق في اتجاه واحد” يقدم فيها بنيامين تحليلاً مفصلا للحياة الحديثة في المدينة الأوروبية، وعلى الخصوص مدينة برلين الألمانية خلال سنوات العشرينيات من القرن الماضي. وقد اعتمد الكاتب في هذه المقالات أسلوب الشذرات المقتضبة، معبرا عن التَّصور الماركسي، والمادي، والسَّوداوي، والتَّحليل الثقافي لفهم تحولات الثقافة، والتكنولوجيا، والسياسة. ومعنى عبارة “الأعمال الأدبية قناع الموت يخفي تصورها” أنَّ التَّصور هو الملهم، بينما الأعمال الأدبية أو الفنية التي يعتقد أنها تجسيد لهذه الفكرة أو هذا التصور، تساهم في قتلهما، وتصبح بمثابة القناع الذي يخفي حقيقتها. (المترجم).

    [5] – استعمل صاحب المقالة هنا اصطلاحين للدلالة على المستعار له: الاصطلاح الأول هو primary subject (الموضوع الأساس)، وقد أخذه عن ماكس بلاك، الذي تبناه في مقالته المشهورة “الاستعارة”؛ والاصطلاح الثاني هو tenor (المحمول)، وقد أخذه عن آيڤور أرمستروتغ ريتشاردز الذي تحدث عنه في كتابه المشهور “فلسفة الخطابة، فالمحمول (المستعار له) هو ما يحمله الحامل (المستعار منه). (المترجم).

    [6] – استعمل صاحب المقالة هنا اصطلاحين للدلالة على المستعار منه: الاصطلاح الأول ذكره ماكس بلاك في مقالة “الاستعارة”، هو secondary subject (الموضوع الثانوي)؛ والاصطلاح الثاني ذكره  آيڤور ارمسترونغ ريتشاردز في كتابة “فلسفة الخطابة”، وهو vehicle (الحامل). فالحامل (المستعار منه) يَحملُ أو يُحمَلُ على المحمول (المستعار له). (المترجم).

    [7] – تصاغُ العبارةُ المُتطابقةُ أو المتماهية Identity Statement منطقيا على النحو الآتي: (أ = ب)، وتنص على أنَّ الحديْن “أ” و “ب” يشيران إلى الشيء نفسه على نحو تام. وتثبت أنَّ هذين الحدين ليسا متشابهين فحسب، وإنَّما متطابقين، أي أنَّهما الشيء نفسه، ممَّا يسمح باستبدال أحدهما بالآخر في أي سياق دون أن تتغير القيمة الصدقية، أي أن العبارتين:  (أ = ب)، و (ب = أ) يعبران عن نفس المعنى. لذلك، فالجملة الاستعارية “جولييت هي الشمس”، تعني أن جولييت، التي هي الحد الأول مطابقة للشمس، الذي هو الحد الثاني، ويمكن استبدال الحدين بالقول: “الشمس هي جولييت”، ويبقى المعنى نفسه قائما. ولا نعتقد أن هذا التطابق الاستعاري يصل حد التطابق الرياضي والمنطقي. وما قصده المؤلف هنا بعلاقة التطابق هو أن جولييت (المستعار له) التي هي مفرد تطابق الشمس (المستعار منه) التي هي مفرد. (المترجم).

    [8]العبارة الحملية Predication Statement هي العبارة التي تتألف من موضوع (موصوف أو مسند إليه)، ومحمول (صفة أو مسند)، وهي التي تحمل فيها صفة أو محمول على موضوع، كأنْ نحمل صفة الموت على زيد، ونقول: زيد ميت، والعبارة الحملية تكون إما جملة إسمية كقولنا: زيد ميت، أو جملة فعلية كقولنا: جاء زيد، ففي الأولى حملنا صفة الموت على زيد، وفي الثانية حملنا فعل المجيء على زيد. ولهذا، فالجملة الاستعارية “التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه”، تعني إسناد صفة الكابوس المرعب إلى التاريخ. وما يريد الكاتب الإشارة إليه هنا هو أن التاريخ كمفهوم عام (المستعار له) يحمل عليه الكابوس الذي هو جزئي (المستعار منه). (المترجم).

    [9] – تفيد عبارة الانتماء Membership Statement أن أحد الحدين ينتمي إلى الحد الثاني، كما ينتمي العنصر إلى المجموعة. وعليه، فاستعارة ستيفن “التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه”، تشير إلى أن تاريخ إيرلندا، الذي هو جزء من تاريخ العالم أو عنصر منه (المستعار له)، هو كابوس مرعب نحاول التخلص منه (المستعار منه). (المترجم).

    [10] – تشير عبارة التضمن أو الاحتواء Inclusion Statement إلى أن مفهوما متضمنا في مفهوم آخر، أو عناصر مجموعة متضمنة في مجموعة الأخرى. وهذا المعنى الثاني هو الذي يقصده المؤلف، وهو أن الأعمال الأدبية (المستعار له) أتى في صيغة الجمع، وأن أقنعة الموت (المستعار منه) أتى في صيغة الجمع، والعلاقة بينهما علاقة احتواء وتضمن. (المترجم).

    [11] – قال عبد القاهر الجرجاني عن “الادعاء” في الاستعارة بعد تعريفها: « وتفسير هذا أنك إذا قلت: رأيت أسدا، فقد ادعيت في إنسان أنه أسد وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا.». (الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق وتعليق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2001، ص.61).

    [12] – لما نقول على سبيل المثال : “زيد غوريلا”، فإن زيدا أولا إنسان وليس حيوانا، ثم إن الصفات والخصائص التي للغوريلا لا توجد عند زيد، ولهذا، فنحن باعتبارنا زيدا غوريلا، فإننا ندعي أنه يمتلك هذه الصفات، التي هي غير قائمة فيها على نحو حقيقي وفعلي.

    [13]Explicit Comparison التشبيه الصريح هو التشبيه البسيط الذي تذكر فيه الأداة، نحو: “وجهك كالقمر”.

    [14]– Richard Wilbur, “The Beautiful Changes”.

    هذا البيت مقتبس من قصيدة “التغيرات الجميلة” للشاعر الأمريكي ريتشارد بوردي ولبور Richard Purdy Wilbur (1921-2017)، وهي قصيدة تحتفي بالتغيرات الطبيعية كعنصر مُزيّن ومُجدد للحياة، وللطبيعة، وللعلاقات. ويرى أن التغيرات، حتى العابرة منها، تضيف قيمة وعمقاً للأشياء، محولاً مشاهد الطبيعة (مثل المروج الخريفية) إلى لوحات فنية، ويدعو لتقدير التغيرات الطبيعية المستمرة. (المترجم).

    [15]– Raymond Chandler, Farewell, My Lovely, chap. 1.

    هذه العبارة النثرية مقتبسة من الفصل الأول من رواية الكاتب الأمريكي رايموند تشاندلر Raymond Chandler (1888-1959) المسماة “وداعا محبوبتي”، وهي رواية كلاسيكية تصور عالم الجريمة المظلم في مدينة لوس أنجلس الأمريكية خلال سنوات الأربعينيات من القرن الماضي. (المترجم)

    [16]– Ezra Pound, In a Station of The Metro.

    هذان البيتان الشعريان يشكلان قصيدة تامة، وهي للشاعر الأمريكي المشهور عزرا ويستون لوميس باوند  Ezra Weston Loomis Pound (1885-1972)المسماة”في محطة الميترو”، والتي تعتبر نموذج الشعر التصويري، كما أنها صيغت في جملة اسمية، خالية من أي فعل. تتألف القصيدة من أربعة عشر لفظا بالإنجليزية. وبالترجمة العربية عدد ألفاظها إحدى عشر لفظا. (المترجم). 

    [17]– Ahab (Melville, Moby-Dick, chap. 38).

    هذا المقطع مأخوذ من رواية “موبي ديك”  للروائي الأمريكي هيرمان ميلڤيل Herman Melville (1819-1891)، وهي رواية ملحمية يرويها البحار إسماعيل، وتحكي عن سعي القبطان أهاب المهووس بالانتقام من موبي ديك، حوت العنبر الأبيض العملاق الّذي بتر ساقه. وبسبب الانتقام، يضحي أهاب بطاقمه فيمعركة دامت ثلاثة أيام، نتج عنها تدمير السّفينة، وهلاك كل من على متنها باستثناء البحار إسماعيل. أما الفصل الثامن والثلاثون، الّذي اقتبس منه هذا الشَّاهد المذكور أعلاه، فهو تحت عنوان “الغسق”، وهو عبارة عن مونولوج (حديث ذاتي) درامي تأملي يلقيه ستارباك، الضابط الأول، مع حلول الغسق. يعبّر فيه عن صراع داخلي عميق، معترفاً بأنَّ أهاب شخصٌ مجنون، دفعته إرادته الجبارة إلى السَّعي للانتقام، على الرغم من اعتراضاته الأخلاقية وشعوره بالهلاك الوشيك. (المترجم).

    [18] – هذا الاصطلاح يشار إليه باللفظ الإنجليزي focus، وأول من اصطلحه هو الفيلسوف الإنجليزي ماكس بلاك في مقالته المشهورة المسماة “الاستعارة”، ويقصد به اللفظ المأخوذ من باب الاستعارة في الجملة، سواء كان فعلا أو اسما، والذي يختلف عن الألفاظ الأخرى المحمولة على الحقيقة: مثل اسم “أسد” في استعارة “زيد أسد“، ومثل فعل “اشتعل” في الآية: “…واشتعل الرأس شيبا”. إن ترجمة لفظ focus بالمحور هي من عملنا، أمَّا ما هو مشاع في ترجمته، فهو لفظ (بؤرة)، وهي ترجمة غير ملائمة للفظ المقابل لها، لأنَّ ما يناسبُ الإطار الذي يحيط بالشيء هو المحور الذي يتوسطه، وليس البؤرة. وهذا معناه أن المحور الذي يتوسط الجملة الاستعارية هو اللفظ المحمول على الاستعارة، أما الألفاظ الأخرى فهي الإطار الذي يحيط به. ثم إن البؤرة تشير إلى نقطة التقاء الأشياء ومركز تجمعها، والمعنى العربي الأصلي لها هي الحفرة التي يتجمع فيها الماء، وإذا كانت البؤرة ثابتة والماء يلتف ويدور حولها ليستقر فيها، فإن المحور يدور هو نفسه داخل الإطار، وإذا كان المحور الاستعاري يتغير معناه الحرفي إلى استعاري، فهذا يعني أنه متغير ومتحرك، وهذا يختلف عن الإطار الذي يحتفظ بحرفيته وحقيقته حتى يتفاعل مع المحور لينتجا معنى جديدا كما هو الحال في نظرية التغير الدلالي عند ماكس بلاك وآيفور أرمسترونغ. (المترجم)

    [19] – هذا الاصطلاح يشار إليه باللفظ الإنجليزي frame، وأول من اصطلحه الفيلسوف الإنجليزي ماكس بلاك في مقالته “الاستعارة”، ويقصد به الألفاظ المحمولة على الحقيقة في الجملة، والتي تختلف عن اللفظ المحمول على الاستعارة والمجاز مثل لفظ “زيد” في استعارة “زيد أسد”، ومثل لفظي “الرأس شيبا” في استعارة “…اشتعل الرأس شيبا“. ولهذا فالجملة الاستعارية تتألف من محور استعاري، وإطار حرفي، وهي على صورة دالة، تقتضي أن يشمل الإطار المحور، ويمكن كتابتها على النحو الآتي: F(m)، فالإطار الحرفي F يتضمن اللفظ المحمول على الاستعارة الذي هو المحور m. (المترجم).

    [20] – يقصد هنا أن المحور الاستعاري قد يكون لفظا واحدا، سواء كان اسما كقولنا “زيد أسد“، أو فعلا كقول الله في القرآن: “اشتعل الرأس شيبا”، وقد يكون عبارة مركبة؛ والعبارة المركبة هي التي تتألف من لفظين، فلفظ “الشمس” لفظ مركب، يتألف من أداة التعريف “ال”، و “شمس”، كما في الإنجليزية، وقد يكون التعريف إضافيا كعبارة “قناع الموت”. (المترجم).

    [21]–  Cole Porter.

    “أنتِ الأفضل” أغنية شهيرة صدرت عام 1934 من تأليف كول بورتر، وهي جزء من المسرحية الموسيقية “أنيثينغ غوز”. تستعمل كلمات الأغنية التي مطلعها: ” وإن كنتُ أنا الأدنى يا حبيبتي، فأنتِ الأفضل!”، استعاراتٍ تشبيهية بارعةً لتمجيد الحبيبة باعتبارها قمة الجمال، والفخامة، والثقافة. (المترجم).

    [22] – المصدر السابق.

    [23]– W.B. Yeats, “Sailing to Byzantium”.

    هذان البيتان الشعريان مقتبسان من القصيدة الشعرية “الإبحار إلى بيزنطة” للشاعر الإنجليزي ويليام بتلر ييتس William Butler Yeats (1865-1939)، وهي قصيدة مؤلفة من أربعة مقاطع، تستكشف رحلة رجل مسنّ فكر في الهروب من الخرف، ودمار الشيخوخة، وفناء الحياة، وذلك بالسفر إلى عالم روحي وفني وأبدي، حيث توجد بيزنطة. وفي الوقت الذي يرفض فيه الشيخوخة، يرفض عالم الفتوة والشباب الطبيعيين الفانيين، ويسعى إلى الخلود بواسطة الفن، راغبًا في أن يصبح طائرًا ذهبيًا خالدا. (المترجم).

    [24]– Wittgenstein, Philosophical Investigations, §109.

    تُؤكد هذه القولة الاستعارية الشهيرة للفيلسوف التحليلي لودڤيغ ڤيتغنشتاين، والتي وردت في الفقرة 109 في كتابه “تحقيقات فلسفية” بأنَّ الفلسفة معركة، لكن هذه المعركة ليست في حلبة، أو في ساحة حرب، وليست ضد شخص أو جماعة، ولكنَّها معركة ضد عقولنا المسحورة، والمليئة بالصُّور الخاطئة التي تولدها قواعد اللغة السَّطحية؛ والسِّلاح المستعمل في هذه المعركة للقضاء على سحر العقول هو توضيح المعنى، والتَّحليل المنطقي للغة. (المترجم).

    [25]Declarative Sentences الجمل الخبرية هي الجمل تخبرنا بشيء عن الواقع، والتي تحتمل الصدق أو الكذب، ويقال لصاحبها صادق أو كاذب، وغالبا ما تكون قضية حملية، تتألف من محمول وموضوع؛ فإثبات حمل الصفة على الموضوع كقولنا: الثلج أبيض، يجعل الجملة صادقة، لأنها مطابقة للواقع؛ ونفي حمل الصفة على الموضوع كقولنا: الثلج ليس أبيضا، يجعلها كاذبة، لأنها لا تطابق الواقع. (المترجم).

    [26] – الجمل الإنشائية هي الجمل التي لا تخبرنا بشيء عن الواقع، ولا تحتمل الصدق أو الكذب، ولا يقال لصاحبها صادق أو كاذب، كجملة الاستفهام، وجملة القسم، وجملة التمني…وإذا كانت الجمل الخبرية موضوعية، فإن الجمل الإنشائية تكون على الغالب ذاتية ومشاعرية، وليس بمقدورنا معرفة صدقها أو كذبها. (المترجم).

    [27]Poetics 21 1457b ff. See also Rhetoric 3.2 1404b-1505b, 3.4 1406b–1407a, 3.10–11 1410b–1413b.

    [28] – لقد عرَّف أرسطو الاستعارة في كتاب “الشّعر” بقوله: «الاستعارة حملُ اسم مغاير على اسم آخر عن طريقِ النَّقل، إما من الجنس إلى النَّوع، أو من النَّوع إلى الجنس، أو من النَّوع إلى النَّوع، أو بواسطة التَّمثيل، يعني التَّناسب. فمن الجنس إلى النوع نحو قولنا: “هناك حيث تقف سفينتي”، لأنَّ رسو السَّفينة في الميناء نوع من الوقوف [الوقوف= الجنس، الرسو= النوع]. ومن النوع إلى الجنس نحو قولنا: “لا شك أن أوديسيوس حقق عشرة آلاف من الإنجازات النبيلة، وبما أن عشرة آلاف نوع من عدد هائل، فإنه قد استعمل هنا للدلالة على عدد هائل [عشرة آلاف= نوع، عدد هائل= جنس]. ومن النوع إلى النوع نحو قولنا: “لقد سلب الحياة بسيف من البرونز”، وقولنا: “لقد سقى الماء بإناء من البرونز الصلب”، واستعمل هنا فعلي “سلب” و “شق” وهما نوعان من الانتزاع [سلب= نوع، سقى= نوع، الأخذ والانتزاع= جنس]. أما التمثل أو التناسب، فيحصل لما يكون الحد الثاني (ب) بالنسبة إلى الحد الأول (أ)، كالحد الرابع (د) بالنسبة إلى الحد الثالث (ج)، ولما يمكننا حمل الحد الرابع (د) على الحد الثاني (ب)، أو حمل الحد الثاني (ب) على الحد الرابع (د)، وكذلك نحدد الاستعارة، أحيانا، بإضافة الحد لذلك اللفظ، فيكون متعلقا به. وعليه، فالكأس (أ) بالنسبة إلى ديونيسيوس (ب) كالدرع (ج) بالنسبة إلى أريس (د) [أ : ب :: ج : د]، والكأس يمكن أن تسمى “درع ديونيسيوس”، والدرع يمكن أن يسمى “كأس أريس”، وعلى غرار ذلك، فالشيخوخة بالنسبة إلى العُمر، كالعشية بالنسبة إلى النَّهار، والعشية يمكن أن تسمى “شيخوخة النَّهار”، والشيخوخة يمكن أن تسمَّى “عشية العُمر”. وهذا استناد إلى قول أمبادوقليس: “الحياة غروب شمس”. وفي بعض الأحيان، لا توجدُ ألفاظ للاستعمال في الاستعارة، فعلى سبيل المثال، فإذا كان نثر البذور يسمى زرعا، لكن عملية نثر الشمس لأشعتها، لا يوجد اسم لها، ومع ذلك، تبقى هذه العملية متعلقة بالشمس كتعلقها بالزرع، لذلك قال الشاعر: لقد نثرت الشَّمسُ نورا ربانيا”.». (المترجم). يعتبر هذا النص أهم ما جاء عن أرسطو حول الاستعارة، وقد ترجمته بدقة تختلف عما هو رائج. والمصدر الذي ترجمت منه هذا النص هو:

    Aristotle. Poetics, translated by S.H. Butcher, Section 3, Part 21, pp.3339-33340.

    [29] – مثلا ما يقف عليه الناس يسمى “أرجل”، فيستعار من الإنسان ليحمل على الحيوان، وعلى الأشياء، فنقول: أرجل الحشرات، أو أرجل الأحصنة، وأرجل المائدة…وذلك من باب التوسع، والسبب في اضطرارنا للاستعارة عدم وجود لفظ لتسمية ما تقف وتسير عليه الحشرات والأحصنة والموائد وغيرها. (المترجم).

    [30]– See Cicero, De Oratore, 55 BCE, 3.159–60.

    [31]Poetics 10 1457b.

    [32]– Ricœur, Paul, (1997, 43-49).

    [33]– Lloyd, G.E.R., 1996, “The Metaphors of Metaphors,” in Aristotelian Explorations, Cambridge: Cambridge University Press, 205–222.

    [34]– Moran, Richard, 1996, “Artifice and Persuasion: The Work of Metaphor in the Rhetoric,” in Essays on Aristotle’s Rhetoric, Amelie Rorty (ed.), Berkeley: University of California Press.

    [35]– Halliwell, Stephen, 2002, The Aesthetics of Mimesis: Ancient Texts and Modern Problems, Princeton and Oxford: Princeton University Press, p.189-191.

    [36]stanford encyclopedia of philosophy.

    [37]جيوفاني پيرلويجي الپاليستريني Giovanni Pierluigi da Palestrina (1525-1594) مؤلف موسيقي إيطالي اشتهر في عصر الإحياء بتأليف الترنيمات الدينية متعددة الأصوات.

    [38] – تُعدّ ورقة الأقنثوس المنحوتة على التيجان الكورنثية زخرفةً مُنمّقةً ذات أوراقٍ شائكة، تُمثّل الخلود والولادة الجديدة والصمود، وقد استُعملت في العمارة منذ اليونان القديمة (القرن الخامس قبل الميلاد). وهي مُستوحاة من نبات الأقنثوس الناعم، وتتميز بفصوصها المُلتفة، وغالبًا ما ترمز إلى الثروة والسلطة والفن الراقي.

    [39] -التاج الكورنثي هو الجزء العلوي المزخرف والمتقن للعمود، ويتميز بتصاميمه الرشيقة على شكل جرس، والتي تتضمن أوراق الأقنثوس المنمقة، وسيقانها، وزخارفها الحلزونية الصغيرة. وباعتباره أكثر الأنماط اليونانية الكلاسيكية الثلاثة زخرفة (إلى جانب التاج الأيوني والتاج الدوري)، فإنه يدل على فخامة العمارة وعظمتها.

    [40]Biographia Literaria, chap. 22.

    [41]– Brooks, Cleanth, 1947, “The Heresy of Paraphrase,” in The Well Wrought Urn: Studies in the Structure of Poetry, New York: Reynal & Hitchcock, 1947, 192–214.

    [42]– Cavell, Stanley, 1969, “Aesthetic Problems of Modern Philosophy,” in Must We Mean What We Say? A Book of Essays, New York: Charles Scribner’s Sons, 73–96.

    [43]Ibid.

    [44]– Levinson, Jerrold, 2001, “Who’s Afraid of a Paraphrase?” Theoria 67(1): 7–23.

    [45]-Camp, Elizabeth, 2006. “Metaphor and That Certain ‘Je Ne Sais Quoi’,” Philosophical Studies 129(1): 1–25.

    [46]-Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3.

    [47]– Lepore, Ernie, 2009, “The Heresy of Paraphrase: When the Medium Really is the Message,” Midwest Studies in Philosophy, 33(1): 177–97.

    [48]– Lamarque, Peter, 2015, “Semantic Finegrainedness and Poetic Value,” in The Philosophy of Poetry, John Gibson (ed.), Oxford University Press, 18–36.

    [49]– Currie, Gregory and Jacopo Frascaroli, 2021, “Poetry and the Possibility of Paraphrase,” Journal of Aesthetics and Art Criticism 79(4): 428–39.

    [50]– Richards, Ivor A., 1936, The Philosophy of Rhetoric, London and New York: Oxford University Press.

    [51]– Black, Max, 1954, “Metaphor,” Proceedings of the Aristotelian Society, 55: 273–94.

    لقد قمنا بترجمة هذه المقالة إلى العربية، انظر: بلاك، ماكس، “الاستعارة”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلاحدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 17 يونيو 2022.

    [52]– Beardsley, Monroe C., 1962, “The Metaphorical Twist,” Philosophy and Phenomenologic-al Research, 22(3): 293–307.

    [53]– Skulsky, Harold, 1986, “Metaphorese.” Noûs, 20(3): 351–69.

    Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press.

    [54]– Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press, p.24.

    [55]Ibid., p.24.

    [56]Macbeth, 3.1.96.

    [57]– Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, pp. 9-10.

    [58]– Barfield, Owen, 1962, “Poetic Diction and Legal Fiction,” in The Importance of Language, Max Black (ed.), Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1962, 57–71.

    [59]Conversational Implicature هو المعنى الضمني في التّحاور، وهو المعنى غير المباشر والمضمر، الّذي يتجاوز معنى الألفاظ المنطوقة حرفيًا، ويعتمد على السّياق والمقام الّذي قيلت فيه، وعلى الفهم المشترك بين المتحاورين، نحو: قول السّائل: “هل ستذهب إلى المقهى؟”، فيرد المجيب: “عليّ العمل”، فالمعنى الضّمني في رد المجيب هو أنّه لن يذهب إلى المقهى. ويعتبر الفيلسوف الإنجليزي هيربرت پاول غرايس، هو أول من وضع نظرية  التّضمين الحواري كمفهومٌ تداولي، ويُشير به إلى أنّ المُتحدث يُلمِّح إلى معانٍ أعمق ممَّا يقوله حرفيًا، معتمدًا على السِّياق، من جهة، وعلى مبادئ التّحاور المشتركة لنقل المعنى من جهة ثانية. ويُشيرُ كذلك إلى المعنى غير المباشر، الّذي لا يُعتبر جزءًا من التَّعريف الحرفي، مثل رد شخص بقوله: “أنا متعب” على سؤال “هل تريد الخروج؟”، والذي يُفهمُ منه “لا أريد الخروج”. ويختلف التّضمين التّحاوري عند غرايس عن التّضمين البلاغي القديم، الّذي تحدّث عنه النّحاة بدل من البلاغيين، ومعناه حسب ابن جني في “الخصائص، ج.2”: “التّوسع في استعمال الألفاظ ممّا يجعلها مؤدية لمعاني ألفاظ أخرى مناسبة لها، فيعطى حكم الأولى حكم الثانية في التّعدية واللُّزوم”، وإن كان هذا التّعريف يشير إلى التّوسع في استعمال الألفاظ، فهذا يقترب معناه من معنى الاستعارة. وذكر المناسبة، يرتبط كذلك بالاستعارة. أما إعطاء حكم أحدها للأخرى في التّعدية واللزوم، فهذا يتعلق بالمعنى المترتب عن التّركيب، وهو مسألة نحوية. (المترجم).

    [60]– Grice, Herbert Paul, 1989, “Logic and Conversation, Lecture 2” in Studies in the Way of Words, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 22–40.

    [61]– Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.

    [62]– Martinich, A.P., 1984, “A Theory for Metaphor,” Journal of Literary Semantics, 13(1): 35–56.

    [63]Ibid., pp.7-26.

    [64]Ibid., p.32.

    [65]Ibid., p.33.

    [66]– Searle, John R., Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, p.10.

    [67]– Davis, Wayne A., 1998, Implicature: Intention, Convention, and Principle in the Failure of Gricean Theory, New York: Cambridge University Press, pp.70-74.

    [68]– Saul, Jennifer M., 2001, “Review of Wayne A. Davis, Implicature: Intention, Convention, and the Failure of Gricean Theory,” Noûs, 35(4): 630–641.

    [69]– Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.

    [70]– Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL.

    [71]– 5.3.119–120.

    [72]-Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

    [73]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1985, “Loose Talk,” Proceedings of The Aristotelian Society, 86: 153–171.

    [74]Cognitive Principle of Relevance ينص مبدأ الصلة المعرفي (CPR)، الذي هو جزء من نظرية الصلة، على أنّ الإدراك البشري مُوجَّه بطبيعته نحو إعطاء الأهمية القصوى لما هو مهم ويلائمنا. فأدمغتنا تعطي الأولوية تلقائيًا للمعلومات التي تُحقق تأثيرات معرفية عالية، أي معرفة جديدة، ومعتقدات مُعززة، وبذل جهد أقل في معالجتها. إنها استراتيجية عقلية “سريعة واقتصادية” تهدف إلى إيجاد المعلومات الأكثر قيمة وأهمية. المعنى الأساسي والآلية. وينص مبدأ الصلة بالموضوع المعرفي كذلك على أن العقل البشري يُركز على تعظيم ما له أهمية، والذي يُعرَّف بأنه مُفاضلة بين التأثيرات المعرفية (التي تغنم منها الفائدة) وجهد المعالجة (الذي يقلل التكلفة). لذلك، فالناس يولون اهتمامًا تلقائيًا للمعلومات التي تُوفر أفضل توازن بين الأهمية البالغة، والجهد العقلي القليل: فعند قراءة تقرير على سبيل المثال، تركز على الملخص بدلًا من المتن برمته، لأنّ الملخّص يقدّم لك أقصى قدر من المعلومات الفورية والمُهمة.

    [75]Communicative Principle of Relevance ينص مبدأ الصلة بالموضوع التَّواصلي على أنَّ كلّ فعل تواصلي، سواء كانَ قولا أو إيماءة، يُنشئ افتراضًا لأهميته المثلى، أي أنَّ المعلومات المقدّمة تستحق جهد المستمع لمعالجتها. وهذا يعني أنّ المتحدّثين يسعون إلى إيصال الخطاب الأكثر أهمية، وأنّ المستمعين يؤوّلون هذا الخطاب للوصول إلى فهم معرفي أعمق بجهد أقل. يتوقع المستمعون أن يكون الخطاب مهما لهم بما يكفي، وله صلة بما يريدون ليستحق الفهم، وهو الخطاب الأكثر أهمية الذي كان على المتحدث استعماله. لقد طوَّر كل من سبيربر وويلسون هذا المبدأ، الَّذي يفترض أنَّ التواصل البشري ليس مجرد ترميز، أو فك لترميز، وإنّما هو عملية “استدلالية-إيحائية” إذ يُظهر المُتحدّث قصدا ونية لما يومئ إليه، ويستنتج المستمع ما يريد قوله بالإيماء والإيحاء. يكون الخطاب أكثر أهمية لما ينتج تأثيرات معرفية أكبر، أي يقدم معلومات جديدة بجهد ذهني أقل، نحو قول زيد لعمرو: “الجو بارد” وهو يشير إلى نافذة مفتوحة، فإنَّه يلمح إليه بقوله: “أغلق النافذة”؛ ونحو قول زيد: “يا له من يوم جميل” أثناء عاصفة؛ فإنّ المستمع يستنتج السخرية، لأنَّ المعنى الحرفي لا صلة  له بالواقع.

    [76]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

    [77]– Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.

    [78]– Wilson, Deirdre, and Dan Sperber, 2002, “Truthfulness and Relevance,” Mind, 111(443): 583–632.

    [79]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.

    [80]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

    [81]– Clark, Billy, 2003, Relevance Theory. Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [82]– Scott, Kate, Billy Clark, and Robyn Carston, eds, 2019, Relevance, Pragmatics and Interpretation: Essays in Honour of Deirdre Wilson. Cambridge: Cambridge University Press.

    [83]– Stott, 2006, 20.164-173.

    [84]– Aristotle, 1987, Poetics I, With the Tractatus Coislinianus, a Hypothetical Reconstruction of Poetics II, and the Fragments of the On the Poets, Richard Janko (trans.), Indianapolis: Hackett, 1987. 1407.

    [85]– Quintilian, Institutio Oratoria, in The Orator’s Education, 5. vols, Donald A. Russell (trans.), Loeb Classical Library, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 2001. 95, 6, 8, 8-9.

    [86]– Nowottny, Winifred, 1962, The Language Poets Use, New York: Oxford University Press.

    [87]– Ortony, Andrew, 1979, “The Role of Similarity in Similes and Metaphors,” in Metaphor and Thought, 1st edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 186–201.

    [88]– Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011.

    [89]– Tversky, Amos, 1977, “Features of Similarity,” Psychological Review, 84(4): 327–352.

    [90] – المقصود Pope John Paul II يوحنا بولس الثاني (1920-2005).

    [91]Arnold Palmer لاعب كولف أمريكي محترف (1929-2016).

    [92]– Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011, p.43.

    [93]Ibid., p.88.

    [94]Ibid., p.87.

    [95]– Gass, William H., 1975, On Being Blue: A Philosophical Inquiry, Boston: David R. Godine, p.40.

    [96] – تحدث عن هذا الأمر، أي الحذف أهم من الذكر، البلاغي عبد القاهر الجرجاني من خلال قوله:«هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنَّك ترى به الذِّكر، أفصح من الذِّكر، والصّمتَ عن الإفادة، أزيد من الإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطقْ، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِنْ.» (الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، تحقيق وتعليق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2001.).

    [97] – يسمى هذا التصوُّر حسب المصطلح الوارد في المقالة بتصور القوة الغاشمة للاستعارة Brute Force Account، أو ما يسمى كذلك بنظرية الاستبدال المعجمي Lexical Substitution ، ويعبر عن رأي مفاده أن الاستعارات لا تحمل أي معنى خاص غير المعنى الحرفي. ويؤكد كذلك على أن الاستعارات تقوم فقط على التشابهات الحرفية، إذ يستبدل لفظ بآخر أو يُؤطَّر به، ليكون كأداة بلاغية بديعية، وليس وسيلة لخلق مقامات حقيقية جديدة عميقة.

    [98] – التأطير الاستعاري استراتيجية معرفية وتواصلية تؤثر في عملية صنع القرار من خلال ربط خصائص مفهوم مألوف ومحسوس (يسمى المصدر) بفكرة مجردة أو معقدة (تسمى الهدف). ويعمل هذا الأسلوب من خلال تسليط الضوء على جوانب محددة من الموقف وإخفاء جوانب أخرى، مما يوجه الانتباه والتفكير بفعالية نحو استنتاج معين، وغالباً ما يكون هذا الاستنتاج محدداً مسبقاً. أما “تأثير التأطير” حسب ريتشارد موران الفلسفي، فيشير إلى قدرة اللغة الاستعارية على التأثير في منظور المستمع وفي انتباهه، وفي توجهه المعرفي نحو موضوع ما، بدلاً من مجرد نقل فكرة محددة. وبالاستناد إلى رؤية دونالد ديڤيدسون للاستعارة، يدعي موران بأن الاستعارة تعمل أشبه ما يكون عمل إشارة أو عمل “صورة” تدعو المستمع إلى رؤية شيء ما على أنَّه شيء آخر، وبالتالي، تقوم بتأطير الموضوع في ضوء معين.

    [99]– Moran, Richard, 1989, “Seeing and Believing: Metaphor, Image, and Force,” Critical Inquiry, 16(1): 87–112.

    [100]– Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, pp.46-57.

    لقد ترجمنا هذه المقالة إلى العربية، انظر:

    ديفيسون، دونالد، “ما تعنيه الاستعارات”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 5 غشت 2022.

    [101]Ibid., p.31.

    [102]– Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.

    [103]– Stryk and Ikemloto, 1995, p.50.

    [104]– Frye, Northrop, 1957, Anatomy of Criticism: Four Essays, Princeton: Princeton University Press, p.123.

    [105]– Hollander, John, 1985, Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form, 2nd edition, New Haven: Yale University Press, p.278.

    [106]– Rorty, R., 1989, pp.17-18.

    [107]– Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, pp. 7-36

    [108]– White, Roger M., 1996, The Structure of Metaphor: The Way the Language of Metaphor Works, Oxford and Cambridge, MA: Blackwell.

    [109]– Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2010, “Against Metaphorical Meaning,” Topoi, 29(2): 165–180.

    Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2015, Imagination and Convention: Distinguishing Grammar and Inference in Language, Oxford: Oxford University Press.

    [110]– Lewis, David, 1969, Convention: A Philosophical Study, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.

    [111]– Lewis, David, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.

    [112]– Davidson, Donald, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs,” in Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson, Ernest Lepore (ed.), Oxford and New York: Blackwell, 433–46.

     Davidson, Donald, 2005, “Locating Literary Language,” in Truth, Language, and History, Oxford: Clarendon Press, 167–181.

    [113]– Reimer, Marga, 1996, “The Problem of Dead Metaphor,” Philosophical Studies, 82(1): 13–25.

    Reimer, Marga, 2001, “Davidson on Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 142–156.

    Reimer, Marga, 2004, “What Malapropisms Mean: A Reply to Donald Davidson,” Erkenntnis, 60(3): 317–334.

    [114]– Reimer, Marga and Elisabeth Camp, 2008, “Metaphor,” in Oxford Handbook of the Philosophy of Language, Ernest Lepore and Barry C. Smith (eds.), Oxford: Oxford University Press, 845–63.

    [115]– Camp, Elizabeth, 2013, “Metaphor and Varieties of Meaning,” in A Companion to Donald Davidson, Ernest Lepore and Kirk Ludwig (eds.), Hoboken: Wiley-Blackwell, 361–78.

    [116]– Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.

    Cohen, Ted, 2008, Thinking of Others: On the Talent for Metaphor, Princeton: Princeton University Press

    [117]– Ortony, Andrew, Diane L. Schallert, Ralph E. Reynolds, and Stephen J. Antos, 1978, “Interpreting Metaphors and Idioms: Some Effects of Context on Comprehension,” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 17(4): 465–77.

    [118]– Glucksberg, Sam, Patricia Gildea, and Howard B. Booklin, 1982, “On Understanding Nonliteral Speech: Can People Ignore Metaphors?” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 21: 85–98.

    [119]– Blasko, Dawn G. and Cynthia M. Connine, 1993, “Effects of Familiarity and Aptness on Metaphor Processing,” Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition 19(2): 295–308.

    [120]Structure Mapping Theory هذه النَّظرية من وضع عالمة النّفس المعرفية الأمريكية Dedre Gentner ديدري غينتنر، وضعتها في ثمانينيات القرن الماضي، وهي تشبه إلى حد ما أوجه التّشابه في التّشبيه، لكن أوجه التّشابه هذه تكون نسقية ومتناظرة، ولا تجمع بين المشبه والمشبه به كما هو الحال في التشبيه، وإنّما تجمع بين المصدر Source والهدف Target، وتكون البنية النسقية التي تجمع بينهما متشابهة كما هو الحال لما نقول في التمثيل العلمي الآتي: إن الإليكترونات تدور حول النواة مثلما تدور الكواكب حول الشمس؛ فالعناصر والخصائص المشتركة بين الإليكترونات والكواكب متناسقة، والعناصر المشتركة بين النواة والشمس مشتركة، فكما أنّ الشّمس تجذب الكواكب، تجذب النواة الإليكترونات، وكما أن الإليكترونات تنجذب مثلها مثل الكواكب، وكما أن الإليكترونات تدور حول النواة، تدور الكواكب حول الشّمس…(المترجم).

    [121]– Bowdle, Brian F. and Dedre Gentner, 2005, “The Career of Metaphor,” Psychological Review 112(1): 193–216.

    [122] – نظرية الفئة العليا Superordinate Category Theory، المعروفة في الأوساط البحثية باسم نظرية تضمين الفئات في الاستعارة Class-Inclusion Theory of Metaphor، وضعها عالمان نفسيان هما: سام غلوكسبرغ وبواز كيسار، تعتبر هذه النظرية أنّ الاستعارات ليست مجرد تشبيهات نحو: إن (أ) تشبه (ب)، وإنما هي تأكيدات على الاحتواء داخل فئات ومجموعات نحو: (أ) تنتمي إلى الفئة (ب). في هذه النظرية، تصوغ الاستعارات فئة عليا مؤقتة أو مجردة، ينتمي إليها كل من المستعار له والمستعار منه، استنادًا إلى خصائص مشتركة. ولهذا، فالاستعارات تعتبر أداة للتصنيف نحو قولنا: “وظيفتي سجن”، فهنا لا نشير فقط إلى تشابه بين وظيفتي والسجن، وإنما نخلق فئة جديدة مؤقتة، التي هي “الأشياء القمعية والمقيدة”، ونقوم بتنصيف “وظيفتي” ضمنها، مستعملين “السجن” كمثال نموذجي. إن الفئات المؤقتة والمجردة تُخلق على الفور، بالاعتماد على السياق الظرفي، وعلى المقام، وعلى المعرفة الموسوعية. يكتسب اللفظ الاستعاري “السجن” معنىً مجردًا يطالُ الخصائص المتعلقة بالموضوع مثل “وظيفتي”. إنَّ الوظيفة المزدوجة للألفاظ الاستعارية: مثل “خنزير” في استعارة “سام خنزير” متعددة المعاني،  إذ يمكن أن تشير إلى المثال الحرفي البسيط، أي حيوان في مزرعة، أو تشير إلى الفئة المجردة العليا، أي إلى أشخاصٌ لهم صفات بغيضة وجشعة. وعلى النّقيض من نظرية التشبيه، اعتبر غلوكسبرغ بأنّه على الرّغم من إمكانية تحويل الاستعارات إلى تشبيهات نحو “(أ) يشبه (ب)”، إلا أنّها تختلف اختلافًا جوهريًا، لأن مفهوم تضمين الفئات يبرز أنّ الاستعارات تُشير إلى انتماءٍ لفئةٍ ما، على عكس التشبيهات. إذا كانت التشبيهات قابلة للعكس، نحو قولنا: “طماطم البرقوق تُشبه الطماطم”، فإن الاستعارات عمومًا غير قابلة للعكس نحو : “وظيفتي سجن”، إذ لا يُمكن أن يصبح المحمول موضوعا، ونقول: “السّجن وظيفتي”، لأنّ الفئة العليا “السّجن” محمول يطال الموضوع “وظيفتي”، وليس العكس. إن الاستعارة التي تقول: “المحامي سمكة قرش”، يشير فيها لفظ “سمكة قرش” إلى فئةٍ عليا من “الكائنات العدوانية والمفترسة”، فالمحامي ينسب إلى هذه الفئة، مُضفيًا عليها صفة السلوك العدواني المفترس. ويتجلى كذلك في استعارة “بعض الأفكار ماس”، إذ يُمثل “الماس” هنا فئةً من “الأشياء القيّمة أو النادرة أو الصّلبة”، حاملا هذه الصفات على “الأفكار”. (المترجم).

    [123]– Glucksberg, Sam, 2001, Understanding Figurative Language: From Metaphors to Idioms. Oxford and New York: Oxford University Press.

    [124]– Gibbs, Jr., Raymond W., 1994, The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [125]–  Holyoak, Keith James, 2019, The Spider’s Thread: Metaphor in Mind, Brain, and Poetry. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

    [126]– Giora, Rachel, 2003, On Our Mind: Salience, Context, and Figurative Language. Oxford and New York: Oxford University Press.

    [127]– Lee, David, 2001, Cognitive Linguistics: An Introduction, Oxford and New York: Oxford University Press.

    [128]– Croft, William and D. Alan Cruse, 2004, Cognitive Linguistics, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [129] – النّحو التوليدي عند نعوم تشومسكي نظرية لغوية تفترض أنَّ اللّغة ملكةُ بشرية فطرية وبيولوجيةُ وكونية، لا تحصل بالتعلم والتقليد، فهي قارة في الدماغ، الذي يوصف عادة بجهاز اكتساب اللغة.  تخضع حسب هذا التصور لمجموعة من القواعد، التي تشبه النسق الصوري في الرياضيات، والذي يولد أوصاف بنيات الجمل. إن هذه القواعد تُمكّن المتحدّثين من إنتاج، وفهم عدد لا نهائي من الجمل الفريدة والسليمة من النَّاحية النَّحوية. وتركز هذه النظرية على الكفاءة، أي المعرفة الداخلية، بدلاً من الأداء، أي الاستعمال الفعلي.

    [130] – يتعلق الأمر هنا بنظرية تسمى “فرضية لغة الفكر”، الّتي طرحها الفيلسوف والعالم المعرفي جيري فودور سنة 1975، وتفيد هذه نظريةً أنّ التفكير يحدث بلغة ذهنية داخلية، يُشار إليها غالبًا باسم “لغة العقل”. تفترض هذه النظرية أنّ العمليات المعرفية حاسوبية، تعمل كلغة الحاسوب، حيث تمتلك التّمثيلات الذّهنية بنيةً شبيهة باللُّغة ذات قواعد نحوية ودلالات.

    [131]– Lakoff, George, and Mark Johnson, 2003, “Afterword,” in Metaphors We Live By, 2nd edition, Chicago and London: University of Chicago Press, 170–190.

    [132]– Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books, pp.42-48.

    [133]– Lakoff, George, 1993, “The Contemporary Theory of Metaphor.” In Metaphor and Thought, 2nd edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 202–251.

    [134]Ibid., p.206.

    [135]Ibid., p.244-245.

    [136]Ibid., p.206.

    [137]– Fauconnier, Gilles, 1994, Mental Spaces: Aspects of Meaning Construction in Natural Languages, New York: Cambridge University Press.

    [138]– Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books.

    [139]– Turner, Mark, 1998, “Figure,” in Figurative Language and Thought, Albert N. Katz (ed.), New York and Oxford: Oxford University Press, 44–87.

    [140]– Kövecses, Zoltán, 2010, Metaphor: A Practical Introduction, 2nd ed. Oxford and New York: Oxford University Press.

    [141]– Dancygier, Barbara and Eve Sweetser. Figurative Language, Cambridge: Cambridge University Press, 2014.

    [142]– Gibbs, Jr., Raymond W, 2017, Metaphor Wars: Conceptual Metaphors in Human Life, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [143]– Littlemore, Jeanette, 2019, Metaphors in the Mind: Sources of Variation in Embodied Metaphor, Cambridge: Cambridge University Press.

    [144] – يشير مفهوم حساسية السياق context-sensitivity إلى الأنساق أو اللغة، أو السلوكيات، التي يتغير معناها أو وظيفتها أو مخرجاتها بناءً على الظُّروف المحيطة، أو على البيئة أو على مدخلات المستعمل. وهذا يعني أنّ المعلومات ليست ثابتة، وإنّما تعتمد على السياق، مثل موقع المُستعمل أو الزمن أو الأحوال الخاصة والمخصوصة. (المترجم)

    [145]systematic philosophy of language الفلسفة النسقية للغة هي مقاربة منظمة وشاملة لفهم اللغةـ ليس باعتبارها مجموعة من الألفاظ، وإنما باعتبارها نسقا منظما، تحكمه قواعد محددة، ويلعب هذا النسق دور الوسيط فيما بين المعنى والفكر والواقع. كما أن هذه المقاربة تسعى إلى تفسير كيفية عمل اللغة كنسق منسجم ومترابط، يمزج على الغالب علم النَّحو، وعلم الدلالة، وعلم التَّداول، من أجل إنتاج المعنى.

    [146]– Montague, Richard, 1974, Formal Philosophy; Selected Papers of Richard Montague, Richmond H. Thomason (ed.), New Haven: Yale University Press.

    [147]– Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press, 481–563.

    [148]– Lewis, David, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.

    [149]– Stalnaker, Robert, 1999, Context and Content: Essays on Intentionality in Speech and Thought, Oxford and New York: Oxford University Press.

    [150]– Bach, Kent, 2005, “Context Ex Machina,” in Semantics vs. Pragmatics, Zoltan Szabó (ed.), Oxford and New York: Oxford University Press, pp. 15–44.

    [151]– Stanley, Jason, 2007, Language in Context: Selected Essays, Oxford: Oxford University Press.

    [152]– Borg, Emma, 2004. Minimal Semantics, Oxford: Oxford University Press.

    [153]– Cappelen, Herman, and Ernie Lepore, 2005, Insensitive Semantics: A Defense of Semantic Minimalism and Speech Act Pluralism, Oxford: Blackwell Publishing.

    [154]– Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, p.2.

    [155]– Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, 1–16.

    [156]– Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.

    [157]– Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [158]– Clark, Herbert H., 1992, “Making Sense of Nonce Sense,” in Arenas of Language Use, Chicago and London: Chicago University Press and CSLI, 305–40.

    [159]– Levinson, Stephen C., 2000, Presumptive Meanings: The Theory of Generalized Conversational Implicature, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

    [160]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

    [161]– Bezuidenhout, Anne, 2002, “Truth Conditional Pragmatics,” Philosophical Perspectives, 16: 105–34.

    [162]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

    [163]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

    [164]– Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.

    [165]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.

    [166]–  Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

    [167]– Stern, Josef, 2000, Metaphor in Context, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

    [168] – ذكر اللفظ هنا بالحروف اللاتينية على النحو الآتي: “mthat“.

    [169] – ذكر اللفظ هنا بالحروف اللاتينية على النحو الآتي: “dthat“.

    [170] – ورد الاصطلاح باللفظ: I-presuppositions.

    [171]– Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press. p.115.

    [172]– Donnellan, Keith S., 1966, “Reference and Definite Descriptions”, Philosophical Review, 75(3): 281–304.

    [173]– Kripke, Saul, 1977, “Speaker’s Reference and Semantic Reference,” Midwest Studies in Philosophy, 2: 255–276.

    [174]– Camp, Elisabeth, 2006, “Contextualism, Metaphor, and What is Said,” Mind & Language, 21(3): 280–309.

    [175]– Horn, Laurence R., 1988, A Natural History of Negation, Chicago, University of Chicago Press, 1988. A reissue edition with a new introduction was published by Stanford: CSLI Publications, 2001, p.381.

    [176] – ويُسمّى هذا في العربية الإضراب، أي نفي ما سبق. ويستعملُ فيه حرف العطف “بل” لنفي ما سبق وتصحيحه نحو: “دخل زيد، بل عمرو” إشارة إلى أنّ الذي دخل ليس زيد، وإنّما عمرو. (المترجم).

    [177]– Turbayne, Colin Murray, 1970, The Myth of Metaphor, rev ed., Columbia, South Carolina: University of South Carolina Press. First published by Yale University Press in 1962.

    [178]Ibid., pp.13-14.

    [179]Ibid., p.14.

    [180]Ibid., p.15.

    [181] – لقد استعمل الكاتب لفظ zeugma للدلالة على

    [182]Ibid., p.15

    [183]Ibid., p.17.

    [184]– Walton, Kendall L, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.

    [185]– Walton, Kendall L, 1990, Mimesis as Make-Believe: On the Foundations of the Representational Arts, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.

    [186]– Walton, Kendall L, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.

    [187]Ibid., p.46.

    [188]– Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.

    Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL.

    [189]

    [190]– Hills, David, 2017, “The What and the How of Metaphorical Imagining, Part One.” Philosophical Studies 174(1): 13–31.

  • هل تكفي المواجهة الأخلاقية للرؤية الشبقية للعالم؟  طه عبد الرحمن ضد جورج باطاي

    هل تكفي المواجهة الأخلاقية للرؤية الشبقية للعالم؟  طه عبد الرحمن ضد جورج باطاي

    الكاتبمحسن المحمدي

    إن طه عبد الرحمن، وانطلاقا من كتابيه: “بؤس الدهرانية” و”شرود ما بعد الدهرانية”، يسعى إلى أن يحكي، من وجهة نظره، قصة الحداثة ودُرُوبَهَا، التي ماهي في المحصلة سوى انتقال من المروق إلى الشرود، وأحياناً إلى المرود. أو لنقل إنها انتقال من إبعاد الدين إلى إبعاد الأخلاق، أو بعبارة أدق، هي مسار التنازل عن الوحي المؤدي إلى التنازل مباشرة عن الله نفسه. ولكي يشرح طه عبد الرحمن هذا الانتقال، وهذا المسار من الدهرانية إلى ما بعد الدهرانية، يقف عند ثلاث عبارات قوية، لفلاسفة كبار من الزمن الحديث، تفسر بوضوح قلب الأشياء من عالم السماء إلى عالم الأرض، ومن عالم السِّتْر إلى عالم التكشف، وهنا بيان ذلك[1]:

    أولاً: بدأ بعبارة شهيرة للفيلسوف بليز باسكال، في القرن السابع عشر، والقائلة بحسب ترجمته: “إن صمت هذه الفضاءات التي لا تتناهى ليجعل الرُّعب يَنْتابُني”[2].

    ثانياً: انتقل لذكر عبارة أخرى، لكن هذه المرة من قلب القرن الثامن عشر، وهي للفيلسوف إيمانويل كانط، الذي يضعه، بدوره، ضمن زمرة الدهرانيين والمارقين البؤساء، وهي كالآتي:

    “أمران اثنان يملآن قلبي إعجاباً وإجلالاً، لا يزالان يتجددان ويزدادان بقدر ما يتعلق بهما فكري متأملاً لهما، وهما: السماء المزينة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في نفسي”.

    ثالثاً: لجأ إلى عبارة مأخوذة من القرن التاسع عشر وهي للفيلسوف فريديريك نيتشه، المعروف بهجومه الضاري على كل الأفكار المثالية المعادية للحياة، وهي كالآتي: “لكنه [أي “إن الإله الذي كان يرى كل شيء حتى الإنسان، كان ينبغي أن يموت”.

    لقد قدم طه عبد الرحمن هذه العبارات، والتي قيلت وبالتتابع خلال ثلاثة قرون، ليبرز أن الحداثة قد قطعت مسارا محددا، كانت بدايته لا تزال مؤمنة بالوحي والله، لتصبح بعد ذلك، وفي خطوة ثانية، مؤمنة بالله لكن مفصولة عن الوحي، لتصل في النهاية إلى ترك الله نفسه وإعلان موته.

    إن الناس في زمن باسكال، كانوا لا يزالون يؤمنون برب لهذه السماء، وأنه أنزل عليهم دينا يرسم لهم حدودا تحميهم من المروق، وأخلاقاً تنجيهم من الشرود. أما في زمن كانط، وهو عصر الأنوار، فقد بدأت الحداثة تتجه نحو استقلال الإنسان وإعلان قدرته على بلوغ الأخلاق دون سند السماء، وذلك بالرجوع للعقل وحده، وهو ما عبَّر عنه طه عبد الرحمن بقوله: “صار مواطنوه (يقصد كانط) يؤمنون بأن أخلاقهم لا يحدّها نازل دينهم، وإنما يحدُّها راشد عقلهم، متخذين الفصل بين الأخلاق والدين لاحب طريقهم”[3]. أما زمن نيتشه، الذي يمكن اعتباره ذروة الحداثة، فقد تم الابتعاد فيه ليس عن الدين فقط، ولكن كان الابتعاد فيه عن الأخلاق نهائياً، وتزامن ذلك مع إعلان موت الإله، والسهر بإصرار على إفراغ السماء منه، وهو ما ساق الحداثة نحو ما بعد الدهرانية، بعدما كانت فقط دهرانية[4]. وبالنتيجة، تصبح، خطاطة الحداثة عند طه عبد الرحمن، على هذه الشاكلة: الإيمان، فالمروق، ثم أخيراً الشرود، وأحياناً المرود.

    لقد حاول طه عبد الرحمن، أن يظهر أن منشأ الدهرانية، أو قل حالة المروق، نابع من إنكار آمرية الإله، لصالح آمرية الإنسان. بمعنى أن الإنسان الدهراني أو المارق تخلى عن التشريع الإلهي؛ أي أوامره سبحانه، الموجِّهَة والمُرْشِدَة لعباده إلى سواء السبيل، ليعلن أنه قادر على تحمل مسؤوليته دون عون الإله، وهو الأمر الذي لا يقبله طه عبد الرحمن أبداً، إذ لا أخلاق عنده خارج التوجيه الرباني. وبناء عليه، لا يمكن للإنسان أن يعمل دون تسديد من الوحي، فوساطة الله هي من تُعْطِ أعظم تَخَلُّق[5].

    هذا عن [الدهرانية المارقة]، أما عن [ما بعد الدهرانية الشاردة]، فإن طه عبد الرحمن، يرى أن منشأها يتجاوز مسألة الآمرية الإلهية إلى إنكار الشاهدية الإلهية لصالح شاهدية الإنسان، “فالشاهدية” عند طه عبد الرحمن، تعني أن الله شاهد على كل أفعال الناس، وأحوالهم بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته. بعبارة أخرى فالشهادة الإلهية تجمع بين العلم والحكم، أي بكلمة واحدة هي مراقبة ومحاكمة[6].

    وإذا كنا نعلم أن الحداثة تنبني على استقلال الذات الإنسانية بشكل بطولي، ليس أخلاقياً أو سياسياً أو معرفياً فقط، بل حتى وجودياً، فالحداثة تصبح آنذاك قائمة ــ وبعبارات طه عبد الرحمن ـ على: الآمرية والشاهدية الإنسانية، ملغية كل الأوامر المفارقة. بمعنى أن الإنسان يأمر ويوجه نفسه بنفسه، بل يشهد على نفسه بنفسه، فيكون بذلك هو المراقب والحكم في الوقت نفسه. وهو الأمر الذي يرفضه قطعا طه عبد الرحمن، تحت مبرر أن الذات لا تأمر نفسها بنفسها حتى تستحق أن تكون شاهداً عليها، وإنما يأمرها غيرها، فالأمر يصدر من الآمر على جهة الاستعلاء، والذات لا تستعلي على ذاتها، فالتخلق يبلغ ذروته كلما بلغ الآمر، والشاهد نهاية الكمال.

    وبهذا نستنتج، أن طه عبد الرحمن يتحرك على النقيض تماما من مبادئ الحداثة سواء في شقها الدهري أو شقها الما بعد دهري، فهي تعلي من شأن الإنسان، وهو يعلي من شأن الله.

    سنحاول في هذا البحث الوقوف عند نموذج من الشاردين (مابعد الدرهرانيين) عند طه عبد الرحمن، وهو جورج باطاي، الذي قدم فلسفة دنيانية، ترى العالم بعيون شبقية(إيروسية)، وطبعا سوف لن نقدم النقد الائتماني لهذا الأديب /الفيلسوف، إلا بعد أن نقف عند بعض ملامح تصوره، خاصة تلك التي لا تظهر في عمل طه عبد الرحمن، كي تكون المقارنة سديدة ومكتملة، كما سنوجه أنفسنا بسؤال نرى من خلاله حدود موقف طه عبد الرحمن وهو: هل كانت رؤية باطاي حرة وجزئية أم كانت اضطرارية وموجهة بإطار نظري هائل وصلد له مسوغات التواجد؟  

     1. لمحة حول فلسفة جورج باطاي

    يُعد الفيلسوف جورج باطاي[7] (1897-1962م)، من الكبار الذين أدخلهم طه عبد الرحمن ضمن قائمة الشاردين، ما بعد الدهرانيين، وقبل تقديم النقد الائتماني الموجه له، وجب إلقاء نظرة عامة حول فلسفته أوّلا، وذلك كالآتي:

    يشير مترجم كتاب جورج باطاي الأساسي “الإيروسية”[8]، وهو الكتاب الذي سيعتمده طه عبد الرحمن كثيراً في نقده، إلى أن باطاي يرفض أن يضع نفسه في خانة الفلاسفة، لكنّ الحقيقة ومن خلال فحص عمله يظهر على أنه فلسفي بامتياز، بدليل أنه يشتكي نفسه من ضعف التدبر الفلسفي لسؤال الإيروسية، فكتابه في مجمله، محاولة منه لتقديم نظرة إيروسية (شبقية) للعالَم، من خلال تجربته الخاصة، هذه التجربة وكأنها ذات صبغة لاهوتية باطنية توضع موضع الانفعال والتأمل الشعري[9]، مع الإشارة إلى أن الدين الذي يتحدث عنه باطاي، لاعلاقة له بكل ارتباطاته التاريخية، فهو دين لنقل عنه أنه محايث جداً، يقول: “عليّ أن أتوخى تجربة انفرادية من دون تقاليد ولاطقوس، ومن دون أي شيء يوجِّهني أو يعرقلني، وتتمثل مهمتي [في هذا الكتاب] في التعبير عن التجربة الباطنية فقط، أي التجربة الدينية بحسب رأيي، حيث يكون ذلك خارج الأديان المعروفة”[10].

    ويضيف المترجم على أن كتاب باطاي ليس فقط حديث عن تجربة باطنية عشوائية، بل هو حديث مؤطر منهجيا ومقدم بشاكلة صارمة ومقسمة بدقة وعقلانية، الأمر الذي يجعل منه فيلسوفاً رُغْمَ أنفه.

    ويسعى باطاي في مشروعه، الذي ينظر إلى الحياة من منظار الإيروسية، إلى جعل الإمكانات المتعارضة ما بين القداسة والمجون تتناسق، وجعل الخيوط تتقاطع بينهما عوض نفي بعضهما البعض[11]. فـباطاي يرى أن موضوع الإيروسية تَوَقَّفَ، وعليه إتمامه بالبحث عن الالتئام بينها وبين القداسة، حيث يؤكد في عمله هذا على: “وحدة دوافع الإيمان المسيحي ودوافع الحياة الشهوانية”[12].

    يعرف جورج باطاي الإيروسية باعتبارها: “إقرار الحياة حتى الموت”[13]، فهي ليست غريبة من الموت بل هي الموت عينه، كما أن الإيروسية نزوع سيكولوجي مستقل تماما عن همّ الإنجاب وإعادة إنتاج الحياة، فإذا كان التكاثر نشاط جنسي مشترك بين الإنسان والحيوان، فإن البشر دون سواهم من استطاع تحويل النشاط الجنسي إلى نشاط إيروسي.

    إن باطاي يؤكد على أن العلاقة بين الموت والإثارة الجنسية قائمة، “إذ يمكن لمشاهدة أو تخيل القتل أن يثير الرغبة في المتعة الجنسية. يحصل ذلك على الأقل عند الأشخاص غير الأسوياء”[14]. وهو ما ظهر بوضوح بحسب باطاي عند الماركيز دوساد[15]، حينما كان يقر بأنه: “لا وجود لشخص متحرر جنسياً ومنغمس قليلاً في الرذيلة، ولا يدرك كم للقتل من سلطة على الحواس”، وأيضاً إقراره الذي يراه باطاي متميزاً بأنه: “ما من سبيل للتآلف مع الموت أفضل من ربطه بفكرة ماجنة”[16]. فكينونة الإنسان لا يمكن تصورها خارج إطار العلاقة ما بين الموت والإثارة الجنسية.

    وإذا كان الإنجاب يتعارض والإيروسية، على أساس أن التلذذ الجنسي غَيَّره الإنجاب، فإنه وبالرغم من ذلك، يظل مفتاحا أساسيا لفهمها، وهو ما يشرحه باطاي بعمق كالآتي:

    إن الإنجاب يخرج لنا إلى الوجود كائنات منفصلة: [17]Des êtres discontinus، ومتميزة عن بعضها البعض، فالفرد منا يولد لوحده ويموت لوحده، فحياته تعنيه هو بالدرجة الأولى، فهناك عزلة شديدة بين الذوات، بل بين كل الكائنات، فذاتي تلزمني أنا، وتجربتي الخاصة هي تجربتي أنا (فالفرح فرحي والحزن حزني والاحتضار احتضاري والموت موتي)، فبيني وبين الآخر هوة سحيقة، بكلمة واحدة هناك انفصال لا يمكن نكرانه بين الكائنات[18]. يقول باطاي: “هذه الهوة توجد، مثلاً بينكم، أنتم الذين تستمعون إلي، وبيني أنا الذي أتحدث إليكم. إننا نحاول التواصل، لكن ما من اتصال بيننا يمكنه إلغاء الفرق الأولي. فإذا مِتُّمْ، لست أنا من يموت. نحن، أنتم وأنا، كائنات منفصلة”[19].

    فما الحل إذاً لسد هذا الانفصال المؤلم بين الذوات البشرية وحتى الحيوانية؟ إنه السعي الدؤوب نحو الاتحاد وخلق الاتصال المفقود، وما الإيروسية إلا السبيل نحو ذلك، لكن بثمن باهظ هو الموت. فالموت والإيروسية متلازمان، إن لم نقل إنهما متماهيان حد الذهول، فكيف ذلك؟

    كي يقنعنا باطاي بأن الموت والجنس وجهان لعملة واحدة، يعود بنا إلى بعض المعطيات العلمية المتعلقة بالإخصاب الجنسي، إذ كي تتم هذه العملية يلزم وجود كائن منفرد هو الحيوان المنوي من جهة كما يلزم أيضاً شريكا آخر هو كائن منفرد بدوره والمتمثل في البويضة. إن حركة الحيوان المنوي تبدو وكأنها هروب من العزلة، وخوف من التفرد المقلق نحو البويضة التي تتوق بدورها للخروج من انفصالها، فيحدث ذلك الاتصال المعجز بينهما، لكن هذا الاتحاد يكون على حسابهما ككائنين منفصلين إذ يؤدي إلى إتلافهما معا. فالكائن الجديد المشكل، جراء الإخصاب، لا هو بالحيوان المنوي، ولا هو بالبويضة، إنه الذوبان المميت لتميزهما السابق، والانصهار الساحق لهما[20].

    يسعى باطاي من خلال مثاله القوي، إثبات قوة أطروحته القائلة بأن هاجس المنفصل هو الاتحاد، فمعركة المعنى تتحقق من خلال الجري غير المنقطع، نحو الاتصال الذي هو الخلاص من تلك العزلة الوجودية القاسية للكائن، وهو يخوض غمار تجربته بالمفرد، فالبقاء الحقيقي للاتحاد لا للمنفصل.

    إن ما يحصل في العالم الأصغر المجهري بين الحيوان المنوي والبويضة، يمكن تعميمه على كل العالم، يقول باطاي: “ما يحدث هو في الأساس عمليات مرور من المتصل إلى المنفصل، فنحن كائنات منفصلة، إننا أفراد فانون في عزلة وفي خضم مغامرة غير مفهومة، غير أننا نملك ذلك الحنين إلى الاتصال المفقود”[21]. فالفرد حسب باطاي، لا يستطيع تحمل وجوده الفاني بالمفرد أو ما يسميه بفردية المصادفة، فيبذل قصارى جهده وَبِهَوَس كبير، للاتصال والاتحاد بالكينونة العامة.

    ويؤكد جورج باطاي أن البحث عن هذا الاتحاد يتم بوسيلة وحيدة، هي: الإيروسية، التي تتخذ أشكالاً ثلاثة، وهي[22]:

    • إيروسية الأجساد (الجنس): L’ érotisme des corps
    • إيروسية القلوب والمشاعر (الحب): L’érotisme des cœurs
    • إيروسية المقدس (الدين): L’érotisme sacré

    إن هذه الأنواع الثلاثة من الإيروسية، هي التي يتمكن من خلالها الفرد المنفصل تحقيق المعنى لوجوده، وتكسبه درجة من الاتصال بالكينونة العامة، وإذا كانت الإيروسية الجسدية والقلبية تفهم بسهولة، فإن الإيروسية المقدسة تستعصي ــ بحسب باطاي ــ على الفهم لأنها أقل ألفة.

    نصل مع باطاي إذاً، إلى أن ممارسة الجنس الجسدي، والخوض في تجربة الحب وتبادل المشاعر، وكذلك الاتجاه صوب عشق الاتحاد (شبيه بالعشق الإلهي الصوفي)، تعد بمثابة المحاولات الإيروسية الأصيلة، التي تعوض الذات عن عزلتها وانفصالها وغربتها الكبرى، باتصال واندماج بالكل، ومن تم يمكن في المحصلة القول بأن الإيروسية، هي نوع من الاتحاد المؤدي إلى الموت. ومن تم يكون الجديد الذي أقحمه باطاي هو مفهوم الاتصال في مقابل انفصال الكائن[23].

    إننا حينما نعود إلى مثال الإخصاب السابق، يبرز لنا بحسب باطاي سر كبير وهو: “أن ميدان الإيروسية هو أساسا، ميدان العنف، ميدان الخرق والانتهاك”، ويوضح ذلك أكثر متسائلا عن معنى إيروسية الأجساد: ماذا تعني؟ عدا كونها اغتصاب لكيان الشريكين، اغتصاب يفضي إلى الموت؟ أي بوجه ما إلى القتل؟، فالحيوان المنوي وهو يمارس الهدم والكسر والعنف، يندثر ككيان مفرد، وبالمثل يحدث للبويضة، وذلك كله لصالح الاتحاد بينهما.

    يضيف باطاي أن وجود الكائن المنفصل يعبر دائماً عن حالة انغلاق وتقوقع وانطواء، أو لنقل أنه في الحالة العادية التي لا يخرج منها إلا عن طريق التعري[24]. الذي هو حالة تواصل تفتح أبواب الذات والآخر معاً. فالمباشرة الإيروسية الجسدية ما هي سوى تحطيم لبنية الكائن المنغلق والمنفصل للشريك، ومن ثَمَّ فالعنف مطلب ضروري وطبيعي لبلوغ الاتحاد، الذي ما هو سوى القداسة، لأن البقاء بقاء الكل لا المنفصل.

    ومن هنا يمكن أن نفهم أن الموت هو الاتجاه بالمنفصل القلق وجودياً، نحو المتصل عن طريق تلاشيه وتحطمه، فهو القربان والأضحية اللازمة للاندماج في الكينونة الكلية. ومن ثَمَّ تكون الإيروسية وسيلة تجر نحو هذا الهدف، الأمر الذي دفع الماركيز دوساد إلى إعلان: “أن القتل هو قمة الإثارة الجنسية”[25]. فباطاي لا يخفي انبهاره وخوفه من ذلك التبديد والهدر الهائل للطاقة في عملية التكاثر الجنسي.

    لتبسيط موقف جورج باطاي حول الإيروسية الجسدية، نقدم للقارئ الخطاطة التوضيحية الآتية:

    يتبين من الخطاطة أعلاه، أن الجنس والموت مترابطان، ولم يكتفِ باطاي بالتنظير لهذا الارتباط، بل جسده، ومنذ وقت، مبكر في رواياته[26]، فالجنس عنده خلاص من الانفصال وذهاب نحو الاتحاد [القداسة]، والموت ثمن هذه الحركة الدؤوبة التي لا تتوقف.

    فالأجساد المنفصلة هي قرابين وأضاحٍ للكينونة العامة التي لا تموت. وهذه كما يتضح دنيانية، ما بعدها دنيانية ستجعل طه عبد الرحمن يشهر نقده الائتماني عليها دون هوادة، فـباطاي عنده غارق في الشرود.

    وبالعودة إلى بقية الأنواع من الإيروسية، فإن باطاي يرى أن الجنس باعتباره ممارسة جسدية، هو في الأحوال كلها يبقي على نوع من الثقل والكآبة، لأنه “يحافظ على استمرار الانفصال الفردي في شكل أنانية فجة”[27]. ليتحدث لنا عن الإيروسية الأخرى، وهي المتعلقة بالقلب والمشاعر، فهي بدورها تخفف من وطأة الانفصال، مع تجاوزها البعد المادي المباشر، إذ يضاف إلى ذوبان الأجساد التعاطف الأخلاقي يقول باطاي: “أما إيروسية المشاعر، فإنها أكثر تَحَرُّراً. غير أنها إذا كانت تنفصل ظاهريا مع مادية الإيروسية الجسدية، فإنها في الحقيقة تنبع منها، لأنها لا تمثل عادة سوى مظهرها الذي هدأه شعور المحبين المتبادل”.

    وتماشياً مع أطروحته، يقر باطاي أن “الإيروسية القلبية قادرة على أن تكون أكثر عنفا من الرغبة الجسدية نفسها”، أو لنقل إنها ترتبط هي أيضاً بالموت، فالحب قبل أن يكون سعادة، يمكن التمتع به، فهو يعج بالمعاناة، ويصاحبه الاضطراب والانزعاج، تصل بالعاشق في حالة عدم تمكنه من تملك معشوقته، إلى التفكير في قتلها، فهو يفضل ذلك على فقدانها. وفي حالات أخرى تنتابه رغبة في الانتحار والتضحية بنفسه[28].

    إن المُحِبَّ يُدْرِك عمق الوجود من خلال وساطة الحبيب، فهو من يضمن له الاتصال بالكينونة، وهو المَعْبَر نحو الخلاص، لكن هذه العاطفة المعول عليها لبلوغ الاندماج والانصهار مع الكل، تقودنا أحيانا إلى جحيم المعاناة، لأن إرادة جعل القلبين قلباً واحداً هو وَعْدٌ زائف، الأمر الذي يُوَلِّدُ رغبة في القتل أو الانتحار كما سبق الذكر، مما يجعلنا نخلص إلى أن الإيروسية القلبية مثلها مثل الإيروسية الجسدية، فهي بدورها لا تخلو من العنف[29].

    أما عن آخر نوع من الإيروسية؛ “إيروسية القداسة”، فهو يضم الأنواع الأخرى كلها، وذلك كالآتي:

    إذا كان المنفصل يفنى، فإنه، بحسب باطاي، هناك شيء واحد لا يفنى أبداً، إنه اتصال الكينونة التي تجسد الأصل، بل إن الموت هو الحقيقة التي تكشف لنا هذه الكينونة المتصلة، وتجعلها بارزة، فـ”النشاط الإيروسي الذي يقود إلى انحلال الكائنات المنخرطة فيه، يكشف عن هذا الاتصال”[30].

    إن هذا الاستنتاج الذي لا يتوقف باطاي عن ذكره، هو الذي يفسر لنا جيدا فكرة التضحية والقربان، التي تتخذ بعدا عنيفا أحياناً في بعض الأديان، فهي تتمثل، كما نعرف، في تقديم كائن منفصل من أجل الكينونة الباقية، فتحقيق الموت عن طريق تدمير الأضحية باعتبارها جزءً منفصلاً ينسحق في الكل، يجعل الجمهور الحاضر قد شارك في كشف عنصر هو الذي تسميه الأديان بـ”المقدس”. فهو ينجلي ويتكشف لحظة إتلاف المنفصل، والإنصات العميق لذلك الصمت المُخَيِّم على الجميع. وبكلمة أخرى، نفهم المقدس عند باطاي باعتباره “اتصالاً للكينونة”، ونفهم القربان عنده باعتباره تلاشيا وذوبانا للجزء في الكل، وانسحاقا للمنفصل في المتصل. كما أنه سبيل لانكشاف المقدس الذي تسميه الأديان بالإلهي.

    إذا كانت التجربة الجنسية الجسدية والعاطفية ترتبط بموضوع واقعي، وتتحقق انطلاقا من انتظار الصدفة التي تسمح لنا بلقاء الآخر المنفصل بدوره، لنربط معه اتصالا ينتشلنا ولو لردح من الزمن، من ضيق الوجود المنفرد، فإن التجربة الإيروسية المقدسة بما هي تجربة صوفية تتم دون عراقيل الموضوع، أو لنقل إنها عشق للكل، وسعي نحو الارتماء في حضن ذلك الاتحاد الإجمالي.

    2. استنتاج: القداسة المحايثة عند باطاي

    حينما نتأمل أطروحة باطاي بتمعن، فإننا نجدها لا تخرج قط عن الإطار العام للحداثة، التي تريد فهم تكوين الشيء لا خلق الشيء، وهي القاعدة المنهجية الأساسية (قاعدة الفصل أو العزل)، التي رهنت الزمن الحديث، والتي طَبَّقَها العلم وحقق من خلالها نتائج مبهرة، بل لازال يطبقها، ويكتسح من خلالها ساحة الألغاز يوماً بعد يوم، وهو مالا يمكن نكرانه بالمرة، وهو ما وضّحناه بتفصيل في الباب الأول من هذا البحث.

    والأمر كما رأينا، انطلق في القرن السابع عشر من الأشياء المادية، ليتجه بعد ذلك نحو كل القطاعات، بل حتى صوب الأشياء العاطفية والروحية، إذ تشكلت إرادة جامحة لدراسة كل شيء وفق منطق التكوين، لا منطق الخلق. فـباطاي لا يخرج عن هذا الإطار من رؤية العالم، إذ يعتبر الموجه له ولغيره، فالأمر ليس اختياراً أبداً، والكلمة للأنساق لا للأجزاء المفعول بها، لذلك نجده يؤكد في أكثر من مناسبة على أنه يريد أن يرى الإنسان كما هو وليس كما نريد، فحينما تم “قتل الإله”، وتفكيك كل القيم القديمة وجعلها عبارة عن قيم ارتكاسية تقتل الحياة وتخنقها، بدأ الباحثون يبحثون عن بدائل أخرى للقداسة المفقودة، التي تتلاءم والإنسان الحديث؛ تتلاءم ومنطق التكوين. أو لنقل بدأ البحث عن روحانيات لائكية، وهو ما توضح مع الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري، من خلال كتابه “ثورة الحب من أجل روحانيات لائكية”[31]، لكن الأمر بدأ قبله، وبشكل مبكر، مع جورج باطاي، الذي لم يخرج عن مسار إعادة ترتيب العناصر القديمة بما يتوافق والباردايم الحداثي، ذو النزعة “الدنيانية” و”الاستراتيجية “المحايثة”، أي اتخاذ طريق “تكوين الأشياء”.

    لذلك، وجدنا المفاهيم تشحن من جديد بدلالات جديدة، وهو ما حدث مع السياسة والأخلاق والتاريخ والدين، حيث نُفِضَتْ عنها معانٍ لِتَلْبَسَ معانٍ أخرى، ومن أبرز هذه المفاهيم نجد مفهوم “القداسة”، فباطاي حاول أن يعيد صياغته بطرح حداثي لا يدخل فيه المفارق بالمعنى التقليدي، ليصبح عنده القداسة للاتحاد والاتصال، الذي ما هو سوى الكل أي الكينونة الإجمالية والشاملة، ولنقل بتعبير اسبينوزا المعروف (الطبيعة بما هي كل)، أما الأجزاء المتناثرة في هذا الوجود ما هي سوى كائنات متفردة ومغلقة، تعيش تمزقاً وقلقاً وجودياً وكأنها نزعت نزعا من الكل، لذلك فهي شديدة التوق، لمعانقة هذا الكل من جديد أي معانقة القداسة.

    وسبيل الأجزاء إلى ذلك هو البحث عن الآخر، المنغلق بِدَوْرِه، بحثاً يأخذ طابعاً إيروسياً، فيه الكثير من التعري الذي يخلط الذوات بعضها ببعض، ويمكنها من التواصل، ومن تم الاحتماء ولو للحظات من قسوة العزلة والانغلاق، ونسيان قلق الوجود. لكن هذا الهوس والسعي الدؤوب بين الكائنات المنفصلة، والذي يجسده بوضوح بليغ وملحمي الحيوان المنوي والبويضة أثناء التحامهما، درءً للتفرد المخيف، لا يكون دونما ثمن يدفع والذي ماهو سوى التلاشي والاندثار، الهدر والتبديد، الاختراق والتحطيم، الموت الأصغر والموت الأكبر، فالقرابة مابين الشبق والقتل والنشوة والموت كبيرة جداً، فالكائن المنفصل يقدم نفسه قرباناً وأضحية من أجل الكل، فهو مدفوع لذلك دفعا ولا راد لهذا القانون الحاكم. فالكائن المنفصل يموت والاتصال يبقى.

    نكتشف من خلال ما تقدّم أن باطاي صوفي النزعة، لكنها”صوفية دنيوية”، حيث نراه يقلب الأمور رأساً على عقب، إذ يكفي أن تضع مكان فكرته عن الكينونة الشاملة؛ أي الاتحاد الأكبر، الله سبحانه، لنعود مباشرة نحو التعالي المعهود تاريخياً، فالله خالد سرمدي لا يموت، هذه الصفة يلصقها باطاي بالاتحاد، لتصبح القداسة المبحوث عنها في هذه الحالة هي قداسة أرضية ولائكية، لا تريد أن تخرج أبداً من هذا العالم، فهي تُفَسَّرُ من خلاله وفقط.

    إن باطاي في حقيقة الأمر لا يفكر لوحده، بل يفكر ضمن منظومة شاملة هي الحداثة، التي لا تهتم إلا بتكوين الأشياء، وهو منطق العلم بامتياز. والذي برع من خلاله، مما يُعَقِّدُالأمر بالنسبة لنا، فرفض أطروحة “باطاي”، وغيره من الذين يفكرون في أفق الحداثة، عليه أن يُصَاحَبَ برفض لأسس العلم نفسه. وهو للأسف ما لا نجد له نقاشا شافيا عند فيلسوفنا طه عبد الرحمن، إذ الحلقة المفقودة عنده هي هذه العلاقة الوطيدة بين العلم ومسارات الحداثة كلها، وهو ما سعينا لتوضيحه في الباب الأول.

    لذا، ومن خلال هذه الخلاصة، يمكننا القول إن كل من ينتقد الحداثة عندنا، عليه أن يتجه صوب أصلب ما فيها وهو العلم. ومادام عالمنا العربي الإسلامي لم يأخذ هذا الأمر بجدية، سنظل تائهين عن عصرنا ومفاتيحه سلباً وإيجاباً، خيراً وشراً.

    إن كلام باطاي الدهراني، وغير المكترث لفكرة الإله [على أساس أن الله مقولة تم تفكيكها وتوجت بإعلان موته] والطارد لها من مجال الاهتمام، وكذلك تصوفه الذي هو عنده عبارة عن تجربة باطنية يتم فيها السعي نحو الالتحام بهذا الكل الوجودي؛ أو لنقل إنه انتقال من عشق الإله لعشق الكينونة، لايمكن أن يقبله طه عبد الرحمن، وسيعتبره شروداً وتيهاناً وقلباً للمقاييس.

    إن باطاي حينما يرى أن الانتقال نحو القداسة يكون بضريبة العنف والتلاشي والموت، فإن النتيجة المترتبة عن ذلك هي: ضرورة الانتهاك، وضرورة تعدي كل الحدود، يقول باطاي: “نحن نرغب في اختراق هذه الحدود مهما كان الثمن، ولكننا نريد أن نتخطاها وأن نحافظ عليها في الوقت نفسه”[32]، لأنه على قدر التلاشي على قدر الاتحاد، ومن تم فالقداسة الكاملة هي بحث عن الموت الكامل، وهو ما يُسَوِّغ لمغامرة العنف وإيذاء الآخرين واستغلالهم من أجل تحقيق هذا الاتحاد. أو لنقل إن باطاي يشرعن بأطروحته للكائن المنغلق أن يتخذ من كائن آخر مطية ليقدمها أضحية وقربانا للاتحاد، فهو يجعل منه مجرد وسيلة، وهذا بالطبع يسبب متاعب كبيرة للأفراد، بل قد يسمح، مادام الانتهاك مطلباً، بالذهاب نحو كل صنوف الإباحية والخلاعة والفجور، الذي يوصل إلى المساس بالمحارم، والذهاب بهم في إيروسية جسدية تم تحريمها منذ القديم.

    3. النقد الائتماني لشرود جورج باطاي

    يُمثل جورج باطاي بالنسبة لطه عبد الرحمن الصيغة القابلية للنموذج ما بعد الدهراني، وسبب اختياره لقابيل بن “آدم عليه السلام” ليسمي توجه باطاي الفلسفي، هو أن مدار أحداث “قابيل” كانت مرتبطة بالموت والجنس، اللذين يعتبران بؤرة اهتمام باطاي الأولى، كما أوضحنا سابقاً، فـ”قابيل” قتل أخاه ورغب في نكاح أخته التوأم بدلاً من توأمة “هابيل”[33].

     لقد قدم جورج باطاي أيضاً، فلسفة فيها إنكار للآمرية الإلهية وللشاهدية الإلهية، مما يجعله شارداً بدوره. فهو ورث فكرة إعلان “موت الإله”، التي أعلنها نيتشه من جهة، وورث كل الإرث الإباحي الذي تركه الماركيز دو ساد [34] من جهة أخرى، لذلك نجد أعماله تعبر بحق عن موجة أصابت الزمن المعاصر، وهي الإفراط في الحديث عن الجنس، الذي لا يمكن فصله عن “موت الإله”، فالتحرر من الإله جعل الإنسان ينتشي بالعالم، فلا حدود ولا قيود، فأصبح المطلب هو جعل قوة الإله تنتقل للإنسان نفسه[35].

    لقد نعت جون بول سارتر جورج باطاي بالصوفي الجديد، رغم عدم حبه لأن يوصف بذلك، والسبب في هذه التسمية، ترجع إلى أنه يعتبر التجربة الداخلية الخاصة به تغنيه عن الشاهدية الإلهية، أو لنقل إنه يُحبذ أن يعيش صوفية شبيهة بالصوفية المعهودة وجدانياً، لكنها متحررة من كل عقيدة. الأمر الذي جعل طه عبد الرحمن يسمي باطاي بالإنسان “السيد”، بمعنى أنه يضع نفسه مكان الإله، على اعتبار أن المتصوف يكون بين يدي الله عبداً، إلا أنه لا يريد هذا الوضع، بل يريد أن يكون متصوفاً سَيِّداً[36].

    إن جورج باطاي، باعتباره ممثلاً للإنسان السيد الذي يتعدى الحدود، الأمر الذي يجعله يكشف سوءاته، وهو ما يدخله من الباب الواسع لعالم الشرود، بل إن طه عبد الرحمن، يعتبره أول من حاول التنظير لمفهوم التعدي وانتهاك الحدود[37]. وذلك ما يتوضح من خلال كتابه “الإيروسية” أو “الشبق”، الذي وقفنا عند بعض تفاصيله، وكذلك من خلال رواياته الإباحية، فالإنسان عنده لن يبلغ مرتبة “السيد” إلا إذا مارس فعل التعدي، فباطاي، يرى أن العلاقة ما بين التعدي والحد ليست علاقة ثابتة، بل هي علاقة جدلية تتميز بالخصائص التالية وهي:

    ــ وجود الحد هو نفسه ما يسمح بالتعدي: أو لنقل إن الحد بذاته هو من يغري بالتعدي، يقول “باطاي”: ليس ثمة محرم لا يمكن تعديه، ويقول: يوجد المحرم لكي ينتهك، بل حتى الدين الذي هو مصدر الحدود يراه باطاي يأمر بتعديها، فمثلاً إذا كان القتل محرّما، ففي الحرب يصبح مباحا بل واجباً. إن رأيه، بحسب طه، يجد صداه في بعض العبارات الدارجة من قبيل: “كل ممنوع مرغوب فيه”[38].

    ــ التعدي حافظ للحد: فالمتعدي لا يسعى قط لهدم الحد أو التخلص منه، لأنه يشكل له معنى وجوده، فالإبقاء على الحدود ضرورة كي يجدها المعتدي كلما أراد انتهاكها، إذ لا معنى للانتهاك في غياب الحدود. فالأمر يتم وكأنه لعبة، فيها الرغبة في إلغاء الحد مع الحرص على المحافظة عليه[39].

    ــ التعدي متصل بالتقديس[40]: إن باطاي يرى أن التعدي هو فعل مقدس، فالسيد لا يكتفي بعالم العامة، حيث النظام والحدود والشغل والإنتاج، بل عليه السعي إلى ما وراء ذلك أي إلى المقدس، عالم الاحتفال والألوهة، والذي لا يمكن بلوغه إلا باختراقه. وهنا ينتقد طه عبد الرحمن باطاي بشدة، حيث يرى أن ادعاءه بأن العالم القدسي يمكن ولوجه بالانتهاكات للحدود، هو في الحقيقة ليس إلا عالم سفك الدم وهتك الأعراض وزناً المحارم والسطو على الممتلكات، وتدمير المؤسسات وأكل النجاسات بل أكل حتى لحم البشر، وهذه الأمور كلها ليست سوى الفساد عينه، ولا يمكن أن تكون مقدسة، بل هي رجس ونجاسة[41].

    التعدي متصل بالإعجاز: يدَّعِي باطاي أن اختراق الحدود لا يقود إلى المقدس فقط، بل يورث الإنسان “السيد” شعوراً بالإعجاز، وهو ما ينتقده طه عبد الرحمن، خاصة بعد ذكر مثاله “السيء” عن الخمرة التي إذا ما احتساها المرء تدخله في إسكار لا يمكن نكران إعجازيته، معتبراً ذلك خروجاً عن طور العقل وعربدة لا تمت بصلة للإعجاز المرتبط بالإله[42].

    وإجمالاً، فإن باطاي ينادي بضرورة الغرق في التعدي حد الموت، لأن الموت هو ولادة جديدة، إذ الذي يموت هو الفرد ليبقى الاتحاد كما سلف الذكر، والمفارقة هنا عند طه عبد الرحمن، هي كيف للإنسان أن يموت كحيوان ويبعث كإله[43].

    وبعد أن أنهى طه عبد الرحمن ذكره لطريقة باطاي في التعدي، والتي يمكن إجمالها كالآتي: التعدي وُجِدَ لأن هناك حدود، وهذه الحدود بقدر ما ينبغي انتهاكها بقدر ماينبغي المحافظة عليها، ناهيك على أن السبيل الأوحد للدخول في عالم القداسة لن يتأتى إلا باختراق الحدود، وهو ما يدخلنا في وضع إعجازي. سينتقل لذكر كيف أن هذا الانتهاك سيؤدي إلى بروز سوءات الإنسان “السيد”، فهو نزع عنه لباس الأخلاق؛ سواء الأخلاق المسيحية متماشيا مع نيتشه الذي رأى فيها تكريساً لكراهية الحياة، أو الأخلاق الدهرية التي يرمز لها الفيلسوف كانط والتي وضعت في قوالب صورية خالصة، أو حتى الأخلاق الصوفية التي تجعل المرء في وضعية العبد لا السيد. فباطاي يطلب تجربة عارية، خالصة من كل عقيدة.

    وهنا لا بد من الإشارة، إلى أنه إذا كان باطاي يقارن بين التجربة الباطنية باعتبارها تجربة مرتبطة بالموت عن طريق الشبق، والتجربة الصوفية التي هي بدورها لها علاقة بالموت لكن عن طريق الشوق، فطه عبد الرحمن يرفض ذلك بقوة، إذ لا يقبل أن يرد التصوف إلى عناصر شبقية، فالأمر يكون كرد الأقصى الأعلى إلى الأدنى الحيواني، أو رد الستر الكلي شبيها بالتعري الكلي، إذ لا تجوز المقارنة بين التصوف والتجربة الباطنية كما أرادها باطاي، فلا يمكن، بحسب طه، أن يصير أكسى الناس هو أعرى الحيوانات، ماعدا إذا كان الإنسان حيواناً والحيوان إنساناً[44]. إضافة إلى ذلك، فباطاي يتحدث عن المضمون الروحي للفحش، وهو ما يراه طه عبد الرحمن خلطاً هائلاً، فإذا كان الجسد يتحدد بـ”كثيف الشبقية”، فإن الروح لا تتحدد إلا بضدها، وهو “لطيف القدسية”[45].

    إن باطاي لا يكتفي بحسب طه بنزع الألبسة الثقافية؛ سواء معرفية أو عقلية أو أخلاقية، بل ينزع عنه حتى لباس النعم الإلهية التي كانت لآدم في عالم الغيب، باحثاً عن الجسد الخالص الذي هو جسد فاحش.

    4. الخلاصة

    إذا كان نقد طه عبد الرحمن لـجورج باطاي قد أصاب في بعض الجوانب، خاصة في مسألة إنزال القداسة إلى عالم الانتهاك الدائم، مما سيقود إلى عالم النجاسة لا محالة. إلا أنه يبقى من وجهة نظرنا نقداً ضعيفاً مقارنة مثلاً بنقده لنيتشه أو حتى للماركيز دو ساد، فطه عبد الرحمن، مثلاً، يسكت عن بعض المقدمات الجوهرية عند باطاي؛ من قبيل حديثه عن المنفصل والمتصل، الذي جعله يعيد تعريف القداسة باعتبارها اتحاداً.

    لذلك، ومن باب التذكير، يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار من قبل المفكرين والباحثين في المنطقة، أن نقد هذه الرموز الحداثية لايكفي فيه العدسة الأخلاقية،  فهو يحتاج  بالإضافة إلى النقد الائتماني ــ عند طه مثلاً ــ إلى نقد آخر يذهب لأسُس الحداثة نفسها، والتي لن تكون من وجهة نظرنا، غير الرؤية العلمية ذات النزوع المحايث، فهي من أطرت المنظومة الحداثية وزودتها بالآلية التي لازالت طاغية، وتحقق  النتائج تلو النتائج، والمنجزات تلو المنجزات.

    يجب التذكير أيضاً هنا على فكرة جوهرية مفادها أنه مادام العلم يشتغل، فالحداثة قائمة، لأن المشترك بينهما هو التركيز على تكوين العالم لا خلق العالم. والسعي الدؤوب نحو البحث عن الأصل غير المفارق بل المحايث،و يكفي القيام بإطلالة على التاريخ الحديث من القرن السابع عشر إلى اللحظة الراهنة، لنكتشف أن المسار كان يتجه رويداً رويداً نحو المزيد من الدنيانية؛ أي المزيد من إقحام منطق التكوين، فهما عندنا سِيان، في كل تفاصيل الحياة، وباعتراف طه عبد الرحمن نفسه. إلى درجة أن القداسة كما ظهرت مع باطاي ومع آخرين، أُريد لها ألا تكون نشازاً، فتحولت بدورها والتحقت بركب المفاهيم التي سبق أن دخلت هذا المنطق الذي يستبعد سؤال الخلق. ومن تم تبقى المفارقة التي تقلق بالنا وهي كيف يمكن التعامل مع العلم الذي يؤثر في كل حياتنا إيجاباً أوسلباً، خيراً أو شراً؟ بعبارة أخرى، نقول إن الوقوق في وجه الدنيانية والعمل على صد علمنة الحياة، أي باختصار الوقوف ضد الحداثة، كما هو ديدن طه عبد الرحمن وشغله الشاغل، هو وقوف مباشر في وجه العلم نفسه شئنا أم أبينا !

    بكلمة واحدة، نريد التأكيد على أن الرموز التي انتقدها طه عبد الرحمن (مارقون وشاردون)، بما فيهم جورج باطاي، لم تقم باختيار مواقفها، بل هي محكومة بنسق نظري ضخم له أصول علمية متجذرة، مما يجعل حتى توجيه النعوت القاسية لهم في الحقيقة محل نقاش.

    الهوامش

    [1] طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، النقد الائتماني للخروج من الأخلاق، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1/2016م.  ص: 35 و36.

    [2]– العبارة الشهيرة لبسكال بالفرنسية جاءت على الشكل الآتي: “Le silence éternel de ces espaces infinis m’effraie“، وترجمها إدوار البستاني كالآتي: “تلك الرحائب اللامتناهيات لتخيفني بصمتها الأزلي”. أنظر: خواطر، بليز باسكال، إدوار البستاني، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972م، ص: 77. ونترجمها من جانبنا بطريقة أخرى فنقول: “إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللامتناهية يرعبني”. وكما نلاحظ فطه عبد الرحمن يسقط كلمة (éternel) أي الأزلي أو الأبدي، وذلك كما نعتقد تماشيا مع ما يسميه الترجمة التأصيلية التي تراعي التداول العربي الإسلامي (لغته، عقيدته، ركامه التاريخي)، فالأبد أو الأزل حكر على الإله. وإن كنا لا نشاطره الرأي دائما في ذلك، لأن في الأمر إسقاط لدلالات هامة لفهم الأصل. فبليز باسكال مثلا حينما قدم صرخته المدوية هذه، كان يتحدث في زمن الثورة الكوبيرنيكية التي أوضحت للبشرية أنها تعيش في كوكب صغير مهمل وهش ومقذوف في عوالم لانهائية مخيفة، فالإنسان وكأنه فجأة اكتشف أن عالمه الذي كان على مقاسه ومسخر له، أصبح غير مريح، إذ السؤال الذي طرح نفسه آنذاك، وهو أن هذا الكون الشاسع لا يمكن أبدا أن يكون قد خلقه من أجل الإنسان. أو لنقل بعبارة واضحة أن الإنسان أحس بفقدانه مركزيته المكانية مما جعله يفكر في مركزية أخرى: والتي سيعبر عليها باسكال نفسه حينما سيقول: “الإنسان ما هو إلا ريشة، أوهن شيء في الطبيعة، لكنه ريشة تفكر” وبقوله أيضاً: “كل عزتنا تتمثل في التفكير، الذي ينبغي علينا رفع أنفسنا به، وليس بالمكان والزمان اللذين لا يمكننا ملؤهما”. فهو سيعوض المركزية المكانية المفقودة بمركزية التفكير ليشاطر الفيلسوف ديكارت، المعاصر له، أيضاً صاحب عبارة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. أنظر تفاصيل مهمة في: لوتشيانو فلوريدي، الثورة الرابعة، ترجمة: لؤي عبد المجيد السيد، سلسة عالم المعرفة، الكويت، العدد 452، سبتمبر 2017م، ص: 123.

    [3]– شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 36.

    [4]– تجدر الإشارة إلى أن طه عبد الرحمن يقسم الحداثيين إلى قسمين: الدهرانيون وما بعد الدهرانيين. وهو ما يصرح به أكثر من مرة. يقول مثلاً: “كلام الحداثيين عن الأخلاق، دهرانيين كانوا أو ما بعد دهرانيين”، وقوله أيضاً: “لقد أظهر الحداثيون بقسميهم: الدهري وما بعد الدهري إرادة التخلص من الدين”. المرجع السابق، ص: 37 و38.

    [5]– المرجع نفسه، ص: 16.

    [6]-المرجع نفسه، ص: 16.

    [7]– جورج باطاي، أديب وفيلسوف فرنسي، اشتهر بكتاباته في عوالم الإيروسية [الشبقية]، والمؤلفات الإباحية فهو سار على درب كتابات الماركيز دو ساد الفاحشة. جعل باطاي بؤرة اهتمامه الكبرى هي الدمج بين الموت والجنس، باحثاً عن القداسة من داخل العالم وليس من خارجه، داعياً إلى وجوب التفكير في العالم كما هو، وليس كما نريده أن يكون. سافر كثيراً في الأراضي الأوروبية [بريطانيا، إسبانيا، إيطاليا]. شكلت قراءته لنيتشه وهيجل منعطفاً كبيراً، كما جعلته السريالية يضع قدميه في حياة المتعة والفسق والمجون. لقد كان اندريه بروتون والفيلسوف جون بول سارتر لا يحبان سماع اسمه، ليعلنا أنه ليس بمفكر ولا كاتب، بل هو مصاب بمس جنوني ويعيش حالاً من التوتر الداخلي والتأزم النفسي تستوجب خضوعه للعلاج. لكن في مقابل ذلك سيعلن الفيلسوف ميشل فوكو عام 1969م، أي بعد مضي سبع سنوات على موته عبارته: “نحن نعرف اليوم أن جورج باطاي هو أحد أهم مفكري هذا القرن”. أنظر تفاصيل هامة عن مسار جورج باطاي في دراسة قامت بها متخصصة في باطاي وهي: مارلين كنعان، جورج باطاي، الجنون المتنقل بين الفلسفة والقداسة، ضمن دراسات عربية، بدون تاريخ.

    [8]– الإيروسية، جورج باطاي، ترجمة: محمد عادل مطيمط، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1/2017م. ونشير أولاً إلى أن هذا الكتاب عبارة عن أعمال تم إنجازها مابين فترة الحرب العالمية الثانية إلى حدود 1957م. كما نشير ثانياً إلى أن المترجم حافظ على لفظة: Erotisme الفرنسية ناقلاً إياها للعربية بـ”الإيروسية”، وهو ما يشاطره فيه العديد من الكتاب والباحثين، وعلى سبيل المثال فقد سبق لمحمد علي اليوسفي ترجمة مقدمة كتاب باطاي المذكور أعلاه، والتي أشاد بها محمد عادل مطيمط، واحتفظ بلفظة “الإيروسية” معللاً ذلك بقوله: “لم نذهب في هذا النص [المقدمة] المأخوذ من كتاب “الإيروسية” لجورج باتاي إلى تعريب هذه الكلمة [الجنس، المتعة الجنسية، الشهوة، الإثارة، الشبق إلخ]، تكفي الإشارة إلى أنها تجمع بين كل تلك المعاني منظوراً إليها، عند الإنسان فقط، بعيدا عن النشاط الجنسي الذي يستهدف الإنجاب ولا حاجة الى ترجمتها أيضاً إذا كانت نسبة إلى “إيروس” إله الحب عند الإغريق”. أنظر: جورج باطاي، الإيروسية إقرار الحياة حتى الموت، مرجع سابق، ص: 36. إلا أن طه عبد الرحمن وتماشياً مع دعوته إلى ما اصطلح عليه الترجمة التأصيلية المراعية للتداول العربي اختار ترجمة [L’érotisme] بـ”الشبق”.

    [9]– جورج باطاي، الإيروسية، ترجمة: محمد عادل مطيمط، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1/2017م، ص: 18.

    [10]– المرجع نفسه، مقدمة المترجم، ص: 9.

    [11]– المرجع نفسه، المدخل، ص: 15.

    [12]– المرجع نفسه، ص: 17.

    [13]– اخترنا في تعريف الإيروسية ترجمة محمد علي اليوسفي، لأنها بدت لنا أدق وتتناسب مع الفلسفة العامة لباطاي، مع الإشارة إلى أن ترجمة تعريف الإيروسية عند عادل مطيمط، كانت على الشكل الآتي: “هي إقرار حقيقة الحياة حتى في الموت” فباطاي كما نعرف يرى أن الجنس باعتباره اتحاد يؤدي الى الموت، فلذلك تكون الإيروسية هي الإصرار على الحياة والجنس إلى حد بلوغ الموت. وهو ما تؤكده حتى روايتة “حكاية العين”. ولأجل ذلك سأمزج بين الترجمتين.

    [14]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 20.

    [15]– الماركيز دوساد أحد أكبر الشاردين بل الماردين عند طه عبد الرحمن.

    [16]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 19.

    [17]– المرجع نفسه، ص: 20.

    [18]– نشير إلى أن دعاة الانفصال هم عكس دعاة الاتصال، الذين يفتحون إمكان معرفة الغير ويعلنون التشابه معهم، إذ يعتبرون أن قدر الذات أن تعيش في قلعة محصنة وبأبواب موصدة بإحكام لا يمكن فتحها أبداً، فهي تحيا في عزلة مطلقة، إنها كجوهر فرد وكعالم مستقل ليس له أبواب ولا نوافذ، فحتى ألم الغير الذي يعد بابا من خلاله نتعاطف معه ونشاركه وجدانياً حالته لا يمكن أبدا أن يجعل الآخر شفافا، فماذا يمكن مثلا أن أفعل تجاه صديقي المريض بالسرطان؟ فأقصى ما سأفعل: هو مواساته وتقديم كل العون الذي من شأنه أن يخفف عنه ألمه، فأحزن لحزنه وأتعذب لعذابه، إلا أن هذا هو مجرد مشاركة وجدانية لا تمت بصلة لما يحسه هذا الغير حقيقة، فألمه ألم يظل خارجاً عن ذاتي، وتجربته تجربة شخصية لا يمكنني الإحاطة بها كليا. إن هذا التقوقع حول الذات هو ما عبر عنه الدكتور زكريا إبراهيم في كتابه “مشكلة الحب”، عندما قال: “من منكم يستطيع أن يتحدث عن “ذاتي” فيقول ” أنأ “؟، من غيري يستشعر آلام الجوع في قرارة أحشائي فيصرخ “أنا جائع”، أو يتجرع مرارة الخيبة في أعماق ضميري فيصيح “أنا ضائع”؟ إنكم تستطيعون أن تتعاطفوا معي، وتشفقوا علي، ولكن من منكم يستطيع أن يحيا حقيقة بواعثي فيهتف معي “أنا مظلوم” أو أن يقف على صميم دوافعي فينطق بلساني قائلاً: “أنا بريء”. نستنتج أن تصور باطاي حول: الكائنات المنفصلة” هو تصور فلسفي كبير يؤكد على أن الإنسان سيبقى دائما معزولا في سجنه الخاص ووحيدا في آلامه وأفراحه بل وحيداً حتى في موته. فبين الأنا والغير جدار سميك لا يمكن لأي أحد تجاوزه، رغم كل إمكانات التعاطف والمشاركة، والنتيجة النهائية والمؤلمة لهذا القول هو أن قدر الإنسان هو ألا يُشبع أبداً رغبته في التواصل وهو ما سيجعله دائم البحث عن الآخر لعله يحقق ذلك.

    [19]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 20.

    [20]– المرجع نفسه، ص: 22.

    [21]– المرجع نفسه، ص: 23.

    [22]– المرجع نفسه.

    [23]– المرجع نفسه، ص: 24.

    [24]– نشير ومن أجل المقارنة: أن التعري أو التكشف، الذي يعد عند طه عبد الرحمن تعدياً للحدود وقلة حياء. فهو عند جورج باطاي تواصل ضروري من أجل الخروج بالذات المنفصلة إلى عالم الآخر ومن تم حدوث الاتحاد “المقدس”.

    [25]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 26.

    [26]– تتضح مثلاً معالم هذا الربط المتماهي بين الموت والجنس في روايته: “حكاية العين”، والتي كتبها في عشرينيات القرن العشرين، ونشرها باسم مستعار لما تضمه من مشاهد إباحية فاجرة شبيهة بتلك التي كان يخطها الماركيز دو ساد فـ”حكاية عين” نص سردي يحكي تجربة كلا من “سيمون” و”مارسال” الجنسية، التي لا تعرف حدوداً ولا قيوداً، تجربة مجنونة حد الهذيان [جنس جماعي، تبول أمام الجميع، تعري كامل، تنانير مبللة بالمني، أجساد متشابكة، روائح الدم والمني والبول والقيء، المضاجعة أمام الجثة والتبول عليها، بل التبول على الضريح، الجنس في المزابل وزريبة الخنازير، الاعتراف في الكنيسة مع استمناء الراهب]، ولكن يبقى المشهد المروع والمقزز الذي يجسد فلسفة باطاي هو حينما تم وضع الراهب على ظهره وربط عنقه بحزام لتضاجعه سيمون، وفي نفس اللحظة التي تضغط على عنقه تزيد حدة المضاجعة، لتقتله في النهاية وهو يقذف منيه، ولم يكتفي باطاي بسرد الآمر على هذه الشاكلة بل زادها حدة حينما تم التمثيل بجثة الراهب. لقد نقلت بعضاً يسيراً من هذه الرواية التي تجسد بحق أفق تفكير جورج باطاي الذي يربط الموت بالجنس. فالجنس باعتباره موت صغير، عليه أن يصل ذروته بالموت الكامل لتسريع عملية “الاتحاد المقدس”. أنظر: جورج بطاي، حكاية العين، ترجمة: راجح مردان، منشورات الجمل، ألمانيا، ط1/2001م، ص: 16-17-46-48-59-62-69.

    [27]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 28.

    [28]– المرجع نفسه، ص: 28.

    [29]– المرجع نفسه، ص: 29.

    [30]– المرجع نفسه، ص: 30.

    [31]– Luc Ferry. “La révolution de L’amour”, Pour une spiritualité laïque. Edition J’ai lu / 2010.

    [32]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 7.

    [33]– يقول طه عبد الرحمن: “والداعي الذي دعانا إلى وضع هذه التسمية هو أن قصة ابني آدم تدور على أمرين أحدهما ثابت بالنص، وهو قتل قابيل لأخيه هابيل مع جهله بمواراة سوأته، والثاني تذكره بعض التفاسير، وهو رغبة قابيل في نكاح أخته التي هي توأمته بدلاً من توأمة أخيه هابيل. والحال أن فكر باطاي مداره بالأساس على موضوعين متلازمين عنده، وهما: “الجنس” و”الموت”. أنظر: طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 54 و55.

    [34]– انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: طه عبد الرحمن ومكر المنوال الحداثي، مركزية التكشف وهامشية التحجب”

    أفريقيا الشرق ط1/2024. ص:179.

    [35]– شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج من الأخلاق، طه عبد الرحمن، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1/2016م، ص: 55.

    [36]– المرجع نفسه، ص: 56.

    [37]– المرجع نفسه، ص: 56.

    [38]– المرجع نفسه، ص: 57.

    [39]– المرجع نفسه، ص: 58.

    [40]– تجدر الإشارة إلى أن طه عبد الرحمن لا يقدم الأسس الفلسفية التي أقام عليها باطاي معمار موقفه، فهو يغيبها ولا يذكرها بوضوح فمثلاً: نجده يسكت عن ذكر مسألة الكائن المنفصل القلق وجوديا والساعي نحو الاتحاد [المقدس]. كمنطلق لأطروحة باطاي.

    [41]– طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 59.

    [42]– المرجع نفسه، ص: 60.

    [43]– المرجع نفسه، ص: 61.

    [44]– المرجع نفسه، ص: 66.

    [45]– المرجع نفسه.

  • الاستجابات الوجدانية للموسيقى: من منظور علم الوجدان (مراجعة)

    الاستجابات الوجدانية للموسيقى: من منظور علم الوجدان (مراجعة)

    الكاتبفدريكو لاوريا
    ترجمةلولوة سعد

    ملخص

    للموسيقى تأثير عاطفي هائل؛ وهذا يثير العديد من الأسئلة. كيف يمكننا فهم الاستجابات الوجدانية للموسيقى؟ ما الذي تكشفه لنا الموسيقى عن العاطفة؟ ولماذا تُعد العواطف الموسيقية مهمة في حياتنا؟ وعلى الرغم من غنى الأدبيات في الفلسفة والعلوم التجريبية، إلا أن دمجهما لم يحظَ باهتمام يذكر. لذا، تهدف هذه المقالة الموسعة إلى تصحيح هذا الخلل، وبناء حوار متبادل بين الفلسفة والعلوم التجريبية حول موضوع العواطف الموسيقية، عن طريق عرض أهم الإشكالات الفلسفية من منظور علم الوجدان. وتتمثل الإشكالية الرئيسة في العدوى العاطفية؛ ففي بعض الأحيان يُدرِك المستمعون الموسيقى بوصفها تعبير عن عاطفة معينة، مما يُثير فيهم نفس العاطفة. وتُعد العدوى العاطفية قضية محيرة لأنها تتعارض مع النظرية السائدة التي ترى أن العواطف تجارب للقيم. وتتركز هذه المقالة، في معظمها، على عرض نقدي للحلول الفلسفية التي قدمت لهذه الإشكالية في ضوء التطورات الحديثة في نظرية العاطفة وعلم الوجدان. كما تسلط الضوء على قضايا عملية، خاصة دور العواطف الموسيقية في الرفاه والصحة، من خلال معالجة مفارقة الموسيقى الحزينة؛ أي سبب استمتاع الناس بالموسيقى الحزينة. وبذلك، تُسهم هذه المقالة في ردم فجوة واسعة بين القضايا النظرية وتلك المرتبطة بالحياة الواقعية، وكذلك بين البحث الفلسفي والاستقصاءات التجريبية حول الاستجابات الوجدانية للموسيقى.

    يمكن للموسيقى أن تثير عواطف جياشة. فقد يشعر المرء بالبهجة عند الاستماع إلى مقطوعة “الفصول الأربعة” لفيفالدي، أو يشعر بالسعادة ويزداد نشاطه على أنغام موسيقى الفانك، أو بالمرح أثناء استماعه لأغنية “ماكارينا” لفرقة لوس دي ريو، أو تأسره الموسيقى الاتونالية [اللامقامية][2]، أو يعجب بموسيقى ماكس ريختر، أو تنتابه نشوة عارمة خلال حضور حفلة لموسيقى التكنو، أو يشعر بالتأثر العميق عند الاستماع لأداء أندريا بوتشيلي المؤثر لأغنية “Amazing Grace“، أو يشعر بالرهبة أمام عرض مهيب لموسيقى الباسا نوفا. قد تدفعنا الموسيقى أيضًا إلى البكاء، وتخطف أنفاسنا، أو تُشعل فينا الإثارة، وتُلهب الحماس، وتصيبنا بالقشعريرة. وبالتأكيد لا تقتصر الاستجابات الوجدانية للموسيقى على العواطف الإيجابية فقط. فقد يشعر المرء بالغم عند الاستماع إلى قطعة فلامنكو، أو بالغضب عند الاستماع لأغنية من موسيقى الهيفي ميتال، أو بالسخط من موسيقى عنيفة ومتطرفة، أو بالملل عند سماعه موسيقى الريغي، أو الشعور بالاشمئزاز تجاه موسيقى تحض على الكراهية. ومن المثير للاهتمام أن الموسيقى غالبًا ما تثير مشاعر مختلطة، كأن يساورنا الحنين بسبب أغنية تذكرنا بعزيز راحل، أو عندما نستسلم لشعوري الوجع والانفعال اللذين توقدهما فينا موسيقى الفادو. وكثيرًا ما تثير فينا الموسيقى الحزينة مزيجًا من الحزن والبهجة، وهو ما يفسر أحيانًا سبب استمتاعنا الشديد بها. وقد تثير الموسيقى لدى البعض شعور الخجل؛ مثل أن يخجل أحدهم من الإفصاح عن استمتاعه بموسيقى ما، كأن يقول أحدهم: أنا استمع إلى أغاني ليدي غاغا سرًا، وأشعر بالخجل من ذلك.

    ومن المهم الإشارة إلى أن الاستماع إلى الموسيقى ليس أمرًا محببًا لدى جميع الناس؛ فالأشخاص الذين يعانون من انعدام التلذذ بالموسيقى musical anhedonia لا يجدون فيها متعة، ويصفها الأشخاص المصابون بـالعَمَه الموسيقي amusia أحيانًا بأنها ضوضاء مزعجة ومنفرة. مع ذلك، يُعتبر التأثير العاطفي للموسيقى هو الدافع الرئيسي وراء اهتمام الأفراد والثقافات بالانخراط في الأنشطة الموسيقية الجماعية. ولا يقتصر تأثير الموسيقى العاطفي على تلقيها فحسب، بل أيضًا بإنتاجها (كالتأليف والأداء)، رغم أن هذا الجانب لا يحظى باهتمام كبير في النقاشات الفلسفية. في هذه المقالة سأستخدم مصطلح “العواطف الموسيقية musical emotions” للإشارة إلى العواطف التي نشعر بها أثناء الاستماع إلى الموسيقى.

    كيف يمكننا فهم الاستجابات الوجدانية للموسيقى؟ ما الذي تكشفه لنا الموسيقى عن العاطفة؟ ولماذا تُعد العواطف الموسيقية مهمة في حياتنا؟ هذه الأسئلة الرئيسية تفتح الباب أمام تساؤلات أخرى مثيرة للاهتمام، مثل: كيف تستحث الموسيقى العواطف؟ ما نوع العواطف التي تثيرها الموسيقى؟ هل لهذه العواطف علاقة بالتقدير الجمالي؟ وهل تثير الموسيقى حقًا مشاعر حقيقية؟

    لقد شغلت العواطف الموسيقية اهتمام الفلاسفة منذ العصور القديمة. فقد لاحظ كل من أفلاطون وأرسطو أن الموسيقى تُشكل طابع أخلاقي -سواء إيجابيًا أو سلبيًا- من خلال ارتباطها بالعواطف. وقد وصل الجدل حول العواطف الموسيقية إلى ذروته خلال العصر الرومانسي؛ إذ اشتهر فاغنر بدفاعه عن أهمية العواطف لجوهر الموسيقى وطبيعتها، واعتبر أن الموسيقى -بصفتها لغة العواطف- تهدف إلى تمثيل العواطف وإيصالها. في المقابل، جادل سترافينسكي والشكلانيون formalists بأن العواطف، على الأقل المعتادة منها، تشتت انتباهنا عن تقدير جوهر الموسيقى. وفي العقود الأخيرة، شهدت الدراسات العصبية والنفسية حول العواطف الموسيقية ازدهارًا واسعًا، حتى أصبحت اليوم من القضايا البحثية الرائجة في علم النفس وعلوم الأعصاب. لكن، وعلى الرغم من غنى الأدبيات في الفلسفة والعلوم التجريبية، إلا أن دمجهما لم يحظَ باهتمام يذكر. إذ فشل الفلاسفة في دراسة ما توصلت إليه العلوم التجريبية دراسة معمقة، في حين لم يُولِ علماء النفس والأعصاب اهتمامًا كافيًا بالقضايا الفلسفية الرئيسية المتعلقة بالاستجابات الوجدانية للموسيقى. لذا، تهدف هذه المقالة إلى تصحيح هذا الخلل، وبناء حوار متبادل بين الفلسفة والعلوم التجريبية حول موضوع العواطف الموسيقية. كما تعرض أهم الإشكالات الفلسفية من منظور تخصصات عدة، مع الأخذ في الاعتبار التطورات الحديثة في نظرية العاطفة وعلم الوجدان.

    إلى جانب ذلك، مال الفلاسفة إلى إهمال الجوانب التطبيقية المرتبطة بالموسيقى، مثل دور العواطف الموسيقية في تعزيز الرفاه، وتنظيم الانفعالات، والصحة.  وبالنظر إلى الكم الكبير من الأدلة التجريبية التي تؤكد الأهمية التطبيقية للعواطف الموسيقية، فإن وجود دراسة فلسفية تتناول القضايا النظرية والتجريبية معًا سيسد فجوة واسعة في الأدبيات، وهذا هو الهدف الذي تسعى له هذه المقالة. 

    في الواقع، التأثير العاطفي للموسيقى يمتد ويتغلغل في حياتنا الاجتماعية. فالموسيقى حاضرة في العديد من الطقوس مثل الجنازات، وحفلات الزفاف، وغيرها من المناسبات، وتلعب العواطف التي تثيرها الموسيقى دورًا مهمًا، الأمر الذي يفسر سبب حضورها في هذه الطقوس الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، أثناء جائحة كوفيد-19، وصف الناس كيف أثارت الأنشطة الموسيقية الجماعية شعورًا بالتضامن والمشاركة والأمل بين الناس، وهو ما يُعزى، جزئيًا، إلى العواطف التي تثيرها الموسيقى. كما تؤدي العواطف الموسيقية دورًا حاسمًا في الأنشطة السياسية، مثل استخدام موسيقى تعبر عن الغضب في الاحتجاجات السياسية، أو موسيقى تعكس روح الكراهية للترويج للأفكار العنصرية، أو الإثارة التي يبثها اللحن العسكري في الحروب، أو اللجوء إلى موسيقى الميتال والغناء القسري كأدوات للتعذيب. وقد أظهرت دراسات في مجال التسويق أن الموسيقى تؤثر على سلوك الشراء بطريقة غير مباشرة؛ فاختياراتك الاستهلاكية قد تتأثر بالوكزات nudges[3]العاطفية التي تثيرها الموسيقى. بل قد تمتد تأثيرات العواطف الموسيقية إلى الأحكام الأخلاقية وإلى الطريقة التي ندرك بها العالم. التأثير العاطفي للموسيقى بلا شك يشمل كل جوانب الحياة.

    علاوة على ذلك، تلعب العواطف الموسيقية دورًا أساسيًا في الرفاه، إذ يستخدمها الناس غالبًا لتنظيم انفعالاتهم. فعندما يشعر المرء بالقلق، قد يبحث عن موسيقى هادئة للاسترخاء. وعندما يشعر بالحزن، قد يستمع إلى موسيقى مبهجة لتبعث في نفسه البهجة، أو يختار الاستماع إلى موسيقى حزينة؛ وهو ما يفضله كثيرون. وفي مجال الرعاية النفسية، توفر العواطف الموسيقية أساليب فعالة لعلاج الاضطرابات الوجدانية، مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق، والتوحد. كما أن للعواطف الموسيقية أهمية في الصحة الجسدية. فبفضل العواطف التي تثيرها، تُستخدم الموسيقى في معالجة الآلام وعلاج أمراض القلب والأوعية الدموية. وبفضل ارتباطها الوثيق بالذاكرة والعواطف، يمكن للموسيقى أيضًا أن تُنعش ذاكرة مرضى الزهايمر. خلاصة القول، للعواطف الموسيقية تأثير بالغ، لذا فإن فهمها يُعد أمرًا مهمًا.

    تُبنى هذه المقالة على أربعة محاور. في البداية، يقدم القسم الأول المشكلتين الفلسفيتين الرئيسيتين اللتين تثيرهما العواطف الموسيقية، واللتين ستكونان محور تركيزي الرئيس هنا، وهما العدوى العاطفية الموسيقية، وانجذاب الناس للموسيقى الحزينة. فيما يقدم القسم الثاني لمحة عن أبرز النتائج التجريبية ذات الصلة بمعالجة القضايا الفلسفية. واستنادًا إلى هذه المعطيات، يستكشف القسم الثالث ما يُعرف بالعدوى العاطفية الموسيقية وتداعياتها على طبيعة العاطفة. ثم يتناول القسم الرابع القضية العملية الرئيسية التي ناقشها الفلاسفة، وهي حبنا المحير للموسيقى الحزينة.

    سأبدأ بعرض هذه الإشكالات بمزيد من التفصيل.

    1. الاستجابات الوجدانية للموسيقى: المعضلتان الرئيسيتان

    تتمثل القضية الفلسفية الأهم والأكثر نقاشًا في قدرة الموسيقى على إصابة المستمعين بعدوى عاطفية؛ كما قد ينقل إلينا الآخرون مشاعرهم، كأن نسمع صوت صديق قَلِق فينتقل لنا الشعور ذاته، يمكن للموسيقى أن تُثير العواطف عبر العدوى العاطفية. وكما نلتقط مشاعر الآخرين من خلال إدراك تعبيراتهم العاطفية كتعابير الوجه، أو نبرة الصوت، أو تعبيرات وضعية الجسد، تُصيبنا الموسيقى بالعدوى لأننا نُدركها بوصفها تعبيرًا عن عاطفة معينة.

    في الواقع، لا يقتصر الأمر على إحساس الناس بشعور معين أثناء الاستماع إلى الموسيقى، بل إنهم يدركون أيضًا أن الموسيقى نفسها تعبّر عن عاطفة ما. على سبيل المثال قد يصف أحدهم مرثاة أيرلندية بأنها حزينة، وتُوصف مقطوعة “الربيع” لفيفالدي بأنها مبهجة. وغالبًا ما يجد المستمعون أن معزوفة “ليلة على الجبل الأصلع” لموديست موسورغسكي قَلِقة. كما تُعتبر الموسيقى المحيطة Ambient music موسيقى هادئة، في حين ينظر إلى موسيقى ديث ميتال Death Metal على أنها غاضبة. مع هذا، تبقى إمكانية وصف الموسيقى حرفيًا بأنها حزينة أو قَلِقة أو غاضبة، محل خلاف. فالموسيقى، في نهاية المطاف، ليست كائنًا واعيًا، وبالتالي فهي لا تشعر ولا تعبّر عن العواطف. ولعل الوصف الأدق هو أن المستمعين يدركون الموسيقى بوصفها تعبيرًا عن العاطفة؛ فالموسيقى الحزينة قد لا تكون حزينة فعليًا، لكنها تبدو حزينة؛ أي تعبّر عن الحزن. وهنا تكمن الإشكالية المرتبطة بالتعبير العاطفي.

    حدسيًا، يختلف إدراكنا لوجود عواطف في الموسيقى عن العواطف التي نشعر بها. وكما لاحظ كل من تورمي، وماير، وخاصة كيفي، قد يُدرك المرء موسيقى ما بوصفها تعبير عن عواطف معينة دون أن يشعر بالضرورة بالمشاعر ذاتها أو حتى دون أن تثير أي شعور آخر. فعلى سبيل المثال، قد تُدرك موسيقى ما على أنها تعبّر عن الفرح، لكنها تفشل في إثارة هذا الشعور في النفس بسبب ضعف في تأليفها أو رداءة في أدائها، وقد لا تثير أيضًا أي انفعال، بل حتى قد تبعث على الملل. ومؤخرًا، في الأدبيات التجريبية، أطلقت دراسة غابريلسون الرائدة تقليدًا بحثيًا حول “موضع العاطفة” في التجربة الموسيقية، حيث يُشير الموضع الداخلي إلى العاطفة التي يشعر بها المستمع فعليًا، في حين يشير الموضع الخارجي إلى العاطفة التي يُدرك المستمع أن الموسيقى تعبّر عنها. وتماشيًا مع ملاحظة كيفي، تشير الدراسات إلى أن الموضع الداخلي للعاطفة لا يتزامن غالبًا مع الموضع الخارجي لها [بمعنى أن ما (تعبّر) عنه الموسيقى لا يتطابق بالضرورة مع ما (يشعر) به المستمع]، ومع ذلك، يمكن أن يحدث هذا التطابق في بعض الأحيان؛ حين تحدث العدوى العاطفية. فالمستمعون يدركون عاطفة معينة في الموسيقى، وهذا الإدراك يثير فيهم العاطفة ذاتها؛ أي أن الموسيقى تصيبهم بالعدوى العاطفية. فمثلاً، إدراك موسيقى القداس الجنائزي على أنها حزينة قد يملؤك بالحزن. وإدراك الموسيقى التصويرية للوني تونز على أنها مبهجة قد تجعلك تشعر بالبهجة. وموسيقى الرعب قد تثير فيك القلق، وهكذا.

    لكن كيف تُصيبنا الموسيقى بهذه العدوى؟ وماذا يكشف هذا عن طبيعة العواطف؟ تُعد العدوى العاطفية لغزًا فلسفيًا لأنها لا تتوافق جيدًا مع السمات القياسية والمعترف بها للعواطف. ومن هذه الناحية، تُعد أكثر إشكالاً فلسفيًا مقارنةً بأنواع أخرى من العواطف الموسيقية. والأمر الأكثر تعقيدًا هو أنها تُهدد النظرية الرئيسية للعواطف، التي ترى أن العواطف في جوهرها، أو تتضمن، تقييمات معرفية[4] (انظر القسم 3.1). لذا، فإن هذه المقالة ستركز في غالبها على العدوى العاطفية وآثارها المتعددة على طبيعة العاطفة (في القسم 3). ونظرًا لأن العدوى العاطفية تثير الشكوك حول ما يُعتبر السمات التقليدية للعواطف، فإن هذا الجدل يُشبه إلى حد ما ما يُعرف بمفارقة الاستجابة الوجدانية للأدب المتخيَّل، وإن كان مختلفًا عنها (انظر القسم 3.2).

    بالإضافة إلى هذه الإشكالية الفلسفية، تُثير العدوى العاطفية الموسيقية إشكالات تجريبية مهمة أيضًا. فمن المحير أن الموسيقى -الموسيقى الخالصة تحديدًا- يمكن أن تثير عاطفة المستمعين، وهذا ما يجعل التأثر العاطفي بالموسيقي يبدو أكثر تعقيدًا من استجاباتنا العاطفية لمشاعر الآخرين (العدوى العاطفية الاجتماعية)، أو تأثرنا العاطفي بالبيئة المحيطة (العدوى العاطفية الفيزيونومية[5]). ورغم أن العدوى العاطفية الاجتماعية تطرح قضايا مثيرة للاهتمام (انظر الأقسام 3.7 و3.8)، إلا أن هذا الظاهرة يمكن تفسيرها بسهولة، على الأقل جزئيًا، من خلال فهم تعبيرات الآخرين العاطفية (مثل نبرة الصوت القَلِقَة أو وضعية الجسد لشخص ما). لكن في حالة الموسيقى، ليس جليًا أن ثمة تفسيرًا مماثلًا يمكن تقديمه، نظرًا إلى أن الأعمال الموسيقية ليست أشخاصًا حقيقيون يعبّرون عن مشاعر (انظر القسم 2). وبالمثل يمكن تفسير العدوى العاطفية الفيزيونومية (على سبيل المثال، عندما يثير الطقس الغائم الشعور بالكآبة) ببساطة، على الأقل جزئيًا، من خلال الارتباطات والتغاير المشترك بين سمات البيئة المحيطة والحالات العاطفية؛ على سبيل المثال، عندما يكون الجو قاتمًا (سمات البيئة)، يشعر الشخص بالكآبة (حالة وجدانية). لكن يبقى تفسير العدوى العاطفية الموسيقية من خلال ارتباطات مماثلة بين البيئة المحيطة والحالة الوجدانية إشكالاً مفتوحًا ويعتمد إلى حد كبير على التحقق التجريبي. لذلك، حتى لو أمكن حل المعضلة الفلسفية الرئيسية أو تبديدها، فإن الآليات التي تُمكِّن الموسيقى من التأثير (العدوى) على المستمعين لا تزال تثير إشكالات مهمة لا يمكن معالجتها إلا من خلال دراسات تجريبية دقيقة. وسأعود إلى مناقشة هذه المسألة في القسمين (2 و3.4).

    ستتناول هذه المقالة أيضًا بإيجاز النقاش الرئيسي الثاني المتعلق بالعواطف الموسيقية، موضحة تداعياته العملية. فباستثناء الحالات المرضية، عادةً ما يتجنب الناس المواقف الحزينة ويشعرون بالنفور من الحزن؛ فالحزن، في نهاية المطاف، شعور مؤلم، ينشأ نتيجة إدراك الفرد لموقف حزين أو خبر سيئ. لكن تكمن المشكلة في أن الموسيقى الحزينة تحظى غالبًا بإعجاب الناس؛ فهم يستمتعون بسماعها، ويبحثون عنها، ويقدرونها. وقد أظهرت الدراسات أن استماع الناس إلى الموسيقى الحزينة، خصوصًا عندما يشعرون بالحزن، يعمق من شعورهم بالحزن. فلماذا نستمتع بالموسيقى الحزينة؟ ولماذا نُثمن الحزن في سياق الموسيقى؟ هذا ما يعرف بـ “مفارقة الموسيقى الحزينة”. ونظرًا لأن الموسيقى الحزينة تعد مثالاً على ما يُسمى الفن السلبي (الفن الذي يجسد ويُثير المشاعر السلبية، كالتراجيديا والرعب والسوداوية) فإن هذه المسألة تحمل أوجه تشابه كبيرة مع مفارقة العواطف السلبية في الفن، رغم اختلافها عنها (انظر القسم 4). وتُعتبر مفارقة الموسيقى الحزينة أبرز مثال على أهمية العواطف الموسيقية في تنظيم الانفعالات، وبالتالي في تعزيز الرفاه النفسي والصحة.

    سأختم هذا القسم بالإشارة إلى الأهمية الفلسفية البارزة لموضوع هذه المقالة؛ وهو أن فهم العواطف الموسيقية من المواضيع المركزية التي تناولها علم الجمال وفلسفة الفن، وذلك من خلال خمس نقاشات رئيسية:

    أ. التجربة الموسيقية: تشكل العواطف الموسيقية جانبًا هامًا من التجربة الموسيقية والجمالية. بل قد يجادل البعض بأن التجربة الموسيقية، بصفتها تجربة جمالية، عاطفية في جوهرها. والأهم من ذلك أن التأثير العاطفي للموسيقى يمتد ليشمل أشكالاً من الفن متعدد الوسائط، مثل الفن السينمائي، والرقص، والشعر. ومن أحد الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها هو دور الموسيقى في تأثيرها علينا في الأفلام والمسلسلات؛ فمن خلال إثارة عواطف المتلقي، يمكن للموسيقى أن توجه التجربة الجمالية وتكثفها، وحتى على نحو غير واع. تأمل مثلاً كيف تضبط موسيقى هيرمان التصويرية لفيلم “سايكو Psycho” للمخرج هيتشكوك الجو العام للفيلم، أو كيف تُصعّد الموسيقى التصويرية لماكس ريختر لمسلسل “صديقتي المذهلة My Brilliant Friend” من حدة التشويق والإثارة. وينطبق الأمر ذاته على الرقص، الذي يتأثر غالبًا بالنبرات العاطفية لإيقاع الموسيقى، وكذلك على الشعر الذي يعتمد على العواطف التي يثيرها الإيقاع.

    ب. التعبير الموسيقي: رغم أن العواطف الموسيقية [الشعور بها] تختلف عن إدراك العواطف في الموسيقى (ما تعبر عنه)، إلا أن بعض الفلاسفة حللوا العواطف المدركة من خلال العواطف التي تُثيرها الموسيقى. حيث يجادل أنصار نظرية الاستثارة أن إدراك الموسيقى بوصفها معبّرة عن العواطف ناشئ من استثارتها لأحاسيس جسدية أو عاطفية. من هذا المنظور، تُعد الاستجابات الوجدانية مركزية في فهم المعنى العاطفي للموسيقى.

    جـ. الفهم الموسيقي والقيمة الموسيقية: هناك نقاشات تدور حول ما إذا كانت العواطف الموسيقية ضرورية و/أو ذات صلة بعملية فهم الموسيقى، وإن كانت كذلك، فما نوع العواطف المرتبطة بهذا الفهم. فمثلًا، قد يكون الشعور بالحزن أثناء الاستماع إلى قداسًا جنائزيًا استجابة مناسبة؛ لكونه شعورًا مرتبط بفهم هذا العمل الموسيقي. أما الشكليون مثل هانسليك فيعارضون هذا الرأي ويرون أن العواطف لا تؤدي أي دور في فهم الموسيقى. بالمقابل، يُقر شكليون آخرون مثل كيفي بأن لبعض أنواع العواطف دورًا في عملية الفهم، وتحديدًا تلك المرتبطة بتقدير “الموسيقى وحدها[6]” [كالدهشة والإثارة والنشوة] (انظر القسم 3.4). ومؤخرًا، قدّم رافاسيو معيارًا لبيان الصلة بين الخصائص الفنية للموسيقى والعواطف التي تثيرها الموسيقى. حيث يركز هذا المعيار، من بين أمور أخرى، على ثلاث شروط؛ العلاقة بين عاطفة المستمع والسمات الفنية للموسيقى، وخبرة المستمع وإلمامه بالنوع الموسيقي، والانتباه الواعي لكامل العمل (انظر أيضًا مقالة ليفنسون حول الثقافة الموسيقية). وفي الآونة الأخيرة، جادل كوكران بأن العواطف الناتجة عن العدوى العاطفية الموسيقية تتوافق مع التقدير السليم للموسيقى الخالصة (وهذا خلافًا لما يرى كيفي). وكل هذه القضايا تؤثر في الإشكالية المتعلقة بعلاقة العواطف في تحديد قيمة الموسيقى.

    هـ. التجربة الجمالية، والتقدير الجمالي، والعواطف الجمالية: تتعلق هذه المسألة بالجدالات الدائرة حول طبيعة التجربة الجمالية، ومؤخرًا، حول كل من التقدير الجمالي والعواطف الجمالية. ذلك أن مجرد إمكانية وجود عواطف موسيقية تُعد إشكالية بالنسبة إلى التصورات التقليدية للتجربة الجمالية بوصفها خالية من المصلحة الذاتية (انظر القسم 3.2).

    و. طبيعة الموسيقى: يؤثر دور العواطف الموسيقية في التجربة الجمالية على تعريف الموسيقى، وذلك استنادًا إلى افتراض أن طبيعة الموسيقى تكمن، جزئيًا على الأقل، في قدرتها على إثارة تجربة جمالية أو إحداث تقدير جمالي يُفهم بوصفه ظاهرة وجدانية بل حتى أن موسيقى موزاك Muzak، أو موسيقى المصاعد المصممة لإثارة حالات مزاجية معينة، تُعد أيضًا مؤثرة في تعريف الموسيقى في سياق التقدير الجمالي. وبالاستناد إلى تصورات تولستوي والحركة الرومانسية، يُنظر إلى الموسيقى بوصفها تعبير عن العواطف ووسيلة لنقلها. كما تُرجع النظريات الشائعة في علم النفس التطوري أصل الموسيقى إلى التعبيرات الصوتية عن العواطف.

    أما في فلسفة العقل، ينصب الاهتمام الرئيسي على القضايا المتعلقة بفلسفة العواطف، مثل: طبيعة العاطفة (انظر الأقسام 3.1 و3.2)، ومضمون العاطفة، والعلاقة بين العواطف والحالات المزاجية (انظر القسم 3.3)، والطابع الظاهراتي للعواطف، ودور الخيال والصور الذهنية في العواطف (انظر القسم 3.5)، والقيمة المعرفية للعواطف، ودور العواطف في تحقيق الرفاه (انظر القسم4).

     قبل التطرق للمقترحات الفلسفية، اسمحوا لي أن أبدأ بعرض موجز للنتائج التجريبية الأكثر صلة بالنقاشات الفلسفية. فهناك اليوم كم هائل من الأدلة التجريبية المتاحة يمكن الاستفادة منها لوضع النظريات الفلسفية في سياقها الصحيح وتحديد الإشكالية الفلسفية الأساسية. 

    2. النتائج التجريبية وأنواع العواطف الموسيقية

    هناك أدلة قاطعة تؤكد أن الموسيقى تُثير العواطف. تتجلى هذه الأدلة في الإفادات الشخصية، سواء اللفظية أو غير اللفظية، إلى جانب القياسات الفسيولوجية مثل معدل ضربات القلب، ومعدلات التنفس، واستجابة التوصيل الجلدي skin conductance، والاستجابة الإجفالية startle response، وضغط الدم، والتوتر العضلي، وسواها. كما تمتد إلى التعبيرات الحركية للعواطف، مثل تعابير الوجه، والأصوات الإنفعالية، ولغة الجسد، إضافة إلى الميول السلوكية الظاهرة أو الكامنة، مثل الرقص، والغناء، والنقر بالأقدام، وسرعة المشي، وحتى سلوكيات المساعدة. وهكذا، تكون الموسيقى قادرة على التأثير في جميع مكونات الاستجابة العاطفية المعتادة. أما على المستوى العصبي-البيولوجي، تُثير الموسيقى نشاطًا في البنى الدماغية المعروفة بأهميتها الحيوية للعاطفة في مراحل مبكرة جدًا من العمر، في مناطق مثل اللوزة الدماغية، والنواة المتكئة، والوطاء (تحت المهاد)، والحُصين أو قرن آمون، والفص الجزيري، والقشرة الحزامية، والقشرة الجبهية الحجاجية، وسواها. وتتسم العواطف المستحثة بالموسيقى -مثل الحزن والفرح والغضب- بأنماط فسيولوجية وتعبيرية وعصبية يمكن تمييزها بوضوح؛ وهو ما سيكون له دور مهم نستعرضه لاحقًا (في القسم 3.4).

    وقد وردت بعض العواطف بشكل متكرر في التقارير مثل الهدوء والاسترخاء، السعادة والفرح، الحنين والشوق، الاهتمام والترقب، اللذة والمتعة، والحزن والكآبة. ومؤخرًا، ظهر نهج جديد يهدف إلى دراسة العواطف التي تُثيرها الموسيقى من خلال تجاوز النماذج العامة للعواطف التي طُورت بمعزل عن الموسيقى، والتي تعتمد على العواطف المنفصلة[7](المتمايزة) كالأنواع المذكورة آنفًا. فمثل هذه النماذج تعجز عن الإحاطة بالتأثير العاطفي الغني للموسيقى، وتثير صعوبات نظرية كبيرة، خصوصًا لأن العواطف الموسيقية لا تنطوي على تقييمات معرفية -مثل إدراك التهديدات أو الخسائر- كما هو الحال في العواطف المتمايزة النموذجية. سأعود لاحقًا إلى هذه المسألة، نظرًا لأنها تمثل الإشكالية الفلسفية الأساسية (انظر القسمين 3.1 و3.2). لذلك، طور علماء النفس مقاييس جديدة قائمة على الموضوعات الوجدانية مثل: الدهشة، والتسامي، والحنان، والحنين، والسكينة، والقوة، والأنشطة المبهجة، والتوتر، والحزن. وتتوافق هذه الموضوعات الوجدانية بصورة أفضل مع العواطف التي تثيرها الموسيقى. ويتضح أن الموسيقى تُثير في أغلب الأحيان عواطف إيجابية، رغم أن مشاعر الحزن، والكآبة، والحنين الممزوج بالأسى شائعة أيضًا.

    وتعتمد العواطف التي تُثيرها الموسيقى على ثلاثة عوامل رئيسية: الموسيقى (الخصائص الهيكلية والأدائية)، والمستمع، والسياق [البيئة أو الظروف المحيطة بتجربة الاستماع]. فعلى سبيل المثال، تتميز الموسيقى الحزينة بانخفاض في كل من طبقة ومستوى الصوت، وإيقاع بطيء، وطابع صوتي قاتم، ونطاق نغمي ضيق، وتنغيمات هابطة، والارتكاز على السلم الصغير Minor، وأداء متصل Legato، وغيرها من السمات. في المقابل، عادةً ما تتصف الموسيقى السعيدة بارتفاع في كل من طبقة ومستوى الصوت، وسرعة بالإيقاع، ونطاق نغمي واسع، وتنغيمات صاعدة، والارتكاز على السلم الكبير Major، وأداء متقطع Staccato، وغيرها من السمات. لذلك التأثر بالموسيقى الحزينة أو السعيدة يعتمد جزئيًا على هذه السمات الموسيقية. أيضًا تؤثر معلومات حول هوية المؤدي وقدراته (مثل المظهر الجسدي، والقدرة على التعبير) على العواطف التي يشعر بها المستمع. كما تلعب خبرة المستمع الموسيقية (كالخبرة، والتطلعات الموسيقية، والتدريب، وسواها)، وسماته الثابتة (كالسن، والجنس، والشخصية، والعوامل الاجتماعية والثقافية) دورًا مهمًا. وللسياق دور مهم أيضًا؛ فاختلاف المكان الذي يُستمع فيه إلى الموسيقى، سواء في قاعة حفلات، أو كنيسة، أو حفلة في الشارع، قد يفسر التباين بين العواطف المحسوسة.

    والأكثر صلة بالنقاش الفلسفي الرئيسي هو الآليات التي تُثير بها الموسيقى العواطف. ويعد نموذج BRECVEMA أبرز نموذج مؤثر حيث يصف ثماني آليات لإثارة العواطف؛ أي أجهزة لمعالجة المعلومات تستند إلى وظائف مختلفة للدماغ تطورت تدريجيًا.

    1. منعكس جذع الدماغ[8] Brainstem Reflex: تُثار العواطف لأن جذع الدماغ يتعامل مع الخصائص الصوتية باعتبارها مؤشرًا على احتمال وقوع حدث مهم وطارئ. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي الأصوات المفاجئة، أو العالية، أو المتنافرة إلى استجابات مفاجِئة مثل الخوف، والدهشة، أو مشاعر مزعجة. هذه عملية سريعة، وتلقائية، وغير مكتسبة. سأعود إلى هذه الآلية في الأقسام 3.5 و3.6.
    2. التزامن الإيقاعي Rhythmic Entrainment: تتزامن الإيقاعات الفسيولوجية الداخلية لجسم المستمع مع الإيقاع الموسيقي، مما يثير المشاعر عبر ردود فعل مستقبِل الحس العميق proprioceptive feedback. فعلى سبيل المثال، تهدئ التهويدة الوليد عندما تتزامن أنماط تنفسه مع الإيقاع، أو قد تشعر بالنشاط عندما يتزامن معدل ضربات قلبك مع إيقاع معين. هذه الآلية شائعة في موسيقى التكنو، والموسيقى العسكرية، والموسيقى التصويرية. وهي تفسير رئيسي لميلنا إلى الحركة؛ مثل تحريك الرأس أو الساقين بتزامن مع الإيقاع. سأعود إلى التزامن الإيقاعي في الأقسام 3.5 و3.6.
    3. التقييم الإشراطي[9] Evaluative Conditioning: ترتبط الموسيقى بمحفزات إيجابية أو سلبية تُثير العواطف. فعلى سبيل المثال، في اضطراب ما بعد الصدمة، قد تُسبب الموسيقى نوبات هلع نتيجة ارتباطها بأحداث مؤلمة. كما تعد الجملة اللحنية “لايتموتيف[10] Leitmotiv” لفاغنر مثال آخر لذلك.
    4. العدوى Contagion: تثير الموسيقى عاطفة معينة لدى المستمع لأنه يدرك نفس العاطفة في الموسيقى (التعبيرية الموسيقية). فعلى سبيل المثال، قد تدرك الحركة الثالثة من السيمفونية رقم 5 لشوستاكوفيتش على أنها تعبّر عن القلق، وهذا قد يُثير شعور القلق فيك. أو قد تشعر بالتوتر فتلجأ إلى الاستماع إلى موسيقى هادئة؛ وتحدث العدوى إذا شعرت بالهدوء بعد الاستماع إليها. سأستعرض موضوع العدوى العاطفية بالتفصيل في القسم التالي (القسم3).
    5. التصور الذهني Visual Imagery: تُثار العاطفة لدى المستمعين نتيجة استحضارهم وجمعهم صورًا ذهنية أثناء استماعهم إلى الموسيقى. تستغل هذه الآلية الترابط بين الموسيقى والمخططات الصورية image-schemata. فعلى سبيل المثال، تشعر بالرهبة أثناء الاستماع إلى موسيقى ما لأنها تُثير في خيالك صورة جبل ذهبي أو غابة سحرية. قد يثير ذلك إحساسًا بالمتعة أو استرخاءً عميقًا، وأنواعًا مختلفة من العواطف. سأعود إلى هذه الآلية في القسم 3.5.
    6. الذاكرة العَرَضية[11] Episodic Memory: تستحضر الموسيقى ذكرى محددة تؤدي إلى إثارة عاطفة. فعلى سبيل المثال، أشعر بالحنان لأنني أسمع الأغنية التي كانت تُبث في موعدي الأول مع شريكي؛ ظاهرة “هذه هي أغنيتنا”. وكما لوحظ، تُعد الموسيقى إحدى أقوى المحفزات لإحياء الذكريات العاطفية. الأمر الدي يفسر جزئيًا أهمية الموسيقى في الأحداث الاجتماعية، مثل حفلات الزفاف، والجنائز، والاحتفالات، وسواها.
    7. التوقع الموسيقي Musical Expectancy: يُستثار شعور ما لأن الموسيقى تخالف أو تؤجل أو تؤكد توقعات المستمع الموسيقية. وفي هذا السياق، أكدت نظرية ماير الرائدة على إثارة مشاعر مثل التوتر والارتياح في استجابة المستمع للموسيقى. والتوقعات غالبًا ما تثير مشاعر القلق، أو المفاجأة، أو الإحباط، كما أن هذه التوقعات تُعد المؤشر الرئيسي لحالة القشعريرة الموسيقية؛ إذ ترتبط هذه القشعريرة باستجابة انتصاب الشَعر piloerection الناتجة عن تغيرات موسيقية “غير متوقعة”. سأعود إلى هذه الآلية في القسم 3.6.
    8. التقييم المعرفي Cognitive Appraisal: يُقيّم المستمع الموسيقى بناء على أهدافه العملية، وهذا يُثير عاطفة لديه. فعلى سبيل المثال، تشعر بالانزعاج في حفلة لأنك تُقيّم الموسيقى على أنها مملة، أو تشعر بالرضا لأنك تجد الموسيقى جميلة.

    هناك عدة عوامل تساهم في التمييز بين هذه الآليات، منها: االتسلسل التطوري لآلياتنا العاطفية، ومناطق الدماغ الرئيسية، والتأثير الثقافي والتعلم، والتطور الأنطوجيني، والعواطف المثارة، وسرعة الإثارة، ومدى تأثير الإرادة. تثير هذه العوامل قضايا كثيرة مثيرة للاهتمام، لكن ما يهمنا أكثر في هذا السياق هو آلية العدوى. فلنبحثها بمزيد من التفصيل.

    3. العدوى الموسيقية

    تحدث العدوى الموسيقية عندما تتطابق العاطفة المحسوسة مع العاطفة المُدركة في الموسيقى؛ حين يشعر المستمعون بذات العاطفة التي يدركونها في الموسيقى. أو يمكن القول إن الشعور المحسوس يتطابق مع العاطفة التي تعبّر عنها الموسيقى. أو –وهذه صياغة أخرى للفكرة نفسها– يشعر المستمعون بعاطفة ما لأنهم يدركون الموسيقى بوصفها معبرة عن هذه العاطفة.

    ومن المهم أن نلاحظ أن العدوى العاطفية ليست مقتصرة على الموسيقى المصحوبة بالكلمات (مثل الأغاني) أو موسيقى البرنامج التصويري[12]. بل يمكن أن تحدث أيضًا مع الموسيقى المطلقة أو الخالصة؛ أي الموسيقى غير الإشارية[13]. وفي هذه الحالة، تكون هذا الظاهرة أكثر تعقيدًا. ففي حالة الأغاني، على سبيل المثال، غالبًا ما تعبّر الكلمات عن عواطف أو مواقف، على نحو يشبه ما نجده في القصص أو الحكايات. تأمل كم الأغاني الحزينة الاتي تدور حول الحزن أو الفراق. مثل هذه الكلمات تفسر بسهولة سبب إدراكنا للأغاني الحزينة بوصفها تعبيرًا عن الحزن، ولماذا يدفعنا ذلك إلى الشعور بالحزن أيضًا. فالحزن والفراق، على سبيل المثال، أمران حزينان ومأساويان. على النقيض من ذلك، يختلف الأمر في حالة الموسيقى الخالصة؛ فكيف يمكن للصوت المجرد أن يكون معبرًا عن الحزن ويجعلنا نشعر به؟ لماذا تجعلنا الموسيقى الخالصة -مجرد أصوات- نشعر بالحزن أو السعادة أو القلق؟ كيف ولماذا يمكن للموسيقى الخالصة أن تصيبنا بالعدوى العاطفية؟ لذلك، الإشكالية الكبرى التي تواجه ظاهرة العدوى العاطفية هي الموسيقى الخالصة، كما هو الحال في مسألة التعبيرية الموسيقية.

    وكما لوحظ، تعتمد العدوى العاطفية على إدراك العاطفة أو التعبير العاطفي في الموسيقى. ورغم أن إدراك العواطف واستثارتها أمران مختلفان، فإن الدراسات التجريبية حول إدراك العاطفة في علم النفس وعلم الأعصاب تقدم رؤى مهمة لفهم ظاهرة العدوى العاطفية. ولتلخيص عدد من هذه التجارب بصورة تقريبية، تشير النتائج إلى وجود درجة كبيرة من الثبات في إدراك العواطف الموسيقية بين الأفراد باختلاف أعمارهم وخلفياتهم الثقافية، لا سيما فيما يخص العواطف الأساسية مثل الحزن، والفرح، والخوف، والغضب، والحنان. كما ظهر أن التعرف على العواطف الأساسية التي تثيرها الموسيقى عملية سهلة للغاية. فعلى سبيل المثال، يتمكن المستمعون البالغون من تمييز العواطف في الموسيقى في أقل من ربع ثانية، ولا تتأثر أحكامهم كثيرًا بخبرتهم الموسيقية. وفي مراحل نمو الأطفال، لوحظت بعض التعابير غير اللفظية لدى الرُضع في عمر 4 أشهر، والتي تدل على قدرتهم على التمييز بين الموسيقى السعيدة والحزينة. وفي عمر 4 سنوات، يُظهر الأطفال قدرة على التعبير عن أحكامهم بشأن العواطف الأساسية المدركة في الموسيقى. ورغم أن الدراسات العابرة للثقافات تثير تحديات وتفسيرات مثيرة للجدل، إلا أن بعض الدراسات المؤثرة تشير إلى وجود قدر من الثبات في القدرة التعبيرية عبر ثقافات موسيقية مختلفة. فأعضاء قبيلة المافا في شمال الكاميرون تعرفوا بدقة على عواطف مثل الفرح والحزن والخوف في الموسيقى الغربية التي لم يسمعوها من قبل. كما تعرف المستمعون الغربيون على عواطف كالفرح والحزن والغضب في مقاطع من موسيقى راجا الهندوستانية. وتعرف المستمعون اليابانيون على هذه العواطف في الموسيقى الهندوستانية بدقة توازي إدراكهم لها في الموسيقى اليابانية.

    واقترح العديد من الباحثين أن هذه النتائج تُشير إلى وجود استعدادات بيولوجية للتعرف على العواطف في الموسيقى، ومن ثم التأثر بها (العدوى العاطفية). وتفسر إحدى أكثر النظريات تأثيرًا في هذا السياق البيانات هذه بالتطابق بين الموسيقى والتنغيم العاطفي prosody أو التعبير الصوتي vocalization؛ أي التعبير العاطفي غير اللفظي في الكلام. فعلى سبيل المثال، تتشابه السمات الصوتية للموسيقى الحزينة مع سمات الكلام الحزين، مثل الطبقة الصوتية المنخفضة، وانخفاض مستوى الصوت، وبطء الإيقاع، وطابع صوتي قاتم، ونطاق نغمي ضيق، وتنغيمات هابطة، والارتكاز على السلم الصغير Minor. وتختلف هذه الخصائص بدرجة كبيرة عن السمات الصوتية للموسيقى للموسيقى السعيدة ونغمة الكلام السعيدة التي تتسم بارتفاع طبقة ومستوى الصوت، وسرعة الإيقاع، ونطاق نغمي واسع، وتنغيمات صاعدة، والارتكاز على السلم الكبير Major، وأداء متقطع Staccato، وغيرها من السمات. وهكذا، تُدرك الموسيقى بطريقة ما كـ “موسيقى ذات طابع تعبيري مكثف”، كما لو كنا نستمع إلى شخص يعبر بصوته عن مشاعره. وفي الواقع، ينطوي التعرف على العواطف الصوتية والموسيقية على شفرة عصبية مشتركة. ونظرًا لأن العدوى العاطفية تعتمد على إدراك العاطفة في الموسيقى، فإنها تُفسَّر جزئيًا من خلال الربط بين الموسيقى والتعبيرات الصوتية للعواطف (انظر القسم 3.7).

    وبالطبع، لا تقتصر العدوى العاطفية على الموسيقى. فأحيانًا تنتقل لنا عواطف الآخرين، كما يحدث عندما ينتقل لنا قلق ركاب آخرين على متن الطائرة، أو حين ينتقل لنا شعور البهجة في كرنفال ريو (العدوى الاجتماعية). حتى الطابع العاطفي للبيئة والكائنات غير الواعية قد تُصيبنا بالعدوى (وهي ظاهرة تُسمى العدوى الفيزيونومية physiognomic contagion). فقد يدرك الإنسان الحزن في شجرة صفصاف بأغصانها المتدلية الباكية، مما يجعله يشعر بالحزن. أو قد يرى المرء أن تصميم مبنى ما يوحي بالقلق -كما في المتحف اليهودي الذي صممه ليبسكيند في برلين- مما قد يُثير لديه شعورًا بالقلق. وكما هو الحال مع الأشخاص والبيئة، يمكن للموسيقى أن تُصيبنا بالعدوى العاطفية أيضًا. وسأتناول أمثلة أخرى على العدوى العاطفية في القسم 3.7.

    العدوى العاطفية محورية في تجربتنا مع الموسيقى وفي استخداماتنا العملية لها من أجل الرفاه والصحة والغايات الاجتماعية السياسية. والأهم من ذلك، أنها تثير التساؤل الأساسي حول طبيعة العاطفة. والآن، سأنتقل إلى تناول هذه المسألة الرئيسية.

    3.1. المذهب الإدراكي[14] Cognitivism

    ما هي العواطف؟ تنطوي العواطف على مجموعة من السمات، مثل الأحاسيس الجسدية، والتغيرات الفسيولوجية، وتعابير الوجه، والميول السلوكية. ومع ذلك، ووفقًا للنظرية السائدة للعاطفة في الفلسفة والعلوم التجريبية، تعد العواطف في جوهرها تمثيلات وإدراكات للقيم، مثل التهديدات، والخسائر، والأخبار السيئة والأخبار السارة، والظلم، والجمال، واللطف، والمضحك، والسامي، وغير ذلك. ويُطلق على هذا التصور اسم المذهب الإدراكي cognitivism (ويشار إليه أحيانًا بالتقييمية evaluativism). تأمل مثلًا مشهدًا من فيلم الطيور The Birds لهيتشكوك، حين تخاف ميلاني من الغربان التي تلاحقها؛ يتسارع نبض قلبها، وتتقطع أنفاسها، وترتجف، ثم تصرخ وتركض مبتعدة. هي في الأساس خائفة لأنها تدرك الغربان بوصفها تهديدًا لحياتها. وبالمثل، فإن الشعور بالحزن بسبب الانفصال هو إدراك لهذا الحدث بوصفه حدثًا حزينًا.

    وفقًا للمذهب الإدراكي، فإن البنية القَصدية للعواطف تتكون من جانبين: أولًا، للعواطف موضوعات أو مضامين قصدية: خوف ميلاني يتعلق بالغربان. ثانيًا، تنطوي العواطف على تقييمات لموضوعها أو لمضمونها: الغربان تُقيَّم على أنها مُهدِّدة. يقدم المذهب الإدراكي طريقة رصينة لتحديد موضوع أو مضمون العاطفة؛ فالموضوع أو المضمون الخاص بعاطفة ما هو الموقف الذي جرى تقييمه. فميلاني تخاف من الغربان لأنها تُقيّمها على أنها تهديد. مع ذلك، قد تكون هذه التقييمات الإدراكية خاطئة. فقد تخاف ميلاني من طائر غير مؤذ، وفي هذه الحالة يكون الشعور بالعاطفة غير ملائم. يقدم المذهب الإدراكي تفسيرًا واضحًا لذلك؛ حيث يمكن القول إن التقييمات المعرفية تُجسد أيضًا الجوانب الأخرى للعواطف: فتعابير الوجه، والتغيرات الفسيولوجية، والميول السلوكية، هي استجابات تكيفية لتمثيلات القيم.

    المنافس الرئيسي للمذهب الإدراكي هو رؤية وليام جيمس التي ترى العواطف بوصفها أحاسيسًا جسدية، أو على الأقل، المنظور القائم على اعتبار العاطفة إحساسًا جسديًا محضًا، لا يتضمن أي تقييم. ومع ذلك، تتوافق الفكرة الأساسية للمذهب الإدراكي مع بعض الآراء التي تعتبر العواطف أحاسيسًا جسدية أو دوافع، شريطة أن تُقر تلك الآراء بأن العواطف تنطوي على تقييمات. في حين يختلف هذا المذهب مع التركيز الدارج حديثًا على التكافؤ valence والإستثارة arousal[15] بوصفهما سمتين أساسيتين للعاطفة، كما في نظرية الفعل التصوري conceptual act theory. فوفقًا لهذا التصور، تنطوي العاطفة أساسًا على التكافؤ والاستثارة؛ عواطف محددة ناتجة عن تصورات [مفاهيمية] يكوّنها الفرد تجاه أحاسيسه، دون أن تتضمن تقييمات معرفية. وعلى نحو أعم، تؤكد اللاإدراكية non-cognitivism أن العواطف لا تنطوي على تقييم، وربما لا تمتلك أي موضوعات قصدية. وحتى إن كانت لها موضوعات قصدية، فإن ذلك لا يُفسَّر من خلال تقييمات معرفية، لعدم وجود مثل هذه التقييمات من الأساس.

    هناك وجهات نظر مختلفة داخل المذهب الإدراكي، من بينها النمط الاعتقادي doxastic، الذي يفهم العواطف بوصفها أحكامًا تقييمية، كما تجادل نوسباوم، متبعة بذلك خطى الرواقيين. في المقابل، يعتقد معظم الباحثين أن العاطفة هي “مماثلة لـ” إدراك القيم، بينما يجادل آخرون بأن العواطف هي مواقف تقييمية فريدة من نوعها. وعادةً ما يثار الجدل حول العدوى العاطفية ليستهدف النمط الاعتقادي، ويمتد ليشمل جميع وجات النظر داخل المذهب الإدراكي، بما فيها النمط الإدراكي perceptual والنمط السلوكي attitudinal. كما أن المذهب الإدراكي يشكل جوهر نظرية التقييم appraisal theory؛ وهي النظرية الرائدة للعواطف في علم النفس. فوفقًا لهذه النظرية، تثار العواطف وتتمايز بناءً على سلسلة من عمليات التقييم للمواقف في ضوء أهداف الفرد، مثل مدى جِدّة الموقف، وارتباط الموقف بالهدف، ومدى توافقه معه، وإمكانية التكيف، وغير ذلك. ويعبر علم الأعصاب عن نفس الفكرة حين تُصور اللوزة الدماغية بأنها “كاشف للملائمة” تقوم بترميز القيمة.

    ينصف المذهب الإدراكي دور العواطف في حياتنا. فباعتبارها تجارب للقيم، تُشكل العواطف بُعدًا جوهريًا في الأخلاق، والحياة الاجتماعية، والرفاه. وقد تبرر العواطف حتى الأحكام التقييمية، وتشكل معرفة تقييمية أو فهمًا تقييميًا. لذا فإن التخلي عن المذهب الإدراكي له عواقبه.

    3.2. التحدي الذي تطرحه الموسيقى على المذهب الإدراكي

    يتسق المذهب الإدراكي مع جميع الآليات التي تُثير بها الموسيقى العواطف، كما ورد في نموذج BRECVEMA (انظر القسم 2)، باستثناء آلية واحدة. ويمكن للمذهب الإدراكي أن يفسر مشاعر مثل الخوف من صرخة عالية، أو الدهشة من مسافة موسيقية interval، أو الحزن عندما تستدعي الموسيقى ذكريات مؤلمة، أو الفرح عند تخيّل غابة سحرية، أو البهجة الناتجة عن انسجام إيقاع الموسيقى مع النشاط الذي يمارسه المرء. فهذه العواطف ترتبط بالموسيقى نفسها، وتنطوي على تقييم لها أو لشيء تستحضره مثل التخيلات أو الذكريات. ولا تعد هذه العواطف إشكالاً فلسفيًا؛ إذ تكمن المشكلة الحقيقية في مسألة العدوى العاطفية الموسيقية.

    تخيل أنك تستمع إلى مقطوعة أداجيو الوتريات رقم 11 للموسيقار صامويل باربر لأول مرة. أثناء استماعك، تبدو لك الموسيقى حزينة، فينتابك شعور بالحزن؛ هنا تحدث العدوى العاطفية. وفقًا للمذهب الإدراكي، ينشأ حزنك نتيجة تقييمك للموسيقى بأنها محزنة أو شبيهة بوقع الخبر السيئ. ويرى هذا المذهب أن الحزن يتمثل في معايشة موقف أو موضوع ما على أنه حزين، أو كما لو كان خبرًا سيئًا. ويرى أتباع المذهب الإدراكي أن العواطف تُثار نتيجة تقييم المواقف بما يتوافق مع الأهداف العملية للفرد. غير أن هذا الطرح يبدو خاطئًا حين يتعلق الأمر بالعدوى العاطفية الموسيقية. فعند الاستماع لمقطوعة أداجيو الوتريات المشار إليها سابقًا، لا تُقيّم الموسيقى على أنها حزينة أو مؤلمة أو أي وصف سلبي؛ إذ لم يحدث شيء سيء فعليًا. وعندما يُصاب المستمعون بالعدوى العاطفية من الموسيقى، فإنهم لا يُقيّمونها وفقًا لأهدافهم العملية؛ فالموسيقى، في هذه الحالة، لا ترتبط بهذه الأهداف من الأصل. مع ذلك، يمكن أن تكون الموسيقى أحيانًا ذات صلة بأهدافنا العملية؛ فقد يشعر أحدهم بالفخر بأداء ابنته الموسيقي، أو يُعجب بأداء قارع الطبول، أو يشعر بالاشمئزاز من موسيقى النازيين الجدد. في مثل هذه الحالات، لا تمثل العواطف أي إشكالية، لأنها تنطوي على تقييم للموسيقى في ضوء أهداف الفرد العملية، سواء كانت شخصية أو فنية أو سياسية. كما تختلف هذه الحالة عن تلك التي تنشأ فيها العواطف نتيجة ارتباط شخصي خاص بين الموسيقى وأحداث معينة في حياة الفرد، كأن تملأك موسيقى ما بالحزن لأنها تُذكرك بأوقات عصيبة. أما في مثال المقطوعة سالفة الذكر، فإن الموسيقى لا تُذكرك بأي حدث حزين؛ فأنت تستمع إليها للمرة الأولى. وبما أن الموسيقى لا تقيّم بناء على أهدافك العملية، فلا يمكن اعتبارها موضوعًا للعاطفة التي شعرت بها. إذن، كيف يمكن للعدوى العاطفية الموسيقية أن تستحث حالات وجدانية لدى المستمعين؟

    نظرًا لأن العدوى العاطفية لا تنطوي على تقييم الموسيقى في ضوء الأهداف العملية، فإنها تُعد مثالًا مضادًا للمذهب الإدراكي؛ ولنُسمي ذلك التحدي الموسيقي. لا يقتصر هذا التحدي على الموسيقى الحزينة، بل يشمل جميع حالات العدوى العاطفية الموسيقية [أي كل تجربة تُثار فيها العاطفة بالموسيقى]. فالموسيقى السعيدة تُشعرك بالفرح، رغم عدم وجود أي خبر سار. والموسيقى قد تجعلك تشعر بالقلق، بالرغم أنها لا تُنبئ بأي خطر. وقد تجعلك الموسيقى الغاضبة تشعر بالغضب، دون أن يكون هناك ظلم قد وقع. ببساطة، لا يوجد ما يدعو إلى الحزن أو الفرح أو القلق أو الغضب؛ فالموسيقى لا علاقة لها بتقييم مصير أهدافنا العملية.

    يتكون التحدي الموسيقي من تحديين مترابطين ومنفصلين:

    1. تحدي الموضوع The Object Challenge: للعواطف موضوعات قصديّة. غير أن العواطف التي تُثار بسبب العدوى العاطفية لا تتعلق بالموسيقى نفسها.
    2. تحدي القيمة The Value Challenge: تنطوي العواطف على تقييمات لموضوعاتها. ومع ذلك، فإن العدوى العاطفية لا تتضمن تقييمًا للموسيقى.

    نظرًا لأن موضوع بعض العواطف هو ما يخضع للتقييم، فإن تحدي الموضوع يعتمد على تحدي القيمة. لا تشعر بالحزن تجاه الموسيقى، لأنك لا تقيمها بأنها شيء حزين. على الأقل، هذا هو الحال وفقًا للتفسير الإدراكي لمضمون العاطفة أو موضوعها. وبالتالي، يبدو أن تحدي القيمة هو الأكثر جوهرية.

    لكن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك، والفلاسفة لم يُولوا اهتمامًا كافيًا للعلاقة بين هذين التحديين. فعلى سبيل المثال، لا يلتزم أنصار اللاإدراكية بالادعاء القائل بأن مضمون بعض العواطف أو موضوعها هو ما يخضع للتقييم، لأنهم ينكرون أن العواطف تنطوي على تقييمات من الأساس. ومع ذلك، فإن النظر إلى العواطف بوصفها أحاسيس جسمية لا يتعارض مع كونها تملك موضوعات قصدية؛ ففي هذه الحالة، يصبح موضوع العاطفة هو موضوع الشعور. سأتجاوز هذه التفاصيل مؤقتًا، وسأعود إليها عند مناقشة الحلول الرئيسية للتحدي الموسيقي على أرض الواقع.

    إليك صيغة تقريبية لفرضيات قياس الخلف[16] للمذهب الإدراكي

    1. العدوى العاطفية الموسيقية تُثير عواطف معتادة كالحزن، والقلق، والفرح، وسواها.
    2. يفترض المذهب الإدراكي أن للعواطف موضوعات قصدية، وتنطوي على تقييمات لموضوعاتها.
    3. وفقًا لـ (1) و(2)، فإن العواطف التي تُحدثها العدوى العاطفية تتعلق بالموسيقى وتنطوي على تقييم لها.
    4. تحدي الموضوع: العواطف التي تُثيرها العدوى العاطفيةلا تتعلق بالموسيقى.
    5. تحدي القيمة: العواطف التي تُثار بالعدوى العاطفية لا تنطوي على تقييم ملائم للموسيقى.

    (ج) المذهب الإدراكي لا يُفسر ظاهرة العدوى العاطفية

    يختلف التحدي الموسيقي عن مفارقة الأدب المتخيل Paradox of fiction أو عن مسألة لماذا نشعر بعواطف تجاه شخصيات خيالية لا نؤمن بوجودها؟ إذ ينشأ التحدي الموسيقي في سياق الموسيقى المطلقة، وبالتالي لا يتعلق بالأدب المتخيل أو السرديات. ومع ذلك، تنطبق تحديات مماثلة على الأشكال الفنية غير التصويرية الأخرى، مثل اللوحات التجريدية، والعمارة، والمنحوتات التجريدية، وكذلك على العدوى الفيزيونومية. لكن دعونا نركز على الموسيقى.

    ماذا نفهم من التحدي الموسيقي؟ على وجه الدقة، فإن المذهب الإدراكي لا يفسر ظاهرة العدوى العاطفية (انظر القسمين 3.6 و3.7)؛ هذه النتيجة يتبناها معظم علماء النفس وعلماء الأعصاب. ووفقًا للنهج السائد في علم الأعصاب، ينتقل تأثير الموسيقى إلينا عن طريق المحاكاة التلقائية أو التعاطف، دون الحاجة إلى تقييم معرفي. وقد ينطوي هذا على تنشيط الخلايا العصبية المرآتية، رغم أن هذه الفرضية لم تُختبر بعد. تقوم أدمغة المستمعين تلقائيًا بتقليد حركات الموسيقيين المستخدمة في التعبير عن العاطفة، أو تُحاكي البُنى الحركية العاطفية. ومن المثير للاهتمام أن الموسيقى السعيدة تُنشط مناطق القشرة الأمام حركية premotor في الدماغ والمسؤولة عن إنتاج الأصوات، حتى عندما لا يغني المستمعون.

    ومع ذلك، يدعو التحدي الموسيقي نحو الخروج باستنتاجات واسعة النطاق بشأن طبيعة العواطف. ويجادل شيرر بأن المذهب الإدراكي ينطبق على العواطف النفعية، لكنه لا ينطبق على العواطف الجمالية؛ فالعواطف الجمالية خالية من المصلحة الذاتية، ولا تنطوي على تقييمات تتوافق مع الأهداف العملية للفرد. أما روبنسون فقد تبنت رؤية متعددة المكونات؛ فالعواطف عمليات معقدة تتضمن التقييم المعرفي، والاستجابات غير الإدراكية، والتمثيلات الحركية، والمشاعر. وتنطوي بعض العواطف على جميع هذه العمليات -بما فيها التقييم المعرفي- في حين لا تنطوي عواطف أخرى على جميع هذه العمليات، مثل تلك الناتجة عن العدوى العاطفية. وتتوافق هذه الرؤى مع القول بوجود جزء من الصحة في المذهب الإدراكي. لكن يبرز هنا استنتاج مثير؛ إذا كان المذهب الإدراكي عاجز عن تفسير العدوى العاطفية، فهو إذًا نظرية خاطئة. ففي الواقع، تُعزز العدوى العاطفية موقف مذهب اللاإدراكية؛ إذ يمكن وصفها بأنها تثير أحاسيس جسدية بحتة، تمامًا كما تُصور العواطف عمومًا في إطار هذا المفهوم.

    بالرغم من أن الفلاسفة قد اعترضوا على المذهب الإدراكي ودحضوه، كما في حالة العواطف العصية[17] recalcitrant emotions أو العواطف تجاه الشخصيات الخيالية، إلا أن أنصار هذا المذهب في علم العواطف لم يتعمقوا في دراسة حالة الموسيقى. وكانت أبرز الردود على هذا التحدي من قِبل فلاسفة الجماليات، وذلك قبل الثورة في دراسة العواطف ضمن فلسفة العقل. ونظرًا لأهمية هذه المسألة، يجدر التعامل معها بالاستعانة بالأدوات الحديثة التي توفرها نظرية العواطف وعلم الوجدان.

    ولدى أنصار المذهب الإدراكي خياران: تبديد التحدي أو دحضه. ويعني تبديده إنكار وجوده من الأساس. يقوم هذا التحدي على الفرضية (1) التي ترى أن العدوى العاطفية تتسبب في إثارة عواطف معتادة مثل الحزن والفرح والقلق والغضب. رُفض هذا الافتراض، وبالتالي بَطُل التحدي (انظر القسمين 3.3 و3.4). أما الخيار الآخر المتمثل في دحض التحدي؛ أي التسليم بأن العدوى تتسبب في إثارة عواطف معتادة، يفشل التحدي لأن العدوى العاطفية تنطوي على تقييم (انظر القسم 3.5). لنستعرض الآن كل خيار على حدة.

    3.3. تبديد التحدي: الحالات المزاجية

    يفترض التحدي أن العدوى العاطفية تتسبب بإثارة عواطف حقيقية مثل الحزن والقلق. إحدى طرق نفي هذه الفرضية هو الرأي القائل بأن العدوى العاطفية لا تستحث عواطف حقيقية بقدر ما تُثير حالات مزاجية.

    وتعد الحالات المزاجية، مثل العواطف، حالات وجدانية؛ فهناك شعور يلازم المرء عندما يكون في مزاج كئيب، يختلف عما يشعر به وهو منتشٍ أو غضوب. وهذا يؤكد أن الموسيقى قادرة على إثارة حالات مزاجية. تُعد الموسيقى من أهم محفزات الحالة المزاجية. ولهذا السبب، غالبًا ما تُستخدم لتنظيم الانفعالات. لذا، فإن تصور العدوى العاطفية على أنها قادرة على إثارة حالات مزاجية أمرًا معقولاً. فإذا كانت العدوى العاطفية تثير حالات مزاجية بدلاً من العواطف، فإن التحدي لا ينجح؛ إذ يقوم التحدي على افتراض أن العدوى تثير عاطفة حقيقية، الأمر الذي قد يناقض المذهب الإدراكي. يمكن أن يعزز هذا الطرح التمييز الذي اتفق عليه معظم الباحثين بين العواطف والحالات المزاجية.

    غالبًا ما يُميز بين العواطف والحالات المزاجية بالاستناد إلى مضمونها أو موضوعاتها القصدية. حيث تتسم العواطف بامتلاكها موضوعات قصدية محددة؛ مثلًا، ميلاني تخاف من الغربان. في حين لا تمتلك الحالات المزاجية موضوعات قصدية، أو على الأقل لا تمتلك موضوعات قصدية محددة. تخيّل أنك في مزاج مكتئب؛ فإن حالتك المزاجية ليست مرتبطة بشيء معين. وإذا كانت مرتبطة بشيء ما، فهي مرتبطة بالعالم حولك، حيث يبدو لك العالم مظلمًا وثقيلًا وكئيبا. أما عندما نكون في مزاج مبهج، فيبدو العالم متفائلاً، خفيفًا، ورائعًا. رغم أن الحالات المزاجية قد تكون ناتجة عن سبب معين، مثل ولادة طفل، إلا أنها لا تتعلق بتلك الأحداث مباشرة. وإن ارتبطت بها، فهو ارتباط عام بعالم الشخص وليس به تحديدًا؛ فالحالات المزاجية عمومًا، على عكس العواطف، تتميز بظاهراتية مشتتة؛ فهي شعور عائم وغير مرتبط مباشرة بمسبب محدد.

    إذا كانت العدوى العاطفية الموسيقية تثير حالات مزاجية، وهذه الحالات المزاجية لا تملك موضوعات محددة، فهذا يعني أن المزاجات التي تستحثها الموسيقى ليست عن الموسيقى نفسها. وعلى الرغم من أن الموسيقى تثير حالات مزاجية، إلا أن هذه الحالات ليست موجهة إليها، تمامًا كما تثير المخدرات المشاعر دون أن تكون هذه المشاعر مرتبطة بها. وباعتبارها حالة مزاجية، فإن الاستجابة الوجدانية للعدوى هي تجربة عائمة غير محددة السبب. وبالتالي، يفشل تحدي الموضوع؛ فإذا لم تكن الحالة المزاجية المثارة من العدوى العاطفية ليست مرتبطة بالموسيقى، فإن الموسيقى لا تُقيَّم. وهذا بدوره يؤدي إلى تبديد تحدي القيمة أيضًا. وهكذا تسير الحجة. 

    دعوني أبدأ بإثارة مسألة حول هذا المقترح والتي لعبت دورًا هامًا في النقاش الجدلي والمتعلقة بتحدي الموضوع؛ وهي مسألة قصدية الحالات المزاجية. فبينما جادل بعض الباحثين بأن الحالات المزاجية لا تمتلك موضوعات قصدية على الإطلاق، فإن الرأي الأكثر شيوعًا هو أن الحالات المزاجية ببساطة لا تمتلك موضوعات قصدية محددة. الحالات المزاجية تتعلق عمومًا بالبيئة المحيطة. وهذا يعني أن الحالات المزاجية التي تثيرها العدوى العاطفية تكون مرتبط بالعالم حولنا. ومع ذلك، يبدو هذا غير محتمل. فعندما تثير الموسيقى الحزينة شعورًا بالحزن، فإن هذا الحزن لا يكون مرتبط بالعالم عمومًا. وإن كان مرتبطًا -بالرغم من إشكالية الفكرة- فإن الشعور الذي تستحثه الموسيقى يبدو أنه موجه نحو الموسيقى نفسها. هذا الارتباط الوثيق بين العاطفة والموسيقى هو وحده الذي يفسر أهمية العدوى العاطفية في التجربة الجمالية الموسيقية. وعليه، تظهر مجددًا إشكاليات حول الموضوعات القصدية؛ فإحلال الحالات المزاجية محل العواطف يُجرد الشعور الذي تثيره الموسيقى من أي موضوع قصدي، أو يمنحه موضوعًا قصديًا خاطئًا. وكلا الأمرين يشكلان إشكالية.

    ردًا على ذلك، تجادل روبنسون أن الحالات المزاجية التي تثيرها الموسيقى ليست موجهة نحوها قطعًا، بل هي مجرد مشاعر لاإدراكية تُثار فقط بواسطة الموسيقى، والنظرية القصدية الرئيسية للحالات المزاجية ببساطة لا تنطبق على الموسيقى. إلا أن هذا الرد يعني تبني موقف لاإدراكي تجاه العدوى العاطفية (في الواقع، وجهة نظر روبنسون هي لاإدراكية، انظر القسم 3.6). وبالتالي، فإن الرد غير مقنع إذا كان الهدف هو استخدام الحالات المزاجية لتبرير المذهب الإدراكي.

    وعلى الرغم من أن النقاش ركز على تحدي الموضوع، فإن هناك اتجاهًا بحثيًا مهمًا يمكن دراسته مستقبلًا، يتمثل في دراسة كيفية تعامل هذا المقترح مع تحدي القيمة. وفي سياق الاهتمام المتزايد مؤخرًا بمسألة قصدية الحالات المزاجية، أكد الفلاسفة على أن الحالات المزاجية تنطوي على تقييمات شاملة أو على الأقل تقييمات غير محددة. على سبيل المثال، يجادل تابوليه بأن الحالات المزاجية تمثل إمكانات تقييمية؛ أي أنها تُعنى بالتحقق المحتمل للخصائص التقييمية. على سبيل المثال، في حالة المزاج القلِق يشعر المرء بإحتمالية وجود تهديد. ويجادل كريغل أن الحالات المزاجية تمثل العالم في بعض خصائصه التقييمية [مثل الخير والشر، الأمان والخطر، العدالة والظلم]. في المزاج المنتشي،  يُنظر إلى العالم على أنه رائع، أما في المزاج المكتئب، يُنظر إلى العالم على أنه بلا هدف، وهكذا. ويجادل روسي بأن الحالات المزاجية تمثل موضوعات غير محددة بحيث تتحقق فيها خاصية تقييمية محددة. في المزاج القلق، نشعر بأن هناك تهديد، رغم أننا لا نستطيع تحديده بدقة. على أية حال، إذا كانت الحالات المزاجية تنطوي على تقييمات من هذا النوع، فإن تحدي القيمة يُطرح من جديد. فعلى الرغم من أن المستمعين قد لا يشعرون بالحزن تجاه الموسيقى، فإنهم مع ذلك يقيمون الموقف بوصفه يُجسد قيمة سلبية، وإن كان ذلك على نحو مبهم. غير أن هذا لا يعدو أن يكون سوى شكل جديد من تحدي القيمة؛ وهو تحدي القيمة في سياق الحالات المزاجية الموسيقية. ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق أنصار الاحتجاج بالحالات المزاجية.

    بالرغم من أن العدوى العاطفية قد تثير حالات مزاجية، إلا أن هناك حاجة لمزيد من التوضيح لتحييد تحدي الموسيقى. لننظر الآن في طريقة أخرى لتبديد هذا التحدي.

    3.4. تبديد التحدي: تجربة التأثر العاطفي Being Moved”

    لكي يصمد التحدي الموسيقي، يجب أن تُفضي العدوى العاطفية إلى عواطف معتادة مثل الحزن والقلق. ويُقر كيفي بأن العدوى تُثير العواطف، وأن هذه العواطف تتخذ الموسيقى موضوعًا لها، لكنه يُنكر أن العدوى تُولّد عواطف معتادة أو مألوفة. وفي سياق العدوى العاطفية أيضًا، يجادل كيفي بأن المستمعين يتأثرون بالموسيقى؛ إذ يشعرون بالإثارة أو الحماس، وهو ما أسماه لاحقًا “مشاعر التقدير”. فالموسيقى تستطيع أن تؤثر فينا بعمق حين نتمعن في جمالها وتعقيدها ودقتها وخصائصها التعبيرية. ومع ذلك، يختلف هذا التقدير الوجداني بوضوح عن العواطف المعتادة، كالحزن أو السعادة أو القلق.

    تستند حجة كيفي الرئيسية على المذهب الإدراكي في فهم العاطفة. ببساطة لا يمكن للموسيقى أن تجعلنا نشعر بالحزن أو السعادة أو القلق؛ فهي ليست شيئًا نقيمه على أنه خسارة، أو خبر جيد، أو تهديد. إذ ليس للموسيقى علاقة بأهدافنا العملية. لهذا السبب، لا يتصرف جمهور الموسيقى بالطرق المعتادة عند شعورهم بالحزن أو السعادة أو القلق بعد الاستماع. فعلى سبيل المثال، على عكس ميلاني التي تهرب من الغربان المهددة، لا يغادر المستمعون قاعة الحفل ولا يفرون من الموسيقى حين تلامسهم موسيقى تبعث على القلق. بمعنى آخر، تختلف الميول السلوكية المصاحبة للاستثارة الموسيقية عن تلك المصاحبة للعواطف المعتادة. ويظهر هذا الاختلاف بوضوح أيضًا في تقديرنا للموسيقى التي تعبّر عن مشاعر سلبية، مثل الموسيقى الحزينة أو القلقة (القسم 4). إذ يبدو محيرًا أن نبحث عن موسيقى تُعبر عن عواطف سلبية ونستمتع بها، إذا كانت تُثير فينا مثل تلك العواطف؛ لماذا يستمتع المرء بالشعور بالحزن أو القلق؟ يمكن تفسير جاذبية الموسيقى المعبرة عن العواطف السلبية تفسيرًا مباشرًا بالرجوع إلى تجربة التأثر العاطفي وعواطف التقدير؛ إذ يكمن استمتاع المستمع في سماتها الجمالية.

     يُقر كيفي فعلاً بأن الموسيقى قد تُثير عواطف معتادة، لكن تفسيرها يكون من خلال الارتباطات الشخصية. فعلى سبيل المثال، قد تذكرنا موسيقى ما بحادثة مريعة، مما قد يجعلنا نشعر بالحزن. لكن هذه العواطف غير مرتبطة بالموسيقى ذاتها، كما أنها لا تتعلق بتقديرها. كما يوضح كيفي في مناقشته لسيمفونية بيتهوفن إيرويكا Eroica (ص. 169):

     “تدرك المستمعة سمة الحزن في الحركة الثانية من سيمفونية إيرويكا؛ وهذا يذكرها بكل الأمور التي تثير استياءها هذه الأيام؛ تأمل هذه الأمور يجعلها حزينة للغاية؛ فتبكي. وبهذه الطريقة، تنجح الحركة الثانية من إيرويكا في جعل المستمعة حزينة. لكن هذا ليس نجاح بيتهوفن؛ بل بسبب أسى المستمعة.”

    يصل كيفي إلى حد القول بأن الشعور بالحزن عند سماع الموسيقى الحزينة يعد حالة مَرضية؛ إذ لم يحدث أي شيء سيء، وينطبق النقد ذاته على النظريات التي تفسر الاستثارة الموسيقية في إطار الحالات المزاجية (انظر القسم 3.3، ص.279):

    “أطلب من القارئ أن يستمع إلى إحدى السيمفونيات الرومانسية الشهيرة لشومان أو برامز أو تشايكوفسكي، ويضع يده على قلبه، ويقسم لي أنه “شعر بها كحالة مزاجية”. المستمع المعرض لمثل هذه التقلبات المزاجية عند الاستماع للموسيقى المطلقة ليس مجرد مستمع “مرهف الحس” على نحو استثنائي؛ بل شخص يعاني من مشكلة.”

    تتسق هذه الحجة مع الشكلانية المعتدلة التي يتبناها كيفي. فعلى عكس هانسليك، يجادل كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تعبّر عن العواطف. وفي الواقع، قدم كيفي النظرية الأكثر تأثيرًا حول التعبيرية من حيث التشابه المُدرَك بين الموسيقى والتعبيرات العاطفية (نظرية الكنتور -الشكل اللحني- contour theory). وعلاوة على ذلك -على عكس هانسليك أيضًا- يرى كيفي أن للتعبير الموسيقي صلة بالتقدير الجمالي، طالما أننا نولي اهتمامًا للسمات الجوهرية للموسيقى. ويمكن للموسيقى حتى أن تثير عواطف ملائمة؛ أي عواطف التقدير. فالموسيقى لا تثير العواطف المعتادة، وإن أثارتها فإن هذه تعد استجابات غير ملائمة تشتت انتباهنا عن التقدير الصحيح للموسيقى.

    إذا لم تثير العدوى العاطفية نفس العواطف التي يُدركها المستمع في الموسيقى، فإن تحدي القيمة يبطل. فعلى سبيل المثال، لا يقيم المستمعون الموسيقى الحزينة على أنها حزينة لأنهم لا يشعرون بحزن حقيقي. فضلًا عن ذلك، إذا كانت العدوى العاطفية تستحث عواطف التأثر، فإننا نتأثر بالموسيقى أو بجودتها الجمالية (وينطبق الأمر نفسه على مشاعر الإثارة والتقدير). الموسيقى ببساطة تُشكل موضوع عاطفتنا، وهذا يوضح الصلة الوثيقة بين العاطفة والموسيقى، ويقر بأهمية العواطف في تقديرنا للموسيقى. بالتالي، يبطل التحدي لأن تأثير الموسيقى يتجاوز الشعور بعواطف معتادة.

    وقد تعرضت وجهة نظر كيفي هذه لانتقادات واسعة. فمن منظور فينومينولوجيا الموسيقى، اُعتبر هذا المقترح غير مقنع؛ إذ من البديهي أن تثير العدوى العاطفية عواطف معتادة. فالموسيقى الحزينة، على سبيل المثال، تجعلنا نشعر بالحزن. وهذا ما يجب تفسيره. عندما تؤثر فينا الموسيقى الحزينة، فإن ذلك يكون جزئيًا لأنها تجعلنا نشعر بالحزن. لكن مقترح كيفي لا يُنصف تجربتنا الوجدانية العميقة مع الموسيقى.

    ردًا على هذا الاعتراض، جادل كيفي بأن مقترحه متوافق مع التجربة العاطفية العميقة مع الموسيقى، وأنه صُمم أساسًا ليستوعبها. فقد يكون التأثر بالموسيقى عميقًا، ومع ذلك، فإن العواطف المستثارة استجابة للموسيقى ليست من النوع المعتاد. يُخطئ الناس ببساطة حين يظنون أن الموسيقى الحزينة، مثلًا، تجعلهم يشعرون بالحزن. فهم يخلطون بين العواطف المُدرَكة في الموسيقى والعواطف التي يشعرون بها فعليًا، وينسبون على نحو خاطئ العاطفة التي يدركونها في الموسيقى إلى أنفسهم؛ وهم بذلك عرضة لخطأ الإسناد، وهو أمر يحدث كثيرًا في الواقع.

    غير أن الفلاسفة لم يقتنعوا بهذا الرد. حيث يتفق العديد من الباحثين على أن إدراك العاطفة يختلف جوهريًا عن إثارتها. فقد يدرك ناقد موسيقي قطعة موسيقية بوصفها تعبر عن الحزن دون أن يشعر بالحزن أو بأي عاطفة أخرى، حتى عندما تكون القطعة ركيكة في التأليف أو الأداء، وهذا خلافًا لما يعتقده منظري نظرية الإستثارة. وكما لوحظ، بعد التجربة الرائدة لغابريلسون، أصبح التمييز بين الموضع الداخلي (العاطفة المُحسوسة) والموضع الخارجي (العاطفة المُدركة) راسخًا في علم نفس الموسيقى. ومع ذلك، في حالة العدوى، يتطابق إدراك العواطف مع إستثارتها. إذ يمكن للموسيقى الحزينة أن تجعل المستمعين يشعرون بالحزن، سواء كان هذا الشعور حزنًا كاملاً أم مجرد حزن جزئي. لذا، فإن إنكار ذلك يتناقض مع مبادئ الظاهراتية، وإنقاذ المذهب الإدراكي بهذا الثمن سيكون خطوة يائسة.

    لحسن الحظ، يمكننا تجنب هذا الجدل الفينومينولوجي بالاستناد إلى نتائج الدراسات التجريبية؛ إذ تؤكد هذه النتائج الحدس الشكي. فقد أجرت كرومهانسل Krumhansl تجارب صُممت لاختبار فرضية كيفي، وذلك من خلال التقارير الذاتية [البيانات التي يقدمها الأفراد] والقياسات الفسيولوجية. استخدمت الدراسة عدد من المقطوعات الموسيقية لموسيقى مطلقة تعبر عن بعض العواطف منها مقطوعة أداجيو الوتريات لباربر لاختبار شعور الحزن، ومقطوعة الربيع لفيفالدي لاختبار شعور السعادة، ولاختبار شعور الخوف استخدمت معزوفة ليلة على الجبل الأصلع لموسورغسكي. بجانب تجارب أخرى، كشفت النتائج أن العدوى العاطفية تستحث مشاعر تشترك إلى حد كبير مع العواطف الأساسية في خصائصها من حيث التغيرات الفسيولوجية، والأسس العصبية، وتعبيرات الوجه، والسلوك . على سبيل المثال، العدوى العاطفية بالموسيقى الحزينة تتضمن تغييرات في النشاط الكهربائي الجلدي، ومعدل ضربات القلب، ومعدل التنفس، ودرجة الحرارة، والتي تُعتبر سمات مميزة للحزن. كما تحفز الموسيقى الحزينة نشاط العضلة المغضنة للحاجب (التي تظهر عند العبوس)، بينما تحفز الموسيقى السعيدة نشاط العضلة الوجنية (التي تظهر عند الابتسام)، تمامًا كما تتجلى العواطف الحزينة والسعيدة في تجاربنا اليومية. كما تصاحب العدوى العاطفية بالموسيقى الحزينة تغيرات سلوكية ومعرفية نموذجية للحزن، مثل المشي أو التحدث ببطء، والقدرة على التعرف على الوجوه الحزينة، والاستغراق في التفكير، وغيرها من السمات المرتبطة بالحزن. أما على المستوى العصبي-البيولوجي، تتضمن العدوى العاطفية أنماط عصبية في الهياكل الحوفية وما حول الحوفية التي تعد من خصائص الحزن الطبيعي. وتشير هذه النتائج التجريبية إلى ما يخالف مقترح كيفي.

    ومع ذلك، انتقد كيفي هذا التفسير للنتائج وجادل بأنها متوافقة مع نظريته الإدراكية. وأشار إلى عدة تحفظات بشأن الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من مثل هذه التجارب (وخاصة تجربة كرومهانسل). أحدها، بالنظر إلى خطأ الإسناد الذي ذُكر سابقًا، هناك احتمال بأن المشاركين قد خلطوا بين العواطف المدركة والعواطف المحسوسة (انظر أيضًا). قد تكون إجاباتهم هذه نتيجة الضغط من جانب الباحث للإفصاح عن العواطف المحسوسة. وأن المشاركون اضطروا إلى الاختيار من بين مجموعة محدودة من العواطف المنفصلة، مما قد يؤثر على إجاباتهم. لذا لا يمكن الوثوق بالتقارير الذاتية. مع ذلك، فإن هذا الرد موضع شك من الناحية التجريبية، في ظل الاهتمام البحثي الحديث بالتمييز بين الموضعين الداخلي والخارجي للعاطفة المشار إليهما سابقًا. على سبيل المثال، يعد إدراك العواطف في الموسيقى أكثر تكرارًا من الشعور بالعواطف. إذ يرتبط إدراك العاطفة غالبًا بالخصائص الصوتية للموسيقى، في حين تُثار العاطفة نتيجة عدد من العوامل، أهمها حالة المستمع المزاجية، وخبرته الموسيقية، وتفضيلاته. وكما ناقش يونغ بالتفصيل (ص. 52–54)، كشفت الدراسات أن المشاركين يُحسنون التمييز بين العاطفة المدركة والعاطفة المحسوسة. هذا التمييز أُكد عليه صراحة في التعليمات المكتوبة في العديد من التجارب المذكورة أعلاه. وعليه، تعد نظرية الخطأ التي طرحها كيفي موضع شك من الناحية التجريبية.

    أما النقد الثاني والأكثر إقناعًا الذي قدمه كيفي، فيفسر النتائج من حيث الارتباطات الخفية [داخل الذهن]. فكما لوحظ، يقر كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تثير العواطف المعتادة من خلال هذه الارتباطات. وعليه، لا تضمن التجارب أن المشاركين كانوا منخرطين في عملية الاستماع الشكلي؛ أي الانتباه الكامل للموسيقى فقط [كاللحن والإيقاع وغيره]. أو ربما كان المشاركون أثناء الاستماع شاردي الذهن من النوع الذي ذُكر سابقًا، أو يستحضرون صورًا وسرديات. وعلى العموم، فإن مثل هذا النمط من الاستماع شائع بين بعض المستمعين. لذا، في غياب وصف دقيق للحالة الذهنية للمستمعين أثناء استماعهم للموسيقى، تبقى النتائج ببساطة غير حاسمة. حتى لو أثارت الموسيقى، على سبيل المثال، شعور الحزن لدى المشاركين، فهذا لا يكفي لإثبات أنها ستؤثر على مستمعين آخرين بنفس الطريقة. وقد تُفسَّر العواطف المعتادة التي تثيرها الموسيقى بالارتباطات بين الموسيقى وكيانات خارج إطارها [كالأفكار والشخصيات والأحداث وسواها] والتي تثيرها عناوين المقطوعات الموسيقية أو الارتباطات الثقافية، خاصة وأن دراسة كرومهانسل استخدمت مقاطع من موسيقى البرنامج التصويري (ص. 663).

    من الصعب استبعاد هذه الفرضية تمامًا. ومع ذلك، وكما جادل يونغ، من الجدير بالذكر أن المشاركين لم يتعرفوا على مقاطع الموسيقى ولم يبلغوا بعناوينها. والأهم من ذلك، أن نتائج كرومهانسل تكررت في العديد من تجارب أخرى وباستخدام مناهج بحثية مختلفة. وقد دل الكم الكبير من الأدلة التجريبية المتاحة على درجة عالية من الاتساق بين الأفراد. لذلك، ترى روبنسون ويونغ أن من غير المرجح أن تفسر الارتباطات الفردية أو الثقافية هذا التقارب (ص. 663)، (ص.56). وكما لوحظ، من الشائع الاعتقاد بأن الاستعداد البيولوجي هو ما يفسر سبب إدراكنا للعواطف في الموسيقى وتأثرنا بها. انظر أيضًا المناقشة النقدية التي قدمها كونيشني حول استنتاجات كرومهانسل ونتائج تجريبية مختلفة، وكذلك نقد يونغ لهذا النقاش.

    وبنبرة توافقية، اقر كيفي بأن الموسيقى تميل إلى إثارة العواطف المعتادة. ومع ذلك -وهذا هو نقده الثالث للنتائج التجريبية- لا يزال من الضروري إثبات أن المستمعين كانوا منخرطين في طريقة الاستماع التقليدية للموسيقى. حتى لو افترضنا أن التجارب تُظهر أن الموسيقى تستحث عواطف معتادة حتى مع المستمعين الذين يركزون على الموسيقى فقط، فقد لا يتوافق هذا مع الطريقة المثلى للاستماع إلى الموسيقى في إطار التجربة الجمالية. وفي مقالة لكيفي (ص. 2)، عبر بوضوح أن الموقف الذي يصفه يقوم على الانتباه إلى الموسيقى وخصائصها التعبيرية فقط، كما لو أن الأعمال الموسيقية كانت قطعًا في “متحف صوتي”. حيث يجب أن تكون العاطفة المحسوسة -إن وجدت- مثارة مباشرة نتيجة الانتباه إلى العمل الفني وخصائصه التعبيرية فقط. والواقع أن الموسيقى غالبًا ما تثير عواطف معتادة بطريقة غير مباشرة. على سبيل المثال تتميز أغنية لا بامبا La Bamba بإيقاع لاتيني مشرق، مفعم بالحيوية، وجذاب. فقد يشعر المستمعون في صالة الرقص برغبة في الرقص والتحرك بانسجام مع إيقاع الموسيقى، ومن ثم سيشعرون بالسعادة (ص. 7–9). في هذه الحالة، تُفسر العاطفة المحسوسة ضمن هذا السياق (أي الرقص في صالة الرقص) وليس ضمن إطار التعبيرية الموسيقية أو الخصائص الفنية للموسيقى. لذلك يستنتج كيفي أن جاذبية أغنية لا بامبا لا تشكل تهديدًا لطرحه الذي يهدف إلى التقاط نوع محدد ودقيق من العاطفة الموسيقية. وهذا يتعلق بالسؤال المعياري حول الصلة الجمالية والفنية للاستجابات الوجدانية تجاه التعبيرية (انظر كوكرين ورافاسيو للتفسيرات التي تؤكد التوافق بين محاكاة المشاعر والموقف الشكلي تجاه تقدير الموسيقى).

    وكما هو واضح، فقد ركز النقاش النقدي على تحدي الموضوع. فالتأثر بالموسيقى هو عاطفة موجهة نحو الموسيقى، وبالتالي يُبطَل تحدي الموضوع. إلا أن هذا المقترح لم يخضع لبحث مفصل في سياق تحدي القيمة. ويقوم طرح كيفي على إنكار أن العدوى العاطفية تستثير العواطف المعتادة التي تنطوي على تقييم المواقف في ضوء أهداف الفرد. فالتأثر العاطفي وعواطف التقدير تُثار من خلال تقييم الخصائص الجمالية للموسيقى، مثل جمالها أو إتقان صياغتها. حتى هذه المرحلة، الأمور تسير بشكل مرض.

    لكن هناك إشكالية أود إثارتها تتعلق بالتطورات الحديثة في علم الوجدان، وهي مسألة التأثر العاطفي بالموسيقى. في بعض الأحيان، يستخدم كيفي تعبير “التأثر العاطفي” كمصطلح جامع مرادف لـ “عواطف التقدير”. ومع ذلك، فهو يقر بأن الموسيقى يمكن أن تؤثر فينا تأثيراً عميقًا. تأمل مثلاً وصفه لمقطوعة آفي ماريا Ave Maria لجوسكين دي بري أو موسيقى الرثاء (ص. 158؛ 161): اعترف كيفي بتأثره العميق بهذه المقطوعات الموسيقية. في هذه الأمثلة، يظهر أن هذا التأثر بالموسيقى يتوافق مع العاطفة الفريدة والمحددة والمسماة بـ “التأثر العاطفي”. عادةً ما تُستثار هذه العاطفة في مناسبات مثل لم الشمل، أو الانتصارات الصعبة، أو التعافي من تجارب سيئة، أو ولادة طفل، أو مع التسامح، والأهم من ذلك، عند مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى. وتتمثل الخصائص التعبيرية والعلامات الفسيولوجية المميزة لهذه العاطفة في القشعريرة، والدموع، والشعور بالدفء في الصدر. ويقر كيفي بأن الموسيقى يمكن أن تؤثر بنا عاطفيًا وبعمق على هذا النحو، وقد تبعت مواقفه هذه تطورات أخرى؛ على سبيل المثال، في إطار الشكلية، يجادل كونيشني بأن التأثر العاطفي (بالمعنى الدقيق)، والرهبة، والقشعريرة هي العواطف الثلاثة الرئيسية التي تستثيرها الموسيقى. يُطرح هذه “الثالوث” ليكون بديلاً عن أوصافنا الخاطئة والملتبسة للاستثارة الموسيقية في إطار المشاعر المعتادة، وبذلك تُسهم في تحقيق تحسين مفاهيمي. وفي السياق ذاته، تكشف دراسة إثنوغرافية أجراها مانويل أن الأفراد يصفون المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية الموسيقية من حيث التأثر العاطفي، لا في إطار العواطف المعتادة. وأخيرًا، تؤكد الدراسات الحديثة حول الموسيقى الحزينة أن هذا النوع من الموسيقى لا يثير الحزن بحد ذاته، بل يثير مشاعر التأثر العاطفي. على سبيل المثال، تقترح النتائج أن التأثر العاطفي يمثل الوسيط الذي يتحقق من خلاله التقدير الجمالي للموسيقى الحزينة. وهذا بدوره يقدم حلاً جديدًا لمفارقة الموسيقى الحزينة (انظر القسم4). لنفترض جدلاً إذًا أن الموسيقى لا تثير عواطف معتادة بل عاطفة التأثر العاطفي الفريدة، على الأقل في بعض الحالات. هذا الافتراض قد يخلق عقبات عند محاولة دحض تحدي القيمة؛ إذ يبدو أن التأثر العاطفي ينطوي على تقييمات معرفية معقدة وإشكالية.

    وفي الآونة الأخيرة، تزايد الاهتمام بعاطفة التأثر. حيث يرى بعض الباحثين أن التأثر العاطفي يُعد عاطفة فريدة من نوعها؛ ولقي هذا الطرح إجماعًا نسبيًا. عادةً ما يُعبّر التأثر العاطفي عن شعور مختلط يجمع بين الفرح والحزن (وبدرجة أقل، بين القلق والغضب). تخيل مثلاً أنك متأثر عاطفيًا عند لمّ شملك بشريك حياتك بعد فترة انفصال طويلة؛ تشعر بالسعادة، إلا أن تجربتك -على عكس الفرح الخالص- مشوبة بالحزن، لأنك تستحضر الانفصال والصعوبات التي مررت بها. في سياق التحدي الموسيقي، يمكن إعادة تفسير الطابع الظاهري المختلط للتأثر العاطفي وفق المذهب الإدراكي؛ ينطوي التأثر العاطفي على تقييمات معرفية مختلطة. عند الشعور بالتأثر العاطفي (مثلاً لم الشمل)، يُقيّم الوضع على أنه إيجابي، مما يثير شعور الفرح، ومع ذلك، يُقيّم الوضع كسلبي أيضًا (بسبب حالة الانفصال). ولهذا السبب تحديدًا، ينتابك شعور بالتأثر العاطفي بدلاً من المشاعر المعتادة كالسعادة أو الحزن. عادةً ما تشمل هذه التجربة تقييمًا لانتصار القيم الإيجابية على القيم السلبية، أو لبروز عنصر إيجابي على حساب آخر سلبي (في الخلفية). في هذه الحالة، يظهر تحدي القيمة مجددًا؛ أي تحدي القيمة المتعلق بالتأثر العاطفي بالموسيقى. عندما تؤثر بنا الموسيقى الحزينة (بالمعنى الحرفي للكلمة) -كما يحدث كثيرًا- فإننا نقيِّم وجود حدث سلبي في الخلفية. إلا أنه ليس واضحًا ما إذا كان بإمكاننا أن نحدد هذا الحدث الحزين؛ وهذا هو التحدي الأساسي. هذا الأمر يقدم اتجاهًا مستقبليًا للبحث، ويقع عبء إثباته على عاتق مؤيدي حجة التأثر العاطفي.

    لهذه الأسباب، تهدف الردود الأخرى على التحدي إلى تأكيد فكرة أن العدوى العاطفية يمكن أن تثير عواطف معتادة أو على الأقل المشاعر المرتبطة بتلك العواطف. وعلى غرار مقترح كيفي، تسعى هذه الردود إلى إبراز العلاقة الوثيقة بين العدوى العاطفية والموسيقى.

    3.5. دحض التحدي: الخيال

    قدم ليفينسون تفسيرًا بارزًا للتعبيرية يعتمد على الخيال. فوفقًا لنظرية البيرسونا (الشخصية المتخيلة) persona theory التي قدمها، ندرك الموسيقى بوصفها معبّرة عن العواطف لأننا نتخيل شخصية تشعر بهذه العواطف وتعبر عنها. ويستند تفسيره للعدوى العاطفية أيضًا إلى الخيال؛ إذ تحدث العدوى العاطفية عندما يؤدي انغماسنا التخيلي في عواطف شخصية متخيلة إلى إثارة نفس الشعور فينا. على سبيل المثال، تُثير فينا الموسيقى الحزن لأننا نتخيل شخصية حزينة وقصة حزينة أثناء الاستماع إليها؛ شعورنا هنا له طابع تعاطفي. هذا الشعور يشبه على نحو ما التعاطف مع شخص حزين؛ إذ تقوم العدوى العاطفية على تجسيد الموسيقى. لا يلزم أن يكون التخيل مفصلًا جدًا؛ يكفي أن نتخيل شخصية مبهمة تشعر وتُعبر عن بعض العواطف. من هذا المنظور، تحمل العدوى العاطفية أوجه تشابه بارزة مع العواطف التي نشعر بها استجابةً للأدب المتخيل، مثل شعورنا بالحزن تجاه آنا كارينينا. فكلاهما ينطوي على تخيل الشخصيات والمشاعر التعاطفية. على وجه الدقة، يجادل ليفينسون بأن الشعور الذي تثيره العدوى العاطفية ليس عاطفة كاملة، إذ يفتقر إلى التقييم المعرفي المناسب والرغبات التي تميز العواطف اليومية. ومع ذلك، تتضمن العدوى العاطفية مشاعر مشابهة لتلك المصاحبة للعواطف المعتادة.

    يتمتع مقترح ليفينسون هذا بالعديد من المزايا. فكما لوحظ، يؤدي الخيال دورًا أساسيًا في استجاباتنا العاطفية للموسيقى؛ إذ غالبًا ما تثير العدوى خيالنا بوضوح، الأمر الذي دفع المعالجين بالموسيقى إلى استثمار الرابط الوثيق بين العاطفة والصورة الذهنية. علاوة على ذلك، يتماشى هذا المقترح مع النتائج التجريبية المتعلقة بإدراك العاطفة في الموسيقى والتي تؤكد على دور النبرة العاطفية ومن ثم التجسيد في العدوى العاطفية. والأهم من ذلك، أن هذا المقترح -على عكس الردود الأخرى على التحدي الموسيقي المطروحة- يستوعب الحدس القائل بأن العدوى تؤدي إلى مشاعر عاطفية (على عكس الحالات المزاجية) تتشابه في طبيعتها الظاهراتية مع العواطف المعتادة (على عكس مشاعر التقدير). وهذا ينسجم مع خبرتنا الظاهراتية.

    على الرغم من أن ليفينسون لا يتبنى المذهب الإدراكي في دراسته للعواطف، إلا أن مقترحه يمكن أن يدحض التحدي الموسيقي على النحو التالي: فمن جهة، المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية ليست موجهة نحو الموسيقى نفسها، بل نحو مضمون ما يكونه الفرد في خياله. وبالتالي يدحض تحدي الموضوع. من جهة أخرى، يضمن الخيال الصلة الوثيقة بين الشعور والموسيقى؛ فالشعور يتعلق بالشخصية المتخيلة في الموسيقى. فضلًا عن ذلك، لا ينطوي الشعور على تقييم الموسيقى بحد ذاتها، إذ يتعلق التقييم بمحتوى التخيل. وبالتالي، يُدحض تحدي القيمة، ويظل المذهب الإدراكي قائمًا لأن العدوى بالموسيقى تنطوي على تقييمات معرفية تتوسطها عملية التخيل، كما هو الحال في العواطف التي نشعر بها تجاه المواقف الخيالية.

    مع ذلك، شكك بعض الباحثين في أن العدوى تنطوي بالضرورة على التخيل، وليس من الواضح أن هذا المقترح يعكس تجربتنا الظاهراتية بدقة. أحيانًا نشعر بالحزن عند الاستماع إلى موسيقى حزينة دون تخيل شخصية حزينة، ناهيك عن قصة حزينة كاملة. على الأقل، لا ننخرط دائمًا في تخيلات واعية بالشكل الذي تصفه نظرية الشخصية. العدوى العاطفية، على الأقل في بعض الأحيان، أكثر تلقائية بكثير؛ فقد تُثار بواسطة آليات لاإدراكية، مثل التزامن الإيقاعي وحتى رد فعل جذع الدماغ. مثلاً، قد تؤدي الأصوات المفاجئة والمتنافرة للموسيقى القلِقة وإيقاعها السريع إلى إثارة القلق لدينا تلقائيًا. فالموسيقى غالبًا ما تُصيبنا بالعدوى العاطفية عبر التأثير المباشر على وظائفنا الفسيولوجية دون أي وساطة معرفية، بما في ذلك التخيل.

    الدراسات التجريبية تؤكد هذا الحدس. فكما لوحظ، تعد العدوى آلية مختلفة عن التخيل (انظر القسم 2). على سبيل المثال، تختلف البُنى الرئيسية في الدماغ المشاركة في العدوى العاطفية عن تلك التي المشاركة في إثارة العواطف الموسيقية عبر التخيل، مثل البُنى المتوضعة في القشرة القذالية، والقشرة البصرية الارتباطية (ص. 625). وفي مرحلة النمو الفردي، تلاحظ العدوى العاطفية الموسيقية خلال السنة الأولى من عمر الإنسان: حيث يُظهر الرضع في عمر 4 أشهر تعابير وجه مميزة للسعادة والحزن استجابة للموسيقى السعيدة مقابل الموسيقى الحزينة. بالمقابل، تتطور العواطف الموسيقية المثارة عبر التخيل فقط خلال سنوات ما قبل المدرسة (ص. 625). كما تختلف العدوى العاطفية عن العواطف المثارة عبر التخيل من حيث درجة التحكم الإرادي. ففي العدوى العاطفية، تكون درجة التحكم الإرادية منخفضة، كون العدوى تلقائية. بينما العواطف المثارة عبر التخيل عادة ما تنطوي على درجة عالية من التحكم الإرادي؛ إذ يعمد المستمعون عادة إلى استحضار الصور، واختيارها، والتلاعب بها، أو التخلي عنها أثناء الاستماع إلى الموسيقى. بالطبع، يمكن أن تَظهر الصور أيضًا دون استدعاء إرادي، وقد تنطوي العدوى العاطفية على تخيلات لا إرادية، غير أن هذا يظل بعيدًا عن جوهر المقترح المطروح.

    بالإضافة إلى ذلك، قد يواجه الاستناد إلى التخيل لوصف الاستثارة الموسيقية مشكلات مشابهة لتلك التي أُثيرت ضد نظرية البيرسونا في تفسير تعبيرية الموسيقى. على سبيل المثال، قد يعتقد البعض أن نظرية البيرسونا تُخطئ في التسلسل السببي للعملية؛ حيث ترى أن تعبير الموسيقى ينشأ من تخيل المستمع لشخصية تشعر وتعبر عن عواطف معينة. ومع ذلك، قد يُعتقد أن المستمعين يتخيلون شخصية تشعر بعواطف محددة لأنهم يدركون الموسيقى بوصفها معبرة عن هذه العواطف. في هذه الحالة، التعبيرية تُفسِّر أو تسبب تخيل الشخصية، بدلاً من أن تكون نتيجة لتخيلها. إذ يدرك المرء تعبير الموسيقى أولًا، ثم يتخيل الشخصية لاحقًا. إشكالية أخرى مشابهة يمكن إثارتها تتعلق بالعاطفة التي تثار استجابةً للتعبير الموسيقي. فبحسب نظرية البيرسونا، تُثار العاطفة لأن المرء يتخيل شخصية معينة. غير أنه من البديهي الاعتقاد بأن المستمعين، في بعض الحالات على الأقل، يتخيلون شخصية حزينة لأن الموسيقى الحزينة تجعلهم يشعرون بالحزن، وليس العكس. حيث يكون الانغماس التخيلي نتيجة للعاطفة المثارة وليس سببًا لها أو عنصرًا مكونًا لها. إذ يدرك المستمعون الحزن في الموسيقى أولاً، ثم تصيبهم العدوى الموسيقية، وبعد ذلك فقط يتخيلون شخصية حزينة. فالحزن، في نهاية المطاف، يصاحبه انحياز معرفي سلبي؛ عندما يشعر الإنسان بالحزن، يميل إلى التفكير في الأشياء الحزينة والاستغراق الفكري، والتعرف على المثيرات الحزينة وتذكرها بشكل أفضل، وهكذا. هذه على الأقل فرضية محتملة تستحق الاستكشاف.

    أخيرًا، تعتمد نظرية البيرسونا جزئيًا على استجاباتنا الوجدانية للأدب المتخيَّل. تمامًا كما نستجيب عاطفيًا لمصير شخصيات خيالية من خلال تخيلها، تستحث الموسيقى فينا عواطف عبر تخيل شخصية ما. تتمثل الإشكالية في أن ردود الفعل الوجدانية تجاه الشخصيات الخيالية غالبًا لا تكون من قبيل الاستجابات الانعكاسية. فالقارئ عادةً يميل إلى الشعور بالشفقة أو التعاطف مع آنا كارنينا أكثر من أن يشعر بالحزن تجاهها. إذا كانت العواطف التي نشعر بها تجاه الموسيقى مشابهة لتلك التي نشعر بها تجاه الأدب المتخيل، حينها يجب أن يكون شعورنا أقرب إلى الشفقة أو التعاطف. ومع ذلك، ما يستوجب تفسيره كان العواطف المعتادة مثل الحزن والقلق. لكن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاعتراضات ناجحة أم لا. كما لوحظ، يؤكد ليفينسون أن الشخصية المتخيلة غالبًا ما تكون شخصية بسيطة وغير محددة. ولهذا، فهي غالبًا ما تكون أقل تفصيلًا من الشخصيات الخيالية المعتادة التي نتخيلها عند قراءة الروايات أو مشاهدة الأفلام؛ وهذا ما قد يفسر عدم إثارة الموسيقى لعواطف غير انعكاسية مثل الشفقة. عندما تكون الشخصية المتخيلة [أثناء الاستماع إلى الموسيقى] أكثر تفصيلاً، قد تثير الموسيقى تعاطفًا عميقًا يشبه الشفقة. ومع ذلك، يظل هناك مجالًا للشك؛ فقد تُثار الشفقة من خلال تصورات أو تخيلات بسيطة للغاية لأشخاص حزينين أو لتعابير وجوههم الحزينة، حتى في غياب معلومات مفصلة. وعليه، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الفروق في درجة تحديد العواطف كافية لتفسير التباين النوعي بين العواطف المثارة من الموسيقى والاستجابات الوجدانية تجاه الأدب المتخيل. طريقة أخرى لدحض هذا الاعتراض هي التأكيد على أن الأدب المتخيل أيضًا عادة ما يثير استجابات إنعكاسية، مثل الخوف أو الحزن كما لو كان المتلقي مكان الشخصيات الخيالية. وبالمقابل، قد يُلاحظ أن الموسيقى قادرة على إثارة الشفقة أيضًا، كما يحدث عندما يسمع المرء مقطعًا مؤلمًا ويتخيل شخصًا يعاني (ص. 320).  لذا، ينبغي على المعترض توضيح ما المقصود بـ”الاستجابات النموذجية” هنا، إذ يرتبط ذلك بالإشكالية المعروفة المتعلقة بمفارقة استجابة العواطف للأدب المتخيل.

    هذا لا ينفي الدور المهم الذي تؤديه الصور الذهنية في العدوى العاطفية بالموسيقى. فعلى سبيل المثال، يجادل كوكرين بأن إدراك الطابع التعبيري للموسيقى ينطوي على محاكاة العاطفة المدركة، مما يؤدي إلى خلق مشاعر، بالرغم من أن المشاعر قد تختلف في طبيعتها عن العاطفة المُدرَكة. ومن ثم قد تُفسِّر المحاكاة، جزئيًا، العدوى العاطفية. غير أن هذه الرؤى القائمة على الصور الذهنية أو المحاكاة تتسم بطابع لاإدراكي؛ إذ ترى أن العدوى العاطفية لا تنطوي على تقييمًا معرفيًا. لذلك، فإن الدور الذي يلعبه التخيل في العدوى العاطفية لا يدحض التحدي الموسيقي.

    إذا ظل التحدي الموسيقي قائمًا، وتعذر على التخيل إنقاذ المذهب الإدراكي، وفي غياب نظرية بديلة مناسبة، فلا بأس بتبني هذا التحدي وفهم العدوى العاطفية في إطار غير معرفي؛ أي أن العدوى لا تنطوي على تقييمات معرفية. دعني أقدم الآن المقترحين الرئيسيين في سياق اللاإدراكية.

    3.6 اللاإدراكية: المشاعر الأولية والحالات المزاجية


    يتسق طرح روبنسون مع تعدديتها في فهم العاطفة؛ فالعواطف هي عمليات تشمل عدة مكونات مثل التغيرات الفسيولوجية، وتقييم القيم، والميول السلوكية، ويمكن للموسيقى أن تثير العواطف من خلال التأثير على كل مكون منها. وتؤكد روبنسون أن العواطف تتباين في درجات تعقيدها. بعض العواطف، مثل الحب غير المتبادل، معقدة؛ إذ تتطلب وساطة المعتقدات والمفاهيم. في المقابل، هناك العديد من العواطف التي تعد أكثر بساطة، مثل الفزع المفاجئ والمشاعر الأولية كالدهشة أو التوتر أو الاسترخاء. فهذه المشاعر لا تتطلب وسيطًا معرفيًا من المعتقدات والمفاهيم؛ فهي غير إدراكية. وكما لوحظ سابقًا، تثير الموسيقى مشاعر أولية من هذا النوع، والتي قد تؤدي إلى العدوى العاطفية. على سبيل المثال، يمكن للتزامن الإيقاعي، ومنعكس جذع الدماغ، والتوقعات الموسيقية أن تفسر بعض حالات العدوى العاطفية. حيث يمكن فهم العدوى العاطفية في ضوء هذه المشاعر اللاإدراكية من الدهشة، والتوتر، والاسترخاء.

    يصف ما يُعرف بتأثير الجازرسايز[18] jazzercize effect الانتقال من المشاعر الأولية إلى العاطفة الكاملة التي تحفزها الموسيقى. تبدأ العملية بإحداث الموسيقى لتغيرات فسيولوجية في المستمع، مثل التزامن الإيقاعي. ومن خلال ردود فعل مستقبِل الحس العميق، تنشأ لدى المستمع مشاعر أولية. هذه المشاعر بحد ذاتها غير إدراكية، لذا فهي ليست موجهة نحو الموسيقى. ومع ذلك، فإنها تفسح المجال للرصد الإدراكي للحالة التي يمر بها الفرد. ولكي يفهم المستمع هذا الشعور، يبحث عن مؤشرات في البيئة ويستجيب لها عاطفيًا. ثم تتبلور المشاعر الأولية إلى عواطف كاملة. من هذا المنظور، المشاعر التي تثيرها العدوى العاطفية تبقى غير موجهة نحو الموسيقى. وبالتالي، لا يكون المستمع حزينًا بسبب الموسيقى، وهذه إحدى نقاط قوة النظرية. لكن المشاعر التي تستحثها الموسيقى قد توجه انتباه الفرد إلى الموسيقى ومصدر هذا الشعور. وهذا يضمن العلاقة بين المشاعر والموسيقى. وخلافًا للشكلانيون، تؤكد روبنسون على أن هذه المشاعر يمكن أن تشكل فهمًا للموسيقى ولطابعها التعبيري، طالما أن المستمعين ينخرطون في الطريقة المناسبة للاستماع للموسيقى (انظر رافاسيو لمزيد من التفاصيل).

    وفي الآونة الأخيرة، جادلت روبنسون صراحة بأن العدوى العاطفية تؤدي إلى إثارة حالات مزاجية تُفهم بوصفها خبرات وجدانية غير موجهة نحو الموسيقى ولا تنطوي على تقييم لها. ووصفت كيف تستحث الموسيقى استجابات فسيولوجية وتعبيرية تُعد من السمات المميزة للحالات المزاجية، كما وصفت تأثيرات الموسيقى على الإدراك، والذاكرة، واتخاذ القرار، وحتى الإيثار، وهو ما يتوافق مع التأثير المثبت علميًا للحالات المزاجية في سياق العمليات المعرفية. حتى لو اعتُبرت العدوى مُثيرة للحالات المزاجية،، تؤكد روبنسون أن الموسيقى يمكن أن تثير العواطف بطرق متعددة ومتزامنة، مثل التخيّل، والتقييم المعرفي أو الميول السلوكية. وهو ما يفسر -بحسبها- استعصاء الخبرات الوجدانية الموسيقية على الوصف.

    الآن سأعرض مسارين نقديين من شأنهما أن يدعما التفسير الرئيسي الثاني للمذهب اللاإدراكي. تتسق نظرية روبنسون في العدوى العاطفية مع مقاربات جيمس لانج للعاطفة، التي ترى أن العواطف في جوهرها أحاسيس جسدية أو وعي بالتغيرات الجسدية. يتعلق أحد التحديات المهمة التي تواجه هذه الرؤية بموضوعات العاطفة. فإذا كانت العواطف مجرد أحاسيس جسدية، فكيف ترتبط بسمات البيئة التي تُعد الموضوعات القصدية للعواطف؟ إذا كان خوف ميلاني مجرد إحساس جسدي، فكيف يتعلق بالغربان التي تهددها؟ الإجابة المعيارية على هذا السؤال تستند على نوع من العلاقة غير المباشرة مع المحتوى العاطفي؛ فالأحاسيس الجسدية تتوافق مع الموضوعات الجوهرية ذات الصلة، وبالتالي تمثلها بشكل غير مباشر. تنطبق نفس العلاقة غير المباشرة في تأثير الجازرسايز لدى روبنسون. ومع ذلك، يبدو غريبًا على المستوى الظاهراتي وصف مشاعرنا التي تثيرها الموسيقى بأنها أحاسيس جسدية لا ترتبط بالموسيقى إلا بطريقة غير مباشرة. فقد تولد رغبة لدى الفرد لإقامة رابط مباشر بين العاطفة والموسيقى، أو حتى بين العواطف وموضوعاتها القصدية. لهذا السبب، يشك ديفيز فيما إذا كان تأثير الجازرسايز يمثل حالة حقيقية لانتقال العدوى العاطفية من الموسيقى إلى المستمع، بدلاً من أن تكون ناتجة عن بعض خصائص البيئة.

    فضلًا عن ذلك، فإن الاعتماد على المشاعر الأولية يسلط الضوء على الأنواع المختلفة من الأحاسيس الجسدية التي تثيرها الموسيقى. ومع ذلك، يبدو أن هذا يؤدي إلى انفجار في المشاعر. فعند الاستماع إلى قطعة موسيقية، يشعر المستمعون بالعديد من المشاعر قصيرة الأمد التي تتعاقب تباعًا وتتغير حالتهم العاطفية باستمرار. هذا لا يبدو متوافقًا مع الظاهراتية الخاصة بالعدوى العاطفية. والآن سأنتقل إلى مقترح ديفيز.

    3.7. اللاإدراكية: العدوى الأولية


    يطرح ديفيز نظرية عامة للعدوى العاطفية، تشمل الموسيقى وتتجاوز حدودها. غالبًا ما نخضع للتأثير العاطفي للبيئة المحيطة. وعندما يصيبنا الأشخاص أو الطبيعة أو حتى الجمادات بالعدوى، فإننا نُدرك شعورًا أو مظهرًا عاطفيًا؛ مما يثير ذات الشعور فينا. قد يتأثر المرء بقلق صديقه لأنه يدرك القلق في نبرة صوته. أو قد يشعر المرء بالحزن لرؤيته شجرة توحي من خلال هيئتها بالحزن. تتضمن هذه العملية انتقال حالة أو مظهر عاطفي. ويؤدي تمظهر العاطفة دورًا مؤثرًا، ويجب أن يُدرَك من قبل الشخص المصاب بالعدوى. ومع ذلك، فالعاطفة التي يشعر بها المصاب بالعدوى لا تكون متعلقة بالعاطفة المُدرَكة ذاتها. عندما ينتقل لي قلق صديقي، لا يكون قلقي متعلقًا بقلقه هو؛ أنا لست قلقًا بسبب قلقه؛ بل أنا قلق فحسب. وتختلف العدوى العاطفية كذلك عن الحالات التي تكون فيها العاطفة موجهة نحو مضمون الشعور المُدرَك، كما لو كنا أنا وأنت خائفين من أسد يركض نحونا. تؤدي العدوى العاطفية إلى نشوء عاطفة بلا موضوع، إذ لا يمتلك الشخص التقييمات أو المعتقدات المميزة لتلك العاطفة. نحن ببساطة نلتقط مشاعر الآخرين بمجرد ملاحظتهم.

    وبالمثل، عندما تصيبنا الموسيقى بالعدوى، فإن العاطفة التي نشعر بها تكون هي نفسها العاطفة المُدرَكة. مثلاً، مع موسيقى حزينة، تكون العاطفة التي نشعر بها هي الحزن. غير أن هذه العاطفة لا تتعلق بالموسيقى ذاتها؛ فنحن لا نشعر بالحزن بسبب الموسيقى، إذ أننا لا نعتقد أن الموسيقى تعاني أو أنها حزينة. فالموسيقى هي سبب العاطفة، لا موضوعها. ومع ذلك، تبقى العدوى العاطفية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالموسيقى؛ إذ تمثل موضوع الإدراك ومحور الانتباه في الاستجابة العاطفية. يصغي المستمعون بانتباه إلى الطابع التعبيري للموسيقى، ولهذا السبب تُعد العدوى عنصرًا جوهريًا في فهم الموسيقى.

    من هذه الزاوية، تختلف العاطفة المثارة من العدوى، والتي تعدّ محورية في الفهم الموسيقي، عن الخبرات الوجدانية الناتجة عن التأثر غير المقصود بالموسيقى. فقد تصيبنا الموسيقى بالعدوى أحيانًا حتى من دون أن نصغي لها باهتمام. على سبيل المثال، قد تُشعرك موسيقى مذاعة في متجر ما بالهدوء، وقد تسمع الموسيقى من دون إنصات واع، ومن دون أن تدرك بأنها سبب مشاعرك. هذه الحالة أقرب إلى حالة مزاجية بلا موضوع محدد. ويختلف هذا الشعور عن الانخراط الواعي بالموسيقى الذي وُصف سابقًا، والذي تكون فيه الموسيقى محور الانتباه وتُدرَك باعتبارها سبب العاطفة. ويمكن القول إن العواطف الناتجة عن التأثر غير المقصود بالموسيقى لا ترتبط بالقيمة الفنية، على عكس تلك المستحثة بالإستماع الواعي.

    يتوافق هذا الطرح مع أحد التفسيرات المؤثرة للعدوى العاطفية الاجتماعية في علم النفس. فالعدوى الأولية هي الميل إلى المحاكاة التلقائية لتعبيرات الوجه، والنبرات الصوتية، والحركات الجسدية للآخرين ومزامنتها، مما يؤدي إلى الشعور بنفس العاطفة. تتم هذه العملية غالبًا على نحو غير مقصود، وغير قابل للسيطرة، وغير واع؛ إذ تنطوي على آليات المحاكاة وردود الأفعال الفسيولوجية. فالشخص المصاب بالعدوى يقلد دون وعي تعبيرات الوجه، والصوت، وتعابير الجسد التي يُظهرها الشخص المُعدي (مثلاً: تتوتر عضلات المرء ويرتجف صوته بالتزامن مع وضعية ونبرة الصديق القلِقة). ثم تؤدي ردود الأفعال الفسيولوجية الناتجة عن هذه المحاكاة إلى إثارة شعور عاطفي لدى الشخص المصاب (يشعر بالقلق لأنه يشعر بتوتر عضلي). ولا حاجة هنا إلى الاستعانة بالتقييمات المعرفية؛ فهذا التفسير مدعوم بدراسات عديدة. يميل الأفراد إلى الابتسام عندما يكونون محاطين بأشخاص مبتسمين، ويميل الأطفال حديثو الولادة إلى البكاء عند سماع بكاء مواليد آخرين، كما أن الضحك مُعد بدرجة عالية. وتُعد الحشود والمظاهرات السياسية من الأمثلة النموذجية الأخرى على العدوى العاطفية.

    أما فيما يخص الموسيقى، فيجادل الباحثون بأن العدوى العاطفية تنطوي على المحاكاة، فعلى سبيل المثال، يصاحب العدوى العاطفية المثارة من موسيقى حزينة نشاط في العضلة المغضنة للحاجب (التي تظهر عند العبوس)، بينما تحفز الموسيقى السعيدة نشاط العضلة الوجنية (التي تظهر عند الابتسام). وعلى الرغم من أن إدراك العواطف في الآخرين يختلف عن إدراكها في الموسيقى، فإن التعبيرات العاطفية التي تنشأ استجابة للموسيقى يمكن أن تُعد نوعًا من المحاكاة، إذ تُثار من خلال إدراك الطابع التعبيري في الموسيقى، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعابير العاطفية. وقد يفسر التطابق بين الموسيقى والتنغيم العاطفي للكلام -كما ذُكر سابقًا- آلية المحاكاة. بالعموم، فإن معظم علماء النفس والأعصاب ينظرون إلى العدوى العاطفية بالموسيقى بوصفها نوعًا من المحاكاة والعدوى الأولية.

    مع ذلك، يبتعد ديفيز عن هذا التفسير النفسي، حيث يؤكد على أن إدراك العاطفة في الموسيقى يعتمد على التشابه بين الموسيقى ووضعيات الجسد والإيماءات والحركات المميِزة للعواطف، كأن تبدو الموسيقى الحزينة وكأنها تمشي ببطء، كما يفعل الأشخاص الحزينون. وبالمثل، تتعلق المحاكاة بوضعيات الجسد وحركاته المدركة في الموسيقى، على عكس التعبيرات الوجهية أو الصوتية الصريحة للعواطف؛ فالموسيقى لا تمتلك وجهًا ولا تتحدث صراحة. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للمحاكاة تفسير العدوى العاطفية استجابة للألوان أو أحوال الطقس. فعلى سبيل المثال، تُدرَك الأيام الغائمة الممطرة كأيام كئيبة، وقد تُشعر المرء بالكآبة، ولكن لا يوجد في هذا السياق أي تعبير عاطفي يمكن محاكاته. ومع ذلك، تبقى النزعة اللاإدراكية لهذا التفسير قائمة؛ فالموسيقى تصيبنا بعدواها لأن هيئتها العاطفية تنقل لنا العواطف دون الحاجة إلى تقييم معرفي.

    لطرح ديفيز هذا العديد من نقاط القوة؛ فهو يقدم رؤية موحدة للعدوى العاطفية تتجاوز حالة الموسيقى. كما أنه يؤكد على فكرة أن العدوى العاطفية تثير مشاعر كاملة من النوع المعتاد، وليس مجرد حالات مزاجية أو عواطف مثل التأثر العاطفي. كما يؤكد الصلة الوثيقة بين العدوى العاطفية والموسيقى دون الالتزام بالقول إن العواطف الناتجة عن العدوى العاطفية تتعلق بالموسيقى نفسها أو بمضمون تخيلات المرء. كما أنه لا يفسر العدوى العاطفية بأنها تؤدي إلى مشاعر بلا موضوع ترتبط بالموسيقى بصورة غير مباشرة. فالموسيقى تشكل مضمون التجربة الإدراكية، رغم أن العاطفة ليست موجهة نحوها. بطبيعة الحال، يتطلب هذا الطرح رفض المذهب الإدراكي، بل ورفض فكرة أن للعواطف موضوعات قصدية. إلا أن العديد من الأمثلة خارج نطاق الموسيقى مثل العدوى الفيزيونومية، والعدوى الناتجة عن مشاهدة الأقنعة التراجيدية أو الكوميدية [في المسرح مثلاً]، تُظهر أن هذه الادعاءات لا يمكن الدفاع عنها.

    لقد نال تفسير ديفيز للعدوى العاطفية اهتمامًا أقل مقارنة بتفسيره للتعبيرية. وسأذكر الآن ثلاثة مسارات من النقد وجهت إليه:

    تجادل روبنسون بأن هذا الطرح ينطوي على طابع معرفي مفرط؛ إذ يفترض أن العدوى العاطفية تنشأ نتيجة إدراك الطابع التعبيري، وأن الشعور ليس سوى نتيجة مترتبة على هذا الإدراك. لكنها تشير إلى أننا كثيرًا ما نُصاب بعدوى الموسيقى أولًا، ثم بعد ذلك ندرك تعبيريتها. فقد تُصيبنا الموسيقى بعدواها حتى قبل أن نتعرف على طابعها التعبيري (انظر رد ديفيز هنا).

    من جانب آخر، أثار ماديل أيضًا تساؤلات حول موضوعات العواطف التي تُثيرها الموسيقى. فحسب ديفيز، لا تكون العاطفة موجهة نحو الموسيقى. ومع ذلك، فإن المذهب اللاإدراكي بشأن العدوى العاطفية يتوافق مع فكرة أن الشعور موجهًا نحو الموسيقى. وهذا يرسخ الصلة بين العاطفة والموسيقى بطريقة مباشرة أكثر.

    وأخيرًا، وجهت انتقادات إلى نموذج العدوى الأولية هذا من قِبل علماء النفس. فعندما قدم ديفيز طرحه، كانت الدراسات حول العدوى وانتقال العاطفة لا تزال في بداياتها. لكن التطورات الحديثة في علم الوجدان وصفت بالتفصيل متى ولماذا يحاكي الناس العواطف. وقد كشفت الدراسات أن العدوى والمحاكاة أقل تلقائية وأكثر طابعًا إدراكيًا مما كان يُعتقد في البداية. فعلى سبيل المثال، لا تحدث العدوى العاطفية في العلاقات العدائية؛ مثل رؤية عدوك يعاني لا تجعلك تشعر بالمعاناة، بل بالفرح. وتتطلب المحاكاة والعدوى وجود روابط انتمائية وتقييمًا لمدى ملاءمة التعبير العاطفي. لهذه الأسباب، ظهر الآن تفسير بديل أساسي وإدراكي لانتقال العاطفة، يعتمد على التقييم الاجتماعي وهو ما قد يقدم طريقة جديدة لدحض التحدي الموسيقي (انظر القسم 3.8). وإذا لم تكن العدوى العاطفية أولية بالقدر الذي افترضه الباحثون، فقد تنطوي بالفعل على تقييمات معرفية منخفضة المستوى. وسأعمل الآن على تطوير هذه الفرضية بشكل أعمق.

    3.8. مسارات مستقبلية في المجال الإدراكي: التقييم الاجتماعي والاستعارة المعرفية

    في هذا القسم، استعرض التطورات الحديثة في علم الوجدان المتعلقة بانتقال العاطفة وبالتعبيرية الموسيقية، والتي تقدم تفسيرات إدراكية جديدة للعدوى العاطفية الموسيقية. النظرية الأولى هي نظرية التقييم الاجتماعي، أما الثانية فهي نظرية الاستعارة المعرفية. ونظرًا لأن هاتين النظريتين لم تُطورا خصيصًا لمعالجة التحدي الموسيقي، فسأعرض خلاصة كل منهما بهدف تشجيع بحوث مستقبلية متعددة التخصصات.

    كما لوحظ، العدوى الأولية ليست هي التفسير الوحيد لانتقال العواطف. فنظرية التقييم الاجتماعي تُعد الآن رؤية مؤثرة في الدراسة التجريبية لانتقال العاطفة، كما هو الحال في دراسة العواطف الجماعية. وفقًا لهذه النظرية، تنتقل العواطف من خلال تقييمات غير مباشرة للقيم، تثير لدينا العاطفة ذاتها. فعلى سبيل المثال، عندما تنتقل إليّ مشاعر القلق من زميلة في العمل، فإنني أدرك نبرة صوتها القلِقة ووضعية جسدها المتوترة، ومن خلال إدراكي لتعبيراتها العاطفية، أقيم الموقف على أنه مُهدِّد، وهذا التقييم يؤدي إلى إثارة شعور القلق لدي. في نظرية التقييم الاجتماعي، يدمج الأفراد المعلومات المستخلصة من تعبيرات الآخرين الانفعالية ضمن تقييمهم الخاص للمواقف، مما قد يثير لديهم العاطفة ذاتها. وقد يحدث هذا عبر الارتباطات بين العواطف المُدرَكة والتقييمات [طريقة غير مباشرة]، أو بطريقة مباشرة. يمكن أن يحدث التقييم الاجتماعي تلقائيًا ودون وعي، أو بشكل مقصود وواع. والافتراض الأساسي هنا هو أن للعواطف وظائف اجتماعية؛ التعبيرات العاطفية تُطلع الآخرين على الدلالة التقييمية للمواقف. وقد وثقت العديد من الدراسات دور التقييم الاجتماعي، مثل تأثير تعبيرات الغضب على تقييمات العدالة، أو تأثير تعبيرات الخوف على تقييمات المخاطر، وسواها. وتُعد التعبيرات العاطفية إشارات على وجود قيم؛ إذ يستخدمها الناس باستمرار لفهم المواقف، والتنسيق، واتخاذ القرارات، كما تقترح دراسات الاستدلال الاجتماعي عند الأطفال. وبالطبع، لا يدمج الناس دائمًا تعبيرات الآخرين ضمن تقييماتهم الخاصة، إذ يتطلب التقييم الاجتماعي أن يكون هناك تقييم لموثوقية هذه التعبيرات (كأن يقيّم الفرد موثوقية وكفاءة مصدر التعبير. ومع ذلك، فإن انتقال العاطفة يسلك هذا المسار في بعض الحالات على الأقل.

    وبالعودة إلى الموسيقى، تتيح نظرية التقييم الاجتماعي تفسيرًا إدراكيًا جديدًا للعدوى العاطفية الموسيقية؛ إذ يمكن أن تنطوي العدوى على تقييم غير مباشر للقيمة. كما قد تنتقل إليّ مشاعر القلق من زميلتي في العمل لنتيجة لتقييمي للقيمة عبر إدراكي لتعبيراتها العاطفية. فقد تُثير الموسيقى المشحونة بالتوتر مشاعر التوتر لدى المستمعين لأنهم قيموها كتهديد غير مباشر عبر إدراكهم للتعبير العاطفي في الموسيقى. وتفترض هذه الفرضية أن إدراك الطابع التعبيري في الموسيقى يشبه، إلى حد ما، إدراك التعبيرات العاطفية البشرية. قد يكون هذا الافتراض منطقيًا في ضوء الدور الذي يؤديه التنغيم العاطفي في الكلام، كما جرى وصفه سابقًا. فإذا كانت تجربة الاستماع إلى الموسيقى المعبرة عن العاطفة شبيهة بإدراك التعبيرات العاطفية، وإذا كان إدراك هذه التعبيرات ينطوي على تقييم للقيمة (وفقًا لنظرية التقييم الاجتماعي)، فإن العدوى العاطفية الموسيقية قد تُثار عبر التقييم غير المباشر للقيمة؛ أي أن الموسيقى قد تَدل بطريقة ما على القيمة، على غرار ما تفعله التعبيرات العاطفية للآخرين أحيانًا. وكما لوحظ، يمكن أن يكون التقييم الاجتماعي تلقائيًا، ومن ثم قد تحدث العدوى الموسيقية تلقائيًا عبر الصلة الوثيقة بين التعبيرات العاطفية وتقييمات القيمة.

    في هذا المقترح، يتبدد تحدي القيمة على النحو التالي: إن العدوى العاطفية بالموسيقى تنطوي على تقييم غير مباشر للقيمة، تمامًا كما يحدث في العدوى العاطفية لمشاعر الآخرين عبر التقييم الاجتماعي. فإدراك الموسيقى بوصفها معبرة عن العاطفة قد ينطوي -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- على تقييم للقيمة. ورغم أن الموسيقى الحزينة لا تُقيَّم بوصفها شيئًا حزينًا بحد ذاته، إلا أنها تُدرَك بطريقة ما على أنها تعبير عن الحزن؛ وبهذا المعنى، فإنها تشير إلى أمور حزينة، أو على الأقل يمكن تقييمها على هذا النحو. والأهم من ذلك أن هذا المقترح يُشير ضمنًا إلى أن العواطف الناتجة من العدوى الموسيقية هي عواطف وهمية، إذ لا توجد قيمة حقيقية تُبرر تلك العواطف؛ وهذا هو التحدي من الأساس. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه النتيجة تمثل إشكالية أم لا. إذ يجادل برينز أن العواطف الناتجة من العدوى العاطفية هي تقييمات متجسدة وهمية، تُشكل ناتجًا ثانويًا لنظام العاطفة التكيفي في الإنسان. ولعل السياق الجمالي الذي تستثير فيه الموسيقى العواطف يجعل هذا الوهم غير ضار. ومع ذلك، قد يرى البعض الطابع الوهمي للإستثارة الموسيقية يمثل إشكالًا. ففي نهاية المطاف، يقوم التحدي الموسيقي على افتراض أن محاكاة العواطف قد تكون استجابات ملائمة، وفي هذه الحالة سيكون طابعها الوهمي نقطة ضعف كبرى لهذا المقترح.

    وأخيرًا، فمن غير الواضح أيضًا كيف يتعامل هذا المقترح مع تحدي الموضوع، إذ يعتمد ذلك على الكيفية التي نُفسر بها الموضوعات العاطفية ضمن نظرية التقييم الاجتماعي، وهي مسألة لم يناقشها الفلاسفة حتى الآن. ففي بعض الحالات، ترتبط العدوى العاطفة المنقولة عبر تعبيرات الآخرين بالبيئة المحيطة (مثلًا، نشعر بوجود تهديد حولنا). في حالات أخرى، تتخذ العاطفة المنقولة موضوعًا محددًا، وهو موضوع العاطفة التي يعبر عنها الشخص المُعدِي (مثلًا، أنا أشعر بقلق بشأن الامتحان لرؤيتك قلقًا حياله). وبالمثل، يمكن للعدوى العاطفية الموسيقية أن تُثير مشاعر مرتبطة بالبيئة الموسيقية (مثل الشعور بوجود تهديد في الموسيقى). وبفضل وجود كلمات أو عناوين للأغاني، قد تكتسب هذه العواطف أيضًا مضمونًا محددًا (مثل أغنية تتناول حسرة القلب). وبما أن تحدي القيمة هو الإشكال الأكثر إلحاحًا، فسوف أترك هذه التأملات جانبًا في الوقت الحالي. ويكفي القول أن التطورات الحديثة في مجال انتقال العاطفة تقدم مقترحات جديدة يمكن من خلالها دحض التحدي الموسيقي. ويبقى على الفلاسفة أن يولوا هذه المسارات البحثية المستقبلية اهتمامًا جادًا.

    دعوني أختم هذا القسم بتقديم آخر تقليد بحثي ناشئ في مجال الإدراك الموسيقي، والذي يقدم مسارًا بحثيًا واعدًا، وهو المجازات الإدراكية metaphor cognition. لقد جادل فلاسفة بأن التجربة الموسيقية بطبيعتها مجازية؛ فـسماع الموسيقى يعني إدراك النغمات كما لو كانت تنتمي إلى فضاء صوتي مُنظم بحسب المكان والزمان. وبالمثل، يُفهم إدراك العواطف في الموسيقى من خلال مفهوم “السماع بوصفه.. hearing as”؛ أي بمعناه المجازي. ويجادل بيكوك بأن إدراك الموسيقى بوصفها معبرة عن عاطفة ما يعني سماعها مجازيًا كأنها تلك العاطفة. يتسق هذا المقترح مع نظرية المجاز الإدراكي cognitive metaphor theory، التي ترى أن المجازات ليست مجرد كيانات شعرية أو لغوية، بل هي بالأساس طرق في التفكير في العالم أو في طريقة عيشه. وبالانتقال إلى العواطف التي نشعر بها عند الاستماع إلى الموسيقى، طور علماء النفس مقياس جنيف للاستعارات الموسيقية Geneva Musical Metaphors Scale، الذي يُظهر كيف يربط المستمعون الموسيقى باستعارات من قبيل التدفق، والحركة، والقوة، والعمق الداخلي، والتجوال الحر. وقد اقترح كل من بانيز وراباز وغانجان أن المجاز يلعب دور الوسيط بين إدراك العاطفة في الموسيقى وبين العدوى العاطفية. وعليه، يمكن للإدراك المجازي أن يقدم تفسيرًا جديدًا لظاهرة العدوى العاطفية.

    في الواقع، يمكن أن يكون المجاز وسيلة لإنقاذ المذهب الإدراكي. إحدى الفرضيات المثيرة للاستكشاف هي أن العدوى العاطفية تنطوي على تجربة مجازات للقيم. فالموسيقى لن تبدو وكأنها مجرد عواطف، كالحزن مثلاً، بل أيضًا قيمًا، كالمآسي والمواقف الحزينة. يتجلى هذا التصور من خلال ثلاث خطوات: تفسير مبسط لتجربة المجاز، واستعراض الدراسات التجريبية حول التعبيرية الموسيقية، وبيان التفاعل الوثيق بين المفاهيم الوجدانية والتقييمية. المجازات بالعموم -مثل ماري هي الشمس- تتضمن التماثل البنيوي أو التشابه الهيكلي بين كيانين ينتميان إلى مجالين مختلفين، مثل الأشخاص والأجرام السماوية. والأهم، أن المجازات تقوم على اكتشاف الخصائص البارزة للأشياء، أي السمات التي تتبادر إلى الذهن فورًا عندما يفكر الناس فيها (مثل: الإشراق بالنسبة للشمس)، أو الأفكار الشائعة عنها. والأهم من ذلك، أن المجاز يتضمن أيضًا انتقال هذه الخصائص من مجال إلى آخر: إذ “نرى” جولييت كأنها الشمس (أي مشرقة ومدهشة كالشمس). وتجربة المجاز في الموسيقى تمتلك هذه الخصائص. أما الخطوة الثانية، فقد سبق أن ناقشنا كيف يربط المستمعون الموسيقى ببعض العواطف، مثلًا من خلال آليات التنغيم العاطفي. وهذا يشير إلى أن المستمعين يدركون تماثلاً بنيويًا بين الموسيقى والعاطفة استنادًا إلى الخصائص البارزة للعواطف (مثل التعبيرات الصوتية). وبالإضافة إلى ذلك، فإن خبرتهم تنطوي على نقل الخصائص البارزة للعواطف إلى الموسيقى؛ كأن يُدرك المرء الموسيقى بوصفها حزينة. وبما أن معايير تجربة المجاز قد تحققت، فيمكن تفسير هذه النتائج كالتالي: عندما يدرك المتلقون الخاصية التعبيرية، فإنهم يعيشون الموسيقى بوصفها استعارة للعواطف. أما الخطوة الأخيرة، فتتمثل في التأكيد على أن مفاهيمنا العفوية للقيم والعواطف متداخلة؛ إذ تعد العواطف سمة بارزة في المفاهيم التقييمية، والعكس صحيح. مثلًا، الناس يربطون فورًا بين ما هو حزين والحزن (والعكس كذلك). وكما لوحظ، كشفت الدراسات حول التقييم الاجتماعي أن إدراك التعبيرات العاطفية يرتبط بتقييم القيمة. فالنبرة الحزينة في الصوت هي خاصية بارزة للحزن، ولما هو بائس على حد سواء. ونظرًا لهذا الترابط المفاهيمي بين العواطف والقيم، فإن عيش الموسيقى بوصفها مجازًا للعاطفة يعني ضمنًا تجربتها كمجاز للقيمة.

    وفقًا لهذا التصور، تنطوي العدوى على إدراك القيم عبر المجاز. وهكذا يُدحض تحدي القيمة. فضلًا عن ذلك، فإن مضمون العاطفة هو الموسيقى نفسها، إذ تُعاش الموسيقى على أنها متماثلة بنيويًا مع العواطف والقيم، بطريقة تميز المجاز. لذا، لا ينطبق على هذا التصور النقد المثار ضد تأثير الجازرسايز. وبالتالي يُحل تحدي الموضوع؛ إذ تُوجَّه الاستثارة الموسيقية نحو الموسيقى باعتبارها موضوع الإدراك التقويمي. وعلى الرغم من أن الموسيقى لا تُقيَّم بوصفها أمرًا حزينًا، فإنها تُسمَع كما لو كانت كذلك؛ فهي تُقيَّم كمجاز لأمور حزينة. وعلى خلاف الطرح القائم على التقييم الاجتماعي، فإن العاطفة المحسوسة ليست وهمية؛ فالطبيعة المجازية للتجربة تجعل العاطفة استجابة مناسبة. أما فيما يتعلق بالتفسير القائم على المجاز للطابع التعبيري، فلا يزال من الضروري توضيح العلاقة بين المجاز والخيال.

    4. مفارقة الموسيقى الحزينة


    باستثناء الحالات المرضية، يميل الناس عادةً إلى تجنب المواقف الحزينة. والموسيقى ليست استثناءً من ذلك؛ فالناس عادةً يفضلون الاستماع إلى الموسيقى السعيدة. ومع ذلك، نحب الموسيقى الحزينة؛ نستمتع بها، ونبحث عنها، ونُقدرها. والمقصود بالموسيقى الحزينة هي الموسيقى التي نُدركها بوصفها تعبير عن الحزن ولها القدرة على إثارة مشاعر الحزن. وتُعتبر الموسيقى الحزينة من أعمق وأجمل التجارب الموسيقية. وغالبًا ما تُعد الموسيقى التي تصور الحزن والأسى مؤثرة لأنها تتناول موضوعات وجودية هامة مثل الموت والحب والروابط الاجتماعية.

    ومن اللافت أن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة بشكل خاص عندما تنتابهم مشاعر الحزن. إذ تُعد مشاعر الحزن والألم العاطفي من أقوى المؤشرات على تفضيل الاستماع إلى الموسيقى الحزينة. والأمر اللافت أكثر أن الموسيقى الحزينة غالبًا ما تُفاقم شعور الحزن. فلماذا نحب الموسيقى الحزينة؟ ولماذا يسعى الناس إلى الاستماع إلى الموسيقى الحزينة بدلًا من الموسيقى المبهجة، خصوصًا عندما يشعرون بالحزن؟ هل نحن مازوخيون موسيقيًا؟ هذه هي مفارقة الموسيقى الحزينة، إذ تكمن المفارقة في أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يتعارض مع نفورنا من الحزن والمثيرات الحزينة في سياق الحياة اليومية.

    تجدر الإشارة إلى أن تقدير الموسيقى الحزينة لا يُعد مَرَضيًا. الأشخاص المصابون بالاكتئاب السريري يُظهرون ميلًا قويًا نحو المحفزات الحزينة، بما في ذلك الموسيقى الحزينة. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى اجترار الأفكار أو التفكير الوسواسي في المواقف السلبية، وهو ما يعد خللاَ وظيفيًا. غير أن الميل إلى الموسيقى الحزينة لا يتخذ هذا الشكل في جميع الحالات. فالأشخاص الأصحاء أيضًا ينجذبون إلى الموسيقى الحزينة. بل إن الموسيقى الحزينة تُستخدم كوسيلة لتنظيم الانفعالات، وبالتالي تسهم في تعزيز الشعور بالرفاه النفسي.

    مفارقة الموسيقى الحزينة هي مثال على مفارقة الفن السلبي، أي مهمة تفسير تقديرنا للأعمال الفنية والأشكال الفنية التي تُعبر عن عواطف سلبية وتستحثها، مثل التراجيديا والرعب. لكن الموسيقى الحزينة تطرح إشكالات خاصة بها؛ فلا يقتصر استمتاعنا على الأغاني الحزينة، بل نستمتع أيضًا بالموسيقى الخالصة الحزينة. وعلى خلاف التراجيديا والرعب والأغاني، لا تقدم الموسيقى الخالصة سردًا أو نص خيالي. ولهذا السبب، لا تنطبق الحلول البديهية للمفارقات الأخرى، مثل الفكرة القائلة بأن بعض السرديات تساعدنا على عيش أو فهم الأمور المأساوية أو المثيرة للاشمئزاز بسهولة على حالة الموسيقى الخالصة، رغم أنها قد تفسر حبنا للأغاني الحزينة.

    ومن المؤكد أن الإشكال لا يظهر إذا كانت الموسيقى الحزينة لا تُثير الحزن، بل تُثير مشاعر مستحسنة مثل عواطف التقدير. مع هذا فقد ناقشنا سابقًا الاعتراضات على هذا الرأي (في القسم 3.4). حيث أفاد الأفراد بشعورهم بالحزن أو الحنين أو السكينة أو الحنان عند الاستماع إلى الموسيقى الحزينة. وقد أشرنا سابقًا أيضًا إلى أن الموسيقى الحزينة تُثير عواطف مشابهة للحزن من حيث الاستجابات الفسيولوجية، والتعبيرات، والنشاط العصبي. حسنًا، لنفترض أن الموسيقى الحزينة تُثير مشاعر الحزن.

    ولنُفترض كذلك أن الحزن شعور غير سار؛ أي أنه مؤلم أو سلبي. ومع ذلك، فإن هذا الطابع السلبي يتوافق مع فكرة أن الموسيقى الحزينة قد تكون ممتعة؛ فقد تكون التجربة مزيجًا من الحزن والمتعة، مثل الحنين. ومع هذا، يبدو أن المتعة التي نشعر بها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود الحزن. وإلا لكنا بحثنا عن الموسيقى السعيدة، بما أنها غالبًا ما تُثير متعة نقية. ويبدو إذن أننا نجني فائدة من الشعور بالحزن. لكن، ما هي هذه الفائدة بالضبط؟ لأسباب تتعلق بضيق المجال هنا، سأعرض بإيجاز ثلاثة من أبرز الحلول المقترحة لهذه الإشكالية.

    4.1 تنظيم وتطهير الانفعالات

    هناك فكرة تقليدية تعود إلى أرسطو تفيد بإن الحزن المثار من الموسيقى يؤدي إلى حالة ذهنية إيجابية لأنه يطهر النفس من بعض المشاعر السلبية وهو ما يُعرف بـ “تطهير الانفعالات Catharsis”. هذه الفكرة تتماشى مع الدراسات التي تناولت دور الموسيقى الحزينة في تنظيم الانفعالات. وعلى المستوى العصبي-البيولوجي، اُقترح أن الموسيقى الحزينة تزيد من مستويات هرمون البرولاكتين (هرمون الحليب). والبرولاكتين هو الهرمون المسؤول عن تحفيز الرضاعة (إنتاج حليب الثدي) وتنظيم استجابات التوتر، ويُفرز أثناء النوم، وبعد الذروة الجنسية، وعند شعور الناس بالحزن، خاصة عند البكاء. كما يرتبط هذا الهرمون بشعور السكينة والراحة والعافية، مثل شعور الراحة الذي يلي نوبة بكاء. هذا البعد العلاجي والجمالي للموسيقى الحزينة يسهم في تسليط الضوء على بعدها المُبهج.

    هناك عدة طرق لفهم مفهوم التطهير. أما إذا افترضنا أن تطهير العواطف السلبية يستلزم أن يشعر المستمع فعلًا بتلك العواطف، فإن هذا سيكون تفسيرًا مقيدًا للغاية لحل المفارقة. إذ قد نستمتع بالحزن في الموسيقى حتى من دون أن نكون في حالة حزن حقيقي. أيضًا عندما يستمع الناس إلى الموسيقى الحزينة للتنفيس عن مشاعر سلبية، فإن هذه العملية لا تفضي بالضرورة إلى راحة أو إلى تلاشي الشعور السلبي. فالاستماع إلى الموسيقى الحزينة لا يؤدي بالضرورة إلى حالة من المتعة؛ بل قد يزداد شعور المرء بالاكتئاب بعد قضاء ليلة كاملة في الاستماع إلى الأغاني الحزينة. وحتى عندما يؤدي الاستماع إلى الموسيقى الحزينة إلى إثارة مشاعر إيجابية، فإن تقدير الحزن في الموسيقى يكون مُرضيًا في حد ذاته -قبل الإحساس بالراحة. ومع ذلك، يبدو من المعقول الافتراض بإن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة من أجل الشعور بتحسن، سواء نجحوا في ذلك أم لا. غير أن هذا لا يقدم حلاً للمفارقة بل يكتفي بإعادة وصفها. فلماذا يلجأ الناس إلى المشاعر السلبية كوسيلة علاجية؟. يظل هذا أمرًا غامضًا. لماذا يختار الناس أن يشعروا بالحزن في حين توجد وسائل أكثر إيجابية للشعور بتحسن، مثل الموسيقى السعيدة؟ إذًا المفارقة لا تزال قائمة.

    4.2 التلذذ بالعواطف

    يصف ليفينسون ثمان مكاسب تقدمها الموسيقى الحزينة. وينطلق في طرحه من الفكرة القائلة إن الموسيقى الحزينة لا تُثير مشاعر الحزن الكاملة، بل مجرد إحساس بالحزن. والسبب الرئيسي وراء هذا الادعاء هو أن الإحساس الذي تُثيره الموسيقى الحزينة لا يكون موجّهًا نحو الموسيقى، ولا يتضمن العناصر الإدراكية والسلوكية المميزة للحزن، مثل الاعتقاد بأن شيئًا ذا قيمة قد فُقد، والرغبة في استعادته. فالحزن في الحياة اليومية يشير إلى وجود مشكلة ينبغي حلها، ويشوه نظرتنا إلى المستقبل، ويرتبط بميول سلوكية (كأن يحاول الشخص تصحيح الوضع). أما الإحساس الذي تُثيره الموسيقى الحزينة، ليس على هذا النحو؛ فخلافًا للحزن المعتاد في حياتنا اليومية، تثير الموسيقى الحزينة مشاعر لا تنطوي على أي تداعيات في الحياة الواقعية. ولهذا يكون المستمع حرًا في التركيز على الإحساس نفسه، مما يفتح الطريق أمام ثلاث مكاسب مهمة.

    المكسب الأول هو التلذذ بالحزن، كما نتلذذ مثلاً بطعم النبيذ. فرغم أن الحزن شعور غير سار، إلا أننا نقدره لأنه لا يكون مصحوبًا بوطأة الحزن الحقيقية في الحياة. فالمعاناة في الحزن تعود غالبًا إلى عناصره المعرفية والسلوكية، وهي غائبة عن الحزن الذي تُثيره الموسيقى. وهذا بدوره يُتيح للمستمعين فرصة فهم الحزن ذاته (المكسب الثاني)، وتعزيز ثقتهم في قدرتهم على الشعور بمشاعر قوية (المكسب الثالث).

    أما بقية المكاسب فتعتمد على الخيال. فالموسيقى تستحث الحزن من خلال الانخراط التخيلي مع شخصية متخيلة (كما أشير في القسم 3.5). وعليه فإن هذا الإحساس يُعد استجابة تعاطفية. وهنا تظهر مكسب التسوية العاطفية؛ فعبر التماهي مع شخصية ما، يتخيل المستمع أنه يشعر بنفس العاطفة أثناء الاستماع المركز مع الموسيقى، مما يولد لديه إحساسًا بالرضا، والتحكم، والتسوية العاطفية. وبفضل هذا التماهي التعاطفي، يشعر المستمع أيضًا وكأنه يُعبر عن مشاعره الخاصة (وهذ هو مكسب القوة التعبيرية). وفي بعض الحالات، قد يشعر المستمع حتى بنوع من الاتصال العاطفي مع الفنان، عندما يُدرك العمل الموسيقي على أنه تعبير عن مشاعر المؤلف أو المؤدي. وهذا هو مكسب التآلف العاطفي.

    هذا الطرح غني من حيث المضمون وقد خضع للاختبار التجريبي.
     فقد أفاد الأفراد بأنهم يستمعون إلى الموسيقى الحزينة من أجل التعبير عن حزنهم، والتلذذ به، وفهمه، ولتعزيز ثقتهم في قدراتهم العاطفية. وقد لُخصت هذه الدوافع في مكسب يُعرف بـ”انعدام التداعيات في الحياة الواقعية”، والذي ورد ذكره في التقارير أكثر من مفاهيم التطهير العاطفي وتحسين المزاج. وبدرجة أقل، أفاد بعض الناس بأن الموسيقى الحزينة تمنحهم شعورًا بالارتباط بالآخرين وتخفف من إحساسهم بالوحدة (الشقاء يحب الرفقة). ويُعد الانخراط التخيلي أيضًا من أكثر الدوافع ورودًا في التقارير، وإن كان هذا ينطبق على الموسيقى السعيدة أيضًا.

    وسأعرض الآن أربعة إشكالات تُبرز التباين بين هذا الطرح والمقاربة الرئيسية الثانية (القسم 4.3). يعتمد مكسب التسوية العاطفية على فكرة أن الموسيقى الحزينة تُفضي إلى الرضا والارتياح. لكن كما لوحظ، فإن الاستماع إلى الموسيقى الحزينة غالبًا لا يؤدي إلى هذه الحالات الإيجابية. فنحن ببساطة لا نشعر بالرضا حين تنتهي القطعة. بل إن بعض القطع الحزينة لا تنتهي نهاية سعيدة أصلاً؛ مثل السيمفونية السادسة لتشايكوفسكي. رغم ذلك، فإننا نقدر هذه الأعمال.

    تعتمد مكاسب التسوية العاطفية والتعبير والانخراط الاجتماعي على الفرضية القائلة بأن السياقات الموسيقية -كما هو الحال في سائر الفنون- تتيح للجمهور قدرًا من التحكم. كما أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يعتمد جزئيًا على هذا الإحساس بالتحكم، وهو ما يُميزها عن الحزن المعتاد في الحياة اليومية حيث يغيب التحكم أو يظل محدودًا. غير أن ديفيز (المرجع نفسه) يؤكد أن مثل هذا التحكم في السياقات الفنية محدود أيضًا. صحيح أننا قد نختار التوقف عن قراءة رواية أو مغادرة قاعة الحفل، غير أن التفاعل مع الأعمال الفنية يُثير عواطف تتجاوز نطاق سيطرتنا، لأن عواطفنا تتأثر بالعمل الفني. وبالتالي، لا يُعد التحكم هو المفتاح الأساسي لفهم تقديرنا للموسيقى الحزينة.

    الأهم من ذلك، وبحسب ليفينسون، فإن الحزن المثار استجابة للموسيقى يبقى شعورًا غير سار، وإن كان بدرجة أقل من الحزن الحقيقي في الحياة اليومية. وهذا الطابع السلبي يثير الإشكالية التالية؛ وهي لماذا قد يرغب الناس في الشعور بالحزن، طالما أن هذا الشعور غير سار؟ ولماذا يرغب الناس في التلذذ بالحزن، ما دام الحزن مؤلمًا بطبيعته؟ وهكذا تبقى المفارقة قائمة.

    وأخيرًا، حتى مع الافتراض بأن الموسيقى الحزينة تجلب الفوائد العملية التي أشار إليها ليفينسون، فإن ذلك لا يعالج الإشكالية بالكامل. وفي أحسن الأحوال، قد يُفسر هذا سبب رضوخنا للاستماع إلى الموسيقى الحزينة، كما نرضخ مثلاً لزيارة طبيب الأسنان رغم التجربة المزعجة، لأننا نتوقع فائدة أعظم. غير أننا لا نرضخ للموسيقى الحزينة؛ بل نُقبل عليها بسرور. وهذا يشير إلى أن تقديرنا للموسيقى الحزينة يتجاوز قيمتها العملية أو الوظيفية.

    4.3 الفهم الموسيقي

    وفقًا لديفيز، فإن الشعور بالحزن هو الثمن الذي نحن على استعداد لدفعه من أجل فهم بعض الأعمال الموسيقية (انظر أيضًا غودمان). فالشعور بالحزن يعتبر وسيلة لفهم الموسيقى الحزينة. والأفراد في العموم يهتمون بالموسيقى لما فيها من متعة التعرف عليها وفهمها. وهذا يساعد هذا في تفسير العديد من التوجهات الموسيقية والتفضيلات لدى الأفراد. يمكن للناس حينئذ أن يستمتعوا بالموسيقى الحزينة حتى وإن جعلتهم يشعرون بالحزن، لأن هذه الاستجابة تتيح لهم فهم العمل الموسيقي. فالعاطفة التي يشعرون بها تكون مستحبة لأنها تُشكل جزءًا من عملية الفهم. ولا يُفسر تقدير هذا الشعور بقيمته النفعية للموسيقى، بل هو جزء لا يتجزأ من فهمها. ففهم الموسيقى يتطلب استجابات إيجابية وسلبية على حد سواء.

    إلا أن بعض الباحثين شككوا في هذا الطرح. فليس من الواضح سبب استعدادنا لدفع هذا الثمن -أي الشعور بالحزن- من أجل فهم موسيقي. حيث لا يبدو أن المكاسب المعرفية الناتجة عن فهم العمل الموسيقي تعوض الضيق المصاحب للحزن. إضافة إلى ذلك، لا يقدم هذا التفسير ما يثبت عمق الموسيقى الحزينة، فالمكاسب المعرفية لا توضح لماذا نحب الموسيقى الحزينة إلى هذا الحد. كما أن هذا التفسير يفترض أننا نقدر الإحساس بالحزن فقط لأنه وسيلة لفهم الموسيقى. إلا أن الواقع يشير إلى أننا نُقدر هذا الإحساس لذاته؛ وليس مجرد سعيًا وراء الأهداف الجمالية.

    والأهم من ذلك، كما أقر ديفيز، فإن هذا الطرح لا يقدم أي تفسير للمفارقة. فما يزال السؤال قائما حول لماذا نكون على استعداد لاعتناق الحزن من أجل فهم الموسيقى، مع أن هذا الإحساس غير سار؟ ولماذا لا نستمع إلى موسيقى سعيدة ونقدرها بدلًا من ذلك، لا سيما حين نكون في حالة حزن؟

    يجادل ديفيز بأن حال الموسيقى لا تختلف عن كثير من الأنشطة المؤلمة أو غير السارة التي نجد فيها متعة. فهذه طبيعننا ببساطة؛ نستمتع بالأنشطة المرعبة والمروعة والصعبة، يتضح ذلك من اهتمامنا بالأخبار، والرياضات العنيفة، وتربية الأبناء، والعلاقات طويلة الأمد، أو حتى لعب الشطرنج. فنحن نستمتع بهذه الأنشطة لذاتها، وليس فقط لنتائجها العملية. بل إن استمتاعنا بهذه الأنشطة مرهون بمقدار المشقة والمعاناة التي تصاحبها. واهتمامنا بفهم الموسيقى الحزينة لا يشكل استثناءً. 

    قد يكون هذا الطرح صحيحًا، إلا أنه لا يفسر فعليًا سبب جاذبية الموسيقى الحزينة، بل يثير فقط مسألة اهتمامنا بالأشياء غير السارة، وهي مسألة ما زالت محيرة.

    أحد الاتجاهات المستقبلية البحثية الواعدة هو أن نأخذ في الحسبان الكم الهائل من الأدبيات التجريبية حول جاذبية الموسيقى الحزينة. فالموسيقى الحزينة ليست محببة من الجميع، وأحيانًا قد يتجنبها البعض. فمن الذي ينجذب إلى الموسيقى الحزينة؟ ومتى ينغمس الناس في حبها؟ يُعد الكشف عن الحالات والسمات الشخصية التي تتنبأ بتقدير الموسيقى الحزينة أمرًا أساسيًا لفهم هذه الظاهرة.

    وكما لوحظ، فإن الناس يستمعون إلى الموسيقى الحزينة على وجه الخصوص عندما يشعرون بالحزن، وكذلك عند الإحساس بالوحدة، أو افتقاد شخصٍ ما، أو الحنين إلى الوطن، أو الرغبة في استرجاع الذكريات، أو الحاجة إلى أن يُفهموا، أو طلب المواساة، أو الدخول في حالة تأملية، أو الرغبة في الاسترخاء، أو الشعور بالتعب، أو عند التواصل مع الطبيعة. وتعد الخلافات، والفشل، والإحباط، والموت، ولوعة الحب، والانفصال، من بين المواقف الشائعة التي يلجأ فيها الناس إلى الموسيقى الحزينة.

    مع هذا، لسنا جميعًا متساوين في حبنا للموسيقى الحزينة. وتتمثل المحددات الشخصية الرئيسية لحب الموسيقى الحزينة عمومًا في ارتفاع مستوى التعاطف، والقدرة العالية على التخيل والانغماس، والانطواء، والانفتاح على التجارب، والعُصاب (عدم الاستقرار النفسي). كما أن انخفاض الثبات الانفعالي والميل إلى اجترار الأفكار هما من العوامل المهمة التي تنبئ بالميل إلى الموسيقى الحزينة. وفي مرحلة نمو الأطفال، يبدو أن الانجذاب إلى الموسيقى الحزينة يظهر في وقت متأخر نسبيًا، إذ يُظهر الأطفال من سن 3 إلى 8 سنوات نفورًا واضحًا منها. وقد عبر أحد الوالدين عن مفارقة الموسيقى الحزينة بعبارة مؤثرة عن طفله: “في الكنيسة، التراتيل تجعله يشعر بالحزن، ويتساءل لماذا نحتاج إلى أغاني حزينة إلى هذا الحد؟” (المرجع نفسه: ص 461). غير أن الفلاسفة أهملوا هذه الأدلة، على الرغم من أنها تُشكل الأساس النظري لتطوير طرح فلسفي مدروس (انظر).

    من المقترحات الفلسفية الواعدة، التركيز على القيمة المعرفية للاستماع إلى الموسيقى الحزينة. فطالما أن الموسيقى الحزينة تُثير مشاعر الحزن، فقد يكون الاستماع إليها وسيلة لاستثمار القيمة المعرفية للحزن؛ مثل تنمية التفكير النقدي العميق، وامتلاك نظرة تحليلية وواقعية، وإعادة تقييم الأهداف. وقد يفسر حبنا للموسيقى الحزينة جزئيًا من خلال اللجوء إلى هذه الفوائد المعرفية.

    وأخيرًا، كما أشير سابقًا (في القسم 3.4)، فقد بدأ علماء النفس مؤخرًا بالاهتمام بدور عاطفة التأثر العاطفي -بالإضافة إلى الحزن- في تقديرنا للموسيقى الحزينة، وكذلك في تقديرنا للفن السلبي عمومًا. وينبغي على الفلاسفة أن يُعمقوا النظر في هذا التفسير الجديد لمفارقة الموسيقى الحزينة (انظر).

    5. الخاتمة

    لقد قدمت هذه الدراسة الموسعة أهم الإشكالات الفلسفية التي تثيرها ظاهرة الاستجابات الوجدانية للموسيقى، وذلك في ضوء التطورات الحديثة في علم الوجدان. وقد كشفت هذه الورقة عن الأهمية البالغة للعواطف الموسيقية في فهم طبيعة العواطف ودورها في الإسهام بتحقيق الحياة الطيبة. وبعد كل مقترح فلسفي رئيسي طرحت المقالة توصيات لمسارات بحثية مستقبلية مستلهَمة من الاتجاهات الحديثة في نظرية العواطف، والموضوعات الراهنة في علم الوجدان، والتقاطعات المثمرة بينهما. وبذلك، تسهم هذه المقالة في ردم الفجوة بين البحوث الفلسفية والتجريبية. وقد آن الأوان لتفاعل أوثق بين هاذان المجالان المعرفيان، بما يدمج بين الصرامة الفلسفية والرؤى المستمدة من الاهتمامات التجريبية والحياة الواقعية.

    تتناول فلسفة العواطف الموسيقية قضايا إشكالية أخرى تتجاوز نطاق هذه المقالة، مثل دور التوقعات الموسيقية، ومسألة وجود عواطف خاصة بالموسيقى، وأثر التعرض المتكرر في تكوين الإعجاب وتفضيلات الموسيقى، ودور العواطف في الأحكام الجمالية والأخلاقية، ومسائل متعلقة بالأغاني تحديدًا.

    ومع ذلك، أرجو أن يكون هذا العرض الشامل قد بيّن أن علم الوجدان الموسيقي يسير بخطى رائعة ومبشّرة.

    الهوامش

    [1] علم الوجدان هو حقل متعدد التخصصات يركز على فهم العمليات العاطفية والوجدانية، ويشمل أبحاثًا في مجالات العاطفة وتنظيمها، واضطرابات المزاج، وعلم الأعصاب الوجداني. (المترجم)

    [2] كل ما يرد بين معقوفتين [] في المقال هو إضافة توضيحية من المترجم. (المترجم)

    [3] نظرية الوكز Nudge theory هي نظرية في علم السلوك تركز على إحداث التغيير وتعديل السلوك وتحفيز الأفراد وتوجيههم إلى اتخاذ قرارات محددة بطريقة غير ملحوظة وغير إجبارية. المصدر. (المترجم)

    [4] والسبب أن العاطفة تُثار بطريقة مباشرة وتلقائية، دون الحاجة لمرور المستمع بعملية تقييم معرفي واعية للموسيقى. (المترجم)

    [5] الفيزيونومية هي فن التعرف على المزاج والسمات الشخصية من خلال الهيئة الخارجية [ملامح الوجه ولغة الجسد]. (المترجم)

    [6] تناول كيفي مصطلح “الموسيقى وحدها” في كتابه “الصوت والمظهر: تأملات في التمثيل الموسيقيSound and Semblance: Reflections on Musical Representation” الصادر عام 1984 والذي يقصد به “الموسيقى المطلقة، أو الموسيقى الخالصة، أو الموسيقى بلا محتوى، أو الموسيقى غير الإشارية، أو الموسيقى دون نص، أو عنوان، أو برنامج، أو أي من العناصر الإضافية غير الموسيقية”. المرجع. (المترجم)

    [7] ترى نظرية العواطف المتمايزة أن البشر يشعرون بمجموعة محدودة من العواطف الأساسية، لكل منها سمات بيولوجية وفسيولوجية وسلوكية مميزة. وتفترض هذه النظرية أن هذه العواطف الأساسية، مثل الفرح والحزن والغضب والخوف والاشمئزاز والدهشة، هي عواطف فطرية وعالمية بين مختلف الثقافات. وتفترض أن كل عاطفة ترتبط بتعبيرات وجه محددة، وتغيرات فسيولوجية (مثل معدل ضربات القلب والتنفس)، وميول سلوكية. المصدر. (المترجم)

    [8] استجابة تلقائية وغير إرادية يصدرها الجهاز العصبي المركزي عبر جذع الدماغ. (المترجم)

    [9] تترجم أحيانًا بالـ التكييف التقييمي. (المترجم)

    [10] لحن قصير متكرر في مقطوعة موسيقية، يرتبط بشخص أو شيء أو فكرة معينة. (المترجم)

    [11] الذاكرة العرضية أو الذاكرة الأوتوبيوغرافية هي ذاكرة ذات مدى طويل جدا، وتصريحية، تسمح باكتساب واسترجاع أحداث معاشـة شخصيا…هذه الذاكرة تحتـوي علـى ذكريات أحداث خاصة، تقع في الزمن وفي المكان (يوم ولادة طفل، يـوم زفـاف …). المصدر. (المترجم)

    [12] موسيقى البرنامج التصويري Program Music: هي الموسيقى التي تهدف إلى سرد قصة، أو وصف مشهد، ولا تتضمن كلمات. قاموس أكسفورد. (المترجم)

    [13] الموسيقى غير الإشارية (أو غير التمثيلية) Non-Representational Music: هي موسيقى خالصة لا تهدف إلى تمثيل فكرة، أو قصة، أو مشهد، أو شخصية وهي عكس موسيقى البرنامج التصويري. (المترجم)

    [14] الالتزام بمبادئ علم النفس المعرفي، خاصة التي تتعارض مع مبادئ السلوكية. (المترجم)

    [15] يشير التكافؤ إلى درجة المتعة أو عدم المتعة في المثير، ويتراوح بين السلبي والإيجابي، بينما تشير الإستثارة إلى شدة المثير، وتتدرّج من منخفضة إلى عالية. على سبيل المثال، يُعد كل من الغضب والحزن سلبيين من حيث التكافؤ، لكن الغضب يتميز باستثارة عالية، في حين يتسم الحزن باستثارة منخفضة. (المترجم)

    [16] قياس الخلف أو برهان بنقض النقيض Reductio ad absurdum: برهنة القضية بإثبات فساد نقيضها. (المترجم)

    [17] العواطف العصية أو المتمردة: هي تلك المشاعر التي تتعارض مع أحكامنا التقييمية. على سبيل المثال، قد يخاف المرء من الطيران، حتى مع إصراره على أنه لا يعتقد بخطورته. (المترجم)

    [18] جازيرسايز (Jazzercise): برنامج لياقي يجمع بين الرقص وتمارين القلب (الكارديو) وتقوية العضلات، ويشمل أيضًا تقنيات من البيلاتس، الهيب هوب، اليوغا، والكيك بوكسينغ. (المترجم)

  • العوامل المتباينة في تأثير الفلسفة اليونانية على الفلسفة الإسلامية في المفاضلة بين العقل و النقل : دراسة مقارنة بين فصل المقال و تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال لابن رشد و درء تعارض العقل و النقل لابن تيمية

    العوامل المتباينة في تأثير الفلسفة اليونانية على الفلسفة الإسلامية في المفاضلة بين العقل و النقل : دراسة مقارنة بين فصل المقال و تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال لابن رشد و درء تعارض العقل و النقل لابن تيمية

    الكاتبمحمد عمرو محمد عبدالجبار

    ملخص البحث

    لا شك في أهمية الفلسفة اليونانية وتأثيرها في المدرسة الفلسفية و الفكرية الإسلامية و ما ولّدته من تباين في المستويين العقدي و الفكري لدى كثير من الذين قرؤوا فيها ، يناقش هذا البحث تم تسليط الضوء على تأثير النزوع نحو الفلسفة اليونانية في التراث الإسلامي و ما تبعه من مُساجلات كلامية و فكرية بين المؤيدين لها و المعارضين و تم تناولها من خلال نموذجين للتلقي الفلسفي كان كل واحد منهما من الرموز المهمة على الصعيدين الفلسفي و الفقهي فيه و لكنّ تأثيرها عليهما لم يكن واحدا فدرسنا التأثير المتابين في منزعيهما و أسباب ذلكم التباين على الرغم من التقارب في السياق الأيديولوجي المؤسس لكلا النفَسيْن في انطلاقة فكريهما إلا أن النتائج الخاصة بكل واحد كانت بدورها مختلفة عن تلك التي لدى الآخر .

    و قد اعتمدت الدراسة على منهجية التحليل النصي و التاريخي و الفلسفي لكلا العالمين مع التركيز على السياق التاريخي الذي ولّد فكر كل واحد منهما.

    1. مقدمة

    بالنظر لسياق الفلسفة اليونانية فلا يخفى على الباحث تأثيرها المُستغرق في كثير من الحركات الفكرية سواءً كان بالأخذ منها و الاندماج معها كما هو الحال في فلسفة العصور الوسطى عندما حاولوا التوفيق بين الكنيسة و الفلسفة من خلال النموذج الأفلاطوني و استمرت حتى ذهبت من أفلاطون لأرسطو  عندما أتى توما الأكويني فيما بعد و ما تبع ذلك من تكوين المدرسة الفلسفية المدرسية (Scholasticism) و التي اعتمدت بشكل أساس على فلسفة أرسطو حتى تكوّنت فيما بعد المدرسة النهضوية و التي كانت نزوعا عن المدرسة الكنسية في الفلسفة بأشكال جزئية حتى أخذت شكلها النهائي في نهاية عصر النهضة مؤسسةً لعصر الحداثة التي كان رائداها بلا شك بيكون بمنهجه التجريبي و الذي كان نزوعا كُليا عن المنطق الأرسطي الذي كان هو و الكنيسة صنوان لا انفكاك بينهما و أتى بعده ديكارت ليُكمل عملية انفصال الفلسفة عن اللاهوت و أخرجوا ما كان سائدا في عصور النهضة حين صار منطق أرسطو جزءا أصيلا في عملية فعل التفلسف و صار كما الكنيسة مقدسا .

     هذه التراتبية جعلت الفلسفة اليونانية حاضرةً في التاريخ الفكري الإنساني بشكل متراتب و متتالي فتنظر و حتى حين أرادوا الخروج من عباءة الكنيسة إبان نشوء البروتستانتية كان النزوع عن منطق أرسطو جزءا من سياق النزوع عن الكنيسة و حتى حين أراد الفلاسفة الخروج بمنطق جديد كان ذلكم الخروج معتمدا على نقض المنطق الأرسطي ، فهُم في الحالتين كانوا إما مع الفلسفة اليونانية باستلهامهم من رمز لها  أو كانوا ضدها بأخذ موقف الضديّة تُجاه رمز آخر لها فهم إما معها أو عليها فصارت هي قُطب الرحى في حركة الفكر ، و الناظر لكل تلكم المسارات التي فاضت بها الفلسفة الإنسانية يجد منطقة ،  لا أقول : كانت ناقلة و عبرت منها الحالة الفكرية فحسب بل كانت تنظر للفلسفة اليونانية بعين الناظر الذي يأخذ شيئا و يُولي ظهره عن أشياء  و لم تتلقاها تلقي الصامت المُترجم ، و لا تلقي الرافض التارك بالكُليّة ، بل تشعّبت بها يمينا و شمالا ، و أقصد بهذه القناة الناقلة ، الفلسفة الإسلامية ، تلك التي دخلت لها الفلسفة من خلال ترجمة النصوص اليونانية و ترجمة متون المنطق الأرسطي و تكوّنت في عوالمها تبنّتها بشكل مُطلق، و آراء في مقابلها جعلت منه لا قيمة له أو في أقلها جعلت منطقه مادة مثل أي مادة يؤخذ منها و يُردّ كما هو الحال مع موقف الغزالي مثلا و سواه من الذين كان لهم موقف الضد من فلسفة اليونان و لكن كان موقفه من المنطق موقف الآخذ العاطي فيُذكر أنه كان يقول من لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه.

    و قد نشأ وسط هذا الأخذ و ذاك الردّ فرقًا كلامية و مذاهب فكرية و لم تتوقف تقابلاتها على الأخذ و الرد في الكتب و في المناظرات بل لقد كانت وصلت لحال من المُحايثة الصدامية كما هو الحال بين الحنابلة مثلا و الأشاعرة في فتنة الحنابلة ، أو المعتزلة و أهل الحديث قبلهم في فتنة خلق القرآن .

    و ظل هذا التسلسل حاضرا فتأتي كل فرقة تدافع عن مذهبها حتى صار لكل واحدة منها رموزها و مفكروها الذين يكتبون فيتبنّى تلامذتها ذلكم المساق و كأنهم كلهم كما قال الشاعر : باغي صيد ، غير عمرو بن عبيد ، و كان في المقابل لكل واحدٍ من هؤلاء الرموز غرضه في موقفه منها إلا من كان يروم منها ما فيه نفع فإن نفعت أخذ منها و إن ضرّت فليس على هذا بالمُكره فيها طوْلا و قد يكون الناظر  فيها آخذا بأمثلة متعددة لموقف أولئك الذين أسسوا لما صرنا اليوم نؤرخ له بمصطلح ” الفلسفة الإسلامية” فيجد من أخذ سياق التبنّي لتلكم الفلسفة كما هو ابن سينا و تجد مَن كان موقفه منهم موقفا مُركّبا فهو يرفضهم في جانب و يقبلهم في آخر كما هو الحال مع الغزالي الذي أنكر عليهم في الإلهيات مثلا و قبِل في الوقت نفسه المنطق.

     و حين أردتُ في دراستي هذه استصفاء مقارنة بين اتجاهين يمكن لي من خلالهم دراسة أثر الفلسفة اليونانية في تلقي المفكرين المسلين الذين شكّلوا فيما بعدُ مدارس فلسفية ، جعلتُ عددا من المعايير التي أحتكمُ لها في اختياري لأفراد المقارنة و التي كان من ضمنها :

    • اختيار نموذجين للدراسة يكون كل منهما له ذات الخلفية العلمية ما أمكن و ينطلقان من نفس التأصيل الشرعي و هو التأصيل الفقهي حتى لا يكون أحدهما له خلفية شرعية واسعة و الآخر خلفيته علمية تجريبية كالطب مثلا فاستثنيت أسماءً كابن سينا مثلا، و عمدتُ لاختيار رجلين كل واحدٍ منهما يُعدّ علما في مذهبه الفقهي حتى يكونا على درجة إن لم تكن واحدة في التلقي العلمي فعلى الأقل يكونا في درجة مقاربة فاخترتُ أن يكون الأول ابن تيمية و هو من أعلام المذهب الحنبلي و من الأسماء التي لا يدرس الحنبلي مذهبه دون المرور عليه[1] ، و في مقابله كان ابن رشد و هو من أعلام المذهب المالكي[2] و كلا الرجلين له مُصنفات في الفقه و له تأثيره في دراسة المذهب الذي ينتمي له و علاوة على ذلك خرج كل واحد منهما من بيتٍ فقهي و علمي فابن تيمية حفيد و ابن لفقيه و ابن رشد لا زال العلماء يفصلون في مُصنفاته بينه و بين جده الفقيه  و الذي اسمه ابن رشد كذلك و كان فقيها مالكيا كما هو الحال مع حفيده ، فيصفون واحدا بالجد و الثاني بالحفيد و هو الحال نفسه مع ابن تيمية و هو من المُشترك الذي زاد تمسكي بالاسمين.
    • عمدتُ أن يكون لكل واحدٍ منهما موقفا واضحا من السياق الفلسفي يختلف كل واحد فيهما عن الآخر  و كان لكل واحد منهما أثره في التعامل مع الفلسفة بعده ، فمؤلفات ابن تيمية لا زالت لليوم مؤثرة في السياق الحنبلي فقها و في السياق الفكري بالأخص في الجانب الذي يرتبط بالعقيدة و بالردّ على الفرق التي تنتسب لغير أهل السنة كالمعتزلة و الرافضة أو التي تدخل ضمن أهل السنة و لكنها تُخالف النظر الحنبلي في العقيدة مثلا كالأشاعرة و غيرهم ، و في الحين نفسه ابن رشد لا زالت مؤلفاته يؤرخ من خلالها على دخول الفلسفة الأرسطية لأوروبا و تأثيره على توما الأكويني و غيره من فلاسفة العصور الوسطى المتأخرين أو المتقدمين في عصور النهضة بل إن مما يُروى أن خطأ فهم ابن رشد لفلسفة أرسطو صارت جزءا من الفهم الخاص بالفلسفة الأرسطية بل حتى حين أرادت أوروبا الخروج من عباءة أرسطو صارت تنتقد المدرسة الرُشدية.
    • عمدتُ بعدها لاختيار مؤلَّفا مُحددا لكل واحد منهما يكون عمدةً في بابه و يكون هذا المؤلَّف من المراجع التي يُبنى عليها التصورات العقلية في الفلسفة الإسلامية لمن بعدهم لذلك كان اختياري على كتاب ” درء تعارض العقل و النقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ” لابن تيمية و في مقابله كتاب ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال ” لابن رشد الحفيد.

    2. المطلب الأول: أثر سيرة ابن تيمية في بناءه الفكري و الفلسفي

    وُلد أحمد بن عبدالحليم الذي صار فيما بعد يُعرف بابن تيمية و صار لفظ ” شيخ الإسلام ” فيما بعد مُلازما له في العام ٦٢٧ هـ و قد كان هذا الرجل من أعاجيب زمانه حيث كان من الذين برزوا في الفقه و فيما صرنا نسميه اليوم ” الفكر ” فكان من أهم الذين ألّفوا في الرد على الطوائف و الملل ، و قد قال عنه تقي الدين بن دقيق العيد المالكي الشافعي ” ً «رأيت رجلا سائر العلوم بني عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما يشاء …»[3] و الناظر لما قيل عنه سيحتاج بلا شك لمجلد على الأقل لاستيعابه سواء كان ما قيل من معاصريه أو من لاحقيه ، و الناس بالنظر لابن تيمية كانوا على فريقين ، فريق تلقاه كما هو حتى صار بالنسبة لهم علما لا يمكن المساس منه ، و فريق نظر له كمُعارض لمن يراهم على حق فنبذه و ترك ما عنده و لا شك أن غايتنا في هذا البحث ، ليستِ التطرق لأحد الفريقين ، و لكن بلا شك أنه ما من رجل يُحدث خلافا في النظر له من حيّز كبير من الناس إلا و لديه من الفكر المُركب الذي يحتاج لتفكيكه و النظر له بحياد ، و لا أدّعي أني في بحثي هذا كنتُ على الحياد التام فمتى يكون الإنسان في نظره للناس على حياد تام؟

     فالمُحبّ تُحركه عاطفته و المُبغض تُحركه كذلك عاطفته و لكن العقل و الإيراد العلمي التسلسلي هو الضابط لكلا المنهجين، و بالرجوع له فقد نشأ الرجل في بيئة إسلامية كانت مُتخطفة ، ما بين مدٍّ مغولي تتاري ، و ما بين رواسب حروب صليبية و كانت في حينها الأمة في حال من الضعف و كانت  في مقابلها ، الفرق العقدية و المذهبية التي نشأت في المجتمع قد تغوّل الصراع فيما بينها ، و كانت قد تشكّلت مدارسها  و صار لها مريدون و تلامذة يُنافحون عنها ، كل هذا كان وسطه ابن تيمية يكتب و يؤلف بالإضافة لما مرّ به على مستواه الفردي من دخول للسجن لأكثر من مرة و من تضييق في إطار حياته العام .

    إنّ المشتغل بتراث الإمام ابن تيمية يلحظ أنّ معظم ما كتبه يدور في الرد على ما كان في حينها موجودا من هذه الفرق ، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية و من ضمن هذه الاشتغالات ، ما كان كتبه في درء التعارض ، حيث تم تأليفه حوالي ٧١٨هـ[4] و تدور فكرة الكتاب على ما وصفه من خلال عنوانه ، من أنه محاولة لفهم الحالة التناصيّة بين العقل و النقل ، و يخلص لنتيجة مؤداها أن التعارض بينهما ليس حاضرا و إن كان يُظن أنه حاضر فإنّ هناك خلل إما في فهم العقل أو في صحة النقل و قد كان في الكتاب حاضرا أكثر من استيراد لمن كتب من المناطقة و الفلاسفة المسلمين كالرازي و الآمدي و ابن رشد ، و قام ابن تيمية مستعرضا قول كل ذي قول و الرد عليه ليُثبت أوليّته التي افترضها و هي ألا تعارض بين العقل و النقل.

    3. المطلب الثاني: الموقف الواضح لابن تيمية تجاه الفلسفة اليونانية و موقفه تجاه المنطق كنموذج على تبنّي الفلسفة اليونانية من عدمه:

    بالعودة للسياق الزماني لابن تيمية نجد كما أشرنا أنه كان في سياق زماني يتبع سقوط الخلافة العباسية على يد المغول و الحال العام للناس كان ينتظر أن تقوم القيامة بعد سقوطها إذ أن مفهوم الخلافة ظل واقعا في النفوس من خلافة أبي بكر الصديق و حتى المستعصم بالله آخر الخلفاء العباسيين و إن كانت لم يبقَ منه غير صورة الاسم إلا أنها من حيث دلالتها ظلت حاضرة في النفوس ، و الزخف المغولي الذي كاد يقضي على الإسلام لولا عين جالوت ، و لكنه بقي في الاستيطان العسكري يُناوش و يحارب الشام كلما سنحت له الفرصة فظل القتال قائما بين المماليك الذين يحكمون الشام و المغول الذين كانوا في شرقها في العراق ، هذا السياق المزدحم كان وسطه صاحبنا ، و لم يكن بعدُ ، نار حرب تحرير القدس قد بردت ، و بصورة عامة كان العالم الإسلامي مُمزّقا ، و الصورة التي يغلب عليها الانتصار في المِخيال العام كانت بالنسبة لان تيمية هي تاريخ سابق ، و المُناخ العام الذي كان وسطه كان تدافعًا يقضي بانحدار أكبر لذلكم النطاق التي ظلت من عهد رسول الله و هي تدخل في سياق التوحيد الجغرافي و لا يخرج عنها أحد إلا بشكل جزئي و إن تكونت دويلات ناشئة عن ذلكم الخروج فلقد كانت مع ذلك مركزية الخلافة قائمة في العباسيين.

     كل هذا كان وسطه و بالنظر للسياق العقدي و الفلسفي فنحن نتكلم عن الزمن الذي كانت ذروة الحركة الفلسفية التي تكونت بعد عشرات السنوات  مِن تكوّن مجموع ٍمن التيارات في الكلام و الفلسفة و العقيدة و الفقه مُشكلةً بدورها خليطا من المذاهب و النُهُج ، فنحن نتكلم عن القرن السابع ، و هو القرن الذي تلا ما بدأ من ترجمات قبل ذلك بسنين طويلة من بيت الحكمة ببغداد حتى بلغت ذروتها في حينها، و أخذت في  تمظهراتها الأخيرة كما وصلت له فيما بعد حتى بلغت مؤلفات ابن سينا و الفارابي و الرازي حدها من الانتشار بين الناس ، و خلُصت المذاهب الفقهية لمريديها و طلابها و صارت في الحين نفسه  الفلسفة اليونانية عقيدة عند كثير من الفلاسفة و المفكرين المسلمين ففي الحين الذي كان يقوم الغزالي بتهفيتهم كان ابن رشد يرد على ذلك التهفيت بتهفيت من عنده فينتقص الأول منها ، و يأتي الثاني و يُغالب ذلكم الانتقاص.

    لا يغيب كذلك عن الذهن فِرق العقائد و الخلافات في مسائلها ، و كل هذه قد استقرت و استقر أصحابها و صارت لهم أدبيات يمكن الاستناد عليها من خلال كتبهم أو مجالسهم ، سواء كانوا من أهل السنة و ما يتبعها من تعدديات في النظر للعقيدة كما هو الحال بين الأشاعرة مثلا و ما يقابلهم في النظر لصفات الله أو الأمثلة الأكثر تطرفا و الذين خرجوا من دائرة السنة كما هو الحال مع المعتزلة أو الشيعة ، كل أولئك كانوا في خضم ما يمكن لي تسميته تجوّزا ” اللا وعي ” الفرويدي ، داخل النفَس التيمي.

    و لذا تجد كثيرا من مؤلفاته و بالأخص المطولات منها قائما ضمن الرد على ذلكم السياق ، سياق النظر للمخالف و تعرية أفكاره و من ثم نقضها ، فتجد أن أشهر مؤلفاته غير الحاضر معنا ، اقتضاء الصراط المستقيم ، و منهاج السنة  ، و غيرها ، بل حتى مؤلفاته غير المطولة كانت في حيثية مُمارسة فعل الرد نفسه ، ككتابه في الرد على المنطقيين.

    كل هذا كان سياقا لم يتخلق ابن تيمية فيه فحسب بل كان يبني مادة نفسه شئنا أم أبينا، المادة التي كانت أساسا فكريا لتيار  و منظومة انتمى لها فيما بعد كثير ٌ من المفكرين و الكُتّاب الذين سلكوا المدرسة نفسها. و لكن و بالنظر لذلكم النَفس الذي كان في كتابته ، و إسقاطه على ما أوردنا من فهم لحاله مع الفلسفة اليونانية و تأثيرها علهي فينبغي تصور كل ذلكم التزاحم الذي ذكرنا في الخلافات العقدية ، و رغبة كل فريق بأن يُثبت حُجّية ما لديه و بالتالي دحض حجية ما لدى الآخر مع التركيز على أن يكون حاضرا أنّ ما قام به لم يكن منطلقا من الرفض المطلق لماهية الآخر من كونه آخر بل قائمة على أسس منهجية ، هذه الأسس في أجزاء منها اعتمدت على المنهج الأرسطي في منطق الرد عليها ، المنطق الذي كان لابن تيمية موقف في الوقوف ضده لا من منطلق الضديّة كما ذكرنا بل من منطلق تأسيس منطق محلي يكون إطاره حسبما يقتضيه الكتاب و تقتضيه السنة و يقبله العقل و هو ما أسسه من خلال كتابه درء التعارض.

    إن الحديث عن ابن تيمية و تأثير الفلسفة اليونانية عليه من حيثية ما تأثرت بها الفلسفة الإسلامية و هو واحدٌ من أعلامها ، يجعلنا نمعن النظر أولا في موقفه الواضح تجاه المنطق اليوناني و الفلسفة.

    إذ يذكر فيما وُوجد في مخطوطة الكتاب[5] بخط يده :

    يامنطق اليونان ما أفسده.    و عن طريق الحق ما أبعده

    و لسبيل الغي ما أطلبه.      و عن سبيل الرشد ما أهربه[6]

    و هذه المقدمة يمكن لها أن تصف الحال العام الذي كان عليه ابن تيمية في نظره للمنطق اليوناني في شبابه ، و لكنّ المعنى العام لم يكن ليدعه حيث ألّف كتابه الشهير ” الرد على المنطقيين ” بعد حبسه في الإسكندرية في آخر حياته.

    يقف الإمام عند الفلسفة اليونانية و هو على أعتاب القرن الثامن الهجري بعد قرون تصل للستة خاضت فيها ما خاضت من تكوينات اندمجت مع السياقات الفكرية في المجتمع الإسلامي عندما بدأت مع حركات الترجمة و انفتاح المسلمين على الآخر .

    إن التبني لمذهب ما أو عقيدة ما ، عادةً ما يكون مرتبطا بتبنّي رؤية صاحب المذهب ، أو القناعة بأهليته للاقتداء و بالنظر للتراث التيمي فإن هذه المادة كانت حاضرة بما يضادها ، إذ كان في مؤلفاته كثيرا ما يُثبت غلط اليونانيين في فلسفتهم أو منطقهم ، و من هذا أنه ينظر لهم من حيث أنهم مشركون يعبدون الأصنام و الكواكب[7] .

    و بالنظر لما ذكره – ابن تيمية- عن المنطق الأرسطي و الفلسفة اليونانية ، ستجده وقف موقف الرد عليهم و موقف الناظر لندّه لا الناظر لمتبوعه، في الحين الذي كان ابن رشد ينظر لأرسطو نظر التلميذ لمعلمه آخذا في النهل من المدرسة الأرسطية تارةً شارحا لذلكم المنطق و تارةً مُدافعا عنه .

    و لم يكن موقف ابن تيمية هو موقف الرفض من الفلسفة اليونانية و حسب بل كان له بعض الإقرارات في حُجيتها و جدواها و حتى عندما تناول المنطق رادّا على مُتبّنيه فتجده يذهبُ في الرد على المنطق اليوناني بالمنطق نفسه فيقف أمام مسألة ما مثل ” إن التصورات غير البديهية لا تُنال إلا بالحد” و هي من دقائق عبارات التحليلات الأولى و الثانية في منطق آرسطو ، فيجد ابن تيمية أن عبارة النفي في هذ القول ، تحتاج لدليل ، إذ أنه سلبٌ بلا علم ، و هي قضية سالبة لا بديهية ، و قول القائل لها بلا علم هو مبني على جهل ، فإن كان الأساس مبني على هذه العبارة فكيف بما بُني عليها تراكبيا ؟[8]، لم يُدوّن ابن تيمية ردّه على هذه القضية من خلال الكلام الإنشائي ، بل نجده فيها و في المباحث اللاحقة في كتابه يقوم بعرض كامل أوجه المنطق اليوناني في هذه القضية بمقاميه السلبي و الإيحابي ، حتى لتجده يُورد كلام الغزالي و حديثه عن استعصاء الحد فيردّ عليه و يدخل بعد ذلك في الرد على “أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق و أن حدود أهل المنطق التي يسمونها “حقيقية” تفسد العقل “[9] و سرد كامل أوجهه ، في أن الحد قضية خبرية و امتناع تصور المحدود بمجرد العلم بالحدود و أن المعرفة بالحد قد تنبه كما ينبه الاسم عن دلالة أحد ما[10].

    و يتبنّي ابن تيمية رأي الغزالي – صاحب الموقف القوي في جدوى المنطق-  في بعض المواضع كاستشهاده بقوله في علوم الفلسفة ، أنها إما علوم صادقة لا منفعة فيها أو ظنون كاذبة لا ثقة فيها[11] و ينظر للمنطق أنه أمر اصطلح عليه ” رجل ” خروجا عن حالة التقديس الذي قد تُصيب المتوحد مع منطق أرسطو و نزوعه لتعظيمه[12] بل يقف موقفا أشد من هذا عليهم ، إذ يرى أنهم أبعد عن الحق من اليهود و النصارى ، بل يجد أن ما كان للمشركين من حق أقرب لما هو عند اليونان [13] و ليس المقام هنا لتحديد أيهما عنده الحق أكثر من صاحبه ، بل لتحديد الموقف الحاد من ابن تيمية تجاه الفلاسفة.

    و بعد أن أخذ ابن تيمية يردّ على كل وجهٍ وجده عند الفلاسفة و المنطقيين ، مسلمين كانوا أم يونان ، ذكر في آخر كتابه أن ميزان الله هو القياس الصحيح  و هنا ينبغي لنا أن نتوقف فيه قليلا مع ذهنية ابن تيمية و نحاول تفكيكها فهي تقوم على عدة أمور :

    1. يقوم في ردّه بتناول كامل ما لدى الخصم مستعرضا ما عنده دون أن يُعلق عليه و بعدها يذكر كامل الأوجه التي تخرج من ذلكم العرض يقوم بالرد عليها وجها وجهًا و ما إن ينتهي من تلكم الردود القائمة في معظمها على تفصيل نصّ أو فكرة الخصم حيث يقوم بتفكيك كامل الدعوى لجُزئيات ثم يرد كل جزئية ، فإن ردها كلها ، رد على الدعوى الكُليّة بالتبعية.
    2. ثم بعد أن يفرغ من ذلك يقوم بذكر ما لديه بطريقٍ إنشائي يستشهد فيه بالقرآن و السنة تارة و بالمنطق تارة أخرى بعد أن يكون قد أثبت بالعقل ما يريد من رأي و هذا مسلكه في كتاب الرد على المنطقيين و كذلك في درء التعارض.

    فنجده هنا وصل لنتيجة أخرى و هي أن ميزان الله هو القياس الصحيح [14]، و يذكر أن طريقهم لا يفرق بين الحق و الباطل بخلاف طريق الأنبياء[15]الذين يذكرون فيه القضايا التي فيها الحق قائما و أما الفلاسفة فسلكوا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيّ هو ما يعلمه المستدل[16]و أن نفس البرهاني هذا لو لم يعلمه سواه ما كان برهانيا ، فما استوى هنا عند المتنازعين برهان واحد.

    و بالنظر لهذا المطلب ، نجد أن موقف ابن تيمية الواضح هو رفضه الكلي في ظاهر كلامه لفلسفة اليونان ، و لم يكن الرفض مبنيا على الرفض لمجرد الرفض ، بل كان لديه الحجج التي قام عليها في حيثات رفضه ، بل ردّ فيها على كبار فلاسفتهم و  على فلاسفة الإسلام الذين تبنوا رؤى الفلسفة اليونانية كالرازي و ابن سينا و هو ما استفاض فيه أكثر في كتاب الدرء إلا فيما استثنيناه من نظرهم في ما هو غير الإلهيات.

    و قد كانت غايته من الكتاب الرد على قضايا و تصورات المنطق  و الصنيع نفسه كان في كتابه درء التعارض و هو إقامة الرد على جزئيات الدعوى ثم يذهب بعدها لإثبات أوليّة الكتاب و السنة في الحكم على الأمور كنتيجة يذهب لها و ستجدها تتحقق معه في معظم كتبه التي كانت قائمة على مُداولات الفكر الفلسفي و التعدديات الفكرية في وقته.

    و لا شك أن هذه السردية في النظر التيميّ تُخلصنا إلى عدة أمور تجعل من الناظر لتراثه المباشر في مداولة الفلسفة تجده لا يخرج عن هذه النقاط :

    ١-التأسيس العام لانطلاقات رفض لم تكن قائمة على الرفض نفسه و من ثم الإتيان بدليل على هذا الرفض و حسب بل كانت تقوم على تفكيك الدعوى عند الخصم و بالتالي الرد على جزئياته و من ثم توليد رد كلي من الجزئيات التي تم الرد عليها لدحض كامل الدعوى و شاهد هذا واضحٌ مثلا في الدرء

    و هو يُعلّق على رأي ابن رشد عندما قال الأخير ” وأما قوله خاصة على قول من يقول كل عرض حادث لأن التركيب يكون فيه عرضاً قديماً ” هُنا يقف ابن تيمية على هذه الجزئي و يبدأ بالرد عليه ساردا كل الوجوه التي تندرج تحت بُطلان الرد ، فتارة يأتي من حيثية صفات الله أنها ليست عرضية عند الأشاعرة و يذكر من يُسمي صفات الله عرَضا ، و بعدها يأتي بوجه آخر و هو أن كل عرض حادث ، ثم يأتي و يذكر حيثية أن العرض حكمه حكم الصفات و هكذا يسرد كل قول يُمكن أن يكون تعليقا على هامش كلام ابن رشد ، و يسرد البُطلان عليه و هذا هو المنهج الذي يكاد يكون سائدا في كثير من مواقفه التي اتخذها سواء مع الآمدي أو ابن سينا أو الشهرستاني و غيرهم من الذين سرد الرد عليهم.

    ٢- قامت سردياته في النصوص التي كتبها على رد ما لا يتفق معه قولا و إن خالف صاحب القول أو وافقه مذهبا ، فالمرّة التي تجده يُخالف ابن رشد فيها ستجده في موضع آخر يستشهد بكلامه و يصوّبه على ابن سينا في بعض المواضع كقوله في علو الله جلا جلاله[17] ، و هذا النفَس هو الحاضر في معظم ما كتبه فهو يقبل الدعوى إن وافقت الحق في نظره و يردّها إن خالفت ما يراه حقا ، فتجده يتفق مع الغزالي في موضع و يخالفه في آخر و يستشهد برد ابن رشد على ابن سينا و هكذا.

    4. المطلب الثالث: فرضية القول بعدم تأثر ابن تيمية بالفلسفة اليونانية إطلاقا :

    كما وجدنا فيما أوردناه من نماذج رده أنها لم تكن من قبيل الردود الإنشائية التي تقوم على المغالطات المنطقية أو على الحجاج السفسطائي فنجده مثلا في بداية كتابه عندما استهله بإيراده للقانون الكلي للفخر الرازي و الذي يقول فيه [18] “اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين وهو محال وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال وإما أن يصدق الظواهر النقلية ويكذب الظواهر العقلية وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهما غير مقبول القول ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول وإذا لم نثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة فثبت أن القدح لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معا وإنه باطل ولما بطلت الأقسام الأربعة لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال إنها غير صحيحة أو يقال إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل وإن لم يجز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق”

    فهو ينطلق الآن من مقدمات أساسية بنى عليها القانون الكلي و أهمها :

    • في حال مقتضى العقل خالف مقتضى النقل فيلزم تكذيب النقيضين و هذا محال
    • تكذيب العقل بتصديق النقل باطل.
    • صدق الظواهر النقلية و تكذيب ظواهر العقل و هذا باطل.
    • و يُقرّ أن صحة الظواهر النقلية لا تتم إلا من خلال الدلائل العقلية القطعية .

    فنجد الرازي هنا جعل أوليّة تقديم العقل على النقل هي الأساس في حال تعارض النقل مع العقل ، و يُؤول النص أو يُفوّض ، و هذه المادة الأساس هي في مُجملها ما قام ابن تيمية بالتفصيل فيه ، فنجد رده لم يكن قائما على رد إنشائي ، خارجا من مُحايثة كتاب الله و سنة رسوله و أنّ من تركهما فقد كفر ، بل قام بالرد على هذا القانون من خلال بنائه بأن ردّ على المقدمات الأولية عند الرازي ، فتجده يُخبر عن الرازي أنه بنى كلامه على مقدمات فاسدة و يدخل في بسط هذه المقدمات على النحو التالي :

    • ثبوت تعارض السمع و النقل مع العقل
    • انحصار التقسيم فيما ذكره الرازي
    • بطلان الأقسام التي ذكرها

    و المقدمات الثلاثة يراها باطلة [19] ، و قدّم عليها مقدمة من عنده ، فقال لو تعارض الدليلان :

     ( السمعي ، العقلي ) و كان كلاهما سمعي أو كلاهما عقلي أو هما مشتركان بين عقلي و سمعي ، فينبغي أن يكون أحد هذين الدليلين المشتركين يقينًا و الاخر ظنيا.[20]

    و قد رأى أن كليهما لو كان قطعيا و أحدهما يناقض الآخر ، فلا بد أن يكون واحد منهما غير قطعي أو كليهما ، أو أن يكون الإشكال في مدلول الدليلين ، و يرى تقديم إن كان كان أحدهما يقينا ، أن يتم تقديمه على الآخر الظني ، و إن كان كليهما ظني و تعارضا ، يترجع أحدهما على الآخر من خلال مُرجّح[21] .

    فنجد هنا أن ابن تيمية لم يُقدم النقل على العقل ، و لم يُقدم العقل على النقل ، في الحين الذي افترض الرازي تقديم العقل أصلا في حال التعارض ، و هو ما سلكه ابن سينا كذلك و وجه الإشكال هنا عند الفكر التيمي ، أنّه لا جزم في تقديم أحدهما على الآخر بل قد يكون مرة النقلي مقدما على العقلي أو الضد من ذلك [22] و التقديم المطلق للعقل هو طعن في مقام النقل[23].

    و يذكر في مقام آخر و هو يرد على قانون الرازي من عدة أوجه : ” و العقل يدل على صدق الرسول دلالة عامة مطلقة”[24] فهو هو يُسلم من خلال مقدمة كبرِى ” كل ما يخبر به الصادق يجب تصديقه ” ، ثم يتلوها بمقدمة صغرى “صدقية الرسول ” فبالتالي ينتج عن هذا تصديقي له و إن لم يكن في مدار  العقل إدراكه ، و هذا لو تطلعنا عليه هو قياس برهاني في المنطق الأرسطي و كثيرا ما يستعمله ابن تيمية في ردوده على الرازي و سواه كابن سينا و غيرهما.

    و يستعمل كذلك في سياق آخر للرد على الرازي  في معرض رده عليه ” فيُقال لهم قد عُلم بالاضطرار من دين الرسول و النقل المتواتر أنه دعا الخلق إلى الإيمان بالله و رسوله ، و لم يدعُ الناس بهذا الطريق التي قلت إنكم أثبتم بها حدوث العالم و نفى كونه جسما و آمن بالرسول من آمن به من المهاجرين و الأنصار ” و هو هنا يرد علا دعوى من قال ” لا يمكن أن يقبل من السمع ما يستلزم كونه جسما “[25] فنجده ها هنا استخدم القياس الجدلي من خلال مقدمتين ، الكبرى ” ما يدعو له الرسول حق ” و الصغرى ” الرسول لم يدعُ لهذه الطريق و آمن معه من آمن ” ، فالنتيجة أن هذا الطريق ليست بطريق الحق .

    و كذلك طريقه في كامل عرضه أنه يقوم بالمراوحة ما بين القياسين ، و الشاهد أنّا لو نظرنا لهذه الحيثية لنُدلّل من خلالها على تأثير المنطق الأرسطي على ابن تيمية من خلال عرضه للحجج و رده عليها لكان افتراضا بلا شك و يحمل في طيّه مطابقة للصواب أو مفارقته .

    و لكن لنقُم بتدعيم دعوانا أو نقضها بإيراد كلامه هو عن الفلسفة اليونانية و نسرد بعضا من ذلك :

     فنجده مثلا يقول ” لقد تأملت الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا و لا تروي غليلا “[26] و يقول في حديثه عن واجب الوجود “وكلام أرسطو وأتباعه باطل من وجوه ” [27] و ” وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سيناء، وأنا أناظره في هذا المقام”[28] و في مقام آخر يرى أن الفلاسفة أقرب لموافقة الأنبياء في الصفات الإلهية من الجهمية [29]و في موضع آخر يجد أن الطبيعيات  و كلامهم فيه في غالبه جيد.[30]

    و ما أوردناه هو جزء من موقف ابن تيمية تُجاه الفلسفة و لكن الذي أريد الاستدلال عليه هو إنصاف الرجل في نظره و توازنه مع المخالف ، فهو إن استقبح شيئا لا يرفض الحسن لأنه استقبح سواه بل نظرته تستقيم مع حُسن الشيء نفسه أو قبحه في وقوعه في ذات نفسه و قناعته به و هي بلا شك غالب النظرة التيمية مع الفلسفة اليونانية لذا سنجد أن موقفه معهم لم يكن موقف التابع الذي يجد فيها ضالّته بل كان موقفه أقرب للذي إن وجد فيها خيرا ذكره ، و لكن مع ذلك لا يعدّها مرجعا ينطلق منه بل انطلاقه دائما ما يكون من النص ، و حتى في مُحاجّته العقلية يكون النص حاضرا في ذهنه من مُنطلق أنه ما دام آمن قبلا بصحة النص فهو المُحتكم في المحاجّة العقلية و إن كانت المحاجّة قائمة على الجدل و المنطق.

    5. المطلب الرابع: أثر سيرة ابن رشد في بناءه الفكري و الفلسفي :

    لا شك أن ابن رشد و إن كان   السياق الزمني الذي وُلد فيه قبل ابن تيمية بما يقارب المئة و الخمسين عاما ، حيث وُلد في عام ٥٢٠هـ إلا أن الحال الذي وُلد فيه و الذي كان من سياقاته الموقع الجغرافي و هو مدينة  ” قرطبة ” حاضرة الإمارة الأموية بعد سقوطها في دمشق ، و قُرة عين الناصر و من بعده الحكم المستنصر ، و إن كان بينه و بينهما قرابة القرن و نصف القرن إلا أن أثر ذلكم الذي بدآه لم يكن بعدُ قد غاب ، ففي الوقت الذي كان ابن تيمية يُعاني من زحف المغول و تمدد الصليبيين فإن ابن رشد كان وسط هذه الطبقات المتتالية من النعيم الأندلسي ، و قبل الولوج في الاسترسال في سيرته ، إنى أود الإشارة لملمحين ،بالنظر لحال ابن تيمية لقد كان فكره ناشئا من أن الإسلام يُهاجم من كل مكان ،و كانت غايته سد تلكم الثغور أما ابن رشد فكان في وسط انفتاحي مُرفّه ، لم يكن محاصرا أو يعاني من زحف مغول و صليبين و إن كان في حينها قد سقطت طليطلة و سرقسطة و لكن لم يكن الانهيار الكبير قد بدأ يتضح ، بل كانت المراوحة في الحكم بين المرابطين و الموحدين توحي بشيء من المداولة في الحكم يجعل من تكوين ابن رشد ، و إن لم يكن سادّا للثغور التي تفتح فهو على الأقل لا يرى انهيارا تاما و حصارات كما هو الحال لدى ابن تيمية ، هذا التكوين المغاير بين الرجلين في الناحية النفسية ، و أستحضر معه أن كليهما نشأ في بيت فقهي ، الأول كان حنبليا نشأ في بيتٍ كان جده فقيها و أبوه فقيها ، فتشرّب الفقه وراثةً و معايشة ، و ابن رشد ما كان بدعًا من ذلك بل كان على السياق نفسه فنشأ في بيت مالكي ، و يكفيك أن جده هو ابن رشد ” الجد ” الذي لا زال لليوم واحدا من أساطين الفقه المالكي و أبوه كذلك كان من أهل الفقه و العلم .

    و إن كان ابن تيمية قد نشأ فقيها في زمن ضعف و انكسار فابن رشد و إن لم ينشأ في زمن الناصر أو الداخل إلا أن النشأة في زمن الموحدين الذين كانوا و المرابطين من قبلهم رافعين لراية الجهاد يجعل حالا من التوازن النفسي تتلقاها النفس مقابل ما يمكن أن يكوّنه سقوط المدن الأندلسية .

     إنّ هذا الذي تطرقنا إليه يُعطيك حال المُحايثة بين الرجلين و هو ما قرّره ما أنتجه كل واحدٍ منهما من كتب و ردود، و مما ينبغي الحديث عنه في ظل الكلام عن ابن رشد حالة التأثير التي كوّنها في السياق الأوروبي إبان العصور الوسطى و هو ما شكّ حركات فلسفية سُميت في حينها بالرُشدية ، و قد أعيد اكتشاف أرسطو من خلال شروحات ابن رشد عندما قامت أوروبا بترجمة ما كتبه عنه و يمكن النظر له على أنه قناة عابرة بين المنطق الأرسطي و بين أوروبا النهضة ، لم يكن الحال نفسه بالنسبة لابن رشد في سياق المجتمعات الإسلامية فقد كان النظر له متذبذبا بين المؤيد له و بين المعارض له ، و من ضمن أهم لذين عارضوه بلا شك هو ابن تيمية نفسه و من الذين عارضهم هو كان الإمام الغزالي ، حين كتب أحدهما تهافت الفلاسفة فردّ الآخر بتهافت التهافت و لم تكن الحالة السجالية هذه كما قلنا قاصرةً على قطبين أو شخصين بل كانت حالة عامة في المجتمع الإسلامي ممتدة على قرون ، فالغزالي من أهل القرن الخامس ، و ابن رشد في السادس ، و ابن تيمية في السابع و الرازي بينهما ، و كل واحد منهم تجده رد على الآخر و إن كان بينه و بين صاحبه عقودا من الزمن ، و شاهدُ هذا التهافتين و  كتاب الدرء الذي كان أساسه الرد على كثير من الرجال الذين يمثل كل  واحد منهم ظاهرة ما أو مذهبا عقديا أو فلسفيا و في الحين الذي أراد أن يُثبت ابن تيمية من خلال تناوله أن العلاقة بين العقل و النقل ليس علاقة تضاديّة بل علاقة لها مصدرية أوليّة و هي الخالق سبحانه فبالتالي تنفي هذه المُقدمة أي نتيجة تعارضية ما دام المصدر واحدا ، في مقابلها كان الموقف عند ابن رشد هو الموقف نفسه ألا تعارض بين الاثنين ، و لكن من حيثية وجوب النظر العقلي أولا فجعل العقل أساسا في حل التعارضات بين النص و العقل ، من خلال نافذة التأويل ، و الحق ( العقل ) ينبغي له إلا يكون ضد الحق ( النص ) بل ينبغي أن يكون هناك مُقاربة بينهما و لكنه جعل الأوليّة للعقل في مقابل الأولية للنص عند ابن تيمية و يكاد يكون هذا هو مكمن الفيصل بين الرجلين فيما بحثاه و إن كانت أولية الاتصال بين العقل و النقل حاضرة في نتيجة مُقدمة كل واحدٍ منهما.

    6. المطلب الخامس: النظرة الرشدية في الفلسفة اليونانية و تأثيرها عليه:

    إنّ الناظر لحيثية الحديث عن ابن رشد ، لا يستطيع التوقف عن الحديث عنه دون المرور من عتبة تأثير الفلسفة اليونانية عليه ، و هذا التأثير قد يُنظر له من منطق أن ما قدمه إنما هو حالة نقلية للفلسفة اليونانية أو حالة شارحة و حسب و لم يكن له فكره الخالص و قد ذهب طه عبدالرحمن هذا المذهب و قد يكون هذا الحال مع ابن رشد هو الحال فعلا ، و  قد لا يكون ، و ليست غايتنا في هذا البحث في إثبات ذلك أو نفيه مطلب.

    لقد ظلت الفلسفة اليونانية ، تتوازى مع النمو في الفكر الإسلامي و أقصد بالنمو . لا بحالة الصعود فيه بل حتى في حالة الهبوط ، كانت حالة من حالات المُلازمة بينهما حاضرة و لزوم هذه الحالة كانت من خلال المسلمين أنفسهم كفقهاء أو متكلمين تبنوا المدارس اليونانية ، و ظل هذا الحال حتى العصر الذي كان فيه ابن رشد، و بالنظر له و عن رأيه في أرسطو و الفلسفة فليس السياق معه هو إيراد كلامه عنهم فقد عمل ما هو أبلغ من ذلك  و هو أنه قد أفرد مؤلفات في تلخيص ما لدى أرسطو من منطق ، كالذي فعله في ملخصه البرهان الذي لخص فيه كتاب التحليلات الثانية لأرسطو ، غير شرحه للخطابه و سواهما من كتب المنطق الأرسطي ، و قد ذكرنا ما طلبه الأمير الموحدّي منه من أن يقوم بشرح متون أرسطو  و لا يخفى ما قام به من نقودات على حمل الغزالي على الفلاسفة في كتابه الشهير تهافت التهافت ، كل هذا ينبغي أن يكون حاضرا في اللا وعي و الواحدُ يقرأ الذهنية الرشدية .

    قد يكون أول ما يقف عليه من يريد المقارنة بين تأثير الفلسفة اليونانية على الرجلين ، أن يكون قد تصوّر مُسبقا أن ابن تيمية غرضه الجمود على النص ، و ابن رشد غايته الانفتاح على العقل ، و قد يكون هذا التصور حاضرا في الذهن ابتداءًا و لكن الناظر  لكتابات ابن رشد مثلا يجد أن ما قام به هو المحاولة التوفيقية بين النص و العقل ، لا من منطلق استحضار أن كل واحد فيهما يُضاد الآخر أو أن أحدهما ينبغي أن يسبق الآخر ، بل أن ضبط أحدهما ” النص” يحتاج للآخر ” العقل” و أن التأويل الذي ينحوه في ذلك هو إيجاد حالة الموائمة هذه ، و ما دام ” العقل ” ضابطًا لهذه المسألة التأويلية ، فالوصول لهذا ينبغي أن يكون من خلال الأدوات التي يفهم بها ذلكم الهقل ، و في نظره أن الفلسفة اليونانية قد بنت خُطة ناجعة من خلال المنطق الأرسطي و من خلال التراث الفلسفي اليوناني بما يمكن من خلاله فهم الحالة الأداتية للعقل، فمن خلال تلكم النافذة ينظر ابن رشد للفلسفة اليونانية ، لا بكونها ضابطةً لفهم النص أو أنّ النص لا يكتمل إلا بها ، بل لكونها تأطيرا مُحفزًّا لفهم الأداء العقلي الذي يُفهم النص من خلاله كما يقوله في فصل المقال بعد أن سرد أهمية النظر العقلي و القياس ” وكأن كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه، القدماء أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم. فننظر فيما قالوه من ذلك: فإن كأن كله صواباً قبلناه منهم، وأن كأن فيه ما ليس بصواب، نبهنا عليه” و هذا في ظني ما جعله شارحا لمتون أرسطو حتى سماه البعض ” الشارح الأكبر ” أو ” المعلم الثاني ” انطلاقا من حيثيته قبوله ما كان صوابا من قولهم و رفضه ما كان باطلا .

    إن هذا السياق هو ما ينبغي النظر من خلال للنفَس الرُشدي من استصحاب حالٍ من الفهم و الانفتاح لا بحال من الرفض و ضربه بأنه ذلك المنبهر بنموذج الآخر و أنه كان سائل اللعاب في النظر لفلسفة اليونان ، و إن ما يعزز ذلك هو مرجعيته الفقهية و هذه المرجعية لا تقوم بها النظرة للفلسفة بشكل تسطيحي و زيادة على ذلك ، هو لم يكن فقيها و حسب ، بل كان جزءا من سلسلة فقهية مالكية من جده إليه ، و إن كان رفض بعض المالكية الاستدلال به لانشغاله بالفلسفة هو حالٌ عام في المذاهب الفقهية و رفضها الاشتغال بالفلسفة و لكنّ هذا لا يقدح بلا شك في “فقهيته ” و هو في الفقه لم يكن فقيها و حسب بل إنه لم يكتفِ بالكتابة من عنديّته كما في كتابه الأشهر بداية المجتهد و نهاية المقتصد بل مدّه بتلخيصه للمستصفى للغزالي في علم الأصول ، الغزالي الذي كانت العلاقة بينه و بين ابن رشد فيها من البواعث مافيها ، و تهافت الرجلين شاهد على هذا ، و لكن مع ذلك لخص أحدهما كتاب الآخر كما لخص ما لخص من المنطق الأرسطي و  هذا النفَس الذي أقدم به ابن رشد هو ما يجعل في نفسي كباحث حالة توازنية و أنا أنظر له لا منبهرا بنموذجه ، و لا مُرجحا لان تيمية عليه لأنه  ” شيخ الإسلام ” بل لأن الحق أحق أن يُتبع.

    و حيثيات تأثير  الفلسفة عليه أوسع من أن نحصرها في بحثنا و لو في المُتسع من مقام لفعلنا ، و لكن مع ذلك هو لم يوافقها على عمًى بل خالفها في بعض ما ذهبت له و حتى حين وافقها كان له أصل ينطلق منه فمثلا نجده عندما تكلم عن أنّ النظر بالعقل للموجودات هو من واجبات الشرع ، و أن استنباط المجهول من المعلوم هو القياس الذي أراده الشرع٢[31] فهو هنا يوافق بلا شك أرسطو حين قال[32] ” فأما القياس فهو قول إذا وُضعت فيه أشياء أكثر من واحد لزم شيءٌ ما آخر من الاضطرار لوجود تلك الأشياء الموضوعة بذاتها ” و هذه الموافقة هي ذات القياس الفقهي الذي نعرفه و الرائي له من منطقية أرسطو قد يقول أن ابن رشد تأثر به و قد نذهب بهذه الفرضية أن تأثر ابن رشد فيه كان من كلام أرسطو لا من عندية كونه فقيها ، إلا أن هذه قد تكون مشتركة بين التأثيرين و في الحين الذي يرى الفقهاء حُرمة الفلسفة و عدم الندب إليها في أحسن الأحوال فإن ابن رشد يجد وجوب تعلمها[33] و  يرى أن القياس العقلي هو أداة كأداة التذكية فإن كانت صناعتها من غير مسلم أو غير كتابي هل تحرم الذبيحة ؟[34] فبهذا هو يؤطر من خلال نظره لحيثية أن المنطق و القياس ما هما إلا أداتان و يحسن حالهما بحسب حال المُستعمل لهما.

    و قد جعل مانع النظر في كتب الفلسفة كمن منع الماء عن العطشان لأنه رأى من شرِق بالماء فمات[35] و يجده مثلا يتناول ما كفّر به الإمام الغزالي للفلاسفة في أقوالهم بقدم العالم ، و عدم علم الله بالجزئيات و تأويلهم الحشر و المعاد[36] و قد قام بالردّ على كل واحدة من هذه الاعتراضات فمثلا في قدم العالم رأى أن الاختلاف بين الأشاعرة مثلا و الفلاسفة[37] إنما هو اختلاف في التسمية .[38]

    لذا نجد أن ابن رشد قد استقام له المنسم في عدم أمور سنوردها في نتائج هذا البحث.

    7. النتائج و المآلات

    بعد استعراض سيرة كلا العالمين و السياق الذي خرج كل واحد فيهما منه ، نخلص لمجموع من النتائج التي تم بناؤها على دراستنا لهما و من ضمنها :

    • ينطلق ابن تيمية في مادة نظره للفلسفة اليونانية من مُنطلق النديّة الرافضة ، و هذا الرفض ليس لرفض الآخر المُغاير بل هو منطلق من فكرة أن ما لدى المُنظّر المسلم ما يكفيه من أدلة و براهين يمكن له التعويل عليها في تكوين رؤيته الفكرية و أعلى هذه الرؤى هي الاستلهام من النص الشرعي بمساريه ( القرآن – السنة ) و أن هذين الأصلين لا يُحتاج لفهمهما للفلسفة اليونانية أو للمنطق الأرسطي و إن كان يرى صحة بعض ما ذهبت إليه كالنظر في الطبيعيات إلا أنه يُخالفها في الإلهيات بشكلٍ أساس.
    • تنطلق نظرة ابن تيمية من رؤية دفاعية في وسطٍ كان الإسلام فيها مُمزقا من الناحية العقدية و من الناحية السياسية فكان موقفه مُعبّرا عن التحصين الداخلي الذي يريد من خلاله أن يقوي الارتباط بما لدى المفكر المسلم بدايةً و ينفي أي شبهة عن التعارضات التي يُمكن للذهن أن يتصورها في شأن التدافع بين العقل و النقل و من هذا المنظور كان ينظر للمنطق اليونانية و الفلسفة اليونانية أنهما صارفان عن النظر للأصل – و هو الوحي – ، الأصل الذي يُغني عمّا سواه.
    • نظر ابن تيمية للعقل و النقل أن مصدرهما واحد ، فكما أن العقل مصدريته من الله الخالق من العدم ، فالنقل مصدريته وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، فنفى بهاتين المقدمتين أي نتائج يُمكن لها أن تُبنى على أي تعارض بين الاثنين ، و أحال التعارضات لمنظومة نقص إما في صحة النقل أو فهم العقل و قد استعمل المنطق الأرسطي. و لا يمكن الجزم بحيثية استعماله من تأثره به أو من عدمه حيث أن الخلفية الفقهية و الأصولية التي لديه تُزاحم ذلكم الجزم و لو قبلها لذكر ذلك القبول كما أوردنا اتفاقه مع بعض مخالفيه كما اتفق في بعض المواضع مع ابن رشد مثلا و ذكر الفلسفة اليونانية في بعض المسائل أنها أصابت أكثر من الجهمية فلو أخذ المنطق منها لما نفى ذلك و أنكره.
    • يقوم ابن رشد في الطرف المقابل بالانطلاق من النظر للفلسفة اليونانية بوصفها حكمة ، و أن هذه الحكمة نظرٌ عقلي ماهو إلا أسلوب أداتي يُساعد العقل على التصوّر و المُسلم أولى بالاستلهام من ذلكم النظر ما دام سيُعينه على فهم النقل أكثر.
    • ينظر كذلك للطرف اليوناني على أنه ” حكيم ” و أن الاستلهام منه هو جزء من عملية استعمال أداة النفع ، فإن كان صانعها مسلما أو مُشركا فهذا لا يقطع بحلّها أو حُرمتها بل هو يرى وجوب النظر في الفلسفة و يُنكر على من أنكر ذلك.

    8. الخاتمة

    ينحى كلا الرجلين نفس المنحى تقريبا في المقاربة النتائجية في أن الأصل هو الوحي ، و لكن الأساس في التفريق بينهما أن ابن تيمية يرى أصالة النص أولّا في التلقي فهمه العقل أو لم يفهمه فالقدح في العقل انتهاءً إن كان ابتداءً غاية النص لم تصل للعقل فحكم بهذا على قصور العقل و في مقابله خرج ابن رشد بمخرج التأويل من ذلكم التصوّر في حال التعارض بين المصدرين ( العقل و النقل ) و كلا المنظومتين الرُشدية و التيمية كل واحدة منهما كانت لها غاية في ربط النقل بالعقل و تأكيد صيرورتهما لغاية واحدة و لكن النظر التيمي كان يؤسس بشكل أو بآخر لنمط فكري إسلامي داخلي يُعزز ذلك ما كتبه بينما الذي كان عند ابن رشد كان استكمالا للمسار اليوناني ، فالأول كان ينظر لما عندنا باستقلال عما عندهم ، بينما الثاني كان يراه امتدادا و لذا في رأيي كان ابن رشد قناة الوصل مع النهضة الأوروبية .

    المراجع

    1. أرسطو، ترجمة أحمد الأهواني، النفس، مصر، المركز القومي للترجمة، 2005.
      1. أرسطو، ترجمة أحمد الأهواني، التحليلات الأولى، مصر، المركز القومي للترجمة، 2005.
      1. الغزالي، أبو حامد، تهافت التهافت، مصر، دار المعارف، 1980.
      1. العقاد، عباس محمود، ابن رشد، مصر، مؤسسة هنداوي، 2018.
      1. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، درء تعارض العقل والنقل، السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979.
      1. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الرد على المنطقيين، السعودية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979.
      1. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، السعودية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2005 (1426هـ)
      1. موسى، محمد يوسف، ابن تيمية، مصر، مؤسسة هنداوي، 2022.
      1. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، غير محدد، دار التربية والتراث، دون سنة نشر.
      1. ابن رشد، محمد بن أحمد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، مصر، دار المعارف، 1972.
      1. الشلاقي الشمري، سعد بن دبيجان بن ضبعان، موقف ابن تيمية من الفلسفة، مصر، مجلة كلية البنات الإسلامية بأسيوط، 2019.
      1. الوشاحي، محمد عبد الجليل عبد الصادق، الاتجاه العقلاني في رؤية ابن رشد للنبوة والمعجزات، المغرب، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2023

    [1] و المرور على التراث التيمي لدى المذهب الحنبلي قد لا يكون أساسا في جانب الفتاوى كما هو الحال مثلا مع المراجع الأساس في الفقه الحنبلي ، كالزاد للبهوتي أو الروضة ي الأصول ، إلا أنّ المرور من بوابته أساس لأي واحد يروم التأطير الفكري و العقدي بلا شك.

    [2] و إن كان النظر له عند المالكية على مسارين فمنهم من ينظر له فاصلا جزءه الفلسفي عن الفقهي ، و منهم من يرفض الفقهي أو لا يطيب له ، تفاعلا مع رفضه لخلفيته الفلسفية و تأثيرها عليه.

    [3]   محمد يوسف موسى. ابن تيمية. القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2022، ص. 57.

    [4] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، مجلد 1، ص. 14.

    [5] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، مجلد 1، ص 40.

    [6] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، مجلد 1، ص. 51.

    [7] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، ص. 328.

    [8] المرجع السابق، ص. 49.

    [9] المرجع السابق، ص. 74.

    [10] المرجع السابق، ص. 81.

    [11] المرجع السابق، ص. 177.

    [12] المرجع السابق،  ص. 220.

    [13] المرجع السابق، ص. 224

    [14] المرجع السابق، ص 41.

    [15] المرجع السابق، ص. 516.

    [16] المرجع السابق، ص 124

    [17] ابن تيمية. درء تعارض العقل والنقل. ج6، تحقيق محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979، ص. 245.

    [18] فخر الدين الرازي، أساس التقديس، تحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: مكتبة الكليات الزهرية، 1995)، الفصل 21، ص. 130.

    [19] ¹ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، مجلد 1، ص. 125.

    [20] المرجع السابق

    [21] المرجع السابق، ص. 126.

    [22] المرجع السابق ، ص. 131.

    [23] أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1979)، مجلد 1، ص. 168.

    [24] المرجع السابق، ص 139

     

    [26] المرجع السابق، ص 184

    [27] المرجع السابق، ص. 139.

    [28] أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، مجلد 1، ص. 37، (الرياض: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1426هـ

    [29] ¹ ابن تيمية. الرد على المنطقيين. تحقيق محمد رشاد سالم، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990، ص. 323.

    [30] ¹ ابن تيمية. مجموع الفتاوى. ج9، دار عالم الكتب، بيروت، 1991، ص. 125.

    [31] أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة (القاهرة: دار المعارف، 1972)، ص. 23.

    [32] أرسطو. التحليلات الأولى. تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت – وكالة المطبوعات، الكويت، 1980، ص. 142.

    [33]  ابن رشد. فصل المقال. تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة، 1963، ص. 24.

    [34] المرجع السابق، 26

    [35]  المرجع السابق

    [36] المرجع السابق، ص. 36-37

    [37] و الذين يكرر تسميتهم حكماء  انطلاقا من أن الفلسفة هي محبة الحكمة

    [38] ابن رشد. فصل المقال. تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة، 1963، ص. 40.

  • حول التقدم في العلم والفلسفة: حوار تلفزي مع رودولف كارنب

    حول التقدم في العلم والفلسفة: حوار تلفزي مع رودولف كارنب

    ترجمة أحمد فريحي

    إعادة الكتابة والتَّرجمة: أحمد فريحي

    تقديم

    عُرض هذا الحوار على قناة غيلسن أوليغاريو،[1] منذ خمس عشرة سنة. ويتألف من ثلاثة مقاطع ڤيديو: المقطع الأول بدون صوت، وقصير جدا، ولا يتعدى طوله ثمانية وثلاثين ثانية؛ يصوِّر رودولف كارناپ[2] جالسافي مكتبه، وهو يتصفَّح سفرا كبيرا، ونظن، على الغالب، أنّه كتاب “البناء المنطقي للعالم”؛ والمقطع الثاني، طُوله إحدى عشرة دقيقة واثنين وعشرين ثانية؛ أما المقطع الثالث، فطوله تسع دقائق وثمانية وثلاثين ثانية. وقد أشار صاحب القناة إلى أنَّ هذا الحوار أُجري مع كارناپ على التليفزيون الألماني سنة 1964،[3] أي قبل ست سنوات من وفاته. وقد أَجرى معه الحوار الفيلسوف والكاتب الألماني ڤيلي هوخكيپيل.[4]

    تميَّز هذا الحوار الفلسفي العميق بالهُدوء وبالتَّسلسل المنطقي، وبدقة الوصف، الَّذي طبعَ حديث كارناپ فيكلِّ مَراحله؛ وتميَّز كذلك بذكاء السُّؤال واقتصاده، وحُسن التَّدخل، الَّذي طبعَ التَّدخلات القليلة والهادفة للمحاور ڤيلي هوخكيپيل. ورغم قِصر مدة هذا الحوار، والَّتي لا تتجاوز عشرين دقيقة، فإنَّه مفيد للغاية؛ لأنَّه يكشفُ عن جوانب من فكر كارناپ الدَّقيق والعميق بلغة سلسة وبسيطة، وقابلة للاستيعاب لمن لهم زاد قليل في الفلسفة والعلم. كما أنَّ كارناب في هذه المرحلة، أي في سنة 1964، كان قد حقَّق نوعا من النُّضج الفكري، الَّتي سمحت له بتبسيط أفكاره، والتَّعبير عنها بدقة.

    وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحوار أجري باللغة الألمانية، والترجمة التي نقدمها له هنا، ليست ترجمة من الألمانية، وإنما هي ترجمة للدبلجة الإنجليزية المكتوبة على الشاشة؛ ولا أظن أنها تنقص من معاني كارناپ، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه رجل علم، ورجل منطق، ويستعمل الألفاظ الواقعية والواضحة، ويتحاشى الألفاظ الميتافيزيقية الغامضة؛ كما أنَّ صياغته للجملة تكون مركبة وفق النَّحو المنطقي (البناء المنطقي للجملة)، الَّذي يجعلها قابلة للترجمة لأيِّ لغة مهما كانت، وكأنها رموز كونية، كالرموز الرياضية أو الرموز الموسيقية. فمع لغة كارناپ لا يمكن الحديث عن الخيانة في الترجمة، وإنما هي ترجمة صادقة وأمينة ودقيقة، لأنَّها بعيدة عن ترجمة لغة المشاعر، الَّتي نجدها في الشعر والأدب بشكل عام، والتي تحتمل التأويل؛ وبعيدة كل البعد عن لغة الغموض والضبابية التي نجدها كثيرا في لغة الميتافيزيقا؛ وبعيدة عن لغة الاشتراك في اللّفظ والاختلاف في المعنى، ولغة المجاز المحمولين على تعدد المعنى.

    يمكنُ حصر القضايا الّتي يجيبُ عنها الحوار في الأسئلة الآتية: هل يمكنُ الحديث عن تقدُّم في الفلسفة يضاهي التّقدّم في العلوم؟ لم فشلت الفلسفات الكلاسيكية في تحقيق تقدّم، ونجحت العلوم في تحقيقه؟ كيف يمكن النّظر إلى الفيلسوف الميتافيزيقي، بان الأنساق الميتافيزيقية؟ وكيف يمكن النَّظر إلى الفيلسوف الّذي يؤسس مذهبَه على أسس منطقية وتجريبية؟ ما الفرقُ بين العلم الحديث والفلسفة الكلاسيكية؟ لم يقتضي تحقيق تقدّم في الفلسفة الاعتماد على المنطق المعاصر (منطق فريݣه وراسل) وإهمال المنطق الأرسطي القديم؟ كيف ساهمَ منطق فريݣه في تحويل العبارات من الصّياغة المُختلة إلى صياغة إشارية المضمون المعرفي، وسليمة من حيث التّركيب النّحوي المنطقي؟ كيف ارتبطت نشأة المنطق المعاصر بأزمة الأسس في الرّياضيات؟ كيف يمكن التّمييز بين الهندسة الرّياضية والهندسة الفيزيائية؟ كيف ساعدت الهندستين غير الإقليديتين (هندسة ريمان، وهندسة لوباتشوفسكي) في تأسيس النّظرية النّسبية عند ألبرت آينشتاين؟ ما هو علم الدّلالة؟ وما دوره؟ وما الفرق بين علم الدّلالة اللُّغوي وعلم الدّلالة المنطقي؟ لمَ الحاجة إلى المنطق الاستقرائي؟ وما الفرق بينه والمنطق الاستنباطي؟ كيف ارتبط المنطق الاستقرائي بحساب الاحتمالات؟ لمَ يحتاجُ الفيزيائي الألمعي إلى عقل نبيه وإلى فكرة عبقرية؟ كيف يمكنُ تقديم نظرية الاحتمالات؟ كيف يمكنُ تناول القضايا القيمية: الأخلاقية والجمالية؟ هل احتكار الفلاسفة الحق في تحديد القيم كقيمتي الخير والشر، وقيمتي الجميل والقبيح حق مشروع علميا؟ لمَ يجب التّمييز بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية؟ لمَ يجبُ البدء بمناقشة القضايا الواقعية والحسم فيها قبل مناقشة القضايا القيمية؟

    كلُّ شخص يشاهد الحوار بعينين نافدتين، ويسمعه بأذنين صاغيتين، ويتذكر كيف نحاور بعضنا بعض، إلا ويعتبره درسا في أدبيات وأخلاقيات الحوار، من جهة المُحاور، ومن جهة الذي يجرى معه الحوار: فالاقتصاد في اللغة، وتجنب الإسهاب؛ والارتباط بالموضوع، وتجنب الحديث عما ليس له علاقة به، والابتعاد عن الاستطرادات غير المجدية؛ واعتماد منهجية محددة العناصر، جعلت النقاش منظما، وبعيدا كل البعد عن الارتجال والعشوائية؛ والكلام الحكيم والهادئ، الذي يخاطب العقول، وتجنب البلاغة والصخب اللفظي المؤثر في العواطف؛ وحسن الكلام، وحسن الإنصات، وحسن التدخل، وحسن الرد…كلها خصائص ميزت هذا الحوار الذي نفتقده.

    إليكم نص الحوار، وأرجو أنْ أكون موفقا في نقل مضامينه:     

     النص المُترجم

    ويلي هوخكيپيل: هناك تقدُّمٌ ملحوظٌ في العلوم، كما هو معلوم. أمَّا الفلسفة، فحالُها ليس كحال العلوم بالضَّرورة؛ لذلك نجدُ كثيرا من الفلاسفة يرفضون رفضاً باتاً فكرة التَّقدم في الفلسفة. استنادا إلى رأيك، الأستاذ كارناپ، هل ترى أيَّ تقدُّم في الفلسفة يُوازي فكرة التَّقدم في العُلوم؟

    رودولف كارناپ: نعم، أعتقد أنَّه من العدل أنْ نتحدَّث هنا عن تقدُّم في الفلسفة. وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسُّؤال الأول الَّذي طرحتَه فيما يتعلق بالطَّابع العلمي للفلسفة. فهذا الطَّابع العلمي يسمحُ بتعاون مختلف النَّاس؛ لأنَّه لم يعد الفلاسفة مقيدين كثيرا بفلسفات الحوار الذاتي، أي أنَّه لمَّا يُعلن الفيلسوف ويصرِّح برؤيته الفلسفية العظيمة في نسق فلسفي محدَّد، فإنّه يُمكن للآخرين قبول هذا النَّسق أو رفضه. فإذا كان في العلم، يكمنُ جوهر التَّقدم في استمرار مختلف النَّاس في العمل على المَهمة نفسها عبر مرور الأجيال، من خلال نقل النَّتائج ووضع التَّحسينات، وإضافة التَّكميلات، فإنَّ هذا ممكنٌ الآن أيضًا في الفلسفة من خلال موضوعية أشد صرامة. وأعتقد أنَّه ينبغي هنا، من خلال جُهودنا الرَّامية إلى تقديم لغة فلسفية أفضل، التَّركيز على فهم معانِ المفاهيم. ففي الماضي، كانَ لكلّ فيلسوف مفاهيمُه الخاصة، وكان كلُّ فيلسوف يبدعُ مفاهيم مختلفة مطلقاً عن الآخر.

    هوخكيپيل: وكان كلُّ واحد منهم فخورا بمفاهيمه الخاصة.

    كارناپ: نعم، بالطَّبع، لقد كان ذلك إبداعاً فردياً؛ مثَلُه مثل إبداع سيمفونية، إذ لا يقومُ شخص آخر بتأليف ولا حركة موسيقية ثانية فيها عدا صاحبها. فكلُّ شيء فيها إبداعٌ فردي. أمَّا في مجال العلوم، فإنَّنا نجد تعاونا، وهذا التَّعاون لا يقتصرُ على العلوم فقط، وإنَّما يطالُ أحيانًا الفنون. فعلى سبيل المثال، عند التَّفكير في بناء كاتدرائية [كنيسة عظيمة]، نجد تصميما عامًا للمبنى برُمته، والَّذي قد يُعدّل أحيانًا أثناء عملية البناء، ثم تُنفّذ الأجزاء الفردية منه. وفي هذا السِّياق، تُولى أهمية بالغة في بنائها للدقة الفنية والإتقان، وبدونهما ستنهارُ الكاتدرائية. لذلك، نعتقدُ أنَّه في الفلسفة يجب أيضاً أنْ يتم الأمر على هذا النَّحو، إذ يصبحُ التّعاون مُمكناً من خلال صياغة أكثر دقة لآليات التَّحليل. ونرى أنَّ المنطق هو أهم آلية من آليات التَّحليل الفلسفي؛ ولا نقصدُ بالمنطق هنا المنطق التَّقليدي القديم عند أرسطو، الَّذي ظلَّ دون تغيير خلال القرون الوسطى، وإنَّما نقصدُ المنطق الحديث، الَّذي يستعملُ الرُّموز. فهو آلية للتحليل الدَّقيق للمفاهيم، والعبارات، والعلاقات بين العبارات داخل نسق ما، ليُصبح كنظرية علمية. فبحلول نهاية القرن السَّابق [أي نهاية القرن التَّاسع عشر]، ظهر عالم الرّياضيات الألماني ݣوتلوپ فريݣه، ثم في بداية قرننا هذا [أي بداية القرن العشرين]، ظهر عالم الرّياضيات الإنجليزي برتراند راسل، وقد بيَّن كلُّ واحد منهما أنَّ الرّياضيات يمكن ردُّها إلى المنطق، أي أنَّه يمكنُ تعريف كلّ المفاهيم الرّياضية بناء على مفاهيم منطقية؛ ويمكن ردُّ كلُّ المبرهنات الرّياضية إلى مبادئ المنطق. فالمنطقُ المُتحدَّث عنه هنا لا يشيرُ إلى المنطق التَّقليدي، كما ذكرت سابقاً، وإنَّما يشير إلى المنطق الحديث.

    هوخكيپيل: إنَّك تقصد هنا البناء المنطقي [اللوجيستيكا]، أو المنطق الرِّياضي، أو المنطق الرَّمزي.

    كارناپ: نعم هذا هو المقصود، وقد تجلى ذلك في هذا السّياق. فقد بيّن فريݣه، على سبيل المثال، أنَّ مفاهيم الأعداد الطَّبيعية المُختلفة نحو: واحد، واثنان، وثلاثة، إلخ، يمكن التَّعبير عنها باصطلاحات منطقية خالصة. فالعبارة الَّتي تقول: “عددُ الكتب على تلك الطَّاولة اثنان”، يمكن تحويلها إلى العبارة الآتية: “يوجدُ شيءٌ على تلك الطَّاولة، وهو كتاب؛ وهناك شيء آخر غير مطابق للشيء الأول موجود أيضًا على تلك الطَّاولة، وهو أيضًا كتاب”؛ وهذا يعني نفس معنى العبارة الَّتي ذكرت آنفا، والَّتي تقول: “عددُ الكتب على تلك الطَّاولة اثنان”. إذن، فالعدد “اثنان” يعرَّف باستعمال ألفاظ منطقية نحو: “كل”، و”يوجد”، و”مطابق لـ”… وباستعمال مفاهيم أخرى تنتمي إلى المفاهيم الأساسية للمنطق الحديث. وعلى غرار ذلك… وهذا الأمر أكثر تعقيدًا بعض الشيء… فكلّ العمليات الرّياضية المجراة على الأعداد، سواء كانت أعدادا حقيقية، أو أعدادا مركبة، أو دوالا عديدة، إلخ قائمة على المنطق، وكذلك نظرية الأعداد ودوالها برمتها قائمة على المنطق.

    هوخكيپيل: لتجنب سوء الفهم، هل لي أنْ أشير إلى أنَّ فريݣه كان عالم رياضيات؟ فإذا قلنا إنَّ الفلاسفة، إنْ صح التَّعبير، نجحوا في رد الرِّياضيات إلى منطق، فقد يُفهم على سبيل الخطأً أنَّ فريݣه، الَّذي ساهم في التَّوصل إلى هذه النتيجة، كان عالم رياضيات. ولكن في هذه الحال، ونظرًا لأهمية الأسس، فهل يُمكننا أن نُطلق عليه لقب فيلسوف بالمعنى المُحدَّد؟

    كارناپ: نعم، لطالما اعتُبر المنطق مَهمةً يقوم بها الفلاسفة. لكن ما يلفت النَّظر هو أنَّ المنطق الجديد لم يُبتكر على يد فلاسفة متخصصين، وإنَّما ابتكر من قبل علماء رياضيات كانوا في حاجة ماسة إلى آلية أدق لحل ما يُسمى بمشكل الأسس في الرّياضيات. أمَّا في الهندسة، فالوضع أكثر تعقيدًا، ممَّا أدى إلى النَّتيجة الَّتي نراها اليوم بوضوح. لقد تم التَّوصل تدريجيًا إلى وجود نظريتين مختلفتين تمامًا في الهندسة. فعلى الرّغم من أنّ كلّ واحدة منهما تتحدّث عن النّقط، وعن الخطوط المستقيمة، وعن السُّطوح، وعن المثلثات، وعن الدّوائر، وما إلى ذلك، فإنّ لكلّ واحدة منهما تأويلات مختلفة. فهناك هندسة تنتمي إلى الرّياضيات، ولا تتعلق بالمكان الفيزيائي الّذي نعرفه، ونطبقها عليه في الفيزياء، حيث تتحرك الأجسام وتتراصف جنبًا إلى جنب، وما إلى ذلك، وإنّما يتعلق بالهندسة الرّياضية، ويتعلق ببنية صورية مجردة، تُبنى وفقًا لتعريفات محدّدة، مثل كونها ثلاثية الأبعاد ومتصلة، ولها سمات بنيوية محدّدة ننسبها إلى المكان الفيزيائي، وكلّ هذه السّمات يعبّر عنها على نحو تجريدي خالص، ولا يوجد حديث فيها عن الأجسام. لذلك، يجبُ علينا التّمييز بوضوح بين هذا النوع من الهندسة عن الهندسة الفيزيائية، التي تُعد جزءًا من الفيزياء. فهذا يجيب عن الإشكال المتعلق ببنية المكان، وبمكان حدوث الظّواهر في المستقبل، وهذه النّظرية من نوع مختلف تمامًا، إذ تُشير أيضًا إلى النّقط، والخطوط المستقيمة، والمستويات، والدّوائر، والكرات، وما إلى ذلك، لكنها تدل على شيء ينطبق على الطّبيعة. لذلك يتطلب الأمر بحثًا تجريبيًا. وتجدر الإشارة إلى أنَّ ألبرت آينشتاين أسس في عصرنا هذا نظرية النّسبية على بنية هندسية غير إقليدية، ومن خلال تأكيد نظريته بناءً على بعض الملاحظات، تم إدراك أهمية تينك الهندستين الأخريتين، ليس باعتبارهما مجالا يلعبُ فيه علماء الرياضيات فقط، وإنّما من جهة أهميتهما الفيزيائية. لقد كان ذلك مثالًا على تطور وتوضيح طبيعة الهندسة فيما يتعلق بفرعيها، الفيزيائي، والرّياضي.

    هوخكيپيل: هل يمكنُ اعتبار هذا بمثابة نقطة تقدّم في الفلسفة الحديثة؟

    كارناپ: نعم، وكمثال أخير، أود أنْ أذكر علم الدّلالة، الّذي يُعرَّف في الفلسفة بأنّه نظرية تعنى بمعاني الألفاظ والجُمل، إذ يُبين، على سبيل المثال، أنّ ألفاظ اللُّغة الفرنسية لها هذا المعنى أو ذاك، وهكذا. أمَّا الآن، فقد بُني علم الدّلالة بمعنى مختلف، ويُطلق عليه أحيانًا علم الدّلالة المنطقي، باعتباره نظرية تعنى بالعلاقة المنطقية بين المعاني المُحتملة. وخلافا لعلم الدّلالة اللغوي، فإنّ هذا النّوع من علم الدّلالة ليس فرعًا تجريبيًا واقعيًا، وإنّما هو فرع منطقي خالص؛ يُجيب، على سبيل المثال، عن السُّؤال الآتي: “إذا عُلم معنى كلّ لفظ وارد في الجملة، وإذا علم دور كل لفظ في تركيبها النحوي، فكيف يُحدَّد معنى الجملة برمتها؟” فمن البديهي أنَّه يجب تحديده على وجه القطع. وتتمثل مَهمة الجُمل المنطقية في تحليل ذلك، وتحديد القواعد التي تحدد المعنى. ثم إنّ علم الدّلالة المنطقي حقّق لأول مرة في التّاريخ تعريفًا أكثر دقة لمفهوم الصّدق في الجملة أو العبارة، وهو ما يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالدّلالة، لأنّ شروط صدق العبارة هي نفسها معنى العبارة؛ فإذا فهم المرءُ العبارة، وإذا طابق معناها، فإنَّه يعرف في ظل أي شروط تكون صادقة أو كاذبة.

    هوخكيپيل: حسناً، إذا كانت هذه بعض المجالات المُهمة، الَّتي تميِّز التقدّم في الفلسفة، فما هي، في نظرك، المَهام المحدَّدة الَّتي تراها للفلسفة في المُستقبل القريب؟

    كارناپ: حسنًا، أعتقد أنَّني سأبدأ بالحديث عن المنطق الاستقرائي. فهو أكثر ملاءمةً لي. وكما تعلمون، فقد انصبّ اهتمامي عليه بالخصوص في السَّنوات الأخيرة. إنَّ المنطق الاستقرائي يختلفُ عن المنطق الاستنباطي في كونِه لا يعنى بالاستدلالات اليقينية، وإنَّما يعنى بالاستدلالات الَّتي تنطوي على عدم يقين، والَّتي لا تصح إلاّ بالاحتمال. فلَّما يمتلكُ عالم الأرصاد الجوية، على سبيل المثال، تقارير سنوات عدة عن حالة الطَّقس في مكان وبيئة محدَّدين، ويريدُ التّنبؤ بحالة الطَّقس لليوم التالي، فإنّه، من جهة، تكونُ لديه معطيات مؤكدة، وهي نتائج لملاحظات سابقة، وتكونُ لديه، ومن جهة أخرى، فرضية، من قبيل: وجود عاصفة رعدية، أو ما شابه، وهو أمرٌ غير مؤكد، أي فرضية عملية غير معروفة. ففي هذه الحال، لا يمكننا بالطَّبع بناء استنتاجات مؤكدة. لكن ربما يمكننا القول حينئذ إنَّ احتمال حدوث عاصفة رعدية حاصل أو غير حاصل. ولا يزالُ هذا الأمرُ محل نقاش، لكنّي أكثر تفاؤلاً، وأعتقد أنّه يمكننا تحديد الاحتمال عددياً. وقد نتمكَّن من تحديد القيم العددية للاحتمال، إذا توفرت لدينا معطيات محدّدة من جهة، وتوفرت لدينا فرضية تشير إلى شيء مجهول من جهة أخرى.

    هوخكيپيل: هكذا يكون الأمر ، فكما هو مفترض في كثير من الحالات، فإنَّ المنطق الاستقرائي، بمعنى ما، يهيمن على الفكرة، وعلى الإبداع، وعلى البحث عن الوسائل والمناهج الخاصة بالباحث التجريبي، أي، بعبارة أخرى، يهيمن عليها بواسطة آلة تضمن الإبداع، وهذا ليس بأيّ حال من الأحوال ما يفترض أنْ يعنيه ذلك.

    كارناپ: لا بالتأكيد، لأنَّه لا يمكن تطبيقه وفقًا لقواعد قارة. لقد كان لدى آينشتاين نفس المعطيات التي أتيحت لكلّ الفيزيائيين الآخرين، لكنَّ الإلهام العبقريٌ جعله يرى أنَّ بنيةً فيزيائيةً مختلفةً تمامًا يمكنها تفسير المعطيات المعروفة بطريقةٍ أفضل. لذلك، فمن الضَّروري أنْ يكونَ للفيزيائي عقلٌ أو فكرةٌ عبقريةٌ. لكن من الممكن، في رأيي، حساب ما يلي وفقًا لقواعد محددة: “فإذا أُعطيتُ فرضية للتقييم، وأعطيتُ نسقا من المعطيات، فإنّه من الممكن حساب احتمال تلك الفرضية. وهذا الاحتمال يختلفُ عن الاحتمال المستعمل في الإحصاء الرّياضي، وفي الفيزياء الحديثة، لما يقول الفيزيائي، على سبيل المثال: إنَّ هناك مادة مشعة من هذا النوع أو ذاك، فإنّ احتمال انبعاث جسيم من هذا النوع في الثانية التالية له قيمة محدّدة، ثم يكتشف أنَّ هذه القيمة هي متوسط ​​التَّردد في الثانية لعمليات محددة؛ فإنّ هنا، لا يتعلق الأمر بالتّرددات، وإنّما يتعلق بعلاقة منطقية بين شيء مجهول وشيء معلوم.”. ومع ذلك، يكمنُ التحدي في وضع قواعد لذلك. لقد وضعنا حتى الآن قواعد تُفسّر المنطق الاستقرائي من منظور مفهوم الاحتمال المنطقي. ونكونُ قد خطينا الخطوات الأولى، إذ أصبحنا قادرين على تطبيقه على عبارات بسيطة نسبيًا. فلَّما نقول، على سبيل المثال، حسب ما لوحظ، أنه سُحبت كرات محددة من صندوق الاقتراع هذا، فكل كرة إمَّا أنْ تكون زرقاء أو تكون حمراء. هذا ما نعرفه. وقد سُحبت أربعُ كرات زرقاء، وكرتان حمراوان. فمن الواضح إذًا، أنّ احتمال أنْ تكون الكرة التالية المسحوبة زرقاء أكبر من احتمال أنْ تكون حمراء. وفي حال عدم وجود شك في إمكانية تحديد الاحتمال عدديًا، فسيكون الاحتمال هو 2/3. وفي الحالات الأخرى، حيثُ تكون القضايا أكثر تعقيدًا، فإنّ هذا الأمر يكون قابلًا للنقاش. لكنّي متفائل، وأعتقد، بخلاف الآخرين، أنّه سيكون من الممكن إسناد قيم عددية، وهو ما تم إنجازه حتى الآن. أما في المستقبل، فما ينبغي إنجازُه هو توسيع نطاق هذا المنطق الاستقرائي أو منطق الاحتمالات ليطال لغة غنية، لا تقتصر على الإشارة إلى صفات الأشياء مثل اللّون الأحمر واللون الأزرق، وإنّما تتضمن أيضًا الإشارة إلى القيم الفيزيائية. فإذ قامَ أحدهم بقياس درجة الحرارة، ووجد أنّها مرتفعة للغاية… وكانت القيم مختلفة… وحدّد درجة الحرارة المحتملة لليوم التالي بناءً على ذلك… شيء من هذا القبيل… يعتبر من المشكلات المعقدة جدا. لكنَّني أعتقد أنّنا على وشك الدخول في هذا المجال.

    هوخكيپيل: إذن، ستكون هذه إحدى المَهام المهمة في المستقبل. فهل هناك مهام أخرى تراها جديرة بالأهمية؟

    كارناپ: آهٍ، يوجد الكثير ممّا يجدر الاهتمام به. وأعتقد أنّ التّحليل المنطقي للعبارات القيمية يمثل مشكلة بالغة الأهمية. لقد تم تناولها بالفعل، لكنّني أظن أنّ ما تم تناوله ليس إلا خطوات أولى، أي العبارات القيمية في مختلف مجالات القيم، كالقيم الأخلاقية، أو القيم الجمالية على سبيل المثال. فالعبارة القيمية في مجال الأخلاق تُعرِّف فعلاً ما بأنه فعلٌ خيّر أو فعلٌ شرير، أمّا العبارة الجمالية فتُعرّف عملاً فنياً ما بأنّه عملٌ نبيل أو عملٌ تافه، أو بتعرفه بأي وصف آخر، أو بالمعايير التي تُحدد كيفية التّصرف في موقف معين. ففي المراحل الأولى لتطور الفلسفة، كانَ الفلاسفة يعتقدون أنّهم هم وحدهم من يُحددون صدق العبارات القيمية، وبالتالي هم من يُقررون ما هو خير وما هو شر.

    هوخكيپيل: إنَّهم يحددون ذلك على نحو مطلق وقاطع.

    كارناپ: أعتقد أن هذا غير صحيح، إذ لا يستطيع الفيلسوف أنْ يحسم هذا الأمر، وأن يصرح به. فهو، حسب رأيي، مجرد قرار فردي يخص كلّ إنسان، وفقاً لضميره أو مشاعره الأخلاقية أو أياً كان المسمّى، وهو ليس أمراً مطلقاً، وإنّما هو شيء يتطور، وينضج، عبر مراحل التّعليم والحياة. أعتقد أنَّ الفلاسفة، وهكذا ننظر إلى المسألة في الفلسفة العلمية الحديثة،  ليس من حقهم أن يقولوا شيئًا عن مضمون العبارات القيمية، وإنّما عليهم أنْ يقولوا شيئاً عن العلاقات المنطقية، وأنّه في هذا المجال حيث لا يفيدُ المنطق الاستنباطي على نحو جيد، أو قد يفيد على نحو ضئيل جدًا، فإنّه توجدُ أيضًا إمكانيات منطقية للقول بأنّ العبارات القيمية هذه لا تتوافق مع تلك الَّتي ذكرناها مسبقًا [يقصد هنا العبارات الواقعية والمنطقية، التي تتضمن معنى] أو ما يُماثلها، أو عبارات يمكن استنتاجها منها، أو ما يماثلها. لقد لاحظتُ مرارًا وتكرارًا أنَّ هذا الفرقَ الأهم بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية لا يُؤخذ دائما بعين الاعتبار، وبالقدر الكافي، لا سيما في النّقاشات الّتي تُطرح فيها قضايا أخلاقية، كالنّقاشات السّياسية، الّتي غالبًا ما تُطرح فيها هذه القضايا. وهذا يُؤدي إلى تهافت صارخ. وأعتقد أنّه إذا ما وُضّحَ هذا الفرق بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية، فمن الأجدر البدء بتسوية الخلافات الواقعية أولا، ثم الانتقال إلى مناقشة القضايا القيمية ثانيا من أجل التّوصل إلى اتفاق بشأن أهم النّقاط. وأعتقد أنَّ الفهم الفلسفي بهذه الطَّريقة لن يُساعدنا في حسم القضايا الأخلاقية في حد ذاتها فحسب، وإنّما سيُساعدنا في إيجاد أساس أوضح لمناقشتها.

    هوخكيپيل: الأستاذ كارناپ، أشكرك جزيل الشُّكر.


    [1]Gilson Olegario اسم قناة على اليوتيوب.

    [2]Rudolf Carnap (1891-1970) فيلسوف ألماني، يعد من الرواد المؤسسين للوضعية المنطقية، وأحد أعضاء “حلقة ڤيينا”، ومن أكبر منتقدي الميتافيزيقا، ودعاة التحليل المنطقي للغة، ورفض ما يخرج عن البناء المنطقي، وتبني ما ينسجم معه. كان له تأثير كبير في الفلسفة الأمريكية، لما هاجر إليها فرارا من النّازية مع أصدقائه من الفلاسفة الألمان.

    [3] – هذه المعلومة الّتي أشار إليها صاحب القناة دقيقة، وقد تأكدت من ذلك بتصفُّح لائحة المصادر للمقالة المكتوبة عن كارناپ بموسوعة ستانفورد الفلسفية، فوجدت المصدر موثوق ومشفر كالآتي:

    1964, “Interview mit Rudolf Carnap”, in Mein Weg in die Philosophie, Rudolf Carnap, interview with Willy Hochkeppel, Stuttgart: Reclam, pp. 134–148.

    بما أنّ هذا الحوار المنشور في المجلة الألمانية “طريقي إلى الفلسفة”، الّتي كان يشرفُ عليها ڤيلي هوخكيپيل يتألف من أربع عشرة صفحة، فلا شك أنّه أطول من هذا الحوار المعروض في مقاطع الڤيديو على قناة اليوتيوب. ومهما يكن، فإنْ لم يكن هذا الحوار مترجما حتى إلى اللغة الإنجليزية، فإنّ هذا الجزء الّذي ترجمناه مكسب، وفيه فائدة جمة.

    [4]Willy Hochkeppel (1927-2022)، فيلسوف وكاتب ألماني. عمل محررًا ثقافيًا في هيئة الإذاعة الباڤارية، وساهم في العديد من الصحف والمجلات الكبرى، وحرر عدة مختارات في الفلسفة، وعلم الاجتماع؛ كما سعى في برامجه الإذاعية ومنشوراته إلى تنمية اهتماماته الفنية، والأدبية، والموسيقية.

  • التدفق النفسي وإعادة بناء الوجود الإنساني: نحو أنثروبولوجيا فلسفية للوعي السعيد بين علم النفس الإيجابي والتراث الفلسفي الكوني

    التدفق النفسي وإعادة بناء الوجود الإنساني: نحو أنثروبولوجيا فلسفية للوعي السعيد بين علم النفس الإيجابي والتراث الفلسفي الكوني

    الكاتبعيسى ارحو

    الملخص

    يسعى هذا المقال إلى استجلاء نظرية التدفق النفسي (Flow Theory) كما صاغها عالم النفس ميهالي تشيكسنتميهالي، وذلك من خلال مقاربة بينية متعددة المستويات تجمع بين علم النفس الإيجابي والفلسفة الأخلاقية والأنثروبولوجيا الوجودية. تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مثيرة: هل السعادة الإنسانية مجرد حالة شعورية عابرة تُمليها الظروف الخارجية، أم أنها بنية وعيية عميقة قابلة للصناعة والتوجيه الإرادي؟ يُقارب المقال هذه الإشكالية عبر خمسة محاور متشابكة: نقد مفهوم السعادة في ضوء البحث التجريبي المعاصر، وتشريح بنية التدفق النفسي وشروطه الثمانية، واستجلاء أبعاده في الجسد والعقل والعمل والعلاقات الإنسانية، وقراءة نقدية لحدود النظرية في مواجهة الاعتراضات الفلسفية الكبرى، وأخيراً بناء تركيب فلسفي يربط التدفق بسؤال المعنى والغاية الموحّدة. تستند الدراسة إلى مرجعيات فلسفية متنوعة تمتد من أرسطو وماركوس أوريليوس إلى كانط وهيغل وكامو ومرلو-بونتي وفرانكل، مُحاوِرةً في الوقت ذاته التراث الفلسفي العربي الإسلامي في شخص ابن رشد وابن خلدون. وتنتهي الدراسة إلى أن التدفق لا يكفي وحده لتأسيس حياة ذات معنى ما لم يرتبط بغاية أخلاقية تتجاوز حدود الذات الفردية وتنفتح على أفق الإنسانية المشتركة.

    الكلمات المفتاحية: التدفق النفسي — التجربة المثلى — الوعي — الانتباه — السعادة الإنسانية — المعنى — الغاية الموحّدة — الفلسفة الأخلاقية — علم النفس الإيجابي — الأنثروبولوجيا الوجودية


    مدخل إشكالي: حين يخذلنا السعي نحو السعادة

    ثمة مفارقة عميقة تسكن صميم الحضارة الإنسانية المعاصرة: لم يملك الإنسان في أي لحظة من تاريخه ما يملكه اليوم من وسائل الراحة والترفيه والإشباع الفوري، ومع ذلك لم تبلغ معدلات الاكتئاب والقلق والإحساس بالفراغ الوجودي ما بلغته في هذا العصر. تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب بات المسبب الأول للإعاقة على مستوى العالم، وأن نحو مليار إنسان يعانون من اضطرابات نفسية متفاوتة الشدة (WHO, 2022). هذه الأرقام لا تُمثّل إحصاءات باردة بل تطرح تحدياً فلسفياً بالغ الحدة: هل يكمن الخلل في الإنسان نفسه، أم في الصورة التي رسمها لنفسه عن السعادة؟

    انطلق ميهالي تشيكسنتميهالي، عالم النفس الهنغاري-الأمريكي، من هذا التناقض الحضاري ليطرح سؤالاً بدا في ظاهره بسيطاً لكنه ينطوي على عمق أنثروبولوجي نادر: متى يشعر الإنسان حقاً أن حياته تستحق أن تُعاش؟ لم يسأل متى يكون الإنسان سعيداً — فهذا سؤال سطحي يستدعي إجابات سطحية — بل سأل عن بنية تلك اللحظات الاستثنائية التي يشعر فيها الإنسان بأنه حيّ بأعمق معاني الكلمة. وبعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً من البحث الميداني الممنهج، شملت مقابلات مع آلاف الأشخاص من ثقافات متباينة — من الرياضيين المحترفين إلى الصيادين البسطاء، ومن الجراحين إلى رهبان البوذية — توصّل إلى اكتشاف ظاهرة وصفها بالتدفق (Flow)، مُقدِّماً بذلك إسهاماً علمياً وفلسفياً يستحق أن يُقرأ بعمق ويُساءَل بصرامة (Csikszentmihalyi, 1990).

    يهدف هذا المقال إلى قراءة نظرية التدفق قراءةً تجمع بين الإنصاف العلمي والمساءلة الفلسفية؛ أي أن نمنح النظرية حقها من الفهم والتقدير، دون أن نُسقط عنها حق النقد والتدقيق. وسيكون طموحنا أبعد من مجرد عرض النظرية: سنسعى إلى إدراجها في حوار حضاري أشمل مع التراث الفلسفي الإنساني والعربي، لنرى أين تتلاقى وأين تفترق، وما الذي تُضيفه وما الذي تظل عاجزة عن تناوله.

    1. نقد مفهوم السعادة — من وهم الوجهة إلى بنية الوعي

    1.1 السعادة بوصفها مشروعاً لا وجهة

    تقف فكرة السعادة في مفترق طرق حضاري بالغ الحساسية؛ إذ تتجاذبها من جهة الموروثات الثقافية والدينية التي تُرجئها إلى عالم آخر أو تربطها بالامتثال الاجتماعي، ومن جهة أخرى أيديولوجيات الاستهلاك الحديثة التي تختزلها في امتلاك السلع وتراكم الثروات وبلوغ المكانة الاجتماعية. وفي مواجهة هذين التصورين المتعارضين في مظهرهما المتشابهَين في جوهرهما — كلاهما يُحيل السعادة إلى شيء خارج الذات — يقترح تشيكسنتميهالي تحولاً مفاهيمياً جذرياً: السعادة ليست شيئاً يُمنح من الخارج ولا وجهةً يُوصَل إليها، بل هي بنية وعيية تُبنى بإرادة واعية ومُستمرة.

    يرتكز هذا التحول المفاهيمي على نتيجة صادمة رصدها علم النفس التجريبي، تُعرف بـ”نقطة الضبط العاطفية” (Hedonic Baseline). فقد أثبتت الدراسة الكلاسيكية التي أجراها بريكمان وكامبل عام 1971 أن الأفراد يعودون، في غضون أشهر قليلة، إلى مستواهم العاطفي الأصلي سواء بعد أحداث سعيدة استثنائية كربح اليانصيب، أو بعد أحداث مؤلمة موجعة كالإصابة بشلل دائم (Brickman & Campbell, 1971). هذا الاكتشاف يُقوّض أساس الحضارة الاستهلاكية برمّتها: إذا كانت الظروف الخارجية لا تصنع سعادة مستدامة، فلماذا نبني حياتنا كلها حول مطاردتها؟

    “الذين يتعلمون السيطرة على تجربتهم الداخلية سيكونون قادرين على تحديد جودة حياتهم.”
     “People who learn to control inner experience will be able to determine the quality of their lives.” (Csikszentmihalyi, 1990, p. 2)

    تحمل هذه الجملة ثقلاً فلسفياً هائلاً. فهي تُعيد الفاعلية إلى الذات الإنسانية بعد أن أطال الخطاب السائد تجريدها منها، وتُؤسس لمفهوم جديد للحرية لا يقوم على غياب القيود الخارجية بل على القدرة الداخلية على توجيه الوعي. وهنا يتقاطع تشيكسنتميهالي بشكل لافت مع الفلسفة الرواقية في جوهرها الأعمق. فماركوس أوريليوس كان يُكرر في تأملاته أن سلطة الإنسان الحقيقية لا تكمن في تغيير العالم الخارجي بل في تغيير العلاقة الداخلية معه. لكن ما يُميّز تشيكسنتميهالي عن سابقيه الرواقيين هو أنه لا يكتفي بالإعلان الفلسفي بل يُقدّم تشريحاً تجريبياً لآليات عمل الوعي ولشروط صناعة النظام الداخلي.

    1.2 اللذة والاستمتاع — تمييز أنثروبولوجي جوهري

    يُقيم تشيكسنتميهالي تمييزاً دقيقاً ومثمراً بين مستويين من التجربة الإنسانية كثيراً ما يُخلَط بينهما: اللذة (Pleasure) والاستمتاع (Enjoyment). فاللذة، رغم ضرورتها البيولوجية وقيمتها في حفظ التوازن الحيوي، لا تُسهم في تنمية الذات ولا تُولّد تعقيداً وجودياً، لأنها تقوم على تلبية توقع مُبرمَج مسبقاً — الأكل حين الجوع، والنوم حين التعب، والراحة حين الإرهاق. إنها تعيد الوعي إلى خط الأساس لكنها لا ترفعه.

    “يظهر الاستمتاع عند الحد الفاصل بين الملل والقلق، حين تكون التحديات في توازن دقيق مع قدرة الشخص على الفعل.”
     “Enjoyment appears at the boundary between boredom and anxiety, when the challenges are just balanced with the person’s capacity to act.” (Csikszentmihalyi, 1990, p. 52)

    هذا التمييز ليس ترفاً نظرياً بل له تداعيات عملية عميقة. فالحضارة الاستهلاكية بنت صناعة ضخمة تُنتج اللذة وتُسوّقها، لكنها عاجزة بطبيعتها عن إنتاج الاستمتاع الحقيقي لأن الاستمتاع يستلزم جهداً ذاتياً لا يمكن تعيينه أو شراؤه. ومن ثَمَّ فإن الإنسان الذي يبني حياته حول مطاردة اللذة وحدها يجد نفسه في نهاية المطاف أمام فراغ لا تملأه كميات اللذة مهما تراكمت.

    1.3 الوعي بوصفه الساحة الحقيقية للحياة

    يُتوّج تشيكسنتميهالي نقده لمفهوم السعادة الشائع بطرح مفهوم الوعي (Consciousness) بوصفه الساحة الحقيقية التي تتحدد فيها جودة الحياة. فالوعي في تصوره ليس انعكاساً سلبياً للواقع كالمرآة، بل هو بناء نشط ومستمر يتشكّل من خلال توزيع الانتباه (Attention) الذي يصفه بوصفه ‘الطاقة النفسية’ الأساسية والأكثر ندرة. ولأن طاقة الوعي محدودة بطبيعتها — إذ تُقدَّر قدرة المعالجة الواعية بحوالي 126 بت في الثانية (Miller, 1956) — فإن كيفية توزيع هذه الطاقة هي ما يُحدد في نهاية المطاف نوعية التجربة الحياتية برمّتها. الشخص الذي يُنفق ساعتين يومياً في التمرير العشوائي على الهاتف لا يُضيّع ساعتين فقط — يُضيّع جزءاً لا يُعوَّض من طاقة وعيه المحدودة التي هي حياته بالكامل.

    2. تشريح التدفق — بنية التجربة المثلى

    2.1 مفهوم التدفق وتعريفه الدقيق

    يُعرَّف التدفق (Flow) بوصفه الحالة الذهنية التي يكون فيها الشخص مُنغمساً انغماساً كاملاً في نشاط ما، إلى درجة يختفي فيها الإحساس بالزمن وتتلاشى حدود الذات وتتوحد الطاقة الواعية كلها نحو الفعل الجاري دون أي شتات أو تفكك. والأمر الأكثر إثارة أن تشيكسنتميهالي لم يكتشف هذه الحالة في المختبر بل في الميدان الحي؛ فحين سأل جراحاً عن أسعد لحظاته، لم يُجب بـ’حين أرتاح’ أو ‘حين آخذ إجازة’ بل قال: ‘حين أكون في منتصف عملية جراحية معقدة ولا يوجد في الكون شيء سوى ما أفعله الآن.’

    “أفضل اللحظات في حياتنا ليست تلك السلبية الاسترخائية — بل عادةً ما تحدث حين يُمدّ جسد الإنسان أو عقله إلى حدوده القصوى في جهد طوعي لإنجاز شيء صعب ومُجدٍ.”
     “The best moments usually occur when a person’s body or mind is stretched to its limits in a voluntary effort to accomplish something difficult and worthwhile.” (Csikszentmihalyi, 1990, p. 3)

    2.2 الشروط الثمانية — تشريح البنية الداخلية

    توصّل تشيكسنتميهالي، بعد تحليل آلاف الشهادات الميدانية، إلى أن لحظات التدفق تشترك عبر الثقافات والمجالات كافة في ثمانية شروط بنيوية متكاملة تُشكّل معاً بنية التجربة المثلى:

    #الشرطالوصف والدلالة
    1توازن التحدي والمهارةالتدفق يظهر في المنطقة الوسطى بين الملل (تفوق المهارة) والقلق (تفوق التحدي). هذه المعادلة ذات طبيعة تصاعدية ديناميكية تدفع الفرد نحو النمو المستمر.
    2وضوح الأهدافالفرد يعرف بالضبط ما يريد إنجازه، مما يمنح الانتباه اتجاهاً محدداً ويُزيل الغموض والتردد اللذين يُشتّتان الوعي.
    3التغذية الراجعة الفوريةالمعلومات تصل لحظياً حول مدى التقدم، مما يُبقي الوعي مرتبطاً باللحظة الراهنة دون انجراف.
    4الانغماس التامتختفي هموم الحياة اليومية وتذوب الأفكار الطارئة، ويصبح الفعل الجاري هو الواقع الوحيد الذي يشغل الوعي.
    5الشعور بالسيطرةليس تحكماً مطلقاً في كل شيء، بل غياب الخوف من فقدانها — شعور بالكفاءة والانسجام الكامل مع المهمة.
    6اختفاء الوعي الذاتيالذات المُراقِبة تتلاشى مؤقتاً، مما يُحرّر طاقة هائلة كانت مُستنزَفة في مراقبة النفس والقلق من حكم الآخرين.
    7تحوّل إدراك الزمنالساعات تمر كدقائق أو الدقائق تمتد كساعات، دليلٌ على انفصال الوعي عن الإيقاع الاجتماعي المعتاد للزمن.
    8الغاية الذاتية (Autotelic)النشاط يحمل قيمته في ذاته ولا يحتاج مبرراً خارجياً. مشتق من الإغريقية: Auto (ذات) + Telos (غاية).

    2.3 نموذج التحدي-المهارة — المعادلة الذهبية

    يُشكّل نموذج التحدي-المهارة (Challenge-Skill Model) الركيزة التحليلية الأكثر دقة وخصوبة في نظرية التدفق، وقد حظي باهتمام واسع في الأدبيات العلمية اللاحقة (Nakamura & Csikszentmihalyi, 2002). فحين يتجاوز التحدي المهارة بكثير يظهر القلق (Anxiety)، وحين تتجاوز المهارة التحدي بكثير يظهر الملل (Boredom)، وفي المنطقة الضيقة بينهما يظهر التدفق. غير أن الأمر الأعمق هو الطابع التصاعدي لهذا النموذج: التدفق لا يظل في مكانه بل هو دينامي بطبيعته، وهذا يعني أن التدفق حين يُسعى إليه بصدق يُحوّل الحياة إلى مشروع نمو مُستمر. وهنا يتقاطع تشيكسنتميهالي بعمق مع هيغل في فكرة الديالكتيك بوصفه حركة تجاوز مستمر، حيث كل مرحلة تحمل في ذاتها بذور تجاوزها نحو مستوى أعلى من التعقيد والإدراك.

    3. أبعاد التدفق في التجربة الإنسانية المتشعبة

    3.1 الجسد بوابة مُهمَلة نحو التجربة المثلى

    ينتقد تشيكسنتميهالي بحدة موروث الثقافة الغربية الذي علّمنا لقرون أن نحتقر الجسد ونعتبره مجرد حاوية للعقل. فالجسد في تصوره ليس عائقاً أمام التجربة العميقة بل هو أحد أقصر الطرق إليها. وهنا يتقاطع تشيكسنتميهالي بشكل مثير مع فلسفة موريس مرلو-بونتي الذي بنى فينومينولوجيته كلها على فكرة الجسد-الذات (Corps-sujet): الجسد ليس موضوعاً في العالم يمتلكه العقل بل هو وسيط الوجود الإنساني في العالم (Merleau-Ponty, 1945). فالراقص حين يؤدي لا يُفكّر في حركاته بل يُفكّر من خلالها؛ الجسد هو الفكر في حالة أداء. ويُشير تشيكسنتميهالي بإعجاب صريح إلى أن الفلسفات الشرقية كاليوغا والتاي تشي والفنون القتالية اكتشفت منذ آلاف السنين ما يُحاول علم النفس الغربي إثباته اليوم: أن توحيد الجسد والعقل في اللحظة الراهنة يُمثّل أعلى مستويات الوعي الإنساني.

    3.2 التدفق الفكري — حين يصبح العقل عالماً مستقلاً

    يُولي تشيكسنتميهالي اهتماماً بالغاً للتدفق الفكري، مُشيراً إلى أن العقل يحمل بيئته في داخله خلافاً للجسد الذي يحتاج بيئة خارجية لتحريكه. هذا يجعل التدفق الفكري أكثر استقلالية وأوسع انتشاراً: يمكن أن يحدث في مواجهة الكارثة، وفي السجن، وفي الوحدة. وتبرز هنا ملاحظة فلسفية ثمينة: الكتابة ليست تسجيلاً لأفكار موجودة مسبقاً بل هي عملية اكتشاف — الكاتب يكتشف ما يُفكّر فيه حين يكتب لا قبل ذلك. هذه الفكرة تتقاطع مع ما يُسميه هيدغر ‘الفكر الذي يُفكّر نفسه في اللغة’، وتُشير إلى علاقة جدلية بين الوعي والتعبير: الوعي لا يسبق الكلمة بل يتشكّل من خلالها. أما الفلسفة — بوصفها فن طرح الأسئلة التي لا إجابات نهائية لها — فهي من أكثر مصادر التدفق الفكري ثراءً وديمومةً، لأن السؤال الفلسفي يشدّ العقل إلى أقصى طاقته دون أن يُعطيه إجابةً تُسكته وتُريحه.

    3.3 مفارقة العمل — نكره ما يُسعدنا ونحب ما يُفرغنا

    تُمثّل نتائج تشيكسنتميهالي حول العمل واحدة من أكثر اكتشافاته استفزازاً للبداهة وإرباكاً للتصورات الشائعة: معظم لحظات التدفق التي يُبلّغ عنها الأفراد تحدث أثناء العمل لا في وقت الفراغ، وذلك على الرغم من أن هؤلاء الأفراد أنفسهم يُعبّرون بوضوح عن رغبتهم في العمل أقل (Csikszentmihalyi, 1997). يُفسّر تشيكسنتميهالي هذه المفارقة بأن العمل يمتلك بطبيعته شروط التدفق — أهداف واضحة، وتحديات متجددة، وتغذية راجعة فورية — في حين يبقى وقت الفراغ بلا بنية في أغلب الأحيان، مما يجعل الوعي يسقط فيه في الفوضى النفسية (Psychic Entropy). والخلاصة النقدية أن ثقافتنا برمجتنا على اعتبار العمل عبئاً والراحة مكافأة، في حين تُثبت الأبحاث عكس ذلك تماماً.

    3.4 العلاقات الإنسانية — التدفق المشترك وأعمق مصادره

    يرى تشيكسنتميهالي في العلاقات الإنسانية المصدر الأكثر تكراراً للتدفق في حياة معظم الناس وفي نفس الوقت الأكثر تعقيداً. فالعلاقة التي تُنتج التدفق هي التي يجلب فيها كل طرف للآخر تحدياً حقيقياً — يدفعه للنمو، يُسائله، يُعمّق تفكيره — وليست تلك التي يبحث فيها كل طرف عن راحة سلبية من الآخر. كما تظهر فكرة الوحدة المُنتِجة بوصفها شرطاً مُكمّلاً للعلاقات: من لا يستطيع الاستمتاع بوحدته يظل رهينةً للآخرين لا لأنه يحبهم بل لأنه يهرب من نفسه إليهم، وهذا يُفسد العلاقات بتحويلها من اختيار حر إلى ضرورة قسرية.

    4. في نقد نظرية التدفق — حدود العلم ومطارح الفلسفة

    4.1 وهم الكونية — إشكالية السياق الاجتماعي

    يتسم التحليل النفسي لتشيكسنتميهالي بميل واضح نحو الكونية (Universalism): فالتدفق يُقدَّم وكأنه ظاهرة إنسانية مُتاحة للجميع بصرف النظر عن موقعهم الاجتماعي والاقتصادي. غير أن هذا الادعاء يواجه اعتراضاً جوهرياً: كيف يمكن لعامل يعمل ثمانية عشر ساعة يومياً في ظروف قمعية وأجر هزيل أن ‘يُغيّر علاقته بعمله’ ويُحوّله إلى مصدر تدفق؟ تُثبت الأبحاث الاقتصادية لأنغوس ديتون (Deaton, 2013) وريتشارد إيسترلين (Easterlin, 1974) أن الفقر الحاد والظلم البنيوي يُولّدان بؤساً موضوعياً لا يمكن تجاوزه بمجرد إعادة توجيه الوعي الداخلي. ومن ثَمَّ فإن النظرية، بتركيزها على إدارة الوعي الفردي، تُخاطر بأن تُصبح عزاءً فلسفياً لظلم اجتماعي بنيوي بدلاً من أن تكون نقداً له.

    4.2 التدفق دون معنى أخلاقي — إشكالية الحياد القيمي

    يُقرّ تشيكسنتميهالي نفسه في لحظة من لحظات الصدق الفكري بأن التدفق قابل للحدوث في سياقات أخلاقية مشكوك فيها أو حتى مدانة. المحتال الماهر، وجندي الحرب الذي يُتقن فن القتل — كلاهما قد يعيش تدفقاً نفسياً حقيقياً وفق المعايير الثمانية المُحددة. هذا يعني أن التدفق وصف نفسي محايد لحالة وعي، وليس مقياساً للقيمة الأخلاقية للفعل. هنا يبدو التمييز الكانطي بين الإرادة الحسنة (Guter Wille) والميل الطبيعي (Neigung) في غاية الأهمية: الفعل الأخلاقي الحقيقي لا يقوم على الميل والإحساس بالجودة بل على إلزام العقل العملي للذات بمبادئ كونية قابلة للتعميم (Kant, 1785).

    4.3 التدفق والهروب — اعتراض كامو الضمني

    يُثير ألبير كامو اعتراضاً فلسفياً ضمنياً بالغ العمق: هل يمكن للتدفق أن يكون ضرباً من الهروب الراقي من مواجهة العبثية الجذرية للوجود الإنساني؟ (Camus, 1942). في ‘أسطورة سيزيف’ يرفض كامو أي حل يُسكّن القلق الوجودي دون مواجهته وجهاً لوجه. الانغماس الدائم في نشاط ما — مهما كانت جودته — قد يُشكّل تخديراً للوعي الذي ينبغي أن يبقى يقظاً أمام سؤاله الأعمق. ومن هذا المنظور فإن الحياة الأصيلة عند كامو لا تبدأ بعد التخلص من القلق بل بعد الاعتراف به وتحمّله. ربما يكون التدفق أكثر صدقاً حين يُمارَس مع وعي تام بعبثيته الجذرية، لا حين يُقدَّم بوصفه علاجاً يُشفي من هذه العبثية.

    5. التدفق والمعنى — نحو تركيب فلسفي

    5.1 ما وراء التدفق — سؤال الحياة الكاملة

    يُدرك تشيكسنتميهالي في فصله الختامي حدود اكتشافه، فيُميّز بين التدفق كحالة وعي آنية والمعنى كبنية وجودية شاملة. فالحياة المثلى لا تكتفي بتراكم لحظات تدفق متقطعة ومتفرقة بل تستلزم ‘خيطاً رابطاً’ يمنح هذه اللحظات اتجاهاً موحداً ومعنى أعمق، وهو ما يُسميه الغاية الموحّدة (Unifying Goal). هذا المفهوم يتقاطع بعمق مع ثلاث مرجعيات فلسفية كبرى: أرسطو في مفهوم السعادة (Eudaimonia) بوصفها نشاط النفس وفق الفضيلة الكاملة لحياة كاملة؛ وكانط في التمييز بين الغايات الذاتية والغايات في ذاتها؛ وفيكتور فرانكل الذي أثبت من داخل معسكرات الإبادة النازية أن الإنسان قادر على الصمود مهما اشتد العذاب ما دام يملك إجابة عن سؤال ‘لماذا؟’

    “من يملك سبباً للحياة يستطيع تحمّل أي كيف.”
     “He who has a why to live can bear with almost any how.” (Frankl, 1959, p. 76)

    5.2 التناسق الداخلي — جسر إلى التراث الفلسفي الإنساني والعربي

    يُقيم تشيكسنتميهالي صلةً عميقة بين مفهوم التناسق الداخلي (Internal Harmony) وما أسماه الفلاسفة القدامى بالفضيلة. فحين تتوحد أهداف الإنسان حول غاية واحدة، تختفي الحرب الداخلية بين الرغبات المتصارعة وتتحرر الطاقة كلها للفعل. وهذا بالضبط ما كان يعنيه أرسطو بالفضيلة (Arete): ليست طاعة قواعد أخلاقية مفروضة من الخارج بل التناسق الداخلي الذي يجعل الإنسان يتحرك بكل طاقته في اتجاه واحد. وفي التراث العربي الإسلامي نجد صدى عميقاً لهذه الفكرة؛ فابن رشد في تلخيصه لأخلاق أرسطو يُؤكد أن السعادة لا تتحقق إلا بالممارسة المستمرة للفضيلة في إطار مجتمعي، لأن الإنسان مدني بالطبع ولا كمال له خارج الجماعة (Ibn Rushd, 1998). وهذا يُضيف بُعداً اجتماعياً جوهرياً يبدو غائباً في بعض صياغات تشيكسنتميهالي الأكثر فردانية. أما ابن خلدون فيُقدّم منظوراً تاريخياً-حضارياً فريداً: السعادة والعمران مترابطان، والتدهور النفسي للفرد لا ينفصل عن تدهور المجتمع (Ibn Khaldun, 1377).

    5.3 الاتصال بما هو أكبر — بُعد ما وراء الذات

    يتوج تشيكسنتميهالي تحليله بفكرة أن أعمق مستويات المعنى تحدث حين يشعر الفرد بأن حياته متصلة بشيء يتجاوز حدود أناه الضيقة — سواء أكان ذلك الإنسانية، أم الطبيعة، أم الله، أم التاريخ، أم الأجيال القادمة. وهنا يلتقي تشيكسنتميهالي مع ما يُسميه المتصوفة الإسلاميون ‘الفناء’ — لا بمعنى الانعدام بل بمعنى الذوبان في الكل — وإن كان بصياغة نفسية لا ميتافيزيقية. فغياب الذات في لحظة التدفق، وتلاشي حدود الأنا في مواجهة ما هو أكبر منها، يُشبه من حيث البنية النفسية ما تصفه الشهادات الصوفية، حتى وإن اختلفت المرجعيات الفلسفية والدينية اختلافاً جذرياً.

    6. خاتمة: نحو أنثروبولوجيا الوعي السعيد

    استعرض هذا المقال نظرية التدفق في طولها وعرضها، في نقاط قوتها وحدودها، في تقاطعاتها مع التراث الفلسفي الإنساني والعربي وافتراقاتها عنه. وإذا كان ثمة خلاصة واحدة يمكن الانتهاء إليها فهي هذه: التدفق ليس السعادة بل هو مدخلها الحقيقي. ما أثبته تشيكسنتميهالي بصرامة علمية لافتة هو أن اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأعمق حيويته لها بنية مُحددة قابلة للصناعة والتكرار، وأن هذه البنية لا تقوم على الراحة والإشباع بل على الجهد الإرادي الموجَّه نحو تحدٍّ يستدعي المهارة ويتجاوزها قليلاً.

    غير أن السعادة الإنسانية الحقيقية — بما هي مشروع وجودي شامل لا مجرد حالة نفسية — تستلزم ما هو أبعد من التدفق وحده. تستلزم غاية موحّدة تمنح الوعي اتجاهاً يتجاوز اللحظة، ومسؤولية أخلاقية تجاه الآخر تمنح الفعل معنى يتجاوز الإحساس الجيد، وانتماء إلى مجتمع يمنح الفرد سياقاً يتجاوز الأنا. ولعل الإنسان الذي وصفه تشيكسنتميهالي بـ’الشخصية الذاتية الغاية’ (Autotelic Self) لا يكتمل إلا حين يجمع بين التدفق الداخلي والالتزام الخارجي، بين حرية الوعي الذاتي ومسؤولية الوجود المشترك.

    “في نهاية المطاف — كل ما نستطيع السيطرة عليه حقاً هو جودة تجربتنا الداخلية. وإذا تعلمنا تحسين هذه الجودة — نكون قد أتقنا الشيء الوحيد الذي يستحق الإتقان.”
     “In the end — all we can truly control is the quality of our inner experience. And if we learn to improve this quality — we will have mastered the only thing worth mastering.” (Csikszentmihalyi, 1990, p. 16)

    فالإنسان الذي بلغ هذا المستوى — إنسان التدفق والمعنى والمسؤولية معاً — لا يحتاج من العالم أن يُسعده لأنه يحمل سعادته في وعيه، ولكنه أيضاً لا يكتفي بسعادته لأنه يدرك أن الوعي الحقيقي ليس جزيرة منعزلة بل قارة مفتوحة على الآخر. وفي هذا التوتر الخلّاق بين الداخل والخارج، بين التدفق الفردي والمسؤولية الجماعية، يكمن سرّ الحياة التي تستحق أن تُعاش.

    المراجع

    المصادر الأجنبية

    • Aristotle. (350 BCE/2009). Nicomachean ethics (D. Ross, Trans.). Oxford University Press.
    • Aurelius, M. (180 CE/2006). Meditations (G. Hays, Trans.). Modern Library.
    • Brickman, P., & Campbell, D. T. (1971). Hedonic relativism and planning the good society. In M. H. Appley (Ed.), Adaptation-level theory (pp. 287–302). Academic Press.
    • Camus, A. (1942). Le mythe de Sisyphe. Gallimard.
    • Csikszentmihalyi, M. (1990). Flow: The psychology of optimal experience. Harper & Row.
    • Csikszentmihalyi, M. (1997). Finding flow: The psychology of engagement with everyday life. Basic Books.
    • Deaton, A. (2013). The great escape: Health, wealth, and the origins of inequality. Princeton University Press.
    • Delle Fave, A., Massimini, F., & Bassi, M. (2011). Psychological selection and optimal experience across cultures. Springer.
    • Easterlin, R. A. (1974). Does economic growth improve the human lot? In P. A. David & M. W. Reder (Eds.), Nations and households in economic growth (pp. 89–125). Academic Press.
    • Frankl, V. E. (1959). Man’s search for meaning. Beacon Press.
    • Hegel, G. W. F. (1807/1977). Phenomenology of spirit (A. V. Miller, Trans.). Oxford University Press.
    • Kant, I. (1785/1998). Groundwork of the metaphysics of morals (M. Gregor, Trans.). Cambridge University Press.
    • Massimini, F., & Carli, M. (1988). The systematic assessment of flow in daily experience. In M. Csikszentmihalyi & I. Csikszentmihalyi (Eds.), Optimal experience (pp. 266–287). Cambridge University Press.
    • Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Gallimard.
    • Miller, G. A. (1956). The magical number seven, plus or minus two. Psychological Review, 63(2), 81–97.
    • Nakamura, J., & Csikszentmihalyi, M. (2002). The concept of flow. In C. R. Snyder & S. J. Lopez (Eds.), Handbook of positive psychology (pp. 89–105). Oxford University Press.
    • Seligman, M. E. P. (2002). Authentic happiness. Free Press.
    • World Health Organization. (2022). World mental health report. WHO Press.

    المصادر العربية

    • ابن رشد، أبو الوليد محمد. (1998). تلخيص كتاب الأخلاق لأرسطوطاليس. تحقيق: هنري بودريس. المطبعة الكاثوليكية.
    • ابن خلدون، عبد الرحمن. (1377/2004). مقدمة ابن خلدون. تحقيق: عبد الله محمد الدرويش. دار يعرب.
    • الغزالي، أبو حامد. (2004). إحياء علوم الدين (المجلد الثالث). دار المعرفة.
    • فرانكل، فيكتور. (2012). الإنسان يبحث عن معنى (ترجمة: طلعت منصور). مكتبة الأنجلو المصرية.
    • تشيكسنتميهالي، ميهالي. (2019). التدفق: سيكولوجية الخبرة المثلى (ترجمة: محمد الأشقر). مؤسسة هنداوي.
  • التقييم أم الاستثارة: مقاربات في التعبير الموسيقي

    التقييم أم الاستثارة: مقاربات في التعبير الموسيقي

    الكاتبغاي هايوارد
    ترجمةلولوة العنزي

    مقدمة

    التعبير في جوهره هو أن يدل شيء خارجي على شيء داخلي…وبعبارة أخرى، التعبير في جوهره هو تجلي أو تمظهر العقل أو النفس. ومن ثم فإن نطاق التعبير لا يتعلق… بالخصائص بوجه عام، ولا بالخصائص المكتسبة على سبيل المجاز، بل بالخصائص النفسية تحديدًا؛ أي تلك المرتبطة بالحالات الذهنية للكائنات الواعية… ويمكن فهم القدرة التعبيرية بوصفها نوعًا من التعبير تنجح بعض الكيانات في تحقيقه، وعلى رأسها الأعمال الموسيقية، رغم افتقارها لعالم داخلي [أفكار، وعي…][1].

    تركز هذه المقالة على تساؤل محدد في فلسفة الموسيقى وعلم نفس الموسيقى، وهو هل تُعزى تعبيرية الموسيقى [أي قدرتها على التعبير] إلى أحكام نصدرها بشأن خصائصها، أم إلى قابليتها لاستثارة العواطف لدى المستمع؟ ومع التركيز على الكيفية التي تناول بها فلاسفة الموسيقى هذا التساؤل، سأحاول -حيثما اقتضى السياق- وضع بعض النظريات الفلسفية في سياق النتائج التجريبية.

    لقد تشكل إجماع متنام خلال الثلاثين عامًا الماضية في العلوم الإنسانية حول أهمية الخصائص المادية والظاهراتية للعاطفة، “وهي المجال الشائع في دراسة التعبير الموسيقي.” وسأعتمد تعريفًا مستمدًا من هذا الإجماع لتأطير المناقشة حول كيفية تصور العواطف في الأدبيات النفسية الحديثة المتعلقة بالموسيقى. وعليه، توصف العواطف بأنها استجابات قصيرة الأمد، تتراوح مدتها من بضع ثوان إلى بضع ساعات، لكنها مكثفة وتحدث نتيجة للتغيرات التي تطرأ على البيئة الخارجية أو الداخلية للكائن الحي. وبوجه عام، وإن لم يكن ذلك في جميع الأحوال، تُستثار العواطف استجابة لموضوعات أو أحداث، أو تُختبر ضمن إطار العلاقة بها -مثل تلقي تصفيق حار وقوفًا في ظهورك الأول في مسرح كوفنت غاردن- وتنطوي هذه الاستجابات تجاه الموضوعات أو الأحداث على عدة مكونات فرعية متعددة تتفاعل فيما بينها؛ مثل التقييم المعرفي كتقييم الموقف، والشعور الذاتي كأن تشعر بأنك سعيد، والاستجابة الفسيولوجية مثل استرخاء العضلات؛ والتعبير مثل الضحك، والميل السلوكي مثل القفز المتكرر [كما في حالة الحماس أو الفرح]، وتنظيم الإنفعالات مثل محاولة كبح جماح الحماسة. وسيتضح أن فلاسفة الموسيقى يختلفون حول الكيفية التي تتزامن بها هذه المكونات أثناء الاستجابة العاطفية، أو حتى حول ما إذا كانت تتزامن من الأساس.

    يمكن تقسيم النظريات الفلسفية للعواطف عمومًا إلى نظريات “معرفية” ونظريات “غير معرفية” للعواطف. ففي فلسفة الموسيقى، تجادل النظريات المعرفية بأن تعبيرية الموسيقى ناتجة عن عملية تقييم معرفي لخصائص موسيقية محددة ذات طابع تعبيري، في حين تزعم النظريات غير المعرفية أن تعبيرية الموسيقى تُفسَّر من خلال قدرتها على إثارة العاطفة لدى المستمع.

    ستتناول هذه المقالة الكيفية التي تناول بها فلاسفة الموسيقى مسألة تعبير الموسيقى عن العواطف، مع التركيز على نظريات التعبير الموسيقي مثل السيميائية (علم العلامات)، ونظرية البرسونا (الشخصية المتخَيَلَة)، ونظرية الاستثارة، ونظرية التشابه، ونظرية الصيرورة. وتتبنى كل نظرية موقفًا مختلفًا إزاء التصور “المعرفي” أو “غير المعرفي” للعواطف. ونظرًا لأن بعض المُنظرين يدافعون عن المواقف المتشددة أو المخففة تجاه هذه النقاشات الجدلية، يمكن القول إن معظم النظريات الفلسفية تتموضع في مواضع متفاوتة ضمن النطاق “المعرفي–غير المعرفي”. وفي ضوء النتائج التجريبية الحديثة، سيُحاجَج بأن أي نظرية للتعبير الموسيقي قادرة على إظهار التفاعل بين التقييمات المعرفية والاستجابات الفسيولوجية، سوف تُشكل نهجًا أكثر دقة للعملية التي تعبر من خلالها الموسيقى عن العاطفة. وسيتعين على الفلسفة مستقبلًا بناء تعاون أوثق مع علم النفس من أجل بلورة تصور كامل لأدوار كل من التقييم المعرفي والعمليات الفسيولوجية في الاستجابات العاطفية للموسيقى.

    في هذه المرحلة، تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين قد يعارضون الافتراض القائل بأنه يمكن اعتبار العواطف معطيات عابرة للتاريخ أو للثقافات. غير أن الرد على ذلك يتمثل في وجود كم هائل من الأدلة التي تشير إلى أن جوانب من التعبير العاطفي، إلى درجة كبيرة، لم تتأثر بالتأثيرات الثقافية والتاريخية على امتداد مسار التطور الإنساني. ومع ذلك، فإن العواطف الملائمة لسياقات اجتماعية مختلفة قد تتباين بين الثقافات؛ فبعض الثقافات تنظر إلى الجنازات بوصفها مناسبات مبهجة، في حين تنظر إليها ثقافات أخرى على أنها حزينة. ولذلك، يجادل كثيرون، منهم ستيفن ديفيز، بأنه “ما لم يدرك المرء نظم المعتقدات التي تحدد دلالة الأطر الاجتماعية التي تُوضع فيها العواطف، ثم يدرك صلة الموسيقى بكل ذلك، فلن يكون استقراء التعبيرية من موسيقى أجنبية مسألة بسيطة”. لكن، وللأسف، فإن مناقشة المقاربات الثقافية والتاريخية يتجاوز نطاق هذه المقالة.

    تبدأ المناقشة الفلسفية الحديثة للتعبير الموسيقي مع هانسليك، الذي جادل بأن “الجمال” في الموسيقى يوجد فقط في الشكل الموسيقي، وبأن الموسيقى والعواطف الإنسانية منفصلتان. وبذلك كان هانسليك يضع الأساس المفاهيمي للنظرية المعرفية للعواطف، محاججًا بأن الموسيقى إن لم تستطع تمثيل “الموضوعات” أو “التمثيلات” المحددة التي تُعرّف العواطف، فإنها ليست وسيطًا “نقيًا” للتعبير عن العاطفة. ويتخذ فلاسفة الموسيقى مواقف مختلفة إزاء دعوى هانسليك هذه. حيث تتوافق سوزان لانجر مع هانسليك بوجه عام، لكنها تجادل بأن “الجوانب” الآلية للعواطف يمكن تمثيلها على نحو “عام”. ويدافع كل من بيتر كيفي وستيفن ديفيز عن نظرية ترى أن الأعمال الموسيقية تُظهر خصائص عاطفية بدلًا من أن تُعبر عن عواطف مُعاشة؛ أي عواطف حقيقية قابلة للملاحظة، ولذلك يرفضان أطروحة هانسليك التي تفصل بين الموسيقى والعاطفة الإنسانية، مع اتفاقهما معه على أن التعبير متحقق في البنية الشكلية للعمل الموسيقي. أما روجر سكروتن فيرفض أطروحة هانسليك، مجادلًا بأن العواطف لا تُحدَّد فقط من خلال موضوعاتها، بل كذلك من خلال الذوات التي تختبرها. وأشد المعترضين على هانسليك حتى الآن هي جينيفر روبنسون، التي ترى ضرورة رفض أفكار هانسليك حول التعبير “رفضًا كليًا تقريبًا”، فبالنسبة لها، التعبير الموسيقي هو تفاعل بين مفاهيم العواطف التي تمثلها الموسيقى وإثارة الاستجابات الجسدية لها، ومن ثم لا يمكن فصل الموسيقى عن العواطف بسهولة.

    1. النظريات السيميائية (علم العلامات)

    يقترح عدد من فلاسفة الموسيقى أن الموسيقى تُعبر عن العاطفة من خلال أدائها دور الرمز أو العلامة. ويجادل ويلسون كوكر أن الموسيقى قادرة على الإحالة إلى عاطفة ما، ومن خلال التنظيم اللاحق لعناصر العاطفة داخل نسق رمزي، تستطيع الموسيقى أن تُميز تلك العاطفة على نحو يماثل التعبير اللغوي. غير أن كيفي يرفض الأطروحة التي ترى أن الموسيقى يمكن أن تُعبر عن عواطف محددة على غرار التعبير اللغوي، مُحيلًا إلى ما يسمى “حجة الاختلاف”؛ “لا يوجد اتفاق عام حول ما إذا كان أي (س) بعينه هو (ص) أم لا حيث إن (س) هو شكل من أشكال الإيماءة الموسيقية، وبالتالي لا يمكن لـ (ص) أن تكون خاصية موضوعية لأشكال (س).”

    ويرفض ديفيز النظريات السيميائية استنادًا إلى أن الموسيقى لا تقدم مفردات لعواطف محددة بالطريقة الدقيقة نسبيًا التي توفرها اللغة. ووفقًا لماير، فإن انتهاكات التوقعات -المتأصلة في فهم ضمني لمعايير أسلوب تلك الموسيقى- تخلق استثارة “غير متمايزة” (مماثلة لما تسميه لانجر بالعواطف “العامة”). وبذلك، ترفض نظرية ماير فكرة أن الموسيقى تقدم مضمونًا قضويًا لا لبس فيه؛ أي معنى محددًا.

    وقد جادلت لانجر بأن الموسيقى تكتسب طابعها الرمزي من خبرتنا بها بوصفها “مشابه لما تدل عليه ومجسدة له” (قارن ذلك بالرموز “الأيقونية” في الفن). ومع ذلك، كما يظهر من خلال عدد لا يحصى من التسجيلات التجارية التي تسعى لأداء نفس القطعة الموسيقية بطرق مختلفة، فإن الاتفاق على ما “تدل” عليه الموسيقى غالبًا ما يطرح إشكالاً. ويتمحور نقد سكروتن الرئيسي للانجر (ولمفهوم رمزية العاطفة في حد ذاته) حول كيفية عزل الخصائص الشكلية واعتبارها الأمور الجوهرية في حياتنا العاطفية، مما يشير ضمنيًا إلى أن نظرية لانجر مجرد تفسير سطحي للعواطف الموسيقية.

    على النقيض من التركيز الذي أولته لانجر على الخصائص الشكلية، يقترح كيفي أن الموسيقى الآلية [الخالية من الصوت البشري أو الكلمات] المعبِّرة يمكن أن تكتسب قدرتها الرمزية من خلال محاكاة الخصائص الصوتية للتعبير الصوتي البشري. وبالفعل، تدعم النتائج التجريبية هذه الفرضية؛ إذ وجد باتريك جوسلين وبتري لاوكا أن العاطفة التي تعبر عنها الموسيقى غالبًا ما تُرمّز بطريقة مشابهة للتعبير الصوتي البشري. وردًا على فرضية كيفي، يجادل ديفيز بأنه بوجه عام لا يمكن للموسيقى أن تُرمّز بهذه الطريقة، كونها لا تشبه على نحو مقنع الأصوات التي يصدرها البشر وهم “واقعون تحت وطأة الانفعال”. ومع ذلك، جادل إيان مورلي بأن الموسيقى يمكن أن “تستحضر” الملامح العاطفية للكلام دون أن “تشبهه” بالضرورة.

    تطرح رؤية كيفي صيغة من “نظرية الشبه”؛ إذ يرى أننا نصف الموسيقى بالحزينة لأنها “تتهدل” وما شابه ذلك، تمامًا كما يفعل الأشخاص الحزانى. غير أن سكروتن يصف هذا التصور للوصف العاطفي بـ “العبثي”، نظرًا إلى أن الموسيقى لا يمكن أن تمتلك نفس صفة “الحزن” التي يمتلكها الشخص الحزين. ويرفض سكروتن رؤية كيفي التي تختزل الموسيقى بـ”محاكاة التعبير”، لأنه يرى أن المعنى الجمالي هو معنى “حقيقي لكنه يستعصي على التعبير”. وعليه، يُصنف سكروتن “لامعرفيًا”.

    جميع النظريات السيميائية السابقة التي اقترحها كل من كوكر، ولانجر، وكيفي توظف نظامًا وسيطًا يتم من خلاله ترميز العواطف. ونتيجة لذلك، يجادل ديفيز بأن هذه النظريات لا تفسر الاستثارة “المباشرة وغير الوسيطة” للعاطفة التي نشعر بها أثناء الاستماع إلى الموسيقى. فضلًا عن ذلك، لكي تتمكن الموسيقى من أن ترمز لعاطفة مركبة، يتعين على النظرية السيميائية للتعبير الموسيقي صياغة تصور نظري للتفاعل بين الرموز الموسيقية المفردة، نظرًا لأن العواطف المركبة غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عدة عواطف.

    2. نظريات البيرسونا (الشخصية المُتَخيلَة)

    ثمة طرح آخر يرى أن الموسيقى تُعبر عن العواطف من خلال “شخصية متخيلة” وسيطة، تخضع لسياق سردي يتكشف عبر الموسيقى. وتتجلى فائدة هذا الرأي تحديدًا في وصف كيفية تعبير الموسيقى الآلية “الخالصة” -التي لا تحتوي على نص يوجّه المستمع- عن العواطف.

    تشرح روبنسون أسباب جاذبية فكرة قدرة المقطوعة الموسيقية الآلية على التعبير عن الحالات النفسية لشخصية حقيقية أو متخيلة داخل العمل. أولها الطريقة التي يمكن من خلالها اعتبار القطعة، بكاملها، “منطوقًا تعبيريًا” أو “دراما نفسية”. ثانيًا، تقدم “الشخصية المتخيلة” الموسيقية تفسيرًا لكيفية تعبير الموسيقى الآلية عن العواطف “المركبة” دون الحاجة إلى كلمات؛ ولذلك تُعد النظرية الأولى المطروحة حتى الآن التي تقدم مثل هذا التفسير. وأخيرًا، وخلافًا لديفيز، تقترح روبنسون أن إسناد شخصية متخيلة يتيح لنا القول بأن الموسيقى الآلية الخالصة يمكن أن تكون “حول” العواطف التي تُعبر عنها”.

    ووفقًا لروبنسون، فإن مفهوم الشخصية المتخيلة مفيد أيضًا للتحليل البنيوي، إذ يتيح لنا تفسير الأحداث البنيوية التي قد تبدو -لولاه- شاذة في القطعة الموسيقية، ومن أمثلة ذلك ما ذكرته روبنسون عن نداء البوق “الشاذ” بنيويًا في منتصف الحركة الثالثة من السمفونية العاشرة لشوستاكوفيتش. علاوة على ذلك، حتى لو لم يكن هناك “شذوذ” ظاهر في القطعة الموسيقية، ترى روبنسون أنه من الملائم استحضار شخصية متخيلة في الموسيقى إذا كان هذا التفسير يتسق مع ما هو معروف عن ممارسات المؤلف ومعتقداته في التأليف، وإذا كان يُضفي معنى على كامل المقطوعة الموسيقية. ونظرًا لأن المستمع سيضطر إلى تكوين نوع من التمثيل الذهني لبناء “شخصية متخيلة”، يمكن فهم تأييد روبنسون لهذا النوع من النظريات بوصفه دفاعًا عن وجهة نظر معرفية للتعبير الموسيقي. ومع ذلك، من المفيد النظر في ميل روبنسون إلى مفهوم الشخصية المتخيلة في سياق نظريتها الأوسع حول تعبير الموسيقى عن العواطف كصيرورة، والتي ستُناقش لاحقًا.

    ويُعد ديفيز الناقد الرئيسي لمفهوم “الشخصية المتخيلة” في الموسيقى، إذ يرى أن الشخصية لا توجد “داخل” الموسيقى كما هو الحال بالنسبة لعناصرها كالألحان والتناغمات؛ بل تُستحضر من سياقات خارج الموسيقى. ويعترض بأن الموسيقى “لا تنقل مضمونًا قضويًا أو تصويريًا محددا… فالموسيقى الآلية الخالصة لا تملك القدرة على توجيه محتوى خيال المستمع أو تسييره”. وعلاوة على ذلك، يرى أن “الموسيقى تفتقر بشدة إلى التحديد، بحيث لا يمكنها تقييد مضامين مثل هذه السرديات بالقدر المطلوب”.وردًا على هذه الانتقادات، تبرر روبنسون نظرية البيرسونا بتطبيق مبدأ من مبادئ التأويل: “هناك قيود تفرضها الإمكانات التعبيرية للموسيقى؛ فليست كل قراءة ملائمة بذات القدر، إذ يتسم بعضها بالذاتية المفرطة ولا يمكن الدفاع عنها”. ومع ذلك، يُعد هذا الرد غير كاف لتفنيد اعتراض ديفيز المحدد، ومفاده أن غياب الشخصية المتخيلة في الموسيقى يعني وجوب عدم اعتبارها خاصية تعبيرية للموسيقى. وللرد على ذلك، يمكن القول إنه إذا فُهمت الشخصية المتخيلة باعتبارها خاصية للمستمع أو المؤلف، أو لكليهما، فإنها وإن لم تكن خاصية تعبيرية للموسيقى نفسها، قد تكون مثالًا على الطريقة التي تتوسط بها الاستجابات العاطفية تجاه الموسيقى.

    وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، ينتقد ليفنسون نسخة روبنسون من نظرية البيرسونا بحجة أن “التعبيرية الموسيقية الأساسية… هي شيء يُسمع مباشرة، لا يستنتج من قبل مستمعين منسجمين أو لديهم الخلفية الفنية المناسبة… “تفشل روبنسون” في التقاط الفورية التي ندرك بها التعبيرية الموسيقية الأساسية”. غير أن حدة انتقاد ليفينسون تضعف بسبب إخفاقه في شرح ما يعنيه بـ”التعبيرية الموسيقية الأساسية” باستثناء التعريف الذي طرحه: “تعبيرية المقاطع المفردة [كل مقطع على حدة]”. ويبدو أن فائدة مفهوم الشخصية المتخيلة في الموسيقى، بالنسبة لروبنسون، تكمن في قدرته على تفسير أشكال من التعبير الموسيقي تتجاوز العبارة أو المقطع الواحد.

    بالطبع، هناك احتمال -أشار إليه كيفي في مراجعته لكتاب روبنسون- أن بعض الأشخاص يسمعون [يدركون حضور] شخصيات متخيلة في الموسيقى، بينما لا يفعل آخرون. ومع ذلك، يبدو واضحًا أن روبنسون لا تدعي أن لنظرية البيرسونا أهمية لكل مستمع، بل ترى أنها مجرد طريقة واحدة للاستماع إلى قطعة موسيقية.

    وبالنظر إلى تشكيك كيفي في قابلية تعميم أطروحة روبنسون، يبدو من المناسب الآن النظر في المقاربة النفسية. حيث صاغ عالما نفس العواطف باتريك جوسلين ودانيال باستفيال مؤخرًا نظرية شاملة حول الموسيقى والعاطفة، تقترح مجموعة من الآليات الكامنة وراء الاستجابات العاطفية للموسيقى. إحدى هذه الآليات هي “الإشراط التقييمي”[2]، والتي تُفسر كيف يمكن للموسيقى أن ترتبط بسياق عاطفي محدد (مثل الشعور بالخوف)، والذي قد يُفضي أحيانًا إلى استثارة عاطفية نتيجة للعملية التلقائية واللاواعية للإشراط. وبمجرد أن يرتبط “المثير المشروط” (مثل موسيقى خلفية سعيدة غير مرتبطة بموقف مرعب) ارتباطًا وثيقًا بمثير غير مشروط (مثل الموقف المرعب)، قد يستحث المثير المشروط الحالة العاطفية ذاتها في سياق لا صلة له بالموقف الأصلي (مثل سماع موسيقى الخلفية ذاتها في حفلة). وبسبب الطبيعة اللاواعية لهذه الآلية، يمكن للمستمع أن يربط بين المثيرين دون أن يكون مدركًا لذلك. ومن ثم، يقدم الإشراط التقييمي منظورًا جديدًا ومفيدًا لمفهوم الشخصية الموسيقية، إذ يشير إلى أن الموسيقى الآلية يمكنها، على عكس ما يرى ديفيز، أن “توجه وتُسير مضمون خيال المستمع” بطريقة لاواعية، حتى وإن لم تنقل الموسيقى “محتوى قضويًا محددًا”.

    يُعد مفهوم الشخصية المتخيلة في الموسيقى الآلية طرحًا مفيدًا للأسباب التي أوضحتها روبنسون سابقًا. إضافة إلى ذلك، تقدم نظريات البيرسونا إلى جانب فهم كيفية “تخيلنا” للمضمون العاطفي الذي تتيحه البحوث النفسية الحديثة، تفسيرًا ضروريًا لكيفية إدراك مزيج معقد من العواطف في الموسيقى.

    3. نظريات الاستثارة


    تفترض نظرية الاستثارة، وفقًا لتعريف ديريك ماترافرز، أن ما يجعل وصف الموسيقى بأنها حزينة أو سعيدة صحيحًا هو قدرتها على إثارة استجابات عاطفية ذات صلة لدى المستمع. وقد يفهم من هذا أن الموسيقى الحزينة تثير حالة ذهنية “غير معرفية” مماثلة لحالة شخص يمر بتجربة حزن “في الحياة الواقعية”. ومع ذلك، يدافع ماترافرز عن موقف متشدد نسبيًا، إذ إن القطعة الموسيقية غالبًا ما ترتبط باستجابات عاطفية “شخصية” للغاية، ولا علاقة لها بالعاطفة “الحقيقية” للعمل ذاته، كأن تُذكّر المرء بحبيب سابق مثلاً.

    ويذهب آخرون إلى مواقف أقل تشدّدًا؛ إذ يفترض آرون ريدلي أن العواطف التي تستحثها الموسيقى تساعد في تحديد العواطف التي تعبر عنها الموسيقى. ووفقًا لريدلي، ليست الحالة الذهنية للمستمع هي التي تحدد ما تُعبر عنه الموسيقى؛ بل إن تحديد المستمع للدرجة الصحيحة من العاطفة هو ما يحدد حالة بعينها من حالات التعبير الموسيقي. ومن العيوب التي أشار إليها كل من ديفيز وروبنسون في نظرية ريدلي أن العواطف الفعلية التي تُثار لدى المستمع قد تختلف عن درجة العاطفة التي يعتقد المستمع أن الموسيقى تُعبر عنها، مما يقوض الادعاءات التي تطرحها نظرية الاستثارة.

    تسلط عدة دراسات نفسية في الأدبيات المتعلقة بالموسيقى والعاطفة الضوء على فرضية ديفيز القائلة بأن “(العاطفة) خاصية تعبيرية للموسيقى يدركها المستمعون في الموسيقى، لكنهم لا يشعرون بها”. وتشير روبنسون إلى دراسة تجريبية واحدة على وجه الخصوص أجرتها كارول كرومهانسل اختبرت فرضية ديفيز؛ والتي من خلالها خلصت كرومهانسل إلى أنه لا يمكن رفض نظرية الاستثارة رفضًا تامًا بسبب الارتباط القوي بين ادراك المستمعين لعواطف محددة في الموسيقى والعواطف “المحسوسة” المطابقة لها (التي جرى تحديدها من خلال مؤشرات فسيولوجية محددة، صُنفت استنادًا إلى قياسات معدل ضربات القلب، وضغط الدم، ومعدل التنفس، ودرجة حرارة الجلد، واستجابة التوصيل الجلدي).

    ومع ذلك، لا يمكن لنظريات الاستثارة أن تقدم تفسيرًا كاملاً لكيفية تقييمنا للموسيقى على المستوى المعرفي. وتشير النتائج التجريبية إلى أن التقييمات المعرفية يمكن أن تلعب في كثير من الأحيان دورًا في استجابة استثارة معينة. غير أن التقييم المعرفي الذي لا يرتبط بـ”العاطفة المتعرف عليها” في القطعة الموسيقية، قد يثير استجابة فسيولوجية جديدة قد تمتزج لاحقًا مع الحالة الفسيولوجية القائمة، مما يؤدي إلى إعادة تقييم، وهكذا دواليك. وبهذه الطريقة، يمكن اعتبار العمليات العاطفية التي تؤثر في استجابتنا العاطفية للموسيقى رد فعل متبادل بين كل من التقييمات المعرفية واستجابات الاستثارة. ومن ثم، فإن نظريات الاستثارة -التي تتجاهل تأثير العوامل غير المرتبطة بالموسيقى نفسها- تقدم تفسيرًا جزئيًا فقط لكيفية تعبير الموسيقى عن العاطفة.

    4. نظرية “الشبه”

    يأتي الاعتراض الرئيسي على نظرية الاستثارة من نظرية “الشبه” (المعروفة أيضا باسم نظرية الكونتور). ترفض نظرية الشبه المبدأ الأساسي لنظرية الاستثارة؛ وهو محاولة ربط التعبير الموسيقي بالعواطف المُعاشة. فهي تفصل بين السلوكيات الخارجية أو “المظاهر التعبيرية” والعواطف المُعاشة، على أساس أن السلوكيات المُعبِرة عن العاطفة قد تظهر بوصفها حالة شعورية مُعاشة [لدى البشر]، أو كخصائص شكلية مجردة [في القطعة الموسيقية]. ويجادل كل من كيفي وديفيز بأن الموسيقى، بدلًا من التعبير عن العواطف المُعاشة، تُعبر عن العاطفة من خلال تقديم خصائص عاطفية تشبه السلوكيات أو الحركات الموجودة في التعبير الإنساني عن العواطف. ويشير كيفي وديفيز إلى تعابير وجه بعض الكلاب كمثال على مظهر معين عند تقديم نظرياتهما. ويذكر كيفي وجه كلب من سلالة سانت برنارد بوصفه معبرًا عن الحزن [يحمل خصائص توحي بالحزن] بدلًا من أن يُعبرعن الحزن فعليًا. وبطبيعة الحال، لا يمكن لوجه الكلب أن يعبر عن الحزن لأنه سيتطلب أن يكون كل كلب من سلالة سانت برنارد حي في حالة حزن مستمرة. ويزعم كيفي أن الموسيقى تعمل بطريقة مماثلة؛ فهي لا تعدو عن كونها تعبيرًا (لمحاكاة) عاطفة ما.

    أما سكروتن فيرفض نظرية الشبه مستندًا إلى مبدأ “التبعية”؛ إذا كانت مجموعة من الخصائص (أ) تعتمد اعتمادًا كليًا على مجموعة من الخصائص (ب)، فلا يمكن وجود اختلاف في (أ) دون وجود اختلاف في (ب)، أي أنه لا يمكن فصل مجموعة من الخصائص عن الأخرى دون التأثير على المجموعة الأخرى بطريقة ما. ويفسر سكروتن ذلك قائلا:

    …الأصوات موضوعات ثانوية -مماثلة للكيفيات الثانوية، بمعنى أنها موجودة حقًا، غير أن طبيعتها تُحدّد بطريقة سماعنا لها. أما الموضوع الأساسي فهو الاهتزاز في الهواء، الذي يمكن -على عكس الصوت نفسه- إدراكه دون السمع. …والعمل الموسيقي موضوع من الدرجة الثالثة، وكذلك النغمات التي يتألف منها.

    يشير سكروتن إلى أن التعبير في الوجه يُعد خاصية تابعة للكيفيات الأولية والثانوية (مثل تكوين توتر العضلات والإدراك البصري على التوالي)؛ إذ لا يمكن فصله عن هذه الكيفيات دون حدوث أي تغيير آخر. وعند تطبيق هذا المبدأ على الاستعارة التي استخدمها كيفي وديفيز والتي تربط تعبيرات الوجه بالإيماءات الموسيقية، يجادل سكروتن بأن:

    إن أي قاعدة لإعادة إنتاج جميع الكيفيات الأساسية والثانوية للوجه ستعيد إنتاج التعبير تلقائيًا، حتى لو لم تذكر التعبير صراحة. وعلى العكس، إذا اختلف وجهان في تعبيرهما، فلا بد أن يختلفا في جانب آخر أيضًا.

    تزعم نظرية الشبه أن الإيماءة الموسيقية -التي تُعد “خاصية من الدرجة الثالثة” كما عُرّف سابقًا- يمكن أن تمثل عاطفة.  وهذا يُعد “اختزالًا مفاهيميًا” يعتمد على مبدأ التبعية. وبصياغة أخرى لتعبير سكروتن: “كل ما يمكن أن نعرفه هو أن الإيماءة الموسيقية -في سياقها- تسهم في إظهار تعبير ما. غير أن هذا السياق يشمل كل شيء آخر قد يُسمع كجزء من تجربة الاستماع الموسيقية الكاملة”. وكما تقول روبنسون:

    “…التعبير ليس مجرد مسألة مظهر؛ فوجه الإنسان الحزين يُدرك على هذا النحو لأنه غالبًا ما يكون نتيجة للحزن. وعلاوة على ذلك، فإن تعبيرات الوجه والصوت البشرية ليست مجرد علامات على العاطفة، بل تسهم في التجربة العاطفية نفسها”.

    أما بالنسبة لليفنسون، فإنه حتى لو كانت نظرية الشبه “صحيحة” وفق شروطها الخاصة، إلا أنها “محدودة” للغاية بحيث لا تقدم تفسيراً يذكر. ويجادل قائلًا:

    “…حتى لو كان تفسير نظرية الشبه للتعبيرية الموسيقية يقدم الأحكام الصحيحة في الحالات الفردية -أي، حتى لو أمكن تحديد درجة التشابه التي يجب أن تتوفر بين مجموعة من السمات الموسيقية وعاطفة معينة بحيث يكون المقطع الموسيقي الذي يشتمل على هذه المجموعة معبرًا عن العاطفة المعنية بالعموم- فإن ذلك لن يشكل تحليلًا مقبولًا للتعبيرية الموسيقية. ذلك لأنه لن يشرح ماهية التعبيرية الموسيقية، بل سيبين فقط أي مجموعات من السمات الموسيقية تتطابق معها وتُشكّل أساساً لها”.

    تقترح نسخة كيفي من نظرية الشبه أن الموسيقى يمكن أن تعبر فقط عن العواطف “المعتادة” (مثل الفرح أو السكينة). ويجادل بأن الموسيقى يمكن أن تكون معبرة عن العواطف التي تقع ضمن هذه الفئة، إذ إنها لا تحتاج إلى أن تتعلق بأي موضوع محدد، ولأن لها “تعبيرًا سلوكيًا معياريًا” يمكن تمثيله من خلال خصائص موسيقية واسعة النطاق. غير أن حجة كيفي تبدو أقل إقناعًا في ضوء الأدلة التجريبية التي جمعتها فيبي إلسورث والتي تشير إلى أن العديد من الأشخاص يصفون استجاباتهم العاطفية للموسيقى بأنها “أكثر تفصيلًا بكثير من مجرد شعور بالسرور أو الاستياء”. وتقترح نسخة ديفيز من النظرية أنه إذا رُتبت خصائص العاطفة بالطريقة الصحيحة، سواء في عبارة موسيقية أو حتى في قطعة كاملة، يمكن للموسيقى أن تعبر عن عواطف أكثر تعقيدًا من العواطف “المعتادة” لدى كيفي. ويكمن فرق آخر بين النسختين في أن ديفيز يعتقد أن الناس “نادرًا ما يخطئون” عند تحديد العواطف التي يشعرون بها استجابة للموسيقى، بينما يرى كيفي أنهم يخطئون في ذلك.

    ومع اتفاقها مع ديفيز في هذه النقطة، ترى روبنسون أن رؤية كهذه لا يمكن التوفيق بينها وبين نظرية الشبه التي يدعي ديفيز تأييدها. ولأن نظرية الشبه لا تضع التعبير عن عاطفة واحدة في سياق عملية ديناميكية من العواطف تمتزج مع بعضها لتكون عواطف جديدة، تجادل روبنسون بأن هذه النظرية لا يمكنها تفسير التعبير عن العواطف المركبة معرفيًا في الموسيقى. ووفقًا لروبنسون، لا يوجد فصل واضح بين التعبير العاطفي في الموسيقى والمشاعر الداخلية كما تقترح نظرية الشبه (قارن ذلك بحجة التبعية). فهي ترى أن هذين الجانبين هما جانبان من الظاهرة نفسها؛ “عملية واحدة معقدة يمكن فيها لتقييم غير معرفي أن يحفز عمليات جسدية تؤثر بدورها على رؤيتنا للعالم”.  ويحظى هذا المفهوم المتعلق بالاعتماد المتبادل بين المعرفة والعمليات الجسدية بدعم من نظرية حديثة للعواطف في علوم الأعصاب.

    باختصار، ترفض نظرية الشبه فكرة أن التعبيرية الموسيقية مرتبطة بإثارة العاطفة، وبالتالي فهي لا تستطيع تفسير كيف نشعر بالعواطف عند الاستماع إلى الموسيقى.

    5. نظرية “الصيرورة”


    على النقيض من كل من ديفيز (التقييم) وريدلي (الاستثارة)، تتخذ روبنسون من وجود اعتماد متبادل بين العمليات المعرفية والعمليات الجسدية أساسًا لنظريتها “العواطف كصيرورة، والموسيقى كصيرورة” (ويشار إليها فيما بعد بـ”نظرية الصيرورة”). وتبين روبنسون أن عملية الاستثارة العاطفية تبدأ بـ”استجابة تلقائية وفورية تُطلق النشاط الحركي واللاإرادي وتُهيئنا لاحتمال اتخاذ فعل”. بعد هذه الاستجابة الأولية، تُفضي عملية معرفية إلى تقييم وجداني قد يقود في النهاية إلى قدرتنا على “تسمية” العاطفة المحسوسة وفق ما تصفه روبنسون بـ”علم النفس الشعبي”. وتُعد هذه السلسلة من الأحداث صيرورة؛ صيرورة تتبادل باستمرار مع تقييمات جديدة واردة من البيئة الحيوية المتغيرة من حولنا. لذلك، قد تستحيل العواطف بعضها إلى بعض، مُحدثة مزجًا وصراعات والتباس يصعب معه وصف الحالة العاطفية التي قد نشعر بها في أي لحظة بكلمة واحدة؛ وبدلًا من ذلك، يُنظر إلى مشاعرنا الداخلية باعتبارها نتاج “تيارات” عاطفية متعددة. وتُعد الموسيقى، كونها سلسلة من العمليات التي تحدث بالتزامن، وسيطًا مثاليًا لـ”انعكاس” العواطف. بل إنها قادرة على أن تعكس الجوانب الأكثر “معرفية” للعواطف، كما في الحالات التي “ترغب” فيها الثيمات الموسيقية في الوصول إلى حل، أو في حالة الجملة اللحنية “لايتموتيف”، حيث تعكس الموسيقى عمليات الذاكرة. يمكن أن تعزز هذه العمليات الموسيقية المتزامنة بعضها البعض أو تتعارض معها، وبالتالي تُعبر أيضًا عن الطريقة التي “تتحول” بها عاطفة ما إلى أخرى مع مرور الوقت. وتُبرز أوجه الشبه الواضحة هنا بين العمليات الموسيقية والعمليات العاطفية مدى معقولية نظرية الصيرورة.

    وعلى الرغم من معقوليتها، ينتقد ديفيز نظرية الصيرورة لإدراجها عواطف مثل “الفزع والصدمة” واستبعادها الحب، “إلى جانب جميع العواطف التي تُختبر بوصفها أحداثًا تظهر في فترات محددة وممتدة زمنيًا”. ومع ذلك، فإن قدرة نظرية الصيرورة على تفسير كل من المكونات المعرفية والفسيولوجية للعملية العاطفية يجعلها أكثر قدرة من نظرية الشبه الخاصة بديفيز في مهمة تفسير كيف تُثير الموسيقى عواطف معقدة مثل الحب. كما يضيف ديفيز أن نظرية الصيرورة، بالقدر الذي تختزل فيه “العواطف إلى أحاسيس”، “لا تستطيع  التمييز بين الحالات الحقيقية الناتجة عن أسباب ملائمة، وبين السيمولاكر [المحاكاة الزائفة] الناتجة عن تأثير العقاقير”. ويعتبر هذا أيضًا نقدًا ضعيفًا عند الأخذ في الاعتبار أن حالتنا العاطفية قد تتأثر بعوامل مثل تناول أنواع خاطئة من الطعام أو قلة ممارسة الرياضة، ومع ذلك، قلما يزعم أحد أن المشاعر الناتجة عن ذلك هي أقل “أصالة”.

    من المفيد وضع نظرية “الصيرورة” لروبنسون في سياق نظرية ” الآليات المتعددة” لجوسلين وباستفيال (التي نوقشت سابقًا). حيث يجادل المؤلفان بأن “البحوث حول التعبير الموسيقي فشلت في أن تصبح تراكمية لأنها إما أنها أغفلت الآليات النفسية الأساسية وراء الاستجابات العاطفية للموسيقى، أو افترضت أن العواطف الموسيقية تعكس تقييمًا معرفيًا”. ويجادل جوسلين وباستفيال، مثل روبنسون، بضرورة تجاوز الرؤية “المعرفية” للعواطف، غير أنهما يختلفان عنها في اقتراح وجوب النظر في آليات بديلة وإن كانت “أقل وضوحًا” يمكن من خلالها أن تثير الموسيقى العواطف، مثل التقييم الإشراطي، والعدوى العاطفية، والتصور الذهني، والذاكرة العَرَضية والتوقع الموسيقي. ويشير كم كبير من الأدلة التجريبية إلى أن كل هذه الآليات تلعب دورًا في الاستجابات العاطفية للموسيقى، مما يعزز تأكيد نظرية الصيرورة بأن الموسيقى قادرة على إثارة جميع أنواع العواطف. وكما يوحي الاقتباس الافتتاحي لهذه المقالة لليفنسون، فإن النظريات “المعرفية” لدى فلاسفة الموسيقى مثل نظرية الشبه تعاني قصورًا شديدًا بسبب إخفاقها في تَقبّل ما تضمنته هذه الأدلة التجريبية.

    أحد أسباب ذلك هو أن الفلاسفة مثل ديفيز يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على “النص” (أي أنهم يعاملون الموسيقى كموضوع نصي بحت [لا تجريبي خبراتي]) وبالتالي ينتقدون علم النفس لاهتمامه بما تكشفه استجابة المستمع عن ذاته أكثر مما تكشفه عن الموسيقى، أو لحصر الطرق المتعددة غير المباشرة والمباشرة التي قد تؤثر بها الموسيقى عليه. وعلاوة على ذلك، فإن الفلاسفة يشككون بطبيعتهم في النتائج التجريبية لأنه غالبًا ما تتوافق نظريات متعددة مع مجموعة معينة من البيانات، وبالتالي يُطرح التساؤل حول الموثوقية التجريبية للدراسة النفسية. وعليه يرى الفلاسفة أن “ما نحتاج إليه… ليس المزيد من الحقائق، بل تعميق فهمنا الحالي، أو تأويلات جديدة للمعطيات المتاحة… (التي، بدورها، تصبح) موحية بأسئلة تجريبية جديدة…”.

    مع ذلك، يستشهد ديفيز أحيانًا بالدراسات التجريبية. فمثلًا، يدرس -على نحو حذر- إمكانية تعديل موقفه المعرفي ليشمل العواطف التي يمكن، في غياب موضوعات عاطفية أصيلة، أن تنعكس في استثارتنا من خلال عملية “العدوى العاطفية أو التناضح”، وقد استشهد مؤخرًا بدراسات في علم النفس الموسيقي لدعم ادعائه بأن عملية “العدوى العاطفية” هذه قد تتضمن مكونات فسيولوجية مثل محاكاة كل من لغة الجسد والتعبير الصوتي. ومع ذلك، يجب أن لا نبالغ في الحماس، لأنه على الرغم من أن هذا دليل على حوار متعدد التخصصات، فإن ديفيز لم يفسر بعد كيف يمكن للعوامل الفسيولوجية والمعرفية أن تتفاعل.

    في فلسفة الموسيقى، هناك انقسام بين من يرى أن التعبيرية خاصية من خصائص الموسيقى، وبين من يرى أنها من خصائص الذات التي تختبرها (كالمستمع). وبعبارة أخرى، يعتقد بعض الفلاسفة أن تعبيرية الموسيقى هي نتيجة أحكام نصدرها حول خصائص معينة في الموسيقى، في حين يرى آخرون أننا ندرك التعبير الموسيقي من خلال المشاعر التي تثيرها الموسيقى داخلنا. وعلى الرغم من أن كلا النهجين قد حظيا بدعم الدراسات التجريبية، فإن أيًا منهما لا يستطيع أن يصيغ تصورًا شاملًا لتعبير الموسيقى عن التوليفات العاطفية، والصراعات، والالتباسات التي تشكل العواطف الأكثر تعقيدًا. وتعد نظرية الصيرورة هي الأقرب لاقتراح مسار يمكن من خلاله دمج النهجين المنفصلين لنظريتي الشبه والاستثارة في نظرية قادرة على تفسير العمليات الموسيقية التي تُثير العواطف المركبة. وتستند هذه العملية إلى علاقة وثيقة بين المكونات الأساسية لنظريتي الشبه والاستثارة؛ هي التقييم المعرفي والاستثارة الفسيولوجية. وقد يقودنا تراكم الأدلة التجريبية إلى الاشتباه في أنه إذا كانت فلسفة الموسيقى ستتمكن من صياغة نظريات حول الآليات التي تكمن وراء هذه المكونات، فستحتاج، على الأرجح، إلى التعاون بشكل أوثق مع علم نفس الموسيقى.

    بالإضافة إلى ذلك، هناك مسار آخر من البحث لم يُوظف بعد بالكامل في فلسفة الموسيقى يتمثل في:

    تأكيد سكروتن على أن الموسيقى تمثل حالة خاصة من العلاقات الإنسانية. فمن خلال التعاون مع تخصصات مختلفة، مثل علم النفس التطوري وعلم الأعصاب وعلم الآثار (وغيرها)، بدأ علم نفس الموسيقى مؤخرًا في كشف العلاقة بين التفاعل الاجتماعي والموسيقى. ويقترح إيان كروس أن الموسيقى في معظم الثقافات غير الغربية تنطوي على “نشاط علني ومشاركة جماعية نشطة”، ويضيف أن الموسيقى تؤدي دورًا في كل مجتمع تقريبًا في “التفاعل بين مقدم الرعاية والرضيع، والترفيه وسلوكيات التودد، وكذلك في الطقوس، خاصة تلك التي تمثل انتقالات حياتية جوهرية (مثل حفلات الزواج والجنائز وغيرها). وبالطبع، تؤدي الموسيقى دورًا في الأنشطة اليومية الأكثر شيوعًا أيضًا. ومن ثم، يطرح كروس تعريفًا للموسيقى هو الأكثر “شمولية” وهو أنها “نشاط يرتكز على التفاعل، ويتغلغل في معظم جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى”. إن الصلة بين الموسيقى والتفاعل الاجتماعي ذات أهمية لأنها توحي بأن أصول التعبير الموسيقي قد تكمن في التواصل الصوتي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن نشاط الغناء قد يوفر الوسيلة الأكثر مباشرة لدراسة التعبير العاطفي في الموسيقى. ولذلك، إذا أرادت الفلسفة تطوير البحث الحالي حول التعبير الموسيقي إلى ما يتجاوز حدوده الراهنة، فستحتاج إلى التفكير في الموسيقى بوصفها “فعلًا اجتماعيًا” أو “منطوقًا اجتماعيًا” بدلًا من كونها “نصًا”.

    الهوامش

    [1] كل ما يرد بين معقوفتين [] في المقال هو إضافة توضيحية من المترجم. (المترجم)

    [2] تترجم أحيانًا بالـ التكييف التقييمي. (المترجم)

  • الضيافة المزدوجة: بين الكلمةِ واللمسِ

    الضيافة المزدوجة: بين الكلمةِ واللمسِ

    الكاتبريتشارد كيرني
    ترجمةمازن محمد

    الملخَّص

    ثمة توازنٌ دقيق وهشّ بين بقاء المرء وفياً للسانه وتاريخه من جهةٍ، وبين الحفاظ على إنصاتٍ أخلاقي للآخرِ من جهة أخرى. تكمن خطورةُ الموقف الأول في الميل لاستعمار الآخر واختزاله بعنفٍ. أما خطر الخيار الثاني ففي النزوع نحو خنوعٍ عاجزٍ عن تهيئة موئِلٍ لغوي يليق باستضافة الآخر. ولتوجيه الدفّة بين هذين الحدين من التطَرّف، نستدعي اولاً ضيافة ريكور الهرمنيوطيقية المشروطة في حوار مع ضيافة دريدا التفكيكية غير المشروطة.  غير ان ما نحتاجه في النهاية، هو مقاربة أكثر تجسّداً، ضيافة جسدية تساعدنا على تبيُّن الطرق القويمة للمس وعدمه، وعلى وصل الكلمة بالجسد، فتعلِّمنا كيف نتمثَّل الإمكان المستحيل للمصالحة والغفران مع الغريب.

    الكلمات المفتاحية

    (الهرمنيوطيقا الجسدية – بول ريكور – جاك دريدا – الضيافة – التفكيك)

    في هذا البحث سأقدِّم نموذجين للضيافة: اللغوية والجسدية. يستلهم النموذجُ اللغوي نهجَه من نموذج ريكور الهرمنيوطيقي، القائم على مفهوم الترجمة في حواره النقدي مع المقاربة التفكيكية لدريدا. أما الضيافة الجسدية، فهي تنطوي على نهجٍ أكثرَ تجسيداً للعلاقة بين المضيف والضيف، ومستوحاة من المفاهيم الفينومينولوجية لـ”الإحساس المزدوج” عند هوسرل وميرلوبونتي. أطروحتي الأساسيةُ تصبو الى تحقيقِ ضيافةٍ حقيقيةٍ، من خلال الحاجة إلى حركةٍ مزدوجةٍ للكلمة واللمس.

    1. النموذج اللغوي -الترجمة بوصفها ضيافةً

    تشكِّل الترجمةُ نموذجاً للضيافة اللغوية بقدر ما تنطوي على وساطةٍ بين لغةِ المضيف ولغةِ الضيف. وهنا يكمن مطلبٌ مزدوج: أن تبقى مخلصاً للغتك الخاصة مع البقاء يقظِاً لحداثة لغةِ الأجنبي. ومن الممكن تماماً أن يخل المرء بهذا الواجب إذا استسلم لأحد الإغوائين: الأول، الميل إلى تذويب الآخرِ وصهره في الذات، مختزلاً تفرّد الضيف لحساب المعاييرِ الشموليةِ للنسق اللغوي المحلي. وهذا يؤدي إلى ترجمة رديئة، إما على المستوى السياسي، فهي شكل من أشكال الشوفينية والاستعمار اللغوي. الثاني، الإغواء المضاد الذي يتمثل في إخلاء تام للسكن اللغوي، والاستسلام لخطاب الآخَرِ الوافد، إلى درجة لا يبقى فيها مضيفٌ في السكن ليستقبل أي ضيفٍ على الإطلاق. ففي هذه الحالة، قد ينبهر المرء أو يغمره الآخَرُ إلى حدِّ التماهي لاستكانة مطلقة. لتجنب الوقوع في أحد هذين الحدين بين الهيمنة أو الإذلال، يحسن بالمرء أن يحذو الطريق الوسطى للضيافة اللغوية، حيث يُكرّم كل من لغة المضيف والضيف على السواء مع مقاومة استيلاء أحدهما على الآخر.

    في كتابه حول الترجمة، يوضح ريكور العديد من الدلالات المختلفة لهذا النموذج من الضيافة اللغوية: “الترجمة لا تطرح عملاً فكرياً فحسب …. بل هي تطرح مشكلاً أخلاقياً أيضاً، يتمثّل في تقريبِ القارئ إلى المؤلف وتقريب المؤلف إلى القارئ، مع ما يحمل من خطر خدمة وخيانة سيدين، وهو ممارسة ما أحب أن أسميه الضيافة اللغوية. وهذا النموذج هو ما يصلح لأشكال أخرى من الضيافة التي أعتقد أنها تُقاربها: الاعترافات، والأديان، أليست مثل اللغات التي هي غريبة عن بعضها البعض، بمعجمها ونحوها وبلاغتها وأسلوبها الذي يجب أن نتعلمه للولوج إليها؟ ألا تؤخذ الضيافة الإفخارستية بنفس مخاطر خيانة-ترجمة، ولكن أيضاً بنفس التخلي عن الترجمة المثالية.”[1]

    إنّ الخطوةَ الحاسمة في مقاومةِ جاذبيةِ الترجمة المثالية هي احترام التوازن الجدلي بين القرب (الحفاوة بالغريب وسطنا) والبُعد (الاعتراف بأنَّ شيئاً ما يضيع دوماً في الترجمة: معاني الآخر لا يمكن أن أتمكّن منها بالكامل أبداً). المترجم “المضياف” هو من يسعى إلى توافقاتٍ تقريبيةٍ بين لسانين دون أن يفترض أنها توافقاتٌ نهائيةُ أو تامةُ. ولهذا تبقى الترجمة دائماً مهمةً لا تنتهي، فهي عملٌ يتجلّى فيه الكفاح بالمعنى التحليلي النفسي لـ Durcharbeitung -اشتغال نفسي تحويلي متدرِّج-، كجهدٍ شاقٍ ومُرهقٍ للوساطة بين عقل/ثقافة/عالم لغوي وآخَرَ. تنطوي هذه الوساطةُ على عملية حداد وتخلٍّ، وخاصة التخلي عن الدافع الأناني أو القبلي الذي يقلِّل من اختلافات الضيف لصالحِ إرادةِ الفرد الكاملة لتحقيق التطابق المثالي، كما لو أنَّ الترجمةَ لا تعترف إلّا بوجود لغةٍ حقيقية واحدة: هي لغتي أنا او لغتنا نحن فقط، ولكن الأمر ليس كذلك كما يصر ريكور: “لا يوجد شيء اسمه اللغة، بل هناك لغات”. “خائن، مترجم” (Traduttore, traditore): أنْ تترجمَ هو أنْ تخونَ بشكلٍ ما، فلا يمكن لأحدٍ أن ينصفَ ضيفَه تماماً. وهذا يعني تَقبُّل أننا جميعاً نعيش شرقَ عدن وما بَعد بابل، وأنَّ ذلك لهو أمرٌ حسن. إنَّ سقوطنا اللغوي هو أيضاً “تناهينا اللغوي”: التذكير بحدود الإنسان هو تذكرٌ يحمينا من وهم الاكتفاء الذاتي، ومن وهم استعادة لوغوس ما قبل السقوط (حيث نلعب دور الإله، نتكلم لغةً إلهيةً واحدةً، بكلمة مثالية وفي تطابق مثالي مع كل شيء). نحن أيضاً بحاجة للتخلي عن وهم لوغوس مثالي مستقبلي، مثل حلم عصر التنوير بلغة كونية ذات “نظام رمزي شامل” (caracteristica universalis) أو وهم بان-أوروبي بإسبيرانتو(a pan-European Esperanto). وبالفعل، يقف نموذجُ الترجمةِ كضيافةٍ، سياسياً، بوصفه اتهاماً لجميع المحاولات التاريخية لفرض لغةٍ واحدة على شعوبٍ متنوعةٍ، كاللغة اليونانية، او اللاتينية، او الفرنسية، او الإسبانية، واليوم الإنجليزية (المعروفة أحياناً باسم “غلوبش” Globish).[2] فلقد سعتِ الحملاتُ الإمبراطوريةُ دائماً إلى فرض لغةٍ عالميةٍ معياريةٍ على تعدد الألسن المحلية. وكما لكل لسانٍ حيّ الحقُ في أنْ يتكلّم عن نفسِه، له الحق بأن يُترجَمَ إلى لغاتٍ أخرى مع الاحتفاظ ببعضٍ من أسراره وخصوصياته غيرِ القابلة للترجمة. ومن هنا الأمر المزدوج المشروع لكلِّ لغات الضيوف أمام مضيفها: “ترجمني! لا تترجمني!”. خذني ولكن ليس على نحو كليّ؛ استقبلني، أدرجني، ولكن اتركْ لي شيئاً خاصاً بي. الترجمة الجيدة هي نقلُ دمٍ وليست انصهاراً كلياً؛ إنها تشير إلى حوارٍ متبادلٍ بين عالمين من دون أنْ تذيب اختلافاتهما في كلٍ موحَّد.

    وهكذا تتخلى الترجمةُ الضيافية عن أيِ ادعاء بالسيادة المطلقة، معترفةً بأننا نتشارك كلماتنا كما نتشارك الثياب. ولنقتبس -بشيء من التصرف- من ريكور: ينبغي أنْ نُتيح للغتنا أن تجرب ارتداء ثياب الغرباء في ذات الوقت الذي ندعوهم فيه للدخول في نسيج خطابنا. الترجمة هي “تبديل للثياب اللغوية”، بنوع من التقمّص. ومنذ النداء الأول للكلمة شرع كل شيء؛ في البدء كانت الهرمنيوطيقا، أي فن تأويل المعاني المتعددة، واللغات والمقاصد والمعاجم. في الأصل كان المؤول/ المترجم In principio fuit interpres. اذ لا يوجد اللوغوس النقي الخالص إلا لوغوس الإله. ونحن لسنا آلهة. أنْ تكون إنساناً هو أن تؤوِّل، وأن تؤوِّل يعني أنْ تترجم. ليس هناك ذات بلا آخر، ولا مضيفٌ بلا ضيفٍ. منذ الوهلة الاولى كانت الضيافة، وكما سنرى، فإنَّ ظلها “العداوة”.

    وعبر هذا المنحى، تنطوي الترجمةُ على الإقرار المتواضع بهشاشتنا وقابليتنا للخطأ مما يبقينا واعين دائماً على مهمةٍ لا تنتهي: المزيد من الترجمة، وترجمة أفضل، وترجمة بديلة، كَرَّة بعد اخرى. والمعيار الوحيد للترجمة الجيدة هو ترجمة أخرى. ولهذا السبب فإن الكلاسيكيات العظيمة غيرُ قابلةٍ للترجمة ولانهائية الترجمة في آنٍ واحد، حيث لا توجد ترجمات كافية لهوميروس أو شكسبير أو الكتاب المقدس (مرة أخرى: “حقيقة الكتاب المقدس هي بابل”)،[3] فنحن نتعامل مع دراما الضيافةِ الهشةِ، تلك التي وصفها ريكور جيداً:

    “على الرغم من الطابع الصراعي الذي يجعل من مهمة المترجم دراماتيكيةً، فإنَّ هذا الأخيرَ -هو او هي- قد يجد الرضا فيما أحبُّ أن أسميه الضيافة اللغوية. محنتها هي تلك المواءمة دون المطابقة التامة. إنها حالةٌ هشة لا تعترف بأيِ تحققٍ سوى ترجمة جديدة… أنْ تترجم من جديدٍ بعد المترجم… تماماً كما يمكن دوماً إعادة سرد الحكاية بطريقة مختلفة، كذلك في الترجمة يمكن دائماً أن تُترجم بطريقة أخرى، دون الأمل في ردم الهوة بين التكافؤ والتطابق التام. الضيافةُ اللغويةُ هي فعل السكن في كلمة الآخرِ موازياً لفعل استقبال كلمة الآخرِ في بيت المرء وسكناه الخاص”.[4]

    لكن لا يمكن للمضيف أنْ يحتجز الضيف في بيته دون شيء من العنفِ والانتهاكِ. وأحياناً، كما تنبهنا الشاعرة فاني هاو Fanny Howe “كي تبقى الضيافة، على الضيف ان يبارح الضائِفَ”. هناك نواةٌ غيرُ قابلةٍ للترجمة في كل تبادلٍ لغوي تذكِّرنا بأن لغات المضيف والضيف ليست أبداً متطابقة، ولا ينبغي أن تكون كذلك.

    وبينما ينطوي هذا الاعترافُ بالاختلاف الذي لا يمكن تخطيه، على حداد علاجي على وهم التطابق التام، فإنه يبشِّر أيضاً بتحدي التعددية والجِدَّة. ففي اللحظة التي يتقاطع فيها لسانان متمايزان يمكن أنْ يولد ثالثٌ. وهذه الولادة، كما ذُكر، قد تكون متعددة في الترجمات التي لا تُحصى للكلاسيكيات العظيمة -من اليونانية والسنسكريتية واللاتينية والعبرية -والتي يتم تقديمها في كل مرة بشكل مختلف إلى العديد من نُسخ الألسن المحكية. ونحن لا نأسى على تتابع الترجمات للأعمال التي لا حصر لها للعباقرة الكبار كهوميروس وفيرجيل وشكسبير وبروست؛ على العكس!  بل وينطبق الأمر نفسه على الكتاب المقدس، من ترجمته السبعينية من العبرية إلى اليونانية، إلى ترجمة القديس جيروم إلى اللاتينية، وإلى النُّسخ العامِّية اللاحقة بالإنجليزية (نسخة الملك جيمس) والألمانية (لوثر، بوبر، روزنزفايغ) والفرنسية (شوراكي) وغيرها. مع كل ترجمة يُدَشَن فائض دلالي جديد بفعل الاصطدام الخلاق بين الألسن المتمايزة، وهو أمر يعزِّز ثقافتين معاً. انظرْ مثلاً كيف حوَّلتِ الترجمة السبعينية لسفر الخروج 3:14 التصور العبراني الأصلي عن الاله “أنا من قد يكون” الذي يعبِّر عن الإله كحدوثٍ ووعدٍ تاريخي إسكاتولوجي الى التصور الأنطولوجي اليوناني، أي الى الكائن التام (ontos on) المُدرَك جوهرياً وصورياً.[5]والعكس صحيح. وبحلول وقت كتابة موسى بن ميمون ميتافيزيقاه (العبرية-الهيلينية) في دلالة الحائرين، كان كل من اليونان واليهود قد أعادا تفسير تصورهما الخاص لمعنى الكينونة في العالم. وهذا الثنائي من المراجعات شكَّل طرقاً جديدة للتفكير في الإنسان والزمان والعلاقة والتناهي. بعد الترجمة السبعينية للكتاب المقدس إلى اليونانية، يمكننا أن نتفق مع جيمس جويس بأن “اليوناني-اليهودي” هو “اليهودي-اليوناني”. غير أنْ أثينا وأورشليم ليسا هما الشيء نفسه ابداً.

    ولكنْ حذارِ: ليستِ الترجمةُ في صفّ الملائكة دوماً. فكلّ انتقال بين المضيف والضيف اللغوي يحمل في طيّاته احتمالَ الخيانةِ بقدر احتمال الولادة الجديدة. فعداء الآخَرِ حقيقي بقدر ما للضيافة من حقيقة. وكما بيّن إيميل بنفينيست Emile Benveniste (1902-1976) بجلاء في كتابه اللغة والمجتمع الهندو-أوروبي[6]، فإنَّ الضيافةَ (hospitality) والعداوةَ (hostility) تتقاسمان الجذرَ نفسَه (hostis)، الذي قد يعني في آنٍ واحد: المضيف والضيف، والصديق والعدو.[7] ومن هنا اقتُرحتْ فكرةُ الترجمة كفعل إنساني دراميّ – مهمة وعمل شاق ورهان بين العداء (الذي يختزل المضيف والضيف إلى كيان واحد) والضيافة (الإقرار الصائب بوجود فجوة أو مسافة بينهما). ولهذا تحدّث أنطوان بيرمان Antoine Berman عن الترجمة باعتبارها (l’épreuve de l’étranger) اختباراً أو امتحاناً وجودياً مع الغريب.[8] وهذا الاختبار الوجودي يستدعي بدوره نوعاً من الحكمة العملية (phronesis): القدرة على التمييز بين نداءات ومتطلبات الغريب، سواء كان أجنبياً أم مهاجراً أم لاجئاً، خصماً أم غازياً. ومن ثَمّ فإنّ تلك المراهنةَ الجدليةَ بين العداء والضيافة، بين الاحتراس والترحيب، تتطلّب قدرةً نقديةً للتنقّل بين منظوراتٍ متنوّعةٍ، لا تعمل فقط على المسافة بين-لغوية (بين اللسان الأمِّ والآخَرِ الأجنبي)، بل داخل اللغة الأمِّ أيضاً (فللغة الأمِّ أبناء كُثُر). ويمكن للمرء أن يضيف، إذا ما استحضر التحليل النفسي، القدرةَ على التوسّط بين الذات الواعية واللاواعية. فنحن قد نكون غرباء في لغتنا الأمِّ، وداخل عقولنا، أو كما تذكّرنا كريستيفا، بأننا غرباء عن ذواتنا من الأعماق.

    ومن الملاحظ أنَّ جاك دريدا يطرح هنا فكرةً جذريةً حول “استحالة” وجود أيِّ ضيافةٍ نقيّةٍ أو مطلقةٍ للغريب. فكلُّ ترجمةٍ تنطوي على قدرٍ من الخصومة مع الآخَرِ، طالما أنّها تطلب من الآخَرِ أنْ يصوغ نفسَه بمعجمِ الذات نفسِها (لغتي، سياق الحياة الخاص بي، ثقافتي، أفق تفكيري). وبوصفي المضيفَ، بمجرّد أنْ أسأل ضيفي: “من أنت؟”، حينها أكون قد افترضتُ الإجابة بمصطلحاتٍ أستطيع التعرّفَ عليها وتحديدها. فكلّ هرمنيوطيقا في الممارسة تنطوي على مزيجٍ من الضيافة والعداء -ما يسمّيه دريدا “ضيافة/عداء” (hostipitality)- أي الترحيب بالآخَرِ وفي الوقت ذاته ترجمة غيريّته إلى الـ”مِثل”. وعلى الرغم من أنّ ريكور يفسِّر هذا “المِثل” بمعنى الشَبَه (semblable) وليس المُتطابق (même)، فإنّ دريدا يتمسّك بالحدّ التفكيكي الصارم الذي يرى أنّ أيَّ حاجةٍ إلى الشبَه تمثّل سلفاً مساومةً على غرابةِ الغريب، في نوعٍ من الراديكالية لقراءة هوسرل الفينومينولوجية لمعرفة الآخرين في التأمّلِ الديكارتي الخامس.

    هكذا يتجلى الفرق: فهرمنيوطيقا الترجمةِ على طريقة ريكور تتطلّب ضيافةً مشروطةً (والتي تعني بالفعل قدراً من الحكم التأويلي حول ما يمتزج من “الضيافة-العداء” (hostipitalité)، أمّا التفكيك فيستلزم ضيافةً غيرَ مشروطةٍ، حينما يجري قبولُ الآخَرِ بغضِّ النظرِ عن أصله أو هويّته -سواء كان إنساناً أم حيواناً أم إلهاً. فالضيافة النقية لا تتطلّب بطاقاتِ هويةٍ أو جوازاتِ سفرٍ، إذ لا تعنيها مراقبةُ الحدود أو العقود، بل تتطلّب انكشافاً خالصاً للغيرية، وانفتاحاً على الغريب “من دون مسائلةٍ”. فإذا كان هناك من يطرق البابَ، فافتحْه دون أنْ تسأل مسبقاً إن كان قديساً أم وحشاً. إذ ما إن تتحوّل الضيافةُ إلى قوانينَ أو قواعدَ أو أعرافٍ، حتى تفقد جرأتها وروح المغامرة والخطر الجذري لعدم القابلية للحسم، “وللنعم” المطلقة لكلِّ ما يأتي. وكما كتب دريدا في كتابه عن الضيافة: “لنقل نعم لمن أو لما يحضر، قبل أيِّ تحديدٍ أو توقّعٍ، سواء كان الأمر متعلّقاً بأجنبي أو مهاجر، ضيف غير مدعو أو زائر غير متوقّع، سواء كان القادم مواطناً لدولة أخرى، أم مجرد  كائن-انساناً او حيواناً أو إلهاً-، حيّاً  كان أم ميتاً، ذكراً كان أم أنثى”.[9] وباختصار، ترحِّب الضيافةُ المطلقة بالغريب بمعزل عن جميع الاعراف القانونية أو السياسية أو الأبستمولوجية؛ تدعو إلى وثبةِ إيمانٍ نحو “الآخَر المطلق”، أو كما يقول دريدا بأسلوبه المعهود المفرط الدلالة: “كلّ آخَرَ هو آخَرُ مطلقٌ” (tout autre est tout autre). إنَّ الغريبَ دائماً هو غريب مطلق في الجوهر، ولا يوجد غريب أغرب لكي يُستبعد.

    ومع ذلك فإنَّ مثلَ هذه الضيافة النقية، بطبيعة الحال، ليستْ ممكنةً في الحياة اليومية، حيث لا يتوافر إلا شكلٌ من الترحيب المشروط دائماً بهذا القيد أو ذاك، ومن ثمَّ لا تكون “نقية” أبداً. فالضيافة المطلقة مستحيلة، وإذا وُجدتْ فهي، كما يعترف دريدا، لا تعدو أن تكون حلماً أعمى أو جنونياً أو صوفياً. وكل محاولة ــوهي تحدث يومياًــ لجعل المستحيل ممكناً هي في الواقع ضربٌ من الخيانة أو المساومة أو العدوى. وإذ تتحدث الضيافة الهرمنيوطيقية عن “إبدال” بين المضيف والضيف، تتحدث الضيافةُ التفكيكية عن “تلوث”. ولعل هذا ما يوضحه قول ريكور إن الفرق بينه وبين دريدا هو الفرق بين مصطلحي “الصعب” و”المستحيل”.[10]

    تبقى هنا ملاحظةٌ أخيرةٌ حول آثارِ الضيافةِ اللغوية على تبادل السرد قبل الانتقال إلى نموذجنا الثاني المتمثل بـ “الضيافة الجسدية”. ففي نصٍّ مهمٍ بعنوان تأملات حول إتيقا جديدة لأوروبا (1996 بالفرنسية/2004 بالإنجليزية). يطبِّق ريكور نموذجَه الخاص بالضيافة اللغوية على ما يسميه تحديداً “الضيافة السردية”[11]، واصفاً إياها بأنها “تحمّل المسؤولية في المخيلة وبالتعاطف تجاه قصة الآخَرِ، من خلال السرديات الحياتية التي تخص الآخَرِ”.[12] ففي حالة النصب التذكارية والشهادات يتخذ هذا التبادلُ شكلَ مشاركةٍ بين تواريخِ شعوبٍ مختلفةٍ، بحيث نمارسُ فنّ الإحالة art of transference الذي يتيح استقبال متعاطفٍ لقصة الجار أو الخصم أو المنسي. فكثيراً ما يكون سردُ أمةٍ لانتصارها هو سردُ أمةٍ أخرى لمعاناتها وهزيمتها. يحتاج المنتصرون والضحايا إلى تبادل المواقع عبر تبادل القصص، وهذا التبادل هو بالفعل دعوةُ إلى تغيير التاريخ: لإحياء الحكايات المنسية وفاءً لدَيننا تجاه الموتى.

    وحيث سبق لي أنْ تناولتُ أخلاقياتِ الضيافة السردية عند ريكور في موضع آخَرَ[13]، فسأقتصر هنا على ثلاث خصائصَ رئيسيةٍ:

    • أولاً، مرونة السرد: إذ يمكن رواية كل حكاية وإعادة سردها من زوايا متعددةٍ.
    • ثانياً، تجلّي السرد: يمكن إعادة فحص الماضي التاريخي من خلال “إمكانيات” غيرِ مختبَرةٍ أو غيرِ مستكشفةٍ، مما يمنح الماضي مستقبلاً؛ أو كما قال ريكور ببلاغة: “الماضي هو مقبرة لوعود لم تُوفَّ”، والضيافة السردية هي طريقة لإحياء القصص غير المروية حتى تتحقق تلك الوعودُ، “فتعيدها إلى الحياة كإحياء العظام اليابسة في الوادي الموصوف في نبوءة حزقيال”.[14]
    • ثالثاً، العفو السردي: من خلال التعاطف مع الآخرين، عبرَ تبادلِ القصص يمكننا اجتياز جراح الماضي ومداواتها لفتح فضاء للعطاء والهبة.[15] وهذا ينطوي على تجاوز مبدأ المعاملة بالمثل إلى مقامٍ صعب، وشبه مستحيلٍ، هو مقام المحبة؛ تلك الوثبة التي تتخطى قوانين العدالة باسم شيء “أسمى”، أي مسامحة العدو و”تحطيم الدَّيْن”. هنا تُستكمَل النواميسُ بالمحبةِ.

    وفي هذه الخطوة نحو شعريةٍ أرفع للعفو، تأتي اللحظةُ التي يحتاج فيها تبادلُ السرد -للتواريخ والذكريات والشهادات- إلى أنْ يُستكمَل بمصافحةٍ حقيقيةٍ للأيدي. فالضيافة السردية تستدعي ضيافةً جسديةً، حيث ينقاد النصي الى الملموس، وعندها تصبح الكلمة لمسةً.

    2. الضيافة الجسدية

    بالمصافحة تتأسس لحظة التحضُّر. فبدلاً من أنْ تمتدَّ اليدُ للغريبِ بحدِّ السيفِ، تنبسط للمصافحة. وانحلال القبضة الى كفٍّ مفتوحةٍ هو انحلال مزيج hostis الغريب/العدو إلى الدلالة الأخرى لـ hostis: الغريب/الصديق.

     تعود هذه المشاهد الأولية للضيافة الجسدية إلى بدايات الزمن. تأمَّلْ في إلياذة هوميروس حيث يُلقي الخصمان اللدودان ديوميديس وغلاوكون رماحَ العداء ليعانق أحدهما الآخَرَ بدلاً من تكرار دورات الانتقام الدموية الأزلية. فكِّرْ في سفر التكوين حيث يقدِّم إبراهيمُ وسارةُ للغرباء الثلاثة في مامْرِي خبزاً من أيديهما بدلاً من طردهم بالعنف؛ أو حيث صارع يعقوبُ “الملاك الرهيب” في فنيِيل حتى كشف له خصمُه عن اسم إسرائيل، محوِّلاً صراعه الأخوي مع عيسو إلى عناقِ مصالحةٍ في اليوم التالي؛ أو تأمل في يدَي المسيح الشافيتين، وهما تلمسان المكفوفين والمرضى، المُبْرَصِين والضالِّين، مُعيدَتَيْن الحياة للموتى. إنَّ قصص اللمسة الشافية تجدها مبثوثةً في أدب الحكمة: من غَسْل يوريكليا لجُرح أوديسيوس إلى باوكيس وفيليمون وهما يقدِّمان للغريب الجائع (زيوس) خبزاً عجنته أيديهما. وهي إيماءة تتواتر في بعض مشاهد “الضيافة” العظيمة في الأدب الغربي، من جان فالجان ومونسنيور ميريل في البؤساء، إلى تقاسم لذائذ الطعام في وليمة بابيت. إنَّ القوة العجائبية للَّمس والذوق، لليد والفم، هي قصةٌ متكررةٌ تجد أصداءً في بعض المصافحات التاريخية في زماننا، لحظات اللقاء الجسدي التي حوَّلتْ جراح العداء إلى “عجائب الضيافة”. تذكَّر مانديلا وديكليرك، هيوم وبيزلي، بيغن والسادات، رابين وعرفات، غاندي ومونتباتن. يخوض المرء الحرب أو يراهن على كفِّه.

    يمكن للضيافة الجسدية أنْ تعمل على عدةِ مستوياتٍ من التبادل المتجسِّد، حيث إنَّ اللمسَ هو الموضِع الذي يتحقَّق فيه الفعلُ الأساسي للانكشافِ للآخرين. وتعطينا الفينومينولوجيا تلميحاً عن سبب ذلك، عندما يُظهر هوسرل في الأفكار 2 آلية عمل التعاطف من خلال “الإحساس المزدوج” للَّمس، وهي ظاهرة انعكاسية، فعندما تَلمَس فذلك يعني كونك مَلموساً بنفسِ الآن. وقد طوَّر مفكِّرون مثل ميرلو-بونتي هذا الحدسَ البسيط في خِبرة اليد التي تلمس وتُلمَس من خلال مفهومه عن “الجسد-الذات”، كما فعلت جوليا كريستيفا Julia Kristeva (1941- ) بفكرة “الاعتماد السيميائي”.[16] لكن الفكرة الأساسية كانت قد أُعلنت بالفعل من قِبل أرسطو في أول عملٍ في علم النفس الإنساني، “في النفس“، عندما أعلن أنَّ “اللمس هو الأكثر فلسفية” من بين الحواس. وما قصده بهذا هو أنَّ اللمس هو الأكثر “كليةً” من بين الحواس، من جهة كونه مُتداخلاً في كل إحساساتنا (الضوء يلمس العينَ، الملح يلمس اللسانَ، الصوت يلمس الأذنَ إلخ). فاللمس مُفعّل دائماً. إنَّ الأجزاء الوحيدة من الإنسان التي لا تملك إحساساً لمسياً هي الشعر والأظافر: لذا يمكن تقليمهما دون ألمٍ. إنَّ الجسد اللمسي-الملموس هو الجسد المُعرَّض للخطرِ، أي إنه ما يعرِّضنا للغيرية، لتجربة ما هو مختلف عنَّا. (فالماء يمكن أنْ يكون بارداً لجسدٍ دافئ وحارّاً لجسدٍ باردٍ). “اللمس يميِّز الاختلافات”، قالها أرسطو مستخدماً الفعل اليوناني (krinein)، والذي يعني التمييزَ جسدياً بين الاختلافات والتباينات. فالجسد يشعر بما هو أسخن وأبرد منه أكثر مما يماثله في درجة حرارته. نحن نُحِسُّ بما هو آخر عن ذواتنا. فالألفة تولِّد اللامبالاة، كما أن الأنانية عديمة الإحساس. إن حسَّ اللمس هو ما يعرِّضنا للمخاطرة والمغامرة، للجِدَّة والولادة، لما يحدث فعلاً ونحن نلمس ونُلمَس من الآخرين، سواء أكانوا بشراً أم نباتاً أم حيواناً أم إلهاً. ولذا يقترح أرسطو بأنَّ ذا البشرةِ الناعمة هو ذلك المرء الأشد إحساساً لأنه الأكثر تحسُّساً. فالحكمة تنبع من الإحساس المتبادل، من التعاطف والانتباه، في حين أنَّ الرذائلَ مثل النهم والانفلات والإدمان، تنشأ من خيانة هذه الحساسية، أي من تحويل ميلنا الطبيعي إلى لمسٍ متبادلٍ إلى لمسٍ أحادي الجانب، وهو ما يؤدي إلى فرض مشاعري على الآخرين دون تقبُّل مشاعرهم. إنَّ اليدين والفم هما أكثرُ أجزاءِ الجسدِ حساسيةَ على الإطلاق. فالكفُ المفتوحة والشفاه العارية هما عتبتا انكشافٍ، ولهذا تُؤخذ القُبلة والمصافحة رمزَين ساميَين للسلام والضيافة.

    لكنَّ المصافحةَ تصبح رخيصةً إذا لم يُدرَك ما تنطوي عليه من مخاطرة. والسلام يصبح فارغاً (مجرد رمزٍ) إذا لم تكن الأيادي التي تلتقي “متلامسةً” حقاً، اي إذا لم يكن في الملامسة “لطفٌ” (tact). ومن أجل توضيح جذرية ملامسة اليد لليد في الإيماءات الأصيلة للضيافة والشفاء، أستشهد بمثال بوملا غوبودو-ماديكيزيلا Pumla Gobodo-Madikizela (1955-  )، العالمة الجنوب أفريقية الرائدة التي شاركت في “حركة الحقيقة والمصالحة” في التسعينيات، والتي حظيتُ بشرف محاورتها خلال زيارة إلى جامعة ستيلينبوش في مايو 2017. وقد روت لي قصةً -سجَّلتها في كتابها انسان مات تلك الليلة (A Human Being Died That Night) – تجسِّد بقوة مبدأ الضيافة الجسدية: أي أنَّ أكثر الحواس إنسانية هي “اللمس”، لأنها وحدها تنطوي على “الإحساس المزدوج” باللمس وتلقي اللمس، حتى في أكثر الظروف عُسراً على الضيافة.

    إليك القصة: في لحظة حساسة في عملية المصالحة، قررتْ بوملا لقاءَ يوجين دي كوك Eugene de Kock، سفاح “الأبارتهايد” (الفصل العنصري الوحشي)، والمعروف شعبياً باسم “الشر الأعظم”، الذي كان حينها في السجن. ولم تكن بوملا تُمنّي النفسَ بالأوهام لأنَّ: “دي كوك لم يكتفِ بأنْ يهبَ شرَّ الأبارتهايد اسماً فحسب، بل جسّد باقتدارٍ ذلك الشّرَّ”.[17] لقد عقدتْ بوملا العزمَ للقاء هذا القاتل سيئ السمعة، بعد أنْ سمعَتْ أرملة إحدى ضحاياه وهي تعبِّر عن استعدادها لمسامحته، بعد مشاهدته وهو يدلي بشهادته أمام لجنة الحقيقة والمصالحة في سبتمبر (1997). “أود أنْ أمسكَ بيده”، قالتِ الأرملةُ، “وأظهِر له بأنَّ هناك مستقبلاً، وأنه ما يزال بمستطاعه التغيير”.[18] هزَّ ذلك الصدقُ بوملا في الصميم، وفسّرت استعدادَ الأرملة للتواصل مع قاتل زوجها كفعل تعاطف استثنائي يتعذر تصوره، لأنَّ الأرملةَ لم تكن تذرف الدموعَ فقط لفقدان زوجها القتيل بل لانحسار إنسانية دي كوك الأخلاقية. وهذا ما أثار السؤال الحاسم: “هل كان دي كوك يستحق المغفرة المُظهرة له؟ هل كان الشر جوهرياً في دي كوك، والمغفرة مُهدرة عليه؟”[19] أو كما كان أوغسطين يتساءل: “هل كان من الممكن فصلُ الفاعلِ عن الفعل؟”[20]

    كانتْ بوملا تدرك أنَّ تصريح دي كوك الاعتذاري أمام لجنة الحقيقة والمصالحة، جاء كجزء من عملية العفو، غير انها كانت واعيةً أيضاً لعدم التماثل القائم بين الاعتراف بالذنب وفعل المغفرة عن الجاني، الذي قد تبدو كلماتُه فارغةً، وقد “تضيف إهانة للجرح”.[21] ومع ذلك، يكمُن معنى وأهمية الاعتذار، كما أدركت بوملا، في قدرته على”أنْ يؤدي ويتجاوز الكلمات الاعتذارية ذاتها”.[22] التركيز على “الأداء” المتجسِّد أمرٌ بالغ الأهمية هنا. لماذا؟ لأنَّ، كما قالت بوملا، “التعاطف هو ما يمكّننا من التعرف على ألمِ الآخَرِ، حتى في قلب المأساة، لأنَّ الألمَ لا يمكن أنْ يكونَ شراً. التعاطف يعمِّق إنسانيتنا… عندما يعتذر الجناةُ ويختبرون ألمَ الندمِ، مظهرين الأسف والتوبة، فإنهم يتصرفون كبشر”.[23] أثناء لقائها مع دي كوك في السجن، فوجِئت بوملا في لحظةٍ ما بدموعه وهو يبوح ليس بندمه فقط على قتلِ زوجِ الأرملةِ، بل وبتوقه في التراجع عن الخطأ أيضاً: “أتمنّى لو كانت هناك طريقة لإعادة (الجسد) حياً. أتمنّى لو كان بإمكاني القول: ها هو زوجُكِ”. أسرَّ دي كوك بهذا، باسطاً يديه كما لو كان يحمل جسداً غيرَ مرئي، كانت يداه ترتجفان، وفمه يرتعش، مضيفاً “ولكن للأسف… عليَّ أنْ أعيشَ مع هذا”.[24] ثم حدثَ المستحيل بعدها -فعل غير قابل للتصور من التواصل الجسدي. امتدتْ يدُ بوملا نحوه دون وعيٍ منها تقريباً، فلمستْ يدَه المنقبضةَ بإحكام لتجدها “باردةً ومتخشبةً”. حين تأملتْ هذا التصرف لاحقاً، قالتْ: “جعلني ذلك أتردد للحظةٍ وأعيد النظرَ في فعل مدّ يدي بوصفه شيئاً لا ينسجم وظروف لقاءٍ مع شخص أعار هذه القبضة نفسها، وهذا الصوت نفسه، في الماضي القريب، ليأذن بأعمال شّر لا توصف ويشرع فيها ضدَّ أناسٍ سودٍ مثلي تماماً”.[25]

    لم يكن ذلك العفو بخساً ولا انفعالاً ساذجاً، بل على العكس، إذا كان ثمّة شيء، فإنَّ هذه اللحظة الغرائبية وغيرَ المتوقعةِ تدل على حدثٍ من “ضيافةٍ مستحيلةٍ”. لقد ترك لقاءُ بوملا مع دي كوك في نفسِها نوعاً من الشعور بالذنب، إذ اختبرتْ لحظةً من التعاطف جعلتها تتساءل عما إذا كانتْ قد “تجاوزت الحدَّ الأخلاقي، من مجرد الشفقة التي تتيح ببعض المسافة، إلى حدِّ التماهي الفعلي مع دي كوك”.[26] كان للقاء أثرٌ على دي كوك نفسِه أيضاً. ففي أحد لقاءاتهما اللاحقة اعترف: “تعرفين بوملا، تلك كانت نفسها “يد القَتْل” التي لمستيها”.[27] هذا الاعترافُ المرعبُ ترك بوملا بمشاعرَ مختلطةٍ. من ناحيةٍ، شعرتْ بالضعف والغضب والانتهاك، بينما من ناحيةٍ أخرى أدركتْ أنَّ تصريحَ دي كوك قد يحمل أيضاً معنى مضمراً “قد تكون هذه أوّلَ مرةٍ يلمسه فيها شخصٌ أسودُ بدافعِ الشفقة. لم يلتقِ من قبلُ بالسود إلا كأعداء من وراء فوهة البندقية، أو مع أولئك الذين كانوا شركاءَ في القتل. ربما تعرّفَ دي كوك على لمستي بوصفها عبوراً لعتبةٍ جديدة، تجرِبة لم يعرفْها من قبلُ”.[28]

    لكن مثل هذا العبور العَتَبيّ كان بعيداً كلَّ البعد عن أن يكون أمراً بديهيَّاً؛ فقد كانت بوملا واعيةً بمرارة التناقضات الكامنة في لمس “يد القَتْل”، ومع ذلك لم تسحبْ يدها في تلك اللحظة من التبادل الجسدي. بل راهنتْ على الإمكانية المستحيلة لإنسانية مشتركة. “لقد كان عالمه عالماً بارداً” أدركَتْ هي ذلك “حيث عيون الموت تحدِّق فيه باتهامٍ، عالم يعج بالجثث والقبور… لكن مع كل فرادة أعماله المروّعة، كان دي كوك روحاً يائسة تسعى لتقنع نفسَها بأنها ما تزال تنتمي للكون الإنساني”.[29]

    إنَّ ما تكشفه حادثةُ لـَمس ِ”يد القَتْل” هذه، على نحوٍ لافتٍ، هو أنَّ تجربة بوملا الجسدية لندم دي كوك هي التي حفَّزت في المقابل قدرتها على الاعتراف بإنسانيته.[30] تلك الإيماءة اللحظية للعفو -أم للنعمة؟ – أثمرتْ فيما ما يبدو، لأنَّ ندمَ دي كوك وتعاطفَ بوملا كليهما كانا معيشيَين بالجسدِ أكثرَ منهما تقديرَين ذهنيَين. كان الأمرُ أقربَ إلى الاعترافِ منه الى الإدراك، أقربَ الى التحسُّس منه الى التجرُّدِ. وكما خلصتْ بوملا فيما بعد، فإنَّ الاعتذار الحقيقي، “ينصب على مشاعر الآخَرِ لا على ما سيجنيه المعتذرُ في النهاية. إنه يسعى للاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن الفعل المُسيء، ولا يلجأ الى لغة نرجسيةٍ لتبريرِ سلوك ِالشخصِ الطالبِ للصفحِ. يجب أنْ يُعبر ويُوصل ويتجسد كـ”فعل كلامي” يفصح عن رغبةٍ صادقةٍ في ترميم العلاقة المتصدعة التي أضرَّ بها فعلُ المعتذر”.[31]وباختصار، فإنَّ فعلَ “الأداء المزدوج”، جسّدَ اعترافاً متبادلاً بالإنسانية المشتركة بين الذات والغريب، المسامِح والجلّاد، بين صانع السلام والمجرم؛ أو كما قالت بوملا نفسُها: “عندما يستثار الندمُ في لحظةِ الشهادة… يعترف الجاني بالآخَرِ كإنسانٍ مثله. وفي ذات الوقت، يتعرّف الضحيةُ على وجه الجاني لا كوجه “وحش” ارتكبَ أعمالاً مروعةً، بل كوجهٍ فيه من الإنسانيةِ ما يكفي ليشعر بالندم”.[32] إنَّ الإمكانَ الصعب من الصفح في مثل هذه اللحظات -وربما لأجل ذلك ينعته ريكور ‘بالمـُعجز’- انما يكمن لا في السعي عن الأشياء التي تَشطُرنا، بل عن ذلك المشترك بيننا نحن ككينونةٍ بشريةٍ: الرحمة والتعاطف اللذان يشدّان هويتنا الإنسانية.[33]

    ولنا أنْ نسألَ مجدداً: لِمَ كل هذه الأهميةِ لليدين؟ أكانتا باعثتين أم كابحتَين، فاعلتَين أم متألِّمتين، مذنبتين أم مُصالِحتَين؟ ما يلفتني أكثر في شهادة بوملا هو ما تكشفه عن ضربٍ من الحكمة العملية التي تعمل على مستوى الجسد، حسٌّ فطِن يشتغل في غمار الجلد واللحم، في نهايات الأعصاب والأوتار، في لون البشرة وملمسها. هذه المعرفة المتجسّدة أسبقُ في الوجود من المعرفة التأملية، نمطٌ من اللباقة في صميم التلامس، ومن الفطنة بالمعنى الأصلي: تذوّق واختبار لما هو ملائم ومناسب، لما هو صادق وعادل. ومن هنا تتضح السلالةُ الاشتقاقية لمفهوم savvy: من الفرنسية savoir (المعرفة) ثم savourer (التذوّق) عائدة إلى اللاتينية sapere (يتذّوق/يعرف) ومنها sapientia (الحكمة). إنها مسألةُ حكمةٍ حسيةٍ أوليةٍ تعمل في المعاني الثلاثة لـ(sense/sens) الإحساس والاتجاه والمعنى: ثلاثة معانٍ تميّز كلَّ لقاء أصيل بين الذات والغريب.[34] وعندما تعمل القوى الجسدية لهذا الذكاء الفطري، وحس اللمس والذوق، يصبح من الممكن فعلياً، وفي لحظاتٍ استثنائيةٍ، أن يتحول الأندادُ الى أصدقاء، وأنْ يصبح الغرباءُ ضيوفاً، وباختصارٍ: أنْ تتحوّل العداوةُ إلى ضيافةٍ.

    غير أنَّ الأمرَ أعقدُ من أن يُختزَلَ، فالمصافحات قد تنقلب الى شعائرَ جوفاء، أو عهود خبيثة، أو استراتيجيات ماكرة، أو مناورات سلطوية تنبع من امتياز مسبق. من له الحق في مدّ يده الى من؟ وبأي غاية وبأي بواعث -صريحة أم مُضمرة ام مُلتَبسة؟  قبضة من حديد في قفاز من حرير؟ تذكّرْ تلك المصافحات سيئة السمعةِ بين هتلر وبيتان، وستالين وريبنتروب، وبوتين والأسد؛ أو قبضة ترامب الساحقة للعظام مع القادة الدوليين المنافسين. وماذا عن الحيلة المعاصرة الكارهة للأجانب، التي لجأ إليها سياسيون أوروبيون معينون لتحقير أقليات مهمشة (كاليهود الأرثوذكس أو المسلمين) الذين تمنعهم معتقداتُهم الدينية من مصافحة أشخاص معينين؟ لقد استُخدِمت الإيماءةُ التي يُفترَض أنْ تكون “كونية”-المصافحة- كخدعةٍ حزبيةٍ لاستبعاد أشخاصٍ على أساس الاختلافات الدينية والثقافية.[35]

    لذلك أقترح بأنَّ ثمة مسؤوليةً هرمنيوطيقية للتمييز بين المصافحات، تلك التي تعبر عن ضيافةٍ حقيقية وتلك التي تُضمر عداءً مموّهاً. إنَّ هرمنيوطيقا الشك (فيما يتعلق بالدوافعِ والمصالحِ والنوايا الخفيةِ) تحتاج لأن تُستكَملَ بهرمنيوطيقا الإثبات (فيما يخص أهدافَ السلم والعفو والضيافة). وما ينطبق على حقيقة المصافحة ينطبق على الإيماءات الجسدية الأخرى ذات المغزى الضيافي على السواء. تأمَّلْ في القبلة كفعل حب أو خيانة (قبلة يهوذا الغادرة، قبلة المعتدي الجنسي المسِيئة). هنا يُستبدَل “الإحساسُ المزدوج” للمس بإحساس أحادي الاتجاه للعنف المُلحق بالضحايا من دون اكتراث لحساسيتهم أو براءتهم. فكِّرْ أيضاً في مشاركة الطعام: اذ يمكن أنْ يتدهورَ فعلُ الوليمةِ المضيافة إلى طغيان الاستهلاك القسري الذي يعاقب أولئك الذين يرفضون ما يُقدم. تخبِر التوراة عن يهود قُتلوا لأنهم رفضوا طعاماً نجساً؛ كما إنَّ مشاطرةَ الخبزِ وتقاسمَ النبيذِ يمكن أنْ يتحولَ إلى فعلِ تسميمٍ أو خيانةٍ (مثل يهوذا في العشاء الأخير). حتى الفعل الجسدي لما يُسمى “ممارسة الحب” يمكن أنْ يتدهور إلى تحرشٍ أو اغتصابٍ. ليس كلُّ اقترانٍ هو اقترانُ محبّ (أي لمساً ثنائي الاتجاه). ولعل من المناسب أنْ نضيف أخيراً “وضع الأيدي”، تلك الإيماءة البليغة للضيافة الشافية في سياقاتٍ روحيةٍ وعلاجيةٍ متعددةٍ، غير أنها قد تنقلب أيضاً الى أداةِ تلاعبٍ شنيعة في قبضة مرشدين روحيين زائفين من امثال جيم جونز أو ديفيد كوريش أو تشارلي مانسون.

    وفي الواقع، ثمة من يستحضر هنا المسألة الأشد تعقيداً، اي مسألة اللمس كما تجلّتْ في الخلاف التحليلي النفسي حول التحويل العلاجي والتحويل المضاد، لا سيما فيما يتعلق بالنقاشات المبكرة بين فرويد ويونغ وشبيلراين Spielrein [36] وريتش Reich. فالنقلُ الجسدي مسألة حساسة، رغم أنني أعتقد أنه في تجربة فرويد نفسه كان التحويل اللفظي مشكلاً أشدَّ (مثل حالة دورا، حيثُ فرض روايته السرديةَ الخاصة على مريضته الشابة).[37] اذ يمكن أن تكون الكلمات إيروسيةً بقدر اللمس ذاته، كما تظهِر سجلاتُ الإغواء من دون جوان وكازانوفا الى العلاقات الخطرة للاكلو و”يوميات مغوٍ” لـ كيركيغارد. فالإغواء اللفظي غالباً ما يكون مشحوناً بقدر المداعبة الجسدية. ولهذا فإنَّ الهرمنيوطيقا تُعنى أيضاً بمعرفة متى يحسن الصمت أو الامتناع عن اللمس؛ إذ تضبط حدود الممكن قوله او لمسه. ففي أحيان يكون الأجدر لزوم الصمت ووضع يدٍ رحيمةٍ على كتفٍ أو ذراعٍ، وفي أحيان أخرى يكون الأحكم تعليق أيِّ تواصلٍ مباشر والاكتفاء “بالتداوي بالكلمات”. إنَّ هذه الفروقَ الدقيقة حاسمةُ الأهميةِ، فنحن نحتاج الى “بيداغوجيا اللباقة” فيما يخص طرائق التواصلِ، لا سيما في ضوء الالتباسات المعاصرة المثيرة للجدل بشأن قواعدِ السلوك بين الجنسين.

    يمكننا أنْ نسترشدَ ببعض النماذج الكتابية على حكمة التأني والتواصل.  فنداء المسيح القائم بين الأموات “لا تلمسيني” هو هرمنيوطيقا جسدية بنفس القدر في أمره لتوما كي يضع إصبعه في جرحه.[38] هناك مَسٌ ولمس، كما يقترح جان-لوك نانسي حين يؤكد أنَّ لقاءَ المسيح الأخير مع مريم المجدلية لم يكن غياباً تاماً للمس (لوحات معينة يحللها تظهر مريم تلمس ثوب المسيح أو بشرته بيدها) بل كان بالأحرى تحذيراً من “التَشبث” أو “التملك”. كان يطلب منها ألّا تتعلق به، بل تسمح له بأنْ يكونَ آخَراً، غريباً عابراً (hospes)، حتى تتحرر هي بدورها إلى محبّة الحواريين الأوسع (حيث يرسلها إليهم بعد وداعه الأخير). فهناك طرق متعددة للمس يد الرب او عدم لمسه كما نعرف من كنيسة سيستين لمايكل أنجلو. تماماً كما توجد هناك طرائقُ شتى لمصافحة الشيطان. إنَّ الهرمنيوطيقا الجسدية تتعلق بمحاولة تمييز الفرق، وتُعرّفنا الفينومينولوجيا على اللمس بالتماس ولمس عن بعد. إنَّ كونَ المرء في جوار أو حضور شخص ما يمكن أنْ يكونَ مؤثِّراً بعمقٍ حتى لو لم يجرِ أي تلامس جسدي حرفي على الاطلاق. قد تكون ايماءة اليد مصافحةً بوسائل أخرى، ولا تقل قوةً عن المصافحة في الظروف المناسبة. فالأمر في النهاية هو مسألة هرمنيوطيقا جسدية: تمييز الطرق السليمة للمس وعدم اللمس، للقول وعدم القول، للكلام والحضور الصامت؛ هي معرفة العلاقات الصحيحة مع الأشخاص المناسبين في الأزمنة والأمكنة المناسبة، ومعرفة كيف نكون بعيدين وقريبين، غائبين وحاضرين، غرباء ومألوفين بالقدر المناسب. وإلّا فلن يبقى هناك تمييز حقيقي بين المضيفين والضيوف، ولا انفصال ولا فجوة، ولا مخاطرة، ولا رهان، ولا تجربة للغرابة، ولن تبقى هناك غيرية للاعتراف بها واحتضانها. ولهذا فإنَّ الضيافة الجسدية تظل دوماً ممارسةً متجددةً، لا منجزاً مكتملاً.

    3. خاتمة

    في تعليق له على أحد لقاءات بوملا غوبودو-ماديكيزيلا إبّان عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، قال رئيسُ الأساقفة توتو: “ينبغي أنْ يملأنا ما سمعناه بتواضعٍ عميقٍ… والآن علينا أنْ نولي وجوهنا شطرَ المستقبلِ تاركين وراءنا هذا الماضي المروعَ ونقول: الحياة إنما وجدتْ لتُعاش”.[39] وقد تساءل ت. س. إليوت ذات قصيدٍ: “بعد هذه المعرفة أي غفران؟”. ولعلّنا نجرؤ أنْ نضيفَ: بعد هذا الغفران أي معرفة تبقى لنا؟ فإنْ كانتْ، فأي نوعٍ من المعرفة هي؟ أمُجرَّدة أم مُتجسِّدة أم كلاهما؟ وماذا نصنع بها؟ هل نواصل التذكر وإعادة النظر والعمل عبر الجراح لنُدوِّن الحقيقة؟ أم نقرر أنْ نغفرَ وننسى؟ ثمة مصافحات تُعلن رغبة استبقاء الذاكرة، وأخرى تومئ إلى أنَّ لحظةَ التخلي قد حانتْ. وهذه إشكاليةٌ أساسيةُ ليستْ شأناً يخصُّ لجنةَ الحقيقةِ والمصالحةِ في جنوب أفريقيا وحدها، بل إشكالية تواجه محاكمَ الحقيقةِ الأخرى والنصب التذكارية في مجتمعات ما بعد الصدمة في جميع أنحاء العالم، وهي كثيرة.[40] إنه عمل هرمنيوطيقي واسع النطاق لا بد من إنجازه، كي تُلامَس الجراح العميقة ويتحقق فعلياً الشفاء الحقيقي.  

    المراجع

    • Arendt, Hannah, Eichmann in Jerusalem (New York: Viking, 1963).
    • Becker, Brian et al. eds. Unconscious Incarnations (New York: Routledge, 2018).
    • Benjamin, Walter, “The Task of the Translator” in Walter Benjamin: Selected Writings
    • Volume I, (Cambridge: Harvard University Press, 1996).
    • Benveniste, Emile, Indo-European Language and Society, trans. Jean Lallot (London:Faber and Faber, 1973.
    • Berman, Antoine, L’ épreuve de l’ étranger: Culture et Traduction dans l’Allemagne  Romantique (Paris: Gallimard, 1984).
    • Crépon, Marc, Les Promesses du langage: Benjamin, Rosenzweig, Heidegger (Paris: Vrin   2001).
    • Crépon, Marc, Langues sans demeure(Paris: Galilée, 2005).
    • Derrida, Jacques, Monolingualism of the Other or The Prosthesis of Origin, trans. Patrick Mensah (Stanford: Stanford University Press, 1998).
    • Derrida, Jacques, Of Hospitality, trans. Rachel Bowlby (Stanford: Stanford University Press, 2000).
    • Gobodo-Madikizela, Pumla, “Remorse, Forgiveness, and Rehumanization: Stories from South Africa” in Journal of Humanistic Psychology (42, no. 1, 2002), 7–32.
    • Gobodo-Madikizela, Pumla, A Human Being Died That Night: A South African Woman Confronts the Legacy of Apartheid (New York: Houghton Mifflin Company, 2003).
    • Gobodo-Madikizela, Pumla, “Trauma, Forgiveness and the Witnessing Dance: Making Public Spaces Intimate” in Journal of Analytical Psychology (53, no. 2, 2008) 169.181.
    • Gobodo-Madikizela, Pumla, Dare We Hope? Facing our Past to find a New Future (Cape Town: Tafelberg, 2014).
    • Kearney, Richard, Strangers, Gods and Monsters (London and NY: Routledge, 2003).
    • Kearney, Richard, “The Ethics of Memory” in Difficulties of Ethical Life, ed. Shannon Sullivan and Dennis Schmidt (New York: Fordham University Press, 2008).
    • Kearney, Richard and Kascha Semonovitch eds., Phenomenologies of the Stranger (New York: Fordham University Press, 2011).
    • Kearney, Richard, “Memory in Irish Culture” in Memory Ireland vol. 3: The Famine and the Troubles, ed. Oona Frawley (New York: Syracuse University Press, 2014).
    • Kearney, Richard and Brian Treanor eds., Carnal Hermeneutics (New York: Fordham University Press, 2015).
    • Krog, Antjie, Country of My Skull (New York: Three Rivers Press, 2000).
    • Lomax, Eric, The Railway Man: An OPW’s Searing Account of War, Brutality and Forgiveness (New York: Norton, 1995).
    • Raffoul, François, “Chez Lui, Chez L’autre” in Les Temps Modernes on “L’événement déconstruction,” July–October, 2012, nos 669–670.
    • Ricoeur, Paul, “Reflections on a new Ethos for Europe,” in Paul Ricoeur: The Hermeneutics of Action, ed. Richard Kearney (London: Sage, 1996), pp. 3–14.
    • Ricoeur, Paul, “Difficult Pardon” in Memory, History and Forgetting, trans. Kathleen Blamey and David Pellauer (Chicago: University of Chicago Press, 2004).
    • Ricoeur, Paul,On Translation, trans. Eileen Brennan (New York: Routledge, 2006) Veldsman, Daniel and Yolande Steenkamp eds. Debating Otherness with Richard Kearney Perspectives from South Africa (Durbanville: Aosis Publishing, 2018).

    الهوامش

    *  ريتشارد كيرني (1954-) فيلسوف إيرلندي معاصر وأستاذ الفلسفة في كلية بوسطن، يشتغل في الهرمنيوطيقا ولاهوت ما بعد الحداثة.  

    ** باحث أكاديمي مستقل من العراق، حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة من جامعة تسمانيا بأستراليا.    

    ***  Kearney, Richard. “Double Hospitality: Between Word and Touch.” Journal for Continental Philosophy of Religion 1 (2019): 71–89.

    [1] Paul Ricoeur, On Translation, trans. Eileen Brennan (New York: Routledge, 2006), p. 23.

    [2] ارتبط حلم إيجاد لغة كونية (Universal Language) -بنظام رمزي شامل- بتاريخ طويل من الاقتراحات الفلسفية واللغوية الغربية. من أهم هذه الاقتراحات مشروع (characteristica universalis) الذي بلوره الفيلسوف الألماني لايبنيز في القرن السابع عشر، بوصفه نظاماً رمزياً قادراً على التعبير عن الأفكار البشرية بوضوح رياضي يزيل غموض اللغات الطبيعية. كان هذا المشروع امتداداً لتجارب التكوين اللغوي المثالي التي نشطت في عصر النهضة الأوروبي، واختلطت فيها طموحات العلوم مع مطامح التوحيد الديني والثقافي. وقد رأى فيه لايبنيز سبيلاً لـ”إصلاح العقل” ووسيلة لتوحيد المعرفة وتسهيل التواصل الفكري بين الأمم. لكن لم يُكتب لمشروعه أن يتحقق، وتحول لاحقاً إلى مصدر إلهام لظهور لغات تحليلية ومنطقية كـ”بيغريفشريفت” (Begriffsschrift) لدى فريجه (Frege). أما إسبيرانتو، فقد أنشأها الطبيب البولندي لودفيك زامنهوف (Ludwik Zamenhof) عام (1887) كأول لغة اصطناعية واسعة الانتشار. هدفت هذه اللغة إلى تحقيق التواصل السلمي بين الشعوب بانطلاقها من بُنى لغوية عالمية مبسّطة. ومع ذلك، بقيت فكرة “بان-أوروبي إسبيرانتو” حلماً يواجه عراقيل ثقافية وسياسية ولم تتحقق فعلياً، رغم رواجها المؤقت بين دعاة الفيدرالية الأوروبية واللغويين الدوليين. يربط المؤرخون اللغويون بين الحلم بـ(characteristica universalis) وموجة اللغات الاصطناعية العالمية (مثل فولابوك وإسبيرانتو وإيدو). ويرون أن هذه المشاريع كانت امتداداً للسعي لتجاوز حواجز اللغات الطبيعية وتعويض تراجع اللاتينية كلغة علمية عالمية، والبحث عن وسيط محايد للتبادل الحضاري والعلمي. رفضت غالبية المفكرين عملياً فكرة اللغة الكونية، وأكدوا على أن كل لغة تحمل خصوصية ثقافية غير قابلة للاختزال. كما أن إسبيرانتو، رغم نجاحها النسبي، لم تحقق الحلم الكوني للاتصال التام أو إزالة الفروق الجوهرية بين الشعوب. أما مصطلح (Globish) فقد ظهر حديثاً لوصف الإنجليزية المبسّطة العالمية، خاصة النوع المنتشر في الأعمال والتقنية والسياحة. يُستخدم في هذا السياق نحو (1500-2500) كلمة فقط، بعيداً عن تعقيدات الإنجليزية الأصلية، لتكون أداة تواصل محايدة غير محمّلة بهوية ثقافية واحدة. يُنظر إلى (Globish) نقدياً كرمز للعولمة اللغوية الجديدة وهيمنة الإنجليزية، بحيث تصبح “باهتة الهوية” وتكاد تتحوّل إلى أداة تواصل براغماتية تخدم النظام التقني والاقتصادي العالمي من دون جذور أدبية أو حضارية واضحة. يستخدم الأكاديميون مصطلح (Globish) ضمن دراسات الهيمنة اللغوية والنقد الثقافي لهذه الظاهرة، ويقارنونه غالباً مع مشاريع اللغة الكونية الاصطناعية مثل إسبيرانتو، ليبرزوا أن “غلوبش” ليست لغة جديدة، بل منتَج لغوي مختزل نشأ بفعل توسّع الإنجليزية وتبسيطها في سياقات غير أصلية. (المترجم).

    Jaap Maat, and David Cram. Universal language schemes. In L. R. Waugh, M. Monville-Burston, & J. E. Joseph (Eds.), The Cambridge History of Linguistics. Cambridge University Press. 2023, (pp. 233-257).  

    Kristine, Newton.”Can Globish be the Language of the World? Examining the Effectiveness of Using Highly Simplified English in International Education.” Literacy Information and Computer Education Journal (LICEJ), vol. 4, no. 3, September 2013, pp. 1166-1170. 

    [3]  تستند الفكرة هنا إلى سردية برج بابل في سفر التكوين (الإصحاح 11)، حيث يروي النص تشتُّت البشر لغوياً بعد محاولتهم بناء برج يصل إلى السماء. كان للبشر لسان واحد، لكن الإله بَلبَل ألسنتهم وبدَّدهم في الأرض. كما تشير إلى مفارقة الترجمة وإلى حركة ترجمية لا تنتهي يثيرها النص المقدّس عبر الثقافات والأزمنة. فالكتاب المقدّس، مثل برج بابل، يفرض تعدد الترجمة ويتعذر إكمالها في آن واحد: يحتاج دائماً إلى نقلٍ جديد إلى لغات شتّى، لكن لا يمكن لأي ترجمة واحدة أن تستنفده. إنه قابل للترجمة بلا نهاية وغير قابل للترجمة في آن واحد.

         وهذا يقارب مفهوم اللغة الخالصة (pure language) عند والتر بنيامين، حيث تتقارب جميع اللغات نحو معنى واحد لا تستطيع أي لغة تملُّكه نهائياً، وتكمل كل لغة الأخرى في سعيها نحوه. أما دريدا فيرى أن قصة برج بابل “سردية فوق-سردية” لأنها تكشف طبيعة اللغة كنظام من الاختلافات والإحالات اللامتناهية. فالإله لا يعاقب البشر لمحاولتهم الوصول إليه بقدر ما يعاقبهم على رغبتهم في “صناعة اسم واحد لأنفسهم” وإقامة نسبٍ موحَّد. فجاء العقاب في تعدّد الألسن والحاجة الدائمة إلى الترجمة.

         من هنا يصبح قول “حقيقة الكتاب المقدّس هي بابل” إشارة إلى أن النص المقدّس نفسه يخضع لمنطق الشتات، منفتحاً على تأويلات وترجمات لا تنتهي. فتعدد المعنى لا يستقر نهائياً في مسكن لساني واحد، وكما يقول بنيامين، تمنح الترجمة النص الأصلي “حياة لاحقة” (Fortleben) تُبقيه متجدداً في المعاني عبر العصور. وكذلك شأن النصوص الكلاسيكية الكبرى: عظمتها ليس في كونها تامةً بل في قدرتها على إثارة معانٍ جديدةٍ في كل سياق ثقافي ولغوي. (المترجم)  

       Craig G., Bartholomew. “Babel and Derrida: Postmodernism, Language and Biblical Interpretation.” Tyndale Bulletin 49, no. 2 (1998): pp. 305-328.

    Weidner, Daniel. “Life after Life: A Figure of Thought in Walter Benjamin.” Zentrum für Literatur- und Kulturforschung Berlin (ZfL), 2012. Paper presented at the Conference: Afterlife. Writing and Image in Walter Benjamin and Aby Warburg, Universidad Federal de Minais Gerais, Belo Horizonte, Brasil, October 2012. Pp.8-12.

    [4]  Ibid., p. 10 (Sur la traduction, Bayard, Paris, 2004, pp. 19–20; cited p. xvi). See also here Walter Benjamin’s notion of the ‘untranslatable kernel’ in ‘The Task of the Translator’ in Walter Benjamin: Selected Writings Volume I, Harvard University Press, Cambridge, 1996 and Marc Crépon’s work on the relation between linguistic singularity, translation and hospitality, Les Promesses du langage: Benjamin, Rosenzweig, Heidegger (Paris: Vrin, 2001) and Langues sansdemeure(Paris: Galilée, 2005) where he considers the foreignness even of the mother tongue. I am grateful to Sarah Horton for the Crépon reference.

    [5]   تشير الصيغة العبرية في سفر الخروج (3:14) אהיה אשר אהיה (ehyeh asher ehyeh) إلى فعلٍ في طور التحقق وصيرورةٍ مُصاحِبة: “أكون/سأكون” بما ينطوي عليه من وعدٍ بحضورٍ زماني للإله، لا إلى تعريفٍ ماهويّ مجرّد للألوهة بوصفها “جوهر الوجود” التام.

          غير أنّ الترجمة السبعينية اختارت أنْ تنقلها إلى اليونانية بصيغة: ἐγώ εἰμι ὁ ὤν (ego eimi ho on) (أنا هو الكائن)، محوِّلةً محور القول من “فعل الصيرورة والوعد” إلى “اسم الهوية الأنطولوجية”. وقد جرى هذا التحويل تحت وطأة معجم الميتافيزيقا اليونانية (الكائن، الوجود، الجوهر)، حيث تمت مقاربتها مع (ontos on) بوصفه “الكائن حقّاً” أو “الوجود التام”، بدلاً من إبقائها في ألافق الزماني والإسكاتولوجي. وفي هذا السياق، يعيد ريتشارد كيرني في دراسته “Heidegger’s Three Gods” تأويل هذا النص العبري ضمن معجم الإمكان وليس الفعلية التامة، مقترحاً ترجمة “أنا من قد يكون” التي تؤكد على البُعد الزماني والإسكاتولوجي للحضور الإلهي، وذلك انسجاماً مع نقد هايدغر للأنطو-ثيولوجيا التقليدية. (المترجم)

    Faith Ochenia, Opade. “A Kernel Literal Analysis of God’s Revealed Name in Exodus 3:14.” African Theological Journal for Church and Society 2, no. 2 (2021): 3-18.

    Richard, Kearney. Heidegger’s Three Gods. Research Publication Series, Centre for Research in Philosophy and Literature, University of Warwick, 1992. pp.22-30.

    [6]  تُثير ترجمة كيرني لعنوان بنفينيست إشكالية أكاديمية لافتة تتعلق باستراتيجيات الترجمة. فالعنوان الفرنسي الأصلي “Le vocabulaire des institutions indo-européennes” يُترجم حرفيّاً إلى “مفردات المؤسسات الهندو-أوروبية”. غير أنّ كيرني، في النص الذي ننقل عنه، استعمل عنواناً مختلفاً هو “Language and Indo-European Society” (اللغة والمجتمع الهندو-أوروبي)، في اجتهاد يبتعد عن الحرفية لكنه يحاول ان يقنرب من روح الكتاب. أمّا الترجمة الإنجليزية الرسمية التي أنجزتها إليزابيث بالمر في عام 1973 فجاءت بعنوان “Dictionary of Indo-European Concepts and Society” (معجم المفاهيم والمجتمع الهندو-أوروبي). لم يكن هذا التغيير اعتباطيّاً، اذ يمكن تفسير هذا التغيير في ضوء ما أقرّ به بنفينيست نفسه في مقدمة كتابه، بأنّ العنوان الأصلي قد يوقع في الالتباس، إذ أكّد على أنّ عمله “ليس معجماً تقليدياً بل دراسة مقارنة شاملة للسلوكيات والمؤسسات الاجتماعية”، وأن هدفه “تحليل تكوين وتنظيم مفردات المؤسسات، لا إعداد جردٍ آخر للحقائق الهندو-أوروبية”. لذا نجد ان بالمر اختارت كلمة Dictionary لتعكس الطابع المرجعي التحليلي للعمل، وConcepts بدلاً من Institutions لتؤكد تركيزه على البنية المفاهيمية والذهنية أكثر من توصيف المؤسسات. ويعزز جورجيو أغامبين هذا التوجّه في مقدمته للترجمة الجديدة، واصفاً الكتاب بأنه “ذروة اللسانيات في القرن العشرين… ليس مجرد معجم بل تحليل مفاهيمي عميق يتجاوز اللغويات المحضة إلى الأنثروبولوجيا الثقافية”. هكذا تبيّن هذه الحالة أن الترجمة “الحرة” قد تعبّر أصدق عن محتوى النص وروحه من الترجمة الحرفية، وتوضح التحدي الدائم الذي يواجه المترجم بين دقّة العنوان ووضوح المضمون للقارئ المستهدف. (المترجم)  

         Émile, Benveniste. Dictionary of Indo-European Concepts and Society, trans. Elizabeth Palmer, Chicago: HAU Books, 2016.

    [7] Emile Benveniste, Le Vocabulaire des Institutions Indo-Européenes (Paris: Minuit, 1969) / IndoEuropean Language and Society, trans. Jean Lallot (London: Faber and Faber, 1973).

    [8] Antoine Berman, L’ épreuve de l’ étranger: Culture et Traduction dans l’Allemagne Romantique  (Paris: Gallimard, 1984).

    [9]   Jacques Derrida, Of Hospitality, trans. Rachel Bowlby (Stanford: Stanford University Press,2000), p. 77. See also Derrida’s discussion of language, translation and cultural identity in Le Monolinguisme de l’autre ou la Prothèse d’origine(Paris: Galilée, 1996); Monolingualism of the Other or The Prosthesis of Origin, trans. Patrick Mensah (Stanford: Stanford University Press, 1998). For a very illuminating analysis of Derrida’s complex reading of hospitality, see François Raffoul, ‘Chez Lui, Chez L’autre’ in Les Temps Modernes on “L’événement déconstruction,” July–October, 2012, nos 669–670.

    [10]  Note Paul Ricoeur “Difficult Pardon” in Memory, History and Forgetting, trans. Kathleen Blamey and David Pellauer (Chicago: University of Chicago Press, 2004).

    [11]  Paul Ricoeur, “Reflections on a new Ethos for Europe,” in Paul Ricoeur: The Hermeneutics of Action, ed. Richard Kearney (London: Sage, 1996), pp. 3–14. / “Quel éthos pour l’Europe?”, in Imaginer l’Europe, ed. P. Koslowski (Paris: Ed. du Cerf, 1992), pp. 107–118.

    [12] Ibid., 1996, p. 7.

    [13] Richard Kearney, “The Ethics of Memory” in Difficulties of Ethical Life, ed. Shannon Sullivan and Dennis Schmidt (New York: Fordham University Press, 2008).

    [14] Ricoeur, “Reflections”, p. 9.

    [15] Richard Kearney, “Memory in Irish Culture”, in Memory Ireland vol. 3: The Famine and the Troubles, ed. Oona Frawley (New York: Syracuse University Press, 2014), pp. 148– 150.

    [16] الاعتماد السيميائي (Semiotic Reliance) مفهومٌ أساسيٌّ عند جوليا كريستيفا، يصف العلاقة الجدلية المعقّدة بين المستويين السيميائي والرمزي في إنتاج المعنى وتشكيله. السيميائي هو مجال النبضات الجسدية والإيقاعات والحركات ما قبل اللغوية التي تسبق تشكُّل الذات والوعي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجربة الجسدية الأولى مع الجسد الأمومي. وتستعير كريستيفا مصطلح “الخورا” (chora) من محاورة “طيماوس” للإشارة إلى هذا الفضاء الأولي، وهو عند أفلاطون “الوعاء” أو “المُتلقي” الذي يحتضن كلَّ الأشكال من غير أنْ يكون له شكلٌ ثابتٌ بذاته. في نظرية كريستيفا، الخورا السيميائية فضاءٌ متحرّكٌ ومؤقّتٌ يتكوّن من تدفّقات الطاقة الغريزية وإيقاعاتها، ويشبه الرحمَ الأمومي الذي يُغذّي ويحتضن، لكنه في الوقت نفسه مجالٌ للانفصال والتمايز التدريجي.

         السيميائي -بوصفه مجال الإيقاعات الجسدية والطاقات الغريزية -لا يمكن أنْ يظهر أو يعبّر عن نفسه إلا من خلال النظام الرمزي، أي البنية اللغوية-الثقافية المنظَّمة التي تشمل القواعد النحوية والدلالية والرموز الاجتماعية. فالسيميائي يحتاج إلى الرمزي ليصبح قابلاً للتعبير والفهم، وليتحوّل من مجرّد طاقاتٍ وحركاتٍ جسدية إلى معانٍ ثقافية. وفي المقابل، فإن النظام الرمزي نفسه – على الرغم من استقراره الظاهري -يحتاج باستمرارٍ إلى تدفّق السيميائي واقتحامه إياه كي يبقى حيّاً ومتجدّداً، وإلا تحوّل إلى نظامٍ جامدٍ ومغلق.

        هذا التبادل المستمرّ والضروري بين المستويين يجعل كل إنتاجٍ ثقافي أو لغوي -بحسب تعبير كريستيفا- “مديناً لكليهما” (marked by an indebtedness to both). وهذا هو معنى “الاعتماد السيميائي”: إن المعنى الثقافي والرمزي ليس منفصلاً عن التجربة الجسدية-الحسية للإنسان، بل متجذّرٌ فيها ومعتمدٌ عليها، فالكلمات والرموز تحمل في طيّاتها أصداء الإيقاعات الجسدية والذكريات الحسية الأولى.

       ويكتسب هذا الاعتماد بُعداً سياسياً وأخلاقياً مهمّاً في فكر كريستيفا، إذ إنَّ فائض الحركة الشعرية والإيقاع الموسيقي الذي يميّز السيميائي يمتلك قدرةً على زعزعة صلابة الأنظمة الثقافية والسياسية المهيمنة. فعندما تقتحم الإيقاعاتُ الجسدية والطاقاتُ الغريزية النظامَ الرمزي -كما يحدث في الشعر والفن والأدب الطليعي -فإنها تكشف عن الجذور الجسدية للمعنى وتتحدّى الأشكال الجامدة للسلطة. وهكذا يصبح الجسد والخبرة الحسية قوّةً فاعلةً ومقاومةً في تشكيل المعنى الثقافي وتجديده المستمر. (المترجم)

    Julia Kristeva, Revolution in Poetic Language, trans. Margaret Waller (New York: Columbia University Press, 1984), pp. 22-28, 67-69.

    [17] Pumla Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night: A South African Woman Confronts the Legacy of Apartheid (New York: Houghton Mifflin Company, 2003), p. 6. I am greatly indebted to Robert Vosloo’s illuminating essay for many of the citations and references below, “Touch Gives rise to Though: Paul Ricoeur and Pumla Gobodo-Madikizela on dealing with the past, mutual recognition and embodied performaticity” (in Debating Otherness with Richard Kearney: Perspectives from South Africa, ed. Daniël Veldsman and Yolande Steenkamp, Durbanville: Aosis Publishing, 2018).

    [18] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, pp. 14–15.

    [19] Ibid., 15.

    [20] See Ricoeur, Memory, History, Forgetting, pp. 489–493 cited by Robert Vosloo, “Touch Gives

    rise to Thought.”

    [21] Pumla Gobodo-Madikizela, “Remorse, Forgiveness, and Rehumanization: Stories from South Africa,” Journal of Humanistic Psychology 42, no. 1 (2002): (pp. 7–32), p. 13.

    [22] Ibid., p. 16. The larger citation is from Vosloo’s “Touch Gives Rise to Thought.”

    [23] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 20.

    [24] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 20.

    [25] Ibid.

    [26] Ibid, 33.

    [27] Ibid, 39.

    [28] Ibid., p. 42. For a similar act of almost impossible transference and pardon, see the moving account of Eric Lomax’s meeting with his former torturer in a Japanese prison of war camp, Eric Lomax, The Railway Man: An OPW’s Searing account of War, Brutality and Forgiveness (New York: Norton, 1995).

    [29] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 39.

    [30] Ibid., pp. 67–68. See our analysis of such critical carnal encounters with the stranger/ other/enemy in Richard Kearney & Brian Treanor (ed.), Carnal Hermeneutics (New York: Fordham University Press, 2015); Richard Kearney & Kascha Semonovitch (ed.) Phenomenologies of the Stranger (New York: Fordham University Press, 2011); Richard Kearney, Strangers, Gods and Monsters (London and NY: Routledge, 2003).

    [31] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, pp. 98–99.

    [32] Pumla Gobodo-Madikizela, “Trauma, Forgiveness and the Witnessing Dance: Making Public Spaces Intimate.” Journal of Analytical Psychology 53, no. 2 (2008): (pp. 169–188), pp. 176–177

    [33] Pumla Gobodo-Madikizela, Dare We Hope? Facing our Past to find a New Future (Cape Town: Tafelberg, 2014), p. 1, also p. 35. One might ask here why a similar miracle of remorse and empathy did not occur between SS officer, Adolph Eichmann, and his benign jailor (Captain Less) around the famous holocaust trial in Jerusalem, as scrupulously documented by Hannah Arendt in Eichmann in Jerusalem (New York: Viking, 1963).

    [34] See our development of this kind of embodied knowing in Kearney & Treanor (ed.), Carnal Hermeneutics.

    [35] يمكن للمصافحات أن تنحرفَ من إيماءات ضيافة إلى إيماءات عداء، لكن هذا تحديداً هذا يمثل خيانة للقصد الأصلي لهذه الإيماءة الجسدية في معظم الثقافات إن لم يكن كلها. وقد تختلف الثقافات في طرائق أداء وتأويل تبادل الهشاشة (إذ قد تستبدل مصافحة اليد العارية منزوعة السلاح بتشابك الأذرع أو لمس الرؤوس أو الأقدام أو الشفاه)، وبالطبع تخضع مثل هذه التبادلات لمعايير متباينة تبعاً للجنس والعمر والطبقة والثقافة وغيرها. ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى نموذج المصافحة كإيماءة ضيافة على انه فرض لحدث معياري “كوني” يوناني أو أوروبي؛ بل كإيماءة إنسانية أساسية تقوم على الثقة بالغريب (وهو ما تحمله جميع اللغات الهندو-أوروبية، من إمكان دلالي مزدوج: عدو/صديق، مضيف/ضيف). هذه الإيماءة المنزوعة السلاح، كيفما طُبقت هرمنيوطيقاً في ثقافات أو ظروف مختلفة، تظل داوماً متبادلة بصفتها إحساساً مزدوجاً، وإن لم تكن بالضرورة متماثلة. فالترحيب الأصيل بالآخر كغريب (hostis) هو تحديداً اعترافاً بغيريته غير القابلة للاختزال (وربما أمكننا القول هنا عن تناظر اللا-تناظر). ولهذا فأن كلمة (hostis) قد تعني العدو أو الصديق، إذ لا يعرف مسبقاً على وجه اليقين، بل ينكشف فقط عبر انكشاف لمسيّ، وتبادل كف بكف: ومن هنا يكون طابع المخاطرة والرهان (chancing your arm/hand). وبعبارة اخرى، المصافحة الأصيلة لا تنطوي على اختزال الآخر في الذات، أو الضيف في المضيف، أو الغريب في المِثل. فمثل هذا الاختزال يشير إلى طمس كوني للغيرية في تماثل الهو-هو (الذي رفضه ليفيناس ودريدا وريكور جميعاً). وقد أصرّ ريكور بحق على أن الضيافة ليست تبادلاً بين الهو-هو المتطابق بل بين الشبيه والشبيه، انا-نفسي كآخر، لا بوصفه آخراً فحسب. فأداة التشبيه(comme/as/als) تدل على فجوة ومسافة. وليس الأمر مقتصراً على دريدا وريكور، فميرلو-بونتي بدوره يؤكد -في مواجهة اتهام دريدا بالمركزية اللمسية في كتاب (Le Toucher)- أن تشابك الجسد يحتفظ دائماً بما يسميه “الفجوة التمييزية” غير القابلة للاختزال. ولهذا يشدد في كتابه (Le Monde Sensible et Monde de l’expression) على مفهوم “الإحساس/الإدراك التمييزي”. ولو لم يكن الامر كذلك لامتص الجسد الآخر -غرابته وغيريته- في انصهار شمولي- وهذا ما يحدث على نحو فادح في الاغتصاب والتعذيب والتحرش- او سياسياً في مصافحة ترامب أو بوتين. ففي مثل هذه الخيانات الجسدية، يحرف الإحساس المزدوج المتبادل (المنفتح على الآخر، والمتلقي لاحتياجاته ورغباته ومخاوفه وجراحه واختلافاته وفرادته) إلى إحساس أحادي الاتجاه (فاقد للقدرة على الاصغاء للآخر، منغلق على تفرده الذي لايُمس).

         لهذا نحن بحاجة الى هرمنيوطيقا الحكمة العملية (phronesis) لـ”التمييز” و”الفحص” بين النوايا والمسلمات الضمنية في كل مصافحة أو أي لمسة رمزية فريدة. ومن هنا اتى إصرار أرسطو على أن اللمَسَ هو أكثر الحواس “فلسفية” لأنَّ “اللمس يميز الفوارق” (krinein)، بخلاف الحواس الأخرى التي قد تكون أحادية الجانب: يمكن أن ترى دون أن تُرى، أو تَسمع دون أن تُسمع، لكن لا يمكنك أن تَلمس دون أن تُلمس، رغم أنك تظل حر في إنكار/خيانة/نقض هذه القابلية الجسدية الأصيلة، كما يقر أرسطو في أمثلته عن الفجور والإدمان أو الشبق حيث يفرض المرء نفسه على الآخرِ. وإذا كان صحيحاً أن أرسطو تحدث عن اللمس كأكثر الحواس “كلية”، فأنه لم يقصد معياراً كلياً مهيمناً، بل بمعنى كونه إحساساً يعمل في الحواس الأربع الأخرى أيضاً. ولهذا يظل هناك دوماً واجب أخلاقي بطرح السؤال الهرمنيوطيقي: من أين تلمس ولأي غرض تكون المصافحة؟

    [36] ورد في النص الأصلي كلمة Spielraum ضمن قائمة الأسماء التي شاركت في النقاشات المبكرة حول transference  وcountertransference مع فرويد ويونغ وريتش. غير أنَّ هذا خطأ واضح لسبب مطبعي -ربما-، إذ إن Spielraum ليست اسماً لشخص، بل كلمة ألمانية تعني “مساحة المناورة” أو “الحيّز” أو “هامش الحرية”، وقد استخدمها فرويد نفسه بمعنى “مساحة اللعب” كاستعارة للجو التحليلي الذي يسمح بانكشاف اللاوعي. والمقصود في السياق -بلا شك- هو الطبيبة النفسية الروسية سابينا شبيلراين (Sabina Spielrein) (1885-1942)، التي كانت مريضة ثم زميلة لكارل يونغ، ولعبت دوراً محورياً في تطوير مفاهيم التحويل والتحويل المضاد. فقد أثارت علاقتُها بيونغ مسائلَ أساسية حول الحدود المهنية في العلاج النفسي وطبيعة التحويل والتحويل المضاد، وكانت مساهماتهُا النظرية في هذا المجال موضع نقاش مع فرويد ويونغ وريتش في المرحلة التأسيسية للتحليل النفسي. وهكذا، فإنَّ التصحيح الدقيق للنص يستدعي استبدال Spielraum بـ Spielrein ليستقيم المعنى والسياق التاريخي. (المترجم)

    [37]  تُعَد قضية دورا التي نشرها فرويد في كتابه “جزء من تحليل حالة هستيريا” عام (1905)، محطة حاسمة في فهم مفهومي التحويل (transference) والتحويل المضاد (countertransference) في التحليل النفسي، كما أصبحت مثالاً إشكالياً على تعقيد العلاقة العلاجية حين يفرض المحلِّل سردَه على خبرة المريض. كانت دورا، ذات الثمانية عشر عاماً، تعاني أعراضاً هستيرية متنوّعة (مثل السعال الهستيري وفقدان الصوت والاكتئاب) في سياق شبكة معقدة من العلاقات العائلية والجنسية شملت أسرتها وزوجين آخرين. لاحظ فرويد أنّها تنقل إلى علاقتها العلاجية به، مشاعرها وتوقعاتها المتكوّنة من علاقاتها السابقة -خصوصاً مع والدها وهير ك ( Herr K) – وهي الظاهرة التي سُمّيت لاحقاً بـ”التحويل”. لكنه اعترف فيما بعد بفشله في التعامل معها، إذ لم ينتبه في الوقت المناسب لانعكاس تلك المشاعر عليه، فانهار العلاج فجأةً.

         يرى النقد المعاصر أنّ فرويد فرض تأويلاته ونظرياته (عقدة أوديب والرغبات المكبوتة) على رواية دورا لتجربتها، بدلاً من الإصغاء لحقيقتها عن التلاعب الجنسي والعاطفي الذي تعرّضت له من قِبَل البالغين. كما تشير قراءات لاحقة إلى وجود تحويلٍ مضاد قوي لديه، تجلّى في إحباطه من رفض دورا لتفسيراته وانسحابها، وانعكس ذلك حتى في طريقة كتابته للحالة وتأخيره في نشرها. وهكذا غدت قضية دورا مثالاً كلاسيكياً على ما يسمّيه النص “التحويل اللفظي”، حيث تتحول الكلمات والتفسيرات إلى أداة قهر تُهيمن فيها رواية المحلّل على السرد الأصيل للمريض. (المترجم)    

    Patrick J. Mahony. Freud’s Dora: A Psychoanalytic, Historical, and Textual Study. New Haven: Yale University Press, 1996.

    [38]  إنّ العبارة اللاتينية noli me tangere “لا تلمسيني” ترِد في (يوحنا 20:17) موجَّهة إلى مريم المجدلية. والأصل اليوناني μή μου ἅπτου يحتمل معنى “لا تتشبثي بي” او “كُفّي عن التعلّق بي”، لا على مجرّد منع لمسٍ عابر. ثمّ، بعد ثمانية أيام (يوحنا 20:26)، يقول المسيح لتوما المُرتاب: “ضع إصبعك هنا…” فيدعو إلى لمس جراحه تثبيتاً لإيمانه (يوحنا 20:27).

        إنّ المفارقة هنا هي تمييز مقصود بين لمس “الامتلاك” ولمس “الإثبات”. فالجسدية تصبح وساطةً تأويلية، كما يلمّح كيرني في حديثه عن “الهرمنيوطيقا الجسدية”: قول “لا تلمسيني”، يقطع التعلّق بالحضور الجسدي المتناهي، ويفسح المجال لعلاقة روحية، بينما يُمنح توما لمساً برهانياً لمعالجة الارتياب لا للتملّك.

         وهذا يتقاطع مع قراءة جان-لوك نانسي لفكرة “هناك مسّ ولمس”، إذ يرى أنّ لقاء مريم الأخير بالمسيح ليس غياباً تاماً للمس، فبعض اللوحات التي يحلّلها تُظهر مريم تلامس ثوب المسيح أو بشرته، بل هو تحذير من “الإمساك” و”القبض” اللذين يحصران معنى القيامة في ماديتها. ومن ثمّ تُفهم مريم بوصفها موقنة لا تحتاج إلى برهان حسّي، فيما يُمنح توما لمساً شافياً للريبة.  (المترجم) Andrea Taschl-Erber, “Between Recognition and Testimony: Johannine Relecture of the First Easter Witness and Patristic Readings,” in Noli me tangere in Interdisciplinary Perspective. Textual, Iconographic and Contemporary Interpretations, eds. R. Bieringer, B. Baert & K. Demasure (Leuven: Peeters, 2016), pp. 77-110.

    [39]  Cited in Antjie Krog, Country of My Skull, (New York: Three Rivers Press, 2000), p. 30.

    [40] ليس من قبيل المصادفة أنْ تكون إحدى أعمق الشهادات على صدمات نظام الفصل العنصري قد كُتبت على يد الشاعرة الجنوب أفريقية، آنتجي كروغ (Antjie Krog)، في كتابها “بلد جمجمتي” (Country of My Skull). فالشعر والفن يمتلكان طريقة فريدة على وصل التأويل اللغوي بالتأويل الجسدي. وهنا أتذكر أيضاً شهادة آتوم إغويان (Atom Egoyan) الاستثنائية على الإبادة الأرمنية في فيلمه “آرارات” (Ararat)، فضلاً عن عدد لا يُحصى من الكتّاب والفنانين وصنّاع الأفلام الذين أبقوا ذاكرة الهولوكوست حية -عاموس عوز (Amos Oz)، وباول سيلان (Paul Celan)، وكلود لانزمان (Claude Lanzmann)، وستيفن سبيلبرغ (Stephen Spielberg)، وآرت سبيغلمان (Art Spiegelman)- جميعهم استجابوا لنداء بريمو ليفي (Primo Levi): “أن نستمر في إعادة سرد قصة أوشفيتس كي لا تتكرر أبداً”.

          لكن لا بد لنا أيضاً أن نكرّم سؤال أدورنو (Adorno) “بعد أوشفيتس، من يستطيع أن يكتب الشعر؟” أي الاقرار بحدود التطهير عبر السرد. (أليس الصمت أحياناً هو الاستجابة الأليق إزاء الرعب؟). ومع ذلك لا يمكن إنكار النداء الذي لا يكل للشفاء، فهو لا يختفي. إنَّ التاريخ يحتاج القصة كي يزاوج بين الأثر الجسدي والفهم المعرفي -القوة المزدوجة للتطهير. لماذا؟ من أجل يستعاد الماضي إلى الحياة من جديد، بحيث يمكننا أن “نشعر بما يشعر به البؤساء”، وأنْ نتعاطف مع آلام المضطهدين ونرتجف امام هول المأساة.

          أو لنستعد درسَ أرسطو في “فن الشعر”: نحتاج غالباً إلى حبكة شعرية تعيد صياغة المعاناة الماضية، في فعل ذي معنى من التطهير العاطفي -إعادة نظر تخيلية في أعمق “انفعالاتنا” (pathema) من شفقة وخوف. وإلا فلن يكون ثمة تطهير، ولا مُسائلة، ولا تحرر- بل مجرد سجل عارٍ من الوقائع: حتمية لا فكاك منها. القصة والتاريخ يحتاج كل منهما الآخَر كي تتحول الجروح التي يتعذر وصفها الى ندوب مرئية: علامات على جسدنا تُختبر وتُتذوق، تُحس وتُحتضن. وبهذا يتحول الأرشيف إلى فن. والفن في جوهره هو مسألة شعور ومعرفة معاً، أنْ نُلمس وأنْ نتعلّم. إنَّ الشفاء التطهيري لا يستقيم من دون الاثنين معاً. وخلاصة القول: إنَّ ضيافة مزدوجة للكلمة والجسد ضرورة لا غنى عنها لمعالجة الصدمات العميقة وبلوغ سلام حقيقي. ولمزيد من التوسع في هذه الموضوعات انظر الى بحثي وبحث إليزابيث كوربت: A Hermeneutics of Wounds,” and Elizabeth Corpt’s “Encountering the Psychoanalyst’s Suffering: discussion of Kearney’s ‘A Hermeneutics of Wounds,’” in Unconscious Incarnations eds. Brian Becker et al. (New York: Routledge, 2018)..

  • حرب الخليج لن تحدث

    حرب الخليج لن تحدث

    الكاتبجان بودريار
    ترجمةمحمدمهدي باقر

    منذ البداية، كان من المعلوم أنَّ هذه الحرب لنْ تُوجَد. فبعد الحرب الساخنة (عنفُ الصراع)، وبعد الحرب الباردة (توازن الرعب)، ها قد جاءت الحرب الميتة – بعد ذوبان الجليد عن الحرب الباردة – التي تتركنا في مواجهة جثة الحرب، ومع ضرورة تدبّر أمر هذه الجثّة المتحلّلة، التي لم ينجح أحد على طول الخليج من أن يبعثها من جديد. وما تتنازع عليه أميركا، وصدام حسين، وقوى الخليج هناك ليس سوى جثّة الحرب.

    لقد دخلت الحرب بعامةٍ في أزمةٍ نهائية. فقد فات الأوان على حدوث الحرب العالمية الثالثة (ساخنة)، فهي قد وقعت بالفعل، مُقطََّرَةً عبر خيط سنين الحرب الباردة. ولن يكون هناك حربٌ أخرى. كان بإمكان المرء التقدير بأنَّ إنشقاق الكتلة الشرقية، عبر فكّ أقفال الردع، سيفتح الباب لمجالات جديدة من الحرية أمام الحرب. لكنَّ الأمر ليس على هذا النحو، لأنَّ الردع لم ينته، بل على العكس من ذلك تمامًا. لقد كان يعمل بوصفه ردعًا متبادلاً بين الكتلتين، بفائضٍ إفتراضيٍ في وسائل التّدمير. وهو يعملُ اليوم، وبصورةٍ أكثر فاعلية، بوصفه ردعًا ذاتيًا، ردعًا ذاتيًا كليًا، يبلغ حدَّ الإنحلال الذاتي للكتلة الشرقية، كما يبلغ أيضًا حدَّ الردع الذاتي العميق للقوة الأمريكية، وللقوة الغربية عمومًا، المصابة بالشلل بفعل قدرتها نفسها، والعاجزة عن تحمّلها وصياغتها في أنماط علاقات القوة.

    ولهذا فإنَّ حرب الخليج لن تحدث. إن إنغماس الحرب هذا في حالة تعليقٍ لا نهائية ليس أمرًا مُطمْئِنًا ولا مُعَزِيًا. وبهذا المعنى، فإنَّ [ال-لا-حدث] في الخليج ينطوي على خطورةٍ تفوق خطورة حدث الحرب نفسه: إذ يطابق مرحلةً أكثر ضررًا من مرحلة تعفُّنِ الجثَّة، تلك المرحلة التي تصيب بالغثيان وبالذهول العاجز. وهُنا أيضًا تكون دفاعاتنا الرمزية واهنةً للغاية، وتُفلت السيطرة على نهاية الحرب من بين أيدينا، ونعيش كلّ ذلك في اللامبالاة المخزية نفسها التي يعيشها الرهائن.

    تتسم [ال-لا-حرب] بهذا الشكل المتدهور من الحرب الذي يتمثل في التلاعب بالرهائن والتفاوض عليهم. فالرهينة والتهديد هما أنقى منتجات الرّدع. فقد حلَّت الرهينة محلَّ المحارب. بحيث أصبحت الفاعل الرئيسي، بطل قصة المُحاكاة، أو بالأحرى في [ال-لا-فعل] المحض بطل قصة [ال-لا-حرب]. المحاربون يَدْفِنون أنفسهم في الصحراء، فلا يبقى على المسرح سوى الرهائن، بما في ذلك نحن جميعًا، بوصفنا رهائنًا للمعلومةِ التي تُعُرَضُ على المسرح العالمي لوسائل الإعلام. الرهينة هي الممثل الشبح، الكومبارس الذي يحتلّ الفضاء العاجز للحرب.

    اليوم: أصبحت الرهينة في موقع إستراتيجي؛ غدًا: ستصبح الرهينة هديةَ عيد الميلاد؛ بوصفه قيمة تبادلية وسيولة. إنَّه إنحطاط فانتازي لما كان، في ما مضى، صورة التبادل المستحيل ذاتها. ومع صدام حسين، الذي جعل من نفسه رأسمالي قيمة الرهينة، والتاجر المُبسِّطَ لسوق الرهائن، بعد سوق العبيد والبروليتاريا، كقيمةٍ قويةٍ تضعف وتغدو رمزًا للحرب الضعيفة. إذ يَحِلُّ محلّ التحدّي الحربي، ويصبح مرادفا لخواء الحرب. ونحن جميعًا، رهائن لتسميم وسائل الإعلام، مُدجَّنون على الإيمان بالحرب كما آمنّا سابقًا بالثورة في رومانيا، ومُوَجَهون لمُحاكاة الحرب كما وكأنّها إقامةٌ جبرية.

    إنما نحن، سلفًا، جميعًا، في الموقع نفسه، رهائنٌ استراتيجيون موقعنا هو الشاشة، حيث أننا نتعرّض يومًا بعد يومٍ لقصفٍ إفتراضي، ونُستَخدمُ في الوقت ذاته كقيمة تبادلية. وبهذا المعنى، فإنَّ المسرح الساخر لصدام حسين يؤدي وظيفة الإلهاء، إلهاءٌ عن الحرب وإلهاءٌ عن الإرهاب الدولي معًا. ومن خلال إرهابه اللّين، يكون قد وضع حدًّا، على الأقل، للإرهاب الحادّ للفلسطينيين أو غيرهم، وفي هذا، كما في أمورٍ أخرى كثيرة، يتبدّى بوصفه الشريك المُتواطئَ مع الغرب بإمتياز.

    إنَّ إستحالة الإنتقال نحو الفعل، وغياب الإستراتيجية، يفضيان إلى إنتصارِ التهديد بوصفه إستراتيجية. (كان لا يزال هناك لدى إيران  تحدٍّ؛ أمّا لدى صدام، فلم يكن قد تبقى سوى التهديد). إنَّ دناءة صدام حسين تتمثّل، على هذا النحو، في أنَّه إبتذل كلّ شيء: حوّل التحدّي الديني إلى حربٍ مقدّسةٍ زائفة، والرهينة من كونها تضحيةً إلى سلعة، والإنكار العنيف للغرب إلى مناورةٍ قومية، والحرب إلى كوميديا مستحيلة. لكننا نحن أيضًا أسهمنا في ذلك إسهامًا كبيرًا. فحين تركناه يعتقد أنَّه إنتصر في الحرب ضد إيران، دفعناه إلى توهم إمكان الإنتصارِ على الغرب؛ وهذه ثورة المرتزق التي ليست في الواقع سوى السمة الساخرة الوحيدة، والمُبهِجة، في كلّ هذه الحكاية.

    نحن لسنا في منطق حربٍ ولا في منطق سلام، بلْ في منطق الرّدع، الذي شقّ طريقه، على نحو لا رجعة فيه، عبر أربعين عامًا من الحرب الباردة، حتى بلغَ عُقدته في أحداثنا الراهنة؛ هو منطق الأحداث الضعيفة، التي تندرج ضمنها وقائع الشرق كما تندرج فيه حرب الخليج. إنَّها تقلبات تاريخٍ فاقدٍ للشهيّة، وحربٍ هي الأخرى فاقدةٍ للشهية، لمْ تعُدْ قادرةً على إفتراسِ العدو، لعجزها عن تصوّر العدو بوصفه جديرًا بأنْ يُتحدّى ويُباد – والله يعلم أنَّ صدام حسين ليس جديرًا لا بأنْ يُتحدّ ولا بأن يُباد – فتنقلب على نفسها وتلتهم ذاتها.

    إنَّها حالة الحرب منزوعة الكثافة، حالة “الحق في الحرب”، مع الضوء الأخضر من الأمم المتحدة، ومع فائضٍ من الإحتياطات والتنازلات. إنَّه تعميمٌ لإستخدام الواقي على فعل الحرب كما لو أنَّ أحدًا يقول: حاربوا، كما تمارسون الحب، مع واقٍ! وعلى سُلَّم ريختر، لن تبلُغ حرب الخليج حتى الدرجة الثانية أو الثالثة. فالتصعيد غير واقعي، كأنَّما نختلق خيال زلزالٍ عبر التلاعب بأدوات القياس. إنَّها ليست الدرجة القوية ولا الدرجة الصفر من الحرب، بل الدرجة الضعيفة، المسلولة، الصيغة التقاربية التي تسمح بمجاورة الحرب دون لقائها، إنها الدرجة الشفافة التي تتيح رؤية الحرب من عمق الغرفة المظلمة.

    كان ينبغي أنْ نرتاب منذ إختفاء الإعلان عن الحرب، وإختفاء العبور إلى الفعل الرمزي، الذي كان يُنْذِرُ سلفًا بإختفاء نهاية الحرب نفسها، ثمَّ بإختفاء التمييز بين المنتصرين والمهزومين (فالمنتصر يغدو بسهولة رهينة للمهزومِ، إنَّها دائمًا متلازمة ستوكهولم)، ثمَّ بإختفاء العمليات ذاتها. حربٌ لا تنتهي إذن، لأنَّها لن تكون قد بدأت قطّ. فمن فرط الحلم بحربٍ محضة، حربٍ مداريةٍ منزوعةٍ من كلّ الملابسات السياسية والمحلية، سقطنا في رخاوة الحرب، في إستحالتها الإفتراضية، التي تتجسّد في هذه الفانتازيا الهزلية حيث يتبارى الخصوم في نزع التصعيد، كأنّ وهج الحرب، الحدث الذي من شأنها، قد صار أمرًا فاحشًا، غير محتمل، كما هو حال كلّ حدثٍ واقعيٍ على أي حال، فنحن لم نعد قادرين على تحمّله.

    لذلك ينتقل كلّ شيءٍ إلى الإفتراضي، وما نواجهُه هو نهاية عالم إفتراضيةٍ في هيمنةٍ أخطر، على المدى البعيد، من نهاية عالمٍ واقعية.

    إنَّ الإعتقاد الأكثر شيوعًا هو ذاك القائِلُ بتسلسلٍ منطقيٍ من الإفتراضي إلى الفعلي، بحيث لا يمكن لسلاحٍٍ متاحٍ ألّا يُستَعمل يومًا ما، ولا لمثل هذا الإرتكاز للقوى ألّا يفضي إلى الصدام. غير أنَّ هذا ليس سوى المنطق الأرسطي الذي لم يَعُد منطقنا إطلاقًا. فالإفتراضي لدينا يتفوّق نهائيًا على الفعلي، وسنُضطر إلى الإكتفاءِ بهذه الإفتراضيةِ القصوى التي، على خلاف ما عند أرسطو، تردع الإنتقال إلى الفعل. لم نَعُد في منطق الإنتقالِ من الإفتراضي إلى الفعلي، بل في منطقٍ واقعيٍ مُكثّف hyperréaliste لردع الواقع بواسطة الافتراضي.

    في هذا المسار، يعود الرهينة مرةً أخرى كاشفًا. يُنتزع كما تُنتزع جزيئة في مسار تجريبي، ثم يُقطَّر واحدًا واحدًا في التبادل؛ إن ما هو على المحكّ هو موته الإفتراضي لا موته الواقعي. وهو، في الواقع، لا يموت أبدًا؛ إنما في أفضل الأحوالِ يختفي. ولن يكون هناك لاحقا نصب تذكاريٌ للرهينة المجهول، فالجميع يخجلونَ من ذلك. هذا العار الجماعي الملازم للرهينة يعكس الإنحطاط المطلقَ للعداوة الواقعية (الحرب) إلى ضيافة إفتراضية (“ضيوف” صدام حسين).

    إنَّ الإنتقال إلى الفعل سيّئ السمعة عادة؛ إذ يُقابَل بوصفه رفعا فُجائِيًا للكبت، ومن ثمّ مسارًا ذهانيًا. ويبدو أنَّ هاجس الإنتقال إلى الفعل هذا يضبط اليوم جميعَ سلوكياتنا: هاجس كلّ واقع، وكلّ حدث واقعي، وكلّ عنف واقعي، وكلّ لذّة شديدة الواقعية. في مواجهة هذا الهاجس من الواقع أنشأْنا جهازًا هائلًا للمُحاكاة يتيح لنا الإنتقال إلى الفعل في المختبر (وهذا صحيح حتى في الإنجاب). وإزاء كارثة الواقع نفضّل منفى الإفتراضي، الذي تُشكِّل التلفزة مرآته الكونية.

    ولا تفلت الحرب من هذه الإفتراضية، التي تشبه عمليةً جراحية: تقديم الوجه المشدود للحرب، طيف الموت المُزيَّن، حيلته التلفزيونية وهي أكثر تضليلًا بعد (وقد رأينا ذلك بوضوح في تيميشوارا). حتى العسكريون أنفسهم فقدوا إمتياز قيمة الإستعمال، إمتياز الحرب الواقعية. لقد مرّ الردع من هنا، ولم يُبْقِ شيئًا على حاله. وهم أيضًا، شأنهم شأن السياسيين، لم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون بوظيفتهم الواقعية، بوظيفة الموت والتدمير. إنَّهم محكومون بوهم الحرب، كما الآخرون بوهم السلطة.

    ملاحظة لاحقة: إنَّ إظهار إستحالة الحرب في اللحظة عينها التي يُفترض أنْ تقع فيها، حيث تتراكم علامات حدوثها، هو رهانٌ أحمق. لكن كان سيكون أكثر حماقةً عدم إغتنامنا هذه الفرصة.


    [i] هذا النص هو ترجمة للمقال الأول من مقالات جان بودريار عن حرب الخليج المكتوبة باللغة الفرنسية والتي جُمعت في كتاب واحد تحت عنوان “La Guerre Du Golfe N’a Pas Eu Lieu” الصادر عن دار  galilée.

     رابط الكتاب على موقع ارشيف العالمي: https://archive.org/details/la-guerre-du-golfe-na-pas-eu-lieu-_1991

  • هل توجد “فلسفة إفريقية؟”

    هل توجد “فلسفة إفريقية؟”

    الكاتبروجي بول- دروا
    ترجمةعبد الوهاب البراهمي

    مقدمة: فلسفة إفريقية

    ياموسوكرو ، كوت دي فوار ، 1995. اجتمع  في قاعة  المحاضرات في دار السلام، عشرات من الفلاسفة الأفريقيين. كان الحدث نادرا:  فرانكفونيون وأنجلوفونيون مجتمعون وآتون من مالي أو كينيا من البنين أو الكونغو من السينغال أو إفريقيا الجنونية. لم أكن من بينهم بالصدفة، كنتُ في ذلك العهد، مستشارا لمدير اليونسكو في الفلسفة، وكانت مهمتي تنظيم لقاءات في مختلف بلدان العالم، في إطار برنامج” الفلسفة والديمقراطية في العالم” الذي كنت مسئولا عنه. وطيلة عام ونصف، عملتُ، بالتعاون الواسع مع ثلاث فلاسفة أفارقة بولان هونتودجي Paulin Hountondji ، جان جودفروي بيديما Jean-Godefroy Bidima وسليمان بشير دياغنو Souleymane Bachir Diagne، ولكل واحد منهم مؤلفات مهمة عن الفلسفة في إفريقيا، على صياغة برامج لهذا اللقاء . لا أعرف شيئا أو تقريبا مازلت في البداية عن فلاسفة إفريقيا، وقد تعلمت ، شيئا فشيئا تحديدهم. وما شدّني، طيلة هذه الأيّام للعرض والنقاش النشيط، هو النوعية المتميّزة للمداخلات. فجميعها تقريبا متينة ودقيقة جدا. كلٌّ يحمل أفقَ تحليل جديد ، ويضيف عناصرَ مهمّة. فليس الأمر على هذه الحال دوما، وهذا أقلّ ما يمكن قوله، في اللقاءات الدولية الكبرى. لقد اكتشفتُ إذن، بصورة جلية ، بَدَهِية، حيوية التفكير الفلسفي المعاصر في إفريقيا. فمُمَثّلوه نادرون جدا،  يستندون إلى الفلسفة التحليلة أو الفينومينولوجية ، وهم مابعد ماركسيين أو مابعد فرويديين، وقرّاء لفيدجنشتين أو فوكو ، لحنا آرنت أو داريدا. وتندرج تحليلاتهم في تيار هابرماس وريكور أو فرانز فانون… جميعهم قرؤوا كثيرا وتأمّلوا بحقّ. وهم يعرفون ابتكار مساراتهم الخاصّة. ويتساءلون عن وسائل توظيف أدواتهم النظرية في إيضاح المسائل الخاصة بإفرقيا اليوم، وفي فهم معضلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. حتى لو أدى الأمر، وهذا بديهي، إلى تغيير الأدوات المفهومية أو نحت آخري. يوجد إذن بالفعل، فلاسفة في إفريقيا. غير معروفين غالبا. وعلى وجه العموم مقروئين قليلا ، وقد تم نشر كتبهم بشكل سيء. غير أنهم واضحون نشطون ودقيقون. هذا ما اكتشفته، بغبطة ، هذه السنة ، التي أضحت

     هل أن وجود فلاسفة في إفريقيا، اليوم ، ينجم عنه أو يقتضي وجود فلسفة إفريقية؟

      نعم، بالفعل، إذا ما أَحَلْنا إلى هذه الفورة المتعدّدة التي تظهرها حاليا المنشورات ، والمجلات ومراكز البحث والتي يجدر اكتشافها.

     ولا أيضا ، إذا ما فكرنا في الماضي ، وإذا ما سعينا إلى العثور ، في تاريخ القارة الإفريقية، على مكتبات مماثلة لتلك التي لاحظنا تطورها وتناقلها لدى  فلاسفة الهند والصين والتّبت واليابان والعالم العربي. إنّ مسألة المكتبات هذه ، ومسألة نقل التقاليد النقدية المكتوبة مسألة مركزية. إنها تقتضي بعض التفسيرات.

     المعقولية والشفوي

      إذا ما سلمنا مع ديكارت بأنّ ” العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس” ، وإذا ما كنا نملك ضمانا بأنّ كل كائن بشري قد وهب هذا العقل، فلماذا كان الماضي الطويل لإفريقيا لا يملك فلاسفة؟  إنّ قدرة  ثقافات ولغات إفريقيا على إنشاء مقولات وتصنيفات ومفاهيم مجرّدة وتأمّلات لن تكون أقلّ من ثقافات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. لقد أسالت هذه المسألة في العشرية الأخيرة كثيرا من الحبر . ففي 1949 نشر الأب الكاهن بلاسيد تامبل” فلسفة البانتو” حيث استند على خصائص هذه المجموعة من اللغات حتى يستنبط فلسفة القوة الحيوية، لا بل نسقا سيكون فيه كل عنصر تعبيرا عن قوّة. وأعاد الفيلسوف والمنطقي البلجيكي ليو أبوستال بناء انطولوجيا البانتو حيث ستحلل كلّ مسارات فعلها في الواقع وفق مصطلحات التكثيف intensificationأو الإضعاف. affaiblissement  لقوى وتراتبية وتأثير متبادل فيما بينها.  هذه الأعمال التي رحّب بها الإفريقيون أنفسهم – وليس أقلهم شأنا،  بما أنّ  ليوبولد سنغور أو شيخ انتا ديوب قد احتفيا بهذا الاعتراف الفلسفي- قد وجدت نفسها فيما بعد تحت نيران النقد.

      أدان بولان هونتوندجي Paulin Hountondji” الفلسفة الإثنية “« ethnophilosophie »، التي بنيت على منظور أبوي ومتعال لمبعوثي القوى الاستعمارية. فلا توجد بالنسبة إليه” فلسفة إفريقية” بل فحسب إفريقييون يتفلسفون .

      وإذا ما شئنا النظر بوضوح في هذه المسألة ، حيث تتشابك جملة من الحجج والمسلمات والجدال ، فيبدو لي أنّ هناك ثلاث نقاط لابد من أخذها بعين الاعتبار.

    من المناسب بادئ ذي بدء أن نضع في اعتبارنا أنّ فلسفة ما لا تختزل في ” رؤية للعالم”. “فالرؤية للعالم ”  Weltanschauung »  « هي تمثّل للوجود عامّة ،  لدور و واجبات الإنسانية بالخصوص، للكون في مجموعه، للآلهة والأنواع الحيوانية وعلاقاتها، الخ. تحتوي كل ميثولوجيا  وكلّ نسق معتقدات هذا النوع من التمثّلات، بشكل صريح أو ضمني ، تبسيطي أو معقّد. لكن ليس هذا في ذاته فلسفيا. ذلك أن المسار التكويني للفلسفة يبدأ فقط عندما يعود الفكر على معتقداته و تمثّلاته، وعندما يتساءل على محتواها، وصلاحيتها، ومعناها وحقيقتها. وليس بالضروري لغاية هدمها ولا حتى لوضعها موضع تساؤل ، بل لفحصها قبل كلّ شيء. فلا تتمثّل الفلسفة، بهذا المعنى، لا في الكلام ولا في التفكير، وهو ما تفعله دائما الكائنات البشرية، بل في التدقيق في كيفية كلامنا ، وفي البحث في كيفية تفكيرنا. والفكر على صورته هذه كفكر مألوف ليس فلسفيا. بل يصبح فكر الفكر فلسفيا حالما يمتدّ في الوجود.

    والنقطة الثانية تتعلق بالوجود الممتدّ لعود تفكّري للفكر على نفسه في ثقافة محض شفوية. بيد أنه يبدو فعلا أن ما من استحالة في هذا الباب. التفكير في طريقة النظر، وإخضاع وجهة نظر لأسئلة ونقد ، ومساءلة تمثّل ، كل ذلك ليس ممكنا فحسب، بل لا مفرّ منه غالبا على امتداد المناقشات والحوارات والمحادثات والمناوشات الكلامية المألوفة دائما لدى الثقافة الإفريقية . فلا شيء يمنع إذن من افتراض تطور أشكال من الفلسفات النقدية الشفوية ، المماثلة مع تعديل ما يلزم، لما نجده مثلا ، في التقاليد الشفوية للهند. إنّ وجود فلسفات شفوية إفريقية ( فلسفية حقّا ، وشفوية حقّا، وإفريقية حقّا) محتمل. ومحتمل فقط. ذلك أن النقطة الثالثة ، في غياب آثار كتابية، ومكتبات ونقل يحفظها ، فمن الصعب جدا ملاحظتها، إن لم نقل من المستحيل ، على الأقلّ لهاوٍ مستنير. ففي كل ميدان ثقافي أثرناه سابقا ، تكثر الكتب وتُبْقي خطاباتٍ سليمة و حتى تحليلات قديمة جدا. فالبانديت الهندي ، والرسائل الصينية والرهبان البوذيين اليابانيين أو التايلانديين، وعلماء الإسلام هم جميعهم رجال كتابة وتدوين. بيد أن إفريقيا تفتقر لهذه المكتبات مثلما هو الشأن بالنسبة لأمريكا.

       وإذا كان الفلاسفة هم بالأساس شأن مكتبات ، فليس لمبرر الكتابة أن يكون الشرط الضروري لظهورهم. فالمكتوب لا يظل على الأقلّ الشرط الضروري للحفاظ عليهم، وبالتالي على معارفهم عبر القرون.  ماذا نعرف عن حوارات سقراط ومحادثات كونفوشيوس وتأملات ديوجين والسهروردي، لو لم يصل إلينا لا الرق ولا الألواح ولا المخطوطات؟

       تستمرّ حاليا عديد البحوث من أجل محاولة إعادة بناء هذه الفلسفات الشفوية، والوصول إلى بناء نماذج معقولة أو حتى صادقة. هذه البحوث هي بالتأكيد واعدة، لكن من المبكر جدا استخلاص نتائج منها. لأجل هذا لا نجد في هذا التاريخ الموجز فصلا بعنوان ” في عقول الفلاسفة الإفريقيين”.”

    المصدر: روجي بول- دروا ” رحلة في فلسفات العالم ” البان ميشيل 2021 ص 270- 271 -272

  • لم الوعي محير؟

    لم الوعي محير؟

    الكاتببيتر بيري
    ترجمةمصطفى نصر

    مقدمة: لم الوعي محير؟

    في محاضرته الشهيرة عام 1872 المعنونة “Uber die Grenzen des Naturerkennens” (في حدود المعرفة بالطبيعة) قال إيميل دي بوا-رايموند (وهو أحد مؤسسي علم التشريح التجريبي):

    “خلال مراحل تطور الحياة، وفي مرحلة لا نعلمها وليس لنا أن نحددها، استُجدَّ شيء، شيء مجهول حتى الآن، بل وغير مفهوم. وتبلغ معرفتنا بالطبيعة هوةً لا يقطعها جسر ولا جناح؛ [أي] نبصر حدود معرفتنا. وهذا الشيء المستعصي على الفهم هو الوعي والآن أبيِّن بما لا يدع مجالًا للشك -حسب ما أظن- أن الوعي لا ينشأ نتيجة للظروف المادية وحدها، وذلك ليس تبعًا لما بلغه علمنا حتى الآن، بل أيضًا تبعًا لمجاري الأمور. (دو بوا-ريموند 1974: 65، ترجمتي)

    وأنهى محاضرته بقوله (الذي صار فيما بعد مأثورًا) “ignorabimus” [= كلمة لاتينية تعني لن نعلم]. وبعد ما يزيد على المائة وعشرين سنة، هل اقتربنا من حل أحجية الوعي؟ أفلحنا في دحض تشاؤم دو بوا؟

    1. أي معاني “الوعي”؟

    كلمة “الوعي” Consciousness لا تعرب عن ظاهرة متجانسة، وليس لها مقابل في الكثير من اللغات (Wikes 1988: 16-41). الكلمة مبهمة، واستعمالها مَرِن؛ يلزم لمعرفة معناها فهم السياق[2]. ومن هذه الحيثية، كلمة “الوعي” تتبع نمطًا تشترك فيه معها كلماتٌ أخرى مهمة مثل: الحياة والذكاء والفهم. فإذا كان الأمر كذلك، وجب علينا أولًا أن نحدد عن أي ظاهرة من تلك التي تشير إليها الكلمة ذاتها نتحدث.

    1.1 الخصائص السلوكية

    إذا أخبرنا عن البعض أنهم واعون أردنا بذلك أنهم مستيقظون. وما نتصوره في هذا المقام هو الخصائص السلوكية؛ أي: تحركهم وفق إرادتهم الباطنة وتحكمهم [في ذواتهم]، وأن لهم رد فعل للمؤثرات الخارجية، فيكون سلوكهم بذلك مميِّزًا. هذا، وأن سلوكهم يشكل نمطًا ما، وأنه ملائم للحال [الذي هم فيه]، وله انتظام مع مرور الزمان. هذا النوع من السلوك أسميه “سلوكًا منظَّمًا.”

    فالوعي من حيث هو القدرة على الفعل المنظم ليس معجزًا لقدراتنا التفسيرية بذاته. لكن وجب التنبيه أن البون شاسع بيننا وبين فهمنا الحقيقة كاملةً حيال الأفعال المنظمة للبشر والحيوانات. هذا وإن علمنا أن أمورًا ذات أهمية تحدث في المخ والجهاز العصبي ومع ازدياد معرفتنا بهذه الأجهزة لا يزال الخبراء الواعون [بحدود معرفتنا] يؤكدون أن ليس لدى أحد تصور واضح عن كيفية أداء المخ وظيفته. ولما نفهم الأصول التي بها يعمل سيشكل تعقيد تلك الآليات معجزة أخرى. ومع ذلك، إذ نتوجه لفهم الآلة البيولوجية المؤسِّسة للسلوك المنظم لا نجد -من حيث المبدأ- إعجازًا في فهمها. في تلك الحال، نستطيع تمييز الأسئلة الصائبة من الخاطئة، ونعلم كيف نسعى للإجابة على الأسئلة الصحيحة.

    2.1 القوى الإدراكية

    قد نريد من[امتلاكنا] الوعي أن لدينا قدرًا من القدرات الإدراكية. فإذا أدرك شخصٌ شيئًا يعني هذا أن لديه علمًا به لامتلاكه تلك القوى. وفي هذا المقام تُستخدَم كلمة “المعرفة.” أولًا: قد نريد بهذا صورًا متعددة من المعرفة بالعالم كما توضحه الأمثلة: المعرفة الجمعية: “ازداد الاهتمام بالبيئة”، المعرفة الفردية: “لم يدرِ العواقب”، الإدراك: “لم أدرك السياج في الظلمة”، التذكر: “أذكر أني قلت هذا”، التركيز: “الآن أدركت الضوضاء؛ لم ألحظها من قبل.”

    ثانيًا، قد نريد بها أيضًا المعرفة بأحوال الذات، أي المعرفة الذاتية. فإذا عازنا التمييز بين مختلف الحالات وفقًا لقسمة الوعي واللاوعي أحلنا ذلك إلى مختلف القوى الإدراكية. فنقول: أن حالات الوعي هي تلك التي ندركها مباشرة، وحالات اللاوعي هي التي ندركها بالاستنباط وقد نقسم [الحالات] حسبما إذا كانت مسجلة في الذاكرة أم لا؛ فقد لا تكون مذكورة لأنها -مثلًا- لم تدم طويلًا، أو لأن العقل الباطن يحجبها. وقد نريد بقولنا أيضًا أن بعض الحالات مركَّزٌ عليها، والبعض الآخر لا. وأخيرًا، قد نريد التمييز بين حالات نستطيع الإعراب عنها وأخرى لا نستطيع إبانتها[3].

    ولا يعوزنا القول بأن الوعي من هذه الحيثيات الإدراكية لهو أعسر على الفهم من الظواهر البيولوجية المؤسسة للأفعال المنظمة. وانصب أكثر الاهتمام بالقوى المعرفية على الإدراك، وبعض نماذج الإدراك دقيقة. فإن قارنَّا هذا بالذاكرة، وجدنا فهمنا للذاكرة قاصرًا، ووجدنا أيضًا النماذج التفسيرية لمختلف صور المعرفة الذاتية لا تزال ضحلة.

    بالإضافة إلى أن الفجوات في فهمنا تحديدَ اللغة للوعي عديدة؛ إذ ليس بيِّنًا كيف قد تُنظَّم المعرفة السياقية المطلوبة لفهم اللغة[4]، وليس من إجماع على ماهية الدلالة ولا كيفية تمثيلها بيولوجيًّا. ومع ذلك لا يبدو الوعي اليومَ -بهذا المعنى الإدراكي-عصيًّا على الفهم. فقد ليَّنت مجموعة من العلوم التجريبية (مثل علم الأعصاب الإدراكي والذكاء الاصطناعي) العديد من الأسئلة، وفلحت الوظيفية في فلسفة العقل في دحض الظن بأن المادة وفحوى الإدراك متباعدان[5].

    3.1 الإحساس

    ليس في كل من الإدراك والفعل المنظم مشاكل معجزة الحل. لكن اللغز العميق يتجلى لما ننظر إلى معنى آخر من معاني الوعي، أي: الوعي بمعنى الإحساس. والإحساس ينطوي على العديد من المسائل، منها: التجارب الحسية كإبصار الألوان وسماع الأصوات، الأحاسيس الجسدية مثل الشهوة والغضب، المشاعر مثل الخوف والكراهية، الحالات المزاجية مثل الحزن والطمأنينة، وأخيرًا المشاعر والمحفزات والاحتياجات، أي إرادتنا الباطنة. هذه الحالات لا توجد وحسب، بل يتلبس بها المرء[6]، فتحدد ماهية الإنسان. ولها صفات محددة من حيث هي تجارب [معيشة]. أولًا، هي أحوال من أحوال الوعي، من حيث أن لها من يحس بها. فليس من ألم أو خوف لما تنجلي أحاسيس الخوف والألم. ثانيًا، تلك التجارب ليس فيها غير ما يبدو لنا.

    فإذا أحس المرء بحالة من الخوف أو الألم، فهو [لا يحس إلا بـ] الخوف أو الألم. وأخيرًا، فرقٌ بين الإحساس بحالة وبين التفكير فيها أو ظنها أو الحكم عليها. فبين أن يحس المرء إحساسًا ما وأن يظنه إحساسًا ما فرقٌ[7].

    فالوعي من حيث الإحساس لهو ذو أهمية إذ نحس أنفسنا فاعلين لأفعالنا. هذه التجارب لا يعوزها فقط تحكمنا في حركاتنا، ويعوزها غير السلوك المنظم وحده؛ إذ هذا مما يبديه من يسير في نومه. لكي يتصف سلوك بالفاعلية كاملة غير منقوصة يجب أن يصحبه تجربة بأنني أنا الفاعل.  فكوني أنا -الفاعل- المتحكم في جسدي من باطنه جزء لا يتجزء من ذلك، ويلزم عن هذا أن حركاتي تصدر عن نمط ملائم [للحال] من تجاربي. فمن لم يكن هذا شأنه فلم يملك ذوقًا باطنيًّا لم نتأكد من أن لديه إرادة حقة، ودوافع حقة، وأهدافًا حقة[8]. وعلى كلٍّ فإن ذوقنا الأخلاقي ونسبتنا المسؤولية يستبطنان الوعي من حيث هو التجربة.

    2. ما أجزاء هذه الأحجية؟

    إن كان من شيء غير مفهوم حيال الوعي، فليس ذلك سوى الحس وتجربة كون المرء ذاتًا. لكن، مما تتألف هذه الأحجية؟ بالتحديد ما المراد بقولنا -كما عبر دو بوا-ريموند- أن [نشوء] الوعي لا يمكن تفسيره من حيث ظروفه المادية؟ وإن سلمنا بهذا، لِمَ قد يكون بوسعنا تفسيره من هذه الحيثية؟

    إن كان من فرق بيني وبينك في الإحساس فيلزم أن يكون بيننا فرق جسدي. وإن كان من تغيير في إحساسك، فيلزم أن يكون تغييرٌ جسديٌ فيك[9]. وهذا الأصل نسميه المادية الخفيفة. ويبرهن اعتقادنا بهذا الأصل ما لا يحصى من الأفعال، فنحن ندير رؤوسنا لكي نرى شيئًا، أو للإنصات، ونجتنب الظل عند الإحساس بالبرودة، ونتناول الأسبرين لنعالج الصداع، ونشرب الخمر لنرفع من معنوياتنا، وإذ نغضب نحاول أن نهدئ أنفسنا. الفكرة الرئيسة هنا لها عدة جوانب[10]، أُوْلاها أن الحس والجسد مترابطان تحت أي ظرف؛ فلا يتغير واحد بدون الآخر. ثانيًا، أن بينهما علاقة ذات اتجاه واحد من حيث اعتماد أحدهما على الآخر؛ فالحس يعتمد على الجسد، وليس العكس صحيحًا. وثالثًا، بين الحس والجسد علاقة ذات اتجاه واحدة من حيث التحكم؛ فالجسد يتحكم في الحس، وليس العكس صحيحًا. وبناءً على هذا كله، لنا أن نقيم علاقة تفسيرية [بين الحس والجسد] فنقول أن أي حسٍّ أو تجربة تكون نتيجة لتفاعلات جسدية. ونؤكد أننا لا نعرف -حتى الآن- سوى بضع روابط مادية من بين التي علينا كشفها تفصيلًا. لكن لنفرض أننا نعرفها كلها، ما يمنعنا من القول بأننا “فسرنا الوعي من حيث ظروفه المادية”؟ ما الذي يبقى غير مفهوم؟

    عبر دو بوا-ريموند عن الأحجية كالآتي:

    ما الرابطة التي قد نتصور وجودها بين حركات ذرات في مخي من جهة، وبين الحقائق البيِّنة الأصلية غير ذات تعريف: أنني أشعر بالألم، وأنني أشتهي [شيئًا]، ةأنني أذوق الحلاوة، وأستنشق رحيق الزهور، وأسمع صوت الأرغن، وأبصر الحُمرة، الخ. لهو غير مفهوم كليًّا وأبدًا لمَ قد يكون ترتيب مجموعة ذرات من الأكسجين والهايدروجين والنايتروجين والكربون الخ. وحركتها ذا بال، ولمَ كان ذلك ذا بال، ولم سيكون ذلك ذا بال. فليس مفهومًا ألبتة كيف للوعي أن ينشأ عن اجتماعها. (دو بوا-ريموند 1974:71، ترجمتي).

    3. رحلة في المخ

    سهل أن يأسرنا هذا الشعور بالحيرة. لكن الصعب هو أن نضع أيدينا على فحواه بالتحديد. ولنحاول تحديده باتباع قصة خيالية سردها ليبنتز (1714:17). فلنتخيل عقلًا بشريًّا مضخمًا بحيث نستطيع السير فيه كأننا نسير في مصنع ضخم. هذه رحلة يصحبنا فيها مرشد؛ إذ نريد أن نعلم ما الذي يجعل الإنسان (وهو مضخمٌ أيضًا كمُخِّه) ذا تجارب ومنظور أو عالم باطني. ومرشدنا عالم مخ على دراية بأحدث ما بلغته معرفتنا اليوم، وهو متفرغ وشغوف ليرينا كل شيء ويجيبنا عن كل سؤال. بادئ بدءٍ أرانا هذا العالم بنية الخلية العصبية المفردة، ثم انتقل إلى عدد روبطها الهائل، وتعدد المشابك العصبية، ثم اجتذب انتباهنا اختلافُ ترتيب الخلايا وتكتلها في عدة مناطق، وحدثنا المرشد عن الناقلات العصبية العديدة وآثارها عند كل مشبك عصبي، وعلق على نمط الحسكات، وأخيرًا يخبرنا أن بين المجمَّعات العصبية ارتباطًا من حيث أنماط النشاط، وأن أمورًا مثل التزامن [في النشاط] واللاتزامن ذات أثر خطير على النشاط كله.

    فنقول له “مبهر جدًا، لكن أين الوعي من كل هذا؟ الفرد المجرب المحس.” فيضحك ويقول “سؤال مضحك. الفرد الواعي -كما تسميه- ليس في أي مكانٍ في المصنع، بل المصنع كله هو علة الوعي”.

    إننا على دراية [بمقصوده]. [هذا] خطأ مقولي. لكن لم يكن هذا مبتغانا حقًا. ما يروعنا حقًا هو أننا بمقدورنا أن نتصور -بلا مشقة- كل شيء هنا كما هو بدون الفرد المجرب لأي قدر من الإحساس. فليس بين ما أرانا المرشد ما يلزم عنه وجود فرد مجرب لشيء؛ فلا يلزم هذا عن نوع المواد، ولا بنية المصنع، ولا التفاعلات الكيميائية، ولا الأنماط الكهربية. كأن نشوء الفرد المجرب عارض[11]، أو كذا يبدو الأمر لنا؛ كأنه أُلصق [بالمخ] بأخرة. نحن نعلم أن وهم العرضية هذا ليس سوى عارض لمرض جهلنا بالرابط الباطني[12].

    فيخبرنا المرشد بأن “هذا من سنن الكون؛ أنْ إذا تغير شيء هنا ينتج عنه إحساس الإنسان بشيء ما. لا مندوحة عن هذا؛ هذا [أمر] نعلمه كذلك.”

    هو لم يفهم استشكالنا. فنحن لسنا نشك في وجود مثل تلك السنن واللوازم. ما لسنا نفهمه هو علة وجودها. لسنا نرى ما يُلزم إحساس الفرد بشيء. بوسعنا فهم لزوم تفاعل كيميائي عن تفاعل آخر، ولزوم الشحنات الكهربية عن التفاعلات الكيميائية التي تحدف عند المشابك العصبية. لكن شأن الإحساس والتجربة مختلف تمامًا؛ لمَ يلزم [الإحساس بـ] الخوف عن مادة [كيميائية] معينة، وأخرى يلزم عنها الألم؟ لم ليس الأمر معكوسًا؟ لم يلزم عن نمط التحفيز هذا للجهاز الإبصار [في المخ] أن أرى اللون الأحمر وليس الأخضر أو الأزرق أو الأصفر؟

    فإذا تأملنا وجدنا أن جهلنا بالروابط المباشرة قد يصوِّر لنا الروابط [المعروفة] على أنها عارضة، ومن ثم عصية على الفهم. لكن محالٌ أن يكون الأمر كذا في هذه الحال. حتى إذا حللنا الآلة [الدماغية] بالتفصيل أيما تفصيل، وصولًا إلى الجزيآت والذرات، بل ودون ذلك أيضًا، ستظل كل اكتشافاتنا في نطاق المخ، ولن يعبر بنا أيُّها للإحساس والتجربة. فليست الفكرة المألوفة التي تقول بغياب الأسباب ناجعة. ويسألنا المرشد قائلًا “ماذا تريد أن تعرف بالضبط؟” “[أتريد أن تعرف] لمَ ينتج عن تفاعل هنا إحساس معين، أم علة وجود التجربة ذاتها؟”

    فنبين له أن السؤالين يؤولان إلى مشكلة واحدة: إذا علمنا لم يلزم عن حدث عصبي معين إحساسٌ معين بحيث لا تظل العلاقة بينهما عارضةً بل لازمة نكون قد علِمْنا العلة اللازمة كونها تجربة.

    وقد نقول لأنفسنا أنه معلومٌ أن النظام كاملًا له خصائص ليست لأجزائه. كما في صلابة الألماس وشفافيته أيكون هذا مكمن الإجابة؟ هل نحن في حيرة بسبب أننا رأينا الأجزاء في زيارتنا للمصنع العصبي ولم نر الكل؟ ألن نستشكل الأمر عينه إن تجولنا في ألماسة؟

    “كلا” نقولها لأنفسنا بعزم بعد تأمل. بالتأكيد لا. سنرى شبكة ذرات الكاربون، ونعلم حالات الطاقة الخ. وسنستطيع استنتاج أن النظام كله لا بج أن يسلك نهجًا محددًا تبعًا لظروف معينة للضغط والضوء. وكذا فيما لا يحصى من الأمثلة، مثل توتر سطح سائلٍ أو نقطة تجمده، قدرة مادة على الاشتعال أو امتصاص الضوء، الخ. في هذه الأمثلة تُشْتَق خصائص النظام من أجزائه وخصائصها وترتيبها؛ فهي معقولة لهذا السبب[13]. ومن حيث الأصل ليس ذلك ببعيد عن النظم الحية كالنبات. ولهذا السبب ليس بين أحجية الحياة -سالفة الذكر- وبين أحجية اللوعي أية مقارنة. وهذا ما يجعل الوعي عصيًّا على الحل: إن هذه المقاربة تخفق تمامًا في شأنه. فلو كان لامرئ أن يصنع -للمرة الأولى- ألماسة فلن يتعجب في النهاية من صلابتها وشفافيتها. ولو كان لامرئ أن يصنع نبتة -للمرة الأولى- لعلم مسبقًا أنها ستتنفس وتتجه جهة الضوء. لكن إن كان لامرئ أن يصنع -للمرة الأولى- عقلًا، لاندهش (وهو المصمم) من أنه -بعفله هذا- قد خلق فردًا مجربًا مثله.  فإن أعدنا صياغة المسألة، قلنا: لو علم امرؤ الخصائص المادية للعالم فقط -مهما بلغت من التعقيد- لما ظهر له أن ترتيب تلك الخصائص بطريقٍ ينتج الذوق والإحساس. فقبل أن تظهر هذه النتيجة لم تكن مثل هذه الظاهرة في الحسبان، ومن هذا الوجه هي جديدة تمامًا[14]. أو فلنقل أنها هكذا يجب أن تبدو طالما لم نفهم الرابط الباطني.

    ولم يتبين مرشدنا حتى الآن سبب رؤيتنا هنا أحجية بعينها، وبينٌ للناظر أن إصرارنا يربكه. فيقول “لكل تفسير حدوده، وليس بوسعك سوى أن تقر العالم كما هو. لمَ تتجاذب الأجسام بدلًا من أن تتباعد؟”

    لا تعجبنا تلميحته تلك، لكنها تقلقنا، ونتوقف برهةً. الوعي خاصية نظامية، أما الجاذبية فهي بسيطة و-غير ذلك- هي خاصية اعتبارية، فالخصائص النظامية يعوزها التفسير أكثر من غيرها، وهو بها أليق من غيرها؛ إذ ليس من حالٍ إلا ونسأل فيه كيف نشأت من خصائص أجزائها. لكن مع ذلك قد يكون للمقابلة أعلاه وجه رجاحة. فحتى السنن الحاكمة للعلاقة بين الظواهر العصبية والحس -مهما كانت صائبة- ليست سوى سنن قد كانت لتكون مختلفة، لكنها -من حيث الواقع- ليست مختلفة. هي حقيقة كالجاذبية. أيكون استشكال هذه الحقيقة مسألة اعتياد وحسب؟[15] أليس من سياقات لا تعد ولا تحصى يكون الرابط [السببي] فيها مألوفًا لنا وليس محيرًا بأي وجه، مثل تناولنا الأسبرين لإذهاب الصداع؟ بعبارة أخرى: أينشأ الشعور بالحيرة من تغريبنا الرابط المألوف لنا؟ أليس هذا متكلفًا وبلا جدوى كتغريب الجاذبية؟

    وسنعترض على هذا التشخيص مخافة التكرار. بادئ بدءٍ، ما تحوزه الخصائص النظامية من مظهر اللزوم ليس يتأتى في الخصائص التجريبية، أي أن الحقيقة المحضة [المتعلقة بالخصائص التجريبية] التي قد نسلم بها هي ذات طبيعة مغايرة للتي في الخصائص النظامية. ثانيًا، أن الروابط التي ذكرناها بين الحس والظواهر العصبية من حيث التغير: حتى وإن اعتبرناها سننًا فهي ليست متصلة بسائر السنن؛ بل كل واحدة منها منفردة، وهذا من أعراض قصور الفهم المُنَظَّم لهذا الجانب كله. وثالثًا، السنن التي ألفناها تخبر عن ظواهر خارجية، بينما نحن في هذا المقام مشغولون بنشوء أمر وجداني من عناصر خارجية محضة. ولسنا نستشكل ما ليس بمشكل باستعمالنا كلمتي: “خارجي” و”باطني”، فإن اعترض معترض بهذا حذفنا الكلمات المشكلة. لكن في استعمالنا هذا أمر ذو بال لسنا نرجع عنه: هو أن الحس والتجربة أمران مباينان للخصائص النظامية. ولذلك نريد القول في الاقتراح أعلاه بأننا لسنا نطالب أحدًا بتغريب المألوف، سواء كان [ذلك المألوف] الجاذبية أم الوعي. لكن فيما يخص الوعي: ما إن يحدث ذلك التغريب لن ينفك. بل هو مقيم[16].

    أعطانا المرشد الآن مُخَطَّطان ضخمان. أحدهما بالكاد نستطيه أن نحل طلاسمه، فنرى فيه الهيكل المادي للمصنع، وتُرْبِكُنا متاهات دوائره. والمخطط الآخر فهمه أيسر؛ إذ جُمِعتْ دوائره في مجموعات تشكل كل مجموعة منها وحدة، وبعض هذه الوحدات يحمل اسم قوة إدراكية؛ إذ تعرِّف العقل من حيث هو [قدرات] الإدراك. ويخبرنا المرشد بأن: “هذه هي البنية الوظيفية الخالصة للمصنع. وقد تتشكل من مادة مختلفة تمامًا.”

    وجملته الأخيرة تلك مريبة؛ إذ أن مصنعًا مكوَّنٌ من مادة مختلفة تمامًا وله خصائص سببية مختلفة تمامًا لهو مصنع مختلف أيما اختلاف[17]. على كلٍّ نشرع في التساؤل عما إن كنا ننظر في الاتجاه الخاطئ. إن كان مدار الوعي الإدراكي على البنية الوظيفية، لم لا يصدق ذلك على الحس؟ هل عسانا نفهم نشوء المنظور الباطني من هذا المصنع إن استطعنا رؤية ما نرى في ضوء المفاهيم الوظيفية الصحيحة، ذلك بأن نرسم مخططًا ثالثًا أكثر تجريدًا من الأول، لكن من جهة هو أكثر لصوقًا بالمادة من المخطط الثاني؟

    كلا، بل نرفض هذه الأطروحة أيضًا. إذ سنرى في أي بنية وظيفية قد نتخيلها ما نراه في هذه: ويلزم عن هذا أنه بدلًا من تُوزَّع الخصائص التجريبية بهذا المنهج على الوحدات الوظيفية -قد توزع بصورة مختلفة تمامًا، وإما أن يكون ذلك بنظام أو عشوائيًّا[18]. فليس بين الوظيفة والخصائص التجريبية رابط ضروري هو أولى من الذي بين البنية المادية والإحساس. كذلك تبدو المسألة لنا.

    ويحدثنا المرشد قائلًا:

    “لا تنظر إلى الأمور هنا مغفلًا سائر الجسد، ولا مغفلًا البيئة المحيطة.”

    هذا نعلمه. إن كان سؤالنا -كما كان سؤال ليبنتز- عن كيفية إنتاج مصنع الخلايا العصبية للأفكار (أي: للوعي من حيث هو الإدراك) لكانت كلمته تلك هي الحل. قد يكون جوابنا لليبنتز كالآتي: “بعض الظواهر في المصنع تتلقى  فحوى الإدراك أولًا باتصالها السببي بالحوادث الظاهرة، ومن ثمَّ تُمثَّل [ذهنيًّا]، وثانيًا بتأثيرها في السلوك التلقائي نيابة عن الجسد كله. فانظر هذا الجزء [من المصنع] على سبيل المثال: كلُّ ما يحدث هنا يصدر عن تحفيز العصب البصري، فهي -إذن- تمثُّلات ذات محتوى بصري أو معنى بصري. أو هذا الركن: كل الظواهر هنا تصدر عن التعرف على الوجوه، وما تراه له المحتوى المناسب، [أي] المعنى المناسب. لكن لن تستطيع أبدًا التعرف على هذا المحتوى الإدراكي أو هذا المعنى بمجرد تجولك في المصنع.” (انظر: Dretske 1981;1988 وVan Gulick 1980; 1982).

    لكن مع الأسف لسنا نستشكل المحتوى الإدراكي، وإنما نستشكل المحتوى التجريبي، محتوى الإحساس. والسؤال المحوري هنا هو بالتحديد هذا: لِمَ قد لا يكون المصنع مرتبطًا بالجسد والبيئة كما هو الآن بالضبط، فيكون لديه المحتوى الإدراكي والمعاني كما هي الآن، لكن بدون نشوء أي إحساس؟ ولذلك نتجنب الطريق الأطول خلال سائر الجسد؛ إذ نعلم أن الأسئلة عينها ستطرأ هناك.

    وإذ نخرج من المصنع يسألنا المرشد “ما عملكم؟” فنجيب عليه: “الفلسفة.” فيرد قائلًا “لهذا” ثم يغلق الباب.

    4. أيمكننا ترك هذا السؤال؟

    فلنذكر أن الأحاجي ليست تنتظر الناس أن يحلوها؛ فهي ليست جزءًا من العالم. إنما تكون الظواهر والأحوال أحاجي لما نستقبلها مستحضرين أفكارًا خاصة للتفسير والفهم، وهذه الأفكار -كغيرها- إما أن يكون لها ما يعللها أو لا. أنغلو إذ نظن بلا أدنى ريب أن العلة الضرورية لنشأة الحس هي في الخصائص المادية أو الوظيفية للمخ (أو كليهما)؟ هلا تركنا طرح ذاك السؤال الذي [بتكراره] يغدو كالرحى الدائرة؟ أنقنع بما لدينا من تغيير متوازٍ [بين الحس والجسد]، واعتماد [أحدهما على الآخر]، وتحكم [أحدهما في الآخر]؟

    والإجابة: لا. وعلة ذلك أننا إن لم يتحقق لدينا الفهم الذي نبتغيه لن نفهم كيف أن للحس والتجربة أثرٌ في سلوكنا، ويلزم من هذا أن في كوننا ذواتًا فاعلة أمرًا لا نفهمه، وهذا الأمر يفوق في أهميته أغلب ما في حياتنا.

    ولنا في تفصيل هذا الربط بين المسائل سبيلان. أولهما: أن ليس في سلسلة العلل الجسدية التي تتحكم في فعلنا المنظم فجوات، بل هي كاملة. فليس في أثناء عمل الخلايا العصبية لحظات يعوزها فيها الحس لكي تنتقل إلى المرحلة التالية. فيلزم من هذا -من حيث الأصل- أن لدينا تفسيرًا سببيًّا كاملًا لفعلنا المنظم لا يعوزه ذاتٌ مجربة. فمن حيث تسبيب سلوكنا والتحكم فيه: ليس لنا بالوعي حاجة. فحتى إن كان عدمًا لن تتغير مسيرتنا في الحياة أي تغيير يذكر[19]. فإن كان الأمر كذلك، لأصبح تحكمنا من الباطن في سلوكنا إذ هو فعل (وليس حدثًا وحسب) وهمًا شائعًا. نحن على علم بالكيفية التي يكون فعلنا عليها لما يكون منفصلًا عن الحس، أي: تجربة السلوك الغريب (alienated behaviour). إن كمال الحوادث الجسدية يوحي لنا بأن سلوكنا كله لعله مُغرَّبًا كذلك، ولكان ذلك انسلاخًا لا نلحظه نحن -ضحايا الوهم-، ولكن هذا لن ينقص من حقيقته.

    لكننا لنرفض أن نصدق أمرًا كهذا؛ يعز علينا أن نركن إليه؛ إذ أن قسمًا كبيرًا من تصورنا عن أنفسنا سيُزعزع. لكن لا يكفي أن نرفضه؛ علينا بيان أننا أسياد أفعالنا من حيث أنها تصدر عن تجربتنا. ولا يكفي لهذا الغرض أن نشير إلى علاقات التغير المتوازي، والاعتماد، والتحكم بين الحس والظواهر العصبية؛ إذ حتى إن لم يملك الحس قوة سببية لبقيت هذه العلاقات كما هي. وهنا -أخيرًا- نصل إلى أحجية دو بوا-ريموند: فقط لما نبين الصلة اللازمة بين الوعي والجسد نستطيع أن نثبت القوة السببية للوعي؛ فإذا استخلصنا خصائص تجريبية من الخصائص البيولوجية بان لنا القدرة السببية للأول على الثاني. هذا ما نفعله فيما يخص الخصائص النظامية، لكن هذا هو النموذج العاطل.

    أما النقطة الثانية فهي: إذا شرعنا في تفسير سببي لسلوك ما بذكرنا الظواهر الجسدية، فإننا -من حيث الأصل- نعلم كيف نستكمل هذا التفسير؛ فنعلم كيف نحدد سلسلة الأسباب وأجزاءها الدقيقة، وبذلك نبيِّن آلية عمل الأسباب. لكن يختلف الحال لما نبدأ تفسيرنا بذكر التجربة؛ إذ كيف لنا أن نحدد آلية عمل حُزْنِكَ وخُوْفِكَ وأَلَمِكَ؟ لا مندوحة من التوجه للجسد. لكنك [بذلك] غيرت الموضوع، ولكان أولى لك أن تبدأ بالجسد [من البداية]. لو استطعنا اشتقاق التجارب والإحساس من الظواهر البيولوجية-الكيميائية بحيث نقول: إننا بحديثنا عن هذه الظواهر -بوجهٍ- لم فتئنا نتحدث عن الإحساس -لو استطعنا ذلك لما كان في ذلك تغيير للموضوع.

    إذن، ليس لنا أن نكف عن طرح سؤال دو بوا-ريموند كما نكف عن العادات ذميمة. طالما لم نجد الإجابة يبقى لنا أمر جدُّ أساسي عن كوننا ذواتًا فاعلة لم نفهمه. فإن صغنا هذا الكلام صياغة أخرى، قلنا: هذا السؤال متشابك مع أمور كثيرة هي عندنا ذات بال، فهو ليس سؤالًا ميتافيزيقيًّا فارغًا -كما ظن مرشدنا في المصنع- كقولنا “لم توجد أشياء بدلًا من لا شيء؟”

    5. أين الخطأ؟

    إن بدا سؤالنا عصيًّا على الإجابة فذلك يثير فينا ريبًا بأننا نقترف خطأً أساسيًّا. فإن لم تكن أفكارنا المعرفية [حول طبيعة التفسير] هي الملومة، فلعل الخطأ في وصفنا الحس والتجربة. الخاصية الجوهرية [للتجربة] إنما كانت أن التجربة لا فرق فيها بين المظهر والحقيقة؛ أي أن التجربة تعرب عن طبيعتها بكونها محسوسةً بوجه من الوجوه. إذن ليس معقولًا أن نفترض أن تكون صفاتٌ للتجربة قد تُكتشف وراء الصفة المحسوسة. لكن أن نعقل التجربة من حيث الظروف المادية مؤداه بالضبط أننا نكتشف عن طبيعته أمورًا لم نكن نعلمها. أفيكون الخطأ في وصفنا الإحساس، أو -بدلًا من ذلك- في تفسيرنا الإحساس، فيفسد لنا [ذلك] -قبْليًّا- محاولة الفهم التي نرومها؟

    لكن، انظر: هل ترى إذا غلب على أحدنا الهلع أو تأوه من الألم -هل ترانا نجهل حقيقة تلك الأحاسيس وأننا نلم نكتنهها بعد؟ بل ذلك غريب؛ إذ ليس يراد: التوجه لما ليس إحساسًا. ونحن نألف تدرج معرفتنا بفحوى تجربةٍ كالغيرة أو الخيبة، أو الغضب. لكن لا يكون هذا المراد.

    لعلنا أسأنا الفهم، وأن الخطأ في افتراض آخر (وإن كان مرتبطًا)، وهو: أن الخصائص التجريبية بسيطة، ليست تحتوي على بنى داخلية أو ما شابه. فيكون تشخصينا كالتالي: إن أردنا معرفة الرابطة بين X وP يلزم عن ذلك -إذًا- زيادةٌ في المعرفة بالبنية الداخلية لكلٍّ من الظاهرتين، كما في التفاعلات الكيميائية. فإن ظننت أن إحداهما ليس لها بنية داخلية، فلا تعجب إن لم تجد بينهما علاقة تفسيرية!

    ويدعم هذا التشخيص بعض الإعاقات النفسية-العصبية Neuropsychological، فيكون فيها تعقيد خفيّ وراء مظهر تجربة بسيطة متناغمة، كما الحال في قصور تصور الجسد[20] أو بعض وجو الفصام في التجارب المؤلمة[21]. وليست بساطة المظهر إلا ما يبدو للفرد الواعي[22]. لكن هنا يتبادر إلى الذهن اعتراضان، أولهما: أن البساطة والتجانس اللذان يبدوان في الأحوال العادية -حتى وإن لن يكونا سوى مظاهر- لهما من الصدق ما لأي شيء آخر يظهر للفرد، وذلك يرجعنا للأسئلة الماضية مرةً أخرى. أما الثاني: أن الأسباب التي تُستكشف في الحالات المَرَضية لها محتوى تجريبي؛ أي أن التعقيد الخفي وراء التجربة [المرضية] لا يمدنا بسبب لتفسير التعقيد الجسدي، ولا العكس.

    أفتكون المعتقدات هي العصية على الفهم بدلًا من التجارب؟[23] أتكون التجارب الظاهرة في نهاية المطاف ليست سوى مركبات فكرية؟ قد يقال هذا على مجموعة معقدة من المشاعر تتشابك مع التصور عن الذات، وقد تُقال في مقام الحديث عن وحدة النفس أو الشخص وأغلب ذلك وهم. لكن إن قيل هذا عن التجارب الحسية -كالألم والشهوة والفزع والخيبة- لَبُهِتُّ[24].

    ولو حاول أحدهم أن يحل أحجيتنا هذه بأن يجعل من محتوى التجارب محتوىً إدراكيًّا لحسسنا بالنفور منه تلقائيًّا كما نفرنا [من محاولة جعلها معتقدات]؛ فهو بهذا يزيل التفرقة بين الإحساس والوعي الإدراكي. وقد لوحظ أن كثيرًا من خصائص الإحساس والتجربة له رابطة باستخدام النظام تصورًا عن ذاته يتابع به حالته ككل[25]. لست أبت القول في التجارب الحسية، لكن الاقتراح مقنعٌ فيما يخص الأحاسيس الجسدية، والمشاعر، والإرادة؛ فتصورات الذات -كما يبدو- لا تقدم أحجيات عميقة. لكن لن يساعد هذا الأمر [في حل الأحجية] إلا إذا سلمنا بلا شروط بأن الإحساس إنما هو نموذج ذاتي وتمثيل للذات. ولن تتعجب من روايتي القصة نفسها: إن لأي كائن حي عددًا لا يحصى من وسائل المراجعة، فلمَ لا يكون لديه أي نموذج ذاتي (أو أي عدد من هذه النماذج) بدون أدنى أثر للإحساس والتجربة؟

    6. أنلوم قصور إدراكنا؟

    ظن دو بوا-ريموند أن الوعي سيظل معجزًا لفهمنا أبد الدهر. وبالنسبة للوعي فهذه هي أطروحة أننا -من حيث الأصل- تحت سلطان قيد إدراكي. مما قد يتكون هنا القيد؟ إننا مقيدون من حيث قدرتنا على تمييز المحسوسات. لكن محلٌ أن تكون هذه المشكلةَ؛ ليست المشكلة أننا لا نرى ما في مصنع الخلايا العصبية بوضوح كافٍ. ثانيًا، قد يكون القيد في عجزنا عن ابتكار تصورات مناسبة لموضوعنا. ثالثًا، قد يكون عجزنا بسبب أننا لا نهتدي إلى التصور الصحيح للتفسير والفهم. فإن وجد كائن بدون مثل هذه القيود فقد يمتلك حقًّا حلًّا لأحجيتنا. بل الوصف الأولى لحالنا هذا هو: إن وجد كائن كهذا لما كانت هذه أحجية له أصلًا.

    قد تكون فرضيتنا هي أن القيود سالفة الذكر تمنعنا من الوصول إلى الشيء المسؤول في المخ عن الإحساس. لقد نظرنا إلى المادة، والبنية المادية، والبنية الوظيفية بمختلف مستويات التحليل. وجرَّبنا منهجًا جزئيًّا ومنهجًا كليًّا، وأخيرًا لم نغفل السياق السببي المحيط بالمخ. وفرضيتنا هذه قد تقول أن ما يهمنا هو شيء مختلف تمامًا (قارن هذا بـMcGinn 1991). وجوابنا على هذا بأنه ليس من شيء بقي لنتصوره. لكن هذا بالتحديد هي الفرضية: أننا ليس باستطاعتنا تصور أي شيء آخر. لا يمكن دحض هذه الفرضية، هي مبنية بهذه الطريقة. لكن إن كان للفكرة ما يضعفها فهو أنه: إن كان الموضوع غير الإحساس والتجربة فإننا  ننتهج نهجًا ناجعًا -فيما يخص المخ- مع كل الأسئلة التي يبقى علينا إجابتها. باستطاعتنا أن نفكك الآليات، ونتنبأ بالظواهر، وأن نؤثِّر. لكن -بالعكس- لا يعقل أن ننجح في كل هذا إن كان صنفٌ كاملٌ من الحقائق عن المخ محجوبٌ عنا منهجيًّا. نعم، إن ادعى قائل أن ليس من صلةٍ بين المعلومات العصبية الخاصة بالإحساس وبين سائر المعلومات الخاصة ببقية الوظائف العصبية -لبدى ذلك غريبًا جدًّا.

    ثانيًا، قد تقول القصور الإدراكي بأن مواطن العجز سالفة الذكر تمنعنا من أن نفهم لِمَ ينشأ الحس والتجربة بالتحديد من الظواهر العصبية المتصلة [الموضوع]. وفي هذه الحالة يكون القصور معنيًّا -بالأساس- بتصوراتنا عن التفسير والفهم. لقد بحثنا الفهم السببي، والفهم البنيوي، والفهم الوظيفي، وفهم الكل من الجزء. وسؤالنا في كل هذا كان واحدًا معنيًّا بالضرورة المتأصلة في [علاقات] التغير المتوازي، والاعتماد، والتحكم التي نراها حسب اعتقادنا في المادية الدنيا Minimal Materialism. فإن كنا محتجزين داخل حيز فهمنا الضيق فذلك يحول دون سؤالنا الأسئلة الصائبة واستدلالنا استدلالًا سليمًا، أو كذا قد تدعي فرضيتنا. أحيانًا أخال أن هذا هو التشخيص الصيح؛ إذ في أحجية الوعي ما ليس في غيرها: أننا لا ندري ما قد يكون حلًّا وتفسيرًا. إن أعجزنا التلفاز أو التوارث [للصفات بيولوجيًّا] أو حتى عمل الخلايا العصبية، فإننا لدينا تصورٌ ما عما قد يكون تفسيرًا مُرضيًا. أما الوعي فلا يبدو الأمر فيه كذلك. لكنني أجد الاعتصام بإلقاء اللوم على القصور الإدراكي صعبًا، وذلك لسببين.

    أولهما: إن التفسير [أي] البحث في المسائل وفهمها دائمًا ما تتضمن الكشف عن علاقات ما. فيحصل من فرضيتنا أن في العالم نوعًا من العلاقات محجوبة عنا أبد الدهر. وللتأكيد: إن هذا الادعاء لا يمكن دحضه فعليًّا. لكن من الغريب أن يتضمن موضوعنا صنفًا من العلاقات الخفية تكون غائبًا في كل موضع غير هذا، أو -إن لم يكن هذا- ألا تمنعنا من فهم مسائل أخرى. وإن المرء ليُتسهوى لأن يقول: ليست هذه فكرةً معقولةً؛ أي أنها ليست فكرةً أصلًا. أما السبب الثاني فهو أنه: إن وُجِدَ كائن عنده الجواب الكافي لما استطاع أن يرينا إياه؛ إذ [لو فعل] لما كنا لنعرفه. هذا لا يبطل الفرضية، لكنه يجردها حتى لكأنه يجعلها فارغة تمامًا، فارغة بقدر يجعلك تفكر في غلق الكتاب!

    هذه الشبهات الموردة على فكرة لوم [إعجاز] الأحجية على القيود الإدراكية لا تثبت أن دو بوا-ريموند سيُدحض يومًا، لكنها تنصح لصاحب هذا القول ألا يتيقن بأن طرحه طرحٌ ذو بال. وتحفزنا لاستكمال البحث، إذ يجب أن يكون بحثًا عن مفاهيم جديدة، ونماذج وكنايات جديدة، وفوق كل هذا تبصير بمصادر الزلل. إني لم أحل أحجية الوعي، هذا أكيد. لكن عسى أن يكون القارئ الآن ذا معرفة أعمق بأجزاء هذه الأحجية، وبموضعها من فكرنا في العالم وأنفسنا. حسبي هذا؛ إذ لم أزد عليه في العنوان.

    الهوامش

    [1]     https://books.google.com.eg/books?id=wEjqp9kTXnUC&lpg=PA45&ots=WApiYB89NX&dq=why%20is%20consciousness%20puzzling%20bieri&lr&pg=PA45#v=onepage&q=why%20is%20consciousness%20puzzling%20bieri&f=false

    [2]     الفصل التالي بين المفاهيم وبين الظواهر من عندي. وهي ليست الطريقة الوحيدة لتنظيم المسائل، مثل: Wikes 1984 و Natsoulas 1978 وAllport 1988.

    [3]     يضم تصور فرويد عن الوعي واللاوعي -كما يبدو لي- هذه الحيثيات الأربع. ولذلك هو [أي تصور فرويد]مبهم.

    [4]     أريد بقولي هذا معضلةَ العلائق “frame-problem” [في علم الإدراك].

    [5]     يتبادر إلى ذهني أبحاث مثل: Cummins 1983، Fodor 1987، Van Gulick 1980; 1982، Dretske 198، Stampe 1984، 1988Stalnaker 1984.

    [6]     لشرح هذه الجملة انظر: Farrell 1950 وNagel 1974.

    [7]     ما أقول في هذا المقام عن التجربة ليس يمر بدون جدل. انظر مثلًا: Pitcher 1970a و1970b، وخاصةً Dennett 1991 وإن شئت الاطلاع على احتجاج للخبرات اللاوعية فانظر: Rosenthal 1993.

    [8]     إن بدى أني أقول هذا القول على عجالة فذلك لأن المقام يضيق عن أن أطيل الكلام. إنما أردت أن أشير إلى أن الكلام في نظم الإرادة وتفسيرها وحالاتها يبدو لي قاصرًا طالما لا يقرب ما بين الفعل والإرادة الباطنة. ويصف تشارلز تايلور (Charles Taylor 1985: 76-45 وخاصة 59-65) الرابطة بين الإرادة والدوافع من جهة، والحس من جهة أخرى.

    [9]     والكلام في العقد الأخير على هذه الفكرة اختُزِلَ في مفهوم التراتبية. وعلى هذا الاصطلاح، إن لم يكن من تغيير حسيٍّ في غياب التغيير الجسدي، قلنا أن الإحساس يترتب على التغيير الحسي. وأول من تكلم عن التراتبية في هذا المقام هو دونالد دايفدسون Donald Davidson 1980 ومن بعده فصل الكلام فيه أكثر من غيره جيه كون كيم Jaegwon Kim 1993.

    [10]   جيه كوان كيم كان من أراني أهمية التمييز بين هذه الجوانب في بحثه “Supervenience as a Philosophical Concept” (في Kim 1993).

    [11]   هذا الوهم بالعارضية أعرب عنه سول كريبكه (1980)وآخرون، ويستقي كريبكه منها حجةً ضد المادية.

    [12]   فصَّل جوزيف ليفين (1983) الكلام في الرابط بين مظهر العارضية والإحساس بالجهل.

    [13]   في هذا النوع من التفسير والفهم انظر: Cummins 1983.

    [14]   للبيان عن هذا الوجه من المسألة نُعِتت الخصائص التجريبية بالخصائص الطارئة emergent properties. وبذلك يكون لمفهوم الطرء وجه استمدادي يتجاوز الخصائص النظامية. انظر: Beckermann/Flohr/Kim 1992.

    [15]   أنا شاكر لماتياس مولار الذي أراني أن هذه المسألة يمكن طرحها بقوة.

    [16]   إن هذا القول يصادر على المطلوب. لكن لست أدري كيف لي أن أتجنب هذا.

    [17]   الوظيفية Functionalism (وهو المذهب الذي أشير إليه هنا) عادةً ما تستحضر تمييزًا قاطعًا عند تناولها الوظيفة وتعدد صورها. وطالما أذهلني هذا؛ إذ يغلب على الوظيفية أن تصف الوظيفة بالعلة. لكن العلل تصدر عن الخصائص السببية للمادة. لهذا يتبادر إلى ذهني أن تصورَ تغير المادة عشوائيًّا مع ثبات الوظيفة تصورٌ بيِّن الفساد.

    [18]   للاستزادة انظر: Shoemaker 1975.

    [19]   هذا مذهب الـ Epiphenomenalism، ونافح عنه T. H. Huxley (1904: 199-250). وقارن ذلك بـ: Bieri 1992.

    [20]   Body schema deficiency حالة مرضية في علم النفس العصبي Neuropsychology تتصف بجهل المخ مكان أطراف الجسد واتجهها وحركتها زمانًا ومكانًا. انظر: https://link.springer.com/rwe/10.1007/978-0-387-79948-3_713

    [21]   certain aspects of pain experience are strangely dissociated.

    [22]   يبيّن دينيت Dennett هذه الفكرة بتحليلاته في Dennett 1978: 190-220.

    [23]   قارن هذا بـ Dennett 1991 في عدة مواضع. وأيضًا Dennett 1982; 1978: 129-49, 174-89.

    [24]   إن لم نفرِّق بين سؤالنا: كيف نعرف تجاربنا وسؤالنا: مما تتكون التجارب، فهذا يؤول بنا إلى قول كقول دينيت في كون التجارب في جوهرها سرديات. [يتصور دانيال دينيت الوعي على أنه آلة لسرد قصص عن الذات من خلال نموذجه الذاتي، فتكون كل تجربة سردية.]

    [25]   وضع روبرت فان جولك Robert Van Gulick مسوَّدة هذه الفكرة (1983)، وفصَّلها Metzinger (1993).

    النقاط الرئيسية المستخلصة

    • الوعي مفهوم معقد ومتعدد المعاني، يحتاج إلى فهم عميق للسياق.
    • الخصائص السلوكية والتجريبية للوعي تعكس العلاقة بين الحس والجسد.
    • هناك نوع من الصعوبة في فهم كيف يتصل الإحساس بالظواهر العصبية، وهذا يجعل الوعي محيرًا.
    • تتضمن الأحجية محاولة تفسير الضرورة الملزمة بين التجربة الفيزيائية والحس الشخصي.
    • نحتاج إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الإحساس والعمليات البيولوجية لفهم ماهية الوعي.
  • رواية 1984 لـ جورج أرويل

    رواية 1984 لـ جورج أرويل

    1. مقدمة

    منذ عدة أعوام الآن، وأنا أكتب مقالًا من أربعة أجزاء لـ Field Newspaper Syndicateمطلع كل عام، وفي عام 1980كانوا منتبهين لاقتراب العام 1984وطلبوا مني أن أكتب نقدًا شاملًا لرواية “1984” لـ جورج أورويل. كنت مترددًا لأني لم أتذكر شيئًا من الروايةتقريبًا وأخبرتهم بذلك – لكن دينسن ديماك، الشابة اللطيفة التي كانت جهة اتصالي في المؤسسة (FNS)، أرسلت إلي نسخة من الكتاب بكل بساطة وقالت “اِقرأها.”

    لذلك قرأتها ووجدت نفسي متعجبًا مما قرأت كل التعجب. وتسائلت كم مِن أولئك الذين يطنبون في الحديث عن الرواية قدقرأوها بالفعل، وإن كانوا قرأوها فهل يتذكرونها على الإطلاق؟ شعرت بأن علي أن أكتب النقد وإن كان ذلك لمجرد أن أصحح أفكار الناس. (أنا آسف؛ أحب تصحيح أفكار الناس).

    الكاتبإسحاق عظيموف
    ترجمةمحمد ناجي
    مراجعةهدى عيسى

    2. كتابة “1984”

    نُشر في عام 1949 كتاب بعنوان “1984” من تأليف إريك آرثر بلير تحت الاسم المستعار جورج أورويل.

    حاول الكتاب أن يعرض تصورًا للحياة في عالم من الشر المطلق، حيث يُبقي المتحكمون بالدولة على سلطتهم بواسطة القوة المفرطة وتشويه الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ باستمرار وتنويم الناس بشكل عام.

    وُضِع هذا العالم الشرير على بعد ٣٥ عامًا من الزمن ليتمكن حتى مَن هم في مستهل منتصف العمر حين نُشر الكتاب أن يروه إذا عاشوا عمرًا طبيعيًا.

    كنت أنا، مثلًا، رجلًا متزوجًا بالفعل عندما ظهر الكتاب ومع ذلك ها نحن ذا وأمامنا أقل من أربع سنوات قبل أن تحل تلك السنة المروعة (لأن “1984” أصبحت سنة تبعث الرهبة بسبب كتاب أورويل)، وعلى الأرجح أنني سأعيش لأراها.

    سأناقش الكتاب في هذا الفصل لكن أولًا: من هو بلير/أورويل ولماذا كُتب هذا الكتاب؟

    وُلِد بلير عام 1903 بمنزلة رجل بريطاني نبيل. والده كان في الإدارة المدنية في الهند وعاش بلير نفسه حياة ضابط في الإمبراطورية البريطانية. فقد درس في إيتون وخدم في بورما (ميانمار) وما إلى ذلك.

    لكن كان ينقصه المال لكي يصبح رجلًا إنجليزيًا نبيلًا لأكمل وجه. كما أنه لم يرغب في قضاء وقته في وظائف مكتبية مملة؛ أراد أن يكون كاتبًا. وكان يشعر بالذنب حيال مكانته في الطبقة العليا.

    لذلك فعل في أواخر عشرينيات القرن العشرين ما فعله الكثير من الشباب الأميركي الميسور الحال في الستينيات. باختصار، أصبح ما سُمي بالهيبي في وقت لاحق. عاش في العشوائيات في لندن وباريس، وعاشر سكان العشوائيات والمشردين وأحَسّ بانتماء إليهم، فتمكَّن من أن يريح ضميره و- في الوقت نفسه – أن يجمع موادًا لأعماله الأولى.

    كما أنه أتجه ناحية اليسار السياسي وأصبح اشتراكيًا، مقاتلًا مع الجبهة الموالية (الجمهورية) في أسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي. فوجد نفسه هناك في خضم صراعات تنظيمية بين مختلف التنظيمات اليسارية، وبما أنه آمن باشتراكية بريطانية نبيلة الشكل (جِنتلمانيّة)؛ كان حتميًا أن يجد نفسه على الجانب الخاسر. كان مُعارضوه لاسُلطَويين (أناركيين) ونقابيين وشيوعيين أسبان مُتَّقدين استاؤوا بمرارة من أن مقتضيات قتال فاشيي فرانكو حالت دون اقتتالهم. الشيوعيون – الأفضل تنظيمًا – كانت لهم الغلبة[1] واضطر أورويل لمغادرة أسبانيا لاقتناعه بأنه كان سَيُقتَل إن لم يغادر.

    منذئذ وحتى وفاته واصل حربًا أدبية شخصية ضد الشيوعيين، مصممًا أن ينتصر بالكلمات في معركة كان قد خسرها في ساحة القتال.

    وكان محسوبًا على الجناح الأيسر لحزب العمال البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية – التي لم يُقبل فيها للخدمة العسكرية – لكنه لم يتعاطف مع أراءهم، فحتى نسختهم المتهورة من الاشتراكية بدت له منظمة أكثر من اللازم.

    وعلى ما يبدو أنه لم يتأثر كثيرًا بالشمولية النازية؛ فلم يكن بِداخله متسع إلا لحربه الشخصية ضد الشيوعية الستالينية. وبالتالي فبينما كانت بريطانيا العظمى تخوض حربًا وجودية ضد النازية، وكان الاتحاد السوفيتي حليفها في الصراع، يحارب بشجاعة باسلة مشاركًا بالنصيب الأكبر من الأرواح المفقودة، كتب أورويل “مزرعة الحيوان” التي كانت هجاءً ساخرًا من الثورة الروسية وما تلاها، بتصويرها كثورة حيوانات حظيرة على أسيادهم البشر.

    أنجز “مزرعة الحيوان” في 1944 وواجه صعوبة في إيجاد ناشر؛ فالوقت لم يكن ملائمًا لإزعاج السوفيت، لكن بمجرد أن انتهت الحرب أصبح الاتحاد السوفيتي هدفًا مستباحًا ونُشرت “مزرعة الحيوان.” تلقت الرواية الكثير من الإطراء وأصبح أورويل ميسور الحال لدرجة مكَّنته من التقاعد وتكريس نفسه لتحفته “1984.”

    صوَّر ذلك الكتاب المجتمع كامتداد ضخم عالمي لروسيا الستالينية من الثلاثينيات، في صورة تمتلئ حقدًا من خصم يساري متعصب[2]. الأشكال الأخرى من الشمولية تؤدي دورًا ضئيلًا. توجد إشارة أو اثنتان للنازيين ومحاكم التفتيش. كما توجد إشارة أو اثنتان لليهود في البداية، كأنهم كانوا سيصبحون هدفًا للاضطهاد، لكن هذا يتلاشى فورًا كما لو أن أورويل خشي أن يظن قُراؤه أن الأشرار المقصودين هم النازيون.

    الصورة صورة الستالينية، الستالينية وحدها.

    عندما صدر الكتاب عام 1949، كانت الحرب الباردة في ذروتها، ولذلك اشتهر الكتاب. كان شيئًا من الوطنية تقريبًا أن تشتريه وتتحدث عنه، وربما تقرأ أجزاءً منه، لكن في رأيي أن مَن اِشتَروه وتحدثوا عنه أكثر مِمَّن قرأوه، لأنه ممل بشكل فظيع — يتسم بالوعظ والتكرار وما يشبه الجمود.

    معظم شهرة الكتاب كانت بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب المحافظ، لكونه مناظرة وهجومًا صريحًا على السوفيت، والصورة التي أسقطها على لندن “1984” كانت تماثل تصور المحافظين للحياة في موسكو 1949.

    خلال الحقبة المكارثيّة في الولايات المتحدة، اشتهر الكتاب بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب الليبرالي، فقد بدا لهم أن الولايات المتحدة في أوائل الخمسينيات بدأت تتحرك في اتجاه التحكم بالتفكير وأن الشر الذي وصفه أورويل كان في طريقه إلينا.

    لذلك استخلص الفيلسوف والمحلل النفسي الليبرالي إريك فروم التالي في خاتمة نسخة ورقية الغلاف نشرتها New American Library في 1961:

    “الكتب على شاكلة كتاب أورويل هي تحذيرات قوية، وسيكون من المؤسف جدًا أن يُؤوِّل القارئ بعجرفة رواية “1984” على أنها تصوير آخر للهمجية الستالينية، ولا يرى أنها تقصدنا نحن أيضًا.”

    حتى لو تجاهلنا الستالينية والمكارثية، فإن الأميركيين وبشكل متزايد بدأوا يلحظون كم أن الحكومة باتت كبيرة، وأصبحت الضرائب أعلى، وإلى أي مدى صارت القواعد واللوائح تتدخل في الأشغال والحياة اليومية أيضًا، وكيف أصبحت المعلومات المتعلقة بكل أوجه الحياة الشخصية تدخل ملفات المكاتب الحكومية بل وأنظمة الائتمان الخاصة أيضًا.

    لذلك لم تعد رواية “1984” ترمز إلى الستالينية أو حتى الديكتاتورية بشكل عام، ولكنها أصبحت ترمز إلى الحكومة ليس إلا. فحتى النزعة الأبوية للحكومات صارت تَستحضر صورة “1984”، وباتت عبارتها المشهورة “الأخ الأكبر يراقبك” تعني كل ما هو أكبر من أن يتحكم فيه الفرد. ولم تقتصر بوادر “1984” على ضخامة الحكومة أو الشركات فحسب، بل شملت أيضًا المشاريع العلمية الكبرى والتنظيمات العمالية الكبرى وأي شي كبير.

    في الواقع اخترقت فوبيا “1984” كليًا وعي الكثيرين مِمَن لم يقرأوا الكتاب وليس لديهم فكرة عن محتواه، حتى بات المرء يتساءل عما سيحدث لنا بعد 31 ديسمبر 1984. عندما يحل يوم رأس السنة في 1985 والولايات المتحدة ما زالت موجودة وتواجه المشاكل نفسها التي تواجهها اليوم، كيف عسانا أن نعبر عن مخاوفنا من مختلف نواحي الحياة التي تملؤنا توجسًا؟ أي موعد جديد سنخترع ليحل محل 1984؟

    لم يعش أورويل ليرى النجاح الذي حققه كتابه. ولم يشهد كيف حوَّل الكتاب سنة 1984 إلى سنة تطارد جيلًا بأكمله من الأميركيين. توفي أورويل بمرض السل في مستشفى بلندن في يناير 1950، بعد بضعة أشهر من نشر كتابه وكان قد بلغ ستة وأربعين عامًا. لعل عِلمه بموته الوشيك قد زاد من مرارة الكتاب.

    3. الخيال العلمي في “1984”

    الكثيرون ينظرون لـ “1984” على أنها رواية خيال علمي، لكن العنصر الوحيد فيها تقريبًا الذي يقود المرء لهذا الافتراض هو أنها تزعم حدوثها في المستقبل. غير صحيح! لم يكن لأورويل أي حدس تجاه المستقبل، وكانت الإزاحة في القصة جغرافية أكثر بكثير من كونها زمنية. لندن التي تدور فيها أحداث القصة لم تُنقل 35 سنة للأمام، من 1949 لـ 1984، بل نُقلت ألف ميل شرقًا لموسكو.

    تخيل أورويل أن بريطانيا العظمى مرت بثورة تشبه الثورة الروسية ومرت بكل المراحل التي مر بها التطور السوفيتي. لم يستطع أن يتخيل أي تباين في موضوع الثورة؛ لذلك قام الإنجسوك (أي الاشتراكية الانجليزية، في رواية أورويل) بسلسلة من التطهيرات في الخمسينيات لأن السوفيت قاموا بسلسلة من التطهيرات في الثلاثينيات.

    شَوَّهَ السوفيت صورة أحد ثورييهم، ليون تروتسكي، ونصَّبوا خصمه جوزيف ستالين بطلًا. وبالمثل شَوَّهَ الإنجسوك صورة أحد ثورييهم، إيمانويل جولدشتاين، وجعلوا من خصمه، الذي له شاربِ مثل ستالين، بطلًا. حتى القدرة على خلق فروق صغيرة ليست موجودة. فجولدشتاين، مثل تروتسكي، له ❞وجه يهودي هزيل تكلله هالة كبيرة مشوشة من الشعر الأشيب، وله لحية صغيرة كلحية معزاة.❝ ولا يريد أورويل أن يشوش المسألة بإعطاء ستالين اسمًا مختلفًا لذلك سماه “الأخ الأكبر” ليس إلا.

    يتضح لنا في مستهل القصة أن التلفاز (الذي كان يبرز إلى الوجود في فترة كتابة الكتاب) يُستخدم كوسيلة مستمرة لتلقين الناس، لأن الأجهزة لا يمكن أن تُطفئ. (و، على ما يبدو، في لندن المتدهورة حيث لا شيء يعمل، لا تعطل هذه الأجهزة أبدًا)

    الإسهام الأورويلي العظيم لتكنولوجيا المستقبل هو أن جهاز التلفاز إرسالي واستقبالي، وأن الناس المجبرين على سماع ومشاهدة التلفاز يمكن أن يُسمعوا ويُروا طوال الوقت وهم تحت مراقبة مستمرة حتى خلال نومهم أو استخدامهم للحمام. من هنا يأتي شعار “الأخ الأكبر يراقبك.” هذا النظام ليس فعالًا على الإطلاق في إبقاء الجميع تحت سطوته. أن تراقب شخصًا طوال الوقت يعني أنك بحاجة إلى شخص آخر ليقوم بالمراقبة على الدوام (على الأقل في المجتمع الأورويلي) وعليه أن يفعل ذلك بدقة، فقد حدث تطور عظيم في فن تفسير الإشارات وتعابير الوجه.

    لا يمكن أن يراقِب شخص واحد أكثر من شخص بتركيز كامل، ولا يمكنه فعل ذلك إلا لفترة قصيرة نسبيًا دون أن يتشتت تركيزه. سأخمن، باقتضاب، أنه ربما يتطلب الأمر خمسة مراقِبين لكل شخص مراقَب. من ثم، بالطبع، يجب أن يُراقَب المراقِبون أنفسهم؛ فلا أحد في العالم الأورويلي خالٍ من الشبهات. والنتيجة أن هذا النظام الاستبدادي المعتمد على جهاز التلفاز (الإرسالي الاستقبالي) سَيُمنى بالفشل.

    أدرك أورويل ذلك وجعله يقتصر على أعضاء الحزب. فالـ”برولز” (البروليتاريا)، الذين لا يستطيع أورويل أن يخفي ازدراءه البريطاني الطبقي تجاههم، متروكون لأنفسهم كأنهم دون البشر. (يقول في موضع ما في الكتاب إن أي عضو من البروليتاريا يُظهِر كفاءة يُقتَل — صفحة مأخوذة من المعاملة الإسبرطية لعبيدهم قبل ألفين وخمسمئة عام.)

    علاوة على ذلك، لدى أورويل منظومة من الجواسيس المتطوعين حيث يُبلِّغ الأطفال عن آبائهم، والجيران عن جيرانهم. ولا يمكن لهذا أن ينجح، ففي نهاية المطاف سيبلغ الجميع عن بعضهم بعضًا ومن ثَمَّ ستُرفَض كل هذه البلاغات.

    لم يكن أورويل قادرًا على تصور الروبوتات أو الحواسيب، وإلا لكان وضع الجميع تحت مراقبة آلية. الحواسيب في حاضرنا تقوم بهذا إلى حد ما في مصلحة الضرائب وملفات الائتمان وما إلى ذلك، لكن هذا لا يأخذنا تجاه عالم “1984”، إلا في المخيلات المحمومة. الحواسيب والاستبداد لا يسيرون جنبًا إلى جنب. كانت الأنظمة الاستبدادية تعمل بشكل جيد للغاية بدون حواسيب (خذ النازيين بعين الاعتبار) وأكثر الدول حَوسَبة اليوم أقلها استبدادًا أيضًا.

    يفتقر أورويل إلى القدرة على تخيل (أو ابتكار) اختلافات صغيرة. يصعب على بطله في عالم 1984 خاصته شراء أربطة حذاء أو شفرات حلاقة. وسيكون ذلك حالي أيضًا في عالم الثمانينيات الحقيقي، لأن الكثيرين يستخدمون أحذية بدون أربطة و ماكينات حلاقة كهربائية.

    هناك، أيضًا، تشبث أورويل بفكرة أن كل تقدم تكنولوجي هو انزلاق نحو الأسوأ، وهو تشبث نابع من رهابه للتكنولوجيا. ولذلك عندما يكتب بطلُه، فإنه “يضع ريشة الكتابة على حاملها ثم يمصّها قليلًا ليزيل الشحم عنها.” يفعل ذلك “لمجرّد إحساسه بأن ذلك الورق الصقيل الشاحب كان يستحق الكتابة عليه بريشة حقيقية وليس خدشه بقلم حبر.”

    الأرجح أن “قلم الحبر” هو قلم الحبر الجاف الذي بدأ يُستخدم وقت كتابة “1984”. هذا يعني أن أورويل يصف استخدام ريشة حقيقية (معدنية) بـ”الكتابة” في حين أن قلم الحبر الجاف “يخدش” الصفحة. لكن هذا بالتحديد عكس الحقيقة. إن كنتَ عايشت الأقلام المعدنية فستتذكر كيف كانت تخدش خدشًا رهيبًا، كما تعلم أن الأقلام الجافة لا تخدش.

    ليس هذا بالخيال العلمي بل نوستالجيا مشوشة لماضٍ لم يكن. أتعجّب من أن أورويل توقف عند القلم المعدني ولم يجعل وينستون يكتب بريشة إوز أنيقة.

    ولم يكن أورويل بعيد النظر فيما يخص الجوانب الاجتماعية للمستقبل الذي يعرضه، فكانت النتيجة أن عالم “1984” الأورويلي قديم الطراز بشكل مدهش مقارنة بالعالم الحقيقي في الثمانينيات.

    فعلى سبيل المثال، لم يتخيل أورويل أي آفات جديدة. جميع شخصياته عُشّاق لمشروب الجن ومدمنو تبغ، وجزء من الرعب في تصويره لـ 1984 يكمن في وصفه البليغ لرداءة الجن والتبغ.

    لم يتنبأ بأي مخدرات جديدة، لا الماريجوانا ولا المهلوسات الاصطناعية.

    لا يتوقع أحد من كاتب الخيال العلمي أن يكون دقيقًا في تنبؤاته، لكن بالتأكيد ينتظر المرء منه أن يختلق بعض الاختلافات.

    نسي أورويل في غمرة يأسه (أو غضبه) الفضائل الإنسانية. شخصياته كلها، بشكل أو بآخر، ضعيفة أو سادية، أو دنيئة، أو غبية، أو مُنفِّرة. لعل هذا حال معظم الناس، أو ربما أراد أورويل أن يُبيِّن أنه سيكون حالهم جميعًا تحت سطوة الاستبداد، ومع ذلك يبدو لي أنه حتى تحت وطأة أطغَى أنظمة الاستبداد، كان ولا زال هناك رجال ونساء شجعان يقفون في وجه الطغاة حتى الموت، لتصبح ذكراهم نجومًا مضيئة وسط الظلام. لا تشبه الرواية العالم الحقيقي في الثمانينيات لأنها تخلو من أي إشارة لهذا.

    و لا هو تنبأ بأي اختلاف في دور المرأة أو أي تراجع للصورة النمطية للأنوثة الموجودة آنذاك في عام ١٩٤٩. شخصياته تتضمن امرأتان فقط ذاتا أهمية. إحداهما امرأة قوية بلهاء من “البرولز” وهي غاسلة ملابس لا تكف عن العمل ولا تنفك عن غناء أغنية مشهورةٍ كلماتها من النوع المألوف في الثلاثينيات والأربعينيات (التي يشمأز أورويل بتعالٍ أمام “سوقيتها”، ولِحسن حظه لم يتوقع قدوم موسيقى الهارد روك.)

    الأخرى هي البطلة، جوليا، المنحلة جنسيًا (لكن، على الأقل، يدفعها اهتمامها بالجنس إلى الشجاعة)، عدا ذلك هي بلهاء. عندما يقرأ لها بطل الرواية وينستون من كتاب داخل الرواية يشرح طبيعة العالم الأورويلي، يكون جوابها النوم — لكن بما أن الأطروحة التي يقرأها وينستون منومة بشكل لا يصدق، لعل هذا دليل على رجاحة عقلها وليس العكس.

    باختصار، إن كان ولا بد من اعتبار رواية ١٩٨٤ خيالًا علميًا إذن فهو خيال علمي في غاية السوء.

    4. الحكومة في “١٩٨٤”

    رواية أورويل هي صورة لحكومة ذات سطوة شاملة، وقد ساعدت الرواية في جعل فكرة “الحكومة الكبيرة” مخيفة جدًا.

    لكن علينا أن نتذكر أن العالم في أواخر الأربعينيات، حينما كان يكتب أورويل روايته، كان – وما زال – فيه طغاة حقيقيون ذوو حكومات كبيرة — أشخاص كانت كل رغباتهم قانونًا، مهما كانت ظالمة أو قاسية أو وحشية. علاوة على ذلك، بدا كما لو أنه لا يمكن الإطاحة بهؤلاء الطغاة إلا بتدخل قوة خارجية.

    في إيطاليا، أُسقِط بينيتو موسوليني بعد واحد وعشرين عامًا من الحكم المطلق، لكن ذلك لم يحدث إلا لأن دولته كانت تخسر الحرب.

    وكان في ألمانيا طاغية أشد بأسًا وبطشًا، أدولف هتلر، حكم بيد من حديد مدة اثني عشر عامًا، لكن حتى الهزيمة بحد ذاتها لم تُؤدِ إلى الإطاحة به. بالرغم من تقلص نطاق حكمه أكثر فأكثر وتضييق جيوش خصومه الساحقة للخناق من الشرق والغرب، فقد ظل طاغية مطلق الحكم على أي مساحة تحت سيطرته — حتى عندما لم تتجاوز جدران ملجأه المحصن الذي انتحر فيه. لم يجرؤ أحد على إزاحته، حتى أزاح نفسه. (حيكت المؤامرات ضده بلا شك، لكنها لم تنجح قط، أحيانًا بسبب تدخلات القدر التي لا تُفسَّر، وكأن شيطانًا ما كان يحرسه.)

    لكن أورويل لم يهتم لا بهتلر ولا بموسوليني. فعدوه كان ستالين، وحين نُشرت “1984” كان ستالين قد حكم مدة خمسة وعشرين عامًا بِقبضة كقبضة الدب في قوتها، ونجا من حرب طاحنة ألحقت بأمته خسائر فادحة، لكنه خرج منها أقوى. خُيل لأورويل أن لا الزمن ولا القدر بِقادران على زحزحة ستالين، بل سيحيا للأبد بقوة آخذة في التزايد — وهكذا تصور أورويل الأخ الأكبر.

    لم يحدث ذلك، بطبيعة الحال. توفي ستالين بعد ثلاثة أعوام من نشر “1984”، لكن أورويل لم يكن حيًا ليشهد ذلك. ولم يطل الوقت حتى أُدين نظام ستالين بالاستبداد مِن قِبَل — خَمن مَن؟ — القيادة السوفيتية.

    ما زال هو الاتحاد السوفيتي نفسه، لكنه لم يعد ستالينيًا، ولم يعد أعداء الدولة عرضة للتصفية بسهولة (يستخدم أورويل التعبير “تبخير” بدل تصفية[3]، مثل هذه التغييرات البسيطة هي جل قدرته)

    وفي الصين، مات ماو تسي تونغ، وفي حين لم يُدنْ هو علنًا، فإن معاونيه المقربين المعروفين بِـ “عصابة الأربعة” نُزعَت عنهم القدسية فورًا، ما زالت الصين هي الصين، لكنها لم تعد ماويّة. في إسبانيا مات فرانكو في سريره، وبالرغم من بقاءه القائد المطاع حتى آخر نفس له، فقد تراجعت الفاشية في إسبانيا فجأة فور وفاته، كما حدث في البرتغال بعد موت سالازار.

    باختصار، الإخوة الكبار يموتون فعلًا، أو هو الحال حتى الآن على الأقل، وعندما يموتون تأخذ الحكومات شكلًا أخف وطأة.

    هذا لا يعني أن طُغاة جدد لن يفرضوا وجودهم، لكنهم سيموتون أيضًا. على الأقل في عالم الثمانينيات الحقيقي لدينا كل الثقة أنهم سيموتون وأن الأخ الأكبر الأبدي ليس بالخطر الحقيقي بعد.

    في الواقع تبدو الحكومات في الثمانينيات على درجة خطيرة من الضعف. فتقدم التكنولوجيا جعل الأسلحة القوية من متفجرات وبنادق آلية وسيارات سريعة في متناول إرهابيّي المدن ممن لديهم القدرة، بل ويُقدِمون بالفعل، على الخطف والاستيلاء والقتل وأخذ الرهائن دون خشية العقاب، في حين تقف الحكومات إلى جنب عاجزة تقريبًا. وبالإضافة إلى خلود الأخ الأكبر، يعرض أورويل طريقتين أخريين للحفاظ على نظام استبدادي دائم.

    أولًا — قَدِّم شيئًا أو شخصًا ليكون هدفًا لسهام الكراهية. في العالم الأورويلي قُدِّم إيمانويل جولدشتاين الذي دُبرت وأُججت الكراهية ضده في حملة جماعية ممنهجة.

    ليس هذا بالجديد على الإطلاق. فكل دولة في العالم قد استخدمت جيرانًا شتى كذريعة لإشعال نيران الكراهية. وهو أمر في غاية السهولة، كأنه طبيعة مكتسبة في البشر لدرجة تجعلك تتعجب لماذا يتطلب الأمر حملات كراهية منظمة في العالم الأورويلي.

    فلا حاجة إلى حركات سيكولوجية جماهيرية ماكرة لإشعال نيران الكراهية بين العرب والإسرائيليين، واليونانيين والأتراك، والإيرلنديين الكاثوليك والبروتستانت. صحيح أن النازيين نظموا اجتماعات هَذيانيّة حاشدة استمتع بها كل المشاركين، لكن لم يكن لها أثر باقٍ. فعندما انتقلت الحرب إلى أرض ألمانيا استسلم الألمان بخنوع، كأنهم لم يؤدوا التحية النازية يومًا في حياتهم.

    ثانيًا — أعِد كتابة التاريخ. تقريبًا كل فرد من الأفراد القلة الذين نقابلهم في الرواية وظيفته إعادة كتابة الماضي في عجالة وتعديل الإحصائيات وتنقيح الجرائد — كأن أحدًا سيتكبد عناء الانتباه للماضي بأي حال.

    الانشغال الأورويلي بتفاصيل “الأدلة التاريخية” أمر متوقع من المتعصب سياسيًا الذي يقتبس باستمرار ما حدث وقيل في الماضي ليثبت وجهة نظر لشخص على الجانب الآخر يقتبس دائمًا نقيض ذلك مما حدث وقيل.

    أي سياسي يدرك أن لا حاجة إلى أي دليل من أي نوع أبدًا.

    تحتاج فقط أن تدلي بتصريح — أي تصريح — بحزم كافٍ ليصدقه الجمهور. لن يتحقق أحد من صحة الكذبة، وإن فعلوا فسيختارون الكذبة على الحقيقة. أَتَظُن أن الألمان تظاهروا في 193 أن البولنديين بادروا بالهجوم وأشعلوا الحرب العالمية الثانية؟ لا! بل صدقوا ذلك بالجدية نفسها التي نصدق بها نحن أنهم هم من هاجموا البولنديين أولًا.

    صحيح أن السوفيت أصدروا نسخًا جديدة من دائرة المعارف خاصتهم حُذف منها فجأة سياسيون كانت لهم تراجم طويلة في النسخ السابقة. وهذا بلا شك هو بذرة الفكرة الأورويلية، لكن يبدو لي أن احتمال حدوث ما وصفته الرواية صفر — ليس لأنها تفوق خبث البشر، بل لأن لا حاجة إليها على الإطلاق.

    يجعل أورويل من “اللغة الجديدة” أداةً للقمع — بتحويل الانجليزية إلى لغة مُقيَّدة للغاية ومليئة بالاختصارات اللغوية لدرجة أن مفردات المعارضة تختفي. جاءته الفكرة جزئيًا من عادة الاختصارات اللغوية المُسلَّم بها. وقدَّم أمثلة على ذلك، فصارت”الأممية الشيوعية” تُدعى “كُمِنتِرن”[4] وأصبحت “الشرطة السرية لألمانيا النازية” “الجِستابو،”[5] ولكن ذلك لا يُعد اختراعًا شموليًا حديثًا. فكلمة “همج” أصلها “التجمهر المقلق”[6]، و”سيارة الأجرة” اختُصرت إلى “تاكسي”[7] و”مصدر راديو شبه نجمي” اختُصر إلى “شبه نجم”[8] في حين اختُصر “تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع” إلى “ليزر”[9]. ولا يوجد أي دليل على أن مثل هذه الاختصارات اللغوية قد أضعفت اللغة كوسيلة للتعبير.

    في الحقيقة، يميل التعتيم السياسي للإسهاب بدلًا من الإيجاز، ويستخدم الكلمات الكبيرة بدلًا من الصغيرة، ويتوسع بدلًا من أن يختزل. فكل قائد ذو ذكاء محدود أو تعليم غير كافٍ يتوارى خلف ثرثرة كثيفة سكرى.

    لذلك عندما اقترح وينستون تشيرشل تطوير “الإنجليزية المبسطة” لجعلها لغة دولية (الأمر الذي أسهم في فكرة “اللغة الجديدة” بلا شك)، كان الاقتراح فاشلًا. نحن إذن لا نقترب من “اللغة الجديدة” بنسختها المختصَرة، ولكن كانت هناك دائمًا نسخة مسهبة من “اللغة الجديدة” وستظل موجودة دومًا.

    توجد بيننا أيضًا فئة من الشباب يتفوهون بعبارات مثل “بالضبط، يا رجل، كما تعلم. وكأنه يُلم بالأمور كلها، كما تعلم، يا صاحبي. أعني، كما تعلم…” وهلم جرًا لخمس دقائق بينما الرد الذي يتلمسونه هو “ها؟”

    لكن ذلك ليس بِـ”اللغة الجديدة”، وهو شيء مألوف لدينا، إنه ما نسميه في “اللغة القديمة” “تلعثمًا” وليس ما قصده أورويل.

    5. المشهد الدولي في “1984”

    بدا أن أورويل كان عالقًا في عالم 1949 بلا حيلة، إلا أنه أظهر بُعد نظر مدهش في جانب واحد على الأقل، وكان ذلك في تنبؤه بانقسام عالم الثمانينيات بين ثلاثة أطراف.

    العالم الدولي في “1984” فيه ثلاث قوى عظمى: إيستاسيا Eastasia، وأوراسيا Eurasia، وأوقيانيا Oceania — وهو ما يتناسب تقريبًا مع القوى العظمى الفعلية الثلاثة في الثمانينيات: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين.

    أوقيانيا تضم الولايات المتحدة والامبراطورية البريطانية. لم يلحظ أورويل- الذي كان موظفًا حكوميًا قديمًا في الامبراطورية – أن الامبراطورية البريطانية كانت تلفظ الرمق الأخير في أواخر الأربعينيات وكانت على وشك التلاشي. لكنه، في الواقع، يفترض أن الإمبراطورية البريطانية هي الطرف المهيمن في هذا الاتحاد بين بريطانيا وأميركا.

    تدور الأحداث كلها في لندن على الأقل ونادرًا ما تُذكر عبارات مثل “الولايات المتحدة” و “الأميركيون”، هذا إن ذُكرت. ولكن من الناحية الأخرى، إنه يتَّبع نمط الرواية الجاسوسية البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تأخذ فيها بريطانيا العظمى (حاليًا في المركز الثامن عشر عالميًا كقوة اقتصادية وعسكرية) دور المنافس القوي للاتحاد السوفيتي أو الصين أو تتصدى لمؤامرة دولية مُختلَقة، في حين لا تُذكر الولايات المتحدة أو يقتصر دورها على ظهور صغير لعميل استخبارات أميركية CIA من حين لآخر، من باب المجاملة.

    أوراسيا هي بالطبع الاتحاد السوفيتي ويفترض أورويل أنه سيستوعب القارة الأوروبية كلها. بذلك تتضمن أوراسيا كل أوروبا بالإضافة إلى سيبيريا، و95 بالمئة من سكانها أوروبيون بكل المقاييس. ومع ذلك، يصف أورويل الأوراسيّون Eurasians بأنهم “رجال مِتان ذوو وجوه آسيوية جامدة.” وبما أن أورويل عاش في زمن تتساوى فيه كلمتا “أوروبي” و”آسيوي” بكلمتا “بطل” و”شرير،” فمن المستحيل إثارة العواطف اللازمة للهجوم على الاتحاد السوفيتي ما لم يُنظَر إليه بصفته “آسيويًا.” ويندرج هذا تحت عنوان ما تسميه “اللغة الجديدة” لأورويل بِـ“التفكير المزدوج” وهو شيء يجيده أورويل، شأنه شأن أي إنسان آخر.

    من الممكن بالطبع أن أورويل لم يكن يفكر في أوراسيا أو الاتحاد السوفيتي، بل كان يفكر في عدوه اللدود ستالين. فستالين جورجيّ، وجورجيا، الواقعة جنوب جبال القوقاز، هي – بالمراعاة الصارمة للجغرافيا – جزء من آسيا.

    و إيستاسيا هي، بالطبع، الصين ودول مستقلة شتى.

    هنا بُعد النظر، فأثناء كتابة أورويل لـ “1984” لم يكن الشيوعيون الصينيون قد فازورا بعد بالسلطة في دولتهم، وكان الكثيرون (في الولايات المتحدة بالتحديد) يبذلون قصارى جهدهم ليحرصوا على احتفاظ شيانج كاي شيك المُعادي للشيوعية بالسلطة. وبمجرد انتصار الشيوعيين أصبح جزءًا من العقيدة المتفق عليها في الغرب أن الصينيين سيصبحون تحت التحكم السوفيتي الشامل وأن الصين والاتحاد السوفيتي سيشكلان قوة شيوعية أحادية.

    لم يتنبأ أورويل بالانتصار الشيوعي فحسب (في الواقع، كان يرى هذا الانتصار أينما نظر) بل تنبأ أيضا بأن روسيا والصين لن يشكلا كتلة أحادية بل سيصبحون ألد الأعداء.

    لعل خبرته كيساري متعصب سياسيًا ساعدته في هذه المسألة. فلم يكن عنده أي خرافات يمينية بخصوص كون اليساريين أشرارًا متحدين لا يمكن تمييزهم. كان يعلم أنهم سيتقاتلون على أتفه نقاط العقيدة بشراسة تضاهي شراسة أَتقَى المسيحيين.

    تنبأ أيضًا بحالة حرب دائمة بين الثلاثة؛ حيث حالة الجمود الدائم والتحالفات المتغيرة باستمرار، لكن دائمًا اثنان ضد الأقوى. كان هذا نظام “توازن القوى” قديم الطراز المُستخدَم في اليونان القديمة وإيطاليا القرون الوسطى ومطلع أوروبا الحديثة.

    يكمن خطأ أورويل في اعتقاده أنه توجد حاجة إلى حرب حقيقية لتبقى عجلة توازن القوى دائرة. في الواقع، في أحد المقاطع المضحكة من الكتاب، يُطيل الحديث عن ضرورة الحرب الدائمة كوسيلة لاستهلاك إنتاج العالم من الموارد وبهذا يبقى التقسيم الطبقي بطبقاته العليا والمتوسطة والدنيا (يبدو هذا وكأنه تفسير يساري جدًا للحرب كنتيجة لمؤامرة حيكت بصعوبة بالغة.)

    لكن، في الحقيقة، العقود التي تلت 1945 خاليةٌ من الحروب خلوًا ملحوظًا مقارنة بالعقود السابقة. توجد وفرة من الحروب المحلية، لكن لا حروب عالمية. ومع ذلك، الحرب ليست ضرورية كوسيلة يائسة لاستهلاك موارد العالم. يمكن تحقيق هذا بوسائل أخرى مثل الزيادة اللامتناهية في السكان وفي استهلاك الطاقة، وهما أمران لم يأخذهما أورويل بعين الاعتبار.

    لم يتنبأ أورويل بأي من التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي حدثت منذ الحرب العالمية الثانية. لم يتنبأ بدور النفط أو التناقص في توافره أو تزايُد سعره أو تصاعُد قوة الدول المتحكمة به. ولا أتذكر أن كلمة “نفط” وردت.

    يمكننا أن نشهد لأورويل ببعد نظره، إذا استبدلنا “الحرب الباردة” بـ”الحرب.” فقد لازمتنا إلى حد ما “حرب باردة” أبقَتْ معدلات تشغيل العمالة مرتفعة وحلت بعض المشاكل الاقتصادية قصيرة المدى (على حساب خلق مشاكل كبرى طويلة المدى). وهذه الحرب الباردة كافية لاستنزاف الموارد.

    علاوة على ذلك، تغيرت التحالفات كما تنبأ أورويل وبالشكل المفاجئ نفسه تقريبًا. عندما بدا أن للولايات المتحدة كامل السيطرة، كان الاتحاد السوفيتي والصين كلاهما معاديان للولايات المتحدة بصوت عالٍ وفي تحالف من نوع ما. ومع تناقص قوة أميركا، تباعد الاتحاد السوفيتي والصين، ولفترة، كان كل من القوى الثلاثة تندد بالاثنتين الأخريين بتساوي. ثم عندما تنامت قوة الاتحاد السوفيتي بشكل خاص، ظهر تحالف من نوع ما بين الولايات المتحدة والصين، فَكانا يتعاونان على التشهير بالاتحاد السوفيتي، ويتحدثان بلطف عن بعضهما.

    في “1984” كلما حدث تغير في التحالفات صاحَبَه انهماك مفرط في إعادة كتابة التاريخ. أما في الحياة الواقعية فلا حاجة إلى مثل هذه الحماقة. فرأي العامة يتأرجح من جانب إلى آخر بسهولة، مُتقبِلين تغير الوضع بلا أدنى اهتمام بالماضي على الإطلاق. اليابانيون، مثلًا، تحولوا في الخمسينيات من أشرار يَعجَز عنهم الوصف إلى أصدقاء، في حين تحرك الصينيون في الاتجاه المعاكس، ولم يتكلف أحد عناء محو حادثة بيرل هاربر. ولم يبالي أحدٌ، بحق السماء.

    جعل أورويل القوى العظمى الثلاثة في روايته تتخلى طوعًا عن استخدام القنابل النووية، وبالفعل لم تُستخدم مثل هذه القنابل في الحروب منذ 1945. لكن لعل السبب هو أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهما القوتان الوحيدتان اللتان تمتلكان ترسانات نووية ضخمة، قد تجنبا محاربة بعضهما بعضًا. لو اندلعت حرب، يصعب تصديق أن إحداهما لن تشعر أخيرًا بضرورة استخدام هذه القنابل. يفتقر أورويل إلى الواقعية في هذا الصدد.

    تتعرض لندن بين الحين والآخر للقذف بصواريخ تشبه جدًا أسلحة الـ V-1 أو V-2 من 1944، والمدينة في حالة من الخراب تشبه حالها في 1945. لم يستطع أورويل أن يجعل “1984” مختلفة عن 1944 في هذا الصدد.

    في الواقع، يوضح أورويل أن بحلول عام 1984 ستكون الشيوعية العالمية للقوى العظمى الثلاثة قد خنقت العلم وهدرته، ما عدا في المجالات حيث الحاجة إليه من أجل الحرب.

    لا شك أن الدول أكثر حماسة للاستثمار في العلم إذا كان له تطبيقات حربية على مرمى البصر لكن، للأسف، لا يمكن فصل الحرب والسلم عندما يتعلق الأمر بالتطبيقات العلمية.

    العلم وحدة واحدة وكل شيء فيه من الجائز أن يكون ذا صلة بالحرب والدمار. لذلك لم يختنق العلم بل يواصل مسيرته، ليس في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان فحسب بل في الاتحاد السوفيتي والصين أيضًا. والإنجازات العلمية أكثر من أن تُحصى، لكن اِنظر للحاسوب والليزر على أنهما “سلاحا حرب” ذوا تطبيقات سلمية لامتناهية.

    6. الخاتمة

    الخلاصة أن أورويل في روايته “١٩٨٤” كان، في رأيي، منخرطًا في صراع شخصي ضد الستالينية بدلًا من أن يحاول تنبأ المستقبل. كان يفتقر إلى مَلَكة الخيال العلمي التي تُمكِّن من التنبؤ بمستقبل معقول، وفي الواقع، عالم “1984” لا يشبه عالم الثمانينيات الحقيقي بأي شكل تقريبًا.

    ربما يتجه العالم للشيوعية، إن لم يكن قبل حلول 1984، ففي المستقبل القريب؛ أو لعله يشهد دمار الحضارة. لكن إن حدث هذا فسيحدث بشكل مختلف جدًا عما وُصف في “1984” وإذا حاولنا منع أي من الاحتمالين معتقدين أن رواية “1984” صائبة في نبوءاتها، فإننا سندافع عن أنفسنا ضد هجمات من الاتجاه الخاطئ وسنخسر.

    المصدر

    الهوامش

    [1]يقصد أنهم انتصروا في الصراعات التنظيمية بين اليسار، لكن الفاشيين هم الذين انتصروا في الحرب الأهلية الإسبانية.

    [2]Sectarian أي طائفيّ والمقصود هو نوع من الطائفية السياسية التي قد تتواجد أحيانًا بين تيارات سياسية تقع تحت نفس المظلة، اليسار في هذه الحالة

    [3]يُستخدم لفظ “liquidate” في الإنجليزية بمعنى تصفية ومعناه الحرفي هو تسييل،  أي تحويل الشيء إلى سائل.

    [4]في الإنجليزية “كُمنترن” Comintern هو اسم مدمج، بدمج أول مقطعين من Communist International “الأممية الشيوعية.”

    [5]في الألمانية “جستابو” Gestapo اسم مدمج من Geheime Staatspolizei “الشرطة السرية للدولة.”

    [6]في الإنجليزية كلمة “mob” تعني همج أصلها اللاتيني “vulgus mobile” بمعنى حشد مُقلِق. وهذا المثال وما يليه هي أمثلة من أزيموف لكلمات شائعة في الإنجليزية.

    [7]في الإنجليزية “cab” وأصلها “taxi cabriolet”

    [8]quasar في الإنجليزية والأصل “quasi-stellar radio source”

    [9]Laser وهي من التمسيات الأوائلية بأخذ الحروف الأولي من “light amplification by stimulated emission of radiation” والتي تعني تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع

    النقاط الرئيسية المستخلصة

    • مقالة تناقش رواية 1984 لجورج أورويل، حيث يستعرض الكاتب تجربة قراءته وتأملاته حول الرواية.
    • تتناول الكتاب قضية الشمولية وطبيعة الحكومات الاستبدادية، وتأثيرها على الفرد والمجتمع.
    • تصور الرواية عالمًا منخرطًا في السيطرة المستمرة على العقول، بينما تعكس أيضًا الصراع الشخصي لأورويل ضد الستالينية.
    • تشير المقالة إلى أن أورويل لم يكن يملك قدرة التنبؤ على نحو دقيق ولا تصف 1984 بشكل حقيقي واقع الثمانينات.
    • تسرد المقالة كيف أصبحت 1984 رمزًا للخوف من الحكومة الكبيرة، لكنها لا تعكس المستقبل بشكل واقعي.