الكاتبريتشارد كيرني
ترجمةمازن محمد

الملخَّص

ثمة توازنٌ دقيق وهشّ بين بقاء المرء وفياً للسانه وتاريخه من جهةٍ، وبين الحفاظ على إنصاتٍ أخلاقي للآخرِ من جهة أخرى. تكمن خطورةُ الموقف الأول في الميل لاستعمار الآخر واختزاله بعنفٍ. أما خطر الخيار الثاني ففي النزوع نحو خنوعٍ عاجزٍ عن تهيئة موئِلٍ لغوي يليق باستضافة الآخر. ولتوجيه الدفّة بين هذين الحدين من التطَرّف، نستدعي اولاً ضيافة ريكور الهرمنيوطيقية المشروطة في حوار مع ضيافة دريدا التفكيكية غير المشروطة.  غير ان ما نحتاجه في النهاية، هو مقاربة أكثر تجسّداً، ضيافة جسدية تساعدنا على تبيُّن الطرق القويمة للمس وعدمه، وعلى وصل الكلمة بالجسد، فتعلِّمنا كيف نتمثَّل الإمكان المستحيل للمصالحة والغفران مع الغريب.

الكلمات المفتاحية

(الهرمنيوطيقا الجسدية – بول ريكور – جاك دريدا – الضيافة – التفكيك)

في هذا البحث سأقدِّم نموذجين للضيافة: اللغوية والجسدية. يستلهم النموذجُ اللغوي نهجَه من نموذج ريكور الهرمنيوطيقي، القائم على مفهوم الترجمة في حواره النقدي مع المقاربة التفكيكية لدريدا. أما الضيافة الجسدية، فهي تنطوي على نهجٍ أكثرَ تجسيداً للعلاقة بين المضيف والضيف، ومستوحاة من المفاهيم الفينومينولوجية لـ”الإحساس المزدوج” عند هوسرل وميرلوبونتي. أطروحتي الأساسيةُ تصبو الى تحقيقِ ضيافةٍ حقيقيةٍ، من خلال الحاجة إلى حركةٍ مزدوجةٍ للكلمة واللمس.

1. النموذج اللغوي -الترجمة بوصفها ضيافةً

تشكِّل الترجمةُ نموذجاً للضيافة اللغوية بقدر ما تنطوي على وساطةٍ بين لغةِ المضيف ولغةِ الضيف. وهنا يكمن مطلبٌ مزدوج: أن تبقى مخلصاً للغتك الخاصة مع البقاء يقظِاً لحداثة لغةِ الأجنبي. ومن الممكن تماماً أن يخل المرء بهذا الواجب إذا استسلم لأحد الإغوائين: الأول، الميل إلى تذويب الآخرِ وصهره في الذات، مختزلاً تفرّد الضيف لحساب المعاييرِ الشموليةِ للنسق اللغوي المحلي. وهذا يؤدي إلى ترجمة رديئة، إما على المستوى السياسي، فهي شكل من أشكال الشوفينية والاستعمار اللغوي. الثاني، الإغواء المضاد الذي يتمثل في إخلاء تام للسكن اللغوي، والاستسلام لخطاب الآخَرِ الوافد، إلى درجة لا يبقى فيها مضيفٌ في السكن ليستقبل أي ضيفٍ على الإطلاق. ففي هذه الحالة، قد ينبهر المرء أو يغمره الآخَرُ إلى حدِّ التماهي لاستكانة مطلقة. لتجنب الوقوع في أحد هذين الحدين بين الهيمنة أو الإذلال، يحسن بالمرء أن يحذو الطريق الوسطى للضيافة اللغوية، حيث يُكرّم كل من لغة المضيف والضيف على السواء مع مقاومة استيلاء أحدهما على الآخر.

في كتابه حول الترجمة، يوضح ريكور العديد من الدلالات المختلفة لهذا النموذج من الضيافة اللغوية: “الترجمة لا تطرح عملاً فكرياً فحسب …. بل هي تطرح مشكلاً أخلاقياً أيضاً، يتمثّل في تقريبِ القارئ إلى المؤلف وتقريب المؤلف إلى القارئ، مع ما يحمل من خطر خدمة وخيانة سيدين، وهو ممارسة ما أحب أن أسميه الضيافة اللغوية. وهذا النموذج هو ما يصلح لأشكال أخرى من الضيافة التي أعتقد أنها تُقاربها: الاعترافات، والأديان، أليست مثل اللغات التي هي غريبة عن بعضها البعض، بمعجمها ونحوها وبلاغتها وأسلوبها الذي يجب أن نتعلمه للولوج إليها؟ ألا تؤخذ الضيافة الإفخارستية بنفس مخاطر خيانة-ترجمة، ولكن أيضاً بنفس التخلي عن الترجمة المثالية.”[1]

إنّ الخطوةَ الحاسمة في مقاومةِ جاذبيةِ الترجمة المثالية هي احترام التوازن الجدلي بين القرب (الحفاوة بالغريب وسطنا) والبُعد (الاعتراف بأنَّ شيئاً ما يضيع دوماً في الترجمة: معاني الآخر لا يمكن أن أتمكّن منها بالكامل أبداً). المترجم “المضياف” هو من يسعى إلى توافقاتٍ تقريبيةٍ بين لسانين دون أن يفترض أنها توافقاتٌ نهائيةُ أو تامةُ. ولهذا تبقى الترجمة دائماً مهمةً لا تنتهي، فهي عملٌ يتجلّى فيه الكفاح بالمعنى التحليلي النفسي لـ Durcharbeitung -اشتغال نفسي تحويلي متدرِّج-، كجهدٍ شاقٍ ومُرهقٍ للوساطة بين عقل/ثقافة/عالم لغوي وآخَرَ. تنطوي هذه الوساطةُ على عملية حداد وتخلٍّ، وخاصة التخلي عن الدافع الأناني أو القبلي الذي يقلِّل من اختلافات الضيف لصالحِ إرادةِ الفرد الكاملة لتحقيق التطابق المثالي، كما لو أنَّ الترجمةَ لا تعترف إلّا بوجود لغةٍ حقيقية واحدة: هي لغتي أنا او لغتنا نحن فقط، ولكن الأمر ليس كذلك كما يصر ريكور: “لا يوجد شيء اسمه اللغة، بل هناك لغات”. “خائن، مترجم” (Traduttore, traditore): أنْ تترجمَ هو أنْ تخونَ بشكلٍ ما، فلا يمكن لأحدٍ أن ينصفَ ضيفَه تماماً. وهذا يعني تَقبُّل أننا جميعاً نعيش شرقَ عدن وما بَعد بابل، وأنَّ ذلك لهو أمرٌ حسن. إنَّ سقوطنا اللغوي هو أيضاً “تناهينا اللغوي”: التذكير بحدود الإنسان هو تذكرٌ يحمينا من وهم الاكتفاء الذاتي، ومن وهم استعادة لوغوس ما قبل السقوط (حيث نلعب دور الإله، نتكلم لغةً إلهيةً واحدةً، بكلمة مثالية وفي تطابق مثالي مع كل شيء). نحن أيضاً بحاجة للتخلي عن وهم لوغوس مثالي مستقبلي، مثل حلم عصر التنوير بلغة كونية ذات “نظام رمزي شامل” (caracteristica universalis) أو وهم بان-أوروبي بإسبيرانتو(a pan-European Esperanto). وبالفعل، يقف نموذجُ الترجمةِ كضيافةٍ، سياسياً، بوصفه اتهاماً لجميع المحاولات التاريخية لفرض لغةٍ واحدة على شعوبٍ متنوعةٍ، كاللغة اليونانية، او اللاتينية، او الفرنسية، او الإسبانية، واليوم الإنجليزية (المعروفة أحياناً باسم “غلوبش” Globish).[2] فلقد سعتِ الحملاتُ الإمبراطوريةُ دائماً إلى فرض لغةٍ عالميةٍ معياريةٍ على تعدد الألسن المحلية. وكما لكل لسانٍ حيّ الحقُ في أنْ يتكلّم عن نفسِه، له الحق بأن يُترجَمَ إلى لغاتٍ أخرى مع الاحتفاظ ببعضٍ من أسراره وخصوصياته غيرِ القابلة للترجمة. ومن هنا الأمر المزدوج المشروع لكلِّ لغات الضيوف أمام مضيفها: “ترجمني! لا تترجمني!”. خذني ولكن ليس على نحو كليّ؛ استقبلني، أدرجني، ولكن اتركْ لي شيئاً خاصاً بي. الترجمة الجيدة هي نقلُ دمٍ وليست انصهاراً كلياً؛ إنها تشير إلى حوارٍ متبادلٍ بين عالمين من دون أنْ تذيب اختلافاتهما في كلٍ موحَّد.

وهكذا تتخلى الترجمةُ الضيافية عن أيِ ادعاء بالسيادة المطلقة، معترفةً بأننا نتشارك كلماتنا كما نتشارك الثياب. ولنقتبس -بشيء من التصرف- من ريكور: ينبغي أنْ نُتيح للغتنا أن تجرب ارتداء ثياب الغرباء في ذات الوقت الذي ندعوهم فيه للدخول في نسيج خطابنا. الترجمة هي “تبديل للثياب اللغوية”، بنوع من التقمّص. ومنذ النداء الأول للكلمة شرع كل شيء؛ في البدء كانت الهرمنيوطيقا، أي فن تأويل المعاني المتعددة، واللغات والمقاصد والمعاجم. في الأصل كان المؤول/ المترجم In principio fuit interpres. اذ لا يوجد اللوغوس النقي الخالص إلا لوغوس الإله. ونحن لسنا آلهة. أنْ تكون إنساناً هو أن تؤوِّل، وأن تؤوِّل يعني أنْ تترجم. ليس هناك ذات بلا آخر، ولا مضيفٌ بلا ضيفٍ. منذ الوهلة الاولى كانت الضيافة، وكما سنرى، فإنَّ ظلها “العداوة”.

وعبر هذا المنحى، تنطوي الترجمةُ على الإقرار المتواضع بهشاشتنا وقابليتنا للخطأ مما يبقينا واعين دائماً على مهمةٍ لا تنتهي: المزيد من الترجمة، وترجمة أفضل، وترجمة بديلة، كَرَّة بعد اخرى. والمعيار الوحيد للترجمة الجيدة هو ترجمة أخرى. ولهذا السبب فإن الكلاسيكيات العظيمة غيرُ قابلةٍ للترجمة ولانهائية الترجمة في آنٍ واحد، حيث لا توجد ترجمات كافية لهوميروس أو شكسبير أو الكتاب المقدس (مرة أخرى: “حقيقة الكتاب المقدس هي بابل”)،[3] فنحن نتعامل مع دراما الضيافةِ الهشةِ، تلك التي وصفها ريكور جيداً:

“على الرغم من الطابع الصراعي الذي يجعل من مهمة المترجم دراماتيكيةً، فإنَّ هذا الأخيرَ -هو او هي- قد يجد الرضا فيما أحبُّ أن أسميه الضيافة اللغوية. محنتها هي تلك المواءمة دون المطابقة التامة. إنها حالةٌ هشة لا تعترف بأيِ تحققٍ سوى ترجمة جديدة… أنْ تترجم من جديدٍ بعد المترجم… تماماً كما يمكن دوماً إعادة سرد الحكاية بطريقة مختلفة، كذلك في الترجمة يمكن دائماً أن تُترجم بطريقة أخرى، دون الأمل في ردم الهوة بين التكافؤ والتطابق التام. الضيافةُ اللغويةُ هي فعل السكن في كلمة الآخرِ موازياً لفعل استقبال كلمة الآخرِ في بيت المرء وسكناه الخاص”.[4]

لكن لا يمكن للمضيف أنْ يحتجز الضيف في بيته دون شيء من العنفِ والانتهاكِ. وأحياناً، كما تنبهنا الشاعرة فاني هاو Fanny Howe “كي تبقى الضيافة، على الضيف ان يبارح الضائِفَ”. هناك نواةٌ غيرُ قابلةٍ للترجمة في كل تبادلٍ لغوي تذكِّرنا بأن لغات المضيف والضيف ليست أبداً متطابقة، ولا ينبغي أن تكون كذلك.

وبينما ينطوي هذا الاعترافُ بالاختلاف الذي لا يمكن تخطيه، على حداد علاجي على وهم التطابق التام، فإنه يبشِّر أيضاً بتحدي التعددية والجِدَّة. ففي اللحظة التي يتقاطع فيها لسانان متمايزان يمكن أنْ يولد ثالثٌ. وهذه الولادة، كما ذُكر، قد تكون متعددة في الترجمات التي لا تُحصى للكلاسيكيات العظيمة -من اليونانية والسنسكريتية واللاتينية والعبرية -والتي يتم تقديمها في كل مرة بشكل مختلف إلى العديد من نُسخ الألسن المحكية. ونحن لا نأسى على تتابع الترجمات للأعمال التي لا حصر لها للعباقرة الكبار كهوميروس وفيرجيل وشكسبير وبروست؛ على العكس!  بل وينطبق الأمر نفسه على الكتاب المقدس، من ترجمته السبعينية من العبرية إلى اليونانية، إلى ترجمة القديس جيروم إلى اللاتينية، وإلى النُّسخ العامِّية اللاحقة بالإنجليزية (نسخة الملك جيمس) والألمانية (لوثر، بوبر، روزنزفايغ) والفرنسية (شوراكي) وغيرها. مع كل ترجمة يُدَشَن فائض دلالي جديد بفعل الاصطدام الخلاق بين الألسن المتمايزة، وهو أمر يعزِّز ثقافتين معاً. انظرْ مثلاً كيف حوَّلتِ الترجمة السبعينية لسفر الخروج 3:14 التصور العبراني الأصلي عن الاله “أنا من قد يكون” الذي يعبِّر عن الإله كحدوثٍ ووعدٍ تاريخي إسكاتولوجي الى التصور الأنطولوجي اليوناني، أي الى الكائن التام (ontos on) المُدرَك جوهرياً وصورياً.[5]والعكس صحيح. وبحلول وقت كتابة موسى بن ميمون ميتافيزيقاه (العبرية-الهيلينية) في دلالة الحائرين، كان كل من اليونان واليهود قد أعادا تفسير تصورهما الخاص لمعنى الكينونة في العالم. وهذا الثنائي من المراجعات شكَّل طرقاً جديدة للتفكير في الإنسان والزمان والعلاقة والتناهي. بعد الترجمة السبعينية للكتاب المقدس إلى اليونانية، يمكننا أن نتفق مع جيمس جويس بأن “اليوناني-اليهودي” هو “اليهودي-اليوناني”. غير أنْ أثينا وأورشليم ليسا هما الشيء نفسه ابداً.

ولكنْ حذارِ: ليستِ الترجمةُ في صفّ الملائكة دوماً. فكلّ انتقال بين المضيف والضيف اللغوي يحمل في طيّاته احتمالَ الخيانةِ بقدر احتمال الولادة الجديدة. فعداء الآخَرِ حقيقي بقدر ما للضيافة من حقيقة. وكما بيّن إيميل بنفينيست Emile Benveniste (1902-1976) بجلاء في كتابه اللغة والمجتمع الهندو-أوروبي[6]، فإنَّ الضيافةَ (hospitality) والعداوةَ (hostility) تتقاسمان الجذرَ نفسَه (hostis)، الذي قد يعني في آنٍ واحد: المضيف والضيف، والصديق والعدو.[7] ومن هنا اقتُرحتْ فكرةُ الترجمة كفعل إنساني دراميّ – مهمة وعمل شاق ورهان بين العداء (الذي يختزل المضيف والضيف إلى كيان واحد) والضيافة (الإقرار الصائب بوجود فجوة أو مسافة بينهما). ولهذا تحدّث أنطوان بيرمان Antoine Berman عن الترجمة باعتبارها (l’épreuve de l’étranger) اختباراً أو امتحاناً وجودياً مع الغريب.[8] وهذا الاختبار الوجودي يستدعي بدوره نوعاً من الحكمة العملية (phronesis): القدرة على التمييز بين نداءات ومتطلبات الغريب، سواء كان أجنبياً أم مهاجراً أم لاجئاً، خصماً أم غازياً. ومن ثَمّ فإنّ تلك المراهنةَ الجدليةَ بين العداء والضيافة، بين الاحتراس والترحيب، تتطلّب قدرةً نقديةً للتنقّل بين منظوراتٍ متنوّعةٍ، لا تعمل فقط على المسافة بين-لغوية (بين اللسان الأمِّ والآخَرِ الأجنبي)، بل داخل اللغة الأمِّ أيضاً (فللغة الأمِّ أبناء كُثُر). ويمكن للمرء أن يضيف، إذا ما استحضر التحليل النفسي، القدرةَ على التوسّط بين الذات الواعية واللاواعية. فنحن قد نكون غرباء في لغتنا الأمِّ، وداخل عقولنا، أو كما تذكّرنا كريستيفا، بأننا غرباء عن ذواتنا من الأعماق.

ومن الملاحظ أنَّ جاك دريدا يطرح هنا فكرةً جذريةً حول “استحالة” وجود أيِّ ضيافةٍ نقيّةٍ أو مطلقةٍ للغريب. فكلُّ ترجمةٍ تنطوي على قدرٍ من الخصومة مع الآخَرِ، طالما أنّها تطلب من الآخَرِ أنْ يصوغ نفسَه بمعجمِ الذات نفسِها (لغتي، سياق الحياة الخاص بي، ثقافتي، أفق تفكيري). وبوصفي المضيفَ، بمجرّد أنْ أسأل ضيفي: “من أنت؟”، حينها أكون قد افترضتُ الإجابة بمصطلحاتٍ أستطيع التعرّفَ عليها وتحديدها. فكلّ هرمنيوطيقا في الممارسة تنطوي على مزيجٍ من الضيافة والعداء -ما يسمّيه دريدا “ضيافة/عداء” (hostipitality)- أي الترحيب بالآخَرِ وفي الوقت ذاته ترجمة غيريّته إلى الـ”مِثل”. وعلى الرغم من أنّ ريكور يفسِّر هذا “المِثل” بمعنى الشَبَه (semblable) وليس المُتطابق (même)، فإنّ دريدا يتمسّك بالحدّ التفكيكي الصارم الذي يرى أنّ أيَّ حاجةٍ إلى الشبَه تمثّل سلفاً مساومةً على غرابةِ الغريب، في نوعٍ من الراديكالية لقراءة هوسرل الفينومينولوجية لمعرفة الآخرين في التأمّلِ الديكارتي الخامس.

هكذا يتجلى الفرق: فهرمنيوطيقا الترجمةِ على طريقة ريكور تتطلّب ضيافةً مشروطةً (والتي تعني بالفعل قدراً من الحكم التأويلي حول ما يمتزج من “الضيافة-العداء” (hostipitalité)، أمّا التفكيك فيستلزم ضيافةً غيرَ مشروطةٍ، حينما يجري قبولُ الآخَرِ بغضِّ النظرِ عن أصله أو هويّته -سواء كان إنساناً أم حيواناً أم إلهاً. فالضيافة النقية لا تتطلّب بطاقاتِ هويةٍ أو جوازاتِ سفرٍ، إذ لا تعنيها مراقبةُ الحدود أو العقود، بل تتطلّب انكشافاً خالصاً للغيرية، وانفتاحاً على الغريب “من دون مسائلةٍ”. فإذا كان هناك من يطرق البابَ، فافتحْه دون أنْ تسأل مسبقاً إن كان قديساً أم وحشاً. إذ ما إن تتحوّل الضيافةُ إلى قوانينَ أو قواعدَ أو أعرافٍ، حتى تفقد جرأتها وروح المغامرة والخطر الجذري لعدم القابلية للحسم، “وللنعم” المطلقة لكلِّ ما يأتي. وكما كتب دريدا في كتابه عن الضيافة: “لنقل نعم لمن أو لما يحضر، قبل أيِّ تحديدٍ أو توقّعٍ، سواء كان الأمر متعلّقاً بأجنبي أو مهاجر، ضيف غير مدعو أو زائر غير متوقّع، سواء كان القادم مواطناً لدولة أخرى، أم مجرد  كائن-انساناً او حيواناً أو إلهاً-، حيّاً  كان أم ميتاً، ذكراً كان أم أنثى”.[9] وباختصار، ترحِّب الضيافةُ المطلقة بالغريب بمعزل عن جميع الاعراف القانونية أو السياسية أو الأبستمولوجية؛ تدعو إلى وثبةِ إيمانٍ نحو “الآخَر المطلق”، أو كما يقول دريدا بأسلوبه المعهود المفرط الدلالة: “كلّ آخَرَ هو آخَرُ مطلقٌ” (tout autre est tout autre). إنَّ الغريبَ دائماً هو غريب مطلق في الجوهر، ولا يوجد غريب أغرب لكي يُستبعد.

ومع ذلك فإنَّ مثلَ هذه الضيافة النقية، بطبيعة الحال، ليستْ ممكنةً في الحياة اليومية، حيث لا يتوافر إلا شكلٌ من الترحيب المشروط دائماً بهذا القيد أو ذاك، ومن ثمَّ لا تكون “نقية” أبداً. فالضيافة المطلقة مستحيلة، وإذا وُجدتْ فهي، كما يعترف دريدا، لا تعدو أن تكون حلماً أعمى أو جنونياً أو صوفياً. وكل محاولة ــوهي تحدث يومياًــ لجعل المستحيل ممكناً هي في الواقع ضربٌ من الخيانة أو المساومة أو العدوى. وإذ تتحدث الضيافة الهرمنيوطيقية عن “إبدال” بين المضيف والضيف، تتحدث الضيافةُ التفكيكية عن “تلوث”. ولعل هذا ما يوضحه قول ريكور إن الفرق بينه وبين دريدا هو الفرق بين مصطلحي “الصعب” و”المستحيل”.[10]

تبقى هنا ملاحظةٌ أخيرةٌ حول آثارِ الضيافةِ اللغوية على تبادل السرد قبل الانتقال إلى نموذجنا الثاني المتمثل بـ “الضيافة الجسدية”. ففي نصٍّ مهمٍ بعنوان تأملات حول إتيقا جديدة لأوروبا (1996 بالفرنسية/2004 بالإنجليزية). يطبِّق ريكور نموذجَه الخاص بالضيافة اللغوية على ما يسميه تحديداً “الضيافة السردية”[11]، واصفاً إياها بأنها “تحمّل المسؤولية في المخيلة وبالتعاطف تجاه قصة الآخَرِ، من خلال السرديات الحياتية التي تخص الآخَرِ”.[12] ففي حالة النصب التذكارية والشهادات يتخذ هذا التبادلُ شكلَ مشاركةٍ بين تواريخِ شعوبٍ مختلفةٍ، بحيث نمارسُ فنّ الإحالة art of transference الذي يتيح استقبال متعاطفٍ لقصة الجار أو الخصم أو المنسي. فكثيراً ما يكون سردُ أمةٍ لانتصارها هو سردُ أمةٍ أخرى لمعاناتها وهزيمتها. يحتاج المنتصرون والضحايا إلى تبادل المواقع عبر تبادل القصص، وهذا التبادل هو بالفعل دعوةُ إلى تغيير التاريخ: لإحياء الحكايات المنسية وفاءً لدَيننا تجاه الموتى.

وحيث سبق لي أنْ تناولتُ أخلاقياتِ الضيافة السردية عند ريكور في موضع آخَرَ[13]، فسأقتصر هنا على ثلاث خصائصَ رئيسيةٍ:

  • أولاً، مرونة السرد: إذ يمكن رواية كل حكاية وإعادة سردها من زوايا متعددةٍ.
  • ثانياً، تجلّي السرد: يمكن إعادة فحص الماضي التاريخي من خلال “إمكانيات” غيرِ مختبَرةٍ أو غيرِ مستكشفةٍ، مما يمنح الماضي مستقبلاً؛ أو كما قال ريكور ببلاغة: “الماضي هو مقبرة لوعود لم تُوفَّ”، والضيافة السردية هي طريقة لإحياء القصص غير المروية حتى تتحقق تلك الوعودُ، “فتعيدها إلى الحياة كإحياء العظام اليابسة في الوادي الموصوف في نبوءة حزقيال”.[14]
  • ثالثاً، العفو السردي: من خلال التعاطف مع الآخرين، عبرَ تبادلِ القصص يمكننا اجتياز جراح الماضي ومداواتها لفتح فضاء للعطاء والهبة.[15] وهذا ينطوي على تجاوز مبدأ المعاملة بالمثل إلى مقامٍ صعب، وشبه مستحيلٍ، هو مقام المحبة؛ تلك الوثبة التي تتخطى قوانين العدالة باسم شيء “أسمى”، أي مسامحة العدو و”تحطيم الدَّيْن”. هنا تُستكمَل النواميسُ بالمحبةِ.

وفي هذه الخطوة نحو شعريةٍ أرفع للعفو، تأتي اللحظةُ التي يحتاج فيها تبادلُ السرد -للتواريخ والذكريات والشهادات- إلى أنْ يُستكمَل بمصافحةٍ حقيقيةٍ للأيدي. فالضيافة السردية تستدعي ضيافةً جسديةً، حيث ينقاد النصي الى الملموس، وعندها تصبح الكلمة لمسةً.

2. الضيافة الجسدية

بالمصافحة تتأسس لحظة التحضُّر. فبدلاً من أنْ تمتدَّ اليدُ للغريبِ بحدِّ السيفِ، تنبسط للمصافحة. وانحلال القبضة الى كفٍّ مفتوحةٍ هو انحلال مزيج hostis الغريب/العدو إلى الدلالة الأخرى لـ hostis: الغريب/الصديق.

 تعود هذه المشاهد الأولية للضيافة الجسدية إلى بدايات الزمن. تأمَّلْ في إلياذة هوميروس حيث يُلقي الخصمان اللدودان ديوميديس وغلاوكون رماحَ العداء ليعانق أحدهما الآخَرَ بدلاً من تكرار دورات الانتقام الدموية الأزلية. فكِّرْ في سفر التكوين حيث يقدِّم إبراهيمُ وسارةُ للغرباء الثلاثة في مامْرِي خبزاً من أيديهما بدلاً من طردهم بالعنف؛ أو حيث صارع يعقوبُ “الملاك الرهيب” في فنيِيل حتى كشف له خصمُه عن اسم إسرائيل، محوِّلاً صراعه الأخوي مع عيسو إلى عناقِ مصالحةٍ في اليوم التالي؛ أو تأمل في يدَي المسيح الشافيتين، وهما تلمسان المكفوفين والمرضى، المُبْرَصِين والضالِّين، مُعيدَتَيْن الحياة للموتى. إنَّ قصص اللمسة الشافية تجدها مبثوثةً في أدب الحكمة: من غَسْل يوريكليا لجُرح أوديسيوس إلى باوكيس وفيليمون وهما يقدِّمان للغريب الجائع (زيوس) خبزاً عجنته أيديهما. وهي إيماءة تتواتر في بعض مشاهد “الضيافة” العظيمة في الأدب الغربي، من جان فالجان ومونسنيور ميريل في البؤساء، إلى تقاسم لذائذ الطعام في وليمة بابيت. إنَّ القوة العجائبية للَّمس والذوق، لليد والفم، هي قصةٌ متكررةٌ تجد أصداءً في بعض المصافحات التاريخية في زماننا، لحظات اللقاء الجسدي التي حوَّلتْ جراح العداء إلى “عجائب الضيافة”. تذكَّر مانديلا وديكليرك، هيوم وبيزلي، بيغن والسادات، رابين وعرفات، غاندي ومونتباتن. يخوض المرء الحرب أو يراهن على كفِّه.

يمكن للضيافة الجسدية أنْ تعمل على عدةِ مستوياتٍ من التبادل المتجسِّد، حيث إنَّ اللمسَ هو الموضِع الذي يتحقَّق فيه الفعلُ الأساسي للانكشافِ للآخرين. وتعطينا الفينومينولوجيا تلميحاً عن سبب ذلك، عندما يُظهر هوسرل في الأفكار 2 آلية عمل التعاطف من خلال “الإحساس المزدوج” للَّمس، وهي ظاهرة انعكاسية، فعندما تَلمَس فذلك يعني كونك مَلموساً بنفسِ الآن. وقد طوَّر مفكِّرون مثل ميرلو-بونتي هذا الحدسَ البسيط في خِبرة اليد التي تلمس وتُلمَس من خلال مفهومه عن “الجسد-الذات”، كما فعلت جوليا كريستيفا Julia Kristeva (1941- ) بفكرة “الاعتماد السيميائي”.[16] لكن الفكرة الأساسية كانت قد أُعلنت بالفعل من قِبل أرسطو في أول عملٍ في علم النفس الإنساني، “في النفس“، عندما أعلن أنَّ “اللمس هو الأكثر فلسفية” من بين الحواس. وما قصده بهذا هو أنَّ اللمس هو الأكثر “كليةً” من بين الحواس، من جهة كونه مُتداخلاً في كل إحساساتنا (الضوء يلمس العينَ، الملح يلمس اللسانَ، الصوت يلمس الأذنَ إلخ). فاللمس مُفعّل دائماً. إنَّ الأجزاء الوحيدة من الإنسان التي لا تملك إحساساً لمسياً هي الشعر والأظافر: لذا يمكن تقليمهما دون ألمٍ. إنَّ الجسد اللمسي-الملموس هو الجسد المُعرَّض للخطرِ، أي إنه ما يعرِّضنا للغيرية، لتجربة ما هو مختلف عنَّا. (فالماء يمكن أنْ يكون بارداً لجسدٍ دافئ وحارّاً لجسدٍ باردٍ). “اللمس يميِّز الاختلافات”، قالها أرسطو مستخدماً الفعل اليوناني (krinein)، والذي يعني التمييزَ جسدياً بين الاختلافات والتباينات. فالجسد يشعر بما هو أسخن وأبرد منه أكثر مما يماثله في درجة حرارته. نحن نُحِسُّ بما هو آخر عن ذواتنا. فالألفة تولِّد اللامبالاة، كما أن الأنانية عديمة الإحساس. إن حسَّ اللمس هو ما يعرِّضنا للمخاطرة والمغامرة، للجِدَّة والولادة، لما يحدث فعلاً ونحن نلمس ونُلمَس من الآخرين، سواء أكانوا بشراً أم نباتاً أم حيواناً أم إلهاً. ولذا يقترح أرسطو بأنَّ ذا البشرةِ الناعمة هو ذلك المرء الأشد إحساساً لأنه الأكثر تحسُّساً. فالحكمة تنبع من الإحساس المتبادل، من التعاطف والانتباه، في حين أنَّ الرذائلَ مثل النهم والانفلات والإدمان، تنشأ من خيانة هذه الحساسية، أي من تحويل ميلنا الطبيعي إلى لمسٍ متبادلٍ إلى لمسٍ أحادي الجانب، وهو ما يؤدي إلى فرض مشاعري على الآخرين دون تقبُّل مشاعرهم. إنَّ اليدين والفم هما أكثرُ أجزاءِ الجسدِ حساسيةَ على الإطلاق. فالكفُ المفتوحة والشفاه العارية هما عتبتا انكشافٍ، ولهذا تُؤخذ القُبلة والمصافحة رمزَين ساميَين للسلام والضيافة.

لكنَّ المصافحةَ تصبح رخيصةً إذا لم يُدرَك ما تنطوي عليه من مخاطرة. والسلام يصبح فارغاً (مجرد رمزٍ) إذا لم تكن الأيادي التي تلتقي “متلامسةً” حقاً، اي إذا لم يكن في الملامسة “لطفٌ” (tact). ومن أجل توضيح جذرية ملامسة اليد لليد في الإيماءات الأصيلة للضيافة والشفاء، أستشهد بمثال بوملا غوبودو-ماديكيزيلا Pumla Gobodo-Madikizela (1955-  )، العالمة الجنوب أفريقية الرائدة التي شاركت في “حركة الحقيقة والمصالحة” في التسعينيات، والتي حظيتُ بشرف محاورتها خلال زيارة إلى جامعة ستيلينبوش في مايو 2017. وقد روت لي قصةً -سجَّلتها في كتابها انسان مات تلك الليلة (A Human Being Died That Night) – تجسِّد بقوة مبدأ الضيافة الجسدية: أي أنَّ أكثر الحواس إنسانية هي “اللمس”، لأنها وحدها تنطوي على “الإحساس المزدوج” باللمس وتلقي اللمس، حتى في أكثر الظروف عُسراً على الضيافة.

إليك القصة: في لحظة حساسة في عملية المصالحة، قررتْ بوملا لقاءَ يوجين دي كوك Eugene de Kock، سفاح “الأبارتهايد” (الفصل العنصري الوحشي)، والمعروف شعبياً باسم “الشر الأعظم”، الذي كان حينها في السجن. ولم تكن بوملا تُمنّي النفسَ بالأوهام لأنَّ: “دي كوك لم يكتفِ بأنْ يهبَ شرَّ الأبارتهايد اسماً فحسب، بل جسّد باقتدارٍ ذلك الشّرَّ”.[17] لقد عقدتْ بوملا العزمَ للقاء هذا القاتل سيئ السمعة، بعد أنْ سمعَتْ أرملة إحدى ضحاياه وهي تعبِّر عن استعدادها لمسامحته، بعد مشاهدته وهو يدلي بشهادته أمام لجنة الحقيقة والمصالحة في سبتمبر (1997). “أود أنْ أمسكَ بيده”، قالتِ الأرملةُ، “وأظهِر له بأنَّ هناك مستقبلاً، وأنه ما يزال بمستطاعه التغيير”.[18] هزَّ ذلك الصدقُ بوملا في الصميم، وفسّرت استعدادَ الأرملة للتواصل مع قاتل زوجها كفعل تعاطف استثنائي يتعذر تصوره، لأنَّ الأرملةَ لم تكن تذرف الدموعَ فقط لفقدان زوجها القتيل بل لانحسار إنسانية دي كوك الأخلاقية. وهذا ما أثار السؤال الحاسم: “هل كان دي كوك يستحق المغفرة المُظهرة له؟ هل كان الشر جوهرياً في دي كوك، والمغفرة مُهدرة عليه؟”[19] أو كما كان أوغسطين يتساءل: “هل كان من الممكن فصلُ الفاعلِ عن الفعل؟”[20]

كانتْ بوملا تدرك أنَّ تصريح دي كوك الاعتذاري أمام لجنة الحقيقة والمصالحة، جاء كجزء من عملية العفو، غير انها كانت واعيةً أيضاً لعدم التماثل القائم بين الاعتراف بالذنب وفعل المغفرة عن الجاني، الذي قد تبدو كلماتُه فارغةً، وقد “تضيف إهانة للجرح”.[21] ومع ذلك، يكمُن معنى وأهمية الاعتذار، كما أدركت بوملا، في قدرته على”أنْ يؤدي ويتجاوز الكلمات الاعتذارية ذاتها”.[22] التركيز على “الأداء” المتجسِّد أمرٌ بالغ الأهمية هنا. لماذا؟ لأنَّ، كما قالت بوملا، “التعاطف هو ما يمكّننا من التعرف على ألمِ الآخَرِ، حتى في قلب المأساة، لأنَّ الألمَ لا يمكن أنْ يكونَ شراً. التعاطف يعمِّق إنسانيتنا… عندما يعتذر الجناةُ ويختبرون ألمَ الندمِ، مظهرين الأسف والتوبة، فإنهم يتصرفون كبشر”.[23] أثناء لقائها مع دي كوك في السجن، فوجِئت بوملا في لحظةٍ ما بدموعه وهو يبوح ليس بندمه فقط على قتلِ زوجِ الأرملةِ، بل وبتوقه في التراجع عن الخطأ أيضاً: “أتمنّى لو كانت هناك طريقة لإعادة (الجسد) حياً. أتمنّى لو كان بإمكاني القول: ها هو زوجُكِ”. أسرَّ دي كوك بهذا، باسطاً يديه كما لو كان يحمل جسداً غيرَ مرئي، كانت يداه ترتجفان، وفمه يرتعش، مضيفاً “ولكن للأسف… عليَّ أنْ أعيشَ مع هذا”.[24] ثم حدثَ المستحيل بعدها -فعل غير قابل للتصور من التواصل الجسدي. امتدتْ يدُ بوملا نحوه دون وعيٍ منها تقريباً، فلمستْ يدَه المنقبضةَ بإحكام لتجدها “باردةً ومتخشبةً”. حين تأملتْ هذا التصرف لاحقاً، قالتْ: “جعلني ذلك أتردد للحظةٍ وأعيد النظرَ في فعل مدّ يدي بوصفه شيئاً لا ينسجم وظروف لقاءٍ مع شخص أعار هذه القبضة نفسها، وهذا الصوت نفسه، في الماضي القريب، ليأذن بأعمال شّر لا توصف ويشرع فيها ضدَّ أناسٍ سودٍ مثلي تماماً”.[25]

لم يكن ذلك العفو بخساً ولا انفعالاً ساذجاً، بل على العكس، إذا كان ثمّة شيء، فإنَّ هذه اللحظة الغرائبية وغيرَ المتوقعةِ تدل على حدثٍ من “ضيافةٍ مستحيلةٍ”. لقد ترك لقاءُ بوملا مع دي كوك في نفسِها نوعاً من الشعور بالذنب، إذ اختبرتْ لحظةً من التعاطف جعلتها تتساءل عما إذا كانتْ قد “تجاوزت الحدَّ الأخلاقي، من مجرد الشفقة التي تتيح ببعض المسافة، إلى حدِّ التماهي الفعلي مع دي كوك”.[26] كان للقاء أثرٌ على دي كوك نفسِه أيضاً. ففي أحد لقاءاتهما اللاحقة اعترف: “تعرفين بوملا، تلك كانت نفسها “يد القَتْل” التي لمستيها”.[27] هذا الاعترافُ المرعبُ ترك بوملا بمشاعرَ مختلطةٍ. من ناحيةٍ، شعرتْ بالضعف والغضب والانتهاك، بينما من ناحيةٍ أخرى أدركتْ أنَّ تصريحَ دي كوك قد يحمل أيضاً معنى مضمراً “قد تكون هذه أوّلَ مرةٍ يلمسه فيها شخصٌ أسودُ بدافعِ الشفقة. لم يلتقِ من قبلُ بالسود إلا كأعداء من وراء فوهة البندقية، أو مع أولئك الذين كانوا شركاءَ في القتل. ربما تعرّفَ دي كوك على لمستي بوصفها عبوراً لعتبةٍ جديدة، تجرِبة لم يعرفْها من قبلُ”.[28]

لكن مثل هذا العبور العَتَبيّ كان بعيداً كلَّ البعد عن أن يكون أمراً بديهيَّاً؛ فقد كانت بوملا واعيةً بمرارة التناقضات الكامنة في لمس “يد القَتْل”، ومع ذلك لم تسحبْ يدها في تلك اللحظة من التبادل الجسدي. بل راهنتْ على الإمكانية المستحيلة لإنسانية مشتركة. “لقد كان عالمه عالماً بارداً” أدركَتْ هي ذلك “حيث عيون الموت تحدِّق فيه باتهامٍ، عالم يعج بالجثث والقبور… لكن مع كل فرادة أعماله المروّعة، كان دي كوك روحاً يائسة تسعى لتقنع نفسَها بأنها ما تزال تنتمي للكون الإنساني”.[29]

إنَّ ما تكشفه حادثةُ لـَمس ِ”يد القَتْل” هذه، على نحوٍ لافتٍ، هو أنَّ تجربة بوملا الجسدية لندم دي كوك هي التي حفَّزت في المقابل قدرتها على الاعتراف بإنسانيته.[30] تلك الإيماءة اللحظية للعفو -أم للنعمة؟ – أثمرتْ فيما ما يبدو، لأنَّ ندمَ دي كوك وتعاطفَ بوملا كليهما كانا معيشيَين بالجسدِ أكثرَ منهما تقديرَين ذهنيَين. كان الأمرُ أقربَ إلى الاعترافِ منه الى الإدراك، أقربَ الى التحسُّس منه الى التجرُّدِ. وكما خلصتْ بوملا فيما بعد، فإنَّ الاعتذار الحقيقي، “ينصب على مشاعر الآخَرِ لا على ما سيجنيه المعتذرُ في النهاية. إنه يسعى للاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن الفعل المُسيء، ولا يلجأ الى لغة نرجسيةٍ لتبريرِ سلوك ِالشخصِ الطالبِ للصفحِ. يجب أنْ يُعبر ويُوصل ويتجسد كـ”فعل كلامي” يفصح عن رغبةٍ صادقةٍ في ترميم العلاقة المتصدعة التي أضرَّ بها فعلُ المعتذر”.[31]وباختصار، فإنَّ فعلَ “الأداء المزدوج”، جسّدَ اعترافاً متبادلاً بالإنسانية المشتركة بين الذات والغريب، المسامِح والجلّاد، بين صانع السلام والمجرم؛ أو كما قالت بوملا نفسُها: “عندما يستثار الندمُ في لحظةِ الشهادة… يعترف الجاني بالآخَرِ كإنسانٍ مثله. وفي ذات الوقت، يتعرّف الضحيةُ على وجه الجاني لا كوجه “وحش” ارتكبَ أعمالاً مروعةً، بل كوجهٍ فيه من الإنسانيةِ ما يكفي ليشعر بالندم”.[32] إنَّ الإمكانَ الصعب من الصفح في مثل هذه اللحظات -وربما لأجل ذلك ينعته ريكور ‘بالمـُعجز’- انما يكمن لا في السعي عن الأشياء التي تَشطُرنا، بل عن ذلك المشترك بيننا نحن ككينونةٍ بشريةٍ: الرحمة والتعاطف اللذان يشدّان هويتنا الإنسانية.[33]

ولنا أنْ نسألَ مجدداً: لِمَ كل هذه الأهميةِ لليدين؟ أكانتا باعثتين أم كابحتَين، فاعلتَين أم متألِّمتين، مذنبتين أم مُصالِحتَين؟ ما يلفتني أكثر في شهادة بوملا هو ما تكشفه عن ضربٍ من الحكمة العملية التي تعمل على مستوى الجسد، حسٌّ فطِن يشتغل في غمار الجلد واللحم، في نهايات الأعصاب والأوتار، في لون البشرة وملمسها. هذه المعرفة المتجسّدة أسبقُ في الوجود من المعرفة التأملية، نمطٌ من اللباقة في صميم التلامس، ومن الفطنة بالمعنى الأصلي: تذوّق واختبار لما هو ملائم ومناسب، لما هو صادق وعادل. ومن هنا تتضح السلالةُ الاشتقاقية لمفهوم savvy: من الفرنسية savoir (المعرفة) ثم savourer (التذوّق) عائدة إلى اللاتينية sapere (يتذّوق/يعرف) ومنها sapientia (الحكمة). إنها مسألةُ حكمةٍ حسيةٍ أوليةٍ تعمل في المعاني الثلاثة لـ(sense/sens) الإحساس والاتجاه والمعنى: ثلاثة معانٍ تميّز كلَّ لقاء أصيل بين الذات والغريب.[34] وعندما تعمل القوى الجسدية لهذا الذكاء الفطري، وحس اللمس والذوق، يصبح من الممكن فعلياً، وفي لحظاتٍ استثنائيةٍ، أن يتحول الأندادُ الى أصدقاء، وأنْ يصبح الغرباءُ ضيوفاً، وباختصارٍ: أنْ تتحوّل العداوةُ إلى ضيافةٍ.

غير أنَّ الأمرَ أعقدُ من أن يُختزَلَ، فالمصافحات قد تنقلب الى شعائرَ جوفاء، أو عهود خبيثة، أو استراتيجيات ماكرة، أو مناورات سلطوية تنبع من امتياز مسبق. من له الحق في مدّ يده الى من؟ وبأي غاية وبأي بواعث -صريحة أم مُضمرة ام مُلتَبسة؟  قبضة من حديد في قفاز من حرير؟ تذكّرْ تلك المصافحات سيئة السمعةِ بين هتلر وبيتان، وستالين وريبنتروب، وبوتين والأسد؛ أو قبضة ترامب الساحقة للعظام مع القادة الدوليين المنافسين. وماذا عن الحيلة المعاصرة الكارهة للأجانب، التي لجأ إليها سياسيون أوروبيون معينون لتحقير أقليات مهمشة (كاليهود الأرثوذكس أو المسلمين) الذين تمنعهم معتقداتُهم الدينية من مصافحة أشخاص معينين؟ لقد استُخدِمت الإيماءةُ التي يُفترَض أنْ تكون “كونية”-المصافحة- كخدعةٍ حزبيةٍ لاستبعاد أشخاصٍ على أساس الاختلافات الدينية والثقافية.[35]

لذلك أقترح بأنَّ ثمة مسؤوليةً هرمنيوطيقية للتمييز بين المصافحات، تلك التي تعبر عن ضيافةٍ حقيقية وتلك التي تُضمر عداءً مموّهاً. إنَّ هرمنيوطيقا الشك (فيما يتعلق بالدوافعِ والمصالحِ والنوايا الخفيةِ) تحتاج لأن تُستكَملَ بهرمنيوطيقا الإثبات (فيما يخص أهدافَ السلم والعفو والضيافة). وما ينطبق على حقيقة المصافحة ينطبق على الإيماءات الجسدية الأخرى ذات المغزى الضيافي على السواء. تأمَّلْ في القبلة كفعل حب أو خيانة (قبلة يهوذا الغادرة، قبلة المعتدي الجنسي المسِيئة). هنا يُستبدَل “الإحساسُ المزدوج” للمس بإحساس أحادي الاتجاه للعنف المُلحق بالضحايا من دون اكتراث لحساسيتهم أو براءتهم. فكِّرْ أيضاً في مشاركة الطعام: اذ يمكن أنْ يتدهورَ فعلُ الوليمةِ المضيافة إلى طغيان الاستهلاك القسري الذي يعاقب أولئك الذين يرفضون ما يُقدم. تخبِر التوراة عن يهود قُتلوا لأنهم رفضوا طعاماً نجساً؛ كما إنَّ مشاطرةَ الخبزِ وتقاسمَ النبيذِ يمكن أنْ يتحولَ إلى فعلِ تسميمٍ أو خيانةٍ (مثل يهوذا في العشاء الأخير). حتى الفعل الجسدي لما يُسمى “ممارسة الحب” يمكن أنْ يتدهور إلى تحرشٍ أو اغتصابٍ. ليس كلُّ اقترانٍ هو اقترانُ محبّ (أي لمساً ثنائي الاتجاه). ولعل من المناسب أنْ نضيف أخيراً “وضع الأيدي”، تلك الإيماءة البليغة للضيافة الشافية في سياقاتٍ روحيةٍ وعلاجيةٍ متعددةٍ، غير أنها قد تنقلب أيضاً الى أداةِ تلاعبٍ شنيعة في قبضة مرشدين روحيين زائفين من امثال جيم جونز أو ديفيد كوريش أو تشارلي مانسون.

وفي الواقع، ثمة من يستحضر هنا المسألة الأشد تعقيداً، اي مسألة اللمس كما تجلّتْ في الخلاف التحليلي النفسي حول التحويل العلاجي والتحويل المضاد، لا سيما فيما يتعلق بالنقاشات المبكرة بين فرويد ويونغ وشبيلراين Spielrein [36] وريتش Reich. فالنقلُ الجسدي مسألة حساسة، رغم أنني أعتقد أنه في تجربة فرويد نفسه كان التحويل اللفظي مشكلاً أشدَّ (مثل حالة دورا، حيثُ فرض روايته السرديةَ الخاصة على مريضته الشابة).[37] اذ يمكن أن تكون الكلمات إيروسيةً بقدر اللمس ذاته، كما تظهِر سجلاتُ الإغواء من دون جوان وكازانوفا الى العلاقات الخطرة للاكلو و”يوميات مغوٍ” لـ كيركيغارد. فالإغواء اللفظي غالباً ما يكون مشحوناً بقدر المداعبة الجسدية. ولهذا فإنَّ الهرمنيوطيقا تُعنى أيضاً بمعرفة متى يحسن الصمت أو الامتناع عن اللمس؛ إذ تضبط حدود الممكن قوله او لمسه. ففي أحيان يكون الأجدر لزوم الصمت ووضع يدٍ رحيمةٍ على كتفٍ أو ذراعٍ، وفي أحيان أخرى يكون الأحكم تعليق أيِّ تواصلٍ مباشر والاكتفاء “بالتداوي بالكلمات”. إنَّ هذه الفروقَ الدقيقة حاسمةُ الأهميةِ، فنحن نحتاج الى “بيداغوجيا اللباقة” فيما يخص طرائق التواصلِ، لا سيما في ضوء الالتباسات المعاصرة المثيرة للجدل بشأن قواعدِ السلوك بين الجنسين.

يمكننا أنْ نسترشدَ ببعض النماذج الكتابية على حكمة التأني والتواصل.  فنداء المسيح القائم بين الأموات “لا تلمسيني” هو هرمنيوطيقا جسدية بنفس القدر في أمره لتوما كي يضع إصبعه في جرحه.[38] هناك مَسٌ ولمس، كما يقترح جان-لوك نانسي حين يؤكد أنَّ لقاءَ المسيح الأخير مع مريم المجدلية لم يكن غياباً تاماً للمس (لوحات معينة يحللها تظهر مريم تلمس ثوب المسيح أو بشرته بيدها) بل كان بالأحرى تحذيراً من “التَشبث” أو “التملك”. كان يطلب منها ألّا تتعلق به، بل تسمح له بأنْ يكونَ آخَراً، غريباً عابراً (hospes)، حتى تتحرر هي بدورها إلى محبّة الحواريين الأوسع (حيث يرسلها إليهم بعد وداعه الأخير). فهناك طرق متعددة للمس يد الرب او عدم لمسه كما نعرف من كنيسة سيستين لمايكل أنجلو. تماماً كما توجد هناك طرائقُ شتى لمصافحة الشيطان. إنَّ الهرمنيوطيقا الجسدية تتعلق بمحاولة تمييز الفرق، وتُعرّفنا الفينومينولوجيا على اللمس بالتماس ولمس عن بعد. إنَّ كونَ المرء في جوار أو حضور شخص ما يمكن أنْ يكونَ مؤثِّراً بعمقٍ حتى لو لم يجرِ أي تلامس جسدي حرفي على الاطلاق. قد تكون ايماءة اليد مصافحةً بوسائل أخرى، ولا تقل قوةً عن المصافحة في الظروف المناسبة. فالأمر في النهاية هو مسألة هرمنيوطيقا جسدية: تمييز الطرق السليمة للمس وعدم اللمس، للقول وعدم القول، للكلام والحضور الصامت؛ هي معرفة العلاقات الصحيحة مع الأشخاص المناسبين في الأزمنة والأمكنة المناسبة، ومعرفة كيف نكون بعيدين وقريبين، غائبين وحاضرين، غرباء ومألوفين بالقدر المناسب. وإلّا فلن يبقى هناك تمييز حقيقي بين المضيفين والضيوف، ولا انفصال ولا فجوة، ولا مخاطرة، ولا رهان، ولا تجربة للغرابة، ولن تبقى هناك غيرية للاعتراف بها واحتضانها. ولهذا فإنَّ الضيافة الجسدية تظل دوماً ممارسةً متجددةً، لا منجزاً مكتملاً.

3. خاتمة

في تعليق له على أحد لقاءات بوملا غوبودو-ماديكيزيلا إبّان عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، قال رئيسُ الأساقفة توتو: “ينبغي أنْ يملأنا ما سمعناه بتواضعٍ عميقٍ… والآن علينا أنْ نولي وجوهنا شطرَ المستقبلِ تاركين وراءنا هذا الماضي المروعَ ونقول: الحياة إنما وجدتْ لتُعاش”.[39] وقد تساءل ت. س. إليوت ذات قصيدٍ: “بعد هذه المعرفة أي غفران؟”. ولعلّنا نجرؤ أنْ نضيفَ: بعد هذا الغفران أي معرفة تبقى لنا؟ فإنْ كانتْ، فأي نوعٍ من المعرفة هي؟ أمُجرَّدة أم مُتجسِّدة أم كلاهما؟ وماذا نصنع بها؟ هل نواصل التذكر وإعادة النظر والعمل عبر الجراح لنُدوِّن الحقيقة؟ أم نقرر أنْ نغفرَ وننسى؟ ثمة مصافحات تُعلن رغبة استبقاء الذاكرة، وأخرى تومئ إلى أنَّ لحظةَ التخلي قد حانتْ. وهذه إشكاليةٌ أساسيةُ ليستْ شأناً يخصُّ لجنةَ الحقيقةِ والمصالحةِ في جنوب أفريقيا وحدها، بل إشكالية تواجه محاكمَ الحقيقةِ الأخرى والنصب التذكارية في مجتمعات ما بعد الصدمة في جميع أنحاء العالم، وهي كثيرة.[40] إنه عمل هرمنيوطيقي واسع النطاق لا بد من إنجازه، كي تُلامَس الجراح العميقة ويتحقق فعلياً الشفاء الحقيقي.  

المراجع

  • Arendt, Hannah, Eichmann in Jerusalem (New York: Viking, 1963).
  • Becker, Brian et al. eds. Unconscious Incarnations (New York: Routledge, 2018).
  • Benjamin, Walter, “The Task of the Translator” in Walter Benjamin: Selected Writings
  • Volume I, (Cambridge: Harvard University Press, 1996).
  • Benveniste, Emile, Indo-European Language and Society, trans. Jean Lallot (London:Faber and Faber, 1973.
  • Berman, Antoine, L’ épreuve de l’ étranger: Culture et Traduction dans l’Allemagne  Romantique (Paris: Gallimard, 1984).
  • Crépon, Marc, Les Promesses du langage: Benjamin, Rosenzweig, Heidegger (Paris: Vrin   2001).
  • Crépon, Marc, Langues sans demeure(Paris: Galilée, 2005).
  • Derrida, Jacques, Monolingualism of the Other or The Prosthesis of Origin, trans. Patrick Mensah (Stanford: Stanford University Press, 1998).
  • Derrida, Jacques, Of Hospitality, trans. Rachel Bowlby (Stanford: Stanford University Press, 2000).
  • Gobodo-Madikizela, Pumla, “Remorse, Forgiveness, and Rehumanization: Stories from South Africa” in Journal of Humanistic Psychology (42, no. 1, 2002), 7–32.
  • Gobodo-Madikizela, Pumla, A Human Being Died That Night: A South African Woman Confronts the Legacy of Apartheid (New York: Houghton Mifflin Company, 2003).
  • Gobodo-Madikizela, Pumla, “Trauma, Forgiveness and the Witnessing Dance: Making Public Spaces Intimate” in Journal of Analytical Psychology (53, no. 2, 2008) 169.181.
  • Gobodo-Madikizela, Pumla, Dare We Hope? Facing our Past to find a New Future (Cape Town: Tafelberg, 2014).
  • Kearney, Richard, Strangers, Gods and Monsters (London and NY: Routledge, 2003).
  • Kearney, Richard, “The Ethics of Memory” in Difficulties of Ethical Life, ed. Shannon Sullivan and Dennis Schmidt (New York: Fordham University Press, 2008).
  • Kearney, Richard and Kascha Semonovitch eds., Phenomenologies of the Stranger (New York: Fordham University Press, 2011).
  • Kearney, Richard, “Memory in Irish Culture” in Memory Ireland vol. 3: The Famine and the Troubles, ed. Oona Frawley (New York: Syracuse University Press, 2014).
  • Kearney, Richard and Brian Treanor eds., Carnal Hermeneutics (New York: Fordham University Press, 2015).
  • Krog, Antjie, Country of My Skull (New York: Three Rivers Press, 2000).
  • Lomax, Eric, The Railway Man: An OPW’s Searing Account of War, Brutality and Forgiveness (New York: Norton, 1995).
  • Raffoul, François, “Chez Lui, Chez L’autre” in Les Temps Modernes on “L’événement déconstruction,” July–October, 2012, nos 669–670.
  • Ricoeur, Paul, “Reflections on a new Ethos for Europe,” in Paul Ricoeur: The Hermeneutics of Action, ed. Richard Kearney (London: Sage, 1996), pp. 3–14.
  • Ricoeur, Paul, “Difficult Pardon” in Memory, History and Forgetting, trans. Kathleen Blamey and David Pellauer (Chicago: University of Chicago Press, 2004).
  • Ricoeur, Paul,On Translation, trans. Eileen Brennan (New York: Routledge, 2006) Veldsman, Daniel and Yolande Steenkamp eds. Debating Otherness with Richard Kearney Perspectives from South Africa (Durbanville: Aosis Publishing, 2018).

الهوامش

*  ريتشارد كيرني (1954-) فيلسوف إيرلندي معاصر وأستاذ الفلسفة في كلية بوسطن، يشتغل في الهرمنيوطيقا ولاهوت ما بعد الحداثة.  

** باحث أكاديمي مستقل من العراق، حاصل على درجة الماجستير في الفلسفة من جامعة تسمانيا بأستراليا.    

***  Kearney, Richard. “Double Hospitality: Between Word and Touch.” Journal for Continental Philosophy of Religion 1 (2019): 71–89.

[1] Paul Ricoeur, On Translation, trans. Eileen Brennan (New York: Routledge, 2006), p. 23.

[2] ارتبط حلم إيجاد لغة كونية (Universal Language) -بنظام رمزي شامل- بتاريخ طويل من الاقتراحات الفلسفية واللغوية الغربية. من أهم هذه الاقتراحات مشروع (characteristica universalis) الذي بلوره الفيلسوف الألماني لايبنيز في القرن السابع عشر، بوصفه نظاماً رمزياً قادراً على التعبير عن الأفكار البشرية بوضوح رياضي يزيل غموض اللغات الطبيعية. كان هذا المشروع امتداداً لتجارب التكوين اللغوي المثالي التي نشطت في عصر النهضة الأوروبي، واختلطت فيها طموحات العلوم مع مطامح التوحيد الديني والثقافي. وقد رأى فيه لايبنيز سبيلاً لـ”إصلاح العقل” ووسيلة لتوحيد المعرفة وتسهيل التواصل الفكري بين الأمم. لكن لم يُكتب لمشروعه أن يتحقق، وتحول لاحقاً إلى مصدر إلهام لظهور لغات تحليلية ومنطقية كـ”بيغريفشريفت” (Begriffsschrift) لدى فريجه (Frege). أما إسبيرانتو، فقد أنشأها الطبيب البولندي لودفيك زامنهوف (Ludwik Zamenhof) عام (1887) كأول لغة اصطناعية واسعة الانتشار. هدفت هذه اللغة إلى تحقيق التواصل السلمي بين الشعوب بانطلاقها من بُنى لغوية عالمية مبسّطة. ومع ذلك، بقيت فكرة “بان-أوروبي إسبيرانتو” حلماً يواجه عراقيل ثقافية وسياسية ولم تتحقق فعلياً، رغم رواجها المؤقت بين دعاة الفيدرالية الأوروبية واللغويين الدوليين. يربط المؤرخون اللغويون بين الحلم بـ(characteristica universalis) وموجة اللغات الاصطناعية العالمية (مثل فولابوك وإسبيرانتو وإيدو). ويرون أن هذه المشاريع كانت امتداداً للسعي لتجاوز حواجز اللغات الطبيعية وتعويض تراجع اللاتينية كلغة علمية عالمية، والبحث عن وسيط محايد للتبادل الحضاري والعلمي. رفضت غالبية المفكرين عملياً فكرة اللغة الكونية، وأكدوا على أن كل لغة تحمل خصوصية ثقافية غير قابلة للاختزال. كما أن إسبيرانتو، رغم نجاحها النسبي، لم تحقق الحلم الكوني للاتصال التام أو إزالة الفروق الجوهرية بين الشعوب. أما مصطلح (Globish) فقد ظهر حديثاً لوصف الإنجليزية المبسّطة العالمية، خاصة النوع المنتشر في الأعمال والتقنية والسياحة. يُستخدم في هذا السياق نحو (1500-2500) كلمة فقط، بعيداً عن تعقيدات الإنجليزية الأصلية، لتكون أداة تواصل محايدة غير محمّلة بهوية ثقافية واحدة. يُنظر إلى (Globish) نقدياً كرمز للعولمة اللغوية الجديدة وهيمنة الإنجليزية، بحيث تصبح “باهتة الهوية” وتكاد تتحوّل إلى أداة تواصل براغماتية تخدم النظام التقني والاقتصادي العالمي من دون جذور أدبية أو حضارية واضحة. يستخدم الأكاديميون مصطلح (Globish) ضمن دراسات الهيمنة اللغوية والنقد الثقافي لهذه الظاهرة، ويقارنونه غالباً مع مشاريع اللغة الكونية الاصطناعية مثل إسبيرانتو، ليبرزوا أن “غلوبش” ليست لغة جديدة، بل منتَج لغوي مختزل نشأ بفعل توسّع الإنجليزية وتبسيطها في سياقات غير أصلية. (المترجم).

Jaap Maat, and David Cram. Universal language schemes. In L. R. Waugh, M. Monville-Burston, & J. E. Joseph (Eds.), The Cambridge History of Linguistics. Cambridge University Press. 2023, (pp. 233-257).  

Kristine, Newton.”Can Globish be the Language of the World? Examining the Effectiveness of Using Highly Simplified English in International Education.” Literacy Information and Computer Education Journal (LICEJ), vol. 4, no. 3, September 2013, pp. 1166-1170. 

[3]  تستند الفكرة هنا إلى سردية برج بابل في سفر التكوين (الإصحاح 11)، حيث يروي النص تشتُّت البشر لغوياً بعد محاولتهم بناء برج يصل إلى السماء. كان للبشر لسان واحد، لكن الإله بَلبَل ألسنتهم وبدَّدهم في الأرض. كما تشير إلى مفارقة الترجمة وإلى حركة ترجمية لا تنتهي يثيرها النص المقدّس عبر الثقافات والأزمنة. فالكتاب المقدّس، مثل برج بابل، يفرض تعدد الترجمة ويتعذر إكمالها في آن واحد: يحتاج دائماً إلى نقلٍ جديد إلى لغات شتّى، لكن لا يمكن لأي ترجمة واحدة أن تستنفده. إنه قابل للترجمة بلا نهاية وغير قابل للترجمة في آن واحد.

     وهذا يقارب مفهوم اللغة الخالصة (pure language) عند والتر بنيامين، حيث تتقارب جميع اللغات نحو معنى واحد لا تستطيع أي لغة تملُّكه نهائياً، وتكمل كل لغة الأخرى في سعيها نحوه. أما دريدا فيرى أن قصة برج بابل “سردية فوق-سردية” لأنها تكشف طبيعة اللغة كنظام من الاختلافات والإحالات اللامتناهية. فالإله لا يعاقب البشر لمحاولتهم الوصول إليه بقدر ما يعاقبهم على رغبتهم في “صناعة اسم واحد لأنفسهم” وإقامة نسبٍ موحَّد. فجاء العقاب في تعدّد الألسن والحاجة الدائمة إلى الترجمة.

     من هنا يصبح قول “حقيقة الكتاب المقدّس هي بابل” إشارة إلى أن النص المقدّس نفسه يخضع لمنطق الشتات، منفتحاً على تأويلات وترجمات لا تنتهي. فتعدد المعنى لا يستقر نهائياً في مسكن لساني واحد، وكما يقول بنيامين، تمنح الترجمة النص الأصلي “حياة لاحقة” (Fortleben) تُبقيه متجدداً في المعاني عبر العصور. وكذلك شأن النصوص الكلاسيكية الكبرى: عظمتها ليس في كونها تامةً بل في قدرتها على إثارة معانٍ جديدةٍ في كل سياق ثقافي ولغوي. (المترجم)  

   Craig G., Bartholomew. “Babel and Derrida: Postmodernism, Language and Biblical Interpretation.” Tyndale Bulletin 49, no. 2 (1998): pp. 305-328.

Weidner, Daniel. “Life after Life: A Figure of Thought in Walter Benjamin.” Zentrum für Literatur- und Kulturforschung Berlin (ZfL), 2012. Paper presented at the Conference: Afterlife. Writing and Image in Walter Benjamin and Aby Warburg, Universidad Federal de Minais Gerais, Belo Horizonte, Brasil, October 2012. Pp.8-12.

[4]  Ibid., p. 10 (Sur la traduction, Bayard, Paris, 2004, pp. 19–20; cited p. xvi). See also here Walter Benjamin’s notion of the ‘untranslatable kernel’ in ‘The Task of the Translator’ in Walter Benjamin: Selected Writings Volume I, Harvard University Press, Cambridge, 1996 and Marc Crépon’s work on the relation between linguistic singularity, translation and hospitality, Les Promesses du langage: Benjamin, Rosenzweig, Heidegger (Paris: Vrin, 2001) and Langues sansdemeure(Paris: Galilée, 2005) where he considers the foreignness even of the mother tongue. I am grateful to Sarah Horton for the Crépon reference.

[5]   تشير الصيغة العبرية في سفر الخروج (3:14) אהיה אשר אהיה (ehyeh asher ehyeh) إلى فعلٍ في طور التحقق وصيرورةٍ مُصاحِبة: “أكون/سأكون” بما ينطوي عليه من وعدٍ بحضورٍ زماني للإله، لا إلى تعريفٍ ماهويّ مجرّد للألوهة بوصفها “جوهر الوجود” التام.

      غير أنّ الترجمة السبعينية اختارت أنْ تنقلها إلى اليونانية بصيغة: ἐγώ εἰμι ὁ ὤν (ego eimi ho on) (أنا هو الكائن)، محوِّلةً محور القول من “فعل الصيرورة والوعد” إلى “اسم الهوية الأنطولوجية”. وقد جرى هذا التحويل تحت وطأة معجم الميتافيزيقا اليونانية (الكائن، الوجود، الجوهر)، حيث تمت مقاربتها مع (ontos on) بوصفه “الكائن حقّاً” أو “الوجود التام”، بدلاً من إبقائها في ألافق الزماني والإسكاتولوجي. وفي هذا السياق، يعيد ريتشارد كيرني في دراسته “Heidegger’s Three Gods” تأويل هذا النص العبري ضمن معجم الإمكان وليس الفعلية التامة، مقترحاً ترجمة “أنا من قد يكون” التي تؤكد على البُعد الزماني والإسكاتولوجي للحضور الإلهي، وذلك انسجاماً مع نقد هايدغر للأنطو-ثيولوجيا التقليدية. (المترجم)

Faith Ochenia, Opade. “A Kernel Literal Analysis of God’s Revealed Name in Exodus 3:14.” African Theological Journal for Church and Society 2, no. 2 (2021): 3-18.

Richard, Kearney. Heidegger’s Three Gods. Research Publication Series, Centre for Research in Philosophy and Literature, University of Warwick, 1992. pp.22-30.

[6]  تُثير ترجمة كيرني لعنوان بنفينيست إشكالية أكاديمية لافتة تتعلق باستراتيجيات الترجمة. فالعنوان الفرنسي الأصلي “Le vocabulaire des institutions indo-européennes” يُترجم حرفيّاً إلى “مفردات المؤسسات الهندو-أوروبية”. غير أنّ كيرني، في النص الذي ننقل عنه، استعمل عنواناً مختلفاً هو “Language and Indo-European Society” (اللغة والمجتمع الهندو-أوروبي)، في اجتهاد يبتعد عن الحرفية لكنه يحاول ان يقنرب من روح الكتاب. أمّا الترجمة الإنجليزية الرسمية التي أنجزتها إليزابيث بالمر في عام 1973 فجاءت بعنوان “Dictionary of Indo-European Concepts and Society” (معجم المفاهيم والمجتمع الهندو-أوروبي). لم يكن هذا التغيير اعتباطيّاً، اذ يمكن تفسير هذا التغيير في ضوء ما أقرّ به بنفينيست نفسه في مقدمة كتابه، بأنّ العنوان الأصلي قد يوقع في الالتباس، إذ أكّد على أنّ عمله “ليس معجماً تقليدياً بل دراسة مقارنة شاملة للسلوكيات والمؤسسات الاجتماعية”، وأن هدفه “تحليل تكوين وتنظيم مفردات المؤسسات، لا إعداد جردٍ آخر للحقائق الهندو-أوروبية”. لذا نجد ان بالمر اختارت كلمة Dictionary لتعكس الطابع المرجعي التحليلي للعمل، وConcepts بدلاً من Institutions لتؤكد تركيزه على البنية المفاهيمية والذهنية أكثر من توصيف المؤسسات. ويعزز جورجيو أغامبين هذا التوجّه في مقدمته للترجمة الجديدة، واصفاً الكتاب بأنه “ذروة اللسانيات في القرن العشرين… ليس مجرد معجم بل تحليل مفاهيمي عميق يتجاوز اللغويات المحضة إلى الأنثروبولوجيا الثقافية”. هكذا تبيّن هذه الحالة أن الترجمة “الحرة” قد تعبّر أصدق عن محتوى النص وروحه من الترجمة الحرفية، وتوضح التحدي الدائم الذي يواجه المترجم بين دقّة العنوان ووضوح المضمون للقارئ المستهدف. (المترجم)  

     Émile, Benveniste. Dictionary of Indo-European Concepts and Society, trans. Elizabeth Palmer, Chicago: HAU Books, 2016.

[7] Emile Benveniste, Le Vocabulaire des Institutions Indo-Européenes (Paris: Minuit, 1969) / IndoEuropean Language and Society, trans. Jean Lallot (London: Faber and Faber, 1973).

[8] Antoine Berman, L’ épreuve de l’ étranger: Culture et Traduction dans l’Allemagne Romantique  (Paris: Gallimard, 1984).

[9]   Jacques Derrida, Of Hospitality, trans. Rachel Bowlby (Stanford: Stanford University Press,2000), p. 77. See also Derrida’s discussion of language, translation and cultural identity in Le Monolinguisme de l’autre ou la Prothèse d’origine(Paris: Galilée, 1996); Monolingualism of the Other or The Prosthesis of Origin, trans. Patrick Mensah (Stanford: Stanford University Press, 1998). For a very illuminating analysis of Derrida’s complex reading of hospitality, see François Raffoul, ‘Chez Lui, Chez L’autre’ in Les Temps Modernes on “L’événement déconstruction,” July–October, 2012, nos 669–670.

[10]  Note Paul Ricoeur “Difficult Pardon” in Memory, History and Forgetting, trans. Kathleen Blamey and David Pellauer (Chicago: University of Chicago Press, 2004).

[11]  Paul Ricoeur, “Reflections on a new Ethos for Europe,” in Paul Ricoeur: The Hermeneutics of Action, ed. Richard Kearney (London: Sage, 1996), pp. 3–14. / “Quel éthos pour l’Europe?”, in Imaginer l’Europe, ed. P. Koslowski (Paris: Ed. du Cerf, 1992), pp. 107–118.

[12] Ibid., 1996, p. 7.

[13] Richard Kearney, “The Ethics of Memory” in Difficulties of Ethical Life, ed. Shannon Sullivan and Dennis Schmidt (New York: Fordham University Press, 2008).

[14] Ricoeur, “Reflections”, p. 9.

[15] Richard Kearney, “Memory in Irish Culture”, in Memory Ireland vol. 3: The Famine and the Troubles, ed. Oona Frawley (New York: Syracuse University Press, 2014), pp. 148– 150.

[16] الاعتماد السيميائي (Semiotic Reliance) مفهومٌ أساسيٌّ عند جوليا كريستيفا، يصف العلاقة الجدلية المعقّدة بين المستويين السيميائي والرمزي في إنتاج المعنى وتشكيله. السيميائي هو مجال النبضات الجسدية والإيقاعات والحركات ما قبل اللغوية التي تسبق تشكُّل الذات والوعي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجربة الجسدية الأولى مع الجسد الأمومي. وتستعير كريستيفا مصطلح “الخورا” (chora) من محاورة “طيماوس” للإشارة إلى هذا الفضاء الأولي، وهو عند أفلاطون “الوعاء” أو “المُتلقي” الذي يحتضن كلَّ الأشكال من غير أنْ يكون له شكلٌ ثابتٌ بذاته. في نظرية كريستيفا، الخورا السيميائية فضاءٌ متحرّكٌ ومؤقّتٌ يتكوّن من تدفّقات الطاقة الغريزية وإيقاعاتها، ويشبه الرحمَ الأمومي الذي يُغذّي ويحتضن، لكنه في الوقت نفسه مجالٌ للانفصال والتمايز التدريجي.

     السيميائي -بوصفه مجال الإيقاعات الجسدية والطاقات الغريزية -لا يمكن أنْ يظهر أو يعبّر عن نفسه إلا من خلال النظام الرمزي، أي البنية اللغوية-الثقافية المنظَّمة التي تشمل القواعد النحوية والدلالية والرموز الاجتماعية. فالسيميائي يحتاج إلى الرمزي ليصبح قابلاً للتعبير والفهم، وليتحوّل من مجرّد طاقاتٍ وحركاتٍ جسدية إلى معانٍ ثقافية. وفي المقابل، فإن النظام الرمزي نفسه – على الرغم من استقراره الظاهري -يحتاج باستمرارٍ إلى تدفّق السيميائي واقتحامه إياه كي يبقى حيّاً ومتجدّداً، وإلا تحوّل إلى نظامٍ جامدٍ ومغلق.

    هذا التبادل المستمرّ والضروري بين المستويين يجعل كل إنتاجٍ ثقافي أو لغوي -بحسب تعبير كريستيفا- “مديناً لكليهما” (marked by an indebtedness to both). وهذا هو معنى “الاعتماد السيميائي”: إن المعنى الثقافي والرمزي ليس منفصلاً عن التجربة الجسدية-الحسية للإنسان، بل متجذّرٌ فيها ومعتمدٌ عليها، فالكلمات والرموز تحمل في طيّاتها أصداء الإيقاعات الجسدية والذكريات الحسية الأولى.

   ويكتسب هذا الاعتماد بُعداً سياسياً وأخلاقياً مهمّاً في فكر كريستيفا، إذ إنَّ فائض الحركة الشعرية والإيقاع الموسيقي الذي يميّز السيميائي يمتلك قدرةً على زعزعة صلابة الأنظمة الثقافية والسياسية المهيمنة. فعندما تقتحم الإيقاعاتُ الجسدية والطاقاتُ الغريزية النظامَ الرمزي -كما يحدث في الشعر والفن والأدب الطليعي -فإنها تكشف عن الجذور الجسدية للمعنى وتتحدّى الأشكال الجامدة للسلطة. وهكذا يصبح الجسد والخبرة الحسية قوّةً فاعلةً ومقاومةً في تشكيل المعنى الثقافي وتجديده المستمر. (المترجم)

Julia Kristeva, Revolution in Poetic Language, trans. Margaret Waller (New York: Columbia University Press, 1984), pp. 22-28, 67-69.

[17] Pumla Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night: A South African Woman Confronts the Legacy of Apartheid (New York: Houghton Mifflin Company, 2003), p. 6. I am greatly indebted to Robert Vosloo’s illuminating essay for many of the citations and references below, “Touch Gives rise to Though: Paul Ricoeur and Pumla Gobodo-Madikizela on dealing with the past, mutual recognition and embodied performaticity” (in Debating Otherness with Richard Kearney: Perspectives from South Africa, ed. Daniël Veldsman and Yolande Steenkamp, Durbanville: Aosis Publishing, 2018).

[18] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, pp. 14–15.

[19] Ibid., 15.

[20] See Ricoeur, Memory, History, Forgetting, pp. 489–493 cited by Robert Vosloo, “Touch Gives

rise to Thought.”

[21] Pumla Gobodo-Madikizela, “Remorse, Forgiveness, and Rehumanization: Stories from South Africa,” Journal of Humanistic Psychology 42, no. 1 (2002): (pp. 7–32), p. 13.

[22] Ibid., p. 16. The larger citation is from Vosloo’s “Touch Gives Rise to Thought.”

[23] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 20.

[24] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 20.

[25] Ibid.

[26] Ibid, 33.

[27] Ibid, 39.

[28] Ibid., p. 42. For a similar act of almost impossible transference and pardon, see the moving account of Eric Lomax’s meeting with his former torturer in a Japanese prison of war camp, Eric Lomax, The Railway Man: An OPW’s Searing account of War, Brutality and Forgiveness (New York: Norton, 1995).

[29] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, p. 39.

[30] Ibid., pp. 67–68. See our analysis of such critical carnal encounters with the stranger/ other/enemy in Richard Kearney & Brian Treanor (ed.), Carnal Hermeneutics (New York: Fordham University Press, 2015); Richard Kearney & Kascha Semonovitch (ed.) Phenomenologies of the Stranger (New York: Fordham University Press, 2011); Richard Kearney, Strangers, Gods and Monsters (London and NY: Routledge, 2003).

[31] Gobodo-Madikizela, A Human Being Died That Night, pp. 98–99.

[32] Pumla Gobodo-Madikizela, “Trauma, Forgiveness and the Witnessing Dance: Making Public Spaces Intimate.” Journal of Analytical Psychology 53, no. 2 (2008): (pp. 169–188), pp. 176–177

[33] Pumla Gobodo-Madikizela, Dare We Hope? Facing our Past to find a New Future (Cape Town: Tafelberg, 2014), p. 1, also p. 35. One might ask here why a similar miracle of remorse and empathy did not occur between SS officer, Adolph Eichmann, and his benign jailor (Captain Less) around the famous holocaust trial in Jerusalem, as scrupulously documented by Hannah Arendt in Eichmann in Jerusalem (New York: Viking, 1963).

[34] See our development of this kind of embodied knowing in Kearney & Treanor (ed.), Carnal Hermeneutics.

[35] يمكن للمصافحات أن تنحرفَ من إيماءات ضيافة إلى إيماءات عداء، لكن هذا تحديداً هذا يمثل خيانة للقصد الأصلي لهذه الإيماءة الجسدية في معظم الثقافات إن لم يكن كلها. وقد تختلف الثقافات في طرائق أداء وتأويل تبادل الهشاشة (إذ قد تستبدل مصافحة اليد العارية منزوعة السلاح بتشابك الأذرع أو لمس الرؤوس أو الأقدام أو الشفاه)، وبالطبع تخضع مثل هذه التبادلات لمعايير متباينة تبعاً للجنس والعمر والطبقة والثقافة وغيرها. ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى نموذج المصافحة كإيماءة ضيافة على انه فرض لحدث معياري “كوني” يوناني أو أوروبي؛ بل كإيماءة إنسانية أساسية تقوم على الثقة بالغريب (وهو ما تحمله جميع اللغات الهندو-أوروبية، من إمكان دلالي مزدوج: عدو/صديق، مضيف/ضيف). هذه الإيماءة المنزوعة السلاح، كيفما طُبقت هرمنيوطيقاً في ثقافات أو ظروف مختلفة، تظل داوماً متبادلة بصفتها إحساساً مزدوجاً، وإن لم تكن بالضرورة متماثلة. فالترحيب الأصيل بالآخر كغريب (hostis) هو تحديداً اعترافاً بغيريته غير القابلة للاختزال (وربما أمكننا القول هنا عن تناظر اللا-تناظر). ولهذا فأن كلمة (hostis) قد تعني العدو أو الصديق، إذ لا يعرف مسبقاً على وجه اليقين، بل ينكشف فقط عبر انكشاف لمسيّ، وتبادل كف بكف: ومن هنا يكون طابع المخاطرة والرهان (chancing your arm/hand). وبعبارة اخرى، المصافحة الأصيلة لا تنطوي على اختزال الآخر في الذات، أو الضيف في المضيف، أو الغريب في المِثل. فمثل هذا الاختزال يشير إلى طمس كوني للغيرية في تماثل الهو-هو (الذي رفضه ليفيناس ودريدا وريكور جميعاً). وقد أصرّ ريكور بحق على أن الضيافة ليست تبادلاً بين الهو-هو المتطابق بل بين الشبيه والشبيه، انا-نفسي كآخر، لا بوصفه آخراً فحسب. فأداة التشبيه(comme/as/als) تدل على فجوة ومسافة. وليس الأمر مقتصراً على دريدا وريكور، فميرلو-بونتي بدوره يؤكد -في مواجهة اتهام دريدا بالمركزية اللمسية في كتاب (Le Toucher)- أن تشابك الجسد يحتفظ دائماً بما يسميه “الفجوة التمييزية” غير القابلة للاختزال. ولهذا يشدد في كتابه (Le Monde Sensible et Monde de l’expression) على مفهوم “الإحساس/الإدراك التمييزي”. ولو لم يكن الامر كذلك لامتص الجسد الآخر -غرابته وغيريته- في انصهار شمولي- وهذا ما يحدث على نحو فادح في الاغتصاب والتعذيب والتحرش- او سياسياً في مصافحة ترامب أو بوتين. ففي مثل هذه الخيانات الجسدية، يحرف الإحساس المزدوج المتبادل (المنفتح على الآخر، والمتلقي لاحتياجاته ورغباته ومخاوفه وجراحه واختلافاته وفرادته) إلى إحساس أحادي الاتجاه (فاقد للقدرة على الاصغاء للآخر، منغلق على تفرده الذي لايُمس).

     لهذا نحن بحاجة الى هرمنيوطيقا الحكمة العملية (phronesis) لـ”التمييز” و”الفحص” بين النوايا والمسلمات الضمنية في كل مصافحة أو أي لمسة رمزية فريدة. ومن هنا اتى إصرار أرسطو على أن اللمَسَ هو أكثر الحواس “فلسفية” لأنَّ “اللمس يميز الفوارق” (krinein)، بخلاف الحواس الأخرى التي قد تكون أحادية الجانب: يمكن أن ترى دون أن تُرى، أو تَسمع دون أن تُسمع، لكن لا يمكنك أن تَلمس دون أن تُلمس، رغم أنك تظل حر في إنكار/خيانة/نقض هذه القابلية الجسدية الأصيلة، كما يقر أرسطو في أمثلته عن الفجور والإدمان أو الشبق حيث يفرض المرء نفسه على الآخرِ. وإذا كان صحيحاً أن أرسطو تحدث عن اللمس كأكثر الحواس “كلية”، فأنه لم يقصد معياراً كلياً مهيمناً، بل بمعنى كونه إحساساً يعمل في الحواس الأربع الأخرى أيضاً. ولهذا يظل هناك دوماً واجب أخلاقي بطرح السؤال الهرمنيوطيقي: من أين تلمس ولأي غرض تكون المصافحة؟

[36] ورد في النص الأصلي كلمة Spielraum ضمن قائمة الأسماء التي شاركت في النقاشات المبكرة حول transference  وcountertransference مع فرويد ويونغ وريتش. غير أنَّ هذا خطأ واضح لسبب مطبعي -ربما-، إذ إن Spielraum ليست اسماً لشخص، بل كلمة ألمانية تعني “مساحة المناورة” أو “الحيّز” أو “هامش الحرية”، وقد استخدمها فرويد نفسه بمعنى “مساحة اللعب” كاستعارة للجو التحليلي الذي يسمح بانكشاف اللاوعي. والمقصود في السياق -بلا شك- هو الطبيبة النفسية الروسية سابينا شبيلراين (Sabina Spielrein) (1885-1942)، التي كانت مريضة ثم زميلة لكارل يونغ، ولعبت دوراً محورياً في تطوير مفاهيم التحويل والتحويل المضاد. فقد أثارت علاقتُها بيونغ مسائلَ أساسية حول الحدود المهنية في العلاج النفسي وطبيعة التحويل والتحويل المضاد، وكانت مساهماتهُا النظرية في هذا المجال موضع نقاش مع فرويد ويونغ وريتش في المرحلة التأسيسية للتحليل النفسي. وهكذا، فإنَّ التصحيح الدقيق للنص يستدعي استبدال Spielraum بـ Spielrein ليستقيم المعنى والسياق التاريخي. (المترجم)

[37]  تُعَد قضية دورا التي نشرها فرويد في كتابه “جزء من تحليل حالة هستيريا” عام (1905)، محطة حاسمة في فهم مفهومي التحويل (transference) والتحويل المضاد (countertransference) في التحليل النفسي، كما أصبحت مثالاً إشكالياً على تعقيد العلاقة العلاجية حين يفرض المحلِّل سردَه على خبرة المريض. كانت دورا، ذات الثمانية عشر عاماً، تعاني أعراضاً هستيرية متنوّعة (مثل السعال الهستيري وفقدان الصوت والاكتئاب) في سياق شبكة معقدة من العلاقات العائلية والجنسية شملت أسرتها وزوجين آخرين. لاحظ فرويد أنّها تنقل إلى علاقتها العلاجية به، مشاعرها وتوقعاتها المتكوّنة من علاقاتها السابقة -خصوصاً مع والدها وهير ك ( Herr K) – وهي الظاهرة التي سُمّيت لاحقاً بـ”التحويل”. لكنه اعترف فيما بعد بفشله في التعامل معها، إذ لم ينتبه في الوقت المناسب لانعكاس تلك المشاعر عليه، فانهار العلاج فجأةً.

     يرى النقد المعاصر أنّ فرويد فرض تأويلاته ونظرياته (عقدة أوديب والرغبات المكبوتة) على رواية دورا لتجربتها، بدلاً من الإصغاء لحقيقتها عن التلاعب الجنسي والعاطفي الذي تعرّضت له من قِبَل البالغين. كما تشير قراءات لاحقة إلى وجود تحويلٍ مضاد قوي لديه، تجلّى في إحباطه من رفض دورا لتفسيراته وانسحابها، وانعكس ذلك حتى في طريقة كتابته للحالة وتأخيره في نشرها. وهكذا غدت قضية دورا مثالاً كلاسيكياً على ما يسمّيه النص “التحويل اللفظي”، حيث تتحول الكلمات والتفسيرات إلى أداة قهر تُهيمن فيها رواية المحلّل على السرد الأصيل للمريض. (المترجم)    

Patrick J. Mahony. Freud’s Dora: A Psychoanalytic, Historical, and Textual Study. New Haven: Yale University Press, 1996.

[38]  إنّ العبارة اللاتينية noli me tangere “لا تلمسيني” ترِد في (يوحنا 20:17) موجَّهة إلى مريم المجدلية. والأصل اليوناني μή μου ἅπτου يحتمل معنى “لا تتشبثي بي” او “كُفّي عن التعلّق بي”، لا على مجرّد منع لمسٍ عابر. ثمّ، بعد ثمانية أيام (يوحنا 20:26)، يقول المسيح لتوما المُرتاب: “ضع إصبعك هنا…” فيدعو إلى لمس جراحه تثبيتاً لإيمانه (يوحنا 20:27).

    إنّ المفارقة هنا هي تمييز مقصود بين لمس “الامتلاك” ولمس “الإثبات”. فالجسدية تصبح وساطةً تأويلية، كما يلمّح كيرني في حديثه عن “الهرمنيوطيقا الجسدية”: قول “لا تلمسيني”، يقطع التعلّق بالحضور الجسدي المتناهي، ويفسح المجال لعلاقة روحية، بينما يُمنح توما لمساً برهانياً لمعالجة الارتياب لا للتملّك.

     وهذا يتقاطع مع قراءة جان-لوك نانسي لفكرة “هناك مسّ ولمس”، إذ يرى أنّ لقاء مريم الأخير بالمسيح ليس غياباً تاماً للمس، فبعض اللوحات التي يحلّلها تُظهر مريم تلامس ثوب المسيح أو بشرته، بل هو تحذير من “الإمساك” و”القبض” اللذين يحصران معنى القيامة في ماديتها. ومن ثمّ تُفهم مريم بوصفها موقنة لا تحتاج إلى برهان حسّي، فيما يُمنح توما لمساً شافياً للريبة.  (المترجم) Andrea Taschl-Erber, “Between Recognition and Testimony: Johannine Relecture of the First Easter Witness and Patristic Readings,” in Noli me tangere in Interdisciplinary Perspective. Textual, Iconographic and Contemporary Interpretations, eds. R. Bieringer, B. Baert & K. Demasure (Leuven: Peeters, 2016), pp. 77-110.

[39]  Cited in Antjie Krog, Country of My Skull, (New York: Three Rivers Press, 2000), p. 30.

[40] ليس من قبيل المصادفة أنْ تكون إحدى أعمق الشهادات على صدمات نظام الفصل العنصري قد كُتبت على يد الشاعرة الجنوب أفريقية، آنتجي كروغ (Antjie Krog)، في كتابها “بلد جمجمتي” (Country of My Skull). فالشعر والفن يمتلكان طريقة فريدة على وصل التأويل اللغوي بالتأويل الجسدي. وهنا أتذكر أيضاً شهادة آتوم إغويان (Atom Egoyan) الاستثنائية على الإبادة الأرمنية في فيلمه “آرارات” (Ararat)، فضلاً عن عدد لا يُحصى من الكتّاب والفنانين وصنّاع الأفلام الذين أبقوا ذاكرة الهولوكوست حية -عاموس عوز (Amos Oz)، وباول سيلان (Paul Celan)، وكلود لانزمان (Claude Lanzmann)، وستيفن سبيلبرغ (Stephen Spielberg)، وآرت سبيغلمان (Art Spiegelman)- جميعهم استجابوا لنداء بريمو ليفي (Primo Levi): “أن نستمر في إعادة سرد قصة أوشفيتس كي لا تتكرر أبداً”.

      لكن لا بد لنا أيضاً أن نكرّم سؤال أدورنو (Adorno) “بعد أوشفيتس، من يستطيع أن يكتب الشعر؟” أي الاقرار بحدود التطهير عبر السرد. (أليس الصمت أحياناً هو الاستجابة الأليق إزاء الرعب؟). ومع ذلك لا يمكن إنكار النداء الذي لا يكل للشفاء، فهو لا يختفي. إنَّ التاريخ يحتاج القصة كي يزاوج بين الأثر الجسدي والفهم المعرفي -القوة المزدوجة للتطهير. لماذا؟ من أجل يستعاد الماضي إلى الحياة من جديد، بحيث يمكننا أن “نشعر بما يشعر به البؤساء”، وأنْ نتعاطف مع آلام المضطهدين ونرتجف امام هول المأساة.

      أو لنستعد درسَ أرسطو في “فن الشعر”: نحتاج غالباً إلى حبكة شعرية تعيد صياغة المعاناة الماضية، في فعل ذي معنى من التطهير العاطفي -إعادة نظر تخيلية في أعمق “انفعالاتنا” (pathema) من شفقة وخوف. وإلا فلن يكون ثمة تطهير، ولا مُسائلة، ولا تحرر- بل مجرد سجل عارٍ من الوقائع: حتمية لا فكاك منها. القصة والتاريخ يحتاج كل منهما الآخَر كي تتحول الجروح التي يتعذر وصفها الى ندوب مرئية: علامات على جسدنا تُختبر وتُتذوق، تُحس وتُحتضن. وبهذا يتحول الأرشيف إلى فن. والفن في جوهره هو مسألة شعور ومعرفة معاً، أنْ نُلمس وأنْ نتعلّم. إنَّ الشفاء التطهيري لا يستقيم من دون الاثنين معاً. وخلاصة القول: إنَّ ضيافة مزدوجة للكلمة والجسد ضرورة لا غنى عنها لمعالجة الصدمات العميقة وبلوغ سلام حقيقي. ولمزيد من التوسع في هذه الموضوعات انظر الى بحثي وبحث إليزابيث كوربت: A Hermeneutics of Wounds,” and Elizabeth Corpt’s “Encountering the Psychoanalyst’s Suffering: discussion of Kearney’s ‘A Hermeneutics of Wounds,’” in Unconscious Incarnations eds. Brian Becker et al. (New York: Routledge, 2018)..


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك