الكاتبديڤيد هيلز
المترجمأحمد فريحي

الاِستعارةُ استِعْمالٌ مُتَّسِعٌ للألفاظِ شعراً أو نثراً، استعمالٌ منْ بابِ المَجاز، وبما يُخالفُ الحَقيقة. لقدْ حظيتِ الاستعارةُ، كأسلوب بلاغي، باهتمامٍ فلسفيٍّ بالغٍ، وأثارتْ جَدلاً فلسفياً أوسع بالمُقارنة مع أيٍّ أسلوبٍ من الأساليبِ البلاغية الأخرى.[1]

1. تسمية طرفي الاستعارة

قبلَ تحديد طرفيْ الاستعارة، لا بُد من الانطلاقِ من بعض الشَّواهد الاستعارية. قال روميو على لسان شكسبير: «مهلاً، ما هذا النُّورُ الَّذي يَتَسلَّلُ مِنْ تْلكِ النَّافذةِ؟ إنَّه المَشْرِقُ، وجولييت هي الشَّمسُ !». [2] وقال ستيفن جويسي: «التَّاريخُ كابوسٌ أحاولُ الاستيقاظَ منه».[3] وقال ڤالتر بنيامين: «الأعمالُ الأدبية أقنعةُ المَوتِ، تُخفي تصوُّرها.».[4]

استناداً إلى هذه الشَّواهد الثَّلاثة، نلاحظُ أنَّه لمَّا نلجأ إلى الاستعارة، فإنَّنا نتحدَّث عن شيئين في آن واحد؛ نتحدَّث شيئين مُختلفيْن ومُنفصليْن، لكنَّهما اجتمعا معاً ليُنتجا تأثيراً غنياً وغير متوقع. فأحدُ هذيْن الموضوعين يكونُ معروضاً للنقاش، أو يكونُ موضوع الاهتمام لمَّا يلجأ المُتحدثُ إلى الاستعارة منذ الوهلة الأولى. وهو الّذي نسمِّيه المُستعَار له أو المَحْمول[5] في الشَّواهد المذكورة أعلاه، ويتجلى: في “الفتاة جولييت” في استعارة روميو؛ وفي “التَّاريخ، أي تاريخ إيرلندا، أو تاريخ العالم”، في استعارة ستيفن؛ وفي “الأعمال، والكتابات النثرية عموماً”، في استعارة بنيامين. أمَّا الموضوعُ، فيُعرضُ من بعد من إجل إغناءِ موارِدنا مؤقتاً للتفكير وللتحدُّثِ عن المستعار له. إنَّه المُستعار منه أو الحامل[6] حسب الشَّواهد المذكورة أعلاه، ويتجلى في: “الشَّمس” في استعارة روميو؛ وفي “الكابوس” الَّذي يحاولُ المرءُ الاستيقاظ منه في استعارة ستيفن؛ وفي “أقنعة الموت”، أي أقنعة الموت على نحو عام في استعارة بنيامين. قد يكونُ المستعار له في الاستعارة مفرداً، أو يطال مجموعة من الأشياء، والأمرُ سيّان بالنِّسبة إلى المستعار منه، ممَّا يؤدي إلى أنْ تتخذَ الاستعارةُ نفسُها الصُّورة اللَّفظية في عبارة يفهمُ منها التَّطابق[7] نحو: (“س”= جولييت “مفرد” هو “ج”= الشّمس “مفرد”) كما هو الحال في استعارة روميو؛ أو عبارة يُفهمُ منها الحَمْلُ[8] أو الانتماءُ[9] نحو: (“س”= التاريخ ” “مفهوم كلي” هو “ج“= كابوس “مفرد”) كما هو الحال في استعارة ستيفن؛ أو عبارة يُفهمُ منها الاحتواء أو التَّضمُن[10] نحو: (“س“= الأعمال الأدبية “جمع” هي “ج“= أقنعة الموت “جمع”) كما هو الحال في استعارة بنيامين.

لو تساءلنا عن كيفية ربط المستعار له بالمستعار منه في علاقة، من خلال ذكرهِما معًا في جملة استعارية، فإنّه يبدو من الطَّبيعي القول إنَّ الاستعارةَ صورةٌ من صوَّر التَّشبيه، أو المُقارنة، أو التَّمثيل. فصائغُ الاستعارة يُشبِّهُ المُستعار له بالمُستعار منه، كما يُشبّه روميو جولييت بالشَّمس، وكما يُشبّه ستيفن التَّاريخ بالكابوس، وكما يُشبّه بنيامين الأعمال النثرية بأقنعة الموت. بَيْدَ أنَّ المعنى المقصودَ يظلُ غير واضحٍ، لدرجة أنَّ المرءَ يتردَّد في اللُّجوء إلى التَّشبيه، أو التَّشابه لتَفسير ماهية الاستعارة، أو بيانِ كيفية عمَلِها. إنَّ الاستعارةَ الجَيِّدة تستمدُ قوتَها وجاذبيتَها من مدى الاختلاف الكبير والواضح بين طرفيها: المستعار له والمستعار منه، لدرجة أنَّها تُعرَّف أحيانًا من قِبَل أولئك الذين لا يدّعون الأصالة بأنَّها: “تشبيهُ شيئين مُختلفيْن“. إنَّ تأويلَ الاستعارة لا يقومُ، في الغالب، على الصِّفات الَّتي يملكُها المُستعار منه بالفعل، أو حتَّى على تلك الصِّفات الَّتي يُعتقد أنَّه يملكُها، وإنَّما يقومُ على تلك الصِّفات الَّتي ندّعي[11] عادةً بأنَّه يملكُها. ولفهم ذلك جيداً، خُذ، على سبيل المثال، ما يحدُثُ لمَّا نصفُ شخصًا ما بأنَّه غوريلا.[12]

ولهذا، فإنَّ الاستعارةَ بهذا المعنى ليست سوى آلية من الآليات، المَعلومة، وغير المعلومة؛ والَّتي تسعى إلى تشبيه شيءٍ بشيء آخر، باستعمالِ أدوات التَّشبيه. إذْ يُمكننا استعمالُ تشبيهٍ صريحٍ[13] بين شيئين، مُستعملين أدوات التَّشبيه نحو: “مثل” أو “كـاف التَّشبيه” أو أيِّ صيغةٍ تشبيهيِّةٍ صريحةٍ أخرى، والتي غالبا نعتبرها تشبيها، نحو قول رتشارد ويلبور: «منْ يَسِرْ في مُروجِ الخريفِ يجدْ حولَه زهرةَ الدَّانتيل الملكي تتناثرُ كأنَّها زنابقُ الماء.».[14] أو قول ريموند تشلاندر: «إنَّ مثلَ مَظهرٍه الغامضِ كمثل عنكبوتِ على قطعة من كعكة الملاك.».[15]

وعلى غرار هذا، يُمكننا دمجُ ملاحظتين متماثلتين حول موضوعين مختلفين باستعمال أدوات ربط نحو: “لذلك” و “أيضًا” و”وهكذا”، وبذلك نؤلف استعارة. كما يُمكننا تشبيهُ مجموعة من الأشياء ببعضها من خلال تقديم عبارتين متماثلتين وواضحتين، ممَّا يدعو المستمعَ إلى إدراك هذا التَّماثل، والتَّأمل في دلالته، وبذلك نؤلف استعارة. أو يمكننا ببساطة وضعُ ذكر شيءٍ ما، بجانب ذكرِ شيء آخر بطريقة ملائمة ومُوحية لتأليف استعارة نحو قول عزرا باوند: «ظُهورُ هذه الوُجوهِ وسطَ الحشد؛/ بَتلاتٌ على غصنٍ أسودٍ مُبلَّل.».[16]

إنَّ من أبرز ما يُميِّزُ التَّشبيه الاستعاري، على وجه الخصوص، هو أنَّنا لمَّا نلجأ إليه، فإنَّنا نتحدَّث عن شيء أو نوع باعتباره شيئًا أو نوعًا آخر. فنستعملُ اللُّغة كما لو كان المُستعار له والمستعار منه، أي جولييت والشمس، شيئًا واحدًا ونفس الشَّيء؛ أو كما لو كانَ المُستعار له، الّذي هو التاريخ مثالا للمستعار منه، الّذي هو الكابوس؛ أو كما لو كان المُستعار له، الّذي هو الأعمال الأدبية، مُتضمنًا في المُستعار منه، الّذي هو أقنعة الموت. وبهذا المعنى، يُشارُ إلى المُستعار له على أنَّه هو نفسه المُستعار منه. وتُستعارُ الألفاظ والعبارات الاصطلاحية وغيرها من أساليب الكلام الَّتي تُستعمل عادةً في المستعار منه، كما هو الحال في الشَّمس، وفي أقنعة الموت، ويُعاد توظيفها من أجل التّفكير والتَّحدَّث عن المُستعار له، كما هو الحال في جولييت، وفي الأعمال النثرية. وبهذا المعنى، يتمُ الحديثُ عن المُستعار له، ويُفكر فيه من خلال المُستعار منه. ومن اليسير أنْ نشعرَ أنَّه في استعارة روميو، يتحوَّل طرفان مألوفان من الحديث عن الشَّمس إلى الحديث عن جولييت دون أنْ تتوقف عن الحديث عن الشَّمس. وإذا تقرَّر هذا، فإنَّ الازدواجية في المعنى الَّتي تُظهرُها اللُّغة الاستعارية أمرٌ يجبُ على الفلاسفةِ السَّعيَ لفهمِه.

عادةً ما تُشبِّهُ الجُملة الاستعاريةُ أشياءً أو أنواعًا عدة بأشياء أو أنواع أخرى كثيرة بعبارة لفظية واحدة. ولمَّا يُشبِّه بنيامين في حكمته المُوجزة الأعمال الأدبية بأقنعة الموت، فإنَّه يشبِّه التَّصورات أو المفاهيم بالبشر الأحياء، ويشبِّه التَّغيُّرات الَّتي تمرُ بها التَّصورات أو المفاهيم قبل أنْ تُدمج في عملٍ فنيٍّ مكتملٍ بالحياة؛ ويشبِّه الاستقرار والجُمود الَّذي يُزعم أنَّها تمرُ به بعد هذا الدَّمج بالموت، وهكذا دواليك. وفي سياق حديثه، يُشبّه روميو جولييت بالشَّمس، ويشبِّه غرفتَّها وشُرفَتها بالشَّرق، ويشبِّه نفسَه بالكائن الحي، الَّذي يعتمدُ على الشَّمس في الدِّفء والنُّور والغذاء، ويشبِّه حبيبتَه روزالين بذلك النُّور الخَافت، أي القمر، ويشبَّه مظهرَ جولييت بنور الشَّمس، ويشبِّه إطلالَتها من نافذتها بشروق الشَّمس من المشرق، وهكذا دواليك. لذلك، فلا يشارُ في أيِّ تعبير لفظي واردٍ في الاستعارة إلاَّ إلى بعض العناصر المتعلقة بالمستعار له، أمَّا العناصر المُتعلقة بالمستعار منه، فيجبُ على المُستمع استنباطَها بنفسِه. وعليه، فكلَّ استعارةٍ تتركُ فيها شيئاً مُضمراً ومُستتراً. ورغم ذلك، فإنَّ بعض الاستعارات تكونُ صريحةً، بمعنى أنَّها تشبِّه شيئًا أو أكثر من الأشياء أو الأنواع المُسمَّاة بأشياء أو أنواع أخرى مسمَّاة عن طريق التَّعبيرات الموجودة باطراد في العبارات الحرفية الصَّريحة من أجل التَّطابق، أو الانتماء، أو التَّضمن نحو قول شخصية القبطان آهاب بطل رواية “موبي ديك” للروائي هيرمان ميلڤيل: «إنَّني فَرَاشَةٌ وأنتَ لَهَبٌ./ إنَّني، أهاب، قاطرةٌ مُسرعةٌ.». بيد أنَّ الاستعارات الأخرى تكون مُضمرة، لأنَّها تتحاشى مثل هذه التَّشبيهات البسيطة، ولهذا، فإنَّ لغة المُستعار له، ولغة المستعار منه يندمجان على نحو عفوي تقريبًا، ولكن بطريقة تجعلُ المستمع قادراً على معرفة أيّهما مستعار له، وأيُّهما مستعار منه، ومعرفة أيّهما الَّذي يتمُ تشبيهُه بالآخر نحو قول أهاب: «سأرفرفُ مُجبراً، وأقتربُ شيئا فشيئاً حتَّى تَحرقَني، وحتَّى ألقى حتفي في النِّهاية. إنَّ دربي وهدفي القار مُمهَّدٌ بقضبان حديدية، وتسري فيه روحي. إنَّني أندفعُ بثباتٍ لا يلينُ، فوقَ الوديان السَّحيقة، وعبرَ مفازات الجبال، وتحت مجاري السَّيول. فلا شيءَ يقفُ في طريقي، ولا شيء يعترضُ سبيلي !.». [17]

فضمن حدود الاستعارة، نميِّز بيسرٍ بين الألفاظ والعبارات الَّتي تُفهمُ استعاريًا، وتلك الَّتي تُفهم على وجه الحقيقة. إنَّ فهمَ التَّعبير من بابِ الاستعارة هو أحد طرق فهمِه مجازيًا، وفهمُ التَّعبير من باب المجاز هو إعادة تأويله، أي تأويلِه بطريقة، وإنْ كانت تختلفُ عن تأويل حقيقيٍّ سابقٍ متعلق به، فإنَّها تظل متأثرة به. وتتجلى أنواع أخرى من إعادة التَّأويل المجازي في العديد من الأساليب البلاغية المعروفة الأخرى كما هو الحال في: الكناية، كقولنا: “إن بوليصة التأمين هذه تغطيكَ من المهد إلى اللّحد“؛ وفي التَّهكم كقولنا: “أنتَ صديقٌ رائعٌ“؛ وفي المبالغة كقولنا: “إنَّه لصوتٌ عالٍ يصلُ حد إيقاظ الموتى“، وهكذا دواليك. إنَّ الجزءَ الَّذي يخضعُ لإعادة التَّأويل المجازي في الاستعارة هُو مِحْوَرُها،[18] أمَّا الباقي المأخوذ على وجه الحَقيقة، فهو إطارُها.[19] وقد يكونُ محورُ الاستعارة لفظاً واحدٌا من أيّ جزء من أجزاء الكلام تقريبًا، أو يكون عبارة مركبة مثل[20] “ال-شمس” أو “قناع الموت”، أو قد يتكونُ من أجزاء مُتفرقة من جملة طويلة، ويُؤخذ ما تبقى منها حرفيًا فقط نحو قول كول بورتر:

 «يا حبيبتي، إذا كنتُ القاعَ، فأنتِ القِمَّةُ.».[21]

أو نحو قول أهاب السَّابق: «إنَّ دربي وهدفي القارَ مُمهَّدٌ بقضبانٍ حديديةِ، وتسري فيه روحي.».[22]

أو ربما يكونُ عبارةً طويلةً، غنية البنية النَّحوية الدَّاخلية نحو قول الشاعر وليام بتلر ييتس:

«إنّ الرَّجلَ المُسنَ ليس إلاّ شيئًا تافهاً،/ إنَّه مِعطفٌ مُهترئٌ معلقٌ على عصا…».[23]

وعليه، فلكي يوضِّح الفلاسفة الاستعارة يحتاجون أمرين: الأمر الأول يتجلى في طبيعة الفرق بين أخذ اللُّغة على وجه الحقيقة، وأخذِها من باب الاستعارة، ثم طبيعة إعادة تأويل اللُّغة لمَّا نأخذُها على سبيل الاستعارة؛ والأمر الثاني يتجلى في طبيعة تقسيم التَّعبير إلى محور استعاري وإطار حرفي. ويُقرّ المنظرون في الأدب باستمرار بوجود الاستعارات المُطْنَبَة، وهي تشبيهاتٌ استعاريةٌ تطالُ جملَ متتالية عدة. وهناك أيضًا الاستعاراتُ المُوجَزة، وهي استعارات تقتصرُ على جملة، أو عبارة، أو لفظ واحد. وتتجلى هذه الاستعاراتُ على نحو أكثر وضوحا لمَّا تُمزَجُ استعارات مختلفة لتُحدث تأثيرًا قويًا ومُحكمًا، بعيدًا كلَّ البُعد عن البديع وزخرف القول، نحو قول الفيلسوف لودڤيغ ڤيتغنشتاين: «إنَّ الفلسفةَ معركةٌ ضدَ سِحْرِ عقولنا، سلاحُها لغتُنا.».[24]

ولهذا، فلا ترد كلُّ الجمل الاستعارية على صورةَ جُمل خَبرية[25] بأيِّ حالٍ من الأحوال، لأنَّه توجد جملٌ إنشائية[26] على صورة استفهامات استعارية، وأوامر استعارية، وتمنيات استعارية، وهلم جرا. وعلى الرَّغم من هذه التَّعقيدات، فإنَّ نظريةَ الاستعارة الحديثة تميلُ إلى التَّعامل مع الجُملة الاستعارية الخَبرية المُستقلة باعتبارها الوحدة الأساسية للفعل الاستعاري.

2. التصورات القديمة للاستعارة

إنَّ ما سبقَ الحديثُ عنه يُعتبر تطوراً حديثاً بامتياز في الاستعارة. أمَّا الفلاسفةُ والبلاغيون القدماء فقد نظروا إليها على أنَّها تغيُّرٌ مَرحلي وبديهي في استعمالنا للفظٍ مفرد أو عام، وعادةً ما يكونُ اسمًا أو جملةً اسمية. فلمَّا نلجأُ إلى الاستعارة، يُصبحُ اللَّفظ الَّذي يَرمزُ في العادةً إلى شيء أو نوع معين، رمزًا لشيء أو نوع آخر له به علاقة مُلاءمة، ويحدثُ هذا التَّغيُّر في دلالةِ اللَّفظ على السَّجية، وبدون سابق إنذار أو تفسيرِ مُسبق. والنَّتيجةُ المترتبة عن هذا التَّغيُّر هي نقلُ اللَّفظ المقصودِ من وضعِه المُعتاد والحقيقي في تصنيفِنا اللَّفظي إلى وضع آخر غيرِ مُعتادٍ، أي استعاري، لأغراض بيانية عابرة وخاصة. إنّ أرسطو، الَّذي كتبَ عن الاستعارةِ في منتصف القرن الرَّابع قبل الميلاد، يعتبرُ إعادة توظيف اللَّفظ تكونُ مجازًا بغض النَّظر عن طبيعة العلاقة بين إشارتِه المُعتادة، وإشارتِه العابرة الخَاصة.[27] وقد أصبحتِ الاستعارةُ مع كوينتيليان ومع شيشرون إحدى الأساليب البلاغية المُتميِّزة والمُعتبَرة، ولا يُعدّ نقلُ الألفاظ الَّذي يُفسّر نفسه بنفسه استعاريًا إلاَّ إذا كانَ قائمًا على تمثيل، أو قائماً على تشابه مفترض أو حقيقي بين الإشارة المُعتادة، والإشارة العابرة الخاصة. ولا يُعدّ هذا التَّغيُّر مُهمًا بالقدر الَّذي قد يتوقَّعه المرءُ، فعلى الرّغم من أنَّ أرسطو قد أقرّ بأربعةِ أنواعٍ مُختلفةٍ من الاستعارة، إلاَّ أنَّه اعتبرَ النَّوعَ القائم على التَّمثيل [أي التَّناسب] هو النَّوع الأكثر إثارة للاهتمام، وقد كرّس له الجزء الأكبر من نقاشِه.[28]

إنَّنا نكونُ في حاجة، أحيانا، إلى الاستعارة لعدَم وجودِ لفظٍ مُحدَّد للموضوع الَّذي نرغبُ في الحديث عنْه، ولعدم الحاجة إلى إبداع لفظٍ جديد يُشير إليه على وجه القَطع.[29] وفي أغلبِ الأحيان، وبشكلٍ أكثر إثارة للاهتمام، نكونُ في حاجة إلى الاستعارة لِما تُضفيه من مُتعةٍ لمستمعينا في محاولة فهمها، وللمكانة الَّتي تُتيحها لنا في مخاطبة مُستمعينا، وللبيان شبه الحسي الَّذي تُضفيه على فهم المُستمعين لمَّا نتلفظ بها.[30]

يصوّر أرسطو فهمَ إحدى أنواع الاستعارة وكأنَّه تمرين مُحفز لحلِ مُعادلة تمثيلية [تناسبية]. لنفترض أنَّ أمبادوقليس يستعملُ لفظ “الشَّيخوخة” في سياق يبدو فيه وكأنَّه مسارُ يومٍ واحدٍ. فالشَّيخوخة مفهومُ لا يرتبط في حد ذاته ارتباطًا مباشرًا بفهم مسار يوم واحد، لذلك نفترضُ أنَّ لفظ “الشَّيخوخة” في هذه المناسبة الخاصة يرمزُ إلى شيءٍ له تأثيرٌ مباشرٌ على فهم مسار يومٍ واحدٍ، كما هو الحال في فهمِ موضوع آخر يتبادرُ إلى الذِّهن عند ذكر الشَّيخوخة، ألا وهو مسار حياة الإنسان. فكما أنَّ الشيخوخةَ تمثلُ المرحلة الأخيرة من مسارِ حياة الإنسان، فإنَّ ما يُمثِّلُ المرحلة الأخيرة من مسار يومٍ واحدٍ هو العَشية. ولهذا، فالشَّيخوخة بالنِّسبة إلى الحياة كالعشية بالنِّسبة إلى اليوم. نستنتجُ من ذلك أنَّ لفظ “الشَّيخوخة” في هذه المُناسبة الخاصة يُستعملُ للإشارة إلى العشية، ونؤولُ الجملة الَّتي ورد فيها وفقًا لذلك.[31]

وفي سعينا لفهم هذا النَّوع من الاستعارة، نبدأ باستكشاف تمثيل معقَّد ومُثمر محتملٍ بين كيفية تلاشي القُدرات البدنية والعقلية للإنسان خلال مسار حياته، وكيفية تلاشي قوة الشَّمس خلال مسار يومٍ واحدٍ، وبين اطراد حياة الأفراد مع اختلافاتٍ ضمن سلالة بشرية مُمتدة، واطراد الأيام على مدار السَّنة، وهكذا. فإنَّ محاولة استعادة معنى استعاري بسيط (العشية) للفظ “الشيخوخة” تستدعي منا جهدًا فكريًا مفيدًا وممتعًا ومعقدًا. فقدْ تَحملُ الجملةُ الَّتي نفهمُها بذلك معنىً بسيطًا وليس فيه تجاوُّز، ويمكنُ التَّعبير عنه بسهولة دون اللُّجوء إلى الاستعارة، لكنّ الجهدَ المبذولَ لاستعادة هذا المعنى يحملُ قيمة معرفية تتجاوزُ قيمةَ المعنى نفسِه. يحدثُ شيء ما للألفاظ الَّتي نعتمدُ عليها في استحضار أفكارنا حول الأيام وكيفية سيرها، فتُعرض العَشية أمام أعيننا في صورة مُوحية ومُرشدة، على صورة إنسانٍ مُسن.

ولتوسيع الاطلاع على مناقشة هذه المسألة بالذات، انظر: كتاب پول ريكور،[32] ومقالة جيوفري إرنست ريتشارد لويد “استعارات الاستعارات” الصَّادرة سنة 1996،[33] ومقالة ريتشارد موران “الحيلة والإقناع: دورُ الاستعارة في الخطابة” الصَّادرة سنة 1996،[34] وكتاب ستيفن هاليويل ” جماليات المحاكاة: النّصوص القديمة والمُشكلات الحديثة” الصَّادر سنة 2003.[35] أمَّا فيما يتعلقُ بالخطابة والشّعر القديمين على نحو عام، فيمكنك النَّظر في مدخل مقالة “بلاغة أرسطو”، ومدخل مقالة “بلاغة وشعر أفلاطون” المنشورين في هذه الموسوعة.[36] ومع تطوُّر الشِّعر الحديثِ من خلال البلاغة القديمة، أصبح ينظرُ إلى الاستعارات على أنَّها تعني، أو تنقلُ، أو على الأقل، تُوحي بشيء معقَّد بطبيعته، ومفتوحِ النَّهاية، ومقاومٍ للصياغة الحَرفية المُوجزة.

3. إعادة الصياغة الحرفية للاستعارة

في بعض الأحيان، يتطلبُ الجُهدَ المبذولَ لعرضِ عملٍ أدبي أوفني أصليٍّ ومُعطى من خلال وساطة لغوية محدَّدة، على وجه التقريب وعلى وجه التفصيل من جوانب مُختلفة؛ فلمَّا يكونُ أيُّ عرضٍ له بوساطة محدَّدة، ويكونُ سديداً من جهة، وغير سديد من جهة أخرى، فإنَّه يُسمَّى التَّقريب؛ ولمَّا يكونُ عرضُه أكثر تعقيد أو إطالة من العرض السَّابق، فإنَّه يُسمَّى التَّفصيل. وغالبًا ما نُطلقُ على عرضنا، في هذه الحال، اسم إعادة صياغة العملِ الأصلي. ويكونُ، أحيانا، كلٌّ من العمل الأصلي، وإعادة الصَّياغة لفظيان، ويكونُ الغرضُ من إعادة الصِّياغة تفسير النَّص الأصليِّ، أو بيانه، كما هو الحال في إعادة صياغة أو بيان محامٍ لنصٍ قانونيٍّ غامضٍ، أو إعادة صياغة أو بيان واعظٍ لنصٍ دينيٍّ غامضٍ. وأحيانًا لا يكونُ العمل الأصلي ولا إعادة الصّياغة لفظيين، ويكونُ الغرض هو تكييفُ العمل الفني الأصلي بطريقة أو بأخرى كما هو الحال في إعادة صياغة جيوڤاني الباليستريني[37] لمقطع موسيقي متعدِّد الأصوات لترنيمة دينية من العصور الوسطى، أو إعادة صياغة نحث ورقة الأقنثوس[38] على تاج كورنثي.[39]

إنّ محاولةَ ترجمة عملٍ أدبي من لسانٍ إلى لسانٍ آخر، أيْ تقديم العمل الأدبي الأصلي بلسانٍ غيره، تنطوي على مَزجٍ معقَّد من التَّوضيح والتَّكيِّيف. ويلجأ المُترجمون، على وجه الخصوص، إلى التَّقريب والتَّفصيل، أي يلجؤون إلى إعادة الصِّياغة، لمَّا يعرضُون للاستعارات وغيرها من الأساليب البلاغية. ورغم ذلك، يُقالُ على الغالب: إنّ الشِّعر يفقدُ معناهُ في التَّرجمة، لدرجة أنّ كوليردج اقترحَ في “السِّيرة الذَّاتية” أنَّ القول بأنَّ: “التَّرجمة بألفاظٍ من اللِّسان نفسه غير ممكنة دونَ المساسِ بالمعنى” تعتبر “المعيار الأمثل للأسلوب النَّقي”.[40] ولهذا، فإذا كانتِ الاستعارة صورةً من صوَّر الشِّعر، فإنَّه قد يبدو منطقيًا أنّ إعادة صياغتها بألفاظٍ من اللِّسان نفسه أمرٌ مستحيل أو غير ضروري. وقد دافعَ عن هذا الطَّرح النَّاقد الأمريكي كلينث بروكس في مقالة شهيرة له تحت عنوان “هرطقة إعادة الصِّياغة” الصَّادرة سنة 1947.[41]

وعلى الرّغم من ذلك، فإنَّ ثمةَ طريقة مألوفة لتسجيلِ كيفيةِ استيعاب المرءِ، أو فهمه لاستعارة معينة، تُسمى بطبيعة الحال إعادة الصِّياغة، بحيث أنَّ الاستغناء عنها تمامًا سيُحكم على صائغي الاستعارة البُلغاء بالصَّمت غير المُجدي. ومن الصَّعوبة بمكان ألاَّ نتعاطفَ مع ستانلي كاڤيل لمَّا كتب في مقالة “المشكلات الجمالية للفلسفة الحديثة” الصَّادرة سنة 1969 قوله: «لنفترض الآن أنَّني سُئلتُ عن معنى قولِ روميو: “جولييت هي الشَّمس” … فإنَّني قد أقولُ شيئًا من هذا القبيل: إنَّ روميو يقصدُ أنَّ جولييت دفءُ عالَمِه؛ وأنَّ يومَه يبدأ معها؛ وأنَّه لا ينمو إلاَّ في حِضنها. وتوحي عبارتُه بأنَّ القمر، الَّذي يتخذُه العُشاق الآخرون رمزًا لحُبهم، ليس إلاَّ انعكاسًا لضَوئِها، وباهتًا بالمقارنة مع سطُوعِها؛ وهكذا. فمجملُ القول، فأنا أعيدُ صياغة كلامِه. ثم إنَّه إذا لمْ يكنْ بمقدوري تقديمُ تفسيرٍ على هذا المنوال، فهذا سببٌ وجيهٌ، بل وسببٌ كافٍ، للافتراض بأنَّني لا أعرفُ معناها. وعليه، فالاستعاراتُ قابلة لإعادة الصِّياغة.».[42] ثم يضيفُ قوله: «إنَّ عبارة “وعليه” الَّتي ختمت مثالي المتعلق بإعادة الصِّياغة لها دلالة بالغة. فهي تُجسّد ما سمّاه ويليام إمبسون “فترة خُصوبة” الاستعارات، أيْ ازدهارٌ المعنى فيها… إنَّ الإفراطَ في قراءةِ الاستعارات، الَّذي كثيراً ما يُنتقدُ، وهو بلا شك مُحِقّ، خطرُ لا بدّ من تحمّله لِمَا له من أهمية بالغة.».[43]

ولهذا، يمكنُ أنْ نتفقَ على أنَّ الشُّروح الَّتي يفكرُ فيها ستانلي كاڤيل حَاصلة، ولها دورٌ مشروعٌ تلعبُه في فهم ومعرفة قيمة الاستعارة، وقد نتفقُ على تسميَّتها إعادة صياغة شَّارحة، مع الإقرار بالاتفاق على الاختلاف حول كيفية ارتباطِها باللُّغة الَّتي تدعي بيانَها.

إنَّ إمكانية إعادة صياغة الشَّعر على نحو عام، والاستعارة على نحو خاص، تعتبرُ موضوعَ نقاشٍ بالغ الأهمية في علم الجمال، ولمزيدٍ من التَّوسع في الموضوع يمكنُ الرجوع إلى: مقالة جيرولد ليڤينسون الّتي عنوانها:”من يخافُ من إعادة الصِّياغة”، الصَّادرة سنة 2001،[44] ومقالة إليزابيث كيمپ الَّتي عنوانها: “الاستعارةُ وذلك الشَّيء الَّذي ‘لا أعرفُه'”، الصَّادرة سنة 2006،[45] ومقالة ديڤيد هيلز الَّتي عنوانها: “مشكلاتُ إعادة الصٍّياغة: حلم بوتوم” الصَّادرة سنة 2008،[46] ومقالة إرني ليپور الَّتي عنوانها: “بدعة إعادة الصِّياغة: لمَّا تكون الوسيلة هي الرِّسالة نفسها” الصَّادرة سنة 2009،[47] ومقالة پيتر لامارك الَّتي عنوانها: “الدِّقة الدَّلالية والقيمة الشِّعرية” الصَّادرة سنة 2015،[48] ومقالة كلّ من غريغوري كوري وجاكوپو فراسكارولي الَّتي عنوانها: “الشِّعر وإمكانية إعادة الصِّياغة” الصَّادرة سنة 2021.[49]

4. التصورات الأربعة للاستعارة

لقد شهدَ منتصفُ القرن العشرين تجديداً ملحوظاً في الاهتمام بنظرية الاستعارة، وتميَّز هذا التَّجديدُ بتداخل وثيق ومستمر بين تخصُّصات مُختلفةٍ. فقد انخرطَ الشُّعراء، والرِّوائيون، واللُّغويون، ونقادُ الأدب، والفلاسفة التَّحليليون، والفلاسفة القاريون في هذا النّقاش الاستعاري، وتابعوا أعمالَ بعضهم بعض بعنايةٍ فائقةٍ واهتمامٍ بالغٍ. وتنقسمُ الدِّراساتُ الَّتي تناولت الاستعارة في هذه الفترة إلى أربعِ تصوُّرات أساسية، يمكنُ عرضُها كالآتي:

1.4. تصوُّر التَّغيُّر الدَّلالي

يرى تصوُّر التَّغير الدَّلالي أنَّ الاستعارةَ ناتجةٌ عن التَّفاعلِ، أو بالأحرى ناتجة عن الفعلِ المُتبادل بين الألفاظ الحَرفية [الإطار] ومعاني اللَّفظ الاستعاري [المحور] لمَّا يتم جمعُهما معًا، ولمَّا يؤثرُ بعضُهما في بعض في السِّياقات الَّتي توفرها عبارات مُحدَّدة تُقالُ في مقاماتٍ محدَّدةٍ. فلمَّا نأخذُ جملةً استعاريةً منطوقةً، فإنَّنا نُضفي عليها معنىً استعاريًا جديدًا ومُميزًا. ويَنتجُ إضفاءُ هذا المعنى الجديد على الجملة ككلّ عن إضفاء معنى جديدٍ على لفظٍ أو أكثر من ألفاظِها أو على عباراتها المكونة لها، وهي الألفاظ أو العبارات الَّتي نأخذها من باب الاستعارة، أي الألفاظ أو العبارات المِحورية. أمَّا المعاني المنسوبة إلى بقية الجُملة، أي الألفاظ أو العبارات الإطارية، فتبقى دون تغيير. ويُفترض هذا هنا، على نحو ضمني، أنَّ أيَّ معانٍ، مهما كانت، فإنَّها تخضعُ لمبدأ التَّأليف، الَّذي ينصُ على أنَّ معنى التَّعبير المؤلف يتجلى في دور معان مكوناته الأساسية، وفي كيفية ترابط هذه المكونات معًا من خلال بناء التَّعبير المُركب.

لا يقتصرُ دورُ الإطارِ الحرفي على كونِه حشوا وغلافا سلبيًا لا عملَ له في تغيرات التَّأويل الَّذي يلحقُ المحور الاستعاري، وإنَّما يلعبُ دورَ المُحفز لهذه التَّغيرات ويتحكمُ فيها. فلمَّا نحاولُ فهمَ كلّ جُزءٍ من الجملةِ الاستعارية، بأبسط وأوضح طريقة مُمكنة، فإنَّه يتبيَّن وجود شيء شاذ، أو غير متناسق، أو غير منطقي فيها، أي وجود شيء غير ملائم من النَّاحية الدَّلالية أو من النَّاحية التَّداولية، وشيء غير متسق في أسوأ الأحوال، وفيه تجاوز في أفضلها، فيما يتعلق بكيفية فهمنا للجملة ككل. فإذا أردنا فهمَ الجملةِ برُمتها فهمًا سليمًا، ومتسقاً، ومناسبًا للسياق، فلا بد من التَّضحية بشيء ما. وما يتأثرُ في الحقيقة هو فهمُنا الحرفي المباشر للتعبيرات المِحورية. إذ تخضعُ معاني هذه التَّعبيرات لتغيُّر استعاري، وتغيُّر ناتج عن المعاني الحَرفية الصَّارمة للتعبيرات الَّتي تشكِّلُ إطار الاستعارةِ.

ولهذا، فالاستعارة تنبثقُ من نوع من التَّوتر بين المعاني الحرفية، الَّتي تُنسب إلى المحور الاستعاري، من جهة، والمعاني الحَرفية التي تُنسب إلى الإطار الحرفي العام، من جهة ثانية؛ وهو توترٌ يزولُ لمَّا نُغيِّر المعاني المكثفة في المحور الاستعاري بما يكفي لجعل  هذا التوتر يختفي. أمَّا إعادة الصِّياغة، فهي محاولة لإعادة التَّعبير عن المعنى الجَديد للجملة، المُحدَّد استعارياً، بعباراتٍ أكثر حَرفية، أو محددا على الأقل، بعبارات أقل استعارية. وقد قدَّم كلٌّ من آيفور أرمسترونغ ريتشاردز في كتابه “فلسفة الخطابة” الصَّادر سنة 1936،[50] وماكس بلاك في مقالته “الاستعارة” الصَّادرة سنة1954،[51] ومونرو بيردسلي في مقالته “التَّغيُّر الاستعاري” الصَّادرة سنة1962،[52] تصورات مُبكرة ومؤثرة تتعلقُ بالتَّغيرات الدَّلالية.

لقد قدّم الباحث في الأدب هارولد سكولسكي في مقالته “الاستعارة” الصادرة سنة 1986، وفي كتابه ” إعادة صياغة اللُّغة: شعراء الاستعارة في القرن السَّابع عشر وفعل الاستعارة ” الصَّادر سنة 1992،[53]  تصوُّراً بالغ الوضوح والدِّقة. إذ يرى أنَّ المُتحدث، لمَّا يستعملُ اللُّغة الاستعارية، فإنَّه ينتقلُ من اللِّسان الإنجليزي العامي العادي إلى لهجة مُرتجلة، ولغة استعارية، أغنى من اللُّغة العامية في دلالاتها اللُّغوية، سواءً من حيث صوَّرُ الجُمل، أو من حيث المعاني الَّتي تمنحُها لألفاظ أو عبارات معينة، أو لكليهما. فعلى المستمع أنْ يُتقنَ هذه اللَّهجة فورًا وبشكلٍ عفوي، معتبرًا استعمالَ المُتحدث الصَّحيح للغة دليله الرَّئيس على اختلافِها عن اللُّغة العامية المألوفة. إنَّنا نشهد هنا إبداعا لغويًا مقصودًا، وتحديًا من جانب المُتحدِّث، يليه سعيٌ دؤوب من جانب المُستمع لمواكبة هذا الإبداع، أي “نوعٌ مميَّز من النَّشاط التَّعاوني يقع بين اللُّعبة والطقوس”، وهو ما يتطلبُ، ويستثير، تواصلًا مَعرفيًا خاصًا بين الطَّرفين، يقول سكولسكي في هذا الباب: «إنَّ المَجَازَ لا يردُ إلاَّ لمَّا يكونُ كلام الْمُتحدِّث “مرتبكا” بلا داعٍ، طالما نحاولُ تأويله وفقًا لقواعد اللُّغة العامية الرَّاسخة، الَّتي تحدِّد إمكانات فعل الكلام، وصوّر الجُمل، ومعان الألفاظ أو العبارات، هذا من جهة. ومن جهة أخرى لمَّا يكونُ المُتحدِّثُ والمستمع، كلاهما، يدركان مجموعة مشتركة من المَناهج لتزويد صوّر الجمل بإمكانياتٍ مؤقتة لفعل الكلام غير العامي، الّتي تسمى صيغا، وتزويد الألفاظ والعبارات بمعانٍ مؤقتة غير عامية، الَّتي تسمّى مجازات. وتُتيح هذه الصّيغ والاستعارات سُبلاً لاستعمال اللُّغة بطريقة غير متواضع عليها [أي لغة استعارية غير تلك المتفق حولها].».[54]

إنَّ العديدَ من الصّيغ والمجازات تنصُ على أنَّ الإبداعَ الَّذي تسمحُ به في مرحلة معينة يتوقفُ على ما هو مفهوم على نحو متبادل من أجل التّواصل المُتداول، وما يُفترضُ ضمنيًا أنّه صحيح أو على الأقل مُطمئِن، عند حدوث الإبداع. فأيُّ افتراض من هذا القبيل يُسمِّيه سكولسكي “الكلام المسلَّم به”. فقد يكونُ كلاماً مسلَّم به، لأنَّه شائع الاستعمال، ويُعتقد أنَّه بديهي، أي واضح بالبديهة، أو لأنَّنا نفترض صحته مؤقتًا في النّقاش، أو ببساطة، لأنَّنا ندعي تصديقِه أبدا في سياقات تحاورية محدَّدة. والنّقاط الأساسية الخاصة بهذا الباب ثلاث وهي كالآتي: النّقطة الأولى، تتجلى في أنَّه لا يلزمُ تصديقُ الكلام المسلَّم به، سواء من قبل النَّاس عامة، أو من قبل المُتحاورين خاصة. النّقطة الثّانية، تتجلى في أنّه ليس الكلامُ المسلَّم به، وليستِ المعتقدات الفعلية أو المفترضة للمتحاورين، هي الَّتي تحدِّد ما يمكنُ، وما لا يمكن تأكيده، أو طلبه، أو السُّؤال عنه بشكل مفهوم في سياق تحاوُر محدَّد. والنّقطة الثّالثة، تتجلى في أنَّه بما أنَّ الكلامَ المسلَّم به مِلكٌ مشترك، ويجبُ أنْ يكونَ كذلك، فإنَّه، كلَّما اتسع نطاقُ المجتمع الَّذي يستعملُ فيه، كلَّما أصبحَ من الصَّعب تغييرُه بالتَّحاور الفردي.[55]

ولنضرب في ذلك مثلا. يُستعملُ التَّعبيرُ الشَّائعُ نحو قولنا: “ضحكتَ” في اللُّغة العامية للتأكيد على أنَّكَ ضحكتَ الآن، وبالتالي فقد أُخبرت بأنّك ضحكتَ. لكن تأكيد ذلك لك أو إخباركَ به أمرٌ مستحيل، ويختلف، في الوقت الّذي انفجرتَ ضحكًا في جنازة؛ ففي هذه الحال، فمن غير المعقول أنْ يكونَ ضحككَ خبرًا جديدًا بالنّسبة إليك. فهناك أسلوبٌ ما يحملُ على ضحكك هذا، لنسمّه أسلوب التَّوبيخ، ويُتيح لي استعمال هذا التَّعبير بطريقة غير اعتيادية لألومَك على ضحكك، أو أوبخك عليه، لمَّا يكون إخباركُ به أمرًا مستحيلًا.

أمَّا المجازُ، فعلى النَّقيض من ذلك، فهو أسلوبٌ لاستنباطِ معانِ جديدة للألفاظ أو العبارات لمَّا لا تفي المعاني العامِية بالغَرض. ويمكنُ فهمُ المبالغة، والكناية على أنَّهما مجاز بهذا المعنى، وأنَّهما استعارة كذلك. قال سكولسكي في هذا الباب: «تأملْ ما قاله القَتلةُ لمَّا سألهُم ماكبث إنْ كانوا يُكنّون مشاعر طيبة تجاه ظالِمِهم، لقد قالوا: “نحنُ رجالٌ يا سيدي”[56]… إنَّ الجُملةَ كما نُطقت صحيحة، لكن بلا معنى؛ ففي هذه الحال، على عكس حالة الضحك في جنازة، ما يحتاج إلى إعادة تأويله هنا، ليس المعنى العامي للجملة؛ فالتّأكيد خطوةٌ جيدة بعد السُّؤال. هنا، المُذنب هو لفظ “رجال”، والَّتي لا يمكنُ أخذُها على ظاهرها. ففي السِّياق، يجبُ أنْ يفسحَ المعنى العامي المجال لمعنى آخر مرتبطٍ به بطريقة مألوفة، ربما يتعلقُ الأمر بنوع من التَّلميح غير المباشر. ولمَّا يتعلقُ الأمر بمشاعرنا تجاه الظَّالمين، فإنَّ الحقيقة البديهية أو الافتراض الشَّعبي المتداول حول كونهم رجالًا هو أنَّهم من النَّوع الَّذي يُحصي ويَعُدُ الإساءات ويتحينُ فُرص الانتقام. إنَّ لفظ “الرجال” هنا تعني أشخاص من هذا النوع.».[57]

وللتعبير عن هذا بنوع من الرّمزية يمكن القول: يُشير كونُ الشَّيء “أ” ضمنيًا إلى كونه “ب“، في سياق تحاوري مُحدَّد، وذلك تحسبًا لأن يُستنتج بسهولة من الكلام المُسلّم به والجاري هناك أنَّ كلّ ما هو “ف” هو أيضًا “ج”. ففي حالة ماكبث، فإنَّ كلّ ما يُمثلُ الإنسان هو أنَّه يُحصي الإساءات، ويكون مُستعدًا للانتقام ممن يُؤذيه، كلّما سنحتُ له الفرصة بذلك. إذن، قد تكونُ صورة الاستعارة على النّحو الآتي: إذا كان كونُ الشَّيء (ف) هو ما يتطلبُه حملُ اللَّفظ (ت) بمعنى عامي بارز في التَّحاور، وإذا كان كون الشَّيء (ج) نتيجةً لكون الشَّيء (ف) بالنَّظر إلى الكلام المسلَّم به السَّائد في سياق التَّحاور الحالي، فإنَّ كون الشَّيء (ج) هو ما يتطلبُه حملُ اللفظ (ت) بالمعنى الاستعاري على نحو مؤقت وغير عامي. ويعتمد اكتساب (ت) لهذا المعنى على أفضل طريقةٍ لتوضيحه مجازيًا في سياق التَّحاور الحالي.

2.4. تصوُّر التَّغيُّر التَّداوليِّ

يرى تصوُّر التَّغيُّر التَّداولي أنَّ استعمالَنا للألفاظ والعبارات بمعانيها الحَرفية المُعتمدة، عند اللُّجوء إلى الاستعارة، يعني قولَ شيءٍ ما، أو التَّعبير عنه بألفاظ مُحدَّدة، لكن يُفهمُ من كلامنا أنَّنا نعني شيئًا مُختلفًا تمامًا عمَّا نقوله، أو نؤكِّده، أو نعترفُ به، أو نشير إليه بطريقة أخرى. فجُملتُنا، كما نستعملُها، تعني شيئًا، ويُفهمُ من استعمالِها، أو تُفسَّر على نحو صحيح، على أنَّنا نعني شيئًا مختلفًا تمامًا. إنَّ الاستعارة، حسب هذا التَّصور، نوعٌ من الإيحاء المقصود والصَّريح، الَّذي يلتزم به المتحدثون أنفسهم، ويشهدون ضمنيًا على صدق ما يُوحي به الكلام. أمَّا إعادة الصِّياغة، فهي محاولة للوصول إلى ما يُلمَّح إليه من باب الاستعارة، وذلك بالتَّعبير عنه على نحو تام، أو التَّعبير عن جزءٍ منه، أو التَّعبير عنه على وجه التَّقريب، مباشرة بالألفاظ، وبالتَّالي قول ما تمَ التأكيد عليه ضمنيًا في العبارة الاستعارية الأصلية، على نحو تام، أو غير تام، وبوجه دقيق، أو غير دقيق.

إنَّ فكرة أنَّ الاستعارة تتعلقُ بما يقصدُه المتحدثون لا بما تعنيِه ألفاظُهم فكرةٌ قديمةٌ وشائعةٌ. وغالبًا ما تقترنُ هذه الفكرة بفكرة أخرى مفادُها أنَّ الاستعارة تنكشفُ من خلال الإخفاء، أيْ أنَّها تكشفُ الأشياء في النَّهاية انطلاقاً من إخفائِها في البداية. فالشَّاعر يقول “ب”، لكنَّه يقصد “أ”. إنَّه يُخفي “أ” في “ب”. إنَّ “ب” هو المعنى اليومي المُعتاد، الَّذي “ينبغي” أنْ تحملَه الألفاظُ على وجه الظَّاهر، و “أ” هو ما يريدُ الشَّاعرُ حقًا أن يقولَه لنا، والَّذي لا يستطيعُ قوله إلاَّ من خلال هذه المعاني اليومية المُعتادة، أو بالتوازي معها أو بتعديلها. لذلك، فإنَّ “أ” هو معناه الجديد، الأصيل، أو الشِّعري.[58]

لقد كانت أولُ محاولة مُتضافرة لبناء تصوُّرٍ فلسفي للاستعارة حول هذه الأفكار المألوفة هي تصوُّر پاول هيربرت ​​غرايس للتضمين الحواري[59] في المحاضرة الثَّانية من محاضرات ويليام جيمس الَّتي طُبعت سنة 1967، والَّتي ظهرت من بعد مع العديد من الملاحق، والأفكار اللاحقة باسم غرايس في كتابه “المنطق والحوار” الصَّادر سنة 1989.[60] فهذا التَّصور يقدِّم تحديثًا طفيفًا لمنهج غرايس نفسه في بعض النِّقاط. وللاطلاع على مناقشات أوسع لأعمالِ غرايس ككل، يُرجى مُراجعة مقالاته حول التّضمين، وحول التّداول. وقد قدّم كلٌّ من جون سورل في الفصل الَّذي عنوانه “الاستعارة” من كتابه “التَّعبير والمعنى” الصَّادر سنة1979،[61] ومارتينيتش في مقالته “نظرية للاستعارة” الصَّادرة سنة 1984 شروحًا مُفصّلة لنظرية غرايس حول الاستعارة.[62]

يعد التَّحاور تبادلاً تعاونياً حراً للمعلومات، يهدفُ إلى تحقيقِ هدفٍ واحدٍ أو أكثر متفَق عليه بين الطَّرفين. إذ لا يفترضُ المتحاوران أنَّهما يتشاركان معلومات معينة لها علاقة بالموضوع فحسب، وإنَّما يُفترضان أنَّ كلّ واحدٍ منهما يحتاجُ إلى معلومات إضافية، قد يكونُ الآخر قادراً على تقديمها. ففي التَّحاور، يُمكنُنا، بلْ ونفعل ذلك بانتظام، تحميل المشاركين الآخرين فيه مسؤولية صحة ما يقولونَه وما يصرِّحون به، سواءٌ كانَ قليلا أو كثيرا، وسواء كانَ قليلا في نواح، وكثيرا في نواحٍ أخرى. فبمجرد بدء التَّحاور، يحقُ لكلٍّ مِنَّا تفسير كلامِ الآخرين على أساس افتراضِ تعاونهم، وعقلانيتهم، ​​وفهمهم لسياق التَّحاور، حتَّى لو كانَ هناك سبب وجيهٌ للشَّك في هذا الافتراض أو عدم تصديقِه، كأنْ يُظهروا علامات مُقلقة تدلُ على التَّهور أو الخِداع. وهذا حملٌ لمبدأ أعمّ بكثير على الكلام مقتضاه أنَّه: في أيِّ نوع من التَّعاون الطَّوعي والمُرتجل، فإنَّ المسؤوليات الَّتي يتحمَّلها أيُّ طرف من المتحاورين هي تلك الَّتي يُبدي استعدادَه لتحمُلها طواعيةً، لا أكثر ولا أقل.

وعلى الرّغم من ذلك، فقد تُحمَلُ ألفاظي على دلالاتٍ لا أقصدُها، فإذا كانَ ما تحملُه ألفاظي مقبولاً على وجه القطع لدرجة أنَّه لا يحتاجُ إلى تصديق مني؛ أو مرفوضاً على وجه القطع، أو غير قابل للمعرفة بالنِّسبة إلي، لدرجة أنَّني لا أستطيعُ الاستفادة من أيّ تصديق قد أسعى إليه، فإنَّه لا يشكلُ جزءاً ممَّا ألتزمُ به للتَّحدث. ومن جهة أخرى، فقد أحمّلُ ألفاظي دلالات، وهي لا تحملُها، أي أستطيع، بل وأشهد، على صحة أمرٍ لا تحمُله ألفاظي ضمنياً، ولمَّا يستطيعُ الذين يستمعوا إليَّ أنْ يربطوا بين تلفظي لتلك الألفاظ، وبين افتراض أنّني متعاون وعقلاني وواضح بشأن مُجريات التَّحاور، وذلك فقط بافتراض أنَّني في وضعٍ يسمحُ لي بالشّهادة على صحة ذلك الأمر (بمعنى أنَّني أؤمن به، ولدي أسبابٌ وجيهة للاعتقاد فيه) ومستعدُ للقيام بذلك فعلاً. هكذا، على وجه التَّقريب، عرّف غرايس ذلك النَّوع الخاص من معنى المُتحدِّث الَّذي أطلق عليه اسم التَّضمين التَّحاوري.

فإذا كان ما سبق يُعرّفنا بالتَّضمين التَّحاوري، لكنَّه لا يُبيّن لنا كيف يحدُث هذا التَّضمين. لذلك، نحتاجُ إلى أربع أفكار أخرى لبيانه، وهي: الفكرة الأولى، مفادُها أنَّ الجُملُ الخَبرية تُعدُ أدواتٍ جاهزةً للفت الانتباه إلى القضايا الّتي تُعبّر عنها، فالقَضية الَّتي تتبادر إلى الذِّهن فورًا وبشكلٍ موثوقٍ ومقصود هي تلك الَّتي تُعبّر عنها من النَّاحية الدَّلالية. الفكرة الثانية، مفادُها أنَّه بمجرد بدء التَّحاور، يُمكنني أنْ أؤكد صدق أي قضيةٍ مهما كانت، وذلك بلفت الانتباه إليها ببيانٍ كافٍ من القَصد، هذا إذا كنتُ في وضعٍ يسمحُ لي بتأكيد صِدقها، أو إذا لمْ يكن هناك دافعٌ معقولٌ آخر يُتوقع أنْ يتبادر إلى الذِّهن للفت الانتباه إليها. الفكرة الثالثة، تقول بأنَّه لنفترض أنَّني لفتتُ الانتباه إلى شيءٍ ما ببيانٍ كافٍ من القَصد. فإذا بدا هذا الشَّيءُ للذين يستمعوا له على أنَّه موضوعٌ مناسبٌ تمامًا للانتباه في حد ذاته، فسوف يتركز انتباهُهم عليه، ولن يتجاوزوه؛ وسيعتبرون لفتَ انتباههم إليه غايةً في حد ذاته. لكن إذا لم يجدوا في الأمر ما يسترعي انتباههم، فسيعتبرون لفت انتباههم إليه وسيلةً لتحقيق غايةٍ أخرى، ومحاولةً لتوجيه انتباههم نحو شيءٍ آخر، أكثر أهمية منه. الفكرة الرَّابعة، مفادُها أنّ ما يسعى المُتحاور المُتعاون، والعقلاني، والواثق بذاته إلى تأكيد صدقه في حديثه، يطالُ ما تريد إيصاله، أي يطالُ الجزء المُتوقع منه تلبية احتياجات المستمع من المعلومات المفترضة، بالإضافة إلى مبررٍ أساسي لحديثه، ممَّا يُسهم في التَّوفيق بين ألفاظه، وبين افتراضِ أنَّه متعاون، وعقلاني، وواع. فبدون سُمعةٍ طيبةٍ في التَّعاون، وبدون العقلانية، وبدون الوُضوح، فإنَّ المتحدِّث لنْ يتمكنَ من التَّعاون بفعالية مع من يستمعوا له. وبهذا قد تؤدي بعض جوانب ما يسعى إلى تأكيده وظيفتين بالطبع: فيلبي احتياجات المستمع من المعلومات من جهة، ويُساعدُ في الحفاظ على سُمعته ومصداقيته أو تعزيزها من جهة ثانية.

لذلك، فإذا كانَ المتحدثُ متعاوناً، وعقلانياً، وواضح الرُّؤية، فإنَّه يبذلُ قصارى جُهده لإضفاء سمات معينة على حديثه ، سواءً كان المضمونُ الَّذي يدافعُ عنه، أو الجزء الَّذي يريد إيصاله منه، أو الأسلوب اللَّفظي الَّذي يستعملُه لتحقيق هذه الأهداف، بحيث تكونُ هذه السِّمات مرغوبة بوضوح من وجهة نظر المُستمع. كما أنَّه يبذل قصارى جُهده للالتزام ببعض قواعد التَّحاور المألوفة، الَّتي يمكنُ عرضها  في أربعة مبادئ كالآتي: المبدأ الأول، هو مبدأ الكيف، ويقتضي أنْ تكونَ صادقاً، ولا تدافعُ إلاَّ عمَّا تعتقدُ أنّه صادق، وتٌدعمه بأدلة كافية. المبدأ الثاني هو مبدأ الكم، ومقتضاه أنْ تجعلَ ما تريدُ إيصالَه خبريًا، وموجزا، غير مُفرِط ولا مُقْتِّر في المعلومات، وأنْ تجعلَه مناسبًا لمقامه، وفي صورته لكي يستوعبَه المستمع بسلاسة. المبدأ الثالث هو مبدأ التَّعلق أو الصلة بالموضوع، ويقتضي أنْ تجعلَ ما تريدُ إيصالَه متعلقاً بحاجيات المستمع من المعلومات المُفترضة. المبدأ الرَّابع هو مبدأ الأسلوب، ومقتضاه أنْ تضبطَ العلاقة الدَّلالية بين ما تريدُ إيصاله، والألفاظ الَّتي تستعملها لإيصاله، بحيث يكونُ كلامُك واضحاً لا لَبْسَ فيه، ويكونُ مؤثراً، ومنطقياً.[63]  تتعلق هذه المبادئ بخصائص نسبية، لذلك فإنَّ أفضل طريقة لقراءتها بقيت محلَ جدل. وفقًا للتفسير المُعتمد هنا، سألتزم بالعلاقة الّتي تقول: يكونُ التحاور إذا وفقط إذا كان ما أريدُ إيصالَه، أي الشَّيء (أ)  له علاقة  كافية بالشَّيء (ب)، ويكون الشَّيء (ب) له علاقة قدر الإمكان بالشَّيء (أ)، دون التّضحية بأيِّ شيء له صلة بالموضوع. وينطبقُ الأمرُ نفسُه على المبادئ الأخرى. ووفقًا لهذا التَّأويل، فمبادئ غرايس لا تدعونا إلى تهويل أيِّ شيء والمبالغة في عرضه.

يدركُ المستمعون أنَّ المُتحاوريْن اللَّذان يتحليا بالتَّعاون، والعقلانية، والوضوح يبذلان قصارى جُهدهما للالتزام بالمبادئ المذكورة. لذلك، يمكنُ أنْ يخلقا فرقًا بين ما يُعبران عنه، وما يُفترض أنَّهما يؤكدانه من خلال كلامِهما، وذلك لوضع سُمعتهما في التّعاون والعقلانية والوضوح في نوع من الخَطر المُتحكم فيه على المدى القصير، والَّذي يمكنُ لمستمعيهما إنقاذهما منهُ بيسر. لنفترض أنَّ المتحدِّثَ يعبِّرُ عن قضية بألفاظ محدَّدة. ولنفترض أنَّ الظُّروف تستدعي أنَّه، إذا فهمنا المُتحدّث المذكور على أنَّه يؤكد صدق تلك القضية وحدَها، بدون إفراط ولا تفريط، عند نطقِه بها، فإنَّنا بذلك نصوِّرها على أنَّها تنتهك قاعدة من القواعد المذكورة على نحو يمكن تجنبُه، أو على الأقل، نثير الشُّكوك حول انتهاكه لها على نحو يمكن تجنُبه، ممَّا يعني أنَّه إمَّا أنَّ مساهمَته لا تستجيبُ لحاجيات مستمعيه من المعلومات، أو أنَّه يتجاهلُ بدون مبرر الحِفاظ على سمعته كمتحدِّث متعاون، وعقلاني، وواضح. وفي كلتا الحالتين، فإنَّنا لنْ تتصرفَ كما ينبغي للمتحدّث المتعاون، والعقلاني، والواضح. ولتبرئة المتحدِّث من هذه التُّهمة، ولربط تفسيرنا بألفاظه ومع الافتراض السَّائد بأنَّها تتصرف كما ينبغي للمتحدث المتعاون، والعقلاني، والواضح، فإنَّنا نحتاج إلى إيجاد شيءٍ آخر قد يكونُ بصدد تأكيده. وفي هذه الحال توجد أربعة سيناريوهات أساسية مُحتملة، يُمكنُ عرضها كالآتي:

  • السِّناريو الأول: أحيانًا، يكونُ الهدفُ إيصالِ قضيةٍ محدَّدة وحدها هو ما يسعى إليه المُتحدِّث، على الرّغم من أنَّ إيصالَها باستعمال الألفاظ فقط، يُؤدي بشكلٍ واضح إلى انتهاك قاعدةً معينة. وفي هذه الحال، قد يريدُ المتحدِّث أن يُلفتَ الانتباه عمدًا إلى تفسيرٍ معقولٍ، وبالتالي يُحاولُ إثباتَ صِدقه، لسبب وجودِه في موقفٍ لا مفر فيه من هذا الانتهاك للقاعدة، أي مواجَهتِه لتضارب بين القواعد، نحو قول السَّائل: أينَ يقطنُ زيد؟  فيردُ عليه المُجيبُ: إنَّه يقطنُ في مكانٍ ما في جنوب فرنسا. فالمُجيبُ يشيرُ ضمنيًا هنا إلى أنَّ إجابَته غيرُ مُفيدة، وغيرُ وصادقة في آن واحد؛ وعليه، فردُّه يدل على أنَّه لا يعرفُ في أيِّ مدينة يعيشُ زيد.[64]
  • السِّيناريو الثاني: أحيانًا، قد يُخرِقُ إيصالُ قضية محدّدة باستعمال الألفاظ على نحو واضحٍ أحد المبادئ إذا كانَ بإمكان المتحدّث أن يُؤكد صدق أيٍّ من القضايا الأخرى الأكثر وضوحًا من خلال التَّعبير عن إحداها عبر تتالي الألفاظ المُتاحة. وفي هذه الحال، قد يريدُ المُتحدّث أن يُلفتَ الانتباه عمدًا، وبالتالي، يحاولُ إثبات صدق تفسيرٍ معقولٍ لسبب عدم قدرتِه على فعل ذلك، أي لم يُؤد احترامه للمبادئ في الواقع إلى استبعاد كلٍّ من هذه المساهمات، الَّتي تبدو أكثر جاذبية، نحو قولنا: أنجحَ بعضُ الطُّلاب. فالسَّائلُ يشير ضمنيًا هنا إلى أنَّه ليسَ في وضع يسمحُ له بتقديم العبارة الأكثر إفادة وإيجاز بنفس القدر لمَّا يقول: “نجح كلُّ الطلاب“، وبالتالي فهو يعني ضمنيًا، على حد علمه، أنَّ بعض الطُّلاب رسَبوا.
  • السِّيناريو الثالث: أحيانًا، قد ينتهكُ التَّعبير عن قضية ما بواسطة الألفاظ على نحو واضح بعض القواعد إذا كان ما يسعى إلى إيصاله، ولكنَّ الاستنتاج الطَّبيعي هو أنَّ ما يسعى إلى إيصاله هو القضية وأكثر، فالتَّعبيرُ عن القضية بواسطة الألفاظ يُذكّرنا بسهولة بقصةٍ فريدة أشمل للسؤال عن العالم الَّذي تُشكّل القضية جزءًا أساسيًا منه، بحيث قد يكونُ المتحدّث قادرًا على تأكيد صدق السُّؤال، وأنَّ القيام بذلك بواسطة الألفاظ، إنْ أمكن، قد يتوافقُ مع كلّ القواعد. وفي هذه الحال، قد يريدُ المتحدّثُ أنْ يُلفت الانتباه عمدًا إلى السُّؤال برُمته، وبالتالي يُحاولُ تأكيد صدقِه، نحو قول السَّائل: لقد نفدَ مني البنزين. فيردُ المجيبُ: يُوجدُ مرآب قريب. فالمجيبُ يشير هنا ضمنيا إلى أنَّ المرأب المقصود قد يكونُ مفتوحًا، وقد يكونُ لديه بنزين للبيع، وبالتالي قد يكونُ وسيلة فعالة لتلبية حاجة السَّائل المعلنة، لأنَّه فقط في ظلِّ هذه الخلفية يمكنُ توقع أنْ تكون حقيقة أنَّ المرأب يقع في الزَّاوية متعلقة بحاجة السَّائل.
  • السِّيناريو الرَّابع: أخيرًا وليس آخرًا، قد يُخالفُ التَّعبير عن القضية بواسطة الألفاظ أحيانًا قاعدةً معينةً بشكلٍ واضح إذا كانتِ القضيةُ تشكّل جزءًا أساسيًا ممَّا يسعى المتحدّث إلى إيصاله، والاستنتاج الطَّبيعي هو أنَّ ما يسعى المتحدّثُ إلى إيصاله شيءٌ مختلفٌ تمامًا، أي التَّعبير عن القضية بواسطة الألفاظ يُذكّر بسهولةٍ بخطاب بديلٍ وفريد للسؤال حول العالم الَّذي لا تُشكّل القضية جزءًا منه على الإطلاق، بحيث قد يكونُ المتحدِّث قادرا على تأكيد صدق السُّؤال، وبحيث أنَّ القيام بذلك بواسطة الألفاظ، إنْ أمكن، قد يتوافق بشكلٍ معقولٍ مع كلّ القواعد. هذه هي القوة المتبقية لفكرة أنَّ التعبيرات اللَّفظية عن القضية هي أدواتٌ لتأكيد القضية، بحيث سيُنظر إلى المتحدِّث على أنه يُؤكد صدق القضية أيضًا ما لم يكنِ القيام بذلك مستحيلاً بشكلٍ واضحٍ في الظُّروف الرَّاهنة، كما هو الحال غالبًا. فما لا يُؤكدُه المتحدث هو قيمة القضية أو أهميتها في ضوء احتياجات المُستمع المعلوماتية المفترضة. ولمَّا يتبادر إلى ذهن المتحدِّث سؤالٌ كهذا، فقد يكونُ قصدُه لفت الانتباه إليه، وبالتالي محاولة تأكيد صدقه. وفي هذه الحال، يتمكنُ المتحدّث من تطبيق قاعدة تحاورية، (بمعنى شيء آخر غير ما يقصده فعلاً) تحديداً من خلال التَّحدّث على نحو يخالفُ القاعدة بشكل صارخ، لو كان يقصدُ ما يقوله.

يتحدَّث غرايس في مثل هذه الحالات عن استغلال القاعدة المعنية. ولكي تستغلَ القاعدة يعني تطبيقها “على مستوى” ما يقصدُه المرءُ من خلال انتهاكها بشكل واضح ويمكن تجنُبه، أي مخالفتها، “على مستوى” ما يعبّر عنه. وهناك طريقتان رئيسيتان لتنفيذ هذا السِّيناريو:

ففي الطريقة الأولى، يمكنُ التَّعبيرُ عن سؤال على نحو مفهوم ومُوجَز، لكنَّ المتحدث يتردَّد، لأسبابٍ مفهومة، في تأكيده على وجه صريح. ومثالُ رسالة التوصية الشَّهير هو من هذا النوع: لما يقول زيد: سيدي العزيز، إنَّ إتقان عمرو للغة الإنجليزية مُمتاز، وحضوره للدروس منتظم. «فلا يمكن أنْ يكون زيد عاجزًا، عن قصد، عن قول المزيد، لأنَّ عمرو الَّذي يتحدَّث عنه تلميذُه؛ هذا بالإضافة إلى أنَّه يعرفُ أمورا أكثر ممَّا هو مطلوب، ويعرف معلومات من نوع مختلف، أي أنَّ زيدا سيكون مخالفًا لمبدأ الكم إذا كان ما قاله جزءًا ممَّا قصده. لذلك، لا بد أنَّه يرغبُ في نقل معلومات يتردَّد في تدوينها. هذا الافتراض لا يصحُ إلاَّ إذا كان يعتقدُ أنَّ عمرو ليس بارعًا في الفلسفة. وهوما يلمح إليه إذن.»[65]

أمَّا في الطريقة الثانية، فإنّ السُّؤال الَّذي يكونُ واسع النِّطاق، أو يصعبُ التَّعبير عنه بإيجاز لأسباب أخرى، بحيث تفوقُ فوائد التَّعبير الموجز والبسيط، سواءً عند المتحدّث أو المستمع، والتّكاليف الاستنتاجية الّتي يتحمّلها المستمع في استخراج خطاب مسهبٍ من عبارة قصيرة. وهذا ما يحدُث غالبًا في التّلميحات، على سبيل المثال. فلمَّا يتعذَّر التّعبير الصَّريح والواضح، أو لمَّا يتطلَّب جهدًا كبيرًا من كلا الطّرفين، يكفي الإيحاء، ولنْ يخالفَ ذلك أيًا من قواعد التَّحاور العامة.

يقترحُ غرايس أنَّ الاستعارة تُجسّد هذه الطَّريقة الثَّانية لتصوير سيناريو التَّجاهل. لنفترض أنَّني قلت لكِ: “أنتِ القِشدةُ في قهوتي”، فلا يوجدُ إنسان من بابِ الحقيقة، ولا يوجد أي إنسان من باب الحقيقة يكون مجرد قطرة من منتج ألبان لزج يمكنني إضافته إلى مشروب ساخنٍ مُعد للفطور. فهذا أمرٌ بديهي، ولن تُزعزعه ألفاظي. لذلك، فإذا اعتبرتِني مُخالفًا لهذا، سواءً بمفردي أو مع أمور أخرى، فسيكون ذلك بمثابة انتهاكٍ صارخ وغير مفهوم لمبدأ الكم (أو مبدأ العلاقة)؛ وستصوّرنَني على أنَّني كاذب تمامًا، وغير واضح، وغير مفيد، ولا علاقة لألفاظي بكِ. لكنْ في مثل هذه الظُّروف، فإنّ قولي “أنتِ القشدة في قهوتي” تُذكّرني بقولٍ آخر، وهو “أن تُنسب إليكِ سمةً أو سماتٍ تُشبهين بها، على نحو توهمي، المادة المذكورة”. ربما يرادُ القولُ إنكِ مُرفِّهةٌ مُريحةٌ لي، لدرجة أنكِ أصبحتِ ضرورةً لي في معظم الأحيان، وهو قول، للأسف، تعبيرُه الصَّريح مُبهمٌ، ومُسهبٌ، وغير مُناسبٍ. والحقيقة أنَّ هذا القولَ هو في أصل مطلع أغنية اقتبسه غرايس من كلمات أغنية دي سيلفا، براون، وهندرسون التي غنيت سنة 1924، يقول فيها: “أنتِ القشدة في قهوتي، / أنتِ المِلحُ في حسائي، / ستظلين على هذه الحال / دوما لا بُدكِ لي، / وسأكون تائهًا بدونكِ…”). إنَّ السَّبب الوحيد والواضح الَّذي قد يدفعُني إلى لفت انتباهكِ إلى هذا القول في هذه الظُّروف هو إيصالها إليكِ، وبالتالي، تأكيدُ صدقها لكِ. لذا، فأنا أؤكد صدقَها.

من خلال حديث پاول غرايس عن “التَّشابه التَّوهمي”، أعاد إحياء الفكرة القديمة القائلة بأنَّ الاستعارة صورة خاصة قائمة، على نحو ما، على التَّشابه أو التَّمثيل. وقد أبدى بعض أنصار منهج التَّضمين في الاستعارة لاحقًا شكوكًا حول هذه السِّمة من التَّفسير. فعلى سبيل المثال، وجد جون سورل صعوبةً في رؤية أيِّ تشابهٍ حقيقي بين الأشياء الباردة من بابِ الحقيقة، والأشخاص الباردين من باب الاستعارة. وبعد أنْ بدأ بسرد قائمةٍ طويلة من العلاقتين المحتملتين بين ما يقولُه المتحدّث من باب الاستعارة عن شيء ما، وما ينبغي أنْ يُفهَم منه، يئسَ من إكمالِها، حتَّى بلغ به الحدّ أنْ قال في كتاب “التّعبير والمعنى”: «إنَّ السُّؤال الَّذي يقولُ: “كيفَ تعملُ الاستعارات؟” يُشبهُ، إلى حد ما، السُّؤال الَّذي يقول: “كيفَ يذكرنا شيءٌ بشيء آخر؟”، ولا توجدُ ولا إجابةٌ واحدةٌ عن أيٍّ منهما قط …».[66]

يُسجّل هذا حقيقة عامة وهامة حول التَّفسيرات التّداولية في أسلوب غرايس. إذ لا يمكنُ استنباط الدّلالات المتضمنة في التَّحاور إلاّ إذا تبادرَ إلى الذِّهن أمرٌ مُحدَّدٌ على نحو موثوقٍ عند ظهور ما يُشير إلى انتهاكٍ لمبدأٍ ما يستدعي التَّفسير أو التّبرير. وفي كثير من الأحيان، يتبادرُ إلى الذهن أمرٌ مُحدَّدٌ بالفعل، لكن مبادئ غرايس التَّحاورية في حد ذاتها لا تُفسّرُ ما يتبادرُ إلى الذِّهن، أو لا تفسّر سبب تبادره.

يمكنُ في كثير من الأحيان إعادة صياغة الاستعارة نفسها بطرقٍ مُختلفة جوهريًا. ومع ذلك، يبدو أنّ تصوُّر غرايس يعتمدُ على وجود خطاب بديل وفريد يتبادر إلى الذِّهن عند التأمل في ألفاظ المتحدّث. وقد لاحظ بعض المُعلقين أنَّ التّأويل الاستعاري ينطوي على نوع من عدم اليقين الَّذي لا تستطيعُ نظرية التضمين عند غرايس استيعابه بسهولة. انظر في هذا الباب كتاب واين ديڤيس “التَّضمين: القصد، والاتفاق، والمبدأ في فشل نظرية غرايس” الصَّادر سنة 1998،[67] وانظر الرَّد عنه في مقالة جنيفر سول “مراجعة لكتاب ديڤيس، التضمين: القصد، والاتفاق، وفشل نظرية غرايس” الصَّادرة سنة2001، وذلك من أجل الاطلاع على حجج كلا الطّرفين.[68] وهناك أيضاً ظاهرة الاستعارة المزدوجة والصّلة بالموضوع، الّتي وردت في مقالتي “الأهمية والحقيقة في الاستعارة اللفظية”، الصَّادرة سنة 1997،[69] وفي مقالتي “مشكلات إعادة الصّياغة: حلم بوتوم ” الصَّادرة سنة 200 .[70]

لننظر إلى قول روميو الأخير: «إلى حبيبتي ! [وهو يُشرب] يا أيَّها الصَّيدلانيُّ المُخلص!/ إنَّ أدويتَك سريعةُ المفعول./ هكذا أموت بقُبلة.».[71] منْ هو الصَّيدلانيُّ المُخلص هنا؟ أهو الصّيدلانيُّ الفقيرُ الَّذي باع السُّم لروميو، أم هو الموتُ نفسه؟ فلا شك أنَّ الأمر يتعلقُ بكليهما. إذ نجدُ أنفسَنا، بين الفينة والأخرى، مضْطَرين لتأويل العبارة نفسها من باب الحقيقة ومن باب الاستعارة معا. ففي مثل هذه الحالات، تكونُ العبارة مناسبة بالفعل، ومتوافقة بالفعل مع قواعد التَّحاور المذكورة، لأنَّها تُعتبر محاولة للتعبير عما يقولُه المرء، لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، يتبادرُ إلى الذِّهن تأويلٌ استعاري جديد للعبارة، دون وجود أي تهديدٍ بعدم أهمية التَّأويل الحقيقي الأصلي الَّذي بُنيت عليه، وينظرُ المستمعون إلى المتحدّث على أنَّه يشهدُ بصدق كلاَ التَّأويلين الحقيقي والاستعاري في آن واحد.

تُسْهم مخاوف الحتمية في تحفيز إعادة صياغةٍ مؤثرة وشاملة للنظرية التَّداولية عند غرايس، وهي نظرية الصِّلة بالموضوع عند كلّ من سبيربر وويلسون اللَّذان عرضَها في كتابِهما ” الصّلة بالموضوع: التَّواصل والمعرفة ” الصَّادر سنة 1995.[72] وفي صياغة مُبكرة ومبسّطة نوعًا ما في مقالة لهما تحت عنوان ” كلام فضفاض” الصَّادرة سنة 1985،[73] تعتبر نظرية الصلة بالموضوع الاستعارة صيغة مثيرة من صيغ الكلام غير الدَّقيق، وتعتبرُ الكلام على العموم غير دقيق إلى حد ما في معظم الأحيان. فعادةً ما يختلفُ المقصودُ عمَّا يُقال، لدرجة أنّ كلَّ ما يلتزمُ به المتحدّث عند التَّعبير عن قضية ما، هو تشابه تأويلي ملحوظ بين هذه القضية، وتلك القضية الّتي يسعى إلى إثبات صدقها. (تتشابه القضيتان تأويليا في سياق معين بقدر ما تتشابَه نتائجهما، مع الأخذ في الاعتبار ما يُفترض ضمنيًا في ذلك السّياق). وليس بمقدورِ المتحدّثين توقع ما سيفهمه المستمعون المتمكنون إلاّ إلى حد معين. فما يمكنهم توقعُه بثقة تامة يُفهم ضمنيًا من كلامِهم، أمَّا ما قد يُفهم أو لا يُفهم، اعتمادًا على معلومات عن المستمعين لا يمكنهما معرفتُه، فهو مفهوم ضمنيًا على نحو ضعيف. والنّتيجة هي أنّ المقصود بالكلام، وما يؤكده المتحدّث بقوله، ليس محدّدًا بدقة، وإنّما يتلاشى تدريجيًا، كما هو الحال في إعادة الصّياغة الجيدة.

لمَّا يقرِّر المستمع مبدئياً أنَّ قولا ما يستحق المعالجة، فإنَّه يدخلُ في عملية الاستدلال الاستنباطي بالصُّورة المّحدَّدة للغاية الآتية: أولا، ينطلقُ المستمعُ من القول وحده باعتباره مَجموعة مقدمات للقول، لكنَّه يضيفُ تدريجياً افتراضات مساعدة لتلك المقدمات، مبتدئاً بما هو أكثر بروزاً، في السّياق الحالي، وبالأكثر قبولاً  ليخدم التّحاور الحالي، ولكنَّه ينتقل في النّهاية إلى إضافة افتراضات أقل بروزاً وأقل قبولاً. ثانيا، يشرعُ المستمع في استنباط النتائج من مجموعة مقدماته الّتي تتوسع ببطء، مبتدئاً بالنتائج الأكثر مباشرة وسهولة في الاستنباط، ولكنّه ينتقل في النهاية إلى استنباط نتائج أخرى أكثر بعدًا وأكثر صعوبة في الاستنباط. ثالثا، بينما يفعل ذلك، يحتفظُ المستمع بأيّ نتائج مستنبطة يعتبرها جديدة بما فيه الكفاية، وذات مصداقية كافية، وجديرة باهتمامه بما فيه الكفاية، مع الأخذ بعين الاعتبار فهمِه لاحتياجاته ومصالِحه ومسؤولياته باعتباره مستقبِلا للمعلومات الّتي يفترض أنّه يتشاركها مع المتحدّث، ويجمع هذه النتائج في مجموعة من النتائج. رابعا، يستمرُ المستمع حتّى يحصد في النّهاية مجموع النتائج الّتي يعتبرُها تعويضًا كافيًا له عن الجهد الّذي بذله للحصول عليها، أو ييأس من الوصول إلى هذه المرحلة، ويبحثُ عن حافزٍ آخر لمعالجتها بدلاً من ذلك.

ففي الحال الأولى، لمّا يشعرُ المُستمع في النِّهاية بأنَّه قد حصلَ على تعويضٍ كافٍ عن معالجته لـلقول، فإنَّه يتوقفُ عن معالجة القول عند نقطة التَّعادل هذه، ويأخذُ القول لنقل مجموعة النتائج على نحو صحيح. وفي الحال الثانية، فإنه لا يتعاملُ مع القول على أنَّه ينقل أيّ شيء على الإطلاق. وعلى العموم، فإنَّ النّتائج ستكون أقوى من القول نفسِه في بعض الجوانب، وأضعف منه في جوانب أخرى. فهي أقوى في بعض الجوانب، لأنَّ الفرضيات المساعدة قد دخلت في صلب الموضوع. وهي أضعف في جوانب أخرى، لأنَّ أجزاءً مختلفة من مضمون القول نفسه، والّتي اعتُبرت بالية أو خاطئة على نحو جلي أو ببساطة لا تستحقُ الاهتمام، قد تم تجاهلُها. لنفترض أنَّ هذه هي الطَّريقة الوحيدة الّتي يعالجُ بها المستمعون القول دائما، فإنه بقدر ما يستطيعُ المتحدثون توقع مسار هذه المعالجة، أي ما سيُضاف إلى مجموع المقدمات، والنَّتائج التي ستُستنبط منها، وما الّذي سيُستبعد خلال العملية، وأينَ سيتم الوصول إلى نقطة التعادل، يستطيع المتحدّثون توقع ما سيستنبطه المستمعون من ألفاظهم. ومع ذلك، لا يمكنُهم توقع مسار أو مدى معالجة المستمعين بتفصيل كامل، ممّا يؤدي إلى تلاشي مسؤوليتهم عمَّا يستنبطُه المستمع من ألفاظهم، ومدى قُدرتهم على ضمان نتائج معالجة المستمع مسبقًا، مع استمرار هذه المعالجة. ويرى سپيربر وويلسون أنَّ نموذج المعالجة هذا يُفسّر الدّلالات الضمنية التَّمثيلية عند پاول غرايس، بما في ذلك الاستعارات، دون مطالبة المُستمع بإعادة بناء الأساس المنطقي الدّقيق للمتحدّث من أجل التحدث على النّحو الَّذي تحدّث به، وبدون مجموعة غنية ومثيرة للجدل من قواعد المحادثة.

لكن لِمَ نصدّق أنّ هذه هي الطّريقة الّتي يُعالج بها المستمعون الاستنتاجات دائمًا؟ أولًا، لأنها هي المبادئ العامة للإدراك البشري، الّتي نعترف جميعًا بصدقِها ضمنيًا، وأنّ انتباهنا يتجه دائمًا إلى أيّ مثير في بيئتنا، إنْ وُجد، يبدو جديرًا بالمعالجة في تلك اللحظة، أي أنّ أيَّ شيء يبدو أنّه “يهم على النّحو الأمثل”، إن وُجد. يُعتبرُ المثير مُهما إذا كانَ يستحق المُعالجة أصلًا، وتعتمد مدى أهميته أو جدارته بالمعالجة على أمرين: الأمر الأول، أنْ يتوفر على مقدار من المعلومات الجديدة والمهمة الَّتي يمكن استخلاصها من خلال معالجة المُثير. والأمر الثاني، أنْ يتوفر على مقدار الجُهد الضَّئيل الَّذي سيتطلبُه استنباط هذه المعلومات. وتتخذُ معالجة أيّ مثير صورة استنباط نتائج أبعد فأبعد من ارتباطه بافتراضات مساعدة أقل بروزًا، وأقل قبولًا مسبقًا. وهذا هو مبدأ الصّلة المعرفي.[74]

ثانيًا، لمّا يسعى المتحدّث إلى جذب انتباه المستمع، فإنَّه بذلك يؤكد له ضمنيًا أنّ المُثير الَّذي يقدّمه له، له علاقة بالمطلوب، ويكون الأنسب والأكثر أهمية له، أي المثير الأكثر أهمية والّذي يكون في متناول اليد. وبالنّظر إلى مبدأ الصّلة المعرفي، فإنَّه لن يستوعب المستمع قول المتحدّث إلا إذا اعتبره مثيرا أكثر أهمية وفي متناول اليد. ومن أجل حثه على استيعابه، يجب أنْ تجعله يعتبره كذلك. وهذا هو مبدأ الصّلة التّواصلي.[75]

انطلاقاً من هذه المبادئ، يستنتج سپيربر وويلسون نتيجتين رئيسيتين:

النتيجة الأولى تتجلى في أنّه لما أُقرّرُ مبدئيًا أنَّ مُثيرا ما مُهما على نحو مثالي، فإنّني أتعهد بمواصلة معالجته حتى يتحقَّق أحد أمرين إمَّا: أنْ أحصل على نتائج أجدها جديرة بالجُهد الَّذي بذلته حتى الآن، أو أن أُغيّر رأيي بشأن ما إذا كان المُثير ذا أهمية مثالية بالفعل. أمَّا ما إذا كان من المجدي بالنّسبة لي مواصلة معالجة هذا المُثير بعد الوصول إلى نقطة التّعادل، فإنّه يعتمد على المعلومات الإضافية المتاحة لي عند الوصول إلى تلك النّقطة.

أمّا النتيجة الثانية، فتتجلى في أنَّه لمّا يُهيمن المتحدّث على انتباه المستمع بقوله، وبالتالي يؤكد ضمنيًا على صلة القول بالموضوع على نحو مثالي، فإنّه يؤكد ضمنيًا على أهمية كل القضايا، الَّتي يمكن أنْ تتوقع من المستمع جمعها في مجموع النّتائج الخاصة به، من خلال معالجة هذا القول إلى الحد الّذي يتم تشجيعه ضمنيًا من خلال اعتبار أنّ القول له أهمية بالغة.

وإذا سلّمنا بالنتيجتين السّابقتين، فإنّنا سنحصل على تفسيرٍ فوريٍّ لسبب معالجة المستمعين للقول باعتباره ادعاءً مبني على نظرية الصلة بالموضوع، وسنحصل على تفسيرٍ لسبب إقرار المتحدثين ضمنيًا بنتائج هذه المعالجة، طالما كانت هذه النتائج قابلةً للتنبؤ. ولمَّا أطلب انتباه المستمع لقولي، فإنّني أقرّ ضمنيًا بصحة ما أتوقع أنْ يتوصل إليه المستمع إذا عالج ذلك القول بالطّريقة الّتي يعالج بها أيّ مثير واعد، واستمرّ في ذلك حتى يُثمر نتيجةً تُعوّض جهده المبذول حتى الآن. ولكن هذا كلَّ ما أقرُّه ضمنيًا في حديثي. وبعد ذلك، يبقى المستمع هو المسؤول.

إنّ الجزء الأكثر تعقيدًا في هذا هو الحجة المؤيدة للنتيجة الثَّانية. لنفترض أنَّ جزءًا كبيرًا من مجموع النتائج الَّتي يُتوقع أنْ يستنبطها المستمع من القول يكون إمّا خاطئاً، على نحو لا يمكن اكتشافه، أو لا يهم المستمع في شيء، على نحو لا يمكن اكتشافه. وسيؤدي هذا إلى تقليل أهمية القول على نحو كبير، فأنْ يكون الجُزء خاطئًا، فإنّه يقلّل على نحو كبير من الحقيقة الإجمالية، وعدم أهمية الجزء يقلّل على نحو كبير من الأهمية الكل. وفي الحقيقة، سيكون للمتحدّث دائمًا تقريبًا قولٌ أخر متاح له، والّذي كان من شأن معالجته له أن تُعطي المستمع حقيقة أكثر أهمية من القول السّابق حتّى لو أخذنا في الاعتبار دوافع المتحدّث لإخفاء جزء ممّا يعرفه عن المستمع. وإذا تقرّر هذا، فلن يكون القولُ مُهما على النّحو الأمثل، أي لن يكون المثير أكثر صلة بالموضوع وفي متناول اليد، لأنّ القول الّذي يكون له صلة بالموضوع أكثر، هو الّذي يكون بالضبط في المتناول.

من الممكن الاشتباه في أنَّ هذه الحجة ستصل إلى طريق مسدود في مراحلها الأخيرة. وحتّى ذلك الحين، يبدو أنّ القول الذي مفاده: “الَّذي له أهمية بالغة” يعني القول الأكثر أهمية للمستمع من بين مختلف المثيرات الفعلية الّتي يمكن لـه الانتباه إليها هنا والآن، بالنّظر إلى احتياجاته المعلوماتية المفترضة.

وهذا ما يدعيه المتحدّث ضمنيًا لما يدعو المستمع للاستماع إلى قوله. ومع ذلك، في تلك المراحل النّهائية، يجب أنْ يعني القول الذي مفاده: “الذي له صلة بالموضوع على نحو مثالي”، أنَّ القول الأكثر صلة بالموضوع للمستمع من بين المثيرات المختلفة الممكنة الَّتي يستطيع المتحدّث تقديمها للمستمع هنا والآن، بالنظر إلى معلومات المتحدث واحتياجات المستمع المعلوماتية المفترضة.

لقد كنتُ أعرضُ حتى الآن وجهة النَّظر القائمة على التّضمين في الاستعارة، والَّتي شرحَها سبيربر وويلسون في الطبعة الأولى من كتاب “نظرية الصّلة” الصَّادر سنة 1986،[76] وهي وجهة نظر ترى أنَّ الاستعارة تنطوي على القول أو على التعبير عن شيء ما من باب الحقيقة، بواسطة إيصال معنى آخر من باب الاستعارة. ثمَّ إنَّ سپيربر وويلسون انتقلا إلى وجهة نظر “التَّعبير المباشر” للاستعارة، بحديث مستفيض أكثر عمومية، وربطاها بالتّغييرات الَّتي يُحدثها السِّياق في الكلام، النَّاتج عن تغيرات سياقية في خصائص وعلاقات تعابير معينة تُسهم في شروط صدق الجُملة المنطوقة. وفي المقالات الثلاث: مقالة آن بيزويدنهوت ” الاستعارة وما يُقال: دفاع عن وجهة نظر التَّعبير المباشر للاستعارة” الصَّادرة سنة2001،[77] ومقالة ويلسون وسپيربر ” الصِّدق والصّلة” الصَّادرة سنة 2002،[78] ومقالة سپيربر وويلسون ” تصور مُبسط للاستعارات” الصَّادرة سنة 2008،[79] لم تعد الاستعارة مسألة تضمين تحاوري، وإنَّما أصبحت مسألة شرح تحاوري. وهذا يرفعُ الخط الفاصل، الَّذي تحدثنا عنه سابقًا، بين مقاربتي التّغير الدَّلالي، والتّغير التّداولي في الاستعارة، ويُلزم نظرية الصّلة بنوع من التداولية المشروطة بالصدق. وقد ورد الدّفاع الكامل، والتَّطوير الشَّامل لهذه المقاربة الجديدة في مقالة روبين كارستون “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادرة سنة 2002.[80] ولا تزال التَّصورات المتعلقة بنظرية الصّلة في تفسير الاستعارة، وغيرها من الأساليب المجازية في اللَّغة قيد التَّطوير المستمر. ويقدِّم بيلي كلارك في كتابه “نظرية الصّلة” الصَّادر سنة 2003،[81] نظرة عامة وشاملة، بينما يجمعُ كل من سكوت كات وكلارك بيلي وروبين كارستون في كتابهم ” الصِّلة، والتداول، والتأويل” الصَّادر سنة 2019،[82] التّطبيقات الحديثة في هذا المجال.

3.4. التَّصوُّرُ التَّشْبِيهيُّ

لقدْ كانَ الشِّعرُ الملحمي اليوناني حابلاً بالتَّشبيهات الصَّريحة والطَّويلة. ففي الإلياذة لهوميروس، يندفعُ إينياس نحو أخيل لمَّا تنقلبُ فجأة أدوارُ المُهاجِم إلى المُهاجَم؛  يقول هوميروس في هذا الباب: “انقضّ عليه كالأسدِ المُفترس/ الَّذي يتوقُ النَّاس والمدينةُ جميعا لقتلِه،/ ولمَّا احتشدوا. تجاهلُهُم الأسد./ وادعي كأنَّه يمضي في طريقِه،/ ولمَّا طعنَه أحدُ الشُّبان برُمح،/ انحنى فاتحا فاهُ،/ وظهر الزَّبد من بين أسنانِه، وتأوهت شجاعتُه في قلبه،/ فضربَ أضلاعَه بذيله من الجانبين، وهو يستعدُ للقتال./ وبعينين متوهجتين، اندفع بقوةٍ إلى الأمام،/ ليرى إنْ كان سيقتُلُ أحدَهم، أم سيُقتَل وسطَ الحشد.”.[83]

لقدْ كانَ البلاغيون القُدماء يرونَ أنَّ تشبيهات هوميروس واستعارتِه الَّتي تستعمل صفة “الأسد” للإشارة بوضوح إلى أخيل، متشابهان في كونهما يقدِّمان التَّشبيهَ نفسَه، وإن كان كلٌّ من التشبيه والاستعارة على صورته، فإنّ كليهما يشبِّهان أخيل بالأسد. ويذهبُ أرسطو إلى القول بأنَّ: «التَّشبيهات ليست سوى استعارات تحتاجُ إلى أداة تشبيه»[84] وكأنَّ الفرق بين الاستعارة “انقض الأسد [أي أخيل]”، والتّشبيه “انقض [أخيل] كالأسد”، يكمن في وجود أداة التَّشبيه في العبارة الأخيرة، الَّتي تدل على أنَّ أخيل شنّ الهُجوم متنكرًا في زي أسد. فالتَّشبيه، حسب هذا المعنى، استعارة مُطْنَبة. أمَّا كوينتيليان فيقلبُ الأمور رأسًا على عقب، فيتحدَّث عن الاستعارات باعتبارها تشبيهات مُوجَزة. وعلى العموم، فالاستعارةُ صورةٌ موجَزةٌ من التَّشبيه؛ والفرق بينهما يتجلى في أنَّ التَّشبيه يُشبَّه شيء ما، على نحو صريح باستعمال الأداة، بالشيء الَّذي نرغبُ في وصفه؛ بينما في الاستعارة يتم استبدالُ شيءٍ ما بشيءٍ آخر.[85]

لقد اعتبر كوينتيليان، كحال معاصريه القُدماء، أنَّ الاستعارةَ مسألةٌ ألفاظ أكثر من كونها مسألة جُمل. فاستعمالُ لفظ “أسد” الّذي نأخذه من باب الاستعارة للإشارة إلى أخيل لا يقول إنَّ أخيل يُشبهُ الأسد، لأنَّه لفظ لا يقولُ أيّ شيء. فالتّسميات ليست أقوالًا، وإنَّما تمهد الطَّريق للأقوال. إنَّ كوينتيليان يقصد أنَّ التَّشبيه يُصرِّحُ بالتَّشابه الواقعي أو المتوهَم، بين أخيل والأسد، بينما الاستبدالُ الاستعاري المتماثل يتركه منوطاً بخيال المُستمع.

ولمَّا ننظرُ إلى الجُملة باعتبارها الوحدة الأساسية للفعل الاستعاري، فإنَّ ملاحظة كوينتيليان توحي لنا بشيءٍ لم تستطعْ أنْ توحي به له هو شخصيًا، فما تعنيه الاستعارةُ البسيطة نحو: جولييت شمس، والتَّاريخ كابوس، فهي تقول في الواقع أنَّ جولييت تشبِهُ الشَّمس، والتَّاريخ يشبِهُ الكابوس، بحيث يكون مدى وطبيعة التَّشابه المُتوهم بينهما شيئين يجبُ على المستمعين استنتاجهما من السِّياق التَّحاوري المتداول الَّذي تُستعمل فيه الاستعارة. وهذا يُوحي بأنَّ الجملةَ الاستعارية تشبيهٌ مُوجز، وتشبيهٌ مجازي مفهوم البنية التّشبيهية، ولكنَّها تبقى مُضمرة وغير مُصرَّح بها. وقد طُرحت بعض هذه التّصورات التّشبيهية للاستعارة من حين لآخر من قِبلِ نقاد معاصرين أمثال وينيفريد ناوتني، في كتابه “اللُّغة الَّتي يستعملُها الشُّعراء” الصَّادر سنة 1962،[86] وعند لغويين معاصرين أمثال أندرو أورتوني في مقالته “دور المماثلة في التَّشبيهات والاستعارات ” الصَّادرة سنة 1979.[87] وقد طوِّر تصوُّر مفصَّل ومخصوص من قبل روبرت فوغلين في كتابه “الكلامُ على سبيل المجاز” الصَّادر سنة 1998،[88] بناء على اقتراحات عاموس تفيرسكي  في مقالته “خصائص المُماثلة” الصَّادرة سنة 1977.[89]

يرى روبرت فوغلين أنَّه لكي تتكلمَ مجازا، فهذا يعني أنَّ كلامكَ يستدعي التَّصحيح، وأنَّ كلامَك يدعو بوضوح إلى تصحيحٍ تلقائي من الجمهور، ويحفزُه على نحو موثوق. ويتضحُ هذا جليًا عند الحديث عن حمل العبارات على المجاز، كما هو الحال في التَّهكم أو التَّحقير. ففي هاتين الحالتين، يتمثل تصحيح المُتحدّث في فهمه على أنَّه قال شيئًا، بينما كان يقصد شيئًا آخر. ويأخذ المستمعون ألفاظ المتحدّث المحمولة على الحقيقة، ويعيدون صياغتها في أذهانهم، ليجعلوا كلامَه متوافقًا مع السِّياق والمقام الَّذي نطقه فيه، وفقًا لمبادئ پاول غرايس في فن التَّحاور. ولمَّا يميلُ المُتحدّث إلى التَّحقير، فإنَّ تصحيح كلامِه يتطلّب تعزيزه؛ ولمَّا يميلُ إلى التَّهكم، فإنَّ تصحيحنا يتطلب عكسه (بشكل أو بآخر، وتختلف طبيعة العكس من حالة لأخرى)، وهكذا دواليك. وغالبًا ما تزدادُ قيمة الفكرة وأهميتُها لمَّا يتوصل إليها المستمع بنفسه، ويقرِّر أنَّها مناسبة للمقام الَّذي يجد نفسه فيه. ويُعدّ الحمل المجازي أحد الطُّرق لفرض هذه المَهام على المستمع؛ وهذا أحد الأسباب الرَّئيسة الَّتي تدفعنا إلى اللُّجوء إليه.

وسواء أكان ذلك من باب الحقيقة أم على سبيل المجاز، فإنَّه مجرد تشبيه بسيط لا تشوبه شائبة، فلما نقول: إنّ الشّيء (أ) يشبهُ الشّيء (ب)، فإنَّه يُفهم من قولنا إنَّ الشَّيء (أ) يمتلكُ ما يكفي من سمات الشَّيء (ب) البارزة في السِّياق الحالي. أو بعبارة أخرى، فإنَّ الشَّيء (أ) يشبه الشّيء (ب) بدرجة كافية في الجوانب المتعلقة بـالشَّيء (ب) البارزة في السِّياق الحالي. ويعتمد ما يُعتبر كافيًا من حيث السّمات البارزة المشتركة لـلشيء (ب)، أو من حيث التشابه مع الشَّيء (ب) في الجوانب البارزة لـلشيء (ب)، على الفوائد أو الشّواغل السِّياقية الّتي تُفهم على أنَّها الدَّافع وراء إجراء التَّشبيه في المقام الأول. لذلك، فسواء أُخذت التشبيه البسيط غير المشروط من باب الحقيقة أو على سبيل المجاز، فإنَّ شروط صدقه تعتمد بشكل كبير على السِّياق.

ويسير فوغلين علىخطى تڤيرسكي في افتراضه أنَّه لمَّا يُشبَّه الشَّيء (أ) بـالشَّيء (ب)، فإنَّ السِّمات أو الجوانب البارزة حاليًا في الشَّيء (ب) أو نوعه هي الَّتي تحدد التَّشابه. ويُمثلُ هذا خروجًا عن كيفية تفسير التَّشابه، أو التّماثل أو المماثلة عادةً في الأدبيات الفلسفية، كعلاقة تناظرية، بحيث يكون الشّيء (أ) مشابهًا لـلشيء (ب) من باب الاحتمال، أو بالقدر الَّذي يكونُ فيه الشَّيء (ب) مشابهًا لـلشّيء (أ). ووفقًا للفهم المطروح هنا لمفهوم التّشابه، فإنَّه لنْ يكون هذا صحيحًا، على الأقل بشكل عام. ويبدو أنَّ فوغلين محقٌ في ذلك، إذ يقول: «سأنطلقُ من تجربةٍ شخصيةٍ. لقد لفتَ انتباهي ذاتَ مرة الشَّبه الكبير بين البابا الحالي[90] (في صورة فوتوغرافية) وأرنولد بالمر.[91] ولمْ يكن من الصُّعوبة تحديد مصدر هذا الشَّبه، لأنَّ البابا له عينين تُشبها عيني أرنولد بالمر. وفي الوقت نفسه، فإنّني لم أشعر بأيِّ دافع للقول بأنَّ أرنولد بالمر يشبهُ البابا. فلمَ لا أشعر بهذا الدافع؟ لأنَّني أعتقد أنَّ السَّبب يكمنُ في أنَّ عينيْ أرنولد بالمر، بتلك النَّظرة الضَّيقة المُتجعِّدة، هي إحدى السِّمات المُميِّزة لوجهه: فهي تظهر، على سبيل المثال، في الرُّسوم الكاريكاتورية المرسومة له. ومن جهة أخرى، لا تُعد عينا أرنولد بالمر من السِّمات المُميزة لوجه البابا. وبعبارة أخرى، فقد بدا لي أنَّ البابا يشبهُ أرنولد بالمر، وليس العكس، لأنّ البابا يمتلك إحدى السّمات المميزة لأرنولد بالمر، بينما لا يمتلك أرنولد بالمر أي سمة مميزة له موجودة عند البابا.».[92]

ولهذا، فالتَّشبيهات تنطوي على مضامين قابلة للتَّعديل في سياق التّحاور، نتيجةً لإضفاء هذه المضامين على أفعال التّشبيه وأدواته مثل فعل “يشبه”. ولتحديد قيمة صدق معينة لعبارة تتضمن تشبيها، يجبُ الاستعانة بمعيار تشابه قابل للتَّعديل في سياق التَّحاور، معيار يوضّح لنا مدى تشابه الشَّيء (أ) مع الشّيء (ب)، وفي أي جوانب يجبُ أنْ يكونُ الشَّيء (أ) حتى يُعتبر (أ) مشابهًا تمامًا لـلشّيء (ب) لخلق تحاور جاري. لنأخذ مثالا يرد في السِّياقات العادية الّتي يحكُمها معيار تشابه افتراضي روتيني، نحو قولنا في الجملة الأولى: إنَّ آلة تسوية الطَّرق تُشبهُ الجَرافةَ. وقد يصدُق ذلك، حيث أنَّ “آلات تسوية الطُّرق مثل الجرافات تُستعملُ أيضًا لدفع كميات كبيرة من الأتربة، لكن الفرق الأساس بينهما يتجلى في أنَّ شِفرات آلات تسوية الطُّرق موجودة أسفلَ الهيكل بدلاً من أمامه.”[93] ولهذا، فقد أصبحنا الآن قادرين على التَّمييز بين التَّشبيهات الحَرفية والتَّشبيهات المجازية، بما يتوافق مع فكرة أنَّ الكلام المجازي هو كلام قابلٌ للتَّصحيح. فالتّشبيهات المجازية تستدعي نوعًا مختلفًا من التَّصحيح عن تلك الّتي تستدعيها المجازات الحملية.

إنّ أخذ التَّشبيه من باب الحقيقة يعني تقييمه في ضوء معيار التَّشابه الموجود مسبقا عند طرحه، هو معيار تشابه سائد على نحو عام أو سائد على نحو فعلي. وهكذا نتعامل دائمًا مع التَّشبيه عند أول وروده. ولمَّا يتوافق مضمونه تمامًا مع مبادئ غرايس التحاورية، فهذه هي الطّريقة الوحيدة الّتي نتعامل بها معه، وهي الطّريقة الّتي نفترض أنّنا كنا نريد بها التعامل معه منذ البداية. وهكذا نتعامل مع الجملة الأولى على سبيل المثال. لكن في بعض الأحيان، يؤدي أخذ التّشبيه حرفيًا إلى مضمون خاطئ لا غبار عليه، أو غير مفيد بتاتا، أو يتعارض مع مبادئ التّحاور، كما هو الحال مع الصيغة الآتية في الجملة الثانية: “إنَّ مارغريت تاتشر تشبه الجَرافة”. يقول غيس: «إنَّ مارغريت تاتشر، على سبيل المثال، ليس بمقدورها تحريك كميات هائلة من التُّراب بكفاءة».[94] كما أنَّها ليست مستعدة للاتساخ بالمعنى الحرفي للكلمة. ويمكنُ الاعتماد على المستمعين لمعرفة هذا القدر وملاحظة هذا القدر. لذلك، فلّما يواجهوا الجملة الثانية، يبحثون عن تعديل مُحتمل لقاعدة التّشابه المعتمدة آنفا، بحيث يتماشى مضمونها مع مبادئ التّحاور، ويكون هذا التّعديل أصغر حجمًا، وأكثر طبيعية، وأسهل في التّنفيذ من أي تعديل آخر قد يفي بالغرض. يُخفف هذا التّعديل معايير مدى تشابه الشَّيء مع الجرافة حتّى يكون مجرد جَرافة، جرافة بلا تحفظ. كما أنّه يُضفي أهمية جديدة على سمات مجردة نسبيًا للجرافات، وهي سمات قد يتشاركها شخص ذو نفوذ يملك صفات من قبيل: القدرة على إنجاز مَهام كبيرة، والقدرة على إزالةِ العَقبات الكبيرة تدريجيًا، ونوعاً من عدم التّناسق في الأداء اللحظي، وما إلى ذلك.

لمَّا يعتقد المستمعون أنَّهم توصلوا إلى تعديل مُحتمل، فإنَّهم يطبقونه على الفور، أي يعيدون تفسير التَّشبيه وفقًا لمعيار التشابه المعدل، ويعتبرون المضمون المعدَّل الناتج هو ما قصده المُتحدِّث منذ البداية. (تتم العملية برمتها دون استدلال واعٍ؛ بل إن هذا جزء مما يجعل التعديل طبيعيًا في نظر فوغلين). إنَّ أخذ التَّشبيه على سبيل المجاز هو ببساطة تطبيق هذا النوع من التّعديل في كيفية تفسيرنا له. إنَّ التَّشبيه، الذي هو عبارة تشبيهية مجازية، هو ببساطة تشبيهٌ يتطلَّب بشكل واضح، وبالتالي يتلقى بشكل روتيني، هذا النوع من التّفسير المشروط بالصِّدق المعدل. ولمّا يكون التّشبيه صحيحًا من النّاحية المجازية، فإنّه عادةً ما يكون خاطئًا من النَّاحية الحرفية، لأنه سيشبه شيئين، بحيث يكون الأول مختلفًا عن الثاني وفقًا للمعايير السائدة عمومًا أو السائدة سابقًا، ومع ذلك فإنّ الأول يشبه الثاني وفقًا لمعايير جديدة يساعد التّشبيه نفسه في فرضها؛ هذا هو المعنى الَّذي يكون فيه التّشبيه عرضًا للوحدة في التنوع، وتشبيهًا لأشياء غير متشابهة. يتنبأ هذا التَّصور باختلاف التَّشبيهات المجازية عن التَّشبيهات الحرفية المألوفة، وذلك بأنَّ التّشبيهات المجازية تُظهر نفس نوع فشل الانعكاس الَّذي تُظهره نظيراتُها الحرفية، وذلك لنفس السّبب الجوهري. ويبدو أنَّ هذا التَّنبؤ صحيح. إليكم هذه الملاحظة من الرِّوائي ويليام غاس: [في نشيد الأناشيد، نقرأ] « أسنانكَ كقطيع نعاجٍ محلوقة الصُّوف، وصاعدة من المِغسلة، وكلُّ نعجة منهنَّ تلدُ توأمين، وليس بينهنَّ عاقر». … فهل يمكنُ لي أنْ أتصور تلك الغنم كأنَّها أسنانٌ ضالة؟.».[95]

وكما هو الحال مع التّشبيهات الحرفية عموماً، فإنَّ اهتمامنا بالتّشبيه المجازي لا ينبع عادةً من التَّشابه فقط، وإنَّما ينبع من الاهتمام بالخصائص المحدّدة للشيء (أ) الَّتي تجعله يُشبه الشَّيء (ب) من باب المجاز. لذلك: يُتوقع عادةً من المُستمع أن يستنتج أو يلاحظ بنفسه ما الذي يجعل الشَّيء (أ) يُعامل على أنَّه مشابه لـلشيء (ب) وفقاً لهذه المعايير الجديدة السَّائدة والمعدلة، أي ما الّذي يجعل الشَّيء (أ) في الواقع شبيهًا للشيء (ب) وفقًا لهذه المعايير (في حال الصدق المجازي)؛ وما الَّذي يجعلنا نعتقد أنَّ الشيء (أ) شبيهًا للشيء (ب) وفقًا لهذه المعايير (في حال الكذب المجازي). إنَّ القيام بذلك هو إعادة صياغة التَّشبيه المذكور. وفي حال الجملة الثانية، فإننا قد نتوصل إلى شيء من هذا القبيل في الجملة الثالثة الآتية: “إنَّ تاتشر شخصيةٌ قويةٌ، ومتسلِّطة، وتتغلَّب على كلِّ العقبات من أجل إنجاز المَهمة”.

لما أخبرت غيرترود شتاين پيكاسو أنَّ الصُّورة الَّتي رسمها لها لا تشبهها كثيراً، يُقال إنَّ پيكاسو رد عليها قائلاً: “لا تقلقي، ستشبهينها”. وإذا أطلقنا على رسوم الوجه، الّتي تؤكد نفسها مع مرور الزّمن من خلال فرض معاييرها الجديدة الخاصة للإثبات، اسم “تشابهات بيكاسو”، فإنّه يمكننا القول إنّه وفقاً لتصور فوغلين، فإنّ التّشبيهات هي مجرد تشابهات بيكاسو.

إذا كانَ بمقدورنا أنْ نفهمَ الاستعارةَ الآتية في الجملة الرَابعة التي تقول: “مارغريت تاتشر جرافة”، وإذا اعتبرنا الجملة الثالثة الَّتي تقول: “إنَّ تاتشر شخصيةٌ قويةٌ، ومتسلِّطة، تتغلَّب على كلِّ العقبات من أجل إنجاز المَهمة” تختصرها الجملة الثانية التي تقول: “إنَّ مارغريت تاتشر تشبه الجَرافة” ، فإننا سنرى كيف أنَّ الجملة الثالثة مناسبة أيضًا كإعادة صياغة لـلجملة الرابعة. وسيكونُ لدينا شرحٌ واضح للاختلاف الشَّاسع بين قولنا مجازًا إنَّ: “المال دمٌ”، لأنّه مادة تُنعش وتحيي بسريانها وتسهيلها للتبادلات الحيوية، وقولنا مجازًا إن: “الدم مال”، باعتبار أن إرهاقه، والسّماح بسفكه، طريقة قوية، ولكنها جذرية لكسب أشياء ثمينة. أمَّا بالنسبة لحقيقة أنَّ الاستعارات غالبًا ما تدعو إلى قراءات أكثر دقة وعمقًا من التَّشبيهات المقابلة لها، فإنَّ الحذفَ في حد ذاته له تأثيرات قوية على كيفية تفسير الألفاظ على أفضل وجه في سياقها.[96] تخيّل محاولة إيجاد مكافئات دقيقة وطبيعية في التّحاور، وغير محذوفة لمثل هذا الحذف المصاغ ببراعة في هذا القول الآتي: “إنَّ ما يَدخلُ في سَلة المُهملات يُخرجُ منها./ فكلٌّ على حسب قُدرته، وكلٌّ على حسب حاجَته”.

4.4. التَّصَوُّرُ الْحَرْفِيُّ[97]

يؤكد التَّصوُّر الحَرفي أنَّ الألفاظ لا تُحذَف في الاستعارة، ولا يُجبَر المتحدِّثون على إضفاء معنى غير مألوف عليها. فبدلاً من ذلك، فالعبارة، الَّتي كانت تبدو بلا إفادة أو بلا معنى، أصبحت تُنتج ما يُسمِّيه ريتشارد موران “تأثير التَّأطير”[98] في مقالته “الرُّؤية والتَّصديق: الاستعارةُ والصُّورة والقُوة” الصَّادرة سنة 1989[99]: إذ يُدفع المستمعون إلى رؤية المستعار له، أو التَّفكير فيه، أو تجربَته من منظورٍ جديد ومميَّز، أيْ من منظور يُوفره وضعُهُ جانب المستعار منه. إنَّ ما يجعلُ العبارة استعاريةً هو أنَّها تُحدِثُ تأثير التَّأطير هذا، إلى جانب الاستراتيجية النَّحوية المُحدَّدة الّتي تستعملُها لتحقيق هذا الغرض. أمَّا إعادة الصَّياغة، كما تُسمى، فيُمكنُ اعتبارها مُحاولة لتقديم عينةٍ بارزة وممثلة للوقائع الحقيقية أو الظَّاهرة حول المستعار له، والَّتي يدفعُنا تأثير التَّأطير إلى ملاحظتها أو التَّفكير فيها أو التَّمعن فيها. ولا ينبغي النَّظر إلى هذا على أنَّه إعادة صياغة لخطاب معبَّر عنه أو منقول استعاريًا، إذ لا يوجدُ خطاب من هذا القبيل، سواء كان قابلا لإعادة الصِّياغة أم لا. وكما قال دونالد ديڤيدسون في أكثر عبارات هذا النَّوع تأثيرًا، في مقالته “ما تعنيه الاستعارات”: «إنَّنا لمَّا نحاولُ تحديدَ معنى الاستعارة، فإنَّنا سرعان ما ندركُ أنَّ ما نريدُ ذكرَه لا حدودَ له… فكمْ من الحَقائق الَّتي تنقلُها صورةٌ فوتوغرافية؟ أتنقلُ لا حقيقة، أم تنقلُ عدداً لا نهائيا من الحقائق، أم تنقلُ حقيقةً واحدةً عظيمةً لا يمكنُ التَّعبير عنها؟ إنَّه سؤالٌ غير مناسب. إنَّ الصُّورة لا تساوي ألفَ لفظٍ، ولا أيَّ عدد آخر. إنَّ الألفاظ ليست العُملة المناسبة لاستبدال بالصُّورة.»[100]

ويُقرّ ديڤيدسون، بصدر رحب، بوجود أشياء يُمكننا الإشارة إليها على نحو طبيعي ومفيد بالمعنى الاستعاري والحقيقة الاستعارية. لكنَّها ليست بذورا للفهم الاستعاري، وإنَّما هي من ثمراته. إنَّنا نُخطئ في تحديد المعاني الاستعارية لو اعتبرناها مُرتبطة بألفاظ أو عبارات مُحدَّدة، نأخذها من باب الاستعارة. ونُخطئ كذلك في تحديد الحقيقة الاستعارية إذا اعتبرناها مُرتبطة بجُمل مُحدَّدة، ونأخذها وكأنها استعارات.

فيما يتعلَّق بالمعنى الاستعاري، تخضعُ الاستعارات للتَّأويل بنفس الطَّريقة أو بنفس المعنى الَّذي تخضعُ له الأحلام. فقد نؤوِّلُ الحُلمَ بهدف إضفاء قيمةٍ أو أهميةٍ معرفية محدَّدة عليه، وبالتالي بهدف فهمه. ويعتمدُ نجاحُ تأويلِ الحلم والقيمة أو الأهمية الّتي تُنسب إليه على طبيعة المؤوِّل، وعلى اهتماماتِه، بنفس قدر اعتماده على طبيعة الحُلم وأصله. ويُعدّ التَّأويل النَّاجحُ للحلم ثمرةَ تحاور تأويليٍّ ناجحٍ بين المؤوِّل والحُلم، من جهة، أو بين المؤوِّل والحالِم، من جهة ثانية، حيث يعتمدُ نجاح هذا التَّحاور على ما يقدِّمه كِلاَ الطَّرفين، قال ديڤيدسون: «الاستعارةُ عملٌ من أعمالِ أحلام اللُّغة، وباعتبارها كسائر أعمال الأحلام، فإنَّ تأويلَها ينعكسُ بشكل أكبر على الشَّخص المؤوِّل مثلما ينعكسُ على صاحِبها.».[101]أمّا فيما يتعلق بالحقيقة الاستعارية، فقد توجدُ حقيقة، لنسمّيها الحقيقة الاستعارية، في جملة، إذا نُظر إليها كجملة فقط، خاطئةً تمامًا؛ وعلى غرار ذلك، قد توجد في مقابل ذلك حقيقة، لنسمّيها الحقيقة الأسطورية، في قصة، إذا نُظر إليها كقصة فقط، خاطئة تمامًا. وبناءً على هذا الفهم، فإنَّ الحقيقة الاستعارية تُشبه القوة الكاشفة الَّتي تُمنح للجملة الاستعارية، أو تُمنح للدافع لاستعمالها، من خلال تأويل استعاري ناجح لها، وإضفاء معنى استعاري عليها.

يتضمَّن تصوُّر ديڤيدسون الخاص، والمتعلق بالقوة الغاشمة فكرتين رئيسيتين إيجابيتين مُلهمتين: الفكرة الملهمة الأولى تتعلق بالتَّمثيلُ بين الاستعارات والنِّكات، وهو تمثيلُ ربما يكونُ قد صادَفه في الأصل في مقالة تيد كوهين “الاستعارة وتنمية الألفة” الصَّادرة سنة 1978.[102] إذ تتشابَه الاستعارات والنِّكات في كونهما تعبيرين فنيين لفظيين صغيري النِّطاق. فكما يتطلبُ الأمر ذكاءً لنسج النِّكات، ويتطلبُ الأمر حس فكاهة لفهمها؛ يتطلبُ الأمر كذلك عبقرية من نوع محدّد لصياغة الاستعارات، ويتطلب الأمر ذوقًا من نوع محدّد لفهمها. إنَّ القدرات الأربع المذكورة آنفًا قدرات إبداعية، وأنماطٌ من الابتكار، وبناءٌ إبداعي في غاية الذّكاء والعبقرية، وتفسير إبداعي في حالة الفكاهة والذَّوق. إنَّ اكتساب هذه القدرات لا يتعلقُ باستيعاب قواعد، ولا تتعلق ممارسة هذه القدرات بتطبيق قواعد. لكن القُدرات الَّتي هي إبداعية أو ابتكارية بهذا المعنى تعملُ بالفعل في البناء الحرفي، أو الأخذ من باب الحقيقة، حتَّى لو لمْ تكن لها مثل هذه الأسماء الرّفيعة.

إنّنا نقتربُ أكثر من جوهر تمثيل ديڤيدسون إذا اعتبرنا أنَّ الاستعارات، إذا اتخذت كاستعارات، لا تحملُ معانٍ إلاّ بنفس الطّريقة أو بالمعنى الَّذي تحملُه معان النّكات، فإذا اعتبرناها نِكات، فلكلٍّ من الاستعارات والنّكات مغزى، مغزى يفهمُه بعض، ويغيب عن بعض. ويستندُ مغزى النّكتة أو الاستعارة، ويُمكن تحقيقه من خلال حملِ المعاني الحرفية المناسبة على الألفاظ والعبارات التي تُكوّن القول، أي من خلال تأويل حرفي مناسب للقول. ومع ذلك، قد ينجحُ المرء في التّأويل الحَرفي المطلوب للنكتة أو الاستعارة، ولكنّه مع ذلك يفشلُ في فهم مغزاها. إنّ مغزى النُّكتة أو الاستعارة يتجاوزُ في جوهره مجرد المعنى ثانوي، أو الدَّلالة التي تُضاف أثناء عملية تأويل ثانية، وفي الوقت نفسه هو أقل من ذلك. فهو يتجاوزُ ذلك، لأنّ إنتاج نُكتة أو استعارة في يتطلّب أولا نوعًا من النَّجاح الفني ودرجة منه: فمجرد إنتاج نكتة أو استعارة يعتبر إنجازا فحد ذاته. وفهم مغزى أيٍّ من هذين النّوعين من التّعبيرات اللَّفظية يستلزم تقدير ما أنجزه المتحدِّث في إنتاجه. ولا يكفي أيُّ قدر من الفهم الفكري لغايات المتحدّث، أو وسائله، أو الطَّريقة الَّتي حققت بها وسائله غاياته، ومدى نجاحها في ذلك، لتحقيق التّقدير. فالتّقدير ينطوي على القدرة والاستعداد لتجربة التّعبير النّهائي، وتقييمه بالطّرق الّتي يتطلّبها ما أنجزه صائغه.

أمَّا الفكرة الملهمة الثّانية، فهي شرح لتأثير التَّأطير نفسه، والَّذي يتمثل في الغالب في حالة ذهنية تُشجعنا وتُمكّننا من إجراء التَّشبيهات، وتُشجعُنا، وتُمكّننا من ملاحظة أوجه التَّشابه وأوجه الاختلاف، والتّشابهات والاختلافات، بين المستعار له والمستعار منه. ولهذا، فالاستعارة تهتم بأوجه التَّشابه أو التَّشبيهات على الرّغم من أنّها لا تُصرح بهما. أحيانًا، يتألف التَّعبير الشِّعري الموجز، والقوي من مجرد ذكر متجاور لشيئين أو مشهدين أو موقفين مُختلفين، مُدارين بطريقة توحي بأنَّ أحدَهُما وارد لتسليط الضَّوء على الآخر. ففي قصيدة هايكو لبوسون ورد الآتي: «لقد راودتني قشعريرة مفاجئة، في غرفتنا،/ فمشط زوجتي المتوفاة تحت قدمي.».[103]  فمصدرُ الضَّوء، أي البرودة، يأتي أولاً. ولكن في أغلب الأحيان، كما في قصيدة باوند “في محطة مترو”، يأتي ثانياً. وغالباً ما ينظرُ النُّقاد إلى هذه الأبيات الشّعرية القصيرة على أنَّها حالات محدودة، أو حالات منحرفة بمعنى غير متحيز، من الاستعارة أو التَّشبيه. ويتحدّث نورثروب فراي عن “الاستعارة عن طريق التّجاور”؛[104] ويريدنا أنْ ننظر إلى الفاصلة المنقوطة عند باوند على أنَّها شبحُ صورة زائلة من صوّر فعل الكينونة الّذي كانَ يُستعمل في صياغة الاستعارات، نحو قول الشاعر: «هذه الوجوه في الحشد هي بتلات على غصن أسود مبلّل.». ويتحدّث جون هولاندر عن “التَّشبيه المُزيف”؛ ويريدنا أنْ ننظر إلى الفاصلة المنقوطة كشبح لبنية تشبيه زائل، نحو قول الشاعر:«مثل هذه الوجوه في الحشد كمثل بتلات على غصن أسود مبلل.».[105]

تُعتبرُ فكرة ديڤيدسون عكس فكرة فراي وهولاندر: فهو يدعونا إلى اعتبار كلٍّ من فعل الوجود “هو” في الاستعارة وأداة التّشبيه “هو مثل” في التّشبيه بمثابة امتدادٍ لفاصلة باوند المنقوطة. إنّ ما يبرز في الشَّيء (أ) أو يلفتُ الانتباه عند النّظر إليه على ضوء الشَّيء (ب) هو ما يشترك فيه الشَّيء (أ) مع الشَّيء (ب)، أو ما يُمكن اعتباره مشتركًا بينهما، أي أوجه التّشابه الملموسة، الحقيقية أو المفترضة، بين الشَّيء (أ) والشَّيء (ب). إنّ تأثير التّأطير، عند ديڤيدسون، هو مسألة معرفية؛ إذ يتمثّل في لفت انتباه المرء إلى هذه التّشابهات، الحقيقية أو المفترضة. ولا يتفق معه في هذا الرأي كلُّ أنصار تصور القوة الغاشمة. (انظر على سبيل المثال: رورتي 1989، 17-18).[106]

يواجه ديڤيدسون التَّصورات الَّتي تعتمد على التَّغير الدَّلالي مثل تصور سكولسكي من خلال التّجربة الفكرية التّالية: «هبْ أنت تُسلّي زائرًا من زُحل بمحاولة تعليمه لفظ “أرضية”. تتنقل بين الطُّرق المألوفة، وتقودُه من أرضية إلى أخرى، وتشير، وتدوس، وتكرّر اللفظ… هل نُسمّي هذه العملية تعلّم شيء عن العالم أم تعلّم شيء عن اللّغة؟ إنّه لسؤالٌ غريب، إذ إنّ ما يُتعلّم هو أنّ جزءًا من اللغة يُشير إلى جزء من العالم. ورغم ذلك، فمن السّهل التمييز بين تعلّم معنى لفظ واستعماله بعد تعلّم معناه. وبالمقارنة بين هذين النشاطين، فمن الطّبيعي القول إنّ الأول يتعلّق بتعلّم شيء عن اللّغة، بينما يتعلق الثاني بتعلّم شيء عن العالم. ينقلك صديقك القادم من زُحل عبر الفضاء إلى فلكه، فتنظر إليه من بعيد على الأرض وتقولُ له، وأنت تُومئ برأسك نحو الأرض: إنّها “أرضية”. ربما يظن أنّ هذا جزء من الدّرس، ويفترض أنّ لفظ “أرضية” يحمل على الأرض، على الأقل كما تُرى من زحل. لكن ماذا لو كنت تظن أنّه يعرف معنى “أرضية” بالفعل، وأنّك تتذكر كيف رأى دانتي، من مكان مشابه في السَّماء، الأرض المأهولة على أنَّها “الأرضية الصّغيرة المستديرة الّتي تُثير فينا الشَّغف”؟ [الفردوس 22.151، ترجمة لورانس بينيون] لقد كان هدفُك هو استعمال الاستعارة، لا التّدريب على اللّغة. ما الفرق الّذي سيحدث لصديقك في أي اتجاه فهمه للأمر؟ مع الأخذ بنظرية الاستعارة في الاعتبار، إنه لا فرق يُذكر.»[107]

تُحدّد نظرية التّغير الدّلالي خصوصية الاستعارة في نوع خاص من تعلم اللّغة الفوري. لذلك، فهي تُعنى بالنّظر إلى الفهم الاستعاري كعملية تُؤثر فيها طريقة تفكيرنا واستجابتنا للمستعار له وللمستعار منه ، وكيفية إدراكنا لهما، على كيفية إدراكنا والتّفكير والاستجابة لألفاظ مثل لفظ “أرضية”. إنّها عملية يكون فيها ما يحتاج إلى اهتمام، وما يحتاج إلى إعادة إدراك فعّالة، هو اللّغة، وليس العالم. سيكون الفهم الاستعاري، أو تعلم اللّغة الاستعارية، مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بعملية تعلم المعنى الحرفي للفظ “أرضية” السّابق. لكن الفهم الاستعاري ليس كذلك على الإطلاق. بل على العكس، إنه عملية تُؤثر فيها طريقة تفكيرنا واستجابتنا لألفاظ مثل لفظ “أرضية”، وكيفية إدراكنا له، على كيفية إدراكنا والتفكير والاستجابة للمستعار له وللمستعار منه. إنّها عملية يكون فيها ما يحتاج إلى اهتمام، وما يحتاج إلى إعادة إدراك فعّالة، هو العالم، وليس اللغة. تُصيب نظرية القوة الغاشمة في هذا تمامًا. نظرية التَّحريف الدلالي خاطئة تماماً.

يتفق روجر وايت في كتابه “بنية الاستعارة” الصَّادر سنة 1996،[108] مع دونالد ديڤيدسون بشأن طبيعة التَّشبيه لتأثير التأطير، لكنَّه يرفضُ تصوره القائم على التَّجاور لكيفية توظيف الاستعارات لمادتها النَّحوية الصّرفة. وفقًا لتصوّر روجر وايت البديل القائم على القوة الغاشمة، تتضمن الاستعارة جملتين أصليتين قابلتين للاستعادة، تم دمجهما أو تشابكهما لتكوين الجملة المنطوقة فعليًا؛ ويتطلب التأثير المميز للاستعارة على المستمع إعادة بناء ضمنية من قِبَله لهاتين الجملتين الأصليتين، يتبعها مقارنة فعّالة للمواقف المختلفة الّتي تصفها هاتان الجملتان. ولا تزال الاستعارة تعمل من خلال إحداث تأثير تأطيري بدلًا من صياغة أو توصيل أي مضمون افتراضي محدّد. لكنه موقف تام، وليس شيئًا منفصلًا أو نوعًا من الأشياء، فما تُمكّننا الاستعارة من رؤيته من منظور جديد؛ ويُسلط هذا المنظور الجديد من خلال استحضار موقف ثانٍ ذي تعقيد مماثل؛ ويتم إدارة هذا الاستحضار من خلال تشابك الجملتين بدلًا من تجاور الألفاظ. يمكن تسمية هذا التصور الدمج. وهو جذاب بشكل خاص كتصور للاستعارات الضمنية مثل استعارة أهاب، ويستعمله روجر وايت لتقديم قراءات معمقة للاستعارات الأدبية المتسعة لأعمال شكسبير ودوستويڤسكي وغيرهما.

في الآونة الأخيرة، استند ليپور وستون،[109] إلى عمل ديڤيد لويس حول العُرف، والإشارات، وحساب النّقاط في التحاور لتقديم سرد مستوحى من ديڤيدسون حول كيفية تعاون المتحاورين والجمهور في تحقيق الإنجاز اللّفظي الخاص الّذي تمثله الاستعارة.

لن يكون من الممكن تحليل الاستعارة من حيث المعاني الخاصة للمتحدث، على غرار ما قام به پاول غرايس، أو المعاني الخاصة للألفاظ، على غرار ما قام به سكولسكي، إلا إذا استُعملت ألفاظ الاستعارة استعمالا تواصليًا خاصًا. ومع ذلك، فلا يُعد كلّ تنسيق مع الجمهور من خلال مقاصد مُشار إليها اتفاقا تواصلًا مع ذلك الجمهور. لنفترض أنّ متحدث ما يُنسق مع جمهوره في تحقيق هدف ما على نحو مشترك عن طريق وسيلة أو عبارة ما لمَّا تكون المقامات على النحو الآتي: أولا، يستطيع المتحدث تحفيز مستمعيه على التعاون معه في تحقيق الهدف بمجرد جعلهم يعتقدون أنّه ينوي التّعاون معهم في تحقيقه؛ ثانيا، إنّ تحفيز مستمعيه بهذه الطّريقة يستنفد إلى حد كبير المساهمة التي يحتاجها المتحدّث نفسه من أجل تحقيق هدفهم المشترك؛ ثالثا، يستطيع المتحدّث جعل مستمعيه يعتقدون أنّه ينوي ذلك بمجرد إنتاج شيء يعمل في ظل المقامات كإشارة متفق عليها تدل على قصده، حيث تُعرَّف أنظمة الإشارات المتفق عليها، وتُشرح وفقًا للخطوط الّتي وضعها ديڤيد لويس؛[110] رابعا، إنّ التّفاهم القائم بالفعل بين المتحدّث ومستمعيه يُمكّن إنتاجه لـلعبارة من العمل كإشارة متفق عليها تدل على هذا القصد من جانبه؛ خامسا، ينتج المتحدث بالفعل العبارة.

لا شك أنّ سرد النِّكات واستعمال الاستعارات ينطويان على التَّنسيق مع جمهور محدّد: التّنسيق في الاستمتاع المشترك بسخافة موقف أو فكرة ما؛ والتّنسيق في استكشاف مشترك لتداعيات تشبيه له دلالة؛ أو ما شابه. ولكن إذا اتبعنا لويس،[111] فإنّ هذا التنسيق يُعدّ تواصلاً إذا وفقط إذا كان أحد الأمرين التاليين: الأمر الأول يتجلى في أنْ يتكون الهدف ببساطة من إضافة قضايا معينة إلى بعض النتائج أو السّجلات التحاورية العامة المشتركة؛ والأمر الثاني يتجلى في أنّ كل ما يتطلّبه الأمر لتحقيق الهدف في ظلّ هذه المقامات هو إضافة مثل هذه النتائج أو السّجلات التّحاورية.

إنّ الأهداف الكامنة في إلقاء النّكات واستعمال الاستعارات لا تفي بهذا الشّرط. فمجرد تعديل ما يُعتبر بديهيًا من أجل التحاور الحالي لا يكفي بحد ذاته لنستمتع معًا بسخافة موقف ما، أو نستكشف معًا تبعات تشبيه ما، أو ما شابه ذلك. لذلك، تُعدّ الاستعارات والنّكات مثالين على التّنسيق اللّفظي غير التّواصلي: فمهما تطلب إلقاء الاستعارة أو النكتة من تواصل، فإنّ إلقاءهما لا يُعدّ في حد ذاته إنجازًا تواصليًا. يمكن الإشارة إلى أن لهذه النقطة تبعات مثيرة للاهتمام على نظريات أفعال الكلام. ففي بعض الأحيان، يتعاون المتحدثون مع الجمهور في إحداث أثر تأثيري دون التّعاون معهم في إحداث أيّ أثر إنجازي تمكيني. وتشمل هذه الأفعال التأثيرية المباشرة إلقاء الاستعارات والنّكات. فلّما نحكي نكتة أو نستعمل استعارة، فإنّنا نفعل شيئًا ما بالتحدث كما نتحدث، دون أن نفعل شيئًا آخر بالتحدث كما نتحدث.

تُقدَّم تفاصيل مُهمة حول آراء ديڤيدسون الشَّخصية حول الاستعارة في مقالتيه: مقالة “اضطراب لطيف في النّقوش على القبور” الصّادرة سنة 1986، ومقالة “تحديد اللغة الأدبية” الصّادرة سنة 2005 .[112] وللاطلاع على تعليقات نقدية مُفصَّلة، يُرجى مراجعة مقالات ميرغا رايمر الثلاث: مقالة “مشكل الاستعارة الميتة” الصّادرة سنة 1996، ومقالة “ديڤيدسون حول الاستعارة” الصّادرة سنة 2001، ومقالة “رد على مقالة ‘ما تعنيه الاستعارات’ لدونالد ديڤيدسون” الصّادرة سنة 2004؛[113] وكذلك مراجعة مقالة كلّ من ميرغا رايمر وإليزابيث كيمپ “الاستعارة” الصّادرة سنة 2008،[114] ومقالة إليزابيث كيمب “الاستعارة وتعدّد المعنى” الصّادرة سنة 2013.[115] ولمزيد من المعلومات حول علاقة الاستعارات بالنّكات، وحول علاقة الاستعارة بالعلاقات الإنسانية الحميمة، يُرجى مراجعة كتاب تيد كوهين “التفكير في الآخرين: حول موهبة الاستعارة” الصّادر 2008.[116]

5. التَّطَوُّرَاتُ الْأخِيرَةُ في الْبَحْثِ الاِسْتِعَارِيِّ

1.5. اَلاِسْتِعَارَةُ واللِّسَانِياتُ الْمُعَاصِرَةُ

لقد توصَّل اللِّسانيون المهتمون بالاستدلال التَّمثيلي، وبفهم المقروء، في أواخر سبعينيات القرن العشرين، إلى الاعتقاد بإمكانية إخضاع تصوُّر التَّغيُّر التَّداولي، كما هو مطروح عند پاول غرايس وجون سورل لاختبارات ميدانية صارمة، وباستعمال تقنيات طُوّرت في الأصل لدراسة علم النَّفس اللّساني. وقد استنتجوا أنَّه لو كانت التَّأويلات المَجازية للغة مبنية على تأويلات حرفية سابقة، ولم تُبنَ وتُقيَّم إلاّ لمَّا تعجز التَّأويلات الحرفية المتاحة عن تزويد العبارة بخطاب مناسب للسياق، فمن المتوقع حدوث تأخيرات طفيفة في معالجة فهم الاستعارات، وهي تأخيرات غائبة عن فهم التَّعبيرات والعبارات الحرفية المألوفة. كما يُتوقع أنْ تمرَ التّأويلات الاستعارية المتاحة للعبارات دون أنْ تُلاحظ لمَّا تكون غير ذات علاقة بالمَهمة المعرفية المطروحة. وقد نَشرتْ دراسةٌ رائدة أجراها أورتوني وآخرون[117] نتائجَ تتوافقُ إلى حد كبير مع نتائج كلّ من پاول غرايس وجون سورل. لكن سرعان ما زعمت دراسات أخرى سارت على نفس المنوال، وردت في مقالة سام غلوكسبرغ، وباتريسيا غيلديا، وهوارد بوكلين “حول فهم الكلام غير الحرفي: هل يمكن للناس تجاهل الاستعارات؟” الصّادرة سنة 1982؛[118] ومقالة داون بلاسكو وكينتيا كونين “تأثير الألفة والصلة في دراسة الاستعارة” الصّادرة سنة 1993،[119] أنها دحضت تجريبياً نظرية التَّغير التَّداولي. وقد بدأ البحث عن تصورات تُبيِّن أنَّ التأويلات الاستعارية يمكن أنْ تكون وظائف موحدة بسيطة للتأويلات الحَرفية الّتي تستند إليها، وقادرة على منافسة نظيراتها الحَرفية على قدم المساواة منذ بداية دراسة القول.

لقد شاعَ تصوُّران من هذا القبيل في أوساط العلماء المتخصّصين في علم النّفس اللّغة. فحسب نظرية التّرابط البنيوي النَّسقي[120] الَّتي وضعَتها ديدري غينتنر وزملاؤها، يتألّفُ مضمون الاستعارة [الجديدة]، التي تُشبِّه المُحامين بأسماك القرش من الجزء الصَّادق والجديد، لما يُوحي به أفضل تمثيل متاح بين المحامين، من جهة، وأسماك القرش، من جهة ثانية. انظر في هذا الباب مقالة برين باودل وديدري غينتنر “تقدُّم الاستعارة” الصَّادرة سنة 2005.[121] أمّا نظرية الفئة العليا[122] الَّتي وضعَها سام غلوكسبرغ، فإنَّ فئة أسماك القرش الاستعارية فئة أوسع من الأشياء، إنَّها أشياء مفترسة، لا ترحم، وشرهة، وتتميز بكونها نموذجية لأسماك القرش.[123] وقد وردت مراجعات إيجابية لهذه المقاربة التّجريبية والنّظريات الّتي استلهمتها في كتاب ريموند غيبس “شعرية العقل: التفكير المجازي، واللغة، والفهم” الصّادر سنة 1994،[124] وكتاب كيث جيمس هوليوك ” خيط العنكبوت: الاستعارة في العقل، والدّماغ، والشعر” الصَّادر سنة 2019.[125]

من المُمكن التّساؤل عمّا إذا كان تصور التّغير التّداولي يحملُ بالفعل الآثار المترتبة على دراسة الكلام في الوقت الفعلي كما يعتقد عادة العلماء المختصّون في علم النَّفس اللِّساني. لم يدّعِ تصور جون سورل لكيفية استنتاج معان المتحدّث الاستعارية، من حيث المبدأ، أنّه سردٌ تفصيلي لمعالجة الكلام في الوقت الفعلي. فكلمّا ازداد شيوع التّأويل الاستعاري ونمطيته، ازدادت احتمالية اكتشافه وتأييده دون النّظر في أيّ تأويلات حرفية منافسة ورفضها من البداية. وتتوقع نظرية غرايس وجود حالات يمكننا فيها أنْ نستنتج بثقة أنّ التأويل الحرفي يتوافقُ مع مبدأ التعاون فقط بعد أنْ ننظر في العديد من التأويلات المجازية المُنافسة ونرفضها. ومن الممكن كذلك التّساؤل عمّا إذا كان تصور التّرابط البنيوي، وتصور الفئات العليا قادرين على التّعامل مع معطيات الزمن المعقدة بشكل أفضل من نظرية غرايس. وتشيرُ دراسات أحدث إلى أنّ التأويلات الحرفية قد يكونُ لها أهمية مُلحة وفورية على نحو خاص في جذب انتباهنا. انظر في هذا الباب على وجه الخصوص كتاب راشيل غيورا “حول أذهاننا: البروز، والسّياق، واللغة المجازية” الصّادر سنة 2003.[126]

وفي ثمانينيات القرن العشرين، تشكل أسلوبٌ مميّزٌ في التَّنظير حول اللّغة، والفكر، والمعنى في أعمال تشارلز فيلمور، وإليانور روش، وجورج ليكوف، ورونالد لانجاكر،وأتباعهم، والّذي أصبح يُعرف باسم اللِّسانيات المعرفية، انظر في هذا الباب كتاب ديڤيد لي “مدخل إلى اللّسانيات المعرفية” الصّادر سنة 2001،[127] وكتاب وليام كروفت و ألان كروز ” اللِّسانيات المعرفية الصادر سنة 2004.[128]

يُخالفُ علماء اللّسانيات المعرفية أنصارَ النَّحو التّوليدي[129] للفيلسوف واللّساني نعوم تشومسكي، إذ يُنكرون عليهم قولهم بأنَّ الشّروط الّتي تتألف بها الألفاظ على نحو مفهوم تُحدَّد بمبادئ نحوية كونية جامدة ومُجسَّدة في وحدة لغوية خاصة؛ ويقولون، بخلافهم، إنّ الشُّروط الّتي تتحد بها الألفاظ على نحو دال هي انعكاس مباشر للشروط الّتي يمكن من خلالها تنسيق استراتيجيات معينة لتصوُّر المواقف الملموسة، وهي الاستراتيجيات الّتي تُستعمل الألفاظ للإشارة إليها واستحضارها، بنجاح مع بعضها بعض. كما يُخالف علماء اللّسانيات المعرفية أنصارَ لغة[130] فودور الفكرية، إذ ينكرون عليهم قولهم بأنّ الإدراك أو التّفكير ليس إلا مجرد تلاعب بالتّمثلات الذّهنية الخطابية الشّبيهة بالجمل وفقًا لقواعد استدلالية مُصاغة نحويًا تحافظ على الحقيقة؛ ويقولون، بخلافهم، إنّ التّصوُّر مسألة تلاعب بالصُّور الذّهنية اللاواعية بحيث تُمكِّن الأشياء والمواقف المادية المُصوَّرة على نحو ملموس من أنْ تحل محل الأشياء والمواقف الأكثر تجريدًا الّتي نسعى إلى فهمها.

إنَّ الإشارات اللّفظية والإشارات غير اللَّفظية لا تحمل معاني ثابتة أو تحمل شروط تطبيق محدَّدة بمعزل عن سياقات استعمالها. لكنّها تدفع الجمهور إلى بناء معانٍ مناسبة لها على نحو فوري وتلقائي، في كلّ مرة يلجأ إليها المتواصلون. ويعتمد التّواصل على قدرة المُتواصل على توقع، وتوجيه بناء المعنى التّلقائي، والّذي غالباً ما يكونُ لا واعيا، والّذي ستثيره إشاراته لدى جمهوره المستهدف.

إنَّ المفاهيم آليات للتعامل مع موضوعاتها، من جهة؛ ووسائل للإشارة إلى مكونات محدّدة لتلك الموضوعات من أجل صياغة أفكار صادقة أو كاذبة لها بنية خطابية محاطة بها، من جهة ثانية. لذلك، يجبُ التّعامل مع الحديث عن الأفكار المبنية خطابيا بحذر. فمع أنَّه من المُغري اعتبار معنى المفهوم مسألة تتعلق بالشَّيء، أو النَّوع، أو العلاقة المستقلة عن العقل الَّتي يُشير إليها؛ ومع أنَّه من المُغري اعتبار مضمون الفكرة الصَّادقة أو الكاذبة مسألة تتعلق بالقضية المستقلة عن العقل الَّتي تعبِّر عنها الفكرة؛ ومع أنَّه من المُغري اعتبار الأفكار الّتي نفكر بها كترتيب لمفاهيم لها معنى سابق، كما هو الحال في الجمل الّتي نَنطقها، والّتي تُرتّب ألفاظ لها معنى سابق، إلاَّ أنّ هذا التَّفكير يُقلّل من شأن مدى تأثير طريقة تفكيرنا على ما نستطيع التّفكير فيه وعلى ما نستطيع التّفكير حوله. إنَّ الحديث عن الإشارات، والمضامين القضوية، والصُّور المنطقية ينتمي إلى صيغة صورية لماهية التّفكير، وهي صيغة، في أحسن الأحوال، مُجرد خيال قد يكونُ ملائما في بعض الأحيان.

إنّ مفاهيمنا الأساسية، واستراتيجياتنا الأساسية للتأقلم، هي تلك الّتي نستعملها باستمرار أثناء حركاتنا الجسدية الإرادية الهادفة، استجابةً لخصائص الأشياء المحسوسة في محيطنا المكاني المباشر. وترسم هذه المفاهيم الأساسية عالماً من الأشياء المنفصلة، ومجموعات منفصلة من عناصر فيزيائية متنوعة، موزعة في الفضاء، وتتغيّر مع مرور الزّمن مع ظهور هذه الأشياء والعناصر، وانتقالها من مكان إلى آخر، ثم زوالها في نهاية المطاف. وهي تُقدّم لنا هذا العالم الحسي الحركي من منظور زمكاني محدَّد، وتُعرّفه لنا على نحو أو بآخر كالذي يلي.

إذا كان هناك فرق جوهري بين الاتجاهين الأفقي والعمودي؛ فإنّه يكمن في كون الاتجاه العمودي اتجاه واحد، والاتجاهات الأفقية اتجاهات متعددة. وإذا كان هناك فرق جوهري بين المُرتفعات والمنخفضات، فإنّ هناك فرق جوهري بين الحركة الصّاعدة والحركة النّازلة. فبعض الأجسام عبارة عن جسيمات نقطية غير متمايزة؛ وبعضها الآخر ممتدة، ولها واجهات، وجوانب وخلفيات مميزة؛ وقليل منها لها قمم وقيعان مميزة أيضًا. إن واجهة الجسم هي الجزء الّذي يواجه الأمام عادةً أثناء حركته، وهو الجزء الّذي يحتاج المرء عادةً إلى التّعامل معه عند إجراء معاملات جادة معه؛ وقمة الجسم هي الجزء الذي يكون عادةً في أعلى نقطة، وهكذا دواليك. إن بعض الحركات، أي الحركات القسرية، تنتج عن تأثيرات خارجية على جسم أو مادة متحركة، كالدفع، أو السحب الَّذي تمارسُه عليها أجسام أو مواد أخرى في محيطها المادي المباشر. أمّا الحركات الأخرى، أي الحركات التلقائية، فتحدث بمبادرة من الجسم المُتحرك نفسه؛ وهذه أفعال فيزيائية تقوم بها عوامل فيزيائية. يمكن لبعض الأجسام المجوفة استيعاب أجسام أو مواد أخرى بداخلها، في حيز داخلي يتحرك معها كلما تحركت؛ وهذه هي الحاويات. وقد يرتبط مكان أو جسم بمكان أو جسم آخر عبر مسار قابل للاجتياز يتكون من مواقع وسيطة. وقد يكون هذا المسار قصيرًا ومستقيمًا ومباشرًا، أو قد يكون طويلًا ومتعرجًا وغير مباشر. وترتبط الأجسام والمواد بعلاقات التّوافق، والالتصاق، والتماسك، والدعم وما شابه، ولكل من هذه العلاقات تبعات مباشرة على كيفية (ومدى استقلالية) حركة الأجسام أو العناصر المعنية. إلخ.

تُشكّل المفاهيم الواردة في الملاحظات السّابقة نوعًا من الهندسة الشّعبية، والحركة الشّعبية، والديناميكا الشّعبية. فالعلاقات الّتي تتناولها هذه المفاهيم لا تقتصرٌ على كونها الموضوعات المباشرة الوحيدة للتجربة الإنسانية، فنحن نُدرك بعض مشاعرنا بنفس القدر من المباشرة. لكنّ المشاعر التي تُعدّ أكثر موضوعات التّجربة وضوحًا، هي التي يُعنى بها الفكر الإنساني بشكلٍ حتمي ودائم.

نُظهر هذه العلاقات لأنفسنا ونستنتج منها من خلال صور ذهنية ترابطية بسيطة، وهي صور تُستعمل على نحو لاواعي على نحو روتيني في إجراء ترابط وتنفيذ حركاتنا الجسدية الإرادية، فهذه هي مخططات الصّور الحسية الحركية. نستعملُ هذه المخططات لمراقبة وإدارة أنشطتنا الجارية في الحاضر، ولتصور الظُّروف والأنشطة المستقبلية المحتملة عند التكهن أو التصميم. كما قد نستعملها في عروض تصويرية لمبادئ عامة مهمة تحكمُ العلاقات الهندسية، والحركية، والدّينامية الّتي تُمثلها، نحو قولنا:

  • أولا: إذا كان جسمٌ ما في الحاوية الأولى، وإذا كانت الحاوية الأولى نفسها في الحاوية الثانية، فإنَّ الجسم المذكور يكون في الحاوية الثانية.
  • ثانيا: إذا بدأ الجسم (س) من النقطة (أ)، وتحرك باستمرار في اتجاه واحد على طول مسار مباشر يؤدي من النقطة (أ) إلى النقطة (ب)، فإنه يقترب أكثر فأكثر من النقطة (ب) في أوقات لاحقة حتى يصل إليها في النهاية.

تُصبح هذه العروض التّوضيحية ممكنة، لأنّه بمجرد إعدادها ونشرها على نحو صحيح، فغالبًا ما يُكتشف أنّ التّصوير التّخطيطي الذي يحتوي على مضمون يصف الواقع يتجاوز ما فرضه بانيه عمدًا من البداية. ولمّا يحدث هذا، يتعامل مُنشئ التّصوير مع ما بناه على أنّه يحمل معلومات صادقة (أو مضللة) متعلقة بطبيعة المواقف التي سعى إلى تصويرها، أو ما يجب أن تكونَ عليه بالضّرورة. قد تُعرض بعض هذه المعلومات الزائدة على نحو صريح وثابت، بحيث يمكنه ببساطة قراءتها من خلال التّصوير الذي بناه. هكذا يُمكننا إثبات المسألة الأولى أعلاه لأنفسنا. وهذا هو الاستدلال البنيوي. أمّا الباقي، فيُعرض ضمنيًا وديناميًا، بحيث لا يمكنه استرجاعه إلا بتحريك تصويره، والسّماح لحالاته المتغيرة بإخباره كيف تتطور المواقف الّتي سعى إلى تصويرها عادةً، أو ما يجب أن تتطور عليه بالضرورة مع مرور الوقت. وهكذا يُمكننا إثبات المسألة الثانية أعلاه لأنفسنا. وهذا هو التّنفيذ، ويُسمى أيضًا التّظاهر، أو التّوسع، أو إدارة فضاء ذهني. ومن أجل الاطلاع على “الاستدلال البنيوي” و “التّنفيذ”، انظر مقالة ليكوف وجونسون “الخاتمة” الصَّادرة سنة 2003.[131] ومن أجل الاطلاع على “التظاهر” و”التّوسع” و”إدارة الفضاء”، انظر كتاب فوكونيي وتورنر “الطَّريقة الّتي نفكر بها” الصّادر سنة 2002.[132]

يؤكد ليكوف وزملاؤه أنّ الاستعارة في جوهرها مسألة مفهومية، أي مسألة التّفكير في شيء ما، ومن خلاله، على أنّه شيء آخر. فما يُسمّيه ليكوف بالاستعارة المفهومية، أو الخريطة العابرة للمجالات نحو استعارة: “الحب رحلة”، هو نزوع اجتماعي راسخ، ومتغلغل على نطاق واسع لتصوُّر نوع ثابت من الأشياء متعلق بمجال “العلاقات العاطفية”، على أنّه شيءٌ ثابت آخر ومن خلاله متعلق بمجال الرحلات. يُنشئ هذا النزوع المعرفي توافقًا دائمًا بين مفاهيم محددة وقياسية متعلقة بالعلاقات العاطفية من جهة، ومفاهيم محددة وقياسية متعلقة بالرحلات من جهة أخرى، بحيث أنّه في كلّ مرة تُستحضر فيها الاستعارة المفهومية، لمّا يتعلق الأمر بعشيقين جديدين، فنقول: « العشيقان يشبهان المسافران، وعلاقة الحب تشبه المركبة،  وأهداف العاشقين المشتركة تشبه وجهتيهما المشتركة في الرّحلة، والصُّعوبات في العلاقة تشبه عوائق السفر.»[133]وهكذا دواليك. فمن خلال استثمار هذه التوافقات، نستطيع، بل ونفعل، إعادة توظيف أنماط التّفكير المألوفة والسّهلة حول نوع مألوف من الأشياء الّتي يسهّل تمثلها الحسي الحركي المباشر، والتي هي الرّحلات، في نوبات تفكير جديدة وشاقة حول نوع ثانٍ من الأشياء، أكثر غموضًا، والّتي هي العلاقات العاطفية،قال ليكوف: « تتضمن الاستعارة فهم مجال من مجالات التّجربة، الّذي هو الحب، من منظور مجال مختلف تمامًا من مجالات التجربة، الّذي هو الرّحلات…».[134] وقال أيضا: «وتتيح لنا الاستعارة فهم موضوع مجرد نسبيًا أو غير منظم بطبيعته من خلال موضوع أكثر واقعية، أو على الأقل أكثر تنظيمًا.».[135]

وبمرور الوقت، قد يتجلى هذا التّوجه المعرفي الواحد في العديد من التّعبيرات اللّفظية المختلفة، كما يقول أحد العشاق على لسان ليكوف: «لقد وصلت علاقتنا إلى طريق مسدود… انظر إلى المدى الَّذي وصلنا إليه. لا يمكننا العودة الآن. لقد كانَ طريقًا طويلًا ووعرًا. نحن الآن على مُفترق طرق. قد نضطر إلى الانفصال. إن العلاقة لا تسير في أي اتجاه. نحنُ ندورُ في حلقة مفرغة. إنَّ علاقتنا خارجة عن مسارها. إن هذا الزواج على وشك الانهيار. قد نضطر إلى إنهاء هذه العلاقة.».[136]

إنَّ ما يجعل هذه التّعبيرات اللّفظية استعارية، حسب ليكوف، هو كونها تعبيرات مباشرة، وواضحة، عن أفكار استعارية بطبيعتها، إنّها أفكار بُنيت في البداية تحت إشراف الاستعارة المفهومية الوحيدة، الّتي هي “الحب رحلة”. لذلك، ابنِ استعارة مفهومية؛ واستعمِلها للتفكير في فكرة استعارية؛ وعبّر عن تلك الفكرة بالألفاظ بالطريقة المعتادة، وفقًا للمعاني المعتادة للألفاظ المعنية؛ وبذلك تُعتبر النّتيجة استعارة لفظية. يُعرّف ليكوف الاستعارة اللّفظية بأنّها التّعبير المباشر، والواضح، عن تصور استعاري بطبيعته، أو فكرة استعارية بطبيعتها. هذا هو تطبيق المبدأ اللغوي المعرفي العام على الاستعارة اللّفظية، وهو أنّ الصّورة النّحوية هي التّعبير المباشر عن العلاقات الدلالية الكامنة فيها.

إنّ الفضاء الذّهني ترتيب لمفاهيم أو صور منفصلة تُستعمل لتمثيل نوع مألوف ومتكرر من الأوضاع. ويسمح لنا التّلاعب التّخيلي بهذا الفضاء بتوقع بنية الأوضاع في زمن محدّد، وفي سلوكها مع مرور الزمن، وهي الأوضاع التي صُمم لتمثيلها. تمثل الفضاءات الذّهنية طرقًا يمكنُ من خلالها تصوُّر الأشياء، كما تمثل العوالم الممكنة طرقًا يمكنُ أن تكون عليها. لقد اقترحها جيل فوكونيي في كتابه “الفضاءات الذهنية” الصّادر سنة 1994[137] كأساس لتأويل الافتراضات المُضادة للواقع، وبناء المواقف الافتراضية، الّتي اعتبرها متفوقة على التأويلات الشّرطية الصادقة والقياسية القائمة على التّحديد الكمي للعوالم المُمكنة.

لنفترض أنّ مساحتين من هذا القبيل، تمثلان نوعين مختلفين من الأوضاع، يمكن اعتبارهما إثراءً متباينًا لفضاء عام واحد يمثل نوعًا أكثر عمومية من الأوضاع الّتي تجسدها بطرق مختلفة ومتناقضة. تتوافق المفاهيم أو الصُّور في المساحة الأولى مع المفاهيم أو الصُّور في المساحة الثّانية إذا كانت تُجسِّد المفهوم أو الصُّورة نفسها في المساحة العامة. ويمكن بعد ذلك إنشاء فضاء مُدمج رابع يستمد بعض سماته التّمثلية من فضاء الإدخال الأولى، وبعضها من الثانية، وبعضها الآخر من المبادئ العامة للتكامل المفهومي، على أمل أنْ تُمثل النتيجة بدقة، أي أنْ تتوّقع بدقة بنية الوضع في زمن محدد وسلوكه مع مرور الزّمن، نوعًا من الأوضاع المهمة على نحو مستقل. لقد قدم فوكونيي وتورنر في كتابهما “الطّريقة الّتي نفكر بها” الصّادر سنة 2000[138] إطارًا عامًا لدراسة المساحات المُدمجة وشبكات التّكامل المفهومي الّتي تُنتجها. وقد تصورا تطبيقات متنوعة لهذا الإطار في دراسة الاستدلال غير الصّوري، وتأويل اللّغة الطبيعية. وأحد هذه التطبيقات يتجلى في تأويل الاستعارات التّمثيلية الّتي تتخذ الصورة الآتية: “س= شيء  هو ص= شيء مضاف لشيء ع“، والّتي نعبر عنها باللّغة الطّبيعية في الجملة الاستعارية الآتية على سبيل المثال: “الغرور هو رمال متحركة للعقل”، وهو موضوع يستكشفه تورنر بالتّفصيل في مقالته “المجاز” الصّادرة سنة 1998.[139]

إنّ نظرية الاستعارة المفهومية ونظرية المزج لا زالتا قيد التّطوير. ومن الدّراسات الشّاملة في هذا الباب نجد: كتاب زولتان كوفيتشيس “الاستعارة: مدخل تطبيقي” الصّادر سنة 2010،[140]  وكتاب باربارا دانسيجير وإيڤ سويتسر “اللّغة المجازية” الصّادر سنة 2014.[141] وقد استعرض ريموند غيبس ​​ في كتابه “حروب الاستعارة” الصّادر سنة 2017،[142] الاعتراضات على هذه المقاربة. كما توجد دراسة تربط بين الاختلافات في الاستعارة المفهومية، والاختلافات في إدراك الأفراد لتجسيدهم الذاتي في كتاب جينيتا ليتلمور “الاستعارات في العقل” الصّادر سنة 2019.[143]

2.5. اَلاِسْتِعَارَةُ ومَعْرَكَةُ السِّيَاقِ

إنَّ المعنى القابلَ لإعادةِ الصِّياغة في الاستعارةِ لا يُحسَمُ على وجه القطع بالمعاني الحرفية للألفاظ والعبارات. لأنَّ الشَّمسُ الَّتي يُفهم منها في إعادة الصِّياغة أنَّها قد تُغذي الجِسم وتُنيرُ المكان، قد يُفهم منها خلاف ذلك، أي أنَّها قد تُجفِّف الجِسم، وتُهلِكه، وتُحرِقه. وإنَّ ما أُعبّر عنه بشأن شخص ما من خلال تشبيهه بالشَّمس من باب الاستعارة يعتمد على صور الطَّاقة الشَّمسية، الَّتي تتبادر إلى ذهني حينئذ؛ وهذا بدوره يعتمدُ، على نحو صعبٍ، على المقام التَّحاوري الَّذي أقول فيه تلك الاستعارة. ففي الاستعارات تتجلى حساسية للسياق[144] عميقة وواضحة، ولهذا، فقد استندت عدة دراسات، أُجريت حول الاستعارة في السَّنوات القليلة الماضية إلى نقاشات أوسع تمحورت حول المعالجة الصَّحيحة لحساسية السِّياق في فلسفة اللَّغة النَّسقية.[145]

بالنِّسبة للمُدعي حرفية الاستعارة، فإنّ المُعبِّرات اللَّفظية الأولية للقضايا، والحَاملات اللَّفظية الأساسية للقيم الصِّدقية، هي أنواع جمل مُحدَّدة المعنى على نحو دقيق. وبالتَّالي، فإنّ الحَّاملات الأساسية للإشارات، وللتَّوسعات، وللمضامين الشَّرطية للصدق، وإنَّ الوحدات الأساسية للتصور في الدّلالات التركيبية، هي لفظ وأنواع عبارات مُحدَّدة المعنى على نحو دقيق كذلك. ولهذا، فمن السَّهل إدراك ما يترتب على ذلك في اللُّغة الرَّمزية المُناسبة للرياضيات البحثة، المناسبة للموضوعات المجرَّدة المُشابهة لها. لكنْ من الصَّعب إدراك ما يترتبُ على ذلك في اللُّغات الطَّبيعية، إذ يُمكن استعمال نوعٍ واحد من الجملِ للتعبير عن العديد من القضايا المُختلفة مع كلِّ مظهر خارجي من الصّراحة والوضوح في العديد من المقامات التّحاورية المُتداولة المختلفة. وبذلك يأمل مُدعي الحرفية في اتخاذ حساسية السّياق للألفاظ الإشارية مثل أنا وهنا والآن نموذجًا لفهم حساسية السِّياق الدّلالية على نحو عام.

هنا يأتي دور تصوّر مستقلٍ ومعقول للتبادل التّحاوري لدعمها. إنَّ كلا من أقوال المُتحاورين ونشاط المستمعين التأويلي يتأثرا على نحو عميق وشامل بالقيم الحالية لعدد قليل من المعالم الأساسية للسياق. ولهذه المعالم قيمٌ محدَّدة، إلى حد ما، في كلِّ مرحلة من مراحل التَّحاور الجاري على أحسن وجه؛ وتعتمد مجموعة واسعة من قواعد التّحاور، سواءً كانت لائقة أم لا، على قيمها الحالية في أي مرحلة محدّدة؛ وتتغيّر هذه القيم من قول إلى آخر استجابةً لأحداث واضحة للعيان، وفقًا لمبادئ بسيطة لديناميكيات التّحاور، إذ يمتلك المشاركون المتمرسون والواعون فرصة جيدة لمتابعة تغير هذه القيم. ويحتاجُ المشاركون إلى هذه الفرصة، لأنّ التّبادل التّحاوري السّلس وغير المقيّد، والّذي يؤدي إلى فهم تام من كلّ طرف لِمَا يقوله الآخر، ويتطلب من المشاركين امتلاك معرفة متبادلة دقيقة وشاملة، إلى حد ما، بواسطة قيم المعالم في كلّ نقطة من نقاط التّبادل التّحاوري.

إنّ أهمّ معيار سياقي، وأكثرها وضوحًا هو الّذي يُفترض مسبقًا من النّاحية التّداولية، وهو مجموع القضايا الَّتي يُفترض صدقُها على نحو متبادل لأجل التّحاور الجاري. ومع ذلك، فمن السّهل اعتبار الذي يتحدث، والذي يخاطب، وزمن التحدث، وعلاقات الصلة المرتبطة بما يتم التّحدث عنه، وما إلى ذلك، معالم سياقية إضافية. يبدو، في الواقع، أنّ المعالم الّتي تتأثر بها مضامين الألفاظ والعبارات “الحساسة للسياق” على نحو خاص هي من بين المعالم السّياقية التي يُعدّ إدراكها المتبادل ضروريًا لتنسيق التّحاور بحرية على نحو عام. لذلك، ربما ينبغي لنا أنْ ننظر إلى أنواع الجمل على أنّها تعبّر عن قضايا، وأنْ ننظر إلى أنواع الألفاظ والعبارات على أنّها تعبّر عن مكونات أو مضامين القضايا، وذلك بارتباط بتعيين قيم لمعالم السّياق المختلفة الّتي تحكم التبادل التَّحاوري الجاري، والّذي سيسير تقريبا على النّحو الآتي: أولا، يحدّد المضمون المتراكم في نوع الجملة عند نطقها، أي المضمون الّذي تحمله مرتبطا بالقيم النّشطة الحالية للمعالم السّياقية المحدّدة، وما يمكن قوله أو إيصاله مباشرةً من خلال نطقها. ثانيا، يحدّد ما يُقال أو يُوصل مباشرةً من خلال القول، بالإضافة إلى مختلف التّغيرات الأخرى المتاحة للعامة في ظروف التّحاور، وكيفية تغير المعايير السّياقية استعدادًا للقول التالي. ثالثا، لمّا تكون القيم الّتي تتخذها المعالم السّياقية استعدادًا للقول التالي مناسبة تمامًا لتأويل القول التالي عند صدوره، فإنّ المضمون الّذي يحمله هذا القول عند صدوره هو المضمون الّذي تمتلكه الجٌملة المنطقية في ارتباطها بالقيم محددة المعالم مسبقًا. رابعا، لمّا تكون القيم الّتي تتخذها المعالم استعدادًا للقول التالي غير مناسبة كما هي عليه عند صدورها، ولكن يوجد تغيير بسيط، وفريد، ​​وممكن، وواضح للعيان في تلك القيم من شأنه أنْ يجعل القول مناسبا وقابل للتأويل على نحو صحيح، فإنّ هذا التغيير يحدث فورًا، ويكون المضمون الّذي حمله القول التالي عند صدوره هو المضمون الذي تحمله الجملة المنطوقة مرتبطة بمجموعة قيم المعالم الجديدة الناتجة عن هذا التعديل في اللحظة الأخيرة. وتُطلق الأدبيات على هذه العملية اسم التّكيف.

من أجل التنظير الدّلالي والتّداولي، يمكننا تمثيل السّياقات الّتي تتأثر بها مضامين التّعبيرات الحساسة للسياق، والّتي تتغير تبعًا لها، من خلال مجموعة من القيم الممكنة محددة المعالم. كما يمكننا تمثيل معنى لفظ أو عبارة معينة، تم توضيح معناها على نحو مناسب، بواسطة قاعدة للوصول إلى مكون قضوي مناسب أو مساهمة أو مضمون مشروط بالصّدق، بالنّظر إلى سياق مفهوم على هذا النحو. لقد أطلق ديڤيد كابلان على هذه القاعدة، الّتي تنقلنا من السّياقات إلى المضمون، اسم خاصية. وقد وُضعت الموارد التّقنية التي يستعملها أنصار المذهب الحرفي تدريجيًا على مر السّنين من قِبل ريتشارد مونتاغ في كتابه “الفلسفة الصُّورية” الصَّادر سنة 1974،[146] ومقالة ديڤيد كابلان “أدوات الإشارة” الصَّادرة سنة1989،[147] ومقالة ديڤيد لويس “تسجيل النّقاط في لعبة لغوية” الصَّادرة سنة 1979،[148] وكتاب روبرت ستالناكر “سياق المضمون” الصَّادر سنة1999.[149] لكن يبقى التّساؤل مطروحًا حول ما إذا كان أيٌّ من هؤلاء سيؤيدها تأييدًا كاملًا. ومن بين أبرز أصحاب التّصور الحرفي نجد: كينت باخ في مقالته “سياق إكس ماكينا” الصَّادر سنة 2005،[150] وجيسون ستانلي في كتابه “اللُّغة والسِّياق” الصَّادر سنة2007،[151] وأولئك الذين أطلقوا على أنفسهم اسم أصحاب التّصور الدلالي البسيط وهم: إيما بورغ في كتابها “الدَّلاليات المبسطة ” الصَّادر سنة 2004،[152] وهيرمان كاپيلين وإرني ليپور  في كتابهما ” الدلاليات غير الحساسة: دفاع عن التبسيط الدَّلالي وتعدد أفعال الكلام ” الصَّادر سنة 2005.[153]

وعلى النقيض من ذلك، يصرّ دعاةُ التصور السِّياقي على أنَّ ما يلزم ليكون القول صادقا أو كاذبا، وما يلزم ليكون نوع الجملة المنطوقة صادقا أو كاذبا كما تنطق، هو مسألة تتعلق بما يلزمنا لنكون صادقين أو كاذبين في قولنا. ولمَّا أستعملُ ألفاظي بكلّ صراحة ووضوح ظاهريين، فلا مجال ببساطة لتمييز مبدئي وتفسيري بين ما أقوله وما أعنيه، وبين القضية الَّتي أعبر عنها، والقضية التي أوصلها. وكقاعدة عامة، فإنَّ القضية التي أعبّر عنها في حديثي هي ما ستؤكده إذا أجبت بجواب “نعم، هذا صحيح“؛ وما ستنكره إذا أجبت بجواب “لا، هذا غير صحيح“؛ وما ستشكك فيه إذا أجبت بجواب “هل هذا صحيح؟”. ولما يكون هناك تباين بين ما يقال، وما يُقصد بنجاح في أي من الاتجاهين، ويجب أن يكون التباين قابلاً للتمييز نظريًا على الأقل في الخطوط العريضة، وإلا فلنْ تنطلق الاستنتاجات التَّحاورية عند پاول غرايس من البداية.

ويتابع مدعي السِّياق قائلاً: إذا افترضتم هذا القدر، فسيتعين عليكم أنْ تستنتجوا أنَّه لا يوجد حدٌّ مُحدد لعدد المعاني الّتي يمكن أنْ يتخذَها لفظ له معنى حرفي مُحدد، ولا يوجد حدٌّ مُحدّد لخصائص مناسبة الاستعمال الّتي يمكن أن تُصبح مرتبطة بتحديد أيٍّ من هذه المعاني سيتخذها اللّفظ فعليًا في مناسبة استعمال مُعينة، بالنظر إلى معناه الحرفي. تقاوم السياقات التمثيل المُوجز من حيث مجموع من قيم محددة المعالم، ولا يُمكن تلخيصُ الانتقال من المعنى الحرفي إلى المضمون المُناسب، في سياق مُعين، وفي أي قاعدة معلمية مُنظمة؛ فهو هيرمينوتيقي [تأويليٌّ] بطبيعته أكثر منه خوارزمي. وكما يقول تشارلز تراڤيس: «خذ أي جملة مفتوحة، مهما كان عدد موضوعاتها المُفترضة، بحيث يُملأ كل موضعٍ منها بالإشارة إلى نوع معين من الأشياء. وخذ أيّ تسلسل من الأشياء، بحيث يكونُ كلُّ تسلسل مناسبًا للإشارة في موضعه المقابل. عندئذٍ، يكونُ معنى الجملة المفتوحة متوافقًا مع قولها أيًا من الأشياء التي لا حصر لها [عن] تلك الأشياء، المشار إليها في خاتمتها. على سبيل المثال، هناك تنوع لا محدود في الأشياء التي يمكن قولها عند وصف شخص ما بأنه في المنزل في وقت محدّد. (هل أنت في المنزل لما يكون منزلك، وأنت بداخله، وقد انزلق أسفل التل؟).».[154]

يستنتج دعاة السِّياق أنّه لا يوجد معيار محدّد، وقابل للقياس يمكنُ من خلاله تحديد أنواع الجمل في اللُّغة الطبيعية الّتي تعبّر عن قضايا محدّدة. فأنواع الجُمل لا تعبّر في حد ذاتها، في الواقع، عن قضايا، ولا تمتلك شروط صدق على الإطلاق. إن ما يمثله الصدق، والكذب، والمضمون القضوي في المقام الأول هو دلالات على تأثير تواصلي محدّد من قبل متحاورين محدّدين. فكما يقول فرانسوا ريكاناتي: “فالجملة لا تعبّر في سياق فعل الكلام سوى عن مضمون محدّد”. ومن أبرز دعاة التّصور السياقي نجد: تراڤيس في مقالته “المدخل” الصَّادرة سنة 2008،[155] وجون سورل في مقالته “الاستعارة”الصَّادرة سنة1979،[156] وفرانسوا ريكاناتي في كتابه “المعنى الحرفي” الصَّادر سنة 2004،[157] وهيربرت كلارك  في مقالته “صناعة المعنى واللامعنى” الصَّادرة سنة 1992،[158] وستيفن ليڤينسون في كتابه “المعاني المفترضة” الصَّادر سنة 2000،[159] هذا بالإضافة إلى منظري الملاءمة المعاصرين أمثال: روبين كارستون  في مقالته “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادرة سنة2002،[160] وآن بيزويدنهوت في مقالتها “التداولية الشرطية الصادقة” الصَّادرة سنة 2002،[161] وسپيربر وويلسون في كتابهما “الملائمة: التّواصل والمعرفة” الصَّادر سنة 1995.[162]

عند مواجهة ألغازٍ مثل لغز تراڤيس حول ما يتطلبُه الأمر للشعور بـ”الراحة التامة”، فإن المتمسك بالتفسير الحرفي يحتاج إلى التّأكيد على أنَّ الفكرة الّتي أنجح في إيصالها من خلال جملة ما، غالبًا ما تختلفُ عن الفكرة الّتي تعبّر عنها جُملتي بالنسبة للقيم السّائدة المرتبطة  بالمعالم السياقية، حتى لمّا أتحدّث بكلّ مظاهر الصَّراحة والوضوح. وتستنتج تراڤيس من ذلك وجود تباينات بين ما نقوله حرفيًا، أي الأفكار الّتي نعبّر عنها لفظيًا، وما نعنيه فعليًا، وهي تباينات أدق من تلك الّتي تظهر في التّضمين التّحاوري الكلاسيكي عند پاول غرايس. وتأملُ تراڤيس أن تُطبَّق الاستراتيجيات التّمييزية والتّفسيرية الّتي استعملها غرايس لدراسة التّباينات الواضحة نسبيًا بين القول والقصد، على هذه التّباينات الدّقيقة أيضًا.

لمدعي السياق حرية اعتبار بعض الاستعمالات المجازية على الأقل تكون قائمة على التّباين بين المضمون الحرفي الّذي يكتسبه التّعبير مباشرةً ومن أسفله، بحكم معناه، وخصائص سياق استعماله، والمضمون المجازي المشتق، الّذي ينقله التعبير من خلال بنية القواعد النحوية كمساهمة منه في مضمون أي بنية نحوية أكبر قد يكون جزءًا منها. وبعبارة أخرى، فإن له حرية اعتبار بعض الأساليب البلاغية تكون، على الأقل، متضمنة لعمليات إعادة تعيين للمضمون مستوحى من النّاحية التداولية.

أمّا بالنسبة لمدعي الحرفية، فإنَّ كلّ المضامين المُمكنة لتعبير محدّد تنبثقُ من معنى حرفيٍّ مناسب له، وبنفس الطّريقة والمباشرة، فنحن ببساطة نطبّق قاعدة واحدة لتحديد المضمون، ونطبّق نفس الخاصية، على سياقات مختلفة. لذلك، فالتّصور الحرفي، بهذا المعنى، لا مكان فيه للمضامين المجازية في تصوره لاستعمال اللغة المجازية.

وتميل التصورات السياقية الحديثة للاستعارة إلى القول بأنْ تكون تمارين في “التّداولية الشّرطية للصدق”، فالاستعارة تتضمن مزجًا من الإثراء، والتّخفيف، في شروط تطبيق الألفاظ العامة المقصودة، حيث يكونُ التغيّر الجذري الناتج في المضمون كاف لجعل ما يُفترض أنّ المتحدث يقوله، وما يُفهم منه، أو يُلمح إليه متوافقًا مع معايير التّحاور المقصودة. وتستمد المواد المفهومية الأولية للمضمون المتغيّرة جزئيًا ممّا يُعتبر مُسلّمًا به في نقطة محدّدة من تحاور محدّد، وجزئيًا من المسلّمات الشائعة الّتي يستعملها المتمكنون من تلك الاصطلاحات. وفي التصورات القائمة على نظرية الملاءمة، كما هو الحال عند رونين كارستون في مقالته “تداولية بناء المفاهيم عبر الإنترنت” الصَّادر سنة 2002،[163] وآن بيزويدنهوت في مقالتها “الاستعارة وما يُقال: دفاع عن وجهة نظر التعبير المباشر للاستعارة” الصَّادرة سنة 2001،[164] ومقالة كل من دان سپيربر وديردي ويلسون ” تصور مُبسط للاستعارات ” الصَّادر سنة 2008[165] ويُعد التّغيير جزءًا من نفس عملية التّضمين التّحاوري الّتي يمكن الوصول إليها تأمليًا، والتي نستعملها لاستخلاص التضمين الكلاسيكي عند پاول غرايس. وفي تصور فرنسوا ريكاناتي المنافس له في كتابه “المعنى الحرفي” الصَّادر سنة 2004،[166] تُدار الاستعارة من خلال عمليات “ترابطية” يفتقر المستمع إلى الوصول التأملي فيها. ويؤكد سبيربر وويلسون أنّ الاستعارة ليست سوى مثال درامي بارز لعمليات تغيير المضمون، الّتي تعملُ في كلّ مراحل تأويل اللّغة، ولا تنطوي على مبادئ مميزة خاصة بها.

لقد اتخذت التّأويلات الحرفية الحديثة للاستعارة نمطين يمكنٌ عرضهما كالآتي:

النمط الأول، يتجلى في وجود محاولات لتصوير حساسية الاستعارة للسياق من خلال خصائص كابلان، أي من خلال قواعد تجعلُ المضمون الدَّلالي لمكون استعاري محدّد مناسبًا دالةً مناسبةً للقيمة الحالية لمعلم سياقي محدد له ارتباط خاص بالاستعارة. فعند استعمال التعبير الاستعاري المحوري في سياق البنى المشروطة والافتراضية، فإنّه يُضفي الخصائص الّتي يُبرزها فعليًا في هذه اللّحظة على وصف الظروف الّتي كان سيُبرز فيها خصائص أخرى لو استُعمل فيها. وهذا ما دفع جوزيف ستيرن في كتابه “الاستعارة في السّياق” الصَّادر سنة 2000،[167]  إلى افتراض عامل أخذ الاصطلاحات وتكوينها، “قول من باب الاستعارة” أو “استعاري”،[168] الّذي يُترك عادةً دون نطق، ويُحاكي سلوكه سلوك عامل كابلان المُثبِّت “مجازي”.[169] يفترض ستيرن أنّه في أي لحظة محدّدة من أي تحاور، توجد مجموعة من الأمور المسلّم بها بين الطّرفين لها أهداف تأويلية شكلية مختلفة؛ ويسميها الافتراضات الأولى.[170] استحضر في هذا الباب المسلمات الكلامية عند سكولسكي. وعلى غرار الافتراضات العادية، تتغير الافتراضات الأولى من قول إلى آخر تحت تأثير ضغوط التكيف، وتُضفي على الاصطلاحات “دلالات ضمنية” بمعنى مشابه لمعنى سكولسكي: فخاصية (ب) “مُتضمنة” أو مرتبطة بمصطلح عام محدد، وفي سياق محدد، وذلك في حال كان من المفترض ضمنيًا في ذلك السياق أن الأشياء التي ينطبق عليها مصطلح عام تمتلك الخاصية (ب). ويمكن تلخيص شرح كابلان الكامل لمصطلح “استعاري” بالتقريب على النحو الآتي:

فإذا كان لدينا مصطلحا عامًا Φ، فإنه في سياق محدد، يكون مضمون  “Φ استعاري” عبارة عن اقتران كل الخصائص الاستعارية المرتبطة بالمصطلح Φ في ذلك السياق المحدد؛ وفي هذا السياق يتم تحديد هذا الاقتران من خلال الخصائص في أي ظرف من الظروف.[171] وهذا يجعل مضمون” Φ استعاري” دالةً لمعلم محدد له غرض خاص، وهي مجموعة الافتراضات الأولى الفعّالة ، حتى في الحالات التي يكون فيها للمصطلح Φ نفسه نفس المضمون في كل سياق.

النمط الثاني، يتجلى في الجهود التي تُبذل لإحياء تصور پاول غرايس الكلاسيكي للاستعارة من خلال التشكيك في المعايير التشخيصية المحدّدة لما ” يُقال”، والتي يُصرّ السّياقيون المعاصرون على التشبث بها. ويسعى الحرفيون الجدد المتبنين لتصور غرايس إلى إثبات أنّ المعنى قد يختلفُ عما يُقال حتى لما يتحدّث المتحدثون بكلّ صراحة ووضوح، وأنّ هذا هو ما يحصل تحديدًا لما يلجأ المتحدثون إلى الاستعارة. تتشابه الحجج التي يستعملها أصحاب التصور السياقي ضد خصومهم تشابهاً لافتاً مع تلك التي استعملها كريپكي ضد تصور دونيلان القائم على المضمون للتمييز بين الاستعمالات الإشارية، والاستعمالات الوصفية. انظر في هذا الباب مقالة كيث دونيلان “الإشارة، والأوصاف المحددة” الصَّادرة سنة 1966،[172] ومقالة سول كريپكي “إشارة المتحدث والإشارة الدلالية “(1977)،[173] وانظر المدخل الخاص بالأوصاف في موسوعة ستانفورد الفلسفية.

يُقدّم بحثٌ مُفصّلٌ بشكلٍ خاص في هذا السِّياق أنجزته إليزابيث كامب في مقالتها “السّياق، والاستعارة، وما يُقال” الصَّادرة سنة 2006؛[174] ولا يُمكننا هنا استعراض سوى إحدى حُججها. وقبل فترة، لفت اللُّغوي لاري هورن الانتباه إلى “ظاهرة النّفي ما وراء اللّغوي، وهي أداةٌ للاعتراض على عبارةٍ سابقةٍ لأي سببٍ كان، بما في ذلك الدّلالات التضّمنية التقليدية أو التحاورية التي قد تُوحي بها، أو بنيتها، أو أسلوبها، أو نطقها”.[175] لنأخذ على سبيل المثال عبارة “لمْ يكنِ الجوٌ دافئًا، وإنَّما كان خانقًا”، إذ يُفترض، بطبيعة الحال، أنّه إذا كان الجو خانقًا، فإنَّه كان دافئًا أيضًا. وفي كثيرٍ من الحالات، يُمكن في الواقع استعمال أداة لغويةٍ يعتبرها أصحاب السّياق مُخصصةً لنفي ما قيل، ولنفي قضيةٍ أو أخرى غير مُعلنةٍ ومرتبطةٍ بها.[176] تُؤكد إليزابيث كامب بأنَّ هذا يجعل التّشخيصات القائمة على النّفي المباشر لمَا قيل غير موثوقةٍ على نحو منهجي. وإذا كانت محقة في هذا، فإنَّ التشخيصات القائمة على التّأكيد المباشر، والتشخيصات القائمة على الاستجواب المباشر ستواجه مشكلة لنفس السَّبب المذكور.

3.5. الاستعارة وَلُعْبَةُ التَّظاهُرِ

أصدرَ الفيلسوفُ الأستراليُّ كولين موراي تورباين سنة 1962 كُتيباً حول نظرية الفيلسوف جورج بيركلي في مسألة رؤية الكون عنوانُه “أسطورة الاستعارة”.[177] وقد تناولَ هذا الكتاب الاستعارة على نحو عام أكثر ممَّا تناولَ نظرية بيركلي على وجه خاص.

لقدْ فهِمَ كلُّ من ديكارت ونيوتن الأشياء المَادية كآلات معقَّدة، أو كساعات، أو كتحف فنية، صنعت من قبل صانع ساعات إلهي، مُجريا في بعضها بعض، وفي البشر المدركين لها، تأثيرًا إيجابيًا أو سلبيًا وفقًا لقوانين ميكانيكية بسيطة ومطلقة. أمَّا بيركلي، فقد فهمَها كمجموعٍ من الأفكار المرئية، وكآيات متبعة، كتبت بلغةٍ يستعملُها الله للإشارة إلى تبشيرات قد تكون مُمتعة، وإلى إنذارات قد تكون مهلكة، مخاطباً بها أرواحا بشرية محدودة ومسيَّرة مثلنا. ويرى تورباين أنَّ هذين النَّوعين من الفهم المتباين للأشياء المادية يُفضَّل النَّظر إليهما ليس كنظريتين متنافستين، وإنَّما كاستعارتين مُتلائمتين ومُتكاملتين.

تتضمن الاستعارة استعمالَ لفظٍ أو رمزٍ بمعنى جديدٍ يختلفُ عن معناهُ المُعتاد، وهو ما يُسمِّيه تورباين “التَّحويل الرَّمزي”. فلا يُعتبرُ كلُّ تحويلٍ رمزي استعارة، مثلما لا يُعتبرُ كلُّ مجازٍ استعارة، وإنَّما يعتبر التَّحويلُ الرَّمزيُّ استعارةً لمَّا ينطوي على “التَّظاهر بأنَّ شيئًا ما يوجدُ على حالٍ، وهو لا يوجدُ عليها”، كما هو الحال لمَّا وصف ديكارت الأرض والعالم المحسوس بقوله: «إنَّ مَثلَ هذه الأرض، ومَثلَ هذا العالم المرْئي برمته، كمَثلِ آلة».[178] لذلك، فلمَّا أقول على سبيل المثال: إنَّ الإنسان ذئبٌ، «فبما أنَّني أطلق عليه [الإنسان] الاسم نفسه، فإنَّني لا أعتقدُ أنَّه نوع من أنواع من الذئاب. إنَّني أتظاهر فقط بأنَّه كذلك… أي أنَّني أتظاهر بأنَّ شيئًا ما يوجدُ على حالٍ، وهو لا يوجد عليها، وأطلبُ ضمنيًا من مُستمعي أنْ يفعلَ الشَّيء نفسَه.».[179] إنَّ هذا التَّظاهر يأتي مصحوبًا بقصد: أي «أنَّني أقصد أنَّ [الإنسان] يشتركُ مع الذئاب في بعض خصائص، ولكن ليس بالقدر الكافي لجعله ذئباً حقيقياً.». وعلى غرار ذلك، «فلمَّا أقولُ إنَّ الرُّؤيةَ لغةٌ، فإنّني أقصد أنَّ الرُّؤية تشتركُ في بعض الخصائص مع اللُّغة، ولكن ليس بالقدر الكافي لوضعها موضعَ اللُّغة الإنجليزية واللُّغة الفرنسية».[180] يبدو أنَّ ما أقوله لمَّا ألجأ إلى الاستعارة، وما أقصدُه بها بالمعنى الخاص عند تورباين، هو كلّ ما يلزم للحفاظ على تظاهري وجعلِه ذا قيمة. إنَّ التَّظاهر بشأن العالم يسير جنبًا إلى جنب مع التَّظاهر بشأن اللُّغة: يظهر الشُّعور بالتَّضليل الدلالي[181] في العبارة الَّتي تقول: «النَّاسُ، والذئابُ الخشبية ذئابٌ» أنَّ لفظ “ذئب” يُستعملُ في الواقع بمعنيين مختلفين على الرَّغم من أنَّه يبدو كما لو كانَ يُستعملُ بمعني واحد ؛[182] وهناك تظاهرٌ مشتركٌ بأنَّ المَعنيين متطابقان ،[183] هذا على الرّغم من إدراك كلاَ الطَّرفين على أنَّهما في الواقع مُختلفان. غالبًا ما يُتوقع أنْ يُدعم هذا التظاهر ويكافئُه، ما نقصده بالتّظاهر، مجموعة أوجهِ التَّشابه بين المستعار منه والمستعار له. لكن ليس بالضَّرورة أنْ يكونَ الأمرُ كذلك، ولمَّا لا يكونُ الأمرُ كذلك، تتوقفُ الاستعارة عن كونها مجرد مجازٍ قائم على المشابهة على نحو تام. لذلك، فالمجازُ المرسلُ، والكنايةُ الشِّعرييْن، وتلك الأساليب البلاغية الَّتي يرد فيها تجاوزٌ وتوسُّع تعتبرُ استعاراتٌ خاليةٌ من التَّشابهات.

وإذا تقرَّر أنَّه من السَّهل أنْ يغيبَ التَّظاهر الاستعاري عن بالنا، فإنَّنا قد نخطئُ في اعتبار النَّموذج مثالا حقيقياً لمَا يُمثِّله، وننتقلُ من التَّظاهر إلى الاعتقادِ المطلق، ونَخلطُ القناعَ بالوجه الحقيقي، ونحمِلُ المعنى الاستعاري على وجه الحقيقة؛ وهذا ما حدثَ للفيلسوف جورج بيركلي ومعارضيه من الفلاسفة الآليين، على حد قول تورباين؛ فقد انطلقا من تقديم استعارتين، لكنهما انتهيا إلى طرح نظريتين؛ وبذلك فقدا بوصلةَ افتراضاتهما، وأصبحا ضحايا رؤيتيهما.

لقد كانت فكرةُ تورباين عن الاستعارة تتجلى في أنَّها مجموعة من الإيماءات غير التامة. وقد احتاج الأمر إلى كيندال والتون في مقالته “الخيال القائم على الاستعارة والدعائم” الصَّادرة سنة 1993[184]  لإعادة اكتشاف هذه الفكرة، ووضع نظرية منظَّمة من خلالها. فقد كان والتون رائداً للمقاربة المُتعلقة باللَّعب التَّخيلي لدى الأطفال وما يُشابهُه في ثقافة الإنسان البالغ، وهي مقاربة قائمةٌ على مفهوم لعبة التَّخيّل. تخضع هذه اللُّعبة لقواعد أو معايير معقَّدة ومُضمرة ومتفق عليها، تُسمى مبادئ التَّوليد، والَّتي تجعلُ من الخيالي فيها، أي ما يُفترض أنْ يتخيلَه اللاعبون أثناء اللَّعب، وظيفةً ثابتة للحالات والسُّلوكيات الفعلية لمختلف الأشياء والأشخاص الَّذين يدركونها، ويتفاعلون معها أثناء اللَّعب. ويُطلق والتون على هذه المُولدات للمضمون الخيالي اسم الدَّعائم.

إنَّ التَّمثلات الأيقونية واللَّفظية لأنواع تقليدية مألوفة من قبيل: الدمى، وأحصنة اللَّعب، والتَّماثيل، واللَّوحات، والرِّوايات… دعائم جامدة، وقطع أثرية وظيفتُها الأساس المساعدة في توليد مضمون خيالي في ألعاب التَّظاهر بأنواعها المألوفة والمُتكرِّرة. ويكمن جوهر هذه التَّمثلات في مدى جاهزيتها للعمل كدعائم، وكيفية تشكيلها للمضمون الخيالي من خلال المساعدة في توليده عند لعب هذه الألعاب المألوفة والمتكرِّرة، هذا من جهة. أمَّا المُمثِّلون، فهم، من جهة ثانية، دعائم حية، ودعائم من نوعٍ فاعلٍ وواعٍ بذاته؛ إنّهم، بصفتهم دعائم حية، يساهمون في تأليف وتوجيه المضمون الخيالي، الّذي يساهمون في إنتاجه، وبصفتهم مُتخيلين مطيعين، يستمرون في استهلاكه لاحقاً. إنّ الممثلين يتصرَّفون عن قصد، وبطريقة تهدف إلى تشكيل ما ينتج خياليًا في الألعاب الَّتي يلعبونها مع بعضهم بعض، من جهة، ومع العناصر الجامدة البارزة في العالم المحيط بهم، من جهة أخرى، وبذلك يُنظمون تخيلاتهم وتخيلات زملائهم اللاَّعبين على نحو قصدي.

إنَّ أبرز ألعاب التَّخيُّل، أي تلك الألعاب التي تنطوي على تمثل مُخطط له مسبقًا، أو على تمثلات مُعدّة مسبقًا، أو على كليهما، هي تلك الألعاب الَّتي يتخيَّل فيها اللاعبون بوضوحٍ وشغف ما يُفترض بهم تخيُّله وفقًا للقواعد، لأنَّ القيام بذلك، في حد ذاته، يُشعرهم بالرِّضا. وتُعتبرُ الدَّعائم في هذه الألعاب وسائل لتحقيق غايات تخيُّلية، تستمد قيمتها أو أهميتها من القيمة أو الأهمية الجوهرية للمضمون الخيالي الَّذي تُساعد في توليده. ولهذا، فهذه الألعاب مُوجّهة نحو المضمون، ومن الأمثلة على ذلك: لعب دور الشُّرطة واللُّصوص، أو تمثيل مسرحية هاملت، أو قراءة رواية من أجل الاستمتاع بقصتها. لقد حلَّل والتون في كتابه “المُحاكاة باعتبارها خيالا” الصَّادر سنة 1900[185] أنماطًا مُهمة ومختلفة من التمثل داخل الفنون وخارجها، كالتَّصوير، والسرد، والتمثيل الدرامي، وما إلى ذلك، من خلال أنواع الدعائم الخاصة، وأنواع مبادئ التوليد الخاصة، التي تميز هذه الألعاب البارزة من الناحية الأنثروبولوجية، باعتبارها ألعابا مُرضية في حد ذاتها، من جهة، ومُوجّهة نحو المضمون، من جهة ثانية.

لكن ليست كلُّ ألعاب التَّخيل تسير على هذا النحو. إنَّ الألعاب الَّتي نلعبُها، والقصص الَّتي نخلقها أثناء لعبها تستمد، أحيانا، جزءًا كبيرًا من قيمتها وجاذبيتها من الطريقة التي تمكننا بها من الإدراك والتصور والتعامل مع أدواتها. وأحيانًا، يمكن بناء أو إعادة بناء أفكارنا وكلامنا حول أشياء موجودة بالفعل وذات أهمية بالغة بالنسبة لنا، وذلك بتوظيف هذه الأشياء كأدوات في لعبة تخيلية مناسبة، وتحويلها مؤقتًا إلى تمثلات مرتجلة لشيء مختلف تمامًا. تخيَّل للحظة، على سبيل المثال، أن إيطاليا حذاء، وحوّل إيطاليا مؤقتًا إلى تمثل مرتجل لحذاء، فإنَّك ستحصل على مخطط جاهز لتحديد مواقع المدن إيطالية المحددة بالنسبة لبعضها بعض، مستمد من طرق التفكير والحديث المألوفة والراسخة حول الأحذية ومكوناتها. فهذا النوع الثاني، حسب والتون، من الألعاب موجه بالدعائم.[186] وبما أن الأمر لا يعتمد كثيرًا على مدى وضوح تخيُّلنا للأشياء التي تقتضيها هذه الألعاب، فقد لا ندركُ تمامًا أنَّنا نلعبها حتى أثناء قيامنا بذلك. ومع ذلك، فنحنُ بارعون بشكل ملحوظ في لعب مثل هذه الألعاب مع بعضنا بعض على أساس ارتجالي، وبدون صياغة، ناهيك عن تحديد، مبادئ التوليد الَّتي تحكم تعاوننا الإبداعي طالما استمر.

ولهذا، فلمَّا نسمعُ استعارة روميو “جولييت هي الشمس” في سياقها الحواري المتداول، فإنَّنا نظنُ أنَّ روميو يتخيل حبيبته الجديدة على أنَّها الشَّمس بكل بساطة. إنَّنا نظن أنَّ روميو قادر على تخيل ذلك، وفي رأيه الشخصي، يُطلب منه تخيُّل ذلك، وفقًا لقواعد لعبة التَّظاهر، الّتي يجدُ نفسه يلعبها تلقائيًا، وهي لعبة نحاولُ مشاركتها معه، ونسعى جاهدين لفهم ألفاظه. وعليه، فإنَّ روميو يتخيَّل جولييت على أنَّها الشَّمس، لأنَّه يشعر بأنّه مطلوب منه القيام بذلك، ويشعر بهذا الطّلب بسبب القواعد الَّتي يظن نفسه ملتزمًا بها من جهة، وبسبب ما يعتقد فيه حقًا عن جولييت نفسها من جهة أخرى.

بما أنَّه من المحتمل أن تقوم  لعبة روميو  على مبدأ أنه لما يُظهر ادعاءه بأنَّ جولييت شمس، فإنَّه يُضفي على هذا الادعاء طابعًا خياليًا، ويجعله يبدو صادقًا ومخلصًا، لأن العديد من ألعاب التظاهر تعمل بهذه الطريقة. وإذا تقرر هذا، فإنّ كلامَه يُعدّ مشاركةً لفظيةً في اللُّعبة التي يُعلّق عليها، وحركةً تُولّد خيالًا في اللعبة وفقًا لقواعدها، أي إظهار ادعاءه بأنَّ جولييت شمس سيُعتبر خياليًا إقرار صادق ومخلص لهذا الأمر. أو ربما لا يكون كذلك، أي ربما لا يتظاهر بقول أو إقرار بأي شيء على الإطلاق في حديثه. ربما لا يتحدث بصفته ممثلًا متظاهرا على الإطلاق؛ ربما يتحدث فقط بصفته مؤلفًا، ومخرجًا، ومستمعًا. وفي كلتا الحالتين، فإنَّ ألفاظه تشير إلى فهمه أن كون جولييت شمس هو أمرٌ خيالي في اللعبة الَّتي يلعبها، أي أن فهمه القائم على قواعد اللعبة التي يلعبها هو وأي مستمعين منسجمين بشكل مناسب، عليهم أن يتخيلوا جولييت على أنها الشمس، أي تخيلوها على أنها كذلك تمامًا.

وكما رأينا سابقًا، فإنَّ هذا الفهم لدى روميو هو نتاج مشترك، وتعبير مشترك عن فهمه العملي للقواعد الَّتي يلتزم بها من جهة، وفهمه العملي لطبيعة جولييت الحقيقية من جهة أخرى. إذن، فما الذي ستقدمه إشارة روميو لمستمع منسجم معه، ومستمع يميل بالفعل إلى الالتزام بالقواعد التي يلعبها؟ ستنسب الإشارة إلى جولييت الصِّفات الَّتي تجعل، في رأي روميو، كونها الشمس مجرد خيال، أي الصفات الَّتي تجعل، في رأي روميو، دور الشَّمس منوطًا بها، وفقًا لتلك القواعد. وهذه هي الصِّفات نفسها التي تظهر في إعادة صياغة ناجحة لقول روميو لمَّا يُؤخذ على أنَّه استعارة. إنَّنا نحن المستمعين نتعهد باكتشاف ماهية هذه الخصائص من خلال الاستجابة لقول روميو كإشارة وهمية، وبذل قصارى جهدنا للدخول في روح لعبة جارية بيننا وبينه بالفعل، والتَّفكير في القواعد التي نجد أنفسنا نلعب بها إذا ما أمكننا أن ننجح في القيام بذلك.

ومهما يكن، فالأمور تسير على هذا المنوال في الحال الأساسية. وتكونُ القواعد الَّتي يتبعها مُبدع الاستعارة أحيانا مألوفة ونمطية لدرجة أنَّنا نستطيع استنباطها دون أي جُهد مسبق للمشاركة واللعب، وفي هذه الحال قد لا نُكلِّف أنفسنا عناء ذلك. فقد يكتفي مُبادر في المشاركة في لعب اللعبة أحيانًا بأداء حركاتها فقط، دون أنْ يتخيل الأشياء التي يُفترض به تخيُّلها من خلال إشارات وهمية يُصدرُها بنفسه، وفي هذه الحال يُلمّحُ فقط إلى لعبة لا يُكلفُ نفسَه عناءَ لعبها.

كلُّ هذا يُشير إلى الخطوط العريضة لتصور جديد يتعلق بكيفية فهمنا للعديد من الاستعارات، يقول كيندال: «تُشيرُ العبارة الاستعارية، في سياقها، إلى لعبة تظاهر، محتملة، أو تُلمّح إليها أو تُقدّمها أو تُثيرها في الذهن. وقد تكونُ هذه العبارة مشاركة لفظية في اللُّعبة المضمرة، أو قد تكون مجرد جملة يُمكن استعمالُها للمشاركة في هذه اللُّعبة. وعند قول هذه العبارة الاستعارية ما تقوله، فإن المتحدث يصف أشياء تُعدّ أو يُمكن أنْ تكونَ أدوات في اللُّعبة المضمرة. وفي بعض الحالات، يُمكن إعادةُ صياغة ما يقوله عنها بدقة معقولة. وعادةً، تُحدّد إعادة الصياغة خصائص هذه الأدوات الَّتي تجعلُ كلام المتحدث حقيقيًا في اللُّعبة المضمرة، إذا كانَ تعبيرُه مشاركة لفظية فيها.».[187] ولمزيد من التَّوسع في هذا الباب، يُقدّم هيلز، في مقالته ” المًلاءمة والحَقيقة في الاستعارة اللَّفظية ” الصَّادرة سنة 1997، ومقالته ” مشكلات إعادة الصياغة: حلم بوتوم” الصَّادرة سنة 2008،[188] ووالتون (2000) تفاصيل إضافية حول تصور والتون.[189] وهناك توضيحات وردود على الاعتراضات في مقالة هيلز ” ماهية وكيفية التَّخيل الاستعاري” الصَّادرة سنة 2017.[190]

المراجع

  • Aristotle, 1987, Rhetoric: A Theory of Civic Discourse, George A. Kennedy (trans.), Oxford: Oxford University Press, 1987.
  • –––, 1987, Poetics I, With the Tractatus Coislinianus, a Hypothetical Reconstruction of Poetics II, and the Fragments of the On the Poets, Richard Janko (trans.), Indianapolis: Hackett, 1987.
  • –––, 2018, Rhetoric, C.D.C. Reeve (trans.), Indianapolis: Hackett.
  • Bach, Kent, 2005, “Context Ex Machina,” in Semantics vs. Pragmatics, Zoltan Szabó (ed.), Oxford and New York: Oxford University Press, pp. 15–44.
  • Barfield, Owen, 1962, “Poetic Diction and Legal Fiction,” in The Importance of Language, Max Black (ed.), Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1962, 57–71.
  • Beardsley, Monroe C., 1962, “The Metaphorical Twist,” Philosophy and Phenomenological Research, 22(3): 293–307.
  • Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.
  • –––, 2002, “Truth Conditional Pragmatics,” Philosophical Perspectives, 16: 105–34.
  • Black, Max, 1954, “Metaphor,” Proceedings of the Aristotelian Society, 55: 273–94.
  • Blasko, Dawn G. and Cynthia M. Connine, 1993, “Effects of Familiarity and Aptness on Metaphor Processing,” Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition 19(2): 295–308.
  • Borg, Emma, 2004. Minimal Semantics, Oxford: Oxford University Press.
  • Boys-Stones, G.R. (ed.), 2003, Metaphor, Allegory, and the Classical Tradition: Ancient Thought and Modern Revisions, Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Bowdle, Brian F. and Dedre Gentner, 2005, “The Career of Metaphor,” Psychological Review 112(1): 193–216.
  • Brooke-Rose, Christine, 1958, A Grammar of Metaphor, London: Secker & Warburg.
  • Brooks, Cleanth, 1947, “The Heresy of Paraphrase,” in The Well Wrought Urn: Studies in the Structure of Poetry, New York: Reynal & Hitchcock, 1947, 192–214.
  • Camp, Elisabeth, 2006, “Contextualism, Metaphor, and What is Said,” Mind & Language, 21(3): 280–309.
  • –––, 2006. “Metaphor and That Certain ‘Je Ne Sais Quoi’,” Philosophical Studies 129(1): 1–25.
  • –––, 2013, “Metaphor and Varieties of Meaning,” in A Companion to Donald Davidson, Ernest Lepore and Kirk Ludwig (eds.), Hoboken: Wiley-Blackwell, 361–78.
  • Cappelen, Herman, and Ernie Lepore, 2005, Insensitive Semantics: A Defense of Semantic Minimalism and Speech Act Pluralism, Oxford: Blackwell Publishing.
  • Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.
  • Cavell, Stanley, 1969, “Aesthetic Problems of Modern Philosophy,” in Must We Mean What We Say? A Book of Essays, New York: Charles Scribner’s Sons, 73–96.
  • Cicero, De Oratore, in On the Ideal Orator, James M. May and Jakob Wisse (trans.), London and New York: Oxford University Press, 2001.
  • Clark, Billy, 2003, Relevance Theory. Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Clark, Herbert H., 1992, “Making Sense of Nonce Sense,” in Arenas of Language Use, Chicago and London: Chicago University Press and CSLI, 305–40.
  • Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.
  • –––, 2008, Thinking of Others: On the Talent for Metaphor, Princeton: Princeton University Press.
  • Croft, William and D. Alan Cruse, 2004, Cognitive Linguistics, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Currie, Gregory and Jacopo Frascaroli, 2021, “Poetry and the Possibility of Paraphrase,” Journal of Aesthetics and Art Criticism 79(4): 428–39.
  • Dancygier, Barbara and Eve Sweetser. Figurative Language, Cambridge: Cambridge University Press, 2014.
  • Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, 5(1) : 31–47. Reprinted in Inquiries into Truth and Interpretation, Oxford and New York: Oxford University Press, 1984, 245–264.
  • –––, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs,” in Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson, Ernest Lepore (ed.), Oxford and New York: Blackwell, 433–46.
  • –––, 2005, “Locating Literary Language,” in Truth, Language, and History, Oxford: Clarendon Press, 167–181.
  • Davis, Wayne A., 1998, Implicature: Intention, Convention, and Principle in the Failure of Gricean Theory, New York: Cambridge University Press.
  • Donnellan, Keith S., 1966, “Reference and Definite Descriptions”, Philosophical Review, 75(3): 281–304.
  • Donoghue, Denis, 2014, Metaphor, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.
  • Fauconnier, Gilles, 1994, Mental Spaces: Aspects of Meaning Construction in Natural Languages, New York: Cambridge University Press.
  • Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 1998, “Conceptual Integration Networks,” Cognitive Science, 22(2): 133–187.
  • –––, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books.
  • Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011.
  • Frye, Northrop, 1957, Anatomy of Criticism: Four Essays, Princeton: Princeton University Press.
  • Gass, William H., 1972, “In Terms of the Toenail: Fiction and the Figures of Life,” in Fiction and the Figures of Life, New York: Vintage, 55–78.
  • –––, 1975, On Being Blue: A Philosophical Inquiry, Boston: David R. Godine.
  • Geary, James, 2011, I is an Other: The Secret Life of Metaphor and How it Shapes the Way We See the World, New York: HarperCollins.
  • Gibbs, Jr., Raymond W., 1994, The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • –––, 2017, Metaphor Wars: Conceptual Metaphors in Human Life, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Giora, Rachel, 2003, On Our Mind: Salience, Context, and Figurative Language. Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Glucksberg, Sam, 2001, Understanding Figurative Language: From Metaphors to Idioms. Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Glucksberg, Sam, Patricia Gildea, and Howard B. Booklin, 1982, “On Understanding Nonliteral Speech: Can People Ignore Metaphors?” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 21: 85–98.
  • Goatly, Andrew 2011, The Language of Metaphors, 2nd ed. London and New York: Routledge.
  • Goodman, Nelson, 1976, Languages of Art, Indianapolis: Hackett Publishing Company.
  • –––, 1979, “Metaphor as Moonlighting,” Critical Inquiry, 6(1): 125–130.
  • Grice, Herbert Paul, 1989, “Logic and Conversation, Lecture 2” in Studies in the Way of Words, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 22–40.
  • Guetti, James L., 1993, “Gambling With Language: Metaphor,” in Wittgenstein and the Grammar of Literary Experience, Athens: University of Georgia Press, 122–146.
  • Halliwell, Stephen, 2002, The Aesthetics of Mimesis: Ancient Texts and Modern Problems, Princeton and Oxford: Princeton University Press.
  • Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.
  • –––, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL= <http://thebalticyearbook.org/journals/baltic/article/view/22/21>
  • –––, 2017, “The What and the How of Metaphorical Imagining, Part One.” Philosophical Studies 174(1): 13–31.
  • Hollander, John, 1985, Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form, 2nd edition, New Haven: Yale University Press.
  • Holyoak, Keith James, 2019, The Spider’s Thread: Metaphor in Mind, Brain, and Poetry. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
  • Horn, Laurence R., 1988, A Natural History of Negation, Chicago, University of Chicago Press, 1988. A reissue edition with a new introduction was published by Stanford: CSLI Publications, 2001.
  • Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press, 481–563.
  • Kirby, John T., 1997, “Aristotle on Metaphor,” The American Journal of Philology, 118(4): 517–554.
  • Kittay, Eva Feder, 1987, Metaphor: Its Cognitive Force and Linguistic Structure, Oxford and New York: Clarendon Press.
  • Kövecses, Zoltán, 2010, Metaphor: A Practical Introduction, 2nd ed. Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Kripke, Saul, 1977, “Speaker’s Reference and Semantic Reference,” Midwest Studies in Philosophy, 2: 255–276.
  • Lakoff, George, 1993, “The Contemporary Theory of Metaphor.” In Metaphor and Thought, 2nd edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 202–251.
  • Lakoff, George, and Mark Johnson, 2003, “Afterword,” in Metaphors We Live By, 2nd edition, Chicago and London: University of Chicago Press, 170–190.
  • Lamarque, Peter, 2015, “Semantic Finegrainedness and Poetic Value,” in The Philosophy of Poetry, John Gibson (ed.), Oxford University Press, 18–36.
  • Lee, David, 2001, Cognitive Linguistics: An Introduction, Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Lepore, Ernie, 2009, “The Heresy of Paraphrase: When the Medium Really is the Message,” Midwest Studies in Philosophy, 33(1): 177–97.
  • Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2010, “Against Metaphorical Meaning,” Topoi, 29(2): 165–180.
  • –––, 2015, Imagination and Convention: Distinguishing Grammar and Inference in Language, Oxford: Oxford University Press.
  • Levinson, Jerrold, 2001, “Who’s Afraid of a Paraphrase?” Theoria 67(1): 7–23.
  • Levinson, Stephen C., 2000, Presumptive Meanings: The Theory of Generalized Conversational Implicature, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
  • Lewis, David, 1969, Convention: A Philosophical Study, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.
  • –––, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.
  • Littlemore, Jeanette, 2019, Metaphors in the Mind: Sources of Variation in Embodied Metaphor, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Lloyd, G.E.R., 1996, “The Metaphors of Metaphors,” in Aristotelian Explorations, Cambridge: Cambridge University Press, 205–222.
  • Martinich, A.P., 1984, “A Theory for Metaphor,” Journal of Literary Semantics, 13(1): 35–56.
  • Montague, Richard, 1974, Formal Philosophy; Selected Papers of Richard Montague, Richmond H. Thomason (ed.), New Haven: Yale University Press.
  • Moran, Richard, 1989, “Seeing and Believing: Metaphor, Image, and Force,” Critical Inquiry, 16(1): 87–112.
  • –––, 1996, “Artifice and Persuasion: The Work of Metaphor in the Rhetoric,” in Essays on Aristotle’s Rhetoric, Amelie Rorty (ed.), Berkeley: University of California Press.
  • Nowottny, Winifred, 1962, The Language Poets Use, New York: Oxford University Press.
  • Ortony, Andrew, 1979, “The Role of Similarity in Similes and Metaphors,” in Metaphor and Thought, 1st edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 186–201.
  • Ortony, Andrew, Diane L. Schallert, Ralph E. Reynolds, and Stephen J. Antos, 1978, “Interpreting Metaphors and Idioms: Some Effects of Context on Comprehension,” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 17(4): 465–77.
  • Quintilian, Institutio Oratoria, in The Orator’s Education, 5. vols, Donald A. Russell (trans.), Loeb Classical Library, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 2001.
  • Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Reimer, Marga, 1996, “The Problem of Dead Metaphor,” Philosophical Studies, 82(1): 13–25.
  • –––, 2001, “Davidson on Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 142–156.
  • –––, 2004, “What Malapropisms Mean: A Reply to Donald Davidson,” Erkenntnis, 60(3): 317–334.
  • Reimer, Marga and Elisabeth Camp, 2008, “Metaphor,” in Oxford Handbook of the Philosophy of Language, Ernest Lepore and Barry C. Smith (eds.), Oxford: Oxford University Press, 845–63.
  • Richards, Ivor A., 1936, The Philosophy of Rhetoric, London and New York: Oxford University Press.
  • Richie, L. David, 2013, Metaphor (Key Topics in Semantics and Pragmatics), Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Ricoeur, Paul, 1978, “The Metaphorical Process as Cognition, Imagination, and Feeling,” Critical Inquiry, 5(1): 143–159.
  • –––, 1977, The Rule of Metaphor: Multi-Disciplinary Studies of the Creation of Meaning in Language, Robert Czerny (trans.), Toronto and Buffalo: University of Toronto Press.
  • Saul, Jennifer M., 2001, “Review of Wayne A. Davis, Implicature: Intention, Convention, and the Failure of Gricean Theory,” Noûs, 35(4): 630–641.
  • Scott, Kate, Billy Clark, and Robyn Carston, eds, 2019, Relevance, Pragmatics and Interpretation: Essays in Honour of Deirdre Wilson. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Scott, William C., 2006, “Similes in a Shifting Scene: Iliad, Book 11,” Classical Philology, 101(2): 103–114.
  • Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.
  • –––, 1979b, “Literal Meaning,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 117–36.
  • Skulsky, Harold, 1986, “Metaphorese.” Noûs, 20(3): 351–69.
  • –––, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press.
  • Sparshott, Francis E., 1974, “ ‘As,’ Or the Limits of Metaphor,” New Literary History, 6(1): 75–94.
  • Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1985, “Loose Talk,” Proceedings of The Aristotelian Society, 86: 153–171.
  • –––, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.
  • –––, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.
  • Stalnaker, Robert, 1999, Context and Content: Essays on Intentionality in Speech and Thought, Oxford and New York: Oxford University Press.
  • Stanley, Jason, 2007, Language in Context: Selected Essays, Oxford: Oxford University Press.
  • Stern, Josef, 2000, Metaphor in Context, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.
  • Stryk, Lucien, and Takashi Ikemoto, 1995, Zen Poetry: Let the Spring Breeze Enter, New York: Grove Press.
  • Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, 1–16.
  • Turbayne, Colin Murray, 1970, The Myth of Metaphor, rev ed., Columbia, South Carolina: University of South Carolina Press. First published by Yale University Press in 1962.
  • Turner, Mark, 1998, “Figure,” in Figurative Language and Thought, Albert N. Katz (ed.), New York and Oxford: Oxford University Press, 44–87.
  • Tversky, Amos, 1977, “Features of Similarity,” Psychological Review, 84(4): 327–352.
  • Walton, Kendall L, 1990, Mimesis as Make-Believe: On the Foundations of the Representational Arts, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.
  • –––, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.
  • White, Roger M., 1996, The Structure of Metaphor: The Way the Language of Metaphor Works, Oxford and Cambridge, MA: Blackwell.
  • Wilson, Deirdre, and Dan Sperber, 2002, “Truthfulness and Relevance,” Mind, 111(443): 583–632.

أدوات أكاديمية

  • اطلع على نسخة محملة على صيغة PDF على موقع جمعية أصدقاء موسوعة ستانفورد للفلسفة.
  • ابحث عن قضايا مطروحة حول الاستعارة، ولها علاقة بهذه المقالة في مشروع أنطولوجيا فلسفة الإنترنت (InPhO).
  • توجد قائمة مراجع مُحسّنة لهذه المقالة على موقع PhilPapers.

مصادر أخرى في الإنترنت

  • يوجد برنامج إذاعي يذاع على راديو بي بي سي من إنتاج توماس موريس، يعرض تاريخ الاستعارة.
  • يمكن الرجوع إلى الصفحة الرئيسة للاستعارة المفهومية، نسخة مؤرشفة من صفحة ويب كان يديرها جورج لاكوف (جامعة كاليفورنيا/بيركلي).
  • هناك مقالة نقدية تحت عنوان “رسم خريطة دوائر الاستعارة في الدماغ: التفكير الاستعاري في العقل اليومي”، للعالم جورج ليكوف، نُشرت في مجلة “حدود في الرومانسية الإنسانية الجديدة”، 16 ديسمبر 2014.
  • يمكن مشاهدة إلى درس عرضه برنامج TED-Ed لجين هيرشفيلد، تحت عنوان “فن الاستعارة”
  • يمكن الاستماع لمحاضرة من برنامج TED لجيمس جيري، تحت عنوان “حديث استعاري”
  • ليز كامب تتحدث عن الاستعارة، هناك حلقة من برنامج “فلسفة 101″، تتحدث فيه ليز كامب عن الاستعارة.
  • وجهات نظر نفسية حول الاستعارة، ببليوغرافيا أكسفورد من تأليف برايان بودل.
  • يمكن الرجوع إلى قائمة مراجع أكسفورد حول الاستعارة، من تأليف ديفيد هيلز.
  • يمكن الرجوع إلى قائمة مراجع أكسفورد حول الاستعارة، من تأليف مارك جونسون.

مداخل ذات صلة

أرسطو، General Topics: rhetoric | cognition: embodied | Davidson, Donald | descriptions | fictionalism | Grice, Paul | Hamann, Johann Georg | implicature | Kuhn, Thomas | Plato: rhetoric and poetry | pragmatics | Ricoeur, Paul | speech acts

الهوامش

[1] – أعتقد أنّ هذه المقالة من أشمل وأهم المداخل لدراسة الاستعارة، لأنّها جمعت الشتات، وحصرت جل، إن لم نقل أهم النّظريات الغربية الّتي تناولت الاستعارة، سواء كانت قديمة (يونانية ورومانية) أو حديثة أو معاصرة. ورغم تأثر كاتبها ديڤيد هيلز بنظرية التّضمين التحاوري عند پاول هيربرت غرايس، إلا أنّ هذا لم يمنعه من تناول النّظريات الّتي تفاعلت معها، والنظريات التي انتقدتها، وقد انتقدها هو نفسه. قد نعاتب الكاتب على عدم تناوله للاستعارة عند البلاغيين العرب، وبالخصوص عند عبد القاهر الجرجاني، وأبي يعقوب السكاكي. لكن تصنيف الاستعارة عند البلاغيين العرب لا يخرج عن دائرة التّصور التشبيهي القديم (اليوناني) الّذي أشار إليه، والذي ما زال مؤثرا في كل نظريات الاستعارة، وإن تناولته الكثير منها بالنقد. وربما اللوم لا يلقى على هذا الباحث الغربي، وإنّما يلقى على عاتق الباحثين العرب، الذين لم يطوروا البحث في الاستعارة من جهة، ولم يتفاعلوا مع تطور الدراسات الاستعارية الغربية من جهة ثانية، وأوقفوا الدراسات حول الاستعارة، واعتبروا التعاريف والأمثلة السائدة تعاريف قارة، وكأنها حقائق لا غبار عليها. ومهما يكن، فقد انحصر هدفي في ترجمة هذا المدخل في تقريب المفاهيم بما يتناسب مع الاصطلاحات المعهودة في البلاغة العربية، وشرح ما يتطلب المقام لشرحه بالإشارة إليه في الهامش، وإدراج المصادر والمراجع المشار إليها في الهامش كذلك مع ترجمة عناوينها إلى العربية في المتن؛ ثم تخليص المتن من الأمثلة الرمزية، التي قد تساهم في عرقلة فهم القارئ. وأتمنى أن أكون موفقا في إضفاء لمسة عربية على هذه المقالة ما يجعلها ترقى إلى مستوى التعريب بدل من الترجمة.

[2]– William Shakespeare, Romeo and Juliet, 2. 2. 2–3.

هذان البيتان مقتبسان من قصيدة شعرية من المشهد الثَّاني من الفصل الثاني، من مسرحية شكسبير “روميو وجولييت”، مطلع القصيدة: «من لم يذق طعم الجراح يسخر من الندوب/ ما ذلك النور الذي ينساب عبر النافدة/ قل إنه المشرق لاح/ قل إنها جولييت بل شمس الصباح…» (انظر شكسبير، وليام، روميو وجوليت، ترجمة محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للترجمة، القاهرة، مصر، 1993، ص ص.114-115.). (المترجم).

[3]– James Joyce, Ulysses, chap. 2.

هذه العبارة مقتبسة من الفصل الثاني من رواية “الأوليسة” للروائي والشاعر الأيرلندي جيمس أوغستين ألوسيوس جويسي James Augustine Aloysius Joyce (1882-1941)والتي تدور أحداثهاحول وصف يوم واحد، الذي هو السادس عشر من شهر يونيو سنة 1904 في حياة شخصية ليوبولد بلوم وزوجته مولي، والشاب ستيفن ديدالوس في مدينة دبلن، مستوحيةً بنية ملحمة «الأوديسة» للشاعر اليوناني هوميروس. تُعد هذه الرواية تحفة حداثية تستعمل تيار الوعي، وتقنيات أسلوبية متنوعة، وتكشف عن العزلة، والوجود في سياق يومي عادي. (المترجم).

[4]– Walter Benjamin, Einbahnstraße.

هذه العبارة مقتبسة من “مجموع المقالات” للفيلسوف، والمترجم، والناقد الأدبي الألماني ڤالتر بنيامين Walter Benjamin (1892-1940)، التي تتضمن خواطر فلسفية ونقدية. والمقالة بالضبط التي اقتبس منها هذا الشاهد عنوانها “طريق في اتجاه واحد” يقدم فيها بنيامين تحليلاً مفصلا للحياة الحديثة في المدينة الأوروبية، وعلى الخصوص مدينة برلين الألمانية خلال سنوات العشرينيات من القرن الماضي. وقد اعتمد الكاتب في هذه المقالات أسلوب الشذرات المقتضبة، معبرا عن التَّصور الماركسي، والمادي، والسَّوداوي، والتَّحليل الثقافي لفهم تحولات الثقافة، والتكنولوجيا، والسياسة. ومعنى عبارة “الأعمال الأدبية قناع الموت يخفي تصورها” أنَّ التَّصور هو الملهم، بينما الأعمال الأدبية أو الفنية التي يعتقد أنها تجسيد لهذه الفكرة أو هذا التصور، تساهم في قتلهما، وتصبح بمثابة القناع الذي يخفي حقيقتها. (المترجم).

[5] – استعمل صاحب المقالة هنا اصطلاحين للدلالة على المستعار له: الاصطلاح الأول هو primary subject (الموضوع الأساس)، وقد أخذه عن ماكس بلاك، الذي تبناه في مقالته المشهورة “الاستعارة”؛ والاصطلاح الثاني هو tenor (المحمول)، وقد أخذه عن آيڤور أرمستروتغ ريتشاردز الذي تحدث عنه في كتابه المشهور “فلسفة الخطابة، فالمحمول (المستعار له) هو ما يحمله الحامل (المستعار منه). (المترجم).

[6] – استعمل صاحب المقالة هنا اصطلاحين للدلالة على المستعار منه: الاصطلاح الأول ذكره ماكس بلاك في مقالة “الاستعارة”، هو secondary subject (الموضوع الثانوي)؛ والاصطلاح الثاني ذكره  آيڤور ارمسترونغ ريتشاردز في كتابة “فلسفة الخطابة”، وهو vehicle (الحامل). فالحامل (المستعار منه) يَحملُ أو يُحمَلُ على المحمول (المستعار له). (المترجم).

[7] – تصاغُ العبارةُ المُتطابقةُ أو المتماهية Identity Statement منطقيا على النحو الآتي: (أ = ب)، وتنص على أنَّ الحديْن “أ” و “ب” يشيران إلى الشيء نفسه على نحو تام. وتثبت أنَّ هذين الحدين ليسا متشابهين فحسب، وإنَّما متطابقين، أي أنَّهما الشيء نفسه، ممَّا يسمح باستبدال أحدهما بالآخر في أي سياق دون أن تتغير القيمة الصدقية، أي أن العبارتين:  (أ = ب)، و (ب = أ) يعبران عن نفس المعنى. لذلك، فالجملة الاستعارية “جولييت هي الشمس”، تعني أن جولييت، التي هي الحد الأول مطابقة للشمس، الذي هو الحد الثاني، ويمكن استبدال الحدين بالقول: “الشمس هي جولييت”، ويبقى المعنى نفسه قائما. ولا نعتقد أن هذا التطابق الاستعاري يصل حد التطابق الرياضي والمنطقي. وما قصده المؤلف هنا بعلاقة التطابق هو أن جولييت (المستعار له) التي هي مفرد تطابق الشمس (المستعار منه) التي هي مفرد. (المترجم).

[8]العبارة الحملية Predication Statement هي العبارة التي تتألف من موضوع (موصوف أو مسند إليه)، ومحمول (صفة أو مسند)، وهي التي تحمل فيها صفة أو محمول على موضوع، كأنْ نحمل صفة الموت على زيد، ونقول: زيد ميت، والعبارة الحملية تكون إما جملة إسمية كقولنا: زيد ميت، أو جملة فعلية كقولنا: جاء زيد، ففي الأولى حملنا صفة الموت على زيد، وفي الثانية حملنا فعل المجيء على زيد. ولهذا، فالجملة الاستعارية “التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه”، تعني إسناد صفة الكابوس المرعب إلى التاريخ. وما يريد الكاتب الإشارة إليه هنا هو أن التاريخ كمفهوم عام (المستعار له) يحمل عليه الكابوس الذي هو جزئي (المستعار منه). (المترجم).

[9] – تفيد عبارة الانتماء Membership Statement أن أحد الحدين ينتمي إلى الحد الثاني، كما ينتمي العنصر إلى المجموعة. وعليه، فاستعارة ستيفن “التاريخ كابوس أحاول الاستيقاظ منه”، تشير إلى أن تاريخ إيرلندا، الذي هو جزء من تاريخ العالم أو عنصر منه (المستعار له)، هو كابوس مرعب نحاول التخلص منه (المستعار منه). (المترجم).

[10] – تشير عبارة التضمن أو الاحتواء Inclusion Statement إلى أن مفهوما متضمنا في مفهوم آخر، أو عناصر مجموعة متضمنة في مجموعة الأخرى. وهذا المعنى الثاني هو الذي يقصده المؤلف، وهو أن الأعمال الأدبية (المستعار له) أتى في صيغة الجمع، وأن أقنعة الموت (المستعار منه) أتى في صيغة الجمع، والعلاقة بينهما علاقة احتواء وتضمن. (المترجم).

[11] – قال عبد القاهر الجرجاني عن “الادعاء” في الاستعارة بعد تعريفها: « وتفسير هذا أنك إذا قلت: رأيت أسدا، فقد ادعيت في إنسان أنه أسد وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسدا.». (الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق وتعليق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2001، ص.61).

[12] – لما نقول على سبيل المثال : “زيد غوريلا”، فإن زيدا أولا إنسان وليس حيوانا، ثم إن الصفات والخصائص التي للغوريلا لا توجد عند زيد، ولهذا، فنحن باعتبارنا زيدا غوريلا، فإننا ندعي أنه يمتلك هذه الصفات، التي هي غير قائمة فيها على نحو حقيقي وفعلي.

[13]Explicit Comparison التشبيه الصريح هو التشبيه البسيط الذي تذكر فيه الأداة، نحو: “وجهك كالقمر”.

[14]– Richard Wilbur, “The Beautiful Changes”.

هذا البيت مقتبس من قصيدة “التغيرات الجميلة” للشاعر الأمريكي ريتشارد بوردي ولبور Richard Purdy Wilbur (1921-2017)، وهي قصيدة تحتفي بالتغيرات الطبيعية كعنصر مُزيّن ومُجدد للحياة، وللطبيعة، وللعلاقات. ويرى أن التغيرات، حتى العابرة منها، تضيف قيمة وعمقاً للأشياء، محولاً مشاهد الطبيعة (مثل المروج الخريفية) إلى لوحات فنية، ويدعو لتقدير التغيرات الطبيعية المستمرة. (المترجم).

[15]– Raymond Chandler, Farewell, My Lovely, chap. 1.

هذه العبارة النثرية مقتبسة من الفصل الأول من رواية الكاتب الأمريكي رايموند تشاندلر Raymond Chandler (1888-1959) المسماة “وداعا محبوبتي”، وهي رواية كلاسيكية تصور عالم الجريمة المظلم في مدينة لوس أنجلس الأمريكية خلال سنوات الأربعينيات من القرن الماضي. (المترجم)

[16]– Ezra Pound, In a Station of The Metro.

هذان البيتان الشعريان يشكلان قصيدة تامة، وهي للشاعر الأمريكي المشهور عزرا ويستون لوميس باوند  Ezra Weston Loomis Pound (1885-1972)المسماة”في محطة الميترو”، والتي تعتبر نموذج الشعر التصويري، كما أنها صيغت في جملة اسمية، خالية من أي فعل. تتألف القصيدة من أربعة عشر لفظا بالإنجليزية. وبالترجمة العربية عدد ألفاظها إحدى عشر لفظا. (المترجم). 

[17]– Ahab (Melville, Moby-Dick, chap. 38).

هذا المقطع مأخوذ من رواية “موبي ديك”  للروائي الأمريكي هيرمان ميلڤيل Herman Melville (1819-1891)، وهي رواية ملحمية يرويها البحار إسماعيل، وتحكي عن سعي القبطان أهاب المهووس بالانتقام من موبي ديك، حوت العنبر الأبيض العملاق الّذي بتر ساقه. وبسبب الانتقام، يضحي أهاب بطاقمه فيمعركة دامت ثلاثة أيام، نتج عنها تدمير السّفينة، وهلاك كل من على متنها باستثناء البحار إسماعيل. أما الفصل الثامن والثلاثون، الّذي اقتبس منه هذا الشَّاهد المذكور أعلاه، فهو تحت عنوان “الغسق”، وهو عبارة عن مونولوج (حديث ذاتي) درامي تأملي يلقيه ستارباك، الضابط الأول، مع حلول الغسق. يعبّر فيه عن صراع داخلي عميق، معترفاً بأنَّ أهاب شخصٌ مجنون، دفعته إرادته الجبارة إلى السَّعي للانتقام، على الرغم من اعتراضاته الأخلاقية وشعوره بالهلاك الوشيك. (المترجم).

[18] – هذا الاصطلاح يشار إليه باللفظ الإنجليزي focus، وأول من اصطلحه هو الفيلسوف الإنجليزي ماكس بلاك في مقالته المشهورة المسماة “الاستعارة”، ويقصد به اللفظ المأخوذ من باب الاستعارة في الجملة، سواء كان فعلا أو اسما، والذي يختلف عن الألفاظ الأخرى المحمولة على الحقيقة: مثل اسم “أسد” في استعارة “زيد أسد“، ومثل فعل “اشتعل” في الآية: “…واشتعل الرأس شيبا”. إن ترجمة لفظ focus بالمحور هي من عملنا، أمَّا ما هو مشاع في ترجمته، فهو لفظ (بؤرة)، وهي ترجمة غير ملائمة للفظ المقابل لها، لأنَّ ما يناسبُ الإطار الذي يحيط بالشيء هو المحور الذي يتوسطه، وليس البؤرة. وهذا معناه أن المحور الذي يتوسط الجملة الاستعارية هو اللفظ المحمول على الاستعارة، أما الألفاظ الأخرى فهي الإطار الذي يحيط به. ثم إن البؤرة تشير إلى نقطة التقاء الأشياء ومركز تجمعها، والمعنى العربي الأصلي لها هي الحفرة التي يتجمع فيها الماء، وإذا كانت البؤرة ثابتة والماء يلتف ويدور حولها ليستقر فيها، فإن المحور يدور هو نفسه داخل الإطار، وإذا كان المحور الاستعاري يتغير معناه الحرفي إلى استعاري، فهذا يعني أنه متغير ومتحرك، وهذا يختلف عن الإطار الذي يحتفظ بحرفيته وحقيقته حتى يتفاعل مع المحور لينتجا معنى جديدا كما هو الحال في نظرية التغير الدلالي عند ماكس بلاك وآيفور أرمسترونغ. (المترجم)

[19] – هذا الاصطلاح يشار إليه باللفظ الإنجليزي frame، وأول من اصطلحه الفيلسوف الإنجليزي ماكس بلاك في مقالته “الاستعارة”، ويقصد به الألفاظ المحمولة على الحقيقة في الجملة، والتي تختلف عن اللفظ المحمول على الاستعارة والمجاز مثل لفظ “زيد” في استعارة “زيد أسد”، ومثل لفظي “الرأس شيبا” في استعارة “…اشتعل الرأس شيبا“. ولهذا فالجملة الاستعارية تتألف من محور استعاري، وإطار حرفي، وهي على صورة دالة، تقتضي أن يشمل الإطار المحور، ويمكن كتابتها على النحو الآتي: F(m)، فالإطار الحرفي F يتضمن اللفظ المحمول على الاستعارة الذي هو المحور m. (المترجم).

[20] – يقصد هنا أن المحور الاستعاري قد يكون لفظا واحدا، سواء كان اسما كقولنا “زيد أسد“، أو فعلا كقول الله في القرآن: “اشتعل الرأس شيبا”، وقد يكون عبارة مركبة؛ والعبارة المركبة هي التي تتألف من لفظين، فلفظ “الشمس” لفظ مركب، يتألف من أداة التعريف “ال”، و “شمس”، كما في الإنجليزية، وقد يكون التعريف إضافيا كعبارة “قناع الموت”. (المترجم).

[21]–  Cole Porter.

“أنتِ الأفضل” أغنية شهيرة صدرت عام 1934 من تأليف كول بورتر، وهي جزء من المسرحية الموسيقية “أنيثينغ غوز”. تستعمل كلمات الأغنية التي مطلعها: ” وإن كنتُ أنا الأدنى يا حبيبتي، فأنتِ الأفضل!”، استعاراتٍ تشبيهية بارعةً لتمجيد الحبيبة باعتبارها قمة الجمال، والفخامة، والثقافة. (المترجم).

[22] – المصدر السابق.

[23]– W.B. Yeats, “Sailing to Byzantium”.

هذان البيتان الشعريان مقتبسان من القصيدة الشعرية “الإبحار إلى بيزنطة” للشاعر الإنجليزي ويليام بتلر ييتس William Butler Yeats (1865-1939)، وهي قصيدة مؤلفة من أربعة مقاطع، تستكشف رحلة رجل مسنّ فكر في الهروب من الخرف، ودمار الشيخوخة، وفناء الحياة، وذلك بالسفر إلى عالم روحي وفني وأبدي، حيث توجد بيزنطة. وفي الوقت الذي يرفض فيه الشيخوخة، يرفض عالم الفتوة والشباب الطبيعيين الفانيين، ويسعى إلى الخلود بواسطة الفن، راغبًا في أن يصبح طائرًا ذهبيًا خالدا. (المترجم).

[24]– Wittgenstein, Philosophical Investigations, §109.

تُؤكد هذه القولة الاستعارية الشهيرة للفيلسوف التحليلي لودڤيغ ڤيتغنشتاين، والتي وردت في الفقرة 109 في كتابه “تحقيقات فلسفية” بأنَّ الفلسفة معركة، لكن هذه المعركة ليست في حلبة، أو في ساحة حرب، وليست ضد شخص أو جماعة، ولكنَّها معركة ضد عقولنا المسحورة، والمليئة بالصُّور الخاطئة التي تولدها قواعد اللغة السَّطحية؛ والسِّلاح المستعمل في هذه المعركة للقضاء على سحر العقول هو توضيح المعنى، والتَّحليل المنطقي للغة. (المترجم).

[25]Declarative Sentences الجمل الخبرية هي الجمل تخبرنا بشيء عن الواقع، والتي تحتمل الصدق أو الكذب، ويقال لصاحبها صادق أو كاذب، وغالبا ما تكون قضية حملية، تتألف من محمول وموضوع؛ فإثبات حمل الصفة على الموضوع كقولنا: الثلج أبيض، يجعل الجملة صادقة، لأنها مطابقة للواقع؛ ونفي حمل الصفة على الموضوع كقولنا: الثلج ليس أبيضا، يجعلها كاذبة، لأنها لا تطابق الواقع. (المترجم).

[26] – الجمل الإنشائية هي الجمل التي لا تخبرنا بشيء عن الواقع، ولا تحتمل الصدق أو الكذب، ولا يقال لصاحبها صادق أو كاذب، كجملة الاستفهام، وجملة القسم، وجملة التمني…وإذا كانت الجمل الخبرية موضوعية، فإن الجمل الإنشائية تكون على الغالب ذاتية ومشاعرية، وليس بمقدورنا معرفة صدقها أو كذبها. (المترجم).

[27]Poetics 21 1457b ff. See also Rhetoric 3.2 1404b-1505b, 3.4 1406b–1407a, 3.10–11 1410b–1413b.

[28] – لقد عرَّف أرسطو الاستعارة في كتاب “الشّعر” بقوله: «الاستعارة حملُ اسم مغاير على اسم آخر عن طريقِ النَّقل، إما من الجنس إلى النَّوع، أو من النَّوع إلى الجنس، أو من النَّوع إلى النَّوع، أو بواسطة التَّمثيل، يعني التَّناسب. فمن الجنس إلى النوع نحو قولنا: “هناك حيث تقف سفينتي”، لأنَّ رسو السَّفينة في الميناء نوع من الوقوف [الوقوف= الجنس، الرسو= النوع]. ومن النوع إلى الجنس نحو قولنا: “لا شك أن أوديسيوس حقق عشرة آلاف من الإنجازات النبيلة، وبما أن عشرة آلاف نوع من عدد هائل، فإنه قد استعمل هنا للدلالة على عدد هائل [عشرة آلاف= نوع، عدد هائل= جنس]. ومن النوع إلى النوع نحو قولنا: “لقد سلب الحياة بسيف من البرونز”، وقولنا: “لقد سقى الماء بإناء من البرونز الصلب”، واستعمل هنا فعلي “سلب” و “شق” وهما نوعان من الانتزاع [سلب= نوع، سقى= نوع، الأخذ والانتزاع= جنس]. أما التمثل أو التناسب، فيحصل لما يكون الحد الثاني (ب) بالنسبة إلى الحد الأول (أ)، كالحد الرابع (د) بالنسبة إلى الحد الثالث (ج)، ولما يمكننا حمل الحد الرابع (د) على الحد الثاني (ب)، أو حمل الحد الثاني (ب) على الحد الرابع (د)، وكذلك نحدد الاستعارة، أحيانا، بإضافة الحد لذلك اللفظ، فيكون متعلقا به. وعليه، فالكأس (أ) بالنسبة إلى ديونيسيوس (ب) كالدرع (ج) بالنسبة إلى أريس (د) [أ : ب :: ج : د]، والكأس يمكن أن تسمى “درع ديونيسيوس”، والدرع يمكن أن يسمى “كأس أريس”، وعلى غرار ذلك، فالشيخوخة بالنسبة إلى العُمر، كالعشية بالنسبة إلى النَّهار، والعشية يمكن أن تسمى “شيخوخة النَّهار”، والشيخوخة يمكن أن تسمَّى “عشية العُمر”. وهذا استناد إلى قول أمبادوقليس: “الحياة غروب شمس”. وفي بعض الأحيان، لا توجدُ ألفاظ للاستعمال في الاستعارة، فعلى سبيل المثال، فإذا كان نثر البذور يسمى زرعا، لكن عملية نثر الشمس لأشعتها، لا يوجد اسم لها، ومع ذلك، تبقى هذه العملية متعلقة بالشمس كتعلقها بالزرع، لذلك قال الشاعر: لقد نثرت الشَّمسُ نورا ربانيا”.». (المترجم). يعتبر هذا النص أهم ما جاء عن أرسطو حول الاستعارة، وقد ترجمته بدقة تختلف عما هو رائج. والمصدر الذي ترجمت منه هذا النص هو:

Aristotle. Poetics, translated by S.H. Butcher, Section 3, Part 21, pp.3339-33340.

[29] – مثلا ما يقف عليه الناس يسمى “أرجل”، فيستعار من الإنسان ليحمل على الحيوان، وعلى الأشياء، فنقول: أرجل الحشرات، أو أرجل الأحصنة، وأرجل المائدة…وذلك من باب التوسع، والسبب في اضطرارنا للاستعارة عدم وجود لفظ لتسمية ما تقف وتسير عليه الحشرات والأحصنة والموائد وغيرها. (المترجم).

[30]– See Cicero, De Oratore, 55 BCE, 3.159–60.

[31]Poetics 10 1457b.

[32]– Ricœur, Paul, (1997, 43-49).

[33]– Lloyd, G.E.R., 1996, “The Metaphors of Metaphors,” in Aristotelian Explorations, Cambridge: Cambridge University Press, 205–222.

[34]– Moran, Richard, 1996, “Artifice and Persuasion: The Work of Metaphor in the Rhetoric,” in Essays on Aristotle’s Rhetoric, Amelie Rorty (ed.), Berkeley: University of California Press.

[35]– Halliwell, Stephen, 2002, The Aesthetics of Mimesis: Ancient Texts and Modern Problems, Princeton and Oxford: Princeton University Press, p.189-191.

[36]stanford encyclopedia of philosophy.

[37]جيوفاني پيرلويجي الپاليستريني Giovanni Pierluigi da Palestrina (1525-1594) مؤلف موسيقي إيطالي اشتهر في عصر الإحياء بتأليف الترنيمات الدينية متعددة الأصوات.

[38] – تُعدّ ورقة الأقنثوس المنحوتة على التيجان الكورنثية زخرفةً مُنمّقةً ذات أوراقٍ شائكة، تُمثّل الخلود والولادة الجديدة والصمود، وقد استُعملت في العمارة منذ اليونان القديمة (القرن الخامس قبل الميلاد). وهي مُستوحاة من نبات الأقنثوس الناعم، وتتميز بفصوصها المُلتفة، وغالبًا ما ترمز إلى الثروة والسلطة والفن الراقي.

[39] -التاج الكورنثي هو الجزء العلوي المزخرف والمتقن للعمود، ويتميز بتصاميمه الرشيقة على شكل جرس، والتي تتضمن أوراق الأقنثوس المنمقة، وسيقانها، وزخارفها الحلزونية الصغيرة. وباعتباره أكثر الأنماط اليونانية الكلاسيكية الثلاثة زخرفة (إلى جانب التاج الأيوني والتاج الدوري)، فإنه يدل على فخامة العمارة وعظمتها.

[40]Biographia Literaria, chap. 22.

[41]– Brooks, Cleanth, 1947, “The Heresy of Paraphrase,” in The Well Wrought Urn: Studies in the Structure of Poetry, New York: Reynal & Hitchcock, 1947, 192–214.

[42]– Cavell, Stanley, 1969, “Aesthetic Problems of Modern Philosophy,” in Must We Mean What We Say? A Book of Essays, New York: Charles Scribner’s Sons, 73–96.

[43]Ibid.

[44]– Levinson, Jerrold, 2001, “Who’s Afraid of a Paraphrase?” Theoria 67(1): 7–23.

[45]-Camp, Elizabeth, 2006. “Metaphor and That Certain ‘Je Ne Sais Quoi’,” Philosophical Studies 129(1): 1–25.

[46]-Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3.

[47]– Lepore, Ernie, 2009, “The Heresy of Paraphrase: When the Medium Really is the Message,” Midwest Studies in Philosophy, 33(1): 177–97.

[48]– Lamarque, Peter, 2015, “Semantic Finegrainedness and Poetic Value,” in The Philosophy of Poetry, John Gibson (ed.), Oxford University Press, 18–36.

[49]– Currie, Gregory and Jacopo Frascaroli, 2021, “Poetry and the Possibility of Paraphrase,” Journal of Aesthetics and Art Criticism 79(4): 428–39.

[50]– Richards, Ivor A., 1936, The Philosophy of Rhetoric, London and New York: Oxford University Press.

[51]– Black, Max, 1954, “Metaphor,” Proceedings of the Aristotelian Society, 55: 273–94.

لقد قمنا بترجمة هذه المقالة إلى العربية، انظر: بلاك، ماكس، “الاستعارة”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلاحدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 17 يونيو 2022.

[52]– Beardsley, Monroe C., 1962, “The Metaphorical Twist,” Philosophy and Phenomenologic-al Research, 22(3): 293–307.

[53]– Skulsky, Harold, 1986, “Metaphorese.” Noûs, 20(3): 351–69.

Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press.

[54]– Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, Athens: University of Georgia Press, p.24.

[55]Ibid., p.24.

[56]Macbeth, 3.1.96.

[57]– Skulsky, Harold, 1992, Language Recreated: Seventeenth-Century Metaphorists and the Act of Metaphor, pp. 9-10.

[58]– Barfield, Owen, 1962, “Poetic Diction and Legal Fiction,” in The Importance of Language, Max Black (ed.), Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1962, 57–71.

[59]Conversational Implicature هو المعنى الضمني في التّحاور، وهو المعنى غير المباشر والمضمر، الّذي يتجاوز معنى الألفاظ المنطوقة حرفيًا، ويعتمد على السّياق والمقام الّذي قيلت فيه، وعلى الفهم المشترك بين المتحاورين، نحو: قول السّائل: “هل ستذهب إلى المقهى؟”، فيرد المجيب: “عليّ العمل”، فالمعنى الضّمني في رد المجيب هو أنّه لن يذهب إلى المقهى. ويعتبر الفيلسوف الإنجليزي هيربرت پاول غرايس، هو أول من وضع نظرية  التّضمين الحواري كمفهومٌ تداولي، ويُشير به إلى أنّ المُتحدث يُلمِّح إلى معانٍ أعمق ممَّا يقوله حرفيًا، معتمدًا على السِّياق، من جهة، وعلى مبادئ التّحاور المشتركة لنقل المعنى من جهة ثانية. ويُشيرُ كذلك إلى المعنى غير المباشر، الّذي لا يُعتبر جزءًا من التَّعريف الحرفي، مثل رد شخص بقوله: “أنا متعب” على سؤال “هل تريد الخروج؟”، والذي يُفهمُ منه “لا أريد الخروج”. ويختلف التّضمين التّحاوري عند غرايس عن التّضمين البلاغي القديم، الّذي تحدّث عنه النّحاة بدل من البلاغيين، ومعناه حسب ابن جني في “الخصائص، ج.2”: “التّوسع في استعمال الألفاظ ممّا يجعلها مؤدية لمعاني ألفاظ أخرى مناسبة لها، فيعطى حكم الأولى حكم الثانية في التّعدية واللُّزوم”، وإن كان هذا التّعريف يشير إلى التّوسع في استعمال الألفاظ، فهذا يقترب معناه من معنى الاستعارة. وذكر المناسبة، يرتبط كذلك بالاستعارة. أما إعطاء حكم أحدها للأخرى في التّعدية واللزوم، فهذا يتعلق بالمعنى المترتب عن التّركيب، وهو مسألة نحوية. (المترجم).

[60]– Grice, Herbert Paul, 1989, “Logic and Conversation, Lecture 2” in Studies in the Way of Words, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 22–40.

[61]– Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.

[62]– Martinich, A.P., 1984, “A Theory for Metaphor,” Journal of Literary Semantics, 13(1): 35–56.

[63]Ibid., pp.7-26.

[64]Ibid., p.32.

[65]Ibid., p.33.

[66]– Searle, John R., Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, p.10.

[67]– Davis, Wayne A., 1998, Implicature: Intention, Convention, and Principle in the Failure of Gricean Theory, New York: Cambridge University Press, pp.70-74.

[68]– Saul, Jennifer M., 2001, “Review of Wayne A. Davis, Implicature: Intention, Convention, and the Failure of Gricean Theory,” Noûs, 35(4): 630–641.

[69]– Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.

[70]– Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL.

[71]– 5.3.119–120.

[72]-Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

[73]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1985, “Loose Talk,” Proceedings of The Aristotelian Society, 86: 153–171.

[74]Cognitive Principle of Relevance ينص مبدأ الصلة المعرفي (CPR)، الذي هو جزء من نظرية الصلة، على أنّ الإدراك البشري مُوجَّه بطبيعته نحو إعطاء الأهمية القصوى لما هو مهم ويلائمنا. فأدمغتنا تعطي الأولوية تلقائيًا للمعلومات التي تُحقق تأثيرات معرفية عالية، أي معرفة جديدة، ومعتقدات مُعززة، وبذل جهد أقل في معالجتها. إنها استراتيجية عقلية “سريعة واقتصادية” تهدف إلى إيجاد المعلومات الأكثر قيمة وأهمية. المعنى الأساسي والآلية. وينص مبدأ الصلة بالموضوع المعرفي كذلك على أن العقل البشري يُركز على تعظيم ما له أهمية، والذي يُعرَّف بأنه مُفاضلة بين التأثيرات المعرفية (التي تغنم منها الفائدة) وجهد المعالجة (الذي يقلل التكلفة). لذلك، فالناس يولون اهتمامًا تلقائيًا للمعلومات التي تُوفر أفضل توازن بين الأهمية البالغة، والجهد العقلي القليل: فعند قراءة تقرير على سبيل المثال، تركز على الملخص بدلًا من المتن برمته، لأنّ الملخّص يقدّم لك أقصى قدر من المعلومات الفورية والمُهمة.

[75]Communicative Principle of Relevance ينص مبدأ الصلة بالموضوع التَّواصلي على أنَّ كلّ فعل تواصلي، سواء كانَ قولا أو إيماءة، يُنشئ افتراضًا لأهميته المثلى، أي أنَّ المعلومات المقدّمة تستحق جهد المستمع لمعالجتها. وهذا يعني أنّ المتحدّثين يسعون إلى إيصال الخطاب الأكثر أهمية، وأنّ المستمعين يؤوّلون هذا الخطاب للوصول إلى فهم معرفي أعمق بجهد أقل. يتوقع المستمعون أن يكون الخطاب مهما لهم بما يكفي، وله صلة بما يريدون ليستحق الفهم، وهو الخطاب الأكثر أهمية الذي كان على المتحدث استعماله. لقد طوَّر كل من سبيربر وويلسون هذا المبدأ، الَّذي يفترض أنَّ التواصل البشري ليس مجرد ترميز، أو فك لترميز، وإنّما هو عملية “استدلالية-إيحائية” إذ يُظهر المُتحدّث قصدا ونية لما يومئ إليه، ويستنتج المستمع ما يريد قوله بالإيماء والإيحاء. يكون الخطاب أكثر أهمية لما ينتج تأثيرات معرفية أكبر، أي يقدم معلومات جديدة بجهد ذهني أقل، نحو قول زيد لعمرو: “الجو بارد” وهو يشير إلى نافذة مفتوحة، فإنَّه يلمح إليه بقوله: “أغلق النافذة”؛ ونحو قول زيد: “يا له من يوم جميل” أثناء عاصفة؛ فإنّ المستمع يستنتج السخرية، لأنَّ المعنى الحرفي لا صلة  له بالواقع.

[76]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

[77]– Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.

[78]– Wilson, Deirdre, and Dan Sperber, 2002, “Truthfulness and Relevance,” Mind, 111(443): 583–632.

[79]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.

[80]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

[81]– Clark, Billy, 2003, Relevance Theory. Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[82]– Scott, Kate, Billy Clark, and Robyn Carston, eds, 2019, Relevance, Pragmatics and Interpretation: Essays in Honour of Deirdre Wilson. Cambridge: Cambridge University Press.

[83]– Stott, 2006, 20.164-173.

[84]– Aristotle, 1987, Poetics I, With the Tractatus Coislinianus, a Hypothetical Reconstruction of Poetics II, and the Fragments of the On the Poets, Richard Janko (trans.), Indianapolis: Hackett, 1987. 1407.

[85]– Quintilian, Institutio Oratoria, in The Orator’s Education, 5. vols, Donald A. Russell (trans.), Loeb Classical Library, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press, 2001. 95, 6, 8, 8-9.

[86]– Nowottny, Winifred, 1962, The Language Poets Use, New York: Oxford University Press.

[87]– Ortony, Andrew, 1979, “The Role of Similarity in Similes and Metaphors,” in Metaphor and Thought, 1st edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 186–201.

[88]– Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011.

[89]– Tversky, Amos, 1977, “Features of Similarity,” Psychological Review, 84(4): 327–352.

[90] – المقصود Pope John Paul II يوحنا بولس الثاني (1920-2005).

[91]Arnold Palmer لاعب كولف أمريكي محترف (1929-2016).

[92]– Fogelin, Robert J., 1988, Figuratively Speaking, New Haven: Yale University Press. A revised edition was issued by Oxford University Press in 2011, p.43.

[93]Ibid., p.88.

[94]Ibid., p.87.

[95]– Gass, William H., 1975, On Being Blue: A Philosophical Inquiry, Boston: David R. Godine, p.40.

[96] – تحدث عن هذا الأمر، أي الحذف أهم من الذكر، البلاغي عبد القاهر الجرجاني من خلال قوله:«هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنَّك ترى به الذِّكر، أفصح من الذِّكر، والصّمتَ عن الإفادة، أزيد من الإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطقْ، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِنْ.» (الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، تحقيق وتعليق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2001.).

[97] – يسمى هذا التصوُّر حسب المصطلح الوارد في المقالة بتصور القوة الغاشمة للاستعارة Brute Force Account، أو ما يسمى كذلك بنظرية الاستبدال المعجمي Lexical Substitution ، ويعبر عن رأي مفاده أن الاستعارات لا تحمل أي معنى خاص غير المعنى الحرفي. ويؤكد كذلك على أن الاستعارات تقوم فقط على التشابهات الحرفية، إذ يستبدل لفظ بآخر أو يُؤطَّر به، ليكون كأداة بلاغية بديعية، وليس وسيلة لخلق مقامات حقيقية جديدة عميقة.

[98] – التأطير الاستعاري استراتيجية معرفية وتواصلية تؤثر في عملية صنع القرار من خلال ربط خصائص مفهوم مألوف ومحسوس (يسمى المصدر) بفكرة مجردة أو معقدة (تسمى الهدف). ويعمل هذا الأسلوب من خلال تسليط الضوء على جوانب محددة من الموقف وإخفاء جوانب أخرى، مما يوجه الانتباه والتفكير بفعالية نحو استنتاج معين، وغالباً ما يكون هذا الاستنتاج محدداً مسبقاً. أما “تأثير التأطير” حسب ريتشارد موران الفلسفي، فيشير إلى قدرة اللغة الاستعارية على التأثير في منظور المستمع وفي انتباهه، وفي توجهه المعرفي نحو موضوع ما، بدلاً من مجرد نقل فكرة محددة. وبالاستناد إلى رؤية دونالد ديڤيدسون للاستعارة، يدعي موران بأن الاستعارة تعمل أشبه ما يكون عمل إشارة أو عمل “صورة” تدعو المستمع إلى رؤية شيء ما على أنَّه شيء آخر، وبالتالي، تقوم بتأطير الموضوع في ضوء معين.

[99]– Moran, Richard, 1989, “Seeing and Believing: Metaphor, Image, and Force,” Critical Inquiry, 16(1): 87–112.

[100]– Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, pp.46-57.

لقد ترجمنا هذه المقالة إلى العربية، انظر:

ديفيسون، دونالد، “ما تعنيه الاستعارات”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 5 غشت 2022.

[101]Ibid., p.31.

[102]– Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.

[103]– Stryk and Ikemloto, 1995, p.50.

[104]– Frye, Northrop, 1957, Anatomy of Criticism: Four Essays, Princeton: Princeton University Press, p.123.

[105]– Hollander, John, 1985, Vision and Resonance: Two Senses of Poetic Form, 2nd edition, New Haven: Yale University Press, p.278.

[106]– Rorty, R., 1989, pp.17-18.

[107]– Davidson, Donald, 1978, “What Metaphors Mean.” Critical Inquiry, pp. 7-36

[108]– White, Roger M., 1996, The Structure of Metaphor: The Way the Language of Metaphor Works, Oxford and Cambridge, MA: Blackwell.

[109]– Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2010, “Against Metaphorical Meaning,” Topoi, 29(2): 165–180.

Lepore, Ernie, and Matthew Stone, 2015, Imagination and Convention: Distinguishing Grammar and Inference in Language, Oxford: Oxford University Press.

[110]– Lewis, David, 1969, Convention: A Philosophical Study, Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press.

[111]– Lewis, David, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.

[112]– Davidson, Donald, 1986, “A Nice Derangement of Epitaphs,” in Truth and Interpretation: Perspectives on the Philosophy of Donald Davidson, Ernest Lepore (ed.), Oxford and New York: Blackwell, 433–46.

 Davidson, Donald, 2005, “Locating Literary Language,” in Truth, Language, and History, Oxford: Clarendon Press, 167–181.

[113]– Reimer, Marga, 1996, “The Problem of Dead Metaphor,” Philosophical Studies, 82(1): 13–25.

Reimer, Marga, 2001, “Davidson on Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 142–156.

Reimer, Marga, 2004, “What Malapropisms Mean: A Reply to Donald Davidson,” Erkenntnis, 60(3): 317–334.

[114]– Reimer, Marga and Elisabeth Camp, 2008, “Metaphor,” in Oxford Handbook of the Philosophy of Language, Ernest Lepore and Barry C. Smith (eds.), Oxford: Oxford University Press, 845–63.

[115]– Camp, Elizabeth, 2013, “Metaphor and Varieties of Meaning,” in A Companion to Donald Davidson, Ernest Lepore and Kirk Ludwig (eds.), Hoboken: Wiley-Blackwell, 361–78.

[116]– Cohen, Ted, 1978, “Metaphor and the Cultivation of Intimacy,” Critical Inquiry, 5(1): 3–12.

Cohen, Ted, 2008, Thinking of Others: On the Talent for Metaphor, Princeton: Princeton University Press

[117]– Ortony, Andrew, Diane L. Schallert, Ralph E. Reynolds, and Stephen J. Antos, 1978, “Interpreting Metaphors and Idioms: Some Effects of Context on Comprehension,” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 17(4): 465–77.

[118]– Glucksberg, Sam, Patricia Gildea, and Howard B. Booklin, 1982, “On Understanding Nonliteral Speech: Can People Ignore Metaphors?” Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, 21: 85–98.

[119]– Blasko, Dawn G. and Cynthia M. Connine, 1993, “Effects of Familiarity and Aptness on Metaphor Processing,” Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition 19(2): 295–308.

[120]Structure Mapping Theory هذه النَّظرية من وضع عالمة النّفس المعرفية الأمريكية Dedre Gentner ديدري غينتنر، وضعتها في ثمانينيات القرن الماضي، وهي تشبه إلى حد ما أوجه التّشابه في التّشبيه، لكن أوجه التّشابه هذه تكون نسقية ومتناظرة، ولا تجمع بين المشبه والمشبه به كما هو الحال في التشبيه، وإنّما تجمع بين المصدر Source والهدف Target، وتكون البنية النسقية التي تجمع بينهما متشابهة كما هو الحال لما نقول في التمثيل العلمي الآتي: إن الإليكترونات تدور حول النواة مثلما تدور الكواكب حول الشمس؛ فالعناصر والخصائص المشتركة بين الإليكترونات والكواكب متناسقة، والعناصر المشتركة بين النواة والشمس مشتركة، فكما أنّ الشّمس تجذب الكواكب، تجذب النواة الإليكترونات، وكما أن الإليكترونات تنجذب مثلها مثل الكواكب، وكما أن الإليكترونات تدور حول النواة، تدور الكواكب حول الشّمس…(المترجم).

[121]– Bowdle, Brian F. and Dedre Gentner, 2005, “The Career of Metaphor,” Psychological Review 112(1): 193–216.

[122] – نظرية الفئة العليا Superordinate Category Theory، المعروفة في الأوساط البحثية باسم نظرية تضمين الفئات في الاستعارة Class-Inclusion Theory of Metaphor، وضعها عالمان نفسيان هما: سام غلوكسبرغ وبواز كيسار، تعتبر هذه النظرية أنّ الاستعارات ليست مجرد تشبيهات نحو: إن (أ) تشبه (ب)، وإنما هي تأكيدات على الاحتواء داخل فئات ومجموعات نحو: (أ) تنتمي إلى الفئة (ب). في هذه النظرية، تصوغ الاستعارات فئة عليا مؤقتة أو مجردة، ينتمي إليها كل من المستعار له والمستعار منه، استنادًا إلى خصائص مشتركة. ولهذا، فالاستعارات تعتبر أداة للتصنيف نحو قولنا: “وظيفتي سجن”، فهنا لا نشير فقط إلى تشابه بين وظيفتي والسجن، وإنما نخلق فئة جديدة مؤقتة، التي هي “الأشياء القمعية والمقيدة”، ونقوم بتنصيف “وظيفتي” ضمنها، مستعملين “السجن” كمثال نموذجي. إن الفئات المؤقتة والمجردة تُخلق على الفور، بالاعتماد على السياق الظرفي، وعلى المقام، وعلى المعرفة الموسوعية. يكتسب اللفظ الاستعاري “السجن” معنىً مجردًا يطالُ الخصائص المتعلقة بالموضوع مثل “وظيفتي”. إنَّ الوظيفة المزدوجة للألفاظ الاستعارية: مثل “خنزير” في استعارة “سام خنزير” متعددة المعاني،  إذ يمكن أن تشير إلى المثال الحرفي البسيط، أي حيوان في مزرعة، أو تشير إلى الفئة المجردة العليا، أي إلى أشخاصٌ لهم صفات بغيضة وجشعة. وعلى النّقيض من نظرية التشبيه، اعتبر غلوكسبرغ بأنّه على الرّغم من إمكانية تحويل الاستعارات إلى تشبيهات نحو “(أ) يشبه (ب)”، إلا أنّها تختلف اختلافًا جوهريًا، لأن مفهوم تضمين الفئات يبرز أنّ الاستعارات تُشير إلى انتماءٍ لفئةٍ ما، على عكس التشبيهات. إذا كانت التشبيهات قابلة للعكس، نحو قولنا: “طماطم البرقوق تُشبه الطماطم”، فإن الاستعارات عمومًا غير قابلة للعكس نحو : “وظيفتي سجن”، إذ لا يُمكن أن يصبح المحمول موضوعا، ونقول: “السّجن وظيفتي”، لأنّ الفئة العليا “السّجن” محمول يطال الموضوع “وظيفتي”، وليس العكس. إن الاستعارة التي تقول: “المحامي سمكة قرش”، يشير فيها لفظ “سمكة قرش” إلى فئةٍ عليا من “الكائنات العدوانية والمفترسة”، فالمحامي ينسب إلى هذه الفئة، مُضفيًا عليها صفة السلوك العدواني المفترس. ويتجلى كذلك في استعارة “بعض الأفكار ماس”، إذ يُمثل “الماس” هنا فئةً من “الأشياء القيّمة أو النادرة أو الصّلبة”، حاملا هذه الصفات على “الأفكار”. (المترجم).

[123]– Glucksberg, Sam, 2001, Understanding Figurative Language: From Metaphors to Idioms. Oxford and New York: Oxford University Press.

[124]– Gibbs, Jr., Raymond W., 1994, The Poetics of Mind: Figurative Thought, Language, and Understanding. Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[125]–  Holyoak, Keith James, 2019, The Spider’s Thread: Metaphor in Mind, Brain, and Poetry. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

[126]– Giora, Rachel, 2003, On Our Mind: Salience, Context, and Figurative Language. Oxford and New York: Oxford University Press.

[127]– Lee, David, 2001, Cognitive Linguistics: An Introduction, Oxford and New York: Oxford University Press.

[128]– Croft, William and D. Alan Cruse, 2004, Cognitive Linguistics, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[129] – النّحو التوليدي عند نعوم تشومسكي نظرية لغوية تفترض أنَّ اللّغة ملكةُ بشرية فطرية وبيولوجيةُ وكونية، لا تحصل بالتعلم والتقليد، فهي قارة في الدماغ، الذي يوصف عادة بجهاز اكتساب اللغة.  تخضع حسب هذا التصور لمجموعة من القواعد، التي تشبه النسق الصوري في الرياضيات، والذي يولد أوصاف بنيات الجمل. إن هذه القواعد تُمكّن المتحدّثين من إنتاج، وفهم عدد لا نهائي من الجمل الفريدة والسليمة من النَّاحية النَّحوية. وتركز هذه النظرية على الكفاءة، أي المعرفة الداخلية، بدلاً من الأداء، أي الاستعمال الفعلي.

[130] – يتعلق الأمر هنا بنظرية تسمى “فرضية لغة الفكر”، الّتي طرحها الفيلسوف والعالم المعرفي جيري فودور سنة 1975، وتفيد هذه نظريةً أنّ التفكير يحدث بلغة ذهنية داخلية، يُشار إليها غالبًا باسم “لغة العقل”. تفترض هذه النظرية أنّ العمليات المعرفية حاسوبية، تعمل كلغة الحاسوب، حيث تمتلك التّمثيلات الذّهنية بنيةً شبيهة باللُّغة ذات قواعد نحوية ودلالات.

[131]– Lakoff, George, and Mark Johnson, 2003, “Afterword,” in Metaphors We Live By, 2nd edition, Chicago and London: University of Chicago Press, 170–190.

[132]– Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books, pp.42-48.

[133]– Lakoff, George, 1993, “The Contemporary Theory of Metaphor.” In Metaphor and Thought, 2nd edition, Andrew Ortony (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 202–251.

[134]Ibid., p.206.

[135]Ibid., p.244-245.

[136]Ibid., p.206.

[137]– Fauconnier, Gilles, 1994, Mental Spaces: Aspects of Meaning Construction in Natural Languages, New York: Cambridge University Press.

[138]– Fauconnier, Gilles, and Mark Turner, 2002, The Way We Think: Conceptual Blending and the Mind’s Hidden Complexities, New York: Basic Books.

[139]– Turner, Mark, 1998, “Figure,” in Figurative Language and Thought, Albert N. Katz (ed.), New York and Oxford: Oxford University Press, 44–87.

[140]– Kövecses, Zoltán, 2010, Metaphor: A Practical Introduction, 2nd ed. Oxford and New York: Oxford University Press.

[141]– Dancygier, Barbara and Eve Sweetser. Figurative Language, Cambridge: Cambridge University Press, 2014.

[142]– Gibbs, Jr., Raymond W, 2017, Metaphor Wars: Conceptual Metaphors in Human Life, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[143]– Littlemore, Jeanette, 2019, Metaphors in the Mind: Sources of Variation in Embodied Metaphor, Cambridge: Cambridge University Press.

[144] – يشير مفهوم حساسية السياق context-sensitivity إلى الأنساق أو اللغة، أو السلوكيات، التي يتغير معناها أو وظيفتها أو مخرجاتها بناءً على الظُّروف المحيطة، أو على البيئة أو على مدخلات المستعمل. وهذا يعني أنّ المعلومات ليست ثابتة، وإنّما تعتمد على السياق، مثل موقع المُستعمل أو الزمن أو الأحوال الخاصة والمخصوصة. (المترجم)

[145]systematic philosophy of language الفلسفة النسقية للغة هي مقاربة منظمة وشاملة لفهم اللغةـ ليس باعتبارها مجموعة من الألفاظ، وإنما باعتبارها نسقا منظما، تحكمه قواعد محددة، ويلعب هذا النسق دور الوسيط فيما بين المعنى والفكر والواقع. كما أن هذه المقاربة تسعى إلى تفسير كيفية عمل اللغة كنسق منسجم ومترابط، يمزج على الغالب علم النَّحو، وعلم الدلالة، وعلم التَّداول، من أجل إنتاج المعنى.

[146]– Montague, Richard, 1974, Formal Philosophy; Selected Papers of Richard Montague, Richmond H. Thomason (ed.), New Haven: Yale University Press.

[147]– Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press, 481–563.

[148]– Lewis, David, 1979, “Scorekeeping in a Language Game,” Journal of Philosophical Logic, 8(1): 339–357.

[149]– Stalnaker, Robert, 1999, Context and Content: Essays on Intentionality in Speech and Thought, Oxford and New York: Oxford University Press.

[150]– Bach, Kent, 2005, “Context Ex Machina,” in Semantics vs. Pragmatics, Zoltan Szabó (ed.), Oxford and New York: Oxford University Press, pp. 15–44.

[151]– Stanley, Jason, 2007, Language in Context: Selected Essays, Oxford: Oxford University Press.

[152]– Borg, Emma, 2004. Minimal Semantics, Oxford: Oxford University Press.

[153]– Cappelen, Herman, and Ernie Lepore, 2005, Insensitive Semantics: A Defense of Semantic Minimalism and Speech Act Pluralism, Oxford: Blackwell Publishing.

[154]– Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, p.2.

[155]– Travis, Charles, 2008, “Introduction,” in Occasion-Sensitivity: Selected Essays, Oxford and New York: Oxford University Press, 1–16.

[156]– Searle, John R., 1979a, “Metaphor,” in Expression and Meaning: Studies in the Theory of Speech Acts, Cambridge and New York: Cambridge University Press, 76–116.

[157]– Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[158]– Clark, Herbert H., 1992, “Making Sense of Nonce Sense,” in Arenas of Language Use, Chicago and London: Chicago University Press and CSLI, 305–40.

[159]– Levinson, Stephen C., 2000, Presumptive Meanings: The Theory of Generalized Conversational Implicature, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

[160]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

[161]– Bezuidenhout, Anne, 2002, “Truth Conditional Pragmatics,” Philosophical Perspectives, 16: 105–34.

[162]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 1995, Relevance: Communication and Cognition, 2nd edition, Oxford and Cambridge, Massachusetts: Blackwell.

[163]– Carston, Robyn, 2002, “The Pragmatics of On-Line Concept Construction,” in Thoughts and Utterances: The Pragmatics of Explicit Communication, Malden, MA and Oxford: Blackwell Publishing, 320–75.

[164]– Bezuidenhout, Anne, 2001, “Metaphor and What is Said: A Defense of a Direct Expression View of Metaphor,” Midwest Studies in Philosophy, 25(1): 156–86.

[165]– Sperber, Dan, and Deirdre Wilson, 2008, “A Deflationary Account of Metaphors,” in The Cambridge Handbook of Metaphor and Thought, Raymond W. Gibbs, Jr. (ed.), Cambridge and New York: Cambridge University Press, 84–105.

[166]–  Recanati, François, 2004, Literal Meaning, Cambridge and New York: Cambridge University Press.

[167]– Stern, Josef, 2000, Metaphor in Context, Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

[168] – ذكر اللفظ هنا بالحروف اللاتينية على النحو الآتي: “mthat“.

[169] – ذكر اللفظ هنا بالحروف اللاتينية على النحو الآتي: “dthat“.

[170] – ورد الاصطلاح باللفظ: I-presuppositions.

[171]– Kaplan, David, 1989, “Demonstratives,” in Themes From Kaplan, Joseph Almog, Howard K. Wettstein, and John Perry (eds.), New York: Oxford University Press. p.115.

[172]– Donnellan, Keith S., 1966, “Reference and Definite Descriptions”, Philosophical Review, 75(3): 281–304.

[173]– Kripke, Saul, 1977, “Speaker’s Reference and Semantic Reference,” Midwest Studies in Philosophy, 2: 255–276.

[174]– Camp, Elisabeth, 2006, “Contextualism, Metaphor, and What is Said,” Mind & Language, 21(3): 280–309.

[175]– Horn, Laurence R., 1988, A Natural History of Negation, Chicago, University of Chicago Press, 1988. A reissue edition with a new introduction was published by Stanford: CSLI Publications, 2001, p.381.

[176] – ويُسمّى هذا في العربية الإضراب، أي نفي ما سبق. ويستعملُ فيه حرف العطف “بل” لنفي ما سبق وتصحيحه نحو: “دخل زيد، بل عمرو” إشارة إلى أنّ الذي دخل ليس زيد، وإنّما عمرو. (المترجم).

[177]– Turbayne, Colin Murray, 1970, The Myth of Metaphor, rev ed., Columbia, South Carolina: University of South Carolina Press. First published by Yale University Press in 1962.

[178]Ibid., pp.13-14.

[179]Ibid., p.14.

[180]Ibid., p.15.

[181] – لقد استعمل الكاتب لفظ zeugma للدلالة على

[182]Ibid., p.15

[183]Ibid., p.17.

[184]– Walton, Kendall L, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.

[185]– Walton, Kendall L, 1990, Mimesis as Make-Believe: On the Foundations of the Representational Arts, Cambridge, Massachusetts and London: Harvard University Press.

[186]– Walton, Kendall L, 1993, “Metaphor and Prop Oriented Make-Believe,” European Journal of Philosophy, 1(1): 39–57.

[187]Ibid., p.46.

[188]– Hills, David, 1997, “Aptness and Truth in Verbal Metaphor,” Philosophical Topics, 25(1): 117–153.

Hills, David, 2008, “Problems of Paraphrase: Bottom’s Dream,” Baltic International Yearbook of Cognition, Logic, and Communication, 3. URL.

[189]

[190]– Hills, David, 2017, “The What and the How of Metaphorical Imagining, Part One.” Philosophical Studies 174(1): 13–31.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك