1. مقدمة

منذ عدة أعوام الآن، وأنا أكتب مقالًا من أربعة أجزاء لـ Field Newspaper Syndicateمطلع كل عام، وفي عام 1980كانوا منتبهين لاقتراب العام 1984وطلبوا مني أن أكتب نقدًا شاملًا لرواية “1984” لـ جورج أورويل. كنت مترددًا لأني لم أتذكر شيئًا من الروايةتقريبًا وأخبرتهم بذلك – لكن دينسن ديماك، الشابة اللطيفة التي كانت جهة اتصالي في المؤسسة (FNS)، أرسلت إلي نسخة من الكتاب بكل بساطة وقالت “اِقرأها.”

لذلك قرأتها ووجدت نفسي متعجبًا مما قرأت كل التعجب. وتسائلت كم مِن أولئك الذين يطنبون في الحديث عن الرواية قدقرأوها بالفعل، وإن كانوا قرأوها فهل يتذكرونها على الإطلاق؟ شعرت بأن علي أن أكتب النقد وإن كان ذلك لمجرد أن أصحح أفكار الناس. (أنا آسف؛ أحب تصحيح أفكار الناس).

الكاتبإسحاق عظيموف
ترجمةمحمد ناجي
مراجعةهدى عيسى

2. كتابة “1984”

نُشر في عام 1949 كتاب بعنوان “1984” من تأليف إريك آرثر بلير تحت الاسم المستعار جورج أورويل.

حاول الكتاب أن يعرض تصورًا للحياة في عالم من الشر المطلق، حيث يُبقي المتحكمون بالدولة على سلطتهم بواسطة القوة المفرطة وتشويه الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ باستمرار وتنويم الناس بشكل عام.

وُضِع هذا العالم الشرير على بعد ٣٥ عامًا من الزمن ليتمكن حتى مَن هم في مستهل منتصف العمر حين نُشر الكتاب أن يروه إذا عاشوا عمرًا طبيعيًا.

كنت أنا، مثلًا، رجلًا متزوجًا بالفعل عندما ظهر الكتاب ومع ذلك ها نحن ذا وأمامنا أقل من أربع سنوات قبل أن تحل تلك السنة المروعة (لأن “1984” أصبحت سنة تبعث الرهبة بسبب كتاب أورويل)، وعلى الأرجح أنني سأعيش لأراها.

سأناقش الكتاب في هذا الفصل لكن أولًا: من هو بلير/أورويل ولماذا كُتب هذا الكتاب؟

وُلِد بلير عام 1903 بمنزلة رجل بريطاني نبيل. والده كان في الإدارة المدنية في الهند وعاش بلير نفسه حياة ضابط في الإمبراطورية البريطانية. فقد درس في إيتون وخدم في بورما (ميانمار) وما إلى ذلك.

لكن كان ينقصه المال لكي يصبح رجلًا إنجليزيًا نبيلًا لأكمل وجه. كما أنه لم يرغب في قضاء وقته في وظائف مكتبية مملة؛ أراد أن يكون كاتبًا. وكان يشعر بالذنب حيال مكانته في الطبقة العليا.

لذلك فعل في أواخر عشرينيات القرن العشرين ما فعله الكثير من الشباب الأميركي الميسور الحال في الستينيات. باختصار، أصبح ما سُمي بالهيبي في وقت لاحق. عاش في العشوائيات في لندن وباريس، وعاشر سكان العشوائيات والمشردين وأحَسّ بانتماء إليهم، فتمكَّن من أن يريح ضميره و- في الوقت نفسه – أن يجمع موادًا لأعماله الأولى.

كما أنه أتجه ناحية اليسار السياسي وأصبح اشتراكيًا، مقاتلًا مع الجبهة الموالية (الجمهورية) في أسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي. فوجد نفسه هناك في خضم صراعات تنظيمية بين مختلف التنظيمات اليسارية، وبما أنه آمن باشتراكية بريطانية نبيلة الشكل (جِنتلمانيّة)؛ كان حتميًا أن يجد نفسه على الجانب الخاسر. كان مُعارضوه لاسُلطَويين (أناركيين) ونقابيين وشيوعيين أسبان مُتَّقدين استاؤوا بمرارة من أن مقتضيات قتال فاشيي فرانكو حالت دون اقتتالهم. الشيوعيون – الأفضل تنظيمًا – كانت لهم الغلبة[1] واضطر أورويل لمغادرة أسبانيا لاقتناعه بأنه كان سَيُقتَل إن لم يغادر.

منذئذ وحتى وفاته واصل حربًا أدبية شخصية ضد الشيوعيين، مصممًا أن ينتصر بالكلمات في معركة كان قد خسرها في ساحة القتال.

وكان محسوبًا على الجناح الأيسر لحزب العمال البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية – التي لم يُقبل فيها للخدمة العسكرية – لكنه لم يتعاطف مع أراءهم، فحتى نسختهم المتهورة من الاشتراكية بدت له منظمة أكثر من اللازم.

وعلى ما يبدو أنه لم يتأثر كثيرًا بالشمولية النازية؛ فلم يكن بِداخله متسع إلا لحربه الشخصية ضد الشيوعية الستالينية. وبالتالي فبينما كانت بريطانيا العظمى تخوض حربًا وجودية ضد النازية، وكان الاتحاد السوفيتي حليفها في الصراع، يحارب بشجاعة باسلة مشاركًا بالنصيب الأكبر من الأرواح المفقودة، كتب أورويل “مزرعة الحيوان” التي كانت هجاءً ساخرًا من الثورة الروسية وما تلاها، بتصويرها كثورة حيوانات حظيرة على أسيادهم البشر.

أنجز “مزرعة الحيوان” في 1944 وواجه صعوبة في إيجاد ناشر؛ فالوقت لم يكن ملائمًا لإزعاج السوفيت، لكن بمجرد أن انتهت الحرب أصبح الاتحاد السوفيتي هدفًا مستباحًا ونُشرت “مزرعة الحيوان.” تلقت الرواية الكثير من الإطراء وأصبح أورويل ميسور الحال لدرجة مكَّنته من التقاعد وتكريس نفسه لتحفته “1984.”

صوَّر ذلك الكتاب المجتمع كامتداد ضخم عالمي لروسيا الستالينية من الثلاثينيات، في صورة تمتلئ حقدًا من خصم يساري متعصب[2]. الأشكال الأخرى من الشمولية تؤدي دورًا ضئيلًا. توجد إشارة أو اثنتان للنازيين ومحاكم التفتيش. كما توجد إشارة أو اثنتان لليهود في البداية، كأنهم كانوا سيصبحون هدفًا للاضطهاد، لكن هذا يتلاشى فورًا كما لو أن أورويل خشي أن يظن قُراؤه أن الأشرار المقصودين هم النازيون.

الصورة صورة الستالينية، الستالينية وحدها.

عندما صدر الكتاب عام 1949، كانت الحرب الباردة في ذروتها، ولذلك اشتهر الكتاب. كان شيئًا من الوطنية تقريبًا أن تشتريه وتتحدث عنه، وربما تقرأ أجزاءً منه، لكن في رأيي أن مَن اِشتَروه وتحدثوا عنه أكثر مِمَّن قرأوه، لأنه ممل بشكل فظيع — يتسم بالوعظ والتكرار وما يشبه الجمود.

معظم شهرة الكتاب كانت بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب المحافظ، لكونه مناظرة وهجومًا صريحًا على السوفيت، والصورة التي أسقطها على لندن “1984” كانت تماثل تصور المحافظين للحياة في موسكو 1949.

خلال الحقبة المكارثيّة في الولايات المتحدة، اشتهر الكتاب بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب الليبرالي، فقد بدا لهم أن الولايات المتحدة في أوائل الخمسينيات بدأت تتحرك في اتجاه التحكم بالتفكير وأن الشر الذي وصفه أورويل كان في طريقه إلينا.

لذلك استخلص الفيلسوف والمحلل النفسي الليبرالي إريك فروم التالي في خاتمة نسخة ورقية الغلاف نشرتها New American Library في 1961:

“الكتب على شاكلة كتاب أورويل هي تحذيرات قوية، وسيكون من المؤسف جدًا أن يُؤوِّل القارئ بعجرفة رواية “1984” على أنها تصوير آخر للهمجية الستالينية، ولا يرى أنها تقصدنا نحن أيضًا.”

حتى لو تجاهلنا الستالينية والمكارثية، فإن الأميركيين وبشكل متزايد بدأوا يلحظون كم أن الحكومة باتت كبيرة، وأصبحت الضرائب أعلى، وإلى أي مدى صارت القواعد واللوائح تتدخل في الأشغال والحياة اليومية أيضًا، وكيف أصبحت المعلومات المتعلقة بكل أوجه الحياة الشخصية تدخل ملفات المكاتب الحكومية بل وأنظمة الائتمان الخاصة أيضًا.

لذلك لم تعد رواية “1984” ترمز إلى الستالينية أو حتى الديكتاتورية بشكل عام، ولكنها أصبحت ترمز إلى الحكومة ليس إلا. فحتى النزعة الأبوية للحكومات صارت تَستحضر صورة “1984”، وباتت عبارتها المشهورة “الأخ الأكبر يراقبك” تعني كل ما هو أكبر من أن يتحكم فيه الفرد. ولم تقتصر بوادر “1984” على ضخامة الحكومة أو الشركات فحسب، بل شملت أيضًا المشاريع العلمية الكبرى والتنظيمات العمالية الكبرى وأي شي كبير.

في الواقع اخترقت فوبيا “1984” كليًا وعي الكثيرين مِمَن لم يقرأوا الكتاب وليس لديهم فكرة عن محتواه، حتى بات المرء يتساءل عما سيحدث لنا بعد 31 ديسمبر 1984. عندما يحل يوم رأس السنة في 1985 والولايات المتحدة ما زالت موجودة وتواجه المشاكل نفسها التي تواجهها اليوم، كيف عسانا أن نعبر عن مخاوفنا من مختلف نواحي الحياة التي تملؤنا توجسًا؟ أي موعد جديد سنخترع ليحل محل 1984؟

لم يعش أورويل ليرى النجاح الذي حققه كتابه. ولم يشهد كيف حوَّل الكتاب سنة 1984 إلى سنة تطارد جيلًا بأكمله من الأميركيين. توفي أورويل بمرض السل في مستشفى بلندن في يناير 1950، بعد بضعة أشهر من نشر كتابه وكان قد بلغ ستة وأربعين عامًا. لعل عِلمه بموته الوشيك قد زاد من مرارة الكتاب.

3. الخيال العلمي في “1984”

الكثيرون ينظرون لـ “1984” على أنها رواية خيال علمي، لكن العنصر الوحيد فيها تقريبًا الذي يقود المرء لهذا الافتراض هو أنها تزعم حدوثها في المستقبل. غير صحيح! لم يكن لأورويل أي حدس تجاه المستقبل، وكانت الإزاحة في القصة جغرافية أكثر بكثير من كونها زمنية. لندن التي تدور فيها أحداث القصة لم تُنقل 35 سنة للأمام، من 1949 لـ 1984، بل نُقلت ألف ميل شرقًا لموسكو.

تخيل أورويل أن بريطانيا العظمى مرت بثورة تشبه الثورة الروسية ومرت بكل المراحل التي مر بها التطور السوفيتي. لم يستطع أن يتخيل أي تباين في موضوع الثورة؛ لذلك قام الإنجسوك (أي الاشتراكية الانجليزية، في رواية أورويل) بسلسلة من التطهيرات في الخمسينيات لأن السوفيت قاموا بسلسلة من التطهيرات في الثلاثينيات.

شَوَّهَ السوفيت صورة أحد ثورييهم، ليون تروتسكي، ونصَّبوا خصمه جوزيف ستالين بطلًا. وبالمثل شَوَّهَ الإنجسوك صورة أحد ثورييهم، إيمانويل جولدشتاين، وجعلوا من خصمه، الذي له شاربِ مثل ستالين، بطلًا. حتى القدرة على خلق فروق صغيرة ليست موجودة. فجولدشتاين، مثل تروتسكي، له ❞وجه يهودي هزيل تكلله هالة كبيرة مشوشة من الشعر الأشيب، وله لحية صغيرة كلحية معزاة.❝ ولا يريد أورويل أن يشوش المسألة بإعطاء ستالين اسمًا مختلفًا لذلك سماه “الأخ الأكبر” ليس إلا.

يتضح لنا في مستهل القصة أن التلفاز (الذي كان يبرز إلى الوجود في فترة كتابة الكتاب) يُستخدم كوسيلة مستمرة لتلقين الناس، لأن الأجهزة لا يمكن أن تُطفئ. (و، على ما يبدو، في لندن المتدهورة حيث لا شيء يعمل، لا تعطل هذه الأجهزة أبدًا)

الإسهام الأورويلي العظيم لتكنولوجيا المستقبل هو أن جهاز التلفاز إرسالي واستقبالي، وأن الناس المجبرين على سماع ومشاهدة التلفاز يمكن أن يُسمعوا ويُروا طوال الوقت وهم تحت مراقبة مستمرة حتى خلال نومهم أو استخدامهم للحمام. من هنا يأتي شعار “الأخ الأكبر يراقبك.” هذا النظام ليس فعالًا على الإطلاق في إبقاء الجميع تحت سطوته. أن تراقب شخصًا طوال الوقت يعني أنك بحاجة إلى شخص آخر ليقوم بالمراقبة على الدوام (على الأقل في المجتمع الأورويلي) وعليه أن يفعل ذلك بدقة، فقد حدث تطور عظيم في فن تفسير الإشارات وتعابير الوجه.

لا يمكن أن يراقِب شخص واحد أكثر من شخص بتركيز كامل، ولا يمكنه فعل ذلك إلا لفترة قصيرة نسبيًا دون أن يتشتت تركيزه. سأخمن، باقتضاب، أنه ربما يتطلب الأمر خمسة مراقِبين لكل شخص مراقَب. من ثم، بالطبع، يجب أن يُراقَب المراقِبون أنفسهم؛ فلا أحد في العالم الأورويلي خالٍ من الشبهات. والنتيجة أن هذا النظام الاستبدادي المعتمد على جهاز التلفاز (الإرسالي الاستقبالي) سَيُمنى بالفشل.

أدرك أورويل ذلك وجعله يقتصر على أعضاء الحزب. فالـ”برولز” (البروليتاريا)، الذين لا يستطيع أورويل أن يخفي ازدراءه البريطاني الطبقي تجاههم، متروكون لأنفسهم كأنهم دون البشر. (يقول في موضع ما في الكتاب إن أي عضو من البروليتاريا يُظهِر كفاءة يُقتَل — صفحة مأخوذة من المعاملة الإسبرطية لعبيدهم قبل ألفين وخمسمئة عام.)

علاوة على ذلك، لدى أورويل منظومة من الجواسيس المتطوعين حيث يُبلِّغ الأطفال عن آبائهم، والجيران عن جيرانهم. ولا يمكن لهذا أن ينجح، ففي نهاية المطاف سيبلغ الجميع عن بعضهم بعضًا ومن ثَمَّ ستُرفَض كل هذه البلاغات.

لم يكن أورويل قادرًا على تصور الروبوتات أو الحواسيب، وإلا لكان وضع الجميع تحت مراقبة آلية. الحواسيب في حاضرنا تقوم بهذا إلى حد ما في مصلحة الضرائب وملفات الائتمان وما إلى ذلك، لكن هذا لا يأخذنا تجاه عالم “1984”، إلا في المخيلات المحمومة. الحواسيب والاستبداد لا يسيرون جنبًا إلى جنب. كانت الأنظمة الاستبدادية تعمل بشكل جيد للغاية بدون حواسيب (خذ النازيين بعين الاعتبار) وأكثر الدول حَوسَبة اليوم أقلها استبدادًا أيضًا.

يفتقر أورويل إلى القدرة على تخيل (أو ابتكار) اختلافات صغيرة. يصعب على بطله في عالم 1984 خاصته شراء أربطة حذاء أو شفرات حلاقة. وسيكون ذلك حالي أيضًا في عالم الثمانينيات الحقيقي، لأن الكثيرين يستخدمون أحذية بدون أربطة و ماكينات حلاقة كهربائية.

هناك، أيضًا، تشبث أورويل بفكرة أن كل تقدم تكنولوجي هو انزلاق نحو الأسوأ، وهو تشبث نابع من رهابه للتكنولوجيا. ولذلك عندما يكتب بطلُه، فإنه “يضع ريشة الكتابة على حاملها ثم يمصّها قليلًا ليزيل الشحم عنها.” يفعل ذلك “لمجرّد إحساسه بأن ذلك الورق الصقيل الشاحب كان يستحق الكتابة عليه بريشة حقيقية وليس خدشه بقلم حبر.”

الأرجح أن “قلم الحبر” هو قلم الحبر الجاف الذي بدأ يُستخدم وقت كتابة “1984”. هذا يعني أن أورويل يصف استخدام ريشة حقيقية (معدنية) بـ”الكتابة” في حين أن قلم الحبر الجاف “يخدش” الصفحة. لكن هذا بالتحديد عكس الحقيقة. إن كنتَ عايشت الأقلام المعدنية فستتذكر كيف كانت تخدش خدشًا رهيبًا، كما تعلم أن الأقلام الجافة لا تخدش.

ليس هذا بالخيال العلمي بل نوستالجيا مشوشة لماضٍ لم يكن. أتعجّب من أن أورويل توقف عند القلم المعدني ولم يجعل وينستون يكتب بريشة إوز أنيقة.

ولم يكن أورويل بعيد النظر فيما يخص الجوانب الاجتماعية للمستقبل الذي يعرضه، فكانت النتيجة أن عالم “1984” الأورويلي قديم الطراز بشكل مدهش مقارنة بالعالم الحقيقي في الثمانينيات.

فعلى سبيل المثال، لم يتخيل أورويل أي آفات جديدة. جميع شخصياته عُشّاق لمشروب الجن ومدمنو تبغ، وجزء من الرعب في تصويره لـ 1984 يكمن في وصفه البليغ لرداءة الجن والتبغ.

لم يتنبأ بأي مخدرات جديدة، لا الماريجوانا ولا المهلوسات الاصطناعية.

لا يتوقع أحد من كاتب الخيال العلمي أن يكون دقيقًا في تنبؤاته، لكن بالتأكيد ينتظر المرء منه أن يختلق بعض الاختلافات.

نسي أورويل في غمرة يأسه (أو غضبه) الفضائل الإنسانية. شخصياته كلها، بشكل أو بآخر، ضعيفة أو سادية، أو دنيئة، أو غبية، أو مُنفِّرة. لعل هذا حال معظم الناس، أو ربما أراد أورويل أن يُبيِّن أنه سيكون حالهم جميعًا تحت سطوة الاستبداد، ومع ذلك يبدو لي أنه حتى تحت وطأة أطغَى أنظمة الاستبداد، كان ولا زال هناك رجال ونساء شجعان يقفون في وجه الطغاة حتى الموت، لتصبح ذكراهم نجومًا مضيئة وسط الظلام. لا تشبه الرواية العالم الحقيقي في الثمانينيات لأنها تخلو من أي إشارة لهذا.

و لا هو تنبأ بأي اختلاف في دور المرأة أو أي تراجع للصورة النمطية للأنوثة الموجودة آنذاك في عام ١٩٤٩. شخصياته تتضمن امرأتان فقط ذاتا أهمية. إحداهما امرأة قوية بلهاء من “البرولز” وهي غاسلة ملابس لا تكف عن العمل ولا تنفك عن غناء أغنية مشهورةٍ كلماتها من النوع المألوف في الثلاثينيات والأربعينيات (التي يشمأز أورويل بتعالٍ أمام “سوقيتها”، ولِحسن حظه لم يتوقع قدوم موسيقى الهارد روك.)

الأخرى هي البطلة، جوليا، المنحلة جنسيًا (لكن، على الأقل، يدفعها اهتمامها بالجنس إلى الشجاعة)، عدا ذلك هي بلهاء. عندما يقرأ لها بطل الرواية وينستون من كتاب داخل الرواية يشرح طبيعة العالم الأورويلي، يكون جوابها النوم — لكن بما أن الأطروحة التي يقرأها وينستون منومة بشكل لا يصدق، لعل هذا دليل على رجاحة عقلها وليس العكس.

باختصار، إن كان ولا بد من اعتبار رواية ١٩٨٤ خيالًا علميًا إذن فهو خيال علمي في غاية السوء.

4. الحكومة في “١٩٨٤”

رواية أورويل هي صورة لحكومة ذات سطوة شاملة، وقد ساعدت الرواية في جعل فكرة “الحكومة الكبيرة” مخيفة جدًا.

لكن علينا أن نتذكر أن العالم في أواخر الأربعينيات، حينما كان يكتب أورويل روايته، كان – وما زال – فيه طغاة حقيقيون ذوو حكومات كبيرة — أشخاص كانت كل رغباتهم قانونًا، مهما كانت ظالمة أو قاسية أو وحشية. علاوة على ذلك، بدا كما لو أنه لا يمكن الإطاحة بهؤلاء الطغاة إلا بتدخل قوة خارجية.

في إيطاليا، أُسقِط بينيتو موسوليني بعد واحد وعشرين عامًا من الحكم المطلق، لكن ذلك لم يحدث إلا لأن دولته كانت تخسر الحرب.

وكان في ألمانيا طاغية أشد بأسًا وبطشًا، أدولف هتلر، حكم بيد من حديد مدة اثني عشر عامًا، لكن حتى الهزيمة بحد ذاتها لم تُؤدِ إلى الإطاحة به. بالرغم من تقلص نطاق حكمه أكثر فأكثر وتضييق جيوش خصومه الساحقة للخناق من الشرق والغرب، فقد ظل طاغية مطلق الحكم على أي مساحة تحت سيطرته — حتى عندما لم تتجاوز جدران ملجأه المحصن الذي انتحر فيه. لم يجرؤ أحد على إزاحته، حتى أزاح نفسه. (حيكت المؤامرات ضده بلا شك، لكنها لم تنجح قط، أحيانًا بسبب تدخلات القدر التي لا تُفسَّر، وكأن شيطانًا ما كان يحرسه.)

لكن أورويل لم يهتم لا بهتلر ولا بموسوليني. فعدوه كان ستالين، وحين نُشرت “1984” كان ستالين قد حكم مدة خمسة وعشرين عامًا بِقبضة كقبضة الدب في قوتها، ونجا من حرب طاحنة ألحقت بأمته خسائر فادحة، لكنه خرج منها أقوى. خُيل لأورويل أن لا الزمن ولا القدر بِقادران على زحزحة ستالين، بل سيحيا للأبد بقوة آخذة في التزايد — وهكذا تصور أورويل الأخ الأكبر.

لم يحدث ذلك، بطبيعة الحال. توفي ستالين بعد ثلاثة أعوام من نشر “1984”، لكن أورويل لم يكن حيًا ليشهد ذلك. ولم يطل الوقت حتى أُدين نظام ستالين بالاستبداد مِن قِبَل — خَمن مَن؟ — القيادة السوفيتية.

ما زال هو الاتحاد السوفيتي نفسه، لكنه لم يعد ستالينيًا، ولم يعد أعداء الدولة عرضة للتصفية بسهولة (يستخدم أورويل التعبير “تبخير” بدل تصفية[3]، مثل هذه التغييرات البسيطة هي جل قدرته)

وفي الصين، مات ماو تسي تونغ، وفي حين لم يُدنْ هو علنًا، فإن معاونيه المقربين المعروفين بِـ “عصابة الأربعة” نُزعَت عنهم القدسية فورًا، ما زالت الصين هي الصين، لكنها لم تعد ماويّة. في إسبانيا مات فرانكو في سريره، وبالرغم من بقاءه القائد المطاع حتى آخر نفس له، فقد تراجعت الفاشية في إسبانيا فجأة فور وفاته، كما حدث في البرتغال بعد موت سالازار.

باختصار، الإخوة الكبار يموتون فعلًا، أو هو الحال حتى الآن على الأقل، وعندما يموتون تأخذ الحكومات شكلًا أخف وطأة.

هذا لا يعني أن طُغاة جدد لن يفرضوا وجودهم، لكنهم سيموتون أيضًا. على الأقل في عالم الثمانينيات الحقيقي لدينا كل الثقة أنهم سيموتون وأن الأخ الأكبر الأبدي ليس بالخطر الحقيقي بعد.

في الواقع تبدو الحكومات في الثمانينيات على درجة خطيرة من الضعف. فتقدم التكنولوجيا جعل الأسلحة القوية من متفجرات وبنادق آلية وسيارات سريعة في متناول إرهابيّي المدن ممن لديهم القدرة، بل ويُقدِمون بالفعل، على الخطف والاستيلاء والقتل وأخذ الرهائن دون خشية العقاب، في حين تقف الحكومات إلى جنب عاجزة تقريبًا. وبالإضافة إلى خلود الأخ الأكبر، يعرض أورويل طريقتين أخريين للحفاظ على نظام استبدادي دائم.

أولًا — قَدِّم شيئًا أو شخصًا ليكون هدفًا لسهام الكراهية. في العالم الأورويلي قُدِّم إيمانويل جولدشتاين الذي دُبرت وأُججت الكراهية ضده في حملة جماعية ممنهجة.

ليس هذا بالجديد على الإطلاق. فكل دولة في العالم قد استخدمت جيرانًا شتى كذريعة لإشعال نيران الكراهية. وهو أمر في غاية السهولة، كأنه طبيعة مكتسبة في البشر لدرجة تجعلك تتعجب لماذا يتطلب الأمر حملات كراهية منظمة في العالم الأورويلي.

فلا حاجة إلى حركات سيكولوجية جماهيرية ماكرة لإشعال نيران الكراهية بين العرب والإسرائيليين، واليونانيين والأتراك، والإيرلنديين الكاثوليك والبروتستانت. صحيح أن النازيين نظموا اجتماعات هَذيانيّة حاشدة استمتع بها كل المشاركين، لكن لم يكن لها أثر باقٍ. فعندما انتقلت الحرب إلى أرض ألمانيا استسلم الألمان بخنوع، كأنهم لم يؤدوا التحية النازية يومًا في حياتهم.

ثانيًا — أعِد كتابة التاريخ. تقريبًا كل فرد من الأفراد القلة الذين نقابلهم في الرواية وظيفته إعادة كتابة الماضي في عجالة وتعديل الإحصائيات وتنقيح الجرائد — كأن أحدًا سيتكبد عناء الانتباه للماضي بأي حال.

الانشغال الأورويلي بتفاصيل “الأدلة التاريخية” أمر متوقع من المتعصب سياسيًا الذي يقتبس باستمرار ما حدث وقيل في الماضي ليثبت وجهة نظر لشخص على الجانب الآخر يقتبس دائمًا نقيض ذلك مما حدث وقيل.

أي سياسي يدرك أن لا حاجة إلى أي دليل من أي نوع أبدًا.

تحتاج فقط أن تدلي بتصريح — أي تصريح — بحزم كافٍ ليصدقه الجمهور. لن يتحقق أحد من صحة الكذبة، وإن فعلوا فسيختارون الكذبة على الحقيقة. أَتَظُن أن الألمان تظاهروا في 193 أن البولنديين بادروا بالهجوم وأشعلوا الحرب العالمية الثانية؟ لا! بل صدقوا ذلك بالجدية نفسها التي نصدق بها نحن أنهم هم من هاجموا البولنديين أولًا.

صحيح أن السوفيت أصدروا نسخًا جديدة من دائرة المعارف خاصتهم حُذف منها فجأة سياسيون كانت لهم تراجم طويلة في النسخ السابقة. وهذا بلا شك هو بذرة الفكرة الأورويلية، لكن يبدو لي أن احتمال حدوث ما وصفته الرواية صفر — ليس لأنها تفوق خبث البشر، بل لأن لا حاجة إليها على الإطلاق.

يجعل أورويل من “اللغة الجديدة” أداةً للقمع — بتحويل الانجليزية إلى لغة مُقيَّدة للغاية ومليئة بالاختصارات اللغوية لدرجة أن مفردات المعارضة تختفي. جاءته الفكرة جزئيًا من عادة الاختصارات اللغوية المُسلَّم بها. وقدَّم أمثلة على ذلك، فصارت”الأممية الشيوعية” تُدعى “كُمِنتِرن”[4] وأصبحت “الشرطة السرية لألمانيا النازية” “الجِستابو،”[5] ولكن ذلك لا يُعد اختراعًا شموليًا حديثًا. فكلمة “همج” أصلها “التجمهر المقلق”[6]، و”سيارة الأجرة” اختُصرت إلى “تاكسي”[7] و”مصدر راديو شبه نجمي” اختُصر إلى “شبه نجم”[8] في حين اختُصر “تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع” إلى “ليزر”[9]. ولا يوجد أي دليل على أن مثل هذه الاختصارات اللغوية قد أضعفت اللغة كوسيلة للتعبير.

في الحقيقة، يميل التعتيم السياسي للإسهاب بدلًا من الإيجاز، ويستخدم الكلمات الكبيرة بدلًا من الصغيرة، ويتوسع بدلًا من أن يختزل. فكل قائد ذو ذكاء محدود أو تعليم غير كافٍ يتوارى خلف ثرثرة كثيفة سكرى.

لذلك عندما اقترح وينستون تشيرشل تطوير “الإنجليزية المبسطة” لجعلها لغة دولية (الأمر الذي أسهم في فكرة “اللغة الجديدة” بلا شك)، كان الاقتراح فاشلًا. نحن إذن لا نقترب من “اللغة الجديدة” بنسختها المختصَرة، ولكن كانت هناك دائمًا نسخة مسهبة من “اللغة الجديدة” وستظل موجودة دومًا.

توجد بيننا أيضًا فئة من الشباب يتفوهون بعبارات مثل “بالضبط، يا رجل، كما تعلم. وكأنه يُلم بالأمور كلها، كما تعلم، يا صاحبي. أعني، كما تعلم…” وهلم جرًا لخمس دقائق بينما الرد الذي يتلمسونه هو “ها؟”

لكن ذلك ليس بِـ”اللغة الجديدة”، وهو شيء مألوف لدينا، إنه ما نسميه في “اللغة القديمة” “تلعثمًا” وليس ما قصده أورويل.

5. المشهد الدولي في “1984”

بدا أن أورويل كان عالقًا في عالم 1949 بلا حيلة، إلا أنه أظهر بُعد نظر مدهش في جانب واحد على الأقل، وكان ذلك في تنبؤه بانقسام عالم الثمانينيات بين ثلاثة أطراف.

العالم الدولي في “1984” فيه ثلاث قوى عظمى: إيستاسيا Eastasia، وأوراسيا Eurasia، وأوقيانيا Oceania — وهو ما يتناسب تقريبًا مع القوى العظمى الفعلية الثلاثة في الثمانينيات: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين.

أوقيانيا تضم الولايات المتحدة والامبراطورية البريطانية. لم يلحظ أورويل- الذي كان موظفًا حكوميًا قديمًا في الامبراطورية – أن الامبراطورية البريطانية كانت تلفظ الرمق الأخير في أواخر الأربعينيات وكانت على وشك التلاشي. لكنه، في الواقع، يفترض أن الإمبراطورية البريطانية هي الطرف المهيمن في هذا الاتحاد بين بريطانيا وأميركا.

تدور الأحداث كلها في لندن على الأقل ونادرًا ما تُذكر عبارات مثل “الولايات المتحدة” و “الأميركيون”، هذا إن ذُكرت. ولكن من الناحية الأخرى، إنه يتَّبع نمط الرواية الجاسوسية البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تأخذ فيها بريطانيا العظمى (حاليًا في المركز الثامن عشر عالميًا كقوة اقتصادية وعسكرية) دور المنافس القوي للاتحاد السوفيتي أو الصين أو تتصدى لمؤامرة دولية مُختلَقة، في حين لا تُذكر الولايات المتحدة أو يقتصر دورها على ظهور صغير لعميل استخبارات أميركية CIA من حين لآخر، من باب المجاملة.

أوراسيا هي بالطبع الاتحاد السوفيتي ويفترض أورويل أنه سيستوعب القارة الأوروبية كلها. بذلك تتضمن أوراسيا كل أوروبا بالإضافة إلى سيبيريا، و95 بالمئة من سكانها أوروبيون بكل المقاييس. ومع ذلك، يصف أورويل الأوراسيّون Eurasians بأنهم “رجال مِتان ذوو وجوه آسيوية جامدة.” وبما أن أورويل عاش في زمن تتساوى فيه كلمتا “أوروبي” و”آسيوي” بكلمتا “بطل” و”شرير،” فمن المستحيل إثارة العواطف اللازمة للهجوم على الاتحاد السوفيتي ما لم يُنظَر إليه بصفته “آسيويًا.” ويندرج هذا تحت عنوان ما تسميه “اللغة الجديدة” لأورويل بِـ“التفكير المزدوج” وهو شيء يجيده أورويل، شأنه شأن أي إنسان آخر.

من الممكن بالطبع أن أورويل لم يكن يفكر في أوراسيا أو الاتحاد السوفيتي، بل كان يفكر في عدوه اللدود ستالين. فستالين جورجيّ، وجورجيا، الواقعة جنوب جبال القوقاز، هي – بالمراعاة الصارمة للجغرافيا – جزء من آسيا.

و إيستاسيا هي، بالطبع، الصين ودول مستقلة شتى.

هنا بُعد النظر، فأثناء كتابة أورويل لـ “1984” لم يكن الشيوعيون الصينيون قد فازورا بعد بالسلطة في دولتهم، وكان الكثيرون (في الولايات المتحدة بالتحديد) يبذلون قصارى جهدهم ليحرصوا على احتفاظ شيانج كاي شيك المُعادي للشيوعية بالسلطة. وبمجرد انتصار الشيوعيين أصبح جزءًا من العقيدة المتفق عليها في الغرب أن الصينيين سيصبحون تحت التحكم السوفيتي الشامل وأن الصين والاتحاد السوفيتي سيشكلان قوة شيوعية أحادية.

لم يتنبأ أورويل بالانتصار الشيوعي فحسب (في الواقع، كان يرى هذا الانتصار أينما نظر) بل تنبأ أيضا بأن روسيا والصين لن يشكلا كتلة أحادية بل سيصبحون ألد الأعداء.

لعل خبرته كيساري متعصب سياسيًا ساعدته في هذه المسألة. فلم يكن عنده أي خرافات يمينية بخصوص كون اليساريين أشرارًا متحدين لا يمكن تمييزهم. كان يعلم أنهم سيتقاتلون على أتفه نقاط العقيدة بشراسة تضاهي شراسة أَتقَى المسيحيين.

تنبأ أيضًا بحالة حرب دائمة بين الثلاثة؛ حيث حالة الجمود الدائم والتحالفات المتغيرة باستمرار، لكن دائمًا اثنان ضد الأقوى. كان هذا نظام “توازن القوى” قديم الطراز المُستخدَم في اليونان القديمة وإيطاليا القرون الوسطى ومطلع أوروبا الحديثة.

يكمن خطأ أورويل في اعتقاده أنه توجد حاجة إلى حرب حقيقية لتبقى عجلة توازن القوى دائرة. في الواقع، في أحد المقاطع المضحكة من الكتاب، يُطيل الحديث عن ضرورة الحرب الدائمة كوسيلة لاستهلاك إنتاج العالم من الموارد وبهذا يبقى التقسيم الطبقي بطبقاته العليا والمتوسطة والدنيا (يبدو هذا وكأنه تفسير يساري جدًا للحرب كنتيجة لمؤامرة حيكت بصعوبة بالغة.)

لكن، في الحقيقة، العقود التي تلت 1945 خاليةٌ من الحروب خلوًا ملحوظًا مقارنة بالعقود السابقة. توجد وفرة من الحروب المحلية، لكن لا حروب عالمية. ومع ذلك، الحرب ليست ضرورية كوسيلة يائسة لاستهلاك موارد العالم. يمكن تحقيق هذا بوسائل أخرى مثل الزيادة اللامتناهية في السكان وفي استهلاك الطاقة، وهما أمران لم يأخذهما أورويل بعين الاعتبار.

لم يتنبأ أورويل بأي من التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي حدثت منذ الحرب العالمية الثانية. لم يتنبأ بدور النفط أو التناقص في توافره أو تزايُد سعره أو تصاعُد قوة الدول المتحكمة به. ولا أتذكر أن كلمة “نفط” وردت.

يمكننا أن نشهد لأورويل ببعد نظره، إذا استبدلنا “الحرب الباردة” بـ”الحرب.” فقد لازمتنا إلى حد ما “حرب باردة” أبقَتْ معدلات تشغيل العمالة مرتفعة وحلت بعض المشاكل الاقتصادية قصيرة المدى (على حساب خلق مشاكل كبرى طويلة المدى). وهذه الحرب الباردة كافية لاستنزاف الموارد.

علاوة على ذلك، تغيرت التحالفات كما تنبأ أورويل وبالشكل المفاجئ نفسه تقريبًا. عندما بدا أن للولايات المتحدة كامل السيطرة، كان الاتحاد السوفيتي والصين كلاهما معاديان للولايات المتحدة بصوت عالٍ وفي تحالف من نوع ما. ومع تناقص قوة أميركا، تباعد الاتحاد السوفيتي والصين، ولفترة، كان كل من القوى الثلاثة تندد بالاثنتين الأخريين بتساوي. ثم عندما تنامت قوة الاتحاد السوفيتي بشكل خاص، ظهر تحالف من نوع ما بين الولايات المتحدة والصين، فَكانا يتعاونان على التشهير بالاتحاد السوفيتي، ويتحدثان بلطف عن بعضهما.

في “1984” كلما حدث تغير في التحالفات صاحَبَه انهماك مفرط في إعادة كتابة التاريخ. أما في الحياة الواقعية فلا حاجة إلى مثل هذه الحماقة. فرأي العامة يتأرجح من جانب إلى آخر بسهولة، مُتقبِلين تغير الوضع بلا أدنى اهتمام بالماضي على الإطلاق. اليابانيون، مثلًا، تحولوا في الخمسينيات من أشرار يَعجَز عنهم الوصف إلى أصدقاء، في حين تحرك الصينيون في الاتجاه المعاكس، ولم يتكلف أحد عناء محو حادثة بيرل هاربر. ولم يبالي أحدٌ، بحق السماء.

جعل أورويل القوى العظمى الثلاثة في روايته تتخلى طوعًا عن استخدام القنابل النووية، وبالفعل لم تُستخدم مثل هذه القنابل في الحروب منذ 1945. لكن لعل السبب هو أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهما القوتان الوحيدتان اللتان تمتلكان ترسانات نووية ضخمة، قد تجنبا محاربة بعضهما بعضًا. لو اندلعت حرب، يصعب تصديق أن إحداهما لن تشعر أخيرًا بضرورة استخدام هذه القنابل. يفتقر أورويل إلى الواقعية في هذا الصدد.

تتعرض لندن بين الحين والآخر للقذف بصواريخ تشبه جدًا أسلحة الـ V-1 أو V-2 من 1944، والمدينة في حالة من الخراب تشبه حالها في 1945. لم يستطع أورويل أن يجعل “1984” مختلفة عن 1944 في هذا الصدد.

في الواقع، يوضح أورويل أن بحلول عام 1984 ستكون الشيوعية العالمية للقوى العظمى الثلاثة قد خنقت العلم وهدرته، ما عدا في المجالات حيث الحاجة إليه من أجل الحرب.

لا شك أن الدول أكثر حماسة للاستثمار في العلم إذا كان له تطبيقات حربية على مرمى البصر لكن، للأسف، لا يمكن فصل الحرب والسلم عندما يتعلق الأمر بالتطبيقات العلمية.

العلم وحدة واحدة وكل شيء فيه من الجائز أن يكون ذا صلة بالحرب والدمار. لذلك لم يختنق العلم بل يواصل مسيرته، ليس في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان فحسب بل في الاتحاد السوفيتي والصين أيضًا. والإنجازات العلمية أكثر من أن تُحصى، لكن اِنظر للحاسوب والليزر على أنهما “سلاحا حرب” ذوا تطبيقات سلمية لامتناهية.

6. الخاتمة

الخلاصة أن أورويل في روايته “١٩٨٤” كان، في رأيي، منخرطًا في صراع شخصي ضد الستالينية بدلًا من أن يحاول تنبأ المستقبل. كان يفتقر إلى مَلَكة الخيال العلمي التي تُمكِّن من التنبؤ بمستقبل معقول، وفي الواقع، عالم “1984” لا يشبه عالم الثمانينيات الحقيقي بأي شكل تقريبًا.

ربما يتجه العالم للشيوعية، إن لم يكن قبل حلول 1984، ففي المستقبل القريب؛ أو لعله يشهد دمار الحضارة. لكن إن حدث هذا فسيحدث بشكل مختلف جدًا عما وُصف في “1984” وإذا حاولنا منع أي من الاحتمالين معتقدين أن رواية “1984” صائبة في نبوءاتها، فإننا سندافع عن أنفسنا ضد هجمات من الاتجاه الخاطئ وسنخسر.

المصدر

الهوامش

[1]يقصد أنهم انتصروا في الصراعات التنظيمية بين اليسار، لكن الفاشيين هم الذين انتصروا في الحرب الأهلية الإسبانية.

[2]Sectarian أي طائفيّ والمقصود هو نوع من الطائفية السياسية التي قد تتواجد أحيانًا بين تيارات سياسية تقع تحت نفس المظلة، اليسار في هذه الحالة

[3]يُستخدم لفظ “liquidate” في الإنجليزية بمعنى تصفية ومعناه الحرفي هو تسييل،  أي تحويل الشيء إلى سائل.

[4]في الإنجليزية “كُمنترن” Comintern هو اسم مدمج، بدمج أول مقطعين من Communist International “الأممية الشيوعية.”

[5]في الألمانية “جستابو” Gestapo اسم مدمج من Geheime Staatspolizei “الشرطة السرية للدولة.”

[6]في الإنجليزية كلمة “mob” تعني همج أصلها اللاتيني “vulgus mobile” بمعنى حشد مُقلِق. وهذا المثال وما يليه هي أمثلة من أزيموف لكلمات شائعة في الإنجليزية.

[7]في الإنجليزية “cab” وأصلها “taxi cabriolet”

[8]quasar في الإنجليزية والأصل “quasi-stellar radio source”

[9]Laser وهي من التمسيات الأوائلية بأخذ الحروف الأولي من “light amplification by stimulated emission of radiation” والتي تعني تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع

النقاط الرئيسية المستخلصة

  • مقالة تناقش رواية 1984 لجورج أورويل، حيث يستعرض الكاتب تجربة قراءته وتأملاته حول الرواية.
  • تتناول الكتاب قضية الشمولية وطبيعة الحكومات الاستبدادية، وتأثيرها على الفرد والمجتمع.
  • تصور الرواية عالمًا منخرطًا في السيطرة المستمرة على العقول، بينما تعكس أيضًا الصراع الشخصي لأورويل ضد الستالينية.
  • تشير المقالة إلى أن أورويل لم يكن يملك قدرة التنبؤ على نحو دقيق ولا تصف 1984 بشكل حقيقي واقع الثمانينات.
  • تسرد المقالة كيف أصبحت 1984 رمزًا للخوف من الحكومة الكبيرة، لكنها لا تعكس المستقبل بشكل واقعي.

اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك