بوذا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي، مراجعة: سيرين الحاج حسين

بوذا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي، مراجعة: سيرين الحاج حسين


حول بوذا وفلسفته وتعاليمه الأساسية، الكارما وإعادة الميلاد، وموقفه تجاه العقل؛ نص مترجم للـد. مارك سيدريتس والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


بوذا هو من تُمثّل تعاليمه أساس التقليد البوذي، وتتعلق هذه التعاليم المحفوظة في النصوص المعروفة باسم نيكايا Nikāyas)) أو الأوغاما (Āgamas)، بالسعي نحو التحرر من المعاناة. وبالتالي يتمثل هدفها النهائي في مساعدة الأفراد على عيش حياة جيدة. يتضمن تحليل بوذا لمصدر المعاناة افتراضات أساسية بشأن الطبيعة البشرية، وكذلك بشأن طبيعة معرفتنا بالعالم وموضعنا فيه. وقد شَكّلت تلك التعاليم أساس التقليد الفلسفي الذي طوّر مجموعة من النظريات المُركبة في الميتافيزيقا ونظرية المعرفة، ودافع عنها.

 

  1. بوذا فيلسوفًا

  2. التعاليم الأساسية

  3. اللا-ذات

  4. الكارما وإعادة الميلاد

  5. موقف تجاه العقل

  • بيبلوغرافيا

  • المصادر الأولية

  • المصادر الثانوية

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

 

 

 

  1. بوذا فيلسوفًا

تتعلق هذه المقدمة بالشخص المعروف تاريخيا باسم غوتاما، والذي يعرفه الباحثون المعاصرون بكونه مؤسس البوذية. وذلك لأنه وفقًا للتعاليم البوذية، فقد وُجد العديد من البوذات في الماضي، كما سيوجد المزيد منهم في المستقبل.  يعني “بوذا” حرفيًا “اليَقِظ”، ويشير إلى رجل تمكن من اكتشاف الطريق إلى النيرفانا، أي لإنهاء المعاناة، وقد علّم ذلك الطريق للآخرين كي يتمكنوا أيضًا من تحقيق النيرفانا. ستتّبع هذه المقدمة لا-أدرية الدراسات الحديثة تجاه السؤال الخاص بوجود بوذات آخرين، نظرًا لأن اتباع التعاليم القائلة بوجود بوذات عديدين في الماضي، ينفي عن بوذا صفة المؤسس الحقيقي للبوذية. وكذلك ستتجاهل المقدمة القوى والأوضاع الخارقة التي يمنحها بعض البوذيين للبوذات. في مقابل الاهتمام بالنواحي الفكرية للشخص التاريخي غوتاما، ومواكبة التطورات التي لحقت بالتقليد الفلسفي البوذي.

 سيُعامل بوذا بصفته فيلسوفًا بالرغم أن ذلك مثير للجدل، لكن قبل أن نوضح مُبرِرات ذلك، سنُلقي نظرة على الجوانب الأساسية لحياة وتعاليم بوذا، وهي ليست موضع خلاف.  تخبرنا المصادر بأن غوتاما عاش حتى عمر 80 عامًا. وقد كان يُعتقد حتى وقت قريب أنه عاش بين 560-480 قبل الميلاد، لكن يعتقد الكثير من العلماء الآن أنه قد تُوفي حوالي 405 قبل الميلاد. ولد سيدهارتا في عائلة ذات سلطة وثروة، في قبيلة شاكيا، على الحدود الحالية بين الهند ونيبال. وقد هجر عقب بلوغه حياته كرب أسرة (وكذلك زوجته وابنه الصغير) في سبيل البحث عن حل لمشكلة المعاناة الوجودية. تجول سيدهارتا في البداية رفقة عدد من النُسّاك  الذين ادّعوا معرفة طريق التحرر من المعاناة. لكن تعاليمهم لم تكن لترضيه، فانفصل عنهم، ليصل بمفرده، ومن خلال مزيج من البصيرة والممارسة التأملية، إلى الاستنارة bodhi)) والتي تعني انتهاء المعاناة. وقد كرس بوذا السنوات الخمس والأربعين المتبقية من حياته لتعليم الآخرين الأفكار والتقنيات التي أدت به إلى هذا الإنجاز.

يمكن تصنيف غوتاما نفسه أحد المنتمين إلى الشيرامَنَا “śramanas”، وهي طائفة معارضة لطبقة البراهمة، عبرت عن استياء تجاه الممارسات الدينية السائدة في حوض الجانج شمال الهند. وتألفت هذه الممارسات إلى حد كبير من الطقوس والتضحيات المنصوص عليها في الفيدا. وقد رفض كثير من الشيرامَنَات، ومن بينهم بوذا، سلطة الفيدا باعتبارها حقائق نهائية عن طبيعة العالم ومكانتنا فيه (ولهذا السبب تسمى “هترودوكسية”). مع العلم بأنه وُجدت داخل الشريعة الفيدية نفسها طبقة من النصوص (المتأخرة نسبيًا)، تُدعى الأوبانيشاد، والتي تظهر استياءًا مماثلًا تجاه الطقوسية البراهمانية. من بين الأفكار الجديدة التي تظهر في هذه النصوص (“الأرثوذكسية”) ، وكذلك في تعاليم الشيرامَنَات الهترودوكسية المعروفة بالنسبة لنا، ما يلي: الكائنات الواعية (بما في ذلك البشر، الحيوانات غير البشرية، الآلهة، والسكان من مختلف الجحيم) يخضعون لولادة جديدة، تحكمها قوانين السببية المتمثلة في الكارما (الأفعال الجيدة تسبب نتائج سارة للكائن، والأفعال السيئة تسبب نتائج غير سارة، وما إلى ذلك) ؛ بينما تلك الدورة من إعادة الميلاد غير مُرضية بطبيعتها؛ وتنطوي الحالة المثالية على تحرر الكائنات الواعية من دورة الميلاد، ويتطلب بلوغ هذه الحالة التغلب على الجهل فيما يتعلق بهوية الشخص الحقيقية. وتُقدَم وجهات نظر مختلفة بشأن هذا الجهل وكيفية التغلب عليه. من بينها البهاغافاد غيتا (المُصنفة من قبل بعض المدارس الأرثوذكسية على أنها الأوبانيشاد) والتي تذكر أربع وسائل لذلك، كما تناقش على الأقل رأيين منفصلين بشأن هويتنا: يقول الأول بعدد من الذوات المتمايزة، حيث تكون كل منها الأداة الحقيقية لتصرفات الشخص وحاملة ثمار الكارما الحسنة والسيئة على السواء، ولكنها منفصلة عن الجسم، وعن الحالات المرتبطة به. بينما يقول الثاني بذات واحدة فقط، نابعة من الطبيعة الخالصة للوعي (بصفتها “مشاهدًا”)، ومطابقة لجوهر الكون أو البراهمان أو الكائن النقي غير المتمايز.

اتفق بوذا مع معاصريه الذين شرعوا في نفس الدراسة المتعلقة بالجهل بهويتنا، بصفته مسؤولًا عن المعاناة. لكن ما يميز تعاليمه (في هذا المستوى من التحليل) يَكمن في القول بأن ذلك الجهل يتشكل من: غرور الاعتقاد بأن هناك “أنا”، وأن هذا “ملكي”. هذا هو التعليم البوذي الشهير عن ال “لا-ذات” (الأناتمن أو anātman)، وانطلاقًا من هذا التعليم يبدأ الخلاف بشأن ما إذا كان يمكن تقديم غوتاما بطريقة شرعية كفيلسوف أم لا؟.  أولًا هناك من يُشير (بشكل صحيح) إلى أن بوذا لا يُنكر أبدًا بشكل قاطع وجود الذات المتجاوزة لما هو مُعطى تجريبياً، أي تجاوزها ل”التجمعات” ”skandhas” الخمسة أو العناصر النفس-فيزيائية الخمسة التي تُعرّفها البوذية، وهي :

  1. المادة/الجسد/الشكل.

  2. الإحساس أو الشعور.

  3. التصورات.

  4. الكينونات الذهنية: الأحكام، والآراء، والأفكار، والقرارات.

  5. الوعي: يمكن وصفه بأنه سلسلة من الأفعال المترابطة المتغيرة بسرعة متميزة داخل الإدراك.

 

 و في حين أن بوذا ينكر أن أيًا من العناصر النفس-فيزيائية الخمسة يُمثّل الذات نفسها، يدّعي هؤلاء المفسرون بأنه على الأقل قد ترك الباب مفتوحًا لاحتمال وجود ذات متجاوزة بمعنى أنها غير تجريبية. وقد يعارض ذلك أن الفلسفة الهندية الكلاسيكية (البوذية والأرثوذكسية)، فهمت أن بوذا قد أنكر الذات بكل بساطة. يُجاب عن ذلك في بعض الأحيان بأن التقليد الفلسفي اللاحق قد أساء فهم بوذا جزئيًا على الأقل، لأن بوذا قصد الإشارة إلى شيء لا يمكن استيعابه من خلال ممارسة العقلانية الفلسفية. وبناءً على هذا التفسير، يجب ألا يُنظر إلى بوذا على أنه مؤيد للأساليب الفلسفية للتحليل والجدال، بل باعتباره الشخص الذي يرى تلك الأساليب بوصفها عقبات أمام الخلاص النهائي.

 

قد نصادف سببًا آخر لإنكار أن بوذا هو فيلسوف، وهو رفضه للنشاط الفلسفي المُميز للتنظير حول الأمور التي تفتقر إلى التطبيق العملي الواضح. بناءً على هذا التفسير أيضًا، فإن المفكرين البوذيين اللاحقين الذين شاركوا في بناء نظريات حول الطبيعة النهائية لكل شيء، قد فشلوا ببساطة في الإصغاء أو العناية بنصيحة بوذا أن نتجنب التنظير لذاته، وأن نركز انتباهنا في المقابل على تلك القضايا التي لها صلة مباشرة بالتحرر من المعاناة. وِفقًا لوجهة النظر هذه، فإن تدريس اللا-الذات لا يتصل بالميتافيزيقا، وإنما هو مجرد نصيحة عملية ترشدنا إلى عدم التماهي مع الأشياء الزائلة، ذلك التماهي المرتبط للغاية بعدم الرضا. يتشارك كلا التفسيرين إذًا الافتراض بأنه من الممكن التوصل إلى ما فكر فيه بوذا نفسه دون الاعتماد على فهم تعاليمه التي تم تطويرها في التقاليد الفلسفية البوذية اللاحقة.

قد يكون هذا الافتراض موضع تساؤل. حيث تأتي معرفتنا بتعاليم بوذا عن طريق نصوص لم تُكتب إلا بعد عدة قرون من وفاته، وهي باللغات البالية، والترجمات الصينية للغة السنسكريتية، بخلاف تلك التعاليم التي يحتمل أنه قالها، ويخُتلف حول أهميتها. قد لا تكون العقبة الأولى خطيرة كما يبدو، بالنظر إلى أن خطابات بوذا ربما تم تداولها بعد وقت قصير من وفاته، والحفاظ عليها من خلال نقل شفهي حتى وقت تدوينها. ولا يجب أن تكون العقبة الثانية منيعة كذلك. لكن تظل الصعوبة الثالثة مثيرة للقلق، حيث تشير إلى أن توارث النصوص  قد يتضمن عمليات إدراج أو حذف لصالح جانب أو آخر في النزاعات المذهبية. تشهد مصادرنا القديمة على ذلك: سيواجه المرء نزاعًا بين المفكرين البوذيين، حيث يستشهد أحد الأطراف ببعض الكلام على لسان بوذا لدعم موقفه، ليرد الطرف الآخر بأن النص الذي تم اقتباسه غير معترف به رسميًا ككلمات لبوذا. يشير ذلك إلى أن سِجلنا  لتعاليم بوذا يمكن صبغته بالتطورات الفلسفية لتلك التعاليم التي روّج لها مفكرون لاحقون في التقليد البوذي.

لكن بعض الباحثين أكثر تفاؤلاً من الآخرين حول إمكانية التغلب على هذه الصعوبة، وبالتالي الحصول على ما فكر فيه بوذا نفسه، وذلك على عكس ما اعتقد الفلاسفة البوذيون في وقت لاحق أنه قد فكر فيه. لكننا لن نتخذ أي موقف بشأن هذا النزاع هنا. حيث سنتعامل مع فكر بوذا كما كان مفهوما في التقاليد الفلسفية اللاحقة التي ألهمها. وقد يكون التفسير الناتج متفقًا أو مختلفًا مع نواياه.

من المنطقي كاحتمال أنه اعتقد في وجود ذات متجاوزة لا يُمكن معرفتها سوى بالحدس الباطني ، أو بأن ممارسة العقلانية الفلسفية لا تؤدي لغير النظريات العقيمة، والابتعاد عن التحرر الحقيقي. لكن ما يمكننا قوله بشيء من التأكيد هو أن التقليد الفلسفي البوذي لم يفهمه بتلك الطريقة. وأن فهمهم هو ما سيكون موضوع هذا المقال.

 

  1. التعاليم الأساسية

عادة ما يتم تلخيص تعاليم بوذا الأساسية في الحقائق الأربع النبيلة:

  1. هناك معاناة.

  2. هناك مصدر لتلك المعاناة.

  3. يمكن وقف تلك المعاناة.

  4. هناك طريق لوقف المعاناة.

 

قد يبدو أول هذه الادعاءات واضحًا، حتى عندما يُفهم أن “المعاناة” لا تعني الألم فقط بل المعاناة الوجودية، أي ذلك الضرب من الإحباط، والاغتراب، واليأس الناشىء عن اختبارنا لحتمية الزوال. لكن يُعتقد بأن هناك مستويات مختلفة لإدراك هذه الحقيقة، بعضها دقيق للغاية وصعب المنال؛ يُعتقد بأن أعلاه ينطوي على إدراك أن كل شيء له طبيعة المعاناة. ربما تكفي حاليًا الإشارة إلى أنه على الرغم من أن هذا ليس ادعاء غير معقول بأن جميع حالات وأحداث الحياة بالضرورة غير مرضية، فإن إدراك أن كل شيء (بما في ذلك الفرد نفسه) هو زائل، يمكن أن يزعزع التصور القَبْلي عن التمتع الحقيقي بـأحداث الحياة: أي تصور أن مثل تلك الأحداث ذات مغزى بحكم وجودها في سرد مفتوح.

يبدأ تطور الجدال الفلسفي الجدلي مع تطور وتعقيد الادعاء الثاني. وهو الادعاء البسيط بوجود أسباب وظروف لظهور المعاناة. ثم يشير الادعاء الثالث إلى أنه إذا اعتمدت نشأة المعاناة على أسباب ما، فإنه يمكن إيقاف المعاناة في المستقبل عن طريق وقف هذه الأسباب. بينما يحدد الادعاء الرابع مجموعة من التقنيات التي يُعتقد أنها فعالة لهذا التوقف.

يتوقف الكثير على التعريف الصحيح لأسباب المعاناة، وعادة ما تم تقديم قائمة تتألف من اثني عشر حلقة مترابطة في سلسلة سببية، تبدأ بالجهل وتنتهي بالمعاناة (تُمثلّها حالات الشيخوخة والمرض والموت). أثبتت الدراسات الحديثة أن هذه القائمة قد وضُعت متأخرًا.  ففي النصوص التي تدّعي نقلها لتعاليم بوذا نفسه، تُوجد نسختان مختلفتان بعض الشيء لنفس القائمة، كما توجد أيضًا نصوص أقصر تحتوي على بعض العناصر الاثني عشر فقط. لكن يبدو من السليم القول بأن بوذا قد علّم تحليلًا لأصول المعاناة وفقًا للخطوط التالية: نظرًا لوجود مجموعة من العناصر النفس-فيزيائية التي تعمل بشكل كامل (الأجزاء التي تشكل كائنًا واعيًا)، ونظرًا للجهل المتعلق بالخصائص الثلاث للوجود الواعي (المعاناة وعدم الثبات وال “لا-ذات”)، فإن ذلك سيؤدي في سياق التفاعلات الطبيعية مع البيئة إلى الاستيلاء (تحديد عناصر معينة على أنها “أنا” أو “ملكي”). ما سيؤدي بدوره إلى تكوين التعلقات في شكل الرغبة والنفور، وتعزيز الجهل فيما يتعلق بالطبيعة الحقيقية للوجود الواعي، الذي يتضمن ولادة جديدة في المستقبل، وبالتالي يتضمن الحالات المستقبلية للشيخوخة والمرض والموت، في دورة من المحتمل ألا تنتهي.  

 

يُعتقد أن مفتاح الهروب من هذه الدورة يكمن في إدراك الحقيقة حول الوجود الواعي، أي أنه يتميز بالمعاناة وعدم الثبات وال “لا-ذات”، لكن لا يمكن تحقيق هذا الإدراك بسهولة، لأن أفعال الاستحواذ جعلت من الرغبة والكره والجهل عادات راسخة بعمق. وبالتالي فإن التدابير المحددة في الادعاء الرابع، تتضمن أشكالًا مختلفة من التدريب تهدف إلى استبدال هذه العادات بأخرى أكثر ملائمة لرؤية الأشياء كما هي. فهي تنص على التأمل، كطريقة لتعزيز قدرات المرء على الملاحظة، خاصةً فيما يتعلق بحالاته النفسية. فهو يُطوّر البصيرة من خلال استخدام تلك القوى على الملاحظة المُطوَرة حديثا، وأيضًا باكتساب المعرفة عبر ممارسة العقلانية الفلسفية. إلا أن هناك جدلًا في التقليد اللاحق حول ما إذا ممكنًا الوصول إلى الخلاص النهائي من خلال البصيرة النظرية وحدها، أو من خلال التأمل وحده، أو باستخدام كلا التقنيتين. على سبيل المثال، تعتمد بوذية تشان على فرضية أن التنوير يمكن تحقيقه من خلال التأمل وحده، في حين تنادي بوذية الثيرافادا باستخدام التقنيتين معًا،  ولكن يُعتقد أيضًا أن التحليل وحده قد يكون كافيًا للبعض. (يبدأ هذا الخلاف بنزاع حول كيفية تفسير D I.77-84). يبدو الخيار الثالث هو الأكثر منطقية، لكن يكتسب الخيار الأول بكل تأكيد بعض الاهتمام نظرًا لاقتراحه بأنه يمكن للمرء الوصول إلى الحالة المثالية بمجرد التفلسف.

 

يبدو أن بوذا قد عدّ الادعاء الثاني بمثابة جوهر اكتشافه. وهو يصف تعاليمه بأنها “مسار أوسط” بين نظرتين متطرفتين، وهذا هو الادعاء المتعلق بالجذور المسببة التي يحددها كمفتاح لتجنب كلتا النظرتين. لأن كلتيهما تعتقدان إما بالدوام وعدم الزوال، وبأن الأشخاص أبديون، أو بالإبادة، أي كون الأشخاص يغادرون الوجود تمامًا (عادة ما يُفهم على أنه يحدث عند الموت، على الرغم من عدم استبعاد مدة أقصر من حياة واحد). سيكون من الواضح أن الأبدية، تتطلب وجود نوع من الذات يُنكره بوذا. لكن ما يبقى غير واضح بشكل كامل هو لماذا لا يرقى إنكار مثل هذه الذات إلى درجة الادعاء بأن الشخص يهلك ويتوقف عن الوجود تمامًا عند الوفاة (أو حتى قبل ذلك، استنادًا إلى الكيفية التي يستمد بها الفرد الزائل عناصر الوجود النفس-فيزيائية). يكمن حل هذا اللغز في حقيقة أن الأبدية والإبادة يشتركان في الافتراض القائل بأن هناك “أنا”، والذي قد يمتد وجوده إلى ما بعد الموت أو ينتهي عند الموت. في حين يُمثل”المسار الأوسط” تفسيرًا لكل صيرورات الحياة وفقًا لسلسلة سببية من العناصر النفس -فيزيائية. بحيث لا يُوجد شيء أكثر من سلسلة مكونة من الأحداث والحالات غير الشخصية وغير الدائمة، بالتالي ينعدم السؤال بشأن مصير ال”أنا”، أي المالك المفترض لهذه الأحداث والحالات، والذي لا  وجود له ببساطة.

 

هذه النظرة الاختزالية للكائنات الواعية تم التعبيرعنها لاحقًا عبر التمييز بين نوعين من الحقيقة، الحقيقة التأليفية والحقيقة المطلقة. حيث كل نوع من الحقيقة له مجاله الخاص من الأشياء، الأشياء الحقيقية تأليفيًا، والأشياء الحقيقية في جوهرها على الترتيب. فالكينونات الحقيقية تأليفيًا هي تلك الأشياء التي يتم قبولها كحقيقة من الناحية المنطقية، ولكنها تتحول بمزيد من التحليل إلى تجميعات مكونة من كينونات أبسط، وبالتالي فهي لا تتحدث بشكل حقيقي بدقة. العربة مثال على كينونة تأليفية نعدها حقيقية فقط لأنها أكثر ملاءمة للحصول على اسم واحد لمجموعة من الأجزاء عند تجميعها بالطريقة الصحيحة، وفقًا إلى اهتماماتنا وقيودنا المعرفية. ونظرًا لأن إيماننا بوجود عربات يرجع إلى امتلاكنا لمفهوم تأليفي مفيد معين، يُقال إن العربات مجرد تخيل مفاهيمي داخل عقولنا (هذا لا يعني، مع ذلك، أن جميع المفاهيم المُنتَجة مزيفة؛ فالمفاهيم التي تسمح بالتحليل الاختزالي فقط هي التي تؤدي إلى هذا التضخم المصطنع لأنطولوجياتنا، وبالتالي إلى نوع من الخطأ). أما الكينونات المُطلقة فهي تلك الأجزاء النهائية (المُطلقة) التي تكون الخيالات المفاهيمية قابلة للتأليف من خلالها. والعبارة الحقيقية المطلقة، هي العبارة التي تصف بشكل صحيح كيفية ترتيب بعض الكيانات الحقيقية في نهاية المطاف، بينما العبارة التأليفية هي التي سوف تصف بشكل صحيح بعض التخيلات المفاهيمية إذا كانت موجودة بالفعل، بالنظر إلى كيفية ترتيب الكينونات الحقيقية في نهاية المطاف. تساعد الحقيقة المطلقة المتعلقة بالكينونات الحقيقية ذات الصلة في النهاية على توضيح لماذا ينبغي أن يكون مفيدًا قبول عبارات حقيقية تأليفية (مثل “ركب الملك ميلندا في عربة”) عندما تكون الكينونات الموضحة في هذه العبارات مجرد تخيلات.

 

باستخدام هذا التمييز بين الحقيقتين، يمكن التعبير عن البصيرة الأساسية لـ “المسار الأوسط” على النحو التالي:  الحقيقة المطلقة حول الكائنات الواعية هي أن هناك سلسلة سببية من العناصر النفس-فيزيائية غير الدائمة. ونظرًا لأنها غير دائمة، وتفتقر إلى الخصائص الأخرى التي ستكون ضرورية كي يمكن القول بوجود جوهر ما للشخص، فلا أحد منها يُعد ذاتاً. لكن بالنظر إلى الترتيب الصحيح لمثل هذه الكينونات في سلسلة سببية، من المفيد التفكير في هذه العناصرباعتبارها تمثل شيئًا واحدًا، أي شخص. وبالتالي، من الحقيقي تأليفيًا أن يكون هناك أشخاص وأشياء تدوم مدى الحياة وربما (إذا كان هناك ولادة جديدة) لفترة أطول. هذا حقيقي تأليفيًا، لأن هناك عمومًا مزيدًا من السعادة والألم والمعاناة بشكل عام عندما يتطابق جزء من هذه السلسلة مع أجزاء أخرى من نفس السلسلة. على سبيل المثال، عندما تتطابق المجموعة الحالية من العناصر النفس-فيزيائية مع العناصر المستقبلية  فمن غير المرجح أن تشارك في سلوك (مثل التدخين) ينتج عنه متعة حالية ولكن ألم أكبر بكثير في المستقبل. فائدة هذه التأليف محدودة بعد نقطة معينة – وهي النقطة التي نأخذها على محمل الجد، أكثر من مجرد خيال مفيد – تؤدي إلى معاناة وجودية. يتم تحقيق وقف المعاناة عن طريق القضاء على كل إحساس بال “أنا” الذي يعمل كأداة ومالك.

 

 

  1. ال “لا-ذات”

يمكن عد استراتيجية “المسار الأوسط” بمثابة إحدى الحجج الأولى على أنه لا يوجد شيء حقيقي تشير إليه كلمة “أنا”، فهو يوضح أن إحساسنا الخاطئ بال”أنا” ينبع من توظيفنا للخيال المفيد الذي يمثله مفهوم الشخص. في حين أن الجزء الثاني من هذه الاستراتيجية لا يكتسب التعبير الكامل عنه، سوى في التطور اللاحق لنظرية الحقيقتين، يمكن العثور على الجزء الأول في تعاليم بوذا نفسه، في شكل العديد من الحجج الفلسفية عن ال “لا-ذات”، وأشهر تلك الحجج هي حجة عدم الثبات (S III.66–8)  التي لديها هذا الهيكل الأساسي:

  1. إذا كان هناك ذات، فإنها ستكون دائمة.

  2. لا يوجد أي من الأنواع الخمسة للعنصر النفس-فيزيائي دائمًا..

  3. ∴ لا تُوجد ذات.

 

إن حقيقة كون هذه الحجة لا تحتوي على فرضية تؤكد بشكل صريح أن التجمعات أو السكاندزات الخمسة (فئات العنصر النفس-مادي) هي ما يحتوي على كل مكوِّنات الأشخاص، بالإضافة إلى حقيقة أنه يُعتقد بإمكانية ملاحظتها جميعًا بشكل تجريبي، هي ما يدفع البعض إلى الادعاء بأن بوذا لم يكن ينوي إنكار وجود ذات. ومع ذلك، هناك أدلة على أن بوذا عمومًا كان معاديًا لمحاولات إثبات وجود كينونات لا يمكن ملاحظتها. في Pohapāda Sutta (D I.178–203)، فعلى سبيل المثال، وبهدف شرح وعينا  المتجه لإدراك مثل تلك الكينونات، يقارن بوذا شخصًا يفترض رائيًا غير مرئيًا، برجل تمثّل شوقه نحو أجمل امرأة في العالم اعتمادًا فقط على فكرة أن مثل هذه المرأة يجب أن تكون موجودة بالتأكيد. وفي تيفيجا سوتا Tevijja Sutta (D I.235–52)، يرفض بوذا ادعاء بعض البَراهمة بمعرفة طريق الوحدة مع براهمان، على أساس أن أحداً لم يلاحظ بالفعل هذا البراهمان. هذا يجعل من الأكثر منطقية الافتراض بأن الحجة تحتوي افتراضًا ضمنيًا يقول بأنه ليس للشخص أكثر من التجمعات (السكاندزات) الخمس.

يبدو أن المقدمة (1) تقوم على افتراض أن الأشخاص يخضعون لولادة جديدة، إلى جانب الاعتقاد بوظيفة واحدة للذات هي أن تكون حامل الهوية الشخصية غير التاريخية. وتعني عبارة “دائم” هنا استمرار الوجود لعدة حيوات على الأقل. يتضح ذلك من خلال حقيقة أن بوذا يستبعد أن يكون الجسد هو الذات على أساس أن أنه يُوجد لحياة واحدة فقط. (وهذا يدل أيضًا على أن بوذا لم يقصد بـ “الزائل” ما قصده بعض الفلاسفة البوذيين اللاحقين، أي موجود للحظة واحدة فقط؛ حيث تمثل عقيدة البوذية “اللحظية” تطورًا لاحقًا). قد تبدو الكينونات الذهنية التي تُكمِل العناصر النفس-مادية الأربعة الباقية، وكأنها ترشيحات واعدة أكثر لتكون ذاتًا، لكنها تُستبعد على أساس أن جميعها تنشأ بالاعتماد على الاتصال بين أعضاء الحس والموضوع، ولا تدوم أكثر من واقعة اتصال الحس بالموضوع. إن تحديد خمسة أنواع من العناصر النفس-فيزيائية، وليس عنصرًا واحدًا فقط، يدل على أن بوذا احتضن نوعًا من الازدواجية. لكن هذه الإستراتيجية لإظهار ثبات العناصر النفسية تُظهر أن ازدواجيته لم تكن نوعًا من ازدواجية العقل-الجسم المألوفة في أنطولوجيا الجوهر، كتلك الموجودة لدى ديكارت ومدرسة نيايا Nyāya  الفلسفية الأرثوذكسية الهندية. فبدلاً من النظر إلى العقل باعتباره حاملًا دائمًا لأحداث عابرة مثل حوادث الإدراك والشعور والإرادة ، يُعامل “العقل” كنوع من التعبير الكلي لحِزم الأحداث العقلية العابرة. ولأن هذه الأحداث غير دائمة، فإنها تفشل أيضًا في تعليل الهوية الشخصية بحيث تلائم الشكل الذي يمكن للذات أن تكون عليه.

 

هناك حجة أخرى عن ال “لا-ذات”، والتي يمكن أن يطلق عليها حجة التحكم (S III.66–8)، وبنيتها هي:

  1. إذا كان هناك ذات، فليس بإمكان المرء الأمل بتغييرها.

  2. كل عنصر من العناصر النفس-فيزيائية الخمسة يمكن للمرء الأمل بتغييره.

  3. ∴ لا يوجد النفس.

المقدمة (1) مُحيّرة. فهي تفترض أن الذات إذا صَحّ وجودها، فإنه يجب أن تكون لها سيطرة كاملة على نفسها، بحيث يمكن التحكم في حالتها وفقًا لرغباتها دون بذل جهد. إن التفكير في الذات كموضع للسيطرة هو أمر معقول بالتأكيد. والمُنظّرون الهنود الذين يدّعون أن الذات مجرد مُشاهِد سلبي يدركون أن عبء الإثبات يقع على عاتقهم لإظهار أن الذات ليست وحدة تحكم. لكن يبدو من المستحيل أن تطلب من الذات أن يكون لها سيطرة كاملة على نفسها. مثلما لا تطلب من العين أن ترى نفسها إذا أرادت رؤية أشياء أخرى. هكذا تقترح حالة الإبصار تفسيرًا بديلًا، لكن يمكننا القول بأن الإبصار لا يُبصِر نفسه، بسبب أن هذا ينتهك مبدأ عدم الانعكاس، والذي يقضي بأن الكينونة لا يمكنها التأثير في نفسها. يستشهد الفلاسفة الهنود الذين يقبلون هذا المبدأ بحالات داعمة مثل السكين الذي لا يمكن أن يقطع نفسه، وبصمة الإصبع التي لا تستطيع لمس نفسها. إذا تم قبول هذا المبدأ، بحيث كانت الذات هي موضع السيطرة، فسيتبع ذلك أنه لا يمكنها ممارسة هذه الوظيفة(أي السيطرة) على نفسها أبدًا. إن الذات التي كانت هي وحدة التحكم لا يمكن أن تجد نفسها في موضع السعى لتغيير حالتها إلى حالة ترغب فيها أكثر. وفقًا لهذا التفسير، تبدو المقدمة (1) صحيحة. وهناك أدلة كثيرة على أن المقدمة (2) أيضًا صحيحة: فمن الصعب تخيل حالة جسدية أو نفس-فيزيائية قد لا يرغب الشخص في السيطرة عليها. وبالتالي، بافتراض أن الشخص مكون بالكامل من تلك العناصر النفس-فيزيائية، فسيبدو أنه لا تُوجد ذات بهذا الوصف.  

 

تَظهر هاتان الحجتان، إذن، لإعطاء سبب وجيه لإنكار الذات التي قد ترتكز على الهوية الشخصية غير التاريخية، والتي تكون بمثابة وحدة تحكم. وبالنظر إلى افتراض أنه لا يوجد من الشخص أكثر من العناصر النفس فيزيائية المعطاة تجريبياً، فقد أصبح الآن من المُحير كيف يمكن للمرء أن يشرح الهوية الشخصية والوساطة.

لنبدأ بالوساطة، ألا تشير حجة السيطرة، إلى وجوب ممارسة السيطرة عبر الوساطة من قبل شيء آخر غير العناصر النفس-فيزيائية؟، كان هذا بالتحديد استنتاج مدرسة سامخيا “Sāṃkhya”  الفلسفية الهندية الأرثوذكسية. فكانت إحدى حججهم على وجود ذات هي أنه من الممكن ممارسة السيطرة على جميع مُقومات الشخص المعطاة تجريبياً؛ في حين أنهم يتفقون مع بوذا على أن الذات لا تُلاحَظ أبدًا، فقد قالوا بظواهر الوساطة (أي بذات منفصلة عن العناصر النفس فيزيائية الخمسة) لتكون أساسًا لفرضية الذات التي تتجاوز كل تجربة ممكنة.

 

هذا التيار من الاعتراضات على تعاليم بوذا الخاصة بالذات، يُصاغ بشكل أكثر شيوعًا استجابة لحُجة الزوال. ولعل أكثر أشكاله دراماتيكية قد استهدف قبول بوذا لعقائد الكارما وإعادة الميلاد. فمن الواضح أن الجسم يتوقف عن الوجود عند الموت. وبالنظر إلى حجة بوذا بأن الحالات الذهنية تنشأ جميعها بالاعتماد على أحداث الاتصال بين الأحاسيس والموضوعات، فلا يبدو أنه يمكن لأي عنصر نفسي أن يستمر بعد الموت. ومع ذلك، يزعم بوذا أن الأشخاص الذين لم يحققوا بعد الاستنارة، سوف يُولدون من جديد ككائنات واعية من نوع ما بعد وفاتهم. لكن إذا لم يكن هناك أي عنصر نفسي ينتقل من حياة إلى أخرى، فكيف يمكن أن يصبح الكائن في الحياة التالية هو نفس الكائن الموجود في هذه الحياة؟ يصبح هذا السؤال أكثر وضوحا عندما يُضاف أن الولادة الجديدة تحكمها الكارما، التي تعمل كنوع من العدالة الكونية، والتي تنص على أن المولودين في ظروف سارة، يُولدون كذلك نتيجة للأعمال الصالحة في حياتهم السابقة، في حين أن الولادات غير السارة تنجم عن أفعال الحياة السابقة الشريرة. ولا يمكن أن يكون مثل هذا النظام من المكافأة والعقاب عادلًا، إلا إذا كان المُكافَىء بالنتائج السارة أو غير السارة، هو نفس الشخص الذي قام بالفعل الصالح أو الشرير في الماضي. لذا يجد معارضو تلك الرؤية، أنه من غير المفهوم الاعتقاد بإمكانية ذلك مع الاعتقاد بانعدام الذات في نفس الوقت.

 

  1. الكارما وإعادة الميلاد

ليس مُنظّرو الذات من الهنود الكلاسيكيين وحدهم الذين وجدوا ذلك الاعتراض الأخير مُقنِعًا. بل بعض البوذيين كذلك. الذين قادهم ذلك إلى رفض إعادة الميلاد و ليس ال”لا-ذات”. (من الناحية التاريخية، لم يكن هذا الارتداد معروفًا بين البوذيين في شرق آسيا، وهو أمر غير نادر الحدوث بين البوذيين الغربيين اليوم). ومع ذلك، فإن الدليل على أن بوذا نفسه قَبِل بإعادة الميلاد والكارما يبدو قويًا للغاية. من شأن التقليد اللاحق أن يميز بين نوعين من الخطاب في صلب تعاليم بوذا: تلك المُوجَهة لجمهور من أرباب الأسر الذين يسعون لتحصيل العلم من حكيم، وتلك المخصصة لجمهور من الرهبان الضليعين في تعاليمه. وسيكون عاديًا لو أن استخدامه لمفاهيم الكارما والولادة اقتصرت على النوع الأول. وحينئذ يمكن تفسير هذه التعاليم على أنها مثال آخر لمهارة بوذا التربوية (يُشار إليها عمومًا باسم upāya). حيث أن أرباب الأسر غير المُلتزمين بمتطلبات الأخلاق الأساسية ليس مُرجَحًا (لأسباب سوف تناقش لاحقًا) أنهم سيحرزون تقدمًا كبيرًا في سبيل إنهاء المعاناة ، وبالتالي فإن تعاليم الكارما والولادة، حتى وإن لم تكن صحيحة تمامًا، فإنها تمنح الذين يقبلون بها سببًا (احترازيًا) ليكونوا أخلاقيين. لكن هذا النوع من تبريرات “الكذبة البيضاء” لتعليم بوذا عقيدة هو نفسه لا يقبلها، تفشل في مواجهة الدليل على أنه قد علّمها أيضًا إلى رهبان متقدمين جدًا (على سبيل المثال ، III.33). وما قام بتدريسه ليس نسخة الكارما الشائعة في بعض الدوائر اليوم ، والتي بموجبها فإن الفعل الذي يتم بدافع الكراهية مثلا يجعل الشخص أكثر استعدادًا إلى حد ما لأداء إجراءات مماثلة بدوافع مماثلة في المستقبل، والتي بدورها تجعل الخبرات السلبية واردة أكثر للشخص. إن ما يُعلّمه بوذا بدلاً من ذلك، هو الرأي الأكثر صرامة بكثير، القائل بأن كل فعل له تأثيره الخاص على الشخص، حيث يتم تحديد طبيعة المتعة وفقًا للقوانين السببية، وبطريقة تتطلب الميلاد مجددًا طالما استمرنفس الفعل. لذلك إذا كان هناك تعارض بين عقيدة ال لا- ذات، وتعاليم الكارما وإعادة الميلاد، فلن يتم حلها عن طريق إضعاف التزام بوذا تجاه الأخيرة.

 

يعني مصطلح كارما في اللغة السنسكريتية حرفيًا “الفعل”. وما يشار إليه في الوقت الحاضر على نحو واسع هو بالمعنى الدقيق وجهة النظر القائلة بأن هناك علاقة سببية بين الفعل (الكارما) و “الثمرة” (فالا)، والأخيرة هي خبرة شخصية من المتعة، أو الألم، أو اللامبالاة. هذا هو الرأي الذي يبدو أن بوذا قد قبله في أكثر صُورِه وضوحًا. يقال أن الأفعال تنقسم لثلاثة أنواع: جسدي، لفظي، وعقلي. ومع ذلك، يُصر بوذا على أن الفعل المقصود لا يعني الحركة أو التغييرالمعنيّ فقط، بل الرغبة أو النية التي أحدثت التغيير. وكما يشير غومبريتش (2009) ، فإن إصرار بوذا على هذه النقطة يعكس الانتقال من وجهة نظر طقوسية سابقة للفعل إلى وجهة نظر تضع الفعل في نطاق الأخلاق. لأنه عندما يُنظر إلى الأفعال على أنها تخضع لتقييم أخلاقي، تصبح النية ذات صلة. فعلى سبيل المثال، لا يقوم الفرد بأداء الفعل الجائر أخلاقيا والمُتمثل في التحدث بإهانة لكبار السن فقط من خلال إصدار أصوات قريبة من نطق الألفاظ النابية في وجود مُسِن؛ لأنه يمكن للببغاوات والأطفال إتيان الكثير من ذلك. ما يهم التقييم الأخلاقي هو الحالة الذهنية (إن وجدت)، والتي أنتجت التغيير الجسدي، أو اللفظي، أو العقلي. ويقال إن هذه الحالات الذهنية هي التي تسببت في حدوث تجارب لاحقة جيدة وسيئة ومحايدة. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن حدوث الحالات الذهنية الثلاث “المدنسة” هي التي تسبب ثمار الكارما. وهي الأدران الثلاثة (kleśas) المتمثلة في الرغبة، والكره، والجهل. وقد أُخبرنا على وجه التحديد (A III.33) أن الإجراءات التي يقوم بها شخص تمكن من تدمير هذه الأدران الثلاثة ليست لها عواقب كارمية؛ وأن مثل هذا الشخص يمر بالولادة الأخيرة.  

 

بعض الحذر مطلوب في فهم هذا الادعاء حول الأدران. حيث يبدو أن بوذا يقول بإمكانية التصرف ليس فقط من دون الجهل، ولكن أيضًا في غياب الرغبة أو الكره، ومع ذلك فمن الصعب أن نرى كيفية أن يكون فعل ما مقصود من دون وجود حافز إيجابي أو سلبي. لمعرفة كيف يتغلب المرء على هذه الصعوبة، يجب عليه أن يدرك أن “الرغبة” و “الكره” تعني على الترتيب تلك الدوافع الإيجابية والسلبية التي يزيّنها الجهل، أي الجهل فيما يتعلق بالمعاناة وعدم الثبات وال “لا- ذات”. يُفترض أن الشخص المستنير، لا يزال بإمكانه الانخراط في عمل وفق دافع ما، حتى وهو على دراية بحقيقة هذه الأمور. لكن من دون أن تستند أفعاله إلى الافتراض المسبق بأن هناك “أنا” يمكنها أن تضفي على هذه الأفعال دلالة غائية أو رغوبية ما. سيسبب الجهل بهذه الأمور ولادة جديدة، وبالتالي المزيد من فرص المعاناة الوجودية، ومن خلال تيسير بنية من الدوافع تعُزز الجهل. يمكننا الآن أن نرى كيف يمكن اعتبار الامتثال لأخلاقيات الفطرة السليمة كخطوة أولية على طريق وقف المعاناة. في حين أن وجود الجهل يجعل كل فعل – حتى ولو اُعتبِر جيدًا من الناحية الأخلاقية – فعّالًا فيما يخص الكارما،  بينما تلك الأعمال التي تُعتبر عادة شريرة من الناحية الأخلاقية هي معززات قوية للجهل بشكل أكبر، من حيث أنها تنبع من الافتراض بأن خير الشخص له أهمية قصوى. وفي حين أن الاعتراف بالقيمة الأخلاقية للآخرين قد لا يزال ينطوي على تصور بوجود “أنا” ، إلا أنه يمكن أن يشكل تقدماً نحو إنهاء الشعور بالذات.

 

هذا الاستطراد حول ما يعنيه بوذا بالكارما، قد يساعدنا على رؤية كيف يمكن استخدام استراتيجية المسار الأوسط بهدف الرد على الاعتراض على ال”لا-ذات” بواسطة إعادة الميلاد. تَمثّل هذا الاعتراض في أن المكافأة والعقاب اللذين ولدّتهما الكارما عبر الحيوات المختلفة لا يمكن استحقاقهما أبداً في غياب الذات المتناسخة.

تتضمن إستراتيجية المسار الأوسط عمومًا تحديد ورفض افتراض مشترك بين زوج من الآراء المتطرفة. وهي: (1) أن الشخص في الحياة اللاحقة يستحق الثمار الناتجة عن أفعاله في الحياة السابقة. (2) أن هذا الشخص لا يستحق الثمار. أحد الافتراضات المشتركة بين (1) و (2) هو أن الأشخاص يستحقون الثواب والعقاب بناءً على الطابع الأخلاقي لأفعالهم، وقد ينكر أحدهم هذا الافتراض. لكن سيكون ذلك بمثابة عدمية أخلاقية، ويقال إن المسار الأوسط يتجنب العدمية (مثل الزوال التام). قد يكون البديل المُبشّر أكثر هو إنكار وجود أشياء مطلقة مثل الأشخاص الذين يمكنهم حمل خصائص أخلاقية كالصحراء. هذا هو ما يبدو بأن بوذا يعنيه عندما يؤكد بأن الشخصين السابق واللاحق (في تناسخين متتالين) ليسا متماثلين ولا مختلفين (S II.62 ؛ S II.76 ؛ S II.113). نظرًا لأن أي شيئين موجودين يجب أن يكونا متطابقين أو متمايزين، فإن القول عن الشخصين بأنهما ليسا كذلك، يعني القول بأنهما غير موجودين.

هذا البديل واعد أكثر لأنه يتجنب العدمية الأخلاقية. حيث يتيح للمرء أن يؤكد بأن الأشخاص وخصائصهم الأخلاقية حقيقة تأليفية. وأن نقول هذا يعني أنه بالنظر إلى اهتماماتنا والقيود المعرفية المفروضة علينا، فنحن نعمل بشكل أفضل لتحقيق هدفنا – تقليل الألم والمعاناة بشكل عام – من خلال التصرف كما لو أننا أشخاص يتمتعون بخصائص معنوية كبيرة. في نهاية المطاف، هناك فقط كينونات وأحداث غير شخصية في التسلسل السببي: الجهل، أنواع الرغبات التي يُيسرها الجهل، نية تتشكل على أساس هذه الرغبة أو تلك، أو فعل جسدي، لفظي أو عقلي، شعور بالسعادة، أو الألم أو اللامبالاة، قد يمنح فرصة للمعاناة. والادعاء بأن هذا الموقف مفيد يمكننا من التفكير بأن الشخص الذي يقوم بعمل شرير بداعي جهله بالطبيعة الحقيقية للأشياء، ويتلقى الثمار غير السارة التي يستحقها في الحياة القادمة، ويعاني من خلال استمراره في عجلة السامسارا  “saṃsāra”(إعادة الميلاد المتكرر غير المتحكم به تحت تأثير المشاعر والمواقف الداخلية المربكة والكارما)، ومن المفيد التفكير في الموقف بهذه الطريقة لأنه يساعدنا في تحديد المواضع المناسبة للتدخل لمنع الألم في المستقبل (الفعل الشرير) والمعاناة المستقبلية (الجهل).

لا شك أنه من الصعب للغاية تصديق أن الكارما وإعادة الميلاد موجودة في النموذج الذي يدّعيه بوذا. لكن يُعتقد بأنه يمكن إثباتها من قبل أولئك الذين طوروا قدر على استبصار الماضي، من خلال تقنية اليوجي المتقدمة. ولكن هذا لا يساعد كثيرا أولئك الذين لم يقتنعوا بالفعل بأن التأمل وسيلة موثوقة للمعرفة. ما يمكن قوله ببعض التأكيد هو أن الكارما وإعادة الميلاد لا تتعارض مع ال “لا-ذات”. وحيث الولادة الجديدة دون تناسخ (انتقال الروح لجسد آخر) ممكنة.

 

  1. موقف تجاه العقل

 

عندما يقول بوذا أن المرء في الحياة، والمرء في الحياة الأخرى ليسا متماثلين ولا مختلفين، قد يكون الرد الأول عليه هو “الاختلاف” الذي يعني شيئًا آخر غير “ليس هو نفسه”. ولكن في حين أن هذا ممكن باللغة الإنجليزية بالنظر إلى غموض “الشيء نفسه”، إلا أنه غير ممكن في اللغة البالية، حيث يتم تقديم بوذا على أنه ينكر بشكل لا لبس فيه كل من الهوية العددية والتميز العددي. وقد دفع هذا بالبعض إلى التساؤل عما إذا كان بوذا لا يستخدم منطقًا منحرفًا. ومما يعزز هذه الشكوك تلك الحالات التي لا يكون فيها الاختيار بين أربع احتمالات وليس اثنين، وهي احتمالات ما يسمى ب”المربع المستحيل “tetralemma” أو catuṣkoṭi (حجة منطقية ل”مجموعة من أربع وظائف منفصلة” أو “أربع مقدمات غير قابلة للتجزئة” لها تطبيقات متعددة، وكانت مهمة في تقاليد المنطق الهندي، والتقاليد المنطقية البوذية) على سبيل المثال، عندما يتم استجواب بوذا حول حالة ما بعد الوفاة للشخص المستنير أو الأرهات (على سبيل المثال ، في M I.483-8) يتم سرد الاحتمالات على النحو التالي:

 (1) لا يزال موجودًا بعد الموت.

 (2) ) غير موجود بعد الموت.

 (3) موجود وغير موجود بعد الموت.

(4) لا وجود له أو غير موجود بعد الموت.

 عندما يرفض بوذا الاحتمالين (1) و (2)، نحصل على تكرار “ليس هو نفسه وليس مختلفًا عنه كذلك”. ولكن حين يرفض الاحتمالين (3) و (4) تتفاقم الصعوبات المنطقية. نظرًا لأن كل من (3) و (4) يبدو أنهما متناقضان شكليًا،  والتفكير في أي منهما هو التفكير في احتمال أن يكون التناقض صحيحًا. ويبدو إنكارهما بمثابة تأكيد للوسط المستبعد، ذلك الوسط الذي يتعارض بشكل واضح مع إنكار كلا من (1) و (2). قد يتساءل المرء ما إذا كنا نختبر هنا حضورًا صوفيًا.  

وافق بعض الفلاسفة البوذيين على عبارة “ليس هو نفسه وليس مختلفًا عنه كذلك” كما هي. هؤلاء الفلاسفة هم “التشخيصيون” (Pudgalavādins) ،الذين دُعوا بهذا الاسم، لأنهم أكدوا على وجود الشخص في نهاية المطاف كشيء يتم تسميته وتصوره بعيدًا عن العناصر النفس-فيزيائية. لقد ادّعوا أن الشخص ليس متطابقًا مع العناصر النفس-فيزيائية وليس متمايزًا عنها. ونتيجة لذلك،  كانوا على استعداد لقبول أنه لا يوجد شيء يمكن قوله عن العلاقة بين الشخص والعناصر. لكن وجهة نظرهم تلك رفضها معظم الفلاسفة البوذيين، وجاء رفضهم في جزء منه على أساس أنها تؤدي إلى مفارقة “ال لا-موصوف”   “ineffability paradox”، حيث لا يمكن للمرء أن يقول أن علاقة الشخص بالعناصرأنها متعذرة على التعبير، ولا أنها ليست متعذرة على التعبير. فكان الإجماع بدلاً من ذلك على أن الشخص يمكن وصفه بأنه ليس متطابقًا مع العناصر ولا متمايزًا عنها، بحيث يصير الشخص مجرد خيال مفاهيمي. وفيما يتعلق بالأشخاص الذين سينتقلون لحياة أخرى، فهموا أن الإنكارات التي ينطوي عليها “ليس نفس الشيء وليس مختلفًا عنه كذلك” هي من تنويعة بدون التزامات، أي أنها تعمل مثل نفي أدائي.  فإذا اتفقنا على أن العبارة “7 أخضر” غير صحيحة دلاليًا، على أساس أن الكائنات المجردة كالأرقام ليس لها ألوان، فقد نستمر في القول ، “لا تقل أن الرقم 7 أخضر،  ولا تقل أنه ليس أخضر أيضًا” بحيث لا يوجد أي تناقض هنا، لأن عامل  النفي الأدائي “لا يقول” لا يولد أي التزام بتوصيف بديل.

 

هناك أيضًا دليل على أن ادعاءات الاحتمالية (3) تنطوي على توزيع متغيرات parameterization. على سبيل المثال، قد يمكن الادعاء من زاوية بأن الأرهات يُوجدون ما بعد الموت، أو أنهم من زاوية أخرى لا يُوجدون بعد الموت، ولا يتطلب تقديم مثل هذا الاقتراح أن يعتقد المرء بوجود تناقضات حقيقية. وعلى الرغم من أن ادعاءات الاحتمالية (4) قد تبدو مكافئة منطقياً لمطالب النوع (3) (بغض النظر عما إذا كانت تتضمن مُتغيرات أم لا) ، فإن التقليد يعالج هذه الاحتمالية مؤكدًا على أن الموضوع خارج كل تصور. ولرفض الاحتمالية (4) حول الأرهات، يجب تقديم استجابة طبيعية واحدة لرفض الاحتمالات الثلاثة الأولى: أن حالة أرهات بعد الموت تتجاوز الفهم العقلاني. وأن رفض بوذا للاحتمالات الأربعة، والأسئلة المتعلقة به ليس دليلاً على أنه قد استخدم منطقًا منحرفًا.

 

أحيانًا يتم استدعاء رد بوذا على أسئلة مثل تلك المتعلقة بالأرهات بهدف الدفاع عن ادعاء مختلف بخصوص موقفه من العقلانية. ينص هذا الإدعاء على أن بوذا كان بالأساس براجماتيًا، فهو شخص يرفض التنظير الفلسفي المجرد، ويستخدم العقلانية الفلسفية فقط إلى الحد الذي يمكن أن يساعد فيه ذلك على حل المشكلة العملية المتمثلة في القضاء على المعاناة. وبالفعل يبدو أن بوذا يتبنى شيئًا من هذا القبيل عندما يدافع عن رفضه للإجابة على أسئلة مثل تلك المتعلقة بالأرهات، أو ما إذا كان لسلسلة الحيوات بداية، أو ما إذا كان مبدأ المعيشة (جيفا) (jīva) مُوافقًا للجسد. ويدع جميع الآراء الممكنة فيما يتعلق بمثل هذه التساؤلات، حيث إن الإجابة عليها لن تؤدي إلى وقف التشوهات وبالتالي إلى نهاية المعاناة. وفي تشبيه مشهور (M I.429)، يُقارَن شخص يُلح على بوذا بأن يجيب على هذه الأسئلة، بشخص جُرح بسهم ولكنه يُلح على ألا يُعالج الجرح حتى يعرف من أطلق السهم، ومن أي نوع من الخشب تم صنع السهم، وما شابه ذلك.

تشهد مقاطع مثل هذه بالتأكيد على الأهمية الكبيرة التي يُعلّقها بوذا على تبادل أفكاره لمساعدة الآخرين في التغلب على المعاناة. ولكن هذا يتفق مع الاعتقاد بأن العقلانية الفلسفية يمكن أن تُستخدم للإجابة على الأسئلة التي تفتقر إلى اتصال واضح مع المخاوف العملية المُلحّة. يقوم بوذا بهذا فقط في مناسبة واحدة، بعد الضغط عليه لإعطاء إجاباته على الأسئلة المتعلقة بالأرهات وما شابه ذلك، حيث يرفض بوذا أولاً كل احتمالات “المربع المستحيل” tetralemma، ويدافع عن رفضه على أساس أن هذه النظريات لا تُفضِي إلى التحرر من سامسارا (دورة إعادة الميلاد). ولكن عندما يُظهِر الشخص المُتسائِل علامات تدل على فقدان الثقة في قيمة تعاليم بوذا بشأن الطريق لوقف المعاناة، يستجيب بوذا بمثال النار التي تتطاير بعد استنفاد الوقود. يشير بوذا إلى أنه إذا سُئل أحدهم عن مكان النار، فقد ينكر المرء باستمرار أنه ذهب إلى الشمال أو الجنوب أو في أي اتجاه آخر. هذا لسبب بسيط هو أن الأسئلة “هل ذهبت إلى الشمال؟”، “هل ذهبت إلى الجنوب؟” ، وما إلى ذلك، جميعها تشترك في الافتراض المزيف بأن النار ما زالت قائمة. وبالمثل، فإن الأسئلة المتعلقة بالأرهات وما شابهها تشترك في الافتراض الخاطئ بأن هناك شخصًا ما قد يستمر في الوجود بعد الموت، أو يتوقف عن الوجود عند الموت، إلخ (Anālayo 2018، 41) . لا يكمن حرج تلك الأسئلة في أنها تحاول توسيع العقلانية الفلسفية خارج نطاقها الشرعي، كخادمة لممارسة مفيدة من  ناحية سوتريولوجية  “soteriologically” أي خلاصية، وإنما بالأحرى في إبقائها على فرضية خاطئة لشيء يتم الكشف عنه من خلال توظيف العقلانية الفلسفية.

 

يُوجد نوع مختلف من مواجهة الادعاء القائل بأن بوذا يُقدّر العقلانية الفلسفية لذاتها، وتأتي هذه المواجهة من الدور الذي تلعبه السلطة في علم الخلاص البوذي. على سبيل المثال، يصادف المرء في التقليد البوذي أحيانًا الادعاء بأن الأشخاص المستنيرين مثل بوذا فقط هم الذين يستطيعون معرفة كل تفاصيل العلاقة السببية الخاصة بالكارما. وبقدر ما يُعتقد أن القواعد الأخلاقية تحددها تفاصيل العلاقة السببية الكارمية، فقد يُفهم من ذلك أن معرفتنا بالقواعد الأخلاقية تعتمد على سلطة بوذا. مرة أخرى، يبدو أن التطور اللاحق للفلسفة البوذية كان مقيدًا بالحاجة إلى جعل النظرية متوافقة مع بعض الادعاءات الرئيسية لبوذا. على سبيل المثال، طورت إحدى المدارس شكلاً مفصلاً من نظرية الأبعاد الأربعة “four-dimensionalism” ، ليس بسبب أي استياء عميق من الحاضرية “presentism” ، ولكن لأنهم اعتقدوا أن عدم وجود الماضي والمستقبل الذي تقول به الحاضرية يتعارض مع قدرة بوذا المزعومة على إدراك الماضي والمستقبل. ويذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أبعد من ذلك ليتساءلوا عما إذا كانت وظائف ال “لا-ذات” هي أكثر من مجرد نوع من التابوه اللغوي ضد استخدام كلمات مثل “أنا” و “الذات” في التقليد البوذي (Collins 1982: 183). والقول بأنه كما في بعض التقاليد الدينية الأخرى، فإن وجهات نظر المُؤسِس أو تصريحات الكتاب المقدس تتفوق على جميع الاعتبارات الأخرى، بما في ذلك أي آراء يتم التوصل إليها من خلال الممارسة الحرة للتفكير العقلاني، لذلك في البوذية أيضًا يمكن أن يكون هناك في أحسن الأحوال فقط ساحة مقيدة للغاية لنشر العقلانية الفلسفية.

 

ربما كان هذا صحيحًا في التقاليد التي تطورت من تعاليم بوذا، إلا أن بوذا نفسه كان يستخدم العقلانية غير المقيدة بتقدير كبير جدًا. يبدو أن هذا يتعارض مع ما يُمثّله القول رداً على الحديث بأنه توصل إلى استنتاجاته من خلال التفكير والتحليل وحده: إن مثل هذا الكلام هو تشهير، لأنه يمتلك عددًا من القوى الإدراكية الخارقة (M I.68) ). لكن بعض الباحثين يُعامِلون هذا المقطع على أنه ليس كلام بوذا نفسه، وإنما بمثابة تعبير عن الانحرافات التعبدية اللاحقة (Gombrich 2009: 164). في الواقع، يجد المرء نقاشًا حيويا داخل التقاليد البوذية فيما يتعلق بمسألة ما إذا كان بوذا كُلّي العلم، وهو نقاش قد يعكس المنافسة بين البوذية وتلك المدارس البراهمانية التي تعتقد بخالق كُلّي العلم. لكن على الأقل يحرص الجزء الأكبر من التقليد البوذي على ألا يُنسَب إلى بوذا هذا النوع من العلم الذي يُعزَى عادةً إلى كائن كامل: وهو الإدراك الفعلي لجميع الحقائق في أي وقت. وبدلاً من ذلك، يُقَال إن بوذا كُلّي العلم فقط بالمعنى الأضعف المتمثل في امتلاك القدرة دائمًا على إدراك أي حقيقة فردية ذات صلة بمشروع خلاصي، بمعنى تفاصيل الحياة الماضية، وآليات قوانين الكارما السببية، وما إذا كان قد تم القضاء على أدران شخص ما. بالإضافة إلى ذلك، يقال إن هذه القدرات هي من مُكتسَبات بوذا من خلال دورة مسار تدريبي مُحدَد، وبالتالي قد يطمح إليها الآخرون أيضًا. يبدو أن موقف التقليد المتأخر هو أنه بينما يمكن للمرء أن يكتشف الحقائق ذات الصلة بمفرده، فإنه سيكون من المعقول أكثر، الاستفادة من حقيقة أن بوذا قام بالفعل بجميع الأعمال المعرفية المعنية بذلك. فعندما نصل إلى مدينة جديدة، يمكننا دائمًا العثور على وجهتنا النهائية من خلال التجربة والخطأ، ولكن من المنطقي أن نسأل شخصًا يعرف طريقها بالفعل.

 

نشأ التقليد الفلسفي البوذي من الجهود المبكرة لتنظيم تعاليم بوذا. في غضون قرن أو اثنين من وفاته، أدت الاختلافات التفسيرية إلى نقاشات بشأن نية بوذا الحقيقية في بعض الأمور، مثل تلك التي كانت قائمة بين “التشخيصيين” والآخرين حول وضع الفرد. وبينما تستخدم أطراف هذه المناقشات العديد من الأدوات والتقنيات القياسية للفلسفة، إلا أنها ظلت مقيدة بالافتراض بأن آراء بوذا حول المسألة المطروحة موثوقة. ومع ذلك، اتسع نطاق النقاش في الوقت المناسب ليشمل مُحاوِرين يُمثلون مختلف النظم البراهمانية. وبما أن الأخيرة لم تأخذ كلمة بوذا باعتبارها قطعيّة، كان مطلوبًا من المفكرين البوذيين الدفاع عن مواقفهم بطرق أخرى، وتطرق النقاش الناتج (الذي استمر لنحو تسعة قرون) إلى معظم الموضوعات التي تُعتبر الآن أساسية في الميتافيزيقيا، ونظرية المعرفة وفلسفة اللغة، وتميزت بالتطور الكبير في المنهجية الفلسفية. بالرغم من أنه لا يمكننا الجزم حول كيفية تفكير بوذا بشأن هذه التطورات، فما يمكننا قوله هو أن العديد من البوذيين يعتقدون أن الممارسة غير المُقيَّدة للعقلانية الفلسفية تتوافق تمامًا مع تعاليمه.

 

 


المراجع

المصادر الأولية

[A]

Anguttara NikāyaThe Book of the Gradual Sayings, trans. F. L. Woodward & E. M. Hare, 5 volumes, Bristol: Pali Text Society, 1932–6.

[D]

Dīgha NikāyaThe Long Discourses of the Buddha: A Translation of the Dīgha Nikāya, trans. Maurice Walshe, Boston: Wisdom Publications, 1987.

[M]

Majjhima NikāyaThe Middle Length Discourses of the Buddha: A Translation of the Majjhima Nikaya, trans. Bhikkhu Nanamoli and Bhikkhu Bodhi, Boston: Wisdom Publications, 1995.

[S]

Saṃyutta NikāyaThe Connected Discourses of the Buddha, trans. Bhikkhu Bodhi, Boston: Wisdom Publications, 2000.

Secondary Sources

  • Albahari, Miri, 2006. Analytical Buddhism, Basingstoke: Palgrave Macmillan.
  • –––, 2014. ‘Insight Knowledge of No Self in Buddhism: An Epistemic Analysis,’Philosophers’ Imprint, 14(1), available online.
  • Anālayo, Bhikkhu. 2018. Rebirth in Early Buddhism and Current research, Cambridge, MA: Wisdom.
  • Collins, Stephen, 1982. Selfless Persons, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Gethin, Rupert, 1998. The Foundations of Buddhism, Oxford: Oxford University Press.
  • Gombrich, Richard F., 1996. How Buddhism Began, London: Athlone.
  • –––, 2009. What the Buddha Thought, London: Equinox.
  • Gowans, Christopher, 2003. Philosophy of the Buddha, London: Routledge.
  • Harvey, Peter, 1995. The Selfless Mind, Richmond, UK: Curzon.
  • Jayatilleke, K.N., 1963. Early Buddhist Theory of Knowledge, London: George Allen and Unwin.
  • Rahula, Walpola, 1967. What the Buddha Taught, 2nd, London: Unwin.
  • Ronkin, Noa, 2005. Early Buddhist Metaphysics, London: Routledge.
  • Ruegg, David Seyfort, 1977. ‘The Uses of the Four Positions of the Catuṣkoṭi and the Problem of the Description of Reality in Mahāyāna Buddhism,’ Journal of Indian Philosophy, 5: 1–71.
  • Siderits, Mark, 2007. Buddhism As Philosophy, Indianapolis: Hackett.
  • Smith, Douglass and Justin Whitaker, 2016. ‘Reading the Buddha as a Philosopher,’ Philosophy East and West, 66: 515–538.

 

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Abhidharma | Japanese Philosophy: Zen Buddhism | Madhyamaka | Nāgārjuna | two truths in India, theory of | Yogācāra


[1] Siderits, Mark, “Buddha”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/buddha/>

error: