مجلة حكمة
Descartes رينيه ديكارت فلسفة ديكارت

رينيه ديكارت – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الحارس


مدخل فلسفي شامل يبحث في سيرة رينيه ديكارت (Descartes) وتطوره الفلسفي، والميتافيزيقيا الجديدة، والإدراك الحسّي، والإرث الديكارتي؛ نص مترجم لد. گاري هاتفيلد، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


كان رينيه ديكارت (1596-1650) عالم رياضيات مبدعًا من الطراز الأوّل، ومفكّرًا علميًا مهمًّا، وصاحب رؤًى أصيلة في مجال الميتافيزيقا. وخلال مسار حياته كان عالم رياضيات في المقام الأوّل، ثمّ عالمًا طبيعيًا أو “فيلسوفًا طبيعيًا” في المقام الثاني، ثمّ عالمًا ميتافيزيقيًا في المقام الثالث. ففي الرياضيات طوّر تقنيات مكّنت لظهور الهندسة الجبرية (أو “التحليلية”). وفي الفلسفة الطبيعية يمكننا أن ننسب إليه عددًا من الإنجازات بعينها: إذ شارك في صياغة القانون الجيبي لانكسار الضوء، وطوّر تفسيرًا تجريبيًا مهمًّا لظاهرة قوس قزح، واقترح تفسيرًا طبيعيًا لتشكّل الأرض والكواكب (مهّد تفسيره هذا الطريق لظهور الفرضية السديمية)؛ والأهمّ من ذلك كلّه أنّه قدّم رؤية جديدة للعالم الطبيعي لا تزال تصوغ تفكيرنا حتّى يومنا هذا، وهي رؤية تتمحور حول عالم من المادّة يمتلك عدّة خصائص أساسية ويتفاعل وفقًا لعدد من القوانين الشاملة؛ ولقد احتوى هذا العالم الطبيعي على ذهن لامادّي يتّصل مباشرةً بالدماغ (عند الإنسان)، وبهذه الرؤية صاغ ديكارت النسخة الحديثة لـ(مشكلة الذهن-الجسد). وفي مجال الميتافيزيقا حاجج ديكارت في مواضيع: وجود الإله، وإثبات أنّ ماهية المادّة هي الامتداد، وأنّ ماهيّة الذهن هي الفكر. وادّعى ديكارت في وقت مبكّر بأنّه يمتلك منهجًا خاصًّا، وقد ظهر هذا المنهج بأشكال متنوّعة في عمله بمجالات الرياضيات والفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، وفي المرحلة الأخيرة من حياته ضمّنه منهج الشكّ، أو ألحقه به.

ولقد عرض رينيه ديكارت النتائج التي توصّل إليها في الكتب الرئيسية التي نشرها في حياته، وهي:

  • خطاب في المنهج (بالفرنسية [1637]): وقد احتوى على المقالات المعروفة: (علم انكسار الضوء)، (علم الأنواء)، (علم الهندسة).

  • تأمّلات في الفلسفة الأولى (أي: في الميتافيزيقا) (باللاتينية [ط1 (1641)، ط2 (1642)]: بالإضافة لما أثاره من اعتراضات، وردود رينيه ديكارت عليها.

  • مبادئ الفلسفة (باللاتينية [1644]): ناقش فيه رؤيته الميتافيزيقية والكثير من رؤاه في الفلسفة الطبيعية.

  • عواطف النفس (أو انفعالات النفس) (بالفرنسية [1649]): حول الانفعالات.

ونُشِر بعد وفاته عدد من النصوص المهمّة، منها:

  • رسائل (باللاتينية والفرنسية [1657-1667]).

  • العالم، أو رسالة في الضوء (بالفرنسية [1664]): تحتوي جوهر فلسفته الطبيعية.

  • رسالة حول الإنسان (بالفرنسية [1664]): تتضمّن رؤاه في الفيزيولوجيا وعلم النفس الآلاتي.

  • قواعد توجيه الذهن (باللاتينية [1701]): وهو عمل مبكّر غير مكتمل حاول فيه رينيه ديكارت عرض منهجه.

وفي أيّام رينيه ديكارت كان المثقّفون يعدّونه من كبار علماء الرياضيات، وعالمًا استطاع أن يطوّر فيزياء (أو نظرية للطبيعة) جديدة وشاملة لا تستثني الكائنات الحية، وفيلسوفًا اقترح ميتافيزيقا جديدة. وبعد وفاته اتّسع الاهتمام بفلسفته الطبيعية ومناقشتها، وظلّت بعض جوانب رؤيته العلمية مؤثّرة حتّى في القرن الثامن عشر، ولا سيّما في مجال الفيزيولوجيا، وكذلك مشروعه في البحث حول (من يعلم) لتقييم إمكانية المعرفة البشرية وامتدادها؛ وظلّ اسمه يستدعي ذكريات حول رؤيته الميتافيزيقية الفاشلة واستخدامه للمحاججة الشكوكية في الارتياب. وفي القرن التاسع عشر أشيد به لرؤيته في الفيزيولوجيا الآلاتية والنظرية القائلة بأنّ أجسام الحيوانات آلات (أي: أنّها تتكوّن بآليات مادّية، وتحكمها قوانين المادّة فقط). واحتفى القرن التاسع عشر كثيرًا بعبارته الشهيرة “الكوگيتو” (أو الكوجيتو) التي انطلقت منها فلسفته، وهاجم البيانات الحسّية التي يزعم البعض بأنّها تراث ذلك المنطلق الفلسفي، ونظر إليه كنموذج للفيلسوف المنخرط بالشأن الثقافي. وعلى امتداد العصور، كان هنالك من رأى فيه بطلًا، ومن رأى فيه شرّيرًا؛ ومن رأى فيه منظّرًا عبقريًا أطلق اتّجاهات فكرية جديدة، ومن رأى فيه نذير شؤم خلّف مفهومًا عقلانيًا خاليًا من المشاعر يتعامل مع الإنسان بالحسابات الرياضية؛ ولذلك يجب على من يروم الدخول إلى عالَم دراسة أفكار ديكارت أن يخوض في التفاصيل التي سطّرها ديكارت بيديه قبل أن يصوغ أيّة فكرة عن تراث هذا المفكّر.

 

 

  1. السيرة الفكرية

         1. 1. أوائل حياته وتعليمه

          1.2 النتائج الأولى، ومهمة جديدة، والمنهج

          1.3 النقلة الميتافيزيقية، الفيزياء الشاملة، كتاب (الخطاب)

          1.4 كشف رينيه ديكارت لرؤاه في الميتافيزيقا والفيزياء الشاملة

          1.5 الجدل اللاهوتي، وكتاب (العواطف)، والوفاة

  1. التطور الفلسفي

  2. ميتافيزيقا جديدة

         3.1 كيف يكتسب الذهن البشري المعرفة؟

         3.2 علامة الحقيقة

         3.3 طبيعة الواقع

         3.4 العلاقة بين الذهن والجسد

         3.5 الإله والخطأ

  1. العلم الجديد

  2. نظرية الإدراك الحسّي

  3. إرث ديكارت

  • بيبليوگرافيا

    • مراجع أساسية

    • مراجع ثانوية

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة


 

  1. 1. السيرة الفكرية

  2. 1. 1. أوائل حياته وتعليمه

ولد رينيه ديكارت في (31 مارس1596) في بيت جدّته لأمّه في بلدة لائيه من منطقة تورين الفرنسية (تبعد 47 كم عن مدينة تور)، بعيدًا عن والده واكيم الذي كان يقيم في مدينة شاتيلرو (تقع شمال لائيه على بعد 22 كم منها، في منطقة پواتو، على امتداد نهر كروز) بسبب عمله محاميًا في المجلس النيابي لمقاطعة بريتاني في مدينة رين. وفيما بعد جرى تغيير اسم لائيه إلى ديكارت.

وعندما بلغ رينيه ديكارت عامه الثالث عشر توفّيت أمّه جان بروشار أثناء الولادة، فأمضى ديكارت الفتى سنوات صباه في كنف جدّته جان سان بروشار في لائيه، مع أخيه پيير وأخته جان اللذين يكبرانه سنًّا. ومن المحتمل أنّه انتقل للعيش في منزل عمّ أبيه، ميشيل فيران، الذي يعمل في المحاماة أيضًا، كما هو شأن معظم أقرباء ديكارت من الرجال، وكان مستشارًا للملك في شاتيلرو. وعندما التقى ديكارت بـ آيزاك بيكمان في العام (1618) قدّم نفسه بلقب “پويتيڤان”، ويعني أنّه من پواتو (AT 10:46, 51–4; Rodis-Lewis 1998, 26; see also 2:642)، ومنذ ذلك الوقت وما بعده أصبح ديكارت يوقّع رسائله بلقب “دوپيرون” ويدعو نفسه “سيد پيرون”، وذلك بعد أن امتلك مزرعة صغيرة في پواتو انتقلت إليه بالوراثة من عائلة والدته (Watson 2007, 81, 230)؛ لكنّه لم يهمل مسقط رأسه في لائيه، ففي رسالة بعث بها في العام (1649) وصف ديكارت نفسه بأنّه “رجل وُلِد في جنّات تورين”.

في العام (1606) أو (1607)، انضم رينيه ديكارت إلى (كلّية لافليش اليسوعية) التي أنشئت حديثًا، وظلّ يدرس فيها حتّى العام (1614) أو (1615). وفي أثناء دراسته تلقّى المنهاج المعتاد الذي كان يتكوّن من خمس أو ستّ سنوات لدراسة اللغة (بما فيها: قواعد اللغتين اللاتينية واليونانية القديمة، ونصوص الشعراء التراثيين، وكتابات كيكيرو/شيشرون)، تليها ثلاث سنوات من دراسة الفلسفة. وكان المنهاج الفلسفي اليسوعي يتّبع، بشكل تقليدي، النهج الأرسطي، فكان ينقسم إلى مواضيع معيارية في ذلك الحين، وهي: المنطق، والأخلاق، والفيزياء، والميتافيزيقا؛ وأضاف اليسوعيون دراسة الرياضيات إلى السنوات الدراسية الثلاث الأخيرة.

كانت المقاربة المعتمدة في تناول الفلسفة الأرسطية تعتمد على كتب مدرسية تعرض نصوص أرسطو وتشرحها، وكثيرًا ما ناقش أرسطو في نصوصه مواقف سابقيه من الفلاسفة، ناهيك عما جاء في الشروح الموسّعة من تفاصيل لمواقف فلاسفة آخرين إلى جانب عرضها لمواقف أرسطو، وفي هذا الإطار اطّلع رينيه ديكارت على المعتقدات القديمة للمذهب الذرّي ولـ أفلاطون والرواقيين، ولا بدّ أنّه سمع عن الشكوكيين، إضافة إلى قراءته لكتابات كيكيرو. وعلاوة على ذلك، شهدت كلّية لافليش أحداثًا فكرية مهمّة، ومنها: اكتشاف گاليليو لأقمار كوكب المشتري في العام (1610). وبالنظر لهذه الصورة بأكملها نجد أنّ ديكارت لم يطّلع أثناء دراسته على نوع واحد من الفلسفة ينحصر بالفلسفة الأرسطية السكولائية التي هيمنت على المنهاج الدراسي حينها.

وممّا يشتهر عن ديكارت ما كتبه في القسم الذي تحدّث فيه عن سيرته الذاتية من كتابه (خطاب في المنهج)، فذكر بأنّه عندما غادر المدرسة “وجدتُ نفسي محاصرًا بالشكوك والأخطاء من كلّ جانب، حتّى اعتقدتُ بأنّني لم أجنِ من محاولاتي للتعلّم سوى زيادة إدراكي لما أنا فيه من جهل” (AT 6:4)، لكنّ هذا لم يمنعه من أن يذكر في المقطع التالي بأنّه لم يتوقّف يومًا عن الشعور بقيمة التمارين التي أدّاها أثناء الدراسة (AT 6:5)، لأنّ اللغات والحكايات والخطابة والشعر والرياضيات والأخلاق واللاهوت والفلسفة كان لكلّ منها قيمته، وكذلك فقه القانون والطبّ والعلوم الأخرى (ومنها الهندسة) التي تعتبر من المهن ويمكن للمرء متابعة دراستها بعد التخرّج من كلّية لافليش وأمثالها. ثمّ يشير  رينيه ديكارت إلى ما يشيع في الفلسفة من تناقض وخلاف وصل حتّى إلى العلوم العليا (ومنها الطبّ) بقوله: “ما دامت تستمدّ مبادئها من الفلسفة” (AT 6:8). وبعد عام من ذلك، أي في (1638) أجاب على سؤال بأنّه “ليس على وجه الأرض من علّم الفلسفة أفضل ممّا فعلت كلّية لافليش”، إذ نصح السائل بأن يرسل ابنه إلى كلّية لافليش حتّى وإن كان يرغب بمتابعة تحصيله العلمي في مكان آخر، بالإضافة لاقتراحه بأنّ ابنه قد يتمكّن من الدراسة في أوتريخت عند هنري ليروا (أحد تلاميذ ديكارت) (AT 2:378–9). ولقد كان ديكارت يعني بما جاء في كتابه أنّ غياب اليقينية عن الفلسفة التي تعلّمها في كلّية لافليش لم يكن وليد الصدفة، فالفلسفات السابقة كلّها كانت مقيّدة بـ اللايقينية؛ وهذه الإشارة تعكس اللمحة الأولى للفلسفة الحقيقية الوحيدة التي لم يمضِ حينها الكثير على اكتشافه لها. وبهذا فإنّ كلّية لافليش، أو كلّية جيّدة أخرى، هي أفضل ما يوجد من الكلّيات حتّى إشعار آخر.

وكانت عائلة رينيه ديكارت ترغب بأن يصبح محاميًا كأبيه والكثير من أقاربه، ولهذا غادر إلى پواتييه لدراسة القانون وحصل على شهادة بذلك في العام (1616)؛ لكنّه لم يمارس المحاماة ولم يعمل في الوظائف الحكومية التي تتاح لمن يعمل في المجال القانوني (Rodis-Lewis 1998, 18–22)، بل أصبح (نبيلًا مقاتلًا)، فانتقل في العام (1618) إلى بريدا لدعم الأمير الپروتستانتي موريس ضدّ الأجزاء الكاثوليكية من هولندا (وهي الأجزاء التي تشكّلت منها بلجيكا لاحقًا)، وكانت تتحكم بها إسپانيا، والتي يجمعها المذهب الديني مع فرنسا، لكنّ ذلك لم يمنع أن تكون عدوّتها.

 

  1. 1. 2. النتائج الأولى، ومهمّة جديدة، ومنهج

التقى رينيه ديكارت، أثناء وجوده في بريدا، بآيزاك بيكمان، وهو عالم رياضيات هولندي وفيلسوف طبيعي، والذي وضعه أمام مشكلات متنوّعة، بما فيها: أسئلة حول الأجسام الساقطة، وعلم توازن السوائل، والرياضيات؛ وانخرط الاثنان فيما دعَوَاه “فيزياء رياضية” (AT 10:52). ولقد جرت العادة، منذ القِدَم، على تطبيق علم الرياضيات على مجالات فيزيائية متنوّعة، كالبصريات والفلك والميكانيكا (التركيز على آلية عمل الرافعة) وعلم توازن السوائل؛ لكنّ بيكمان وديكارت أحضرا لهذا العمل فكرة الالتزام بالذرّات باعتبارها المكوّن الأساسي للمادّة، ولم يتوقّفوا عند ما عزاه أتباع المذهب الذرّي الأوائل للذرّة من خصائص (الحجم، والشكل، والحركة)، بل أضافا إليها (الوزن) أيضًا (AT 10:68). ولقد خصّص ديكارت في أحد دفاتره قسمًا تحت عنوان “الديموقریطيات” تكريمًا للفيلسوف الذرّي القديم (ديموقريطس).

وفي هذه المرحلة اكتشف رينيه ديكارت الفكرة الرئيسية التي تتيح الهندسة التحليلية، ونقل هذه الفكرة إلى بيكمان، وهي تتلخّص في تقنية وصف الخطوط، مهما كان نوعها، باستخدام معادلات رياضية تتضمّن نسبًا بين الأطوال. ولم يكن ديكارت ليتنبّأ بأنّ ما اكتشفه سيؤدي إلى أن تحلّ المعادلات الجبرية محلّ البنى الهندسية؛ بل إنّه كان ينظر إلى الهندسة باعتبارها العلم الرياضي الأساسي، أمّا تقنياته الجبرية فكانت في نظره تقدّم بديلًا قويًا للتعليمات العملية (التي تستخدم المسطرة والبوصلة) عندما تصبح هذه التعليمات شديدة التفصيل. وفي القرن التاسع عشر أصبحت الأولوية للجبر والتحليل، وتنحّت الهندسة خلفهما، وحينها أطلق اسم “الإحداثيات الديكارتية” على منظومة إحداثيات الخطوط المستقيمة في الهندسة الجبرية، تكريمًا لديكارت الذي اكتشف التقنية.

غادر ديكارت بريدا في العام (1619) لينضمّ إلى الجيش الكاثوليكي لماكسيميليان الأوّل (دوق باڤاريا وحليف فرنسا)، وكانت الحرب تتعلّق بشرعية سلطة فرديناند الخامس، الكاثوليكي، الذي نُصِّب إمبراطورًا على الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في سبتمبر من ذلك العام. ولقد حضر رينيه ديكارت مراسم التتويج، ثمّ انطلق في طريق العودة للجيش، لكنّ حالة الطقس الشتوي أجبرته على البقاء في بلدة صغيرة تُدعى أُلْم (أو ربّما: نويبورگ) لا تبعد كثيرًا عن ميونيخ. وفي ليلة (10 نوفمبر 1619) حلم ديكارت بثلاثة أحلام يبدو أنّها رسمت رسالته في الحياة، وكانت الأحلام الثلاثة معقّدة ومثيرة (راجع: Sebba 1987)، واستخلص ديكارت منها أنّه يجب عليه أن يصلح المعرفة بأكملها، فقرّر أن يبدأ بالفلسفة، لأنّ مبادئ العلوم الأخرى لا بدّ أن تكون مشتقّة منها (AT 6:21–2).

وكان رينيه ديكارت قد اطّلع على الفلسفة السائدة في عصره وعلى الأفكار المبتكرة الحديثة (والتي كان من بين ما فعلته أنّها رفضت جوانب من الفلسفة الأرسطية)، بالإضافة إلى ما قرأه في العام (1620) وما تلاه. ولقد ذكر في العام (1640) أنّه قرأ نصوصًا فلسفية متنوّعة حوالي العام (1620) كتبها عدد من مشاهير شرّاح النصوص الأرسطية (AT 3:185)، وهم: فرانسيسكو توليدو (1532-1596)، وأنتونيو روبيو (1548-1615)، والشرّاح الكويمبريون (نشطوا في حوالي العام 1600)، بالإضافة لخلاصة أو موجز لـ”مجمل الفلسفة السكولائية” لأسطاخيوس (Eustace of Saint Paul) (1573-1640)، والذي نُشِر كتابه (خلاصة الفلسفة) لأوّل مرّة في العام (1609). وفي العام (1638) ذكر ديكارت أنّه قرأ (حول طبيعة الأشياء [1620]) لتومازو كامپانيلا قبل خمسة عشر عامًا، وأنّه لم يعجَب به كثيرًا (AT 2:659–60). وفي العام (1630) مرّ بسرعة على أسماء عدد من معاصريه الذين طرحو أفكارًا فلسفية مبتكرة (1:158)، ومنهم: كامپانيلا (1568-1639)، وبرناردينو تيليزيو (1509-1588)، وجوردانو برونو (1548-1619)، ولوچيليو ڤانيني (1585-1619)، وسيباستيان باسون (ولد حوالي 1537).

وليس لدينا توثيق جيّد لنشاطات رينيه ديكارت في أوائل عشرينيات القرن السابع عشر، لكنّنا نعلم أنّه قضى في فرنسا شطرًا من ذلك الحين، إذ زار پواتو في العام (1622) ليبيع بعضًا من ممتلكاته التي ورثها، وزار پاريس أيضًا. ثمّ سافر إلى إيطاليا (1623-1625)، وعاد ليقيم في پاريس التي اتّصل فيها بعدد من علماء الرياضيات والفلسفة الطبيعية ضمن حلقة صديقه القديم مارين ميرسين (1588-1648) الذي تبادل معه الكثير من الرسائل. وخلال إقامته في پاريس، عمل ديكارت على بعض المشكلات الرياضية، واشتقّ (قانون الجيب) لانكسار الضوء، وهو اكتشاف ساعده في عمله على إيجاد معادلات رياضية لأشكال العدسات (نشره لاحقًا في كتابه: علم انكسار الضوء). أمّا الجهد الفلسفي الأكبر الذي بذله في هذه المدّة فهو عمله في كتاب (قواعد توجيه الذهن) الذي احتوى منهجه الجديد.

سعى رينيه ديكارت في كتابه (قواعد توجيه الذهن) إلى تعميم المنهجيات الرياضية لتقدّم طريقًا لمعرفة واضحة لكلّ ما يمكن للإنسان أن يعلمه. وقد تضمّنت نصيحته المنهجية اقتراحًا يألفه كلّ من يدرس مبادئ الهندسة: قسّم عملك لخطوات صغيرة يمكنك فهمها والتيقّن منها بشكل كامل، وتحقّق من عملك مرارًا وتكرارًا؛ لكنّه يقدّم نصيحة أخرى للمتحمّس في البحث عن الحقيقة، وذلك حول نقطة انطلاق البحث وكيفية العمل من أجل الوصول إلى أمور أعظم، فيقول في القاعدة العاشرة: “على من يبتغي التبصّر أن يُعمِل ذكاءه من خلال التحقيق فيما اكتشفه الآخرون، وأن يستقصي، بمنهجيةٍ، حتّى أدنى ما أنتجته مهارات البشر، لا سيّما ما ظهرت عليه أمارات النظام” (AT 10:403). وكمثال للفنون “البسيطة” التي “يسودها النظام” يقدّم ديكارت صناعة السجّاد والتطريز، وألعاب الأرقام والألعاب الحسابية. ويمضي بعد ذلك لمناقشة قواعد “الملكات الإدراكية” في تحصيل المعرفة، والتي تتضمّن: العقل، والمخيلة، والإدراك الحسّي، والذاكرة؛ فهذه الملكات تتيح للباحث عن المعرفة أن يركّب الحقائق البسيطة من أجل حلّ مشكلات أكثر تعقيدًا، كحلّ مشكلات علم البصريات (AT 10:394)، أو اكتشاف كيفية عمل المغناطيس (AT 10:427).

وفي نهاية العام (1628) ترك رينيه ديكارت العمل على كتابه (قواعد توجيه الذهن) بعد أن أكمل نصفه تقريبًا. وكان قد انتقل في ذلك العام إلى هولندا في حقبتها الجمهورية، وزار فرنسا كثيرًا أثناء إقامته في هولندا، ثمّ انتقل للإقامة في السويد في العام (1649). ولقد حاول أن يحافظ على سرّية عنوانه في هولندا، وغيّر موقع إقامته كثيرًا، انسجامًا مع شعاره “من أجاد الاختباء طاب عيشه” (AT 1:286*).

 

  1. 1. 3. النقلة الميتافيزيقية، والفيزياء الشاملة، وكتاب (الخطاب)

عند وصول رينيه ديكارت إلى هولندا شرع بالعمل على نوعين من المواضيع. ففي صيف العام (1629) رُصِدت مجموعة مدهشة من الشُمَيسات، أو الشموس الكاذبة، بالقرب من روما، وسمع ديكارت بالخبر فعزم على العثور على تفسير (خرج في النهاية بفرضية تقول بأنّ في السماء حلقة كبيرة صلبة من الجليد، وهي تعمل عمل العدسات فتشكّل صورًا متعدّدة للشمس [6:355]). وقد أدّى عمله هذا إلى تعطيل بحوثه في الموضوع الآخر الذي شغله أثناء الشهور التسعة الأولى من إقامته في هولندا (1:44)، وهو موضوع الميتافيزيقا، أي: المبادئ الأولى لكلّ ما هو موجود، وكانت الغايات الميتافيزيقية في بحثه تتضمّن وجود الإله والنفس وطبيعتهما (1:144، 182). لكنّ هذه البحوث الميتافيزيقية لم تكن منفصلة تمامًا عن المشكلات الأخرى الشبيهة بظاهرة الشُمَيسات، لأنّ ديكارت ادّعى بأنّه من خلال بحوثه حول الإله والنفس البشرية تمكّن من “اكتشاف أساس الفيزياء” (1:144). ثمّ ذكر بعد ذلك رسالة صغيرة في الميتافيزيقا باللاتينية، يُفترَض أنّها نسخة مبكّرة من كتابه (التأمّلات)، كتبها في أوّل وصوله إلى هولندا (1:148، 350). ونحن نعلم أنّ ديكارت أفضى لميرسين لاحقًا بأنّ (التأمّلات) احتوى “كلّ مبادئي في الفيزياء” (3:233).

وفي أثناء بحث رينيه ديكارت في ظاهرة (الشُمَيسات)، ولدت في ذهنه فكرة وضع رسالة شديدة الطموح، فكتب إلى ميرسين بأنّه قرّر ألا يشرح “ظاهرة واحدة فقط”، أي: ظاهرة الشُمَيسات، وأن يكتب عوضًا عن ذلك رسالة يشرح فيها “كلّ ظاهرات الطبيعة، أي: الفيزياء بجملتها” (1:70). وأصبحت هذه الرسالة في النهاية تحت عنوان (العالم)، وكان مقرَّرًا لها أن تكون في ثلاثة أجزاء: حول الضوء (رسالة عامّة حول الطبيعة المرئية، أو المادّية)، وحول الإنسان (رسالة حول الفيزيولوجيا)، وحول النفس؛ ولم يصلنا منها سوى الأولى والثانية، وربّما لم يكتب ديكارت الرسالة الثالثة قطّ. وفي هاتين الرسالتين، واللذين قرّر ديكارت إرجاء نشرهما بعد أن علم بما تعرّض له گاليليو من إدانة (1:270، 305)، قدّم لنا نظرة شاملة للكون باعتباره يتكوّن من صورة مجرّدة للمادّة لا تتّصف سوى بالطول والعرض والعمق (الحيّز ثلاثي الأبعاد)، منحوتة بجزيئات ذات حجم وشكل، وقد تكون متحرّكة أو ساكنة، وتتفاعل وفقًا لقوانين الحركة التي فرضها الإله (11:33-4). ولقد احتوت الرسالتان على وصف للكون المرئي باعتباره منظومة فيزيائية وحيدة يمكن تفسير كلّ عملياتها (من تشكّل الكواكب وانتقال الضوء من الشمس، إلى العمليات الفيزيولوجية في بدن الإنسان وغيره من الحيوانات) بالاستناد إلى آلية انتظام المادّة في الأشكال والبنى وتحرّكها وفقًا لقوانين الحركة. وفي الحقيقة، إنّ تفسيرات ديكارت في كتابه (العالم)، ثمّ في كتابه التالي (المبادئ)، لم تستفد سوى القليل من القوانين الثلاثة للحركة، باستثناء ما يتعلّق بالجانب الكيفي؛ فهذه القوانين أكّدت على الفكرة القائلة بأنّ المادّة تتحرّك بانتظام (في خطّ مستقيم)، وأنّ عند الاصطدام تغيّر أجزاء من المادّة حركاتها على نحو منتظم، وهو أمر لا يكفّ عن الحدوث في الكون الكامل (“plenum”) كما يراه ديكارت.

وبعد أن أرجأ رينيه ديكارت نشر كتابه (العالم)، قرّر أن يطرح عيّنة محدودة من فلسفته الجديدة، وذلك بأن ينشر كتابه (الخطاب) بما ألحقه به من مقالات، وذلك مع إغفال اسم المؤلّف. ولقد روى (الخطاب) رحلة حياة ديكارت، وشرح كيف وصل إلى مرحلة التشكيك بالمعرفة السابقة وسعيه إلى بداية جديدة، وقدّم بعض النتائج الأوّلية لبحوثه الميتافيزيقية، بما فيها ثنائية الذهن والجسد؛ لكنّ (الخطاب) لم ينخرط بالشكوكية العميقة التي وردت في كتاب (التأمّلات) الذي تلاه، ولم يدّع التأسيس للمقولة الميتافيزيقية بأنّ ماهية المادّة هي الامتداد. والاستنتاج الأخير لم يُقدَّم سوى كفرضية يمكن فحص وإثبات فائدتها من خلال نتائجها، كما ورد في المقالتين الملحقتين حول (علم انكسار الضوء) و(علم الأنواء). ولقد تناول ديكارت في مقالته (علم الأنواء) ظاهرات الطقس، فوصف فرضيته العامّة حول طبيعة المادّة، ثم انتقل إلى تفسير البخار، والملح، والرياح، والغيوم، والثلج، والمطر، والبرَد، والبرق، وقوس قزح، والهالات الشمسية، والشُمَيسات.

ولقد كتب رينيه ديكارت في مقالته (علم الأنواء) بأنّه كان ينطلق في عمله من “الافتراض” أو الفرضية التالية: “أنّ الماء والتراب والهواء، وكل الأجسام المماثلة التي تحيط بنا، تتكوّن من الكثير من الأجزاء الصغيرة المتنوّعة شكلًا وحجمًا، والتي لا تفترق عن بعضها بشكل كامل ولا تتّصل بعضها ببعض على نحو وثيق، فتتبقّى بينها مسافات قليلة، وهذه المسافات غير خالية، وإنّما تملؤها مادّة دقيقة جدًا، وهي المادّة التي قلت عنها فيما سبق بأنّها الوسيط الذي ينتقل عبره فعل الضوء” (6:233). وقدّم ديكارت أساسًا جسيميًا لمبادئه الفيزيائية، أنكر فيه نظرية الذرّات والخلاء عند أنصار المذهب الذرّي الأقدمين، وأكّد على أنّ كلّ الأجسام تتكوّن من نوع وحيد من المادّة يمكن تجزئته بشكل لانهائي (6:239). وقدّم في كتابه (العالم) جسيميته اللاذرية، لكن دون أن ينكر المكان الخلائي جملة وتفصيلًا، ودون أن يؤكّد على إمكانية التقسيم اللانهائي (11:12-20).

وفي مقالته (علم الأنواء) أعلن رينيه ديكارت أيضًا أنّ فلسفته الطبيعية لا حاجة لها بـ”الصور الجوهرية” و”الكيفيات الحقيقية” التي “يتخيّل” الفلاسفة الآخرون وجودها في الأجسام (6:239). وقد اتّخذ ديكارت الموقف نفسه في كتابه (العالم)، حيث قال بأنّ تصوّره لفكرة “العالم” الجديدة (أي: مفهومه عن الكون) “لا أستخدم فيه الكيفيات التي تُدعى السخونة والبرودة والرطوبة والجفاف، على النحو الذي يستخدمها به الفلاسفة” (11:25). بل إنّ ديكارت يدّعي بأنّه يستطيع تفسير هذه الصفات نفسها من خلال مفهوم (المادّة في حالة الحركة) (11:26)، وهو ادعاء كرّره في مقالته (علم الأنواء) (6:235-6). وفي الواقع، إن ديكارت كان ينكر بادّعائه هذا الأنطولوجيا الأرسطية السكولائية السائدة في ذلك الحين، والتي كانت تفسّر كلّ الأجسام الطبيعية بأنّها تتكوّن من “مادّة أولى” تشكّلت بواسطة “صورة ماهوية”، وفسّرت بذلك الكيفيات (كالسخونة والبرودة) باعتباره كيفيات ملازمة للأجسام حقًّا على نحو “مشابه” لكيفيات السخونة والبرودة عندما نجرّبها بشكل ملموس.

ولقد كان العديد من أتباع الأرسطية السكولائية يعتقدون بأنّ المادّة الأولى لا يمكنها أن توجد بالاعتماد على نفسها وحسب، خلافًا لما يعتقده رينيه ديكارت حول المادّة الممتدّة الصافية. فلإنشاء جوهر ما، أو شيء يمكنه الوجود بالاعتماد على نفسه وحسب، لا بدّ للمادّة الأولى أن “تتصوّر” وفقًا لصورة جوهرية (أي: صورة تحوّل الشيء إلى جوهر). والعناصر الأرسطية الأربعة (التراب، والهواء، والنار، والماء) لها صور جوهرية تتركّب منها الصفات الرئيسية (السخونة والبرودة والرطوبة واليبوسة)، فالتراب بارد يابس، والهواء ساخن رطب، والنار ساخنة يابسة، والماء بارد رطب. وهذه العناصر يمكنها أن تكون بنفسها “موادّ” في خدمة صور جوهرية أعلى، كأن تكون على صورة معدن أو مغناطيس أو كائن حيّ. وإنّ “صورة” الشيء توجّه نشاطه الخاصّ به، سواء كانت في حالة التراب أو في حالة أرنب حيّ. ففي حالة التراب: يكون النشاط هو الاقتراب من مركز الكون؛ وللماء الميل نفسه لكنّه ليس بالقوّة نفسها، ولهذا يرى الأرسطيون تصوّر (تشكّل) كوكب الأرض في المركز، وقد غطّى الماء سطحه. والأرنب الجديد يتصوّر عندما يساهم أرنب ذكر، من خلال المادّة التناسلية، بـ”صورة” الأرنبية للمادّة التناسلية للأرنب الأنثى، وبعدها تقوم هذه الصورة بتنظيم تلك المادّة على هيأة أرنب، بما في ذلك من تنظيم وتوجيه لنشاطات أعضائه المتنوّعة وعملياته الفيزيولوجية. وحينها يجري توجيه سلوك الأرنب الوليد وفقًا لـ”النفس الحسّاسة”، وهو الاسم الذي يُطلَق على الصورة الجوهرية للأرنب. أمّا الصفات الأخرى للأرنب، كبياض فروه، فتُفسَّر على أساس “الكيفية الحقيقية” للبياض الملازم لكلّ خصلة من فروه.

وعلى الرغم من أنّ رينيه ديكارت تجنّب في (العالم) و(علم الأنواء) الإنكار الكامل للصور الجوهرية والكيفيات الحقيقية، فمن الواضح أنّه كان ينوي إنكارها (1:324; 2:200; 3:420, 500, 648). وهنالك اعتباران يعيناننا على تفسير لغته المتردّدة: أوّلهما أنّه حينما ألّف كتابيه هذين لم يكن مستعدًّا بعد لإطلاق رؤيته الميتافيزيقية، والتي كان من شأنها أن تدعم فرضيّته حول المادّة فتنكر الصور الجوهرية (1:563)؛ والاعتبار الثاني أنّ ديكارت كان يدرك قيمة الحيطة والحذر في عدم الهجوم المباشر على الموقف الأرسطي السكولائي (3:298) لأنّه كان الموقف المقبول في التعليم الجامعي آنذاك (3:577)، ويتلقّى دعمًا قويًا من اللاهوتيين الأصوليين، من الكاثوليك والپروتستانت على حد سواء (1:85–6; 3:349).

وبعد نشر رينيه ديكارت لكتابه (الخطاب) في العام (1637) وصلته رسائل منها ما يستفهم ومنها ما يطعن في آراء متنوّعة من الكتاب، بما فيها: تفسيره للظاهرات المتسلسلة التي تحدث في نبض القلب ودوران الدم، وتجنّبه للصور الجوهرية والكيفيات الحقيقية، ومحاججته في التمييز بين الذهن والجسد، ورؤيته القائلة بأنّ فرضيات الفلسفة الطبيعية يمكن “إثباتها” من خلال ما تفسّره من تأثيرات (6:76). ونجد في مراسلات ديكارت إبّان النصف الثاني من ثلاثينيات القرن السابع عشر أنّه ردّ بدراسة معمّقة على بعض التساؤلات التي تناول بعضها مناقشته للمصادقة على الفرضية في العلم، وردّ أيضًا على الاعتراضات المتعلّقة برؤاه الميتافيزيقية، وبيّن السبب الذي جعله يتجنّب فيما كتب تناول الحجج الشكوكية الأكثر جذرية، وهو أنّه قد كتبه باللغة الفرنسية ليصل إلى شريحة واسعة من القرّاء (1:350, 561).

وفي العام (1635) وُلِد رينيه لديكارت طفلة (فرانسين) من مدبّرة منزله (هيلينا جانس)، وعاشت الطفلة وأمّها في كنف ديكارت لحين من الزمن في أواخر ثلاثينيات القرن السابع عشر، وكان ديكارت يخطّط ليلتحقا به عندما وصله نبأ الوفاة المبكّرة لفرانسين في (سبتمبر 1640). وبعدها قدّم ديكارت لهيلينا مهرًا تزوّجت به في العام (1644) (Watson 2007, 188).

 

  1. 1. 4. كشف ديكارت لرؤاه في الميتافيزيقا والفيزياء الشاملة

في رسالة كتبها رينيه ديكارت لـ ميرسين بتاريخ (13 نوفمبر 1639) ذكر بأنّه كان يعمل على “خطاب أحاول أن أوضّح فيه ما كتبته حتّى اليوم” في الميتافيزيقا (2:622). وهكذا جاء كتابه (التأمّلات)، ومن المفترض أنّه كان يعمل على مراجعة هذه الرسالة اللاتينية وإعادة صياغتها منذ العام (1629). وأعلن ديكارت لميرسين خطّته بأن يعرض كتابه على “أبرز عشرين أو ثلاثين من علماء اللاهوت” قبل نشره. وفي نهاية المطاف قام ديكارت وميرسين بجمع سبعة مجموعات من الاعتراضات على ما ورد في (التأمّلات)، ونشرها ديكارت مع كتابه مرفقة بردوده عليها (1641, 1642). وكانت بعض الاعتراضات قد أوصلها ميرسين من عالم لاهوت مغفل الاسم، ووصلته مجموعات أخرى من: رجل الدين الهولندي يوهانس كاتيروس، والفيلسوف اليسوعي پيير بوردين، وميرسين نفسه، والفيلسوف پيير گاسيندي، والفيلسوف توماس هوبز، والفيلسوف اللاهوتي الكاثوليكي أنطوان آرنولد.

وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ رينيه ديكارت كان يعتبر (التأمّلات) تحتوي مبادئه في الفيزياء، لكنّك لن تجد فيها قسمًا يحمل عنوان “مبادئ الفيزياء”، فهذه المبادئ تنتشر في كلّ أرجاء الكتاب، وهي تهتمّ بطبيعة المادّة (أي: إنّ ماهية المادّة هي امتدادها)، ونشاط الإله في خلق العالم والمحافظة عليه، وطبيعة الذهن (أي: إن الذهن جوهر مفكّر غير ممتدّ)، ووحدة الذهن والجسد وتفاعلهما، وأنطولوجيا الكيفيات الحسّية. (دأب ديكارت ومتّبعوه على إدراج المواضيع المتعلّقة بطبيعة الذهن والتفاعل بين الذهن والجسد ضمن الفيزياء أو الفلسفة الطبيعية. وحول هذا المجال راجع: Hatfield 2000).

وما إن قدّم رينيه ديكارت رؤيته الميتافيزيقية حتّى شعر بأنّه لا شيء يمنعه من الانتقال بعد ذلك إلى نشر رؤيته الكاملة في الفيزياء؛ لكنّه كان يحتاج أوّلًا لصياغتها باللاتينية (3:523)، اللغة السائدة في القرن السابع عشر. فأعدّ خطّة لنشر نسخة لاتينية من رؤيته الفيزيائية (كتاب المبادئ) بالترافق مع كتاب حول الفيزياء يعتمد الرؤية الأرسطية السكولائية، وذلك كي تظهر محاسن عمله من خلال المقارنة؛ واختار لهذا الغرض كتاب (خلاصة الفلسفة) لأسطاخيوس (Eustace of Saint Paul)، لكنّ هذا الجزء من خطّته لم يأتِ بالثمار المطلوبة. وبقيت نيّته كما هي: أن يؤلّف كتابًا يمكن للكلّيات أن تتبنّاه، حتّى الكلّيات اليسوعية من أمثال لافليش (3:233, 523)؛ وفي نهاية المطاف أصبحت رؤيته الفيزيائية تُدرَّس في هولندا وفرنسا وإنگلترا وأجزاء من ألمانيا؛ أمّا في البقاع الكاثوليكية فإنّ تعاليمه الفرنسية تعرّضت للقمع بإدراجها في قائمة الكتب المحظورة في العام (1663)، لكنّ هذا لم يمنع أتباعه في فرنسا من الاستمرار في الترويج لفلسفته الطبيعية، ومن هؤلاء: جاك روهو (1618-1672) وپيير ريجي (1632-1707).

وظهر كتاب (المبادئ) باللاتينية في العام (1644)، وتلته الترجمة الفرنسية في العام (1647)، والتي أضاف لها رينيه ديكارت تمهيدًا بعنوان (رسالة من المؤلّف)، وفيها شرح عناصر مهمّة من موقفه من الفلسفة، بما في ذلك: وجوب التفكير في المسائل الفلسفية من خلال الحجج وتقييم هذه الحجج لذاتها (9B:3). وقدّم أيضًا صورة للعلاقات التي تربط الأجزاء المتنوّعة للفلسفة على هيأة شجرة، فقال:

“ولذلك فإنّ الفلسفة في مجملها كالشجرة: جذورها الميتافيزيقا، وجذعها الفيزياء، وأغصانها التي تتفرّع من هذا الجزع هي كلّ العلوم الأخرى، والتي يمكن اختزالها في ثلاثة علوم رئيسية، هي الطبّ والميكانيكا والأخلاق، وأعني بالأخلاق المنظومة الأخلاقية الأسمى والأكمل، والتي تفترض مسبقًا المعرفة الكاملة بالعلوم الأخرى، وهي المستوى النهائي للحكمة” (9B:14).

ويتكوّن كتاب (المبادئ)، كما وصل إلينا، من الأقسام التالية: (القسم الأوّل) يتناول الميتافيزيقا؛ و(الثاني) حول المبادئ العامّة للفيزياء على هيأة نظريته للمادّة وقوانين الحركة، انطلاقًا من رؤيته الميتافيزيقية؛ و(الثالث) عُنِي بالظاهرات الفلكية؛ و(الرابع) شمل تشكّل الأرض، وتفسير خاصّيات الفلزات والمعادن والمغناطيس والنار وما شابه، ملحقًا بمناقشات حول آليات عمل الحواس، ومناقشة أخيرة حول قضايا منهجية في الفلسفة الطبيعية. ولقد كان ينتوي من كتابه أيضًا أن يقدّم شرحًا عميقًا لأصول النباتات والحيوانات، والفيزيولوجيا البشرية، ووحدة الذهن والجسد وتفاعلهما، وعمل الحواسّ؛ لكنّه اضطرّ في النهاية إلى ترك مناقشة النباتات والحيوانات (Princ. IV.188)، وضمّن كتابه بعض النقاش حول وحدة الذهن والجسد ضمن تفسيره الموجز للحواسّ.

 

  1. 1. 5. الجدل اللاهوتي، كتاب (العواطف)، الوفاة

إذا رجعنا إلى أولى الرسائل التي كتبها رينيه ديكارت إلى ميرسين، فسنجد أنّه أظهر منذ ذلك الحين اهتمامًا بتجنّب التورّط في جدل لاهوتي أو أن يجلب لنفسه معاداة المرجعيات الكنسية (1:85–6, 150, 271)؛ لكنّه انجرّ للجدل اللاهوتي مع اللاهوتيين الكالڤينيين في هولندا. وفي أواخر ثلاثينيات القرن السابع عشر قام هنري لوروي (1598-1679)، أو ريجيوس، وهو من أساتذة الطبّ في أوتريخت، بتدريس المنظومة الديكارتية للفلسفة الطبيعية؛ وفي العام (1640) عبّر گيسبيرت ڤوتيوس (1589-1676)، وهو لاهوتي من أوتريخت، عن استيائه من هذا الأمر في رسالة كتبها لميرسين (3:230)؛ وتطوّر هذا الخلاف، بين ريجيوس وڤوتيوس أوّلًا، مع قيام ديكارت بإرشاد ريجيوس، ليصل الأمر بڤوتيوس إلى إقناع مجلس إدارة الجامعة التي كان يعمل عميدًا لها بإدانة فلسفة ديكارت في العام (1642)، ونشر مع زملائه في العامين (1642، 1643) كتابين يهاجمان فلسفة ديكارت، وردّ عليهما ديكارت بنفسه بنشر كتاب في العام (1643) حمل عنوان (رسالة إلى ڤوتيوس). وتصاعد الخلاف حتّى أواسط العقد نفسه، وانتهى الأمر بنشوب خلاف بين ديكارت وريجيوس الذي نشر بيانًا أو إعلانًا يذكر فيه انحرافه عن نظرية ديكارت حول الذهن البشري، ردّ عليه ديكارت بكتاب في العام (1648) حمل عنوان (تعليقات على بيان بعينه).

ولقد واصل رينيه ديكارت عمله في أواسط أربعينيات القرن السابع عشر على منظومته الفيزيولوجية التي كان قد عمل عليها سابقًا خلال العقد الذي سبقه، فسمح باستنساخ كتابه (رسالة حول الإنسان) (4:566–7)، وبدأ بكتاب جديد (5:112) حمل عنوان (وصف الجسم البشري) سعى فيه لشرح التطوّر الجنيني لأجسام الحيوانات. وخلال هذه المدّة تبادل الرسائل مع الأميرة إليزابث، وكان موضوع الرسائل يتناول أوّل الأمر مسائل ميتافيزيقية نشأت من قراءتها لكتابه (التأمّلات)، ثم انتقل إلى العواطف والمشاعر. وفي النهاية كتب ديكارت كتابه (عواطف النفس) في العام (1649)، والذي احتوى التفسير الأشمل، ضمن ما نشر من مؤلّفاته في حياته، لرؤيته في الفيزيولوجيا السلوكية، واحتوى نظرية عامّة شاملة للعواطف والمشاعر. وما نسمّيه اليوم بالنظرية الأخلاقية الديكارتية يستند جزئيًا إلى ما ورد في هذا الكتاب.

وفي العام (1649) قبل رينيه ديكارت دعوة الملكة كريستينا، ملكة السويد، للانضمام إلى حاشيتها؛ وهناك كتب قانون الأكاديمية الملكية السويدية بطلب منها، وفي يوم تسليم القانون سقط ديكارت فريسة لمرض لم يبارحه حتّى فارق الحياة في (11 فبراير 1650).

 

  1. 2. التطوّر الفلسفي

يمكن القول، بشكل عامّ، بأنّ من النادر أن تجد موقفًا أو حجّة لأحد الفلاسفة تستمرّ على حالها دون تغيير خلال حياته؛ وهذا يعني أنّه يجب عند قراءة نصوص الفلاسفة وإعادة بناء حججهم أن ننتبه لموقع كلّ نصٍّ ضمن مسار التطوّر الفلسفي للكاتب المعنيّ. ومن قرأ النصوص الفلسفية لإيمانويل كانْت يعي ضرورة التمييز بين المرحلة النقدية في حياته وبين المرحلة التي سبقتها؛ كذلك فإنّ من قرأ نصوص لايبنيتس يلاحظ أيضًا مسار التطوّر الفلسفي عنده، وإن كانت حالة لايبنيتس يكتنفها خلاف أقلّ في تحديد موضع كلّ نصٍّ من هذا المسار.

ولقد اقترح الخبراء مخطّطات متنوّعة لتقسيم حياة ديكـارت إلى حقب؛ وفي هذه المادّة الموسوعية سنتبنّى تقسيمًا بسيطًا نسبيًا يقسم حياته إلى حقبتين: الحقبة الأولى قدّمت فيها الرياضيات النموذج لمنهجه، والحقبة الثانية تلت “النقلة الميتافيزيقية” التي حدثت في العام (1629)، عندما تغيّر مفهوم ديكارت عن دور العقل في اكتساب المعرفة وأدرك حقيقة فرضياته الخاصّة أو المحدّدة في الفلسفة الطبيعية (أنّها أدنى من أن تكون يقينية، وبالتالي فهي خاضعة لمخطّطٍ للمصادقة من خلال الاستنتاج المنطقي الذي أشرنا إليه فيما سبق). وفي الواقع، تبنّى رينيه ديكارت مخطّطًا فرضيًا-استنباطيًا للمصادقة، لكنّه يحمل السمة المختلفة التالية: أنّ نطاق الفرضيات محدود باستنتاجاته الميتافيزيقية فيما يتعلّق بماهية الذهن والمادّة، واتّحادهما، ودور الإله في خلق الكون والمحافظة عليه؛ ووفقًا لذلك رفض ديكارت بعض الفرضيات، من أمثال “الصور الجوهرية” عند السكولائيين. ولهذا فإنّ الاختلافات الحجاجية الواردة في (العالم) و(الخطاب) و(التأمّلات) و(المبادئ) ربّما يجدر النظر إليها باعتبارها قد نشأت من حقيقة مفادها أنّ ديكارت لم يكن قد قدّم رؤيته الميتافيزيقية بعدُ في ذلك الحين (ثلاثينيات القرن السابع عشر)، ولذلك تبنّى أسلوبًا تجريبيًا في التسويغ، بينما استطاع بعد العام (1941) أن يلجأ إلى رؤيته الميتافيزيقية المنشورة للسعي إلى تمتين الإطار العام لرؤيته الفيزيائية.

وهنالك خبراء آخرون ينظرون إلى هذا الأمر بطريقة مختلفة؛ إذ وجد جون شوستر (Schuster 1980) أن النهج الإپستيمولوجي المتّبع في (القواعد) استمرّ حتّى ثلاثينيات القرن السابع عشر ثمّ تلاه السعي الميتافيزيقي لليقينية في (التأمّلات)، وهو أمر عبّر شوستر عن امتعاضه منه. وعلى النحو ذاته، اعتقد دانييل گاربر (Garber 1992, 48) أيضًا بأنّ رينيه ديكارت تخلّى عن نهجه القديم بعد نشره لـ(الخطاب). ويعتقد ماكامر وماگواير (Machamer and McGuire 2006) أن ديكارت كان يتوقّع من الفلسفة الطبيعية أن تلبّي معيار اليقينية المطلقة في حقبة (التأمّلات)، وبأنّه اعترف فعليًا بالهزيمة في هذا الأمر ضمن المقالات الأخيرة لـ(المبادئ)، فتبنّى معيارًا أدنى لليقينية من أجل فرضياته الخاصّة (كتفسيره للمغناطيسية بأنّها ناتجة عن جزيئات لولبية)؛ وهما يريان بأنّ (المبادئ) يؤشّر لـ”النقلة الإپستيمولوجية” عند ديكارت مبتعدًا عن موقفه المنهجي من الواقعية كما ورد في (القواعد) و(الخطاب) و(التأمّلات).

إنّ هذه الرؤى المتباينة بشأن التطوّر الفكري لـ رينيه ديكارت توحي بوجود علاقات مختلفة بين رؤيته الميتافيزيقية ورؤيته الفيزيائية؛ إذ يتعامل شوستر (Schuster 1980) مع الحجج الميتافيزيقية الديكارتية باعتبارها نوعًا من الأفكار الاستدراكية؛ ويرى ماكامر وماگواير (Machamer and McGuire 2006) بأنّ “النقلة الإپستيمولوجية” المزعومة وتخلّيه عن الواقعية جاءت استجابةً لما لاقاه من نقد فلسفي في العام (1641)؛ وهما يجدان استمرارية أقوى بين (قواعد) ديكارت وكتاباته الأخرى وصولًا إلى العام (1641) بالمقارنة مع ما وجده گاربر، أو مع ما أوردناه نحن. ومن السبل لفهم هذا الانعدام في الاستمرارية ضمن مرحلة أبكر: أن نأخذ بالحسبان أنّ ديكارت عمل على المشكلات الفلسفية أوّلًا، والتأكيد في الوقت نفسه على أنّ أفكاره الميتافيزيقية في المدّة (1628-1629) أتاحت له أن ينجز مفهومًا عامًّا للمادّة بأنّها لا تمتلك سوى خاصّيات “هندسية”، أي: المقاس، والشكل، والموضع، والحركة.

وهنالك أيضًا اختلافات بين المحلّلين على الأولوية النسبية في المساعي الفلسفية الديكارتية للإپستيمولوجيا أو نظرية المعرفة بالمقارنة مع الميتافيزيقا أو الفلسفة الأولى. فإذا رجعنا لتطوّر رينيه ديكارت (بدءًا من القسم الأوّل في هذه المادّة الموسوعية) لوجدنا أنّه كان يهتمّ بالأسئلة الإپستيمولوجية والمنهجية أوّلًا، وبأنّ اهتماماته هذه جاءت أوّلًا في (القواعد)، ومنذ ذلك الحين عمل من أجل التأسيس لفلسفة طبيعية جديدة تقوم على أساس ميتافيزيقا جديدة. وبالنظر لما وصلنا من نصوصه التي كتبها في ثلاثينيات القرن السابع عشر، أي: كتاباه (العالم) و(الخطاب) وبعض المقالات، نرى أنّه حاجج على أساس تجريبي لصالح مبادئ عامّة لرؤيته الفيزيائية، بما في ذلك: مفهومه للمادّة؛ إذ حاجج من منظور تفسيري يعتمد الاقتصاد الشديد في التنظير. وفيما يتعلّق بهذا الاقتصاد أو التبسيط، أشار ديكارت إلى أنّ رؤيته التي أعاد فهمها للمادّة تجعلها متّصفة بالقليل من الخاصّيات الأساسية (خصوصًا: المقاس، والشكل، والموضع، والحركة)، وبنى تفسيراته على هذا الأساس. ولقد ادّعى ديكارت امتلاكه لنطاق تفسيري كبير بمحاججته بأنّ تفسيراته يمكنها أن تشمل كلّ الظاهرات الطبيعية، السماوية والأرضية، والعضوية واللاعضوية. لكنّ ديكارت ادّعى خلال ثلاثينيات القرن السابع عشر بأنّه يمتلك أيضًا رؤية ميتافيزيقية يمكنها تبرير المبادئ الأولى لرؤيته الفيزيائية، وهو ما قدّمه في نهاية المطاف ضمن (التأمّلات) و(المبادئ).

ويؤكدّ بعض الخبراء على الجوانب الإپستيمولوجية في نصوص رينيه ديكارت، بدءًا من (القواعد) وانتهاءً بـ(المبادئ). وعليه، فإنّ التغيير الرئيسي الذي حدث في مسار التطوّر الفكري لديكارت كان تقديم الحجج الشكوكية في (الخطاب) و(التأمّلات). ويعتقد الكثير من الخبراء بأنّ ديكارت أخذ الخطر الشكوكي على محمل الجدّ وسعى للتغلّب عليه في (التأمّلات)؛ وهو رأي ظهر بشكل رئيسي في أواخر القرن العشرين فيما كتبه ريچارد پوپكين (Popkin 1979). وفي مقابل ذلك، ضمن الخطّ التفسيري الرئيسي الذي لا زلنا نتّبعه في هذا الموضع، كانت الحجج الشكوكية أداة معرفية استخدمها ديكارت لتوجيه قارئ (التأمّلات) نحو الإطار المعرفي الصائب ليتمكّن ذهنه من فهم الحقائق الأولى للميتافيزيقا؛ وذلك لأنّ إنجاز معرفة مستقرّة لأمثال هذه الحقائق من شأنه أن يتمخّض عن نتائج جانبية منها: الحماية من الخطر الشكوكي.

ويمكن للقارئ الذي ينتابه الفضول بشأن هذه المسائل أن يطّلع على النصوص الديكارتية المعنية، جنبًا إلى جنب مع مراسلاته في المدّة ما بين النصف الثاني من ثلاثينيات القرن السابع عشر وأوائل الأربعينيات.

 

  1. ميتافيزيقا جديدة

قدّم رينيه ديكارت رؤيته الميتافيزيقية في (التأمّلات) أوّلًا، ثمّ صاغها بطريقة تناسب الأساليب التدريسية في (المبادئ). ولقد سعت رؤيته إلى الإجابة على هذه الأسئلة الفلسفية:

  • كيف يكتسب الذهن البشري المعرفة؟

  • ما هي علامة الحقيقة؟

  • ما هي الطبيعة الحقيقية للواقع؟

  • كيف تتّصل تجارب الإنسان بجسده ودماغه؟

  • هل يوجد إله خيّر؟ وإذا كان يوجد، فكيف لنا أن نوفّق بين وجوده وبين حقائق المرض والخطأ والأفعال اللاأخلاقية؟

 

  • 3. 1. كيف يكتسب الذهن البشري المعرفة؟

لم يكن رينيه ديكارت يشكّ مطلقًا في أنّ البشر يعرفون بعض الأشياء وأنّهم قادر على اكتشاف أشياء أخرى، بما فيها الحقائق الأساسية حول البنية الرئيسية للواقع (وذلك، على الأقلّ، وفقًا لأفكاره الميتافيزيقية في العام 1629). لكنّه كان يعتقد أيضًا بأنّ المناهج الفلسفية التي تدرّس في جامعات عصره، والتي استخدمها معظم معاصريه، كانت تعاني من خلل عميق؛ إذ كان ديكارت يعتقد بأنّ معتقدات الفلسفة الأرسطية السكولائية تحتوي على خطأ رئيسي فيما يخصّ نمط اكتساب الحقائق الأساسية (كحقائق الميتافيزيقا)؛ ولقد عبّر عن هذه الرؤية الخاطئة في التأمّل الأوّل، بقوله (وهو هنا لا يتكلّم عن نفسه، بل عن شخص مقدّم للقارئ): “كلّ ما يُعتبَر عندي حتّى الآن مقبولًا باعتباره الأكثر صوابًا هو ما اكتسبتُه من الحواسّ أو من خلالها” (7:18). ثمّ ينتقل للطعن في مصداقية الحواسّ بحجج شكوكية في (التأمّل الأوّل)، ومنها: حجج الأخطاء السابقة، وحجّة الحلم، وحجّة الإله المخادع أو المخادع الشرّير.

وفقًا للمخطّط الأرسطي الذي يعمل رينيه ديكارت ضدّه، تتأتّى المعرفة بأكملها من الحواسّ، على نحو يتوافق مع مقولة “ليس في العقل ما لم يكن في الحواسّ قبل ذلك” (7:75, 267). وعلى النحو ذاته، اتّفق الأرسطيون السكولائيون الأصوليون على أنّه “ليس هنالك فكرة بلا صورة”. ولقد فسّر ديكارت هذه المعتقدات بأنّها نتيجة لتحيّز طفولي (7:2, 17, 69, 107; Princ. I.71–3)؛ ففي عمر الطفولة تقود الحواسّ الإنسان بشكل طبيعي إلى جلب المنفعة ودفع الضرر الجسدي، وينتج عن ذلك أنّ الإنسان ينمو ليصبح فردًا بالغًا “منغمسًا” في تلبية ما يمليه الجسد والحواسّ، ولذلك تجده يقبل الرؤية الفلسفية التي تقول بأنّ الحواسّ هي أساس تعلّم الإنسان لطبيعة الواقع (7:38, 75, 82–3).

ولقد أنكر رينيه ديكارت أنّ الحواسّ تكشف طبيعة الجوهر؛ وكان يعتقد بأنّ ما يحصل في الحقيقة هو أنّ العقل البشري قادر على إدراك طبيعة الواقع من خلال إدراك عقلي محض؛ وهذا يعني أنّه للحصول على الحقائق الميتافيزيقية الأساسية لا بدّ من “سحب العقل عن الحواسّ” (7:4, 12, 14)، والتوجّه نحو أفكارنا الفطرية فيما يخصّ ماهيات الأشياء، بما فيها: ماهية الذهن والمادّة والكائن اللامتناهي (الإله). ولقد بنى ديكارت (التأمّلات) على نحو يؤمّن فيه عملية الانسحاب من الحواسّ في (التأمّل الأوّل)؛ ثمّ قدّم اكتشاف الحقيقة الأوّلية في (التأمّل الثاني) من خلال الكوگيتو (7:25)، والذي لخّصه في المواضع الأخرى من خلال الحجّة “أنا أفكّر، إذن أنا أكون” أو باللاتينية “(cogito, ergo sum)” (7:140). ويشير ديكارت إلى أنّ النتيجة الكوگيتوية لا يمكن معرفتها إلّا من خلال الحقيقة القائلة بأنّها نتيجة يدركها العقل “بوضوح وتمييز” (7:35)؛ ومن هنا ينطلق ديكارت ليقدّم الإدراك العقلي الواضح والمميّز، مستقلًا عن الحواسّ، باعتباره علامة للحقيقة (7:35, 62, 73).

وينتقل رينيه ديكارت بعدها للكشف عن نتائج الإدراك الواضح المميّز في (التأمّلات 3-6)؛ ولقد كرّر هذه النتائج وفصّلها في (المبادئ 1-2)؛ وستناولها نحن في الأقسام (3. 3 – 3. 5) من هذا المدخل. أمّا الآن فسنتفحّص ما اعتقده ديكارت بشأن الحواسّ باعتبارها مصادر للمعرفة تختلف عن العقل المحض.

يُشتهَر عن رينيه ديكارت تشكيكه بالحواسّ في (التأمّل الأوّل)، ولقد شدّد في (التأمّل) السادس على أنّ الحواسّ لم يكن المراد منها التزويد بالمعرفة حول “الطبيعة الماهوية” للأجسام الخارجية (7:83)؛ وعلى هذا الأساس، فإنّ موقفه في (التأمّلات) يختلف عن موقفه في (القواعد)، وذلك لأنّه سمح في (القواعد) أن تكون هنالك بعض “الطبائع البسيطة” المتعلّقة بالأجسام يمكن، ويجب، اعتبارها من خلال الصور التي تنقلها الحواسّ (10:383, 417)؛ أمّا في (التأمّلات) فاعتقد بأنّ ماهية المادّة يمكن فهمها من خلال الأفكار الفطرية، بشكل مستقلّ عن أيّة صورة حسّية (7:64–5, 72–3). وهو في موقفه هذا، وبالحدّ الذي ذكرناه، يتّفق مع التيّار الفلسفي الأفلاطوني، والذي استهان بقيمة المعرفة الحسّية واعتقد بأنّ الأمور التي يعرفها العقل تمتلك واقعًا أسمى من الأجسام التي تدركها الحواسّ؛ لكنّ ديكارت لم يكن أفلاطونيًا، وهذه نقطة سنعود إليها في موضع لاحق، وموقفه من الحواسّ في حقبة نضجه الفكري لم يكن ينظر إليها بنظرة الاستهانة الكاملة.

لقد أوكل رينيه ديكارت دورين اثنين للحواسّ في اكتساب المعرفة البشرية؛ فاعترف أوّلًا بأنّ الحواس تكفي في العادة لاكتشاف المنافع والأضرار فيما يخصّ الجسد، بل إنّه اعترف بأنّ وظيفتها الطبيعية هي “إطلاع الذهن على ما هو نافع أو ضارّ للمركّب الذي يشكّل الذهن جزءًا منه” (7:83)، وهذا المركّب يتكوّن من جزأين: الذهن والجسد. وبهذا الربط يتّفق ديكارت مع مفهوم وظيفة الحواسّ التي كانت النصوص التقليدية في الفلسفة الطبيعية تتشاركها على نطاق واسع، بما فيها: النصوص الأرسطية، والنصوص الطبّية المتعلّقة بالوظائف الطبيعية للحواسّ.

واعترف رينيه ديكارت، ثانيًا، بأنّ الحواسّ تؤدّي دورًا جوهريًا في الفلسفة الطبيعية. وقد كان في نصوصه التفسيرية الأولى قد ادّعى أحيانًا بأنّه قادر على اشتقاق كلّ معارف الفلسفة الطبيعية أو العلمية من العقل المحض، بشكل مستقلّ عن الحواسّ، لكنّه علم فيما بعد، كلّ العلم، بأنّه يعجز عن ذلك؛ فميّز بين المبادئ العامّة لرؤيته الفيزيائية وبين الآليات الأكثر خصوصية التي اقترحها لتفسير الظاهرات الطبيعية (كالمغناطيسية أو خاصّيات الزيت والماء)؛ وادّعى بأنّه قادر على اشتقاق المبادئ العامّة من “بذور محدّدة للحقيقة” تكمن بشكل فطري في الذهن (6:64)، ومنها: العقيدة الرئيسية التي تقول بأنّ جوهر المادّة هي الامتداد (Princ. II.3–4, IV.203). أمّا فيما يخصّ أيّ ظاهرة بعينها فلقد كان يتوجّب على ديكارت عمومًا أن يعتمد على الملاحظة لتحديد خاصّياتها (كخاصّيات المغناطيس، مثلًا)، ولقد اعترف بأنّ الفرضيات المتعدّدة حول الآليات اللامرئية يمكن بناؤها لتفسير هذه الظاهرات. ولذلك يجب على عالم الفلسفة الطبيعية أن يفحص الفرضيات المتعدّدة بعواقبها، وأن يأخذ في حسبانه الميزات التجريبية كالبساطة والنطاق (Disc. VI; Princ. IV.201–6). ويضاف إلى ما سبق أنّ ديكارت كان يعلم بأنّ بعض المشكلات تعتمد على قياسات لا يمكن إجراؤها إلّا بواسطة الحواسّ، بما في ذلك: قياس الشمس (7:80)، أو تحديد معاملات الانكسار للموادّ المختلفة (Met. VIII).

وعلى الرغم من أنّ رينيه ديكارت اعترف بدور مهمّ للحواسّ في الفلسفة الطبيعية، فلقد قام أيضًا بتحديد نطاق دور المعرفة القائمة على الحواسّ، وذلك إذا قارنَا عمله مع ما ورد في الإپستيمولوجيا الأرسطية؛ فوفقًا للعديد من أتباع الأرسطية السكولائية: إنّ المضمون العقلي بأكمله ينشأ من عملية للتجريد تبدأ من الصور الحسّية كما تقدّمها ملكة التخيّل. والأجسام الرياضية تتشكّل بالتجريد من هذه الصور. وحتّى الميتافيزيقا تعتمد على معرفة مشتقّة من الصور. ولا شكّ في أنّ العقل يؤدّي في هذا المخطّط الأرسطي دورًا مهمًّا لإدراك الأجسام الرياضية أو جوهر الأشياء الطبيعية من خلال التفكير بالصور. لكنّ ديكارت، وبخلاف ذلك، شدّد على أنّ حقائق الرياضيات والميتافيزيقا يدركها عقل يعمل بشكل مستقلّ عن الحواسّ ولا يحتاج لمساعدة ملكة التخيّل. ولقد سمّى ديكارت ممارسة الملكة العقلية بعيدًا عن الصور المستمدّة من الحواسّ: استخدام “العقل المحض”.

إن المعرفة، وفقًا لمخطّط رينيه ديكارت للملكات الذهنية، لا تنشأ من العقل وحده؛ فالعقل قد يقدّم مضمونًا ما على أنّه حقيقة، لكنّه لا يؤكّد هذه الحقيقة أو ينكرها، فهذه المهمّة موكلة للإرادة. فأيّة محاكمة عقلية، وهي بالتالي: مثال عن المعرفة (وإن كان كذلك بالافتراض على الأقلّ)، لا تنشأ في هذا المخطّط إلّا بعد أن تؤكّد الإرادة، أو تنفي، المضمون الذي يقدّمه العقل.

ويضاف إلى ما سبق أن المضمون المستمدّ من الملكة العقلية ليس بأكمله “محضًا”؛ فليس هنالك للذهن في المخطّط الديكارتي سوى قوّتين: العقل والإرادة (Med. IV, Princ. I.32–4). والعقل هو قوّة الإدراك أو التمثيل؛ وأفعال العقل المحض تحدث دون حاجة لأن تصاحبها عمليات دماغية، فهي إدراكات عقلية محضة، لكن هنالك أفعال عقلية أخرى تتطلّب وجود الجسد، هي: الإدراك الحسّي، والتخيّل، والذاكرة الجسدية؛ وهذه الأفعال العقلية أقلّ وضوحًا وتمييزًا بالمقارنة مع أفعال العقل المحض، وربّما تصل في بعض الحالات إلى حدّ الغموض والالتباس (كما هو الحال في الإحساس بالألوان). ومع ذلك، فإنّ الإرادة قد تؤكّد أو تنفي أمثال هذا المضمون. ويمكن للأخطاء أن تنشأ من هذه المحاكمات العقلية، كما سيتبيّن في القسم الفرعي التالي.

وخلاصة القول: فيما يخصّ جواب رينيه ديكارت على سؤال كيفية المعرفة يمكننا أن نميّز طبقات من المعرفة تختلف وفقًا لدرجة اليقينية المأمول تحقيقها. والمبادئ الميتافيزيقية الأولى، كما يعرفها العقل الذي يعمل بمفرده، ينبغي أن تحقّق اليقينية المطلقة. أمّا المعرفة العملية المتعلّقة بالمنافع والأضرار المباشرة فتعرفها الحواسّ؛ وهي معرفة تكون في العادة جيدة بما فيه الكفاية. وإنّ الأشياء التي تتعلّق بالفلسفة الطبيعية تُعرَف من خلال مزيج من العقل المحض والملاحظة الحسّية: فالعقل المحض يخبرنا بالخاصّيات التي قد تحملها الأجسام، والحواسّ نستخدمها لتحديد أيّ من حالات هذه الخاصّيات تمتلكها الأجسام المعنية. وعلى سبيل المثال: فيما يخصّ الجزيئات التي لا يمكن رؤيتها بالمجهر، يجب علينا أن نفكّر انطلاقًا من التأثيرات الملاحظة لننتقل إلى السبب المحتمل؛ وفي هذه الحالة وأمثالها ربّما تكون قياساتنا واستنتاجاتنا معرّضة للخطأ، لكنّنا نأمل بالتوصّل من خلالها إلى الحقيقة أيضًا.

 

  1. 3. 2. علامة الحقيقة

في بداية (التأمّل الثالث) يعلن رينيه ديكارت:

“يبدو أننّي أصبحت الآن قادرًا على أن أضع قاعدة عامّة تقول بأنّ كلّ ما أدركه بوضوح وتمييز شديدين هو حقيقي” (7:35).

فعلامة الحقيقة هي وضوح وتمييز الإدراك العقلي.

وفي المجموعة الخامسة من (الاعتراضات) التي سجّلها گاسيندي على (التأمّلات) يقول بأنّ هنالك صعوبة فيما يخصّ “تحديد المهارة أو المنهج الممكن الذي يسمح لنا باكتشاف أنّ فهمنا يبلغ من الوضوح والتمييز حدًّا يجعله حقيقيًا ويجعل ارتكابنا للخطأ فيه من المستحيلات. وكما كنت قد اعترضت منذ البداية، فإنّنا نتعرّض للخداع دائمًا حتّى وإن كنّا نظنّ بأنّنا نعرف أمرًا ما بالقدر نفسه من الوضوح والتمييز الذي نعرف به أيّ أمر آخر.” (7:318). وما يسأله گاسيندي فعلًا هو: كيف لنا أن نتعرّف الإدراك الواضح المتميّز؟ فإذا كان الوضوح والتمييز هما علامة الحقيقة، فما هو المنهج المتّبع للتعرّف على هذا الوضوح والتمييز؟

يجيب رينيه ديكارت على هذا السؤال بالادّعاء بأنّه قدّم هذا المنهج من قبل (7:379). فما الذي كان يعتمل في ذهن ديكارت؟ لا يمكن أن يكون الاعتقاد البسيط بأنّ الإنسان قد وصل إلى الإدراك الواضح المتميّز فعلًا، وذلك لأنّه يعترف بأنّ الأفراد قد يخطئون في اعتقادهم بذلك (7:35, 361). لكنّ ديكارت يقدّم فعلًا المعيار المطلوب؛ فهو يرى بأنّنا نمتلك الفهم الواضح المتميّز لأمر ما إذا كنّا لا نشكّ به حين التفكير فيه (7:145). وهذا يعني أنّ الإدراك الواضح المتميّز الأصيل يكون تأكيدنا له ثابتًا لا يتزحزح، حتّى في وجه الجهود المدبّرة للتشكيك بما جزم به هذا الإدراك.

ولقد أشرنا فيما سبق (الفقرة 3. 1.) إلى أنّ رينيه ديكارت كان يعتقد بأنّ أيّ فعل للمحاكمة العقلية، كالجزم في عبارة (أنا أفكّر، إذن أنا أكون) يتضمّن العقل والإرادة كليهما؛ فالعقل يدرك أو يمثّل مضمون المحاكمة العقلية، والإرادة تؤكّد أو تنفي ذلك المضمون. وفيما يخصّ الوضوح والتمييز الأصيل فإنّ “النور العظيم في العقل” يتبعه “ميل عظيم في الإرادة” (7:59). ويكون ميل الإرادة قويًا إلى الحدّ الذي يحوّله إلى إلزام، فلا يمكننا بعدها إلّا أن نؤكّد على الإدراك. وهنا يكون المعيار الذي يقدّمه ديكارت هو: الاعتقاد الراسخ. وهنا يبرز السؤال: ألا يمكن للمرء أن يحمل اعتقادًا راسخًا لا يتزحزح دون أن يكون لذلك سبب سوى العناد؟ لا شكّ في ذلك، لكن ما يتكلّم عنه ديكارت هو الاعتقاد الذي يبقى راسخًا في وجه التحدّيات الجدّية التي جرى التفكير بها جيّدًا (7:22). والمناعة ضدّ الشكّ لا تعني مجرّد الامتناع عن الشكّ بالقضايا، أو حتّى مقاومة المحاولات العرضية للشكّ؛ فالمعيار الحقيقي للحقيقة هو أن يصل وضوح إدراك مضمون القضية إلى حدّ يجعل الإرادة منجذبة إليه على نحو لا يتزحزح فيه تأكيدها له حتّى في وجه الشكوك المنهجية المستدامة الواردة في (التأمّلات). ويشير ديكارت إلى أنّ هذا الشك يجب أن يجري مرّة واحدة فقط خلال عمر الإنسان (7:18; 3:695)، وربّما يعود السبب في ذلك إلى أنّ عملية إنجاز معرفة الحقائق الأساسية تتطلّب شكًّا منهجيًا مستدامًا.

لكنّ المشكلات لا تزول بوجود هذا المعيار؛ فما إن خلص رينيه ديكارت في (التأمّل الثالث) إلى أنّ معيار الحقيقة هو الوضوح والتمييز، حتّى بدأ بمساءلة هذا المعيار، فأعاد تقديم عنصر للشكّ الجذري من (التأمّل الأوّل)، وهو: قد يكون هنالك إله قدير قد خلقه بـ”طبيعة تجعله ينخدع حتّى في الأمور التي تبدو بأوضح ما يكون” (7:36)؛ ولذلك يطلق ديكارت تحقيقًا حول “ما إذا كان هنالك إله، وإذا كان فهل يمكنه أن يكون مخادعًا” (7:36).

ولقد عمل رينيه ديكارت في (التأمّل الثالث) على إنشاء حجّة تثبت وجود الإله تبدأ من حقيقة امتلاكه فكرة عن كائن لامتناهٍ؛ وكانت حجّته معقّدة، ولجأ فيها إلى المبدأ الميتافزيقي القائل “لا بدّ أن يكون هنالك على الأقلّ من الواقع في العلّة الفاعلة المجملة مقداره في فعل تلك العلّة” (7:40)؛ وهذا المبدأ يُطرَح على أنّه “يظهر بالنور الطبيعي” (7:40)، وهو ما يصفه بأنّه القوّة الإدراكية التي لا يطال الشكّ نتائجها (7:38)، كما هو حال الإدراك الواضح المتميّز (7:144). ثمّ يقوم ديكارت بعدها بتطبيق ذلك المبدأ، لا على مجرّد وجود فكرة الإله باعتبارها حالة ذهنية، بل على مضمون هذه الفكرة؛ فيصفها بخاصّية اللاتناهي، ثم يحاجج بأنّ المضمون الذي يمثّل اللاتناهي يتطلّب كائنًا لامتناهيًا كعلّة له؛ ولذلك يستنتج ديكارت بأنّ الكائن اللامتناهي، أو الإله، لا بد أن يوجد. وبعدها يقوم ديكارت بالمساواة بين الكائن اللامتناهي والكائن الكامل ويسأل عما إذا كان الكائن الكامل يمكن له أن يكون مخادعًا، فيخلص إلى النتيجة التالية: “ممّا تقدّم يتّضح لنا بما فيه الكفاية أنّه لا يمكن له أن يكون مخادعًا، لأنه يظهر من النور الطبيعي أنّ كل احتيال وخداع يعتمد على نقص ما” (7:52).

وفي المجموعتين الثانية والرابعة من الاعتراضات يلفت آرنولد الانتباه إلى الخصائص الإشكالية لهذه الحجّة، فيقول: “ثمّة أمر آخر يبعث على القلق، وهو: كيف يمكن للكاتب أن يتجنّب (البرهان الدائري) عندما يقول بأنّنا واثقون بأنّ ما ندركه بوضوح وتمييز هو حقيقي لا لشيء سوى أنّ الإله موجود؟ لكنّنا لا نستطيع الوثوق بوجود الإله إلّا من خلال إدراكنا لوجوده على نحو واضح ومميّز؛ ولهذا يجب علينا قبل الوثوق بوجود الإله أن نكون واثقين بأنّ ما ندركه بوضوح وتمييز هو حقيقي” (7:214). وهنا يسلّط آرنولد الضوء على المشكلة الشهيرة بالدائرة الديكارتية، والتي نالت الكثير من النقاشات في السنوات الأخيرة.

وردّ رينيه ديكارت على آرنولد بادّعائه بأنّه تحاشى هذه المشكلة من خلال التمييز بين الإدراك الحاضر الواضح والمميّز وبين الإدراك الذي ليس سوى ذكريات (7:246)؛ وهو لا يتحدّى هنا موثوقية الذاكرة (Frankfurt 1962)، وإنّما يتّبع استراتيجية يقترح فيها أن فرضيّة (الإله المخادع) لا يمكن أن تبرز إلّا عندما لا نتمكّن من الإدراك الواضح والمميّز لما يتّصف به الإله من اللاتناهي والكمال، لأنّ هذا الإدراك يقود المرء حتمًا إلى الاعتقاد بأنّ الإله ليس مخادعًا. وهنا يبدو الأمر وكأنّ ديكارت يضع هذا الإدراك الواضح المميّز في كفّة، ويضع الرأي اللايقيني بإمكانية أن يكون الإله مخادعًا في الكفّة الأخرى (7:144)؛ لتفوز كفّة الإدراك الواضح المميّز ويزول الشكّ.

لقد ردّ رينيه ديكارت بصراحة على تهمة البرهان الدائري بالطريقة السابقة، لكنّ هذا الردّ أثار بعض الجدل بين العلماء منذ ذلك الحين، فهنالك من رأى بأنّه لم يكن ردًّا كافيًا، صاغ البعض منهم ردودًا أخرى تؤيّد حجّة ديكارت، ومنهم من وجد الردّ مضمّنا في مواضع مختلفة من النصّ. ومن أنواع هذه الردود ما لجأ إلى التمييز بين النور الطبيعي وبين الإدراك الواضح والمميّز، وسعى لإثبات النور الطبيعي دون اللجوء إلى فكرة الإله (Jacquette 1996)؛ ومنها ما يقترح بأنّ ديكارت لم يكن يسعى، في نهاية المطاف، ليقين ميتافيزيقي يتعلّق بعالم مستقلّ عن الذهن، وإنّما كان يسعى فحسب إلى مجموعة من الاعتقادات منسجمة داخليًا (Frankfurt 1965)؛ ومنها ما اقترح بأنّ ديكارت كان يسعى إلى يقين نفساني محض (Loeb 1992). ويمكن للقارئ المهتمّ أن يتابع هذه المسألة بالاطّلاع على المراجع التي ذكرناها (مضافًا إليها: Carriero 2008, Doney 1987, and Hatfield 2006).

إنّ استناد رينيه ديكارت على الادّعاء بأنّ الإدراك الواضح المميّز هو إدراك حقيقي كان يهدف من ورائه إلى تأسيس نتائج متنوّعة فيما يتعلّق بطبيعة الواقع، بما في ذلك: وجود إله كامل بالإضافة لطبيعتي الذهن والمادّة (وهو ما سنتطرّق له في القسم الفرعي القادم). وهنا يجب أن نسأل: ما الذي يمكّن الذهن البشري من إدراك طبيعة الواقع؟ ويقدّم ديكارت جوابًا محدّدًا لهذا السؤال: إنّ الذهن البشري يأتي مجهّزًا بأفكار فطرية تتيح له إدراك الخاصّيات الرئيسية للإله (اللاتناهي والكمال)، وماهية المادّة، وماهية العقل. وكان من الطبيعي أن يستثير هذا الادّعاء سؤالًا آخر لدى القارئ في عصر ديكارت: إذا افترضنا أنّ هذه الأفكار الفطرية تتعلّق بـ”الحقائق السرمدية” حول الإله والمادّة والذهن، فهل توجد هذه الحقائق بشكل مستقلّ عن الإله، أم إنّها تعكس مضمون عقل الإله نفسه؟

إن رينيه ديكارت يرفض البديلين كليهما؛ فهو ينكر، ومعه الكثير من معاصريه، أنّ هنالك حقائق سرمدية مستقلّة عن وجود الإله، لكنّه ينكر أيضًا تثبيتها في عقل الإله. ولقد كان بعض فلاسفة الإفلاطونية المحدثة يعتقدون بأنّ الحقائق السرمدية في الذهن البشري ليست سوى نسخ للنموذج الأصلي في عقل الإله. كذلك كان بعض الفلاسفة الأرسطيين، السابقين لديكارت من أمثال فرانسيسكو سواريز (1548-1617)، يعتقدون بأنّ الحقائق السرمدية تعكس الفهم الخاص للإله لقدرة الخلق عنده؛ وهذه القدرة تتضمّن أنّه إذا خلق الإله أرنبًا فلا بدّ أنّ الأرنب حيوان. وإنّ الحقائق السرمدية كامنة في قدرة الخلق عند الإله، وهو يفهم هذا، ولذلك فإذا فهم البشر الحقائق السرمدية على أنّها سرمدية، فإنّهم يتوصّلون إلى هذا الفهم من خلال فهم قدرة الخلق عند الإله (Hatfield 1993).

أمّا رينيه ديكارت فكان له تفسير مختلف؛ إذ كان يعتقد بأنّ الحقائق السرمدية هي ما خلقه الإله بحرية (1:145, 149, 151; 7:380, 432)، ووهي تنشأ منه على نحو لا تمييز فيه بين قدرة الإله وإرادته وذهنه؛ فالإله يقرّر ماهية الدائرة، أو أنّ (2+3) تساوي (5). وربّما يكون قد خلق ماهيات أخرى، لكنّنا عاجزون عن إدراك ما قد تكون عليه، فقابليتنا المفاهيمية محدودة بالأفكار الفطرية التي غرسها الإله فينا، وهي تعكس الحقائق الفعلية التي خلقها. لقد خلق الإله الحقائق السرمدية (التي تتعلّق بالمنطق والرياضيات وطبيعة الخير وماهية الذهن والمادّة)، وخلق الذهن البشري وزوّده بالأفكار الفطرية التي تنسجم مع تلك الحقائق. ومع ذلك، لا بدّ أن يكون هنالك حقائق سرمدية خلقها الإله ويخلو منها حتّى هذا المخطّط، أي: ما يتّصل منها بماهية الإله نفسه، وبما في ذلك: وجود الإله وكماله (راجع: Wells 1982).

 

  1. 3. طبيعة الواقع

يكشف رينيه ديكارت رؤيته الأنطولوجية ضمنيًا في (التأمّلات)، وبشكل أكثر رسمية في (الردود)، وبصيغة المناهج الدراسية في (المبادئ). وهو يرى بأنّ النتائج الميتافيزيقية الرئيسية التي تصف طبيعة الواقع تشدّد على وجود ثلاثة جواهر، وكلّ منها يختصّ بماهية. والجوهر الأوّل الرئيسي هو (الإله)، وماهيته (الكمال)؛ بل إنّ الإله هو الجوهر الحقيقي الوحيد، أي: الكائن الوحيد القادر على الوجود بذاته؛ والجوهران الآخران (الذهن والمادّة) خلقهما الإله ولا يمكنهما الوجود إلّا من خلال عمله المتواصل على صونهما والمحافظة عليهما، أو ما يدعى “التوافق” الإلهي.

ويلجأ رينيه ديكارت في تأسيسه لماهيات هذه الجواهر إلى حجج تستند بشكل مباشر إلى إدراكه الواضح والمميّز لهذه الماهيات؛ فماهية المادّة هي الامتداد في الطول والعرض والعمق، وقد يتحدّث البعض عن “الامتداد المكاني”، لكنّ هذه العبارة لا تُقبَل إلّا بالشرط التالي: إنكار ديكارت لوجود المكان منفصلًا عن المادّة؛ فالمادّة الديكارتية لا تملأ حاوية مكانية محدّدة، بل إنّ الامتداد المكاني يتشكّل بتوسّع المادّة (فليس هنالك فراغ، أو فضاء غير مملوء). وهذا الجوهر الممتدّ يمتلك “الأوضاع” الإضافية: الحجم، والشكل، والموضع، والحركة. و(الأوضاع) هي الصفات التي لا توجد إلّا كتعديلات للمحمولات الماهوية (الرئيسية) والمحمولات العامّة لجوهر ما. وللمادّة، بالإضافة لماهيتها، محمولان عامّان هما الوجود والاستمرارية؛ فلكلّ جزء من المادّة استمراريات كأوضاع خاصّة. وكلّ أوضاع المادّة، بما فيها: الحجم والشكل والموضع والحركة، لا يمكنها أن توجد إلّا كتعديلات لجوهر ممتدّ.

وماهية الذهن هو (الفكر)؛ ويمتلك الذهن، بالإضافة للوجود والاستمرارية، قدرتان أو ملكتان رئيسيتان أشرنا إليهما سابقًا، وهما: العقل والإرادة. والقدرة العقلية (أو: الإدراكية) تنقسم بدورها إلى أوضاع ثلاثة: العقل المحض، والتخيّل، والإدراك الحسّي. والعقل المحض يعمل بشكل مستقلّ عن الدماغ أو الجسد؛ والتخيّل والإدراك الحسّي يعتمد على الجسد في عمله (كما هو حال الذاكرة الجسدية). والإرادة تنقسم كذلك إلى أوضاع متنوّعة، منها: الرغبة، والنفور، والتشديد، والإنكار، والشكّ؛ وهذه أوضاع يتطلّب عملها الاعتماد على بعض المحتوى العقلي (مهما كان محضًا أو تخيّلًا أو حسّيًا). وربّما هذا هو السبب الذي جعل ديكارت يصف الذهن بأنّه “جوهر عقلي” (7:78; وأيضًا في 7:12). ويبدو أنّه كان يعتقد بأنّ الذهن في الأساس يمتلك إرادة، لكنّ القدرة العقلية (أو: الإدراكية، أو التمثيلية) هي أكثر أساسية، لأنّ الإرادة تعتمد عليها في عملها.

ما الدور الذي يؤدّيه الوعي في النظرية الذهنية الديكارتية؟ يعتقد الكثير من الباحثين بأنّ رينيه ديكارت يرى بأنّ الوعي هو الخاصّية المعرّفة للذهن (مثلًا: Rozemond 2006). وهنالك شيء من الدعم لهذا الموقف في (الردود الثانية)، حيث يعرّف ديكارت الذهن باعتباره “الجوهر الذي يسكنه الفكر على الفور” (7:161)؛ وهو يقول عن مصطلح (الفكر) بأنّه يمتدّ إلى “كلّ ما هو فينا على نحو نكون واعين به على الفور” (7:160*). وإذا كان الذهن هو جوهر مفكّر، والأفكار واعية في أساسها، فهل يمكن القول بأنّ الوعي هو ماهية الفكر؟

إنّ رينيه ديكارت يعتقد فعلًا بأنّ كلّ الأفكار واعية على نحو ما (7:226)؛ لكنّه لم يكن يعني بهذا أنّ لدينا وعيًا تفكّريًا بكلّ فكرة من أفكارنا وأنّنا قادرون على تذكّرها (5:220). وفي (التأمّل الثاني) وصف نفسه بأنّه شيء مفكّر من خلال تعداد كلّ أوضاع الأفكار التي يعيها: الفهم (أو العقل)، والإرادة، والتخيّل، يضاف إليها (الإدراكات الحسّية) التي يبدو أنّه يمتلكها في هذه المرحلة (7:28). وإذا كان الإدراك (العقل، التمثيل) هو ماهية الفكر، فإنّ كلّ الأفكار ربّما تكون واعية على نحو أساسي، وذلك لأنّ طبع الجوهر يقتضي أن يقوم بالتمثيل، وكلّ تمثيل حاضر بجوهر عقلي هو واعٍ بالتالي. وعلى نحو مشابه، كلّ فعل للإرادة حاضر في جوهر عاقل متاح للوعي أيضًا، وذلك لأنّ من ماهية أيّ جوهر مماثل أن يعي حالاته الخاصّة به (11:343). وعليه، فإنّ الإدراك أو التمثيل هو ماهية الذهن، والوعي يليه كنتيجة لكون الذهن جوهرًا ممثِّلًا.

ومهما يكن التمييز بين الأفكار التي نمتلكها بواسطة الوعي والأفكار التي نعيها بواسطة التفكير، فإنّ رينيه ديكارت خصّص مساحة للأفكار الواعية التي لا نلاحظها أو لا نتذكّرها؛ فكما هو الحال في نظريته حول الحواسّ (القسم الخامس من هذه المادّة الموسوعية)، يسمح ديكارت لهذا المجال أن يضمّ الإحساسات غير الملحوظة والعمليات الذهنية غير الملحوظة.

 

  1. 4. العلاقة بين الذهن والجسد

يقدّم رينيه ديكارت في (الخطاب) الحجّة التالية في إثبات أنّ الذهن والجسد جوهران متمايزان:

“وبعد ذلك تفحّصت بتيقّظ ما كنت عليه، فوجدتُ أنّه بينما يمكنني التظاهر بأنّه ليس لي جسد وأنّه ليس هنالك عالم ولا مكان أوجد فيه، لا يمكنني التظاهر مع ذلك كلّه بأنّني لست موجودًا؛ بل إنّني وجدتُ، على العكس من ذلك، بأنّ مجرّد تفكيري بالتشكيك بحقيقة الأشياء الأخرى يستلزم بشكل واضح ومؤكّد تمامًا أنّني موجود؛ فلو كنت توقّفت عن التفكير وحسب لما كان هنالك أيّ سبب يدعو للاعتقاد بأنّني موجود، حتّى لو كان كلّ شيء تخيّلته حقيقيًا. ومن هنا علمت أنّني جوهر تتلخّص ماهيته أو طبيعته بأكملها في التفكير، وهو جوهر لا يحتاج وجوده إلى أيّ مكان ولا يعتمد على أيّ شيء مادّي” (6:32–3).

وهذه الحجّة تنطلق من حقيقة مفادها أنّه يستطيع التشكيك في وجود العالم المادّي، لكنّه لا يستطيع التشكيك في وجوده هو باعتباره شيئًا مفكّرًا، ليصل إلى نتيجة تقول بأنّ أفكاره تعود لجوهر لامكاني متمايز عن المادّة.

إن هذه الحجّة تنطوي على مغالطة، فهي تعتمد على إمكانية التصوّر بناءً على الجهل، إذ لم يورد رينيه ديكارت في حجّته أيّ شيء يزيح إمكانية أن يكون هو، باعتباره شيئًا مفكّرًا، في حقيقته منظومة مادّية مركّبة، بل اكتفى بمجرّد الاعتماد على حقيقة تمكّنه من التشكيك في وجود المادّة ليستنتج أنّ المادّة متمايزة عن الذهن. ومن الواضح أنّ هذه الحجّة غير حاسمة؛ فإذا استندنا إلى أنّ المهرّج لا يمكنه التشكيك بوجود الرجل الوطواط في لحظة ما (عندما يكون معه مثلًا)، لكنّه يستطيع التشكيك بوجود بروس وين (لأنّه ربّما يكون قد قُتِل على يد أحد أتباعه على حدّ علمه)، فلا يستلزم هذا القول بأنّ بروس وين ليس الرجل الوطواط؛ والحقيقة تقول بأنّ بروس وين هو الرجل الوطواط، وأنّ المهرّج جاهل بهذه الحقيقة وحسب.

ولقد غيّر رينيه ديكارت في (التأمّلات) من بنية هذه الحجّة؛ فأثبت في (التأمّل الثاني) أنّه لم يتمكّن من التشكيك بوجوده هو باعتباره شيئًا مفكّرًا، لكنّه تمكّن من التشكيك بوجود المادّة. لكنّه رفض صراحةً أن يستخدم هذا الوضع للاستنتاج بأنّ ذهنه متمايز عن الجسد، وذلك انطلاقًا من أنّه لا يزال جاهلًا بطبيعته (7:27). ثمّ نجد ديكارت في (التأمّل السادس)، وبعد أن أثبت علامة الحقيقة على النحو الذي يناسبه، يستخدم هذه العلامة لتصميم حجّة أكيدة تدعم القول بأنّ ماهية الذهن هي الفكر وأنّ الشيء المفكّر غير ممتدّ، وأنّ جوهر المادّة هو الامتداد وأنّ الأشياء الممتدّة لا يمكنها التفكير (7:78). واستند في هذه الحجّة إلى الإدراكات العقلية الواضحة والمميّزة لماهيتي الذهن والمادّة، وليس على حقيقة تمكّنه من التشكيك بوجود أحدهما أو كليهما.

إنّ هذا الاستنتاج الوارد في (التأمّل السادس) يشدّد على ثنائية الجوهر الديكارتية المعروفة؛ وهي ثنائية تقود إلى عدد من المشكلات، ومنها ما ورد في سؤال طرحته الأميرة إليزابث: إذا كان الذهن غير ممتدّ والمادّة ممتدّة فكيف يتفاعلان؟ وهي مشكلة لم تحيّر رينيه ديكارت وحده، والذي اعترف للأميرة بأنّه لا يمتلك جوابًا مناسبًا (3:694)، بل حيّرت أيضًا أتباع ديكارت وغيرهم من الميتافيزيقيين. إذ يبدو، وعلى نحو ما، بأنّ حالتي الذهن والجسد لا بدّ أن تكون بينهما علاقة ما، لأنّنا عندما نقرّر التقاط القلم فإنّ ذراعنا تتحرّك فعلًا، وعندما يصيب الضوء أعيننا نجرّب العالم المرئي؛ لكن كيف يجري التفاعل بين الذهن والجسد؟ لقد تبنّى بعض أتباع ديكارت موقفًا مناسباتيًا (occasionalist) يرى بأنّ الإله يتوسّط بالعلاقات السببية بين الذهن والجسد؛ فالذهن لا يؤثّر على الجسد، والجسد لا يؤثّر على الذهن، لكنّ الإله يعطي الذهن الإحساسات المناسبة في الوقت الصحيح، وهو يجعل الجسد يتحرّك من خلال وضعه بالحالات الدماغية في اللحظة التي تتطابق مع إرادة التقاط القلم. وثمّة فلاسفة آخرون تبنّى حلولًا مغايرة، بما فيها: الواحدية عند سپينوزا، والانسجام المؤسّس مسبقًا عند لايبنيتس.

ولم يركّز رينيه ديكارت في (التأمّلات) و(المبادئ) على السؤال الميتافيزيقي حول كيفية التفاعل بين الذهن والجسد؛ بل ناقش الدور الوظيفي لاتّحاد الذهن-الجسد في تدابير الحياة. فما يحدث على أرض الواقع هو أنّ إحساساتنا تخدمنا بشكل جيّد في دفع الضرر وجلب المنفعة؛ فالإحساس بالألم يحذّرنا من الإصابات الجسدية، واللذّة تقودنا إلى الاقتراب من الأشياء التي تنفعنا (في العادة). ويضاف إلى ذلك أنّ الإحساسات القادمة من الحواسّ يمكن الاعتماد عليها إلى الحدّ الكافي لملاحظة ما نحتاج إلى ملاحظته، وتمكّننا من استكشاف الأمكنة أثناء التحرّك فيها؛ ولقد كان ديكارت يرى بأنّ “الإله أو الطبيعة” وضع هذه العلاقات لمصلحتنا. لكنّ هذه الإحساسات غير كاملة، ففي بعض الأحيان تقدّم لنا الحواس الأشياء على هيأة تختلف عما هي عليه في الحقيقة، وأحيانًا نقوم بالحكم على أشياء محسوسة تقع خارج نطاق الاستخدام المناسب للحواسّ.

 

  1. 5. الإله والخطأ

اقترح رينيه ديكارت عند مناقشته لعلامة الحقيقة أنّ العقل البشري يمكن الاعتماد عليه عمومًا لأنّ الإله هو من خلقه. وفي مناقشته لعمل الحواسّ في المحافظة على الجسد وحمايته، شرح ديكارت أنّ الإله قد رتّب قواعد التفاعل الذهني-الجسدي على نحو يؤدّي إلى إنتاج إحساسات تصبّ عمومًا في صالح الجسد. ومع ذلك فإنّ الأخطاء تحدث في كلّ الحالات؛ ففي العديد من الظروف قد تكون أحكامنا العقلية خاطئة (كثيرًا ما يحدث هذا الأمر فيما يخصّ الأشياء المحسوسة)، وذلك على نحو مطابق لما يحدث على نطاق أوسع من اتّخاذ الإنسان لخيارات أخلاقية متدنّية، حتّى وإن كان الإله قد أعطاه إرادة تنجذب بجوهرها للخير (1:366, 5:159, Princ. I.42). ويضاف إلى ما سبق أنّ إدراكاتنا الحسّية ربّما تمثّل الأشياء على نحو تبدو فيه على هيأةٍ ما تجافي حقيقة الأمر؛ إذ نحسّ بالأم أحيانًا بسبب إصابة في موضع ما من أحد الأعصاب، دون أن تكون هنالك إصابة في النسيج الذي نحسّ بالألم فيه، كما أنّ من قُطِعت أصابعه قد يحسّ بأنّها تؤلمه مع أنّه لا يملك أيّ إصبع في الحقيقة (Princ. IV.196).

ولقد ردّ رينيه ديكارت على هذه المشكلات بشكل مختلف؛ فشرح أنّ الأخطاء الإدراكية والأخلاقية تنتج من حرّية الإنسان، إذ أعطى الإله الإرادة للإنسان، والإرادة تتّصف بالحرّية بجوهرها، وعلى هذا الأساس ليس هنالك فرق في درجة الحرّية بين الإله والإنسان، لكنّ الإنسان ذو قدرات عقلية محدودة. وبما أنّ الإنسان يتّصف بالحرية، فيمكنه أن يختار إصدار حكم في الأوضاع الإدراكية أو الأخلاقية التي لا يمتلك عنها إدراكًا حسّيًا واضحًا مميّزًا بشأن ما هو صائب أو صالح. ولو حصر الإنسان أفعاله الإرادية ضمن الحالات التي يمتلك عنها إدراكًا حسّيًا واضحًا مميّزًا لما كان معرّضًا للخطأ قطّ؛ لكنّ تقلّبات الحياة ربّما تتطلّب إصداره لأحكام في ظروف غير مثالية، أو عند افتقاره لإدراك حسّي واضح، فيقع الخطأ في كلتا الحالتين.

وتختلف الأمور عندما يخصّ الأمر أخطاء التمثيلات الحسّية، فالحواسّ تعتمد على الوسط وأعضاء الحسّ والأعصاب التي يتوجّب عليها أن تمتدّ من محيط الجسد إلى الدماغ. ولقد صمّم الإله العلاقة الذهنية-الجسدية على نحو تكون فيه إحساساتنا مرشدًا جيّدًا في معظم الظروف؛ لكنّ الوسط قد يكون على حال سيّئة (شدّة الضوء غير مناسبة، مثلًا)، والظروف غير معتادة (العصا التي تغمس في كأس من الماء تبدو وكأّنها قد انحنت)، والأعصاب متضرّرة (كما هو الحال عند من بُتِرت أطرافهم)؛ ففي هذه الحالات ترسل الحواس تقارير لا تصل إلى المستوى الأمثل، وبما أنّ الإله هو من أعدّ منظومة الاتّحاد الذهني-الجسدي، يبرز السؤال: ألا يجدر تحميل الإله مسؤولية ارتكاب الحواسّ للخطأ عند تمثيلها لحقيقة الأشياء؟ وهنا لا يلجأ رينيه ديكارت لحرّية الإنسان بعدم الاعتناء بما تنقله الحواسّ، وذلك لأنّ واقع الحياة يشير إلى أنّنا نُجبَر كثيرًا خلال مسيرة حياتنا على استخدام الحواسّ في ظروف إدراكية لا تصل إلى المستوى الأمثل، بل يشير ديكارت عوضًا عن ذلك إلى أنّ التصميم الإلهي أخذ بالحسبان الآليات المحدودة للجسد البشري (7:88)، وأنّ الإله فعل أفضل ما يمكن فعله بالنظر لنوع الأجزاء اللازمة لبناء مثل هذه الآلة (أجزاء ممتدّة قد تتعطّل أو تتشوّش على نحو استثنائي).

وفي الحقيقة، إنّ التمييز بين هذين النمطين من الأخطاء، أي: الأخطاء الإدراكية وأخطاء التمثيل الحسّي، لا يرد في كتابات رينيه ديكارت على نحو لا لبس فيه؛ ففي حالة بتر الإصبع: ينشأ ألم يبدو أنّه قادم من إصبع غير موجود، وهي حالة يبدو أنّها مثال واضح عن خطأ التمثيل الحسّي، فالمحتوى التمثيلي (تضرّر الإصبع) لا يطابق الواقع على الأرض. وكذلك الأمر في حالة العصا المغموسة في الماء، وفي أمثال هذه الحالة يحدث خطأ التمثيل الحسّي بشكل واضح، وذلك حتّى لو استخدمنا عقولنا لتفسير الوهم أو التمثيل الحسّي الخاطئ من أجل تجنّب الخطأ، وذلك من خلال الإحجام عن إصدار حكم عقلي أو حتّى إصدار حكم عقلي صائب (7:438).

ومع ذلك، نجد رينيه ديكارت في حالات أخرى يصف الحواسّ بأنّها تقدّم مادّة الخطأ، ولكن يبقى من غير المؤكّد ما إذا كان ديكارت يماثل هذا الخطأ مع ما أطلق عليه (الخطأ الإدراكي) أو (التمثيل الحسّي الخاطئ)؛ ففي (التأمّل الثالث) يصف ديكارت الإحساسات اللونية وغيرها من الإحساسات التي تدعى “الكيفيات الثانوية” بأنّها “خاطئة مادّيًا”. ولقد وجد الخبراء صعوبة في تفسير فكرة (الزيف المادّي)، ويكمن جزء من الصعوبة في أنّ مناقشة ديكارت له في (التأمّل الثالث) تبدو وكأنّها تقدّم إمكانيتين اثنتين، ويكمن جزء آخر في أنّ مناقشته المطوّلة لهذه المسألة في (الأجوبة الرابعة)، ردًّا على اعتراضات آرنولد، تتّصف بالتعقيد ويبدو عليها التناقض.

ففي (التأمّل الثالث) يبدأ رينيه ديكارت بتعريف الزيف المادّي على أنّه أمر “يقع في الأفكار عندما تمثّل اللاأشياء باعتبارها أشياء” (7:43). ويقدّم (فكرة البرد) مثالًا على ذلك، إذ تمثّل الحواس البرد على أنّه كيفية أكيدة للأشياء، لكنّ ديكارت يطرح إمكانية ألا يكون البرد نفسه سوى غياب للحرارة، ولذلك فهو ليس كيفية قائمة بنفسها. وعليه، تجب مماثلة هذه الحالة مع خطأ التمثيل الحسّي، أي: تمثيل الأشياء على نحو ليست عليه (تمثيل البرد على أنّه كيفية بينما هو فقدان لكيفية). إذن، الزيف المادّي مسألة تتعلّق بزيف التمثيل وفقًا لما سبق.

لكنّ رينيه ديكارت يضيف أيضًا مظهرًا خادعًا على غموض الأفكار الحواسّية، إذ يسمح بأن تكون أمثال هذه الأفكار “صائبة” من ناحية تمثيلها لأمر أكيد في الأشياء، ويشترط لذلك أن يأتي التمثيل على نحو

“يكون فيه الواقع الذي تمثّله على مستوى شديد الضآلة بحيث لا يمكنني تمييزه عن اللاشيء” (7:44).

وعليه، فإنّ الأفكار الحواسّية ليست تمثيلًا خاطئًا، بل هي، وبكلّ بساطة، بلغت حدًّا من الغموض والتشويش لا يمكننا معه أن نحدّد ما يكون عليه محتواها التمثيلي من خلال التفكير بطبيعتها المجرّبة، كما هو الحال في الطبيعة الظاهراتية للبرودة أو اللون (نحن بحاجة للميتافيزيقا والفلسفة الطبيعية كي تخبرنا بما تمثّله الإحساسات اللونية على نحو غامض: كيفيات لسطوح أجسام تعكس الضوء على نحو ما؛ راجع القسم الخامس). وفي هذه الحالة، لن يصل “الزيف المادّي” إلى حد التمثيل الخاطئ، بل يصل إلى حدّ تمثيل يتفاقم فيه الغموض إلى درجةٍ تفتح المجال للخطأ في المحاكمة العقلية، كما هو الحال فيما يدعى بـ”أطروحة التماثل”، أي: القول بأنّ كيفيات الأجسام تماثل إحساساتنا عنها. وفي هذا التفسير يقول ديكارت بأنّ أطروحة التماثل لا تنشأ بسبب خطأ في التمثيل ترتكبه الأفكار الحواسّية عن البرودة أو اللون ضدّ كيفيات الأجسام، بل تنشأ من ارتكابنا لخطأ إدراكي ينبثق من أحكام مسبقة تشكّلت إبّان الطفولة (كما أشرنا في القسم 3. 1.، وكما ناقشها ديكارت بشكل أشمل في Princ. I.66–72)، وذلك في التأكيد على أطروحة التماثل.

إنّ المسائل المحيطة بفكرة الزيف المادّي عند رينيه ديكارت تتّصف بالتعقيد وبأنّها تنحصر بجوهر نظريته حول الذهن والتمثيل الحواسّي؛ ويمكن للقارئ الراغب بالاستزادة أن يطّلع على لمحة عن الكتابات التي تناولت هذا الموضوع في (Wee 2006; Hatfield 2013).

 

  1. 4. العلم الجديد

عندما كان رينيه ديكارت في كلّية لافليش ظهرت فيها علامات على حدوث تغيّر في المفهوم السائد عن الكون؛ إذ احتفلت هذه الكلّية في العام (1610) باكتشاف گاليليو لأقمار المشتري الأربعة. وقبلها بقرن قدّم كوپرنيكوس حجّة قوية لدعم اعتقاده بأنّ الشمس، لا الأرض، هي مركز المنظومة الشمسية. وفي أوائل القرن السابع عشر أعلن يوهانِس كيپلر نتائج جديدة في علم البصريات تخصّ تشكّل الصور، ونظرية العدسات، وإثبات الدور المركزي الذي تؤدّيه شبكية العين في الإبصار. بل إنّ ديكارت كان على علم، في أوائل ثلاثينيات القرن السابع عشر، بما ادّعاه وليم هارڤي من وجود دورة دموية في الجسم البشري (1:263).

ولقد أسهم رينيه ديكارت نفسه ببعض النتائج المحدّدة الجديدة في مجال الوصف الرياضي للطبيعة، وذلك باعتباره مشاركًا باكتشاف القانون الجيبي لانكسار الضوء، ومطوّرًا لنموذج دقيق لقوس قزح. وعلى الرغم من أهمّية هذه النتائج، فإنّ مساهمته الرئيسية في “العلم الجديد” تكمن في الطريقة التي وصف بها رؤيةً عامةً لمقاربةٍ ميكانيكيةٍ للطبيعة، ورسم مخطّطًا تفصيليًا لهذه الرؤية، وذلك في سبيل تقديم بديل شامل للفيزياء الأرسطية المهيمنة.

وكان من الشائع تقسيم الفيزياء في أيّام رينيه ديكارت، ضمن كتب المناهج الدراسية للفيزياء الأرسطية، إلى “عامّة” و”خاصّة”: إذ تتعلّق “العامّة” بالمبادئ الأرسطية الأساسية لتحليل الموادّ الطبيعية: الصورة، المادّة، العدم، العلّة، المكان، الزمان، الحركة؛ وتتعلّّق “الخاصّة” بالكيانات الطبيعية الموجودة على أرض الواقع، وتقسيمها إلى أحياء وجمادات؛ ثمّ تنقسم فيزياء الجمادات إلى سماوية وأرضية، توافقًا مع الاعتقاد الأرسطي بأنّ الأرض مركز الكون وأنّها ذات طبيعة مختلفة عن طبيعة الأجرام السماوية (بما فيها: القمر، وكلّ ما بعد القمر). وكانت الفيزياء المختصّة بالجمادات الأرضية تغطّي أوّلًا العناصر الأربعة (التراب، والهواء، والنار، والماء)، ثمّ تنتقل إلى الأجسام “المختلطة” المركّبة من هذه العناصر، ومنها: الأنواع المختلفة من المعادن. أمّا الفيزياء المتعلّقة بالأحياء الأرضية فقد كانت تهتمّ بالقوى المتنوّعة التي عزاها الأرسطيون للكائنات ذوات الأنفس، حيث تعتبر النفس مبدأ من مبادئ الحياة (تقدّم قوى حيوية بالإضافة للقوى الذهنية أو الإدراكية)، وإذا رجعنا إلى أبسط كتب المناهج الدراسية الأرسطية لوجدنا أنّها تقسّم قوى النفس إلى ثلاثة مجموعات: نباتية (للتغذية والنموّ والتناسل) تتعلّق بالنباتات والحيوانات كليهما، وحسّية (الحواسّ الخارجية، والداخلية، والشهيّة، والحركة) تتعلّق بالحيوانات فقط، وعقلية تتعلّق بالبشر وحدهم. وكانت المناهج الأرسطية تعتقد بوجود “شكل” أو مبدأ فعّال يحكم كلّ الأجسام في شطري الفيزياء الأرضية، سواء كانت تتعلّق بالجمادات أو الأحياء (كما سبق وصفه في القسم 1. 3.).

كان رينيه ديكارت يطمح لتقديم بدائل لكلّ الأجزاء الرئيسية في الفيزياء الأرسطية. وكانت رؤيته الفيزيائية تقضي بأنّ هنالك مادّة واحدة فقط دون أن تكون لها صور فعّالة؛ وبذلك أزال الحدّ الذي يفصل الأجسام السماوية عن الأرضية من ناحية النوع. ولم يكن للمادّة الوحيدة في رؤيته سوى خاصّيات الحجم والشكل والموضع والحركة. ورأى بأنّ المادّة قابلة للتقسيم بشكل لامتناهٍ وأنّها تشكّل الفضاء، فليس هنالك فراغ، لأنّه ليس هنالك حاوية مكانية متميّزة عن المادّة. وإنّ حركات المادّة تحكمها قوانين الحركة الثلاثة، بما فيها: قانون للعطالة سبق به قانون نيوتن (لكن دون ذكر متّجهات القوى)، وقانون الاصطدام. ولم يكن للمادّة “قوّة” أو عمل فاعل، فقوانين الحركة سنّها الإله وهو من يحافظ على استمرار فعّاليتها. أمّا العناصر الأربعة (التراب، والهواء، والنار، والماء) فليست سوى أربعة من بين الكثير من الأنواع الطبيعية التي يمكن التمييز بينها ببساطة من خلال ما يميّزها من ناحية الحجم والشكل والموضع والحركة لكلّ من أجزائها.

وعلى الرغم من أنّ رينيه ديكارت أقرّ لفظيًا بالقصة التي وردت في الكتاب المقدّس حول نشأة الخليقة، فإنّه قدّم فرضية تقول بأنّ الكون بدأ كحساء فوضوي يتكوّن من جزيئات في حالة حركة، وأنّ كلّ شيء آخر تشكّل بعد ذلك كنتيجة للأنماط التي تطوّرت ضمن هذه المادّة المتحرّكة. وعلى هذا الأساس، توصّل ديكارت إلى أنّ الكثير من الشموس تشكّلت، وتحلّقت حولها الكواكب، وعلى هذه الكواكب تشكّلت الجبال والبحار، وكذلك المعادن والمغانط والظواهر الجوّية كالغيوم والأمطار؛ وهذه الكواكب تدور حول الشمس في مداراتها بفعل وسط سائل يدور حول الشمس كالدوّامة. وإنّ الأجسام لا تسقط على الأرض بسبب “صورة” جوهرية ما تجذبها نحو مركز الكون، ولا بسبب قوّة جذب أو أيّة قوّة أخرى تتّجه للأسفل، بل بسبب جسيمات الأثير المحيطة التي تتحرّك كالدوّامة. ولقد أصرّ ديكارت على كلّ حالات الفعل الظاهري عن بُعد (بما فيها: المغناطيسية) يجب أن تفسّر من خلال تماسّ جسيم ما بجسيم آخر؛ ففسّر المغناطيسية بأنّها نتيجة لانقذاف جسيمات لولبية من قطبي الأرض لتتدفّق من الشمال إلى الجنوب أو بالعكس، فتؤدّي إلى تعديل ميلان الإبر الممغنطة وفقًا لتدفّقها (Princ. IV.133–83). ولتفسير القطبية المغناطيسية افترض ديكارت أنّ الجسيمات الخارجة من القطب الجنوبي تنتظم باتّجاه واحد وأنّ نظيراتها الخارجة من القطب الشمالي تنتظم بالاتّجاه المعاكس (كما هو الحال في الأعمدة المنتظمة بشكل متعاكس في دوّاسات الدرّاجة الهوائية).

وكان رينيه ديكارت يرغب أيضًا بتقديم تفسير لتشكّل النباتات والحيوانات بواسطة أسباب ميكانيكية، لكنّه لم ينجح خلال حياته في صياغة تفسير يقبل بنشره، ولذلك لم يكشف سوى عن أجزاء من رؤيته الفيزيولوجية في (الخطاب) و(علم انكسار الضوء) و(التأمّلات) و(المبادئ) و(العواطف)؛ لكنّنا نجد في الكتابات التي نُشِرت بعد وفاته (وهي نصوص قرأها أصدقاؤه وأتباعه خلال حياته، كما ورد مثلًا في: 5:112) أنّه طوّر وصفًا فيزيولوجيًا موسّعًا لأجسام الحيوانات، شرح فيه الوظائف الحياتية على نحو ميكانيكي خالص دون اللجوء إلى النفس أو المبدأ الحيوي.

وفي خضمّ سعي رينيه ديكارت لإضفاء الميكانيكية على مفهوم الأشياء الحية، لم ينكر التمييز بين ما هو حيّ وما هو ليس كذلك، لكنّه أعاد رسم الخطّ الفاصل بين ما له نفس وما لا نفس له، وهو بذلك ساوى بين النفس والذهن: فالنفس مسؤولة عن العقل والمشيئة، بما في ذلك من: التجارب الحسّية الواعية، والتجربة الواعية بالصور، والذكريات المجرّبة بوعي. واعتبر ديكارت الحيوانات، باستثناء البشر، خالية من الذهن والوعي، وبالتالي يعوزها الشعور (على الرغم من أنّ أتباع ديكارت فهموا منه إنكاره لوجود الشعور عند كلّ الحيوانات، فإنّ بعض الخبراء المحدثين شكّكوا في هذا الفهم؛ وللاطّلاع على فحوى هذا الخلاف يمكن الرجوع إلى: Cottingham 1998; Hatfield 2008). وبالتالي، توجّب على ديكارت أن يفسّر كلّ القوى التي عزاها الأرسطيون للنفس النباتية والمحسّة على أساس مادّي محض وعمليات ميكانيكية (11:202). ثمّ توسّعت هذه التفسيرات الميكانيكية ولم تنحصر بالتغذية والنمو والتناسل وحسب، بل تعدّتها إلى وظائف الحواسّ الخارجية والداخلية، بما فيها من: قدرة الحيوانات اللابشرية على الاستجابة من خلال أعضاء الحسّ لديها على نحو يلائم الوضع الذي تواجهه، أي: تقترب من الأشياء المفيدة لجسمها (ومنها: الغذاء) وتجتنب المخاطر (كما يحدث في تجنّب الغنم للذئاب).

ولقد وصف رينيه ديكارت في كتابيه (رسالة حول الإنسان) و(العواطف) العمليات الميكانيكية المحضة لأعضاء الحسّ والدماغ والعضلات، والتي تفسّر وظائف النفس المحسّة. وتضمّنت هذه العمليات “أبخرة حيوانية”، أو مادّة لطيفة، تستخلص من الدم في قاعدة الدماغ وتتوزّع من خلال الأعصاب وتتسبّب بحركة العضلات وفقًا للبنى الدماغية والتحريض الحسّي الراهن. وإنّ البنى الدماغية التي تتوسّط في السلوك قد تكون فطرية أو مكتسبة. ولقد عزا ديكارت للغريزة بعض الأشياء التي تفعلها الحيوانات، وفسّر جوانب أخرى من سلوكها بأنّها نوع من الذاكرة الترابطية الميكانيكية. وكان ديكارت يعتقد بأنّ الفيزيولوجيا البشرية تماثل الفيزيولوجيا الحيوانية اللابشرية فيما يتعلّق بالوظائف النباتية و(بعض) الوظائف الحسّية (أي: الوظائف الحسّية التي لا تتضمّن وعيًا أو ذكاءً):

“إنّ عددًا كبيرًا جدًّا من الحركات التي تحدث في داخلنا لا تعتمد على الذهن بأيّ شكل من الأشكال، ومن ذلك: نبض القلب، والهضم، والتغذية، والتنفّس أثناء النوم، وكذلك بعض الأفعال التي تقوم بها أثناء الصحو: كالمشي والغناء وما شابه، إذا حدثت دون تدخّل الذهن في عملها. وعندما يتعثّر أحدهم ويمدّ يديه ليحمي رأسه فإنّ العقل ليس من أشار عليه بأن يفعل ذلك، بل إنّ ذلك يحدث، وبكلّ بساطة، لأنّ مرأى السقطة الوشيكة يصل الدماغ ويرسل الأبخرة الحيوانية في الأعصاب على النحو اللازم لإنتاج هذه الحركة حتّى وإن كان ذلك دون أيّة مشيئة ذهنية، تمامًا كما هو حالها لو كانت صادرةً عن آلة من الآلات” (7:229–30).

والكثير من سلوكيات البشر تجري في الحقيقة دون تدخّل من الذهن.

إنّ ما قدّمه رينيه ديكارت من تفسيرات ميكانيكية للعديد من خصائص الطبيعة لا يعني نجاح هذه التفسيرات؛ إذ استمرّ الجدل بين أتباعه ومعارضيه حول نجاح مقترحاته المتنوّعة قرابة قرن من الزمان بعد وفاته، وهنالك من طعن في تفسيراته للمغناطيسية والجاذبية، وطعن لايبنيتس في الترابط المنطقي لقوانينه حول الحركة والاصطدام، وقدّم نيوتن قوانينه الخاصّة به للحركة وقانون التربيع العكسي للجذب التثاقلي، وحلّ تفسير نيوتن لحركات الكواكب في مداراتها محلّ التفسير الديكارتي المعتمد على الدوّامات. وهنالك من عمل جاهدًا على إثبات نجاعة الفيزيولوجيا الديكارتية. وظهرت أيضًا طعون أعمق ممّا ذكرنا؛ إذ تساءل البعض عما إذا كان يمكن لديكارت أن يفسّر حقًّا كيف تستطيع مادّته التي تنقسم بشكل لامتناهي أن تندمج على هيأة أجسام صلبة؛ ولماذا لا يجدر بمجموعات من الجسيمات أن تتصرّف كنفثات من دخان، فتنفصل عند اتّصالها بالجسيمات الكبيرة؟ بل كيف يمكن للجسيمات نفسها أن تتماسك؟

كانت المشكلات السابقة وأمثالها مشكلات حقيقية، فجرى التخلّي عن الفيزياء الديكارتية خلال القرن الثامن عشر؛ ومع ذلك، فلقد قدّمت الفيزياء الديكارتية مفهومًا لبديل شامل للفيزياء الأرسطية واصل وجوده من خلال الرؤية النيوتنية المتمثّلة بفيزياء موحّدة للعالمين الأرضي والسماوي، ثمّ استمرّ عبر الرؤية الميكانيكية للحياة، والتي جرى إحياؤها في القسم الأخير من القرن التاسع عشر.

 

  1. 5. نظرية الإدراك الحسّي

توجّب على نظرية الكيفيات الحسّية، التي جاء بها رينيه ديكارت وغيره، أن تمرّ بتغيّر حقيقي بينما كانت تحلّ محلّ الفيزياء الأرسطية؛ وحدث هذا التغيّر بشكل خاصّ فيما عُرِف فيما بعد بالكيفيات الثانوية (وفقًا لمصطلحات روبرت بويل وجون لوك)، وهي التي تضمّ: الألوان، والأصوات، والطعوم، والكيفيات اللمسية كالسخونة والبرودة؛ إذ أصرّ الأرسطيون على أنّ هذه الكيفيات توجد في الأشياء باعتبارها “كيفيات حقيقية” تشبه أمثلة أو نماذج للكيفية المجرّبة، فالشيء الأحمر يمتلك كيفية الاحمرار كما يمتلك شكله: فهو أحمر بكلّ بساطة، ونحن نجرّب هذا الاحمرار عندما نرى جسمًا أحمر (“أطروحة التماثل” كما وردت في القسم 3. 5.).

ولقد سعى رينيه ديكارت للاستعاضة عن “الكيفيات الحقيقية” بتفسير ميكانيكي لكيفيات الأجسام؛ فاعتبر أنّ الضوء كيفية للجسيمات وحركتها: فهو “ميل للحركة” يوجد في وسط مستمرّ ويشعّ من جسم مضيء، وعندما يصطدم الضوء بجسم ما فإنّ الجسيمات التي يتشكّل منها الضوء تغيّر حركة دورانها حول محاورها، وهذا “الفتل” هو ما يجعل الضوء يمتلك لونًا دون آخر، وعندما تتفاعل جسيمات ذات درجة ما من الفتل مع أعصاب شبكية العين فهي تجعل هذه الأعصاب تهتزّ بطريقة ما، ويصل هذا الاهتزاز إلى الدماغ فيؤثّر على الأبخرة الحيوانية، وهي بدورها تؤثّر على الذهن وتجعله يجرّب لونًا ما بعينه وفقًا لدرجة الفتل وتأثيرها على الدماغ؛ وعليه: فإنّ ألوان الأجسام هي كيفية لسطوحها تجعل جسيمات الضوء تفتل باتّجاهٍ دون غيره، فتتسبّب بإحساسٍ دون غيره. وليس هنالك أيّ شيء آخر على سطوح الأجسام، فيما يتعلق بالألوان، سوى شكل محدّد للسطح يحفّز درجات متنوّعة من الفتل في جسيمات الضوء.

قدّم رينيه ديكارت هذه النظرية الجديدة حول الكيفيات الحسّية في الفصول الستّة الأولى من كتابه (العالم)، ودافع عن نظريته بالمحاججة بأنّ تفسيره لكيفيات الأجسام بالاعتماد على الحجم والشكل والحركة يمكن فهمه بوضوح من خلال المقارنة مع الكيفيات الأرسطية (11:33). ثمّ دافع عن هذا التفسير تاليًا في (التأمّلات) و(المبادئ) عبر اللجوء إلى النتيجة الميتافيزيقية القائلة بأنّ الجسم لا يمتلك سوى الأنماط الهندسية للامتداد، وبذلك تُستَبعَد الكيفيات الحقيقية لأنّها ليست في ذاتها أمثلة ذات حجم أو شكل أو حركة (حتّى وإن كانت هنالك رقع لونية ذات حجم وشكل لكنّها غير قابلة للتحريك).

وبالإضافة لنظريته الجديدة حول الكيفيات الحسّية، قدّم رينيه ديكارت أيضًا نظريات حول الطريقة التي يتمّ بها إدراك الكيفيات المكانية (الحجم، والشكل، والبعد، والموضع) في عملية الإبصار. ففي أيّام ديكارت وما سبقها كانت “البصريات” تعرّف بأنّها نظرية للإبصار بجوانبها الفيزيائية والفيزيولوجية والنفسانية، وكانت ميدانًا للبحث منذ العصور القديمة، فكتب إقليدس وبطليموس عن مسائل البصريات، وفي العصور الوسطى كتب الفيلسوف الطبيعي العربي ابن الهيثم كتابًا نظريًا جديدًا مهمًّا قدّم فيه تفسيرًا موسّعًا للإدراك الحسّي للكيفيات المكانية.

تغيّر المشهد التنظيري في مجال البصريات عندما قدّم كيپلر مذهبه القائل بأنّ الإبصار تؤدّي فيه الصورة المرتسمة على الشبكية دور الوساطة، وأنّ الشبكية هي الجسم الحسّاس في العين؛ وكان المنظّرون السابقون يعتقدون عمومًا بأنّ “الرطوبة البلّورية”، أو ما يسمّى بـ(عدسة) العين في أيّامنا، هي الجسم الحسّاس. ولقد قبل رينيه ديكارت النتيجة التي توصّل إليها كيپلر وصاغ نظرية جديدة للإدراك المكاني، وكان بعض تنظيراته مجرّد تكييف لنظريات ابن الهيثم مع الصورة الشبكية المكتشفة حديثًا، وبموجبها، فإنّ رؤية ابن الهيثم تقول بأنّ إدراك الحجم يتحقّق بضمّ زاوية الرؤية التي يمتدّ فيها الجسم إلى إدراك مسافته، وذلك للوصول إلى إدراك للحجم الحقيقي لهذا الجسم (تتشكّل زاوية الرؤية من اتّجاهين ينطلقان من نقطة رؤية نحو الجسم المرئي خلال تثبيت للرؤية، ومثالها: الزواية المتشكّلة من اتّجاه نحو القدمين واتّجاه نحو الأنف عند مشاهدة شخص يقف على مسافة معتدلة من عين الناظر، مع تثبيت العينين في تلك اللحظة). وفي مخطّط ابن الهيثم تُسجّل زاوية الرؤية على سطح الرطوبة البلّورية. واعتقد ديكارت بأنّ إدراك الحجم يتمّ من خلال ضمّ زاوية الرؤية إلى المسافة المدركة، لكنّه أصبح بعدها يعامل زاوية الرؤية كامتداد لصورة الجسم المرتسمة على الشبكية.

وبحسب تفسير ابن الهيثم: إذا كان حجم الجسم معلومًا فإنّ بعده عن الناظر قد يدرَك عن طريق الاستنتاج؛ وذلك لأنّ بعد أيّ جسم يتناسب عكسًا مع زاوية الرؤية. ولقد اعترف رينيه ديكارت بهذا التفسير التقليدي الذي يعتمد على التجربة السابقة مع حجم الجسم المرئي وعلى الاستنتاج أو المحاكمة العقلية السريعة التي تجمع بين زاوية الرؤية المدركة والحجم المعلوم أو المستلّ من الذاكرة. واعتقد ديكارت بأنّ هذه المحاكمة العقلية السريعة تجري بحكم العادة وتحدث بسرعة شديدة تجعلها عصية على الملاحظة الفورية. يضاف إلى ذلك أنّ الإحساسات التي تقدّم الأشياء وفقًا لزاوية الرؤية عصية على الملاحظة الفورية أيضًا، وذلك لأنها سرعان ما تزول ويحل محلّها حالات جديدة يجرّب فيها الناظر رؤية أجسام بعيدة أخرى.

وكان ابن الهيثم قد أفاد في تفسيراته بأنّ البعد يمكن إدراكه بأن يكون الناظر منتبهًا لعدد الرقع المتساوية من الأرض التي تفصله عن الجسم البعيد؛ لكنّ رينيه ديكارت لم يتبنّ هذا التفسير، بل استخدم رؤيته الفيزيولوجية الميكانيكية لصياغة تفسير جديد يشرح آلية إدراك المسافة، وكانت نظريته الجديدة مختلفة عن كلّ ما ورد في كتابات ابن الهيثم.

وفي نظرية كيپلر الجديدة حول عمل العين: إن الصورة تتشكّل على الشبكية نتيجةً لانكسار الضوء عبر القرنية والعدسة؛ وعندما تتفاوت أبعاد الأجسام المرئية لا بدّ من تغيير الخصائص البؤرية لهذه المنظومة، تمامًا كما يحدث في تغيير البعد البؤري لآلة التصوير. وكانت هنالك حينها عدّة نظريات تشرح آلية حدوث العملية السابقة، لكنّ رينيه ديكارت قبِل منها الرؤية القائلة بأنّ العدسات تغيّر شكلها أو “تتكيّف” وفقًا للرؤية قريبة كانت أو بعيدة؛ ثمّ نظّر ديكارت للأمر بأنّ هذا التغيير في شكل العدسة لا بدّ أن تتحكّم به العضلات، وهي بدورها تتحكّم بها العمليات العصبية في الدماغ.

ولاحظ رينيه ديكارت أنّ الحالة العصبية المركزية التي تتحكّم بالتكيّف السابق تتفاوت وفقًا لتناسب مباشر مع بعد الأجسام المرئية، لكنّ ديكارت لم يذهب مع القول باستنتاج المسافة من الحجم المعلوم وزاوية الرؤية، فلم يفترض بأنّ الذهن واعٍ بالأجهزة التي تتحكّم بالعين، بل افترض بأنّ هنالك آلية فطرية تحكم الحالة العصبية المركزية التي تتغيّر بشكل مباشر بحسب بعد الجسم المرئي، فتجعلها تشكّل فكرة عن هذا البعد في الذهن (6:137; 11:183). وإنّ فكرة البعد هذه المشكَّلة فيزيولوجيًا يمكن بعدها أن تنضمّ إلى زاوية الرؤية المدركة من أجل إدراك حجم الجسم، كما ورد في نظرية ابن الهيثم حول إدراك حجم الجسم المرئي. وعندما نصيب في إدراك البعد ونضمّه إلى زاوية الرؤية (بفعل ذهني عصيّ على الملاحظة) فإنّ النتيجة تكون حينها: إدراكًا صادقًا لحجم جسم يُرى من بعد. ولقد وصف ديكارت الإدراك الناتج بأنّه يمتلك الخصائص التي اصطُلِح على تسميتها بـ”ثبات الحجم” في القرن العشرين:

“فيما يتعلّق بالطريقة التي ننظر بها إلى حجم الأجسام وشكلها، لا حاجة لأقول أيّ شيء خاصّ، وذلك لأنّ هذا الموضوع يندرج ضمن الطريقة التي نرى بها البعد ومواضع أجزائه؛ أي: إنّنا نحكم على حجم الجسم وفقًا لما نعلمه أو لرأينا حول بُعده، مع المقارنة بحجم الصور التي تنطبع على خلفية العين، وليس وفقًا لحجم هذه الصور وحسب. وهذا القول يتّضح بشكل كافٍ إذا أخذنا بالحسبان الحقيقة القائلة بأنّ الصور المنطبعة عن الأجسام القريبة جدًا أكبر بمئة ضعف من الصور المنطبعة عن أجسام أبعد منها بمئة ضعف، لكنّ هذا الحال لا يجعلها ترينا الأجسام بحجم أكبر بمئة ضعف، بل بحجم يكاد يكون مساويًا، وذلك إن لم يخدعنا بعدها عنّا على الأقلّ” (6:140).

وعندما يقول رينيه ديكارت أنّه يأخذ بالحسبان حجم الصور المنطبعة على الشبكية فلا بدّ أنّه يتكلّم عن زاوية الرؤية وحسب، والتي يمكن اعتبارها مساوية لحجم الصورة الشبكية. وكذلك، فعندما يقول بأنّ الجسم الذي يبعد عن العين مسافة أكبر بمئة ضعف من بعد جسم آخر أقرب إليها يجب أن يبدو أصغر بمئة ضعف، فهو يتكلّم عن مساحة السطح المرئي، لا الطول الذي سيبدو أصغر بعشرة أضعاف. ووفقًا لما سبق، فإنّ ما يصفه ديكارت في الاقتباس السابق هو عملية تنضمّ فيها زاوية الرؤية إلى البعد المدرَك للحصول على “حجم من بعد” مدرَك يمثّل الحجم الحقيقي الثابت للجسم في الحالات التي نصيب فيها بتسجيل بعد الجسم وضمّه إلى زاوية الرؤية.

إنّ عمل رينيه ديكارت على الإدراك البصري ليس سوى مثال واحد على تبنّيه موقف الفلسفة الطبيعية تجاه التجربة الذهنية الواعية في السعي لتفسير جوانب من أمثال هذه التجربة. وثمّة مثال آخر نجده في كتابه (المشاعر). وهنالك من يقول أحيانًا بأنّ الثنائية الديكارتية تضع الذهن خارج الطبيعة من خلال جعله جوهرًا لامادّي؛ لكنّ هذا القول هو حكم ارتجاعي ينطلق من منظور يجعل كلّ الجواهر اللامادّية “لاطبيعية” تلقائيًا؛ أمّا ديكارت ومتّبعوه فيتعاملون مع (التفاعل الذهني-الجسدي) باعتباره مضمّنًا في مجال الفلسفة الطبيعية أو الفيزياء (بالمعنى العامّ للفيزياء باعتبارها نظرية للطبيعة). ولقد تحدّث ديكارت عن العلاقات النظامية بين الحالات الدماغية وما ينتج عنها من تجارب حسّية، وهي التي جاء أتباعه فيما بعد، من أمثال ريجيس، ليعتبروها “قوانين” للعلاقة الذهنية-الجسدية (راجع: Hatfield 2000). وعلى هذا النحو، فإنّ ديكارت ومتّبعيه ثبّتوا وجود القوانين النفسانية-الفيزيائية أو النفسانية-الفيزيولوجية قبل وقت طويل من قيام گوستاڤ فخنر (1801-1887) بصياغة علم خاص بالمجال النفساني-الفيزيائي في القرن التاسع عشر.

 

  1. 6. إرث ديكارت

إنّ ما يثمّنه القارئ في كتابات رينيه ديكارت يختلف باختلاف العصور؛ إذ كان لفلسفته الطبيعية أثر فوري استمرّ حتّى في القرن الثامن عشر، ونظريته في الإبصار كانت جزءًا من هذا الإرث، وكذلك النتائج التي توصّل إليها في الرياضيات. ولقد رأينا فيما سبق أيضًا كيف أنّ تفسيره الميكانيكي لنفسانية النفس المحسّة، ورؤيته القائلة بأنّ الحيوانات كالآلات، جرى إحياؤها في القرن التاسع عشر.

أمّا الجوانب الميتافيزيقية والإپستيمولوجية من فلسفة ديكارت فكان ينتظرها مصير معقّد الملامح؛ فأثناء حياته ألهم الكثير من الأتباع الذين سعوا لتطوير رؤاه في الميتافيزيقا والإپستيمولوجيا والفلسفة الطبيعية، وحتّى إنّهم عملوا على استخراج رؤية أخلاقية من كتاباته، ومن هؤلاء: گيرو دو كورديموي، وآرنولد گيولينكس، وأنتوان لوگراند، ونيكولا ماليبرانش، وريجيس، وروهو. وكان الفيلسوف البريطاني هنري مور قد اتّبع رينيه ديكارت أوّل الأمر، لكنّه انقلب عليه فيما بعد. وثمّة أسماء أخرى من كبار الفلاسفة، من أمثال سپينوزا ولايبنيتس، ممّن تأثّروا بفكر ديكارت لكنّهم طوّروا منظوماتهم المميّزة الخاصّة بهم.

وربّما يمكن القول بأنّ التأثير الأعمق لـ رينيه ديكارت في أوائل ظهور النسخة الحديثة من الإپستيمولوجيا والميتافيزيقا قد جاء من فكرته بفحص الطرف العارف كوسيلة لتحديد نطاق المعرفة البشرية وإمكانياتها. ومن بين أتباعه المباشرين في هذا المجال: ماليبرانش الذي قدّم أكمل تطوير لهذا الجانب من فلسفة ديكارت. وكان هنالك فيما بعد فلاسفة آخرون تبنّوا استراتيجية تفحّص العارف دون أن يكون من أتباع ديكارت، وفي هذا الخطّ جاءت الكتابات الإپستيمولوجية لجون لوك، وجورج باركلي، وديڤيد هيوم، وتوماس ريد، وإيمانويل كانت، ممّن سعوا خلف الاستراتيجية المذكورة. ولقد توصّل هؤلاء إلى نتائج تختلف عمّا توصّل إليه ديكارت فيما يتعلّق بقدرة الذهن البشري على معرفة الأشياء كما هي عليه في نفسها، فرفض هيوم وكانت خصوصًا، كلٌّ بطريقته، فكرة كشف الميتافيزيقا للواقع كما هو في نفسه، ولم يكتفيا بإنكار النظريات الميتافيزيقية الديكارتية الخاصّة وحسب، بل رفضوا أيضًا مشروعه الميتافيزيقي جملة وتفصيلًا، لكنّهما فعلا ذلك من خلال نمط من أنماط البحث كان ديكارت نفسه هو من رفعه إلى مرتبة مرموقة، أي: التحقّق من الإمكانيات الإدراكية لدى العارف.

وفي القرن العشرين جرى استحضار جوانب متنوّعة من الفلسفة الديكارتية على نطاق واسع، وربّما يمكن القول بأنّها أسيء فهمها على نطاق واسع أيضًا. وأوّل هذه الجوانب المستحضرة: شكوكية رينيه ديكارت؛ ففي أوائل القرن العشرين جرت مواجهة خطر الشكوكية التي تطال المعرفة بالعالم الخارجي، وكان من ردود الفعل: العودة إلى القول بأنّنا لا يمكننا أن نعرف إلّا البيانات الحسّية، على أن تكون “البيانات الحسّية” هي المحتويات المفترضة للتجربة الحسّية المباشرة (في مجال الإبصار، مثلًا، تكون الرقع اللونية ذات أشكال) (راجع مثلًا: Russell 1914). ومن الكتّاب من تعامل مع مشروع ديكارت الذي قدّمه في (التأملات) على أنّه يختزل المعرفة البشرية إلى البيانات الحسّية المباشرة، ومنها يجري تشكيل المعرفة بالعالم الخارجي.

وليس لهذا الموقف، المستند إلى قراءة أعمال ديكـارت، سوى القليل ليقدّمه، فلقد ورد فيما سبق أنّ رينيه ديكارت يحاجج في (التأمّل الثاني) و(التأمّل الثالث) انطلاقًا من القطع بالتفكير (الكوگيتي) إلى موثوقية الإدراك العقلي، ثمّ إلى وجود الكائن الكامل (الإله). وفي المحاججة الأخيرة يسعى ديكارت فعلًا إلى الاستدلال على واقع وجوده خارج نفسه، لكنّ هذا الاستدلال لا يستعين بأيّة تجربة حسّية، وإنّما يبدأ من فكرة فطرية لاحسّية عن الإله ليصل إلى وجود الإله. ومهما كان رأي القارئ بمستوى هذه المحاججة، فإنّها لا تتّصل بالبيانات الحسّية مطلقًا، إذ استخدم ديكارت محاججات شكوكية كأداة لفصل القارئ عن العالم المحسوس كي يتمكّن من القيام بأبحاث ميتافيزيقية. وفي (التأمّل) السادس نقرأ عن إعادة تقييم للحواسّ فيما يتعلّق بالميتافيزيقا، لكنّ البيانات الحسّية لم تدخل في تحليله هذا أيضًا.

ومن التفسيرات التي ظهرت في القرن العشرين ثمّة تيار ركّز على فصل الموضوع الوارد في (التأمّل الثاني)؛ ففي هذا التأمّل يقبل رينيه ديكارت أنّه يعرف محتويات ذهنه، بما فيها: التجارب الحسّية، حتّى وإن كان يشكّ في وجود جسده. ولقد استدلّ بعض الفلاسفة بهذا الكلام على أنّ ديكارت يعتقد بأنّ الإنسان قادر فعلًا، في حالته الطبيعية، على امتلاك التجارب الحسّية حتّى وإن كان ينقصه الجسد؛ لكنّ الحقيقة تقول بأنّ ديكارت أنكر هذه الإمكانية، ففي رؤيته الميتافيزيقية أنّ الإدراك الحسّي والمخيّلة يعتمد وجودهما على الاتّحاد الذهني-الجسدي. ويمكن أن يكون هنالك إدراك عقلي لا يعتمد على الدماغ، لكنّ أفعال المخيّلة والإدراك الحسّي تتطلّب وجود الدماغ (Pass. I.19–20, 43). وعلى هذا الأساس، فإنّ ديكارت لم يعتقد، في الحقيقة، بأنّ الإنسان قد يمتلك كلّ تجاربه الحسّية حتّى وإن لم يكن لديه دماغ، لكنّه سمح، عوضًا عن ذلك، بالقول بأنّ الإنسان قادر على إدراك تجاربه الحسّية بشكل مستقلّ عن الدماغ، وأنّه لو لم يكن الإله خيّرًا إلى أبعد حدّ لأنتج هذه التجارب في الإنسان بشكل مستقلّ عن الدماغ، لكنّ كمال الإله لا ينسجم مع الخداع، ولذلك فلن يفعل هذا الأمر مطلقًا. وعليه، فإنّ إمكانية الإدراك لا تستلزم الإمكانية الميتافيزيقية في جميع الحالات، وخصوصًا: حالات الجهل المحض كما ورد في (التأمّل الثاني)، كما رأينا في المحاججة الواردة في (الخطاب) بشأن التمييز بين الذهن والجسد.

وثمّة مفهوم ثالث لا يكاد يزيد عن استخدام (أو إساءة استخدام) رينيه ديكارت كممثّل “للعقلانية الغربية” المهيمنة التي تفرط بعقلنة الكائن البشري وتنكر الجسد والعواطف (وهي مغالطة من نوع الفزّاعة). أمّا الادّعاء بأنّ ديكارت ينكر الجسد والعواطف فهو ادّعاء يسهل دحضه، فهو مبالغة في التعميم، وإساءة فهم، للعملية الديكارتية التي “تسحب الذهن من الحواسّ” كما ورد في (التأمّلات) بغرض البحث في الميتافيزيقا. وإذا غيّرنا في قراءة النصّ الديكارتي وفقًا لمقتضيات تاريخية فسنجد أنّه يتّصل بممارسة التأمّل الروحاني التي كانت ماتزال موجودة في القرن السابع عشر، وهي ممارسة استثمرها ديكارت لخدمة تأملاته الميتافيزيقية (راجع الفصول الثلاثة الأولى من: Rorty 1986). ويضاف إلى ما سبق أنّ فكرة تجاهل ديكارت للجسد والعواطف لا تتوافق مطلقًا مع ما جاء في كتابه (العواطف)، والذي أدّى فيه الجسد دورًا مركزيًا. ويمكن القول بشكل أعمّ بأنّ هذا النوع من التهم لا ينسجم مع جزء كبير ممّا ورد في (التأمّل السادس) الذي يهتمّ بالاتّحاد والتفاعل بين الذهن والجسد وبالذهن المتجسّد.

ومن النسخ الحديثة للسخرية: الاقتراح بأنّ رينيه ديكارت يحمل فكرة مفادها أنّ السلوك البشري يتكون من دورة “حسّ، تمثيل، تخطيط، تحرّك” (Wheeler 2005, chap. 3). لكنّنا أشرنا فيما سبق إلى أنّ ديكارت فسّر الكثير من السلوكيات البشرية بالاستناد إلى الآلة الجسدية، دون أيّ تدخّل ذهني. ولقد قال في (الأجوبة الرابعة): “عندما يتعثّر أحدهم ويمدّ يديه ليحمي رأسه فإنّ العقل ليس من أشار عليه بأن يفعل ذلك” (7:230)، بل إنّ الآلة الجسدية (العمليات المادّية في أعضاء الحس والدماغ والعضلات) تنتج هذا السلوك، دون أيّة مساهمة ذهنية. ولقد تصوّر ديكارت تفسيرات ميكانيكية محضة مشابهة للكثير من السلوكيات التي تنشأ من الانفعالات أو العواطف. ووفقًا لهذه العلاقة، يعمل الجسد أوّلًا ويكون لتجربة الانفعال المحسوسة وظيفة جعل الذهن يرغب بعمل ما يعمله الجسد فعلًا (Pass. I.37–40). ومهما يكن من أمر، فإنّ ديكارت لم يعتقد، بأيّ شكل من الأشكال، بأنّ السلوك البشري بأكمله ينشأ فعلًا، أو يجب أن ينشأ، من الرويّة الذهني؛ وهذا لا يعني أنّه قلّل من قيمة الرويّة الذهنية عندما يكون هنالك ما يلزمها من وقت وحاجة، لكنّه لم يكن واهمًا قطّ باعتقاده بأنّ كلّ السلوكيات البشرية الفاعلة تنشأ من الذهن.

وهنا يبرز السؤال: كيف أمكن لمفسّري كتابات رينيه ديكارت أن يخطئوا في فهمه إلى هذا الحدّ؟ هنالك بين التفسيرات الحديثة ما يقترح أنّ الكثير من “المنظّرين” المابعد حداثيين قد استوعبوا ديكارت بالوساطة، وهذا التفسير نفسه قد يمتدّ ليشمل المنظّرين الآخرين الذين يستشهدون بديكارت بعد أن يتعاملوا مع نصوصه بشكل سطحي. ويشرح مايكل موريارتي، المختصّ بتاريخ الأدب، هذا الأمر بأنّ كبار المنظّرين الفرنسيين، من أمثال جاك لاكان و ميشيل فوكو، “تلقّوا تأسيسًا متينًا في الفلسفة، وفي كتابات ديكارت خصوصًا” من خلال النظام التعليمي الفرنسي (Moriarty 2003, 52)، وهم يستخدمونه بعدها كستارة يختفون خلفها، إذ يرى موريارتي بأنّ الكثير من قرّاء كتابات لاكان وفوكو لم يتلقّوا المستوى نفسه من التعليم فيما يخصّ الفلسفة أو كتابات ديكارت، ولذلك فإنّ “من يقرأ كتابات لاكان أو فوكو دون، أو قبل، أن يقرأ كتابات ديكارت يتلقّى فهمًا محدّدًا لكتابات ديكارت، وهذا الفهم قد يكون أكثر سلبية من الفهم الذي ربّما انتوى طرحه هذان الكاتبان اللذان يكتبان ضدّ البذرة التي نبتت منها ثقافتهما” (Moriarty 2003, 53). ومضمون عبارة موريارتي هو أنّ لاكان وفوكو تعاملا مع كتابات ديكارت انطلاقًا ممّا يمتلكانه من معرفة بها، أمّا من تعوزه هذه المعرفة فهو يسيء فهم قيمة هذا التعامل الأصيل ويخرج بمضامين خاطئة. وربّما يساعدنا هذا السبب أيضًا في تفسير كيف أمكن توجيه الاتّهام لديكارت بإنكار العواطف على الرغم من أنّه نشر كتابًا كاملًا عنوانه (العواطف)، وكيف جرى التغاضي عن مضامين هذا الكتاب من قبل شخص متحمّس للعثور على اسم مشهور كي يختلف معه.

لنترك هذه الحالات الفاضحة من إساءة الفهم، ولنعد إلى السؤال: ماذا بقي من إرث رينيه ديكارت في عصرنا الحالي؟ إنّ تأثيره الذي ظهر في القرن السابع عشر تفشّى على نطاق واسع إلى الأبد، بما في ذلك: إسهاماته المحدّدة في الرياضيات والبصريات، ورؤيته حول الفيزيولوجيا الآلية، والنموذج الذي قدّمه لنيوتن المتمثّل بفيزياء سماوية وأرضية موحّدة تعزو ثلّة من الخصائص الأساسية لمادّة كلّية الوجود تتحكّم في حركتها ثلّة من القوانين البسيطة. وفي هذا الخصوص، يقدّم عمل ديكارت مثالًا للفلسفة المنخرطة ثقافيًا؛ إذ كان يمتلك حسًّا بالقضايا الفلسفية الأساسية السائدة في عصره، وكان الكثير منها يتعلّق بنظرية الطبيعة ومحاولة تأسيس علم طبيعي جديد؛ ولم يتوقّف ديكارت عند مجرّد تقديم إعادة صياغة منهجية للفلسفة الطبيعية المتهالكة، بل فعل ذلك على نحو يصل إلى الأسماع وتفهمه العقول.

ولئن كانت فلسفة ديكارت قد أثّرت في ذلك الحين فإن تأثيرها مستمرّ إلى يومنا هذا، فهي لا تزال تتواصل معنا وتقدّم أفكارًا جديدة للأجيال الجديدة من الفلاسفة الذين يصغون لكلماتها. وهذا ما نراه في إحياء نظريات (الجسد أوّلًا) حول العواطف (من المفارقة أن تجد بعضًا من أكثر المصرّحين بالانتقاص من رينيه ديكارت ضمن العلماء الذين يدرسون العواطف، بمن فيهم: Damasio 1994، وهم يتبنّون نظريات تشبه نظرية ديكارت في كثير من الجوانب؛ وللاطّلاع عليها يمكن الرجوع إلى: Hatfield 2007). ويضاف إلى ما سبق أنّ نظريات ديكارت حول الكيفيات الحسّية ألهمت أفكارًا جديدة (Simmons 2003)، وكذلك فعل تفسيره لإدراك البعد (راجع: Wolf-Devine 1993، والموادّ المتعلّقة بالبصريات والإدراك في: Nolan 2014). ويمكن القول بشكل أعمّ بأنّ كتابه (التأمّلات) يحتوي أحد أبرع الأمثلة في صياغة النثر الفلسفي على امتداد تاريخ الفلسفة بالمطلق، وهذا لوحده يضمن لإرث ديكارت أن يظّل على أهمّيته المستمرّة بتعاقب العصور.

وفي النهاية يجدر القول بأنّ إرث رينيه ديكارت يحتوي على مشكلات أثارها هو، أو أبرزها إلى العلن، دون أن يحلّها، والمثال النموذجي لهذه المشكلات: مشكلة الذهن-الجسد؛ إذ حاجج ديكارت نفسه انطلاقًا من قدرته الواضحة المميّزة لإدراك الذهن والجسد باعتبارهما كائنين متمايزين ليخلص إلى أنّهما جوهران منفصلان في الحقيقة. ومعظم الفلاسفة في أيّامنا يرفضون كلًّا من: ما زعمه ديكارت في هذا الشأن، والأساس المنهجي الذي استند إليه هذا الزعم؛ بل إنّه ليس هنالك سوى قلّة قليلة من الفلاسفة، منذ أيّام كانْت، ممّن اعتقد بأنّ الأفكار الواضحة المميّزة للذهن البشري ترشدنا في السعي إلى الواقع المطلق للأشياء. ومن هنا كان الرفض مصير الفكرة القائلة بأنّ (حتّى قابلية الإدراك الواضح تميّز الإمكانية الميتافيزيقية)؛ بل إنّه ليس في أيّامنا سوى القليل من الفلاسفة الذين يعتقدون بازدواجية الجوهر.

وعلى الرغم من كلّ الاعتراضات فإنّ مشكلة الذهن-الجسد لا تزال حيّة في يومنا هذا؛ فعندما ميّز رينيه ديكارت بين المجال الذهني والمجال الفيزيائي فإنّه تناول موضوعًا يعبأ به الكثير من المهتمّين؛ فالكثير من الفلاسفة يقبلون التمييز المفاهيمي لكنّهم يفتقرون إلى اليقين بشأن الأرضية الميتافيزيقية التي يستند إليها: سواء كان الذهن والدماغ متطابقين، أو كانت العمليات الذهنية تنشأ من العمليات المعقّدة في الدماغ، أو تشكّل خاصّية تختلف عن أيّة خاصّية فيزيائية محضة، حتّى وإن كان الدماغ هو الذي ينشئ صورتها. وفي هذه الحالة يمكن القول بأنّ مشكلةً سلّط ديكارت الأضواء عليها قد استمرّت بالبقاء إلى أمد أبعد بكثير من اليوم الذي جاء فيه بحلّه المقترح لها.

 

 


بيبليوگرافيا

Note on references and abbreviations: References to Descartes’ works as found herein use the pagination of the Adam and Tannery volumes (AT), Oeuvres de Descartes, 11 vols. The citations give volume and page numbers only (dropping the abbreviation “AT”). Where possible, the Cottingham, Stoothoff, Murdoch, and Kenny translation, The Philosophical Writings of Descartes, 3 vols., has been used; it shows the AT pagination in the margins. Where the translation has been emended, the citation is marked with an asterisk (*). The AT volume numbers provide a guide to which work is being cited in translation: vols. 1–5, correspondence; vol. 6, Discourse and essays (including the Dioptrics and Meteorology); vol. 7, Meditations; vol. 10, Rules; vol. 11:1–118, World, or Treatise on Light; vol. 11:119–222, Treatise on Man; vol. 11:301–488, Passions. Where there is no accessible translation for a citation from AT, the citation is shown in italics. Works that are broken into parts and/or articles are cited by abbreviated title, part, and article: Med. for the Meditations, Met. for the Meteorology, Princ. for the Principles, and Pass. for the Passions.

المصادر الرئيسية: كتب رينيه ديكارت (Descartes)

النسخ الأصلية والترجمات المتقدمة

  • Discours de la methode pour bien conduire sa raison, & chercher la verité dans les sciences: plus la dioptrique, les meteores, et la geometrie, qui sont des essais de cete methode. Leiden: Jan Maire. Digitized photographic reproduction (DPR) online (pdf).
  • Meditationes de prima philosophia, in qua Dei existentia et animae immortalitas demonstrantur. Paris: Michel Soly. DPR online (pdf).
  • Meditationes de prima philosophia, in quibus Dei existentia & animae humanae à corpore distinctio demonstrantur: his adjunctae sunt variae objectiones doctorum virorum in istas de Deo & anima demonstrationes, cum responsionibus authoris, 2dn edn. Amsterdam: Elzevir. The main title was changed from the first edition, which had promised to demonstrate “the immortality of the soul”; this edition promises to demonstrate “the distinction of the human soul from the body.” The seventh set of Objections and Replies first appeared in the second edition.
  • Principia philosophiae. Amsterdam: Elzevir. DPR online (pdf and tiff).
  • Specimina philosophiae, seu Dissertatio de methodo recte regendae rationis & veritatis in scientiis investigandae: Dioptrice et Meteora, trans. Etienne de Courcelles. Amsterdam: Elzevir. DPR online (pdf).
  • Les meditations metaphysiques, touchant la premiere philosophie, dans lesquelles l’existence de Dieu, & la distinction réele entre l’ame & le corps de l’homme, sont demonstrées: et les Objections faites contre ces Meditations par diverses personnes tres-doctes, avec les réponses de l’Auteur, trans. Louis-Charles d’Albert, duc de Luynes (Meds.) and Claude Clerselier (Objections and Replies). Paris: Jean Camusat and Pierre Le Petit. DPR online (pdf). The Seventh Objections and Replies appeared first in the 2nd French edn. (1661).
  • Les principes de la philosophie, trans. Claude Picot. Paris: Henry Le Gras. DPR online (pdf). Descartes added an “Author’s letter” to the translation, as a preface.
  • A discourse of a method for the well guiding of reason, and the discovery of truth in the sciences. London: Thomas Newcombe. Available through Early English Books Online (EEBO, accessible through many College and University libraries).
  • Les passions de l’ame. Paris: Henry Le Gras. DPR online (pdf).
  • Passiones animae, trans. Henry Desmarets. Amsterdam: Elzevir. DPR online (pdf).
  • The passions of the soule. London: John Martin and John Ridley. Available through EEBO.
  • 1657–67. Lettres, où sont traittées les plus belles questions de la morale, physique, medecine, et des mathematiques, 3 vols., ed. Claude Clerselier. Paris: Charles Angot. DPRs online, 1, Vol. 2, Vol. 3 (pdf).
  • De homine, trans. Florentius Schuyl. Leiden: Leffen and Moyardum. DPR online (pdf).
  • Le monde, ou, Le traite de la lumiere, et des autres principaux objects des sens. Paris: Girad. DPR online (pdf).
  • L’homme, et un Traitté de la formation du foetus, ed. Claude Clerselier. Paris: Charles Angot. DPR online (pdf). This is the first edition of Descartes’ original French. It includes Remarks by Louis de la Forge and a translation of Florentius Schuyl’s preface to the Latin translation.
  • Six metaphysical meditations wherein it is proved that there is a God and that mans mind is really distinct from his body: hereunto are added the objections made against these meditations by Thomas Hobbes, with the authors answers, trans. William Molyneux. London: Benjamin Tooke. This translation of the six Meditations proper is reprinted in Gaukroger (2006). The entire book (including the Third Objections and Replies) is available through EEBO.
  • Opuscula posthuma, physica et mathematica. Amsterdam: Blaeu. DPR online (pdf). The first publication of the Rules in Latin (a Dutch translation had appeared in 1684), together with other writings.

 

الترجمات الإنجليزي المتأخرة لـ رينيه ديكارت (Descartes)

  • Discourse on Method, Optics, Geometry, and Meteorology, trans. Paul J. Olscamp. Indianapolis: Bobbs-Merrill.
  • Treatise of Man, trans. Thomas S. Hall. Cambridge: Harvard University Press. With an introduction and many explanatory notes.
  • Principles of Philosophy, trans. V. R. Miller and R.P. Miller. Dordrecht: Reidel. A complete translation of the Principles.
  • 1984–91. Philosophical Writings of Descartes, 3 vols., trans. John Cottingham, Robert Stoothoff, Dugald Murdoch, and Anthony Kenny. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Passions of the Soul, trans. Stephen H. Voss. Indianapolis: Hackett.
  • Meditations on First Philosophy = Meditationes de prima philosophia, trans. George Heffernan. Notre Dame: University of Notre Dame Press. A literal translation of the six Meditations proper, with facing-page Latin.
  • Meditations and Other Metaphysical Writings, trans. Desmond M. Clarke. London: Penguin.
  • Regulae ad directionem ingenii = Rules for the Direction of the Natural Intelligence: A Bilingual Edition of the Cartesian Treatise on Method, ed. and tr. George Heffernan. Amsterdam: Editions Rodopi.
  • World and Other Writings, trans. Stephen Gaukroger. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Discourse on Method and Related Writings, trans. Desmond M. Clarke. London: Penguin.
  • Meditations on First Philosophy: With Selections from the Objections and Replies, trans. Michael Moriarty. Oxford: Oxford University Press. A fresh translation with detailed explanatory notes.

 

مصادر ثانوية حول رينيه ديكارت (Descartes)

مصادر

  • Carriero, John, 2008. “Cartesian Circle and the Foundations of Knowledge,” in Companion to Descartes, ed. Janet Broughton and John Carriero. Malden, Mass.: Blackwell, 302–18.
  • Cottingham, John, 1998. “Descartes’ Treatment of Animals,” in Descartes, ed. John Cottingham. Oxford: Oxford University Press, 225–33.
  • Damasio, Antonio, 1994. Descartes’ Error: Emotion, Reason, and the Human Brain. New York: Putnam.
  • Descartes, René, 1964–76. Oeuvres de Descartes, 11 vols., ed. Charles Adam and Paul Tannery, new edn. Paris: Vrin/CNRS. Cited by volume and page number.
  • Doney, Willis (ed.), 1987. Eternal Truth and the Cartesian Circle. New York: Garland Publishing.
  • Frankfurt, Harry G., 1962. “Memory and the Cartesian Circle,” Philosophical Review, 71: 504–11.
  • –––, 1965. “Descartes’ Validation of Reason,” American Philosophical Quarterly, 2: 149–56.
  • Garber, Daniel, 1992. Descartes’ Metaphysical Physics. Chicago: University of Chicago Press.
  • Hatfield, Gary, 1993. “Reason, Nature, and God in Descartes,”, in Essays on the Philosophy and Science of Rene Descartes, ed. Stephen Voss. New York: Oxford University Press, 259–87.
  • –––, 2000. “Descartes’ Naturalism about the Mental,” in Descartes’ Natural Philosophy, ed. Stephen Gaukroger, John Schuster, and John Sutton. London: Routledge, 630–58.
  • –––, 2006. “Cartesian Circle,” in Blackwell Guide to Descartes’ Meditations, ed. Stephen Gaukroger. Oxford: Blackwell, 122–41.
  • –––, 2007. “The Passions of the Soul and Descartes’s Machine Psychology,” Studies in History and Philosophy of Science, 38: 1–35.
  • –––, 2008. “Animals,” in Companion to Descartes, ed. John Carriero and Janet Broughton. Oxford: Blackwell, 404–25.
  • –––, 2013. “Descartes on Sensory Representation, Objective Reality, and Material Falsity,” in Descartes’ Meditations: A Critical Guide, ed. Karen Detlefsen. Cambridge: Cambridge University Press, 127–50.
  • Jacquette, Dale, 1996. “Descartes’ Lumen Naturale and the Cartesian Circle,” Philosophy and Theology: Marquette University Quarterly, 9: 273–320.
  • Loeb, Louis, 1992. “Cartesian Circle,” in Cambridge Companion to Descartes, ed. J. Cottingham. Cambridge: Cambridge University Press, 200–35.
  • Machamer, Peter, and J. E. McGuire, 2006. “Descartes’s Changing Mind,” Studies In History and Philosophy of Science, 37: 398–419.
  • Moriarty, Michael, 2003. Early Modern French Thought: The Age of Suspicion. Oxford: Oxford University Press.
  • Nolan, Larry (ed.), 2014. The Cambridge Descartes Lexicon. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Popkin, Richard H., 1979. History of Scepticism from Erasmus to Spinoza. Berkeley: University of California Press.
  • Rodis-Lewis, Geneviève, 1998. Descartes: His Life and Thought, trans. J. M. Todd. Ithaca: Cornell University Press.
  • Rorty, Amélie (ed.), 1986. Essays on Descartes’ Meditations. Berkeley: University of California Press.
  • Rozemond, Marleen, 2006. “The Nature of the Mind,” in Blackwell Guide to Descartes’ Meditations, ed. Stephen Gaukroger. Oxford: Blackwell, 48–66.
  • Russell, Bertrand, 1914. Our Knowledge of the External World as a Field for Scientific Method in Philosophy. Chicago: Open Court.
  • Schuster, John, 1980. “Descartes’ Mathesis Universalis, 1619–28,” in Descartes: Philosophy, Mathematics and Physics, ed. Stephen Gaukroger. New Jersey: Barnes and Noble, 41–96.
  • Sebba, Gregor, 1987. Dream of Descartes. Carbondale, Ill.: Southern Illinois University Press.
  • Simmons, Alison, 2003. “Descartes on the Cognitive Structure of Sensory Experience,” Philosophy and Phenomenological Research, 67: 549–79.
  • Watson, Richard, 2007. Cogito, Ergo Sum, rev. edn. Boston: Godine.
  • Wee, Cecilia, 2006. Material Falsity and Error in Descartes’ Meditations. London: Routledge.
  • Wells, Norman J., 1982. “Descartes’ Uncreated Eternal Truths,” The New Scholasticism, 56: 185–99.
  • Wheeler, Michael, 2005. Reconstructing the Cognitive World: The Next Step. Cambridge: MIT Press.
  • Wolf-Devine, Celia, 1993. Descartes on Seeing: Epistemology and Visual Perception. Carbondale: Southern Illinois University Press.

 

مصادر أخرى للقراءة حول رينيه ديكارت

  • Alanen, Lilli, 1994. “Sensory Ideas, Objective Reality, and Material Falsity,” in Reason, Will, and Sensation: Studies in Descartes’s Metaphysics, ed. John Cottingham. Oxford: Clarendon Press, 229–50.
  • Ariew, Roger, 2011. Descartes among the Scholastics. Leiden: Brill.
  • Ariew, Roger, John Cottingham, and Tom Sorell (eds.), 1998. Descartes’ Meditations: Background Source Materials. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Broughton, Janet, 2002. Descartes’s Method of Doubt. Princeton: Princeton University Press.
  • Broughton, Janet, and John Carriero (eds.), 2008. Companion to Descartes. Malden, Mass.: Blackwell.
  • Brown, Deborah J., 2006. Descartes and the Passionate Mind. Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2012. “Cartesian Functional Analysis,” Australasian Journal of Philosophy, 90(1): 75–92.
  • Carriero, John, 2009. Between Two Worlds: A Reading of Descartes’s Meditations. Princeton: Princeton University Press.
  • Clarke, Desmond M., 1982. Descartes’ Philosophy of Science. University Park: Pennsylvania State University Press.
  • Cottingham, John (ed.), 1992. Cambridge Companion to Descartes. Cambridge: Cambridge University Press.
  • ––– (ed.), 1994. Reason, Will and Sensation: Studies in Descartes’s Metaphysics. Oxford: Clarendon Press.
  • ––– (ed.), 1998. Descartes. Oxford: Oxford University Press.
  • Cunning, David, 2010. Argument and Persuasion in Descartes’ Meditations. Oxford: Oxford University Press.
  • Curley, Edwin, 1978. Descartes against the Skeptics. Cambridge, Mass.: Harvard University Press.
  • Des Chene, Dennis, 1996. Physiologia: Natural Philosophy in Late Aristotelian and Cartesian Thought. Ithaca: Cornell University Press.
  • Detlefsen, Karen (ed.), 2013. Descartes’ Meditations: A Critical Guide. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Dicker, Georges, 2013. Descartes: An Analytical and Historical Introduction, 2nd edn. New York: Oxford University Press.
  • Dobre, Mihnea, and Tammy Nyden (eds.), 2013. Cartesian Empiricisms. Dordrecht: Springer.
  • Flage, Daniel E., and Clarence A. Bonnen, 1999. Descartes and Method: A Search for a Method in Meditations. London: Routledge.
  • Frankfurt, Harry G., 1970. Demons, Dreamers, and Madmen. Indianapolis: Bobbs-Merrill.
  • Gaukroger, Stephen, 1995. Descartes: An Intellectual Biography. Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2002. Descartes’ System of Natural Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press.
  • ––– (ed.), 2006. The Blackwell Guide to Descartes’ Meditations. Malden, Mass.: Blackwell.
  • Gaukroger, Stephen, John Schuster, and John Sutton (eds.), 2000. Descartes’ Natural Philosophy. London: Routledge.
  • Grene, Marjorie, 1985. Descartes. Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Guèroult, Martial, 1984–85. Descartes’ Philosophy Interpreted According to the Order of Reasons, trans. R. Ariew, 2 vols. Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Hatfield, Gary, 1986. “The Senses and the Fleshless Eye: The Meditations as Cognitive Exercises,” in Essays on Descartes’ Meditations, ed. Amèlie Rorty. Berkeley: University of California Press, 45–79.
  • –––, 2014. Descartes’ Meditations. London: Routledge.
  • Kenny, Anthony, 1968. Descartes: A Study of His Philosophy. New York: Random House.
  • Laudens, Laurens, 1966. “The Clock Metaphor and Probabilism: The Impact of Descartes on English Methodological Thought, 1650-65,” Annals of Science, 22: 74–104.
  • Manning, Gideon, 2012. “Descartes’ Healthy Machines and the Human Exception,” in The Mechanization of Natural Philosophy, ed. Sophie Roux and Dan Garber. New York: Kluwer, 237–62.
  • Menn, Stephen, 1998. Descartes and Augustine. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Nelson, Alan (ed.), 2005. Blackwell Companion to Rationalism. Oxford: Blackwell.
  • Rodis-Lewis, Geneviève, 1998. Descartes: His Life and Thought, trans. J. M. Todd. Ithaca: Cornell University Press.
  • Rozemond, Marleen, 1998. Descartes’s Dualism. Cambridge: Harvard University Press.
  • Secada, Jorge, 2000. Cartesian Metaphysics: The Late Scholastic Origins of Modern Philosophy. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Shapiro, Lisa, 2003. “The Health of the Body-Machine? 17th Century Mechanism and the Concept of Health,” Perspectives on Science, 11: 421–42.
  • Shea, William R., 1991. Magic of Numbers and Motion. Canton, Mass.: Science History Publications.
  • Simmons, Alison, 1999. “Are Cartesian Sensations Representational?” Nous, 33: 347–69.
  • –––, 2001. “Sensible Ends: Latent Teleology in Descartes’ Account of Sensation,” Journal of the History of Philosophy, 39: 49–75.
  • Smith, Norman Kemp, 1953. New Studies in the Philosophy of Descartes: Descartes as Pioneer. London: Macmillan.
  • Voss, Stephen (ed.), 1993. Essays on the Philosophy and Science of René Descartes. New York: Oxford University Press.
  • Williams, Bernard, 1978. Descartes, The Project of Pure Inquiry. London: Penguin.
  • Wilson, Catherine, 2003. Descartes’s Meditations: An Introduction. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Wilson, Margaret D., 1978. Descartes. London: Routledge & Kegan Paul.

أدوات أكاديمية لمدخل رينيه ديكارت (Descartes)

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت حول رينيه ديكارت (Descartes)


مداخل ذات صلة بـ رينيه ديكارت (Descartes)

Arnauld, Antoine | Cordemoy, Géraud de | Descartes, René: and the pineal gland | Descartes, René: epistemology | Descartes, René: ethics | Descartes, René: life and works | Descartes, René: mathematics | Descartes, René: modal metaphysics | Descartes, René: ontological argument | Descartes, René: physics | Descartes, René: theory of ideas | Elisabeth, Princess of Bohemia | emotion: 17th and 18th century theories of | Gassendi, Pierre | La Forge, Louis de | Le Grand, Antoine | Malebranche, Nicolas | More, Henry | occasionalism | Regius, Henricus


Acknowledgments

The author thanks Holly Pittman for advice concerning this entry. 


[1] Hatfield, Gary, “René Descartes”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives /sum2018/entries/descartes/>.