الكاتبمحسن المحمدي

إن طه عبد الرحمن، وانطلاقا من كتابيه: “بؤس الدهرانية” و”شرود ما بعد الدهرانية”، يسعى إلى أن يحكي، من وجهة نظره، قصة الحداثة ودُرُوبَهَا، التي ماهي في المحصلة سوى انتقال من المروق إلى الشرود، وأحياناً إلى المرود. أو لنقل إنها انتقال من إبعاد الدين إلى إبعاد الأخلاق، أو بعبارة أدق، هي مسار التنازل عن الوحي المؤدي إلى التنازل مباشرة عن الله نفسه. ولكي يشرح طه عبد الرحمن هذا الانتقال، وهذا المسار من الدهرانية إلى ما بعد الدهرانية، يقف عند ثلاث عبارات قوية، لفلاسفة كبار من الزمن الحديث، تفسر بوضوح قلب الأشياء من عالم السماء إلى عالم الأرض، ومن عالم السِّتْر إلى عالم التكشف، وهنا بيان ذلك[1]:

أولاً: بدأ بعبارة شهيرة للفيلسوف بليز باسكال، في القرن السابع عشر، والقائلة بحسب ترجمته: “إن صمت هذه الفضاءات التي لا تتناهى ليجعل الرُّعب يَنْتابُني”[2].

ثانياً: انتقل لذكر عبارة أخرى، لكن هذه المرة من قلب القرن الثامن عشر، وهي للفيلسوف إيمانويل كانط، الذي يضعه، بدوره، ضمن زمرة الدهرانيين والمارقين البؤساء، وهي كالآتي:

“أمران اثنان يملآن قلبي إعجاباً وإجلالاً، لا يزالان يتجددان ويزدادان بقدر ما يتعلق بهما فكري متأملاً لهما، وهما: السماء المزينة بالنجوم من فوقي والقانون الأخلاقي في نفسي”.

ثالثاً: لجأ إلى عبارة مأخوذة من القرن التاسع عشر وهي للفيلسوف فريديريك نيتشه، المعروف بهجومه الضاري على كل الأفكار المثالية المعادية للحياة، وهي كالآتي: “لكنه [أي “إن الإله الذي كان يرى كل شيء حتى الإنسان، كان ينبغي أن يموت”.

لقد قدم طه عبد الرحمن هذه العبارات، والتي قيلت وبالتتابع خلال ثلاثة قرون، ليبرز أن الحداثة قد قطعت مسارا محددا، كانت بدايته لا تزال مؤمنة بالوحي والله، لتصبح بعد ذلك، وفي خطوة ثانية، مؤمنة بالله لكن مفصولة عن الوحي، لتصل في النهاية إلى ترك الله نفسه وإعلان موته.

إن الناس في زمن باسكال، كانوا لا يزالون يؤمنون برب لهذه السماء، وأنه أنزل عليهم دينا يرسم لهم حدودا تحميهم من المروق، وأخلاقاً تنجيهم من الشرود. أما في زمن كانط، وهو عصر الأنوار، فقد بدأت الحداثة تتجه نحو استقلال الإنسان وإعلان قدرته على بلوغ الأخلاق دون سند السماء، وذلك بالرجوع للعقل وحده، وهو ما عبَّر عنه طه عبد الرحمن بقوله: “صار مواطنوه (يقصد كانط) يؤمنون بأن أخلاقهم لا يحدّها نازل دينهم، وإنما يحدُّها راشد عقلهم، متخذين الفصل بين الأخلاق والدين لاحب طريقهم”[3]. أما زمن نيتشه، الذي يمكن اعتباره ذروة الحداثة، فقد تم الابتعاد فيه ليس عن الدين فقط، ولكن كان الابتعاد فيه عن الأخلاق نهائياً، وتزامن ذلك مع إعلان موت الإله، والسهر بإصرار على إفراغ السماء منه، وهو ما ساق الحداثة نحو ما بعد الدهرانية، بعدما كانت فقط دهرانية[4]. وبالنتيجة، تصبح، خطاطة الحداثة عند طه عبد الرحمن، على هذه الشاكلة: الإيمان، فالمروق، ثم أخيراً الشرود، وأحياناً المرود.

لقد حاول طه عبد الرحمن، أن يظهر أن منشأ الدهرانية، أو قل حالة المروق، نابع من إنكار آمرية الإله، لصالح آمرية الإنسان. بمعنى أن الإنسان الدهراني أو المارق تخلى عن التشريع الإلهي؛ أي أوامره سبحانه، الموجِّهَة والمُرْشِدَة لعباده إلى سواء السبيل، ليعلن أنه قادر على تحمل مسؤوليته دون عون الإله، وهو الأمر الذي لا يقبله طه عبد الرحمن أبداً، إذ لا أخلاق عنده خارج التوجيه الرباني. وبناء عليه، لا يمكن للإنسان أن يعمل دون تسديد من الوحي، فوساطة الله هي من تُعْطِ أعظم تَخَلُّق[5].

هذا عن [الدهرانية المارقة]، أما عن [ما بعد الدهرانية الشاردة]، فإن طه عبد الرحمن، يرى أن منشأها يتجاوز مسألة الآمرية الإلهية إلى إنكار الشاهدية الإلهية لصالح شاهدية الإنسان، “فالشاهدية” عند طه عبد الرحمن، تعني أن الله شاهد على كل أفعال الناس، وأحوالهم بالحسن أو السوء، تبعا لموافقتها أو مخالفتها لشريعته. بعبارة أخرى فالشهادة الإلهية تجمع بين العلم والحكم، أي بكلمة واحدة هي مراقبة ومحاكمة[6].

وإذا كنا نعلم أن الحداثة تنبني على استقلال الذات الإنسانية بشكل بطولي، ليس أخلاقياً أو سياسياً أو معرفياً فقط، بل حتى وجودياً، فالحداثة تصبح آنذاك قائمة ــ وبعبارات طه عبد الرحمن ـ على: الآمرية والشاهدية الإنسانية، ملغية كل الأوامر المفارقة. بمعنى أن الإنسان يأمر ويوجه نفسه بنفسه، بل يشهد على نفسه بنفسه، فيكون بذلك هو المراقب والحكم في الوقت نفسه. وهو الأمر الذي يرفضه قطعا طه عبد الرحمن، تحت مبرر أن الذات لا تأمر نفسها بنفسها حتى تستحق أن تكون شاهداً عليها، وإنما يأمرها غيرها، فالأمر يصدر من الآمر على جهة الاستعلاء، والذات لا تستعلي على ذاتها، فالتخلق يبلغ ذروته كلما بلغ الآمر، والشاهد نهاية الكمال.

وبهذا نستنتج، أن طه عبد الرحمن يتحرك على النقيض تماما من مبادئ الحداثة سواء في شقها الدهري أو شقها الما بعد دهري، فهي تعلي من شأن الإنسان، وهو يعلي من شأن الله.

سنحاول في هذا البحث الوقوف عند نموذج من الشاردين (مابعد الدرهرانيين) عند طه عبد الرحمن، وهو جورج باطاي، الذي قدم فلسفة دنيانية، ترى العالم بعيون شبقية(إيروسية)، وطبعا سوف لن نقدم النقد الائتماني لهذا الأديب /الفيلسوف، إلا بعد أن نقف عند بعض ملامح تصوره، خاصة تلك التي لا تظهر في عمل طه عبد الرحمن، كي تكون المقارنة سديدة ومكتملة، كما سنوجه أنفسنا بسؤال نرى من خلاله حدود موقف طه عبد الرحمن وهو: هل كانت رؤية باطاي حرة وجزئية أم كانت اضطرارية وموجهة بإطار نظري هائل وصلد له مسوغات التواجد؟  

 1. لمحة حول فلسفة جورج باطاي

يُعد الفيلسوف جورج باطاي[7] (1897-1962م)، من الكبار الذين أدخلهم طه عبد الرحمن ضمن قائمة الشاردين، ما بعد الدهرانيين، وقبل تقديم النقد الائتماني الموجه له، وجب إلقاء نظرة عامة حول فلسفته أوّلا، وذلك كالآتي:

يشير مترجم كتاب جورج باطاي الأساسي “الإيروسية”[8]، وهو الكتاب الذي سيعتمده طه عبد الرحمن كثيراً في نقده، إلى أن باطاي يرفض أن يضع نفسه في خانة الفلاسفة، لكنّ الحقيقة ومن خلال فحص عمله يظهر على أنه فلسفي بامتياز، بدليل أنه يشتكي نفسه من ضعف التدبر الفلسفي لسؤال الإيروسية، فكتابه في مجمله، محاولة منه لتقديم نظرة إيروسية (شبقية) للعالَم، من خلال تجربته الخاصة، هذه التجربة وكأنها ذات صبغة لاهوتية باطنية توضع موضع الانفعال والتأمل الشعري[9]، مع الإشارة إلى أن الدين الذي يتحدث عنه باطاي، لاعلاقة له بكل ارتباطاته التاريخية، فهو دين لنقل عنه أنه محايث جداً، يقول: “عليّ أن أتوخى تجربة انفرادية من دون تقاليد ولاطقوس، ومن دون أي شيء يوجِّهني أو يعرقلني، وتتمثل مهمتي [في هذا الكتاب] في التعبير عن التجربة الباطنية فقط، أي التجربة الدينية بحسب رأيي، حيث يكون ذلك خارج الأديان المعروفة”[10].

ويضيف المترجم على أن كتاب باطاي ليس فقط حديث عن تجربة باطنية عشوائية، بل هو حديث مؤطر منهجيا ومقدم بشاكلة صارمة ومقسمة بدقة وعقلانية، الأمر الذي يجعل منه فيلسوفاً رُغْمَ أنفه.

ويسعى باطاي في مشروعه، الذي ينظر إلى الحياة من منظار الإيروسية، إلى جعل الإمكانات المتعارضة ما بين القداسة والمجون تتناسق، وجعل الخيوط تتقاطع بينهما عوض نفي بعضهما البعض[11]. فـباطاي يرى أن موضوع الإيروسية تَوَقَّفَ، وعليه إتمامه بالبحث عن الالتئام بينها وبين القداسة، حيث يؤكد في عمله هذا على: “وحدة دوافع الإيمان المسيحي ودوافع الحياة الشهوانية”[12].

يعرف جورج باطاي الإيروسية باعتبارها: “إقرار الحياة حتى الموت”[13]، فهي ليست غريبة من الموت بل هي الموت عينه، كما أن الإيروسية نزوع سيكولوجي مستقل تماما عن همّ الإنجاب وإعادة إنتاج الحياة، فإذا كان التكاثر نشاط جنسي مشترك بين الإنسان والحيوان، فإن البشر دون سواهم من استطاع تحويل النشاط الجنسي إلى نشاط إيروسي.

إن باطاي يؤكد على أن العلاقة بين الموت والإثارة الجنسية قائمة، “إذ يمكن لمشاهدة أو تخيل القتل أن يثير الرغبة في المتعة الجنسية. يحصل ذلك على الأقل عند الأشخاص غير الأسوياء”[14]. وهو ما ظهر بوضوح بحسب باطاي عند الماركيز دوساد[15]، حينما كان يقر بأنه: “لا وجود لشخص متحرر جنسياً ومنغمس قليلاً في الرذيلة، ولا يدرك كم للقتل من سلطة على الحواس”، وأيضاً إقراره الذي يراه باطاي متميزاً بأنه: “ما من سبيل للتآلف مع الموت أفضل من ربطه بفكرة ماجنة”[16]. فكينونة الإنسان لا يمكن تصورها خارج إطار العلاقة ما بين الموت والإثارة الجنسية.

وإذا كان الإنجاب يتعارض والإيروسية، على أساس أن التلذذ الجنسي غَيَّره الإنجاب، فإنه وبالرغم من ذلك، يظل مفتاحا أساسيا لفهمها، وهو ما يشرحه باطاي بعمق كالآتي:

إن الإنجاب يخرج لنا إلى الوجود كائنات منفصلة: [17]Des êtres discontinus، ومتميزة عن بعضها البعض، فالفرد منا يولد لوحده ويموت لوحده، فحياته تعنيه هو بالدرجة الأولى، فهناك عزلة شديدة بين الذوات، بل بين كل الكائنات، فذاتي تلزمني أنا، وتجربتي الخاصة هي تجربتي أنا (فالفرح فرحي والحزن حزني والاحتضار احتضاري والموت موتي)، فبيني وبين الآخر هوة سحيقة، بكلمة واحدة هناك انفصال لا يمكن نكرانه بين الكائنات[18]. يقول باطاي: “هذه الهوة توجد، مثلاً بينكم، أنتم الذين تستمعون إلي، وبيني أنا الذي أتحدث إليكم. إننا نحاول التواصل، لكن ما من اتصال بيننا يمكنه إلغاء الفرق الأولي. فإذا مِتُّمْ، لست أنا من يموت. نحن، أنتم وأنا، كائنات منفصلة”[19].

فما الحل إذاً لسد هذا الانفصال المؤلم بين الذوات البشرية وحتى الحيوانية؟ إنه السعي الدؤوب نحو الاتحاد وخلق الاتصال المفقود، وما الإيروسية إلا السبيل نحو ذلك، لكن بثمن باهظ هو الموت. فالموت والإيروسية متلازمان، إن لم نقل إنهما متماهيان حد الذهول، فكيف ذلك؟

كي يقنعنا باطاي بأن الموت والجنس وجهان لعملة واحدة، يعود بنا إلى بعض المعطيات العلمية المتعلقة بالإخصاب الجنسي، إذ كي تتم هذه العملية يلزم وجود كائن منفرد هو الحيوان المنوي من جهة كما يلزم أيضاً شريكا آخر هو كائن منفرد بدوره والمتمثل في البويضة. إن حركة الحيوان المنوي تبدو وكأنها هروب من العزلة، وخوف من التفرد المقلق نحو البويضة التي تتوق بدورها للخروج من انفصالها، فيحدث ذلك الاتصال المعجز بينهما، لكن هذا الاتحاد يكون على حسابهما ككائنين منفصلين إذ يؤدي إلى إتلافهما معا. فالكائن الجديد المشكل، جراء الإخصاب، لا هو بالحيوان المنوي، ولا هو بالبويضة، إنه الذوبان المميت لتميزهما السابق، والانصهار الساحق لهما[20].

يسعى باطاي من خلال مثاله القوي، إثبات قوة أطروحته القائلة بأن هاجس المنفصل هو الاتحاد، فمعركة المعنى تتحقق من خلال الجري غير المنقطع، نحو الاتصال الذي هو الخلاص من تلك العزلة الوجودية القاسية للكائن، وهو يخوض غمار تجربته بالمفرد، فالبقاء الحقيقي للاتحاد لا للمنفصل.

إن ما يحصل في العالم الأصغر المجهري بين الحيوان المنوي والبويضة، يمكن تعميمه على كل العالم، يقول باطاي: “ما يحدث هو في الأساس عمليات مرور من المتصل إلى المنفصل، فنحن كائنات منفصلة، إننا أفراد فانون في عزلة وفي خضم مغامرة غير مفهومة، غير أننا نملك ذلك الحنين إلى الاتصال المفقود”[21]. فالفرد حسب باطاي، لا يستطيع تحمل وجوده الفاني بالمفرد أو ما يسميه بفردية المصادفة، فيبذل قصارى جهده وَبِهَوَس كبير، للاتصال والاتحاد بالكينونة العامة.

ويؤكد جورج باطاي أن البحث عن هذا الاتحاد يتم بوسيلة وحيدة، هي: الإيروسية، التي تتخذ أشكالاً ثلاثة، وهي[22]:

  • إيروسية الأجساد (الجنس): L’ érotisme des corps
  • إيروسية القلوب والمشاعر (الحب): L’érotisme des cœurs
  • إيروسية المقدس (الدين): L’érotisme sacré

إن هذه الأنواع الثلاثة من الإيروسية، هي التي يتمكن من خلالها الفرد المنفصل تحقيق المعنى لوجوده، وتكسبه درجة من الاتصال بالكينونة العامة، وإذا كانت الإيروسية الجسدية والقلبية تفهم بسهولة، فإن الإيروسية المقدسة تستعصي ــ بحسب باطاي ــ على الفهم لأنها أقل ألفة.

نصل مع باطاي إذاً، إلى أن ممارسة الجنس الجسدي، والخوض في تجربة الحب وتبادل المشاعر، وكذلك الاتجاه صوب عشق الاتحاد (شبيه بالعشق الإلهي الصوفي)، تعد بمثابة المحاولات الإيروسية الأصيلة، التي تعوض الذات عن عزلتها وانفصالها وغربتها الكبرى، باتصال واندماج بالكل، ومن تم يمكن في المحصلة القول بأن الإيروسية، هي نوع من الاتحاد المؤدي إلى الموت. ومن تم يكون الجديد الذي أقحمه باطاي هو مفهوم الاتصال في مقابل انفصال الكائن[23].

إننا حينما نعود إلى مثال الإخصاب السابق، يبرز لنا بحسب باطاي سر كبير وهو: “أن ميدان الإيروسية هو أساسا، ميدان العنف، ميدان الخرق والانتهاك”، ويوضح ذلك أكثر متسائلا عن معنى إيروسية الأجساد: ماذا تعني؟ عدا كونها اغتصاب لكيان الشريكين، اغتصاب يفضي إلى الموت؟ أي بوجه ما إلى القتل؟، فالحيوان المنوي وهو يمارس الهدم والكسر والعنف، يندثر ككيان مفرد، وبالمثل يحدث للبويضة، وذلك كله لصالح الاتحاد بينهما.

يضيف باطاي أن وجود الكائن المنفصل يعبر دائماً عن حالة انغلاق وتقوقع وانطواء، أو لنقل أنه في الحالة العادية التي لا يخرج منها إلا عن طريق التعري[24]. الذي هو حالة تواصل تفتح أبواب الذات والآخر معاً. فالمباشرة الإيروسية الجسدية ما هي سوى تحطيم لبنية الكائن المنغلق والمنفصل للشريك، ومن ثَمَّ فالعنف مطلب ضروري وطبيعي لبلوغ الاتحاد، الذي ما هو سوى القداسة، لأن البقاء بقاء الكل لا المنفصل.

ومن هنا يمكن أن نفهم أن الموت هو الاتجاه بالمنفصل القلق وجودياً، نحو المتصل عن طريق تلاشيه وتحطمه، فهو القربان والأضحية اللازمة للاندماج في الكينونة الكلية. ومن ثَمَّ تكون الإيروسية وسيلة تجر نحو هذا الهدف، الأمر الذي دفع الماركيز دوساد إلى إعلان: “أن القتل هو قمة الإثارة الجنسية”[25]. فباطاي لا يخفي انبهاره وخوفه من ذلك التبديد والهدر الهائل للطاقة في عملية التكاثر الجنسي.

لتبسيط موقف جورج باطاي حول الإيروسية الجسدية، نقدم للقارئ الخطاطة التوضيحية الآتية:

يتبين من الخطاطة أعلاه، أن الجنس والموت مترابطان، ولم يكتفِ باطاي بالتنظير لهذا الارتباط، بل جسده، ومنذ وقت، مبكر في رواياته[26]، فالجنس عنده خلاص من الانفصال وذهاب نحو الاتحاد [القداسة]، والموت ثمن هذه الحركة الدؤوبة التي لا تتوقف.

فالأجساد المنفصلة هي قرابين وأضاحٍ للكينونة العامة التي لا تموت. وهذه كما يتضح دنيانية، ما بعدها دنيانية ستجعل طه عبد الرحمن يشهر نقده الائتماني عليها دون هوادة، فـباطاي عنده غارق في الشرود.

وبالعودة إلى بقية الأنواع من الإيروسية، فإن باطاي يرى أن الجنس باعتباره ممارسة جسدية، هو في الأحوال كلها يبقي على نوع من الثقل والكآبة، لأنه “يحافظ على استمرار الانفصال الفردي في شكل أنانية فجة”[27]. ليتحدث لنا عن الإيروسية الأخرى، وهي المتعلقة بالقلب والمشاعر، فهي بدورها تخفف من وطأة الانفصال، مع تجاوزها البعد المادي المباشر، إذ يضاف إلى ذوبان الأجساد التعاطف الأخلاقي يقول باطاي: “أما إيروسية المشاعر، فإنها أكثر تَحَرُّراً. غير أنها إذا كانت تنفصل ظاهريا مع مادية الإيروسية الجسدية، فإنها في الحقيقة تنبع منها، لأنها لا تمثل عادة سوى مظهرها الذي هدأه شعور المحبين المتبادل”.

وتماشياً مع أطروحته، يقر باطاي أن “الإيروسية القلبية قادرة على أن تكون أكثر عنفا من الرغبة الجسدية نفسها”، أو لنقل إنها ترتبط هي أيضاً بالموت، فالحب قبل أن يكون سعادة، يمكن التمتع به، فهو يعج بالمعاناة، ويصاحبه الاضطراب والانزعاج، تصل بالعاشق في حالة عدم تمكنه من تملك معشوقته، إلى التفكير في قتلها، فهو يفضل ذلك على فقدانها. وفي حالات أخرى تنتابه رغبة في الانتحار والتضحية بنفسه[28].

إن المُحِبَّ يُدْرِك عمق الوجود من خلال وساطة الحبيب، فهو من يضمن له الاتصال بالكينونة، وهو المَعْبَر نحو الخلاص، لكن هذه العاطفة المعول عليها لبلوغ الاندماج والانصهار مع الكل، تقودنا أحيانا إلى جحيم المعاناة، لأن إرادة جعل القلبين قلباً واحداً هو وَعْدٌ زائف، الأمر الذي يُوَلِّدُ رغبة في القتل أو الانتحار كما سبق الذكر، مما يجعلنا نخلص إلى أن الإيروسية القلبية مثلها مثل الإيروسية الجسدية، فهي بدورها لا تخلو من العنف[29].

أما عن آخر نوع من الإيروسية؛ “إيروسية القداسة”، فهو يضم الأنواع الأخرى كلها، وذلك كالآتي:

إذا كان المنفصل يفنى، فإنه، بحسب باطاي، هناك شيء واحد لا يفنى أبداً، إنه اتصال الكينونة التي تجسد الأصل، بل إن الموت هو الحقيقة التي تكشف لنا هذه الكينونة المتصلة، وتجعلها بارزة، فـ”النشاط الإيروسي الذي يقود إلى انحلال الكائنات المنخرطة فيه، يكشف عن هذا الاتصال”[30].

إن هذا الاستنتاج الذي لا يتوقف باطاي عن ذكره، هو الذي يفسر لنا جيدا فكرة التضحية والقربان، التي تتخذ بعدا عنيفا أحياناً في بعض الأديان، فهي تتمثل، كما نعرف، في تقديم كائن منفصل من أجل الكينونة الباقية، فتحقيق الموت عن طريق تدمير الأضحية باعتبارها جزءً منفصلاً ينسحق في الكل، يجعل الجمهور الحاضر قد شارك في كشف عنصر هو الذي تسميه الأديان بـ”المقدس”. فهو ينجلي ويتكشف لحظة إتلاف المنفصل، والإنصات العميق لذلك الصمت المُخَيِّم على الجميع. وبكلمة أخرى، نفهم المقدس عند باطاي باعتباره “اتصالاً للكينونة”، ونفهم القربان عنده باعتباره تلاشيا وذوبانا للجزء في الكل، وانسحاقا للمنفصل في المتصل. كما أنه سبيل لانكشاف المقدس الذي تسميه الأديان بالإلهي.

إذا كانت التجربة الجنسية الجسدية والعاطفية ترتبط بموضوع واقعي، وتتحقق انطلاقا من انتظار الصدفة التي تسمح لنا بلقاء الآخر المنفصل بدوره، لنربط معه اتصالا ينتشلنا ولو لردح من الزمن، من ضيق الوجود المنفرد، فإن التجربة الإيروسية المقدسة بما هي تجربة صوفية تتم دون عراقيل الموضوع، أو لنقل إنها عشق للكل، وسعي نحو الارتماء في حضن ذلك الاتحاد الإجمالي.

2. استنتاج: القداسة المحايثة عند باطاي

حينما نتأمل أطروحة باطاي بتمعن، فإننا نجدها لا تخرج قط عن الإطار العام للحداثة، التي تريد فهم تكوين الشيء لا خلق الشيء، وهي القاعدة المنهجية الأساسية (قاعدة الفصل أو العزل)، التي رهنت الزمن الحديث، والتي طَبَّقَها العلم وحقق من خلالها نتائج مبهرة، بل لازال يطبقها، ويكتسح من خلالها ساحة الألغاز يوماً بعد يوم، وهو مالا يمكن نكرانه بالمرة، وهو ما وضّحناه بتفصيل في الباب الأول من هذا البحث.

والأمر كما رأينا، انطلق في القرن السابع عشر من الأشياء المادية، ليتجه بعد ذلك نحو كل القطاعات، بل حتى صوب الأشياء العاطفية والروحية، إذ تشكلت إرادة جامحة لدراسة كل شيء وفق منطق التكوين، لا منطق الخلق. فـباطاي لا يخرج عن هذا الإطار من رؤية العالم، إذ يعتبر الموجه له ولغيره، فالأمر ليس اختياراً أبداً، والكلمة للأنساق لا للأجزاء المفعول بها، لذلك نجده يؤكد في أكثر من مناسبة على أنه يريد أن يرى الإنسان كما هو وليس كما نريد، فحينما تم “قتل الإله”، وتفكيك كل القيم القديمة وجعلها عبارة عن قيم ارتكاسية تقتل الحياة وتخنقها، بدأ الباحثون يبحثون عن بدائل أخرى للقداسة المفقودة، التي تتلاءم والإنسان الحديث؛ تتلاءم ومنطق التكوين. أو لنقل بدأ البحث عن روحانيات لائكية، وهو ما توضح مع الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري، من خلال كتابه “ثورة الحب من أجل روحانيات لائكية”[31]، لكن الأمر بدأ قبله، وبشكل مبكر، مع جورج باطاي، الذي لم يخرج عن مسار إعادة ترتيب العناصر القديمة بما يتوافق والباردايم الحداثي، ذو النزعة “الدنيانية” و”الاستراتيجية “المحايثة”، أي اتخاذ طريق “تكوين الأشياء”.

لذلك، وجدنا المفاهيم تشحن من جديد بدلالات جديدة، وهو ما حدث مع السياسة والأخلاق والتاريخ والدين، حيث نُفِضَتْ عنها معانٍ لِتَلْبَسَ معانٍ أخرى، ومن أبرز هذه المفاهيم نجد مفهوم “القداسة”، فباطاي حاول أن يعيد صياغته بطرح حداثي لا يدخل فيه المفارق بالمعنى التقليدي، ليصبح عنده القداسة للاتحاد والاتصال، الذي ما هو سوى الكل أي الكينونة الإجمالية والشاملة، ولنقل بتعبير اسبينوزا المعروف (الطبيعة بما هي كل)، أما الأجزاء المتناثرة في هذا الوجود ما هي سوى كائنات متفردة ومغلقة، تعيش تمزقاً وقلقاً وجودياً وكأنها نزعت نزعا من الكل، لذلك فهي شديدة التوق، لمعانقة هذا الكل من جديد أي معانقة القداسة.

وسبيل الأجزاء إلى ذلك هو البحث عن الآخر، المنغلق بِدَوْرِه، بحثاً يأخذ طابعاً إيروسياً، فيه الكثير من التعري الذي يخلط الذوات بعضها ببعض، ويمكنها من التواصل، ومن تم الاحتماء ولو للحظات من قسوة العزلة والانغلاق، ونسيان قلق الوجود. لكن هذا الهوس والسعي الدؤوب بين الكائنات المنفصلة، والذي يجسده بوضوح بليغ وملحمي الحيوان المنوي والبويضة أثناء التحامهما، درءً للتفرد المخيف، لا يكون دونما ثمن يدفع والذي ماهو سوى التلاشي والاندثار، الهدر والتبديد، الاختراق والتحطيم، الموت الأصغر والموت الأكبر، فالقرابة مابين الشبق والقتل والنشوة والموت كبيرة جداً، فالكائن المنفصل يقدم نفسه قرباناً وأضحية من أجل الكل، فهو مدفوع لذلك دفعا ولا راد لهذا القانون الحاكم. فالكائن المنفصل يموت والاتصال يبقى.

نكتشف من خلال ما تقدّم أن باطاي صوفي النزعة، لكنها”صوفية دنيوية”، حيث نراه يقلب الأمور رأساً على عقب، إذ يكفي أن تضع مكان فكرته عن الكينونة الشاملة؛ أي الاتحاد الأكبر، الله سبحانه، لنعود مباشرة نحو التعالي المعهود تاريخياً، فالله خالد سرمدي لا يموت، هذه الصفة يلصقها باطاي بالاتحاد، لتصبح القداسة المبحوث عنها في هذه الحالة هي قداسة أرضية ولائكية، لا تريد أن تخرج أبداً من هذا العالم، فهي تُفَسَّرُ من خلاله وفقط.

إن باطاي في حقيقة الأمر لا يفكر لوحده، بل يفكر ضمن منظومة شاملة هي الحداثة، التي لا تهتم إلا بتكوين الأشياء، وهو منطق العلم بامتياز. والذي برع من خلاله، مما يُعَقِّدُالأمر بالنسبة لنا، فرفض أطروحة “باطاي”، وغيره من الذين يفكرون في أفق الحداثة، عليه أن يُصَاحَبَ برفض لأسس العلم نفسه. وهو للأسف ما لا نجد له نقاشا شافيا عند فيلسوفنا طه عبد الرحمن، إذ الحلقة المفقودة عنده هي هذه العلاقة الوطيدة بين العلم ومسارات الحداثة كلها، وهو ما سعينا لتوضيحه في الباب الأول.

لذا، ومن خلال هذه الخلاصة، يمكننا القول إن كل من ينتقد الحداثة عندنا، عليه أن يتجه صوب أصلب ما فيها وهو العلم. ومادام عالمنا العربي الإسلامي لم يأخذ هذا الأمر بجدية، سنظل تائهين عن عصرنا ومفاتيحه سلباً وإيجاباً، خيراً وشراً.

إن كلام باطاي الدهراني، وغير المكترث لفكرة الإله [على أساس أن الله مقولة تم تفكيكها وتوجت بإعلان موته] والطارد لها من مجال الاهتمام، وكذلك تصوفه الذي هو عنده عبارة عن تجربة باطنية يتم فيها السعي نحو الالتحام بهذا الكل الوجودي؛ أو لنقل إنه انتقال من عشق الإله لعشق الكينونة، لايمكن أن يقبله طه عبد الرحمن، وسيعتبره شروداً وتيهاناً وقلباً للمقاييس.

إن باطاي حينما يرى أن الانتقال نحو القداسة يكون بضريبة العنف والتلاشي والموت، فإن النتيجة المترتبة عن ذلك هي: ضرورة الانتهاك، وضرورة تعدي كل الحدود، يقول باطاي: “نحن نرغب في اختراق هذه الحدود مهما كان الثمن، ولكننا نريد أن نتخطاها وأن نحافظ عليها في الوقت نفسه”[32]، لأنه على قدر التلاشي على قدر الاتحاد، ومن تم فالقداسة الكاملة هي بحث عن الموت الكامل، وهو ما يُسَوِّغ لمغامرة العنف وإيذاء الآخرين واستغلالهم من أجل تحقيق هذا الاتحاد. أو لنقل إن باطاي يشرعن بأطروحته للكائن المنغلق أن يتخذ من كائن آخر مطية ليقدمها أضحية وقربانا للاتحاد، فهو يجعل منه مجرد وسيلة، وهذا بالطبع يسبب متاعب كبيرة للأفراد، بل قد يسمح، مادام الانتهاك مطلباً، بالذهاب نحو كل صنوف الإباحية والخلاعة والفجور، الذي يوصل إلى المساس بالمحارم، والذهاب بهم في إيروسية جسدية تم تحريمها منذ القديم.

3. النقد الائتماني لشرود جورج باطاي

يُمثل جورج باطاي بالنسبة لطه عبد الرحمن الصيغة القابلية للنموذج ما بعد الدهراني، وسبب اختياره لقابيل بن “آدم عليه السلام” ليسمي توجه باطاي الفلسفي، هو أن مدار أحداث “قابيل” كانت مرتبطة بالموت والجنس، اللذين يعتبران بؤرة اهتمام باطاي الأولى، كما أوضحنا سابقاً، فـ”قابيل” قتل أخاه ورغب في نكاح أخته التوأم بدلاً من توأمة “هابيل”[33].

 لقد قدم جورج باطاي أيضاً، فلسفة فيها إنكار للآمرية الإلهية وللشاهدية الإلهية، مما يجعله شارداً بدوره. فهو ورث فكرة إعلان “موت الإله”، التي أعلنها نيتشه من جهة، وورث كل الإرث الإباحي الذي تركه الماركيز دو ساد [34] من جهة أخرى، لذلك نجد أعماله تعبر بحق عن موجة أصابت الزمن المعاصر، وهي الإفراط في الحديث عن الجنس، الذي لا يمكن فصله عن “موت الإله”، فالتحرر من الإله جعل الإنسان ينتشي بالعالم، فلا حدود ولا قيود، فأصبح المطلب هو جعل قوة الإله تنتقل للإنسان نفسه[35].

لقد نعت جون بول سارتر جورج باطاي بالصوفي الجديد، رغم عدم حبه لأن يوصف بذلك، والسبب في هذه التسمية، ترجع إلى أنه يعتبر التجربة الداخلية الخاصة به تغنيه عن الشاهدية الإلهية، أو لنقل إنه يُحبذ أن يعيش صوفية شبيهة بالصوفية المعهودة وجدانياً، لكنها متحررة من كل عقيدة. الأمر الذي جعل طه عبد الرحمن يسمي باطاي بالإنسان “السيد”، بمعنى أنه يضع نفسه مكان الإله، على اعتبار أن المتصوف يكون بين يدي الله عبداً، إلا أنه لا يريد هذا الوضع، بل يريد أن يكون متصوفاً سَيِّداً[36].

إن جورج باطاي، باعتباره ممثلاً للإنسان السيد الذي يتعدى الحدود، الأمر الذي يجعله يكشف سوءاته، وهو ما يدخله من الباب الواسع لعالم الشرود، بل إن طه عبد الرحمن، يعتبره أول من حاول التنظير لمفهوم التعدي وانتهاك الحدود[37]. وذلك ما يتوضح من خلال كتابه “الإيروسية” أو “الشبق”، الذي وقفنا عند بعض تفاصيله، وكذلك من خلال رواياته الإباحية، فالإنسان عنده لن يبلغ مرتبة “السيد” إلا إذا مارس فعل التعدي، فباطاي، يرى أن العلاقة ما بين التعدي والحد ليست علاقة ثابتة، بل هي علاقة جدلية تتميز بالخصائص التالية وهي:

ــ وجود الحد هو نفسه ما يسمح بالتعدي: أو لنقل إن الحد بذاته هو من يغري بالتعدي، يقول “باطاي”: ليس ثمة محرم لا يمكن تعديه، ويقول: يوجد المحرم لكي ينتهك، بل حتى الدين الذي هو مصدر الحدود يراه باطاي يأمر بتعديها، فمثلاً إذا كان القتل محرّما، ففي الحرب يصبح مباحا بل واجباً. إن رأيه، بحسب طه، يجد صداه في بعض العبارات الدارجة من قبيل: “كل ممنوع مرغوب فيه”[38].

ــ التعدي حافظ للحد: فالمتعدي لا يسعى قط لهدم الحد أو التخلص منه، لأنه يشكل له معنى وجوده، فالإبقاء على الحدود ضرورة كي يجدها المعتدي كلما أراد انتهاكها، إذ لا معنى للانتهاك في غياب الحدود. فالأمر يتم وكأنه لعبة، فيها الرغبة في إلغاء الحد مع الحرص على المحافظة عليه[39].

ــ التعدي متصل بالتقديس[40]: إن باطاي يرى أن التعدي هو فعل مقدس، فالسيد لا يكتفي بعالم العامة، حيث النظام والحدود والشغل والإنتاج، بل عليه السعي إلى ما وراء ذلك أي إلى المقدس، عالم الاحتفال والألوهة، والذي لا يمكن بلوغه إلا باختراقه. وهنا ينتقد طه عبد الرحمن باطاي بشدة، حيث يرى أن ادعاءه بأن العالم القدسي يمكن ولوجه بالانتهاكات للحدود، هو في الحقيقة ليس إلا عالم سفك الدم وهتك الأعراض وزناً المحارم والسطو على الممتلكات، وتدمير المؤسسات وأكل النجاسات بل أكل حتى لحم البشر، وهذه الأمور كلها ليست سوى الفساد عينه، ولا يمكن أن تكون مقدسة، بل هي رجس ونجاسة[41].

التعدي متصل بالإعجاز: يدَّعِي باطاي أن اختراق الحدود لا يقود إلى المقدس فقط، بل يورث الإنسان “السيد” شعوراً بالإعجاز، وهو ما ينتقده طه عبد الرحمن، خاصة بعد ذكر مثاله “السيء” عن الخمرة التي إذا ما احتساها المرء تدخله في إسكار لا يمكن نكران إعجازيته، معتبراً ذلك خروجاً عن طور العقل وعربدة لا تمت بصلة للإعجاز المرتبط بالإله[42].

وإجمالاً، فإن باطاي ينادي بضرورة الغرق في التعدي حد الموت، لأن الموت هو ولادة جديدة، إذ الذي يموت هو الفرد ليبقى الاتحاد كما سلف الذكر، والمفارقة هنا عند طه عبد الرحمن، هي كيف للإنسان أن يموت كحيوان ويبعث كإله[43].

وبعد أن أنهى طه عبد الرحمن ذكره لطريقة باطاي في التعدي، والتي يمكن إجمالها كالآتي: التعدي وُجِدَ لأن هناك حدود، وهذه الحدود بقدر ما ينبغي انتهاكها بقدر ماينبغي المحافظة عليها، ناهيك على أن السبيل الأوحد للدخول في عالم القداسة لن يتأتى إلا باختراق الحدود، وهو ما يدخلنا في وضع إعجازي. سينتقل لذكر كيف أن هذا الانتهاك سيؤدي إلى بروز سوءات الإنسان “السيد”، فهو نزع عنه لباس الأخلاق؛ سواء الأخلاق المسيحية متماشيا مع نيتشه الذي رأى فيها تكريساً لكراهية الحياة، أو الأخلاق الدهرية التي يرمز لها الفيلسوف كانط والتي وضعت في قوالب صورية خالصة، أو حتى الأخلاق الصوفية التي تجعل المرء في وضعية العبد لا السيد. فباطاي يطلب تجربة عارية، خالصة من كل عقيدة.

وهنا لا بد من الإشارة، إلى أنه إذا كان باطاي يقارن بين التجربة الباطنية باعتبارها تجربة مرتبطة بالموت عن طريق الشبق، والتجربة الصوفية التي هي بدورها لها علاقة بالموت لكن عن طريق الشوق، فطه عبد الرحمن يرفض ذلك بقوة، إذ لا يقبل أن يرد التصوف إلى عناصر شبقية، فالأمر يكون كرد الأقصى الأعلى إلى الأدنى الحيواني، أو رد الستر الكلي شبيها بالتعري الكلي، إذ لا تجوز المقارنة بين التصوف والتجربة الباطنية كما أرادها باطاي، فلا يمكن، بحسب طه، أن يصير أكسى الناس هو أعرى الحيوانات، ماعدا إذا كان الإنسان حيواناً والحيوان إنساناً[44]. إضافة إلى ذلك، فباطاي يتحدث عن المضمون الروحي للفحش، وهو ما يراه طه عبد الرحمن خلطاً هائلاً، فإذا كان الجسد يتحدد بـ”كثيف الشبقية”، فإن الروح لا تتحدد إلا بضدها، وهو “لطيف القدسية”[45].

إن باطاي لا يكتفي بحسب طه بنزع الألبسة الثقافية؛ سواء معرفية أو عقلية أو أخلاقية، بل ينزع عنه حتى لباس النعم الإلهية التي كانت لآدم في عالم الغيب، باحثاً عن الجسد الخالص الذي هو جسد فاحش.

4. الخلاصة

إذا كان نقد طه عبد الرحمن لـجورج باطاي قد أصاب في بعض الجوانب، خاصة في مسألة إنزال القداسة إلى عالم الانتهاك الدائم، مما سيقود إلى عالم النجاسة لا محالة. إلا أنه يبقى من وجهة نظرنا نقداً ضعيفاً مقارنة مثلاً بنقده لنيتشه أو حتى للماركيز دو ساد، فطه عبد الرحمن، مثلاً، يسكت عن بعض المقدمات الجوهرية عند باطاي؛ من قبيل حديثه عن المنفصل والمتصل، الذي جعله يعيد تعريف القداسة باعتبارها اتحاداً.

لذلك، ومن باب التذكير، يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار من قبل المفكرين والباحثين في المنطقة، أن نقد هذه الرموز الحداثية لايكفي فيه العدسة الأخلاقية،  فهو يحتاج  بالإضافة إلى النقد الائتماني ــ عند طه مثلاً ــ إلى نقد آخر يذهب لأسُس الحداثة نفسها، والتي لن تكون من وجهة نظرنا، غير الرؤية العلمية ذات النزوع المحايث، فهي من أطرت المنظومة الحداثية وزودتها بالآلية التي لازالت طاغية، وتحقق  النتائج تلو النتائج، والمنجزات تلو المنجزات.

يجب التذكير أيضاً هنا على فكرة جوهرية مفادها أنه مادام العلم يشتغل، فالحداثة قائمة، لأن المشترك بينهما هو التركيز على تكوين العالم لا خلق العالم. والسعي الدؤوب نحو البحث عن الأصل غير المفارق بل المحايث،و يكفي القيام بإطلالة على التاريخ الحديث من القرن السابع عشر إلى اللحظة الراهنة، لنكتشف أن المسار كان يتجه رويداً رويداً نحو المزيد من الدنيانية؛ أي المزيد من إقحام منطق التكوين، فهما عندنا سِيان، في كل تفاصيل الحياة، وباعتراف طه عبد الرحمن نفسه. إلى درجة أن القداسة كما ظهرت مع باطاي ومع آخرين، أُريد لها ألا تكون نشازاً، فتحولت بدورها والتحقت بركب المفاهيم التي سبق أن دخلت هذا المنطق الذي يستبعد سؤال الخلق. ومن تم تبقى المفارقة التي تقلق بالنا وهي كيف يمكن التعامل مع العلم الذي يؤثر في كل حياتنا إيجاباً أوسلباً، خيراً أو شراً؟ بعبارة أخرى، نقول إن الوقوق في وجه الدنيانية والعمل على صد علمنة الحياة، أي باختصار الوقوف ضد الحداثة، كما هو ديدن طه عبد الرحمن وشغله الشاغل، هو وقوف مباشر في وجه العلم نفسه شئنا أم أبينا !

بكلمة واحدة، نريد التأكيد على أن الرموز التي انتقدها طه عبد الرحمن (مارقون وشاردون)، بما فيهم جورج باطاي، لم تقم باختيار مواقفها، بل هي محكومة بنسق نظري ضخم له أصول علمية متجذرة، مما يجعل حتى توجيه النعوت القاسية لهم في الحقيقة محل نقاش.

الهوامش

[1] طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، النقد الائتماني للخروج من الأخلاق، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1/2016م.  ص: 35 و36.

[2]– العبارة الشهيرة لبسكال بالفرنسية جاءت على الشكل الآتي: “Le silence éternel de ces espaces infinis m’effraie“، وترجمها إدوار البستاني كالآتي: “تلك الرحائب اللامتناهيات لتخيفني بصمتها الأزلي”. أنظر: خواطر، بليز باسكال، إدوار البستاني، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972م، ص: 77. ونترجمها من جانبنا بطريقة أخرى فنقول: “إن الصمت الأبدي لهذه الفضاءات اللامتناهية يرعبني”. وكما نلاحظ فطه عبد الرحمن يسقط كلمة (éternel) أي الأزلي أو الأبدي، وذلك كما نعتقد تماشيا مع ما يسميه الترجمة التأصيلية التي تراعي التداول العربي الإسلامي (لغته، عقيدته، ركامه التاريخي)، فالأبد أو الأزل حكر على الإله. وإن كنا لا نشاطره الرأي دائما في ذلك، لأن في الأمر إسقاط لدلالات هامة لفهم الأصل. فبليز باسكال مثلا حينما قدم صرخته المدوية هذه، كان يتحدث في زمن الثورة الكوبيرنيكية التي أوضحت للبشرية أنها تعيش في كوكب صغير مهمل وهش ومقذوف في عوالم لانهائية مخيفة، فالإنسان وكأنه فجأة اكتشف أن عالمه الذي كان على مقاسه ومسخر له، أصبح غير مريح، إذ السؤال الذي طرح نفسه آنذاك، وهو أن هذا الكون الشاسع لا يمكن أبدا أن يكون قد خلقه من أجل الإنسان. أو لنقل بعبارة واضحة أن الإنسان أحس بفقدانه مركزيته المكانية مما جعله يفكر في مركزية أخرى: والتي سيعبر عليها باسكال نفسه حينما سيقول: “الإنسان ما هو إلا ريشة، أوهن شيء في الطبيعة، لكنه ريشة تفكر” وبقوله أيضاً: “كل عزتنا تتمثل في التفكير، الذي ينبغي علينا رفع أنفسنا به، وليس بالمكان والزمان اللذين لا يمكننا ملؤهما”. فهو سيعوض المركزية المكانية المفقودة بمركزية التفكير ليشاطر الفيلسوف ديكارت، المعاصر له، أيضاً صاحب عبارة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. أنظر تفاصيل مهمة في: لوتشيانو فلوريدي، الثورة الرابعة، ترجمة: لؤي عبد المجيد السيد، سلسة عالم المعرفة، الكويت، العدد 452، سبتمبر 2017م، ص: 123.

[3]– شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 36.

[4]– تجدر الإشارة إلى أن طه عبد الرحمن يقسم الحداثيين إلى قسمين: الدهرانيون وما بعد الدهرانيين. وهو ما يصرح به أكثر من مرة. يقول مثلاً: “كلام الحداثيين عن الأخلاق، دهرانيين كانوا أو ما بعد دهرانيين”، وقوله أيضاً: “لقد أظهر الحداثيون بقسميهم: الدهري وما بعد الدهري إرادة التخلص من الدين”. المرجع السابق، ص: 37 و38.

[5]– المرجع نفسه، ص: 16.

[6]-المرجع نفسه، ص: 16.

[7]– جورج باطاي، أديب وفيلسوف فرنسي، اشتهر بكتاباته في عوالم الإيروسية [الشبقية]، والمؤلفات الإباحية فهو سار على درب كتابات الماركيز دو ساد الفاحشة. جعل باطاي بؤرة اهتمامه الكبرى هي الدمج بين الموت والجنس، باحثاً عن القداسة من داخل العالم وليس من خارجه، داعياً إلى وجوب التفكير في العالم كما هو، وليس كما نريده أن يكون. سافر كثيراً في الأراضي الأوروبية [بريطانيا، إسبانيا، إيطاليا]. شكلت قراءته لنيتشه وهيجل منعطفاً كبيراً، كما جعلته السريالية يضع قدميه في حياة المتعة والفسق والمجون. لقد كان اندريه بروتون والفيلسوف جون بول سارتر لا يحبان سماع اسمه، ليعلنا أنه ليس بمفكر ولا كاتب، بل هو مصاب بمس جنوني ويعيش حالاً من التوتر الداخلي والتأزم النفسي تستوجب خضوعه للعلاج. لكن في مقابل ذلك سيعلن الفيلسوف ميشل فوكو عام 1969م، أي بعد مضي سبع سنوات على موته عبارته: “نحن نعرف اليوم أن جورج باطاي هو أحد أهم مفكري هذا القرن”. أنظر تفاصيل هامة عن مسار جورج باطاي في دراسة قامت بها متخصصة في باطاي وهي: مارلين كنعان، جورج باطاي، الجنون المتنقل بين الفلسفة والقداسة، ضمن دراسات عربية، بدون تاريخ.

[8]– الإيروسية، جورج باطاي، ترجمة: محمد عادل مطيمط، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1/2017م. ونشير أولاً إلى أن هذا الكتاب عبارة عن أعمال تم إنجازها مابين فترة الحرب العالمية الثانية إلى حدود 1957م. كما نشير ثانياً إلى أن المترجم حافظ على لفظة: Erotisme الفرنسية ناقلاً إياها للعربية بـ”الإيروسية”، وهو ما يشاطره فيه العديد من الكتاب والباحثين، وعلى سبيل المثال فقد سبق لمحمد علي اليوسفي ترجمة مقدمة كتاب باطاي المذكور أعلاه، والتي أشاد بها محمد عادل مطيمط، واحتفظ بلفظة “الإيروسية” معللاً ذلك بقوله: “لم نذهب في هذا النص [المقدمة] المأخوذ من كتاب “الإيروسية” لجورج باتاي إلى تعريب هذه الكلمة [الجنس، المتعة الجنسية، الشهوة، الإثارة، الشبق إلخ]، تكفي الإشارة إلى أنها تجمع بين كل تلك المعاني منظوراً إليها، عند الإنسان فقط، بعيدا عن النشاط الجنسي الذي يستهدف الإنجاب ولا حاجة الى ترجمتها أيضاً إذا كانت نسبة إلى “إيروس” إله الحب عند الإغريق”. أنظر: جورج باطاي، الإيروسية إقرار الحياة حتى الموت، مرجع سابق، ص: 36. إلا أن طه عبد الرحمن وتماشياً مع دعوته إلى ما اصطلح عليه الترجمة التأصيلية المراعية للتداول العربي اختار ترجمة [L’érotisme] بـ”الشبق”.

[9]– جورج باطاي، الإيروسية، ترجمة: محمد عادل مطيمط، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1/2017م، ص: 18.

[10]– المرجع نفسه، مقدمة المترجم، ص: 9.

[11]– المرجع نفسه، المدخل، ص: 15.

[12]– المرجع نفسه، ص: 17.

[13]– اخترنا في تعريف الإيروسية ترجمة محمد علي اليوسفي، لأنها بدت لنا أدق وتتناسب مع الفلسفة العامة لباطاي، مع الإشارة إلى أن ترجمة تعريف الإيروسية عند عادل مطيمط، كانت على الشكل الآتي: “هي إقرار حقيقة الحياة حتى في الموت” فباطاي كما نعرف يرى أن الجنس باعتباره اتحاد يؤدي الى الموت، فلذلك تكون الإيروسية هي الإصرار على الحياة والجنس إلى حد بلوغ الموت. وهو ما تؤكده حتى روايتة “حكاية العين”. ولأجل ذلك سأمزج بين الترجمتين.

[14]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 20.

[15]– الماركيز دوساد أحد أكبر الشاردين بل الماردين عند طه عبد الرحمن.

[16]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 19.

[17]– المرجع نفسه، ص: 20.

[18]– نشير إلى أن دعاة الانفصال هم عكس دعاة الاتصال، الذين يفتحون إمكان معرفة الغير ويعلنون التشابه معهم، إذ يعتبرون أن قدر الذات أن تعيش في قلعة محصنة وبأبواب موصدة بإحكام لا يمكن فتحها أبداً، فهي تحيا في عزلة مطلقة، إنها كجوهر فرد وكعالم مستقل ليس له أبواب ولا نوافذ، فحتى ألم الغير الذي يعد بابا من خلاله نتعاطف معه ونشاركه وجدانياً حالته لا يمكن أبدا أن يجعل الآخر شفافا، فماذا يمكن مثلا أن أفعل تجاه صديقي المريض بالسرطان؟ فأقصى ما سأفعل: هو مواساته وتقديم كل العون الذي من شأنه أن يخفف عنه ألمه، فأحزن لحزنه وأتعذب لعذابه، إلا أن هذا هو مجرد مشاركة وجدانية لا تمت بصلة لما يحسه هذا الغير حقيقة، فألمه ألم يظل خارجاً عن ذاتي، وتجربته تجربة شخصية لا يمكنني الإحاطة بها كليا. إن هذا التقوقع حول الذات هو ما عبر عنه الدكتور زكريا إبراهيم في كتابه “مشكلة الحب”، عندما قال: “من منكم يستطيع أن يتحدث عن “ذاتي” فيقول ” أنأ “؟، من غيري يستشعر آلام الجوع في قرارة أحشائي فيصرخ “أنا جائع”، أو يتجرع مرارة الخيبة في أعماق ضميري فيصيح “أنا ضائع”؟ إنكم تستطيعون أن تتعاطفوا معي، وتشفقوا علي، ولكن من منكم يستطيع أن يحيا حقيقة بواعثي فيهتف معي “أنا مظلوم” أو أن يقف على صميم دوافعي فينطق بلساني قائلاً: “أنا بريء”. نستنتج أن تصور باطاي حول: الكائنات المنفصلة” هو تصور فلسفي كبير يؤكد على أن الإنسان سيبقى دائما معزولا في سجنه الخاص ووحيدا في آلامه وأفراحه بل وحيداً حتى في موته. فبين الأنا والغير جدار سميك لا يمكن لأي أحد تجاوزه، رغم كل إمكانات التعاطف والمشاركة، والنتيجة النهائية والمؤلمة لهذا القول هو أن قدر الإنسان هو ألا يُشبع أبداً رغبته في التواصل وهو ما سيجعله دائم البحث عن الآخر لعله يحقق ذلك.

[19]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 20.

[20]– المرجع نفسه، ص: 22.

[21]– المرجع نفسه، ص: 23.

[22]– المرجع نفسه.

[23]– المرجع نفسه، ص: 24.

[24]– نشير ومن أجل المقارنة: أن التعري أو التكشف، الذي يعد عند طه عبد الرحمن تعدياً للحدود وقلة حياء. فهو عند جورج باطاي تواصل ضروري من أجل الخروج بالذات المنفصلة إلى عالم الآخر ومن تم حدوث الاتحاد “المقدس”.

[25]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 26.

[26]– تتضح مثلاً معالم هذا الربط المتماهي بين الموت والجنس في روايته: “حكاية العين”، والتي كتبها في عشرينيات القرن العشرين، ونشرها باسم مستعار لما تضمه من مشاهد إباحية فاجرة شبيهة بتلك التي كان يخطها الماركيز دو ساد فـ”حكاية عين” نص سردي يحكي تجربة كلا من “سيمون” و”مارسال” الجنسية، التي لا تعرف حدوداً ولا قيوداً، تجربة مجنونة حد الهذيان [جنس جماعي، تبول أمام الجميع، تعري كامل، تنانير مبللة بالمني، أجساد متشابكة، روائح الدم والمني والبول والقيء، المضاجعة أمام الجثة والتبول عليها، بل التبول على الضريح، الجنس في المزابل وزريبة الخنازير، الاعتراف في الكنيسة مع استمناء الراهب]، ولكن يبقى المشهد المروع والمقزز الذي يجسد فلسفة باطاي هو حينما تم وضع الراهب على ظهره وربط عنقه بحزام لتضاجعه سيمون، وفي نفس اللحظة التي تضغط على عنقه تزيد حدة المضاجعة، لتقتله في النهاية وهو يقذف منيه، ولم يكتفي باطاي بسرد الآمر على هذه الشاكلة بل زادها حدة حينما تم التمثيل بجثة الراهب. لقد نقلت بعضاً يسيراً من هذه الرواية التي تجسد بحق أفق تفكير جورج باطاي الذي يربط الموت بالجنس. فالجنس باعتباره موت صغير، عليه أن يصل ذروته بالموت الكامل لتسريع عملية “الاتحاد المقدس”. أنظر: جورج بطاي، حكاية العين، ترجمة: راجح مردان، منشورات الجمل، ألمانيا، ط1/2001م، ص: 16-17-46-48-59-62-69.

[27]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 28.

[28]– المرجع نفسه، ص: 28.

[29]– المرجع نفسه، ص: 29.

[30]– المرجع نفسه، ص: 30.

[31]– Luc Ferry. “La révolution de L’amour”, Pour une spiritualité laïque. Edition J’ai lu / 2010.

[32]– جورج باطاي، الإيروسية، مرجع سابق، ص: 7.

[33]– يقول طه عبد الرحمن: “والداعي الذي دعانا إلى وضع هذه التسمية هو أن قصة ابني آدم تدور على أمرين أحدهما ثابت بالنص، وهو قتل قابيل لأخيه هابيل مع جهله بمواراة سوأته، والثاني تذكره بعض التفاسير، وهو رغبة قابيل في نكاح أخته التي هي توأمته بدلاً من توأمة أخيه هابيل. والحال أن فكر باطاي مداره بالأساس على موضوعين متلازمين عنده، وهما: “الجنس” و”الموت”. أنظر: طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 54 و55.

[34]– انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: طه عبد الرحمن ومكر المنوال الحداثي، مركزية التكشف وهامشية التحجب”

أفريقيا الشرق ط1/2024. ص:179.

[35]– شرود ما بعد الدهرانية: النقد الائتماني للخروج من الأخلاق، طه عبد الرحمن، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، ط1/2016م، ص: 55.

[36]– المرجع نفسه، ص: 56.

[37]– المرجع نفسه، ص: 56.

[38]– المرجع نفسه، ص: 57.

[39]– المرجع نفسه، ص: 58.

[40]– تجدر الإشارة إلى أن طه عبد الرحمن لا يقدم الأسس الفلسفية التي أقام عليها باطاي معمار موقفه، فهو يغيبها ولا يذكرها بوضوح فمثلاً: نجده يسكت عن ذكر مسألة الكائن المنفصل القلق وجوديا والساعي نحو الاتحاد [المقدس]. كمنطلق لأطروحة باطاي.

[41]– طه عبد الرحمن، شرود ما بعد الدهرانية، مرجع سابق، ص: 59.

[42]– المرجع نفسه، ص: 60.

[43]– المرجع نفسه، ص: 61.

[44]– المرجع نفسه، ص: 66.

[45]– المرجع نفسه.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك