| الكاتب | غاي هايوارد |
| ترجمة | لولوة العنزي |
مقدمة
التعبير في جوهره هو أن يدل شيء خارجي على شيء داخلي…وبعبارة أخرى، التعبير في جوهره هو تجلي أو تمظهر العقل أو النفس. ومن ثم فإن نطاق التعبير لا يتعلق… بالخصائص بوجه عام، ولا بالخصائص المكتسبة على سبيل المجاز، بل بالخصائص النفسية تحديدًا؛ أي تلك المرتبطة بالحالات الذهنية للكائنات الواعية… ويمكن فهم القدرة التعبيرية بوصفها نوعًا من التعبير تنجح بعض الكيانات في تحقيقه، وعلى رأسها الأعمال الموسيقية، رغم افتقارها لعالم داخلي [أفكار، وعي…][1].
تركز هذه المقالة على تساؤل محدد في فلسفة الموسيقى وعلم نفس الموسيقى، وهو هل تُعزى تعبيرية الموسيقى [أي قدرتها على التعبير] إلى أحكام نصدرها بشأن خصائصها، أم إلى قابليتها لاستثارة العواطف لدى المستمع؟ ومع التركيز على الكيفية التي تناول بها فلاسفة الموسيقى هذا التساؤل، سأحاول -حيثما اقتضى السياق- وضع بعض النظريات الفلسفية في سياق النتائج التجريبية.
لقد تشكل إجماع متنام خلال الثلاثين عامًا الماضية في العلوم الإنسانية حول أهمية الخصائص المادية والظاهراتية للعاطفة، “وهي المجال الشائع في دراسة التعبير الموسيقي.” وسأعتمد تعريفًا مستمدًا من هذا الإجماع لتأطير المناقشة حول كيفية تصور العواطف في الأدبيات النفسية الحديثة المتعلقة بالموسيقى. وعليه، توصف العواطف بأنها استجابات قصيرة الأمد، تتراوح مدتها من بضع ثوان إلى بضع ساعات، لكنها مكثفة وتحدث نتيجة للتغيرات التي تطرأ على البيئة الخارجية أو الداخلية للكائن الحي. وبوجه عام، وإن لم يكن ذلك في جميع الأحوال، تُستثار العواطف استجابة لموضوعات أو أحداث، أو تُختبر ضمن إطار العلاقة بها -مثل تلقي تصفيق حار وقوفًا في ظهورك الأول في مسرح كوفنت غاردن- وتنطوي هذه الاستجابات تجاه الموضوعات أو الأحداث على عدة مكونات فرعية متعددة تتفاعل فيما بينها؛ مثل التقييم المعرفي كتقييم الموقف، والشعور الذاتي كأن تشعر بأنك سعيد، والاستجابة الفسيولوجية مثل استرخاء العضلات؛ والتعبير مثل الضحك، والميل السلوكي مثل القفز المتكرر [كما في حالة الحماس أو الفرح]، وتنظيم الإنفعالات مثل محاولة كبح جماح الحماسة. وسيتضح أن فلاسفة الموسيقى يختلفون حول الكيفية التي تتزامن بها هذه المكونات أثناء الاستجابة العاطفية، أو حتى حول ما إذا كانت تتزامن من الأساس.
يمكن تقسيم النظريات الفلسفية للعواطف عمومًا إلى نظريات “معرفية” ونظريات “غير معرفية” للعواطف. ففي فلسفة الموسيقى، تجادل النظريات المعرفية بأن تعبيرية الموسيقى ناتجة عن عملية تقييم معرفي لخصائص موسيقية محددة ذات طابع تعبيري، في حين تزعم النظريات غير المعرفية أن تعبيرية الموسيقى تُفسَّر من خلال قدرتها على إثارة العاطفة لدى المستمع.
ستتناول هذه المقالة الكيفية التي تناول بها فلاسفة الموسيقى مسألة تعبير الموسيقى عن العواطف، مع التركيز على نظريات التعبير الموسيقي مثل السيميائية (علم العلامات)، ونظرية البرسونا (الشخصية المتخَيَلَة)، ونظرية الاستثارة، ونظرية التشابه، ونظرية الصيرورة. وتتبنى كل نظرية موقفًا مختلفًا إزاء التصور “المعرفي” أو “غير المعرفي” للعواطف. ونظرًا لأن بعض المُنظرين يدافعون عن المواقف المتشددة أو المخففة تجاه هذه النقاشات الجدلية، يمكن القول إن معظم النظريات الفلسفية تتموضع في مواضع متفاوتة ضمن النطاق “المعرفي–غير المعرفي”. وفي ضوء النتائج التجريبية الحديثة، سيُحاجَج بأن أي نظرية للتعبير الموسيقي قادرة على إظهار التفاعل بين التقييمات المعرفية والاستجابات الفسيولوجية، سوف تُشكل نهجًا أكثر دقة للعملية التي تعبر من خلالها الموسيقى عن العاطفة. وسيتعين على الفلسفة مستقبلًا بناء تعاون أوثق مع علم النفس من أجل بلورة تصور كامل لأدوار كل من التقييم المعرفي والعمليات الفسيولوجية في الاستجابات العاطفية للموسيقى.
في هذه المرحلة، تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين قد يعارضون الافتراض القائل بأنه يمكن اعتبار العواطف معطيات عابرة للتاريخ أو للثقافات. غير أن الرد على ذلك يتمثل في وجود كم هائل من الأدلة التي تشير إلى أن جوانب من التعبير العاطفي، إلى درجة كبيرة، لم تتأثر بالتأثيرات الثقافية والتاريخية على امتداد مسار التطور الإنساني. ومع ذلك، فإن العواطف الملائمة لسياقات اجتماعية مختلفة قد تتباين بين الثقافات؛ فبعض الثقافات تنظر إلى الجنازات بوصفها مناسبات مبهجة، في حين تنظر إليها ثقافات أخرى على أنها حزينة. ولذلك، يجادل كثيرون، منهم ستيفن ديفيز، بأنه “ما لم يدرك المرء نظم المعتقدات التي تحدد دلالة الأطر الاجتماعية التي تُوضع فيها العواطف، ثم يدرك صلة الموسيقى بكل ذلك، فلن يكون استقراء التعبيرية من موسيقى أجنبية مسألة بسيطة”. لكن، وللأسف، فإن مناقشة المقاربات الثقافية والتاريخية يتجاوز نطاق هذه المقالة.
تبدأ المناقشة الفلسفية الحديثة للتعبير الموسيقي مع هانسليك، الذي جادل بأن “الجمال” في الموسيقى يوجد فقط في الشكل الموسيقي، وبأن الموسيقى والعواطف الإنسانية منفصلتان. وبذلك كان هانسليك يضع الأساس المفاهيمي للنظرية المعرفية للعواطف، محاججًا بأن الموسيقى إن لم تستطع تمثيل “الموضوعات” أو “التمثيلات” المحددة التي تُعرّف العواطف، فإنها ليست وسيطًا “نقيًا” للتعبير عن العاطفة. ويتخذ فلاسفة الموسيقى مواقف مختلفة إزاء دعوى هانسليك هذه. حيث تتوافق سوزان لانجر مع هانسليك بوجه عام، لكنها تجادل بأن “الجوانب” الآلية للعواطف يمكن تمثيلها على نحو “عام”. ويدافع كل من بيتر كيفي وستيفن ديفيز عن نظرية ترى أن الأعمال الموسيقية تُظهر خصائص عاطفية بدلًا من أن تُعبر عن عواطف مُعاشة؛ أي عواطف حقيقية قابلة للملاحظة، ولذلك يرفضان أطروحة هانسليك التي تفصل بين الموسيقى والعاطفة الإنسانية، مع اتفاقهما معه على أن التعبير متحقق في البنية الشكلية للعمل الموسيقي. أما روجر سكروتن فيرفض أطروحة هانسليك، مجادلًا بأن العواطف لا تُحدَّد فقط من خلال موضوعاتها، بل كذلك من خلال الذوات التي تختبرها. وأشد المعترضين على هانسليك حتى الآن هي جينيفر روبنسون، التي ترى ضرورة رفض أفكار هانسليك حول التعبير “رفضًا كليًا تقريبًا”، فبالنسبة لها، التعبير الموسيقي هو تفاعل بين مفاهيم العواطف التي تمثلها الموسيقى وإثارة الاستجابات الجسدية لها، ومن ثم لا يمكن فصل الموسيقى عن العواطف بسهولة.
1. النظريات السيميائية (علم العلامات)
يقترح عدد من فلاسفة الموسيقى أن الموسيقى تُعبر عن العاطفة من خلال أدائها دور الرمز أو العلامة. ويجادل ويلسون كوكر أن الموسيقى قادرة على الإحالة إلى عاطفة ما، ومن خلال التنظيم اللاحق لعناصر العاطفة داخل نسق رمزي، تستطيع الموسيقى أن تُميز تلك العاطفة على نحو يماثل التعبير اللغوي. غير أن كيفي يرفض الأطروحة التي ترى أن الموسيقى يمكن أن تُعبر عن عواطف محددة على غرار التعبير اللغوي، مُحيلًا إلى ما يسمى “حجة الاختلاف”؛ “لا يوجد اتفاق عام حول ما إذا كان أي (س) بعينه هو (ص) أم لا حيث إن (س) هو شكل من أشكال الإيماءة الموسيقية، وبالتالي لا يمكن لـ (ص) أن تكون خاصية موضوعية لأشكال (س).”
ويرفض ديفيز النظريات السيميائية استنادًا إلى أن الموسيقى لا تقدم مفردات لعواطف محددة بالطريقة الدقيقة نسبيًا التي توفرها اللغة. ووفقًا لماير، فإن انتهاكات التوقعات -المتأصلة في فهم ضمني لمعايير أسلوب تلك الموسيقى- تخلق استثارة “غير متمايزة” (مماثلة لما تسميه لانجر بالعواطف “العامة”). وبذلك، ترفض نظرية ماير فكرة أن الموسيقى تقدم مضمونًا قضويًا لا لبس فيه؛ أي معنى محددًا.
وقد جادلت لانجر بأن الموسيقى تكتسب طابعها الرمزي من خبرتنا بها بوصفها “مشابه لما تدل عليه ومجسدة له” (قارن ذلك بالرموز “الأيقونية” في الفن). ومع ذلك، كما يظهر من خلال عدد لا يحصى من التسجيلات التجارية التي تسعى لأداء نفس القطعة الموسيقية بطرق مختلفة، فإن الاتفاق على ما “تدل” عليه الموسيقى غالبًا ما يطرح إشكالاً. ويتمحور نقد سكروتن الرئيسي للانجر (ولمفهوم رمزية العاطفة في حد ذاته) حول كيفية عزل الخصائص الشكلية واعتبارها الأمور الجوهرية في حياتنا العاطفية، مما يشير ضمنيًا إلى أن نظرية لانجر مجرد تفسير سطحي للعواطف الموسيقية.
على النقيض من التركيز الذي أولته لانجر على الخصائص الشكلية، يقترح كيفي أن الموسيقى الآلية [الخالية من الصوت البشري أو الكلمات] المعبِّرة يمكن أن تكتسب قدرتها الرمزية من خلال محاكاة الخصائص الصوتية للتعبير الصوتي البشري. وبالفعل، تدعم النتائج التجريبية هذه الفرضية؛ إذ وجد باتريك جوسلين وبتري لاوكا أن العاطفة التي تعبر عنها الموسيقى غالبًا ما تُرمّز بطريقة مشابهة للتعبير الصوتي البشري. وردًا على فرضية كيفي، يجادل ديفيز بأنه بوجه عام لا يمكن للموسيقى أن تُرمّز بهذه الطريقة، كونها لا تشبه على نحو مقنع الأصوات التي يصدرها البشر وهم “واقعون تحت وطأة الانفعال”. ومع ذلك، جادل إيان مورلي بأن الموسيقى يمكن أن “تستحضر” الملامح العاطفية للكلام دون أن “تشبهه” بالضرورة.
تطرح رؤية كيفي صيغة من “نظرية الشبه”؛ إذ يرى أننا نصف الموسيقى بالحزينة لأنها “تتهدل” وما شابه ذلك، تمامًا كما يفعل الأشخاص الحزانى. غير أن سكروتن يصف هذا التصور للوصف العاطفي بـ “العبثي”، نظرًا إلى أن الموسيقى لا يمكن أن تمتلك نفس صفة “الحزن” التي يمتلكها الشخص الحزين. ويرفض سكروتن رؤية كيفي التي تختزل الموسيقى بـ”محاكاة التعبير”، لأنه يرى أن المعنى الجمالي هو معنى “حقيقي لكنه يستعصي على التعبير”. وعليه، يُصنف سكروتن “لامعرفيًا”.
جميع النظريات السيميائية السابقة التي اقترحها كل من كوكر، ولانجر، وكيفي توظف نظامًا وسيطًا يتم من خلاله ترميز العواطف. ونتيجة لذلك، يجادل ديفيز بأن هذه النظريات لا تفسر الاستثارة “المباشرة وغير الوسيطة” للعاطفة التي نشعر بها أثناء الاستماع إلى الموسيقى. فضلًا عن ذلك، لكي تتمكن الموسيقى من أن ترمز لعاطفة مركبة، يتعين على النظرية السيميائية للتعبير الموسيقي صياغة تصور نظري للتفاعل بين الرموز الموسيقية المفردة، نظرًا لأن العواطف المركبة غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل عدة عواطف.
2. نظريات البيرسونا (الشخصية المُتَخيلَة)
ثمة طرح آخر يرى أن الموسيقى تُعبر عن العواطف من خلال “شخصية متخيلة” وسيطة، تخضع لسياق سردي يتكشف عبر الموسيقى. وتتجلى فائدة هذا الرأي تحديدًا في وصف كيفية تعبير الموسيقى الآلية “الخالصة” -التي لا تحتوي على نص يوجّه المستمع- عن العواطف.
تشرح روبنسون أسباب جاذبية فكرة قدرة المقطوعة الموسيقية الآلية على التعبير عن الحالات النفسية لشخصية حقيقية أو متخيلة داخل العمل. أولها الطريقة التي يمكن من خلالها اعتبار القطعة، بكاملها، “منطوقًا تعبيريًا” أو “دراما نفسية”. ثانيًا، تقدم “الشخصية المتخيلة” الموسيقية تفسيرًا لكيفية تعبير الموسيقى الآلية عن العواطف “المركبة” دون الحاجة إلى كلمات؛ ولذلك تُعد النظرية الأولى المطروحة حتى الآن التي تقدم مثل هذا التفسير. وأخيرًا، وخلافًا لديفيز، تقترح روبنسون أن إسناد شخصية متخيلة يتيح لنا القول بأن الموسيقى الآلية الخالصة يمكن أن تكون “حول” العواطف التي تُعبر عنها”.
ووفقًا لروبنسون، فإن مفهوم الشخصية المتخيلة مفيد أيضًا للتحليل البنيوي، إذ يتيح لنا تفسير الأحداث البنيوية التي قد تبدو -لولاه- شاذة في القطعة الموسيقية، ومن أمثلة ذلك ما ذكرته روبنسون عن نداء البوق “الشاذ” بنيويًا في منتصف الحركة الثالثة من السمفونية العاشرة لشوستاكوفيتش. علاوة على ذلك، حتى لو لم يكن هناك “شذوذ” ظاهر في القطعة الموسيقية، ترى روبنسون أنه من الملائم استحضار شخصية متخيلة في الموسيقى إذا كان هذا التفسير يتسق مع ما هو معروف عن ممارسات المؤلف ومعتقداته في التأليف، وإذا كان يُضفي معنى على كامل المقطوعة الموسيقية. ونظرًا لأن المستمع سيضطر إلى تكوين نوع من التمثيل الذهني لبناء “شخصية متخيلة”، يمكن فهم تأييد روبنسون لهذا النوع من النظريات بوصفه دفاعًا عن وجهة نظر معرفية للتعبير الموسيقي. ومع ذلك، من المفيد النظر في ميل روبنسون إلى مفهوم الشخصية المتخيلة في سياق نظريتها الأوسع حول تعبير الموسيقى عن العواطف كصيرورة، والتي ستُناقش لاحقًا.
ويُعد ديفيز الناقد الرئيسي لمفهوم “الشخصية المتخيلة” في الموسيقى، إذ يرى أن الشخصية لا توجد “داخل” الموسيقى كما هو الحال بالنسبة لعناصرها كالألحان والتناغمات؛ بل تُستحضر من سياقات خارج الموسيقى. ويعترض بأن الموسيقى “لا تنقل مضمونًا قضويًا أو تصويريًا محددا… فالموسيقى الآلية الخالصة لا تملك القدرة على توجيه محتوى خيال المستمع أو تسييره”. وعلاوة على ذلك، يرى أن “الموسيقى تفتقر بشدة إلى التحديد، بحيث لا يمكنها تقييد مضامين مثل هذه السرديات بالقدر المطلوب”.وردًا على هذه الانتقادات، تبرر روبنسون نظرية البيرسونا بتطبيق مبدأ من مبادئ التأويل: “هناك قيود تفرضها الإمكانات التعبيرية للموسيقى؛ فليست كل قراءة ملائمة بذات القدر، إذ يتسم بعضها بالذاتية المفرطة ولا يمكن الدفاع عنها”. ومع ذلك، يُعد هذا الرد غير كاف لتفنيد اعتراض ديفيز المحدد، ومفاده أن غياب الشخصية المتخيلة في الموسيقى يعني وجوب عدم اعتبارها خاصية تعبيرية للموسيقى. وللرد على ذلك، يمكن القول إنه إذا فُهمت الشخصية المتخيلة باعتبارها خاصية للمستمع أو المؤلف، أو لكليهما، فإنها وإن لم تكن خاصية تعبيرية للموسيقى نفسها، قد تكون مثالًا على الطريقة التي تتوسط بها الاستجابات العاطفية تجاه الموسيقى.
وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، ينتقد ليفنسون نسخة روبنسون من نظرية البيرسونا بحجة أن “التعبيرية الموسيقية الأساسية… هي شيء يُسمع مباشرة، لا يستنتج من قبل مستمعين منسجمين أو لديهم الخلفية الفنية المناسبة… “تفشل روبنسون” في التقاط الفورية التي ندرك بها التعبيرية الموسيقية الأساسية”. غير أن حدة انتقاد ليفينسون تضعف بسبب إخفاقه في شرح ما يعنيه بـ”التعبيرية الموسيقية الأساسية” باستثناء التعريف الذي طرحه: “تعبيرية المقاطع المفردة [كل مقطع على حدة]”. ويبدو أن فائدة مفهوم الشخصية المتخيلة في الموسيقى، بالنسبة لروبنسون، تكمن في قدرته على تفسير أشكال من التعبير الموسيقي تتجاوز العبارة أو المقطع الواحد.
بالطبع، هناك احتمال -أشار إليه كيفي في مراجعته لكتاب روبنسون- أن بعض الأشخاص يسمعون [يدركون حضور] شخصيات متخيلة في الموسيقى، بينما لا يفعل آخرون. ومع ذلك، يبدو واضحًا أن روبنسون لا تدعي أن لنظرية البيرسونا أهمية لكل مستمع، بل ترى أنها مجرد طريقة واحدة للاستماع إلى قطعة موسيقية.
وبالنظر إلى تشكيك كيفي في قابلية تعميم أطروحة روبنسون، يبدو من المناسب الآن النظر في المقاربة النفسية. حيث صاغ عالما نفس العواطف باتريك جوسلين ودانيال باستفيال مؤخرًا نظرية شاملة حول الموسيقى والعاطفة، تقترح مجموعة من الآليات الكامنة وراء الاستجابات العاطفية للموسيقى. إحدى هذه الآليات هي “الإشراط التقييمي”[2]، والتي تُفسر كيف يمكن للموسيقى أن ترتبط بسياق عاطفي محدد (مثل الشعور بالخوف)، والذي قد يُفضي أحيانًا إلى استثارة عاطفية نتيجة للعملية التلقائية واللاواعية للإشراط. وبمجرد أن يرتبط “المثير المشروط” (مثل موسيقى خلفية سعيدة غير مرتبطة بموقف مرعب) ارتباطًا وثيقًا بمثير غير مشروط (مثل الموقف المرعب)، قد يستحث المثير المشروط الحالة العاطفية ذاتها في سياق لا صلة له بالموقف الأصلي (مثل سماع موسيقى الخلفية ذاتها في حفلة). وبسبب الطبيعة اللاواعية لهذه الآلية، يمكن للمستمع أن يربط بين المثيرين دون أن يكون مدركًا لذلك. ومن ثم، يقدم الإشراط التقييمي منظورًا جديدًا ومفيدًا لمفهوم الشخصية الموسيقية، إذ يشير إلى أن الموسيقى الآلية يمكنها، على عكس ما يرى ديفيز، أن “توجه وتُسير مضمون خيال المستمع” بطريقة لاواعية، حتى وإن لم تنقل الموسيقى “محتوى قضويًا محددًا”.
يُعد مفهوم الشخصية المتخيلة في الموسيقى الآلية طرحًا مفيدًا للأسباب التي أوضحتها روبنسون سابقًا. إضافة إلى ذلك، تقدم نظريات البيرسونا إلى جانب فهم كيفية “تخيلنا” للمضمون العاطفي الذي تتيحه البحوث النفسية الحديثة، تفسيرًا ضروريًا لكيفية إدراك مزيج معقد من العواطف في الموسيقى.
3. نظريات الاستثارة
تفترض نظرية الاستثارة، وفقًا لتعريف ديريك ماترافرز، أن ما يجعل وصف الموسيقى بأنها حزينة أو سعيدة صحيحًا هو قدرتها على إثارة استجابات عاطفية ذات صلة لدى المستمع. وقد يفهم من هذا أن الموسيقى الحزينة تثير حالة ذهنية “غير معرفية” مماثلة لحالة شخص يمر بتجربة حزن “في الحياة الواقعية”. ومع ذلك، يدافع ماترافرز عن موقف متشدد نسبيًا، إذ إن القطعة الموسيقية غالبًا ما ترتبط باستجابات عاطفية “شخصية” للغاية، ولا علاقة لها بالعاطفة “الحقيقية” للعمل ذاته، كأن تُذكّر المرء بحبيب سابق مثلاً.
ويذهب آخرون إلى مواقف أقل تشدّدًا؛ إذ يفترض آرون ريدلي أن العواطف التي تستحثها الموسيقى تساعد في تحديد العواطف التي تعبر عنها الموسيقى. ووفقًا لريدلي، ليست الحالة الذهنية للمستمع هي التي تحدد ما تُعبر عنه الموسيقى؛ بل إن تحديد المستمع للدرجة الصحيحة من العاطفة هو ما يحدد حالة بعينها من حالات التعبير الموسيقي. ومن العيوب التي أشار إليها كل من ديفيز وروبنسون في نظرية ريدلي أن العواطف الفعلية التي تُثار لدى المستمع قد تختلف عن درجة العاطفة التي يعتقد المستمع أن الموسيقى تُعبر عنها، مما يقوض الادعاءات التي تطرحها نظرية الاستثارة.
تسلط عدة دراسات نفسية في الأدبيات المتعلقة بالموسيقى والعاطفة الضوء على فرضية ديفيز القائلة بأن “(العاطفة) خاصية تعبيرية للموسيقى يدركها المستمعون في الموسيقى، لكنهم لا يشعرون بها”. وتشير روبنسون إلى دراسة تجريبية واحدة على وجه الخصوص أجرتها كارول كرومهانسل اختبرت فرضية ديفيز؛ والتي من خلالها خلصت كرومهانسل إلى أنه لا يمكن رفض نظرية الاستثارة رفضًا تامًا بسبب الارتباط القوي بين ادراك المستمعين لعواطف محددة في الموسيقى والعواطف “المحسوسة” المطابقة لها (التي جرى تحديدها من خلال مؤشرات فسيولوجية محددة، صُنفت استنادًا إلى قياسات معدل ضربات القلب، وضغط الدم، ومعدل التنفس، ودرجة حرارة الجلد، واستجابة التوصيل الجلدي).
ومع ذلك، لا يمكن لنظريات الاستثارة أن تقدم تفسيرًا كاملاً لكيفية تقييمنا للموسيقى على المستوى المعرفي. وتشير النتائج التجريبية إلى أن التقييمات المعرفية يمكن أن تلعب في كثير من الأحيان دورًا في استجابة استثارة معينة. غير أن التقييم المعرفي الذي لا يرتبط بـ”العاطفة المتعرف عليها” في القطعة الموسيقية، قد يثير استجابة فسيولوجية جديدة قد تمتزج لاحقًا مع الحالة الفسيولوجية القائمة، مما يؤدي إلى إعادة تقييم، وهكذا دواليك. وبهذه الطريقة، يمكن اعتبار العمليات العاطفية التي تؤثر في استجابتنا العاطفية للموسيقى رد فعل متبادل بين كل من التقييمات المعرفية واستجابات الاستثارة. ومن ثم، فإن نظريات الاستثارة -التي تتجاهل تأثير العوامل غير المرتبطة بالموسيقى نفسها- تقدم تفسيرًا جزئيًا فقط لكيفية تعبير الموسيقى عن العاطفة.
4. نظرية “الشبه”
يأتي الاعتراض الرئيسي على نظرية الاستثارة من نظرية “الشبه” (المعروفة أيضا باسم نظرية الكونتور). ترفض نظرية الشبه المبدأ الأساسي لنظرية الاستثارة؛ وهو محاولة ربط التعبير الموسيقي بالعواطف المُعاشة. فهي تفصل بين السلوكيات الخارجية أو “المظاهر التعبيرية” والعواطف المُعاشة، على أساس أن السلوكيات المُعبِرة عن العاطفة قد تظهر بوصفها حالة شعورية مُعاشة [لدى البشر]، أو كخصائص شكلية مجردة [في القطعة الموسيقية]. ويجادل كل من كيفي وديفيز بأن الموسيقى، بدلًا من التعبير عن العواطف المُعاشة، تُعبر عن العاطفة من خلال تقديم خصائص عاطفية تشبه السلوكيات أو الحركات الموجودة في التعبير الإنساني عن العواطف. ويشير كيفي وديفيز إلى تعابير وجه بعض الكلاب كمثال على مظهر معين عند تقديم نظرياتهما. ويذكر كيفي وجه كلب من سلالة سانت برنارد بوصفه معبرًا عن الحزن [يحمل خصائص توحي بالحزن] بدلًا من أن يُعبرعن الحزن فعليًا. وبطبيعة الحال، لا يمكن لوجه الكلب أن يعبر عن الحزن لأنه سيتطلب أن يكون كل كلب من سلالة سانت برنارد حي في حالة حزن مستمرة. ويزعم كيفي أن الموسيقى تعمل بطريقة مماثلة؛ فهي لا تعدو عن كونها تعبيرًا (لمحاكاة) عاطفة ما.
أما سكروتن فيرفض نظرية الشبه مستندًا إلى مبدأ “التبعية”؛ إذا كانت مجموعة من الخصائص (أ) تعتمد اعتمادًا كليًا على مجموعة من الخصائص (ب)، فلا يمكن وجود اختلاف في (أ) دون وجود اختلاف في (ب)، أي أنه لا يمكن فصل مجموعة من الخصائص عن الأخرى دون التأثير على المجموعة الأخرى بطريقة ما. ويفسر سكروتن ذلك قائلا:
…الأصوات موضوعات ثانوية -مماثلة للكيفيات الثانوية، بمعنى أنها موجودة حقًا، غير أن طبيعتها تُحدّد بطريقة سماعنا لها. أما الموضوع الأساسي فهو الاهتزاز في الهواء، الذي يمكن -على عكس الصوت نفسه- إدراكه دون السمع. …والعمل الموسيقي موضوع من الدرجة الثالثة، وكذلك النغمات التي يتألف منها.
يشير سكروتن إلى أن التعبير في الوجه يُعد خاصية تابعة للكيفيات الأولية والثانوية (مثل تكوين توتر العضلات والإدراك البصري على التوالي)؛ إذ لا يمكن فصله عن هذه الكيفيات دون حدوث أي تغيير آخر. وعند تطبيق هذا المبدأ على الاستعارة التي استخدمها كيفي وديفيز والتي تربط تعبيرات الوجه بالإيماءات الموسيقية، يجادل سكروتن بأن:
إن أي قاعدة لإعادة إنتاج جميع الكيفيات الأساسية والثانوية للوجه ستعيد إنتاج التعبير تلقائيًا، حتى لو لم تذكر التعبير صراحة. وعلى العكس، إذا اختلف وجهان في تعبيرهما، فلا بد أن يختلفا في جانب آخر أيضًا.
تزعم نظرية الشبه أن الإيماءة الموسيقية -التي تُعد “خاصية من الدرجة الثالثة” كما عُرّف سابقًا- يمكن أن تمثل عاطفة. وهذا يُعد “اختزالًا مفاهيميًا” يعتمد على مبدأ التبعية. وبصياغة أخرى لتعبير سكروتن: “كل ما يمكن أن نعرفه هو أن الإيماءة الموسيقية -في سياقها- تسهم في إظهار تعبير ما. غير أن هذا السياق يشمل كل شيء آخر قد يُسمع كجزء من تجربة الاستماع الموسيقية الكاملة”. وكما تقول روبنسون:
“…التعبير ليس مجرد مسألة مظهر؛ فوجه الإنسان الحزين يُدرك على هذا النحو لأنه غالبًا ما يكون نتيجة للحزن. وعلاوة على ذلك، فإن تعبيرات الوجه والصوت البشرية ليست مجرد علامات على العاطفة، بل تسهم في التجربة العاطفية نفسها”.
أما بالنسبة لليفنسون، فإنه حتى لو كانت نظرية الشبه “صحيحة” وفق شروطها الخاصة، إلا أنها “محدودة” للغاية بحيث لا تقدم تفسيراً يذكر. ويجادل قائلًا:
“…حتى لو كان تفسير نظرية الشبه للتعبيرية الموسيقية يقدم الأحكام الصحيحة في الحالات الفردية -أي، حتى لو أمكن تحديد درجة التشابه التي يجب أن تتوفر بين مجموعة من السمات الموسيقية وعاطفة معينة بحيث يكون المقطع الموسيقي الذي يشتمل على هذه المجموعة معبرًا عن العاطفة المعنية بالعموم- فإن ذلك لن يشكل تحليلًا مقبولًا للتعبيرية الموسيقية. ذلك لأنه لن يشرح ماهية التعبيرية الموسيقية، بل سيبين فقط أي مجموعات من السمات الموسيقية تتطابق معها وتُشكّل أساساً لها”.
تقترح نسخة كيفي من نظرية الشبه أن الموسيقى يمكن أن تعبر فقط عن العواطف “المعتادة” (مثل الفرح أو السكينة). ويجادل بأن الموسيقى يمكن أن تكون معبرة عن العواطف التي تقع ضمن هذه الفئة، إذ إنها لا تحتاج إلى أن تتعلق بأي موضوع محدد، ولأن لها “تعبيرًا سلوكيًا معياريًا” يمكن تمثيله من خلال خصائص موسيقية واسعة النطاق. غير أن حجة كيفي تبدو أقل إقناعًا في ضوء الأدلة التجريبية التي جمعتها فيبي إلسورث والتي تشير إلى أن العديد من الأشخاص يصفون استجاباتهم العاطفية للموسيقى بأنها “أكثر تفصيلًا بكثير من مجرد شعور بالسرور أو الاستياء”. وتقترح نسخة ديفيز من النظرية أنه إذا رُتبت خصائص العاطفة بالطريقة الصحيحة، سواء في عبارة موسيقية أو حتى في قطعة كاملة، يمكن للموسيقى أن تعبر عن عواطف أكثر تعقيدًا من العواطف “المعتادة” لدى كيفي. ويكمن فرق آخر بين النسختين في أن ديفيز يعتقد أن الناس “نادرًا ما يخطئون” عند تحديد العواطف التي يشعرون بها استجابة للموسيقى، بينما يرى كيفي أنهم يخطئون في ذلك.
ومع اتفاقها مع ديفيز في هذه النقطة، ترى روبنسون أن رؤية كهذه لا يمكن التوفيق بينها وبين نظرية الشبه التي يدعي ديفيز تأييدها. ولأن نظرية الشبه لا تضع التعبير عن عاطفة واحدة في سياق عملية ديناميكية من العواطف تمتزج مع بعضها لتكون عواطف جديدة، تجادل روبنسون بأن هذه النظرية لا يمكنها تفسير التعبير عن العواطف المركبة معرفيًا في الموسيقى. ووفقًا لروبنسون، لا يوجد فصل واضح بين التعبير العاطفي في الموسيقى والمشاعر الداخلية كما تقترح نظرية الشبه (قارن ذلك بحجة التبعية). فهي ترى أن هذين الجانبين هما جانبان من الظاهرة نفسها؛ “عملية واحدة معقدة يمكن فيها لتقييم غير معرفي أن يحفز عمليات جسدية تؤثر بدورها على رؤيتنا للعالم”. ويحظى هذا المفهوم المتعلق بالاعتماد المتبادل بين المعرفة والعمليات الجسدية بدعم من نظرية حديثة للعواطف في علوم الأعصاب.
باختصار، ترفض نظرية الشبه فكرة أن التعبيرية الموسيقية مرتبطة بإثارة العاطفة، وبالتالي فهي لا تستطيع تفسير كيف نشعر بالعواطف عند الاستماع إلى الموسيقى.
5. نظرية “الصيرورة”
على النقيض من كل من ديفيز (التقييم) وريدلي (الاستثارة)، تتخذ روبنسون من وجود اعتماد متبادل بين العمليات المعرفية والعمليات الجسدية أساسًا لنظريتها “العواطف كصيرورة، والموسيقى كصيرورة” (ويشار إليها فيما بعد بـ”نظرية الصيرورة”). وتبين روبنسون أن عملية الاستثارة العاطفية تبدأ بـ”استجابة تلقائية وفورية تُطلق النشاط الحركي واللاإرادي وتُهيئنا لاحتمال اتخاذ فعل”. بعد هذه الاستجابة الأولية، تُفضي عملية معرفية إلى تقييم وجداني قد يقود في النهاية إلى قدرتنا على “تسمية” العاطفة المحسوسة وفق ما تصفه روبنسون بـ”علم النفس الشعبي”. وتُعد هذه السلسلة من الأحداث صيرورة؛ صيرورة تتبادل باستمرار مع تقييمات جديدة واردة من البيئة الحيوية المتغيرة من حولنا. لذلك، قد تستحيل العواطف بعضها إلى بعض، مُحدثة مزجًا وصراعات والتباس يصعب معه وصف الحالة العاطفية التي قد نشعر بها في أي لحظة بكلمة واحدة؛ وبدلًا من ذلك، يُنظر إلى مشاعرنا الداخلية باعتبارها نتاج “تيارات” عاطفية متعددة. وتُعد الموسيقى، كونها سلسلة من العمليات التي تحدث بالتزامن، وسيطًا مثاليًا لـ”انعكاس” العواطف. بل إنها قادرة على أن تعكس الجوانب الأكثر “معرفية” للعواطف، كما في الحالات التي “ترغب” فيها الثيمات الموسيقية في الوصول إلى حل، أو في حالة الجملة اللحنية “لايتموتيف”، حيث تعكس الموسيقى عمليات الذاكرة. يمكن أن تعزز هذه العمليات الموسيقية المتزامنة بعضها البعض أو تتعارض معها، وبالتالي تُعبر أيضًا عن الطريقة التي “تتحول” بها عاطفة ما إلى أخرى مع مرور الوقت. وتُبرز أوجه الشبه الواضحة هنا بين العمليات الموسيقية والعمليات العاطفية مدى معقولية نظرية الصيرورة.
وعلى الرغم من معقوليتها، ينتقد ديفيز نظرية الصيرورة لإدراجها عواطف مثل “الفزع والصدمة” واستبعادها الحب، “إلى جانب جميع العواطف التي تُختبر بوصفها أحداثًا تظهر في فترات محددة وممتدة زمنيًا”. ومع ذلك، فإن قدرة نظرية الصيرورة على تفسير كل من المكونات المعرفية والفسيولوجية للعملية العاطفية يجعلها أكثر قدرة من نظرية الشبه الخاصة بديفيز في مهمة تفسير كيف تُثير الموسيقى عواطف معقدة مثل الحب. كما يضيف ديفيز أن نظرية الصيرورة، بالقدر الذي تختزل فيه “العواطف إلى أحاسيس”، “لا تستطيع التمييز بين الحالات الحقيقية الناتجة عن أسباب ملائمة، وبين السيمولاكر [المحاكاة الزائفة] الناتجة عن تأثير العقاقير”. ويعتبر هذا أيضًا نقدًا ضعيفًا عند الأخذ في الاعتبار أن حالتنا العاطفية قد تتأثر بعوامل مثل تناول أنواع خاطئة من الطعام أو قلة ممارسة الرياضة، ومع ذلك، قلما يزعم أحد أن المشاعر الناتجة عن ذلك هي أقل “أصالة”.
من المفيد وضع نظرية “الصيرورة” لروبنسون في سياق نظرية ” الآليات المتعددة” لجوسلين وباستفيال (التي نوقشت سابقًا). حيث يجادل المؤلفان بأن “البحوث حول التعبير الموسيقي فشلت في أن تصبح تراكمية لأنها إما أنها أغفلت الآليات النفسية الأساسية وراء الاستجابات العاطفية للموسيقى، أو افترضت أن العواطف الموسيقية تعكس تقييمًا معرفيًا”. ويجادل جوسلين وباستفيال، مثل روبنسون، بضرورة تجاوز الرؤية “المعرفية” للعواطف، غير أنهما يختلفان عنها في اقتراح وجوب النظر في آليات بديلة وإن كانت “أقل وضوحًا” يمكن من خلالها أن تثير الموسيقى العواطف، مثل التقييم الإشراطي، والعدوى العاطفية، والتصور الذهني، والذاكرة العَرَضية والتوقع الموسيقي. ويشير كم كبير من الأدلة التجريبية إلى أن كل هذه الآليات تلعب دورًا في الاستجابات العاطفية للموسيقى، مما يعزز تأكيد نظرية الصيرورة بأن الموسيقى قادرة على إثارة جميع أنواع العواطف. وكما يوحي الاقتباس الافتتاحي لهذه المقالة لليفنسون، فإن النظريات “المعرفية” لدى فلاسفة الموسيقى مثل نظرية الشبه تعاني قصورًا شديدًا بسبب إخفاقها في تَقبّل ما تضمنته هذه الأدلة التجريبية.
أحد أسباب ذلك هو أن الفلاسفة مثل ديفيز يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على “النص” (أي أنهم يعاملون الموسيقى كموضوع نصي بحت [لا تجريبي خبراتي]) وبالتالي ينتقدون علم النفس لاهتمامه بما تكشفه استجابة المستمع عن ذاته أكثر مما تكشفه عن الموسيقى، أو لحصر الطرق المتعددة غير المباشرة والمباشرة التي قد تؤثر بها الموسيقى عليه. وعلاوة على ذلك، فإن الفلاسفة يشككون بطبيعتهم في النتائج التجريبية لأنه غالبًا ما تتوافق نظريات متعددة مع مجموعة معينة من البيانات، وبالتالي يُطرح التساؤل حول الموثوقية التجريبية للدراسة النفسية. وعليه يرى الفلاسفة أن “ما نحتاج إليه… ليس المزيد من الحقائق، بل تعميق فهمنا الحالي، أو تأويلات جديدة للمعطيات المتاحة… (التي، بدورها، تصبح) موحية بأسئلة تجريبية جديدة…”.
مع ذلك، يستشهد ديفيز أحيانًا بالدراسات التجريبية. فمثلًا، يدرس -على نحو حذر- إمكانية تعديل موقفه المعرفي ليشمل العواطف التي يمكن، في غياب موضوعات عاطفية أصيلة، أن تنعكس في استثارتنا من خلال عملية “العدوى العاطفية أو التناضح”، وقد استشهد مؤخرًا بدراسات في علم النفس الموسيقي لدعم ادعائه بأن عملية “العدوى العاطفية” هذه قد تتضمن مكونات فسيولوجية مثل محاكاة كل من لغة الجسد والتعبير الصوتي. ومع ذلك، يجب أن لا نبالغ في الحماس، لأنه على الرغم من أن هذا دليل على حوار متعدد التخصصات، فإن ديفيز لم يفسر بعد كيف يمكن للعوامل الفسيولوجية والمعرفية أن تتفاعل.
في فلسفة الموسيقى، هناك انقسام بين من يرى أن التعبيرية خاصية من خصائص الموسيقى، وبين من يرى أنها من خصائص الذات التي تختبرها (كالمستمع). وبعبارة أخرى، يعتقد بعض الفلاسفة أن تعبيرية الموسيقى هي نتيجة أحكام نصدرها حول خصائص معينة في الموسيقى، في حين يرى آخرون أننا ندرك التعبير الموسيقي من خلال المشاعر التي تثيرها الموسيقى داخلنا. وعلى الرغم من أن كلا النهجين قد حظيا بدعم الدراسات التجريبية، فإن أيًا منهما لا يستطيع أن يصيغ تصورًا شاملًا لتعبير الموسيقى عن التوليفات العاطفية، والصراعات، والالتباسات التي تشكل العواطف الأكثر تعقيدًا. وتعد نظرية الصيرورة هي الأقرب لاقتراح مسار يمكن من خلاله دمج النهجين المنفصلين لنظريتي الشبه والاستثارة في نظرية قادرة على تفسير العمليات الموسيقية التي تُثير العواطف المركبة. وتستند هذه العملية إلى علاقة وثيقة بين المكونات الأساسية لنظريتي الشبه والاستثارة؛ هي التقييم المعرفي والاستثارة الفسيولوجية. وقد يقودنا تراكم الأدلة التجريبية إلى الاشتباه في أنه إذا كانت فلسفة الموسيقى ستتمكن من صياغة نظريات حول الآليات التي تكمن وراء هذه المكونات، فستحتاج، على الأرجح، إلى التعاون بشكل أوثق مع علم نفس الموسيقى.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مسار آخر من البحث لم يُوظف بعد بالكامل في فلسفة الموسيقى يتمثل في:
تأكيد سكروتن على أن الموسيقى تمثل حالة خاصة من العلاقات الإنسانية. فمن خلال التعاون مع تخصصات مختلفة، مثل علم النفس التطوري وعلم الأعصاب وعلم الآثار (وغيرها)، بدأ علم نفس الموسيقى مؤخرًا في كشف العلاقة بين التفاعل الاجتماعي والموسيقى. ويقترح إيان كروس أن الموسيقى في معظم الثقافات غير الغربية تنطوي على “نشاط علني ومشاركة جماعية نشطة”، ويضيف أن الموسيقى تؤدي دورًا في كل مجتمع تقريبًا في “التفاعل بين مقدم الرعاية والرضيع، والترفيه وسلوكيات التودد، وكذلك في الطقوس، خاصة تلك التي تمثل انتقالات حياتية جوهرية (مثل حفلات الزواج والجنائز وغيرها). وبالطبع، تؤدي الموسيقى دورًا في الأنشطة اليومية الأكثر شيوعًا أيضًا. ومن ثم، يطرح كروس تعريفًا للموسيقى هو الأكثر “شمولية” وهو أنها “نشاط يرتكز على التفاعل، ويتغلغل في معظم جوانب الحياة الاجتماعية الأخرى”. إن الصلة بين الموسيقى والتفاعل الاجتماعي ذات أهمية لأنها توحي بأن أصول التعبير الموسيقي قد تكمن في التواصل الصوتي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن نشاط الغناء قد يوفر الوسيلة الأكثر مباشرة لدراسة التعبير العاطفي في الموسيقى. ولذلك، إذا أرادت الفلسفة تطوير البحث الحالي حول التعبير الموسيقي إلى ما يتجاوز حدوده الراهنة، فستحتاج إلى التفكير في الموسيقى بوصفها “فعلًا اجتماعيًا” أو “منطوقًا اجتماعيًا” بدلًا من كونها “نصًا”.
الهوامش
[1] كل ما يرد بين معقوفتين [] في المقال هو إضافة توضيحية من المترجم. (المترجم)
[2] تترجم أحيانًا بالـ التكييف التقييمي. (المترجم)
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.