منذ عدة أعوام الآن، وأنا أكتب مقالًا من أربعة أجزاء لـ Field Newspaper Syndicateمطلع كل عام، وفي عام 1980كانوا منتبهين لاقتراب العام 1984وطلبوا مني أن أكتب نقدًا شاملًا لرواية “1984” لـ جورج أورويل. كنت مترددًا لأني لم أتذكر شيئًا من الروايةتقريبًا وأخبرتهم بذلك – لكن دينسن ديماك، الشابة اللطيفة التي كانت جهة اتصالي في المؤسسة (FNS)، أرسلت إلي نسخة من الكتاب بكل بساطة وقالت “اِقرأها.”
لذلك قرأتها ووجدت نفسي متعجبًا مما قرأت كل التعجب. وتسائلت كم مِن أولئك الذين يطنبون في الحديث عن الرواية قدقرأوها بالفعل، وإن كانوا قرأوها فهل يتذكرونها على الإطلاق؟ شعرت بأن علي أن أكتب النقد وإن كان ذلك لمجرد أن أصحح أفكار الناس. (أنا آسف؛ أحب تصحيح أفكار الناس).
الكاتب
إسحاق عظيموف
ترجمة
محمد ناجي
مراجعة
هدى عيسى
2. كتابة “1984”
نُشر في عام 1949 كتاب بعنوان “1984” من تأليف إريك آرثر بلير تحت الاسم المستعار جورج أورويل.
حاول الكتاب أن يعرض تصورًا للحياة في عالم من الشر المطلق، حيث يُبقي المتحكمون بالدولة على سلطتهم بواسطة القوة المفرطة وتشويه الحقيقة وإعادة كتابة التاريخ باستمرار وتنويم الناس بشكل عام.
وُضِع هذا العالم الشرير على بعد ٣٥ عامًا من الزمن ليتمكن حتى مَن هم في مستهل منتصف العمر حين نُشر الكتاب أن يروه إذا عاشوا عمرًا طبيعيًا.
كنت أنا، مثلًا، رجلًا متزوجًا بالفعل عندما ظهر الكتاب ومع ذلك ها نحن ذا وأمامنا أقل من أربع سنوات قبل أن تحل تلك السنة المروعة (لأن “1984” أصبحت سنة تبعث الرهبة بسبب كتاب أورويل)، وعلى الأرجح أنني سأعيش لأراها.
سأناقش الكتاب في هذا الفصل لكن أولًا: من هو بلير/أورويل ولماذا كُتب هذا الكتاب؟
وُلِد بلير عام 1903 بمنزلة رجل بريطاني نبيل. والده كان في الإدارة المدنية في الهند وعاش بلير نفسه حياة ضابط في الإمبراطورية البريطانية. فقد درس في إيتون وخدم في بورما (ميانمار) وما إلى ذلك.
لكن كان ينقصه المال لكي يصبح رجلًا إنجليزيًا نبيلًا لأكمل وجه. كما أنه لم يرغب في قضاء وقته في وظائف مكتبية مملة؛ أراد أن يكون كاتبًا. وكان يشعر بالذنب حيال مكانته في الطبقة العليا.
لذلك فعل في أواخر عشرينيات القرن العشرين ما فعله الكثير من الشباب الأميركي الميسور الحال في الستينيات. باختصار، أصبح ما سُمي بالهيبي في وقت لاحق. عاش في العشوائيات في لندن وباريس، وعاشر سكان العشوائيات والمشردين وأحَسّ بانتماء إليهم، فتمكَّن من أن يريح ضميره و- في الوقت نفسه – أن يجمع موادًا لأعماله الأولى.
كما أنه أتجه ناحية اليسار السياسي وأصبح اشتراكيًا، مقاتلًا مع الجبهة الموالية (الجمهورية) في أسبانيا في ثلاثينيات القرن الماضي. فوجد نفسه هناك في خضم صراعات تنظيمية بين مختلف التنظيمات اليسارية، وبما أنه آمن باشتراكية بريطانية نبيلة الشكل (جِنتلمانيّة)؛ كان حتميًا أن يجد نفسه على الجانب الخاسر. كان مُعارضوه لاسُلطَويين (أناركيين) ونقابيين وشيوعيين أسبان مُتَّقدين استاؤوا بمرارة من أن مقتضيات قتال فاشيي فرانكو حالت دون اقتتالهم. الشيوعيون – الأفضل تنظيمًا – كانت لهم الغلبة[1] واضطر أورويل لمغادرة أسبانيا لاقتناعه بأنه كان سَيُقتَل إن لم يغادر.
منذئذ وحتى وفاته واصل حربًا أدبية شخصية ضد الشيوعيين، مصممًا أن ينتصر بالكلمات في معركة كان قد خسرها في ساحة القتال.
وكان محسوبًا على الجناح الأيسر لحزب العمال البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية – التي لم يُقبل فيها للخدمة العسكرية – لكنه لم يتعاطف مع أراءهم، فحتى نسختهم المتهورة من الاشتراكية بدت له منظمة أكثر من اللازم.
وعلى ما يبدو أنه لم يتأثر كثيرًا بالشمولية النازية؛ فلم يكن بِداخله متسع إلا لحربه الشخصية ضد الشيوعية الستالينية. وبالتالي فبينما كانت بريطانيا العظمى تخوض حربًا وجودية ضد النازية، وكان الاتحاد السوفيتي حليفها في الصراع، يحارب بشجاعة باسلة مشاركًا بالنصيب الأكبر من الأرواح المفقودة، كتب أورويل “مزرعة الحيوان” التي كانت هجاءً ساخرًا من الثورة الروسية وما تلاها، بتصويرها كثورة حيوانات حظيرة على أسيادهم البشر.
أنجز “مزرعة الحيوان” في 1944 وواجه صعوبة في إيجاد ناشر؛ فالوقت لم يكن ملائمًا لإزعاج السوفيت، لكن بمجرد أن انتهت الحرب أصبح الاتحاد السوفيتي هدفًا مستباحًا ونُشرت “مزرعة الحيوان.” تلقت الرواية الكثير من الإطراء وأصبح أورويل ميسور الحال لدرجة مكَّنته من التقاعد وتكريس نفسه لتحفته “1984.”
صوَّر ذلك الكتاب المجتمع كامتداد ضخم عالمي لروسيا الستالينية من الثلاثينيات، في صورة تمتلئ حقدًا من خصم يساري متعصب[2]. الأشكال الأخرى من الشمولية تؤدي دورًا ضئيلًا. توجد إشارة أو اثنتان للنازيين ومحاكم التفتيش. كما توجد إشارة أو اثنتان لليهود في البداية، كأنهم كانوا سيصبحون هدفًا للاضطهاد، لكن هذا يتلاشى فورًا كما لو أن أورويل خشي أن يظن قُراؤه أن الأشرار المقصودين هم النازيون.
الصورة صورة الستالينية، الستالينية وحدها.
عندما صدر الكتاب عام 1949، كانت الحرب الباردة في ذروتها، ولذلك اشتهر الكتاب. كان شيئًا من الوطنية تقريبًا أن تشتريه وتتحدث عنه، وربما تقرأ أجزاءً منه، لكن في رأيي أن مَن اِشتَروه وتحدثوا عنه أكثر مِمَّن قرأوه، لأنه ممل بشكل فظيع — يتسم بالوعظ والتكرار وما يشبه الجمود.
معظم شهرة الكتاب كانت بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب المحافظ، لكونه مناظرة وهجومًا صريحًا على السوفيت، والصورة التي أسقطها على لندن “1984” كانت تماثل تصور المحافظين للحياة في موسكو 1949.
خلال الحقبة المكارثيّة في الولايات المتحدة، اشتهر الكتاب بين مَن يميلون سياسيًا إلى الجانب الليبرالي، فقد بدا لهم أن الولايات المتحدة في أوائل الخمسينيات بدأت تتحرك في اتجاه التحكم بالتفكير وأن الشر الذي وصفه أورويل كان في طريقه إلينا.
لذلك استخلص الفيلسوف والمحلل النفسي الليبرالي إريك فروم التالي في خاتمة نسخة ورقية الغلاف نشرتها New American Library في 1961:
“الكتب على شاكلة كتاب أورويل هي تحذيرات قوية، وسيكون من المؤسف جدًا أن يُؤوِّل القارئ بعجرفة رواية “1984” على أنها تصوير آخر للهمجية الستالينية، ولا يرى أنها تقصدنا نحن أيضًا.”
حتى لو تجاهلنا الستالينية والمكارثية، فإن الأميركيين وبشكل متزايد بدأوا يلحظون كم أن الحكومة باتت كبيرة، وأصبحت الضرائب أعلى، وإلى أي مدى صارت القواعد واللوائح تتدخل في الأشغال والحياة اليومية أيضًا، وكيف أصبحت المعلومات المتعلقة بكل أوجه الحياة الشخصية تدخل ملفات المكاتب الحكومية بل وأنظمة الائتمان الخاصة أيضًا.
لذلك لم تعد رواية “1984” ترمز إلى الستالينية أو حتى الديكتاتورية بشكل عام، ولكنها أصبحت ترمز إلى الحكومة ليس إلا. فحتى النزعة الأبوية للحكومات صارت تَستحضر صورة “1984”، وباتت عبارتها المشهورة “الأخ الأكبر يراقبك” تعني كل ما هو أكبر من أن يتحكم فيه الفرد. ولم تقتصر بوادر “1984” على ضخامة الحكومة أو الشركات فحسب، بل شملت أيضًا المشاريع العلمية الكبرى والتنظيمات العمالية الكبرى وأي شي كبير.
في الواقع اخترقت فوبيا “1984” كليًا وعي الكثيرين مِمَن لم يقرأوا الكتاب وليس لديهم فكرة عن محتواه، حتى بات المرء يتساءل عما سيحدث لنا بعد 31 ديسمبر 1984. عندما يحل يوم رأس السنة في 1985 والولايات المتحدة ما زالت موجودة وتواجه المشاكل نفسها التي تواجهها اليوم، كيف عسانا أن نعبر عن مخاوفنا من مختلف نواحي الحياة التي تملؤنا توجسًا؟ أي موعد جديد سنخترع ليحل محل 1984؟
لم يعش أورويل ليرى النجاح الذي حققه كتابه. ولم يشهد كيف حوَّل الكتاب سنة 1984 إلى سنة تطارد جيلًا بأكمله من الأميركيين. توفي أورويل بمرض السل في مستشفى بلندن في يناير 1950، بعد بضعة أشهر من نشر كتابه وكان قد بلغ ستة وأربعين عامًا. لعل عِلمه بموته الوشيك قد زاد من مرارة الكتاب.
3. الخيال العلمي في “1984”
الكثيرون ينظرون لـ “1984” على أنها رواية خيال علمي، لكن العنصر الوحيد فيها تقريبًا الذي يقود المرء لهذا الافتراض هو أنها تزعم حدوثها في المستقبل. غير صحيح! لم يكن لأورويل أي حدس تجاه المستقبل، وكانت الإزاحة في القصة جغرافية أكثر بكثير من كونها زمنية. لندن التي تدور فيها أحداث القصة لم تُنقل 35 سنة للأمام، من 1949 لـ 1984، بل نُقلت ألف ميل شرقًا لموسكو.
تخيل أورويل أن بريطانيا العظمى مرت بثورة تشبه الثورة الروسية ومرت بكل المراحل التي مر بها التطور السوفيتي. لم يستطع أن يتخيل أي تباين في موضوع الثورة؛ لذلك قام الإنجسوك (أي الاشتراكية الانجليزية، في رواية أورويل) بسلسلة من التطهيرات في الخمسينيات لأن السوفيت قاموا بسلسلة من التطهيرات في الثلاثينيات.
شَوَّهَ السوفيت صورة أحد ثورييهم، ليون تروتسكي، ونصَّبوا خصمه جوزيف ستالين بطلًا. وبالمثل شَوَّهَ الإنجسوك صورة أحد ثورييهم، إيمانويل جولدشتاين، وجعلوا من خصمه، الذي له شاربِ مثل ستالين، بطلًا. حتى القدرة على خلق فروق صغيرة ليست موجودة. فجولدشتاين، مثل تروتسكي، له ❞وجه يهودي هزيل تكلله هالة كبيرة مشوشة من الشعر الأشيب، وله لحية صغيرة كلحية معزاة.❝ ولا يريد أورويل أن يشوش المسألة بإعطاء ستالين اسمًا مختلفًا لذلك سماه “الأخ الأكبر” ليس إلا.
يتضح لنا في مستهل القصة أن التلفاز (الذي كان يبرز إلى الوجود في فترة كتابة الكتاب) يُستخدم كوسيلة مستمرة لتلقين الناس، لأن الأجهزة لا يمكن أن تُطفئ. (و، على ما يبدو، في لندن المتدهورة حيث لا شيء يعمل، لا تعطل هذه الأجهزة أبدًا)
الإسهام الأورويلي العظيم لتكنولوجيا المستقبل هو أن جهاز التلفاز إرسالي واستقبالي، وأن الناس المجبرين على سماع ومشاهدة التلفاز يمكن أن يُسمعوا ويُروا طوال الوقت وهم تحت مراقبة مستمرة حتى خلال نومهم أو استخدامهم للحمام. من هنا يأتي شعار “الأخ الأكبر يراقبك.” هذا النظام ليس فعالًا على الإطلاق في إبقاء الجميع تحت سطوته. أن تراقب شخصًا طوال الوقت يعني أنك بحاجة إلى شخص آخر ليقوم بالمراقبة على الدوام (على الأقل في المجتمع الأورويلي) وعليه أن يفعل ذلك بدقة، فقد حدث تطور عظيم في فن تفسير الإشارات وتعابير الوجه.
لا يمكن أن يراقِب شخص واحد أكثر من شخص بتركيز كامل، ولا يمكنه فعل ذلك إلا لفترة قصيرة نسبيًا دون أن يتشتت تركيزه. سأخمن، باقتضاب، أنه ربما يتطلب الأمر خمسة مراقِبين لكل شخص مراقَب. من ثم، بالطبع، يجب أن يُراقَب المراقِبون أنفسهم؛ فلا أحد في العالم الأورويلي خالٍ من الشبهات. والنتيجة أن هذا النظام الاستبدادي المعتمد على جهاز التلفاز (الإرسالي الاستقبالي) سَيُمنى بالفشل.
أدرك أورويل ذلك وجعله يقتصر على أعضاء الحزب. فالـ”برولز” (البروليتاريا)، الذين لا يستطيع أورويل أن يخفي ازدراءه البريطاني الطبقي تجاههم، متروكون لأنفسهم كأنهم دون البشر. (يقول في موضع ما في الكتاب إن أي عضو من البروليتاريا يُظهِر كفاءة يُقتَل — صفحة مأخوذة من المعاملة الإسبرطية لعبيدهم قبل ألفين وخمسمئة عام.)
علاوة على ذلك، لدى أورويل منظومة من الجواسيس المتطوعين حيث يُبلِّغ الأطفال عن آبائهم، والجيران عن جيرانهم. ولا يمكن لهذا أن ينجح، ففي نهاية المطاف سيبلغ الجميع عن بعضهم بعضًا ومن ثَمَّ ستُرفَض كل هذه البلاغات.
لم يكن أورويل قادرًا على تصور الروبوتات أو الحواسيب، وإلا لكان وضع الجميع تحت مراقبة آلية. الحواسيب في حاضرنا تقوم بهذا إلى حد ما في مصلحة الضرائب وملفات الائتمان وما إلى ذلك، لكن هذا لا يأخذنا تجاه عالم “1984”، إلا في المخيلات المحمومة. الحواسيب والاستبداد لا يسيرون جنبًا إلى جنب. كانت الأنظمة الاستبدادية تعمل بشكل جيد للغاية بدون حواسيب (خذ النازيين بعين الاعتبار) وأكثر الدول حَوسَبة اليوم أقلها استبدادًا أيضًا.
يفتقر أورويل إلى القدرة على تخيل (أو ابتكار) اختلافات صغيرة. يصعب على بطله في عالم 1984 خاصته شراء أربطة حذاء أو شفرات حلاقة. وسيكون ذلك حالي أيضًا في عالم الثمانينيات الحقيقي، لأن الكثيرين يستخدمون أحذية بدون أربطة و ماكينات حلاقة كهربائية.
هناك، أيضًا، تشبث أورويل بفكرة أن كل تقدم تكنولوجي هو انزلاق نحو الأسوأ، وهو تشبث نابع من رهابه للتكنولوجيا. ولذلك عندما يكتب بطلُه، فإنه “يضع ريشة الكتابة على حاملها ثم يمصّها قليلًا ليزيل الشحم عنها.” يفعل ذلك “لمجرّد إحساسه بأن ذلك الورق الصقيل الشاحب كان يستحق الكتابة عليه بريشة حقيقية وليس خدشه بقلم حبر.”
الأرجح أن “قلم الحبر” هو قلم الحبر الجاف الذي بدأ يُستخدم وقت كتابة “1984”. هذا يعني أن أورويل يصف استخدام ريشة حقيقية (معدنية) بـ”الكتابة” في حين أن قلم الحبر الجاف “يخدش” الصفحة. لكن هذا بالتحديد عكس الحقيقة. إن كنتَ عايشت الأقلام المعدنية فستتذكر كيف كانت تخدش خدشًا رهيبًا، كما تعلم أن الأقلام الجافة لا تخدش.
ليس هذا بالخيال العلمي بل نوستالجيا مشوشة لماضٍ لم يكن. أتعجّب من أن أورويل توقف عند القلم المعدني ولم يجعل وينستون يكتب بريشة إوز أنيقة.
ولم يكن أورويل بعيد النظر فيما يخص الجوانب الاجتماعية للمستقبل الذي يعرضه، فكانت النتيجة أن عالم “1984” الأورويلي قديم الطراز بشكل مدهش مقارنة بالعالم الحقيقي في الثمانينيات.
فعلى سبيل المثال، لم يتخيل أورويل أي آفات جديدة. جميع شخصياته عُشّاق لمشروب الجن ومدمنو تبغ، وجزء من الرعب في تصويره لـ 1984 يكمن في وصفه البليغ لرداءة الجن والتبغ.
لم يتنبأ بأي مخدرات جديدة، لا الماريجوانا ولا المهلوسات الاصطناعية.
لا يتوقع أحد من كاتب الخيال العلمي أن يكون دقيقًا في تنبؤاته، لكن بالتأكيد ينتظر المرء منه أن يختلق بعض الاختلافات.
نسي أورويل في غمرة يأسه (أو غضبه) الفضائل الإنسانية. شخصياته كلها، بشكل أو بآخر، ضعيفة أو سادية، أو دنيئة، أو غبية، أو مُنفِّرة. لعل هذا حال معظم الناس، أو ربما أراد أورويل أن يُبيِّن أنه سيكون حالهم جميعًا تحت سطوة الاستبداد، ومع ذلك يبدو لي أنه حتى تحت وطأة أطغَى أنظمة الاستبداد، كان ولا زال هناك رجال ونساء شجعان يقفون في وجه الطغاة حتى الموت، لتصبح ذكراهم نجومًا مضيئة وسط الظلام. لا تشبه الرواية العالم الحقيقي في الثمانينيات لأنها تخلو من أي إشارة لهذا.
و لا هو تنبأ بأي اختلاف في دور المرأة أو أي تراجع للصورة النمطية للأنوثة الموجودة آنذاك في عام ١٩٤٩. شخصياته تتضمن امرأتان فقط ذاتا أهمية. إحداهما امرأة قوية بلهاء من “البرولز” وهي غاسلة ملابس لا تكف عن العمل ولا تنفك عن غناء أغنية مشهورةٍ كلماتها من النوع المألوف في الثلاثينيات والأربعينيات (التي يشمأز أورويل بتعالٍ أمام “سوقيتها”، ولِحسن حظه لم يتوقع قدوم موسيقى الهارد روك.)
الأخرى هي البطلة، جوليا، المنحلة جنسيًا (لكن، على الأقل، يدفعها اهتمامها بالجنس إلى الشجاعة)، عدا ذلك هي بلهاء. عندما يقرأ لها بطل الرواية وينستون من كتاب داخل الرواية يشرح طبيعة العالم الأورويلي، يكون جوابها النوم — لكن بما أن الأطروحة التي يقرأها وينستون منومة بشكل لا يصدق، لعل هذا دليل على رجاحة عقلها وليس العكس.
باختصار، إن كان ولا بد من اعتبار رواية ١٩٨٤ خيالًا علميًا إذن فهو خيال علمي في غاية السوء.
4. الحكومة في “١٩٨٤”
رواية أورويل هي صورة لحكومة ذات سطوة شاملة، وقد ساعدت الرواية في جعل فكرة “الحكومة الكبيرة” مخيفة جدًا.
لكن علينا أن نتذكر أن العالم في أواخر الأربعينيات، حينما كان يكتب أورويل روايته، كان – وما زال – فيه طغاة حقيقيون ذوو حكومات كبيرة — أشخاص كانت كل رغباتهم قانونًا، مهما كانت ظالمة أو قاسية أو وحشية. علاوة على ذلك، بدا كما لو أنه لا يمكن الإطاحة بهؤلاء الطغاة إلا بتدخل قوة خارجية.
في إيطاليا، أُسقِط بينيتو موسوليني بعد واحد وعشرين عامًا من الحكم المطلق، لكن ذلك لم يحدث إلا لأن دولته كانت تخسر الحرب.
وكان في ألمانيا طاغية أشد بأسًا وبطشًا، أدولف هتلر، حكم بيد من حديد مدة اثني عشر عامًا، لكن حتى الهزيمة بحد ذاتها لم تُؤدِ إلى الإطاحة به. بالرغم من تقلص نطاق حكمه أكثر فأكثر وتضييق جيوش خصومه الساحقة للخناق من الشرق والغرب، فقد ظل طاغية مطلق الحكم على أي مساحة تحت سيطرته — حتى عندما لم تتجاوز جدران ملجأه المحصن الذي انتحر فيه. لم يجرؤ أحد على إزاحته، حتى أزاح نفسه. (حيكت المؤامرات ضده بلا شك، لكنها لم تنجح قط، أحيانًا بسبب تدخلات القدر التي لا تُفسَّر، وكأن شيطانًا ما كان يحرسه.)
لكن أورويل لم يهتم لا بهتلر ولا بموسوليني. فعدوه كان ستالين، وحين نُشرت “1984” كان ستالين قد حكم مدة خمسة وعشرين عامًا بِقبضة كقبضة الدب في قوتها، ونجا من حرب طاحنة ألحقت بأمته خسائر فادحة، لكنه خرج منها أقوى. خُيل لأورويل أن لا الزمن ولا القدر بِقادران على زحزحة ستالين، بل سيحيا للأبد بقوة آخذة في التزايد — وهكذا تصور أورويل الأخ الأكبر.
لم يحدث ذلك، بطبيعة الحال. توفي ستالين بعد ثلاثة أعوام من نشر “1984”، لكن أورويل لم يكن حيًا ليشهد ذلك. ولم يطل الوقت حتى أُدين نظام ستالين بالاستبداد مِن قِبَل — خَمن مَن؟ — القيادة السوفيتية.
ما زال هو الاتحاد السوفيتي نفسه، لكنه لم يعد ستالينيًا، ولم يعد أعداء الدولة عرضة للتصفية بسهولة (يستخدم أورويل التعبير “تبخير” بدل تصفية[3]، مثل هذه التغييرات البسيطة هي جل قدرته)
وفي الصين، مات ماو تسي تونغ، وفي حين لم يُدنْ هو علنًا، فإن معاونيه المقربين المعروفين بِـ “عصابة الأربعة” نُزعَت عنهم القدسية فورًا، ما زالت الصين هي الصين، لكنها لم تعد ماويّة. في إسبانيا مات فرانكو في سريره، وبالرغم من بقاءه القائد المطاع حتى آخر نفس له، فقد تراجعت الفاشية في إسبانيا فجأة فور وفاته، كما حدث في البرتغال بعد موت سالازار.
باختصار، الإخوة الكبار يموتون فعلًا، أو هو الحال حتى الآن على الأقل، وعندما يموتون تأخذ الحكومات شكلًا أخف وطأة.
هذا لا يعني أن طُغاة جدد لن يفرضوا وجودهم، لكنهم سيموتون أيضًا. على الأقل في عالم الثمانينيات الحقيقي لدينا كل الثقة أنهم سيموتون وأن الأخ الأكبر الأبدي ليس بالخطر الحقيقي بعد.
في الواقع تبدو الحكومات في الثمانينيات على درجة خطيرة من الضعف. فتقدم التكنولوجيا جعل الأسلحة القوية من متفجرات وبنادق آلية وسيارات سريعة في متناول إرهابيّي المدن ممن لديهم القدرة، بل ويُقدِمون بالفعل، على الخطف والاستيلاء والقتل وأخذ الرهائن دون خشية العقاب، في حين تقف الحكومات إلى جنب عاجزة تقريبًا. وبالإضافة إلى خلود الأخ الأكبر، يعرض أورويل طريقتين أخريين للحفاظ على نظام استبدادي دائم.
أولًا — قَدِّم شيئًا أو شخصًا ليكون هدفًا لسهام الكراهية. في العالم الأورويلي قُدِّم إيمانويل جولدشتاين الذي دُبرت وأُججت الكراهية ضده في حملة جماعية ممنهجة.
ليس هذا بالجديد على الإطلاق. فكل دولة في العالم قد استخدمت جيرانًا شتى كذريعة لإشعال نيران الكراهية. وهو أمر في غاية السهولة، كأنه طبيعة مكتسبة في البشر لدرجة تجعلك تتعجب لماذا يتطلب الأمر حملات كراهية منظمة في العالم الأورويلي.
فلا حاجة إلى حركات سيكولوجية جماهيرية ماكرة لإشعال نيران الكراهية بين العرب والإسرائيليين، واليونانيين والأتراك، والإيرلنديين الكاثوليك والبروتستانت. صحيح أن النازيين نظموا اجتماعات هَذيانيّة حاشدة استمتع بها كل المشاركين، لكن لم يكن لها أثر باقٍ. فعندما انتقلت الحرب إلى أرض ألمانيا استسلم الألمان بخنوع، كأنهم لم يؤدوا التحية النازية يومًا في حياتهم.
ثانيًا — أعِد كتابة التاريخ. تقريبًا كل فرد من الأفراد القلة الذين نقابلهم في الرواية وظيفته إعادة كتابة الماضي في عجالة وتعديل الإحصائيات وتنقيح الجرائد — كأن أحدًا سيتكبد عناء الانتباه للماضي بأي حال.
الانشغال الأورويلي بتفاصيل “الأدلة التاريخية” أمر متوقع من المتعصب سياسيًا الذي يقتبس باستمرار ما حدث وقيل في الماضي ليثبت وجهة نظر لشخص على الجانب الآخر يقتبس دائمًا نقيض ذلك مما حدث وقيل.
أي سياسي يدرك أن لا حاجة إلى أي دليل من أي نوع أبدًا.
تحتاج فقط أن تدلي بتصريح — أي تصريح — بحزم كافٍ ليصدقه الجمهور. لن يتحقق أحد من صحة الكذبة، وإن فعلوا فسيختارون الكذبة على الحقيقة. أَتَظُن أن الألمان تظاهروا في 193 أن البولنديين بادروا بالهجوم وأشعلوا الحرب العالمية الثانية؟ لا! بل صدقوا ذلك بالجدية نفسها التي نصدق بها نحن أنهم هم من هاجموا البولنديين أولًا.
صحيح أن السوفيت أصدروا نسخًا جديدة من دائرة المعارف خاصتهم حُذف منها فجأة سياسيون كانت لهم تراجم طويلة في النسخ السابقة. وهذا بلا شك هو بذرة الفكرة الأورويلية، لكن يبدو لي أن احتمال حدوث ما وصفته الرواية صفر — ليس لأنها تفوق خبث البشر، بل لأن لا حاجة إليها على الإطلاق.
يجعل أورويل من “اللغة الجديدة” أداةً للقمع — بتحويل الانجليزية إلى لغة مُقيَّدة للغاية ومليئة بالاختصارات اللغوية لدرجة أن مفردات المعارضة تختفي. جاءته الفكرة جزئيًا من عادة الاختصارات اللغوية المُسلَّم بها. وقدَّم أمثلة على ذلك، فصارت”الأممية الشيوعية” تُدعى “كُمِنتِرن”[4] وأصبحت “الشرطة السرية لألمانيا النازية” “الجِستابو،”[5] ولكن ذلك لا يُعد اختراعًا شموليًا حديثًا. فكلمة “همج” أصلها “التجمهر المقلق”[6]، و”سيارة الأجرة” اختُصرت إلى “تاكسي”[7] و”مصدر راديو شبه نجمي” اختُصر إلى “شبه نجم”[8] في حين اختُصر “تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع” إلى “ليزر”[9]. ولا يوجد أي دليل على أن مثل هذه الاختصارات اللغوية قد أضعفت اللغة كوسيلة للتعبير.
في الحقيقة، يميل التعتيم السياسي للإسهاب بدلًا من الإيجاز، ويستخدم الكلمات الكبيرة بدلًا من الصغيرة، ويتوسع بدلًا من أن يختزل. فكل قائد ذو ذكاء محدود أو تعليم غير كافٍ يتوارى خلف ثرثرة كثيفة سكرى.
لذلك عندما اقترح وينستون تشيرشل تطوير “الإنجليزية المبسطة” لجعلها لغة دولية (الأمر الذي أسهم في فكرة “اللغة الجديدة” بلا شك)، كان الاقتراح فاشلًا. نحن إذن لا نقترب من “اللغة الجديدة” بنسختها المختصَرة، ولكن كانت هناك دائمًا نسخة مسهبة من “اللغة الجديدة” وستظل موجودة دومًا.
توجد بيننا أيضًا فئة من الشباب يتفوهون بعبارات مثل “بالضبط، يا رجل، كما تعلم. وكأنه يُلم بالأمور كلها، كما تعلم، يا صاحبي. أعني، كما تعلم…” وهلم جرًا لخمس دقائق بينما الرد الذي يتلمسونه هو “ها؟”
لكن ذلك ليس بِـ”اللغة الجديدة”، وهو شيء مألوف لدينا، إنه ما نسميه في “اللغة القديمة” “تلعثمًا” وليس ما قصده أورويل.
5. المشهد الدولي في “1984”
بدا أن أورويل كان عالقًا في عالم 1949 بلا حيلة، إلا أنه أظهر بُعد نظر مدهش في جانب واحد على الأقل، وكان ذلك في تنبؤه بانقسام عالم الثمانينيات بين ثلاثة أطراف.
العالم الدولي في “1984” فيه ثلاث قوى عظمى: إيستاسيا Eastasia، وأوراسيا Eurasia، وأوقيانيا Oceania — وهو ما يتناسب تقريبًا مع القوى العظمى الفعلية الثلاثة في الثمانينيات: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين.
أوقيانيا تضم الولايات المتحدة والامبراطورية البريطانية. لم يلحظ أورويل- الذي كان موظفًا حكوميًا قديمًا في الامبراطورية – أن الامبراطورية البريطانية كانت تلفظ الرمق الأخير في أواخر الأربعينيات وكانت على وشك التلاشي. لكنه، في الواقع، يفترض أن الإمبراطورية البريطانية هي الطرف المهيمن في هذا الاتحاد بين بريطانيا وأميركا.
تدور الأحداث كلها في لندن على الأقل ونادرًا ما تُذكر عبارات مثل “الولايات المتحدة” و “الأميركيون”، هذا إن ذُكرت. ولكن من الناحية الأخرى، إنه يتَّبع نمط الرواية الجاسوسية البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تأخذ فيها بريطانيا العظمى (حاليًا في المركز الثامن عشر عالميًا كقوة اقتصادية وعسكرية) دور المنافس القوي للاتحاد السوفيتي أو الصين أو تتصدى لمؤامرة دولية مُختلَقة، في حين لا تُذكر الولايات المتحدة أو يقتصر دورها على ظهور صغير لعميل استخبارات أميركية CIA من حين لآخر، من باب المجاملة.
أوراسيا هي بالطبع الاتحاد السوفيتي ويفترض أورويل أنه سيستوعب القارة الأوروبية كلها. بذلك تتضمن أوراسيا كل أوروبا بالإضافة إلى سيبيريا، و95 بالمئة من سكانها أوروبيون بكل المقاييس. ومع ذلك، يصف أورويل الأوراسيّون Eurasians بأنهم “رجال مِتان ذوو وجوه آسيوية جامدة.” وبما أن أورويل عاش في زمن تتساوى فيه كلمتا “أوروبي” و”آسيوي” بكلمتا “بطل” و”شرير،” فمن المستحيل إثارة العواطف اللازمة للهجوم على الاتحاد السوفيتي ما لم يُنظَر إليه بصفته “آسيويًا.” ويندرج هذا تحت عنوان ما تسميه “اللغة الجديدة” لأورويل بِـ“التفكير المزدوج” وهو شيء يجيده أورويل، شأنه شأن أي إنسان آخر.
من الممكن بالطبع أن أورويل لم يكن يفكر في أوراسيا أو الاتحاد السوفيتي، بل كان يفكر في عدوه اللدود ستالين. فستالين جورجيّ، وجورجيا، الواقعة جنوب جبال القوقاز، هي – بالمراعاة الصارمة للجغرافيا – جزء من آسيا.
و إيستاسيا هي، بالطبع، الصين ودول مستقلة شتى.
هنا بُعد النظر، فأثناء كتابة أورويل لـ “1984” لم يكن الشيوعيون الصينيون قد فازورا بعد بالسلطة في دولتهم، وكان الكثيرون (في الولايات المتحدة بالتحديد) يبذلون قصارى جهدهم ليحرصوا على احتفاظ شيانج كاي شيك المُعادي للشيوعية بالسلطة. وبمجرد انتصار الشيوعيين أصبح جزءًا من العقيدة المتفق عليها في الغرب أن الصينيين سيصبحون تحت التحكم السوفيتي الشامل وأن الصين والاتحاد السوفيتي سيشكلان قوة شيوعية أحادية.
لم يتنبأ أورويل بالانتصار الشيوعي فحسب (في الواقع، كان يرى هذا الانتصار أينما نظر) بل تنبأ أيضا بأن روسيا والصين لن يشكلا كتلة أحادية بل سيصبحون ألد الأعداء.
لعل خبرته كيساري متعصب سياسيًا ساعدته في هذه المسألة. فلم يكن عنده أي خرافات يمينية بخصوص كون اليساريين أشرارًا متحدين لا يمكن تمييزهم. كان يعلم أنهم سيتقاتلون على أتفه نقاط العقيدة بشراسة تضاهي شراسة أَتقَى المسيحيين.
تنبأ أيضًا بحالة حرب دائمة بين الثلاثة؛ حيث حالة الجمود الدائم والتحالفات المتغيرة باستمرار، لكن دائمًا اثنان ضد الأقوى. كان هذا نظام “توازن القوى” قديم الطراز المُستخدَم في اليونان القديمة وإيطاليا القرون الوسطى ومطلع أوروبا الحديثة.
يكمن خطأ أورويل في اعتقاده أنه توجد حاجة إلى حرب حقيقية لتبقى عجلة توازن القوى دائرة. في الواقع، في أحد المقاطع المضحكة من الكتاب، يُطيل الحديث عن ضرورة الحرب الدائمة كوسيلة لاستهلاك إنتاج العالم من الموارد وبهذا يبقى التقسيم الطبقي بطبقاته العليا والمتوسطة والدنيا (يبدو هذا وكأنه تفسير يساري جدًا للحرب كنتيجة لمؤامرة حيكت بصعوبة بالغة.)
لكن، في الحقيقة، العقود التي تلت 1945 خاليةٌ من الحروب خلوًا ملحوظًا مقارنة بالعقود السابقة. توجد وفرة من الحروب المحلية، لكن لا حروب عالمية. ومع ذلك، الحرب ليست ضرورية كوسيلة يائسة لاستهلاك موارد العالم. يمكن تحقيق هذا بوسائل أخرى مثل الزيادة اللامتناهية في السكان وفي استهلاك الطاقة، وهما أمران لم يأخذهما أورويل بعين الاعتبار.
لم يتنبأ أورويل بأي من التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي حدثت منذ الحرب العالمية الثانية. لم يتنبأ بدور النفط أو التناقص في توافره أو تزايُد سعره أو تصاعُد قوة الدول المتحكمة به. ولا أتذكر أن كلمة “نفط” وردت.
يمكننا أن نشهد لأورويل ببعد نظره، إذا استبدلنا “الحرب الباردة” بـ”الحرب.” فقد لازمتنا إلى حد ما “حرب باردة” أبقَتْ معدلات تشغيل العمالة مرتفعة وحلت بعض المشاكل الاقتصادية قصيرة المدى (على حساب خلق مشاكل كبرى طويلة المدى). وهذه الحرب الباردة كافية لاستنزاف الموارد.
علاوة على ذلك، تغيرت التحالفات كما تنبأ أورويل وبالشكل المفاجئ نفسه تقريبًا. عندما بدا أن للولايات المتحدة كامل السيطرة، كان الاتحاد السوفيتي والصين كلاهما معاديان للولايات المتحدة بصوت عالٍ وفي تحالف من نوع ما. ومع تناقص قوة أميركا، تباعد الاتحاد السوفيتي والصين، ولفترة، كان كل من القوى الثلاثة تندد بالاثنتين الأخريين بتساوي. ثم عندما تنامت قوة الاتحاد السوفيتي بشكل خاص، ظهر تحالف من نوع ما بين الولايات المتحدة والصين، فَكانا يتعاونان على التشهير بالاتحاد السوفيتي، ويتحدثان بلطف عن بعضهما.
في “1984” كلما حدث تغير في التحالفات صاحَبَه انهماك مفرط في إعادة كتابة التاريخ. أما في الحياة الواقعية فلا حاجة إلى مثل هذه الحماقة. فرأي العامة يتأرجح من جانب إلى آخر بسهولة، مُتقبِلين تغير الوضع بلا أدنى اهتمام بالماضي على الإطلاق. اليابانيون، مثلًا، تحولوا في الخمسينيات من أشرار يَعجَز عنهم الوصف إلى أصدقاء، في حين تحرك الصينيون في الاتجاه المعاكس، ولم يتكلف أحد عناء محو حادثة بيرل هاربر. ولم يبالي أحدٌ، بحق السماء.
جعل أورويل القوى العظمى الثلاثة في روايته تتخلى طوعًا عن استخدام القنابل النووية، وبالفعل لم تُستخدم مثل هذه القنابل في الحروب منذ 1945. لكن لعل السبب هو أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وهما القوتان الوحيدتان اللتان تمتلكان ترسانات نووية ضخمة، قد تجنبا محاربة بعضهما بعضًا. لو اندلعت حرب، يصعب تصديق أن إحداهما لن تشعر أخيرًا بضرورة استخدام هذه القنابل. يفتقر أورويل إلى الواقعية في هذا الصدد.
تتعرض لندن بين الحين والآخر للقذف بصواريخ تشبه جدًا أسلحة الـ V-1 أو V-2 من 1944، والمدينة في حالة من الخراب تشبه حالها في 1945. لم يستطع أورويل أن يجعل “1984” مختلفة عن 1944 في هذا الصدد.
في الواقع، يوضح أورويل أن بحلول عام 1984 ستكون الشيوعية العالمية للقوى العظمى الثلاثة قد خنقت العلم وهدرته، ما عدا في المجالات حيث الحاجة إليه من أجل الحرب.
لا شك أن الدول أكثر حماسة للاستثمار في العلم إذا كان له تطبيقات حربية على مرمى البصر لكن، للأسف، لا يمكن فصل الحرب والسلم عندما يتعلق الأمر بالتطبيقات العلمية.
العلم وحدة واحدة وكل شيء فيه من الجائز أن يكون ذا صلة بالحرب والدمار. لذلك لم يختنق العلم بل يواصل مسيرته، ليس في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان فحسب بل في الاتحاد السوفيتي والصين أيضًا. والإنجازات العلمية أكثر من أن تُحصى، لكن اِنظر للحاسوب والليزر على أنهما “سلاحا حرب” ذوا تطبيقات سلمية لامتناهية.
6. الخاتمة
الخلاصة أن أورويل في روايته “١٩٨٤” كان، في رأيي، منخرطًا في صراع شخصي ضد الستالينية بدلًا من أن يحاول تنبأ المستقبل. كان يفتقر إلى مَلَكة الخيال العلمي التي تُمكِّن من التنبؤ بمستقبل معقول، وفي الواقع، عالم “1984” لا يشبه عالم الثمانينيات الحقيقي بأي شكل تقريبًا.
ربما يتجه العالم للشيوعية، إن لم يكن قبل حلول 1984، ففي المستقبل القريب؛ أو لعله يشهد دمار الحضارة. لكن إن حدث هذا فسيحدث بشكل مختلف جدًا عما وُصف في “1984” وإذا حاولنا منع أي من الاحتمالين معتقدين أن رواية “1984” صائبة في نبوءاتها، فإننا سندافع عن أنفسنا ضد هجمات من الاتجاه الخاطئ وسنخسر.
[1]يقصد أنهم انتصروا في الصراعات التنظيمية بين اليسار، لكن الفاشيين هم الذين انتصروا في الحرب الأهلية الإسبانية.
[2]Sectarian أي طائفيّ والمقصود هو نوع من الطائفية السياسية التي قد تتواجد أحيانًا بين تيارات سياسية تقع تحت نفس المظلة، اليسار في هذه الحالة
[3]يُستخدم لفظ “liquidate” في الإنجليزية بمعنى تصفية ومعناه الحرفي هو تسييل، أي تحويل الشيء إلى سائل.
[4]في الإنجليزية “كُمنترن” Comintern هو اسم مدمج، بدمج أول مقطعين من Communist International “الأممية الشيوعية.”
[5]في الألمانية “جستابو” Gestapo اسم مدمج من Geheime Staatspolizei “الشرطة السرية للدولة.”
[6]في الإنجليزية كلمة “mob” تعني همج أصلها اللاتيني “vulgus mobile” بمعنى حشد مُقلِق. وهذا المثال وما يليه هي أمثلة من أزيموف لكلمات شائعة في الإنجليزية.
[8]quasar في الإنجليزية والأصل “quasi-stellar radio source”
[9]Laser وهي من التمسيات الأوائلية بأخذ الحروف الأولي من “light amplification by stimulated emission of radiation” والتي تعني تكثيف الضوء بالانبعاث المحفز للإشعاع
النقاط الرئيسية المستخلصة
مقالة تناقش رواية 1984 لجورج أورويل، حيث يستعرض الكاتب تجربة قراءته وتأملاته حول الرواية.
تتناول الكتاب قضية الشمولية وطبيعة الحكومات الاستبدادية، وتأثيرها على الفرد والمجتمع.
تصور الرواية عالمًا منخرطًا في السيطرة المستمرة على العقول، بينما تعكس أيضًا الصراع الشخصي لأورويل ضد الستالينية.
تشير المقالة إلى أن أورويل لم يكن يملك قدرة التنبؤ على نحو دقيق ولا تصف 1984 بشكل حقيقي واقع الثمانينات.
تسرد المقالة كيف أصبحت 1984 رمزًا للخوف من الحكومة الكبيرة، لكنها لا تعكس المستقبل بشكل واقعي.
لا تزال السير تُكتب عن حياة إدوارد سعيد وأعماله حتى بعد مُضيّ عقدَين[1] على رحيله المبكّر.كثيرون هم من عبّروا عن تقديرهم واحترامهم لإسهاماته، وكثيرون أيضًا من صفّوا حساباتهم معه في الفترة الماضية. يطرح وائل حلّاق، على سبيل المثال، ووفق شروطه الخاصّة، نقدًا تأسيسيًّا جديدًا لكتابالاستشراقوهو العمل الذي دَشّن في بدايات ثمانينيات القرن الماضي عملية نزع الاستعمار عن العلوم الإنسانية. في قصور الاستشراق[2] نرى أنّ سعيد متهمٌ بإخضاع الشرق مفاهيميًّا وبحصرِ نقدِه على المستشرقين دون سواهم رغم أنّ التخصّصات الأخرى في العلوم الإنسانية -بحسب حلّاق- متواطئة تمامًا في إنتاج معرفة جعلت من الإبادات الأوروبية حدثًا قابلًا للتحقُّق. ولهذا يؤكّد حلّاق أنّ نموذج الاستشراق الأخلاقي والإصلاحي هو ما سيساهم فعلًا في نزع الاستعمار عن المعرفة. وبصيغة أكثر تجريدية، يطرح وائل حلّاق حجّةً مفادها أنّ الفكر الأوروبي، لا سيّما الجانب العلماني والعقلاني الفلسفي منه، سابقٌ على سياسات الاستعمار ويتحمّل المسؤولية عن الكارثة التي تتهدّد كوكب الأرض.
الكاتب
ينس هانسن
ترجمة
شيخة مرزوق
خلال حياته، لم يأخذ سعيد النقد المنهجي، لا سيما الصادر ممّن يشاركونه التوجه السياسي ذاته، على محمل الجِدّ.ولهذا فخلافه مع جلال صادق العظم أنهى صداقتهما بعدما كتب الأخير مراجعة لكتاب الاستشراق اتّهم فيها سعيد بالترويج للجوهرانية الثقافية والغيرية[3]. وتشير مراسلاتهما الحادّة إلى وقوع ما وصفه سامر فرنجية بـ”الحوار المبتور” بين طلائع مُناهضي الاستعمار إبّان الحرب العالمية الباردة[4]. كان الإسلاميون في تلك الأثناء يقرؤون كتاب الاستشراق بعين الرضا، فالكتاب -كما توقّع العظم- لا يؤكّد على مسألة اختلاف الإسلام بشكل كلّي ومطلق فحسب، بل يؤكّد أيضًا على الإرث التخريبي للتنوير الذي يتمثّل في العلمانية والليبرالية والنزعة الإنسانوية الغربية. بيد أنّ سعيد بذل جهدًا كبيرًا حتّى لا يُحمل كتابه على هذا الوجه، فهو قد انضمّ إلى الثورة الفلسطينية وصعّد من انتقاداته للسلطة، حتّى إنه تخلّى عن تحليل الخطاب تقريبًا. وكلّما سنحت له الفرصة كرّر فكرته التي عبّر عنها بإيجاز في فيلم طارق علي الوثائقي ]أثينا السوداء[:
“إن البحث عن الأصول والجذور هو تأكيد للهوية بالضرورة […] وهو على الدوام بناءٌ وتشييد. فلا وجود ليوناني نقيّ، ولا لمصري نقيّ… وما يسري على الأعراق يسري على كلّ شيء آخر، فالأمور كلّها قد تخالطت بطريقة لا تنفكّ”.
هذا التداخل الثقافي لا يتناسب بطبيعة الحال مع مؤلِّف قصور الاستشراق الذي يستعرضُ حجّة متشعّبة لإسلامٍ أصيل ومنزّهٍ سابق على زمن الحداثة والذي شوّهته -كما يقول- قوى الليبرالية والعلمانية الجشعة للحداثة الأوروبية الذاتية التكوين. بل إنّ حلّاق يذهب أبعد من هذا ويؤكّد أنّه ما لم يتمّ الكشف عن الافتراضات الفلسفية الحديثة المعيبة ورفضها من جذورها الإبادية الأولى، فإنّ أي ثورة أو نضال سياسي لخلاص الإنسان هي محاولات لا معنى لها ومحكوم عليها الفشل.
نقدٌ مثل هذا قد يبدو ملائمًا للسياق الغربي ويأتي في توقيتٍ يتصدّر فيه مُبشّرُو الليبرالية قوائم الكتب الأكثر مبيعًا ويتمّ الاحتفاء بهم في البرامج المُتلفَزَة بوصفهم البديل المنطقي للصعود المستمرّ للإسلاموفوبيا وللشعبوية اليمينية العنصرية. وحتى وإن تراجع فرانسيس فوكوياما -أحد مفكري المحافظين الجدد- عن انتصاره الليبرالي لنهاية التاريخ ١٩٩٢، إلاّ أنّ الكتب التي تحظى بشعبية كبيرة، ككتاب الإنسان الإله Homo Deus لنوح هراري، لا تزال تروّج لذات الفكرة المربحة والتي مفادها أنّه لا يوجد بديل عن الفردانية القائمة وحقوق الإنسان واقتصاد السوق الحرّ[5].
ولهذا فكتاب قصور الاستشراق يستند إلى لوحةٍ تاريخية وفلسفية وبيئية ضخمة كي يتحدّى بها الهياكل الليبرالية الحتميّة والذاتيّة. ورغم أنّ الكتاب يسلّط الضوء على نقاط مهملة في أساليب البحث في العلوم الاجتماعية إلّا أنّ حلّاق يفشل في الارتقاء إلى مستوى التحدّي الصعب الذي تفرضه الرواية الليبرالية عن الذات. ومن مطلّه المرموق في جامعة كولومبيا، اعتبر حلّاق أنّ استشراق سعيد غفل عن العنف البنيوي الذي خلّفته عقلانية التنوير في العالم، ومردّ ذلك أنّ سعيد كان “محض منشقّ” داخل النظام الجامعي الحديث. فبحسب حلّاق، وحدهم المثقفون المتموقعون خارج النظام يملكون القدرة على تخريب الإرث الثقافي الإبادي لـ فلسفة التنوير وهزيمته. غير أنّ القرّاء الذين يتوقّعون التعرُّف على تقليدٍ فكري إسلاميّ بديل ومعاصر سيشعرون بخيبة أمل؛ فالأمر لا يقتصر على أنّ تقليدًا كهذا لا وجود له في طرح حلّاق المناهض للحداثة فحسب، بل إنّ من العبث –وفق منظور حلّاق- البحث عنه من الأساس، لأنّ ظهور تقليدٍ إسلامي من هذا القبيل في أعقاب عصر التنوير يعني عند حلّاق ارتباطًا بالاستشراق بالضرورة (٢٣٨).
أمّا الفلاسفة الذين يحشدهم حلّاق لأطروحته ما قبل الحداثية والمُناهضة للإنسانوية هم في الأساس فلاسفة غير مسلمين، وطه عبد الرحمن هو الاستثناء الوحيد الذي ظهر كي يؤكّد هذه القاعدة في هامش صفحة ٢٥٢. فأغلب الفلاسفة هم فلاسفة قاريّون كاثوليك، وغالبًا، إمّا أنهم ينتمون إلى التقليد التنويري المُعادي للحداثة كماكس شيلر وكارل شميت ومارتن هايدجر وجون غراي، أو متشكّكون في التحرُّر الشعبي كميشال فوكو وبرونو لاتور، أو يمكن وصفهم بأنهم راسخون في التقليد الأرسطي لأخلاق الفضيلة كـ إليزابيث أنسكوم وألسدير ماكنتاير. ولكن الشخصية الفكرية الأهمّ والتي خصّص لها حلّاق فصلًا كاملًا من كتابه هو رينيه غينون، الفيلسوف المحبّب لدى الاتّجاهات الفلسفية المعاصرة على اختلافاتها وتعارضاتها ابتداءً من الفلسفة الخالدة perennialism في الولايات المتّحدة الأمريكية وانتهاءً بفلسفة روسيا أولًا عند ألكسندر دوغين.
2. الاستشراق وحقل دراسات الشرق الأوسط في أيّامنا المعاصرة
من الواضح أنّ ما يرمي إليه حلّاق من كتابه أبعدُ بكثير من مجرّد نقدٍ لكتاب تأسيسيّ في دراسات الشرق الأوسط. فـ قصور الاستشراق كتابٌ ينتقد الباحثين المتأثّرين بإدوارد سعيد ممّن تخصّصوا في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA ولا سيما من أتى منهم “من خلفيّات عرقية غير غربية” (239). وهو يجادل بأنّ ثمّة تهربًا من الاعتراف بـ”تواطؤ” هذا الحقل الأكاديمي مع الاتّجاه الليبرالي العلماني والإنسانوي الذي “شوّه” الإسلام وأخضع “الشرق”. ولهذا، فكتاب حلّاق لا بدّ أن يُقرأ كتعقيبٍ على اتّجاهات البحث الجديدة في دراسات الشرق الأوسط منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر والثورات العربية في عام ٢٠١١ ثم الثورات المضادّة التي أعقبتها.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ظهر انقسامٌ في حقل دراسات الشرق الأوسط بين باحثين يؤيّدون الغزو وآخرين يعارضونه. ومِن الفريق الأوّل من غادر “جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية” (MESA) وأسّس “جمعية دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا” (ASMEA) وهي مجموعة مناصرة سياسية تصدّرت المشهد بصفتها بديلًا لـ MESAوهوجمت بشدّة من الخارج لكونها “مُعادية لأمريكا”. تكاثرت الأبحاث داخل MESA وفقًا للأولويات المنهجية والسياسية التي تَدينُ، بطريقة أو بأخرى، لكتاب الاستشراق وكُتب سعيد اللاحقة، بما في ذلك كتاباتُه عن فلسطين والمنفى[6].
إلاّ أن الاستقطاب الحادّ وقع مع ثورات عام ٢٠١١. ولكن، وفي الوقت ذاته، ضخّت هذه الثورات دماءً جديدة في حقل دراسات الشرق الأوسط؛ فالتضامنات القديمة والتحالفات التحليلية قد تصدّعت تحت وطأة التطوُّرات السياسية في المنطقة. في البدء، أدّت الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك إلى إثبات صحّة ما كان يطرحه بعض المتخصّصين -وبخلاف ما كان يظهر للعيان- من أنّ ثمّة ثقافة مناهضة للاستبداد قابعة في البنية السياسية العربية، وهي، على المستوى الشعبي، قادرةٌ على أن تَحلّ محلّ الانقسامات الطائفية وتجمع القوى الدينية والعلمانية على السواء ضدّ الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب. ومن هنا، كانت الحاجة للدفع باتجاه نموذجٍ تاريخي فكري مُغاير. الأمر الذي بدوره أحيا دراسات اليسار العربي التي ساعدتُ بمعيّة زميلي ماكس وايس في محاولة إرجاع جذورها إلى عصر النهضة وترسيخها ضمن التاريخ الفكري العالمي[7]. واستجاب علماء الأدب العربي بدورهم لتحدّيات ما بعد ٢٠١١، فبعضهم بدأ بالعمل على ترجمة النصوص الرئيسية للتقاليد الكلاسيكية والمعاصرة[8]. يُمثّل هذا التوجه، بطريقة ما، استراتيجية طويلة المدى من أجل حفظ وتنظيم أرشيفٍ ثقافي عربي لمساعدة العلماء والباحثين والناشطين لتخيُّل مستقبل ما بعد القوميّات.
ولكن لحظة الأمل المفاجئة لم تدم طويلًا. في مصر، سلّم المثقّفون الليبراليون والطبقة الوسطى غير المُسيّسة -والمعروفة باسم حزب الكنبة- بقدرهم للانقلاب العسكري الوحشي ضدّ حكومة جماعة الإخوان المسلمين في عام ٢٠١٣. كما غضّ بعض العلمانيّين البارزين الطَّرْف ليس فقط عن مجزرة رابعة التي وقعت في ذلك الوقت، بل أيضًا عن الاعتقالات اللاحقة التي تمّت بالجملة لليساريّين الذين أشعلوا الثورة ونظموها. وفي سوريا، وعلى المنوال نفسه، تمّ تأييد قمع النظام الإجرامي للمظاهرات السلمية في عام ٢٠١١ من قبل أعداد كبيرة من العلمانيّين السوريين، كما أنّ النظام حظي بدعم عُلماء وناشطين وصحافيّين مناهضين للإمبريالية في الغرب. دفع الخوف الواضح والمُبالغ فيه من سيطرة الإسلاميّين على الدول ما بعد الاستعمارية إلى التخلّي عن المتظاهرين وعن فكرة سياسات التحرُّر الراديكالية.
أثّرت هذه الأحداث وما تسرّب منها من مشاعر إحباطٍ ويأس على الأبحاث النقدية المتعلّقة بالعالم العربي لأسباب عديدة ليس أقلّها أنّ السفر إلى هذه البلدان لإجراء بحوث ميدانية صار يعني الدخول إلى أفخاخ الموت كما جرى مع جوليو ريجيني طالب الدكتوراة في جامعة كامبردج الذي عُذّب حتى الموت على يد عناصر من قوّات الأمن الوطني المصري في ٢٠١٦. ومن هنا أتت الحاجة لإعادة النظر وبشكل جادّ في الأطر التحليلية المعمول بها في دراسات الشرق الأوسط، حيث ظهرت نماذج جديدة مُغرية خارج هذا الحقل والمنطقة المبحوثة. فبدأت مؤخّرًا الدراسات البحثية المتعلّقة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتصدّي للفجوة المتزايدة بين استجابة الجامعات المنتجة للنظريات في أمريكا الشمالية لخصوصيات واقعها، بما في ذلك اشتغالها بالإسلاموفوبيا من جهة، وبين الواقع المعاش للمثقّفين الذين يواجهون الاستبداد النيوليبرالي والطائفية والعنف الإسلاموي في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى.
غير أنّ الفوضى السياسية والفشل الواضح للمثالية الثورية العربية أدّت إلى تقويض مفهوم الثورة السياسية والفاعلية البشرية. والعجز التفسيري للتمثيل -والذي تمّ الكشف عنه بالفعل في كتاب الاستشراق من خلال مقولة ماركس “إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم”- دفع بعلماء الأنثروبولوجيا على سبيل المثال لتأجيل أحكامهم على عوالم المعاش المادّية لـ”الآخر” وإعادة النظر في المقولات التحليلية والافتراضات حول الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه التحرّر. فإذا كانت الماركسية والديالكتيكية المادّية فيما مضى تتحدّى الليبرالية بثقةٍ مفرطة على أُسس اقتصادية ونظرة علمانية نقدية، فإنّنا نشهد اليوم انزياحًا عن مقولات الوعي والإنساني والعلماني[9].
وصلت نظرية شبكة الفاعلين Actor-Network والمادّية الجديدة ومقاربات العلوم والتكنولوجيا إلى دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتمّ توجيهها لا سيما عبر مساهمات تيموثي ميتشل الثاقبة والمؤثّرة مع برونو لاتور وميشيل كالون[10]. أحدثت هذه النماذج تحوُّلات بيئية وما بعد إنسانية في جملة من الدراسات من بينها دراسة الدوائر الكهربائية في فلسطين الانتدابية، والتكنولوجيا والزمن في مصر[11]. ويُعدّ مشروع الاقتصاد السياسي (PEP) الذي تمّ إطلاقه مؤخّرًا محاولةً للارتقاء إلى مستوى التحدّيات التي تفرضها ما بعد الإنسانية في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولإعادة التركيز على الواقع المادّي والمشكلات البنيوية التي ما يزال الاستعمار والنيوليبرالية يطرحانها على المنطقة وعلى العالم بأسره. كما بدأ العلماء والباحثون العرب بإنشاء شبكاتٍ بحثية مثل المجلس العربي للعلوم الاجتماعية والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) التي تعمل على استدراك الاختلاف الإشكالي في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادرة سواء من شمال أمريكا أو حتى من المنطقة نفسها. وضمن هذه المبادرات أيضًا، أعادت مجلّة حوارات فيلولوجِيّة Philological Encounters الصادرة من برلين إحياء دراسات فقه اللغة والذي تضرّر بشكل كبير بوصفه الحيّز التخصُّصي للانخراط النقدي مع الاستشراق[12].
غير أنّ أكثر المقاربات تأثيرًا كانت مقاربة أنثروبولوجيا الإسلام التي طوّرها طلال أسد فور وصوله إلى الولايات المتّحدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. فالمشروع الذي بدأ كمحاولة لتصوير الإسلام كتقليد خطابيّ صار مؤخرًا شبكة بحثية ضخمة تضمّ متخصّصين في الأديان من أمريكا الشمالية يعكفون على الكشف عن التناقضات الفلسفية للعلمانية الغربية من الناحية الاثنوجرافية[13]. قَلَبتْ هذه الجماعة العلمية، وبشكل فعّال، طريقة سعيد الأدبية عن “النقد العلماني” رأسًا على عقب، وأدخلت نقدًا مبتكرًا للعلمانية وللنقد نفسه. إلّا أنّ موقف طلال أسد من الثورة المصرية في عام ٢٠١٥ -وهو موقفٌ طال انتظاره- أدّى إلى نفور كثير من الشباب ممّن أُجبروا على تركِ بلدانهم واختاروا التخصُّص في دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية[14]. إذ يخلص أسد، وبالاستناد إلى علماء الأزهر ومفكّري الإخوان المسلمين، وبطريقة أرندتية (نسبة إلى حنة أرندت)، إلى أنّ:
“الثورة لم تندلع في الأساس، فإرهاصات النظام الجديد لم تظهر بعد” كان الأمر محض “عنفٍ علمانيّ” كما يقول. ولهذا حثّ أسد العلمانيّين على أخذ صيغة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على محمل الجدّ إذا ما أرادوا تشييد هذا النظام الجديد بوصفها الصيغة الشرعية من أخلاق الفضيلة الأرسطية. وعليه، يمكن لهذا النهج الديني لعقدٍ اجتماعيّ جديد في مصر “أن يشكّل توجُّهًا للاعتناء المشترك بالنفس على أساس مبدأ الصداقة، لا على المبدأ القانوني للمواطنة”[15].
لكن بالنسبة للنشطاء المصريّين الذين نكّل بهم العسكر، بدا لهم أنّ أطروحة التخلّي عن النضال والتحرُّر السياسي لصالح وُعود الشريعة بتنظيم علاقات صداقة اجتماعية بمثابة الخيانة لهم من قبلِ مفكّرٍ مسلم لطالما أكنّوا له الاحترام والتقدير. كان هذا الحدث، وبشكل من الأشكال، استعادة للحوار المبتور السابق بين سعيد وصادق العظم والمناضلين الماركسيّين إبّان الحرب اللبنانية الأهلية. أمّا فيما يخصّ الدراسات الشرق أوسطية المعاصرة التي تمّت في شمال أمريكا فإنّ هذه الحوادث وغيرها دلالةٌ على تشتُّتٍ منهجي عامّ أصاب الحقل بعد أحداث ٢٠١١. ولهذا، ينبغي فهم كتاب قصور الاستشراق، ونقد مؤلّفه للاستشراق، ضمن هذا السياق تحديدًا.
3. نحو “إصلاح وتخليق الاستشراق”؟
أخذ نقّاد الاستشراق السابقون على سعيد مبالغته في النقد، حتى إنّ بعضهم حاول، بحسن نيّة، تبرئة مستشرقين كوليم لاين (ت ١٨٧٦) أو لويس ماسينيون (ت١٩٦٢)، وأخذوا على عاتقهم استدراك الهفوات في طرح سعيد لا سيما فيما يتعلّق بدراسات الاستشراق الألماني والنقد النسوي. وعلى النقيض من هذا، يرى حلّاق أنّ سعيد لم ينتقد الاستشراق كفايةً، ويلمّح إلى أنّ سعيد فشل في الخوض في أفكار ماسينيون الفعلية عن الإسلام والعالم الإسلامي، وأنه فشل في الوقوف على الأهلية العلمية لمَحبّة هذا المستشرق للإسلام و”إصراره على وجود (اختلاف)… بين الغرب الحديث والإسلام”[16](١٨٠). يتعرّض حلّاق لمقاربة سعيد عبر ثلاث مراحل: يعود أولًا إلى الجذور الأوروبية المبكّرة للاستشراق في تقابل واضحٍ لطرح سعيد “غير التاريخي” كما يقول والذي يبدأ “من إسخيلوس إلى برنارد لويس”. من ثم يقيم حلقة وصل محكمة بين كلّ الحقول الأكاديمية الحديثة -لا حقل الاستشراق فحسب- وبين الاستعمار والإبادة الجماعية منذ غزو الأمريكيتين، وهذا نقيض منظور سعيد المحدّد والمتمثّل في “التضحية بالاستشراق” كخطابٍ أُنتج عن الشرق في الغرب ومن أجل الغرب، وهو الأمر الذي اعتبره حلّاق “يعجز عن التعاطف مع الآخر غير العلماني”(٥). وكخطوة أخيرة، ينحاز حلّاق إلى فكرة الاحتمال التثقيفي للبحث التخريبي في إطار الاستشراق نفسه (١٣). وفي التفاتة مفاجئة، يقدّم حلّاق، وبحماسة، أطروحته حول “إصلاح الاستشراق وتخليقه” بحيث يغدُو “مجالًا للبحث الإنساني”(٢٥) يمكن أن يحمل في ثناياه إمكانية خلاصية. فالاستشراق كما يرى كان حقلًا صافيًا من تلك النزعة الإنسانوية العلمانية “الخبيثة” المتمركزة حول الفرد والمتواطئة مع الاستعمار.
ليس ثمّة شكّ أنّ حلّاق يعي أهمّية كتاب سعيد، وهو على أية حال يصفه صراحةً “بالخلاصة الأكثر تعمُّقًا وتطوُّرًا لأنّها تعرّضت للتصوُّرات الخاطئة المتواصلة -أم نقول المتأصلة؟- عن الاستشراق”. ولكنه في الوقت ذاته ينتقد قصور سعيد و”إهماله، والحقل الخطابي الذي أسّسه، للركائز البنيوية للعلوم الطبيعة والاجتماعية والإنسانية وتمظهراتها السياسية في المشروع الحداثي الأكبر”(٦). هذه التهمة ستفاجئ أساتذة الاستشراق المخضرمين من دون شكّ، كونها تهمة بلا سند. فإعادة صياغة حلّاق للاستشراق تتجاهل ابتداءً أوسع تعريفات سعيد للاستشراق بوصفه استطرادًا “لأنماط الهيمنة”، قبل أن يرفض هذه الصيغة فيما بعد لكونها “ملغّزة وغير مدعومة”(١٠٦). وبالاستناد إلى تعريفين ضيّقين لسعيد –ولأنهما محض “أنماط من التفكير” الأكاديمي- يكون حلّاق قد حرَّرَ نفسه عمليًّا ليطرح “إعادة صياغة” restate جديدة للإشكال الذي طال الاستشراق في تضادٍّ واضح مع سعيد: فالاستشراق من وجهة نظره لا يتعلّق بالتمثيل أو بالأسلوب، بل يتعلّق “بالأداء” الأستني Austinian (نسبة إلى أستن) و”الظروف الملائمة” و”البنيوية” وهو -في تجاوزٍ واضحٍ لسعيد- “عن الشرق نفسه”. الأكيد ههنا أنّ سعيد ما كانليقبلَ بسهولة لتعرّض حلاق لكتابه ووصفه إيّاه بأنه كتابٌ “ضحل وسطحي” و”متهافت وباهت” و”مرتبك” و”ضيّق الأفق بشكل غير مفاجئ” بحيث “يعوزه الحسّ التاريخي”(٤٥)، وتعريضه بسعيد نفسه بأنّه “ظلّ مقيّدًا بثنائية الحقّ والباطل”(٦٣).
ولكن حلّاق يمضي في هذا ويعثر على دليلٍ هامشيّ في آخر كتاب الاستشراق يناقض به ادّعاء سعيد المركزي بأنّ الاستشراق لا يدور حول “التصوّرات المحرّفة” عن واقع الشرق، ولكنّها نظرة شاملة للعالم لأنها تصوّر الشرق ككينونة في المقام الأول[17]. ولهذا تكون التهمة القائلة بأنّ سعيد “أغفل كلّ ثقل التنوير في إنتاج الاستشراق” (١٠٧) متناقضة إلى الغاية. فالكتاب كلُّه بالنسبة لسعيد يتمحور أساسًا حول التحوّل التاريخي العالمي الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر عندما نُشر “الاستشراق الكامن” في النصوص المرجعية -المهمشة سياسيًّا حينها- كأرشيفٍ نشط ومكتبة “للبيان الاستشراقي” لتسهيل الاستعمار وشرعنته فيما بعد.
غير أنّ حلّاق يبني ترسانة معقّدة من المناهج والنظريّات من أجل إزاحة الالتباسات المفاهيمية المعروفة في كتاب الاستشراق وتقديم دعاوى كتابه الأكثر راديكالية. وهو يشرح ذلك بالقياس التالي: بما أنّ الأكاديمية الحديثة “مرتبطة، وإن بصورة غير واعية… بالمشروع الاستعماري للحداثة الغربية”، فالاستعمار والإبادة تم هيكلتهما بعلاقة تبعية، ومن ثم تكون الأكاديميا “متواطئة مع الإبادة”(٢٤). ولكن العجيب أنّ الفصل قبل الأخير الذي كان من المفترض أن يتعرّض لهذه المسألة باستفاضة كان أشبه بجعجعة من دون طحن، والقارئ الفطن الذي سيلتفت للصمت ههنا سيدرك إلى أين تقود رحلة القراءة.
كان الهدف من وراء ترسانة حلّاق النظرية هو إفساح المجال المضمون لأولئك الذين يُعجبون بالشرق وينحازون له كماسينيون أو كمُلهم الكتاب ودليلُه رينيه غينون؛ الكاثوليكي الفرنسي الساخط الذي اعتنق التصوّف الإسلامي. كما أنّ هذه الترسانة النظرية تسمح لأولئك الذين يجوهرون الإسلام كفعل استراتيجي، مثلما يفعل حلّاق نفسه، بتطوير بديل معرفي وأنطولوجي للحداثة. غير أنّ أسلوب حلّاق الجدالي الحادّ وذا المنحى التنازعي يجعل حماسته لأخلاقيات النقد الذاتي وإقراره بالفضل للاستشراق تُفهم بغير هذا المقصد. ولهذا السبب يتفاجأ القارئ عند الوصول إلى آخر الكتاب بأنّ مستقبل دراسات الشرق الأوسط غير واضح المعالم واليأس يلفّه من كل جانب، فالخلاصة تقول بأنّ ثمّة عددًا كبيرًا من المعارضين التقدّميّين المناهضين للاستشراق، ولكن ليس ثمة مستشرقون تخريبيون بما يكفي.
4. المستشرقون المخرّبون مقابل مناهضي الاستشراق المنشقّين
يقدّم حلّاق حجّةً لأخلاقيات إسلامية غير متمركزة حول البشر وغير مادّية وغير سيادية مستمدّة من جوهر الشريعة الإسلامية والتصوف ما قبل الحداثي، ومن أبرز ممثّلي هذا الطرح الغزالي وابن تيمية. ومن هذا المنطلق، يستدعي حلّاق مظاهر الوقف كمؤسّسة إسلامية أصيلة تصدّت لفكر التنوير العبثي والمدمّر. جذور الاستشراق القانوني، في نظر حلّاق، تكمن في “انفصال الحقيقة والقيمة” في الفلسفة الأوروبية الحديثة المبكرة التي جلبها مستشرقون كوِليم جونز ومارسيل موراند وكورنليوس فان فولنهوفن وسنوك هرغرونيه وطبّقوها في أواخر القرن الثامن عشر في جنوب آسيا، وفي منتصف القرن التاسع عشر في الجزائر، وفي أواخر القرن التاسع عشر في جنوب شرق آسيا. كانت إصلاحات التنظيمات العثمانية بحسب حلّاق مجرّد خطوة استعمارية لدمج مجال القانون الشرعي المستقلّ وإطار الشريعة الأصيل في الدولة العلمانية. ولعلّ هذه المسألة هي أكثر مسائل الكتاب المصاغة جدليًّا بإحكام وتُبنى على كتاب حلّاق السابق (الدولة المستحيلة)[18]. ولكن بسبب غياب التوثيق الدقيق لدوائر التأثير الفكري، يمكن القول إنّه من المعقول أيضًا، إذا ما أخذنا التسلسل الزمني في عين الاعتبار، أنّ التجارب القانونية التي أجراها العثمانيون في ثلاثينيات القرن الماضي -إضافةً إلى درايتهم بالتقاليد السياسية الأوروبية الحديثة حينها- قد أثّرت بدورها على المقاربات الاستعمارية للقانون الإسلامي في الجزائر وجنوب شرق آسيا.
يوظّف حلّاق هنا المستشرق رينيه غينون لتبيان أنّه يمكن أن يكون المستشرق منصفًا شريطة أن يعادي الليبرالية والمادّية. ثمّة بالطبع صدًى خافت للفيلسوف الفرنسي الإشكالي الآخر روجيه جارودي (ت ٢٠١٢)، ولكن عند غينون بالتحديد وجد حلّاق شخصيةً فكرية غزالية شهدت نهايات القرن الـ١٩ ويمكنه من خلالها أن يستبطن نموذجه الإسلامي-الأصيل كبديل لعقلانية ما بعد التنوير والاستشراق. وإذا ما جارينا خلاصة حلّاق، يكون لكتاب غينون الشرق والغرب قيمة هويّاتية أكثر ممّا يكون له قيمة فلسفية. ما كان يفعله هذا “المؤلف المخرّب” هو أنّه اتّبع الطرق الصوفية قبل الحرب العالمية الأولى ومن ثم انغمس في الحياة “الشرقية” في القاهرة خلال الحربين. ومن خلال موقعه الاستراتيجي في الهامش ومكانتة السلطة، فإن كتاب غينون يمثّل عند حلّاق “تفاعلًا استنكاريًّا حادًّا على الفلسفة الأوروبية من لايبنتس إلى كانط وشوبنهاور” ممّا يجعله يقبض على “خلاصة ما توصّلت إليه النظرية الاجتماعية والنظرية النقدية والنقد الثقافي، ولكن من دون الاعتراف بشرعية النظام الذي تصرّ عليه هذه النظريات النقدية”(١٤٥). لا يعزو غينون النوايا السيئة أو التحيُّزات المتعمّدة إلى الفلاسفة والمستشرقين بصفاتهم الشخصية[19]. فالمعضلة بالنسبة إليه، كما هي بالنسبة إلى حلّاق، أعمق من ذلك، فجذور العنف البنيوي للغرب متغلغلة في العقل الأداتي للتنوير، وبالتحديد في “المادّية” الغربية وفي “العلم السيادي” التي اعتبره غينون “خُرافة” حضارية حديثة.
في كتاب الشرق والغرب إذن يصبح التقدّم محض “عقيدة تبدّل الفضيلة إلى رذيلة”. بالطبع كان المنشقّون المناهضون للحداثة والحركات المعادية للمادّية هي السمة المميّزة للحداثة في نهاية القرن، ولكن يظلّ أن حلّاق وعد قُرّاءه بأنّ غينون سيحدّد أشكالًا “تثقيفية” بديلة ومقاربات إنسانية أكثر احترامًا للآخر وللطبيعة. ولكن قبل أن يصل إلى هذه النقطة في خاتمة كتابه، يعود حلّاق إلى قياسه ليقول إنّ كلّ المعارف الأكاديمية الحديثة هي معارف متورّطة بنيويًّا في الإبادة.
5. إسقاطات فلسفية
كان من المفترض أن يقدّم الفصل الرابع من قصور الاستشراق دليلًا على تقاطع إنتاج المعارف الأكاديمية مع الإبادة الاستعمارية. ولكن عوضًا عن ذلك يبدأ حلّاق بنقد الجامعة النيوليبرالية، ويشير إلى تشابهات بنيوية بينها وبين الشركات المتعدّدة الجنسية، ويزجّ بـ”المجالات المركزية للعلم الحديث” في المشروع الاستعماري. تواطؤ سجلّ الجامعات الإسرائيلية في الغزو الاستعماري لفلسطين هو أمر مفروغ منه لأنه كان محلّ اهتمام ودراسة، ولكن كان من الأجدى في هذا السياق، ولأنه المثال الأحدث، أن يتمّ التطرُّق لنموذج التعليم النيوليبرالي في الجامعات الأمريكية في الخليج. ولكن حلّاق لا يخاطر بالذهاب في هذا الاتجاه، ولا حتى يتعرّض لتبريرات بعض الأساتذة في الجامعات المرموقة ممّن أيّدوا الحرب السعودية اليمنية.
لا يمكننا بالتأكيد اختزال “الشخصية المدمّرة” للحداثة في أحداث جيوسياسية كالرأسمالية والاستعمار. فهذه حجج سياسية واقتصادية “سطحية” تجعل من ضحايا العنف الأوروبي من غير الغربيّين متواطئين عمليًّا في إخضاع أنفسهم (١٩-٢٠). كما أنّ حلّاق لا يلتفت إلى استخدام استعارة الفاشية بوصفها استعارة مناهضة للاستعمار وتعبّر عن عودة الإمبريالية إلى أوروبا عند كلّ من أرندت وسيزير. عوضًا عن ذلك تكون الحداثة، وبحكم التوارث، متجذّرة بالكامل في الفكر الأوروبي الحديث حيث صار اللاهوت المسيحي لاهوتًا علمانيًّا في أعقاب أعمال الإبادة الأربعة الكبرى التي وقعت في القرن الـ١٦، وهي: إبادة سكّان أمريكا الأصليّين، الأندلسيّين، الأفارقة، والسحرة في محاكم التفتيش (٨٥-٨٧). وفي هذا السياق، يبدو أنّ حكم ميشيل رولف ترويلو ما زال قائمًا، إذ “كلّما زاد عدد البشر الذين غزاهم التجّار الأوربيون ومرتزقتهم، تحدّث وكتب الفلاسفة الأوروبيون عن الإنسان أكثر”[20]. إنّني بلا شكّ أتفهّم نقودات جدل التنوير للحداثة الاستعمارية والدور الحاسم الذي أدّاه الغزو الأوروبي للأمريكيتين فيها، ولكن يبدو لي أنّ قصور الاستشراق يفشل في إثبات خصوصية أطروحته فيما يخصّ “الآثار الحتمية” للفلسفة العقلانية للقرن ١٦، أو حتى فلسفة القرن الـ٢٠، على الإبادات الجماعية(٢٣٢). ولهذا يستدعي الكلمات اللاتينية المتمثّلة في مبدأ الكوجيتو وحجّة إنريك دوسل في أنّ الذات الغازية ego conquiro كانت شرط الإمكانية بالنسبة إلى ديكارت “وهو ليس الزعم ذاته، الذي عفا عليه الزمن، القائل بأنّ علمانية القرن السابع عشر (أو حركة الربوبيّين لـ ديكارت وهوبز وغاليليو ونيوتن ولوك) أدّت إلى الإبادات الجماعية في القرن السادس عشر، أو أنّ العقلانية تحرّرت من القيود الأخلاقية للمسيحية”(٨٧).
لم تكن الإبادات الجماعية في القرن السادس عشر الخطيئة الأصلية للفلسفة الديكارتية ولا حتى للعلمانية كما يدّعي حلاّق، ولكنها كانت شأنًا مسيحيًّا خاصًّا. الفلسفة الثنائية والتمييز العقلاني من ديكارت إلى كانط (العقل/الجسد، الموضوع/الذات، الحقيقة/العُرف، المعقولات/الظواهر) التي يزعم حلّاق أنّها مهّدت للإبادات الجماعية كانت مفاهيم تخريبية حتّى القرن التاسع عشر. ظلّت العقلانية محلّ نزاع داخل الفلسفة، وهامشية بالنسبة إلى الجغرافيا السياسية و”كامنة”، بلغة سعيد، إلى أنْ ظهرت في أعقاب التنوير كتداخلٍ بين الاستعمار والاستشراق. يقلب حلّاق تسلسل سعيد هذا؛ فالفلسفة العقلانية هي التي “مكّنت” الاستعمار والاستشراق من الظهور والوجود، لا أنّ الاستشراق “تسلّح” بالاستعمار.
هنا، قد توضح لنا خطة لايبنتس Leibniz لغزو مصر اختلاف مقاربة كلٍّ من سعيد وحلّاق لماهية الزماني والسببي. وهذه الحادثة لم تظهر لا في الاستشراق ولا في قصور الاستشراق وهذا ما يجعل المقارنة المنهجية بينهما أكثر نجاعةً. فمنذ أواخر عام ١٦٧١ إلى أواسط ١٦٧٢ كتب لايبنتس عددًا من الرسائل ليقنع ملك فرنسا بغزو مصر، ولكن تلك المحاولة لم تكن سوى محاولة يائسة من قِبلِ شخص وطني أراد صرف الأنظار عن الغزو الفرنسي الذي يلوح في الأفق ضدّ هولندا البروتستانتية وتحويلها إلى حملة صليبة عالمية على ولاية مصر العثمانية الثرية من أجل “مجد ألمانيا”[21]. خطة لايبنتس، من منظور حلّاق، من شأنها أن تؤكد وقوع الإبادات الجماعية. فلايبنتس وأقرانه في القرن السابع عشر “أنتجوا أنواعًا معيّنة وغير مسبوقة من المعرفة مكّنتهم من التلاعب بالسلطة بشكل جوهري وطبيعي”(١٦). ولكنّ سعيد أدرك (والذي لاحظت في زيارة حديثة لمكتبته أنها تضم نسخة من كتاب لايبنتس المعنون مقالات جديدة) الأهمّية المؤجّلة لرفض لويس الرابع عشر لمقترح لايبنتس. بالنسبة إلى سعيد، لم يمكن لخطة لايبنتس لمصر أن تؤدّي دورًا حاسمًا إلّا في حال تغيّرت الظروف الجيوسياسية لصالح أوروبا. في هذه الحالة فقط، كان يمكن استرجاعها كمخطّط أوّلي من أرشيف الاستشراق وإعادة تجهيزها لغزو نابليون لمصر في عام ١٧٩٨[22].
إلّا أنّ نهج حلّاق القائم على المقاربة القانونية للتاريخ الإسلامي -في محاكاةٍ للجدل اللفظي لكثير من تحليلات الخطاب الاستعماري- كان لا بدّ أن يرفض نموذج العصور المتأخّرة حتى تنجح ثنائيته بين إسلام أصيل وحداثة مادّية[23]. فبحسب حلّاق، إنّ الحجّة التي مفادها أنّ الإسلام ظهر نتيجة التقاء قوى ثقافية في القرنين السادس والسابع أثّرت في إنكار الأصول الولّادة للإسلام. وهذا ما أجبره على تجاهل تقليد فلسفي عربي إسلامي عريض حول الميتافيزيقا المادّية بكلّ اشتباكاته مع التفسيرات الطبيعية والإلهية للكون، والجدل حول الشكل والمادّة والتمييز بين الجوهر والوجود[24]. وهذا التقليد الفلسفي المهمّش يسري في أعمال كلٍّ من ابن سينا (ت ١٠٣٧) وابن جبيرول (ت ١٠٥٨) وابن طفيل (ت ١١٨٥) وابن رشد (ت ١١٩٨) وجوردانو برونو (ت ١٦٠٠).
أمّا ما ظهر في كتابات بعض المفكّرين العرب المعاصرين ممّن فسّروا التراث الإسلامي بتفسيرات مادّية كحسين مروة (ت ١٩٨٧) وطيب تيزيني (ت ٢٠١٩) [25]، أو حتّى ما ظهر في دياليكتيك إنجلز للطبيعة (١٨٨٣) أو حتى عند الألماني ألفريد شميدت في كتابه مفهوم الطبيعة عند ماركس (١٩٦٢)، والذي بدروه ألهم البيئيّين الماركسيّين المعاصرين أو “الماركسية الخضراء”، فقد كان في واقع الأمر تعبيرًا لاحقًا ومتأخّرًا لهذا التقليد الفلسفي الذي قدّم شكلًا إنسانيًّا عالميًّا لا يتمحور حول البشر وحدهم وإنما ساوى بين الطبيعة والعالم المادّي بحيث ينحاز للتحرّر ويضبطه في آنٍ واحد.
أطلق إرنست بلوخ على هذا التقليد اسم “اليسار الأرسطي”[26] الذي تمّ قمعُه من قبل ثنائية الفلسفة والعلمانية بقدر ما قمع من قبل التقليد الكلامي الإسلامي والسكولاستية المسيحية Christian scholasticism والمستشرقين الرجعيّين فيما بعد. وبقي هذا التقليد في ظلال التفسيرات الكاثوليكية والتوماوية لأرسطو[27] وجزء كبير في الواقع من الفلسفة المنهجية اللاحقة تغافل عن التأثيرات السياسية و”الظروف الملائمة” لبحث هذا التقليد ودراسته[28]. لكن ما طرحه بلوخ من استفسارات فلسفية كانت تعترف بالتثاقف الذي تمّ أثناء التداخل الثقافي والتفاعل بين الفكر وسياقاته المتغيّرة. وهذا الاعتراف يتناسب مع فكرة سعيد عن “ارتحال النظرية” ولكنه غير مشروع إطلاقًا في نهج حلّاق غير الدياليكتيكيّ للتاريخ الإسلامي والأوروبي. واللافت للنظر هنا، أنّ ثمة تقاربًا غريبًا بين مفهوم بلوخ لليوتوبيا المتماسكة -وإصراره على أنّ الأمل دائمًا ما يتمّ إحباطه- وتأمُّلات سعيد المؤلمة “في القضايا الخاسرة”[29]. مثل هذه التأويلات الناقدة للذات والمتطلّعة لاستشراف المستقبل قد تسفر عن مسارات للخروج من حاضرنا المتداعي أفضل من تلك المسارات التي تعِدُ بها الليبرالية المتسيّدة أو الاستدعاءات الأفلاطونية نحو الإسلام.
6. إعادة سعيد لموضعه
محاولة قصور الاستشراق التوغُّل عميقًا في الهياكل القمعية ينقلبُ في نهاية المطاف إلى تعقيبات مطوّلة وشديدة القساوة لمقالة باتريك وولف المعنونة “الاستعمار الاستيطاني وإقصاء السكّان الأصليّين”. وهو يمزج تعقيباته هاته بإعادة قراءة نقدية لمقالة “الجدار الحديدي” المنشورة عام ١٩٢٣ للأممي الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي. يرى حلّاق في “حَجرِ” لاتور -مفهوم الوجود البيئي كمقاومة غير بشرية- أساسًا مجازيًّا أكثر صلابة للتغلب على الاستيطان الاستعماري. إن تحليل وولف، في تقديره، كتحليل سعيد من قبله، ظلّ مجرّد تحليل متعلّق بـ”النية الفوقية” فهو “ينسحب إلى الاقتصادّي والمادّي كلّما لاحت أمامه البنية السيادية للفكر”(١٩٨). يتساءل المرء: ما ماهية هذه “البنية” التي يستدعيها حلّاق بانتظام؟ يبدو أنه من غير المعقول اعتبار الأبعاد السياسية والاقتصادية والمادّية للاستعمار “انسحابًا” من الواقع، لا سيّما أنّ أولئك الذين قاموا بهذه الأبحاث الدقيقة كانوا في الصفوف الأمامية لاستئصال الاستعمار من المناهج العلمية وغيّروا الخطاب العام ودفعوا ضريبة ذلك غاليًا.
في الفصل الأخير من قصور الاستشراق، والذي عدّه حلّاق بمثابة خارطة طريق لاستشراقٍ أكثر تعاطفًا وأخلاقًا، لا يظهر غينون ولا حتّى عدوّ الحداثة الأكثر حنكةً ووضوحًا مارتن هايدجر، بل من يظهر هو الأنثروبولوجي المثالي ماكس شيلر. يعتقد حلّاق أنّ حجج شيلر الروحية من أجل الحفاظ على الكوكب أكثر أهمّية من حجج البيئيّين المعاصرين الذين يعتبر أنّ “إلحادهم” دلالة على تواطُئهم مع الليبرالية وعدم قدرتهم على رؤية الأزمة الحقيقية للجشع الغربي. الشخصانية الأخلاقية التي ينادي بها شيلر وحلّاق ليست طارئة على الفلسفة العربية-الإسلامية على أية حال. ففي أواخر ستّينات القرن الماضي كان قد طوّر الفيلسوف المغربي محمد لحبابي (ت١٩٩٣) فكرة الأنثروبولوجيا الإسلامية من الفلسفة الفرنسية الكاثوليكية الشخصانية المرتبطة بمجلّة Esprit ومحرّرها إيمانويل مونييه[30]. ويمكن القول إنّ نهوض اليسار العربي في أواخر ستينيات القرن الماضي كان من أجل التغلّب على نكوصٍ من هذا النوع صوب المجال الفردي والشخصي والروحاني، وضدّ ما عدّه الكثيرون من مخلّفات السكون الأكاديمي للفترة الاستعمارية، بما في ذلك المنطق الصوّري، والنصيّة textualism والتصوّف والمعرفة الروحية[31].
في آخر التحليل، من غير الواضح لنا كيف يمكن لنصيحة حلّاق للمستشرقين بأن يحسّنوا من مواقعهم وشخصياتهم -بدل انكبابهم على “التاريخ الجزئي” للشرق الأوسط- أن ينتج عنها تمركُز أقلّ حول أوروبا أو حتّى أقلّ استغراقًا في الذات. وإذا كان على “الآخر” -الذي صار موضعًا للذمّ والقدح- أن يكون، كما يطرح حلّاق، حاملَ لواء التقليد الخلاصي البديل للكوكب الذي أتلفته الحداثة الليبرالية بالكوارث الطبيعية والبشرية، فإنّنا في المقابل لا نسمع الكثير ممّا لدى المفكّرين المسلمين ليقولوه بشأن هذا التقليد البديل في كتاب قصور الاستشراق. وإلى أن نسمع ذلك، وبغضّ النظر عن “التحيُّزات الليبرالية” في كتاب الاستشراق، ستبقى أطروحة سعيد أكثر تماسكًا من الناحية التحليلية من التبشيرية المحافظة للنقد الحلّاقي.
الهوامش
[1] النص الإنجليزي منشور عام ٢٠١٨، لهذا نجد أنّ الكاتب يكتب “… بعد مضيّ خمسة عشرَ عامًا…” (المترجمة).
[2] كتاب وائل حلّاق Restating Orientalism صدر في عام ٢٠١٨ وتُرجم إلى العربية في السنة التالية تحت عنوان (قصور الاستشراق) باقتراح من حلّاق نفسه. ألتزم في هذه الترجمة بالعنوان العربي المتداول حتى يسهُل على القارئ تتبّع سير المقالة، رغم أن Restating لا تفيد معنى القصور. كما أنني أستخدم الخط العريض لعنوان كتاب سعيد الاستشراق وكتاب حلاّق قصور الاستشراق لتمييزهما عن الاستشراق كحقل أكاديمي (المترجمة).
[4] Samer Frangie, “On the Broken Conversation between Postcolonialism and Intellectuals in the Periphery,” Studies in Social and Political Thought 19 (2011), 41-54.
[5] Francis Fukuyama, Socialism ought to Come Back,“ New Statesman, 17. October, 2018. Yuval Noah Harari, Homo Deus: A Brief History of Tomorrow (London: Vintage, 2016). كتاب هراري مترجم إلى العربية
[6] مثال على الهجوم الذي شُنّ على الجمعية:Martin Kramer, Ivory Towers in the Sand (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 2001). للحصول على تاريخ مؤسّسي لدراسات الشرق الأوسط، انظر:Lockman, Zachary, Field Notes: The Making of Middle East Studies in the United States (Stanford: Stanford University Press, 2016).
[8] يبرزُ هنا مشروع “المكتبة العربيّة” الصادر عن جامعة نيويورك-أبو ظبي كأحد النماذج الرائدة في تنسيق الإصدارات العربية. وفي الآونة الأخيرة، نشر العلماء المختصّون بعصر النهضة نصوصًا مختارة ونصوصًا أخرى منفردة، انظر على سبيل المثال كتاب: Tarek el-Ariss (ed.), The Arab Renaissance: a Bilingual Anthology of the Nahda (New York: MLA Texts & Translations, 2018). وانظر: Faris Ahmad Shidyaq, Leg over Leg 2 vols., ed. and tr. by H. Davis (New York: NYU Press & Library of Arabic Literature, 2013), and Butrus al-Bustani, The Clarion of Syria: a Patriot’s Call against the Civil War of 1860, introduced & tr. by J. Hanssen and H. Safieddine (Berkeley: University of California Press, 2019).
[9] انظر مفهوم باول غيلروي “الإنسانية الكوكبية” المستلهم من فانون كنقدٍ لما بعد الإنسانية.
[10] Timothy Mitchell, Rule of Experts; Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley: University of California Press, 2002) & Carbon Democracy (London: Verso, 2014). ترجمَ المشروع القومي للترجمة-مصر كتابيّ تيموثي ميشيل إلى العربية؛ (حكم الخبراء) و (ديمقراطية الكربون). و من أجل قراءة نقدية لكتاب ديمقراطية الكربون، انظر:
[11] Aaron Jakes, “A New Materialism? Globalization and Technology in the Age of Empire,“ IJMES 47 (2015), 369-81.
[12] وهذا يمثل تتمةً لعمل سعيد المتأخر وغير المكتمل (العودة إلى الفيلولوجيا) أو العودة إلى فقة اللغة. انظر: Edward Said Humanism and Democratic Criticism (New York: Columbia University Press, 2000), 57-83- مترجم إلى العربية.
[13] انظر: Saba Mahmood’s brilliant Politics of Piety; The Islamic Revival and the Feminist Subject (Princeton: Princeton University Press, 2005). مترجم إلى العربية عن دار جداول بعنوان سياسية التقوى.
[14] Fadi Bardawil, “The Solitary Analyst of Doxas: An Interview with Talal Asad,” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East 36 (2016), 153-173.
[15] Talal Asad, “Thinking About Tradition, Religion, and Politics in Egypt Today,” Critical Inquiry 42 (2015), 177, 212. من بين أعمال أسد الكثيرة، هذه المقالة الوحيدة التي يستشهد بها حلاّق.
[16] سعيد اعتبر “أن من الحماقة عدم احترام الجدّة والعبقرية الواضحة لعقل ماسينيون” لكن مأخذه الرئيسي على ماسينيون كان في أنه لم يقدّر إلّا المسلمين غير التقليديّين كالحلّاج. انظر: Said, Orientalism, 268-70.
[17] Edward Said, Orientalism (New York: Vintage, 1994), 272-3. Quoted in Hallaq, 59-60.
[18] Wael Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament(New York: Columbia University, 2013).صدر بالعربية عن الشبكة العربية
[19] حتى قبل الهولوكوست، كان المستشرقون اليهود الألمان يشكلون تقليدًا تخريبيًّا بديلًا. انظر: Susannah Heschel, Jüdischer Islam: Islam und jüdisch-deutsche Selbstbestimmung (Berlin: Matthes & Seitz, 2018).
[20] يصرّ ترويلو على “ضرورة إقامة تمييز بين ما وقع وبين ما يقال إنه وقع”. انظر: Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon Press, 1995),75.
[21] Lloyd Strickland, “Leibniz’s Plan for Egypt (1671-2): from Holy War to Ecumenism,” Intellectual History Review 26 (2016), 461-76. Here: 462.
[22] لم يظهر حتى الآن أي دليل موثوق في الأرشيف الفرنسي أو البريطاني-الهانوفري على أن خطة لايبنتس قد استخدمت من قبل جيش نابليون. ويبدو أن نابليون قد علم بوجود خطة لايبنتس بعد احتلال مصر بوقت قصير عندما أرسل له أحد جنرالات مورتييه نسخة من هانوفر في عام ١٨٠٣ للتأكد من سير عملية الاحتلال العسكري بشكل صحيح.
[23] Angelika Neuwirth, Der Koran als Text der Spätantike: Ein Europäischer Zugang (Berlin: Insel Verlag, 2011).
[24] Souleyman Bachir Diagne, Open to Reason: Muslim Philosophers in Conversation with the Western Tradition (New York: Columbia University Press, 2018). مترجم إلى العربية
[25] أطروحة طيب تيزيني للدكتوراة كانت بعنوان: مفهوم المادّة في الفلسفة العربية الإسلامية الوسيطة Die Materieauffassung in der islamisch-(Berlin: Akademie Verlag, 1972) arabischen Philosophie des Mittelalters. وحسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (بيروت-الفارابي ١٩٧٨).
[26] Ernst Bloch, Avicenna und die Aristotelische Linke (Frankfurt: Suhrkamp, 1952). ترجمه إلى العربية محمد التركي (تونس-بيت الحكمة ٢٠١٢).
[27] Terry Eagleton, Materialism (New Haven: Yale University Press, 2016).
[28] Henri Lefebvre, Metaphilosophy, tr. by D. Fernbach (London: Verso, 2016).
[29] Edward Said, “On Lost Causes,” Reflections on Exile and Other Essays (Cambridge, Mass.: Harvard Press, 2002), 527-553.
[30] Mohamed Aziz Lahbabi, Le Personnalisme muselman (Paris: Presses Univ. de France, 1964). مترجم إلى العربية (الشخصانية الإسلامية)
[31] عبدالله العروي، أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟. ترجمة ذوقان قرقوط. ص٥-١٠
تحلل هذه الورقة الجدل بين الفيلسوفين المغربيين؛ طه عبدالرحمن (وُلد 1994) ومحمد عابد الجابري (1936-2010). في تسعينيات القرن الماضي، ادّعى طه عبدالرحمن أن الجابري أساءَ قراءة التاريخ الفكري الإسلامي نتيجةً لفشله في استيعاب العلاقة التي تربط هذا التاريخ بالمجتمع العربي والإسلامي. بعد أن أُبين أن الاختلافات بين طه عبدالرحمن ومحمد الجابري لا يمكن حصرها في حدود الاختلافات في الفلسفة الأوروبية، سأقترح في هذه الورقة بأن نظرية الأرشيف بإمكانها أن تُأطّر اختلافاتهما وتصيغها بشكل أفضل ممّا قد يفعل مفهوم “التقاليد” لماكنتير، وهو الموقف النظري السائد اليوم في حقل الدراسات الإسلامية. فـ الأرشيف -كما وضّح جاك دريدا (والذي نقارن به أيضاً هذين المفكرين) يؤكّد على أهمية الاختلاف، ومواجهة الآخر، والتكرار بالنسبة للتاريخ الفكري الإسلامي. وستتضح أهمية هذه النقاشات بعرضنا للطريقة التي قرأ بها طه عبدالرحمن ومحمد الجابري المناظرة الشهيرة التي جرت بين أبي الحسن السيرافي (ت979) ومتّى بن يونس (ت940) حول النحو والمنطق.
الكاتب
صموئيل كيغار
ترجمة
شيخة مرزوق
“حَفِظتَ شيئاً، وغابَت عنكَ أشياءُ”
أبو نوّاس
1. مقدمة
تصدى الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن في بداية التسعينيات لنقد زميلة في شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط محمد عابد الجابري، مرخياً عنان قلمه لكتابة نقد قاس لمفكر يكبره سنًّا. كان ادّعاء طه عبدالرحمن في الظاهر يدور حول إساءة الجابري في قراءته للأرشيف العربي والإسلامي. فبسبب عدم استيعاب الجابري للأرشيف، كما يلمّح طه عبدالرحمن، فإنه قد حُرم من النفاذ إليه. ونقدٌ مثل هذا، بطبيعة الحال، تجاوز مجرّد الخلاف الأكاديمي ليتم تداوله بشكل واسع خارج أسواء الجامعة. وفي خضّم ما كان طه عبدالرحمن يدشن نقده ضد الجابري، كانت كُتب الأخير الصادرة في بداية الثمانينيات يعادُ طبعها عدة مرّات. فقد كان للجابري تأثير كبير على الدوائر الثقافية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وطه عبدالرحمن لم يكن أوّل من نَشر نقداً مكثفاً لأعماله (انظر طرابيشي 1991)، ولكن طه عبدالرحمن هو من قُرأ له بشكل أوسع، والأهم هنا، أن ردوده على الجابري قوّت من ادّعاءات الأخير وصقلتها.
هذا السجال الذي توّلد بينهما ليس مهماً للنخبة المسلمة التي تتحدث وتقرأ بالعربية فحسب، بل إنه يسلّط الضوء على جانب لطالما ظلّ ملتبساً في تاريخ الإسلام المعاصر؛ وهو أن ثمة خطاب رصين يتشكل بين الأكاديميين العرب والمسلمين المعاصرين ممّن يكتبون غالباً باللغة العربية. ولا شك عندي أن مشروع تحليل الجدل بين هذين الباحثين، بدلاً من التركيز على تحليل أحدهما دون الآخر، سيزيد من تعقيد الصورة التي رُسمت لمن بات يطلق عليهم “المفكرون المسلمون الجدد”. فعادةً ما يتمّ تصوير هؤلاء المفكرين على أنهم متفردين في سياقهم أو أنهم متأثرون بشدة بالفلسفة الأوروبية. ولهذا فإن دراسة الجابري وطه عبدالرحمن جنباً إلى جنب يبيّن لنا أنهما يعملان ضمن مساحة تداولية مشتركة وأن أطروحاتهما في الواقع تتخطى حتى إشاراتهما إلى الفلسفة الأوروبية.
ستحلّل ورقتنا كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي (ت 1023) والذي يسرد فيه التوحيدي تفاصيل المناظرة الشهيرة بين المنطقي متّى بن يونس (ت 940) والنحوي أبي سعيد الحسن السيرافي (ت979) التي دارت حول النحو والمنطق. سأبيّن كيف شكّل نص المناظرة قاعدةً، وإن كانت قاعدة متشعبة، لقراءة الجابري وطه عبدالرحمن للأرشيف الإسلامي. ثم سأقارن بين محاولتي هذين المفكرين لترسيم حدود التاريخ الفكري الإسلامي مبيناً أنّ اختلافاتهما لا يمكن حصرها في حدود الاختلافات الموجودة في الفلسفة الأوروبية. ثم سأختم بنقاشٍ لتصوراتهما لمستقبل الأرشيف الإسلامي. أحاجج بأن النقاش بين الجابري وطه عبدالرحمن يسمح لنا بالنظر إلى التراث العربي الإسلامي كأرشيفٍ يَنقُش ويُدوّن فيه هذين المفكرين في خضمّ توسيعهما وتغييرهما فيه. واستعمل في محاججتي هذه مفهوم الأرشيف حتى اتصدى لمفهوم “التقاليد” الذي بات رائجاً في الدراسات الإسلامية. ففي حين أن مفهوم “التقاليد” يقترح الاتساق والاستمرارية كسماتٍ مميزة للخطابات الفقهية واللاهوتية والفلسفية في الإسلام، فإن مفهوم الأرشيف يحفّزنا على فهم تِكرار المواجهة مع المختلف والمغاير باعتباره حدثا مركزيا في التاريخ الفكري الإسلامي. فمن خلال تتبعٍ الطريقة التي فهم بها الجابري وطه عبدالرحمن مناظرة السيرافي ومتّى بن يونس يَظهر لنا أنهما كرّرا وغيّرا من الجهود السابقة الرامية لتعريف العلوم العربية والإسلامية في تقاطعاتها واختلافاتها مع العلوم “الوافدة”.
2. الفكر والممارسة الإسلامية كتقليد
هيمن مفهوم التقليد لفتراتٍ طويلة على حقل الدراسات الإسلامية، حيث وظّف الباحثون، وبطرق متباينة إلى حدّ ما، هذا المفهوم لفهم الإسلام كلّه أو جزء منه. يجادل الأنثروبولوجي طلال أسد أن الإسلام تقليدٌ خطابيّ في جوهره، وفي أطروحته الكلاسيكية (فكرة أنثروبولوجيا الإسلام)، والتي عُرضت في البداية كمحاضرة في 1986، نصح أسد علماء الأنثروبولوجيا بالالتفات إلى “الممارسة المؤسَّسيِّة” التي شكّلت المسلمين بوصفهم مسلمين وأخذها في الحسبان. وشدّد أكثر ما شدّد على أهمية الخطاب الفقهي الإسلامي الذي يعزز ويشكّل الممارسات والشعائر الدينية (أسد 2009، 21-22).إن تركيزَ أسد على التقليد الخطابي قد سمح له بإعادة تقديم موضوع المعتقد orthodoxy إلى الدرس الأنثروبولوجي المعني بالإسلام، وبيان ما يوحّد المجتمعات المسلمة المختلفة في أنحاء العالم. وباستدراكاته على علماء الأنثروبولوجيا، الذين كما يقول لم يولوا الخطابات الإسلامية العناية الكافية، استطاع أسد بنقده أن يترك آثاراً تتجاوز حدود علم الأنثروبولوجيا.
غير أن أطروحة أسد حول التقاليد، مثلها مثل أطروحات كثيرة تأثرت بها، مبنية على فكر الفيلسوف الاسكوتلندي ألسدير ماكنتاير. ففي تعريفه الشهير للتقليد يقول ماكنتاير بأن التقليد هو “محاججة امتدّت عبر الزمن” (ماكنتاير 1988، 12). فالعنصر الأساس لأيّ اتفاق -أي أصلُ التقاليد- يُحدَّدُ باستمرار بمقتضى الصراعات الداخلية والخارجية، ويجعل ماكنتاير من هذه الصراعات حالة طبيعة في حياة التقاليد. ولكن وكما يلاحظ، يمكنها تجزئة التقاليد بكل سهولة. فعندما يبدأ الإجماع أو الاتفاق الأساسي بالتدهور والتراجع، تبدأ التقاليد الجديدة بالتشكّل، وما كان قبل ذلك صراعات داخلية ينقلب إلى صراعات خارجية. وهذا لا يعني بحال أنّ التقاليد لا يمكنها أن تتسع وتتمدد كما يشير ماكنتاير وغيره ممّن تأثروا به في حقل الإسلاميات، ولكن شرط أيّ اتساعٍ هو المحافظة على الاجماع والاتفاق الأساسي، ومن دون هذا الإجماع والاتفاق ينفرط عقد التقاليد.
ولكن، وكما توضح العديد من الدراسات الإسلامية بخصوص هذا الشأن، فإن ماكنتاير طوّر مفهوم التقاليد كي يواجه به عقلانية التنوير المتسيّدة للمشهد الليبرالي الحديث، والتي عادة ما يتم تعريفها، وبعبارات فضفاضة، على أنها الدفاع عن الحرية والاستقلالية الفردية. فماكنتاير كان قد أعرب عن إحباطه من جرّاء فشل الليبرالية الحديثة في الاعتراف أو التعامل مع الاختلافات الأساسية حول طبيعة العدالة، ولذا يقترح التجذّر في التقاليد كمحاولة لتجاوز هذا المأزق (ماكنتاير 1988، 5-11). وظّف بعد ذلك الباحثون المختصون في الإسلام، وبدرجات متفاوتة، مفهوم ماكنتاير كأسلوب يميز بين التقاليد الإسلامية والليبرالية. فالبعض منهم يحشد التقاليد كبديل أخلاقي صريح أو كسردية مضادة (عجرمة 2012؛ أسد 2009، 2015؛ هيرشكيند 1995؛ صبا محمود 2005) فيما يشير آخرون إلى تهميش الليبرالية للتقاليد كموضوع مستحق للدرس والبحث (زمان 2002).
في بعض الأحيان تميل الدراسات المعنية بالمفكرين المسلمين -وعادةً ما يُطلق عليهم وصف “المفكرون المسلمون الجدد” أو “التراثيون” في إشارةٍ إلى تجاوزهم حدود تصنيفات مثل “إسلاميين” أو “تقليديين”[1]– إلى التأكيد على انقطاع هؤلاء المفكرين عن التاريخ الفكري الإسلامي. فالدارسون المشتغلون على أعمال حسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وطه عبدالرحمن، والجابري، ومنهم مثلاً الباحث كارول كيرستين (2011)، وأرماندو سالفاتوري (1995) وإلزابيث كساب (2010) يؤكدون على جِدَّة هؤلاء المفكرين، بل يذهب بعضهم إلى حد فصل المشتغلين بالتراث عن الجدل المستمر حول التقاليد. ولكن القول بهذا يحتّم عليهم تقديم مفهوم بديل وشارح لاستمرارية ماضي الإسلام وأصالته عند هذه الأسماء. وهذه مسألة، بطبيعة الحال، تختلف بحسب الالتزامات السياسية والأخلاقية لكل من التراثيين ودارسيهم. واللافت للنظر هنا، أن الباحثين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية يزعمون أحياناً أن “المفكرين المسلمين الجدد” الذين يدرسون أعمالهم قد هجروا التقاليد الإسلامية لصالح الليبرالية؛ وتارةً يُقال لنا أن التقاليد تنحّت جانباً لصالح قيمٍ غير ليبرالية[2].
يتوصل كلا الفريقين إلى خلاصات متعارضة باستخدام ذات الآليات. كلاهما يشدّد على أن التقليد يمكن أن يتمدد في اتجاهات معينة أو يطبق لأغراض محددة. وكلا الفريقان يتفقان أيضاً، سواء صراحةً أو ضمناً، مع مفهوم ماكنتاير للتقاليد؛ أي أن ثمة إجماع واتفاق مسبق يجب صونُه. والتعاطي مع الفكر الأوروبي في هذه الأعمال المتعلقة بالمفكرين الجدد يكون إشكالاً قد يسبب -وقد لا يسبب- انقساماً للتقاليد. فعلى سبيل المثال يجعل طلال أسد من التماسك أمراً يصعب القبض عليه في التقاليد الإسلامية في العصر الحديث، فهو يناقش بأن هناك عوامل مختلفة مثل الرأسمالية العالمية (2009، 23) والدولة القومية القطرية (2015، 195) تجعل من التماسك أمراً صعباً ومؤجلاً على الدوام. فبحسب أسد إذا ظهر لنا أن التقاليد الإسلامية مجزّأة فإن الأسباب في ذلك ترجع إلى المؤسسات التي يعتبرها أسد حديثة ودخيلة على التقاليد. ومع ذلك، وكما يشير عالم الاجتماع علي ميرسيباسي فإن “التقاليد” قد تُشكل موقفاً نظرياً لا موطناً للظواهر التي تشرحها (ميرسيباسي 2011، 8). أي أن الأمر لا يقتصر على أن للتقاليد سياقات تاريخية تشترط عقلانيات مختلفة كما يوضح ماكنتاير، ولكن على ما يبدو أن التقاليد كفئاتٍ تحليلية قد راكمت تاريخها الخاص.
قد يبدو مغرياً للوهلة الأولى أن نفهم الجابري باعتباره ليبرالياً سليلَ فكر التنوير الأوروبي وطه عبدالرحمن باعتباره مفكراً محافظاً ومناهضاً للتنوير. وصحيح أن الجابري اعتبر نفسه كانطياً، وقضى طه عبدالرحمن وقتاً طويلاً يتعارك فيه مع ميراث الحداثة الكانطي (طه 2006)، ولكن في اعتقادي أن هذا التقسيم الواضح والسهل يحجب عنّا تعقيداتهما. فبقدر ما هما مدينان للفلسفة الأوروبية الحديثة، هما أيضاً منخرطان، وبعمق، فيما يعتبرانه التراث العربي-الإسلامي. وبالنظر إلى التراث كأرشيف، يشارك فيه الجابري وطه بفاعلية، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل كيف يمكن لأعمالهما أن تأسس باستمرار ما تمّ تأسيسه في التاريخ الفكري الإسلامي.
3. التراث كأرشيف
إن تحليل أعمال المنظرين بمعزل عن تراثهم لا يقدم لنا تفسيراً مرضياً عن العلاقة التي تربط هذا التراث، تعريفه، ومضمونه، بالنقاش الدائر بين المنظرين المسلمين. ولهذا فالتقريب بين الجابري وطه عبدالرحمن، على وجه التحديد، أمرٌ مهمّ لاسيما إذا أخذنا في الحسبان أن لهما آراءً متعارضة تماما فيما يخص مسألة الأمانة في التعامل مع التاريخ الفكري الإسلامي. وكما شرحت آنفاً، إن تحليلاً يعتمد على مفهوم ماكنتاير للتقاليد سيضطرنا لتحديد مَن مِن هذين المفكرين يشكّل امتداداً للتقليد الإسلامي ومَن يمثل خروجاً عنه[3]. و”التراث”، مدار النقاش، عادة ما يُترجم في الدراسات الإنجليزية إلى (heritage)[4]، وفي الدراسات المعنية بالمفكرين المسلمين الجدد يصبح “الميراث” مردافاً أو مجازاً “للتقاليد”. فعلى سبيل المثال، في دراسته الرائدة عن حسن حنفي (ت 2021)، ومحمد أركون (ت 2010)، ونورشوليش مجيد (ت 2005)، يكتب الباحث كارول كيرستين:
“باعتبارهم الإسلام لا مجرّد عقيدة دينية أو أيديولوجيا سياسية، بل أخذ تراثه الحضاري الشاسع في الحسبان، يكون كل من حنفي وأركون ومجيد معنيّ بوعي المسلمين ونظرتهم للعالم Weltanschauung في انسجامها مع العالم المعاصر. ومن هذا المنطلق، فهم قد علّقوا أهمية كبيرة على إعادة الانخراط مع تقاليد التفكير النقدي والإرث الفلسفي للإسلام”( كيرستين ٢٠١١)
كان اهتمامهم بالتراث الإسلامي إذن ينصبّ على بحث جانب معين، يتلاقى غالباً مع التطلعات الأكاديمية الانتقائية ويتهرب من التطرق لمعارضة التراث المزعومة للحداثة (كيرستين 2011، 10). ورغم ذلك، ظلّ التراث محافظاً على إحساسه الهويّاتي حيال التقاليد، ويصف كيرستين ذلك بأنه أمرٌ “حضاري” ويتحدث سالفاتوري عن “إطار عربي-إسلامي لمرجعية عالمية” (سالفاتوري 1995، 192). وفي أعمال المفكرين المسلمين الجُدد غالباً ما نجد أن التراث يرتبطُ باسمِ علمٍ أو بضميره لوصف الذات العربية-المسلمة المالكة لتراثها. حتى أن الجابري حينما أشار إلى أن “التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا”(١٩٩١، ٤٥) تحتم عليه أن يشدد على أن ماضيـ”ـنا” وماضي “غيرنا” لم يكن أمراً مشاعاً ومتداخلاً أثناء وقوعه، “نحن” الذين نعيش في الحاضر نقدر على تجربة ماضٍ متعدد كجزء من هذا التراث.
وكما يذكّرنا جوزيف مسعد، وكذلك الجابري، فإن التراث قبل القرن العشرين لم يكن يُستخدم إلاّ للدلالة على الميراث المادي (مسعد 2007، 17؛ الجابري 1991، 21-24). وانطلاقاً من هذا، يُشير مسعد إلى أن التراث باعتباره “مرساة الحاضر المعرفية التي تنغرس في رمال الماضي” فهو يحتفظ بانقطاع إشكالي مع الحداثة، الأمر الذي قد يربك أي فحص دقيق للتراث (مسعد 2007، 17). ولهذا السبب يُعد التراث بالنسبة لكثير من المفكرين المسلمين الجُدد والباحثين في أعمالهم أن له علاقة تكوينية بالتقاليد. فالتراث بالنسبة لطه عبدالرحمن والمشتغِل بأعماله محمد حصحاص كالتقليد من جهة أنه يشكل سردية بديلة للفكر الغربي (انظر حصحاص 2015). أما بالنسبة لمسعد، وإلى درجة ما بالنسبة للجابري، فالتراث كالتقليد من جهة أنه يحتفظ بحالة من التنازع الإشكالي مع الحداثة. وبناءً على هذه العلاقة التي تتشكل بين “التراث” و”التقاليد”، يمكن لمفهوم الأرشيف أن يفسر لنا الطبيعة الهويّاتية المتجذرة تاريخياً في التراث، بينما يُظهر في ذات الوقت كيف يتجاوز التراث ذلك التطابق الموجود في التقاليد. يسمح لنا هذا التموضع النظري بفحص دعوى الجابري وطه عبدالرحمن اللذان يدّعيان بأن أعمالهما تكتسب شرعيتها من التراث فيما يتجنبان في ذات الوقت شرعنة ادعاءات الطرف المقابل. ولابد أن نلفت الانتباه هنا، انه لا الجابري ولا طه عبدالرحمن يستعمل الكلمة العربية “أرشيف” -والتي تعتبر نقلا حرفيا من الكلمة الفرنسية archives– لوصف الأوجه المتعددة للتاريخ الفكري الإسلامي.
يمكن لمفهوم الأرشيف، الذي لطالما كان موضوعاً للفلسفة القارية لعقود طويلة، أن يلفت انتباهنا للصعوبة التي تكتنف محاولة تعريف التراث الفكري الإسلامي[5]. فمن المسائل الجوهرية في نظرية الأرشيف هي أن عملية تعريف أي مجموعة أو أي جسد فكري هي عملية مستمرة طوال الوقت لتعيين الحدود بين ما يقع داخل هذا الجسد وبين ما يقع خارجه. يعرّف ميشيل فوكو في عمله (حفريات المعرفة 1969) الأرشيف بأنه “هو ما يحدد، منذ اللحظة الأولى لوقوع الحدث\العبارة وفيما يجسده، منظومة المنطوق” (فوكو 1972، 129)[6]. وببساطة، يمكن القول أن الأرشيف هو ما يجعل بعض العبارات ممكنة، وفوكو يضيف “وليس له ذات الثقل الذي للتقاليد” (فوكو، 130). إن فوكو يفهم التقاليد على أنها “تهدف إلى منح مجموعة من الظواهر المتعاقبة والمتطابقة (أو على الأقل المتشابهة) وضعاً زمانياً” (فوكو 1972، 21). لم يذكر فوكو الإسلام في نصّه هذا، ولكن تعريفه للتقاليد أعطى تأكيداً ضمنياً للإسلاميين لاستعماله للوقوف على العبارات التي تستغلق على الخطاب اللاهوتي والفلسفي والفقهي في الإسلام[7]. صحيح أن الأرشيف بالنسبة لفوكو ليس هو ذاته التقليد، ولكنه أيضاً ليس مفتوحا بالمطلق إلى حد أن يدعو لحلّ نفسه. وحتى يُثبّت الأرشيف بين منزلتين، يكتب فوكو قائلا: “يكشف [الأرشيف] عن قواعد الممارسة التي تتيح للعبارات من البقاء والتحول المنتظم في آن معاً”(فوكو، 130). قد يعترض منظرو التقاليد الإسلامية على أن هذا الشرح للأرشيف يتفق مع اشتغالهم على التقاليد. ولكن فوكو يشدد على أنه في حين يُعرَّف التقليد بالتجانس والاستمرارية، فإن الأرشيف يُعرَّف بالاختلاف والانقطاع. ويقول، بأننا في “تشخيصنا” للأرشيف إنما نتعامل مع عجز الأرشيف في الحفاظ على هويته (فوكو، 131)، ذلك أن الأرشيف يحوي اختلافات داخلية ويتشكلّ ممّا هو خارجي ومُبعد عنه.
وفي (حمّى الأرشيف) يحلّل دريدا الأرشيف من خلال قراءته لكتابيّ؛ (موسى والتوحيد) لـ فرويد، و(موسى فرويد) ليوسف حاييم يروشالمي، ويعتمد في تعريفه لكلمة “الأرشيف” على الاشتقاق اليوناني، ويفترض أن للكلمة مبدأين أو معنيْين؛ “البدء” و”الأمر” (دريدا 1996، 1)[8]. فالأرشيف من جهة هو “تسلسلي” يَشرع ويستمر في مراكمة طبقات فوق بعضها كتراكم التاريخ أو الطبيعة. ومن ناحية أخرى، الأرشيف “أمري”، يسنّ القوانين في محاولةٍ “لتنسيق جسدٍ واحد”(دريدا 1996، 3). فبدلاً من موضعة الأرشيف في وسط طيفٍ بين الانحلال والتقاليد، كما فعل فوكو، يعتبر دريدا أن الأرشيف هو التحالف المتناقض بين هذه المتقابلات. فبحسب دريدا عنصر “الأمر” أو القانون الذي يحاول تشكيل جسد واحد داخل الأرشيف هو ما يمنعه من الانحلال والتفكك. وفي ذات الوقت، سيضمن المبدأ التاريخي عدم اقصاء هذا القانون لأي عنصرٍ من الأرشيف، وهذا بالتالي ما سيحفظ تفرّد الأرشيف وتميزه.
في نهاية نصّه (حمى الأرشيف) يُقيم دريدا تمييزاً بين الأرشيف وبين الحفريات archeology في عمل فرويد، والمجيء على ذكر الحفر كان يعني استحضار فوكو حتى وإن لم يسمّه صراحةً. يذهب دريدا إلى اعتبار أن الحفريات تفترض إمكانية الحفر في الأصل الحي، بينما الأرشيف لم يوجد إلاّ لأن الأصل الحي لم يعد له وجود “فالمزاد الأركيولوجي الذي يحاول دائماً العودة إلى الأصل الحي لمّا يفقده الأرشيف في حين يحتفظ به في أماكن عدة” (دريدا 1996، 92). وعلى النقيض من هذا، فللأرشيف علاقة شبحية مع الأصل. فالأصل يطارد الأرشيف، غير أنّ المؤرشف لا يمكنه بحال القبض على الشبح، لأن القيام بذلك يعني انتفاء الحاجة إلى الأرشيف. وعليه، ينتقد دريدا فوكو لاستخدامه مفهوم الأرشيف لمهاجمة “الوضعية”- الفكرة التي مفادها أن الوثائق في إمكانها أن تعكس لنا الأحداث كما وقعت بالفعل- باعتبارها بداهة تاريخية، في حين أن فوكو نفسه يوظّف هذه البداهة لتعزيز تنظيره في (حفريات المعرفة). هكذا، وبجرّة قلم، أكد دريدا التناقض الحاصل عند البحث عن الأصل في الأرشيف ومن خلاله. ومن هنا، وهذه مسألة مهمة، هو يعيد بشكل ما استحضار فوكو (وفرويد ويروشالمي) وبالتالي ينقش نفسه في أرشيف فوكو.
بناءً على ما سبق، يمكننا النظر إلى عمل كل من الجابري وطه عبدالرحمن حول التراث كتنظيرات أخرى للأرشيف[9]. فالتراث، بالطريقة التي تعامل معه بها الجابري وطه عبدالرحمن، يتقاطع مع نظرية دريدا للأرشيف. في هذا السياق، كل من التراث والأرشيف يدل على التاريخ والقانون، على البدء والأمر. ففي نقاشهما غالبا ما يحلل الجابري الجانب التاريخي من الأرشيف فيما يلفت طه الانتباه إلى القانون والجانب الأمري الثابت والمستقر في الأرشيف. ورغم ذلك، يختلف تنظريهما ويتجاوز فهم الأرشيف كما طرحه فوكو ودريدا. فنظريتهما قد شكلها حدثٌ سابق على عملية الأرشفة والحفظ، بل إنها تشكلت من محاولة تحديد ما هو داخل الأرشيف وما هو خارجه. والتحليل الدقيق للقراءة التي قدمها الجابري وطه عبدالرحمن للمناظرة الشهيرة بين السيرافي ومتّى بن يونس تبين أن حججهما في جوهرها ليست إلا استرداداً لتلك المناظرة القديمة.
4. أصل تشعّب التراث
صيغ كتابُ الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي على طريقة سلسلة من الليالي يناقش فيها التوحيدي بعض المسائل التي دارت بينه وبين الوزير ابن سعدان (ت٩٨٤). في الفصل المُعنون “بالليلة الثامنة” يحكي التوحيدي للوزير عن المناظرة التي وقعت بين المنطقي متّى بن يونس والنحوي وعالم الكلام السيرافي. فيما يلي، سأدلل على أن هذه المناظرة -أو بالأحرى ما عرضه التوحيدي- يُمثّل لحظةَ أرشفة بامتياز. في الظاهر، كانت المناظرة تدور حول كونية المنطق ومدى فائدته في السياق اللُغوي العربي. ولكن في العمق، كان النقاش يطرح أسئلة عن كيفية إنتاج المعرفة وإجازتها والحفاظ عليها. فالنص يسلط الضوء على مآلات التداول والانتشار على قوى المعرفة وهياكل السلطة التي تخوّل معرفة ما بالاستمرار دون غيرها. ألخص أدناه المواضيع الأساسية للمناظرة، من ثم سأبين كيف أن انحياز الجابري وطه عبدالرحمن للأطراف المتناظرة لم يمنعهما من أن يجتمعا على التركيز على روافد النص الموّجَهة للجمهور ومدى مصداقيتها واستمراريتها.
كان السكون، كما يروي التوحيدي، يعمُّ أرجاء المجلس قبل أن يطلب الوزير أبو الفتح ابن الفرات من السيرافي أن يقارع متّى بن يونس في أقواله. يترددّ السيرافي في البداية ويُعرب عن قلقه من خوض النقاش أمام الحاضرين:
أعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المُصيخة والعيون المحدِقة والعقول الحادة والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مَكسَرة، ويجتلب الحياء والحياء مَغلبَة، وليس البِراز في معركة خاصة كالمِصاع في بقعة عامة (التوحيدي، تحقيق أحمد أمين-أحمد الزين، 120\121)[10].
ولكن تحت إصرار الوزير يتقدم السيرافي للمناظرة ويعلن:
” إن مخالفة الوزير فيها رسمه هُجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم” (التوحيدي، 121).
وما أن بدأ السيرافي ومتّى في جدالهما حتى أدرك الحاضرون مباشرةً، وجلهم من الأعلام والأسماء البارزة، الحجة التي يدور حولها النقاش. كانت المناظرة، وبعبارة مختصرة، تركز على المنطق اليوناني مقابل علوم اللغة العربية. حاجج متّى بأن كونية المنطق مسألة لا جدال حولها، في حين أن السيرافي ذهب بالقول إلى أن المنطق هو نحو اليونان ولغتهم الخاصة، وبالتالي يتعذر ترجمته إلى اللغات الأخرى ناهيك عن القول بكونيته.
من الواضح هاهنا أنّ ما كان يُقلق السيرافي في البدء هو انتقال العلم من المكان الخاص -الجسد- إلى المكان العام، أي إلى الجمهور والعامة. وفي تعبيره الصريح عن هذا القلق استطاع أن يحوّل الحاضرين في المجلس من مجرد مستمعين إلى محكّمين، وأن يحول المناظرة بالتالي إلى محاكمةٍ بين طرفين. كان قلقه في الأساس جزءًا من محاججته، أي؛ أن التثبّت من صحة علم ما (أو العلم المحفوظ في صدر السيرافي أو متّى) مسألة سيبتُّ فيها الحاضرون في نهاية الأمر. ومسألة انتقال العلم المحفوظ في الصدور إلى العلم المعروض على الحاضرين في المجالس هي مسألة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الأرشيف، إذ إن في انتقال العلم الراسخ من الحيز الخاص إلى الحيز العام تحققٌ وتجسدٌ لهذا العلم. ويبدو أنّ ما كان المتحاوران على دراية أكيدة به، هو أن ما في “صدورهم” لا يمكن أرشفته والحفاظ عليه ما لم يُعرض أولاً على الجمهور (انظر دريدا 1996، 10). والسيرافي يقرّ بأن ما سيعرضه يختلف عما يعتمل في صدره، فالجمهور المستمع سيبدّل هذا العلم المعروض على أية حال. ويتضح لنا من تأطير التوحيدي للنص بأن ثمة قلق مشابه لدى الحضور في المجلس. فابن سعدان طلب صراحةً من التوحيدي أن يسجّل المناظرة كاملةً، لا أن يكتفي بالخلاصة التي قدمها للوزير في مسامرتهما في الليلة الثامنة. يكتب التوحيدي: ” فقال لي: اكتب هذه المناظرة على التمام، فإن شيئاً يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يُغتنم سماعه، وتوعى فوائده ولا يتهاون بشيء منه” (التوحيدي، 120)[11]. النص، إذن، يشير مرتين إلى أن الحاضرين هم من أداروا النقاش؛ مرةً عندما لاحظ السيرافي أن الحاضرين يغيرون ويبدلون في النقاش، ومرةً عندما علق ابن سعدان على عظمة المجلس، في إشارةٍ إلى أن هذا ما سيضمن للمناظرة استمرار أهميتها وراهنيتها. والنص بهذا المعنى يكشف عن نظرية في الأرشيف تربطُ بين إشاعة العلم وبين انشغال السلطة بحفظ هذا العلم للمستقبل.
والمُلاحظ أنه ومنذ البداية يستغل السيرافي المجلس لتعزيز موقفه (أو يمكننا القول أن التوحيدي هو من يفعل ذلك). فخلافاً لتردده المبدئي من خوض النقاش، كان انتصاره في الجدال أمراً محسوماً. فهو الذي لطالما شددّ على أن اللغة دائماً ما تكون لغة الناس المخاطبة، ولذا طلب من متّى مراعاة القوة الأدائية للغة:
إن الكلام مثل “الثوب” والثوب يقع على أشياء بها صار ثوباً، لأنه نُسِج بعد أن غُزل، فسَداتُه لا تكفي دون لُحمته، ولُحمته لا تكفي دون سَداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقِصارته، ورقةُ سِلكة كرقة لفظة، وغِلظُ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كلّه هو الثوب، ولكن بعد تقدمة كل ما يُحتاج إليه فيه (التوحيدي 131).
يجاهد السيرافي حتى يجعل حجته وجمال استعاراته تتماشى مع المضمون، فيسأل متّى “إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف. أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟”. فيجيب متّى بالإثبات على سؤال منفي: “نعم”، فيصوّبه السيرافي قائلاً بأن الإجابة على سؤال النفي في حالة التأكيد تكون “بلى”. من خلال استدراكاتٍ مثل هذه كان السيرافي يهدف إلى تبيان أن حقيقة أي جماعة إنما تتجلى في قدرتها على التواصل. وبطرق شتى، حاول السيرافي أن يبعد متّى عن هذه الجماعة، لاسيما عند تطرقه في مرحلة ما من النقاش لنصرانية متّى “أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟”(ص 134). يكاد المرء يسمع قهقهات الحضور عند وقع هذا السؤال، فالثالوث كان محلاً لجدال واسع بينهم وحجة السيرافي في ذلك أن الثالوث ليس فقط لا يمكن إثباته بالمنطق، بل إن البناء اللغوي والاجتماعي يتماشى ويعزز من الحكم الديني.
بالنظر إلى المشهد الذي وصفناه للتو، بإمكان القارئ أن يخمّن أين يقف مفكرانا المعاصران من هذه المناظرة. فإذا كُنتَ على دراية بأن الجابري عدّ نفسه كانطياً، فغالباً ستقول بأنه انحاز لموقف متّى بن يونس وحامى عنه. وبالفعل، هذا الذي حدث. فالجابري اشتد على السيرافي ووجه له كلمات قاسية معتبراً أنه هو من حدد شروط المناظرة، وبالتالي، وجه ضربة للمنطق في الوقت والمكان المناسبين الأمر الذي أعاق وجود المنطق في الفكر الإسلامي بعدها. يكتب الجابري:
من الواضح أن السيرافي يرفض (العقل الكوني) وهو رفض يعكس الاصطدام بين نظامين معرفيين يختلف كل منهما عن الآخر. وإذن فالمسألة هنا ليست مسألة اختلاف وجهات النظر، بل إن المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها مسألة اختلاف ما يؤسس النظر ذاته عند كل من السيرافي ومتّى. إن هذه المناظرة قد اعتبرت في وقتها انتصاراً لا للسيرافي وحده بل لأصحاب النحو والكلام جميعهم على أصحاب المنطق والفلسفة، أي انتصاراً (للبيان) على (البرهان). ومن جهة أخرى يبدو أن “انتصار” السيرافي قد ضايق الأوساط المنطقية والفلسفية في المناقشات اللاحقة (الجابري 2009، 207-208)[12].
يأخذ الجابري المناظرة، حرفياً، كحدثٍ تاريخي يشرح من خلاله الفروق بين اللغة والمنطق مع انحياز واضح للمنطق. كانت هزيمة المنطق من منظوره شاملة إلى درجة أنه لم يقيض لهذا النهج أن يزدهر ويثمر من جديد إلا في زمن الفيلسوف أبي الوليد محمد ابن رشد (توفي 1198)، وحتى ذلك الحين، اضطر المنطق إلى الفرار إلى أوروبا المسيحية. وما يجب أن نلفت النظر إليه هاهنا، هو أن الجابري رغم حديثه عن المناظرة إلا أنه لم يقدر على إعادة وضع شروطها من جديد، فهو قد خضع للتعارض الذي فرضته المناظرة بين اللغة والمنطق ما أن أقحم نفسه فيها حتى وإن كان يجاهد كي لا يقع ضحية لهذا التعارض.
وعلى النقيض، نجد أن طه عبدالرحمن يشددّ على الاختلاف العربي-الإسلامي، وبالتالي ينحاز إلى السيرافي إلى حد أنه يقول بتعاقبية المناظرة وأن لها تبعات مستمرة. فهو يكتب على سبيل المثال بأن إخفاقات الفيلسوف أبي نصر الفارابي (ت 950) دلالةٌ على مغالطات أستاذه متّى بن يونس (طه 2006، 331)[13]. مما يعني أن المناظرة اُستدعيت عبر الزمن منذ لحظة حدوثها وصولاً إلى وقتنا هذا؛ ويلمّح طه أن في عمل الجابري يظهر أثر المنطق “الوافد” لمتّى ابن يونس. دارت المناظرة، في تقدير طه عبدالرحمن، حول ثلاثة أسئلة: (1) هل المنطق علمٌ كوني وبالتالي يلزم جميع الأمم، أم أنه علمٌ خاصٌ باليونان ويلزمهم وحدهم؟ (2) هل المنطق مستقل عن اللغة أم أنه يعتمد عليه؟ (3) هل المنطق معطى طبيعي؟ أي أنه يرتبط ارتباطاً عضوياً باللغة أم أنه علم مركب متعال على قواعد اللغات؟ وفي الحالات الثلاث يقبل طه عبدالرحمن إجابة السيرافي دون تمحيص؛ فالمنطق خاص باليونان واعتمد على لغة بعينها، من ثمّ ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً (طه عبدالرحمن 2006، 330).
لننتقل الآن لفحصٍ أكثرَ تعمقاً للطريقة التي فهم بها الجابري وطه عبدالرحمن المناظرة وقارباها كجزءٍ من الأرشيف العربي والإسلامي. سأبين في البداية كيف يحاول هذين المفكرين تحديد ماضي التراث الاستثنائي، من ثم سأوضح كيف يدفعان بهذا التراث للانفتاح على المستقبل.
5. أرشيفات الماضي
تولّد مشروع الجابري من إحساسٍ يتشاركه مع العديد من المثقفين العرب المعاصرين؛ وهو الإحساس بأن العرب كأمة يمرون بحالة ركودٍ طويلة. في باكورة أعماله حول هذا الموضوع عيّن الإشكالية بالكامل تقريباً على ضوء التاريخ الفكري الإسلامي. فالأزمة وفق الجابري ليست نتيجة مباشرة للمشاريع الاستعمارية الأوروبية في الأراضي العربية، بل نتيجة لحقيقة أن العرب تشبتوا أكثر ما تشبثوا بالجذور غير العقلانية في تاريخهم. والحل كما يقول لابد أن يأتي من داخل التاريخ الإسلامي. ومثل مفكرين آخرين من جيله ومن أجيال سابقة، يؤمن الجابري بأن الفلاسفة المسلمين القدامى في إمكانهم تمهيد الطريق لهم للمضي قدماً[14]. وبعد عشرة سنوات تقريباً من عمله الأول، وحتى عندما بدأ طه عبدالرحمن يخرم في حجة الجابري، كانت أطروحة الأخير لاتزال في أوجها. فطه أساساً لم يعترض على مسألة الركود، كما أنه لم يخالف الجابري في أن الحل يجب أن يأتي من داخل التاريخ العربي والإسلامي، ولكنه قام بتثبيت النقاش حول الطريقة الأمثل لصياغة هذا التاريخ أو التراث؛ ما مضامين هذا التراث؟ مَن مِن المسلمين القدامى تعامل بدقة مع مسائل شبيهة بالمسائل التي تعترض المسلم-العربي المعاصر اليوم؟ وكيف يمكن تهيئة هذا الفكر وتحريكه نحو المستقبل؟
في الجزء الأول من رباعية نقد العقل العربي والمعنون بتكوين العقل العربي (1982) يجعل الجابري العقل المحور الأساسي لدراسته ويوظف في ذلك منهجاً تاريخانيا. وبسبب إدراكه للصعوبات المحتملة للقول بأن العقل العربي يختلف اختلافاً كلياً عن أي عقل آخر، يوضح الجابري للقارئ بأنه كان في إمكانه تلافي كثير من الإشكالات لو أنه اختار الكتابة عن “الفكر العربي” بدلاً من العقل كموضوع لدراسته. غير أن ذلك كان سيعيقه من النفاذ إلى المستوى المعرفي المطلوب الذي يود مناقشته “ما نهتم به في هذا الكتاب ليس الأفكار ذاتها، بل الأداة المنتجة لهذه الأفكار”(الجابري 2009، 11-12). غاية الجابري، إذن، إجراء تحقيق تاريخي ومعرفي للتاريخ العربي ابتداءً من الدولة العباسية (مع إشارات خاطفة إلى العهود السابقة) حتى عصر ابن رشد في القرن الثاني عشر.
وقبل أن يبدأ بسرده التاريخي يعطي الجابري صورة إجمالية للتاريخ الفكري والفلسفي الأوروبي. ويبدأ من فترة ما قبل سقراط في محاولةٍ لإثبات أسبقية العقل الكوني على الفكر اليوناني. ومن ثم ينتقل إلى الفلسفة القاريّة، ويقف عند ديكارت ويكتب “في هذا الاتجاه نفسه سارت الفلسفة الحديثة في أوروبا”(ص 20) أي أن العقل ساد واستقر في سيادته. ولأنه استعرض هذا التاريخ المختصر لليونان والفكر الأوربي المعاصر من دون أيّ تمهيد مسبق، فهو ينبه من أنها ليست مركزية في سرديته:
بإمكاننا أن ننطلق من هذا النوع من المقارنة بين البنية الميتافيزيقية للعقل اليوناني-الأوروبي والبنية الميتافيزيقية “للعقل العربي” فنضع النتائج أولاً من ثم نعرض للبرهنة عليها أو محاولة تبريرها بعد ذلك، وسنكون قد اختصرنا الطريق […] ان هدفنا ليس المقارنة في ذاتها ولا تكريس نوع من الفروض أو “النتائج”. كلا، ان ما نهدف إليه أساساً هو التعرف على “العقل العربي” من خلال القيام برحلة في “أروقة” الثقافة التي انتجته وساهم هو في انتاجها وتشكيلها، فالتعرف على الشيء من داخله افضل بكثير من الوقوف عند وصفه من خارجه، خصوصاً عندما يصدر الباحث عن نظرة نقدية (الجابري 2009، 29)
يشدد الجابري على أن المقاربة النقدية لفهم العقل العربي إنما تتأتى من الفحص والتحليل الداخلي، لا بمقارنة العقل العربي بتقاليد ثقافة أخرى. ولكن اللافت هنا، أن الأمر تطلب منه عقد مقارنة حتى يثبت أنه لا يحتاج إلى المقارنة. هذا التناقض، وهذا القطع الصريح مع الفكر الأوروبي، هو بالتحديد ما يؤسس للأرشيف عند الجابري، فهو يقارن “العقل العربي” بالعقل اليوناني والأوروبي في اللحظة ذاتها التي ينكر فيها قيمة مقارنة مثل هاته، من ثم يؤكد على أن التاريخ “الداخلي” إذا ما سُرد بشكل دقيق ومضبوط، فسيعلمنا دروسا مهمة وذات صلة بالواقع المعاش. عند هذه النقطة، يفيدنا دريدا في فهم إشارة الجابري إلى أوروبا رغم استبعاده لأسلوب المقارنة في مشروعه. يكتب دريدا في حمى الأرشيف:” لا يوجد أرشيف بدون مكانٍ للاستيداع، بدون تقنية للاستعادة والتكرار، بدون برّانية بعينها. لا أرشيف بدون الخارج”(دريدا 1996، 11). وبعبارة أخرى، لم يكن في إمكان الجابري الحديث عن التاريخ العربي-الإسلامي دون تحديد علاقة هذا التاريخ بالآخر.
يبدأ السرد التاريخي الفعلي عند الجابري، لا منذ نزول القرآن الكريم، بل منذ ما سمّاه “بعصر التدوين”. ويروي لنا باعتماده على (تاريخ الخلفاء) لجلال الدين السيوطي (ت 1505) كيف بدأ العلماء في الفترة اللاحقة على وفاة الرسول محمد بتدوين العلوم الإسلامية وتصنيفها. ويقيم حينها تمييزاً بين تدوين العلوم وانتاجها، ويريد من خلال ذلك أن يوضح أن عملية التدوين اعتمدت على “الرأي” -أي لا مجرد تدوين العلوم وتبويبها- الأمر الذي سمح له للتمهيد لتقديم دعواه بأنها دعوى لنقد منهجيات العلوم العربية-الإسلامية وشروطها، لا لنقد العلوم نفسها (الجابري 2009، 64-65). ويتابع الجابري قائلاً أنه وفي ذات الفترة الزمنية جُمعت اللغة العربية وقعّدت، ولكن ذلك حدث بعد أن حنطت وجمدت. يستشكل الجابري حقيقة أن النحاة اعتمدوا على لغة الأعراب المحكية في جمعهم وتقعيدهم للغة العربية ويهاجم البدو بسبب تلبيسهم اللغة العربية تراكيب “فقيرة” ساهمت في تجميد العربية (ص 78-80).
يمكن أن يقال بكل تأكيد بأن حجة الجابري فيها شيء من التعصب. ولكن، من الواضح أيضاً أن هذا الهجوم كان تحركاً مدروساً منه للالتفاف على أسْطَرة اللغة العربية واعتبارها لغة إلهية (انظر: موسى 2006، 305-308). إذ أن نقده في الواقع كان منصباً على فقه اللغة الذي ربط العربية في هذه الحالة بصفاء حياة البادية وهو الأمر الذي تمّ على يد سكان المدن والحواضر باسم البدو والأعراب.
ولهذا السبب لم يعتبر الجابري أن انتصار السيرافي في مناظرته مع متّى بن يونس انتصاراً للغة العربية كما تقررت بكيفية “طبيعية” بين أهلها العرب، وإنما انتصاراً للغة التي دوّنها النحاة عن الأعراب (الجابري، 91). ورغم أن الجابري عدّ انتصار السيرافي بمثابة انتكاسة للمشروع العلمي عند المسلمين والعرب إلا أن الانتكاسة الفعلية في رأيه بدأت مع الفقيه والعالم الموسوعي أبو حامد الغزالي (ت 1111). فمن منظور الجابري العرفان الإشراقي كان قد تمكن من الغزالي وغزى كل نبضات عقله (ص 281-290). وبعد أن يشرح كيف نحى الغزالي صوب اللاعقلانية، يتساءل الجابري بطريقة بلاغية “هل نحتاج إلى القول بأن انتصار العقل المستقيل في الغزالي قد خلّف جرحاً عميقاً في العقل العربي ما زال نزيفه يتدفق”(ص 290). فماذا يعنيه الجابري بالعرفان الإشراقي؟
يقول الجابري بأن الأرشيف يضم ثلاث “مناهج للمعارف العربية”؛ البيان، والعرفان، والبرهان. ومن خلال هذه المجموعات الثلاث “أمكن تصنيف المعارف في الثقافة العربية الإسلامية” إلى:
علوم البيان من نحو وفقه وكلام وبلاغة ويؤسسها نظام معرفي واحد يعتمد قياس الغائب على الشاهد كمنهاج في إنتاج المعرفة. وهذا ما أسميناه “بالمعقول الديني العربي” المقيد بالمجال التداولي الأصلي للغة العربية.
علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وفلسفة إسماعيلية وتفسير باطني للقرآن وفلسفة اشراقية وكيمياء وتطبب وفلاحة نجومية وسحر وطلسمات وعلم تنجيم .. إلخ. ويؤسسها نظام معرفي يقوم على “الكشف والوصال” و”التجاذب والتدافع” كمنهاج، وهذا ما أسميناه “باللامعقول العقلي”.
علوم البرهان من منطق ورياضيات وطبيعيات (بفروعها المختلفة) والإلهيات أو الميتافيزيقيا، يؤسسها نظام معرفي واحد يقوم على الملاحظة التجريبية والاستنتاج العقلي كمنهاج، وهذا ما دعوناه “بالمعقول العقلي”. (الجابري 2009، 333-334)
لا نحتاج بطبيعة الحال لقبول اختزال الجابري لمجموعات معرفية مترامية الأطراف في مناهج محدودة وضيقة، ولا حتى أن نتفق على أن كل من البيان والعرفان والبرهان كانت مجموعات منعزلة ومفصولة في التاريخ الفكري الإسلامي. فالبيان بالنسبة للعديد من المفكرين المسلمين جزء لا يتجزأ من التفكير الفلسفي، و”البرهان” أُستُثمِر في حقول عديدة أهمها الفقه وهو الحقل الذي أدرجة الجابري ضمن علوم البيان[15].
يمكننا مع ذلك أن نقارن هذه النظم المعرفية الثلاثة بشكل مفيد بمبدأي “الأمر” و”البدء” الذي قال دريدا أنهما يلتقيان معاً حينما نستعمل كلمة الأرشيف. فالبيان يشبه “الأمر” من جهة أنه يحاول صياغة قانون أو ناموس ما، وعلوم البرهان تشبه “البدء” من جهة اعتنائها بالطبيعيات أو الميتافيزيقيات. فالبيان -“الأمر” عند دريدا- يحاول تفسير القوانين التي تحدد أهمية الأرشيف بالنسبة لمجموعة معينة من الناس، المسلمون في نص الجابري. والبرهان، من جهة أخرى، يحاول إخضاع الأرشيف لمبادئ يُعتقد بأنها كونية. وبالتالي يشير البيان والبرهان، مثل الأمر والبدء، إلى التوتر الأساسي بين خصوصية الأرشيف وكونيته. وهذا الربط بين تقسيمات الجابري ودريدا يُظهر بشكل واضح أن التقسيم الثالث عند الجابري؛ العرفان، لا يوجد له نظير مُقارِن في نظرية دريدا وفوكو.
والعرفان يلعب دوراً محورياً، وإن كان غامضاً، في النقاش بين الجابري وطه عبدالرحمن. ففي نظر الجابري العرفان يقع خارج الأرشيف العربي-الإسلامي الذي تشكل بطريقة دقيقة ومضبوطة. ورغم ذلك لم يتمكن الجابري من الحديث عن الأرشيف دون التطرق للعرفان، فجزء كبير ومهم من الفكر الإسلامي يمكن تصنيفه على أنه فكر صوفي وفلسفة عرفانية، ولهذا فهو يصنّف العرفان – وبالتحديد العرفان المشرقي- كعنصر دخيل تفشى كالعضال في الجسد الأرشيفي. أما طه عبدالرحمن فيعتبر العرفان ذروة الأرشيف العربي-الإسلامي، إذ يمثل بالنسبة له نقطة التلاقي بين البرهان والبيان وفي كتابه (تجديد المنهج في تقويم التراث) يحاجج طه بأن الجابري فشل في إدراك أن البرهان إنما ينتمي إلى العقلانية، والبيان إلى اللغة، والعرفان إلى القلب. وبتفضيله للبرهان على البيان والعرفان، يكون الجابري في نظر طه قد حَرم نفسه من الإفادة من اليقين، لا مجرد الظن، في مسائل اللغة والعيان (عبدالرحمن 2006، 53-54). علاوة على ذلك، اعتبار الجابري أن العرفان والطريقة الصوفية عناصر دخيلة على الأرشيف أفقده القدرة على فهم قيمة الجسد في الفكر الإسلامي. فعلوم العرفان بالنسبة لطه عبدالرحمن قادرة على ربط الفرد المسلم بالبنية الاجتماعية وحتى الكونية من خلال جسده. وبمعنى أوضح، إن هذه العلوم هي “قلب” الأرشيف بالنسبة لطه عبدالرحمن. ولذلك حين دعا الجابري إلى أرشفة دقيقة لا يقع فيها تنازع ولا تفاضل بين النظم المعرفية الثلاثة، كان طه يصر على أن النظم الثلاثة متسقة بشكل طبيعي عبر بنية تربط الجسد والمجتمع والكون في اتحاد كوني ومجهري في آن معاً.
ونظراً إلى أن الجابري وطه لديهما اختلاف جذري بخصوص موقع العرفان داخل الأرشيف، يصبح من الصعوبة الاتكاء كلياً على نظرية دريدا لفحص كافة جوانب الأرشيف الإسلامي كما شرحها هذين المفكرين المغربيين. فلو كنا بصدد دراسة أحدهما دون الآخر لكانت مهمتنا أسهل. حينها يمكننا النظر إلى تردد الجابري في ضم علوم العرفان تسليمٌ بفشل الأرشيف، أي الفشل “في تنسيق مجموعة واحدة”(دريدا، 3). أو بتعبيرٍ آخر، بسبب تعثر مبدأ “الأمر” اختلط الأرشيف بأرشيف آخر وفسد. أما بالنسبة لطه عبدالرحمن سيمثل العرفان قمة الخصوصية في الأرشيف العربي-الإسلامي الأمر الذي يعزز من فكرة أن البيان جزءٌ من “الأمر” ويعمل على تنسيق الجسد الأرشيفي الواحد. ولهذا، فإن التقريب بين الجابري وطه عبدالرحمن ودراستهما معاً يعني أن نشير إلى أن “العرفان” هو ما يميز عملهما حول “التراث” ويجعله يختلف عن المفهوم الفلسفي الفرنسي “للأرشيف”.
ولنتذكر هنا أن فحص دريدا للأرشيف تمّ عبر تفكيكه لعمل فرويد (موسى والتوحيد) وكذلك تفسير يوروشالمي لذات العمل. لقد وضعت هذه الأعمال وغيرها اليهودية في علاقتها مع المسيحية “كآخر” بحيث تشغل اليهودية في هذه العلاقة حيزاً خاصاً فيما تمثل المسيحية الحالة الكونية (دريدا 1996، 44). فعلى سبيل المثال يلتقط دريدا سؤال يوروشالمي حول ما إذا كان التحليل النفسي “علماً يهودياَ”، ويحاجج بأن تقديم التحليل النفسي بوصفه علماً يهودياً سيحرم أرشيف التحليل النفسي من تطلعاته الكونية (دريدا، 45). وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن الأرشيف يقتضي نظاماً بالمعنى المزدوج، أي القانون والتنظيم. وذِكر القانون هنا دلالةٌ على أن للأرشيف ارتباطاً ضرورياً بجماعةٍ بعينها (دريدا، 40). فالأرشيف وفق دريدا يجمع الأضداد في كل مرة، وفي هذا السياق، يجمع بين جذور معينة وتطلعات كونية. وهذا التضاد، كما ينوّه، يمكننا ملاحظته في النزاع المسيحي اليهودي المتعلق بحرفية قانون الخِتان. هل كان “الأرشيف المتفرد والمغرق في القدم”-هكذا يسمي دريدا الختان- علامةً على ميثاق الرب مع الرجال اليهود الذي نقشوا فيه، حرفياً أو مجازياً، وبالتالي عمّموه كونياً؟ (ص 42). يريد دريدا من هذا الاستفهام البلاغي الإشارة إلى أن ثمة توترات تظهر بين الإمكانات الكونية للأرشيف وبين جذوره الخاصة[16].
يعيد عمل الجابري وطه عبدالرحمن حول التقاليد الإسلامية تأطير التوتر بين الخصوصية والكونية على ضوء علوم العرفان. فبالنسبة للجابري، العرفان علم دخيل تم استبطانه في الجسد الإسلامي، أما طه يعدّ العرفان علامةً على الاختلاف الإسلامي، وهو الموضوع الذي سيبحثه باستفاضة فيما بعد في كتابه الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري (2005). ولهذا فعلوم العرفان تمثل نظرية أكثر اتساعاً ذلك أنها تسمح لمبادئ ومصادر أخرى بتحريك الأرشيف غير تلك الموجودة في نظرية فوكو ودريدا. فبينما يضع المنظرون الفرنسيون الأرشيف بين خياريْ الخصوصية والكونية، يشير الفيلسوفان المغربيان إلى احتمالية أن يكون الآخر، سواء أكان “مشرقيا” “يونانيا” “أوروبيا” أو أي آخر لم يحدد بعد، قد تعالق بالفكر العربي-الإسلامي وارتبط به ارتباطاً عميقاً وفعالاً. ويمكن للمرء هنا أن يذهب بعيداً إلى حد تسمية هيكل الأرشيف هذا “بالتجاذب والتدافع” بدل “مناهج المعارف العربية” التي قال الجابري أنها تؤسس لعلوم العرفان. فالتجاذب والتدافع اللذان يشير إليهما الجابري في سياق حديثه عن قوى الفكر التي تجعل العناصر المتشابهة تتجاذب والمختلفة تتنافر تأخذ معان متعددة في سياق النقاش والسجال بين الجابري وطه. إن نفور الجابري من العرفان هو ما جعله يحاول تهميشه وإبعاده عن الأرشيف الإسلامي وحصره في “المشرق”، ولكن التراث نفسه على ما يبدو يستعصي على تهميش كهذا. والجابري كان يرغب في نفس الوقت بإظهار الأرشيف بمظهر منفتح ومنسجم بشكل طبيعي مع العقلانية الفلسفية اليونانية والأوروبية الحديثة، وإن كان مختلف عنها (الأمر الذي تطلب منه أن يتجاهل الاهتمام اليوناني الفلسفي بالتجاذب والتنافر). وعلى النقيض، يجادل طه لصالح الجانب التدافعي من الأرشيف الإسلامي، فالتراث في نظره يمثل بديلاً كونياً أكثر صلاحاً ويمكن تحققه عن طريق علاقة تدافعية والإبقاء على العُجمة المتبادلة بين أرشيفه وأرشيف الآخرين.
بخلاف طه عبدالرحمن، لا أود أن أناقش بأن التجاذب والتدافع أو العرفان هو ما يميز التراث الإسلامي في الغالب ويجعله يختلف بشكل جوهري عن أي أرشيف آخر. فالسجال بين طه والجابري في جوهره لا يدور حول مسألة خصوصية التراث الإسلامي فحسب، بل أيضاً حول مسألة التقارب النسبي بين الأرشيف الإسلامي والأرشيفات الأخرى. ولأن علوم العرفان محل التوتر الأساس بين هذين الفيلسوفين، ولأن اختلافهما حول هذه العلوم واسع جداً -لدرجة أن طه يضع العرفان في قلب الأرشيف بينما يقصيه الجابري في الهامش- فإنها، أي علوم العرفان، تأتي على شكل دلالة على وجود علاقة تجاذبية وتدافعية غامضة مع أرشيفات هي ذاتها في علاقات متعددة. وفي اعتقادي أن اقتصار دريدا على نقاش مسألة الخصوصية والتفرد اليهودي هو ما فوّت عليه إدراك أن الهيكلة الأرشيفية قادرة على جعل الأرشيف جاذبٌ للأرشيفات الأخرى ودافعٌ لها في وقت واحد.
يشدّد بعض الدارسين لأعمال المفكرين المسلمين على حداثة هؤلاء المفكرين من خلال إظهار اعتمادهم على العلوم والمعارف الأوروبية في مقاربتهم لتراثهم. في هذه الرواية، يكون الجابري حتماً وريث عقلانية التنوير الأوروبي، في حين أن طه، ومن خلال تأكيده على الأصالة والتقاليد، يكون مناهضاً للتنوير. إن التحليل الذي قمنا به حتى الآن يُظهر بأن نظرياتهما تتجاوز هذا الاختزال الموجود في الفلسفة الأوروبية. فكلاهما عكف على دراسة الإرث الفكري الإسلامي، والتقسيم الثلاثي؛ البيان والعرفان والبرهان هو ما حكم فهمهما للفلسفة الأوروبية الحديثة. وهذا لا يعني بحال أنهما يفكران بواسطة الفكر الإسلامي حصراً دون إحالاتٍ إلى الفلسفة الأوروبية، ولا حتى أن هذه العلوم والمناهج هي “أصيلة” أو إسلامية بالكامل. على العكس من ذلك، حجتي هي أنّ طه والجابري كانا في حاجة منذ البداية لهذا “البرّاني” حتى يؤسسا لأرشيفهما، وكلاهما عمل باستمرار على ترسيم حدودٍ فاصلة بين الداخل والخارج لمحاولة التحكم بنفاذية حدود الأرشيف.
6. أرشيفاتٌ في طور التشكل
يقول الجابري بأننا لم نخسر كل شيء مع تحولنا إلى الفلسفة العرفانية، فلا تزال هناك أشكال معرفية لم تختلط بعلوم العرفان بسبب استقرارها في أراض معزولة في شمال أفريقيا وجزيرة ايبيريا (الأندلس) في زمن عبد الرحمن بن معاوية بن مروان (ت 799) الذي فرّ إثر مذبحة ارتكبتها الدولة العباسية عام 750 واستطاع أن يؤسس له دولة أموية في البلاد الجديدة. إن العقل، وفق الجابري، قد حُفظ للإسلام في الغرب الإسلامي (الجابري 2009، 296-299). إن هذا السرد التاريخي العام عند الجابري، وتحيزاته الواضحة وتعليلاته المبسطة، يجب ألا تشوّش على حكمنا هاهنا (انظر: فون كوجلجن 1996، 96-100)، فالجابري كان واضحاً معنا منذ البدء بأن أعماله إنما هدفها حلّ إشكاليات الحاضر. ورغم أنه يدعي أنه يقوم بذلك دون تحيز، إلا أنه كان صريحاً بشأن الرهانات السياسية لمشروعة.
ومن أهم رموز المغرب الإسلامي الذين ناقش الجابري أفكارهم هو الفيلسوف والفقيه ابن رشد (ت 1198). وكما تشير أنكة فون كوجلجن، إن طريقة ابن رشد المميزة في التقريب بين الفكر الإسلامي واليوناني هي التي شدّت انتباه الجابري إلى هذا المفكر الذي عاش في القرن الثاني عشر (فون كوجلجن 1996، 98). يكتب الجابري شارحاً منهج ابن رشد:
هل نحتاج إلى القول بأننا أمام إعادة ترتيب جديدة تماماً، بل إعادة تأسيس كاملة للعلاقة بين “البيان” و”البرهان” وعلى أساس نظرة واقعية عقلانية إلى الأمور، نظرة تعالج “الواقع” الديني و”الواقع” الفلسفي بروح نقدية تحترم معطيات الواقع ولكن دون أن تستسلم له أو تتركه يحتويها (الجابري ٢٠٠٩، ٣٢٢).
إن قول ابن رشد بوجود حقيقة واحدة تشير إلى الدين والفلسفة معاً كان يقتضي منه الدخول فيما يشبه التفاوض مع نصوص الحكمة والشريعة، وإخضاع نصوص الشريعة نتيجة لذلك لعملية تأويلٍ تناغمها مع قواعد المنطق (انظر ابن رشد 1983). إن ابن رشد، ولنستعر كلمات دريدا مرة أخرى، كان يهدف إلى “تنسيق جسد واحد في نظام أو ترتيب زمني بحيث تشير كل العناصر لوحدة الشكل المثالي”(دريدا، 3). وعند ابن رشد وجد الجابري هذا الترتيب المثالي للمبدأ الناموسي والمنطقي. كان ابن رشد، وبعبارة أخرى، هو المؤرشف المثالي بالنسبة للجابري.
من البديهي إذن أن يعزو الجابري أفكاره إلى ابن رشد. وفي هذا الصدد تستنكر الباحثة والمختصّة في الإسلام السياسي نيللي لحود نسبة الجابري لتأثره بالليبرالية الأوروبية إلى ابن رشد، والتي من وجهة نظرها، بها شيء مخادع (لحود 2005، 111). ولكن هذا القول من شأنه أن يقلل من القيمة العالية التي يعطيها الجابري للتراث، كما يفشل في طرح سؤال مهم حول استمرار استثمار التراث عند الجابري، وكيف حوّل هذا الاستثمار آماله في مستقبل أكثر تحرراً. وما يهم حقيقة في الأمر، هو أن التناقض الواضح بين “الجديد تماماً” و”إعادة الترتيب” والتي يراها الجابري في فكر ابن رشد -والذي ليس غريباً على كتابات أبي الوليد- هو ما يشكّل توتراً منتجاً يقع في صميم مشروع الجابري .. كيف نتطلع إلى المستقبل ونبقى داخل الأرشيف في آن واحد؟ كيف يمكن للمرء أن يكون معاصراً في اللحظة ذاتها التي يستدعي فيها أرشيفه؟ .. كان جواب الجابري على هذه الأسئلة، كما هو متوقع، هو العودة إلى عقلانية ابن رشد واستعادتها للمضي قدماً صوب المستقبل.
أما طه عبدالرحمن فيقلّل من دعوى الجابري بأنه قرأ الأرشيف دون إطلاق أحكام مسبقة (طه 2007، 33). فهو لا يجادل بأن للجابري انحيازات واضحة لأجزاء معينة من الفكر فحسب، رغم ادعاء الأخير بخلاف ذلك، بل إن نقده مؤسس على حجاج معرفي معياري. فالقيم الخلقية وفق طه سابقة على العقلانية، ويذهب إلى حد اعتبار أن هذه القيم تصطدم بالعقلانية أساساً عن طريقٍ “داخلي” وآخرَ “خارجي” (طه 2006، 36). وكما كَتب قبل ذلك، فإن العقل إنما يتم فحصه وتقييمه من قبل تاريخ وثقافة المجتمع. ومن المعايير الداخلية التي يذكرها طه لتقييم العقلانية هي “القيم النظرية” كالدقة، والبساطة، والاتساق (طه، 36). ولهذا يقرّ، كدريدا وفوكو، بأن عملية الأرشفة وقراءة الأرشيف تتطلب عنصراً “خارجياً”، وقد يأتي هذا “الخارجي” كما يقول من خلال قدرة الفرد على الحكم أو من خلال قراءة نصّ ما بعين تاريخ وثقافة هذا النص. ولكنه في ذات الوقت يحاول احتواء وتنسيق الأرشيف ليظل مفتوحاً على الخارج. وهذه نقطة سنعود للحديث عنها بعد قليل.
ولكن نودّ الآن التساؤل؛ إذا كانت عقلانية التراث تجمع بين القيم الخلقية والوقائع، فما هي إذن القيمة التي حفّزت فكر الجابري؟ .. يعتبر طه عبدالرحمن أن لدى الجابري قيماً علمانية مضمرة، فهو يقول “لا يخفى أن الفصل بين القيم الروحية والممارسة العلمية الذي اشتغل بها الجابري مستمد من مبدأ العلمانية السياسي الذي يقضي بالفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية (أو الدنيوية)”(طه، 37). إنه يشير إلى أن عقلانية الجابري الحازمة وتهميشه “للقيم الروحية” تنبع من رغبته في حكم ذو طبيعة علمانية. وبالنسبة لطه الفكرة القائلة بأنه يمكن للمرء أن يحكم على المضمون الديني بتجرد وانصاف هي مهمة مستحيلة في العلمانية. وهذا ما يعقد أكثر من مسألة اتهام الجابري بالتمهيد لظهور العلمانية بسبب قراءته للأرشيف الإسلامي بذهنٍ مشدود إلى الفكر الأوروبي. ولهذا ينقل طه عبدالرحمن النقاش من الميدان الفكري التصوّري إلى ميدان اللاهوت السياسي، أي إلى العلاقة التي تربط المجتمع السياسي بالنظام الديني. و بالقول بأن قراءة الجابري للأرشيف اتكأت على فلسفة اجتماعية وسياسية معينة، يكون طه قد استدعى سؤال السيرافي الساخر عن الثالوث. فهو يحذو حذو السيرافي في إصراره على أن ثمة ديناميكية تعاضد متبادلة بين السلطة والجماعة والمعرفة.
وكما أسلفنا أعلاه، للأرشيف تمظهرات عملية عند طه، والعقلانية التناظرية، أو “المعاقلة الحية”، كما يقول تكمن في تفاصيل الحياة المعاشة، وبالتالي لا يمكن فصلها عن المعرفة. ويستعرض أربعة مبادئ لفهم هذه المعاقلة، لا كعقل مجرّد، بل كجزء من الاجتماع البشري:
[المعاقلة] ليست جوهراً قائماً بالنفس الإنسانية، وإنما فعالية يدخل فيها الإنسان عندما يتجه إلى طلب الصواب في أمر من الأمور، مثلها في ذلك مثل الفعالية السمعية التي تحصل له عندما يتجه إلى تلقي كلام الغير.
إن المعاقلة ليست فعلاً ينفرد به الإنسام، بل يحصل بالتعاون والتشارك مع الغير، أي الاحتكاك مع الجماعة.
إن المعاقلة متجهة إلى العمل/ فكل علم حاصل بهذه الطريقة يكون باعثاً على العمل داخل الجماعة ومقيداً لسلوكيات أفرادها.
أن القيمتين اللتين تضبطان المعاقلة ليستا هما الصدق والكذب المجردين، إنما هما الاتفاق والخلاف (طه، 38).
وبتركيز الجابري على العقل المجرّد يكون، بحسب طه، قد فصل المعرفة عن الجماعة التي طوّرتها. الأمر الذي حدا به إلى إهمال ثلاثة مبادئ: مبدأ “تداخل القيمة الخلقية والواقع” ومبدأ “تداخل القيمة الروحية والعلم” ومبدأ “تداخل القيمة الحوارية والصواب”. يدافع طه هنا عن فهمٍ يضع العقل في قلب السياق الاجتماعي، فالعقل لا يوجد في الأفراد كذرّات صغيرة، بل الأفراد هم من يقتحمون غمار العقل إذا ما انخرطوا في سياقهم الاجتماعي. وبما أن المجتمع مؤسسٌ على ميول ونزعات أخلاقية، فالعقل بالمثل؛ دائماً ما يكون أخلاقياً. فالعقل لا يرتبط بموضوع التفكير وحسب عند طه، بل هو العنصر الذي يحوّل الفكر إلى ممارسة أخلاقية (طه، 38-39). والحاصل أن الجابري، كما يقول طه، قد حُرم من الوسائل التي تعينه على إدراك خصوصية الأرشيف وفحصه من الداخل.
يقر طه هنا، وإن بطريقة غير مباشرة، على ما أشرت إليه سابقاً من أن ثمة ميزة مركزية أخرى للجدل بين السيرافي ومتّى؛ وهو أن هيكل السلطة يتشكل بين كل من الوزير ابن الفرات والسيرافي والحضور في المجلس، وما نقاشه لصالح اللغة إلا نقاشٌ حول هذا النوع بالتحديد من السلطة. يكتب قائلاً “أثبت أبو سعيد السيرافي أن المنطق طبيعي وخاص بكل لغة وأنه مرتبط بها، زمناً ووظيفة”(طه، 331). كثير من نظريات طه في الواقع انبثقت من هذه الملاحظة. فبالنسبة له، وكذلك بالنسبة للسيرافي، لا تعتمد فعالية أي لغة على مبادئ مجرّدة، بل على إمكانية الوصول والتواصل المتبادل بين أفراد الجماعة الواحدة. ولما ذهب بالقول بأن “الاتفاق والاختلاف” لا “الصدق والكذب المجرّدين” هما القيمتان اللتان تضبطان المعاقلة التناظرية للجماعة، فهو إنما يأخذ تحذير السيرافي حول أهمية وصعوبة نقل المعرفة إلى الجمهور في الحسبان (طه، 38). فنقل المعرفة من الحيز الخاص إلى الحيز العام يعني وضع هذه المعرفة تحت المجهر وأمام الأعين الفاحصة، وليس أمام أعين المعاصرين والأقران وحسب، بل أيضاً أمام أعين الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة. لا يرفض طه عبدالرحمن، على أية حال، المنطق بذات الطريقة العجلة التي رفض بها السيرافي المنطق. على العكس، يريد طه استيراد المنطق من ثم تعريبه. وحتى يفعل ذلك، ينتقي مقاطع معينة من نقاش السيرافي، ويقر مجموعة من القواعد التي على المنطق أن يراعيها. أولاً، على المنطق احترام خصوصية اللغة العربية و”النسج” على منوال “التراكيب اللغوية”، ويعني بذلك أن على المنطق مراعاة تنوع وتعدد الكلمات والتراكيب النحوية في اللغة العربية. ثانياً، أن يكون المنطق فعالاً في اقناع الجمهور المخاطب. ثالثاً، أن يراعي المنطق قاعدة الإيجاز. وأخيراً، كل هذه القواعد يجمعها طه لتشكل عنده جوهر وأصل التداول في اللغة العربية (طه 2006، 320).
يمكننا القول أن تحليل طه عبدالرحمن، وعلى العكس من تحليل الجابري، هو تحليل غير تاريخي بلا أدنى شك، وهذا ما سمح له في الأساس بدراسة ونقد كل الفلاسفة دون اعتبارٍ لسياقاتهم. وهو حتماً يفترض سياقاً عابراً للتاريخ أيضاً بالنسبة للفكر الإسلامي الذي تم تسكينه في اللغة العربية والقواعد الأخلاقية في الإسلام. ومن خلال اعتبار الدين شيء ثابت وجامد، أمكن لطه بناءَ نموذج يمكن للفلاسفة من اتباعه للتوفيق بين شروط الدين وشروط الفلسفة. ولهذا ينتقد ابن رشد على وجه الخصوص بسبب نظرته التجزيئية وغير المتسقة في دمج “الدين” و”الفلسفة” (طه، 133). فابن رشد قد فشل من منظور طه في جعل الأرشيف يتزامن في جسد واحد متماسك، كما أنه فشل في معاملة نماذج المعرفة الإسلامية معاملة تفضيلية. وللتصدي للمقاربة “التجزيئية” للتراث التي مارسها ابن رشد وآخرون، يطرح طه عبدالرحمن فكرته حول “التكاملية” والتي يروم من خلالها إنجاز مهمة طموحة من أجل تشييد بناء متماسك لضم العلوم الإسلامية مع بعضها البعض بجانب علوم أخرى “غير إسلامية” في ذات الوقت. وكما ينوّه الباحث إبراهيم موسى؛ إن إشادة طه عبدالرحمن بالفقيه الأندلسي أبي إسحاق الشاطبي (ت 1388) كانت من أجل مهمة كهذه. يكتب موسى “يقرأ طه عبدالرحمن إسهامَ أبي إسحاق الشاطبي الأساسي كإسهامٍ في تماسك المعرفة في الفكر العربي والإسلامي. فالشاطبي من منظور طه اعتمد على مصادر من داخل التقليد الإسلامي ولكن ذلك لم يجعله منغلقاً على البواعث والمحفّزات الخارجية في سبيل تصميم إطارٍ معرفي أكثر صلابة ومتانة”(موسى 2014، 454).
حسناً، إذا كان فهم الجابري “للعقل” مجرّداً للغاية، فأي طريق نسلكه لتقييم الأرشيف الإسلامي بحيث لا تنفصل المعرفة أثناء ذلك عن سياقاتها الأخلاقية والوجودية؟ .. يلتقط طه عبدالرحمن فكرة الجابري عن الحقل التداولي – والمصطلح كما استخدمه الجابري قد يأتي بمعنى “الحقل الخطابي” في الدراسات باللغة الإنجليزية – ولكن يعتمد في بحثه على الاشتقاق العربي لشرح المصطلح. وشرحه يستحق أن نورده كاملاً هنا:
من المعروف أن الفعل: “تداول” في قولنا: “تداول الناس كذا بينهم” يفيد معنى “تناقله الناس وأداروه فيما بينهم”؛ ومن المعروف أيضاً أن مفهوم “النقل” ومفهوم “الدوران” مستعملان في نطاق اللغة العربي الملفوظة كما هما مستعملان في نطاق التجربة المحسوسة؛ فيقال: “نقل الكلام عن قائله” بمعنى رواه عنه، كما يقال “نقل الشيء عن موضعه” أي حرّكه منه. […] ومن المعروف كذلك أن لفظ “المجال” مشتق من الفعل: “جال” “يجول” الذي يدل، لغة، على معنى “دار”، فيكون المجال هو “موضع الدوران (طه 2006، 244).
يريد طه أن يخلص من هذا الكلام إلى أن اللغة قادرة على شحن التجربة الحسّية لمتحدثيها. فالفكر والخطاب والممارسة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً باللغة العربية، تعتمد في آخر التحليل على التداول والمخالطة. وعليه، فإن فحص الأرشيف لا بد أن يقوم على توظيف لغة واضحة ومقروءة عند الجماعة. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن طه ينهل من الفيلسوف والمنطقي أبي سلمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني (ت 985) من أجل تقوية حجّته (وهذه حقيقة ستصبّ في تحليلنا الختامي). إن تعليقات طه على المجال التداولي العربي-الإسلامي تتقاطع في المجمل مع فهم دريدا للأرشيف كمسكنٍ يجبُ حمايته[17]. فنقد طه للجابري يدور في جوهره حول فشل الأخير في الاعتراف بالمجال التداولي الإسلامي، المكان الذي تدور فيه الخطابات الإسلامية وتتشكل، في دار الإسلام، ولهذا لا يقدر الجابري، من وجهة نظر طه، أن يصون هذا المسكن ويحميه.
إن مهمة عبدالرحمن إذن تتمثل في تحديد كيفية حماية هذا المسكن مع الانفتاح في ذات الوقت على أشكال جديدة من المعرفة. فهو لا يرفض كل المعارف المنقولة ولا حتى يرفض استعمال العقل طالما أنه يتوافق بشكل نافع مع العبادات والشعائر الدينية (طه، 255-256). ما يرفضه طه هو محاولة استيراد “معرفة منقولة” تحول دون إعمال مبدأ التفضيل التداولي (252-254). وفي دعوى طه هذه يكون الجابري قد فشل في إعطاء الأولوية للتداولية الإسلامية. وباستعانته بمفهوم “التفضيل”، يسعى طه عبدالرحمن إلى تنظيم فتح الأرشيف أمام النظم المعرفية “المنقولة” وضبطها. ففي حين أن المقاربة “التجزيئية” للتراث تشتغل على مفهوم “التوفيق”، يقترح طه مفهوم “التقارب التداولي” لتعزيز مقاربته التكاملية.
وهو يشتغل وفي ذهنه صيغة منهجية لترجمة تستوعب الاختلافات اللغوية على المستوى الاشتقاقي، ويقترح بأنه يمكن تقريب النظم المعرفية واللغات الفلسفية شريطة أن يتم “تداولها” أولاً عبر الأرشيف العربي-الإسلامي بحيث تُفحص المعاني الجديدة من قِبل المعاني القديمة. ولهذا فضّلتُ في هذه الورقة أن استبقي على كلمة “تداول” حتى أعطي للقارئ الإحساس بتلك الحركة الدائرية التي ينسبها طه عبدالرحمن للصيغة اللفظية للكلمة. فالكلمة، كما رأينا في الاقتباس أعلاه، تُبيّن اتباع طه لعملية ترجمة شاقة وغير خطية. إذ يوضح بأن على المرء أن يحسب حساب شبكة العلاقات الدلالية كما تقررت في اللغة المنقول إليها قبل استيراده للكلمات الفلسفية (طه 2006، 273-276). حينها يمكن للمرء أن يدرك تأثير الكلمات الجديدة على المجال التداولي للعربية. ويدلل على هذا من خلال الاختلاف بين مفهومي “الثيوس” في اليونانية و”الإله” في العربية حيث يشرح بأن القائل بالتوفيق لا حاجة له بفصل هذه المصطلحات أو وصلها لأنها في نظره تشير إلى صانع هذا الكون. بينما القائل “بالتقريب التداولي” سيقارن بين المفهومين بطريقة منهجية منضبطة. ويُجمل نتائج الانتظام في هذه المنهجية بالقول؛ أن الثيوس هو الصانع، أي يصنع شيئاً من شيء ما. بينما الإله هو الخالق، أي يخلق شيئاً من العدم (طه، 276). وما أن يعي الشخص جيداً الفروق والتشابهات بين المفهومين حتى يدرك ما هو الضروري أثناء إدخال المفاهيم المنقولة في المجال التداولي الإسلامي (290).
وكما أسلفنا، طه عبدالرحمن لا يعبأ كثيراً بالتكافؤ التاريخي للأرشيف. فمثلاً رأينا كيف يعزو فشل الفارابي في التوفيق بين المنطق والنحو إلى استاذه متّى بن يونس في حين أنه هو نفسه يستشهد، وبدون تمحيص، من عمل الفيلسوف والمنطقي السجستاني. والسجستاني كما هو معروف كان تلميذاً عند متّى (صموئيل 2012) ومسألة أن يوظّف طه عبدالرحمن السجستاني -لا الفارابي- لتقوية حججه النظرية يظهر لنا أن عمليات المدارسة التاريخية تحوي تعقيدات مركبة ضاق عليها فهم طه عبدالرحمن. وهذا المثال الذي ضربناه للتوّ ما هو إلا إرهاصة من إرهاصات مشكلةٍ أكبر في عمل طه عبدالرحمن، تتمثل، في رأيي، في ميل طه للحديث عن الدين والإسلام واللغة العربية بطريقة عابرة للتاريخ. وحتى يستمر في منهجه هذا سيكون عليه أن يتنصل باستمرار من التجاوزات والانزياحات الدلالية الواضحة في مواضع كثيرة من أطروحته. فهو يشدد مع السيرافي بأن منطق اليونان هو نحو اللغة اليونانية، ولكنه لا يسمح بمجرد احتمالية أن تكون اللغة العربية قد تبدلت وتغيرت بفعل هذا المنطق، مثلما أن اللغة التي يكتب بها للحديث عن التوحيدي تختلف أساساً عن عربية التوحيدي، مثل اختلاف هياكل السلطة التي تحكم كتاباتِهما. ولهذا فهو يضطر حتى يجعل السيرافي واضحاً لقرّاءه للقيام بجهد تأويلي ضخم، ولكن حتى يجعل نص التوحيدي معاصراً عليه أن يبذل أكثر من ذلك بكثير. من خلال هذه الهنّات العلمية، نرى كيف يفلت الأرشيف، أو يكاد، من يديْ طه عبدالرحمن.
ما يُظهره نقاش الجابري وطه عبدالرحمن لنص التوحيدي ليس انتصار السيرافي على متّى، أو العكس، بل ما يظهر هو مدى صلة النص بالنقاشات والمطارحات المعاصرة. إن “الليلة الثامنة” للتوحيدي يصحّ فيها ما وصفه دريدا “بالمشهد القرائي”، فما قاله دريدا عن قراءة يورشالمي لكتاب فرويد (موسى والتوحيد) يمكن توظيفه هنا أيضاً. فهو يلفت انتباهنا إلى أن “المشهد القرائي [النص] يحرضه القارئ ويكون منقوشاً فيه سلفاً”(دريدا، 1996، 45). وكأن الجابري وطه بهذا المعنى يجلسان فعلياً في مجلس ابن الفرات ويُكرّران “بطريقة نموذجية قراءة واستدعاء منطق الحدث الذي وصف طيفه وتم [تنفيذ] بنيته” بواسطة متّى بن يونس والسيرافي.
7. الخاتمة
من غير الواضح، بحسب إطار ماكنتاير، ما إذا كانت أعمال الجابري وطه عبدالرحمن تنتمي إلى ذات التقاليد أم لا. ولكن الأكيد، أن الفروق بين برهان الجابري وبيان طه تتفق مع معايير التباين وعدم القابلية للقياس التي قال ماكنتاير أنها تفصل التقاليد العقلانية. فلا يكفي أنهما يتشاركان بعض الافتراضات الأساسية، من ذلك مثلاً اشتراكهما في الأدوات المعرفية المختلفة التي يحتويها التراث الإسلامي. فبحسب ما يقوله ماكنتاير، التقاليد المتنافسة فيما بينها تفترض أساساً هذا الاتفاق حول ما يشكل الموضوع المبحوث. ولكنه يضيف :”[الذي] يتفقون عليه لا يكفي لحل خلافاتـ[ـهما]” (ماكنتاير 1988، 351). ولكن من ناحية أخرى، ما يحاول الجابري وطه عبدالرحمن فعله هو تشخيص الأزمة عبر التقاليد الإسلامية وفي داخلها. وهذا من شأنه أن يموضع نقاشهما ضمن لحظة في حياة التقاليد سمّاها ماكنتاير “الأزمة المعرفية” التي تقع عندما “لا يعود بالإمكان تسوية الخلافات بشأن الإجابات المتنافسة على الأسئلة الأساسية بطريقة عقلانية” (ماكنتاير 1988، 363).
لكن في الحقيقة كلا الإجابتان غير مرضيتان؛ فمن جهة يبدو واضحاً أن الجابري وطه عبدالرحمن يفتقران إلى الأسباب الكافية للفصل في خلافهما حول المعرفة وعلاقتها بالحقيقة. ومن جهة أخرى، القول بأن هذين المفكرين المغربيين ينتميان إلى تقاليد متنافسة يقلل من سعيهما الحثيث للوصول إلى إجاباتٍ لأسئلة يطرحها التقليد الإسلامي برمته. وفي ذات الوقت تثبيتهما ضمن لحظة الأزمة قد يضعف من إسناد اختلافاتهما إلى مفكرين آخرين في تاريخ الفكر الإسلامي. فهما يفهمان نقاشهما على أنه نقاش ضمن نقاشات مستمرة ومتداخلة ومستقرة في الفكر الإسلامي، لا نقاش ظهر مع أزمات وإشكاليات معاصرة. هذا غير أن فكرة الأزمة المعرفية التي أطّرت الدراسات الإسلامية لفترات طويلة قد أطالت الهوس البحثي في أزمات الفكر الإسلامي الحديث وأدامته، وحتى لو أن هذان المفكران يدركان مرور التقاليدَ بأزمة، إلا أن الإصرار على هذا التأطير البحثي يعني وضع أعمالهما في لحظة استثنائية وطارئة من التاريخ الفكري الإسلامي، من ثم فصلهما عن ذلك الانتظام التاريخي.
كان هدف ماكنتاير من تطويره لمفهوم الأزمة المعرفية هو تبيان أن التقاليد قد تصل في حالات كثيرة إلى نقطة لا تعود معها العقلانية الداخلية قادرة على حل إشكالياتها الحرجة. وهذا ما قد يدفع بالتقاليد لتجاوز تخومها حتى تفيد من الحلول التي قدمتها التقاليد الأخرى لإشكاليات مشابهة. عملية التجاوز هذه سمحت لماكنتاير بالمحاججة ضد القائلين بوجود حقيقة خاصة بكل تقليد. ففكرته تكمن في أن التقاليد إذا فقدت تماسكها وطلبت المساعدة من تقاليد أخرى فهذا يعني أن ثمة أمور مشتركة فعلاً بين هذه التقاليد. واللافت هنا، أن وعي التقليد بوجود تقليد آخر وقراره بالإفادة منه يدلّ على مستوى فريد وناضج في تاريخ هذا التقليد. ولهذا تعتبر لحظات الأزمة بالنسبة لماكنتاير لحظات استثنائية بسبب دلالتها على ما يقع خارج التقاليد.
ولكن ما يُظهره النقاش بين طه عبد الرحمن والجابري هو أن الوعي بالتقاليد الأخرى وترسيم الحدود بين الداخل والخارج عملية مستمرة وداخلة أساساً في تكوين التراث. فبدلاً من اتساق التقليد واستمراريته، يُثبت عمل طه عبدالرحمن والجابري على وجود اختلاف ثابت ومتكرر داخل الأرشيف الإسلامي. ومن الأهمية بمكان أن لا يكون الخلاف بينهما خلاف حول اتفاق مرجعي انحرف في مرحلة ما[18]، بل أن يظلّ خلافاً كما بلوره متّى بن يونس والسيرافي. فالخلاف القديم، كما فهمه الجابري وطه، كان منتجاً للأرشيف الإسلامي، وليس من قبيل المصادفة أن الجدل القديم والمعاصر يدوران حول مسألة تكييف علاقة العلوم الإسلامية بالعلوم اليونانية “الوافدة”، فكما يشدد فوكو ودريدا إن الأرشيف يتطلب “التأسيس لما هو خارجي” حتى يتم تعريفه والاعتراف به.
إن تكرارهما لنقاش السيرافي ومتّى بن يونس هو بالتحديد ما وضع أعمالهما في قلب الأرشيف الإسلامي. فكما يُذكّر دريدا، إن أي تأويل للأرشيف لابد أن “يُنير، يقرأ، يفسر، يرسخ موضوعه [أي إرثاً بعينه] عن طريق نقش نفسه فيه، أي بفتحه وإثرائه بما يكفي لامتلاك مكان ملائم فيه”(دريدا 1996، 76). في الدراسات الإسلامية المعاصرة بات يُنظر إلى تكرار من هذا النوع على أنه إشكال، وهذا قد يكون مردّه أن كثير من العلماء والدارسون شرعوا في انتقاد المستشرقين الذين ظنوا أن الإسلام يأفل فاجتروا نفس الأجوبة على أسئلة متغيرة باستمرار. ولكن الذي يعلمنا إياه الجابري وطه عبدالرحمن أن التكرار هو السبيل الوحيد للكتابة عن التراث[19]. والتكرار بالطبع لا يعني أن الأرشيف قد أغلق. على العكس تماماً، التكرار يغيّر الأرشيف، وفي أحيان يغيّره بطرق لا يقدر حتى مفسروه على التنبؤ بها.
الهوامش
[1] في كتابه (الدولة المستحيلة) يصف وائل حلاّق طه عبدالرحمن بالإسلامي الإستثنائي. ص175.
[2] يدعي هيرشكيند مثلاً بأن عمل نصر حامد أبو زيد يمثل خروجاً عن “تماسك واستمرارية الخطابات [الإسلامية]”(هيرشكيند 1995، 465). وفي المقابل، يطرح عالم الاجتماع علي ميرسيباسي فكرة مفادها أن بعض مهندسي الثورة الإيرانية الذين تحدثوا باسم التقاليد الإسلامية في الواقع ورثوا أموراً كثيرة من مفكرين غربيين مناهضين للتنوير، في حين وظف الإصلاحيون الأكثر انفتاحا الخطابات الإسلامية بطريقة أنسب (ميرسيباسي 2011).
[3] أو سيكون علينا إثبات أن لديهما تشابهات تفوق اختلافاتهما، وبالتالي اجتماعهما معاً إما داخل أو خارج التقاليد الفلسفية والتاريخية واللغوية الإسلامية.
[4] من مزايا استخدام مصطلح (heritage) عند ترجمة “التراث” أنه يُبقي على علاقة المصطلح العربي بالميراث المادي.
[5] أدى العمل المتراكم حول مفهوم الأرشيف في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية إلى الحديث عن “المنعطف الأرشيفي”. قدمت مارلين مانوف (2004) باحثة في العلوم المكتبية والمعلوماتية مادة هامّة حول هذا الشأن، كما يمكن الاستعانة بالأنثروبولوجية كريستين شيفالون (2016) لمعرفة أدبيات المجال والاطلاع على ما قدمته من تحقيقات نظرية مفيدة عن العلاقة بين الأراشيف والتاريخ والذاكرة.
[6] عدت في ترجمة اقتباسات فوكو الواردة في (حفريات المعرفة) للترجمة التي قام بها سالم يفوت مع إجراء تعديلات عليها، والأمر كذلك بالنسبة إلى كتاب دريدا (حمى الأرشيف) الذي ترجمه عدنان حسن الصادر عن دار الحوار (المترجمة).
[7] يكتب فوكو :”بفضل التقاليد يمكننا عزل الجديد عن خلفية الاستمرار والدوام، مع إرجاع ميزته إلى الجدة والنبوغ، إي إلى مسألة تخص الافراد” (فوكو 1972، 21).
[8] فيDictionary of Untranslatables ( قاموس لكمات لا تترجم ) يؤكد علي بن مخلوف وآخرون هذا المعنى الاشتقاقي، يكتبون: “archê [الجذر اليوناني للأرشيف] يشير إلى البداية [ المبدأ، نقطة الانطلاقة ..] والأمر [المسؤولية، السلطة، القوة، القضائية..] “ (بن مخلوف وآخرون ٢٠١٤، ٨١٥).
[9] يشير المنظر الأدبي والمؤرخ جوزيف مسعد إلى علاقة مفهوم الأرشيف -الدريدي- بالماضي العربي-الإسلامي في دراستين له. في Desiring Arabs ) اشتهاء العرب( على سبيل المثال يجادل بأنه عمِلَ على استعادة النقاشات المهملة والمكبوتة حتى يتسنى له “أرشفتها” للمستقبل، وينكر أن يكون لعمل الجابري أو “التراثيين” أهمية مماثلة، فهم كما يقول ملتزمون أو محاصرون داخل “.. تصور زماني تطوري لا يعترف بالتغيير إلا في إطار ثنائية التراث والحداثة”. (مسعد 2007، 29. وأيضاً مسعد 2015، 30-31).
[10] عدت في نقل مقاطع التوحيدي للنسخة التي حققها أحمد أمين وأمين الزين فيما ينقل الكاتب من ترجمات مرجليوث مع إجراء تغيرات طفيفة عليها (المترجمة).
[11] يُذكّر الفيلسوف بول ريكور بخصوص طلب الأرشفة بالتالي: “في الوقت ذاته، كل نداء لصالح الأرشيف يظل معلقاً لأننا لا نعرف، وربما لن نعرف أبداً، ما إذا كان العبور من الشفاهة إلى المكاتبة، إلى وثيقة الأرشيف، هو بالنسبة إلى منفعته أو مضّاره للذاكرة الحية، علاجٌ أم سمٌّ\دواء” (ريكو 2007، 186).
[12] تجدر الإشارة هنا إلى أن اعتقاد الجابري بأن الفلسفة والمنطق قد تم تضييق الخناق عليهما في الأوساط الفكرية الإسلامية بعد هذه الحادثة هو اعتقاد في غاية التبسيط، فالجابري يتجاهل الاستعمال المنتشر للعقلانية في المذهب الاثني عشري. (إنني مدين بهذه الملاحظة إلى المُراجِع المجهول لهذه الورقة – الكاتب).
[13] يذهب طه عبدالرحمن إلى أن الفارابي عكسَ الآلية التي يتم بها التوفيق بين العلوم اللغوية العربية وبين علوم المنطق اليوناني بسبب استخدامه لأدوات تحليلية ولغوية وافدة بدلاً من الأدوات العربية المشتقة من النحو والبلاغة (طه 2006، 331).
[14] هناك فلاسفة زامنوا الجابري وانشغلوا بذات الأسئلة التي انشغل بها، رغم تبينهم لأيديولوجيات مختلفة، كالفيلسوف الليبرالي عاطف العراقي (توفي 2012) و “اليساري الإسلامي” حسن حنفي (توفي 2021).
[15] ثمة نقاش مهم بين خالد الرويهب (2004) ومفتي علي (2008) وهارون سبيفاك (2010) حول مدى معارضة الفقهاء المسلمين للمنطق في الفترة الواقعة بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر، قدم فيها علي حججاً مقنعة ضد دعوى الرويهب حول معارضة الفقهاء للمنطق اليوناني، إلا أن الجدل في المجمل يبيّن أن ثمة انشغالاً فقهياً قديماً بالمنطق، وإلى درجة ما، إدماجاً له.
[16] في تكراره لتنقيبات فوكو ودريدا حول التوتر الأرشيفي بين الخصوصية والكونية، يتحدث ريكور عن الأرشفة باعتبارها تحويلاً للنص الشفوي -والذي كان من المفترض إن يوجَّه لمتلقٍ بعينه- إلى نص مكتوب متاحٌ للكل. قلق ريكور إزاء هذا التحول واضح أكثر مما هو لدى دريدا، فالبنسبة إليه الوثائق الأرشيفية تحاول أن تكون علاجاً لتلاشي الذاكرة، ولكن لعدم اكتمالها، قد تؤدي إلى “تسمم” الذاكرة عوضاً عن ذلك. (ريكور 2004، 169).
[17] يكتب دريدا: ” إن معنى (archive) يأتي من الكلمة اليونانية (arkheion) وتعني: بيت، مسكن، عنوان” (دريدا 1996، 9).
[18] في كتابه (ما الإسلام) يؤكد شهاب أحمد أن التناقض متأصل في الإسلام، ويصر خلافاً للحجج المتداولة بأن التناقض ينبع من داخل المصادر الإسلامية (أحمد 2016، 301-404).
[19] تجدر الإشارة هنا إلى أن طلال أسد تحدث بارتياح عن التكرار في مقالة له بعنوان (التفكير في التقليد: الدين والسياسة في مصر اليوم) ولكنه كان يشير إلى تكرار الممارسة المتجسدة لا تكرار الخلاف أو المشهد القرائي (أسد 2015؛ 166،174،176)
إنَّ الحاجة إلى المرونة في التَّعامل مع الطَّالب تتزايد باستمرار في زمن العولمة الَّذي نعيشُ فيه الآن. لأنَّ المُشكلات النَّفسية، والاضطرابات العقلية شائعة بين الطَّلبة؛ لذلك يلجؤون إلى طلب المُساعدة في الأماكن حيث يدرسون. تُقدِّم هذا المقالة معطياتٍ حول مدى انتشار الشَّكاوى، والاضطرابات الَّتي أبلغَ عنها الطَّلبة حول العالم. كما تُقدِّم أمثلةً عن خِدمات الإرشاد النَّفسي، وعن المناهج المستعملة فيها. إنَّ المُقترحات الواردة في هذه المقالة، والمُتعلقة ببنية ومناهج خِدمات الصحة النفسية للطلبة تستند إلى المُقاربات المعتمدة عالمياً.
كلمات مفاتيح: الصحة النفسية؛ الطلبة؛ الاكتئاب؛ القلق؛ الاستشارة
إنّ النّقص في وصفِ الأزمات النّفسية، والنَّقص في وصف اضطرابات التّكيُّف، والقلق، ونوبات الاكتئاب الَّتي سجّلها الشّباب الّذين يدرسون في الكليات والجامعات، لمْ يكن حاصلا حتَّى في العصر الكلاسيكي في الثقافة الأوروبية. إذ يمكنُ العثور على تقارير جد مُفصَّلة حول المُشكلات النَّفسية الَّتي يعاني منها طلبة الجامعات في رسائل ومذكرات السّيرة الذّاتية للشاعر والعالم الألمانييوهان ڤولغانغ ڤون غوته.[5] لقد تسبّبَ الإحباطُ الأكاديمي، ورفضُ إحدى الفتيات له، في شعوره بالقلق والحُزن، ممَّا أدى إلى إصابته بنوبة اكتئابٍ حادة. وخلال هذه النّوبة، الّتي استمرت لأكثر من سنة، أُجبر على العودة إلى أحضان والديْه، خوفًا من تحوُّل أفكاره الانتحارية إلى حقيقة. لكن، ولحسن حظِه، طوَّر استراتيجيات للتأقلم، وللعلاج الذاتي، ساعدته على تجاوُز مِحنته. وعلى غرارِ ما يقومُ به المُرشدون النّفسيون المعاصرون اليوم، استعانَ غوته من قبلُ بتكاثُف الدّعم، وبتقنيات العلاج السُّلوكي المَعرفي، وبالتَّأمل النّفسي الدّيناميكي، وبالفهم الوجودي. وقد وصفَ حالاته المِزاجية الكئيبة، وأفكارِه الانتحارية، ثم حوَّلها إلى أعمالٍ فنيةٍ رائعة للغاية تجسّدت في رواية “معاناة الشّاب ڤيرتر”،[6] وفي مسرحية “فاوست”.[7] لكن ليس بمقدور كلِّ طالب اليوم الاستفادة من الموهبة، ومن الظُّروف المُواتية الَّتي ساعدت غوته على التّغلب على الأزمات بطريقة إبداعية. ومن الأمثلة الشّهيرة على ذلك، يُمكنُ الحديث عن المُغني الشّهير جيم موريسون،[8] الَّذي استشارَ مُعالجًا نفسيًا. وبما أنّه لمْ يحضر سوى جلسة واحدة، فإنّ تلك الجَلسة لم تحولَ بينه وبين تدميرِ إبداعه، وتدميرِ نفسه بالإفراط في شرب الكحول وتناول المخدرات.[9] ولهذا، يحتاجُ العديد من الطَّلبة اليوم إلى مساعدة مُتخصِّصة للتعامل مع الصّراعات النّفسية، والصِّراعات الاجتماعية، والاضطرابات العقلية.
2. النّتَائِج
تُظهر دراستُنا الاستقصائية أنَّ الصحة النفسية للطلبة، والخِدمات المُتخصّصة الّتي تساعدُهم على التَّكيُّف مع المشكلات والاضطرابات النّفسية تُعدّ قضية مِهنية في غاية الأهمية على المستوى العالمي. ففي الولايات المُتحدة الأمريكية، تُشيرُ العديدُ من الدّراسات إلى تزايُد مُشكلات الصحة النفسية بين الطَّلبة.[10] كما تتكرّر الحوادث المأساوية في المؤسسات التّعليمية. وبناءً على ذلك، أصبحتِ الصحة النفسية للطلاب مصدرَ قلقٍ وطني كبير. وتُوضّح أمثلة محدّدة من جامعة كاليفورنيا في ولاية بيركلي سماتٍ شائعة على مستوى البلاد، مثلَ زيادة عدد الطلاب الذين يطلبون الاستشارة النَّفسية، وتزايد حدة مشكلاتهم النّفسية. وتشير دراسة وطنية إلى أنّ نسبة 37% من طلبة الجامعات في الولايات المتحدة أبلغوا عن شعورهم بقلقٍ شديدٍ خلال الاثني عشر شهرًا الماضية؛ وأفادَ نحو ثلثُهم بشعورهم بالاكتئاب لدرجة جعلتهم يجدون صعوبة في ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي؛ كما أبلغ 9% منهم عن محاولتهم الانتحار في مرحلة ما من حياتهم.[11] وقد ازداد الطَّلبُ على خِدمات الاستشارة النَّفسية بشكل ملحوظٍ خلال السَّنةِ الماضية.
لقد أُنشئت أولى خدمات الإرشاد الطلابي في الولايات المُتحدة في أواخر أربعينيات القرن الماضي.[12] وركّزت هذه الخِدمات على الإرشاد المِهني وعلى التّقييم. وفي السّتينيات، أصبح الإرشاد الشّخصي، والعلاج النّفسي بالتّدريج عملا محورًيا في مراكز الإرشاد، وهو تطوّر أعقبَه تدريبٌ أكثر صرامة، ومتطلباتُ ترخيصٍ أكثر صرامة لأعضاء هيئة التَّدريس. أمَّا اليوم، فإنَّ عضو هيئة التَّدريس النَّموذجي في خِدمة الإرشاد الجامعي في الولايات المتحدة يحملُ ترخيصًا لممارسة المهنة، باعتباره أخصائيا نفسيا، وتُعدّ اضطرابات القلق، والاكتئاب من أبرز الاضطرابات التي يشعر بها الطَّلبة حاليًا.[13] تركزُ المُمارسة الحالية في خِدمات الإرشاد على أربع وظائف أساسية: الإرشاد الفردي والجماعي؛ والوقاية والتَّوعية؛ وتقديم الاستشارات لأعضاء هيئة التَّدريس والموظفين؛ والمُساهمة في أمنِ الحَرم الجامعي.
لقد أصبحت إدارة المخاطر هي الشّغل الشّاغل في العديد من الكليات، وكثفت معظم الجامعات جهودَها للوقاية من مشكلات الصحة النفسية من خلال نموذجٍ للصحة العامة، مصمَّم خصيصاً لمعالجة العوامل والأسباب المحيطة بالحرم الجامعي، والَّتي تؤثِر على الصحة النفسية للطلاب. ومن بين أهم التَّحديات الرَّئيسة الَّتي تواجه الجامعات، نجدُ التَّكيُّف مع العولمة المتزايدة. لا يتوفرُ موظفو الإرشاد، على الغالب، بالتَّدريب الكافي من أجل تقديم خِدمات إرشادية، وتقديم خِدمات صحة نفسية تتفقُ مع المعايير العالمية، من جهة، وتنسجم مع الثَّقافة السَّائدة، من جهة ثانية، والتحصيلُ ذلك ليس بالأمر الهيِّن.[14] ويشير هيون ومن معه إلى أنَّ نسبة 44% من طلبة الدّراسات العليا الدَّوليين، الذين شملهم استطلاع الرّأي، أبلغوا عن مشاكل عاطفية، أو مشاكل متعلقة بالتَّوتر، أثرت بشكل كبيرٍ على أدائِهم الأكاديمي، أو على رفاهيتهم الشَّخصية.[15] كما وجدوا أنَّ الطَّلبة الدَّوليين كانوا أقلَ ميلٍ لطلب المشورة من الخِدمات الَّتي تقدِّمها مراكز الإرشاد في الحرم الجامعي. يخلص برينس، من منظور الولايات المتحدة، إلى أنَّ “مراكز الإرشاد أصبحت مورداً أساسيا، ليس فقط لمساعدة الطّلبة الذين يعانون من مشاكل تعيق التَّعلم، وإنَّما أصبحت موردا للحفاظ على سلامة الحرم الجامعي أيضا … وتحصلُ نفس التّوجُّهات والتَّحديات في الكليات والجامعات على مستوى العالم”.[16]
ومن منظور أمريكا الجنوبية، يصفُ ڤيلاكورا ومن معه المشكلات والاضطرابات الَّتي يعاني منها الطَّلبة، الذين يلجؤون لخِدمة الإرشاد النَّفسي في جامعة تشيلي.[17] ويُظهرون أنَّ أكثر أسباب الاستشارة شيوعًا هي المشكلات الأكاديمية بنسبة21%، ومشكلات القلق بنسبة 19%، والمشكلات العاطفية بنسبة 18%، والمشكلات المتعلقة بالعراقيل التي يواجِهُونهَا في الحياة بنسبة 19%. وفي سنة 2014، تجلت التَّشخيصات المسجلة في المحور الأول من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية[18] في المشكلات الأكثر شيوعا، وهي: “مشكلات أخرى قد تستدعي رعاية سريرية” بنسبة 58%، واضطرابات القلق بنسبة 10%، واضطرابات المزاج بنسبة 12%، واضطرابات التَّكيُّف بنسبة 7%. ويتوافق هذا مع دراسات ألمانية تشير إلى أنَّ أكثر من 50% من الطَّلبة يلجؤون لخدمة الإرشاد النفسي بسبب مشكلات غير سريرية.[19] وبين سنتي 2010 و2014، ازداد الطَّلب على الاستشارة في جامعة تشيلي بنسبة تقاربُ 80%.
يشهدُ قطاع الإرشاد الطلابي في الصّين كذلك طلباً مُتزايداً. ويقدِّم الباحثون يانغ ولين وتشو وليانغ لمحةً عامةً عن خِدمات الصحة النفسية، ويستعرضون استراتيجية إرشادية خاصة، متجذرة بعمق في الفلسفة الصِّينية التَّقليدية.[20] وتصفُ كوليجينا ولوجينوف مشاكل الصحة النفسية لدى الطَّلبة في روسيا، ويقترحان برنامجاً وقائياً متعدِّد المراحل والتَّخصصات، يهدف إلى تحقيق التَّكيُّف النَّفسي والاجتماعي للطلاب، وإلى تعزيز نموِّهم الشَّخصي.[21]
وقد أظهر مسحٌ صحيٌّ حديثٌ، أُجري في أوروبا، أنَّ 33.3% من السُّكان يعانون من نوع من الاضطرابات النَّفسية خلال سنة واحدة.[22] بيدَ أنَّ هناك انتقادات لاذعة وُجهت لمعايير التَّشخيص الَّتي اعتمدت. وتشير أكثرُ الدِّراسات موثوقية، التي أُجريت في المملكة المتحدة، وفي السويد، وفي النرويج، وفي ألمانيا، إلى أنَّ معدلات انتشار الاضطرابات بين الطَّلبة تتراوح بين 20% و25%.[23] ويُعدُ الاكتئاب، والقلق من أكثر التَّشخيصات شيوعًا. ويشعر 90% من الطّلبة الذين تم تشخيصُهم باضطرابات الاكتئاب، أو بالقلق من العجز عن مواصلة دراستِهم. كما يُبيّن ڤيلاكورا وآخرون أنَّ الاضطرابات النَّفسية، والتَّوتر يؤثران سلبًا على الشعور بنمو الهوية.[24] وعلى الرّغم من أنّ مُعظم الدُّول الأوروبية توفر خِدمات الإرشاد الطلابي، إلاّ أنَّ كيفية وحجم توفيرها تختلفُ بينها اختلافًا كبيرًا. فبعض الدُّول تقدِّم المعلومات فقط، بينما تقدم أخرى إرشادًا متخصصًا ومؤهلا، بل وتقدّم حتى علاجًا نفسيًا قصيرَ الأمد. وتعتمدُ المناهج المطبَّقة على الأفراد أو على الجماعة، في الغالب، على العلاج السُّلوكي المعرفي، وعلى العلاج النّفسي الدّيناميكي، وعلى العلاج التّكاملي.[25] ويجري الاهتمام بشكلٍ متزايد بالمشكلات الخاصة بالطَّلبة الدَّوليين. وهناك حاجة ماسةٌ إلى وضع معايير عالمية للإرشاد الطُّلابي.[26]
أمَّا في ألمانيا، فالمعطيات المنهجية حول الصحة النفسية للطلبة متوفرة منذ سنة 1987. فقد أظهر مسحٌ وطنيٌّ عامئذ، شارك فيه عشرون ألف طالبٍ، أنَّ حوالي 20٪ من الطّلبة يشعرون بتأثير سَلبي على دراستهم بسبب مشكلات نفسية تعترضهم. ويعتقدُ ما يقاربُ من نصف هذه المجموعة أنَّهم قادرون على حلّ مشكلاتهم بأنفسهم. بينما يشعر 10٪ من العينة الممثلة بالحاجة إلى مساعدة مُتخصّصة. وقد تأكدتِ هذه النَّتيجة في السَّنوات اللاحقة.[27]
وعلى الرّغم من الاعتقاد السّائد بأنَّ مشكلات الصحة النفسية قد ازدادت في العقود الأخيرة، إلاّ أنّ الباحثين بيرغر وفرانك وهوفمان وسبيرث وهولم-هادولا يُظهرون أنَّ هذا الرّأي الشائعَ لا يمكنُ تأكيده بدليلٍ.[28] وتُشير دراستهم إلى انخفاض في وتيرةِ، وشدةِ مشكلات الصحة النفسية بين طلبة علم النّفس وطلبة الطّب. ومع ذلك، فإنّ المُشكلات النَّاجمة عن اضطرابات الصحة النفسية تبقى شائعة، وغالبًا ما تنتهي بالفشل الدّراسي، وقد تؤدي في كثير من الأحيان إلى مآسٍ شخصية ومُجتمعية.
تتمثَّل الشّكاوى الرَّئيسة لطلبة الجامعات في: القلق، والاكتئاب، واحتقار الذَّات، والمشكلات النَّفسية الجسدية، وإدمان الكحول والمخدرات، والمُيول الانتحارية. هذا بالإضافة إلى العراقيل في مواجهة الحياة، والمشكلات الأكاديمية، إذ تُعد أيضًا من الأسباب الرئيسة لطلب خدمات الإرشاد النَّفسي.[29] يهدف مركز الإرشاد النَّفسي إلى تعزيز النَّجاح الأكاديمي، والتَّطور الشَّخصي الإيجابي للذين يلجؤوا إليه. ويقدِّم المُرشدون النَّفسيون، والمعالجون النَّفسيون، المُدرّبون تدريبًا جيدًا المساعدة من أجل التّغلب على الأزمات النَّفسية والاجتماعية، ويبذلون كل قصارى جهدهم للوقاية من الاضطرابات النَّفسية، ومن الانتحار، ومن العنف. كما تقدّم العديد من خِدمات الإرشاد النَّفسي التَّدخل في الأزمات، والعلاج النَّفسي قصير الأمد. لو استشار 10% من الطَّلبة خدمات الإرشاد النَّفسي، ولو تم تقديمُ خمس جلسات في المتوسط لكلَّ طالب، فإنَّ هذا يستلزم توفير خمسة مرشدين نفسيين اجتماعيين مؤهلين لكلِّ عشرة آلاف طالب. ولنْ يكون متوسط خمس جلسات لكلّ طالب كافيًا إلاَّ في حال التَّعاون الفعَّال مع المعالجين النّفسيين، ومع الأطباء النَّفسيين في العيادات الخاصة، أو في المؤسسات الطّبية. وتتجلى مَهمة مراكز الإرشاد النَّفسي في تقديم التَّقييم التَّشخيصي، وفي الإرشاد الفردي، وفي التَّدخل في الأزمات، وفي الإرشاد الجماعي من أجل تعزيز الكفاءة الاجتماعية، وتمكين الطَّلبة من التَّغلب على المشكلات الأكاديمية، والتَّغلب على الصُّعوبات النَّفسية. ويساعدُ الإرشاد عبر الهاتف، وعبر الإنترنت على تخفيف العَوائق الَّتي تمنعُ الشَّباب من طلبِ المُساعدة.
لقد تم تطويرُ نموذجٌ الاستشارة التَّكاملية، والعلاج النَّفسي قصير الأمد بجامعة هايدلبرغ.[30] ويستند هذا النموذج إلى المبادئ التالية:
وتُظهرُ دراسةٌ تجريبيةٌ للنتائج أنَّ 85% من المشاركين حقَّقوا تحسُّناً ملحوظاً في رضاهم عن وضع حياتهم، وعن وضع دراستهم، كما أظهروا انخفاضاً كبيراً في الأعراض التي كانوا يشعرون بها، وقد تم التأكد من ذلك سريريا. وكانَ حجمُ التَّأثير كبيراً بفضل الاستشارة التَّكاملية.[32]
3. خُلاَصَة
إنَّ الاضطرابات النَّفسية والعقلية شائعةٌ ومستفحلةٌ بين طلبة الجامعات. وتتوفر مناهج فعّالة للإرشاد النَّفسي مصمَّمة خصيصا لمنع حدوث عواقب وخيمة، وللمساعدة على تجاوز الأزمات، ولعلاج بعض الاضطرابات. لذلك، ينبغي توفيرُ خِدمات الإرشاد النَّفسي في كلّ الجامعات. ويجبُ أنْ يكونَ المرشدون النَّفسيون أكاديميين ومؤهلين نفسيًا، وقادرينَ على تقديم تقييمات وتشخيصات دقيقة، وقادرينَ على التَّدخل في الأزمات، وتقديم الاستشارات الفردية والجماعية، هذا بالإضافة إلى تقديمِ العلاج النَّفسي قصير الأمد في العديد من المراكز. وتُعدّ السّريةُ والخُصوصية من أهمّ الاعتبارات. كما أنّ مرونة ساعات العمل، وتقديم الخِدمات مجانًا يُسهّلان على الطَّلبة الاستفادة من هذه الخِدمة. وتعدّ الاستشارة عبر الإنترنت، والاستشارة الهاتفية مفيدتين في بعض الحالات. كما أنّ الاستشارات مع المُدرسين، وبدء برامج التَّدريب المُتبادل بين الطلبة، والإشراف عليها، لها قيمة بالغة. ويُعدّ التّعاون مع المُعالجين النَّفسيين، ومع الأطباء النَّفسيين في العيادات الخاصة أمرًا بالغ الأهمية. وفي الحالات الشّديدة والحادة، يصبحُ التَّعاون الوثيق مع أقسام الطّب النّفسي في الجامعات ضروريًا. كما يُتيحُ التّعاوُن مع أقسام علم النّفس، ومع معاهد التّدريب على العلاج النّفسي فرصًا للبحث العلمي.
المراجع
American College Health Association (2014). American College Health Association-National College Health Assessment II: Reference Group Executive Summary Spring. 2014. Hanover, MD: American College Health Association.
Berger, H., Franke, G.H., Hofmann, F.-H., Sperth, M., Holm-Hadulla, R.M. (2015). Mental health of students and its development between 1994 and 2012. Mental Health & Prevention, 3 (1–2), 48–56. http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp.2015.01.001.
Davidson, L., & Locke, J. H. (2010). Using a public health approach to address student mental health. In: J. Kay, & V. Schwartz (Eds.), Mental health care in the college community (pp. 267– 288). Hoboken, NJ: John Wiley & Sons Ltd.
Gallagher, R. P. (2013). National survey of counseling center directors. Available at: _http://www.collegecounseling.org/wp-content/uploads/Survey-2013-4-yr-Directors-1.pdf_.
Hofmann, F. H., Kress, V., Sperth, M., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Method and effectivity of integrative counseling and short-term psychotherapy for students. Mental Health and Prevention, 3 (1-2), 57–65. http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp.2015.04.005.
Holm-Hadulla, R. M. (2012). Goethe’s anxieties, depressive episodes and self-therapeutic strategies: a contribution to method integration in psychotherapy. Psychopathology, 46, 266–274.
Holm-Hadulla, R. M. (2013). The dialectic of creativity: towards an integration of neurobiological, psychological, socio-cultural and practical aspects of the creative process. Creativity Research Journal, 25(3), 1–7.
Holm-Hadulla, R. M., & Bertolino, A. (2014). Creativity, alcohol and drug abuse: the pop-icon Jim Morrison. Psychopathology, 47(3), 141–206.
Holm-Hadulla, R. M., Roussel, M., & Hofmann, F. H. (2010). Depression and creativity – the case of the German statesman, scientist and poet J.W. v. Goethe. Journal of Affective Disorders, 127, 43–49.
Holm-Hadulla, R. M., & Hofmann, F. H. (2012). Counseling, psychotherapy and creativity. Asian-Pacific Journal of Counseling and Psychotherapy, 3(2), 130–136.
Holm-Hadulla, R. M., Sperth, M., & Hofmann, F. H. (2011). Integrative counseling. Asian-Pacific Journal of Counseling and Psychotherapy, 2(1), 3–24.
Hyun, J., Quinn, B., Madon, T., & Lustig, S. (2007). Mental health needs, awareness, and use of counseling services among international graduate students. Journal of American College Health, 56, 109–118.
Kress, V., Sperth, M., Hofmann, F. H., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Psychological complaints and disorders of students: a comparison of field samples with clients of a counseling service at a typical German University. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 41–47. http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp.2015.04.002.
Kulygina, M., & Loginov, I. (2015). Students mental health and a multistage prevention program: the Russian experience. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 17–20. http://dx.doi.org/10.1016/ j.mhp.2015.05.003.
Prince, J. P. (2015). University student counseling and mental health in the United States: trends and challenges. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 5–10. http://dx.doi.org/ 10.1016/j.mhp.2015.03.001.
Rückert, H. W. (2015). Mental health of students and psychological counseling in Europe. Mental Health and Prevention, 3(1-2), 34-40. http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp. 2015.04.006.
Villacura, L. A., Irarrázabal, N., Dörr, A., Zamorano, C., Manossalva, J., Cánovas, C., Zamorano, M., & Barra, N. (2015). Mental disorders of students and mental health services at the University of Chile. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 21–25. http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp.2015.05.002.
Yang, W., Lin, L., Zhu, W., & Liang, S. (2015). An introduction to mental health services at Universities in China. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 11–16, http://dx.doi.org/10.1016/j.mhp.2015.04.001.
Holm-Hadulla, Rainer Mattias & Asimina Koutsoukou-Argyraki., “Mental health of students in a globalized world: Prevalence of complaints and disorders, methods and effectivity of counseling, structure of mental health services for students”, Elsevier, ScienceDirect, Mental Health & Prevention 2015, 3, 1-4. (Received 30 March 2015; accepted 21 April 2015. Available online at www.sciencedirect.com journal homepage: www.elsevler.com/locate/mhp
[2] – Rainer Matthias Holm-Hadulla (ولد سنة 1951)، باحث نشيط وبارز، وأستاذ جامعي ألماني بجامعة هايدلبرغ، متخصص في الطب العقلي، والعلاج النفسي. أصدر مجموعة من المقالات في الموضوع.
[3] – Asimina Koutsoukou-Argyraki معالجة نفسية معتمدة، ومعالجة سلوكية، حاصلة على الماجستير في علم النفس من جامعة فريدريش شيلر بينا، وجامعة باتيون بأثينا، تعمل حاليا بمعهد هايدلبرغ للعلاج النفسي والدينامي، لها عضويات في كثير من الجمعيات، نشرت العديد من المقالات حول الأمراض النفسية وطرق علاجها.
[4] – أستاذ الفلسفة، حاصل على الدكتوراه من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة ابن طفيل، المغرب.
[5]– Holm-Hadulla, R. M., Roussel, M., & Hofmann, F. H. (2010). Depression and creativity – the case of the German statesman, scientist and poet J.W. V. Goethe. Journal of Affective Disorders, 127, 43–49.
لقد ترجمتُ هذه المقالة إلى العربية، يمكن الرجوع إليها:
هولم-هادولا، راينر ماثياس، ومارتن روسيل، وفرانك هاغن هوفمان، “الكآبة والإبداع: يوهان ڤولڤغانغ ڤون غوته نموذجا”، ترجمة أحمد فريحي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ترجمات، 30 ماي 2025.
[6] – هو جيمس دوغلاس موريسونJames Douglas Morrison (1943-1971)، مغني وكاتب كلمات أمريكي ذائع الصيت، اشتهر بغنائه مع الفرقة الموسيقية “الأبواب The Doors“، مر بأزمات نفسية، وأدمن الكحول والمخدرات، ووجد ميتا في حوض الاستحمام بإحدى الشقق بفرنسا في الساعة السادسة صباحا من اليوم الثالث من شهر يونيو سنة 1971.
[7] – من أشهر الروايات العاطفية في الأدب الألماني، وربما في الأدب الأوروبي. تكشف هذه الرواية عن معاناة شاب يدعى ڤيرتر بسبب عشقه لفتاة تدعى شارلوت، لكن هذه الأخيرة لم تكن تبادله نفس الشعور، ومما زاد في معاناته أنها عشقت شابا آخر يدعى ألبرت، ومع ذلك، كان يجد متنفسا لعشقه، ويزورها من حين لآخر، لكنها دعته لأن يتوقف عن زيارتها، وهذا أدخله في حزن عميق جدا، لينتحر في الأخير. لقد كانت هذه الرواية بمثابة أسلوب إبداعي في العلاج الذاتي عند غوته، لأنه صور فيها معاناته، التي كان يشعر بها، بسبب حبه لفتاة لم تكن تبادل نفس الشعور، وبدلا من أن ينتحر هو في الواقع، أحل محله الشاب ڤيرتر، وبذلك استراح نفسيا من المعاناة، ويمكن اعتبار هذه الرواية بمثابة آلية نفسية دفاعية، تسمى الإسقاط، أي رمي ما يزعج ويؤلم على الآخر، من أجل الشعور بالتوازن.
[8] – من أروع الأعمال الدرامية في الأدب العالمي، وأهم عمل إبداعي قدمه غوته. استغرقت كتابة هذه المسرحية ستين عاما. وهي دراما فلسفية، تكشف عن الصراع بين الطموح العلمي الجارف، والأهواء الدنيوية المغرية، كما تعبر عن الشغف والتعلق بالمتع الذي اضطر من خلاله العالم “فاوست” أن يبرم اتفاقا مع الشيطان، ليحقق لم ما يريد، فيغري فتاة كان يحبها ولم تهتم به، ويتسبب في مأساتها. لكن الشيطان “مفيستوفيليس” عجز في الأخير عن تحقيق كل رغباته، ونكت غوته وعده للشيطان، في الوقت الذي عجز الشيطان عن تحقيق كل ما يريد. قد تبدو الحياة المأساوية لمارغريت معشوقة فاوست تعبيرا عن الانتقام من الفشل العاطفي الذي عانى منه غوته في حياته، وهذا يمكن أن نعتبره آلية دفاعية لتحقيق التوازن النفسي.
[9]– Holm-Hadulla, R. M., & Bertolino, A. (2014). Creativity, alcohol and drug abuse: the pop-icon Jim Morrison. Psychopathology, 47(3), 141–206.
[10]– Prince, J. P. (2015). University student counseling and mental health in the United States: trends and challenges. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 5–10.
[11]– American College Health Association (2014). American College Health Association-National College Health Assessment II: Reference Group Executive Summary Spring. 2014. Hanover, MD: American College Health Association.
[12]– Prince, J. P. (2015). University student counseling and mental health in the United States: trends and challenges. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 5–10.
[13]– Gallagher, R. P. (2013). National survey of counseling center directors.
[14]– Davidson, L., & Locke, J. H. (2010). Using a public health approach to address student mental health. In: J. Kay, & V. Schwartz (Eds.), Mental health care in the college community (pp. 267– 288). Hoboken, NJ: John Wiley & Sons Ltd.
[15]– Hyun, J., Quinn, B., Madon, T., & Lustig, S. (2007). Mental health needs, awareness, and use of counseling services among international graduate students. Journal of American College Health, 56, 109–118.
[16]– Prince, J. P. (2015). University student counseling and mental health in the United States: trends and challenges. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 5–10.
[17]– Villacura, L. A., Irarrázabal, N., Dörr, A., Zamorano, C., Manossalva, J., Cánovas, C., Zamorano, M., & Barra, N. (2015). Mental disorders of students and mental health services at the University of Chile. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 21–25.
[19]– Kress, V., Sperth, M., Hofmann, F. H., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Psychological complaints and disorders of students: a comparison of field samples with clients of a counseling service at a typical German University. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 41–47.
[20]– Yang, W., Lin, L., Zhu, W., & Liang, S. (2015). An introduction to mental health services at Universities in China. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 11–16.
[21]– Kulygina, M., & Loginov, I. (2015). Students mental health and a multistage prevention program: the Russian experience. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 17–20.
[22]– Rückert, H. W. (2015). Mental health of students and psychological counseling in Europe. Mental Health and Prevention, 3(1-2), 34-40.
[23]– Kress, V., Sperth, M., Hofmann, F. H., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Psychological complaints and disorders of students: a comparison of field samples with clients of a counseling service at a typical German University. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 41–47.
[24]– Villacura, L. A., Irarrázabal, N., Dörr, A., Zamorano, C., Manossalva, J., Cánovas, C., Zamorano, M., & Barra, N. (2015). Mental disorders of students and mental health services at the University of Chile. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 21–25.
[25]– Holm-Hadulla, R. M., Sperth, M., & Hofmann, F. H. (2011). Integrative counseling. Asian-Pacific Journal of Counseling and Psychotherapy, 2(1), 3–24. & Hofmann, F. H., Kress, V., Sperth, M., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Method and effectivity of integrative counseling and short-term psychotherapy for students. Mental Health and Prevention, 3 (1-2), 57–65.
[26]– Villacura, L. A., Irarrázabal, N., Dörr, A., Zamorano, C., Manossalva, J., Cánovas, C., Zamorano, M., & Barra, N. (2015). Mental disorders of students and mental health services at the University of Chile. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 21–25.
[27]– Kress, V., Sperth, M., Hofmann, F. H., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Psychological complaints and disorders of students: a comparison of field samples with clients of a counseling service at a typical German University. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 41–47.
[28]– Berger, H., Franke, G.H., Hofmann, F.-H., Sperth, M., Holm-Hadulla, R.M. (2015). Mental health of students and its development between 1994 and 2012. Mental Health & Prevention, 3 (1–2), 48–56.
[29]– Kress, V., Sperth, M., Hofmann, F. H., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Psychological complaints and disorders of students: a comparison of field samples with clients of a counseling service at a typical German University. Mental Health and Prevention, 3(1–2), 41–47.
[30]– Holm-Hadulla, R. M., Sperth, M., & Hofmann, F. H. (2011). Integrative counseling. Asian-Pacific Journal of Counseling and Psychotherapy, 2(1), 3–24. & Holm-Hadulla, R. M., & Hofmann, F. H. (2012). Counseling, psychotherapy and creativity. Asian-Pacific Journal of Counseling and Psychotherapy, 3(2), 130–136.
[31]– Holm-Hadulla, R. M. (2013). The dialectic of creativity: towards an integration of neurobiological, psychological, socio-cultural and practical aspects of the creative process. Creativity Research Journal, 25(3), 1–7.
[32]– Hofmann, F. H., Kress, V., Sperth, M., & Holm-Hadulla, R. M. (2015). Method and effectivity of integrative counseling and short-term psychotherapy for students. Mental Health and Prevention, 3 (1-2), 57–65.
حسب تقرير شركة GlobalData، فإن توسعة خط أنابيب الشرق-الغرب للنفط الخام إلى 6.5 مليون برميل يومياً سيُشكّل تحسيناً بنيوياً للمملكة العربية السعودية، إلا أنه لن يُمكّنها من التحرر الكامل من مخاطر إغلاق مضيق هرمز أو تقييد حركة الملاحة فيه.
يقول أليساندرو باتشي، المحلل في قطاع النفط والغاز لدى GlobalData:
“إن توسعة طاقة خط أنابيب الشرق-الغرب ستمنح المملكة العربية السعودية مرونةً أكبر في تصدير نفطها، إلا أنها ليست حلاً خالياً من المخاطر، ولا سيما في سيناريوهات إغلاق مضيق هرمز أو انسداده جزئياً. فزيادة الصادرات النفطية السعودية عبر البحر الأحمر ستُكلّف المملكة أعباءً أعلى، إذ تتمركز معظم طاقتها الإنتاجية على ساحل الخليج العربي وتتجه صادراتها بالأساس نحو آسيا. يُضاف إلى ذلك أن ناقلات النفط ستضطر إلى العبور من مضيق باب المندب، وهو نقطة توتر جيوسياسي أخرى بالغة الحساسية.
“تكشف تحليلات GlobalData لصادرات النفط الخليجية أن دول الخليج تملك خيارات محدودة جداً فيما يخص مسارات التصدير. فإيران والكويت وقطر والبحرين تُصدّر جميع إنتاجها عبر مضيق هرمز دون سواه. أما على صعيد البنية التحتية القادرة على تجاوز المضيق، فلا يملكها سوى الإمارات والعراق — إلى جانب السعودية — وإن ظلت محدودة النطاق. فضلاً عن ذلك، تراجعت مسارات تصدير العراق، ثاني أكبر منتج في أوبك، تراجعاً ملحوظاً في أعقاب الأحداث الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية.”
ويُضيف باتشي:
“ما لم تُقدم دول الخليج المُصدِّرة على إنشاء منظومة من خطوط الأنابيب التصديرية القادرة على تجاوز المضيق، فإن الحماية الكاملة من مخاطر هرمز تبقى بعيدة المنال. وينطبق هذا على الغاز الطبيعي المسال أيضاً، إذ يعبر أكثر من ربع إنتاجه العالمي عبر هذا المضيق.”
الجماعاتية فكرة مفادها أن الهويات البشرية تشكلها إلى حد كبير أنواع مختلفة من الجماعات التكوينية (أو العلاقات الاجتماعية)، وأن هذا الفهم للطبيعة البشرية ينبغي أن يشكّل أحكامنا الأخلاقية والسياسية وكذلك سياساتنا ومؤسساتنا. فنحن نعيش معظم حياتنا في جماعات، كالأسود التي تعيش في مجموعات اجتماعية وليس كالنمور الانفرادية التي تعيش بمفردها معظم الوقت. تشكل هذه الجماعات، وينبغي أن تشكل، أحكامنا الأخلاقية والسياسية، ولدينا التزام قوي بدعم الجماعات الاستثنائية التي تضفي معنى على حياتنا ورعايتها، والتي لولاها لكنا مشوشين ووحيدين للغاية وغير قادرين على إصدار أحكام أخلاقية وسياسية واعية.
الكاتب
دانييل بيل
ترجمة
هويدا الشوفي
أفكار الجماعاتية لها تاريخ طويل في الغرب والصين وأماكن أخرى، لكن الجماعاتية المعاصرة بدأت في الأوساط الأكاديمية الأنجلو-أميركية في صورة رد فعل نقدي على كتاب جون رولز John Rawls البارز الصادر عام 1971 بعنوان نظرية العدالةA Theory of Justice (رولز 1971). إذ عارض فلاسفة سياسيون مثل ألَسدير مكنتاير Alasdair MacIntyre ومايكل ساندل Michael Sandel وتشارلز تايلور Charles Taylor ومايكل والتزر Michael Walzer افتراض رولز القائل إن المهمة الأساسية للحكومة تكمن في تأمين الحريات والموارد الاقتصادية التي يحتاجها الأفراد وتوزيعها بعدل كي يعيشوا حياة يختارونها بحرية، معتمدين في ذلك بصورة أساسية على رؤى هيغل وأرسطو. لم يعرّف هؤلاء النقاد للنظرية الليبرالية أنفسهم مطلقاً على أنهم من أنصار الحركة الجماعاتية (بل ألصق بهم نقاد آخرون تسمية جماعاتيين)[1]، كما أنهم لم يقدموا نظرية جماعية شاملة كبديل منهجي لليبرالية. ومع ذلك، تتكرر في أعمال المنظرين الأربع المذكورين أعلاه مجادلات جوهرية تعارض تقليل الليبرالية من قيمة الجماعة ( أفينيري ودي شاليت Avineri & de-Shalit 1992، وبيل Bell 1993، وبيرتِن وآخرون Berten et al 1997، ومولهل وسويفت Mulhall & Swift 1996، وراسموسن Rasmussen 1990). ولأغراض الوضوح، يمكن للمرء أن يميز بين ثلاثة أنواع من الادعاءات: الادعاءات المنهجية حول أهمية التقاليد والسياق الاجتماعي للاستدلال الأخلاقي والسياسي، والادعاءات الوجودية أو الميتافيزيقية حول الطبيعة الاجتماعية للنفس، والادعاءات المعيارية حول قيمة الجماعة[2].
لذلك، قُسمت هذه المقالة إلى ثلاثة أجزاء، وسأقدم في كل جزء الادعاءات الجماعاتية الأساسية، تليها مجادلة (في كل جزء) مفادها أن الاهتمامات الفلسفية في ثمانينيات القرن الماضي مهدت الطريق إلى حد كبير أمام الاهتمامات السياسية التي حفزت قدراً كبيراً من النقد الجماعاتي في المقام الأول.
1. الشمولية مقابل الخصوصية في الجماعاتية
سعى الجماعاتيون إلى تقويض الادعاءات الشمولية للنظرية الليبرالية. واستهدفوا بصورة أساسية توصيف رولز للموقف الأصلي على أنه “نقطة ارتكاز” يمكن من خلالها تقييم بنية النظام الاجتماعي، وهو موقف له ميزة خاصة تتمثل في سماحها لنا بالنظر إلى الحالة الإنسانية “من منظور الأبدية”[3]، ومن جميع وجهات النظر الاجتماعية والزمنية. وبينما بدا أن رولز يقدم نظريته للعدالة كحقيقة شمولية، جادل الجماعاتيون بأن معايير العدالة يجب أن تُستمد من أشكال الحياة وتقاليد المجتمعات الخاصة، ويمكن بالتالي أن تختلف من سياق إلى آخر. وجادل ألَسدير مكنتاير وتشارلز تايلور بأن الحكم الأخلاقي والسياسي يعتمد على لغة العقل والإطار التأويلي الذي يرى الفاعلون من خلاله عالمهم، وبالتالي لا معنى لبدء مشروع سياسي باستخلاص الأبعاد التفسيرية للمعتقدات والممارسات والمؤسسات الإنسانية (تايلور 1985، الفصل الأول؛ ماكنتاير 1978 الفصول 8-22 و1988 الفصل الأول؛ بن حبيب 1992، ص 23-38، 89N4). كما طوّر مايكل والتزر حجة إضافية مفادها أن النقد الاجتماعي الفعال ينبغي أن ينبع من عادات وتقاليد أشخاص فعليين يعيشون في أوقات وأماكن محددة وأن يكون له صدى في تلك العادات والتقاليد. حتى لو لم يكن هناك أي إشكالية في اتخاذ إجراء رسمي لقابلية التعميم الهادف إلى إنتاج مجموعة محددة من الخيرات والقيم الإنسانية، فإن “أي مجموعة من هذا القبيل يجب أن يُنظر إليها بمصطلحات مجردة للغاية بحيث لا تكون لها فائدة تُذكر عند التفكير في توزيعات معينة” (والترز 1983، 8؛ يونغ 1990، 4). باختصار، الليبراليون الذين يطلبون العدالة من خلال استخلاص سياقات اجتماعية محددة محكوم عليهم بعدم الاتساق الفلسفي، والمنظّرون الليبراليون الذين يتبنون هذه الطريقة لإقناع الناس بالقيام بما هو عادل محكوم عليهم باللاجدوى السياسية.
حاول رولز منذ ذلك الحين استبعاد الافتراضات المسبقة للشموليين من نظريته. فهو يجادل، في كتابه الليبرالية السياسيةPolitical Liberalism (رولز 1993)، بلهجة جماعاتية بأن فهمه للفرد كمواطن محايد يقدم الوصف الأمثل للثقافة السياسية الليبروديمقراطية، وأن هدفه السياسي يقتصر على وضع قواعد للتوافق في الجماعات السياسية بحيث يكون الأشخاص مستعدون للسعي إلى التوافق. وفي كتابه قانون الشعوب Law of Peoples(رولز 1999)، يأخذ في اعتباره صراحة إمكانية ألّا تكون الليبرالية قابلة للتصدير في كل زمان ومكان، ويرسم رؤية لـ”مجتمع لائق ومنظم جيداً” يجب على المجتمعات الليبرالية قبوله على الصعيد الدولي. ويجادل بأنه لا يُشترط في مثل هكذا مجتمع أن يكون ديمقراطياً، بل يجب ألا يكون عدائياً تجاه الجماعات الأخرى، وأن يتمتع داخلياً بـ”فهم عام جيد للعدالة”، و”تسلسل هرمي معقول للتشاور”، وأن يضمن حقوق الإنسان الأساسية. ومع ذلك، لا يزال المرء يشعر بأن الرؤية الليبرالية الواردة في كتاب نظرية العدالة هي أفضل مثال سياسي ممكن، وهي رؤية يريدها جميع الأفراد العقلانيين إذا أُتيحت لهم فرصة الاختيار بين البدائل السياسية المتاحة. ربما هناك أنظمة غير ليبرالية يمكن تبريرها، لكن يجب أن يُنظر إليها كثاني أفضل مثال يمكن التسامح معه وربما احترامه، لكن ليس اتخاذه كمثال أو محاكاته.
اتخذ منظرون ليبراليون آخرون موفقاً أكثر تشدداً ضد التنازلات الجماعاتية، مجادلين بأن النظرية الليبرالية يمكن وينبغي أن تقدم نفسها كمثال شمولي صالح. فبريان باري Brian Barry، على سبيل المثال، يفتتح كتابه الشهير العدالة كحيادJustice as Impartiality بتأكيد جريء على شمولية نظريته، إذ يقول: “مازلت أؤمن بإمكانية طرح قضية صالحة عالمياً لصالح مبادئ المساواة الليبرالية” (باري 1995، 3). ويقرّ بأن نظرية العدالة يجب أن ترتكز على اعتبارات أخلاقية جوهرية، لكن يبدو أن رؤيته المعيارية لا تقتصر سوى على قيم المجتمعات الغربية الليبرالية وممارساتها. ويبدو كأنه لا يهتم إطلاقاً بتعلم أي شيء ذي قيمة من التقاليد السياسية غير الغربية: فعلى سبيل المثال، يقتصر نقاشه حول الأمور الصينية على انتقادات موجزة للثورة الثقافية وممارسة ربط الأقدام التقليدية. قد يفكر المرء في رد الفعل على مفكر صيني يطرح نظرية شمولية للعدالة تستلهم أفكارها من التقاليد السياسية الصينية وتتجاهل تماماً التاريخ والجدل الأخلاقي في المجتمعات الغربية، باستثناء انتقادات موجزة للعبودية والامبريالية.
مع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن منظري الجماعاتية في ثمانينيات القرن العشرين لم ينجحوا تماماً في طرح رؤى جذابة لمجتمعات غير ليبرالية. فربما يكون استخدامهم لأمثلة (مضادة) قد قوّض عن غير قصد قضيتهم الجماعاتية الداعية للتعددية التي تنادي باحترام المجتمعات غير الليبرالية وربما التعلم منها، والتي قد تكون بجودة مجتمعات الغرب الليبرالية، إن لم تكن أفضل منها. دافع أَلسدير ماكنتاير في كتابه في إثر الفضيلة After Virtue عن المثال الأرسطي للجماعة المحلية الحميمية القائمة على التبادل والغايات المشتركة، ويتولى الأفراد فيها ببساطة أدواراً معطاة اجتماعياً (ماكنتاير 1984). لكن يبدو أن هذا الفهم النسيجي ما قبل الحداثي للجماعة الشاملة لكل شيء، التي يؤيدها الأفراد بدون تفكير، غير مناسب تماماً للمجتمعات الصناعية واسعة النطاق المعقدة والمليئة بالنزاعات. ذكر مايكل والترز في كتابه فضاءات العدالة Spheres of Justice النظام الطبقي الهندي، “الذي تتداخل فيه المعاني الاجتماعية والتسلسل الهرمي”، كمثال على مجتمع غير ليبرالي قد يكون عادلاً وفقاً لمعاييره الخاصة. وليس من المستغرب أن القليل من القراء يستلهمون هذا المثال للعدالة غير الليبرالية (ناهيك عن حقيقة أن العديد من المفكرين الهنود المعاصرين ينظرون إلى النظام الطبقي على أنه إرث مؤسف من الماضي يجب على الهنود السعي جاهدين للتغلب عليه). باختصار، ربما يعزز هذا الاستخدام للأمثلة غير المدروسة عن غير قصد وجهة النظر القائلة بوجود عدد قليل من بدائل الليبرالية القابلة للتبرير في المجتمعات الحديثة، إن وُجدت أصلاً. صحيح أن الجماعاتيين تمكنوا من تحقيق بعض النقاط النظرية عن طريق حث المفكرين الليبراليين على الحذر حيال تطوير حجج شمولية تقوم حصرياً على الجدال الأخلاقي والخبرة السياسية للمجتمعات الليبرالية الغربية، لكن قلة من المفكرين كانوا ليفكروا فعلياً في إمكانية وجود ممارسات غير ليبرالية مناسبة للعالم الحديث طالما أن بدائل الليبرالية اقتصرت على العصر الذهبي أو المجتمعات الطبقية أو الفاشية أو الشيوعية القائمة بالفعل. ولكي يكتسب النقد الجماعاتي للشمولية الليبرالية أي مصداقية دائمة، يحتاج المفكرون إلى تقديم أمثلة مضادة للأنظمة الديمقراطية الليبرالية المعاصرة تكون مقنعة، وهذا ما فشل فيه جماعاتيو ثمانينات القرن الماضي.
بحلول تسعينيات القرن الماضي، تلاشت الخلافات المنهجية المجردة نسبياً حول الشمولية مقابل الخصوصية من الساحة الأكاديمية، ويتركز النقاش حالياً على نظرية حقوق الإنسان العالمية وممارستها. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تزايد الأهمية السياسية لحقوق الإنسان منذ انهيار الشيوعية في الكتلة السوفييتية السابقة. على الجانب الليبرالي، مثّل أمثال فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama الأصوات الجديدة الأكثر ميلاً للسياسة والمنادية بالشمولية الليبرالية، إذ أثار فوكوياما جدلاً واسعاً بإطلاقه فرضيته الشهيرة بأن انتصار الديمقراطية الليبرالية على منافسيها يشير إلى نهاية التاريخ (فوكوياما 1992). كما أحيت وجهة النظر هذه (وأثارت) الموجة الثانية من النقد الجماعاتي للشمولية الليبرالية وأصبح النقاش أكثر واقعية وسياسية في توجهه.
غني عن القول إن لحظة النشوة الليبرالية الوجيزة التي أعقبت انهيار الشيوعية في الكتلة السوفييتية مهدت الطريق أمام إجراء تقييم حصيف لصعوبات تطبيق الممارسات الليبرالية خارج العالم الغربي. وبات من المسلم به على نطاق واسع اليوم أن بعض أوضح المشاكل التي ابتلت بها الدول النامية، مثل الحرب العرقية الوحشية والفقر المدقع والتدهور البيئي والفساد المستشري، على سبيل المثال لا الحصر، تشكل عقبات خطيرة أمام تأسيس ترتيبات سياسية ديمقراطية ليبرالية وترسيخها بنجاح. إلا أن هذه العقبات نُظر إليها على أنها ابتلاءات مؤسفة (نأمل أنها مؤقتة) قد تؤخّر لحظة نهاية التاريخ التي ستنتصر الديمقراطية الليبرالية في النهاية على منافسيها. ولم يُقصد بها أن تشكل تحدياً لمثاليات الديمقراطية الليبرالية. بل كثيراً ما اُفترض أن الديمقراطية الليبرالية هي النظام الذي سيختاره كل عاقل لو أُتيحت له الفرصة.
برز التحدي الأعمق للديمقراطية الليبرالية الغربية من منطقة شرق آسيا[4]. ففي تسعينيات القرن الماضي، دار النقاش حول مفهوم “القيم الآسيوية”، وهو مصطلح ابتكره عدد من المسؤولين الآسيويين وأنصارهم بهدف تحدي الحريات المدنية والسياسية ذات الطراز الغربي. يدّعي هؤلاء أن الآسيويون يولون أهمية خاصة للتناغم الأسري والاجتماعي، في إشارة ضمنية إلى أنه يجب على أولئك الذين يعيشون في مجتمعات الغرب الفوضوية والمتداعية أن يفكروا ملياً قبل التدخل في شؤون آسيا بهدف تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية. وكما قال لي كوان يو Lee Kuan Yew السنغافوري: ليس لدى الآسيويين “أدنى شك بأن المجتمع ذي قيم جماعاتية الذي تتفوق فيه مصالح المجتمع على مصالح الفرد يناسبهم أكثر من النزعة الفردية الأميركية”[5]. جذبت مثل هذه الادعاءات اهتماماً دولياً بسبب ما بدا على الأخص ترؤس قادة شرق آسيا لما وصفه تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأنه “معجزة التنمية المستدامة الأعظم والأوسع انتشاراً في القرن العشرين، وربما في التاريخ كله”[6]. إلا أنه بدا، في عامي 1997 و1998 أن الأعجوبة شرق الآسيوية تنهار. ويبدو أن القيم الآسيوية كانت إحدى ضحايا الأزمة.
مع ذلك، لا تزال العوامل السياسية التي ركزت الانتباه على التحدي الذي تواجهه شرق آسيا قائمة. فقد تعافت اقتصادات شرق آسيا في نهاية المطاف. ويبدو أن الصين تحديداً مهيأة لأن تصبح قوة ذات وزن اقتصادي وسياسي قادرة على تحدى هيمنة القيم الديمقراطية الليبرالية الغربية في المحافل الدولية بصورة جدية (انظر بيل 2015). ولذلك نسمع دعوات متكررة لحوار ثقافي بين الغرب والشرق يهدف إلى فهم الجانب الآخر وربما التعلم منه. يُنذر الإخفاق قي أخذ المنظورات السياسية شرق الآسيوية على محمل الجد بتفاقم سوء الفهم، ويمهد الطريق لعداءات كان يمكن تجنبها.
غير أنه من الناحية النظرية، يجب الإقرار بأن النقاش الرسمي حول القيم الآسيوية لم يشكل تحدياً كبيراً للتوجهات السياسية الغربية المهيمنة. فالمشكلة الرئيسية تتمثل في أن هذا النقاش قاده زعماء آسيويين تبدو دوافعهم سياسية بالدرجة الأولى، وليست نابعة من رغبة صادقة في تقديم مساهمة بناءة في النقاش الدائر حول الشمولية مقابل الخصوصية. بالتالي، كان من السهل رفض التحدي الآسيوي -وهو أمر محق في معظم الحالات- باعتباره مجرد ذريعة يقدمها قادة الحكومات لتبرير حكمهم الاستبدادي في مواجهة المطالب المتزايدة بالديمقراطية في الداخل والخارج.
مع ذلك، من الخطأ الافتراض أنه لم يظهر أي أمر مهم من الناحية النظرية في شرق آسيا. فقد دفع النقاش حول القيم الآسيوية أيضاً المفكرين النقاد في المنطقة إلى التفكير في كيفية تحديد موقعهم في النقاش حول حقوق الإنسان والديمقراطية، والذي لم يسبق لهم أن لعبوا فيه دوراً محورياً. يعتمد هؤلاء المثقفين، الذين لا يرفضون تماماً القيم والممارسات التي عادة ما يحققها النظام الليبرالي الديمقراطي السياسي ولا يؤيدونها تماماً، على تقاليدهم الثقافية ويستكشفون مواطن التشابه والاختلاف مع الغرب. على الرغم من أن وجهات نظر شرق الآسيويين غير الرسميين غالباً ما تكون أقل استفزازاً من وجهات نظر حكوماتهم، بمعنى أن القلة منهم يجادلون بالرفض الكامل للديمقراطية الليبرالية على الطراز الغربي واستبدالها ببديل شرق آسيوي، إلا أنها قد توفر مساهمات أكثر ديمومة في النقاش. اسمحوا لي أن أشير (بإيجاز) إلى ثلاث حجج شرق آسيوية مقنعة نسبياً حول الخصوصية الثقافية، والتي تتناقض مع الحجج الغربية التقليدية المؤيدة للشمولية الليبرالية (انظر بيل 2006، الفصل 3):
يمكن للعوامل الثقافية أن تؤثر في ترتيب أولويات الحقوق، ويكتسب هذا الأمر أهمية عند تعارض الحقوق ويجب عندها تقرير أي الحقوق سيتعين التضحية بها. بكلمات أخرى، من الممكن أن تصنف المجتمعات المختلفة الحقوق بصورة مختلفة، وحتى في حال واجهت مجموعة متشابهة من الظروف غير المواتية، فقد تتوصل إلى استنتاجات مختلفة حيال الحق الذي يجب تقييده. على سبيل المثال، ربما يكون المواطنون الأميركيون أكثر استعداداً للتضحية بحق اجتماعي أو اقتصادي عند تعارضه مع حق مدني أو سياسي؛ فإذا لم يدعم الدستور أو أغلبية الممثلين المنتخبين ديمقراطياً الوصول الشامل إلى الرعاية الصحية، عندها يمكن تقييد حق الرعاية الصحية بغض النظر عن الدخل. في المقابل، ربما يكون الصينيون أكثر استعداداً للتضحية بالحرية المدنية أو السياسية في الحالات التي تتعارض فيها مع حق اجتماعي أو اقتصادي؛ فمن الممكن أن يحظى تقييد حق تشكيل جمعيات عمالية مستقلة بدعم واسع إذا كانت هذه الخطوة ضرورية لتوفير شروط التنمية الاقتصادية. كما يمكن أن يكون لاختلاف الأولويات الممنوحة للحقوق تأثيراً عندما يجب تقرير كيفية إنفاق الموارد الشحيحة. على سبيل المثال، ستولي المجتمعات شرق الآسيوية ذات الإرث الكونفوشيوسي أهمية كبيرة لقيمة العلم، وقد يساعد ذلك في شرح مقدار الإنفاق الكبير على التعليم مقارنة بغيرها من المجتمعات الأخرى ذات المستويات المشابهة من التنمية الاقتصادية.
يمكن أن تؤثر العوامل الثقافية كذلك على تبرير الحقوق. فتماشياً مع مجادلات الجماعاتيين في ثمانينيات القرن الماضي مثل مايكل والتزر، ثار جدال بأنه لا ينبغي أن تستند تبريرات ممارسات معينة، يقدرها ديمقراطيون ليبراليون على الطراز الغربي، إلى الشمولية المجردة وغير التاريخية التي غالباً ما تعيق الديمقراطيين الليبراليين الغربيين. بل ينبغي أن تُستمد من الداخل، عبر أمثلة محددة واستراتيجيات جدالية يستخدمها سكان شرق آسيا أنفسهم في نقاشهم الأخلاقي والسياسي اليومي. على سبيل المثال، تميل اللغة الأخلاقية (التي يتشاركها حتى بعض النقاد المحليين لللسلطوية) إلى الاستناد إلى قيمة الجماعة في شرق آسيا، وهذا الأمر ذو صلة بالنقاد الاجتماعيين المهتمين بالتأثير العملي. تقول إحدى هذه المجادلات بأنه يمكن تبرير الحقوق الديمقراطية في سنغافورة على أساس أنها تُسهم في تقوية الروابط مع جماعات مثل الأسرة والأمة (انظر القسم الثالث أدناه).
يمكن للعوامل الثقافية أن توفر أسساً أخلاقية لممارسات ومؤسسات سياسية مميزة (أو على الأقل مختلفة عن تلك الموجودة في الديمقراطيات الليبرالية على الطراز الغربي). مثلاً، في مجتمعات شرق آسيا المتأثرة بالكونفوشيوسية، يُعتقد على نطاق واسع بأنه يقع على عاتق الأطفال واجب عميق يتمثل في الاعتناء بأهلهم المسنين، وهو واجب لا يُتخلى عنه إلا في أقصى الظروف الاستثنائية[7]. وهذا يعني في الممارسة السياسية، أن الحكومات في شرق آسيا ملزمة بتوفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسهّل تحقيق هذا الواجب. يميل النقاش السياسي إلى التركيز على مسألة ما إذا كان التحقيق الأفضل لحق بر الوالدين يكون عبر فرض قانون يلزم الأطفال بتقديم الدعم المالي لوالديهم المسنين كما هو الحال في الصين القارية واليابان وسنغافورة، أم يتعين على الدولة زيادة الاعتماد على أساليب غير مباشرة مثل الإعفاءات الضريبية وإعانات الإسكان التي تسهل رعاية المسنين في المنزل، كما هو حال كوريا وهونغ كونغ. أما الجدال بوجود حاجة ملحة لتأمين هذا الواجب ليس موضع خلاف سياسي.
كما دعا مفكرون متأثرون بالتقاليد الثقافية شرق الآسيوية مثل الكونفوشيوسية إلى ممارسات ومؤسسات سياسية مميزة لم تتحقق بعد، تستمد الإلهام من القيم الثقافية السائدة. على سبيل المثال، دعا المفكر الصيني جيانغ كينغ Jiang Qing إلى هيئة تشريعية ثلاثية تناسب السياق الصيني، تتضمن “مجلس الشخصيات المثالية” القائم على الجدارة و”مجلس الاستمرارية الثقافية” اللذان يكملان الهيئة التشريعية الديمقراطية ويوازناها (جيانغ 2012). ويجادل الباحثان الكوريان هام تشايهارك Hahm Chaihark وجونغرين مو Jongryn Mo بضرورة إحياء مؤسسات سلالة تشوسون مثل المحاضرات المتعلقة بالسياسة والرقابة الكونفوشوسية وتكييفها مع العصر الحديث، إذ لعبت هذه المؤسسات التقليدية دوراً في توجيه تعاملات الامبراطور، (هام (تشايهارك) 2003، مو 20003، بيل 2000، الفصل الخامس).
على عكس مفكري الجماعاتية في ثمانينيات القرن الماضي، نجح النقاد شرق الآسيويين الذين ينتقدون الشمولية الليبرالية في الإشارة إلى ممارسات ومؤسسات محددة غير ليبرالية ممكن أن تناسب العالم المعاصر. ربما بعضها لا يلائم سوى المجتمعات ذات التراث الكونفوشيوسي، وقد يقدم بعضها الآخر كذلك رؤى لتخفيف تجاوزات الحداثة الليبرالية في الغرب. ما لا يمكن إنكاره هو أنهم دفعوا النقاش إلى أبعد من البدائل غير المعقولة لليبرالية التي طرحها مفكري الجماعاتية في ثمانينيات القرن الماضي.
مع ذلك، يجدر التأكيد على أن الجماعاتيين المعاصرين لم يكتفوا بالدفاع عن انتماءات ضيقة لأخلاقيات لا ليبرالية معينة. فبدلاً من المجادلة بوجوب استبدال كامل الخطاب الشمولي لحقوق الإنسان بلغة سياسية خاصة مراعية للتقاليد، انتقدوا الليبراليين لعدم أخذهم الشمولية على محمل الجد، ولفشلهم في القيام بما يتوجب عليهم القيام به لجعل حقوق الإنسان مثالاً شمولياً حقيقياً. واقترح هؤلاء الجماعاتيون -دعونا نطلق عليهم اسم “النقاد الأمميون للشمولية الليبرالية”- وسائل متنوعة لتحسين التماسك الفلسفي لحقوق الإنسان والإقبال السياسي عليه.
في الواقع، لم يعد يدور سوى القليل من النقاش حول مجموعة أساسية من حقوق الإنسان، مثل حظر العبودية والإبادة الجماعية والقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي المطوّل والتمييز العنصري الممنهج. فقد أصبحت هذه الحقوق جزءاً من القانون العرفي الدولي، ولم تعد موضع نزاع في الخطاب العام للمجتمع الدولي. بالطبع، يحدث العديد من الانتهاكات الجسيمة التي لا يُصرّح بها، ويقع على عاتق مجموعات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية مهمة فضح الفجوة بين الالتزام العلني بحقوق الإنسان والواقع المؤلم للانتهاكات المستمرة. ومع ذلك، هذا إجراء عملي إلى حد كبير. فلا جدوى تُرجى من الكتابة حول جدارة الممارسات التي يدينها الجميع على مستوى المبدأ، أو تداولها.
لكن يمكن للمفكرين والناشطين السياسيين في جميع أنحاء العالم أن يختلفوا، بل هم يختلفون فعلاً، في موافقهم حول العديد من القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان الملحة الواقعة خارج نطاق ما وصفه والتزر بـ”المدونة الأخلاقية المصغرة والشمولية” (والتزر 1987،24؛ والزر 1994). تتضمن هذ المنطقة الرمادية من النقاش قانون الجريمة وقانون الأسرة وحقوق المرأة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية وحقوق الشعوب الأصلية ومحاولة تعميم الممارسات الديمقراطية ذات الطراز الغربي. والسؤال هو: كيف يمكن توسيع القائمة الحالية المحدودة لحقوق الإنسان العالمية لتشمل بعض هذه الحقوق الخلافية؟
قدم تشارلز تايلور الاقتراح التالي (تايلور 1999). فهو يتخيل حواراً عابراً للثقافات بين ممثلي التقاليد المختلفة. لكنه يقترح أنه يجب على المشاركين السماح بإمكانية وجود خطأ في معتقداتهم، بدلاً من الجدال بالشرعية العالمية لوجهات نظرهم. بهذه الطريقة، يمكن للمشاركين التعلم من “العالم الأخلاقي” لبعضهم البعض. ومع ذلك، سنصل إلى مرحلة لا يمكن التوفيق فيها بين الاختلافات. يدرك تايلور صراحة أنه لا تتوافق وجهات نظر مختلف المجموعات والبلدان والجماعات الأصلية والحضارات الأساسية حول اللاهوت والميتافيزيقا والطبيعة البشرية. رداً على ذلك، يجادل تايلور بأنه لا يمكن أن يتحقق “إجماع حقيقي وغير قسري” على معايير حقوق الإنسان إلا إذا سمحنا بالاختلاف حول المبررات النهائية لتلك المعايير. فبدلاً من الدفاع عن القيم الأساسية موضع الخلاف عند مواجهتنا نقاط مقاومة (وبالتالي إدانة القيم التي لا تعجبنا في المجتمعات الأخرى)، يجب علينا محاولة استخلاص تلك المعتقدات لغرض استنباط “إجماع متداخل” (استعرناه من اصطلاحات رولز عام 1993) حول معايير حقوق الإنسان. وكما يقول تايلور، “سنتفق على المعايير في حين لا نتفق على سبب كونها المعايير الصحيحة، وسنرضى بالعيش في هذا الإجماع، لا تقلقنا اختلافات المعتقد الأساسي العميق” (تايلور 1999، 124).
بينما يُسهم اقتراح تايلور في دفع النقاش المتعلق بحقوق الإنسان العالمية قُدماً، إلا أنه لا يزال يواجه بعض الصعوبات. فمن ناحية، ربما لا يكون من الواقعي توقع جاهزية الأشخاص لاستخلاص القيم التي يهتمون بها اهتماماً بالغاً خلال جلسة نقاش عالمي حول تلك الحقوق. وحتى لو اتفقوا على استخلاص طرق ثقافية محددة لتبرير المعايير وتنفيذها، فإن النتيجة المحتملة هي التراجع إلى نطاق اتفاق عام ومجرد للغاية يفشل في حل الخلافات الفعلية حول الحقوق موضع الخلاف. على سبيل المثال، يمكن أن يتفق المشاركون في حوار عابر للثقافات على الحق في عدم الخضوع لعقوبات قاسية وغير مألوفة في حين يختلفوا اختلافاً جذرياً حول ما يعنيه هذا عملياً؛ إذ يمكن أن يوافق مسلم ملتزم على إمكانية تبرير معاقبة السرقة بقطع اليد اليمنى[8]، في حين سيرغب الليبرالي الغربي في وصف هذا كمثال على عقوبة قاسية وغير مألوفة.
كما رأينا، انتقل النقاش حول الشمولية مقابل الخصوصية من خلافات منهجية تجريدية نوعاً ما بين الفلاسفة الأنجلو-أميركيين إلى خلافات سياسية ملموسة نسبياً بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمسؤولين الحكوميين ونشطاء المنظمات غير الحكومية. تميزت المساهمة الجماعاتية بالتشكيك في النظريات الشمولية المرتكزة حصرياً على أخلاقيات العالم الغربي الليبرالية، بحجة أنه يجب على الخصوصية الثقافية أن تجعل المرء منفتحاً على إمكانية وجود مجالات اختلاف مبررة بين الغرب وباقي دول العالم، وعلى الحاجة إلى المزيد من الحوار العابر للثقافات بغرض تحسين نظام حقوق الإنسان الحالي الهش. وأضفت مساهمات متنوعة من شرق آسيا وغيرها معنى على هذه التحديات التي تواجهها الشمولية الليبرالية. على أي حال، دعونا ننتقل الآن إلى المجال الرئيسي الثاني للجدل الدائر بين الليبراليين والجماعاتيين؛ وهو النقاش حول الذات والذي انتقل بدوره من الفلسفة إلى السياسة.
2. النقاش حول الذات في الجماعاتية
جادل المفكرون الجماعاتيون في ثمانينات القرن الماضي، أمثال مايكل ساندل وتشارلز تايلور، بأن الليبرالية الرولزية ترتكز على فهم فرداني مفرط للذات. فبينما يجادل رولز بأن لدينا مصلحة عليا في تشكيل مخططات حياتنا الخاصة والسعي لتحقيقها ومراجعتها، يتجاهل واقع أن ذواتنا تميل إلى أن تعرّفها أو تشكلها ارتباطات جماعية متنوعة وثيقة الصلة بنا (مثل الروابط الأسرية أو التقليد الديني) بحيث لا يمكن التخلي عنها إلا بتكلفة باهظة، إن أمكننا ذلك أصلاً. قادت هذه الرؤية إلى وجهة النظر القائلة إنه لا يجب أن ينصب اهتمام السياسة على تأمين الظروف التي تمكّن الأفراد من ممارسة قدرتهم على الاختيار المستقل فقط، بل نحتاج كذلك إلى الحفاظ على الارتباطات الاجتماعية الضرورية لإحساسنا بالرفاهية والاحترام وتعزيزها، والتي اكتسبنا العديد منها لا إرادياً خلال فترة تنشئتنا. ولكن لنراجع، أولاً، النقاش الأنطولوجي (الوجودي) أو الميتافيزيقي حول الذات والذي أدى إلى هذه النتيجة السياسية.
اعترض تشارلز تايلور، في مقالة مؤثرة بعنوان “المذهب الذري”، على وجهة النظر الليبرالية القائلة إن “الناس يستطيعون الاستغناء عن المجتمع” (تايلور 1985، 2000). فهو يدافع، بدلاً من ذلك، عن وجهة النظر الأرسطية القائلة إن “الإنسان حيوان اجتماعي، وفي الواقع حيوان سياسي، لأنه ليس مكتفياً ذاتياً لوحده، وبمعنى مهم ليس مكتفياً ذاتياً خارج إطار المدينة-الدولة (البوليس)” (تايلور 1985، 190). علاوة على ذلك، قد تقوّض وجهة النظر الذرية هذه عن الذات المجتمع الليبرالي، لأنها لا تدرك إلى أي مدى يفترض المذهب الليبرالي سياقاً يكون الأفراد فيه أعضاء في مجتمع يعزز قيماً معينة مثل الحرية والتنوع الفردي ويلتزم بها. ولحسن الحظ، لا ينظر معظم الناس في المجتمعات الليبرالية إلى أنفسهم على أنهم ذوات ذرية منعزلة.
لكن هل يدافع المفكرون الليبراليون فعلاً عن فكرة أن الذات تُخلق من العدم خارج أي سياق اجتماعي، وأنه يمكن للبشر أن يوجَدوا (ويزدهروا) بمعزل عن جميع السياقات الاجتماعية؟ في الواقع، كانت مقالة تايلور موجهة للمفكر الليبرالي روبرت نوزيك Robert Nozick. وكما يتضح، لم ينطبق النقد الجماعاتي للذات الذرية على الليبرالية الرولزية؛ إذ يولي رولز، في الجزء الثالث من كتاب نظرية العدالة، اهتماماً بالغاً بالظروف النفسية والاجتماعية التي تسهّل تشكيل ذوات ليبرالية ملتزمة بالعدالة (ليفيفري 2024). إلا أن القليل من القراء وصلوا إلى الجزء الثالث من مجلد رولز الضخم، لذا حصل الجماعاتيون على قدر لا بأس به من المنفعة من نقدهم للمذهب الذري الليبرالي. ومع ذلك، لم يثبت هذا الاتهام.
على الرغم من أن الليبراليين لم يدّعوا أن الأفراد قادرون على التحرر تماماً من سياقهم الاجتماعي، إلا أن التقييم الليبرالي لمبدأ الاختيار ظل يوحي بصورة لذاتٍ تفرض إرادتها على العالم[9]. جادل الجماعاتيون، مستندين إلى رؤى هايدغر Heidegger وفيتجنشتاين Wittgenstein، بأن وجهة النظر هذه تتجاهل حقيقة أن الأفراد فاعلون متجسدون في هذا العالم. في الواقع، وبعيداً عن التصرف بطرق مصممة لتحقيق خطة حياة وضعها الأفراد بصورة مستقلة، فإن هناك أنماط روتينية وعادات غير مختارة تظل تعمل كخلفية تنظم سلوكنا وتتحكم في معظم جوانب حياتنا. فغالباً ما نتصرف، عندما نمشي أو نلبس أو نلعب أو نتحدث، إلى ما هناك من التصرفات، بطرق تحددها خلفيتنا الاجتماعية بدون أن نكون قد صغنا أهدافاً أو اتخذنا خيارات. وفقط عندما تخرج الأمور عن مسارها اليومي المألوف غير المختار، نبدأ في النظر إلى ذواتنا على أننا فاعلون نتعامل مع العالم الخارجي، ومتمرسون على صياغة عدة طرق لتنفيذ أهدافنا، والاختيار من بين تلك الطرق، وتحمّل المسؤولية عن نتائج تصرفاتنا. بكلمات أخرى، لا تظهر القصدية التقليدية إلا عندما تصبح طرقنا المعتادة في التعامل مع الأمور غير كافية. لذا، نمط التعطل هذا هو ما نميل إلى ملاحظته، ولهذا يجادل الفلاسفة بأن معظم تصرفاتنا تنتج عن عمليات تأملية. التقط الليبراليون هذا الافتراض الخاطئ، فطرحوا فكرة تتمحور حول ذات تسعى إلى تحقيق خطة حياة وضعتها بصورة مستقلة، متناسين أن التفكير النقدي في أهداف المرء ما هو إلا إمكانية واحدة تنشأ عندما تعجز الطرق الاعتيادية في التعامل مع الأمور عن إنجاز ما نريد.
رد بعض الليبراليين بالاعتراف بأن معظم جوانب حياتنا تحكمها عادات وأنماط روتينية غير مختارة، وأن نمط الذات القائمة على الخيارات المدروسة التي تتطلب جهداً قد يكون استثناءً وليس القاعدة. ومع ذلك، يؤكدون على أن المبرر الأساسي للسياسات الليبرالية المهتمة بصورة أساسية بتأمين الظروف المناسبة للأفراد ليعيشوا حياة مستقلة يرتكز على إمكانية تقرير المصير المعياري ومرغوبيته، أي على أهمية اتخاذ القرارات فيما يتعلق بالأمور التي نقدّرها (دوبيلت Doppelt 1989). صحيح أن هناك بعض الممارسات الجماعية التي غالباً ما توجه سلوكنا دون علمنا، إلا أن ذلك لا يعني وجوب تقدير تلك الممارسات أو تأييدها بوعي في لحظات حياتنا غير الاعتيادية، ناهيك عن أنه يجب على الحكومة تعزيز هذه الممارسات بطريقة أو بأخرى. وما يهم الليبراليين في النهاية هو توفير الحقوق والصلاحيات والفرص التي يحتاجها الأفراد لتطوير تصوراتهم الخاصة عن الحياة الجيدة وتحقيقها.
مع ذلك، يبدو أن هذه الرؤية المشروطة عن الذات الليبرالية لا تزال تلمّح إلى أن وجهات النظر الأخلاقية هي نتاج الخيار الفردي، أو يجب أن تكون كذلك. يمكن أن يجيب الجماعاتيون بأن عالم الفرد الاجتماعي لا يقدم مجرد ممارسات اجتماعية غير متعلقة بالأخلاق مثل آداب المائدة ومعايير النطق السليم؛ بل يوفر كذلك نوعاً من التوجيه في الفضاء الأخلاقي. فلا يمكننا فهم معنى تجربتنا الأخلاقية إلا إذا وضعنا أنفسنا ضمن هذا الفضاء الأخلاقي المعطى، وضمن الآفاق الأخلاقية المسيطرة. ما يدعوه تشارلز تايلور “المصالح العليا الأكثر تقديراً” (تايلور 1989) -أي المصالح التي يجب أن نشعر بالالتزام تجاهها، والتي تولّد فينا التزامات أخلاقية تجاهها بغض النظر عن تفضيلاتنا الفعلية- ليست من ابتكار الأفراد بأي شكل، بل هي متوضعة ضمن العالم الاجتماعي الذي يقدم للفرد إطاراً للتمييز بين المصالح العليا والدنيا. بالتالي، لا يستطيع المثال الليبرالي عن ذات تبتكر بحرية وجهة نظرها الأخلاقية الخاصة بها أو فهمها الخاص للمصالح، أن ينصف تجربتنا الأخلاقية الفعلية.
لكن، مرة أخرى، لا يحتاج الليبراليون إلى إنكار افتراض أن عالمنا الاجتماعي يقدم إطاراً للتمييز بين المصالح العليا والدنيا، ولا ينبغي افتراض أننا مضطرين إلى اعتبار وجهة نظرنا الأخلاقية الخاصة بنا كابتكار حر. على سبيل المثال، يعترف ويل كيمليكا Will Kymlicka صراحة أن الأمور تكتسب قيمتها بالنسبة لنا بقدر ما تمنحها ثقافتنا أهمية، وبقدر ما تتلاءم مع نمط النشاطات التي يعترف بها أولئك الذين يتشاركون شكلاً معيناً من الحياة كطريقة لعيش حياة جيدة (كيمليكا 1989، 166). مع ذلك، لا يقوّض كون عالم المرء الاجتماعي يقدم مساحة من الأمور التي تستحق القيام بها أو تحقيقها أو وجودها التأكيد الليبرالي على الاستقلالية، لأنه لا يزال هناك حيز كبير للخيار الفردي ضمن هذا الإطار. ولا تزال أفضل حياة هي التي يختار الفرد فيها ما يستحق القيام به أو تحقيقه أو وجوده، على الرغم من أن هذا الخيار قد يتوجب اتخاذه ضمن إطار معين يكون هو نفسه غير مختار.
يمكن أن يرد الجماعاتيون بطرح الشكوك حول وجهة النظر القائلة إن الخيار قيّم بذاته، أي أن بروز أهمية مبدأ أخلاقي ما أو ارتباط جماعي معين يكون ببساطة نتيجة وقوع اختيار الذات الفردية عليه بعد تأمل البدائل المتاحة. إذا كان لنا اهتمام عالي المستوى في اختيار مشاريعنا المركزية وخطط حياتنا، بغض النظر عما اخترناه، سيترتب على ذلك وجود خلل جوهري في الارتباطات والمشاريع التي لم يقع اختيارنا عليها. إلا أن هذه النظرة تتعارض مع فهمنا الفعلي لأنفسنا. إذ يقول مايكل ساندل: عادة ما نفكر في أنفسنا “كأعضاء في هذه العائلة أو الجماعة أو الأمة أو الشعب، وكحاملي هذا التاريخ، وكأبناء أو بنات تلك الثورة، وكمواطنين في هذه الجمهورية” (ساندل 1981، 179)، وهي ارتباطات اجتماعية غالباً ما نكتسبها لا إرادياً خلال فترة تنشئتنا، ولا يلعب الخيار العقلاني أي دور فيها على الإطلاق. فأنا لم أختر أن أحب أمي وأبي، أو أن أهتم بالحي الذي نشأت فيه، أو أن أكن مشاعر خاصة لأبناء بلدي، ومن الصعب فهم لماذا يعتقد الآخرون أني اخترت هذه الارتباطات، أو أنني كان يجب على القيام بهذا الاختيار. في الواقع، قد يكون هناك شيء من الاستهجان حيال شخص يشكك بأمور يهتم بها بعمق؛ بالتأكيد، لا يدوم الزواج طويلاً في حال كانت المفاهيم الأساسية المتعلقة بالحب والثقة مطروحة للنقاش باستمرار! كما أنه ليس من الواضح، على سبيل المثال، أن يكون شخص ما يقوم بعمل صالح بعد حساب مطول للمزايا والعيوب أرفع أخلاقياً من شخص على شاكلة الأم تيريزا، يعمل بصورة تلقائية وغير متكلفة من أجل مصلحة الآخرين.
يمكن أن يرد الليبراليين بأن القضية الحقيقة لا تكمن في مرغوبية الخيار، بل في إمكانية اتخاذه. ربما يكون هناك بعض الارتباطات غير المختارة التي لا تحتاج إلى التفكير النقدي فيها أو تأييدها، وربما يصل الأمر إلى أنه يمكن أن يؤدي في المبالغة في التفكير في الأمور التي نهتم بها أحياناً إلى نتائج عكسية. إلا أن بعض غاياتنا قد تكون إشكالية، ولهذا السبب لدينا مصلحة أساسية في أن نكون قادرين على التشكيك فيها ومراجعتها. الأهم ليس اختيار خطة حياتنا الخاصة بنا؛ بل إن الليبرالية المؤسسة على قيمة تقرير المصير تتطلب أن نكون قادرين على تقييم غاياتنا نقدياً إن دعت الحاجة، وبالتالي “لا يوجد هدف أو غاية في مأمن من إعادة التفحص المحتملة” (كيمليكا 1989، 52؛ دوركن 1989، 489؛ ماسيدو1990، 247). على سبيل المثال، يوجد لدى المرأة المضطهدة مصلحة أساسية في أن تكون قادرة على التفكير النقدي في الفهم التقليدي لما تعنيه أن تكون زوجة وأم صالحة، وسيكون من الظلم تقييد حريتها في المراجعة الجذرية لخططها.
لكن هذا الرد لا يزال يترك الباب مفتوحاً أمام تحد عميق للأسس الليبرالية. ربما نستطيع إعادة تفحص بعض الارتباطات، لكن مشكلة الليبرالية تكمن في وجود ارتباطات أخرى جوهرية في هويتنا لا يمكن تجاهلها، وأن أي محاولة للقيام بذلك ستتسبب بضرر نفسي جسيم ربما لا يمكن إصلاحه. في الواقع، لا يتطلب هذا التحدي الموجّه لليبرالية سوى أن يكون الجماعاتيون قادرين على تحديد إحدى الغايات أو الارتباطات الاجتماعية التي تشكل جزءاً تأسيسياً من هوية المرء لدرجة أنها لا يمكن مراجعتها أو رفضها. على سبيل المثال، ربما يريد أحد المحللين النفسيين المجادلة بأنه من المستحيل اختيار (على الأقل في بعض الحالات) التخلي عن الارتباط الذي يشعر به الفرد نحو والدته، وأن المحاولة قد تقود إلى عواقب معاكسة وغير مقصودة. وربما تشير إحدى المنظرات النسويات إلى العلاقة بين الأم والطفل كمثال على الميزة التأسيسية لهوية الشخص وتجادل بأن أي محاولة لإنكار هذا ستفشل في مراعاة احتياجات النساء وتجاربها الخاصة (فريزر ولاسي Frazer & Lacey 1993، 53-60). وربما يجادل خبير بعالم الإنسان (عالم أنثروبولوجيا)، استناداً إلى ملاحظات ميدانية، بأنه من المستحيل لشخص من شعب الإنويت Inuit القاطن أقصى شمال كندا أن يقرر فجأة التخلي عن هويته الإنويتية، والرد المنطقي الوحيد هو الاعتراف بهذه الميزة التأسيسية لهويته وقبولها. أو ربما يدّعي ناشط في مجال تحرر المثليين بأنه من المستحيل وغير المرغوب به بالنسبة إلى المثليين أن يكبتوا هويتهم الجنسية الممنوحة بيولوجياً. هذه الحجج ليست غير قابلة للتصديق، ويبدو أنها تتحدى وجهة النظر الليبرالية القائلة بأنه لا ينبغي أن تكون هناك غاية أو التزام محدد بعيداً عن التفكير النقدي وخارج إطار المراجعة.
لنفترض أننا نستطيع تحديد ارتباط معين راسخ الجذور لدرجة يستحيل معها فعلاً إدراكه بوعي كامل، وفي نفس الوقت بالغ الأهمية لسلامة الفرد لدرجة أن التخلي عن الالتزام بصالحه لا يكون إلا على حساب إصابته باضطراب نفسي خطير. هذه الغاية تتجاوز حدود التغيير الإرادي، ومن يتخلّ عن الالتزام بها يدفع الثمن غرقاً في حالة من التشتت يعجز فيها عن اتخاذ موقف حيال العديد من الأمور المهمة (تايلور 1989، 26-7). هل هذا يهدد فعلاً السياسة الليبرالية؟ ربما، في حال كانت السياسة الليبرالية تعتمد فعلاً على الذات الليبرالية. لحسن الحظ، هذا ليس واقع الحال. إذ يبدو للعيان، عند إعادة قراءة بعض النصوص الجماعاتية من ثمانينيات القرن العشرين، انتشار افتراض بأنه بمجرد اكتشافك الأسس الخاطئة المتعلقة بالذات الليبرالية، فإن الصرح الليبرالي سينهار بأكمله. فالمهمة إذاً هي نقد الفلسفة الكامنة وراء الذات، وكسب الأشخاص إلى جانبك، وعندها يمكنك الانتقال إلى مجتمع جماعاتي جديد تماماً لا يدين بأي شيء إلى التقليد الليبرالي. لا بد أن ذلك كان وقتاً مبهجاً للثوريين الطامحين، لكن سرعان ما أدرك الجماعاتيون الأكثر حصافة أن الإطاحة بالحقوق الليبرالية لم تكن مطلقاً جزءاً من جدول أعمالهم. فحتى لو أخطأ الليبراليون بإنكارهم وجود غايات تأسيسية -وحتى لو كانت التبريرات الفلسفية لشكل التنظيم الاجتماعي الليبرالي القائم على قيمة الخيار التأملي متعفنة حتى النخاع- لا يزال هناك أسباب عملية نسبياً للاهتمام بالحقوق في العالم الحديث. من بين بعض أبرز منافع الحقوق الليبرالية، أنها غالباً ما تسهم في بسط الأمن والاستقرار السياسي والتحديث الاقتصادي.
باختصار، يبدو أن النقاش حول الذات برمته كان خاطئاً إلى حد ما. فالليبراليين أخطأوا في اعتقادهم بأنهم بحاجة إلى تقديم فلسفات راسخة عن الذات لتبرير السياسة الليبرالية، وأخطأ الجماعاتيون في اعتقادهم بأن تحدي تلك الأسس كاف لتقويضها. وليس من المستغرب أن كلا الجانبين سرعان ما تعبا من نقاش محاسن ومساوئ الذات الليبرالية. بحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين، تلاشى هذا النقاش بين الليبراليين والجماعاتيين حول الذات فعلياً عن الأنظار في الفلسفة الأنجلو-أميركية[10].
إذن، ما الذي تبقّى من الفهم الجماعاتي للذات؟ ربما ما يميز الجماعاتيين هو أنهم أكثر ميلاً إلى الجدال بأن للأفراد مصلحة حيوية في عيش حياة كريمة، مع ما تنطوي عليه سياسياً من ضرورة دعم الارتباطات الجماعية الضرورية لشعورنا بالرفاهية وتعزيزيها. وهذا لا يعني بالضرورة تحدي وجهة النظر الليبرالية القائلة إنه يمكن أن تكون بعض ارتباطاتنا الجماعية إشكالية وربما تحتاج إلى تغيير، وبالتالي فإن على الدولة حماية قدراتنا على تشكيل خطط حياتنا والسعي لتحقيقها ومراجعتها. إلا أن مصلحتنا في الجماعة قد تتعارض أحياناً مع مصلحتنا الحيوية الأخرى في عيش حياتنا التي نختارها بحرية، والرؤية الجماعاتية تقول إن المصلحة الأخيرة لا تتفوق تلقائياً على المصلحة الأولى في حالات التعارض. في المسار المستمر بين الحرية والجماعة، يميل الجماعاتيون أكثر إلى وضع حد فاصل لصالح المصلحة الأخيرة.
غير أن حل هذه التعارضات لا يتأتى من الحل النظري وحده. فالحسم مرهون بالتحليل التجريبي للسياسات الفعلية؛ فإلى أي مدى تهدد السياسات الليبرالية المفرطة فعلاً مصالحنا في الجماعة، وإلى أي مدى يمكن للدولة أن تلعب دوراً في معالجة الوضع، وإلى أي مدى يجب ترك مهمة تعزيز الروابط الجماعاتية إلى المجتمع المدني، وغيرها من التساؤلات. هذا ما سلط الجماعاتيون السياسيون الضوء عليه في العقد الماضي. دعونا نتحول الآن إلى سياسات الجماعة، التي تشكل المحور الثالث الرئيسي للفكر الجماعاتي.
3. سياسات الجماعاتية
بالنظر إلى الماضي، يبدو من الواضح أن المشاغل الفلسفية لم تحفز النقد الجماعاتي للمذهب الليبرالي بقدر ما حفزتهم المشاغل السياسية الضاغطة، وتحديداً الآثار الاجتماعية والنفسية السلبية المرتبطة بالتوجهات الذرية في المجتمعات الليبرالية الحديثة. بكلمات أخرى، مهما كان صواب المبادئ الليبرالية، فالحقيقة تبقى أنه يبدو أن العديد من الجماعاتيين قلقين من تصور أن المؤسسات والممارسات الليبرالية التقليدية ساهمت في نشوء ظواهر حديثة مثل العزوف عن العملية السياسية والجشع الجامح والشعور بالوحدة والجريمة الحضرية وارتفاع معدلات الطلاق، أو على الأقل لم تكن على قدر تحمل مسؤولية التعامل معها. ونظراً إلى خطورة هذه المشكلات في الولايات المتحدة، ربما كان من المحتم أن تتحول الموجة الثانية من جماعاتيي تسعينيات القرن العشرين، أمثال أميتاي إتزيوني Amitai Etzioni (1929-2023) وويليام غالستون William Galston، إلى مجال سياسي أكثر عملية عبر التأكيد على المسؤولية الاجتماعية وتعزيز السياسات الهادفة إلى وقف تراجع الحياة الجماعية في مجتمع يزداد تشرذمه باستمرار[11]. نُشر كثير من هذا الفكر في الدورية الجماعاتية الرائدة، الجماعة المنفتحةTheResponsive Community، التي حررها أميتاي إتزيوني وتضمنت مساهمات مجموعة نخبوية من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وصناع السياسة العامة [ولكن للأسف، أوقفت هذه الدورية عملها في عام 2004 لأسباب مالية]. كما كان إتزيوني مديراً لمركز أبحاث معهد دراسات السياسية الجماعاتيةInstitute for Communitarian Policy Studies، الذي يصدر أوراق بحثية ويقدم الاستشارات للمسؤولين الحكوميين في واشنطن[12].
يلوم هؤلاء الجماعاتيون السياسيون كل من اليسار واليمين على ضائقتنا الحالية. فاليسار السياسي ملام بسبب دعمه لحقوق الرعاية غير المستدامة اقتصادياً في عصر النمو البطيء والشيخوخة السكانية، وكذلك بسبب تحويله السلطة بعيداً عن الجماعات المحلية والمؤسسات الديمقراطية نحو بنى بيروقراطية مركزية ذات قدرة أفضل على إدارة توزيع عادل ومتساو للمنافع، مما أدى بالتالي إلى تنامي الشعور بالعجز والعزوف عن العملية السياسية. علاوة على ذلك، تقوّض دولة الرعاية الحديثة، بمنطقها الشمولي في الحقوق والاستحقاقات، الروابط الأسرية والاجتماعية عبر جعل الالتزامات تجاه الجماعات المحلية غير ضرورية، وعبر تثبيط الجهود الخاصة لمساعدة الآخرين (مثل قوانين النقابات والأنظمة الصارمة في السويد التي تمنع الأهل من المساعدة طوعياً في إدارة بعض مراكز الحضانة النهارية التي يرسلون أطفالهم إليها)، بل وعبر تقديم حوافز تثبط تشكيل الأسر (على سبيل المثال، تُقتطع مدفوعات الرعاية في العديد من الولايات الأميركية من حساب المستفيد في حال تزوجه من شخص عامل)، وتشجع تفكك الأسر (على سبيل المثال، غالباً ما يكون الطلاق بالتراضي في الولايات المتحدة مجزياً مالياً للوالد غير الحاضن، وعادة ما يكون الوالد).
ساهمت الحلول الليبرالية التي يفضلها اليمين السياسي على نحو مباشر أكثر في تراجع المسؤوليات الاجتماعية وأشكال الحياة الجماعية القيّمة، وخاصة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. فبدلاً من أن تسفر الحلول السياسية عن عواقب جماعية نفعية، نجد أن اليد الخفية لرأسمالية السوق الحرة غير المنتظمة تقوّض الأسرة (مثال على ذلك، قلة من الشركات تقدم إجازات كافية للوالدين عند قدوم مولود جديد)، وتعطل الجماعات المحلية (مثال على ذلك، بعد إغلاق المصانع أو نقل المقرات الرئيسية للشركات)، وتفسد العملية السياسية (مثال على ذلك، غالباً ما يعتمد السياسيون الأميركيون على مجموعات المصالح الاقتصادية لضمان بقائهم السياسي، مما يترتب عليه أنهم لم يعودوا يمثلون الجماعة ككل). علاوة على ذلك، برّر تثمين الجشع في عهد تاتشر وريغان توسع الاعتبارات العملية التي تحكم العلاقات في السوق إلى مجالات كانت تدار سابقاً بمبدأ التبادل غير المحسوب والالتزام المدني. وتعزَّز هذا التوجه مع تصاعد العولمة، التي تضغط على الدول للتقيد بإملاءات السوق العالمية.
وفي السياق الأميركي تحديداً، يدين مفكرون جماعاتيون مثل ماري آن غليندون Mary Ann Glendon نسخة جديدة من الخطاب الحقوقي هيمنت مؤخراً (غليندون 1991). فبينما كانت المطالبة بالحقوق تقتصر سابقاً على قضايا تتعلق بالمصلحة الإنسانية الجوهرية، سيطر خطاب الحقوق الصارم على الخطاب السياسي المعاصر، ما أدى إلى تضييق مساحة النقاش والتسويات العقلانية، وتبرير إهمال المسؤوليات الاجتماعية التي بدونها لن يكون للمجتمع وظيفة، وإضعاف جميع المطالبات بالحقوق في نهاية المطاف عبر تقليص قيمة الحقوق المهمة فعلاً.
لمعالجة هذا الخلل بين الحقوق والمسؤوليات في الولايات المتحدة، اقترح الجماعاتيون السياسيون إجراء تجميد مؤقت لإنتاج حقوق جديدة وتغيير “عاداتنا المحببة” من التركيز المفرط على تحقيق الذات نحو الاهتمام بتعزيز الأُسر والمدارس والأحياء والحياة السياسية الوطنية، وأن تدعم هذا التغيير بعض السياسات العامة. لاحِظ أن هذا الاقتراح يسلم جدلاً بوجود الحريات المدنية والسياسية الأساسية فعلاً، مما يخفف من القلق الناجم عن الاعتقاد بأن الجماعاتيين ينزلقون نحو الاستبدادية. مع ذلك، تراجع المفكرون الجماعاتيون رويداً رويداً عن المطالبة بالتجميد المؤقت لإصدار حقوق جديدة، وربما ذلك بسبب الإجماع المتزايد بأن المجموعات المهمشة، مثل الأزواج المثليين الساعين إلى الحصول على حق الزواج المعترف به قانونياً، لديهم حق مشروع في المطالبة بحقوق جديدة (ماسيدو، 2015)، وأنهم سيدفعون ثمن تجاوزات الآخرين إذا وُضع التجميد المؤقت قيد التنفيذ.
لكن الأمر الأخطر من وجهة نظر أولئك المتعاطفين عموماً مع المطامح الجماعاتية هو التساؤل حول ما علاقة كل هذا تحديداً بالجماعة. فمن جهة، سعى إتزيوني نفسه إلى تبرير سياسته بالإشارة إلى ضرورة الحفاظ على التوازن بين النظام الاجتماعي والحرية، (إتزيوني 1996) بدلاً من الاحتكام إلى أهمية الجماعة. لكن لا يتميز الجماعاتيون عن غيرهم بالانشغال بالنظام الاجتماعي، فقد أكد الليبراليون مثل جون ستيوارت ميل John Stuart Mill والمحافظين البوركينيين Burkean على الحاجة إلى النظام. وعندما يستخدم الجماعاتيون السياسيون مصطلح الجماعة، يبدو أنه يعني أي شيء يريدونه. والأسوأ، حسب ما تجادل إليزابيث فريزر Elizabeth Frazer، هو أنه غالباً ما يُستخدم لتبرير الترتيبات الهرمية ونزع الشرعية عن مناطق النزاع والتنافس في المجتمعات الحديثة (فريزر 1999).
مع ذلك، من الممكن فهم مصطلح الجماعة كمثال معياري[13]. فالجماعاتيين ينطلقون من افتراض الحاجة إلى اختبار حياتنا بوصفها مترابطة مع صالح الجماعات التي تشكلت منها هوياتنا. هذا يستثني الارتباطات العرضية مثل عضوية نادي الغولف، التي لا تؤثر عادة على شعور الفرد بهويته ورفاهيته (يستخدم مؤلفو كتاب عادات محببة (بيلا وآخرون، 1985) مصطلح “معاقل أنماط الحياة” لوصف هذه الارتباطات). لكن وعلى عكس المدافعين ما قبل الحداثيين عن الجماعة العضوية، يفترض الجماعاتيون أن هناك العديد من أشكال الحياة الاجتماعية القيّمة في العالم الحديث. إذاً، يتمثل المشروع السياسي الجماعاتي المميز في تحديد الأشكال الجماعية القيّمة وصياغة سياسة تهدف إلى حمايتها وتعزيزها، دون التضحية بالكثير من الحرية. عادة ما يستحضر الجماعاتيون الأنماط التالية من الجماعات:
جماعات المكان، أو الجماعات القائمة على الموقع الجغرافي. ربما هذا المعنى هو الأكثر شيوعاً لكلمة جماعة. فالجماعة ترتبط ضمن هذا الإطار بالمكانية، بالمعنى المادي والجغرافي للجماعة التي تموضعت في مكان ما. وبمكن أن تشير إلى قرية صغيرة أو مدينة كبيرة. كما أن لجماعة المكان بعداً عاطفياً؛ فهي تشير إلى المكان الذي يدعوه المرء بـ”الوطن” وهو غالباً ما يكون المكان الذي وُلد فيه المرء وترعرع، والمكان الذي يرغب أن يقصي بقية حياته فيه حتى لو غادره وهو بالغ. على أقل تقدير، يفترض الجماعاتيون وجود مصلحة في التماهي مع محيطهم المألوف.
من حيث الآثار السياسية، هذا يعني على سبيل المثال، أن على السلطات السياسية أن تأخذ في عين الاعتبار الطابع القائم للجماعة المحلية عند النظر في خطط التنمية؛ وثّقت جين جاكوبز Gane Jacobs بصورة بارزة الآثار السلبية لهدم المباني المتهالكة بدلاً من ترميمها، واستبدالها بمجمعات سكنية لذوي الدخل المحدود ملائمة وظيفياً ولكنها تفتقر إلى الطابع المميز (جاكوبز 1965). حتى المدن الكبرى يمكنها، ويجب عليها، أن تسعى إلى الحفاظ على روح الجماعة المميزة وتعزيزها (بيل ودي شاليت Bell and de-Shalit 2011). تتضمن الاقتراحات الأخرى لحماية جماعات المكان ما يلي: منح مجالس الجماعات حق النقض تجاه مشاريع البناء التي تفشل في احترام الأنماط المعمارية الموجودة؛ وسن قوانين تنظم إغلاق المصانع لحماية الجماعات المحلية من آثار حركة رأس المال السريعة والتغير الصناعي المفاجئ، وتشجيع الملكية المحلية للشركات (شومان Shumman 1999)؛ وفرض شروط على منافذ الخصم واسعة النطاق مثل وولمارت التي تهدد بإغلاق محلات التجزئة المتفرقة والمتنوعة المملوكة عائلياً ومحلياً.
جماعات الذاكرة، أو مجموعات الغرباء الذين يتشاركون تاريخاً ذا دلالة أخلاقية. يشير هذا المصطلح، الذي استخدمه أول مرة مؤلف كتاب عادات محببة، إلى جماعات متخيلة لها تاريخ مشترك يمتد إلى عدة أجيال. تحولنا هذه الجماعات نحو المستقبل، إلى جانب ربطنا بالماضي؛ إذ يسعى الأعضاء إلى تحقيق المثاليات والطموحات المتأصلة في التجارب السابقة لتلك الجماعات، ويعتبرون جهودهم المبذولة، جزئياً، مساهمات في الصالح العام. وهم يوفرون مصدراً للمعنى والأمل في حياة الناس. بعض الأمثلة النموذجية على جماعة الذاكرة، الأمة والمجموعات العرقية والثقافية القائمة على اللغة.
يُترجم هذا عادة في الديمقراطيات الليبرالية الغربية في صورة ممارسات متنوعة لبناء الأمة تهدف إلى تعزيز أواصر القواسم المشتركة التي تربط الأشخاص بأممهم، مثل الخدمة الوطنية ودروس التاريخ الوطني في المناهج المدرسية. يشدد من يطلقون على أنفسهم الجمهوريين، أمثال مايكل ساندل، على الجماعة السياسية الوطنية، ويدعون إلى اتخاذ تدابير تزيد من المشاركة المدنية والروح الوطنية (ساندل 1996). مع ذلك، هناك اعتراف متزايد بالطبيعة متعددة الأمم للدول الحديثة، ويجب على الدول الغربية الحديثة أن تحاول كذلك إفساح المجال أمام الحقوق السياسية للمجموعات الأقليات. نوقشت هذه التدابير السياسية على نطاق واسع في الأدبيات الحديثة عن القومية والمواطنة والتعددية الثقافية (كيمليكا 1995، وميلر 1995، وماسيدو 2000، وتامر 1993).
الجماعات النفسية، أو جماعات التفاعل الشخصي المباشر التي تحكمها مشاعر الثقة والتعاون والإيثار. يشير هذا إلى مجموعة من الأشخاص الذين يتشاركون نشاط مشترك ويختبرون شعور التكاتف النفسي في أثناء سعيهم إلى تحقيق غايات مشتركة. مثل هذه الجماعات، القائمة على التفاعل المباشر، تحكمها مشاعر الثقة والتعاون والإيثار، بمعنى أن أعضائها المكونين يضعون صالح المجموعة نصب أعينهم ويتصرفون بما يخدم مصلحتها. تختلف هذه الجماعات عن جماعات المكان بأنها لا تُعرّف بالضرورة بالمكانية أو التقاربية. وتختلف عن جماعات الذاكرة بأنها “حقيقية” أكثر، فهي تقوم عادة على التفاعل الاجتماعي المباشر في فترة زمنية محددة، وبالتالي تميل إلى أن تكون محدودة الحجم[14]. تعد الأسرة المثال النموذجي عليها. ومن الأمثلة الأخرى نذكر بيئات العمل أو الدراسة ضيق النطاق القائمة على الثقة والتعاون الاجتماعي.
يميل الجماعاتيون إلى تفضيل السياسات المعدة لحماية روابط العائلة والمجموعات الشبيهة بها وتعزيزها. وهذا يشمل تدابير مثل تشجيع الزواج وتعقيد إجراءات الطلاق القانونية. وتُدعم هذه السياسات بأدلة تجريبية تشير إلى المنافع النفسية والاجتماعية للزواج (ويت Waite 1966). كما يفضل الجماعاتيون التشريعات السياسية التي يمكن أن تساعد في إعادة هيكلة التعليم بطريقة تُصقل فيها عند الصغار أعمق احتياجات الأشخاص المتمثلة في الانتماء والمساهمة في الجماعات النفسية. يمكن أن يكون نظام المدرسة الابتدائية في اليابان، حيث يتعلم الطلاب التعاون الجماعي وتخصص الجوائز والمكافآت للصف بأكمله وليس للطلاب منفردين، نموذجاً مفيداً (ريد Reid 1999).
ما يميز المشروع السياسي الجماعاتي هو أنه يتضمن تعزيز أشكال الحياة الجماعية الثلاثة القيّمة. إلا أن هذا يثير القلق حول أن السعي لتحقيق صالح الجماعات المتنوعة قد يتعارض في الممارسة. على سبيل المثال، دعا إتزيوني إلى مجموعة واسعة من التدابير الداعمة للأسرة؛ مثل أنه ينبغي على الآباء والأمهات تكريس مزيد من الوقت والجهد لتربية الأبناء (نظراً لقصور معظم مراكز الرعاية في رعايتهم)، كما ينبغي على النقابات العمالية وأصحاب العمل تسهيل عمل الوالدين من المنزل، ويجب على الحكومة إجبار الشركات تقديم إجازة أمومة ستة شهور مدفوعة الأجر وسنة غير مدفوعة الأجر (إتزيوني 1993، الفصل الثاني وإتزيوني 1996، الفصل السادس). ومن المرجح أن يتجلى التأثير المشترك لهذه التغييرات في القناعات الشخصية والسياسات العامة في تحويل المواطنين إلى أشخاص منغمسين في شؤونهم الخاصة، وتركيزهم منصب على الأسرة.
ولكن إتزيوني جادل كذلك بأن النظام السياسي الأميركي فاسد حتى النخاع، وخلص إلى أن انخراط المواطنين الصالحين الواسع في الشؤون العامة هو السبيل الوحيد لإصلاح الوضع: “بمجرد أن يصبح المواطنون على دراية بالحقائق، يتعين عليهم أن يجعلوا من واجبهم المدني تنظيم الآخرين محلياً وإقليمياً ووطنياً للعمل وفق فهمهم لما يتطلبه الأمر لتطهير الحياة العامة في أميركا” (إتزيوني 1993، 2449). لكن القلة من الأشخاص قادرين على توفير الوقت والجهد الكافيين لتكريس أنفسهم بالكامل للحياة الأسرية والشؤون العامة، ومن المرجح أن يؤدي تفضيل أحد المثالين إلى تقويض الآخر. بالتأكيد ليس من قبيل الصدفة أن أميركا الجمهورية في عهد جيفرسون اعتمدت على مدنيين ذكور نشطاء ذوي حس عال بالمسؤوليات العامة ومتحررين إلى حد كبير من المسؤوليات الأسرية. في المقابل، تميل المجتمعات التي ينعم أفرادها بحياة أسرية غنية ومرضية (مثل مجتمع سنغافورة المعاصرة) إلى أن يحكمها طغاة أبويون يمكنهم الاعتماد على شعب مطيع وغير مبال سياسياً.
كما يواجه الجماعاتيون الذين يدافعون عن زيادة الالتزام بالشأن العام وتقوية الروابط بالعمل (لدرجة أن تصبح جماعة نفسية) مشكلة تَعارُض الالتزامات. على سبيل المثال، يُشيد مايكل ساندل بـ”الحرفيين الفخورين” في عهد جاكسون وبفكرة لويس برانديز Louis Brandeis حول “الديمقراطية الصناعية”، التي يساهم فيها العمال في الإدارة ويتقاسمون مسؤوليات تسيير العمل” (ساندل 1996، 170، 213). يُقال إن التماهي مع العمل والديمقراطية الصناعية يحسنان مقدرات العمال المدنية، ولكن قد لا يكون هذا الحال دوماً. فكما أن الانخراط الواسع في الحياة الأسرية قد يتعارض مع الالتزامات تجاه الحياة العامة، فإن قلة من الأشخاص سيجدون الوقت والجهد الكافيين للمشاركة الواسعة في كل من العمل والشأن العام. ولنتذكر أن المجتمع الجمهوري في أثينا القديمة اعتمد على الذكور النشطين ذوي الحس العالي بالمسؤولية العامة والمتحررين من عبء العمل (لأن العبيد كانوا يقومون بمعظم الأعمال الشاقة).
من الجدير بالذكر كذلك أن التفاني في العمل يمكن أن يقوّض الحياة الأسرية. فكما يشير تاتسو إينوي Tatsuo Inoue من جامعة طوكيو، ممكن أن تقود الجماعاتية اليابانية -وهي هوية جماعية قوية ترتكز على العمل- إلى الإصابة أحياناً بمرض “كاروشيkaroshi” (أي الموت من الإجهاد المفرط في العمل) وأن تحرم العمال في كثير من الأحيان من “حق الجلوس مع عائلاتهم إلى مائدة العشاء” (إينوي 1993). وكما يضطر الليبراليون (الذين يسيرون على خطا رونالد دوركين Ronald Dworkin) إلى الاختيار أحياناً بين المثاليات (على سبيل المثال، بين الحرية والمساواة) المتعارضة مع بعضها البعض في حال بُذل جهد حقيقي لتحقيق أي منها بالكامل، فقد يضطر الجماعاتيون كذلك إلى اتخاذ خيارات صعبة بين أشكال الحياة الجماعية القيّمة.
مع ذلك، ربما توجد سيناريوهات فعلية أو محتملة لتحقيق منفعة متبادلة، إذ يمكن لتعزيز شكل محدد من الحياة الجماعية أن يعزز أشكال أخرى، بدلاً من تقويضها؛ وطبعاً سيفضل الجماعاتيون السياسيون هذا النوع من التغيير. على سبيل المثال، اعترض النقاد على جمعيات الأحياء السكنية، أو “الجماعات المسوّرة”، بحجة أنها تقوّض الارتباط بنظام الحكم بالكامل وتضعف التماسك الاجتماعي والثقة الضروريين لتعزيز العدالة الاجتماعية والحفاظ على العملية الديمقراطية (ماكنزي Mckenzie 1994)[15]. فهل من الممكن إذاً إعادة تشكيل التخطيط الحضري بحيث يتمكن الناس من رعاية جماعات محلية قوية بدون تقويض الارتباط بالجماعة الوطنية، بل وربما تعزيز أشكال أوسع من الروح الوطنية؟ قُدمت العديد من الاقتراحات العملية في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة، افترض المعماريون والمخططون الحضريون، والمعروفون بالحضريين الجدد، تدابير متنوعة لتعزيز بناء الجماعة -كالسكن الميسور والنقل العام والبيئات التي تركز على المشاة والمساحات العامة كجزء أساسي من الأحياء- دون أن تؤدي إلى عواقب “الخصخصة” التي تميز الجماعات المغلقة. تكمن المشكلة، كما يشير جيرالد فروغ Gerald Frug، في أن “تقريباً كل ما يريدون فعله هو الآن غير قانوني. يجب على المدن، من أجل تعزيز الرؤية الحضرية الحديثة من التصميم الحضري، أن تراجع قوانين تقسيم المناطق المحلية وسياسات التنمية من القمة إلى القاعدة”[16]. يشير هذا إلى ضرورة تقديم توصيات تتعلق بالسياسة العامة مصممة خصيصاً لدعم أشكال مكملة من الارتباطات الجماعية.
مثلما من الخاطئ الافتراض أن الأهداف الجماعاتية متعارضة دوماً، ينبغي كذلك الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تعايش الحقوق الفردية والأهداف الجماعاتية وتكاملها مع بعضها البعض[17]. ففي سنغافورة على سبيل المثال، يمكن القول إنه كلما كانت الحقوق الديمقراطية أكثر أمناً كلما تعزز الالتزام بالصالح الوطني المشترك[18]. لم تُخفِ الحكومة السنغافورية حقيقة أنها صعّبت الأمور على العديد من السياسيين الذين طمحوا إلى دخول المعترك السياسي في صفوف الأحزاب المعارِضة؛ فوفقاً للمدعي العام تشان سيك كيونغ Chan Sek Keong، بين عامي 1971 و1993، أعلن أحد عشر سياسياً معارضاً إفلاسهم (وبالتالي أصبحوا غير مؤهلين للترشح في الانتخابات)[19]. ترسل مثل هذه التصرفات، سواء أكانت مقصودة أم لا، رسالة غير وطنية إلى الجماعة بأكملها؛ وهي أن السياسة لعبة خطيرة لمن لم تباركهم القيادة العليا في النظام الحاكم، لذا يجب أن يلتفتوا لشؤونهم الخاصة. وكما قال الصحفي السنغافوري شيريان جورج Cherian George، لا يمكن للمرء لوم الأشخاص على إهمالهم لالتزاماتهم الاجتماعية والسياسية “عند سماعهم العديد من الحكايات التحذيرية: عن سنغافوريين انتهت مسيرتهم المهنية مبكراً بعد تعبيرهم عن معارضتهم؛ وعن نقاد خضعوا للتحقيق؛ وعن أفراد سُجنوا دون محاكمة رغم أنهم لا يشكلون أي خطر حقيقي؛ وعن هواتف مراقَبة ورسائل مفتوحة”. العبرة من هذه القصص، أنه من الأفضل في سنغافورة أن تلتفت إلى عملك الخاص وتجمع الأموال وتترك السياسة للسياسيين[20]. بعبارة أخرى، إذا كان الهدف ضمان الارتباط بالمجتمع المحلي ككل، فإن إجراء انتخابات تنافسية حقيقية، وضمان حرية ترشُّح المعارضة دون الخوف من الانتقام[21]، يعد خطوة أولى جريئة (انظر كذلك تشان 2014). تكتسب الحجة الجماعاتية لانتخابات ديمقراطية قوة خاصة في الجماعات الصغيرة التي يكون من السهل فيها ترسيخ الشعور بالتضامن الجماعي (قد تسهم الانتخابات في الجماعات السياسية الأكبر، مثل الصين، في إثارة الخلافات؛ انظر بيل 2015، الفصلين الأول والرابع).
مع ذلك، تشير الحالة السنغافورية إلى بعد آخر من أبعاد سياسات الجماعة التي تعيدنا إلى الدفاع الجماعاتي عن الخصوصية الثقافية. فعادة ما ينظر الإصلاحيون الديمقراطيون في سنغافورة إلى الديمقراطية على أنها انتخابات تنافسية حرة ونزيهة، والتي غالباً ما يطلق عليها المحللون الغربيون “الديمقراطية الصغرى”. الوضع مشابه في هونغ كونغ؛ إذ يبدو أن تطلّع النقاد الاجتماعيون إلى الديمقراطية “الكاملة” اُختزل إلى انتخاب مجلس تشريعي ورئيس تنفيذي. بعبارة أخرى، من اللافت أن التقليد الجمهوري في الفكر الجماعاتي، المتمثل في رؤيته للديمقراطية القوية المدعومة بمواطنين فاعلين وملتزمين بالصالح العام ويشاركون في صنع القرار وتحديد شكل التوجه المستقبلي لمجتمعهم عبر النقاش السياسي، يبدو غائباً إلى حد كبير عن الخطاب السياسي في سنغافورة وهونغ كونغ، وربما في شرق آسيا عموماً. فالعديد من شرق الآسيويين يجعجعون مطالبين بحقوق ديمقراطية آمنة، ولكن هذا نادراً ما يُترجم إلى المطالبة بضرورة التزام جميع المواطنين بالسياسة بصورة مستمرة، أو إلى تبني وجهة النظر التي طرحها ديفيد ميلر David Miller، “السياسة بالفعل جزء ضروري من الحياة الجيدة” (ميلر 2000). يمكن تفسير الغياب النسبي للمثاليات الجمهورية، من جهة، بحقيقة أنه لا يوجد نظراء لأرسطو وجان جاك روسو في الفلسفة شرق الآسيوية. ويمكن الجدال كذلك بأن النزعة الجمهورية لا تلقى صدى لأن شرق الآسيويين عادة ما يولون اهتماماً أكبر لأشكال أخرى من الحياة الجماعية؛ إذ تعد الأسرة تحديداً محوراً هاماً في النظرية والممارسة الأخلاقية الكونفوشيوسية (مقارنة بالفلسفة الغربية). باختصار، بقدر ما يمكن أن تتعارض الأشكال المختلفة من الحياة الجماعية عملياً، فإن الثقافات المختلفة ترسم حدوداً مختلفة في مواضع مختلفة.
لكن هذا لا يعني أن كل جماعة ترسم حدودها بطريقتها الخاصة، وأنه لم يعد هناك مجال للنقاش الأخلاقي أو النقد الاجتماعي. فعلى الرغم من احتمال وجود حجة قوية لتأييد “الطريقة التي تجري فيها الأمور” إذا توافقت التفاهمات المشتركة مع وجهات نظر مؤيدي ومعارضي الوضع السياسي الراهن، إلا أنه في الغالب سينتقد النقاد التجاوزات الجماعاتية في مجتمعات معينة. على سبيل المثال، يجادل تشانغ كيونغ سوب Chang Kyung-Sup بأن “النزعة الأسرية” الكورية تضر بالأفراد وتشكل عقبة خطيرة أمام إرساء نظام سياسي ديمقراطي في كوريا (انظر تشانغ 2004). ضمن هذا السياق، ربما سيؤدي التركيز القوي على الخصائص الأسرية إلى نتائج عكسية[22]. لكن المجتمعات الأخرى -المجتمعات الفردانية نسبياً التي تعاني من العواقب الاجتماعية غير المرغوب فيها للطلاق والأسر ذات المعيل الواحد أو المجتمعات الجماعاتية التي تبرر التضحية بالأسر لصالح العمل- قد تحتاج إلى تجديد الحياة الأسرية وربما تستلهم أفكارها من “النزعة الأسرية” الكورية. بكلمات أخرى، ما يبدو أنه تجاوز جماعاتي في أحد المجتمعات يمكن أن يكون مصدراً للإثراء في مجتمع آخر.
الخلاصة، إذاً هي، نعم، الجماعة ذات قيمة؛ على الأقل لا تقل قيمة عن الحاجة إلى الحرية، إن لم تكن أكثر[23]. ميّز الجماعاتيون، على نحو مجد، بين أشكال الجماعات القيّمة، ووضع الجماعاتيون السياسيون الأنجلو-أميركيون قوائم خيارات سياسية متنوعة لتعزيز تلك الأشكال من الجماعات. كما توفر السياسات الجماعاتية المتنوعة في شرق آسيا مزيداً من الإمكانيات. بيد أن تحديد أي شكل جماعي يُركَّز عليه وأيها يُهمش يعتمد على احتياجات المجتمعات المعينة ومشكلاتها. باختصار، تعتمد الآثار السياسية للجماعاتية على الآفاق الثقافية والأولويات الاجتماعية في سياقات محددة[24].
دعني أختم بسؤال عن السبب الذي يوجب شرق الآسيويين التوجه نحو الجماعاتية في حين يمكنهم الاعتماد على التقليد الكوفوشيوسي الغني والمتنوع للتعبير عن القيم الجماعاتية. ففي نهاية المطاف، هناك تداخل كبير بين الفلسفتين -كلاهما تركزان على قيمة العلاقات في عيش حياة كريمة وتشددان على أهمية التعليم وأساليب التربية الأخلاقية غير القسرية، وتعتبران الحقوق الشرعية آليات احتياطية يُلجأ إليها أخيراً (انظر بيل 2008، الفصل التاسع)- فلماذا لا يلتزمون بالفلسفة الكونفوشوسية “المحلية”؟ يبدو من الغريب، في السياق شرق الآسيوي، تعزيز الفلسفة الجماعاتية التي شكّلتها مخاوف تتعلق بالتجاوزات الفردانية في البلدان الغربية في حين أن التقليد الكونفوشيوسي يواصل تشكيل القيم وتغذية “العادات المحببة” (انظر صن Sun 2013؛ وهاموند وريتشي Hammond and Richey 2015؛ وبيليود ثورافل Billioud and Thoravel 2015). وما يزال الجدال قائماً حول ما إذا كانت الجماعاتية تعتبر فلسفة أو تقليداً قائماً بذاته، بدلاً من أن تكون امتداداً نقدياً للتقليد الليبرالي. لكن لا أحد يشك بأن الكونفوشوسية تشكل تقليدها الخاص بها. فما هو السبب الذي يجعل شرق الآسيويين يتماهون مع الجماعاتية بدلاً من الكونفوشيوسية؟
أحد الردود على ذلك أن الكونفوشيوسية بُغضت بسبب تأييدها الظاهر لممارسات غير أخلاقية، كالقيم الأبوية التي ساهمت في إخضاع المرأة ومعاناتها. إلا أن المنظرات النسويات المعاصرات أعدن تفسير الكونفوشيوسية لجعلها أكثر توافقاً مع القيم الحديثة وحافظن في الوقت نفسه على الالتزام بالقيم الكونفوشيوسية الجوهرية (انظر على سبيل المثال، تشان 2007). ربما تكون تلك القيم الكونفوشيوسية الأساسية -مثل الالتزام بالأسرة والرفاهية المادية للشعب والطقوس (لي) والإنسانية (رين) والتنوع في تناغم (هي) والرؤى الدنيوية- أكثر ملاءمة في الواقع للمجتمعات الحديثة من العديد من الفلسفات الأخرى (خذ بعين الاعتبار حقيقة أنه في القرون السابقة للقرن العشرين، قلل معظم الفلاسفة الغربيين من شأن الأسرة). يجادل باي تونغدونغ Bai Tongdong، على سبيل المثال، بأن اعتماد شكل حديث من القيم الكونفوشيوسية الأساسية من شأنه أن يلهم الحكم الإنساني على المستويين الداخلي والخارجي (باي 2019).
في السياق شرق الآسيوي، ما تستطيع الجماعاتية فعله هو المساعدة في معالجة عيوب الكونفوشيوسية. على سبيل المثال، ثمة توتر بين الدوافع الكونفوشيوسية المبكرة للعولمة -إذ لم ينظر كونفوشيوس ومينسيوس في إمكانية وجود بدائل شرعية أخلاقياً لقيمهما- وبين التعددية الأخلاقية التي تميل إلى تمييز العالم الحديث. يمكن للجماعاتيين تذكير الكونفوشيوسيين بأن فلسفتهم ربما تكون أنسب في سياقات معينة دون غيرها، وأنه ينبغي عليهم السماح بإمكانية وجود بدائل شرعية أخلاقياً في سياقات أخرى. يبدو من الغريب، مثلاً، أن يعتقد الكونفوشيوسيون بأنه ينبغي على المؤمنين المسيحيين تغيير ولائهم الديني الرئيسي من الله إلى الأسلاف العائلية (تماماً مثلما يبدو من الغريب أن يطلب المسيحيون من الكونفوشيوسيين فعل العكس).
يمكن أن تساعد الرؤى الجماعاتية حول المجتمع المدني، بوصفه بيئة للتربية الأخلاقية، في معالجة التركيز الكونفوشيوسي على الأسرة بوصفها المنطلق الوحيد (أو الأساسي) للتعلم الأخلاقي. لطالما جادل الكونفوشيوسيون بإمكانية ومرغوبية امتداد القيم الأسرية إلى خارج حدود الأسرة، إلا أن الواقع المتمركز على الأسرة في معظم مجتمعات شرق آسيا بتراثها الكونفوشيوسي يشير إلى أن الكونفوشيوسية ربما لا تكون كافية. لقد أُجريت بعض الدراسات لاستكشاف “الروابط الوسيطة” في الكونفوشيوسية (انظر على سبيل المثال دي باري de Bary 1998)، لكن ربما توفر نقاشات الجماعاتيون في الغرب رؤي أشمل في هذا الخصوص. كما أن تركيز الكونفوشيوسية على الحكم القائم على جدارة بعض أعضاء الجماعة الأكثر موهبة وفضيلة قد يكرس السلبية السياسية المفرطة لدى الأعضاء العاديين. مرة أخرى، يمكن أن يتمعن ااكونفوشيوسيين في الجماعاتية (والنقاشات المعاصرة حول الديمقراطية التداولية) من أجل استنباط رؤى حول القيم والممارسات التي تتيح للمواطنين العاديين المشاركة الفعالة في العملية السياسية، حتى في سياقات سياسية لا تُجرى فيها انتخابات ديمقراطية لاختيار كبار القادة (مثل الصين). يمكن القول إن التربية الديمقراطية ليست، على الأقل، أولوية كونفوشيوسية. باختصار، يمكن للرؤى الجماعاتية أن تكمّل القيم الكونفوشيوسية في السياق شرق الآسيوي على نحو مفيد، تماماً كما يمكنها تكملة القيم الليبرالية في المجتمعات الغربية.
عموماً، ورغم ذلك، يجب التسليم بأن الجماعاتية خسرت أهميتها كمثال سياسي محفز في شرق آسيا والغرب. هل لدينا سبب للاعتقاد بإمكانية إحيائها؟ يمكننا التوقع أنه في شرق آسيا ستواصل الموضوعات الجماعاتية اتخاذها شكل القيم الكونفوشيوسية. أما في الغرب، فيمكن القول إن تجاوزات الشعبوية قد تفسح المجال أمام الناشطين السياسيين المستلهمين من الجماعاتية. ويمكن القول إن الشعبوية رد فعل على تراجع على أشكال الجماعة القيّمة. يلوم أصحاب النفوذ أمثال دونالد ترامب النخب ويعدون الأفراد المهمشين والمسحوقين باستعادة المصادر التقليدية للمعنى. لكن ليست المشكلة في النخبوية أو التسلسل الهرمي في حد ذاته. فكل مجتمع حديث يحتاج إلى تسلسلات هرمية، وتتمثل المهمة في التمييز بين أشكال التسلسل الهرمي السيئة التي تنفع السلطة وتضطهد الضعفاء وأشكال التسلسل الهرمي الجيدة التي تعبر عن قيم مبررة أخلاقياً (بيل ووانغ Bell and Wang 2020). يمكن إعادة تفسير الأشكال التسلسلية الهرمية للحياة الجماعية وتحديثها لتوائم القيم التقدمية. ما ينقصنا فهو حركة اجتماعية وسياسية يمكنها استعادة أشكال الحياة الجماعية المناسبة للعالم الحديث وإعادة تفسيرها.
المراجع
An-Naim, A., 1992, “Toward a Cross-Cultural Approach to Defining International Standards of Human Rights: The Meaning of Cruel, Inhuman, or Degrading Treatment or Punishment”, in Human Rights in Cross-Cultural Perspectives: A Quest for Consensus, A. An-Naim (ed.), Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
Avineri, S., and de-Shalit, A., (eds), 1992, Communitarianism and Individualism, Oxford: Clarendon Press.
Bai, T., 2019, Against Political Equality: The Confucian Case, Princeton: Princeton University Press.
Barry, B., 1995, Justice as Impartiality, Oxford: Clarendon Press.
Bell, D., 2015, The China Model: Political Meritocracy and the Limits of Democracy, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2008, China’s New Confucianism: Politics and Everyday Life in a Changing Society, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2006, Beyond Liberal Democracy: Political Thinking for an East Asian Context, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2000, East Meets West: Human Rights and Democracy in East Asia, Princeton: Princeton University Press.
–––, 1995, “A Communitarian Critique of Authoritarianism”, Society, 32(5): 38–43.
–––, 1993, Communitarianism and Its Critics, Oxford: Clarendon Press.
Bell, D., and de-Shalit, A., 2011, The Spirit of Cities: Why the Identity of a City Matters in a Global Age, Princeton: Princeton University Press.
Bell, D. and Wang, P., 2020, Just Hierarchy: Why Social Hierarchies Matter in China and the Rest of the World, Princeton: Princeton University Press.
Bellah, R., et al., 1985, Habits of the Heart, Berkeley: University of California Press.
Benhabib, S., 1992, Situating the Self: Gender, Community and Postmodernism in Contemporary Ethics, Cambridge: Polity Press.
Berten, A., da Silveira, P., and Pourtois, H., (eds), 1997, Liberaux et Communautariens, Paris: Presses Universitaires de France.
Billioud, S., and Thoravel, J., 2015, The Sage and the People: The Confucian Revival in China, Oxford: Oxford University Press.
Caney, S., 1992, “Liberalism and Communitarianism: A Misconceived Debate”, Political Studies, 40: 273–90.
Chan, J., 2014, Confucian Perfectionism: A Political Philosophy for Modern Times, Princeton: Princeton University Press.
–––, 1999, “A Confucian Perspective on Human Rights for Contemporary China”, in The East Asian Challenge for Human Rights, J. Bauer and D. Bell (eds.), New York: Cambridge University Press.
Chan, S.-Y., 2007, “Gender and Relationship Roles in the Analects and the Mencius”, in Confucian Political Ethics, D. Bell (ed.), Princeton: Princeton University Press.
Chang, K.-S., 2004, “The Anti-communitarian Family? Everyday Conditions of Authoritarian Politics in South Korea”, in Communitarian Politics in Asia, Chua Beng-Huat (ed.), London: Routledge.
Chua, B.-H., 1995, Communitarian Ideology and Democracy in Singapore, London: Routledge.
de Bary, T.-Wm., 1998, Asian Values and Human Rights: A Confucian Communitarian Perspective, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Dworkin, R., 1989, “Liberal Community”, California Law Review, 77: 479–504.
Ehrenhalt, A., 1999, “Community and the Corner Store: Retrieving Human-Scale Commerce”, The Responsive Community, 9(4): 30–39.
Etzioni, A., 2001, The Monochrome Society, Princeton: Princeton University Press.
–––, 1998, The Essential Communitarian Reader, Lanham: Rowman & Littlefield.
–––, 1996, The New Golden Rule, New York: Basic Books.
–––, 1995a, New Communitarian Thinking, Charlottesville: University of Virginia Press.
–––, 1995b, Rights and the Common Good: The Communitarian Perspective, New York: St. Martins Press.
–––, 1993, The Spirit of Community, New York: Crown Publishers.
Frazer, E., 1999, The Problems of Communitarian Politics, Oxford: Oxford University Press.
Frazer, E., and Lacey, N., 1993, The Politics of Community: A feminist critique of the liberal-communitarian debate, Hemel Hempstead: Harvester Wheatsheaf.
Fukuyama, F., 1992, The End of History and the Last Man, New York: Free Press.
Frug, G., 1999, City Making: Building Communities Without Building Walls, Princeton: Princeton University Press.
Glendon, M.-A., 1991, Rights Talk: The Impoverishment of Political Discourse, New York: The Free Press.
Gutmann, A. (ed.), 1992, Multiculturalism and “The Politics of Recognition”, Princeton: Princeton University Press.
Hahm, Chaihark, 2003, “Constitutionalism, Confucian Civic Virtue, and Ritual Propriety”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press, pp. 31–53.
Hahm, Chaibong, 2003, “Family Versus the Individual: The Politics of Marriage Laws in Korea”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press, pp. 334–360.
Hammond, K., and J. Richey (eds.), 2015, The Sage Returns: Confucian Revival in Contemporary China, Albany: State University of New York Press.
Helgesen, G. 2003, “The Case for Moral Education”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press.
Inoue, T., 1993, “The Poverty of Rights-Blind Communality: Looking Through the Window of Japan”, Brigham Young University Law Review, 1993(2): 517–551.
Jacobs, J., 1965, The Death and Life of American Cities, New York: Random House.
Jiang, Q., 2012, A Confucian Constitutional Order: How China’s Ancient Past Can Shape Its Political Future, Princeton: Princeton University Press.
Krieger, M. 2002, Selznick’s Subjects, in Legality and Community: On the Intellectual Legacy of Philip Selznick, R. Kagan/M. Krieger/K.Winston, Lanham: Rowman and Littlefield Publishers.
Kymlicka, W., 1995, Multicultural Citizenship, Oxford: Clarendon Press.
–––, 1989, Liberalism, Community and Culture, Oxford: Clarendon Press.
Lefebvre, A., 2024, Liberalism as a Way of Life, Princeton: Princeton University Press.
Macedo, S., 2015, Just Married: Same-Sex Couples, Monogamy, and the Future of Marriage, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2000, Diversity and Distrust, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 1990, Liberal Virtues: Citizenship, Virtue and Community in Liberal Constitutionalism, Oxford: Clarendon Press.
MacIntyre, A., 1991, “Letter”, in The Responsive Community, Summer 1991.
–––, 1988, Whose Justice? Which Rationality?, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
–––, 1984, After Virtue, Notre-Dame: University of Notre Dame Press, 2nd edition.
–––, 1978, Against the Self-Images of the Age, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
Mason, A., 2000, Community, Solidarity and Belonging: Levels of Community and their Normative Significance, Cambridge: Cambridge University Press.
McKenzie, E., 1994, Privatopia, New Haven: Yale University Press.
Miller, D., 2000, Citizenship and National Identity, Cambridge: Polity Press.
–––, 1995, On Nationality, Oxford: Clarendon Press.
Mo, J., 2003, “The Challenge of Accountability: Implications of the Censorate”, in Confucianism for the Modern World, D. Bell and Hahm Chaibong (eds.), New York: Cambridge University Press.
Mulhall, S., and Swift, A., 1996, Liberals and Communitarians, Oxford: Blackwell, 2nd edition.
Rawls, J., 1999, The Law of Peoples; with The Idea of Public Reason Revisited, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 1993, Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
–––, 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Rasmussen, D., (ed.), 1990, Universalism vs. Communitarianism, Cambridge, MA: MIT Press.
Reid, T. R., 1999, Confucius Lives Next Door, New York: Random House.
Rosenblum, N., 1998, Membership and Morals, Princeton: Princeton University Press.
Sandel, M., 1998, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge: Cambridge University Press, 2nd edition.
–––, 1996, Democracy’s Discontent, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 1981, Liberalism and the Limits of Justice, Cambridge: Cambridge University Press.
Shuman, M. H., 1999, “Community Corporations: Engines for a New Place-Based Economics”, The Responsive Community, 9(3): 48–57.
Sun, A., 2013, Confucianism as a World Religion: Contested Histories and Contemporary Realities, Princeton: Princeton University Press.
Tamir, Y., 1993, Liberal Nationalism, Princeton: Princeton University Press.
Tams, H., 1998, Communitarianism: A New Agenda for Politics and Citizenship, Basingstoke: Macmillan.
Taylor, C., 1999, “Conditions of an Unforced Consensus on Human Rights”, in The East Asian Challenge for Human Rights, J. R. Bauer and D. Bell (eds.), New York: Cambridge University Press.
–––, 1989, Sources of the Self: The Making of the Modern Identity, Cambridge: Cambridge University Press.
–––, 1985, Philosophy and the Human Sciences: Philosophical Papers 2, Cambridge: Cambridge University Press.
Waite, L., 1996, “Social Science Finds: ‘Marriage Matters’”, Twenty-First Century Series in Communitarian Studies, Washington: Institute for Communitarian Policy Studies.
Walzer, M., 1994, Thick and Thin, Notre-Dame: University of Notre Dame Press.
–––, 1987, Interpretation and Social Criticism, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 1983, Spheres of Justice, Oxford: Blackwell.
Young, I. M., 1990, Justice and the Politics of Difference, Princeton: Princeton University Press.
يود المحررون شكر جينتاوتاس ميلياوسكاس (من جامعة فيلنيوس) ونيكولوس جول على ملاحظتمها بخصوص بعض الأخطاء المطبعية في هذه المدونة
Bell, Daniel, “Communitarianism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2024 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2024/entries/communitarianism/>.
الهوامش
[1] يعرف تايلور ووالتزر نفسيهما كليبراليين في غوتمان (1992). يقول ماكنتاير (1991)” “أنا لست جماعياً، ولن أمون مطلقاً كذلك، على الرغم من الشائعات التي تخلف ذلك”. ويستخدم ساندل (1998) تسمية جمهوري بدلاً من جماعاتي.
[2] تستند هذه المقالة إلى التمييز الثلاثي لدى بيل 1993. للاطلاع على تمييز ثلاثي مماثل، انظر كاني 1992. أما للاطلاع على تصنيف خماسي موسع للمجادلات، فانظر مولهال وسويفت 1996.
[3] هذه هي اللغة التي يستخدمها رولز في الصفحة الأخيرة من الطبعة الأولى لكتابه 1971.
[4] يستند هذا القسم إلى مقدمة بيل 2000. وشكلت الحضارة الإسلامية تحدياً آخر للديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي، على الرغم من أن الدول الإسلامية لم تحقق نجاحاً اقتصادياً وسياسياً مماثلاً (مقارنة شرق آسيا)، وبالتالي هي لا تشكل تحدياً كبيراً لمزاعم الديمقراطيين الغربيين بأن الرأسمالية والديمقراطية هما النظامان الوحيدان القادران على تلبية متطلبات الحداثة.
[5] وردت هذه المعلومة في صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون، 9و10 نوفمبر 1991.
[6] وردت هذه المعلومة في مقال باربرا كروسيت، “مسح للأمم المتحدة يكشف اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء”، نيويورك تايمز، 15 يوليو 1996.
[7] من المثير للاهتمام أن هذه النظرة الأخلاقية لا تزال تؤثر على ممارسات المهاجرين الآسيويين في المجتمعات الأخرى. فبحسب صحيفة نيويورك تايمز (11 يوليو 2001)، فإن أقل من واحد من كل خمسة بيض في الولايات المتحدة يقدمون الرعاية أو الدعم المالي لوالديهم أو أصهارهم أو أقربائهم الآخرين، مقارنة ب28% من الأميركيين من أصل أفريقي، و34% من الأميركيين من أصل إسباني، 43% من الأميركيين من أصل آسيوي. كما أن أولئك الذين يقدمون أكبر قدر من الرعاية يشعرون بأكبر قدر من الذنب لعدم بذلهم ما يكفي. ويقول ما يقرب من ثلاثة أرباع الأميركيين من أصل آسيوي إنه ينبغي عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل والديهم، مقارنو بثلثي الأميركيين من أصل إسباني، وأكثر بقليل من نصف الأميركيين من أصل أفريقي، وأقل من نصف البيض.
[8] مع ذلك، ووفقاً لعبد الله النعيم (1992، صفحة 34)، فإن الشروط المسبقة لتنفيذ هذه العقوبة بالغة الصعوبة في التطبيق العملي، ومن غير المرجح أن تتحقق قي أي دولة إسلامية في المدى المنظور.
[9] يستند هذا القسم إلى القانونين الأوب والثالث من قانون بيل 1993.
[10] برز النقاش بين الليبرالي والجماعاتي حول الذات في المنشورات غير الناطقة بالإنجليزية، انظر على سبيل المثال، تشيانغ 1998، الفصلين الخامس والسادس. من الجدير بالذكر كذلك أن أنصار الكونفوشيوسية قدموا مؤخراً مجادلات ضد الأسس الليبرالية، مشابهة لمزاعم الجماعاتيين في ثمانينيات القرن الماضي، بهدف واضح هو تقويض أسس الحقوق الليبرالية. يستعرض جوزيف تشان (1999) هذه المجادلات ويجدها قاصرة، مع التنويه إلى أن فهم الكونفوشيوسية لحيز الحقوق ومبرراتها يختلف عن المنظورات الغربية القائمة على الحقوق.
[11] للاطلاع على دراسات مطولة حول السياسة الجماعاتية في الولايات المتحدة، انظر: إتزيوني 1993، 1996، 2001. وللاطلاع على كتاب يستند صورة كبيرة إلى السياق البريطاني، انظر: تام 1998، وانظر كذلك كتب إتزيوني المحررة 1991أ، و1995ب، 1998.
[12] أبدى كل من الديمقراطيين والجمهوريين تقبلاً للأفكار السياسية الجماعاتية. كان المنظر السياسي ويليم غالستون، المحرر المشارك لكتاب الجماعة المستجيبة ومؤلف كتاب الأهداف الليبرالية (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1991)، مستشاراً للسياسة الداخلية الرئيس كلينتون. كشف الرئيس بوش، بعد توليه منصبه بفترة وجيزة، عن مشروع “جماعات الرمز” الذي استمر أربع سنوات، والذي طُور بعد مشاورات مع إتزيوني (واشنطن بوست، 29 يوليو 2001). انظر كذلك: دانا ميلبانك، “هل بوش من دعاة العمل الجماعي؟”، مجلة “الجماعة المستجيبة” (ربيع عام 2001)، الصفحات 4-7.
بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، ألغت إدارة بوش هذه المبادرة بحجة أنها لم تعد ضرورية، إذ كان من المفترض أن يكون الأميركيون قد “أعادوا اكتشاف” القيم المدنية. إلا أنه بعد سنوات، أدى تبني إدارة بوس رؤية “الأمن أولاً” الأكثر تشاؤماً إلى تعليق أي مبادرات جماعية. غالباً ما تُنتقد إدارة بوش لتقويضها حسن النية الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن يمكن القول إنها فعلت الأمر نفسه مع القيم المدنية في الداخل. لعل إدارة مستقبلية تبذل المزيد من الجهود لإحياء القيم المدنية.
[13] يستند هذا القسم إلى أعمال الرسل من الثالث إلى الخامس (بيل ،1993). انظر كذلك (ماسون، 2000). يفرق ماسون بثورة مفيدة بين مستويات وأنواع الجماعات المختلفة، مع أنه يمكم التشكيك في حجته القائلة بأن مُثل الجماعة العالمية متماسكة من حيث المبدأ ومفيدة من حيث التطبيق (في رأيي، الجماعات ذات طبيعة خاصة وتفترض وجود تمييز بين الداخل والخارج). حتى لو كانت مُثل ماسون متماسكة، فمن غير الواضح إلى أي مدى تفيد مثال الجماعة المدافعين عن المبادئ الليبرالية العالمية والمؤسسات العالمية.
[14] على الرغم من أن مفاهيم الأسرة قد تتضمن كذلك عنصراً متخيلاً، على سبيل المثال، فإن الممارسة الواسعة لعبادة الأسلاف في المجتمعات شرق الآسيوية ذات التراث الكونفوشيوسي تشير إلى أن الأسلاف (المتوفين) يُعتبرون مشاركين مستمرين في صالح الأسرة.
[15] للاطلاع على رواية مغايرة، انظر (روزنبلوم، 1998)، الفصل الرابع.
[16] فروغ 1999، صفحة 152-153. للاطلاع على مثال واقعي لمشروع إسكان حضري متنوع الدخل والأعراق، يتناقض مع الجماعات السكنية المتجانسة ذات الطبقة العليا المحاطة بالأسوار، انظر دانتونيو 1994، في مصادر الإنترنت الأخرى.
[17] انظر بيل 1995، للاطلاع على نقد لافتراض إتزيوني الواضح بأن الحقوق والالتزامات الجماعية الخاصة تتعارض دوماً.
[18] طُورت هذه الحجة بالتفصيل في بيل 2000، الفصل الرابع. وفي السياق نفسه، انظر تشوا 1995، وخاصة الفصل التاسع.
[19] استمرت هذه التوجهات، إن لم تكن قد تفاقمت. في عام 2001، أُعلن عن إفلاس زعيم لمعارضة المخضرم جي. بي. جيراتنام، واضطر إلى التنازل عن مقعده البرلماني.
[20] صحيفة ستريتس تايمز (سنغافورة)، 11 يوليو 1993.
[21] لا بد من الإشارة إلى أن دولة سنغافورة تلجا إلى أساليب مبتكرة لا حصر لها لكبح جماح محاولات المعارضة التواصل مع الناخبين وإيصال أفكار وسياسات بديلة. فقد أبلغت شرطة سنغافورة الحزب الديمقراطي السنغافوري المعارض بضرورة توظيف 13 ضابطاً لضبط الحشود خلال مسيرو وطنية مُخطط لها في 26 أغسطس 2001، بتكلفة تقدر بآلاف الدولارات. ويتساءل المرء عما إذا كان حزب العمل الشعبي الحاكم ملزماً بدفع تكاليف أمنه الخاص في مسيراته (ناهيك عن مسالة من يدفع رواتب الضباط السريين في مسيرات المعارضة).
[22] للاطلاع على آراء أكثر إيجابية حول دور الأسرة في المجتمع الكوري المعاصر، يرجى مراجعة هام (تشايبونغ) 200 وهيلغيسن 2003.
[23] يمكن القول إن الحاجة إلى الحرية ذات قيمة نفعية فقط: فبقدر ما نحتاج إلى الحرية، تصبح وسيلة لتحقيق ما يهمنا حقاً. إن روابطنا بالعائلة والأصدقاء والوطن والدين هي في الغالب ما يهم الناس حقاً، وهي غايات تعتبر أساسية لازدهار الإنسان، وليست قيمتها مجرد وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وبهذا المعنى، فإن الحاجة إلى الانتماء إلى الجماعة أهم من الحاجة إلى الحرية.
[24] كما يشير عمل فيليب سيلزنيك على أهمية السياق في التفكير المعياري: انظر كريجير 2002.
تتعامل النظرية الديمقراطية المعيارية مع الأسس الأخلاقية للديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية، بالإضافة إلى الواجبات الأخلاقية لممثليها ومواطنيها. تختلف الديمقراطية المعيارية عن النظرية الوصفية والتفسيرية، التي تهدف إلى وصف وشرح كيفية عمل الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية. تهدف النظرية المعيارية إلى تقديم تفسير لمتى ولماذا الديمقراطية مرغوبة أخلاقيا، بالإضافة إلى توفير مبادئ أخلاقية لتوجيه تصميم المؤسسات الديمقراطية وأفعال المواطنين وممثلي الديمقراطية. بالطبع، النظرية الديمقراطية المعيارية بطبيعتها متعددة التخصصات ويجب أن تستند إلى نتائج العلوم السياسية وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد لتقديم توجيه أخلاقي ملموس.
الكُتّاب
توم كريستيانو، وسمير باجاج
ترجمة
فاطمة الشملان
يركز هذا الملخص الموجز للنظرية الديمقراطية المعيارية الانتباه على سبع قضايا ذات صلة. أولا، يقترح تعريفا للديمقراطية. ثانيا، يوضح مناهجا مختلفة لسؤال لماذا الديمقراطية ذات قيمة أخلاقية أصلا. ثالثا، يناقش مسألة ما إذا كانت المؤسسات الديمقراطية تمتلك سلطة ومتى تمتلك مفاهيم مختلفة لحدود السلطة الديمقراطية. رابعا، تستكشف سؤال ما هو المعقول الذي يمكن طلبه من المواطنين في المجتمعات الديمقراطية الكبيرة. هذه المسألة مركزية في تقييم النظريات الديمقراطية المعيارية. تقول العديد من الآراء إن معظم النظريات الديمقراطية المعيارية الكلاسيكية لا تتوافق مع ما يمكننا توقعه بشكل معقول من المواطنين. خامسا، يستعرض تفسيرات مختلفة حول التوصيف الصحيح للمساواة في عمليات التمثيل الديمقراطي والمعايير الأخلاقية لذلك التمثيل. سادسا، يناقش العلاقة بين النتائج المركزية في نظرية الاختيار الاجتماعي والديمقراطية. سابعا، يناقش مسألة من يجب أن يدرج ضمن المجموعة التي تتخذ القرارات الديمقراطية.
يركز هذا المدخل على قضايا في النظرية الديمقراطية المعاصرة. مع أنه يذكر المؤلفين في تاريخ الفلسفة حيثما كان ذلك ذا صلة، إلا أنه لا يحاول تقديم تاريخ للنظرية الديمقراطية. يُنصح القراء المهتمون بمناقشات أكثر تعمقا حول الشخصيات التاريخية المهمة لتطور النظرية الديمقراطية بالاطلاع على الإدخالات المدرجة في قسم “الشخصيات التاريخية” في نهاية هذا المدخل.
1. تعريف الديمقراطية
مصطلح “الديمقراطية”، كما سنستخدمه في هذا الجزء، يشير بشكل عام إلى طريقة اتخاذ قرار جمعي تتميز بنوع من المساواة بين المشاركين في مرحلة أساسية من عملية اتخاذ القرار. يجب ملاحظة أربعة جوانب من هذا التعريف. أولا، تتعلق الديمقراطية باتخاذ القرار الجمعي، ونحن نعني بذلك القرارات التي تتخذ للمجموعات ويجب أن تكون ملزمة لجميع أعضاءها. ثانيا، نعتزم أن يغطي هذا التعريف العديد من المجموعات وإجراءات اتخاذ القرار التي يمكن اعتبارها ديمقراطية. لذا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية في العائلات، والمنظمات التطوعية، والشركات الاقتصادية، وكذلك في الدول والمنظمات العابرة للحدود والعالمية. يتوافق التعريف أيضا مع أنظمة انتخابية مختلفة، مثل التصويت بنظام الفائز الأول والتمثيل النسبي. ثالثا، التعريف ليس مصمما كي يحمل وزنا معياريا. يتوافق هذا التعريف للديمقراطية على ألا تتواجد الديمقراطية ضمن سياق معين. لذا فإن تعريف الديمقراطية لا يحسم أي أسئلة معيارية. رابعا، قد تكون المساواة المطلوبة في تعريف الديمقراطية عميقة إلى حد ما. قد تكون مجرد المساواة الرسمية بين صوت شخص واحد في انتخابات لممثلي البرلمان حيث توجد منافسة بين المرشحين على المنصب. أو قد تكون نشطة أكثر، شاملة المساواة الجوهرية في عمليات المناقشات وبناء التحالفات التي تسبق التصويت. قد يشير مصطلح “الديمقراطية” إلى أي من هذه الترتيبات السياسية. قد يتضمن استفتاءات مباشرة بين أعضاء جمعية ما عند اتخاذ القرارات بشأن قوانينها وسياساتها، أو قد يتضمن مشاركة هؤلاء الأعضاء في اختيار الممثلين لاتخاذ القرارات.
ليست وظيفة النظرية الديمقراطية المعيارية حسم أسئلة التعريف، بل تحديد أي من الأشكال التي قد تتخذها الديمقراطية مرغوبة أخلاقيا ومتى وكيف. يتحتم علينا كي نقيّم المبررات الأخلاقية المختلفة للديمقراطية، أن نقرر مزايا المبادئ والمفاهيم المختلفة للبشر والمجتمع الذي ينطلقون منه.
2. تبرير الديمقراطية
في هذا القسم، نناقش وجهات النظر المختلفة حول مبررات الديمقراطية. تحدد المبررات المقترحة للديمقراطية القيم أو الأسباب التي تدعم الديمقراطية على حساب أشكال بديلة لاتخاذ القرار، مثل الأوليغارشية أو الديكتاتورية. من المهم التمييز بين الآراء المتعلقة بتبرير الديمقراطية والآراء المتعلقة بسلطة الديمقراطية، والتي نناقشها في القسم 3. وهي محاولات إقامة سلطة ديمقراطية تحدد القيم أو الأسباب التي بموجبها يتوجب على الرعايا طاعة القرارات الديمقراطية. يمكن أن ينفصل التبرير عن السلطة (سيمونز 2001: الفصل 7) —من الممكن القول إن توازن القيم أو الأسباب يدعم الديمقراطية على حساب أشكال بديلة لاتخاذ القرار مع إنكار أن للأشخاص واجب طاعة القرارات الديمقراطية.
يمكننا تقييم تبرير الديمقراطية على بعدين مختلفين على الأقل: ذرائعيا، بالإشارة إلى نتائج استخدامها مقارنة بطرق اتخاذ القرارات السياسية الأخرى؛ أو جوهريا، بالإشارة إلى القيم المتأصلة في الطريقة.
2.1 الذرائعية
الحجج الذرائعية المؤيدة للديمقراطية
ينسب نوعان من الفوائد الذرائعية إلى الديمقراطية بشكل شائع:
إنتاج قوانين وسياسات جيدة نسبيا
وتحسينات في شخصية المشاركين..
إنتاج قوانين وسياسات جيدة نسبيا: نظريات الاستجابة
غالبا ما يقال إن اتخاذ القرار الديمقراطي يحمي حقوق أو مصالح الرعايا بشكل أفضل لأنه أكثر استجابة لأحكامهم أو تفضيلاتهم من أشكال الحكم المتنافسة. يجادل جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، بأن بما أن الديمقراطية تمنح كل مواطن حصة من السلطة السياسية، فإن الديمقراطية تجبر صناع القرار على أخذ حقوق ومصالح مجموعة أوسع من المواطنين في الاعتبار مما يؤخذ في الأرستقراطية أو الملكية (ميل 1861: الفصل 3). هناك بعض الأدلة على أنه مع شمول المجموعات في العملية الديمقراطية، فإن مصالحها تتقدم بشكل أفضل عبر النظام السياسي. على سبيل المثال، عندما استعاد الأمريكيون من أصل أفريقي حق التصويت في الولايات المتحدة عام 1965، تمكنوا من الحصول على مزايا أكثر بكثير من الدولة مقارنة بالسابق (رايت 2013). يجادل الاقتصاديون بأن الديمقراطية تعزز النمو الاقتصادي (عجم أوغلو وآخرون 2019). يدافع العديد من المؤلفين المعاصرين عن نسخ من هذه الحجة الذرائعية بالإشارة إلى العلاقة التجريبية القوية بين المؤسسات الديمقراطية الناجحة والحماية القوية للحقوق الليبرالية الأساسية، مثل حقوق المحاكمة العادلة، والسلامة الجسدية، وحرية التجمع، وحرية التعبير (غاوس 1996: الفصل 13؛ كريستيانو 2011؛ غاوس 2011: الفصل 22).
قدم أمارتيا سين حجة ذرائعية ذات صلة للديمقراطية، إذ يجادل بأن
لم تحدث مجاعة كبيرة في أي دولة مستقلة ذات نظام ديمقراطي وصحافة حرة نسبيا. (سين 1999: 152)
أساس هذا الجدل هو أن السياسيين في ديمقراطية متعددة الأحزاب ذات انتخابات حرة وصحافة حرة لديهم حوافز للاستجابة لتعبير الفقراء عن احتياجاتهم.
إنتاج قوانين وسياسات جيدة نسبيا: نظريات معرفية
تجادل التبريرات المعرفية للديمقراطية بأنه في ظل الظروف المناسبة، تكون الديمقراطية عموما أكثر موثوقية من الطرق البديلة في إنتاج قرارات سياسية صحيحة وفقا للمعايير المستقلة عن الإجراءات. بينما هناك العديد من التفسيرات المختلفة لموثوقية اتخاذ القرار الديمقراطي، نعرض هنا ثلاثة من أبرز التفسيرات:
مبرهنة هيئة المحلفين لكوندورسيه.
تأثيرات التنوع المعرفي.
جمع المعلومات ومشاركتها.
التفسير الأبرز لموثوقية الديمقراطية المعرفية يستند إلى مبرهنة كوندرسيه (CJT)، وهي مبرهنة رياضية طورها عالم الرياضيات في القرن الثامن عشر ماركيز دي كوندورسيه، وتبني على ما يسمى “قانون الأعداد الكبيرة”. تنص CJT على أنه عندما تتحقق افتراضات معينة، فإن احتمال دعم أغلبية الناخبين للقرار الصحيح يزداد ويقترب من واحد مع زيادة عدد الناخبين. الافتراضات هي (كوندورسيه 1785):
كل ناخب أكثر احتمالا لتحديد القرار الصحيح (افتراض الكفاءة)؛
يصوت الناخبون لما يعتقدون أنه القرار الصحيح (افتراض الصدق)؛
الأصوات مستقلة إحصائيا عن بعضها البعض (افتراض الاستقلال).
بينما كان دليل كوندورسيه الأصلي مقتصرا على قرارات بها خياران فقط، يجادل العمل الأحدث بأن CJT يمكن توسيعها لتشمل قرارات بها ثلاثة خيارات أو أكثر (List & Goodin 2001). غالبا ما يعتقد أن استخدام CJT لشرح موثوقية الديمقراطية ينبع من ادعاء جان جاك روسو بأن
[أ] إذا كان هناك جمهور مطلع بما فيه الكفاية يناقش، ولم يكن هناك تواصل بين المواطنين، فإن الإرادة العامة ستنشأ دائما من العدد الكبير من الاختلافات الصغيرة، وستكون المداولات دائما جيدة. (روسو 1762: الكتاب الثالث، الفصل الرابع)
لا يزال المنظرون المعاصرون يعتمدون على CJT، أو نسخ منه، لتبرير الديمقراطية (باري 1965؛ كوهين 1986؛ جروفمان وفيلد 1988؛ جودين وسبيكرمان 2019).
جاذبية CJT للديمقراطيين المعرفيين تنبع من حقيقة أنه، إذا تم تحقيق افتراضاته الأساسية، فإن القرارات التي يصدرها حتى الناخبون المعتدلون الحجم تكون شبه مؤكدة أنها صحيحة. على سبيل المثال، إذا كانت افتراضات CJT صحيحة لناخبين يبلغ عددهم 10,000 ناخب، وإذا كان كل ناخب من المرجح بنسبة 51 بالمئة أن يحدد القرار الصحيح من خيارين، فإن احتمال أن تختار الأغلبية القرار الصحيح هو 99.97 بالمئة. الرياضيات الرسمية في CJT ليست محل نزاع. ومع ذلك، يجادل منتقدو الحجج القائمة على CJT من أجل الديمقراطية بأن الافتراضات التي تقوم عليها CJT نادرا ما تتحقق في الديمقراطيات الفعلية (انظر بلاك 1963: 159–65؛ لادا 1992؛ إستلوند 1997ب؛ 2008: الفصل الثاني عشر؛ أندرسون 2006). أولا، علق الكثيرون بأن آراء الناخبين ليست مستقلة عن بعضها البعض. في الواقع، يبدو أن العملية الديمقراطية تركز على الإقناع وبناء التحالفات. ثانيا، لا يبدو أن المبرهنة تنطبق على الحالات التي يتم فيها تقسيم المعلومات التي يمكن للناخبين الوصول إليها والتي يصدرون أحكامهم بناء عليها بطرق مختلفة. يحدث التقسيم عندما لا تمتلك بعض قطاعات المجتمع المعلومات ذات الصلة بينما تتوفر لأخرى. يبدو أن المجتمعات والسياسة الحديثة تجسد هذا النوع من التقسيم وفق الطبقة، والعرق، والتجميعات العرقية، والدين، والمكانة الوظيفية، والمكان الجغرافي، وما إلى ذلك. وأخيرا، يتعامل جميع الناخبين مع القضايا التي عليهم اتخاذ قرارات بشأنها بتحيزات أيديولوجية قوية تقوض الادعاء بأن كل ناخب يجلب نوعا من الملاحظة المستقلة حول طبيعة الصالح العام للتصويت.
عادة ما يرد مؤيدو مبررات الديمقراطية القائمة على CJT على هذه الانتقادات بمحاولة تطوير نسخ من CJT بافتراضات أضعف. هذه الافتراضات تحقق بسهولة أكبر في الديمقراطيات، لذا قد تظهر النظريات المعدلة أن حتى الناخبين ذوي الحجم المتوسط من المؤكد تقريبا أنهم سيصدرون قرارات صحيحة (غروفمان & فيلد 1988؛ أوستن-سميث 1992؛ أوستن-سميث & بانكس 1996).
التبرير المعرفي المشترك الثاني للديمقراطية — والذي غالبا ما يعود إلى أرسطو (السياسة، الكتاب الثاني، الفصل 11؛ انظر والدورن 1995) — يجادل بأن الإجراءات الديمقراطية هي الأفضل في استغلال التنوع المعرفي الكامن لمجموعات كبيرة من المواطنين لحل المشكلات الجمعية. ولأن الديمقراطية تجلب الكثير من الناس إلى عملية اتخاذ القرار، فيمكنها الاستفادة من العديد من مصادر المعلومات ووجهات النظر في تقييم القوانين والسياسات المقترحة. مؤخرا، استندت هيلين لانديمور (2013) إلى نظرية “التنوع يتفوق على القدرة” لسكوت بايج ولو هونغ (هونغ & بيج 2004؛ صفحة 2007) — التي تنص على أن مجموعة عشوائية من الوكلاء المأخوذين من مجموعة كبيرة من الوكلاء ذوي القدرات المحدودة عادة ما تتفوق على مجموعة من أفضل الوكلاء من نفس المجموعة — لتجادل بأن يمكن توقع بأن الديمقراطية تنتج قرارات أفضل من حكم الخبراء. كل من نظرية بايج وهونغ الأصلية واستخدام لانديمور لها لتبرير الديمقراطية محل نزاع (انظر كويرك 2014؛ برينان 2014؛ تومسون 2014؛ باجاج 2014).
يعتمد مبرر معرفي ثالث شائع للديمقراطية على فكرة أن اتخاذ القرار الديمقراطي حول مصالح المواطنين والآليات السببية اللازمة لتعزيز تلك المصالح يميل لأن يكون أكثر وعيا من أشكال اتخاذ القرار الأخرى. يجادل جون ديوي بأن الديمقراطية تتضمن “مشاورة ونقاشا يكشف عن الاحتياجات والمشاكل الاجتماعية”. حتى لو كان الخبراء يعرفون أفضل طريقة لحل المشكلات الجمعية، فهم بحاجة إلى مدخلات من الجماهير لتصحيح تحيزاتهم وإخبارهم بمكان المشاكل (ديوي 1927 [2012: 154–155]؛ انظر أيضا مارسيليوس [DP]؛ أندرسون 2006؛ نايت & جونسون 2011).
الحجج القائمة على الشخصية
مرر الكثيرون الديمقراطية على أساس أن لها تأثيرات مفيدة على شخصية الرعايا. يتفق الكثيرون مع ميل وروسو أن الديمقراطية تميل إلى دفع الناس للدفاع عن أنفسهم أكثر من أشكال الحكم الأخرى لأنها تجعل القرارات الجمعية تعتمد على مساهماتهم أكثر من الملكية أو الأرستقراطية. لذا، تشجع المجتمعات الديمقراطية الأفراد على أن يكونوا أكثر استقلالية. وبالمثل، ومن خلال منح المواطنين حصة من السيطرة على اتخاذ القرار السياسي، تنمي الديمقراطية مواطنين ذوي شخصيات نشطة ومنتجة بدلا من شخصيات سلبية. بالإضافة إلى ذلك، تم الجدال بأن الديمقراطية تميل إلى دفع الناس للتفكير بعناية وعقلانية أكثر من أشكال الحكم الأخرى لأنها تحدث فرقا في النتائج السياسية سواء فعلوا ذلك أم لا. وأخيرا، يجادل البعض بأن الديمقراطية تميل إلى تعزيز الصفات الأخلاقية للمواطنين. إذ حين يشاركون في اتخاذ القرارات، يجب أن يستمعوا للآخرين، ويطلب منهم تبرير أنفسهم للآخرين، ويجبرون على التفكير جزئيا من منظور مصالح الآخرين. جادل البعض بأنه عندما يجد الناس أنفسهم في مثل هذه الظروف، يمكن توقع منهم أن يفكروا بصدق من منظور الخير العام والعدالة. لذا، جادل البعض بأن العمليات الديمقراطية تميل إلى تعزيز استقلالية المشاركين، وعقلانيتهم، ونشاطهم، وأخلاقهم. ونظرا لأن هذه الآثار المفيدة تعتبر ذات قيمة بحد ذاتها، فهي تحسب لصالح الديمقراطية وضد أشكال أخرى من الحكم (ميل 1861 [1991: 74]؛ إلستر 1986 [2003: 152]; هانون 2020).
يجادل البعض أيضا بأن التأثيرات السابقة على الشخصية تميل إلى تحسين جودة التشريعات أيضا. المجتمع الذي يتكون من صناع القرار المستقلين والعقلانيين والنشطين والأخلاقيين أكثر احتمالا لإنتاج تشريعات جيدة من مجتمع يحكمه شخص أناني أو مجموعة صغيرة من الأشخاص يحكمون على أشخاص مستعبدين وغير متأملين. بالطبع، صحة أي من الحجج أعلاه تعتمد على صحة نظريات السببية لعواقب مؤسسات مختلفة.
المبررات الاقتصادية للديمقراطية
ثمة عدد من المبررات الاقتصادية للمؤسسات الديمقراطية. تنطلق من فكرة أن التفضيلات تعطى وأن المؤسسات مبررة من حيث الطريقة التي يرغب بها المواطنون عقلانيا، بناء على تفضيلاتهم، في تنظيم مجتمعهم. الروايتان اللذان نذكرهما هنا ينتميان إلى تقليد تعاقدي واسع، يسعى لتحديد ما الذي يوافق عليه الأشخاص كإطار لاتخاذ القرار الجمعي. ربما أشهر هذه الجهود والتي أدت إلى برنامج بحثي مثمر للغاية لنظرية الاختيار العام هو برنامج جيمس بوكانان وجوردون تولوك في عملهما الكلاسيكي “حساب الموافقة” (1963). ويجادلون بأن شيئا مثل الديمقراطية الدستورية يمكن أن ينشأ من حالة طبيعية يوافق فيها الأشخاص، مع حماية حقوقهم الطبيعية وحقوق الملكية الأساسية، على إجراء اتخاذ قرار جمعي. الهيكل الأساسي للتفضيل هو المصلحة الذاتية حيث يحاول الأشخاص تعظيم تدفق الفوائد لأنفسهم. يرغب الأفراد في وجود جهاز اتخاذ قرار جمعي للتعامل مع المشكلات التي تنشأ في الحالة الطبيعية جراء تكاليف خارجية غير منضبطة وسيئة عامة، وهي تكاليف تنشأ على الجميع لأن الفرد لا يملك دافع للحد منها. التكاليف الخارجية هي التكاليف التي يفرضها الأشخاص على الآخرين دون موافقتهم. لذا، فإن الغرض من اتخاذ القرار الجمعي هو معالجة المشكلات التي تظهر عندما تكون الأسواق غير فعالة بسبب التأثيرات الخارجية والسلبيات العامة. تهدف عملية تشكيل القرار إلى تقليل نوعين من التكاليف: التكاليف الخارجية وتكاليف اتخاذ القرار. تكاليف اتخاذ القرار هي تكاليف تنشأ من صعوبة اتخاذ القرارات الجمعية. يتطلب اتخاذ قرار كهذا وقتا ومواردا. إليك الحسبة الأساسية التي يحسبها كل شخص عند اختيار إجراء القرار الجمعي. من ناحية، يأخذون في الاعتبار التكاليف الخارجية المفروضة عليهم إذا لم تكن إجراءات اتخاذ القرار بالإجماع. يفكر كل شخص أنه مع اقتراب إجراء القرار بالإجماع، فإن احتمال التكاليف الخارجية المفروضة عليه ينزل للصفر. وبالنظر إلى التكاليف الخارجية للإجراء فقط، يفضل كل طرف الإجماع. من ناحية أخرى، يأخذ كل شخص في الاعتبار تكاليف اتخاذ القرار في العملية الجمعية. مع اقتراب إجراءات اتخاذ القرار للاتفاق الكامل، تزداد تكاليف القرار بشكل كبير بسبب كل المساومات التي قد تولدها هذه الإجراءات. سيحاول كل شخص عبر الإجراء الذي سيختاره تحت الظروف تقليل الجمع بين هذين التكلفتين. سيكون إجراء قريبا من حكم الأغلبية، رغم أنه لا يوجد سبب للاعتقاد بأنه سيتم اختيار حكم الأغلبية.
أحد الاعتراضات هو أن الافتراضات وراء الحجة قوية جدا. يجادل بوكانان وتولوك بأن هذه العملية ستؤدي إلى اتفاق بالإجماع على إجراء اتخاذ قرار جمعي تحت افتراضات معينة مثل عدم إمكانية تقسيم الأفراد إلى مجموعات ذات مصالح معارضة بشدة، وحين يكون الأفراد غير متأكدين من مصيرهم على المدى الطويل بحيث تصبح مصالحهم متشابهة إلى حد كبير. هم في الواقع خلف ستار من الجهل بشأن المستقبل. وقد تم الطعن في هذه الافتراضات على أنها وصوف لأي ظروف معقولة تجد فيها المجتمعات نفسها.
يمكن العثور على نهج اقتصادي عام آخر في دوغلاس راي (1969). يجادل راي بأن الأفراد الذين يميلون لدول اجتماعية يفضلون عادة حكم الأغلبية على المدى الطويل لأن حكم الأغلبية يزيد من فرص تحقيق تفضيلاتهم الفردية. تنص مبرهنة راي-تايلور على أنه إذا كان لكل فرد احتمال سابق متساو لتفضيل كل من الخيارين، فإن قاعدة الأغلبية تعظم المنفعة المتوقعة لكل فرد (انظر القسم 2.4 من المدخل الخاص بنظرية الاختيار الاجتماعي). مرة أخرى، الافتراض الكامن خلف هذا هو أن الناس لا يعرفون كم مرة يقعون في الأغلبية أو الأقلية ولا يملكون تفضيلا خاصا للوضع الراهن. في هذه الظروف، يحصل المرء على ما يريده غالبا من إجراء القرار الجمعي عندما يكون أغلبيا (انظر أيضا كولمان [1989]).
الحجج الذرائعية ضد الديمقراطية
لا تدعم كل الحجج الذرائعية الديمقراطية. يجادل أفلاطون بأن الديمقراطية أدنى من أشكال الملكية والأرستقراطية وحتى الأوليغارشية المختلفة، على أساس أن الديمقراطية تميل إلى تقويض الخبرة اللازمة للحكم السليم للمجتمعات (أفلاطون 1974، الكتاب السادس). معظم الناس لا يمتلكون المواهب الفكرية التي تمكنهم من التفكير جيدا في القضايا الصعبة التي تتعامل معها السياسة. ولكن لكي يفوز السياسيون بالرئاسة أو يمرر تشريعا، يجب أن يستخدموا إحساس هؤلاء الأشخاص بما هو صحيح وما هو غير صحيح. لذا، سترشد الدولة بأفكار سيئة الصياغة يستخدمها خبراء التلاعب والجاذبية الجماهيرية لمساعدتهم على الفوز بالمنصب. يجادل أفلاطون بدلا من ذلك بأن الدولة يجب أن تحكم بواسطة ملوك فلاسفة يمتلكون الحكمة والطابع الأخلاقي اللازمين للحكم الصالح. وبذلك يدافع عن نسخة مما يسميه ديفيد إستلوند “الأستقراطية”، وهي شكل من أشكال الأوليغارشية التي تتضمن حكم الخبراء (إستلوند 2003).
يدافع ميل عن شكل من أشكال الأستقراطية يشار إليه أحيانا باسم نظام “التصويت التعددي” (1861: الفصل 4). بينما يحصل جميع البالغين العقلانيين على صوت واحد على الأقل ضمن هذا النظام، يحصل بعض المواطنين على عدد أكبر من الأصوات بناء على استيفاء بعض الخبرة السياسية. بينما يحدد ميل المقياس ذي الصلة للخبرة بالتعليم الرسمي، فإن نظام التصويت المتعدد يتوافق مع مقاييس أخرى. قد يعتقد أن هذا النظام يجمع بين القيمة الذرائعية للخبرة السياسية والقيمة الجوهرية للشمول الواسع.
يرى أحد الاعتراضات على أي شكل من أشكال الحكم الأسقفي—وهو الاعتراض الديموغرافي— أن أي معيار للخبرة من المرجح أن يختار أفرادا متجانسين ديموغرافيا ومتحيزين بطرق تقوض قدرتهم على إنتاج نتائج سياسية تعزز المصلحة العامة (إستلوند 2003).
يجادل هوبز بأن الديمقراطية أدنى من الملكية لأن الديمقراطية تعزز الانقسام المزعزع بين الرعايا (هوبز 1651: الفصل التاسع عشر). يميل المواطنون الأفراد وحتى السياسيون، من وجهة نظره، إلى عدم الشعور بالمسؤولية تجاه جودة التشريعات لأن لا أحد يحدث فرقا كبيرا في نتائج اتخاذ القرار. وبالتالي، لا تركز اهتمامات المواطنين على السياسة، وينجح السياسيون فقط من خلال تقديم نداءات صاخبة ومتلاعبة للمواطنين للحصول على مزيد من السلطة، لكن جميعهم يفتقرون إلى الدوافع التي تجعلهم يتخذون آراءا تصب حقا في المصلحة العامة. لذا فإن شعور عدم المسؤولية تجاه النتائج يقوض اهتمام السياسيين بالصالح العام ويدفعهم إلى تقديم نداءات طائفية وانقسامية للمواطنين.
يوسع العديد من المنظرين المعاصرين هذه الانتقادات الأفلاطونية والهوبزية. تظهر كمية كبيرة من البيانات التجريبية أن مواطني الديمقراطيات واسعة النطاق غير مطلعين وغير مبالين بالسياسة. يفسح هذا المجال للمصالح الخاصة للسيطرة على سلوك السياسيين واستخدام الدولة لأغراضهم المحدودة، مع توزيع التكاليف على الجميع. علاوة على ذلك، هناك أدلة تجريبية على أن المواطنين الديمقراطيين غالبا ما ينخرطون في التفكير المدفوع الذي يهدف بشكل غير واع إلى تأكيد هوياتهم السياسية القائمة بدلا من التوصل إلى أحكام صحيحة (لورد، روس، وليبر 1979؛ بارتيلز 2002؛ كاهان 2013؛ آشن & بارتلز 2016). يجادل بعض المنظرين بأن هذه الاعتبارات تبرر التخلي عن الديمقراطية تماما، بينما استخدمت نسخ متواضعة من هذه الحجج لتبرير تعديل المؤسسات الديمقراطية (كابلان 2007؛ سومين 2013؛ برينان 2016). وبالمثل، يجادل بعض المنظرين بأن الديمقراطية بدلا من أن يكون لها تأثيرات إيجابية على شخصيات الأشخاص كما يجادل ميل وآخرون، فإن لها تأثيرات ضارة على شخصيات وعلاقات الرعايا (برينان 2016: الفصل 3).
أسباب الذرائعية
يجادل الذرائعيون الخالصون بأن هذه الحجج الذرائعية المؤيدة والمعارضة للعملية الديمقراطية هي الأساس الوحيد لتقييم مبرر الديمقراطية أو مقارنتها بأشكال أخرى من اتخاذ القرار السياسي. هناك عدة أنواع مختلفة من الحجج المؤيدة للذرائعية البحتة. ينبع نوع من الحجج من نظرية أخلاقية أكثر عمومية. على سبيل المثال، لا مجال للنفعية الكلاسيكية في مبدئها الأحادي على القيم الجوهرية للعدالة والحرية أو على الأهمية الجوهرية لتوزيع السلطة السياسية المتساوي. اهتمامها الوحيد بتعظيم المنفعة—والذي يفهم على أنه إشباع المتعة أو الرغبة—يضمن أنه لا يمكنها سوى تقديم حجج ذرائعية مؤيدة ومعارضة للديمقراطية.
لكن ليس من الضروري أن تكون نفعيا متشددا لتجادل لصالح الذرائعية في النظرية الديمقراطية. هناك حجج مؤيدة للذرائعية تتعلق مباشرة بمسألة الديمقراطية واتخاذ القرار الجماعي بشكل عام. إحدى الحجج تقول إن السلطة السياسية تتضمن ممارسة سلطة البعض على الآخرين. وتجادل بأن ممارسة سلطة شخص ما على آخر لا يمكن تبريرها إلا بالإشارة إلى حماية مصالح أو حقوق الشخص الذي تمارس عليه السلطة. لذا، لا يمكن أبدا تبرير توزيع السلطة السياسية إلا بالرجوع إلى جودة نتائج عملية اتخاذ القرار (أرنيسون 1993 [2002: 96–97]؛ 2003؛ 2004؛ 2009). نوع آخر من الحجج المؤيدة للذرائعية يسير بشكل سلبي، محاولا إظهار أن القيم غير الذرائعية المستخدمة غالبا في محاولات تبريرات الديمقراطية لا تبرر الديمقراطية فعليا، وأن التبرير الذرائعية للديمقراطية هو بذلك النوع الوحيد المتاح من التبرير (وول 2007).
تشكك حجج أخرى في تماسك فكرة عمليات اتخاذ القرار الجمعي العادلة جوهريا. على سبيل المثال، تشكك نظرية الخيار الاجتماعي في فكرة أنه يمكن أن يكون هناك دالة اتخاذ قرار عادلة تحول مجموعة من التفضيلات الفردية إلى تفضيل جماعي عقلاني. الاعتراض الأساسي هو أنه لا يمكن وضع قاعدة عامة تحقق قيودا معقولة يمكنها تحويل أي مجموعة من التفضيلات الفردية إلى تفضيل اجتماعي عقلاني. ويؤخذ هذا للدلالة على أن الإجراءات الديمقراطية لا يمكن أن تكون عادلة جوهريا (ريكر 1982: 116). يجادل رونالد دوركين بأن فكرة المساواة، التي هي بالنسبة له جوهر العدالة الاجتماعية، لا يمكن تفسيرها بشكل متماسك ومعقول عندما يتعلق الأمر بتوزيع السلطة السياسية بين أعضاء المجتمع. علاقة السياسيين بالمواطنين تؤدي حتما إلى عدم المساواة؛ عملية النقاش الديمقراطي تمنح حتما أولئك الذين لديهم قدرات أفضل في تقديم الحجج واستعداد أكبر للمشاركة تأثيرا أكبر وبالتالي قوة أكبر من الآخرين، لذا لا يمكن أن تكون المساواة في السلطة السياسية عادلة أو منصفة جوهريا (دوركين 2000). في أعماله اللاحقة، ابتعد دوركين عن هذه الذرائعية الشاملة في الأصل (دوركين 1996).
2.2 اللاذرائعية
قليل من المنظرين ينكرون أن المؤسسات السياسية يجب أن تُقيم جزئيا على الأقل من حيث نتائج وجود تلك المؤسسات. ويجادل البعض أيضا بأن بعض أشكال اتخاذ القرار مرغوبة أخلاقيا بغض النظر عن عواقب امتلاكها. تم استخدام مجموعة متنوعة من الأساليب المختلفة لإثبات أن الديمقراطية تحمل هذا النوع من القيمة الجوهرية.
الحرية
أحد المبررات البارزة للديمقراطية هو استحضار قيمة الحرية. وفقا لإحدى منظورات الرأي، فإن الديمقراطية تستند إلى فكرة أن كل شخص يجب أن يكون سيد حياته. تتأثر حياة كل شخص بعمق بالبيئة الاجتماعية والقانونية والثقافية الأوسع التي يعيش فيها. فقط عندما يكون لكل شخص صوت وحق انتخاب متساوي في عملية اتخاذ القرار الجماعي سيحصل كل منهم على نفس السيطرة على هذه البيئة الأكبر. خلص مفكرون مثل كارول غولد إلى أنه فقط عندما يتم تطبيق نوع من الديمقراطية، سيحصل الأفراد على فرصة للحكم الذاتي (غولد 1988: 45–85؛ انظر أيضا مارسيليوس [DP]). وبما أن للأفراد حق الحكم الذاتي، فلديهم الحق في المشاركة الديمقراطية. الفكرة هي أن حق الحكم الذاتي يمنح المرء حقا، ضمن حدود، في ارتكاب الخطأ. تماما كما أن للفرد الحق في اتخاذ قرارات سيئة لنفسه، فإن مجموعة من الأفراد لها الحق في اتخاذ قرارات سيئة أو غير عادلة لأنفسهم بشأن الأنشطة التي يشاركونها.
إحدى الصعوبات الرئيسية في هذا الخط من الحجة هي أنه يبدو أنه يتطلب أن تكون القاعدة الأساسية لاتخاذ القرار هي التوافق أو الإجماع. إذا كان على كل شخص أن يختار بحرية النتائج التي تربطه، فإن من يعارض القرار لا يحكم ذاتيا. بل يعيش في بيئة يفرضها عليه الآخرون. لذا فقط عندما يتفق الجميع على قرار ما يتبنونه بحرية (وولف 1970: الفصل 2). المشكلة هي أنه نادرا ما يوجد اتفاق على قضايا رئيسية في السياسة. في الواقع، يبدو أن أحد الأسباب الرئيسية لوجود إجراءات لاتخاذ القرار السياسي هو قدرتها على تسوية الأمور رغم الخلافات.
إحدى الحجج القائمة على الحرية التي قد تبدو كأنها تتجنب هذا القلق تستند إلى حق جماعي في تقرير المصير لا يمكن الاستهانة به. غالبا ما يقال إن المجتمعات السياسية لها الحق كمجتمع في تنظيم نفسها سياسيا وفقا لقيمها أو مبادئها أو التزاماتها. يجادل البعض بأن حق تقرير المصير الجماعي يتطلب مؤسسات ديمقراطية تمنح المواطنين سيطرة جماعية على هيكلهم السياسي والقانوني (كاسيسي 1995). ومع ذلك، يجادل الكثيرون بأن المؤسسات الديمقراطية كافية لكنها ليست ضرورية لتحقيق حق تقرير المصير الجماعي لأن المجتمعات السياسية قد تمارس هذا الحق في تنفيذ مؤسسات غير ديمقراطية (ألتمان & ويلمان 2009؛ ستيلز 2016).
الديمقراطية كمبررجماهيري
يستحضر مبرر آخر لا ذرائعي للديمقراطية إلى التبرير الجماهيري المثالي. الفكرة وراء هذا النهج هي أن القوانين والسياسات شرعية بقدر ما تبرر علنا لمواطني المجتمع. التبرير الجماهيري هو تبرير لكل مواطن نتيجة للنقاش الحر والمنطقي بين متساوين.
كان لنظرية الخطاب للديمقراطية التداولية لدى يورغن هابرماس تأثير كبير في تطوير هذا النهج. يحلل هابرماس شكل ووظيفة الأنظمة القانونية الحديثة من خلال عدسة نظريته في الفعل التواصلي. ينتج عن هذا التحليل المبدأ الديمقراطي:
[و]في الوقت نفسه، قد تزعم تلك القوانين شرعية عبر موافقة جميع المواطنين في عملية تشريعية نقاشية تم تأسيسها قانونيا. (هابرماس 1992 [1996: 110])
يطرح هابرماس مفهوما للشرعية الديمقراطية يرى أن القانون شرعي فقط إذا نتج عن عملية ديمقراطية حرة وشاملة لـ”تكوين الرأي والإرادة”. كيف تبدو مثل هذه العملية في مجتمع معقد ومتميز؟ يجيب هابرماس بتقديم نموذج “المسارين” الذي يفهم الشرعية الديمقراطية من حيث العلاقة بين الهيئات التشريعية المؤسسية (مثل الهيئات التشريعية، والوكالات، والمحاكم) والتواصل غير الرسمي في المجال العام، وهو أمر “جامح” وليس منسقا مركزيا.
أحد الاعتراضات المحتملة على هذا الرأي هو أن الإجراءات الديمقراطية الحرة والشاملة غير كافية لتلبية طلب التوافق التداولي المتجسد في المبدأ الديمقراطي. من غير المرجح أن يلبى هذا الطلب في مجتمعات متنوعة، إذ من المرجح أن تستمر الخلافات العميقة حول القوانين التي يجب سنها بعد عملية الرأي وتكوين الإرادة ذات الصلة. لذا يمكن اعتبار المبدأ الديمقراطي يجسد تصورا مثاليا مفرطا للشرعية الديمقراطية (إستلوند 2008: الفصل 10). قلق آخر محتمل هو أن مبدأ الخطاب ليس مبدأ أخلاقيا حقيقيا، بل مبدأ يجسد شروط الموائمة للخطاب العملي. وبالتالي، لا يمكن لمبدأ الخطاب أن يبني على مفهوم للشرعية الديمقراطية ينتج عنه سنن أخلاقية متينة (فورست 2016).
استنادا إلى هابرماس وجون رولز وغيرهم، يطور جوشوا كوهين (1996 [2003]) مفهوما للديمقراطية حيث يبرر المواطنون القوانين والسياسات بناء على أسباب مقبولة للطرفين. الديمقراطية، إذا فهمنا بشكل صحيح، هي السياق الذي يشارك فيه الأفراد بحرية في عملية نقاش ومداولات مدروسة على نفس المستوى. توفر أفكار الحرية والمساواة إرشادات لهيكلة المؤسسات الديمقراطية.
الهدف من تصور كوهين للديمقراطية كتبرير جماهيري هو الإجماع العقلاني بين المواطنين. لكن مشكلة خطيرة تظهر عندما نسأل عما يحدث عندما يبقى الخلاف. تم اقتراح ردين محتملين. قد تم التأكيد على أن أشكال الإجماع الأضعف من الإجماع الكلي كافي لتبرير الجمهور، وأن الأنواع الأضعف يمكن تحقيقها في العديد من المجتمعات. على سبيل المثال، قد يكون هناك إجماع حول قائمة الأسباب المقبولة جماهيريا لكن هناك خلاف حول وزن الأسباب المختلفة. أو قد يكون هناك اتفاق على أسباب عامة مفهومة بشكل مجرد لكن هناك اختلاف حول تفسيرات معينة لتلك الأسباب. ما يجب إثباته هنا هو أن مثل هذا الإجماع الضعيف يمكن تحقيقه في العديد من المجتمعات، وأن الخلافات المتبقية ليست متعارضة مع مثل التبرير الجماهيري.
يبدو أن المبدأ الأساسي هو مبدأ المعقولية، حيث يقدم الأشخاص العقلاء مبادئ لتنظيم مجتمعهم فقط يمكن للأشخاص العقلاء الآخرين قبولها بشكل معقول. لا يقدم سوى مبادئ يمكن للآخرين، الذين يكبحون أنفسهم بنفس الطريقة، أن يقبلوها. مثل هذا المبدأ ينطوي على نوع من مبدأ ضبط النفس الذي يتطلب من الأشخاص العقلاء تجنب اقتراح قوانين وسياسات بناء على مبادئ أخلاقية أو فلسفية مثيرة للجدل. عندما يقدم الأفراد مقترحات لتنظيم مجتمعهم، لا ينبغي عليهم أن يلجأوا إلى الحقيقة الكاملة كما يرونها، بل فقط إلى ذلك الجزء من الحقيقة الكاملة الذي يمكن للآخرين قبوله بشكل معقول. لوضع الأمر كما يعبر روولز: يجب تنظيم المجتمع السياسي بمبادئ يوجد عليها توافق متداخل (رولز 2005: المحاضرة الرابعة). ويهدف ذلك إلى إلغاء الحاجة إلى توافق كامل حول المبادئ التي تنظم المجتمع.
ومع ذلك، من الصعب رؤية كيف يتجنب هذا النهج الحاجة إلى توافق كامل، وهو أمر من غير المرجح أن يحدث في أي مجتمع حتى متوسط التنوع. والسبب في ذلك هو أنه ليس واضحا لماذا يكون أقل فرضا علي عندما أقترح تشريعا أو سياسات للمجتمع أن أضطر إلى تقييد نفسي باعتبارات يقبلها الآخرون العقلاء من أن يكون فرضا على الآخرين عندما أحاول تمرير تشريع بناء على أسباب يرفضونها بشكل معقول. لأنه إذا قيدت نفسي بهذه الطريقة، فلن يرقى المجتمع الذي أعيش فيه إلى المعايير التي أعتقد أنها ضرورية لتقييم المجتمع. يجب أن أعيش وأدعم مجتمعا لا يتوافق مع تصوري لكيفية تنظيمه. ليس من الواضح لماذا يكون هذا فقدان أقل للسيطرة على المجتمع عن أولئك الذين يجب أن يعيشوا في مجتمع يخضع جزئيا لمبادئ لا يقبلونها. إذا كان أحدهما مشكلة، فالآخر كذلك، والإجماع الكامل هو الحل الوحيد (كريستيانو 2009).
المساواة
جادل العديد من المنظرين الديمقراطيين بأن الديمقراطية هي وسيلة لمعاملة الأشخاص كأنداد عندما يكون هناك سبب وجيه لفرض نوع من التنظيم على حياتهم المشتركة، لكنهم يختلفون حول أفضل الطرق للقيام بذلك. يجادل بيتر سينجر بأنه عندما يصر الناس على طرق مختلفة لترتيب الأمور بشكل صحيح، يدعي كل شخص بطريقة ما حقه في أن يكون ديكتاتورا على حياتهم المشتركة (سينجر 1973: 30–41). لكن هذه الادعاءات بالديكتاتورية لا يمكن أن تصمد. تجسد الديمقراطية نوعا من التسوية السلمية والعادلة بين هذه المطالب المتضاربة بالحكم. كل واحد يتنازل بالتساوي فيما يطالب به طالما يفعل الآخرون، مما يجعل لكل منهما رأي متساو في اتخاذ القرار. يحترم اتخاذ القرار الديمقراطي فعليا وجهة نظر كل شخص في المسائل ذات الاهتمام المشترك من خلال منح كل منهما صوتا متساويا فيما يجب فعله في حالات الخلاف (سينجر 1973؛ والدورن 1999: الفصل 5).
ماذا لو اختلف الناس حول المنهج الديمقراطي أو حول الشكل الخاص الذي يجب أن تتبعه الديمقراطية؟ هل يجب أن نقرر هذه المسائل الأخيرة من خلال إجراء أعلى؟ وإذا كان هناك خلاف حول الإجراءات العليا من الدرجة الأعلى، هل يجب أن نقرر هذه المسالة ديمقراطيا أيضا؟ يبدو أن هذا المشهد يؤدي إلى تراجع لا نهائي.
طريقة بديلة لتبرير الديمقراطية على أساس المساواة هي تأسيس الديمقراطية على المساواة اجماهيرية. المساواة الجماهيرية هي مبدأ للمساواة يضمن أن الناس يرون أنهم يعاملون كأنداد. ينبع هذا الرأي من ثلاث أفكار. أولا، هناك الفكرة الأساسية المساواتية بأن مصالح الناس يجب أن تتقدم بنفس القدر، أو على الأقل يجب أن تتاح لهم فرصا متساوية لتطويرها. ثانيا، البشر عموما لديهم فهم قابل للخطأ ومنحاز لمصالحهم الخاصة ومصالح الآخرين. ثالثا، لدى الأشخاص مصالح أساسية في أن يروا أنهم يعاملون على قدم المساواة. المساواة الجماهيرية هي مبدأ مساواتي يمكن رؤيته يتحقق بين الأشخاص رغم الأشكال ناقصة المعرفة بشكل كبير التي يمتلكها الناس. ليست كلها عادلة، لكن ضروري أن يتحقق هذا المبدأ في مجتمع تعددي.
الديمقراطية هي طريقة فريدة ومتساوية جماهيريا لاتخاذ قرارات جماعية عندما يكون هناك خلاف كبير وتضارب مصالح بين الأشخاص حول كيفية تشكيل المجتمع الذي يتشاركونه. كل منهم يرى أن الطريقة الوحيدة المعقولة لتجاوز الخلاف المستمر حول كيفية تشكيل المجتمع الذي يعيشون فيه جميعا، مع الاستمرار في معاملة جميع الأشخاص جماهيريا كمتساوين في مواجهة التحيز وقابلية الخطأ، هي منح كل شخص صوتا متساويا في عملية تشكيل ذلك المجتمع. لذا، فإن الديمقراطية ضرورية لتحقيق المساواة الجماهيرية في المجتمع السياسي. ضمن الإطار الذي تحدده هذه المساواة الجماهيرية، يسمح للأشخاص بمحاولة تحقيق أفكارهم الأكثر تحديدا حول العدالة والخير العام التي يعتقدون أنها صحيحة.
فكرة المساواة الجماهيرية تضع أيضا حدودا لاتخاذ القرار الديمقراطي. الفكرة هي أن المجتمع لا يمكنه أن يقرر ديمقراطيا إلغاء الحقوق الديمقراطية لبعض أعضائه. تتطلب المساواة الجماهيرية أيضا احترام الحقوق الليبرالية والمدنية الأساسية من خلال العملية الديمقراطية، وبالتالي تشكل حدا لاتخاذ القرار الديمقراطي (كريستيانو 2008؛ فالنتيني 2013).
هناك العديد من المخاوف التي ترافق هذا النوع من المنظور. أولا، يعتقد عموما أن حكم الأغلبية ضروري لمعاملة الأشخاص كأنداد في اتخاذ القرار الجماعي. وذلك لأن حكم الأغلبية فقط هو الحياد تجاه البدائل في اتخاذ القرار. يميل الإجماع إلى تفضيل الوضع الراهن، أسوة بالأشكال المختلفة من حكم الأغلبية الفائقة. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإن الرأي أعلاه يثير خطورتين مزدوجتين هما طغيان الأغلبية والأقليات المستمرة، أي مجموعات من الأشخاص الذين يجدون أنفسهم دائما خاسرين في قرارات الأغلبية. بالتأكيد هذه الظواهر الأخيرة لا بد أن تكون غير متوافقة مع المساواة الجماهيرية. ثانيا، نوع الرأي الذي يُدافع عنه أعلاه يثير القلق من ناحية أن المساواة السياسية ليست مثالية متماسكة في أي دولة حديثة ذات تقسيم عمل معقد وتحتاج إلى التمثيل. سيتم مناقشة هذا القلق الأخير بمزيد من التفصيل في الأقسام القادمة حول المواطنة الديمقراطية والتمثيل التشريعي. سيتم مناقشة القلق الأول بشكل أكبر في النقاش حول حدود السلطة الديمقراطية.
يؤسس نهج ذي صلة الديمقراطية على مثل المساواة العلائقية. الاهتمام بالمساواة العلائقية هو مصدر قلق لعلاقات بشرية هي، على الأقل في بعض الجوانب الحاسمة، غير منظمة بسبب اختلافات في الرتبة أو السلطة أو المكانة. (شيفلر 2010: 225)
يجادل نيكو كولودني بأن المؤسسات الديمقراطية هي عنصر أساسي للمساواة العلائقية (كولودني 2014أ,ب). أحد خطوط حجة كولودني يرى أن القرارات السياسية تنطوي على استخدام القوة القسرية. التفاوتات في سلطة استخدام القوة تقوض المكانة الاجتماعية المتساوية جزئيا على الأقل لأن سلطة استخدام القوة هي “السلطة التي تحدد عادة توزيع القوى الأخرى” (كولودني 2014ب: 307). الأفراد الذين لديهم سلطة فائقة لاستخدام القوة على الآخرين لديهم مكانة اجتماعية أعلى. لذا، فإن التوزيع المتساوي للسلطة السياسية ضروري لتحقيق المساواة الاجتماعية. والمؤسسات الديمقراطية وحدها توفر توزيعا متساويا للسلطة السياسية. سنناقش العلاقة بين المساواة العلائقية والديمقراطية بشكل أعمق عندما نناقش سلطة الديمقراطية في الجزء الثالث أدناه.
3. سلطة الديمقراطية
وبما أن الديمقراطية عملية اتخاذ قرار جماعي، يثار السؤال الطبيعي حول ما إذا كان هناك واجب للمواطنين في طاعة القرارات الديمقراطية عندما يختلفون معها.
هناك ثلاثة مفاهيم رئيسية للسلطة الشرعية للدولة. أولا، تمتلك الدولة سلطة شرعية بقدر ما تبرر أخلاقيا في فرض حكمها القسري على أعضائها. لا تملي السلطة المشروعة في هذا الجانب بشكل مباشر على الالتزامات أو الواجبات التي قد يحملها المواطنون تجاه تلك الدولة. بل تقول ببساطة إنه إذا كانت الدولة مبررة أخلاقيا فيما تفعله، فلديها سلطة شرعية. ثانيا، للدولة سلطة شرعية بقدر ما تولد توجيهاتها واجبات على المواطنين للطاعة. لا يجب أن تكون واجبات المواطنين مستحقة للدولة، لكنها واجبات حقيقية يجب الالتزام بها. الثالث هو أن للدولة حق في الحكم مرتبط بواجب المواطنين تجاهها في طاعتها. هذه هي أقوى فكرة للسلطة ويبدو أنها الفكرة الأساسية وراء شرعية الدولة. الفكرة هي أنه عندما يختلف المواطنون حول القانون والسياسات، من المهم أن نتمكن من الإجابة على السؤال: من له الحق في الاختيار؟
1.3 المفاهيم الذرائعية للسلطة الديمقراطية
تهب الحجج الذرائعية للديمقراطية سببا ما لاحترام الديمقراطية عندما يختلف المرء مع قراراتها. قد تكون هناك العديد من الاعتبارات الذرائعية التي تلعب دورا في اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يجب الطاعة. وهذه الاعتبارات الذرائعية متشابهة إلى حد كبير سواء كان المرء يفكر في طاعة الديمقراطية أو أي شكل آخر من أشكال الحكم.
هناك نهج ذرائعي واحد فريد تماما في الديمقراطية، ويبدو أنه يؤسس تصورا قويا للسلطة الديمقراطية. هو النهج المعرفي المستوحى من مبرهنة كوندرسيه لهيئة المحلفين، التي ناقشناها في القسم 2.1.1.2 أعلاه. هناك، ناقشنا عددا من الصعوبات في تطبيق نظرية هيئة المحلفين كوندورسيه على قضية التصويت في الانتخابات والاستفتاءات في الديمقراطيات واسعة النطاق، بما في ذلك غياب الاستقلالية، وتقسيم المعلومات، ووجود تحيزات أيديولوجية.
هناك قلق آخر بشأن المفاهيم المعرفية لنظرية هيئة المحلفين وهو أنها ستثبت أنها أكثر مما ينبغي لأنها تقوض الممارسة الشائعة للمعارضة الموالية في الديمقراطيات. إذا تم تحقيق الشروط الخلفية لنظرية هيئة المحلفين، ستكون أغلبية ديمقراطية واسعة النطاق عمليا مؤكدة لإصدار القرارات الصحيحة. على أي أساس يمكن للمواطنين في أقلية سياسية التمسك بآرائهم المتنافسة بعقلانية؟ لدى أعضاء الأقلية سبب قوي لتحويل ولائهم إلى موقف الأغلبية، لأن لكل منهم سبب وجيه للاعتقاد بأن الأغلبية على حق. لذا فإن التصور المعرفي للسلطة المبنية على نظرية هيئة المحلفين يهدد بأن يكون سلطويا بشكل غير مرغوب فيه، لأنه يبدو وكأنه يتطلب ليس فقط طاعة الفعل بل طاعة الفكر أيضا. حتى في المجتمعات العلمية، فإن حقيقة أن غالبية العلماء يؤيدون وجهة نظر معينة لا تجعل العلماء الأقلية يعتقدون أنهم مخطئون، رغم أنها ربما تجعلهم يترددون (جودين 2003: الفصل 7).
تجمع بعض نظريات السلطة الديمقراطية بين اعتبارات ذرائعية وغير ذرائعية. يجادل ديفيد إستلوند بأن الإجراءات الديمقراطية لها سلطة شرعية لأنها أفضل من العشوائية وتعد أفضل الأنظمة السياسية المعرفية التي يقبل جميع المواطنين العقلانيين بها (إستلوند 2008). يجب أن تكون أفضل من عشوائية، وإلا لماذا لا نستخدم إجراء عشوائيا عادلا مثل اليانصيب أو رمية العملة؟ يجب أن يكون للسلطة الديمقراطية عنصر معرفي. ويجب أن يكون مبرر الإجراءات الديمقراطية مقبولا لجميع المواطنين العقلاء لاحترام حريتهم ومساواتهم. تصور إستلوند للسلطة الديمقراطية — الذي يسميه “الإجرائية المعرفية” — يجمع بذلك بين مثالية التبرير الجماهيري والاهتمام بميل الديمقراطيات إلى إصدار قرارات جيدة.
2.3 المفاهيم الجوهرية للسلطة الديمقراطية
الديمقراطية كحكم ذاتي جماعي
يجادل بعض المنظرين بأن هناك علاقة خاصة بين الديمقراطية والسلطة الشرعية تستند إلى قيمة الحكم الذاتي الجماعي. يجادل جون لوك بأنه عندما يوافق الشخص على إنشاء مجتمع سياسي، فإنه يوافق بالضرورة على استخدام حكم الأغلبية في تحديد كيفية تنظيم المجتمع السياسي (لوك 1690: القسم 96). يعتقد لوك أن حكم الأغلبية هو قاعدة القرار الطبيعي عندما يكون هناك خلاف. ويجادل بأن المجتمع هو نوع من الجسد الجماعي الذي يجب أن يتحرك في اتجاه القوة الأكبر. إحدى طرق فهم هذا الجدل هي كما يلي. إذا اعتبرنا كل عضو في المجتمع متساويا وإذا اعتقدنا أن هناك خلافا محتملا يتجاوز مسألة الانضمام إلى المجتمع أم لا، فعلينا أن نقبل حكم الأغلبية كقاعدة القرار المناسبة. يفترض هذا التفسير لحجة القوة الأكبر أن تعبير “القوة الأكبر” يجب أن يفهم من حيث القيمة المتساوية لمصالح وحقوق كل شخص، لذا يجب أن يسلك المجتمع الاتجاه الذي يريده العدد الأكبر من الأشخاص.
يعتقد لوك أن شعبا يتكون من أفراد يوافقون على أن يكونوا أعضاء، يمكنه اختيار الملكية من خلال حكم الأغلبية، لذا فإن هذه الحجة وحدها لا تمنحنا حجة للديمقراطية. لكن لوك يعود إلى هذا الحجة عندما يدافع عن متطلبات المؤسسات التمثيلية لتقرير متى يمكن تنظيم الممتلكات ومتى يمكن فرض الضرائب. ويجادل بأن الشخص يجب أن يوافق على تنظيم أو فرض ضرائب على ممتلكاته من قبل الدولة. لكنه يقول إن شرط الموافقة هذا يتحقق عندما يوافق غالبية ممثلي مالكي العقارات على تنظيم وفرض الضرائب على الممتلكات (لوك، 1690: القسم 140). يبدو أن هذا يتجه نحو تصور ديمقراطي حقيقي للسلطة المشروعة.
يجادل روسو بأنه عندما يوافق الأفراد على تشكيل مجتمع سياسي، فإنهم يوافقون على وضع أنفسهم تحت توجيه “الإرادة العامة” (روسو 1762). الإرادة العامة ليست مجرد تجميع لإرادة الأفراد الخاصة. بل هي إرادة المجتمع السياسي ككل. وبما أن الإرادة العامة لا يمكن أن تظهر إلا كنتيجة لإجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح، يوافق الأفراد على وضع أنفسهم تحت توجيه إجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح. وفقا لتفسير روسو، تنظم الإجراءات الديمقراطية بشكل صحيح فقط عندما (1) تعرف حقوقا تنطبق على الجميع بالتساوي، (2) عبر إجراء يأخذ مصالح الجميع بالتساوي، و(3) لكل من يجبر على طاعة القوانين صوت في تلك الإجراءات.
هناك على الأقل طريقتان لفهم فكرة الإرادة العامة. فيما يمكن تسميته التفسير التأسيسي، تتكون الإرادة العامة من نتائج إجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح. أي أن نتائج إجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح هي الإرادة العامة بحكم حقيقة أنها تنبع من إجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح، وليس لأنها تعكس حقيقة مستقلة عن الإجراءات حول الصالح العام. وفقا لما يمكن تسميته التفسير المعرفي، فإن نتائج إجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح هي الطريقة لتتبع الحقيقة المستقلة عن الإجراءات حول الصالح العام. كما ناقشنا في القسم 3.1، غالبا ما يفسر روسو على أنه يستند إلى نظرية هيئة المحلفين لكوندرسيه لدعم المصداقية المعرفية لإجراء ديمقراطي منظم بشكل صحيح.
الحرية والسلطة الديمقراطية
طورت آنا ستيلز سردا للسلطة الديمقراطية يستند إلى قيمة “الحرية كاستقلال” (ستيلز 2009). الحرية كاستقلال هي الحرية من الخضوع لإرادة الآخر. لكي لا يخضع الأفراد لإرادة الآخرين، يحتاج الأفراد إلى حقوق ملكية ومجال محمي من الاستقلالية لمتابعة خططهم. استنادا إلى كانط، تجادل ستيلز بأن محاولات أفراد معينين، مهما كانت ضميرية، لتعريف وتأمين حقوق الملكية والاستقلال في حالة طبيعية ستكون غير متسقة مع الحرية كاستقلال. تفرض مثل هذه المحاولات التزامات جديدة أحادية الجانب على الآخرين من خلال أفعال الإرادة الخاصة في مواجهة مطالبات متنافسة. ولكن حتى إذا وافق الأفراد في حالة طبيعية على حل مطالبهم المتنافسة، فهم يعتمدون على إرادة الآخرين في احترام هذا الاتفاق. لذا تجادل ستيلز بأن العدالة يجب أن تدار من خلال نظام قانوني موثوق يمكنه فرض مجموعة واحدة من القواعد الموضوعية بشكل قسري—قواعد يجب أن نحترمها حتى عندما نختلف معها—للفصل في مطالبنا المتضاربة. ولكن إذا كان هذا النظام سيتوافق مع حرية الرعايا، فلا يمكن فرضه بإرادة خاصة للحكام. تجادل ستيلز بأن الحل يكمن في فكرة روسو عن الإرادة العامة. عندما يطيع الرعية الإرادة العامة، فهم لا يطيعون الإرادة الخاصة لأي فرد؛ هم يطيعون إرادة تنشأ من الجميع وتنطبق على الجميع.
أحد المخاوف في هذا الحساب هو أن من يعارضون القوانين أو السياسات التي تم سنها ديمقراطيا قد يشتكون من أن تلك القوانين أو السياسات مفروضة ضد إرادتهم. ربما لا تخضع لإرادة فرد معين، لكنها تخضع لإرادة الأغلبية. قد يعتقد أن هذا يشكل تهديدا كبيرا على حرية الأفراد كاستقلال. قلق آخر، يمكن القول إن ستيلز ورثته من روسو، هو أن الظروف التي تسمح بظهور الإرادة العامة صعبة جدا لدرجة أن يوحي منظورها بأنه لا توجد دولة موجودة أو وُجدت تمتلك سلطة سياسية مشروعة. لذا يمكن اعتبار وجهة نظر ستيلز ما يسميه أ. ج. سيمونز “أناركية لاحقة” (سيمونز 2001).
المساواة والسلطة
يؤكد نهج آخر للسلطة الديمقراطية أن الفشل في الامتثال لقرارات الجمعية الديمقراطية يعادل معاملة مواطنيه كأدنى (كريستيانو 2008: الفصل 6). تحقق الديمقراطية، في مواجهة الخلاف حول القانون والسياسة الجوهرية، نوعا من المساواة العامة من خلال منح كل فرد صوتا متساويا في تحديد القوانين أو السياسات التي ستسن. المواطنون الذين يتجنبون القوانين التي تسنها إجراءات متساوية يتصرفون ضد الحق المتساوي لجميع المواطنين في أن يكون لهم رأي في سن القوانين. أولئك الذين يرفضون دفع الضرائب أو احترام قوانين الملكية بحجة أنها غير عادلة يؤكدون حقا أسمى على حق الآخرين في تحديد كيفية تنظيم الجوانب المشتركة للحياة الاجتماعية. وبالتالي، ينتهكون واجب معاملة الآخرين علنا كأنداد. وهناك سبب للاعتقاد بأن هذه المهمة عادة ما تكون ذات أولوية ما. المساواة العامة هي أهم أشكال المساواة، والديمقراطية مطلوبة من أجل المساواة العامة. الأشكال الأخرى للمساواة التي تلعب دورا في النزاعات الجوهرية حول القانون والسياسة هي تلك التي يمكن أن يكون للناس خلافات معقولة حولها (ضمن حدود يحددها مبدأ المساواة العامة). لذا فإن المواطنين ملزمون بالامتثال للعملية الديمقراطية، حتى لو تم تمرير مفاهيمهم المفضلة للعدالة أو المساواة في عملية اتخاذ القرار.
يطور دانيال فيهوف تصورا متساويا للسلطة الديمقراطية يستند إلى مثل المساواة العلائقية (فيهوف 2014؛ انظر القسم 2.2.3 أعلاه لمزيد من المعلومات حول المساواة العلائقية). يجادل فيهوف بأن المساواة العلائقية مهددة ب “الخضوع” في العلاقة، والتي تحدث عندما يكون للأفراد سلطة مختلفة بشكل كبير في كيفية تفاعلهم مع بعضهم البعض وتواصلهم. وفقا لفيهوف، فإن طاعة نتائج الإجراءات الديمقراطية المتساوية أمر ضروري وكاف لتحقيق التنسيق حول القواعد المشتركة دون الخضوع. وهذا كاف لأن الإجراءات الديمقراطية توزع سلطة اتخاذ القرار بالتساوي، مما يضمن أن التنسيق لا يحدد بمزايا القوة غير المتساوية. وهذا ضروري لأن يجب على الأطراف أن تتخلى عن اعتبارات السلطة الأعلى والأقل لتحقيق عدم الخضوع في علاقتهم.
يطور فابيين بيتر تصورا قائما على العدالة للسلطة الديمقراطية يدمج الاعتبارات المعرفية (بيتر 2008؛ 2009). استنادا إلى رؤى من نظرية الإجرائية المعرفية، ترى “الإجرائية المعرفية الخالصة” لبيتر أن القرارات الديمقراطية المتساوية بشكل مناسب ملزمة جزئيا على الأقل لأنها تنتج عن إجراء عادل لإنتاج المعرفة. يختلف هذا التفسير عن الإجرائية المعرفية لإستلوند (انظر القسم 5.1 أعلاه) لأنه لا يشترط سلطة الإجراءات الديمقراطية على قدرتها على إصدار قرارات تتبع الحقيقة المستقلة عن الإجراءات. بل إن سلطة الإجراءات الديمقراطية تقوم على عدالتها. ويختلف عن الحسابات الإجرائية البحتة لأن المفهوم المهم للعدالة هو العدالة في إنتاج المعرفة.
3.3 حدود سلطة الديمقراطية
ما هي حدود السلطة الديمقراطية؟ حد السلطة الديمقراطية هو انتهاك مبدأ يهزم السلطة الديمقراطية. عندما تنتهك الجمعية الديمقراطية المبدأ، تفقد الجمعية سلطتها في تلك الحالة أو تتجاوز الوزن الأخلاقي للسلطة. تم تقديم عدد من وجهات النظر المختلفة حول هذه القضية. يمكننا التمييز بين الحدود الداخليةوالخارجية للسلطة الديمقراطية. ينشأ حد داخلي من المتطلبات التأسيسية للعملية الديمقراطية أو من المبادئ التي أسست الديمقراطية. ينشأ حد خارجي من مبادئ مستقلة عن القيم أو المتطلبات التي تؤسس الديمقراطية.
الحدود الخارجية للسلطة الديمقراطية هي الحدود التي ترفض الحدود، وهي مبادئ تعارض—وقد تفوق أحيانا المبادئ التي تؤسس الديمقراطية. لذا في حالة معينة، قد يرى الفرد أن هناك أسبابا لطاعة الجمعية وبعض الأسباب ضد طاعة الجمعية، وفي الحالة الحالية تفوق الأسباب ضد الطاعة الأسباب المؤيدة للطاعة. الحدود الداخلية للسلطة الديمقراطية تقوض الحدود. لا تعمل هذه الحدود عبر وزن الاعتبارات لصالح السلطة، بل تقوض الاعتبارات لصالح السلطة تماما؛ أي هي ببساطة تعطل السلطة. عندما يكون هناك حد مخفض قائم، فليس الأمر كما لو أن المبادئ التي تؤسس هذا الحد تفوق أسباب طاعة الجمعية الديمقراطية، بل تضعف أسباب طاعة الجمعية الديمقراطية تماما؛ تتوقف عن الوجود أو على الأقل تضعف بشدة.
الحدود الداخلية للسلطة الديمقراطية
جادل البعض بأن العملية الديمقراطية يجب أن تقتصر على قرارات لا تتعارض مع الأداء السليم للعملية الديمقراطية. لذا يجادلون بأن العملية الديمقراطية قد لا تسلب بشكل مشروع الحقوق السياسية لمواطنيها في وضع جيد. قد لا تسلب الحقوق الضرورية للعملية الديمقراطية مثل حرية التجمع أو حرية التعبير. لكن هذه الحدود لا تتجاوز متطلبات الوظيفة الديمقراطية السليمة. ولا تحمي الخطاب الفني غير السياسي أو حرية التجمع في حالة الأنشطة غير السياسية (إيلي 1980: الفصل 4).
نوع آخر من الحدود الداخلية هو الحد الذي ينشأ من المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية. ويبدو أن وجود هذا الحد ضروري لفهم الحد الأول، لأنه لكي يكون الحد الأول مهما أخلاقيا، نحتاج إلى معرفة لماذا يجب على الديمقراطية حماية العملية الديمقراطية.
يقدم لوك شرحا للحدود الداخلية للديمقراطية في فكرته بأن هناك أشياء معينة لا يجوز للمواطن الموافقة عليها (لوك 1690: الفصل الحادي عشر). لا يجوز له الموافقة على الحكم التعسفي أو انتهاك الحقوق الأساسية بما في ذلك الحقوق الديمقراطية والليبرالية. وبما أن الموافقة هي أساس السلطة الديمقراطية بالنسبة للوك، فإن هذا السرد يقدم تفسيرا لفكرة الحدود الداخلية الأولى، وهي أن الديمقراطية قد لا تعلق بالوسائل الديمقراطية، لكنها تتجاوز هذا الحد لتقترح أن الحقوق التي ليست مرتبطة جوهريا بممارسة حق التصويت قد لا تنتهك أيضا لأن الشخص لا يوافق على انتهاكها.
دافع رونالد دوركين مؤخرا عن حدود السلطة الديمقراطية (دوركين 1996). ويجادل بأن الديمقراطية مبررة بالاستناد إلى مبدأ الحكم الذاتي. ويجادل بأن الحكم الذاتي لا يمكن تحقيقه إلا إذا عومل جميع المواطنين كأعضاء كاملين في المجتمع السياسي، لأنهم في غير ذلك لا يستطيعون التعريف بأنفسهم على أنهم أعضاء في المجتمع. من بين شروط العضوية الكاملة، كما يجادل، حقوق في معاملتهم كأنداد وحقوق احترام الاستقلال الأخلاقي. تدعم هذه المبادئ متطلبات قوية لعدم التمييز والحقوق الليبرالية الأساسية.
كما أن مفهوم السلطة الديمقراطية الذي يستند على المساواة العامة يقدم أيضا وصفا لحدود تلك السلطة (كريستيانو 2008: الفصل 6). وبما أن الديمقراطية تقوم على المساواة العامة، فلا يجوز لها انتهاك المساواة العامة في أي من قراراتها. الفكرة الأساسية هي أن الانتهاك الصريح للمساواة العامة من قبل الجمعية الديمقراطية يقوض الادعاء بأن الجمعية الديمقراطية تجسد المساواة العامة. تجسيد الديمقراطية للمساواة العامة مشروط بحمايتها للمساواة العامة. وبقدر ما تستند الحقوق الليبرالية إلى المساواة العامة وتوفير الحد الأدنى الاقتصادي أيضا مبني على هذا القدر، فهذا يشير إلى أن الحقوق الديمقراطية والحقوق الليبرالية وحقوق الحد الاقتصادي الأدنى تخلق حدا للسلطة الديمقراطية. يوفر هذا الحساب أيضا أساسا عميقا لأنواع الحدود على السلطة الديمقراطية التي يدافع عنها الحد الداخلي الأول، ويتجاوز ذلك إلى حد أن حماية الحقوق غير المرتبطة بممارسة حق التصويت ضرورية أيضا للمساواة العامة.
مشكلة الأقليات المستمرة
يقدم هذا الوصف لسلطة الديمقراطية أيضا بعض المساعدة في مسألة معقدة تتعلق بالنظرية الديمقراطية. تكمن هذه المسألة في صعوبة استمرار الأقليات. هناك أقلية مستمرة في المجتمع الديمقراطي عندما تخسر تلك الأقلية دائما في التصويت. هذا احتمال دائم في الديمقراطيات بسبب استخدام حكم الأغلبية. إذا تم تقسيم المجتمع إلى كتلتين أو أكثر من الكتلتين الانتخابيتين الموحدتين بشكل كبير، حيث يصوت أعضاء كل مجموعة بنفس الطرق التي يصوت بها جميع أعضاء تلك المجموعة، فإن المجموعة في الأقلية ستجد نفسها دائما في الطرف الخاسر من الأصوات. وقد أصابت هذه المسألة بعض المجتمعات، خاصة تلك التي تضم شعوبا أصلية تعيش ضمن مجتمعات متقدمة. على الرغم من أن هذه المسألة غالبا ما ترتبط بطغيان الأغلبية، إلا أنها تختلف عن مشكلة طغيان الأغلبية لأنها قد تحاول معاملة الأقلية بشكل جيد، وفقا لمفهومها للمعاملة الجيدة. المشكلة فقط أن الأقلية لا تتفق أبدا مع الأغلبية حول ما يشكل معاملة مناسبة. كونها أقلية مستمرة يمكن أن يكون قمعيا للغاية حتى لو لم تحاول الأغلبية التصرف بقمع. يمكن فهم ذلك بمساعدة الأفكار نفسها التي تقوم عليها الديمقراطية. لدى الأشخاص اهتمام في تصحيح التحيزات المعرفية للآخرين وأن يكونوا قادرين على صنع العالم بطريقة تجعله منطقيا بالنسبة لهم. هذه المصالح نكسة للأقلية المستمرة لأنها لا تحصل على ما تريد أبدا.
يمكن لمفهوم الديمقراطية القائم على المساواة العامة أن يوضح هذه المسألة. يمكنها القول إن وجود أقلية مستمرة ينتهك المساواة العامة (كريستيانو 2008: الفصل 7). المجتمع الذي توجد فيه أقلية مستمرة هو مجتمع تعامل فيه هذه الأقلية علنا كأدنى لأنه واضح أن مصالحها الأساسية تتراجع. لذا، وبقدر ما تقوض انتهاكات المساواة العامة سلطة الجمعية الديمقراطية، فإن وجود أقلية مستمرة يقوض سلطة الديمقراطية على الأقل فيما يتعلق بالأقلية. وهذا يشير إلى أنه يجب بناء مؤسسات معينة بحيث لا تكون الأقلية مستمرة.
الحدود الخارجية للسلطة الديمقراطية
أحد أنواع الحدود الطبيعية للسلطة الديمقراطية هو النوع الخارجي من الحدود. الفكرة هنا هي أن هناك اعتبارات معينة تفضل اتخاذ القرار الديمقراطي، وهناك قيم معينة مستقلة عن الديمقراطية قد تكون محل جدل في القرارات الديمقراطية. على سبيل المثال، تعترف العديد من النظريات بالحقوق الليبرالية الأساسية — مثل حقوق الملكية، وسلامة الجسد، وحرية الفكر والتعبير — كحدود خارجية للسلطة الديمقراطية. غالبا ما يفسر لوك على أنه يجادل بأن للأفراد حقوقا طبيعية في الملكية داخل أنفسهم والعالم الخارجي يجب أن تحترمها القوانين الديمقراطية لكي يكون لهم سلطة شرعية (لوك 1690).
قد تدعي بعض الآراء أن هناك حدودا خارجية فقط للسلطة الديمقراطية. لكن من الممكن أن نعتقد أن هناك حدودا داخلية وخارجية. قد تظهر مثل هذه القضية في قرارات الذهاب إلى الحرب، على سبيل المثال. في مثل هذه القرارات، قد يكون على الشخص واجب طاعة قرار الجمعية الديمقراطية على أساس أن هذا هو الأسلوب الذي يعامل به المواطنون كأنداد، لكنه قد يكون أيضا ملزما بمعارضة الحرب بحجة أن الحرب عدوان غير عادل ضد الآخرين. وبقدر ما يكون هذا الاعتبار جديا بما فيه الكفاية، فقد يفوق اعتبارات المساواة التي تقوم عليها السلطة الديمقراطية. لذا قد يكون على المرء واجب عام بعدم الطاعة في هذا السياق. تبدو قضايا السياسة الخارجية بشكل عام وكأنها تؤدي إلى حدود خارجية محتملة للديمقراطية.
4. مطالب المشاركة الديمقراطية
نفحص في هذا القسم مطالب المشاركة في ديمقراطيات واسعة النطاق. نبدأ بفحص تحد جوهري لفكرة أن المواطنين الديمقراطيين قادرون على حكم مجتمع كبير ومعقد. ثم نستكشف حلولا مقترحة مختلفة للتحدي الأساسي. وأخيرا، نفحص الواجبات الأخلاقية للمواطنين الديمقراطيين في الديمقراطيات واسعة النطاق في ضوء التحدي الأساسي.
1.4 معضلة المشاركة الديمقراطية
كان تحديد ما إذا كان المواطنون العاديون قادرين على تحمل مهمة حكم مجتمع كبير ومعقد معضلة مزعجة في النظرية الديمقراطية. هناك ثلاث معضلات فارقات هنا:
جادل أفلاطون بأن بعض الناس أكثر ذكاء واطلاعا على الأمور السياسية من غيرهم ولديهم شخصية أخلاقية أسمى، وأن هؤلاء الأشخاص يجب أن يحكموا (الجمهورية، الكتاب السادس)
جادل آخرون بأن يجب أن يكون للمجتمع تقسيم للعمل. لو كان الجميع منخرطين في مهمة السياسة المعقدة والصعبة، لما تبقى الكثير من الوقت أو الطاقة للمهام الأساسية الأخرى للمجتمع. وعلى العكس، إذا كنا نتوقع من معظم الناس الانخراط في مهام صعبة ومعقدة أخرى، فكيف نتوقع أن يكون لديهم الوقت والموارد الكافية لتكريس أنفسهم بذكاء للسياسة؟
نظرا لأن الأفراد ليس لهم تأثير كبير على نتائج اتخاذ القرار السياسي في المجتمعات الكبيرة، فإن لديهم شعور ضئيل بالمسؤولية تجاه النتائج. جادل البعض بأن التصويت ليس منطقيا، لأن احتمالية أن يحدد تصويت الفرد نتيجة الانتخابات (أي سيحدد ما إذا كان مرشح سينتخب أم لا) تكاد تكون غير قابلة للتمييز عن الصفر. على سبيل المثال، يقدر تقدير مقبول على نطاق واسع أن احتمالية أن يدلي الفرد بصوت حاسم في انتخابات رئاسية أمريكية هي 1 من 100 مليون. العديد من التقديرات تضع الاحتمالات أقل بكثير. والأسوأ من ذلك، أن أنتوني داونز جادل بأن معظم من يصوتون ليس لديهم سبب كبير ليكونوا على دراية بأفضل طريقة للتصويت (داونز 1957: الفصل 13). على افتراض أن المواطنين يفكرون ويتصرفون تقريبا وفقا لنموذج داونسي، إما أن يدار المجتمع من قبل مجموعة صغيرة نسبيا من الناس مع مساهمة محدودة من الباقين، أو أن يدار بشكل سيء جدا. كما نرى، هذه الانتقادات هي أصداء لأنواع الانتقادات التي وجهها أفلاطون وهوبز.
تطرح هذه الملاحظات تحديات لأي تصور متساو أو تأملي قوي للديمقراطية. بدون القدرة على المشاركة الذكية في السياسة، لا يمكن للمرء استخدام أصواته لتحقيق أهدافه، ولا يمكن القول إنه يشارك في عملية مداولات منطقية بين المتساوين. لذا، إما أن المساواة في السلطة السياسية تعني نوعا من المشاركة المتساوية للمواطنين هازمة للذات في السياسة أو أن تقسيم العمل المعقول يبدو أنه يقوض مساواة السلطة. والمشاركة الكبيرة للمواطنين في المداولات العامة تعني إهمال نسبي لمهام أخرى أو أن الأداء السليم لقطاعات المجتمع الأخرى يتطلب ألا يشارك معظم الناس بذكاء في المناقشات العامة.
2.4 الحلول المقترحة لمعضلة المشاركة الديمقراطية
نظرية النخبة في الديمقراطية
جادل بعض المنظرين المعاصرين للديمقراطية، الذين يطلق عليهم منظرو النخبة، ضد أي أشكال متساوية أو مداولات قوية من الديمقراطية في ضوء معضلة المشاركة الديمقراطية. ويجادلون بأن مستويات مشاركة المواطنين العالية تميل إلى إنتاج تشريعات سيئة صممها الدهمائيون لجذب المواطنين غير المدركين ومفرطي العاطفة. يرون أن ما يزعم جهل المواطنين، كما ظهر في العديد من الدراسات التجريبية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أمر معقول ومتوقع تماما. بل يعتبرون اللامبالاة المزعومة للمواطنين في الدول الحديثة ظاهرة اجتماعية مرغوبة للغاية.
يجب على القادة السياسيين تجنب القضايا المثيرة للانقسام والمشحونة عاطفيا ووضع السياسات والقوانين دون اعتبار كبير للمطالب المتقلبة والمبعثرة التي يقدمها المواطنون العاديون. يشارك المواطنون بالتصويت، لكنهم بما أنهم يعرفون القليل جدا فهم ليسوا فعليا الجزء الحاكم من المجتمع. عادة ما تكون عملية الانتخاب مجرد طريقة سلمية إلى حد ما للحفاظ على أو تغيير من يحكمون (شومبيتر 1942 [1950: 269]).
ومع ذلك، من وجهة نظر شومبتر، فإن للمواطنين دور في تجنب الكوارث الخطيرة. عندما يتصرف السياسيون بطرق يرى الجميع تقريبا أنها مشكلة، يمكن للمواطنين طرد المتشردين.
لذا تبدو نظرية النخبة للديمقراطية متوافقة مع بعض الحجج الذرائعية المذكورة أعلاه، لكنها تعارض بشدة الحجج الجوهرية من الحرية والتبرير العام والمساواة. بالتأكيد، يمكن أن يكون هناك ديمقراطية نقاشية للنخبة حيث تناقش النخب، وربما حتى بعيدا عن أنظار السكان بشكل عام، كيفية إدارة المجتمع.
تجادل وجهة نظر مشابهة لنظرية النخبة لكنها أقل تشاؤما بشأن وكالة المواطنين السياسية وكفاءتهم، بأن الديمقراطية التمثيلية الفعالة يمكن أن تعمل كنوع من “الإبيستتوقراطية القابلة للدفاع” (لاندا & بيفنيك 2020). ترى هذه النظرة أنه، في الظروف المناسبة، يمكن توقع أن يمارس المسؤولون المنتخبون السلطة السياسية بمسؤولية أكبر من المواطنين في الديمقراطية المباشرة، لأن كل مسؤول أكثر احتمالا للإدلاء بالصوت الحاسم في المجالس التشريعية (تأثير “المحورية”) ويكون لدى المسؤولين حافز أكبر لممارسة السلطة مع مراعاة الرفاهية العامة (“تأثير المساءلة”). علاوة على ذلك، وفي الظروف المناسبة، تتيح الديمقراطية التمثيلية للأفراد تقييم كفاءة المرشحين للمناصب واختيار المرشحين الذين هم أفضل قدرة على مساعدة المجتمع على الوفاء بالتزاماته.
التعددية بين مجموعات المصالح
التفسير التعددي لجماعات المصالح السياسية هو نهج مدفوع جزئيا بمشكلة المواطنة الديمقراطية لكنه يحاول الحفاظ على بعض عناصر المساواة ضد النقد النخبوي. بيان روبرت دال الآنف عن هذا المنظور قوي جدا.
جوهر كل السياسة التنافسية، بالمعنى التقريبي، هو رشوة الناخبين من قبل السياسيين… المزارع… يدعم مرشحا ملتزما بدعم الأسعار العالية، رجل الأعمال… يدعم مناصرة لضرائب الشركات المنخفضة… المستهلك… يصوت للمرشحين المعارضين لضريبة المبيعات. (دال 1959: 69)
في هذا التصور للعملية الديمقراطية، كل مواطن هو عضو في مجموعة مصالح ذات مصالح محددة بشكل ضيق ترتبط ارتباطا وثيقا بحياته اليومية. يفترض أن يكون المواطنين في هذه المواضيع على دراية جيدة ومهتمين بالحصول على تأثير. أو على الأقل، فإن النخب من كل مجموعة مصالح قريبة نسبيا من الأعضاء العاديين هم الوكلاء الرئيسيون في العملية. وبناء على ذلك، فإن الديمقراطية ليست حكم الأغلبية، بل تحالفات من الأقليات. يتم تحديد السياسات والقانون في المجتمع الديمقراطي من خلال التفاوض بين المجموعات المختلفة.
من الممكن أن يكون هذا النهج متوافق مع النهج الأكثر مساواة في الديمقراطية. وذلك لأنه يحاول التوفيق بين المساواة واتخاذ القرار الجماعي من خلال حصر مهام المواطنين على تلك التي يستطيعون أدائها بشكل معقول. ولا يتوافق بشكل خاص مع نهج التبرير العام التداولي الذي يتطلب من العملية الديمقراطية أن تركز أساسا على التفاوض بين مجموعات المصالح المختلفة في حين لا تخضع التفضيلات لمزيد من النقاش في المجتمع ككل.
النيوليبرالية
يمكن تسمية النهج الثالث المستوحى من معضلة المشاركة بالمنهج النيوليبرالي في السياسة الذي يفضله منظرو الاختيار الجماهيري مثل جيمس بوكانان وجوردون تولوك (1962). وضد نظريات النخبة، يزعمون أن النخب وحلفائها سيميلون إلى توسيع سلطات الحكومة والبيروقراطية لمصالحهم الخاصة، وأن هذا التوسع سيحدث على حساب جمهور غير منتبه إلى حد كبير. لهذا السبب، يجادلون بفرض قيود صارمة على سلطات النخب. يجادلون ضد منظري التعددية الجماعية بأن معضلة المشاركة تحدث داخل مجموعات المصالح إلى حد كبير بقدر ما تحدث بين المواطنين بشكل عام. فقط المصالح الاقتصادية القوية هي التي من المرجح أن تنجح في التنظيم للتأثير على الحكومة، وسيفعلون ذلك إلى حد كبير لمصلحتهم الخاصة. نظرا لأن النخب الاقتصادية ستعزز مصالحها في السياسة وتوزع التكاليف على الآخرين، فإن السياسات ستميل لأن تكون أكثر تكلفة (لأنها مفروضة على الجميع في المجتمع) مما تكون مفيدة (لأنها تفيد فقط النخب في مجموعة المصالح).
يستنتج النيوليبراليون أنه ينبغي نقل العديد من الوظائف الحالية للدولة إلى السوق وتقييد وظيفة الدولة في تطبيق حقوق الملكية والحريات الأساسية. وبالتالي يمكن فهم هذه الأمور بسهولة أكبر ووضعها تحت سيطرة المواطنين العاديين.
لكن الرواية النيوليبرالية للديمقراطية يجب أن تجيب على قلقين كبيرين. أولا، لدى المواطنين في المجتمعات الحديثة تصورات أكثر طموحا للعدالة الاجتماعية والصالح العام مما يمكن تحقيقه من قبل الدولة البسيطة. وبالتالي، فإن الرواية النيوليبرالية تعني تقليصا خطيرا جدا للديمقراطية الخاصة به. هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لدعم الرأي بأن هذه الطموحات لا يمكن تحقيقها من قبل الدولة الحديثة. ثانيا، يتجاهل النهج النيوليبرالي معضلة التمركز الكبير والخاص للثروة والسلطة الذي يدفع الدول الصغيرة لمصلحتها وفرض إراداتها على الشعوب دون موافقتها.
يجادل سومين (2013) أيضا بأن الحكومة يجب أن تتقلص بشكل كبير في الحجم بحيث يكون للمواطنين عبء معرفي أقل لتحمله. لكنه يدعو إلى اللامركزية الحكومية بحيث يتمكن المواطنون من التصويت بأنفسهم لصالح أو ضد وحدات الحكومة المتنافسة، مما يخلق نوعا من السوق في الحكومات يمكن للمواطنين الاختيار بينها.
افتراض المصلحة الذاتية
يستند جزء كبير من الدراسات في العلوم السياسية والنظرية الاقتصادية للدولة إلى افتراض أن الأفراد يتصرفون أساسا وربما حصريا لمصلحتهم الذاتية إذا فسرها بشكل ضيق. تعتمد معضلة المشاركة وروايات العملية الديمقراطية الموصوفة أعلاه على هذا الافتراض إلى حد كبير. عندما لا يفترض أن تفضيلات الناخبين ذات مصلحة ذاتية، تتغير حسابات قيمة المشاركة. على سبيل المثال، إذا كان الشخص نفعيا متحفزا، فإن الفرصة الصغيرة لإحداث فرق تقترن بعائد تراكمي كبير لكثير من الأشخاص إذا كان ثمة فرق كبير بين البدائل. قد يكون من المفيد في هذه الحالة أن تصبح مطلعا بشكل معقول (بارفيت 1984: 74). حتى التفضيلات الأخلاقية الأكثر ضعفا يمكن أن تحدث فرقا كبيرا في عقلانية الوعي، على سبيل المثال إذا كان لدى الشخص يفضل الامتثال للواجب المدني المتصور بالتصويت بمسؤولية (انظر القسم 4.3.1 لمناقشة واجب التصويت). يمكن صياغة أي تفضيل أخلاقي في وظائف نفعية متسقة.
علاوة على ذلك، غالبا ما يدعي المدافعون عن الديمقراطية التداولية أن الاهتمام بالخير العام والعدالة لا يعطى قبل السياسة فقط، بل يمكن أن يتطور ويتحسن من خلال عملية النقاش والمناظرة السياسية (إلستر 1986 [2003]؛ غوتمان وتومسون 2004؛ كوهين 1989 [2009]). يؤكدون أن الكثير من النقاش والنقاش في السياسة لم يكن ليكونا مفهومين لولا استعداد المواطنين للانخراط في نقاش منفتح مع من لديهم وجهات نظر مميزة ومستنيرة أخلاقيا. تشير الأدلة التجريبية إلى أن الأفراد مدفوعون بالاعتبارات الأخلاقية في السياسة بالإضافة إلى مصالحهم (مانسبريدج 1990).
تقسيم العمل الديمقراطي
سيحدث النقاش الجماهيري في أي ديمقراطية واسعة النطاق سيحدث نظام “تشاوري” معقد ومتمايز،
تقوم مجموعة واسعة من المؤسسات والجمعيات ومواقع التنافس بالأعمال السياسية. (مانسبريدج وآخرون، 2012)
علاوة على ذلك، فإن النظام التفاوضي للديمقراطية المعقدة سيتميز بتقسيم العمل الديمقراطي، حيث تقدم أجزاء مختلفة من النظام مساهمات مختلفة في النظام ككل. يطرح السؤال: ما هو الدور المناسب للمواطن في هذا التقسيم للعمل؟ يجب أن نطرح سؤالين فلسفيين. ما المعرفة التي يجب أن تكون لدى المواطنين لأداء دورهم؟ ما هي المعايير التي يجب أن ترتقي إليها معتقدات المواطنين لكي يتم دعمها بشكل كاف؟ وجهة نظر واعدة هي أن المواطنين يجب أن يفكروا في الأهداف التي يجب أن يطمح إليها المجتمع ويتركوا مسألة كيفية تحقيق تلك الأهداف للخبراء (كريستيانو 1996: الفصل 5). مبرر هذا التقسيم هو أن الخبرة ليست أساسية في اختيار الأهداف كما هي في تطوير التشريعات والسياسات. المواطنون قادرون في حياتهم اليومية على فهم وتنمية فهم عميق للقيم ومصالحهم. وإذا كان المواطنون يختارون الأهداف حقا ويسعون الآخرون بإخلاص لتحقيق تلك الأهداف، فإن المواطنين هم في مقعد القيادة في المجتمع ويمكنهم لعب هذا الدور كمتساوين.
وبالتأكيد، يحتاج المواطنون إلى معرفة لمن يصوتون وما إذا كان من يصوتون لهم يحققون أهدافهم فعلا. يبدو أن هذا يتطلب معرفة أساسية حول أفضل الطرق لتحقيق أهدافهم السياسية. كيف يكون هذا ممكنا بدون معرفة واسعة؟ بالإضافة إلى ذلك، هناك أدلة تجريبية على أن من هم أكثر اطلاعا لديهم تأثير أكبر على الممثلين (إريكسون 2015). فإذا كانت هذه المهمة تتطلب نوعا من المعرفة لتؤدى بشكل جيد، فكيف يمكن أن تكون متوافقة مع المساواة؟
أحد الردود الواعدة هو أن المواطنين العاديين لا يحتاجون بشكل فردي إلى معرفة كبيرة بالعلوم الاجتماعية والحقائق الخاصة لاتخاذ قرارات سياسية بناء على هذه المعرفة. تشير الأبحاث الحديثة في علوم الإدراك إلى أن الأفراد يستخدمون “اختصارات معرفية” لتوفير الوقت في جمع المعلومات عن العالم الذي يعيشون فيه (لوبيا وماكوبينز 1998). هذا الاستخدام للاختصارات شائع وضروري في الحياة الاقتصادية والسياسية. في الحياة السياسية، نرى جزءا من المنطق وراء وجود العديد من المؤسسات الوسيطة بين الحكومة والمواطنين (داونز 1957: 221–229). يوفر المواطنون الوقت من خلال الاستفادة من مؤسسات مثل الصحافة، والنقابات، وجمعيات مجموعات المصالح الأخرى، والأحزاب السياسية، وقادة الرأي للحصول على معلومات عن السياسة. كما يعتمدون على التفاعلات في مكان العمل وكذلك على المحادثات مع الأصدقاء والعائلات. يمكن للأحزاب السياسية ربط المواطنين العاديين بطرق مختلفة بالخبرة، لأن كل حزب يحتوي على تقسيم عمل يعكس ما هو موجود في الدولة. لدى الخبراء في الأحزاب حوافز لجعل خبراتهم مفهومة للأعضاء الآخرين (كريستيانو 2012). بالإضافة إلى ذلك، تحفز الأحزاب السياسية، في الظروف المواتية، تطوير وجهات النظر المعيارية للمواطنين وتسهل منافسة عامة صحية بين المبررات السياسية بناء على تلك الآراء (وايت & يبي 2016).
يعتمد الناس في الديمقراطية على الشبكات الاجتماعية. يتلقى الناس معلومات “مجانية” (لا يبحثون عنها عمدا) عن السياسة والقانون في المدرسة، ومن خلال وظائفهم، وفي النقاش مع الأصدقاء والزملاء والعائلة، وبالصدفة عبر وسائل الإعلام. يمكن أن يشكل هذا أساسا أفضل أو أسوأ لمتابعة معلومات أخرى. يمكن للمؤسسات أن تحدث فرقا في تدفق المعلومات المجانية التي يتلقاها الأفراد. يمكن توزيع التعليم بطريقة متساوية إلى حد ما. يمكن أن توفر ظروف العمل معلومات مجانية إلى حد ما عن السياسة والقانون. الأشخاص الذين لديهم وظائف ذات سلطة كبيرة مثل المحامين، رجال الأعمال، والمسؤولين الحكوميين سيكونون مستفيدين من معلومات مجانية عالية الجودة. إذ يحتاجون إلى معرفة القانون والسياسة ليؤدوا عملهم بشكل صحيح. أما الذين يعملون في وظائف منخفضة المهارات وغير النقابية فسيحصلون على معلومات مجانية أقل بكثير عن السياسة في العمل. وبقدر ما يمكننا تغيير التقسيم الاقتصادي للعمل من خلال منح المزيد من المساحة للنقابات أو زيادة مشاركة العمال، قد نتمكن من تقليل عدم المساواة في المعلومات بين المواطنين.
التصنيف
قد تم الجدل بأن بعض المعضلات الأساسية للديمقراطية التمثيلية الانتخابية يمكن حلها من خلال تبني تعيين المسؤولين السياسيين عن طريق الاختيار العشوائي أو التصنيف. كانت الديمقراطية الأثينية تتضمن الديمقراطية المباشرة لسن القوانين والتصنيف لاختيار المسؤولين. يمكن القول إن التصنيف يتوافق مع تعريف الديمقراطية المقدم في القسم 1 لأنه، نظرا لأن للمواطنين لهم فرصة متساوية في الاختيار، فإن التصنيف يتميز بالمساواة في مرحلة حاسمة من عملية اتخاذ القرار. يجادل أليكس غيريرو (2014) بأن التصنيف يمكن أن يتجنب المشاكل المرتبطة بالجهل السياسي، ونقص المساءلة التمثيلية، والسيطرة على العملية السياسية من قبل النخب. وهي تحل المعضلات لأن تعيين المسؤولين العموميين لا يعتمد على مشاركة المواطنين العاديين الذين من المرجح أن يكونوا جاهلين بالشؤون السياسية، ولا يترك المجال للأثرياء وأصحاب النفوذ للتأثير على اتخاذ القرار الرسمي من خلال تمويل الحملات الانتخابية. أحد الاعتراضات هو أن التصنيف يتجاهل مصالح المواطنين في أن يكونوا جزءا من عملية الحكم الذاتي الجماعي وليس مجرد فرصة متساوية ليكون جزءا من هذه العملية (لافونت 2019). اعتراض آخر هو أن عملية التصنيف لا تسمح باختيار ممثلين وأحزاب سياسية وضعت تصورا لكيفية تكامل جميع مصالح المجتمع في كيان عادل ومعقول.
3.4 الواجبات الأخلاقية للمواطنين الديمقراطيين
ما هي الواجبات الأخلاقية للمواطنين الديمقراطيين في الديمقراطيات المعقدة؟ نناقش في هذا القسم ثلاث واجبات ديمقراطية مهمة: (1) واجب التصويت، (2) واجب تعزيز العدالة من خلال عصيان القانون المبدئي، و(3) واجبات التكيف مع الاختلاف من خلال التسوية والتوافق.
واجب التصويت
غالبا ما يعتقد أن المواطنين الديمقراطيين لديهم واجب أخلاقي في التصويت في الانتخابات. لكن هذا ليس واضحا. الأصوات الفردية مساهمة غير مهمة بشكل سببي في العملية الديمقراطية. في الديمقراطيات واسعة النطاق، فرصة أن يحدد تصويت أي مواطن معين نتيجة الانتخابات ضئيلة. ما السبب الأخلاقي الذي يمتلكه المواطنون الديمقراطيون للمشاركة في السياسة رغم أنهم شبه متأكدين أنهم لن يحدثوا الفارق في من ينتخب؟ لماذا لا يسعون لتعزيز الخير أو العدالة بطرق أخرى؟
يطور بارفيت إجابة فعلية نفعية لهذا السؤال (بارفيت 1984: 73–75). يرى النفعيون الفاعلون أن الأفعال الصحيحة أخلاقيا تعظم المجموع المتوقع من منافع جميع الأشخاص في المجتمع. يجادل بارفيت بأن التصويت قد يعظم المنفعة المتوقعة إذا كان أحد المرشحين متفوقا بشكل ملحوظ على الآخر. إذا أضفنا فوائد كل عضو في المجتمع لصالح فوز المرشح المتفوق، نحصل على فرق كبير جدا في القيمة. لذا عندما نضرب تلك القيمة في احتمال الإدلاء بالصوت الحاسم، والذي يعتقد غالبا أنه حوالي 1/100,000,000 في انتخابات رئاسية أمريكية، قد نحصل على قيمة متوقعة مرتفعة إلى حد معقول. عندما نطرح تكلفة التصويت على الناخب وغيرهم، والتي غالبا ما تكون منخفضة جدا، من هذا الرقم، قد يظل لدينا سبب وجيه للتصويت.
أحد المخاوف في وجهة نظر بارفيت هو أنها تواجه نسخة مما يسميه جيسون برينان “مشكلة المخصوصية” (برينان 2011). هي مشكلة تفسير لماذا على المواطنين تعزيز القيمة الأخلاقية من خلال المشاركة السياسية بدلا من الأفعال غير السياسية. التصويت مجرد وسيلة واحدة لتعزيز المنفعة العامة؛ نحتاج إلى معرفة الفائدة المتوقعة للأفعال المختلفة التي قد يؤدونها بدلا من ذلك. حتى لو كانت الحجة أعلاه صحيحة، فقد يكون يحقق العديد من الأفراد الفائدة المتوقعة من خلال عدم التصويت والقيام بشيء أكثر فائدة بوقتهم.
يجادل أليكس غيريرو بأن للمواطنين أسباب أخلاقية للتصويت لأن المرشحين الذين يفوزون بنسبة أكبر من الأصوات يمكنهم المطالبة ب “تفويض معياري” أكبر للحكم (غيريرو 2010). ومع ذلك، فإن كل صوت فردي يساهم فقط بشكل ضئيل في نسبة الأصوات التي يحصل عليها المرشح. لذا، قد نشكك في قوة سبب التصويت الذي يحدده غيريرو.
يجادل بعض المنظرين بأن للأفراد واجب أخلاقي في التصويت من أجل تبرئة أنفسهم من التواطؤ في ظلم الدولة (بيربوم 2012؛ زاكاراس 2018). جميع الدول ترتكب الظلم — تضع وتنفذ قوانين غير عادلة، وتشن حروبا غير عادلة، وأشياء أخرى كثيرة. ولدى مواطني الديمقراطيات واسعة النطاق نوع من المسؤولية الدائمة، من خلال دفع الضرائب وطاعة القوانين، لمظالم دولتهم والتي يجب عليهم أن يبرأوا أنفسهم منها بفاعلية. يجادل اعتبار التواطؤ بأن المواطنين يتجنبون المسؤولية المشتركة عن ظلم ولاياتهم إذا عارضوا تلك الظلم من خلال التصويت والدفاع العام (بيربوم 2012).
أحد المخاوف هو أنه من غير الواضح لماذا يجب اعتبار التصويت والدفاع العلني ضد الظلم إعفاء عن المسؤولية التي تنشأ من خلال دفع الضرائب والامتثال للقوانين. قلق آخر هو أن اهتمام الشخص بمعارضة الظلم يجب أن ينبع من اهتمام مباشر أكثر بالظلم الذي يعاني منه ضحايا الظلم، وليس من الاهتمام بالحفاظ على نظافة الأيدي.
نوع من الروايات التي تتجنب هذا القلق هو أن الواجب الأخلاقي في التصويت مبني على أهمية أداء جزء لا بأس به من مطالب العدالة السياسية بما يتوافق مع المساواة العامة. مثل مطالب إنشاء والحفاظ على المؤسسات العادلة بشكل متساو بين جميع المواطنين (ماسكيكر 2019). إذا فشل المرء في أداء نصيبه العادل من هذه المطالب، فإنه يفشل في إظهار الاحترام الواجب لضحايا الظلم في النهاية. علاوة على ذلك، يوفر التصويت للمواطنين آلية لأداء نصيبهم العادل من مطالب جعل مؤسساتهم عادلة بطريقة تتوافق مع احترام المساواة العامة لمواطنيهم. فمن خلال الحضور والإدلاء بالتصويت، يمكن للمواطنين المساهمة في تحقيق العدالة الجماعية مع الحفاظ على قوة اتخاذ القرار المتكافئ مع مواطنيهم الآخرين.
عصيان القانون المبني على المبدأ
لطالما اعترف العصيان المدني كآلية مركزية يمكن من خلالها للمواطنين الديمقراطيين تعزيز العدالة السياسية بشكل شرعي في مجتمعهم. وفقا للرأي السائد، فإن العصيان المدني هو خرق علني وغيرعنيف وضميري للقانون يهدف إلى تغيير القوانين أو السياسات الحكومية. الأشخاص الذين يمارسون العصيان المدني مستعدون لقبول العواقب القانونية لأفعالهم من أجل إظهار الوفاء للقانون (بيدو 1961؛ رولز 1971: الفصل 55). لقد تعرض التعريف النموذجي للعصيان المدني للتحدي. على سبيل المثال، يجادل البعض بأن الأفعال الخاصة التي يسعى فيها العصيان للتهرب من العواقب القانونية يمكن أن تعتبر أمثلة على العصيان المدني (راز 1979؛ براونلي 2004، 2007، 2012).
ربما تكون الطريقة الأكثر شيوعا لتبرير العصيان المدني هي أن نفس الاعتبارات التي تستند على منح الالتزام الجزئي في الامتثال للقانون تجعل من المناسب أحيانا الانخراط في العصيان المدني للقانون (انظر، على سبيل المثال، رولز 1971: الفصل 57؛ سابل 2001؛ ماركوفيتس 2005؛ سميث 2011). على سبيل المثال، يجادل رولز بأنه بينما لدى مواطني المجتمع “شبه العادل” واجب الامتثال الجزئي في طاعة قوانينها بحكم كونها شبه عادلة، يمكن تبرير العصيان المدني كوسيلة لجعل المجتمع المعني أكثر عدلا (رولز 1971: الفصل 57). وبالمثل، يجادل دانيال ماركوفيتس بأن أعضاء المجتمع الذي يتمتع بإجراءات ديمقراطية متساوية وشاملة لديهم واجب عام في الامتثال لقوانينها لأنها تنتج من خلال إجراءات متساوية وشاملة بشكل مناسب، لكن يمكن تبرير العصيان المدني كوسيلة لجعل الإجراءات ذات الصلة أكثر مساواة أو شمولية (ماركوفيتس 2005).
من السهل أن نفهم لماذا يشكل هذا طريقة جذابة لتبرير العصيان المدني، لأنه يبرره بالاستناد إلى نفس القيم التي تؤسس واجب الامتثال الجزئي للقانون. من ناحية أخرى، كما يشير سيمونز، إذا لم يكن هناك واجب عام لطاعة القانون، فلا يبدو أنه يوجد افتراض لصالح الطاعة، وبالتالي لا حاجة خاصة لتبرير العصيان المدني؛ الطاعة والعصيان سيكونان بحاجة إلى مبرر متساو (سيمونز 2007: الفصل 4).
يفترض مؤيدو النهج النموذجي عموما أن العصيان المدني يمكن تبريره فقط بهذه الطريقة. ومع ذلك، يجادل البعض بأن العصيان المدني لا يحظى بافتراض معياري خاص على العصيان غير المدني. الفكرة الأساسية هي أنه بقدر ما القيم تمنح واجب الامتثال الجزئي للقانون —مثل العدالة أو المساواة الديمقراطية—فإنها تُخدم أحيانا بشكل أفضل من خلال العصيان المدني للقانون،وأحي انا بشكل أفضل بالعصيان السري أو المراوغة أو المجهول أو حتى العنيف أفضل (ديلماس 2018؛ لاي 2019؛ باستيرناك 2018).
استيعاب الخلاف من خلال التسوية والتوافق
الخلاف حول القوانين أو السياسات أو المبادئ التي يجب تنفيذها هو سمة دائمة في المجتمعات الديمقراطية. غالبا ما يقال إن المواطنين والمسؤولين لديهم واجبات في تعديل نشاطهم السياسي لتلبية الآراء المتنافسة من مواطنين أو مسؤولين آخرين. يتم مناقشة واجبين للمواءمة على نطاق واسع في الأدبيات: واجبات التسوية وواجبات التبرير الجماهيري.
يمكن فهم التسوية على أنها اتفاق بين الأطراف لتمرير قوانين أو سياسات يعتبرها الجميع غير مثالية لأنهم يختلفون حول أي القوانين أو السياسات هي المثالية (مايو 2005). بينما يقبل على نطاق واسع أن هناك أحيانا أسبابا ذرائعية مقنعة للتسوية، فإن ما إذا كانت هناك أسباب أخلاقية جوهرية للتوصل إلى تسوية هو أمر أكثر جدلا. يدافع البعض عن أسباب جوهرية للتسوية بناء على قيم ديمقراطية مثل الشمولية، والاحترام المتبادل، والمعاملة بالمثل (غوتمان وتومسون 2014؛ ويندت 2016؛ وينستوك 2013). ومع ذلك، يجادل سايمون ماي بأن مثل هذه الحجج تفشل وأن جميع الأسباب للتسوية عملية (ماي 2005).
غالبا ما يجادل مؤيدو نهج التبرير الجماهيري للديمقراطية (انظر القسم 2.2.2) بأن المواطنين والمسؤولين الديمقراطيين لديهم واجبات أخلاقية فردية في التبرير الجماهيري. يجادل جون رولز بوجود “واجب التحضر” الذي يتطلب من المواطنين والمسؤولين أن يكونوا مستعدين لتقديم مبررات مقبولة للآخرين للقوانين المهمة عند التصويت والمشاركة في المناصرة العامة. نظرا لحتمية الخلاف حول الحقيقة الأخلاقية والفلسفية الشاملة في الديمقراطيات الحرة، يتطلب واجب التحضر من المواطنين اللجوء إلى مفهوم “سياسي” معقول للعدالة يمكن أن يكون موضوعا ل “توافق متداخل” بين العقائد الشاملة المختلفة. بينما يحفز المنظرون المختلفون واجبات التبرير الجماهيري بطرق مختلفة، يلجأ الكثيرون إلى الحاجة إلى ممارسة السلطة السياسية القسرية لاحترام حرية ومساواة المواطنين.
5. التمثيل الديمقراطي
التمثيل جزء أساسي من تقسيم العمل للديمقراطيات واسعة النطاق. في هذا القسم، نناقش سؤالين أخلاقيين يتعلقان بالتمثيل. أولا، ما هو أفضل نظام تمثيلي؟ ثانيا، بأي مبادئ أخلاقية يرتبط الممثلون؟
1.5 ما هو أفضل نظام تمثيلي؟
تركزت العديد من النقاشات حول سؤال ما هي أنواع الأنظمة التمثيلية الأفضل للمجتمع الديمقراطي. الخيار الذي سنتخذه هنا سيعتمد بشكل كبير على تبريرنا الأخلاقي الأساسي للديمقراطية، ومفهومنا للمواطنة، وكذلك على فهمنا التجريبي للمؤسسات السياسية وكيفية عملها. أبسط أنواع التمثيل السياسي الرسمي المتاحة هي تمثيل الدوائر الفردية، التمثيل النسبي، والتمثيل الجماعي. بالإضافة إلى ذلك، اختارت العديد من المجتمعات مؤسسات تشريعية متعددة المجالس. تم تجربة تركيبات من الأشكال السابقة في بعض الحالات.
يعيد تمثيل الدوائر الفردية ممثلين منفردين عن مناطق محددة جغرافيا تحتوي على عدد سكان متقاربين تقريبا إلى الهيئة التشريعية، وهو بارز في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند، من بين أماكن أخرى. أكثر أشكال التمثيل النسبي شيوعا هو التمثيل النسبي في قائمة الأحزاب. في شكل بسيط من هذا النظام، تتنافس عدة أحزاب على الانتخابات لهيئة تشريعية غير مقسمة إلى دوائر جغرافية. تحصل الأحزاب على مقاعد في الهيئة التشريعية بنسبة من إجمالي عدد الأصوات التي تحصل عليها من إجمالي الناخبين. يحدث تمثيل المجموعات عندما يتم تقسيم المجتمع إلى مجموعات غير محددة جغرافيا مثل المجموعات العرقية أو اللغوية أو حتى مجموعات وظيفية مثل العمال والمزارعين والرأسماليين، ويعيد الممثلين إلى هيئة تشريعية من كل منهم.
وقد جادل الكثيرون لصالح تشريع من الدوائر الفردية بحجة أنه بدا لهم وكأنه يؤدي إلى حكومة أكثر استقرارا من أشكال التمثيل الأخرى. الفكرة هي أن التمثيل النسبي يميل إلى تقسيم المواطنين إلى معسكرات متعارضة متجانسة تلتزم بخطوط أحزابها وتتنافس باستمرار على السيطرة على الحكومة. نظرا لوجود العديد من الأحزاب وعدم رغبتها في التوصل إلى تسوية مع بعضها البعض، فإن الحكومات التي تتشكل من تحالفات أحزاب تميل إلى الانهيار بسرعة. يبدو أن تجربة الحكومات في إيطاليا بعد الحرب تؤكد هذه الفرضية. أما تمثيل الدوائر ذات العضو الواحد، فيقال إنه يعزز استقرار الحكومات بفضل تفضيله لنظام حكم ثنائي الحزب. كل دورة انتخابية تحدد بعد ذلك أي حزب سيبقى في السلطة لفترة معينة.
يجادل تشارلز بيتز بأن تمثيل الدوائر ذات العضو الواحد يشجع على الاعتدال في برامج الحزب المقدمة للمواطنين (بيتز 1989: الفصل 7). ينتج ذلك عن ميل هذا النوع من التمثيل نحو نظامين حزبيين. في نظام الحزبين مع حكم الأغلبية، يقال إن كل حزب يجب أن يجذب الناخب الوسيط في الطيف السياسي. لذا، يجب عليهم تعديل برامجهم لجذب الناخبين المتوسطين. علاوة على ذلك، تشجع على التسوية بين المجموعات لأنها يجب أن تحاول جذب العديد من المجموعات الأخرى لتصبح جزءا من أحد الحزبين الرئيسيين. تشجع هذه الاتجاهات على الاعتدال والتسوية لدى المواطنين إلى الحد الذي يجعل الأحزاب السياسية ومجموعات المصالح تعتبر هذه الصفات ضرورية للعمل بشكل جيد في الديمقراطية.
في الانتقادات، جادل مؤيدو التمثيل النسبي والجماعي بأن تمثيل الدوائر الانتخابية بمقعد واحد يميل إلى كتم الأصوات وتجاهل مصالح الأقليات في المجتمع (ميل 1861؛ كريستيانو 1996). تميل المصالح والآراء الأقلية إلى التعبير عنها في مفاوضات خلفية وبطرق تخفف من تميزها. علاوة على ذلك، غالبا ما يواجه ممثلو مصالح وجهات نظر الأقليات صعوبة في الانتخاب في أنظمة الدوائر الفردية، لذا تم اتهامه بأن آراء ومصالح الأقليات غالبا ما تكون ممثلة بشكل ناقص. أحيانا يتم التعامل مع هذه المشاكل من خلال إعادة رسم حدود الدوائر بطريقة تضمن تمثيلا أكبر للأقليات. الجهود دائما ما تكون مثيرة للجدل إلى حد كبير بسبب وجود خلاف كبير حول معايير التوزيع.
أما في التمثيل النسبي، فعلى النقيض من ذلك، يجلس ممثلو مجموعات مختلفة في الهيئة التشريعية بما يتناسب مع اختيارات المواطنين. لا يتعين على الأقليات أن تجعل مطالبها تتوافق مع التناقض الأساسي بين الآراء والمصالح الذي يميز أنظمة الدوائر الفردية، لذا تكون وجهات نظرها أكثر وضوحا وتميزا ولها تمثيلا أفضل.
جادل مؤيدو التمثيل الجماعي، مثل إيريس ماريون يونغ، بأن بعض المجموعات التي كانت محرومة تاريخيا قد لا تحقق نتائج جيدة في التمثيل النسبي (يونغ 1990: الفصل 6). قد لا يكونون قادرين على التنظيم والتعبير عن آرائهم بسهولة مثل المجموعات الأخرى. أيضا، يمكن هزيمة الأقليات بشكل منهجي في الهيئة التشريعية وقد تتراجع مصالحها باستمرار، حتى لو كان لديها بعض التمثيل. بالنسبة لهذه المجموعات، جادل البعض بأن الطريقة الوحيدة لحماية مصالحهم قانونيا هي ضمان تمثيلهم الكافي وحتى غير المتناسب.
أحد المخاوف بشأن تمثيل المجموعات هو أنه يميل إلى تجميد بعض جوانب البرنامج التي قد يكون من الأفضل تركها لاختيار المواطنين. على سبيل المثال، تخيل مجموعة سكانية مقسمة إلى مجموعات لغوية لفترة طويلة. وافترض أن بعض المواطنين فقط ما زالوا يعتبرون الصراع اللغوي مهما. في هذه الظروف، قد يميل نظام تمثيل المجموعة إلى التحيز بشكل تعسفي يفضل آراء أو مصالح أولئك الذين يعتبرون الصراع اللغوي مهما.
2.5 أخلاقيات التمثيل
ما هي المعايير الأخلاقية التي تنطبق على الممثلين الذين يؤدون واجباتهم الرسمية؟ يمكننا فهم الإجابات المحتملة بشكل أفضل من خلال تقديم التمييز الشهير لهانا بيتكين بين الأمناءوالمندوبين (بيتكين 1967). يعتمد الممثلون الذين يعملون كأوصياء على أحكامهم المستقلة في أداء واجباتهم. تدعم معايير الوصاية بالاعتراف بأنه، بالنظر إلى تقسيم طبيعي للعمل الديمقراطي، يكون المسؤولون في وضع أفضل بكثير لاتخاذ قرارات سياسية منطقية ومدروسة من المواطنين العاديين.
الممثلون الذين يعملون كمندوبين يخضعون لأحكام مواطنيهم. قد يعتقد أن هذه المعايير تعكس قيمة المساءلة الديمقراطية. وبما أن الشعب يخول ممثلين للحكم، فمن الطبيعي أن نعتقد أن الممثلين مسؤولون أمام الشعب لإصدار أحكامهم. إذا لم يكن الممثلون مسؤولين بهذه الطريقة، يفقد المواطنون السيطرة الديمقراطية على أفعال ممثليهم.
أي المعايير يجب أن تنتصر عندما تتعارض؟ يجادل بيتكين بأن الإجابة تختلف حسب السياق. يبدو هذا معقولا. على سبيل المثال، إذا اعتبرنا أن المواطنين لهم الدور في المقام الأول في تحديد أهداف المجتمع، قد نعتقد أن الممثلين يجب أن يكونوا مندوبين فيما يتعلق بالأهداف، ولكن أمناء فيما يتعلق بطرق تحقيق الأهداف (كريستيانو 1996). انظر مناقشة سوزان دوفي حول التمثيل لمناقشة أعمق وأكثر تعقيدا لهذه القضايا.
6. الاختيار الاجتماعي والديمقراطية
يعتقد البعض أن مبرهنة الاستحالة لكينيث آرو تشكل مجموعة كبيرة من الصعوبات أمام النظرية الديمقراطية (آرو 1951). يعتقد ويليام رايكر، راسل هاردين، وآخرون أن مبرهنة الاستحالة تظهر وجود مشاكل عميقة في المثل الديمقراطية (ريكر 1982؛ هاردين 1999). لا أحد من هذين المفكرين يعارض الديمقراطية نفسها، كلاهما يعتقد أن هناك أسبابا وجيهة وفعالة لوجود الديمقراطية.
تم عرض النتائج الأساسية لنظرية الاختيار الاجتماعي بالتفصيل في أماكن أخرى من الموسوعة (List 2013). سنعبر هنا ونوضح ببساطة النتيجة الأساسية. سؤال نظرية الاختيار الاجتماعي الأروية هو: كيف نحدد تفضيلا اجتماعيا لمجتمع ما بشكل عام بناء على مجموعة التفضيلات الفردية للأعضاء؟ يظهر آرو أن دالة الاختيار الاجتماعي التي تحقق عددا من القيود المعقولة لا يمكن تعريفها عندما يكون هناك ثلاثة بدائل أو أكثر لاختيارها المجموعة. يعرض عددا من الشروط التي يجب فرضها على وظيفة الاختيار الاجتماعي. مجال غير محدود: يجب أن تكون وظيفة الاختيار الاجتماعي قادرة على منحنا تفضيلا اجتماعيا بغض النظر عن تفضيلات الأفراد على البدائل. عدم الديكتاتورية: يجب ألا تختار وظيفة الاختيار الاجتماعي تفضيل عضو معين بغض النظر عن تفضيلات الآخرين. الانتقالية والاكتمال: يجب أن تكون نظم التفضيلات الفردية انتقالية وكاملة، ويجب أن يكون التفضيل الاجتماعي المستمد منها انتقاليا وكاملا. استقلالية البدائل غير ذات الصلة: يجب أن يكون التفضيل الاجتماعي بين نظامين نتيجة فقط للنظم الفردية بين هذين الخيارين. شرط باريتو: إذا كان جميع الأعضاء يفضلون بديلا س على ص، فيجب أن يكون ص مصنفا أعلى من ص في التفضيل الاجتماعي. تقول النظرية إنه لا يمكن لأي دالة اختيار اجتماعي على أكثر من بديلتين أن تحقق جميع هذه الشروط.
مثال مفيد لهذه الفكرة يتضمن توسيع حكم الأغلبية ليشمل حالات وجود أكثر من بديلتين. قاعدة كوندورسيه تقول إن البديل س يفوز عندما تفضل الأغلبية س على ذلك البديل. على سبيل المثال، لنفترض أن لدينا ثلاثة أشخاص أو ب وج وثلاثة بدائل س وص وع. أ يفضل سعلى ص وص على ع، في حين ب يفضل ص على ع وع على س؛ وج يفضل س على ع وع على ص. في هذه الحالة، س هو الفائز بالكوندرسيه لأنه يهزم ص، ويتغلب على ع. المشكلة في هذه القاعدة التي تبدو معقولة هي حالة دورة الأغلبية. افترض أن لديك ثلاثة أشخاص أ،ب وج، وثلاثة بدائل، س، ص وع. في الحالة التي أ يفضل فيها س على ص وص على ع، و ب يفضل ص على ع وع على س وج يفضل ع على س وس على ص، فإن قاعدة كوندرسيه ستعطي تفضيلا اجتماعيا ل س على ص، ص على ع و ع على س. يمكن هنا أن نرى أن قاعدة كوندورسيه تحقق جميع الشروط باستثناء انتقالية التفضيل الاجتماعي. إحدى الطرق لتجنب الانتقالية هي تقييد مجال التفضيلات التي تنشأ منها التفضيلات الاجتماعية. وأخرى هي تقديم معلومات أساسية تقارن مدى تفضيل الناس للبدائل (انتهاك الاستقلالية). وآخر قد يكون جعل شخص واحد ديكتاتورا. لذا، توضح هذه الحالة بشكل جميل أنه لا يمكن تحقيق جميع القيود في آن واحد.
يجادل ريكر بأن النظرية تظهر أن فكرة أن الإرادة الشعبية يمكن أن تكون العنصر الحاكم في المجتمع هي فكرة خاطئة. إذا كان شرط الوجود لإرادة شعبية هو مجموعة محدودة من التفضيلات، فإن السؤال الطبيعي يطرح ما إذا كان هذا الشرط يتحقق دائما أو عادة في مجتمع معتدل التعقيد. قد نتساءل عما إذا كان مجتمع تعددي للغاية ذو تقسيم عمل معقد جدا من المرجح أن يلبي شرط مجموعة التفضيلات المقيدة الضروري لتجنب الدورات أو أمراض أخرى للاختيار الاجتماعي. جادل البعض بأن لدينا أدلة تجريبية تدل على أن المجتمعات الحديثة عادة ما تحقق مثل هذه الشروط (ماكي 2003). جادل آخرون بأن هذا يبدو غير محتمل (ريكر 1982؛ إنغهام 2019). هذا ليس مجرد دفاع عن المجال غير المحدود. إنه دفاع عن الأطروحة التي تقول إن مجموعات التفضيلات في المجتمعات الحديثة عادة لا تحمل الخصائص التي تمكنها من تجنب الدورات.
يستند نقد العدالة من نظرية الاختيار الاجتماعي إلى فكرة أنه عندما تستوفي عملية التصويت متطلبات العدالة، قد لا تولد عدالة العملية والتفضيلات نتائج محددة. إذا كانت الدورات منتشرة، فقد تحدد نتائج العمليات الديمقراطية باستراتيجيات ذكية وليس بعدالة الإجراءات (ريكر 1982). هناك ثلاث ملاحظات مناسبة هنا. أولا، من المتوافق مع أن تكون العملية عادلة تماما أن تكون نتائج العملية غير محددة. ففي النهاية، رمية العملة عادلة. ثانيا، هناك بعض التساؤلات حول مدى أهمية هذه الدورات. ثالثا، قد يعتقد المرء أنه إذا كانت الظروف التي تمكن الأطراف المتعارضة من وضع استراتيجيات فعالة متساوية تقريبا بحد ذاتها، فإن المخاوف بشأن العدالة تتحقق بالكامل. إذا تم توزيع موارد الإقناع والتنظيم بطريقة متساوية، فربما يتم تبرير مفهوم العدالة في النهاية. يمكن جعل هذه النقطة أكثر إقناعا عندما ننظر إلى رواية شون إنغهام للمساواة السياسية إذ يدرج شدة التفضيل في روايته للعدالة. هذا خروج عن نهج الأروياني، لكنه في كثير من النواحي واقعي للغاية. الفكرة هي أن لدى الأغلبية سيطرة متساوية على المجالات السياسة عندما تكون قادرة على الحصول على ما تريد بنفس شدة التفضيلات. وتنطبق المساواة عموما عندما يكون لكل المجموعات من نفس الحجم نفس السيطرة (إنغهام 2019). لا تزال هناك حالة متطرفة حيث تكون جميع الأغلبيات متساوية في شدة التفضيل ومحكومة في دورة الأغلبية. لكن فرص حدوث ذلك ضئيلة جدا، حتى لو لم تكن فرص حدوث دورات الأغلبية بشكل عام ضئيلة جدا. حتى لو كانت هناك دورات أغلبية كثيرة، إذا تم حل القضايا بطريقة تجعل الأغلبية التي لها مصلحة أكبر في الصراع هي التي تحقق ما تريد، فيمكننا تحقيق العدالة بشكل قوي حتى مع وجود دورات أغلبية منتشرة.
7. معضلة الحدود: تشكيل الديموس
إذا سمحت المجتمعات الديمقراطية للأعضاء بالمشاركة كأنداد في اتخاذ القرار الجماعي، يبرز سؤال طبيعي: من له الحق في المشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية؟ يمكننا طرح هذا السؤال ضمن ولاية قضائية معينة (هل يجب أن يكون لجميع البالغين الحق في المشاركة؟ هل يجب أن يكون للأطفال الحق في المشاركة؟ هل يجب أن يكون لجميع السكان مثل هذه الحقوق؟). لكن يمكننا أيضا أن نسأل عن مدى الاختصاص القضائي. كم عدد الأشخاص في العالم الذين يجب أن يكونوا جزءا من اتخاذ القرار الجماعي؟ طريقة سهلة، وإن كانت مضللة قليلا، لطرح هذا السؤال هي: ما هي الحدود الفيزيائية لمؤسسة معينة لصنع القرار الجماعي؟ نرى مجتمعات ديمقراطية جزئيا ضمن حدود الدولة القومية الحديثة. لكن قد نتساءل، لماذا يجب أن نقيد مجموعة الأشخاص الذين يشاركون في اتخاذ قرارات الدولة الحديثة فقط لأولئك الذين يصادف أنهم السكان الفعليون لتلك الدول؟ بالتأكيد هناك العديد من الأشخاص الآخرين المتأثرين بقرارات الدول الديمقراطية إلى جانب هؤلاء الأشخاص. على سبيل المثال، يمكن أن تلوث الأنشطة في مجتمع أ مجتمعا آخر ب. لماذا لا يكون لأعضاء ب رأي في القرارات المتعلقة بالأنشطة الملوثة في الفرع أ؟ ويمكن أن تكون هناك العديد من التأثيرات الأخرى التييمكن أن تحدثها الأنشطة في أعلى ب.
اقترح البعض أن حدود الدولة يجب أن تحدد من خلال مبدأ تقرير المصير الوطني. نحدد الأمة كمجموعة مستمرة من الأشخاص الذين يشتركون في بعض الأعراف الثقافية والتاريخية والسياسية، ويعرفون أنفسهم ببعضهم البعض ومع قطعة أرض. ثم نحدد حدود الإقليم من خلال الاعتماد على حجم المجموعة والأرض التي يعتزون بها (ميلر 1995؛ سونغ 2012). هذه فكرة جذابة من نواح عديدة: الجنسية المشتركة تولد الاستعداد لمشاركة التضحيات التي تنشأ من اتخاذ القرار الجماعي؛ يخلق شعورا بالوطن لدى الناس. لكن من الصعب استخدامه كمبدأ عام لتقسيم الأراضي بين الأشخاص عندما يكون أحد الحقائق المركزية للعديد من المجتمعات هو أن تنوعا من الأمم والمجموعات العرقية والثقافات يختلط على نفس الأرض بالذات.
هل هناك حل ديمقراطي لمشكلة الحدود؟ تم اقتراح عدد من الأفكار. الفكرة الأولى هي أن الناس يجب أن يقرروا ما هي الحدود. لكن هذا الاقتراح، رغم أنه قد يكون حلا براغماتيا للمشكلة، يبدو أنه يثير سؤالا حول من هم الأعضاء ومن ليسوا كذلك (ويلان 1983).
الحل النظري الثاني الذي يحمل بعض الصلاحيات الديمقراطية هو استحضار مبدأ أن كل من يخضع لاتخاذ القرار، بمعنى من يجبر أو يفرض عليهم واجبات، يجب أن يكون له رأي في اتخاذ القرار (أبيزاده 2008). هذا المبدأ معقول بما فيه الكفاية، لكنه لا يصل إلى عدد كاف من الحالات. قضية التلوث أعلاه ليست حالة خضوع.
الحل النظري المقترح الثالث هو مبدأ المتأثر بالكامل. إحدى الصيغ هي “يجب أن يكون لجميع الأشخاص المتأثرين رأي في القرارات التي تؤثر عليهم”. وهذا يشير إلى أنه عندما تؤثر الأنشطة في ولاية واحدة على أنشطة ولاية أخرى، يجب أن يكون لشعب الولاية الأخرى رأي في تلك الأنشطة. يعتقد البعض أن هذا المبدأ يؤدي إلى نوع من المبدأ السياسي الكوسموبوليتاني لدعم الحكومة العالمية (جودين 2007).
لكن مبدأ المتأثر بكل شيء غير مؤكد من الناحية المفاهيمية وذو إشكالية أخلاقية عميقة، ولا يقدم سوى القليل جدا، إن وجد، من حل مشكلة الحدود.
أولا، “أن يكون له رأي” ليس واضحا. هل يتطلب ذلك وجود تصويت في اتخاذ القرار الجماعي؟ أم أنه يرضى أيضا بقدرة شخص ما على تعديل تصرف الآخر من خلال التفاوض معه، كما نرى عندما يكون هناك تفاوض حول تأثير خارجي؟ هذا الإصدار الأخير سيقوض فكرة أن مبدأ المتأثر بكل شيء له آثار مباشرة على مشكلة الحدود. عندما تسمح الولايات المتحدة بالأنشطة التي تنتج الأمطار الحمضية في كندا، يمكن لكندا التفاوض مع الولايات المتحدة لتقليل إنتاج الأمطار الحمضية و/أو تعويض كندا عن الضرر. طالما يوجد نظام تفاوض عادل وفعال، يبدو أن هذا يرضي مبدأ المتأثر بكل شيء دون منح الكنديين حق التصويت في السياسة الأمريكية أو الأمريكيين في السياسة الكندية.
ثانيا، ليس من الواضح ما معنى “التأثر”. أولا، هل يعني تأثر الشخص فقط بوجود تغيير في وضعه أم يجب أن يتضمن ذلك التأثير عكس تفضيلاته، أو مصالحه، أو مصالحه المشروعة، أو ممارسة قدراته، أو مصلحته؟ ثانيا، هل تتأثر مصالح الشخص بقرار فقط عندما تتقدم أو تتراجع مقارنة بخط أساس معين (سواء الحالة الحالية أو خط أساس محدد أخلاقيا مثل ما وعدتني به)، أم أنني أتأثر بقرارات قد تكون لصالحي أو ضدي لكنها لا تحدث فرقا؟ على سبيل المثال، إذا كنت أغرق في مسبح وأنت تقرر ما إذا كنت ستنقذني أو تشتري لنفسك لوح حلوى، هل سأتأثر بشرائك لوح الحلوى؟ إذا لم أتأثر عندما لا يحدث أي تغيير، فإن من يتأثر بالقرار يعتمد غالبا على من يشارك في القرار ولا يوجد لدينا حل لمشكلة الشمول. إذا تأثرت، فإن المبدأ له تداعيات استثنائية للغاية. إذ اتضح الآن أن الفقراء في جنوب آسيا يتأثرون بشرائي لوح حلوى، لأنني كان بإمكاني إرسال المال لهم (جودين 2007).
مبدأ المتأثر هو مجرد عبارة موحية وفعالة بلاغيا. إنه بداية للنقاش وقائمة بالمواضيع التي يجب مناقشتها، وليس مبدأ حقيقي. على سبيل المثال، إذا اضطررت لتضمين كل من قد يتأثر بقراري في كل قرار أتخذه، فلن أتمكن من اتخاذ العديد من القرارات ولن يمكنني اتخاذ القرار من إعطاء شكل لحياتي وعلاقاتي مع الآخرين. تصبح حياتي مجزأة وتفتقر إلى النزاهة (ويليامز 1973). يفترض أن هناك نظيرا لهذه المشكلة في المجتمعات السياسية. كان على كل مجتمع أن يشمل مجموعة متنوعة من الأشخاص المختلفين في كل قرار. من الصعب رؤية كيف يمكن لأي مجتمع أن يتخذ شخصية معينة في هذه الحالة.
يشمل مبدأ أكثر منطقية بعض اقتراحات مبدأ المتأثر الشامل وهو أنه يجب إنشاء إطار من المؤسسات بحيث يكون للناس القدرة على تعزيز وحماية مصالحهم المشروعة في الحياة.
لكن إذا فهمنا المبدأ بهذه الطريقة، ليس واضحا أنه يساعدنا كثيرا في مشكلة الحدود. أولا، هناك طرق مختلفة يمكن من خلالها القول إن الناس يمتلكون سلطة على حياتهم. أحد أنواع السلطة هو القدرة على المشاركة كمساواة في عملية اتخاذ القرار الجماعي. نوع آخر هو القدرة على تعزيز مصالح الشخص في عملية لامركزية مثل السوق أو نظام إبرام الاتفاقيات مثل القانون الدولي. وبالاستذكار لمشكلة التلوث التي ذكرناها أعلاه، يمكننا منح الدولة التي هم بها أعضاء السلطة للتفاوض على شروط الدولة الملوثة التي يتفق عليها الطرفان. فقط القدرة على المشاركة كمتساوين في اتخاذ القرار الجماعي هي ما يصنع حدود اتخاذ القرار الجماعي.
حل آخر لمشكلة الحدود هو حل محافظ. الفكرة الأساسية هي الحفاظ على حدود الدول كما هي تقريبا إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة لتغييرها. محاولة تغيير حدود المجتمعات السياسية هي وصفة لصراع خطير لأنه لا توجد مؤسسة تملك الشرعية أو القوة فعليا لحل المشكلات على المستوى الدولي، ومن المرجح أن يكون هناك الكثير من الخلاف حول كيفية القيام بذلك. الدول كما نعرفها هي أقوى الكيانات السياسية في النظام الدولي بلا منازع. لقد طوروا ممارسات أكثر فعالية للمساءلة على السلطة من أي جهة أخرى في النظام. لقد أنشأوا مجتمعات موحدة ذات سكان مترابطين بشكل كبير. أخيرا، يمكن جعل الدول والأفراد فيها مسؤولين إلى حد ما أمام أفراد ودول أخرى من خلال عملية التفاوض وصنع القانون الدولي. قد يكون أصل هذه الحدود تعسفيا، لكنه ليس، رغم كل ذلك، غير ذي صلة. وبالتأكيد، هناك حالات واضحة يمكن فيها تغيير الحدود. أحد مصادر الحاجة الملحة هو الظلم الجسيم داخل البلد. سبب آخر قد يكون وجود أقليات دائمة محددة على أساس التقسيم. هنا، نسأل فقط عن كيفية مراجعة الحدود، وأساس هذا التعديل هو معالجة للظلم الجسيم (بوكانان 1991).
8. الشخصيات التاريخية
لمزيد من القراءة حول الشخصيات التاريخية ذات الصلة، راجع الإدخالات التالية:
Abizadeh, Arash, 2008, “Democratic Theory and Border Coercion: No Right to Unilaterally Control Your Own Borders”, Political Theory, 36(1): 37–65. doi:10.1177/0090591707310090
Acemoglu, Daron, Suresh Naidu, Pascual Restrepo, and James A. Robinson, 2019, “Democracy Does Cause Growth”, Journal of Political Economy, 127(1): 47–100. doi:10.1086/700936
Achen, Christopher H. and Larry M. Bartels, 2016, Democracy for Realists: Why Elections Do Not Produce Responsive Government (Princeton Studies in Political Behavior), Princeton: Princeton University Press.
Altman, Andrew and Christopher Heath Wellman, 2009, A Liberal Theory of International Justice, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199564415.001.0001
Anderson, Elizabeth, 2006, “The Epistemology of Democracy”, Episteme, 3(1–2): 8–22. doi:10.3366/epi.2006.3.1-2.8
Aristotle, Politics: Writings from the Complete Works, Jonathan Barnes (ed.), Princeton: Princeton University Press, 2016.
Arneson, Richard J., 1993 [2003], “Democratic Rights at National and Workplace Levels”, in The Idea of Democracy, David Copp, Jean Hampton, and John Roember, 118–138, 143–147; reprinted as “Democracy at the National Level” in Christiano 2003: 95–115.
–––, 2003, “Defending the Purely Instrumental Account of Democratic Legitimacy”, Journal of Political Philosophy, 11(1): 122–132. doi:10.1111/1467-9760.00170
–––, 2004, “Democracy Is Not Intrinsically Just”, in Justice and Democracy, Keith Dowding, Robert E. Goodin, and Carole Pateman (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 40–58. doi:10.1017/CBO9780511490217.003
–––, 2009, “The Supposed Right to a Democratic Say”, in Contemporary Debates in Political Philosophy, Thomas Christiano and John Christman (eds.), Oxford, UK: Wiley-Blackwell, 195–212. doi:10.1002/9781444310399.ch11
Arrow, Kenneth J., 1951, Social Choice and Individual Values, New Haven, CT: Yale University Press.
Austen-Smith, David, 1992, “Strategic Models of Talk in Political Decision Making”, International Political Science Review, 13(1): 45–58. doi:10.1177/019251219201300104
Austen-Smith, David and Jeffrey S. Banks, 1996, “Information Aggregation, Rationality, and the Condorcet Jury Theorem”, American Political Science Review, 90(1): 34–45. doi:10.2307/2082796
Bajaj, Sameer, 2014, “Review of Democratic Reason: Politics, Collective Intelligence, and the Rule of the Many, by Hélène Landemore”, Ethics, 124(2): 426–431. doi:10.1086/673507
Barry, Brian, 1965, Political Argument, London: Routledge & Kegan Paul.
Bartels, Larry M., 2002, “Beyond the Running Tally: Partisan Bias in Political Perceptions”, Political Behavior, 24(2): 117–150. doi:10.1023/A:1021226224601
Bedau, Hugo A., 1961, “On Civil Disobedience”, Journal of Philosophy, 58(21): 653–665. doi:10.2307/2023542
Beerbohm, Eric Anthony, 2012, In Our Name: The Ethics of Democracy, Princeton: Princeton University Press.
Beitz, Charles R., 1989, Political Equality: An Essay on Democratic Theory, Princeton: Princeton University Press.
Black, Duncan, 1963, The Theory of Committees and Elections, second edition, Cambridge: Cambridge University Press.
Brennan, Jason, 2011, The Ethics of Voting, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2014, “How Smart Is Democracy? You Can’t Answer That Question a Priori”, Critical Review, 26(1–2): 33–58. doi:10.1080/08913811.2014.907040
–––, 2016, Against Democracy, Princeton: Princeton University Press.
Brownlee, Kimberley, 2004, “Features of a Paradigm Case of Civil Disobedience”, Res Publica, 10(4): 337–351. doi:10.1007/s11158-004-2326-6
–––, 2007, “The Communicative Aspects of Civil Disobedience and Lawful Punishment”, Criminal Law and Philosophy, 1(2): 179–192. doi:10.1007/s11572-006-9015-9
–––, 2012, Conscience and Conviction: The Case for Civil Disobedience, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199592944.001.0001
Buchanan, Allen, 1991, Secession: The Morality of Political Divorce from Fort Sumter to Lithuania to Quebec, Boulder, CO: Westview Press.
Buchanan, James and Gordon Tullock, 1962, The Calculus of Consent: Logical Foundations of Constitutional Democracy, Ann Arbor, MI: University of Michigan Press.
Caplan, Bryan, 2007, The Myth of the Rational Voter: Why Democracies Choose Bad Policies, Princeton: Princeton University Press.
Cassese, Antonio, 1995, Self-Determination of Peoples: A Legal Reappraisal, Cambridge: Cambridge University Press.
Christiano, Thomas, 1996, The Rule of the Many: Fundamental Issues in Democratic Theory, Boulder, CO: Westview Press.
––– (ed.), 2003, Philosophy and Democracy: An Anthology, Oxford: Oxford University Press.
–––, 2004, “The Authority of Democracy”, Journal of Political Philosophy, 12(3): 266–290. doi:10.1111/j.1467-9760.2004.00200.x
–––, 2006, “A Democratic Theory of Territory and Some Puzzles about Global Democracy”, Journal of Social Philosophy, 37(1): 81–107. doi:10.1111/j.1467-9833.2006.00304.x
–––, 2008, The Constitution of Equality: Democratic Authority and Its Limits, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780198297475.001.0001
–––, 2009, “Must Democracy Be Reasonable?”, Canadian Journal of Philosophy, 39(1): 1–34. doi:10.1353/cjp.0.0037
–––, 2011, “An Instrumental Argument for a Human Right to Democracy: An Instrumental Argument for a Human Right to Democracy”, Philosophy & Public Affairs, 39(2): 142–176. doi:10.1111/j.1088-4963.2011.01204.x
–––, 2012, “Rational Deliberation among Experts and Citizens”, in Parkinson and Mansbridge 2012: 27–51. doi:10.1017/CBO9781139178914.003
–––, 2015, “Self-Determination and the Human Right to Democracy”, in Philosophical Foundations of Human Rights, Rowan Cruft, S. Matthew Liao, and Massimo Renzo (eds.), Oxford: Oxford University Press, 459–480. doi:10.1093/acprof:oso/9780199688623.003.0026
–––, 1989 [2009], “Deliberation and Democratic Legitimacy”, in The Good Polity: Normative Analysis of the State, Alan Hamlin and Philip Pettit (eds.), Oxford: Basil Blackwell, 17–34; reprinted in Philosophy, Politics, Democracy: Selected Essays, Cambridge, MA: Harvard University Press, 16–37.
–––, 1996 [2003], “Procedure and Substance in Deliberative Democracy”, in Democracy and Difference: Contesting the Boundaries of the Political, Seyla Benhabib (ed.), Princeton: Princeton University Press, 95–119; reprinted in Christiano 2003: 17–38.
Coleman, Jules, 1989, “Rationality and the Justification of Democracy,” in Geoffrey Brennan and Loren Lomasky (eds.), Politics and Process: New Essays in Democratic Thought, Cambridge: Cambridge University Press, 194–220.
Condorcet, Marquis de, 1785, Essai sur l’application de l’analyse à la probabilité des décisions rendues àla pluralité des voix, Paris; reprinted Cambridge: Cambridge University Press, 2014. DOI: 10.1017/CBO9781139923972
Dahl, Robert A., 1959, A Preface to Democratic Theory, Chicago: University of Chicago Press.
Delmas, Candice, 2018, A Duty to Resist: When Disobedience Should Be Uncivil, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780190872199.001.0001
Dewey, John, 1927 [2012], The Public and Its Problems: An Essay in Political Inquiry, New York: Henry Holt; reprinted, Melvin L. Rogers (ed.), University Park, PA: Pennsylvania State University, 2012.
Downs, Anthony, 1957, An Economic Theory of Democracy, New York: Harper and Row.
Doyle, Michael W., 2011, Liberal Peace: Selected Essays, New York: Routledge. doi:10.4324/9780203804933
Dworkin, Ronald, 1996, Freedom’s Law: The Moral Reading of the American Constitution, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 2000, Sovereign Virtue: The Theory and Practice of Equality, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Elster, Jon, 1986 [2003], “The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory”, in Foundations of Scoial Choice Theory, Jon Elster and Aanund Hyllund (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 103–132; reprinted in Christiano 2003: 138–158.
Ely, John Hart, 1980, Democracy and Distrust: A Theory of Judicial Review, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Erikson, Robert S., 2015, “Income Inequality and Policy Responsiveness”, Annual Review of Political Science, 18: 11–29. doi:10.1146/annurev-polisci-020614-094706
Estlund, David, 1997a [2003], “Beyond Fairness and Deliberation: The Epistemic Dimension of Democratic Authority”, in Deliberative Democracy: Essays on Reason and Politics, James Bohman and William Rehg (eds.), Cambridge, MA: MIT Press, 173–204; reprinted in Christiano 2003: 69–91.
–––, 1997b, “The Epistemic Dimension of Democratic Authority”:, The Modern Schoolman, 74(4): 259–276. doi:10.5840/schoolman199774424
–––, 2003, “Why Not Epistocracy”, in Desire, Identity, and Existence: Essays in Honor of T.M. Penner, Naomi Reshotko (ed.), Kelowna, BC: Academic Printing and Publishing, 53–69.
–––, 2006, “Democracy and the Real Speech Situation”, in Deliberative Democracy and Its Discontents, Samantha Besson and José Luis Martí (eds.), London: Routledge, 75–92.
–––, 2008, Democratic Authority: A Philosophical Framework, Princeton: Princeton University Press.
Estlund, David M., Jeremy Waldron, Bernard Grofman, and Scott L. Feld, 1989, “Democratic Theory and the Public Interest: Condorcet and Rousseau Revisited”, American Political Science Review, 83(4): 1317–1340. doi:10.2307/1961672
Farber, Henry S. and Joanne Gowa, 1995, “Polities and Peace”, International Security, 20(2): 123–146. doi:10.2307/2539231
Forst, Rainer, 2016, “The Justification of Basic Rights: A Discourse-Theoretical Approach”, Netherlands Journal of Legal Philosophy, 45(3): 7–28. doi:10.5553/NJLP/221307132016045003002
Gartzke, Erik, 2007, “The Capitalist Peace”, American Journal of Political Science, 51(1): 166–91.
Gaus, Gerald F., 1996, Justificatory Liberalism: An Essay on Epistemology and Political Theory, New York: Oxford University Press.
–––, 2011, The Order of Public Reason: A Theory of Freedom and Morality in a Diverse and Bounded World, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511780844
Goodin, Robert E., 2003, Reflective Democracy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0199256179.001.0001
–––, 2007, “Enfranchising All Affected Interests, and Its Alternatives”, Philosophy & Public Affairs, 35(1): 40–68. doi:10.1111/j.1088-4963.2007.00098.x
Goodin, Robert E. and Kai Spiekermann, 2019, An Epistemic Theory of Democracy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780198823452.001.0001
Gould, Carol C., 1988, Rethinking Democracy: Freedom and Social Cooperation in Politics, Economics and Society, New York: Cambridge University Press.
Grofman, Bernard and Scott L. Feld, 1988, “Rousseau’s General Will: A Condorcetian Perspective”, American Political Science Review, 82(2): 567–576. doi:10.2307/1957401
Guerrero, Alexander A., 2010, “The Paradox of Voting and the Ethics of Political Representation”, Philosophy & Public Affairs, 38(3): 272–306. doi:10.1111/j.1088-4963.2010.01188.x
–––, 2014, “Against Elections: The Lottocratic Alternative”, Philosophy and Public Affairs, 42(2): 135–178. doi:10.1111/papa.12029
Gutmann, Amy and Dennis Thompson, 2004, Why Deliberative Democracy?, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2014, The Spirit of Compromise: Why Governing Demands It and Campaigning Undermines It: Why Governing Demands It and Campaigning Undermines It, Princeton: Princeton University Press.
Habermas, Jürgen, 1992 [1996], Faktizität und Geltung. Beiträge zur Diksurstheorie des Rechts und des demokratischen Rechtsstaats, Frankfurt am Main: Suhrkamp Verlag. Translated as Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, William Rehg (trans.), Cambridge, MA: MIT Press, 1996.
Hannon, Michael, 2020, “Empathetic Understanding and Deliberative Democracy”, Philosophy and Phenomenological Research, 101(3): 591–611. doi:10.1111/phpr.12624
Hardin, Russell, 1999, Liberalism, Constitutionalism, and Democracy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0198290845.001.0001
Hayek, Friedrich A., 1960, The Constitution of Liberty, Chicago, IL: University of Chicago Press.
Hong, Lu and Scott E. Page, 2004, “Groups of Diverse Problem Solvers Can Outperform Groups of High-Ability Problem Solvers”, Proceedings of the National Academy of Sciences, 101(46): 16385–16389. doi:10.1073/pnas.0403723101
Hume, David, 1748, “Of the Original Contract”; reprinted in Hume’s Ethical Writings: Selections from David Hume, Alasdair MacIntyre (ed.), Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1965.
Ingham, Sean, 2019, Rule by Multiple Majorities: A New Theory of Popular Control, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/9781108683821
Kahan, Dan M., 2013, “Ideology, Motivated Reasoning, and Cognitive Reflection”, Judgment and Decision Making, 8(4): 407–424
Kant, Immanuel, 1795, Zum ewigen Frieden: Ein philosophischer Entwurf, Königsberg: Friedrich Nicolovius. Translated as “Toward Perpetual Peace” in Immanuel Kant: Practical Philosophy, Mary J. Gregor (trans./ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1996, pp. 311–352.
Knight, Jack and James Johnson, 2011, The Priority of Democracy: Political Consequences of Pragmatism, Princeton: Princeton University Press.
Kolodny, Niko, 2014a, “Rule Over None I: What Justifies Democracy?”, Philosophy & Public Affairs, 42(3): 195–229. doi:10.1111/papa.12035
–––, 2014b, “Rule Over None II: Social Equality and the Justification of Democracy”, Philosophy & Public Affairs, 42(4): 287–336. doi:10.1111/papa.12037
Ladha, Krishna K., 1992, “The Condorcet Jury Theorem, Free Speech, and Correlated Votes”, American Journal of Political Science, 36(3): 617–634. doi:10.2307/2111584
Lafont, Christina, 2019, Democracy Without Shortcuts: A Participatory Conception of Deliberative Democracy, Oxford: Oxford University Press.
Lai, Ten-Herng., 2019, “Justifying Uncivil Disobedience”, in Oxford Studies in Political Philosophy, Volume 5, David Sobel, Peter Vallentyne, and Steven Wall (eds.), Oxford: Oxford University Press, 90–114. doi:10.1093/oso/9780198841425.003.0004
Landa, Dimitri and Ryan Pevnick, 2020, “Representative Democracy as Defensible Epistocracy”, American Political Science Review, 114(1): 1–13. doi:10.1017/S0003055419000509
Landemore, Hélène, 2013, Democratic Reason: Politics, Collective Intelligence, and the Rule of the Many, Princeton: Princeton University Press.
Layne, Christopher, 1994, “Kant or Cant: The Myth of the Democratic Peace”, International Security, 19(2): 5–49. doi:10.2307/2539195
Levy, Jack S. and William R. Thompson, 2010, Causes of War, Malden, MA: Wiley- Blackwell.
List, Christian and Robert E. Goodin, 2001, “Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem”, Journal of Political Philosophy, 9(3): 277–306. doi:10.1111/1467-9760.00128
Locke, John, 1690, Second Treatise on Civil Government, London; reprinted C.B. MacPherson (ed.), Indianapolis, IN: Hackett, 1980.
Lord, Charles G., Lee Ross, and Mark R. Lepper, 1979, “Biased Assimilation and Attitude Polarization: The Effects of Prior Theories on Subsequently Considered Evidence.”, Journal of Personality and Social Psychology, 37(11): 2098–2109. doi:10.1037/0022-3514.37.11.2098
Lupia Arthur and Matthew D. McCubbins, 1998, The Democratic Dilemma: Can Citizens Learn What They Need To Know?, Cambridge: Cambridge University Press.
Mackie, Gerry, 2003, Democracy Defended, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511490293
Madison, James, Alexander Hamilton, and John Jay, 1787–1788, The Federalist Papers, New York; reprinted Isaac Kramnick (ed.), Harmondsworth, UK: Penguin Books, 1987. [Federalist Papers available online]
Mansbridge, Jane J. (ed.), 1990, Beyond Self-Interest, Chicago: University of Chicago Press.
Mansbridge, Jane, James Bohman, Simone Chambers, Thomas Christiano, Archon Fung, John Parkinson, Dennis F. Thompson, and Mark E. Warren, 2012, “A Systemic Approach to Deliberative Democracy”, in Parkinson and Mansbridge2003: 1–26. doi:10.1017/CBO9781139178914.002
Markovits, Daniel, 2005, “Democratic Disobedience”, Yale Law Journal, 114(8): 1897–1952.
Marsilius of Padua, [DP], The Defender of the Peace, Discourse I, Annabelle Brett (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 2005.
Maskivker, Julia, 2019, The Duty to Vote, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780190066062.001.0001
May, Simon Cabulea, 2005, “Principled Compromise and the Abortion Controversy”, Philosophy & Public Affairs, 33(4): 317–348. doi:10.1111/j.1088-4963.2005.00035.x
Mill, John Stuart, 1861 [1991], Considerations on Representative Government, London: Parker, Son, and Bourn; reprinted Buffalo, NY: Prometheus Books, 1991.
Miller, David, 1995, On Nationality, Oxford: Clarendon Press.
Nozick, Robert, 1974, Anarchy, State and Utopia, New York: Basic Books.
Page, Scott E., 2007, The Difference: How the Power of Diversity Creates Better Groups, Firms, Schools, and Societies, Princeton: Princeton University Press.
Parfit, Derek, 1984, Reasons and Persons, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/019824908X.001.0001
Parkinson, John and Jane Mansbridge (eds.), 2012, Deliberative Systems: Deliberative Democracy at the Large Scale, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139178914
Pasternak, Avia, 2018, “Political Rioting: A Moral Assessment”, Philosophy & Public Affairs, 46(4): 384–418. doi:10.1111/papa.12132
–––, 2009, Democratic Legitimacy, New York: Routledge.
Pevnick, Ryan, 2020, “The Failure of Instrumental Arguments for a Human Right to Democracy”, Journal of Political Philosophy, 28(1): 27–50. doi:10.1111/jopp.12197
Pitkin, Hanna Fenichel, 1967, The Concept of Representation, Berkeley, CA: University of California.
Plato, The Republic, revised/trans. by Lee, D., Harmondsworth: Penguin Books, 1974, 2nd edition.
Quirk, Paul J., 2014, “Making It up on Volume: Are Larger Groups Really Smarter?”, Critical Review, 26(1–2): 129–150. doi:10.1080/08913811.2014.907046
Rawls, John, 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
–––, 2005, Political Liberalism, New York: Columbia University Press, expanded edition.
Rae, Douglas, 1969, “Decision Rules and Individual Values in Constitutional Choice”, American Political Science Review, 63: 40–56. doi:10.2307/1954283
Ray, James Lee, 1995, Democracy and International Conflict: An Evaluation of the Democratic Peace Proposition, Columbia, SC: University of South Carolina Press.
Raz, Joseph, 1979, The Authority of Law: Essays on Law and Morality, Oxford: Clarendon Press.
Riker, William H., 1982, Liberalism Against Populism: A Confrontation Between the Theory of Democracy and the Theory of Social Choice, San Francisco, CA: W. H. Freeman.
Rosenblum, Nancy L., 2008, On the Side of the Angels: An Appreciation of Parties and Partisanship, Princeton: Princeton University Press.
Rousseau, David L., Christopher Gelpi, Dan Reiter, and Paul K. Huth, 1996, “Assessing the Dyadic Nature of the Democratic Peace, 1918–88”, American Political Science Review, 90(3): 512–533. doi:10.2307/2082606
Rousseau, Jean-Jacques, 1762, Du contrat social; ou Principes du droit politique, Amsterdam. Translated as The Social Contract, Charles Frankel (trans.), New York: Hafner Publishing Co., 1947.
Russett, Bruce M., 1993, Grasping the Democratic Peace: Principles for a Post–Cold War World, Princeton: Princeton University Press.
Russett, Bruce M. and Harvey Starr, 2003, “From Democratic Peace to Kantian Peace: Democracy and Conflict in the International System”, in Handbook of War Studies II, Manus I. Midlarsky (ed.), Ann Arbor, MI: University of Michigan Press, 93–128.
Sabl, Andrew, 2001, “Looking Forward to Justice: Rawlsian Civil Disobedience and Its Non-Rawlsian Lessons”, Journal of Political Philosophy, 9(3): 307–330. doi:10.1111/1467-9760.00129
Scheffler, Samuel, 2010, Equality and Tradition: Questions of Value in Moral and Political Theory, New York: Oxford University Press.
Schumpeter, Joseph A., 1942 [1950], Capitalism, Socialism and Democracy, New York: Harper and Row; second edition 1947; third edition 1950.
Sen, Amartya, 1999, Development as Freedom, New York: Knopf.
Simmons, A. John, 2001, Justification and Legitimacy: Essays on Rights and Obligations, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511625152
–––, 2007, Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
Singer, Peter, 1973, Democracy and Disobedience, Oxford: Clarendon Press.
Smith, William, 2011, “Civil Disobedience and the Public Sphere”, Journal of Political Philosophy, 19(2): 145–166. doi:10.1111/j.1467-9760.2010.00365.x
Somin, Ilya, 2013, Democracy and Political Ignorance: Why Smaller Government is Smarter, Stanford, CA: Stanford University Press.
Song, Sarah, 2012, “The Boundary Problem in Democratic Theory: Why the Demos Should Be Bounded by the State”, International Theory, 4(1): 39–68. doi:10.1017/S1752971911000248
Stilz, Anna, 2009, Liberal Loyalty: Freedom, Obligation, and the State, Princeton: Princeton University Press.
–––, 2016, “The Value of Self-Determination”, in Oxford Studies in Political Philosophy, Volume 2, David Sobel, Peter Vallentyne, and Steven Wall (eds.), Oxford: Oxford University Press, ch. 8. doi:10.1093/acprof:oso/9780198759621.003.0005
Thompson, Abigail, 2014, “Does Diversity Trump Ability?” Notices of the AMS, 61(9): 1024–1030. [Thompson 2014 available online]
Valentini, Laura, 2013, “Justice, Disagreement and Democracy”, British Journal of Political Science, 43(1): 177–199. doi:10.1017/S0007123412000294
Viehoff, Daniel, 2014, “Democratic Equality and Political Authority”, Philosophy & Public Affairs, 42(4): 337–375. doi:10.1111/papa.12036
Waldron, Jeremy, 1995, “The Wisdom of the Multitude: Some Reflections on Book 3, Chapter 11 of Aristotle’s Politics”, Political Theory, 23(4): 563–584. doi:10.1177/0090591795023004001
–––, 1999, Law and Disagreement, Oxford: Clarendon Press.
Wall, Steven, 2007, “Democracy and Equality”, The Philosophical Quarterly, 57(228): 416–438. doi:10.1111/j.1467-9213.2007.495.x
Weart, Spencer R., 1998, Never at War: Why Democracies Will Never Fight One Another, New Haven, CT: Yale University Press.
Wendt, Fabian, 2016, Compromise, Peace and Public Justification: Political Morality Beyond Justice, London: Palgrave Macmillon. doi:10.1007/978-3-319-28877-2
Weinstock, Daniel, 2013, “On the Possibility of Principled Moral Compromise”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 16(4): 537–556. doi:10.1080/13698230.2013.810392
Whelan, Frederick G., 1983, “Prologue: Democratic Theory and the Boundary Problem”, Nomos 25: Liberal Democracy, J. Roland Pennock and John W. Chapman (eds.), American Society for Political and Legal Philosophy, 13–47.
White, Jonathan and Lea Ypi, 2016, The Meaning of Partisanship, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199684175.001.0001
Williams, B., 1973, “A Critique of Utilitarianism”, in Utilitarianism: For and Against, with J.J.C. Smart, Cambridge: Cambridge University Press.
Wolff, Robert Paul, 1970, In Defense of Anarchism, New York, NY: Harper and Row.
Wright, Gavin, 2013, Sharing the Prize: The Economics of the Civil Rights Revolution in the American South, Cambridge, MA: Harvard University Press.
Young, Iris Marion, 1990, Justice and the Politics of Difference, Princeton: Princeton University Press.
Zakaras, Alex, 2018, “Complicity and Coercion: Toward and Ethics of Political Participation”, in Oxford Studies in Political Philosophy (Volume 4), David Sobel, Peter Vallentyne, and Steven Wall (eds.), Oxford: Oxford University Press, ch. 8.
يرغب محررو SEP في شكر والتر هورن على تحديد بعض الثغرات في تغطية هذا التقرير، مما أدى إلى مراجعة في يونيو 2024.
Christiano, Tom and Sameer Bajaj, “Democracy”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2024 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2024/entries/democracy/>.
في خريف عام 1960، بدأت تدريبي في الطب النفسي في جناح الأستاذ جان ديلاي في مستشفى سانت آن في باريس. لقد تأثرت بكل من الرجل والمكان معا. كنت قد انتهيت للتو من منصبي لمدة عامين في مركز الطب النفسي الحديث في مونتريال، والذي كان لديه عدد كبير من الأطباء كمرضى، وحيث كانت العلاقات مع المديرين ودية للغاية. لكن دخول سانت آن كان اختراقا لعالم آخر: بأراضيها الشاسعة، ومبانيها القديمة، وتاريخها الهرمي العريق والمعقد، فقد كانت تشبه البلدة المحصنة. وبينما في مونتريال كان من الصعب تمييز المرضى والأطباء من ملابسهم في الشوارع، فقد كان في سانت آن من المستحيل الخطأ بين الواحد والآخر. عند وصولي إلى العمل كل صباح، طُلب مني أن ألبس معطفا بحريا ازرق، كتأكيد لكي يعرف الجميع واجباتي ومكاني في التسلسل الهرمي. بالطبع، ارتدى المرضى ملابس المأوى الخاصة بهم. يقع جناح البروفيسور ديلاي في مبنى يحتوي على نقش: (عيادة الأمراض الروحية والذهنية). لقد وجدت كلمة “Encéphale / مخ ” شاذة، تفترض مثلما هي إيمانًا قويًا وإصرارًا في المنشأ العضوي لأمراض الروح، أو في انحطاط هذا العضو المتفوق، الذي يعتبر موقعًا للوعي.
التقيت بشكل خاص مع البروفيسور ديلاي في مناسبتين فقط، عند وصولي إلى جناحه، وبعد مرور عام، عند تجديد عقدي. كانت جدران مكتبه مغطاة بدرجات الشرف من الجامعات الأجنبية. قص شارة ملكيّة على عباءته، والطّريقة التي ارتداها بها استحضرت صورة الاكاديمي الذي كان حريصًا أن يكونه. الكلمات القليلة التي تناولها في طريقي تصدي الى بول فاليري أو أندريه جيد ؛ لم يشر أبداً إلى الماجستير في الطب النفسي أو التحليل النفسي. كنت أعرف أن هذا الرجل، من الخطابات كطبيب نفسي، يفضل البحث في علم النفس الصيدلاني لاستكشاف علاجات اللاوعي والذهان على العلاج النفسي. على الرغم من ذلك، فإن هذا العقل الجميل (كما كانت فرنسا القرن السابع عشر سوف تدعوه) ونموذج الثقافة الكلاسيكية تنازل للسماح للتحليل النفسي بإجراء مشاورات في جناحه، حتى لو كان هذا يعني قبول رجل مثل جاك لاكان الذي، مع عدم وجود مهنة خلفه في المستشفى ، بدا له كهاو.
لكن “دكتور لاكان” – كما كان المقربون والأحب إليه يدعونه دائما – كان على علاقة ودية حتى مع الطبيب الفرنسي الآخر في الطب النفسي في ذلك الوقت هنري آي، Henri Ey، الحاكم والمعلم المسيطر في Bonneval. وفي حين كان جان ديلاي يحضر ثلاثة مجلدات عن شباب أندريه جييد – والتي قادته إلى كرسي في الأكاديمية الفرنسية – كان هنري آي يطور نظريته العضوية الديناميكية للحياة العقلية وتفككها. كان يشارك، وحتى يشجع، في المناقشة النفسية الجديدة التي كانت قد بدأت للتو في فرنسا. في عام 1960 جمع بين بعض الفلاسفة الأكثر شهرة في ذلك الوقت إلى جانب أخصائيي التحليل النفسي الأكثر اثارة في المدرستين الحاليتين، لمناقشة مفهوم اللاوعي. ظهر لاكان كأفضل فائز في شوط المبارزة هذه التي غطى تلاميذه حقل ملعبها
كنت في حيرة من لاكان. قيل أنه، كمتدرب، كان يرى في كثير من الأحيان وهو يمشي ويقرا كوميديات أريستوفان باليونانية. ومثل الشاعر الأثيني، كان يبدو، حتى عندما يصمت، أنه يدير موقع معرفته المفترضة. وعندما يتحدث، فإن جديته الساخرة تربك التجاهل المحترم من جانب مستمعيه. أسلوبه في اللباس، مثل خطابه، يجمع بين التقشف والترف، الرفاهية المسرفة والصرامة ما يميزه بشكل فارق عن جان ديلاي وهنري اي . ولكن مثلهم، كان جزءاً من التقاليد الفرنسية للأطباء ذوي الخلفيات الأدبية والفلسفية الواضحة، رغم أن مصادر تقاليدهم المشتركة كانت مختلفة. ربما كان لاكان قد ورث ذوقه في الثياب وحبه للاناقة من Clérambault، معلمه النفسي المجاز، لكن قواعده النحوية استلهمت من Pichon، الطبيب النفسي القومي. وعلاوة على ذلك، فإن لغته مستمدة بقدر كبير من صيغ بريتون المتعجرفة والنثر النظري لملارميه مثلما هي من حكم لا روشفوكو، اكثر مما أصبحت فيما بعد جويسية من جيمس جويس. ما كان الأكثر إثارة للدهشة حول لاكان هو أنه توقع بشدة – إن لم يكن أكثر من التأثيرات المفاجأة للغة كتطور للمعرفة – بعض الدقة حول خصوصية الحالة والاتساع النظري معا.
كنت قد قررت حضور ندوته واتباع مشاوراته. كان هناك عدد قليل منا في ذلك الوقت. من خلال ملاحظتي لمرضاه في مستشفى الأمراض النفسية كنت أتساءل لماذا، على خلاف فرويد، كان لديه مثل هذا الاهتمام بالذهان. كان المرضى الذين يشرف عليهم، في معظم الأحيان، ذهانيون والذين نادرا ما رأوه، كمحلل نفسي، في الممارسة الخاصة. ربما اكتشف فرويد لغة الرغبة اللاواعية من خلال الهستيريا، لكن ما الذي يستطيع لاكان أن يبرزه من خلال الاستماع إلى خطاب الجنون؟ هل يمكن أن يسمع بسهولة خطاب غير عقلاني؟ ألم تكن لغته غالبًا ما تتخذ وجهة نظر عكسية؟ هل كان يتوقع أن يجد اللغة الأساسية لللاوعي في الهذيان؟ على أية حال، على خلاف ممارسته الخاصة في شارع دي ليل، كان يستمع إلى هؤلاء المرضى لأكثر من ساعة. كان فضوله لا يشبع – كما هو الحال في حالة امرأة مصابة بالبارانويا، ما أسماه “حلة إيمي”، الذي استند اليها في أطروحته في الطب.
“” (“أخبريني بكل شيء، يا عزيزتي”)، كان سيعلن عند وصوله، هذا الرجل الذي كان يعلم جيداً أنه من المستحيل أن يقال كل شيء. لكن يبدو أن أسلوبه في الألفة يلغي المسافة اللانهائية التي خلقتها هذه الاستحالة لإخبار الكل. على الرغم من طريقته الأولية السهلة، فقد أثبت بدء المحادثة صعوبة أكثر : “اجلس، ايها الرجل الطيب. لقد خلقت بالفعل القليل من الاهتمام هنا. أعني أن الناس مهتمون حقاً بقضيتك. أخبرني عن نفسك”. بعد ذلك، في الصمت الذي يلي ذلك، كان لاكان يقول شيئاً مذهلاً: “لا أرى لماذا لا يجب أن أسمح لك بالتحدث. أنت تفهم جيداً تماماً ما يجري معك”.
حتى بعد ذلك، كان لجاك لاكان أسلوب غير عادي تماما بالنسبة لطبيب نفسي. من الواضح أن في ذهنه كان يدور منذ البداية الدور الذي لعبه اللاوعي في المحادثة. لم يهاجم المريض بالأسئلة لكسر الصمت، لكنه أظهر أنه كان يعلم أن المريض ربما يعتقد أنه لن يسمح له بالتحدث. وإذا كان لاكان قد طرح أسئلة، بدت أنها لم تكن موجهة نحو التشخيص – وهو أمر نادراً ما فعله – ولكن من أجل العلاج. كانت أسئلته محاولة لتفكيك خطاب المريض بدلاً من اباحة هذا التفكيك. وإذا كانت الإجابة على سؤال وخاطر لاكان بالصدفة بانكشافه، يبقى فك التشفير ملغزا مثل ذلك الذي تم فك شفرته، لغز يردد الآخر. وعلى الرغم من أن أسلوب لاكان قد خرق بشكل كبير تقاليد المستشفى، كنت أتساءل دائمًا لماذا لا يزال يحترم هذا النمط الأكثر كلاسيكية في تعريض المرضى لجمهور، اهتمامه الوحيد على ما يبدو هو التعلم منهم دون أي اعتبار لحالة – والبعض سيقول لكرامة – الشخص / الموضوع . بقيامه بذلك، هل كان يدعم الخطاب العنصري العقلاني على الجنون، أم أنه كان ينوي تخريب هذا الخطاب من الداخل؟
السؤال يصبح أكثر إثارة للقلق عندما، بعد الاستماع إلى هذيان المريض لأكثر من ساعة، يقول لاكان: “إنه طبيعي تماما.” هذا التوكيد، الذي كان سيبدو غريباً، على أقل تقدير، إلى طبيب نفسي تقليدي، استحضر السؤال التالي: (“كيف لنا ألا نكون مجانين؟” أو “كيف نتجنب الوقوع في الجنون؟”). مما لا شك فيه أن لاكان كان يعارض تذكير المجتمع بجنونه اقل من معارضة تكييف الشخص المجنون مع المجتمع. بما أنه كان يعتقد أننا يتم التحدث من خلالنا عندما نتحدث، وأن خطاباتنا تأتي إلينا من الآخر، فبالنسبة له لم يعد هناك أي فرق نوعي بين الخطابات التي تفرضها الأصوات المرتفعة من الواقع وتلك التي ينساق معها الشخص عن طريق صوت داخلي. كان عرض لاكان للمرضى مبنيًا على البديهية أنه لا يوجد مزيد من الجنون في التواصل مع الأصوات التي يتم سماعها فعلاً في غياب محاور، اكثر مما هو موجود في التواصل مع الناس عندما يكون جوهر هذا التواصل هو عدم الفهم. إن عدم الفهم هذا في جوهر التواصل هو حقيقة فرويدية بشكل لا يمكن إنكاره، لكن فرويد ترك للموضوع هامشا من الاستقلالية الذي يسمح له بإدراج غير العاقل في ضمن إطار العقل. ومع ذلك، في استماعه الذي لا يكل إلى الذهان، كان لاكان يستكشف أكثر من أي شخص آخر الطريق الذي فتحه فرويد لفهم الذهان. ذهب أبعد مما تجرأ فرويد في اي وقت – وخاطر، في كل تحليل، بالوصول إلى الذهان في الأ عماق المخبأة داخل كل واحد منا.
لكن اقتراب لاكان من الذهان كان ضمن مقاربة دقيقة. لم تكن هذه المقاربة موضوعية من خلال وجهة نظر تشخيص الامراض أو من خلال تصنيف المريض حتميا في فئة محددة مسبقا، كما لم تفقد نفسها في تحديد موضوعي للهوية حيث أدوار الطبيب النفسي والمريض قابلة للتبادل. لقد أدرك كل منهما أن هذا الخطاب المعين المتفرد – الذي يحمل اسم الطبيب النفسي أو المريض (والمكان الذي حمل فيه)، حتى لو فرض على أنه اسم احدهما – هو الخطاب الذي يفرض على أفضل وجه، على الأقل في هذه الحالة، صراع الوجود حيث الرغبة منخرطة في تحويل أو إعادة بناء الواقع .
ومع ذلك، مثلما حدث، فان المواجهة ربطت خطاباتهم معاً بقوة. ظهر شاب في أحد الأيام مدعيًا أنه سمع أصواتًا تتحدث عن “الاغتيال السياسي / assassination ” (التي قد تكون بمثابة اختراع “القتل السياسي” باللغة الإنجليزية) – وهي كلمة منحوتة / portmanteau / من النوع الذي اخترعه لاكان كثيرًا، وتجمع بين “قاتل” (assassinat) و” مساعد او معاون ” (assistant). لقد غرق تحت طوفان عبارات مثل: “سوف يقتلني الطائر الأزرق. هذا نظام فوضوي”. في بعض الأحيان كان يعتقد نفسه في تناسخ لنيتشه أو أرتود – كان قد ولد في العام الذي مات فيه أرتود، وشاركه علامة الفلك الخاصة به. قام بتشريح اسمه، جيرار بريمو، عائدا باسمه المسيحي جيرار إلى أنه من “رار” طائر، و “جي / Geai ” نادر (جاي رار) ؛ وبريمو اشارة الى/ Prime – برايم / اي منسق او مدون خطابه. جاء تفككه بعد قصة حب فاشلة، والمرأة التي كان يحبها اسمها هيلين بيجون. وهكذا استطاع أن يجدها مرة أخرى في واقع عالمه الخيالي، أو في عالم غير إنساني. لكنه لم يخلط بين الخيالي والحقيقي، قائلاً: “أقوم بفصل الأشخاص المحيطين بي عن الواقع، والعبارات التي تفرض نفسها عليّ هي جسور بين الخيال وما يسمى بالعالم الحقيقي … أنا في مركز العالم الخيالي الذي أخلقه لنفسي من خلال اللغة. كلمة برايم – الأولى – هي التي تدون..
فكر الجنون – الذي يحتوي عليه الجنون مثل تفكير الفكر نفسه عندما يصل الجنون إلى نقطة التفكير نفسها – زاد من فضول لاكان، الذي لم يكن فضولًا زائدا كمسعى لتحديد ما يجب معرفته، بل بالأحرى ما يسمح للشخص بالهروب من نفسه. عند قراءة مذكرات الرئيس شريبر، حتى فرويد فوجئ كيف كانت طريقة شريبر Schreber في معرفة من خلال هذيانه تشبه ما وضعه فرويد نظريا، لدرجة أن فرويد اعترف بقوة الشفاء الذاتي لكل من النظرية والهذيان على حد سواء: ” المستقبل سوف يقرر ما إذا كان هناك المزيد من الهذيان في نظريتي أكثر مما أنا مستعد للاعتراف به، أو ما إذا كان هناك المزيد من الحقيقة في هذيان شريبر أكثر مما نحن مستعدون للاعتقاد “. في ختام لقاءه مع جيرارد بريمو، خلص لاكان: “لقد رأينا اليوم حالة واضحة للغاية من الذهان” اللاكاني “، مع” خطاباته المفترضة “، الخيالي، والرمزي والواقعي . “كان جيرارد قد قرأ كلا من لاكان وارتود .” ولهذا السبب بالتحديد، أنا لست متفائلًا جدًا بهذا الشاب … هذه حالة سريرية لن تجدها موصوفة في أي مكان، ولا حتى من قبل طبيب ممتاز مثل Chaslin “. ينبغي للمرء أن ينظر عن كثب إلى ما هو الذي اسماه لاكان الذهان، باسم لاكان، وكما يرى لاكان الطبيب النفسي.
يُعتبَر باد فينيرابيليس اليوم بمثابة أوّل مؤرّخ لانجلترا، ومع ذلك فإنّه قد كان قبل كل شيء، بالنسبة إلى القرون التي تلته مباشرة، مؤلّفَ بعض الكتب التقنية التي أسّست الثقافة الأدبية والتاريخية، بل والعلمية للعصر الوسيط الأعلى، كما أيضا الشارح الكبير للكتاب المقدس، ذاك الذي جمّع ولخّص ونقل مجموع التأويلات التي عملها آباء الكنيسة.
وُلد باد فينيرابيليس نحو 673 في المملكة الانجليزية في نورثأومبريا[3]. وعندما بلغ سنّ السابعة من العمر، سُلّم إلى دير ويرموث[4]، الذي تمّ تأسيسه قبل ذلك ببضع سنين من قِبل بينيديكت بيسكوب[5]. وقد تمّ إرسال الشاب باد فينيرابيليس بشكل مبكّر إلى الدير التوأم لدجارّو، الذي لا يبعد كثيرا عن مصبّ (نهر) التيد[6]. هاهنا أكمل تعليمه، وقُلّد منصب الشماس أو نائب الكاهن[7]، ثمّ منصب الكاهن عندما بلغ سن الثلاثين. كلّ حياته قضاها في هذه الناحية الصغيرة من الدير في نورثأومبيا. وهو لن يترك دجارّو إلاّ للقيام بثلاث سفرات قصيرة، هي لن تقوده إلى أبعد من يورك. ويبدو أنّ باد لم يتألّم كثيرا من هذا الحصر في مكان واحد. فقد اهتمّ بالبلدان البعيدة، لكنّ ما كانت كتب الدير قد علّمته إياه في شأنها يبدو أنّه أرضاه واكتفى به. وهو لطالما شكر رئيس دير دجارّو أنّه قد حمل معه مخطوطات عديدة من سفراته في القارة (الأوروبية) وأنّه قد سمح بذلك إلى الإخوان بمزاولة الآداب والعلوم في حياة العزلة داخل الدير.
ومهما بدت لنا نورثأمبريا هامشية حينما نكتشفها على خارطة أوروبا، فإنّها قد لعبت في الثقافة الغربية، حوالي سنة 700 م، دورا يتخطى بكثير أهميتها السياسية. كان الغزو العربي قد بلغ إلى جنوب أوروبا؛ وكانت إيطاليا ممزّقة بين اللومبارديين[8] والبيزنطيين؛ وكانت الثقافة الغالية-الرومانية[9] القديمة قد انهارت تحت السيطرة الفرنجية. وعلى مسافة من هذه الفتن الكبرى وأعمال الخراب، وجدت الإمارات الأنغلوسكسونية نفسها، وهي حديثة العهد بالتنصير، في ملتقى تيارين روحانيين قويين، تغذّى كلّ واحد منهما بمصادر قديمة: الملكية الإيرلندية الآتية من الشمال والغرب، والتأثير الروماني الممتدّ انطلاقا من كنتوربيري[10].
في دجارّو، تمّ تكليف باد فينيرابيليس بتكوين الرهبان الصغار. فبالنسبة إلى الأولاد الذين كانوا يفدون على الدير والذين كانوا يمتلكون بعض الموهبة لطلب العلم، كان يجب تلقينهم تلك الوسائل التي وراء كل ثقافة، ألا وهي اللغة اللاتينية والخطابة الكلاسيكية. وفي بداية مسيرته كتب باد ثلاث مقالات تستجيب لهذه الحاجة: في فنّ الأوزان[11]، وفي الأنماط والاستعارات[12]، وفي قواعد الإملاء[13]. أمّا الأمثلة التي بها تمّ تدعيم هذه المصنفات المدرسية فهي مستقاة كلها من الكتاب المقدس أو من آباء الكنيسة. وبهذا المعنى فإنّ باد هو (مفكّر) “حديث”: هو لا يدّعي أن يجعل من تلاميذه الصغار، حتى في لغتهم، معاصرين لشيشرون أو قيصر.
إنّ التحكّم في اللغة والتقنيات الأدبية لم يكن يسمح، لوحده، بفهم النصوص المقدسة. فقد كان يجب علاوة على ذلك أن يكون ثمّة تحضير نحن نسميه اليوم تحضيرا “علميا”. كان يجب على قرّاء الكتاب المقدس، الذين يجدون أنفسهم دونما انقطاع في مواجهة مع الوقائع العينية للعالم الطبيعي، أن يمتلكوا معرفة معيّنة بالسماء، وبالظواهر العلوية وبالأرض وبأجزائها. وهو ما خصّص له باد فينيرابيليس كتابه في طبيعة الأشياء[14]، الموجّه هو الآخر إلى تلبية حاجات التعليم المدرسي.
ومع ذلك، فإنّ الكتاب المقدّس هو فضلا عن ذلك كتاب تاريخ؛ فهو يحصي أجيالا من الناس، ويقدّم شهادة على تطوّر شعب ما، ويذكر صعود إمبراطوريات وسقوطها وتعاقبها. هاهنا يختلط الحاضر والماضي والمستقبل إلى حدّ أنّه يصعب في بعض الأحيان أن نميّز بين ما يخصّ هذا العصر أو ذاك. ومن دون معارف جيدة بالتقويمات الزمنية، كان أتباع باد يواجهون خطر الضياع في مسعاهم. وإلى ذلك تنضاف ضرورات الطقوس والشعائر، التي كانت تحدّد إيقاع الحياة الرهبانية. وكان تحديد تاريخ عيد الفصح[15]يتطلب إثبات تناظر بين سنة شمسية، هي سنة التقويم اليوليوسي[16]، وسنة قمرية، هي سنة التقويم اليهودي. وفي الكنيسة نفسها، كان مشكل حساب الأعياد يثير مجادلات حادة، مثل تلك التي حدثت في الإمارات الأنغلوسكسونية، وتواجه فيها الرهبان القادمون من أيرلندا والمبشّرون الذين أرسلتهم روما. من أجل الاستجابة إلى هذه الحاجة المزدوجة، كتب باد في أوّل الأمر مختصراً مدرسيا، هو كتاب الأزمان[17]، ثمّ كتابا أكثر اكتمالا وتفصيلا، هو كتاب حساب الزمان[18].وقد استعمل المؤلف بشكل واسع أعمال بلين[19] وماكروب[20] وإزيدور[21] وخاصة كتابات المؤرخين النصارى عن المواقيت. وقد نجح في صهر هذه العناصر المتباينة في تأليفية فرضت سلطتها في الغرب لقرون عديدة.
في كل هذه الأمور، لم يكن باد فينيرابيليس يرى سوى أعمال تحضيرية. وإنّما لتفسير الكتاب المقدّس هو قد خصّص القسم الأعظم من جهوده. فهو قد شرح عددا كبيرا من كتب العهدين القديم والجديد، وخاصة سفر التكوين (I-XX)، أسفار الملوك، نشيد الأناشيد، أناجيل مرقص ولوقا، أعمال الرسل، سفر الرؤيا. أمّا تفسيره فهو مجازيّ ورمزيّ في أساسه. ومن أجل أن يزاول هذا النمط من التفسير من دون أن يضلّ، هو يريد أن يكتفي بالتأويلات التي اقترحها الشراح الكبار في حقبة آباء الكنسية، وخاصة أغسطين وغريغوار الكبير، ولكن أيضا أومبرواز[22] و جيروم[23]. وإنّ آثاره التي تبدو في شطر كبير منها تلبيسا أو تضمينا، هي غير شخصية بشكل متعمّد.
ومع ذلك، فإنّ باد فينيرابيليس أبعد ما يكون عن مجرّد ناسخ أو حتى مجرّد منتحل. إذْ رغم تعمّده التخفّي وراء غيره، فإنّ شروحه ترشح عن عدد كبير من الصفات والمزايا التي تكوّن الروح العلمية. كان باد يعرف كيف يجد وثائقه؛ وهو ماهر في تجميع الببليوغرافيا المناسبة لموضوعه. وهو يفهم جيّدا أهمّية هذا العمل التمهيدي إلى حدّ أنّه يشرّك قرّاءه فيه: وبدلا من أن يحجب مصادره، هو يقوم بإحصائها في مقدّماته ويشير إلى حدود اقتباساته في هوامش شروحه. بل هو ينبّه حتى الناسخين المستقبليين إلى أن يكرّروا هذه الإشارات بكل عناية. وإنّ مشاكل النقد النصّي ما هي بغريبة عنه، وهو هنا له ملامح السبّاق والرائد. وهو شديد الانتباه إلى الترجمات المختلفة للكتاب المقدّس ولعلاقتها بالأصلي. وكانت الصيغ المتباينة للنص الواحد في النسخ المختلفة تثير انتباهه؛ وهو ينبّه طلبته غليها، ويضع الخطوط العريضة لنظرية في أخطاء النسخ. وفي حقيقة الأمر، هو يختار سلطاته المرجعية: إنّه لا يهاب أبدا صاحب مصنّفات مختلفة مثل إيزيدور[24]. وهو لا يتردد في مناقضة هذا الرأي أو ذاك من آراء أغسطين.
أمّا في مستوى بناء تأليفيات جامعة فإنّ مزايا باد فينيرابيليس ليست أقلّ ظهورا. فهو ماهر في توحيد اقتباساته وإقامة توازن بينها من أجل بلورة عمل متجانس يعكس الملامح الحاسمة في عقله الفطن: من تمييز واعتدال وتعقّل. وهذه المزايا تنعكس في لغته وفي أسلوبه: إنّ لاتينيته واضحة بشكل عجيب. فهو يتحاشى المبالغات في الزركشة وأشكال التكلّف والتصنّع التي سادت في عصره. وإنّ ذوقه الأدبي إنّما يتميّز أيضا عن أذواق النماذج التي كان يحاكيها: فهو ليس له لا بريق أومبرواز ولا بديهة جيروم ولا ميل أغسطين إلى النكت ولا هفوات غريغوار.
2. باد فينيرابيليس: المؤرّخ الأوّل لانجلترا
حتى ولو أنّ راهب دجارّو كان يعتبر “اجترار” الكتاب المقدّس بمثابة مهمّته الأولى، فإنّه لم يكن في تقديره أنّ تاريخ الخلاص سوف ينتهي مع موت الرسول أو الحواريّ الأخير. ففي نظره، كانت أحداث العهد القديم والعهد الجديد تتواصل في صيرورة الكنيسة، ولاسيما كنيسة بلده. وهذه القناعة قادت باد فينيرابيليس إلى كتابة سيرة حياة عدد كبير من الشخصيات المقدّسة، من قبيل القسّ بينيديكت بيسكوب[25] والأسقف كوتبارت[26]. وهو على الخصوص قد ألهمت أحد آثاره الذي نال شهرة دائمة، نعني كتابه التاريخ الكنسي للأمّة الانجليزية[27]. ويمكن القول إنّ هذا التاريخ، الذي منح باد ميدانا حيث كان أقلّ اضطرارا لاحترام المرجعيات المكرّسة، هو قد سمح له بأن يطلق المقدار الكامل لمواهبه: مهارته في اكتشاف المصادر وقدرته على نقدها وملكات التأليف عنده. وليس أنّه يجب أن نقابل- كما فعل ذلك المحدثون لمدة طويلة- أصالة “أب التاريخ الانجليزي” والنزعة المحافظة لشارح الكتاب المقدس. ونحن نرى اليوم بشكل أفضل، أنّ راهب دجارّو إنّما إبّان دراسة الكتاب المقدّس هو قد تعلّم المناهج والمصطلحات وحتى التقنيات الأدبية التي هيّأته بشكل رائع لكتابة هذا “التاريخ الكنسي للأمّة الانجليزية”.
هذا العنوان يكشف عن أصالة العمل ويميّزه عن عمل أوسيب دي سيزاري[28]، الذي هو نموذج كل المؤرخين الكنسيين: إنّ الكنيسة التي أعاد راهب دجارّو رسم ولادتها وتطوّرها هي تجد جذورها في مُزْدَرَع محلّي وتتماهى شيئا فشيئا مع شعب بعينه. ولا يبدو باد فينيرابيليس أقلّ طرافة متى قارناه مع مؤرخين آخرين للممالك البربرية الحديثة العهد بالمسيحية: غريغوار دي تور[29]و فريديغير[30]بالنسبة إلى الإفرنج وبول دياكر[31] بالنسبة إلى اللومبارديين[32].إنّ راهب دجارّو يتفوّق عليهم ليس فقط بمنهجه ومواهبه الأدبية، بل أيضا حتى بتصوّره لعمله وعظمة الإطار حيث أعاد تنزيل موضوعهفهو قد افتتح تاريخه بذكر بريطانيا الرومانية، ومن ثمّ هو مدّ جذور الممالك البربرية الصغيرة ذات المصائر العظيمة التي سرد لنا أصولها، في ماضٍ كلاسيكي.
في حياته، لا يبدو أنّ شهرة باد قد تجاوزت فعلا حدود بلدته الصغيرة نورثأومبريا[33]. ولكن بعد سنوات قليلة من وفاته، أصبح باد مشهورا. أطلق عليه ألكوين اسم المعلّم باد[34].وتمّ تشريفه بلقب “الموقّر”. وطيلة ما يقارب أربعمائة سنة، كان باد فينيرابيليس أحد معلّمي الغرب الوسيط. ولم يقلّ تأثيره إلاّ في القرن الثاني عشر. فقد صار الوصول إلى المصادر التي كان بوجه ما يقوم مقامها، أوسع وأيسر، وظهرت مجادلات جديدة، تتطلب جهازا فكريا جديدا.
المراجع
أعمال باد الموقّر
– « Opera omnia », in Patrologia, J.-P. Migne éd., t. XC-XCV ; “Opera” (éd. Critique en cours de traduction), in Corpus Christianorum, Series Latina, Brepols, Turnhout, 1955 sqq. ; Historia ecclesiastica gentis Anglorum, C. Plummer éd., Clarendon Press, Oxford, 1896 (réimpr. 1946)).
المراجع الأخرى
– Bède,His Life, Times and Writings. Essays in Commemoration inthe Twelfth Centenary of his Death, A. H. Thompson éd., Clarendon Press, Oxford, 1935.
– Famulus Christi. Essays in Commemoration of the Thirteenth Centenary of the Birth of the Venerable Bede, G. Bonner éd., S. P. C. K., Londres, 1976.
الهوامش
[1] – باللاتيني: Beda Venerabilis . وهو ما يعني حرفيا: باد الموقّر (وقد تشير العبارة أيضا إلى رئيس محفل ماسوني).
[2] – Jarrow – دجارّو، بلدة بريطانية تقع على نهر التاين (Tyne) في انجلترا. تأسّس فيها دير القديس بولس منذ سنة 681.
[8] – les Lombards. اللومبارديون، باللاتينية، – Langobardi كانت قبيلة جرمانية من منشأ استكندنافي، حكمت إيطاليا ما بين 568 و 774.
[9] – gallo-romaine.- الغال، بالفرنسيةGaule،وباللاتينيةGallia ، هو الاسم الذي أطلقه الرومان على المنطقة التي يسكنها الغاليون وهم شعوب سلتية. كانت تمتد على شمال إيطاليا وفرنسا وبلجيكا. هزم الرومانيون الغاليين في إيطاليا في القرن الثالث قبل الميلاد، وأدخلوهم ضمن رعايا روما. ونجح الرومانيون خلال القرن الثاني قبل الميلاد في السيطرة على الشريط الغالي المطل على البحر الأبيض المتوسط. لم يسيطر الرومانيون على جميع دولة الغال إلا في عصر يوليوس قيصر، بين عامي 58، 51 ق.م.
نغوص بعيداً عن ضجيج الأخبار السطحية لنفكك شيفرة المواجهة الكبرى بين “الغرب” و”إيران” من منظور فلسفي وإستراتيجي خالص.
لماذا يُوصف كلاوزفيتش بأنه “أرسطو الحرب” وكيف تحول كتابه “عن الحرب” إلى واقع نعيشه؟
ما هي إستراتيجية “شلل الأجهزة” التي يطبقها محور المقاومة، وكيف واجهت “مطرقة” الغرب بـ “سيولة” صن تزو؟
وكيف تنبأ ميشيل فوكو وريمون آرون بتحول السياسة إلى “حرب مستمرة” بوجوه رقمية وهجينة؟
قراءة في تداخل الفكر العسكري الكلاسيكي مع جيوبوليتيك القرن الحادي والعشرين.
الفيلسوف كلاوزفيتش بزي عسكري إيراني
فلسفة الشلل في المواجهة الأخيرة والنزاع بين “المطرقة” و”السيولة“
لا يزال كتاب “عن الحرب” للجنرال والمنظر البروسي كارل فون كلاوزفيتش (1780-1831) يمثل “أورغانون” الفكر العسكري الحديث. هذا الرجل الذي لُقب بـ “أرسطو الحرب” لم يضع مجرد قواعد تكتيكية، بل صاغ فلسفة وجودية للنزاع المسلح، معتبراً إياه ظاهرة إنسانية تخضع لمنطق العقل السياسي. وفي ظل التصعيد الراهن بين القوى الغربية وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، نجد أن المفاهيم الكلاوزفيتزية الكلاسيكية تخضع لعملية “أجرأة” دقيقة تعيد تعريف الصراع الدولي في عصر السيولة الجيوسياسية.
أولاً: الثالوث وتأصيل الغائية السياسية
انطلق كلاوزفيتش من مبدأ “الغائية” الأرسطي، مؤكداً أن الحرب ليست فعلاً عبثياً بل هي “استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. في المواجهة الإيرانية-الأطلسية، نلاحظ انضباطاً شديداً لهذا المبدأ؛ فكل ضربة عسكرية هي “رسالة مشفرة” تهدف لتحقيق غاية سياسية محددة (كالردع أو تحسين شروط التفاوض). الحرب هنا تدار عبر “الثالوث الشهير”: عاطفة الشعوب (المحرك)، مهارة الجيش (الأداة)، وعقل الحكومة (الموجه). وأي خلل في توازن هذا الثالوث يعني السقوط في فخ العنف غير المجدي.
ثانياً: مركز الثقل وإستراتيجية الشلل
يعد مفهوم “مركز الثقل” أعمق مساهمات كلاوزفيتز؛ فهو “مصدر القوة والحركة الذي يعتمد عليه الخصم، والذي إذا ضُرب انهار البناء بالكامل”. وفي تحليل حديث للباحث المغربي الشرقاوي الروداني، تظهر أجرأة هذا المفهوم في سعي الأطراف لضرب “الجهاز العصبي” للخصم بدلاً من “عضلاته”.
إيران، عبر إستراتيجية “الحروب الهجين”، لا تهدف لتدمير الجيوش النظامية فحسب، بل لضرب مركز الثقل النفسي والسياسي لدى الخصم، مما يؤدي إلى “شلل الأجهزة” وفقدان القدرة على المبادرة. إنها عملية “تفكيك” لمنظومة الردع من الداخل، تجعل القوة العسكرية الكلاسيكية تقف عاجزة أمام عدو “غير مرئي” ومتعدد الجبهات.
ثالثاً: “الاحتكاك” وضباب الحرب الرقمي
فسر كلاوزفيتز فشل الخطط العسكرية بمفهوم “الاحتكاك؛ وهو مجموع الصعوبات التي تجعل “البسيط صعباً”. اليوم، يتجلى الاحتكاك في تعقيد البيئة الجيوسياسية وتداخل المصالح الدولية. فرغم التفوق التقني، يواجه الفكر العسكري الغربي “احتكاكاً” ناتجاً عن الفاعلين من غير الدول ، مما يحول الحرب الخاطفة إلى استنزاف طويل. هذا “الضباب” لم يعد ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن “تخمتها” وصعوبة التنبؤ بردود فعل الخصم في بيئة مشبعة بالتهديدات غير المتماثلة.
رابعاً: النزاع بين “المطرقة الكلاوزفيتشية” و”سيولة صن تزو“
لا يمكن فهم المشهد المعقد في الشرق الأوسط دون استحضار المواجهة بين مدرستين فلسفيتين: المدرسة الغربية التي يمثلها كلاوزفيتش، والمدرسة الشرقية التي وضع أسسها الحكيم الصيني صن تزو في كتابه “فن الحرب“.
بينما يراهن العقل العسكري الغربي على “المطرقة الكلاوزفيتزية”؛ أي استخدام القوة النارية الهائلة والتفوق التقني لسحق مركز ثقل الخصم، تتبنى إيران وحلفاؤها “إستراتيجية الماء” عند صن تزو. إنهم يطبقون حرفياً وصيته: “كن غامضاً لدرجة الخفاء، وتصرف بلا أثر”. فبدلاً من المواجهة الجبهوية المدمرة، تعتمد إيران على “الخداع الإستراتيجي”، واستنزاف العدو بضربات متفرقة، وتجنب المعركة الفاصلة. إنها معركة بين “الصلابة” التي تسعى للحسم، و**”السيولة”** التي تسعى للإنهاك؛ حيث يجد الغرب نفسه أحياناً كمن يضرب الماء بمطرقة.
خامساً: مراجعة نقدية (من ريمون آرون إلى فوكو)
إذا كان الفيلسوف ريمون آرون قد رأى في كلاوزفيتز منقذاً للعقلانية في العصر النووي، مؤكداً أن “السياسة يجب أن تظل القائد”، فإن الواقع الحالي يفرض تساؤلاً جوهرياً: هل لا تزال السياسة تقود الحرب؟
إن “أجرأة” الحرب اليوم تكشف عن صراع بين منطقين: منطق “الحرب المحدودة” الكلاوزفيتزي الذي تسعى إليه الحكومات، ومنطق “الحروب الأبدية” التي تتغذى على الأيديولوجيا والفاعلين من غير الدول. هنا تبرز أهمية العودة لـ ميشيل فوكو الذي قلب المقولة معتبراً أن “السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”، مما يعني أننا نعيش حالة “حرب دائمة” لكن بوجوه ديبلوماسية واقتصادية ورقمية، حيث يتم استخدام أدوات الدولة كجزء من المعركة المستمرة.
خاتمة
إن المواجهة الحالية في الشرق الأوسط هي مختبر حقيقي لفلسفة الحرب الكلاسيكية والحديثة. فبين “مركز الثقل” الذي يحاول الجميع حمايته بمطرقة كلاوزفيتز، و”السيولة” التي يطبقها محور إيران بذكاء صن تزو، يظل النزاع فعلاً “أرسطياً” بامتياز؛ يبحث عن غايته في السياسة ويجد وسيلته في القوة. إن فهمنا لهذا النزاع يمر حتماً عبر فهم تلك القواعد الخالدة التي صيغت وسط دخان الحروب الغابرة، لترسم ملامح صراعات القرن الحادي والعشرين.
قائمة المراجع والمصادر
المصادر الكلاسيكية
كلاوزفيتش، كارل فون. عن الحرب ترجمة أكرم ديري وهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر
(The Art of War). ترجمة رؤوف شبايك.صن تزو. فن الحرب
الدراسات الفلسفية والنقدية
أرسطو. السياسة. ترجمة أحمد لطفي السيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
Can Analytical philosophy be Systematic, And ought it to be!
الكاتب
مايكل دامييت
ترجمة
قدور اعويسي
لا يحيل مصطلح ‘الفلسفة التحليلية ‘ على مدرسة بعينها، بل على مزيج مدارس تشترك في بعض الافتراضات الأساسية، لكن يختلفون فيما بينهم على كل نحو ممكن. وككل الحركات كانت أشد نزاعاتها داخلية؛ إذ لما كنت طالبا في أكسفورد في أواخر 1940 كانت فلسفة رايل Gilbert Ryle)) هي المهيمنة، ورغم حقيقة أن رايل قد ابتدأ مساره بوصفه نصيرا لفلسفة هوسرل، ونشر في عام 1929 مراجعة نقدية، لكنها محترمة جدا، لكتاب ‘الكينونة والزمن’ Sein und Zeit ، فإنه في الوقت الذي كنت فيه طالبا، لم يكن الخصم هو هيدجر؛ إذ لم يكن يُنظر إلى هيدجر إلا باعتباره شخصية للهزل، وكان عبثيا للغاية بحيث لا يمكن أخذه على محمل الجد؛ أي بوصفه تهديدًا للفلسفة كما تمارس في أكسفورد. بل كان الخصم هو كارناب؛ لأنه هو الذي نظر إليه في تصور رايل تجسيدا للغلط الفلسفي، وقبل كل شيء، بوصفه نصيرا لمنهجية فلسفية غير سديدة. بالتأكيد، فإن كارناب الذي علمنا رايل أن نرفضه، كان مجرد رسم كاريكاتوري لكارناب الحقيقي، ولكن هذا التحيز كان قوياً للغاية، لدرجة أني استغرقت عدة سنوات لأدرك أنه يوجد الكثير مما هو جدير بالدراسة في كتابات كارناب.
لا إمكان لتوضيح أكثر حيوية للتقابل بين المناخ الفلسفي الذي نشأ فيه معاصري البريطانيون، وذاك الذي تطور فيه الفلاسفة الأمريكيون من الجيل نفسه: ففي الولايات المتحدة قبل كارناب بوصفه قائدا للمدرسة التحليلية، وأكثر الممارسين الأمريكين للفلسفة التحليلية تأثيرا، من كوين إلى من دونه، جمع كان تكوينهم الفلسفي كارنابيا، ولا يمكن فهم فكرهم إلا بوصفه نتاجا لجهد بالغ من فحص وتصحيح بعض عقائد كارناب الأساسية.
يؤثر الاختلاف في التقليد بين الفلسفة التحليلية كما مورست في أوروبا وبريطانيا، والفلسفة كما تمارس في الولايات المتحدة الامريكية، بقوة على السؤال الذي يتعين علينا فحصه. وسيكون من السخافة توجيه السؤال: “هل يمكن للفلسفة التحليلية أن تكون نسقية؟” إلى مؤلف البناء المنطقي للعالم Der logische Aufbau der) Welt ). ذلك أن قليل من الفلاسفة الأميركيين اتبعوا معلمهم عن كثب، لدرجة أنهم أنتجوا أندادا لهذا العمل، مثل بنية المظهر لنيلسون جودمان ((Nelson Goodman’s Structure of Appearnce؛ فمعظمهم متفقون مع كواين(Quine) ، على عد الفلسفة شبيهة بالعلوم الطبيعية؛ أي بوصفها جزءا من نفس المشروع العام مثل العلوم الطبيعية. أما في الجهة الأخرى في دوائر الفلسفة الإنجليزية التي يهيمن عليها فيتجنشتاين ((Wittgestein المتأخر أو أوستين (Austin)، فإن الإجابة المقدمة لهذا السؤال كانت صارمة: لا؛ إذ بالنسبة لهم، فإن المسعى في جعل الفلسفة نسقية، هو الخطأ الأساس الذي تأسس على سوء فهم كامل لطبيعة الفلسفة؛ يكمن السبب فيما أعتقد أنه الاكتشاف الأساس الذي أعلنه فتغنشتاين في كتاب الرسالة لطبيعة الفلسفة: إن الفلسفة ليست علما؛ يستعمل ‘العلم’ هنا بمعناه الواسع ليشمل أي تخصص (مثل الفن والتاريخ) يسعى للوصول إلى الحقائق وتأسيسها؛ فمن منظور فتغتشتاين المتقدم والمتأخر ليس هذا موضوع الفلسفة. تسعى الكمياء لاكتشاف الحقائق الكميائية، ويسعى التاريخ لاكتشاف الحقائق التاريخية، بيد أن المحصلة الناجحة للفلسفة ليست هي عدد من القضايا الصادقة التي لم يكن صدقها معلوما قبلا؛ إذ ليست تتعلق الفلسفة بتأسيس حقائق عامة، وليست حتى حقائق يمكن الوصول إليها بالاستدلال العقلي، بل تتعلق بتقويم بعض أضرب سوء الفهم؛ أي سوء الفهم الذي لدينا لمفاهيمنا.
ويعني هذا سوء فهمنا للغتنا، لأن امتلاك مفهوم ما يعني إتقان جزء معين من اللغة؛ ذلك إن اللغة الإنسانية أداة لتعقيد هائل، وإتقاننا لها هو بالأساس إتقان ضمني؛ إننا نستطيع استعمالها في الممارسة، لكن متى حاولنا إعطاء موقف تفسيري لهذه الممارسة، فإننا نرتكب خطأ شنيعا، لأن طبيعتنا الإنسانية تأملية؛ أي أننا نحاول تفسير كل ما نلاحظه، غير أننا لا نكتفي بقدرتنا على الاستعمال العملي للغة في المعاملات العادية في الحياة، بل نحاول صياغة فرضيات حول المبادئ العامة التي تعمل اللغة وفقًا لها؛ أو نعتبر اللغة، خطأ، أنها مجرد لباس خارجي يلبسه الفكر، ونحاول نزع هذا اللباس الخارجي والتغلغل إلى الفكر الخالص الذي تحته.
ومتى قمنا بهذه العملية، كنا مثل متوحشين يحدقون في آلة ليس لديهم الخلفية لفهم كيفية عملها، فنشكل مفاهيم خاطئة وخيالية للطريقة عمل لغتنا. ومثل كل الأفكار، فإن هذه المفاهيم الخاطئة نفسها يعبر عنه في اللغة؛ غير أن اللغة متى وضعت لتخدم مثل هذه الغاية، فهي مثل محرك يتسابق وهو غير متصل؛ فهي لا تقوم بأي عمل، حتى العمل الخاطئ؛ إنها لا تصدر حتى في قضايا يمكن نفيها واستبدالها بقضايا صادقة، ولكنها تعبر فقط عن أنواع خاصة من الحيرة الفكرية التي لا علاج لها إلا بصبر متسع بالمعنى الذي يعالج به الطبيب المرض.
هذا العلاج هو العمل الخاص بالفيلسوف؛ ويتكون جزء كبير منه، من لفت انتباه المريض إلى الحقائق الفعلية والمملة في الغالب حول استعمالنا للغة؛ أي الحقائق التي يدركها بالفعل، لكنه تجاهلها في الإثارة الناتجة عن الصورة المضللة التي استحوذت على ذهنه.
إذا كانت هذه هي طبيعة الفلسفة، فواضح أنها لا يمكن أن تكون نسقية؛ لا يمكن أن توجد وسيلة يمكن من خلالها منع أي سوء فهمmisunderstanding) ) ممكن، قبلا. يجب التعامل مع كل سوء فهم كما نواجهه. وحتى وإن كنا مهتمين باجتثاث بعض المفاهيم الخاطئة المحددة، فلن نحقق ذلك من خلال استبدال نظرية صحيحة بنظرية خاطئة، لأننا لا نعمل في مجال يقتضي النظرية بالإطلاق؛ إذ ما نسعى لإنجازه هو استبدال رؤية واضحة برؤية مشوهة. ما يجب رؤيته ليس من شأن الفلسفة، بل من اختصاص العلم والملاحظة التجريبية؛ ليس من شأن الفيلسوف أن يقول ما يجب أن يرى أكثر مما يقوله طبيب العيون؛ فما يحاول الفيلسوف منعه هو حالة ذهنية حيث يفسر كل ما يُرى بشكل مشوه.
إن الفيلسوف، بقدر ما يكون من واجبه أن يذكر بما يجب أن يُرى، فإن الحقائق التي يتعين عليه أن يذكرها لن تكون تلك التي اكتشفها الفيلسوف، بل حقائق معروفة من قبل للجميع، وهو يذكر بها فقط لأنها لا تتناسب مع النظرية أو النظرية الزائفة التي تتجسد فيها الحيرة المفاهيمية. غير أن هذا التذكير بالحقائق المعروفة، وخاصة الحقائق المتعلقة باللغة، لن يوفر بذاته معالجة كافية للحيرة، لأنه حتى تزال الحيرة، ستفهم بشكل خاطئ؛ يجب على الفيلسوف أن يتصارع مع المنطق المغري الذي ولّد سوء الفهم بشكل قهري في المقام الأول، أو الذي يدافع به عن نفسه ضد النقد. غير أن تفكر الفيلسوف لا ينتهي، مثل تفكير عالم الرياضيات، إلى نظريات يستطيع أن يعلنها بعد أن يفك التشابك وتنفصل الأشياء عن بعضها البعض يكون قد انتهى من عمله، عندها نرى العالم بشكل صحيح. ومع ذلك، لا يوجد شيء يمكننا أن نذكره كنتيجة لعمل الفيلسوف؛ فالرؤية غير المشوهة ليست في حد ذاتها موضوعا للرؤية.
أما علة رفض أوستين للنسقية في الفلسفة، فهي أضعف من فتغنشتاين، وتحتاج إلى قليل انتباه؛ فمن وجه، لم تعد تبدو مغرية على الإطلاق. ومن وجه أخر، لأن ممارسة أوستن فشلت إلى حد أكبر من الفلاسفة الآخرين، في التوافق مع منهاجيته الرسمية؛ لقد كانت وجهة نظره الرسمية هي أنه يجب حل المشكلات الفلسفية من خلال الاهتمام بالاستعمالات الفعلية للكلمات: لذلك، قد نبدأ بدراسة استعمالات الكلمات دون التركيز على المشاكل التي ستنحل بنفسها، أي ستتلاشى إذا أنجزنا عملنا بطريقة مرضية.
الفلسفة من هذا المنظور، ليست علاجا، بل دراسة تجريبية؛ يجب علينا أن نصف بالتفصيل، استعمالات محددة لكلمات محددة. لكنها ليست دراسة نسقية، لأن نتائجنا ستتحول إلى نظرية استنتاجية مرضية من الناحية الجمالية، لأنها تشكل في حد ذاتها مجموعة من الحقائق الخاصة المترابطة بشكل فضفاض، خاصة مثل تلك المذكورة في المعجم.
لقد بدأت بملاحظة أن مصطلح ‘الفلسفة التحليلية’ يشمل أعمال فلاسفة لهم وجهات نظر ومقاربات مختلفة، بيد أنه بالرغم من أن هذه الاختلافات كانت ملفتة في الماضي، فإن ملاحظتي ربما لا تنطبق على المشهد المعاصر، بصرامة، بقدر ما تنطبق على أي وقت في الماضي.
يوجد تقارب كبير للغاية بين الفروع المختلفة للفلسفة التحليلية؛ وكان هذا التقارب بسبب ثلاث وقائع متعالقة:
أولهم، المعرفة والعناية الواسعة بأعمال فريجه (Frege)؛ فإلى حدود عام 1950، كان تأثير فريجه على الفلسفة التحليلية عظيما للغاية، ولكن هذا التأثير كان في معظمه ثانويا؛ أي منقولا من فلاسفة، وإن كانوا مؤثرين، إلا أنهم قلائل، هم الذين درسوه بشكل مباشر – تشرش(Church) ، وكارناب، وراسل(Russell) ، وقبلهم، فيتجنشتاين؛ إذ كانت تعاليم فريجه في الغالب، تصل إلى الآخرين كما يفهمها هؤلاء الكتاب فقط، ولم تتمايز بوضوح عن آرائهم الخاصة.
والآن، بعد ربع قرن من الزمان، ونصف قرن من وفاة فريجه، يعترف كل طالب فلسفة جاد في بريطانيا أو الولايات المتحدة بأن الدراسة الشاملة لكتابات فريجه بوصفها أمرا ضروريا لتكوينه الفلسفي. وقد أحدث التحول في المنظور ـ-ليس المنظور التاريخي فحسب – إلى الاعتراف بفريجه بوصفه منبع الفلسفة التحليلية، بدلا من افتراض أنها بدأت مع راسل، أو مع فيتجنشتاين، أو مع حلقة فيينا، وقد كان لهذا الاعتراف تأثير قوي وجامع.
ثانيهم أن أعمال الفلاسفة الأميركيين المعاصرين أصبحت في الوقت الحاضر أكثر تأثيراً في بريطانيا مما كان عليه في أي وقت مضى: فلأول مرة منذ أن كنت في أكسفورد، وربما للمرة الأولى منذ كان تأثير هيجل هو السائد هناك، أصبحت الأعمال التي تم إنجازها في الفلسفة أبعد من كامبريدج تحتل مركز الصدارة.
وأخيرا، كسبب أو نتيجة للسببين الأولين، تغير محور الاهتمام داخل الموضوع؛ فلعدة عقود، كان علم النفس الفلسفي هو أكثر فروع الفلسفة حيوية في بريطانيا؛ أي دراسة الأسئلة المتعلقة بالدوافع، القصد، والمتعة، وما شابه ذلك، أما الآن فقد أصبحت فلسفة اللغة.
لقد كان الاسم الشائع لضرب الفلسفة الذي يمارس في أكسفورد هو ‘الفلسفة اللغوية’ (Linguistic philosophy)؛ ولكن هذا لا يعني أن أتباعها عملوا بشكل أساسي على الأسئلة المتعلقة باللغة، مثلما أن اسم ‘الوضعية المنطقية’ لا يعني أن المساهمة الرئيسة لأعضاء تلك المدرسة كانت في المنطق. وكما كان المنطق بالنسبة للوضعيين أداة وليس مجالا للدراسة، فإن دراسة اللغة بالنسبة للفلسفة اللغوية كانت في معظمها وسيلة وليست غاية، ويرجع هذا الأمر، في جزء منه، إلى الفكرة القائلة بأنه لا توجد حاجة إلى مذهب عام حول اللغة يعتمد التحقيق بأدوات لغوية في المفاهيم الإشكالية، فلسفيا. وفي الجزء الأخر، إلى فكرة القائلة بأن مثل هذا المذهب كان ضروريا، لكنه تحقق بالفعل. لن تجد أي من الفكرتين الكثير من التأييد الآن؛ إذ يُنظر إلى فلسفة اللغة على أنها ذلك الجزء الأساسي التي تقوم عليه باقي [فروع الفلسفة]، وهو، أيضا، الجزء الأكثر خصوبة للتحقيق فيه في الوقت الحالي.
لا يعد هذا الاتجاه في الفلسفة التحليلية حديثا، إلا فيما يتعلق بالفلسفة البريطانية؛ فهو يمثل تحيز الفلاسفة البريطانيين للمدرسة الأمريكية. وأود أن أعرب عن تعاطفي الكامل مع هذا الاتجاه. ولست أرغب بقولي هذا بتأييد مذاهب معينة شائعة حاليا بين الفلاسفة الأمريكيين في مجال اللغة، من قبيل الكليانية اللغويةlinguistic holism) ) ورفض التمييز الجوهري بين المعنى والإحالة (Sense and reference) ، ونظرية السببية في الإحالة، أو دلاليات العوالم الممكنة (Possible-Words semantics) والتي تبدو لي كلها خاطئة، كليا أو جزئيا، غير أني أؤيد فقط توجهها العام. ولأتمكن من تقديم أسبابي لهذا، يتعين علي وضع السؤال الآتي: ما الذي يميز الفلسفة التحليلية، وكل مظاهرها، عن المدارس الأخرى؟
سيكون التعريف المختصر هو: الفلسفة التحليلية هي ما بعد فريجه؛ لقد كان الإنجاز الأساس الذي حققه فريجه هو إبدال وجهة نظرنا في الفلسفة؛ أي إبدال نظرية المعرفة، باعتبارها نقطة البداية في الفلسفة، بالمنطق؛ ويشمل المنطق، عند فريجه، ما أسماه سابقوه بالمنطق، ولكن في جزء خاص منه فقط؛ كما شمل تحديدا، ما يسمى الآن ‘فلسفة اللغة’ philosophy of language)). قد يبدو هذا غريبا بالنسبة لفريجه، لأنه كان يستعمل دائما كلمة Sprache” بمعنى ‘اللغة الطبيعية’، وكان يزدري اللغة الطبيعية بشدة؛ بيد أن هذا الازدراء، وإن كان مسوغا تماما، لأنه كان يعتقد أنه يتعين علينا بهدف الدراسة الفلسفية الجادة استبدال اللغة الطبيعية بلغة رمزية خالية من نواقصها، فإن عمل فريجه ستكون له الأهمية التي يدعيها، فقط إذا كانت محصلة اللغة الصورية أكثر كمالاً؛ أي لإنجاز الشيء نفسه الذي نقوم به عادة باللغة الطبيعية، وإذا كان الأمر كذلك، فإذا كنا في دراسة اللغة الصورية ندرس المثال (النموذج المثالي) الذي تسعى إليه اللغة الطبيعية، ولكنها تفشل في تحقيقه. وبالتالي، يمكننا أن نصف الفلسفة التحليلية بأنها الفلسفة التي تتبع فريجه في قبول أن فلسفة اللغة هي أساس فروع الفلسفة الأخرى.
إن فلسفة اللغة بالنسبة لفريجه، وللفلاسفة التحليليين اللاحقين، هي أساس كل فلسفة أخرى، لأنه فقط، بتحليل اللغة يمكننا تحليل الفكر. تختلف الأفكار عن مضامين الذهن(The mind) في كونها قابلة للتواصل؛ إذ من طبيعة الفكر أن أتمكن من نقل الفكرة التي لدي إليك، بدلا من أن أكون قادرا على إخبارك بشيء ما شبيها بفكرتي. ومن طبيعة الفكر ليس فقط أن يكون قابلا للتواصل الجزئي، ولكن أن يكون قابلة للتواصل الكلي بوسيلة اللغة. وبالتالي فإنه حتى نفهم الفكر، يجب أن نفهم الوسيلة التي يعبر بها الفكر. متى حاول الفيلسوف، بالطريقة التي ذكرتها آنفًا، أن يجرد الفكر من لباسه اللغوي، وينفذ إلى جوهره العاري الخالص، فإنه لن ينجح إلا في خلط الفكر ذاته، بالعناصر الداخلية الذاتية للتفكير.
إننا ننقل الأفكار باللغة، لأننا نحوز فهما ضمنيا لكيفية عمل اللغة؛ أي فهما للمبادئ التي تحكم استعمال اللغة؛ وهذه المبادئ، التي تتعلق بما هو معاين في استخدام اللغة the employment of language)) دون الاستعانة بأي اتصال مفترض بين ذهن وذهن آخر، سوى الوسيط اللغوي، هي التي تمنح عباراتنا المعاني التي تحملها؛ ولتحليل الفكر، فمن الضروري أن نوضح هذه المبادئ التي تنظم استعملنا للغة، والتي ندركها ضمنيا بالفعل.
إن لهذه المهمة جانب عام وجانب خاص. ففي جانبها العام؛ نعنى بالمبادئ الأساسية لتفسير كيفية عمل اللغة، وهذا يشكل فلسفة اللغة التي هي تلك النظرية الفلسفية التي تشكل الأساس لكل ما تبقى. أما في جوانبها الخاصة، فقد نعنى بتحليل الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع أو ذاك، أو التي تنطوي على مجموعة محددة من المفاهيم؛ وهذه هي فروع الفلسفة التي تنبثق من الجذر الأم.
وما لم يكن تفسيرنا العام للغة على المسار الصحيح، فإن التحليل الذي نقدمه في فروع معينة من الفلسفة لأنواع خاصة من العبارات، أو صيغ خاصة من التعبير قد يكون معيبا، ولهذا السبب تكمن فلسفة اللغة في أساس البنية بأكملها. ولا يعني هذا بالطبع أنه يجب أن يتوقف العمل على أجزاء أخرى من الفلسفة حتى يتوصل إلى فلسفة كافية للغة.
لم يدعي فريجه نفسه أن المهمة الوحيدة للفلسفة هي تحليل الفكر، وبالتالي تحليل اللغة ـ وقد ترك ذلك لفتجنشتاين ليعبر عنه في كتابه ‘رسالة منطقية فلسفية’؛ ولكن بممارسته في الفرع الخاص من الفلسفة الذي عمل فيه؛ أي فلسفة الرياضيات، لم يترك مجالا للشك في أن هذه كانت وجهة نظره؛ والأسس ذاتها التي قاوم بها تدخل الاعتبارات النفسية فيما أسماه ‘المنطق’؛ بمعنى أن الفكر موضوعي ومشترك بين الجميع، في حين أن العمليات الذهنية خاصة وذاتية، هي التي ساقها لإبعادها عن فلسفة الرياضيات.
تتم الدراسة الفلسفية للرياضيات بتحليل لغة الرياضيات؛ وحده المرء الذي يصر على الخلط بين الفكر والعمليات الذهنية الداخلية، قد يتصور أن هذه العملية تنطوي على صرف انتباهنا من مواضيع الرياضيات (The objects of mathematics) إلى تجربة النشاط الرياضي؛ إذ التجربة لا تدخل في هذا الأمر بإطلاق، وفيما يتعلق بالمواضيع الرياضية، سيحتاج الفيلسوف إلى التحدث عنها بالطريقة التي يكون من الضروري القيام بها حتى يتمكن من تقديم وصف مناسب للغة الرياضية.
لا يتعين الفرق بين عالم الرياضيات وفيلسوف الرياضيات في أن الأول يعنى بالمواضيع الرياضية، بينما يعنى الثاني فقط بالتجارب الداخلية لعالم الرياضيات، بل إن عالم الرياضيات يعنى بإثبات صدق أو كذب العبارات الرياضية، في حين أن الفيلسوف يعنى بالطريقة التي يتم بها إعطاء المعنى. ولا يوجد سبب للافتراض بأن فريجه كان سيتبنى موقفا مختلفا تجاه أي فرع آخر من فروع الفلسفة، لو اختار العمل فيه.
حاولت في الملاحظات السابقة عرض بعض التصورات الأساسية التي دعا إليها فريجه في منهجه الفلسفي، تصريحا أو تلميحا، والتي يمكن أن يقال عنها أيضا ببعض المعقولية، أنها مشتركة بين جميع ممارسي الفلسفة التحليلية؛ ولكن حتى لو كنت قد نجحت في ذلك، فإن تأثير هذه المعتقدات المشتركة على عمل الفلاسفة التحليليين المختلفين كان جد مختلف في الممارسة العملية.
لقد قدم كل من فريجه وفيتجنشتاين المتقدم، مساهمات مباشرة في فلسفة اللغة، ولكن عندما نصل إلى حلقة فيينا، فإننا نتعامل مع فلاسفة لم تعد عنايتهم بفلسفة اللغة في ذاتها، بل لأنهم رأوا فيها ترسانة تمكنهم من استخراج أسلحة تسلحهم للقتال في مجالات أخرى من الفلسفة. لقد كان مبدأ التحقق بالنسبة لهم بمثابة سيف يمكنهم أن يقتلوا به عددا لا يحصى من التنانين الميتافزيقية؛ ولكن الآن، عندما ننظر إلى الوراء، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن نستحدث من هذا المبدأ فلسفة متسقة للغة، أو نظرية للدلالة؛ إذ لم تكن هذه الفلسفة في ذاتها حتى موجزا لنظرية للدلالة، بل كانت محصلة يزعم أنها تترتب عن نظري لم يتم حتى صياغة الخطوط العريضة بوضوح.
وإذا كان هذا يقال عن الوضعيين، فإنه يقال أيضا عن مدرسة ‘اللغة العادية’ التي سادت لفترة في أكسفورد؛ لقد تخلوا عن شعار ‘الدلالة هي منهج التحقق’ (Meaning is the method of verification) لصالح الشعار المقتبس من فيتجنشتاين، ‘الدلالة هي الاستعمال’ (Meaning is use) ولكن في حين أن الشعار السابق كان يلمح إلى نظرية موحدة للدلالة؛ أي إلى مفهوم أساسي يمكن من خلاله تقديم نموذج عام لفهم العبارة، فإن الشعار الأخير كان يستعمل لرفض فكرة إمكانية وجود تفسير موحد. ولم يكن مقبولا سوى في بعض الحالات الخاصة. فالنظرية العامة كانت شرارة مستقبلية، استحدثت من آمال الفيلسوف الباطلة في العثور على نمط حيث لا يوجد نمط. كل ما ينبغي للفيلسوف أن يحاول فعله هو تفسير ‘استعمال’ كل عبارة، واحدة تلو الأخرى؛ لأن هذا هو ما يمكن فعله.
الآن، أياً كان التفسير الصحيح للغة، فإن هذا التصور الاستعمالي للغة يمكن أن ندرك للتو أنه خاطئ؛ لسبب واضح هو أننا لا نتعلم العبارات واحدة تلو الأخرى؛ فهو يناسب شفرة من الإشارات التي تتعلم دلالة كل منها على حدة، ولكن ليس اللغة. ليست هنالك حاجة لتنبيه على ذلك لأي شخص، ناهيك عن مدرسة من الفلاسفة الذين كانوا يفخرون باهتمامهم باللغة، بأننا نفهم العبارة بفهم الكلمات التي يتكون منها، والمبادئ التي انتظمت وفقها. ولكن الحقيقة هي أنه لا توجد صياغة لمذهب الخصوصية الكلية (total particularism) الذي دعت إليه هذه المدرسة من شأنها أن تتناسب مع هذه الحقيقة الأساسية؛ لأن العبارات، وليس الكلمات، هي التي لها ‘استعمال’ بالمعنى المقصود؛ أي العبارات التي من خلالها، بتعبير فيتجنشتاين، ‘نتحرك في لعبة اللغة’.
بهذا، يجب أن يمثل أي تفسير عملي للغة، إتقان اللغة بوصفها مكونة من فهم بعض المبادئ التي لا تتعلق بعبارات فردية تامة، حتى لو كانت تتكون فقط من مبادئ تتعلق بالكلمات الفردية وأنماط بناء العباراة. وسيفضي فهم مثل هذه المبادئ إلى معرفة ‘الاستعمال’ الذي يمكن أن تتكون منه أي عبارة معطاة في اللغة، ولكنها لن تكون مكونة من هذه المعرفة. السؤال هو: ما هي المبادئ التي يشكل الفهم الضمني لها فهم اللغة؟ وفي الإجابة على هذا السؤال لم يكن لدى مدرسة ‘اللغة العادية’ أي شيء لتساهم به تقريبا.
أفضى رفض العموميات، والتركيز على ‘استعمال’ كل عبارة على حدة إلى تقديم تفسيرات جد سطحية للاستعمال في أحايين كثيرة، حتى عندما كانت دقيقة؛ لقد كانت سطحية لأنها وظفت مفاهيم نفسية ودلالية ليس من حق نظرية الدلالة أن تفترض أنها مفهومة، حيث يتوقع تفسيرها؛ فماذا يمكن لأي شخص أن يفعل بعد كل شيء سوى استحضار مثل هذه المفاهيم إذا قدمت له عبارة مركبة وطُلِب منه وصف ‘استعمالها’؟ لذلك فإنهم يوظفون مثل هذا التصور بدون قيد، للتعبير عن موقف، أو نقل اعتقاد، أو رفض سؤال، دون أدنى وعي بأن من مهام فلسفة اللغة هو أن تفسر ما يعنيه القيام بأي من هذه الأشياء.
ولا أدل على هذا من الاستعمال الثابت لمفهومي الصدق والكذب بوصفهما لا يحتاجان إلى تفسير؛ فهذه مفاهيم لها موطنها في نظرية الدلالة التي لن تتضح كليا إلا عندما نفهم الدور الذي يجب أن تلعبه في نظرية صحيحة لدلالة للغة؛ ومع ذلك فقد وظف هذين المفهومين في وصف الاستعمال، ودارت النزاعات حول ما إذا كان ينبغي تطبيقها على هذه الجملة أو تلك، أو في ظروف معينة، أو في كل الظروف، لا فقط كما لو كانت العلاقة بين الصدق والدلالة واضحة، بل كما لو لم يكن هناك شيء يمكن معرفته، وبالتالي لا يوجد شيء يمكن قوله عن تلك العلاقة.
وعلاوة على ذلك، أفضت الخصوصية إلى السطحية، لسبب آخر يمكن التعبير عنه إجمالا بالقول: إنها رسخت تجاهلًا مقصودا للتمييز بين الجوانب الدلالية والتداولية (أنا شخصيا لا أهتم بمصطلحات ‘الدلالية – التداولية’؛ ولكن هذا لأنني أعتقد أنه يحجب الفرق بين عدة تمييزات متمايزة)؛ فإذا طلب من أي شخص لا يحوز فهما نظريا، أن يفسر دلالة عبارة من قبيل: ‘إما أنه أخوك أو ليس كذلك’ أو ‘أعرف أنني هنا’، فإنه سيكون ميالا للبدء بالتمييز بين ما تقوله العبارة حرفيا، وبين ما قد يسعى شخص ما إلى نقله بالتلفظ بها في ظروف معينة؛ غير أن الاستعمال، من وجهة نظر مذهب ‘اللغة العادية’ التقليدية، هو وحده المشروع؛ لأنه هو الذي يشكل استعمال العبارة، وإذا تعذر تصور أي ظروف، مهما كانت غريبة، يمكن من خلالها التلفظ بعبارة لغرض فعلي، وبالتالي، فإن العبارة التي لا استعمال لها، لا دلالة لها.
أما بالنسبة للتصور الأول- وهو الذي يقول بحرفية الدلالة- فقد كان زائفا؛ لأنه نتاج غير مشروع لمحاولة بناء نظرية الدلالة بواسطة مفاهيم عامة. لقد كان هذا بالطبع أكثر من أي شيء آخر، هو الذي دفع المراقبين المعارضين إلى تكوين انطباع مفاده أن أنشطة فلاسفة ‘اللغة العادية’ لعب. (عبث جاد)
بالطبع، لم يكن من الممكن للناس العقلاء أن يتبنوا مثل هذه المنهجية الزائفة الجامدة؛ ونتيجة لهذا، فبدلا من المفاهيم الدلالية العامة التي استبعدت في إطار الاهتمام الأصلي بالاستعمال الفعلي في الأصلي لعبارات فردية ، اخترع فلاسفة “اللغة العادية” أنفسهم مفاهيم مثل مفهوم الاقتضاء (Presupposition)، أو مفهوم الاستلزام حواري (Converstaional implicature) أو التمييز الذي وضعه أوستن بين الإنجاز والقوة الإلقاءية، إلخ. وفي هذه العملية، اختفت فلسفة ‘اللغة العادية’ دون أن يلاحظ أحد ذلك تقريبا؛ لقد انتهى زمنها ليس بضجيج، بل بصرخة مكتومة؛ وكانت اللحظة مواتية للهجوم المضاد الأمريكي.
لقد كانت مذاهب فلسفة ‘اللغة العادية’ صورة كاريكاتورية غير مبتذلة لوجهة نظر فيتجنشتاين المتأخر التي أشرت لها سابقا؛ أقصد شعار ‘المعنى هو الاستعمال’. وليس بمكنة أحد الادعاء بأن فيتجنشتاين قد أهمل فلسفة اللغة في مرحلته المتأخرة، وأنه وظف أفكاره حول الدلالة فقط بوصفها أداة للتخلص من مسائل في مجالات أخرى من الفلسفة؛ لأن مقاطع كبيرة من التحقيقات الفلسفية كرست بشكل مباشر لفلسفة اللغة؛ يتحدد الاختلاف الواضح بين تصوره للاستعمال، وتصور مدرسة اللغة العادية، في أنه لم يتصور بشكل قاطع وصفًا للاستعمال باعتباره دعوة مطلقة للمفاهيم النفسية والدلالية؛ يمكن رؤية ما قصده بالاستعمال بسهولة في التشبيه الذي رسمه في التحقيقات مع موقف استعمال الأموال؛ ذلك إن فهم الدلالة؛ أي الدلالة الإصلاحية للعملة المعدنية يتضمن فهم مؤسسة المال؛ وما يكون مطلوباً لنقل هذه الدلالة إلى شخص قدم من مجتمع لم يكن يعرف المال، هو وصف الممارسة كلها التي يتجسد فيها نقل العملات المعدنية، وبالتالي فإن مثل هذا الوصف مطلوب أيضا إذا شئنا تفسير ما ندركه ضمنيا عند إدراك دلالة العملة المعدنية.
لا يفترض وصف مؤسسة المال التي من شأنها أن تخدم هذا الغرض وجود أي مفاهيم اقتصادية؛ بل إنه سيقدم وصفا لما يحدث بالفعل باصطلاحات معاينة من قبل شخص يجهل هذه المفاهيم. وبنفس الكيفية، فإن ما تصوره فيتجنشتاين على أنه يشكل وصفًا لاستعمال اللغة يتضح من خلال ‘ألعاب اللغة’ التي وصفها في الكتاب البني (Brown book) وفي كتب أخرى. تعرض في هذه الألعاب، لغة بدائية أو شذرات لغة يتصور أنها موجودة في عزلة، لكنها تستعمل عمليا؛ فما يوصف هو مركب الأنشطة التي يتشابك معها تلفظ العبارات في اللغة؛ ومرة أخرى، لا يستحضر الوصف مفاهيم نفسية أو دلالية، ولكنه مُصاغ بالكامل مما هو معاين خارجيا.
يوضح لنا هذا المفهوم للعبة اللغة ما يعده فيتجنشتاين وصفا كافيا لكيفية عمل لغة فعلية بأكملها: يتكون مثل هذا الوصف، مرة أخرى، من وصف للعبة اللغة التي لعبت اللغة دورا فيها، ويختلف من حيث المبدأ عن تلك التي وصفها فيتجنشتاين، فقط في تعقيدها الهائل. من المهم أن نلاحظ الفرق بين هذه الفكرة ومفهوم نظرية الدلالة التي يمكن اشتقاقها من فريجه. يتفق كلاهما على أن المطلوب هو وصف المبادئ الاصطلاحية التي تحكم ممارسة المتكلم باللغة، وهو وصف لا يستحضر تصور العبارة التي تعبر عن فكرة، بل يعرض بدلا من ذلك، ما يجعل أي عبارة معطاة تعبيرً عن فكرة معينة.
بيد إن مؤسسة اللغة بالنسبة لفريجه مستقلة؛ تعبر العبارة عن الفكر بفضل قدرتنا على اشتقاق شرط صدقها في حالة معينة، من تركيبها من الكلمات المكونة لها؛ ولا يمكن فهم مفهوم الصدق إلا بفهم مختلف الأنماط العامة للممارسة اللغوية التي تتكون من التلفظ بعبارة ما، مع شرط الصدق معطى، وفقًا لاصطلاح أو أخر الذي يحدد الفعل اللغوي المتأثر بالتلفظ – مثل الإقرار بأن الشرط الذي يجعل صدق العبارة قد تحقق، ، أو التساؤل عما إذا كان قد تحقق. وبناء على هذا، فإن قدرتنا على الانخراط في أنشطة غير لغوية ليست متعلقة، أشد التعلق، بقدرتنا على التحدث بلغة مثل تلك التي لدينا؛ نستطيع التحدث باللغة نفسها، إذا كنا نوعا من الأشجار العاقلة والحساسة، التي يمكنها ملاحظة العالم ونطق الكلمات، ولكنها لا تشارك في أي نوع آخر من الفعل.
ومن وجه آخر، بالنسبة لفتغشتاين، فمن الضروري للغتنا أن تتشابك توظيفاتها مع أنشطتنا غير اللغوية. فما يضفي معنى على العبارات اللغوية في لعبة اللغة التي يصفها، هو تعالقها المباشر بأفعال أخرى؛ يطلب البناء، مثلا، عددًا معينًا من الحجارة لها شكل معين، فتمرر له. وما يجعل من الصعب علينا أن ندرك أن الاستعمال، بهذا المعنى، هو الذي يعطي الدلالة لعبارات لغتنا الفعلية، أو بالأحرى، هو ما يتكون منه دلالتها، هو تباعد الاتصال بين الأنشطة اللغوية (مثال النشاط الذي أنخرط فيه الآن) والأنشطة غير اللغوية؛ ومع ذلك، فإن هذه الاتصال هو ما يمنح لكلماتنا دلالتها التي تحملها.
إن هذه الفكرة، رغم كونها مدهشة لأنها تعبر عن حدس أولي وأساسي، فإنها تظل في نظر فتغشتاين مجرد برنامج عام. وبالفعل، لم يكمل فريجه مهمة تقديم مخطط عام لنظرية الدلالة من النوع التي يفضله؛ ومعلوم أن مناقشته لمفهوم المعنى قد قدمت حججا كافية لتثبت أننا نحتاج لنظرية للمعنى (Theory of sense)، وليس مجرد نظرية للإحالة(Theory of referene) ، غير إنه لم يقدم أي نموذج عام لما ينبغي لنا أن نستنتجه من فهم المتكلم لمعنى كلمة تنتمي إلى مقولة منطقية معينة؛ كما أنه ليس من الواضح إلى أي مدى كان يعتقد أنه من الممكن إعطاء وصف غير محدد للاصطلاحات التي تحكم الأنواع المختلفة من الفعل اللغوي مثل الإقرار (Assertion)، أو كيف يمكن صياغة مثل هذا الوصف، إن وجد. وبالرغم من هذه الثغرات، فإننا نمتلك مخططا عاما للموقف الذي يجب أن تفترضه نظرية فريجه للدلالة، هذا المخطط واضح كفاية لنتمكن من مناقشة مدى معقولية الادعاء بأنه يمكن بهذه الوسيلة تقديم تفسير كاف لوظيفة اللغة.
بيد أننا نفتقر إلى مثل هذا المخطط لنظرية الدلالة التي فضلها فيتجنشتاين؛ فنحن لا نعرف كيف نبدأ لبناء مثل هذه النظرية؛ إذ تكمن الصعوبة في تلك العبارات التي يمكن تصنيفها عادة بأنها تقريرية. يهدف الأمر، قبل كل شيء، إلى تحصيل (استنباط-استخراج) استجابة غير لفظية مباشرة، بينما يهدف السؤال إلى تحصيل استجابة لفظية. ومن المؤكد أنه، في الواقع، قد يفشل التلفظ بهذين النوعين من العبارات إلى تحصيل الاستجابة التي يهدف إليها، ففي حالة الأوامر يجب أن يتضمن الوصف الكافي للمؤسسة اللغوية عبارة عامة للتبعات المترتبة عن فشل المستمع في الاستجابة بالطريقة المطلوبة. غير أن التلفظ التقريري، في الحالة العامة، لا يهدف إلى تحصيل استجابة محددة؛ فالكيفية التي يستجيب بها المستمع ستعتمد على أشياء كثيرة؛ وخاصة على رغباته ومعتقداته القائمة. ولكن هذا لا يعني نفي أن الإقرار غالباً ما يكون له تأثير على السلوك، وعلى السلوك غير اللفظي في الأمد البعيد، ولكنه يثير الشك حول إمكانية تقديم وصف لمعاني العبارات التقريرية بشكل مباشر من حيث ارتباطها بالأنشطة غير اللغوية. ولم يكن فيتجنشتاين يقصد مجرد تقديم بعض الملاحظات حول ما يعطي للغتنا، في نهاية المآل، دلالتها. ولو كان هذا كل ما يدور في ذهنه، لكان من الممكن استيعابه ضمن إطار فريجه. سيتقرر التعالق بين اللغة والواقع غير اللغوي في هذه الحالة، بالمبادئ التي تحكم شروط صدق عباراتنا؛ ومن ثم يمكن تفسير التأثير الذي قد يحدثه الإقرار على سلوك الشخص بشكل غير مباشر من خلال فهمه لهذه التعالق، مع مراعاة احتياجاته وقدراته على الفعل.
ولكن من الواضح من عدة فقرات في التحقيقات أن فيتجنشتاين كان يقصد، في هذا الصدد، معارضة مفهوم فريجه للدلالة، بشكل قاطع. وعلى وجه الخصوص، يجب رفض مفهوم الإقرار بوصفه نمطا من الفعل اللغوي الموصوف بطريقة موحدة فيما يتعلق بشروط صدق أي عبارة تستعمل للإقرار. إن صعوبتنا ليست تحدد فقط في أن فيتجنشتاين لم يعطنا سبب مقنع لرفضها، بل إنه لم يقدم لنا أي تلميح لما يجب أن يحل محلها.
استمدت الخصوصية التي كانت علامة بارزة في المذهب الرسمي لمدرسة ‘اللغة العادية’ مصدرها من فتغنشتاين، على الرغم من أنها قد أصبحت أقل وضوحًا في ممارستها. لقد كانت جزءًا من مذهب فريجه القائل بأنه نظرا لأن العبارة هي أصغر وحدة لغوية يمكن بواسطتها قول أي شيء، فإن دلالة الكلمة يجب أن يُفسَّر من خلال الدور الذي تلعبه في تحديد دلالة أي عبارة قد ترد فيها؛ ذلك أننا نشتق دلالة أي عبارة خاصة، من معاني الكلمات التي تتكون منها، لكن التصور العام (The general notion)لدلالة العبارة يتقدم على تصور دلالة الكلمة. لم يعترض فيتجنشتاين أو أي شخص آخر على هذه الفكرة.
هب الآن، أننا جوبها بمهمة تقديم وصف عام لدلالات تعبيرات لغة ما، يمكننا البدء بتقسيم عبارات اللغة إلى مقولات كبيرة على أساس الأنواع المختلفة من الأفعال اللغوية – الإقرار، السؤال، الأمر، إلخ – التي تتلفظ؛ لأنه إذا كان من المفترض أن نعد دلالة العبارة هي الأسبق، فمن الطبيعي أن نفكر أنه من الأفضل أولا أن نميز بين أنواع دلالة العبارة كما تمتلكه الجمل المستخدمة لأغراض مختلفة للغاية. الآن، ستكون هنالك لحظتين لفهم دلالة أي عبارة معطاة؛ الاعتراف بها بوصفها منتمية لمقولة معينة، وفهم مضمونها الخاص الذي يميزها عن العبارات الأخرى في المقولة نفسها. وبالتالي، إذا كانت إحدى العبارات تستعمل للأمر، وأخرى للتعبير عن أمنية، فيجب أن نعرف هذه الحقائق حول المقولات التي تنتمي إليها، إذا أردنا فهمها؛ ومعرفة ذلك تتضمن معرفة ماهية الأمر أو التعبير عن أمنية. ولفهم هاتين العباريتن، يجب علينا أيضا فهم مضامينها الفردية: يجب أن نعرف أي أمر تنقله الأولى وأي أمنية تعبر عنها الثانية؛ وسيحدد ذلك في كل حالة، من خلال تكوين العبارة من الكلمات المكونة لها.
تكمن الصعوبة الآن في أنه إذا كانت العبارات في كل مقولة تحوز نوعا مختلفا من دلالة العبارة عن تلك الموجودة في أي مقولة أخرى، وإذا كانت دلالة الكلمة تتكون من مساهمتها في تحديد دلالة العبارة التي تتضمنها، فيبدو أنه يتعين على الكلمات في العبارة الأمرية أن تكون لها دلالة من نوع مختلف تماما عن الكلمات نفسها عندما تظهر في العبارة التمنية؛ وهذا محال؛ ويتمثل المخرج هذه الاستحالة، من خلال الحقيقة البديهية القائلة بأن معظم الكلمات في أي عبارة تعمل على تحديد، ليس المقولة التي تنتمي إليها، ولكن مضمونها الفردي مقابل مضمون الأعضاء الآخرين في المقولة نفسها، وينضاف إلى ذلك فكرة أن المضمون الفردي للعبارة يحدد بطريقة موحدة، بغض النظر عن فئتها.
وهكذا، يبدو من الطبيعي أن نقترح أنه بما أننا نعرف المقولة التي تنتمي إليها كل عبارة، فإننا نعرف المضمون الفردي للعبارة الأمرية بمعرفة الظروف التي سيتم فيها طاعة الأمر الذي تنقله، وأننا نعرف المضمون الفردي لعبارة تمني بمعرفة الظروف التي سيتم فيها تحقيق الأمنية التي تعبر عنها. وبهذه الطريقة، يمكننا أن نحدد المضمون الفردي لعبارة من معظم المقولات الأخرى، بربطها بظروف معينة، وتعتمد مدلول هذا الارتباط على المقولة المعنية .
وبالتالي نصل إلى التمييز الأصيل الذي رسمه فريجه، بين معنى العبارة والقوة Kraft)) المرتبطة بها. تربط مكونات العبارة التي يحدد معناها الوقائع الذرية، بالعبارة؛ أما الخاصية التي تحدد قوة التلفظــ، فإنها تحدد المدلول الاصطلاحي للفظ فيما يتعلق بتلك للوقائع الذرية (أي وفقا لما يقره المتكلم بأن الوقائع الذرية موجودة، ويسأل عما إذا كانت موجودة، ويأمر بأن تحدث، ويعبر عن أمنية في أن تحدث، وغير ذلك).
يصعب أن نرى كيف يمكن أن تكون نظرية نسقية للدلالة للغة ممكنة، دون الاعتراف بالتمييز بين المعنى والقوة، أو بتمييز مشابه. وسواء كانت المقولات التي استعملتها بوصفها أمثلة نموذجية – الإقرارية- الاستفهامية، الأمرية، التمنية – مشروعة، أو يجب استبدالها ببعض المقولات الأخرى، فهذه مسألة ثانوية؛ في هذا المقام، يصبح التساؤل عن صحة هذا التصور الذي رسمته لمعنى العبارة أمرا عرضيا؛ ما يبدو ضروريا هو أنه يجب أن يكون لدينا بعض التقسيم لمتلفظات لعبارات إلى مجموعة محددة من المقولات، وذلك وفقا لنوع الفعل اللغوي الذي ينجزه اللفظ؛ يجب أن يكون لدينا تصور محدد لمعنى العبارة، بوصفه مكونا من دلالتها، وقادرا على أن يكون مشتركا بين العبارات التي تنتمي إلى مقولات مختلفة. ينبغي أن يكون هذا التصور للمعنى قادرا على منحنا فهما جوهريا لأهمية التعبير بالعبارة. وأخيرًا، يجب أن يكون ممكنًا، لكل مقولة من مقولات العبارات الجمل، تقديم تفسير موحد للفعل اللغوي الذي يتم تحقيقه من خلال التعبير بعبارة تنتمي إلى هذا المقولة، وذلك بالاعتماد على معناها بوصفه معطى. ولا أعتقد أننا نمتلك، في الوقت الحاضر، أي تصور لكيفية ظهور نظرية المعنى للغة إذا لم تتوافق مع هذا النوع.
على أن هذا المفهوم بالذات هو الذي يهاجمه فيتجنشتاين؛ إذ لم يقف عند حد رفض الدعوى القائلة بأن كل العبارات التقريرية تشكل مقولة واحدة يمكن إعطاء تفسير موحد لها، بل ينفي إمكان التوصل إلى أي قائمة قابلة للمسح لأنماط الفعل اللغوي. وهذا يعني بالتحديد نفي التمييز بين المعنى والقوة المتاح لتبسيط مهمة تفسير دلالة العبارات بالتمييز بين مكونين مختلفين لدلالتها. يجب أن تقدم نظريتنا في الدلالة، لكل عبارة فردية، تفسيرا مباشرا للدلالة الاصطلاحية للتلفظ بتلك العبارة، بدلا من الاعتماد على تفسير، مشتق من وصف عام لاستعمال عبارات تنتمي إلى مقولة عامة. ولسنا نعرف كيفية صياغة نظرية للدلالة تتوافق مع هذا المبدأ، وهذا ما يفضي إلى إهمال الفرق بين الاعتبارات الدلالية والتداولية التي لاحظتها في ممارسة فلاسفة اللغة العادية.
إن المنهج الفلسفي غير النسقي الذي سار بمقتضاه فيتجنشتاين يجعل من الصعب أن نتيقن قصده؛ هل كان يقصد نظرية ما في الدلالة تختلف كليا عن تلك التي اقترحها فريجه؟ أم أنه رفض كليا فكرة نظرية نسقية للدلالة؟
لا ينبغي علي أن أحاول الإجابة على هذه الأسئلة بنفسي؛ إذ أحسب أنه من الأفضل التعامل مع أعمال فيتجنشتاين المتأخرة مع وضع التأويلات المختلفة المحتملة في الاعتبار، دون محاولة تحديد التأويل الصحيح؛ إذ غالبًا ما نجد أفكاره مثمرة ومحفزة في جميع التأويلات الممكنة لها. لكن حقيقة الأمر هي أنه على الرغم من قوة وعمق العديد من مناقشاته لمسائل تفصيلية في الفلسفة، بما في ذلك مسائل اللغة، فإننا لسنا نعرف كيف نستخرج من كتاباته المتأخرة أي فلسفة لغة عامة متماسكة.
ليست الفكرة القائلة بأنه لا يمكن أن توجد نظرية نسقية للدلالة، والتي تنسب إلى فتغتشتاين، مجرد موقف انهزامي في هذه المرحلة من البحث، بل إنها تتعارض أيضا مع الحقيقة البديهيةـ التي أكدتها ليس فقط المدرسة اللغوية الحديثة بقيادة تشومسكيChomsky))، بل أيضا فتغشتاين؛ و التي تفيد أن أي شخص يتقن لغة معينة قادر على فهم عدد لا نهائي من عبارات تلك اللغة؛ يتكون هذا العدد اللانهائي أيضا من عبارات لم يسمعها من قبل قط؛ ولا يمكن تفسير هذه الحقيقة إلا بافتراض أن كل متكلم لديه فهم ضمني لعدد من المبادئ العامة التي تحكم استعمال كلمات اللغة في العبارات. وإذا وجدت مثل هذه المبادئ العامة التي يفهمها كل متكلم ضمنيا، والتي تعمل على إضفاء دلالتها المختلفة على كلمات اللغة، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن أن يكون هنالك أي عائق نظري يجعل هذه المبادئ صريحة؛ وستشكل العبارة الصريحة لتلك المبادئ التي يعد فهمها الضمني اتقانا اللغةـ بالتحديد نظرية كاملة لدلالة اللغة.
ومن جهة أخرى، إذا كان ما قصده فيتجنشتاين هو نظرية للدلالة من نوع جديد تماما، فلا يوجد دليل كاف في كتاباته، يمكننا من إعادة بناء الخطوط العريضة العامة لمثل هذا النوع الجديد من النظرية.
مما لا شك فيه أنه إذا توافرت خلفية كافية من معتقدات ورغبات كل من المتكلم والمستمع، فإن إصدار عبارة تقريرية غالبا ما سيكون له تأثير على السلوك غير اللغوي للمستمع، ويسجل التزام المتكلم بمسار عمل معين. غير أنه بما أن هذه التأثيرات وهذا الالتزام إنما يتوقفان على الخلفية المتغير، فيبدو من المستحيل فهم كيف يمكن بناء نظرية للدلالة تفسر دلالات العبارات التقريرية استنادا على التعالق المباشر بين التلفط بهذه العبارات، والسلوك غير اللغوي للمتكلم والمستمع؛ ويعني هذا ببساطة أن الألعاب التي ابتكرها فيتجنشتاين لتقديم وصف لبعض أجزاء صغيرة من اللغة، لا تبدو نموذجا واعدا لتفسير نسقي للغة كلها؛ وإذا كانت كذلك في النهاية، فإن فيتغنشتاين نفسه لم يُظهر لنا كيف يمكننا أن نسترشد بهذه النماذج.
لقد كان فتغنشتاين أثناء حياته شخصية مثيرة للجدل، حتى بين أنصار المدرسة التحليلية؛ إذ اعتقد البعض أنه مكتشف المنهج الصحيح القاطع في الفلسفة؛ ذلك أنه هو الذي رسم، بالنسبة لهم، المسار الذي يتعين على كل من يرغب في التفلسف أن يسلكه من الآن فصاعدا، إذا كان لإسهامه أي قيمة. أما بالنسبة للآخرين، فقد كان عمله مشوشا، وأفكاره خاطئة، وتأثيره كارثيا. ولا يمكن لأي شخص غير متحيز نكران قدرته الفكرية الشخصية التي كانت عبقرية؛ ومن المؤسف أن هذا لا يحدد بأي حال من الأحوال قيمة مساهمته في الفلسفة، لأن العبقرية قد تقود الانسان في كثير من الأحيان إلى مسار خاطئ، كما قد تضعه على مسار صحيح لكنه لم يكتشف بعد.
والآن فقط، وصلنا إلى لحظة حيث بدأ من الممكن التوصل إلى تقييم يمكن الإجماع عليه لعمل فتغنشتاين، على الأقل بين أعضاء الفلسفة التحليلية؛ إن رأيي الشخصي هو أنه سيُنظر إليه بوصفه مصدرا خصبا للغاية لأفكار فلسفية المهمة، وعميقة في كثير من الأحيان؛ ومن بينها بعض الأفكار الأساسية لفلسفة اللغة. غير إن عمله لا يشكل، كما أعتقد هو وأتباعه، وكما فعلت أعمال فريجه بلا شك، أساسا متينا للعمل المستقبلي في الفلسفة. ومن بين أفكار فيتجنشتاين العامة الكبرى، والتي تتعلق بالخطوط العريضة الرئيسة التي يجب أن تتخذها نظرية ناجحة للدلالة، سيكون من المستحيل في الوقت الحاضر اختيار أي منها من شأنه أن يحظى بالإجماع. غير أني أعتقد أننا نستطيع اختيار بعض الأفكار التي من المجمع عليها أن أي محاولة لبناء نظرية للدلالة يجب أن تتوافق معها ومع الحجج القوية التي قدمها فيتجنشتاين لدعمها.
إحدى هذه الأفكار هي رفض المفهوم الذي وضعه فريجه، وفيتجنشتاين نفسه في كتابه رسالة منطقية فلسفية، والذي يقول إن معاني عبارتنا تُعطى من خلال الشرط الذي تجعلها صادقة أو كاذبة بشكل قاطع، لصالح مفهوم آخر مفاده أن المعنى يجب أن يُفسَّر في إطار ما يُؤخذ على أنه تسويغ justifying)) التلفظ. هذه الفكرة هي التي تكمن في صميم ملاحظاته حول مفهوم اتباع قاعدة(following a rule) ونقده لمفهوم التعريف الإشاري الخاص (ما يسمى بحجة اللغة الخاصة‘private’ language argument’))، والتي يترتب عليها، كنتيجة لازمة، الطابع الاجتماعي المتأصل في اللغة؛ إن دور اللغة بوصفها وسيلة للفكر، يأتي في المرتبة الثانية بعد دورها بوصفها أداة للتواصل؛ فهي لا تستطيع أن تخدم الغرض الأول ما لم تخدم الثاني؛ ولأنها تخدم الغرض الثاني فإن جوهرها يتجسد في ممارسة اجتماعية، أو مجموعة من الممارسات الاجتماعية، وأن تكون ملكية مشتركة لمجتمع مثل مؤسسة للمال.
ولكن على الرغم من أن هذه الأفكار هي التي يتعين على أي محاولة مستقبلية لبناء نظرية الدلالة أن تتفق معها، فإن عمل فيتجنشتاين لم يقدم أساسا لأي محاولة من هذا القبيل. فمن ناحية، لا ينبغي لنا أن نقلد مثاله في أسلوب التفلسف؛ إذ لم يكن هذا الأسلوب نتاجا لشخصيته الفريدة فقط، بل وأيضا لمبادئه العامة حول طبيعة الفلسفة ذاتها. وكما أوضحت في وقت سابق، فإن هذه المبادئ العامة تقوم على الدعوى القائلة بأن الفلسفة لا تهتم بأي موضوع يمكن وضع نظرية نسقية له؛ فهي لا تسعى إلى إزالة الجهل أو الاعتقاد الفاسد، بل إلى إزالة الحيرة المفاهيمية، وبالتالي، فليس لها شيء إيجابي يمكن أن تضعه محل ما تزيله. وينطوي هذا المفهوم على أن النظرية النسقية لدلالة اللغة مستحيلة. ومن ناحية أخرى، يمكن النظر إلى استحالة النظرية بوصفها المقدمة الوحيدة التي يمكن أن تستمد منها أطروحة فيتجنشتاين حول طبيعة الفلسفة.
وعلاوة على ذلك، وكما أشرنا سابقا، يبدو أن بعض المقاطع في التحقيقات تقدم أسسا محددة لنفي إمكانية وجود نظرية نسقية للدلالة، وهي تلك المقاطع التي تطعن في شرعية أي تمييز يتوافق مع التمييز الذي وضعه فريجه بين المعنى والقوة. سنخطأ إذا خلطنا بين رفض التمييز بين المعنى والقوة، وبين استبدال التفسير التقليدي للدلالة الذي يقوم على شروط الصدق، بتفسير بديل يقوم على تسويغ التلفظ؛ فاستبدال مفهوم الصدق بمفهوم التسويغ بوصفه المفهوم المركزي لنظرية الدلالة، يتوافق كليا مع الاحتفاظ بتمييز يماثل التمييز بين المعنى والقوة؛ ورفض هذا التمييز الأخير هو الذي يثير التساؤل حول إمكان نظرية نسقية للدلالة.
لست متأكدا من أن فيتجنشتاين كان يعتقد أن التفسير النسقي لعمل اللغة أمر مستحيل. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإنه سوف ينكر بالطبع الادعاء بأن أياً من أفكاره قد وفرت إرشادات لبناء مثل هذا التفسير النسقي، ولكنه على العكس من ذلك سيرى أن هذه الأفكار لابد وأن تمنع أي شخص من القيام بأي مشروع من هذا القبيل. ولكن حتى لو لم يكن صحيحا، فإنه يظل من الواضح أنه في حين نستطيع أن نستخرج من عمله الشروط التي لابد أن تستوفيها أي نظرية ناجحة للدلالة، والتحذيرات من محاولة بناء مثل هذه النظرية على أسس معينة، فإنه لا يقدم لنا أي مخطط لما قد تبدو عليه نظرية صحيحة للدلالة، أو أي استراتيجية أو رسم تخطيطي لاستراتيجية بناء مثل هذه النظرية.
ولهذا السبب أقول إن عمل فيتجنشتاين، على أهميته الجوهرية، لا يزودنا بأساس للعمل المستقبلي في فلسفة اللغة أو في الفلسفة بشكل عام. لقد ذكرت بالفعل أسبابي لافتراض أن النظرية النسقية للدلالة لابد وأن تكون ممكنة: وحتى لو ثبت في النهاية أنها غير ممكنة، فمن المؤكد أننا لا نملك في الوقت الحاضر بصيرة كافية حول ما يجعل ذلك مستحيلا، وبالتالي فسوف نتعلم الكثير مما هو ذو قيمة كبيرة إذا واصلنا في الوقت الحالي مساعينا لبناء مثل هذه النظرية.
إذا صح هذا التحليل، فإن المهمة الملحة التي يُطلب من الفلاسفة القيام بها الآن هي ابتكار ما أسميته ‘نظرية نسقية للدلالة’ (Systematic theory of meaning) أو لنقل، تفسير نسقي لكيفية عمل اللغة لا يضع أي افتراضات مسبقة أو أي مفاهيم دلالة بوصفها مفهومة قبلا، حتى تلك المفاهيم المألوفة مثل مفاهيم الصدق والاقرار. سيتخذ مثل هذا التفسير بالضرورة شكل نظرية، لأنه من الواضح أن إتقان اللغة ينطوي على فهم ضمني لمجموعة كبيرة من التعالقات المتبادلة، ولا يتكون فقط من عدد من القدرات العملية المعزولة من حيث المبدأ. لم نتفق بعد على الصيغة العامة الذي يجب أن تتخذها مثل هذه النظرية للدلالة؛ بيد أننا نفهم، بفضل فريجه في المقام الأول ما يكفي عن بالبنية النحوية العميقة للغتنا، أو متطلبات نظرية الدلالة، بحيث يمكننا أن نشرع في هذا التحقيق كمشروع جماعي، على غرار الكيفية التي تكون فيها التقدمات في العلوم أيضا نتيجة لجهد تعاوني.
تنطبق هذه الملاحظات مباشرة على فلسفة اللغة فقط، وليس على فروع الفلسفة الأخرى؛ لكنني أتحدث بوصفي عضوا في المدرسة التحليلية للفلسفة، والتي لاحظت بالفعل أن المبدأ المميز لها هو أن فلسفة اللغة هي أساس باقي فروع الفلسفة. ولا يعني هذا أن العمل في جميع فروع الفلسفة الأخرى يجب أن ينتظر إكتمال نظرية مرضية الدلالة؛ لا يتماثل البناء النظري مع البناء المعماري، لأننا، في الحالة الأولى، لا نحتاج إلى إكمال الأساس قبل أن نبدأ العمل في الطوابق العليا. لكن هذا يعني، فيما أعتقد، أن صحة أي جزء من التحليل الذي يتم إجراؤه في جزء آخر من الفلسفة لا يمكن تحديدها بالكامل حتى نعرف بيقين معقول ما هي الصيغة الذي يجب أن تتخذها نظرية صحيحة للدلالة في لغتنا.
أزعم أننا قد بلغنا الآن إلى وضع حيث يمكن فيه للبحث عن مثل هذه النظرية للدلالة أن يتخذ طابعا علميا أصيلا؛ يعني هذا، على وجه الخصوص، أنه يمكن أن تتم بطريقة، لا تمنع نشوء النزاعات، لكن يمكن أن حلها بما يرضي الجميع، وقبل كل شيء، يمكننا أن نأمل إيصال هذا البحث في غضون وقت محدود إلى نتيجة ناجحة.
إن تاريخ الفلسفة نفسه يغري بشدة لتبني وجهة النظر التي عبر عنها مرارا، والتي تفيد أن الفلسفة لا تبلغ نتائج نهائية متفق عليها؛ ولكن توجد أمثلة، على قلتها، مضادة لهذه الأطروحة؛ أي أمثلة على حلول لمشاكل كانت محيرة في الماضي، وقبلت الآن بوصفها جزءا من المعرفة الراسخة؛ وكمثال على ذلك، لسنا بحاجة إلى النظر إلى أبعد من حل فريجه الذي حل مشكلة منطق العمومية بواسطة تدوين المتغير الكمي The quantier-variable)) لا أدعي أنني أعرف ما إذا كانت الأجزاء الأخرى من الفلسفة ستتخذ طابعا علميا مماثلا بمجرد أن نتوصل إلى مفهوم متفق عليه للدلالة، أو أنها ستستمر في الاستكشاف فقط بالطريقة الأكثر عشوائية التي كانت تقليدية في الفلسفة لعدة قرون.
لقد لاحظت أني انزلقت إلى مناقشة ما إذا كان العمل المستقبلي في الفلسفة، من منظور المدرسة التحليلية، يمكن ويجب أن يكون نسقيا أم لا، بمعنيين مختلفين لـلنسقية. فمن جهة، يكون التحقيق الفلسفي نسقيا إذا كان يهدف إلى صياغة نظرية مترابطة، مثل الأنساق الفلسفية العظيمة التي قدمها في الماضي فلاسفة مثل سبينوزا(Spinoza) أو كانطKant) ). ومن جهة أخرى، يكون التحقيق الفلسفي نسقيا إذا كان يتبع لمناهج بحث مجمع عليها، وتقبل أو ترفض نتائجه وفقا لمعايير مجمع عليها. هذان المعنيان اللذان يمكن أن يوضع فيهما السؤال حول ما إذا كانت الفلسفة يمكن ويجب أن تكون نسقية أم لا، هما معنيان مستقلان عن بعضهما البعض؛ معظم العلوم الطبيعية، وربما كلها، نسقية بكلا المعنيين. لكن التاريخ مثلا لا يكون نسقيا إلا بالمعنى الثاني، أي أنه هناك مناهج ومعايير مجمع عليها لاختبار ما يُزعم أنه نتائج لهذا التحقيق، وليس بالمعنى الأول، لأن البحث التاريخي لا تصدر عنه أي نظرية مترابطة. عندما كانت الفلسفة في الماضي نسقية، فقد كانت نسقية بالمعنى الأول فقط، وليس بالمعنى الثاني.
لقد قدمت وجهة النظر القائلة بأنه، على الأقل في فلسفة اللغة، يجب على الفلسفة أن تكون نسقية بكلا المعنيين. يتطلب موضوع هذا الجزء من الفلسفة نظرية مترابطة، وقد وصلنا إلى مرحلة في تحقيقاتنا تم فيها تأسيس الحد الأدنى الذي يجعل من الممكن للبحث المستقبلي أن يسير وفقا لمناهج مجمع عليها نسبيا، وأن يتم الحكم على نتائجه وفقا للمعايير المقبولة.
بالنسبة لأولئك الذين يقدرون ذلك، فقد كان دائما بمثابة استنكار أن الفلسفة خلال الجزء الأكبر من تاريخها، فشلت في أن تكون نسقية بالمعنى الثاني، إلى الحد الذي أصبح فيه السؤال ‘هل يمكن أن يوجد تقدم في الفلسفة؟’ سؤالا أزليا؛ فإذا نظرنا في الفلسفة كما وصفها معظم ممارسيها بوصفها أحد أهم قطاع يبحث عن الحقيقة، فمن المدهش إذن أنها، لم تنجح خلال كل تاريخها الطويل بعد، في إرساء منهجية ومعايير مقبولة، وبالتالي مجموعة من النتائج النهائية المحققة. (بناء على الافتراض نفسه، من المتوقع أن تسمح الحقائق المكتشفة بالبحث الفلسفي لنفسها، بالترتيب في نظرية أو نسق مترابط؛ أي أن الفلسفة يجب أن تكون نسقية بالمعنى الأول من المعنيين، لأن الترابط المتعدد بين جزء من الفلسفة وجزء آخر هي مسألة تجربة فلسفية مشتركة؛ ولكن هذا التوقع لا يثير أي استنكار، لأنه، كما أشرنا سابقا، فإن عمل فلاسفة أفراد أفضى في كثير من الأحيان إلى إنشاء مثل هذه النظريات أو الأنساق).
يجب أن نتوقع من أي نشاط يهدف إلى تأسيس الحقائق أن يكون نسقيا بالمعنى الثاني، لأن مفهوم الحقيقة يقتضي، تحديدا، أن يكون الصدق خاصية موضوعية للقضايا (The propositions) التي تتعلق بها، وبالتالي فإنه حيثما بدا أن المعايير المتفق عليها بشكل عام لصحة أي قضية غير موجودة، فإننا بطبيعة الحال سنشك في أن القضية لا يمكن افتراض أنها قادرة حتى على امتلاك خاصية الصدق. (ومع ذلك، فإن الانتقال من القول بأنه لا يوجد معيار متفق عليه يمكن من خلاله الحكم على صحة القضية ما، إلى القول بأنه لا يوجد مفهوم موضوعي للصدق يمكن تطبيقه على هذه القضية، هو انتقال غير يقيني؛ إذ تظل المسألة لم تحل بعد داخل نظرية الدلالة – والتي كما ذكرت سابقا، هي موطن مفهوم الصدق- ما هي العلاقة الدقيقة بين مفهوم الصدق وقدرتنا على التعرف على قضية بوصفها صادقة ما).
في كل الأحوال، حتى لو لم يؤد الفشل الظاهر للفلاسفة في جعل موضوعهم نسقيا بالمعنى الثاني إلى الشك فيما إذا كان من شأن الفلسفة أن تصل إلى الحقيقة بإطلاق، فإن المشروع بأكمله يبدو بلا جدوى إذا كان هدفه لا يمكن تحقيقه، أو على الأقل، تحقيقه على نحو يرضي معظم ممارسيه. فما الجدوى من إجراء أي تحقيق إذا لم يكن من الممكن معرفة متى تتحقق نتائج هذا التحقيق؟
تظهر الفلسفة، في هذه الحالة، وضعا غير موات عند مقارنتها بالرياضيات؛ إذ يبدو أن كلاهما يمثلان قطاعات مختلفة في طلب الحقيقة، ويبدو أن كلاهما يتقدم فقط بالاستدلال العقلي، لكن الرياضيات جمعت مجموعة كبيرة من النتائج الراسخة، بينما يبدو أن الفلسفة لا تولد شيئا سوى خلافات لا نهاية لها. هذا الوضع المعيب هو الذي يجعل مثل هذا المفهوم للفلسفة مغريا، على الرغم من أنها لا تهتم على الإطلاق بتأسيس قضايا صادقة، كما هو الحال مع فيتجنشتاين؛ وبناء على هذه النظرة، قد يكون هناك بالفعل تقدم في الفلسفة؛ أي أن الفلاسفة قد أصبحوا أفضل في علاج الحيرات المفاهيمية، دون أن توجد أي مجموعة من المذاهب الراسخة التي تُظهر هذا التقدم.
لقد نافحت في هذا المقال عن وجهة نظر أكثر تقليدية لتصور طبيعة الفلسفة، من وجهة نظر فيتجنشتاين؛ أي وجهة النظر التي تقبل أن تكون الفلسفة طالبة للحقيقة. وإذا قبلت هذه الدعوى، فإن حقيقة فشل الفلسفة طوال تاريخها الطويل في تحقيق منهجية نسقية إنما يتطلب تفسيرا واضحا؛ ولن أحاول هنا تقديم تفسير مناسب لهذه الحقيقة المذهلة؛ فمن فيتجنشتاين نفسه لدينا تشبيه مذهل يوضح كيف يمكننا أن ندعي أن التقدم يحدث في الفلسفة، حتى لو لم يتبق سوى القليل من الأمور المستقرة؛ فهو يقارن النشاط الفلسفي بمهمة إعادة ترتيب الكتب في مكتبة كبيرة بشكل عشوائي، وفي تنفيذ مثل هذه الترتيب يمكن اتخاذ خطوة حيوية بوضع عدد من المجلدات معا على رف واحد، حتى لو بقيت هناك مؤقتا فقط، وعند اكتمال الترتيب النهائي لا يبقى أي من تلك الكتب على ذلك الرف أو معا على أي رف.
لا تعتمد القوة التوضيحية لهذا التشببه على مفهوم فيتجنشتاين الخاص لطبيعة الفلسفة، ويمكن تطبيقه، وإن بقوة أقل على بعض العلوم؛ لكن هذا لا يفسر لما يكون التشبيه أكثر ملائمة عند تطبيقه على الفلسفة مقارنة بأي تخصص فكري آخر؛ ومن المفترض أن التشبيه يكون أكثر ملاءمة للموضوعات التي لا تزال في مراحلها المبكرة؛ لذا فإن ما يحتاج إلى تفسير- وهو التفسير الذي قلت بالفعل إنني لن أحاول تقديمه- هو كيف حدث أن الفلسفة، رغم أنها قديمة قدم أي موضوع آخر، وأقدم بكثير من معظم التخصصات الأخرى، ظلت لفترة طويلة ‘في مراحلها المبكرة’.
إن المراحل المبكرة من أي تخصص تتميز بأن ممارسوها لم يصلوا بعد إلى رؤية واضحة لموضوعه وأهدافه. وإذا كانت الأطروحة التي دافعت عنها في المقال صحيحة، فإن الفلسفة لم تخرج من مرحلتها المبكرة إلى مرحلة النضج إلا مؤخرا جدًا: وكانت نقطة التحول هي عمل فريجه، ولكن الإدراك الواسع لأهمية ذلك العمل كان عليه الانتظار لمدة نصف قرن بعد وفاته، وحتى الآن لا يزال مقتصرا فقط على المدرسة التحليلية. قد يبدو مثل هذا الادعاء للوهلة الأولى سخيفا، إلى أن نتذكر أن المنطق بوصفها موضوعا يكاد يكون قديما قدم الفلسفة، وأنه لم ينضج إلا مع عمل فريجه. إن ما أعطى الفلسفة وحدتها التاريخية، وما ميزها على مر القرون بوصفها موضوعا واحدًا، هي مجموع الأسئلة التي حاول الفلاسفة الإجابة عليها: كان هناك تباين قليل نسبيا فيما تم الاعتراف به على أنه يشكل مشكلة فلسفية.
إن ما تقلب بشكل كبيرا فهو طريقة وصف الفلاسفة لمجموع المشاكل التي يحاولون التعامل معها، ونوع التفكير الذي قبلوه بوصفه إجابات لهذه المشكلات. ففي بعض الأحيان زعم الفلاسفة أنهم كانوا يبحثون بوسائل عقلانية خالصة في الخصائص الأكثر عمومية للكون؛ وفي أحيان أخرى، كانوا يبحثون في عمل الذهن البشري؛ وفي أحيان أخرى، كانوا يقدمون تسويغات، عند وجودها، لمختلف دعاوينا بالمعرفة المتعلقة بأنواع مختلفة من المواضيع. ولم يتم تحديد الهدف الصحيح للفلسفة إلا مع فريجه: أولا، أن هدف الفلسفة هو تحليل بنية الفكر؛ وثانيا، أن دراسة الفكر يجب أن تميز بشكل حاد عن دراسة العملية النفسية للتفكير؛ وأخيرا، إن الطريقة الصحيحة الوحيدة لتحليل الفكر تتلخص في تحليل اللغة. وكما زعمت، فإن قبول هذه المبادئ الثلاثة مشترك بين المدرسة التحليلية بأكملها؛ ولكن خلال الفترة الفاصلة بين زمن فريجه والآن، كانت هناك داخل تلك المدرسة العديد من التفسيرات الخاطئة والتحريفات لتعاليم فريجه الأساسية، واستغرق الأمر ما يقرب نصف قرن منذ وفاته حتى ندرك بوضوح ما تنطوي عليه المهمة الحقيقية للفلسفة، كما تصورها.
إني أعلم أنه من المعقول أن تقابل كل هذه الدعاوي بالتشكك، لأنها وضعت عدة مرات في تاريخ الفلسفة. ولقد دام الافتراء التي أحدثه افتقار الفلسفة إلى منهجية نسقية لفترة طويلة، إذ كان هاجسا مستمرا للفلاسفة بمعالجة هذا الافتقار، وكان وهما متكررا أنهم أنهم نجحوا في القيام بذلك؛ كان هوسرل Husserl)) يعتقد بحماس أنه يمتلك أخيراً المفتاح الذي سيفتح كل باب فلسفي. وكان تلاميذ كانط Kant)) ينسبون إليه إنجاز ابتكار منهجية فلسفية صحيحة؛ وكان سبينوزا يعتقد أنه يفعل للفلسفة ما فعله إقليدسEuclid) ) للهندسة؛ وقبله كان ديكارتDescartes) ) يفترض أنه اكتشف المنهج الفلسفي الوحيد السليم.
لقد ذكرت بضعة أمثلة فقط من بين العديد من الأمثلة على هذا الوهم؛ وبالنسبة لأي شخص خارج الفلسفة؛ فإن الرهان الأكثر أمانا هو أنني كنت أعاني من وهم مماثل عندما قدمت الدعوى نفسها التي ادعاها فريجه. ولكي أفعل ذلك، لا أستطيع أن أقدم سوى الرد العادي الذي يتعين على أي نبي أن يقدمه لأي متشكك: الزمن كفيل بالإخبار. (الأيام حبلى، وستلد كل غريب).
يتناول هذا المدخلُ النسوية في أمريكا اللاتينية التي تشملُ النسويَّة الكاريبيَّة، المتأصِّلة في السياقَين (الاجتماعي والسياسي)، والمشكَّلان من الاستعمار واستعباد الشُّعوب الإفريقية، ونبْذِ الشُّعوب الأصلية.
تُركِّز النسويَّة في أمريكا اللاتينيَّة على الأعمال النقدية للنساء؛ استجابةً للقوى التي صَنعتْ هذا السياق، وفي الوقت الراهن، ومع انتشار العولمة، يُهيمِن على هذا السياق تطبيقُ سياسات اقتصادية نيوليبرالية؛ إذ أثَّرت تأثيرًا بالغًا في الفئات الهشَّة من المجتمع.
في ظلِّ هذا السياق السياسي، تستند النسويَّة في أمريكا اللاتينية إلى الحياة المادية للناس، وغالبًا النساء، فيما تسعى إلى استكشاف التوتُّرات الناجمة عن تلاقي تواريخ متعدِّدة تُنتِج علاقات متشابكة بين النَّوع الاجتماعي، والمواطنة، والعِرْق، والميول الجنسية الطبقية، والمجتمع، والدِّين.
تشتمل النسويَّة اللاتينية على مواقفَ واتِّجاهاتٍ متعدِّدةٍ وواسعة، يتعارض كثيرٌ منها مع بعضه البعض، ولذلك يُشار إليها بـ (نسويَّات أمريكا اللاتينية) بصيغة الجمع، ويعود هذا التنوُّع في النسويَّات إلى اختلاف المناطق وتواريخها، وما استدعى ذلك من تحوُّلاتٍ اجتماعيَّةٍ وثقافيَّةٍ وحكوميَّةٍ وتنظيميَّةٍ وَفْقَ خصوصية كلِّ مِنطَقة، ومن ثَمَّ فإنَّ تناوُل المفهوم العام للنسويَّة في أمريكا اللاتينية يتطلَّب حساسيةً تاريخيَّةً لفهْم العلاقة الوثيقة بين تطوُّر الأفكار المختلفة والظروف السياسية المتباينة التي تُنتج تلك الأفكار وتشكِّل سياقاتها منهجيًّا.
في الولايات المتحدة، يُعَدُّ تتبُّع تاريخ النسويَّة في أمريكا اللاتينية وأفكارها مهمَّةً ملحَّةً، فمع تنامي الاهتمام بالفلسفة اللاتينية الأمريكية بوصْفِها مجالًا أوسع، تبرز الحاجة إلى مزيدٍ من التمثيل النصِّي وإتاحة المصادر، ومع ذلك، فإنَّ الدَّور الذي أدَّته النساء في تطوُّر الأفكار الفلسفية في أمريكا اللاتينية ظلَّ إلى حدٍّ كبيرٍ مهمَلًا، مع ذلك، ما يزال هناك كمٌّ وفيرٌ من الأفكار النسويَّة النقديَّة المتعلِّقة بنظريَّات الهُوِيَّة والسياسة والثقافة.
1. التاريخ: علم الأنساب النسويَّة في أمريكا اللاتينية
1.1 أصول النسويَّة في أمريكا اللاتينية (ما قبل القرن العشرين)
تَرجِعُ معظم أصول الأنساب التاريخية للحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية إلى الحركات الاجتماعية التي بدأت بالستينيَّات والسبعينيَّات من القرن الماضي، التي تمحورتْ حول تحرير المرأة، ومع ذلك، فإنَّ الأفكار النسويَّة في أمريكا اللاتينية أقدمُ من تلك التي وُثِّقت كجزءٍ من العمل السياسي النسوي.
ويُمكِن العثورُ على أصول الأفكار النسويَّة في أمريكا اللاتينيَّة في التأمُّلات حول أوضاع الاختلاف التي نشأت نتيجة الاستعمار، وفي النقد الموجَّه للمعايير التي تجعل من الرجل نقطة الانطلاق لفهم الإنسانية، وبحلول ستينيَّات وسبعينيَّات القرن العشرين، كانت النسويَّة في أمريكا اللاتينية تمتلك تاريخًا راسخًا يهتمُّ بتوضيح وتجسيد مفهوم الاختلاف والغيرية من منظور غير مهيمن (Gargallo 2004: 80) .
إنَّ وجود علم أنساب النسويات في أمريكا اللاتينية يسلِّط الضَّوء على العلاقة بين المرأة والتاريخ، كان التعرُّف على الماضي عنصرًا حاسمًا وضروريًّا للحركات النسويَّة في الستينيَّات والسبعينيَّات، فقد صاغ الماضي وجود أمثلةٍ تاريخيةٍ لنضالات النساء التي كانت بمثابة تأييدٍ لمطالبات الحركات النسويَّة (Palacios 2007: 96 )، وقد أسفر قصورُ التاريخ في رصد حياة النساء وأفعالهنَّ إلى استحداثِ منظوراتٍ جديدةً تتضمَّن البحْثَ عن الشخصياتِ المنسيَّة، والاهتمامَ بمواضيعَ؛ مثل الجسد والجنسانية الأنثوية، ونماذج الأنوثة، والاهتمام بالنظم البنيوية للقمع كنقاط انطلاقٍ ضروريةٍ لما سيصبح نوعًا من الدراسات النسويَّة (Palacios 2007: 98)، على الرُّغم من ذلك، لا تزال هناك ثغرات في علم الأنساب النسوي في أمريكا اللاتينية؛ إذ نادرًا ما نجد كتابات النساء غير البيض من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (وما قبل ذلك) في شكل مكتوب، نظرًا لأنَّ العديد من النساء غير البيض كنَّ أميَّات، ولم يتمَّ توثيق قصصهنَّ نصيًّا، كانت أفكارهنَّ وتواريخهنَّ تُنقَل شفهيًّا، كما أن التقاليد الشفهية المحلية الحالية ترويها (Gargallo 2010: 12a).
تُمكِّن مشاريع التاريخ الشفهي المستمعين المعاصرين من سماع أصوات النساء اللَّواتي لا صوتَ لهنَّ وأن يكونوا شهودًا على توثيق المخاوف التي تنشأ من الفقر والغموض الاستعماري (Oliver 2018, 32)؛ على سبيل المثال: تعتبر مقاومة (باراوندا) زوجة زعيم الغاريفونا (ساتويي) للاستعمار أسطورةً بالنسبة لشعبها، وتنتقل ذكراها في الأغاني التي تغنِّيها نساء الغاريفونا في هندوراس وبليز، وبالمثل، فإن قصة (أناكاونا) زعيمة كاسيكا تاينو كاسيكا في خاراغوا هيسبانولا، فهي قصةُ مقاومةٍ للاستعمار، فقد عُرض عليها قبل إعدامها العفوُ مقابِلَ أن تصبح محظيةً لأحد الإسبان، وقد أدى رفضُها وموتُها اللاحق إلى ترسيخ مكانتها الأسطورية التي خلَّدَتْها أغاني هايتي وجمهورية الدومينيكان وبورتوريكو.
لا تزال قصص نساء السكان الأصليين في تلك العصور تُنشَر شفهيًّا من خلال الأساطير والأغاني والأمثال، وتُسهِم في أسس الفكر النسوي في أمريكا اللاتينية (Gargallo 2010: 14a).
تعود إحدى أقدم الكاتبات الموثقات في التقليد النسوي في أمريكا اللاتينية إلى القرن السابع عشر، فقد كانت خوانا إينيس ماريا ديل كارمن مارتينيث دي سراغوسا غاكسيولا دي أسباخي إي راميريز دي سانتيّانا أودونوخو (1651-1695)، التي عرفها الكثيرون باسم (خوانا إينيس دي لا كروز) أو (سور خوانا المكسيكية)، وهي عالمة ذاتية التعليم من العصر الباروكي حظيت كتاباتها بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام الفلسفي كجزء من القانون الفلسفي الأمريكي اللاتيني، كانت معروفة جيدًا خلال حياتها كما يتضح من المنشورات المتعددة لأعمالها، ولكن بحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تضاءلت شهرتها مع تراجُع الاهتمام بالشِّعر الباروكي.
في عام 1951، استعادت أعمالها الاهتمامَ مع نشْرِ أعمالها الكاملة (Gargallo 2009: 419)، في وقتٍ لاحقٍ، أصبحت خوانا إينيس دي لا كروز شخصية نسوية أمريكية لاتينية أيقونية تُجسِّد أعمالها وجود مثقفات مبدعات قاومْنَ أنظمة الهيمنة؛ على سبيل المثال: يقدِّم كتاب (مقاربات لنظرية الحرية عند سور خوانا إينيس دي لا كروز) (2018) استكشافًا فلسفيًّا عن الحرية في مجموعة خوانا إينيس ويضعها منهجيًّا في التقليد الفلسفي المكسيكي (Aspe Armella 2018 )، وبدلًا من ذلك، في كتاب (وجهات نظر نسوية حول سور خوانا إيناس دي لا كروز) (تحرير ستيفاني ميريم 1999) يتم تأطيرُ خوانا إيناس من حيث تأثيرُها النسوي على الأدب والثقافة في مختارات تربطُها من الماضي إلى الحاضر.
كانت خوانا إينيس دي لا كروز واحدةً من بين العديد من الكاتبات النسويات اللَّاتي دعوْنَ إلى التغييرات الاجتماعية والثقافية، بما في ذلك دَور المرأة.
كانت تيريزا مارغريدا دا سيلفا إي أورتا البرازيلية (1711-1793) أول امرأة في العالم الناطق بالبرتغالية تنشر رواية، وأول امرأة برازيلية المولد تُحرِّر كتابًا في أوروبا، دافعت عن استقلالية السكان الأصليين وحقوق المرأة في العلم (Gargallo 2004: 80).
دافعت فلورا تريستان من بيرو (1803-1844) عن مساواة المرأة وعلاقتها المهمة بحقوق العمال (Gargallo 2004: 80).
أما الأرجنتينية خوانا مانسو (1819-1875) المنادية بإلغاء العبودية فقد فصَّلت التعليم والتعليم الفلسفي كطريقٍ لتحرير المرأة أخلاقيًّا وفكريًّا، وقد تبنَّى هذا الموقف في نهاية القرن شخصيات مثل ريتا سيتينا غوتييريز من المكسيك (1846-1908) وزيتاسيون باديلا من هندوراس (1882-1960) (Gargallo 2009: 418).
أسَّست سيتينا غوتييريز مدرسة لا سيمبريفيفا في ميريدا، وهي أول مدرسة علمانية في المكسيك للفتيات الفقيرات، وكليةً للفنون للشابَّات، يُشار إليها كواحدة من أوائل النسويات المكسيكيات اللَّاتي روَّجْن للتعليم العلماني للنساء، وناضَلْنَ من أجل تقرير مصيرهنَّ، أسست باديلا الجمعية الثقافية النسويَّة التي شجعت على الحصول على التعليم وخاصة للنساء.
واستخدمت الفنزويلية تيريزا دي لا بارا (1889-1936) الكتابة كآليَّة للمقاومة التي من خلالها تساءلت عن حدود التجرِبة الجنسانية التي تُجسِّد الطريقة التي يمكن أن يكون بها الأدب سياسيًّا وفلسفيًّا في آنٍ واحدٍ.
بشكلٍ عامٍّ، تتجذَّر الأفكار النسويَّة في التجرِبة الشخصية للمرأة، ويتمُّ استكشاف هذه العلاقة بسهولةٍ من خلال الأدب والشعر والسرد الشهادِي الذي يعكس بشكلٍ ملموسٍ المبدأ النسوي (الشخصي سياسي) (Schutte 1993: 213).
لم يتم الالتفات إلى وجود الأفكار النسويَّة المبكرة في أمريكا اللاتينية إلا بعد سنوات من ظهورها، لم يكن تأثير الأفكار التي تتمحور حول حقوق المرأة في الحياة الفكرية والتعليمية والمساواة وحقوق العاملات فوريًّا لأنها لم تحْظَ بالأهمية في سياقاتها الخاصة، وخلال الحركات النسويَّة في القرن العشرين، عاودت العديد من هذه الشخصيات الظهور كجزء من المشهد النظري النسوي الأميركي اللاتيني (Gargallo 2004: 81).
وجاء تقييم الأفكار النسويَّة الأميركية اللاتينية المبكّرة من خلال الذاكرة التاريخية التي تعطي وزنًا للادِّعاء بأنَّ الأفكار النسويَّة الأمريكية اللاتينية كانت موجودة قبل الحركات النسوية في الستينيَّات والسبعينيَّات.
ويطرح وجودُ أفكارٍ نسويةٍ أمريكيةٍ لاتينيةٍ مبكرةٍ سبقت الحركة النسويَّة تساؤلاتٍ حول العَلاقة بين النساء والتاريخ ونظرية المعرفة (Palacios 2007: 104).
في هذا السياق، فإنَّ المطلب الفلسفي في هذا السياق هو قراءة الماضي بشكلٍ مُعقَّدٍ يَدمُج النساء كفاعلاتٍ سياسيَّاتٍ ومنتجاتٍ للمعرفة حتى لو لم يُنظَر إليهنَّ على هذا النحو في أزمنتهنَّ.
1.2 الأفكار النسويَّة الأمريكية اللاتينية في أوائل القرن العشرين
الأفكار النسويَّة من أوائل القرن العشرين عابرة للحدود، فالأفكار تتحرك مع دفعات التغيير الاجتماعي، ومن ثَمَّ، فإنَّ القضية الرئيسية بالنسبة للكاتبات النسويات المعاصرات في أمريكا اللاتينية هي أهمية تتبع حركة الأفكار والتذكير بأن الأفكار تهاجر وتعيد تشكيلها حسب سياقاتها.
لم يكن التقاطع بين أفكار النساء حول المقاومة والأفكار التي يمكن أن تؤدي إلى التحوُّل الاجتماعي مفهومًا بالضرورة على أنه نسويٌّ في وقته، ففي أغلب الأحيان، تقاطعت أفكار النساء فيما يتعلق بالعدالة والمساواة والتغيير السياسي مع مشاريع سياسية أخرى ركزت على تحسين أوضاع الطبقة العاملة الفقيرة وليس على أوضاع النساء تحديدًا، وصيغتْ أفكارهنَّ للتغيير الاجتماعي في مطالبات عامَّة حول الوصول إلى التعليم وتغيير الظروف المادية للعمالة، إنَّ الأفكار التي يتمُّ ترميزها الآن على أنها نسويةٌ يتمُّ تحديدها على هذا النحو في وقتٍ لاحقٍ، ولكن من أجل إنصافها، يجب أن تؤخَذ في الحسبان في تاريخيَّتِها.
كان للثورة المكسيكية (1910-1920) تأثيرٌ عميقٌ على تطوُّر الأفكار النسويَّة (Gargallo 2004: 82)، وعلى وجه الخصوص، ركَّزت الثورة على التعليم، وفي هذا المشهد السياسي، كان للأفكار النسويَّة تأثيرٌ تاريخيٌ على أفكار النساء وأفعالهنَّ في المجتمع المكسيكي (Gargallo 2004: 82).
في العام 1915، أصبح سلفادور ألفارادو حاكمًا ليوكاتان وعمل كوسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي حتى العام 1918 عندما استدعي للعودة إلى الخدمة العسكرية. وقد دعم الحركة النسويَّة في المنطقة التي بدأتها ريتا سيتينا غوتييريز في عام 1870، والتي ذُكرت في وقتٍ سابقٍ باعتبارها واحدة من أوائل النسويات في المكسيك ومؤسسة حركة لا سيمبريفيفا.
علاوةً على ذلك، أتاحت فترة ولايته في منصبه المجال والدعم للنشاط السياسي النسائي في المنطقة، وقد عُقد أول مؤتمرين نسويين في تاريخ المكسيك في ميريدا في يناير ونوفمبر من عام 1916، مما أفسح المجال للمناقشات حول الحق في التصويت والمشاركة السياسية، والإجهاض ومنع الحمل، وكذلك التعليم (Gargallo 2004: 83). وبحلول عام 1923، كان لدى الحزب الاشتراكي في يوكاتان ثلاث نائبات وبديلة واحدة (Gargallo 2004: 83).
وبالنظر إلى تأثير الثورة المكسيكية، فليس من المستغرب أن بعض الأفكار النسويَّة الأولى التي وصلت إلى التعريف التاريخي وُجِدت في أعقابها.
ومع ذلك، امتدت الأفكار النسويَّة إلى خارج المكسيك وعبر أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي؛ ففي عام 1880، نشرت النساء المناصرات لإلغاء العبودية في البرازيل صحيفة بعنوان A familia (الأسرة)، ونادَيْنَ بتغيير معايير اللباس، وفي عام 1910، شهدت الأرجنتين أول مؤتمر نسوي دولي ناضَلَ من أجل السلام والتعليم والمشاركة الاجتماعية (Gargallo 2004: 85).
في عام 1912، أعلنت النساء في كولومبيا الدفاع عن الحقوق المدنية للنساء المتزوجات.
في عام 1916، أسست النساء في بنما نادي أرييل ومركز الثقافة النسائية، الذي دعم التربية الفكرية والبدنية وكذلك الحياة السياسية للمرأة، وكان شعاره يتمحور حول الفضيلة والأمة.
في عام 1924، ندَّدت فيزيتاسيون باديلا في نشرة (بوليتاسيون باديلا) بوجود مشاة البحرية الأمريكية في هندوراس وأمريكا الوسطى، أسَّست (حلقة الثقافة النسائية) التي دعمت تعليم المرأة وقاومت التدخل العسكري الأمريكي الشمالي أثناء الحرب الأهلية الثانية في هندوراس (1924).
في عام 1928، رفعت نساء الإكوادور دعوى قضائية ضد الدولة للمطالبة بحق التصويت، وحصلت عليه بعد عام واحد (Gargallo 2004: 86).
تجسد لويزا كابيتيلو (1879-1922) تقارُبَ الأفكار النسويَّة والأفكار المتعلقة بالتحول الاجتماعي الأوسع نطاقًا، وُلدت كابيتيلو في أريسيبو، بورتوريكو، وتلقّت تعليمها في المنزل وحصلت على وظيفة قارئة في مصانع صناعة السيجار؛ حيث كانت تقرأ للعمال وتنقل الأفكار إلى العمال أثناء لف السيجار، كان عمل كابيتيلو كقارئ بمثابة موقعٍ مهمٍّ طوَّر من خلاله العمال وعيًا بالنقابات العمالية والاشتراكية والفوضوية وحقوق المرأة (Ruiz 2016: 6)، وعلى الرغم من أنَّ القُرَّاء كانوا عادةً من الرجال، إلا أنه لم يكن من النادر أن نجد نساءً في مصانع السيجار مع تحديث صناعة السيجار وتحولها إلى الصناعة الوطنية الثانية في العقود الأولى من القرن العشرين (Ramos 1992: 29). ومن ثَمَّ، ليس من قبيل المصادفة أن بعض الأفكار النسويَّة الأولى في بورتوريكو ظهرت في مصانع السيجار وفي مطابع البروليتاريا قبل حركة حق الاقتراع بشكلٍ كبيرٍ في وقتٍ لاحقٍ من القرن (Ramos 1992: 30).
وترتكز أفكار كابيتيلو النسويَّة على سياساتها الطبقية التي رأت أنَّ التحرر يحدث في العلاقة بين تمكين العمل والمساواة بين الجنسين (Ruiz 2016: 13).
على الرُّغم من أن أعمال كابيتيلو غالبًا ما يُشار إليها كأول كاتبة نسوية في بورتوريكو وأول امرأة تنشر كتابًا عن النساء في بورتوريكو، إلا أنَّ عمل كابيتيلو يُظهر بشكلٍ مهمٍّ كيف أن الأفكار والكاتبات النسويات في أوائل القرن العشرين في أمريكا اللاتينية كانت ترتكز إلى حدٍّ كبيرٍ على الظروف المادية المعيشية في عصرهنَّ.
في حالة كابيتيلو، كانت فوضويَّتُها النسويَّة تنبُع من صميم فهْمِها لتحرُّر العمال كامرأةٍ عمِلَتْ هي نفسُها في خنادق الحداثة.
ويختتم التاريخ النسوي في أوائل القرن العشرين في أمريكا اللاتينية بحقِّ المرأة في الاقتراع؛ تُعتبر السنوات الممتدة بين عامي 1870 و1947 عمومًا السنوات المحورية لحق المرأة في الاقتراع (Gargallo 2004: 94)، ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الشريحة من التاريخ على أنها تتمحور فقط حول حقّ الاقتراع، فيه تشويهٌ لتعدُّد الأفكار والأنشطة النسويَّة التي تطوَّرت في تلك الفترة، فقد شهدتْ هذه السنوات أيضًا الضغط من أجل التحوُّل الاجتماعي الذي تمحورَ حول أفكار المساواة والعدالة التي شملت الحقّ في التصويت، من دون أن تقتصر عليه.
وقد أطَّر الدفع من أجل المساواة إصرار النساء على حصول النساء على التعليم العام، وهو ما أثَّر ليس فقط على النساء بل على الفقراء أيضًا، وقد صاغت الدعوة إلى نظام اجتماعي أكثر عدالةً كيف كانت النساء يفكِّرْنَ في مكانهنَّ في مقاومة التدخُّل العسكري وكذلك الحركات العمالية. وبالتالي، فإن الأفكار التي انبثقت عن هذه الفترة متعددة الأبعاد.
تم تحديد هذه الحقبة على أنها تنتهي بإنجاز حق الاقتراع، ومع ذلك، ظهر حق التصويت في أوقات مختلفة في جميع أنحاء المنطقة، وذلك بسبب تنوُّع السياسات المحلية؛ فعلى سبيل المثال: كانت الإكوادور أول دولة في أمريكا الجنوبية تمنح المرأة حق التصويت في عام 1929، وفي العام نفسه، منحت بورتوريكو حق التصويت للنساء الملمات بالقراءة والكتابة، وفي عام 1935، منحت حق التصويت لجميع النساء. وتبعتها أوروغواي بعد فترة وجيزة في عام 1932، وكوبا في عام 1933، والسلفادور في عام 1939، غير أن حركة حق الاقتراع شهدت ركودًا في بلدانٍ أخرى: مُنحت النساء حق التصويت في نيكاراغوا وبيرو في عام 1955، ولم تمنح باراغواي النساء حق التصويت إلا في عام 1961.
في سياق حق الاقتراع، من المهم الإشارة إلى الفيلسوف الأوروغوياني كارلوس فاز فيريرا (1872-1958) وأطروحته (سوبري فيمينيسمو) (Vaz Ferreira 1933)، قبل ثمانينيَّات القرن العشرين، كان فاز فيريرا أحد فلاسفة أمريكا اللاتينية المعروفين الوحيدين الذين ناقشوا النسويَّة كجزء من المجموعة المركزية لأعماله (Schutte 1993: 208) Sobre femenismo عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها، فاز فيريرا في الفترة من 1914 إلى 1918، وهي فترة محورية في تاريخ حق المرأة في الاقتراع في أوروغواي.
تتزامن الطبعة الأولى للنص في عام 1933 مع تزامن أول طباعة للنص في عام 1933 مع تزامن منح حق الاقتراع في أوروغواي مع مناخ التعبئة الاجتماعية النسويَّة الذي بدأ في أوائل القرن العشرين بين الاشتراكيين والمتعاطفين مع الحركة النسويَّة من أنصار الباتليزمو (سمِّيَتْ على اسم الرئيس آنذاك خوسيه باتلي إي أوردونيز (Schutte 2003: 209)، كانت لحظة الباتليست مواتية للمثقفين، كانت أدوارًا عامة ومحترمة ذات تأثير في الأعراف الاجتماعية، وكان فاز فيريرا من بين هؤلاء (Oliver 2007: 33).
يحدِّد كتاب (Sobre feminismo 1933) نظرية اجتماعية للتعاون بين الرجال والنساء تعطي الأفضلية للزواج الأحادي والأسرة والتقسيم العادل للمهام المنزلية (Oliver 2007: 34).
يتبنّى فاز فيريرا موقفًا يسمّيه نسوية التعويض أو النسويَّة التعويضية، ويميّزها عن نسوية المساواة. وترى النسويَّة التعويضية أنّ النساء محروماتٌ بيولوجيًا من حقوقهنّ مقارنةً بالرجال، لكن المجتمع قادرٌ على تعويض هذا الحرمان من خلال تعديل البنى المؤسسية (Schutte 2003: 209). وبالتالي، كان يتناول في فلسفته السياسية مواضيع حق المرأة في الاقتراع والتعليم والحق في الطلاق كجزء من فلسفته السياسية.
1.3 سنوات الصمت (1950-1970)
وقد أطلقت عليها جولييتا كيركوود من تشيلي اسم “سنوات الصمت”، وهي السنوات الممتدة من 1950-1970/1980، حيث شهدت السنوات الممتدة من 1950-1970/1980 زيادة حضور النساء (معظمهن من الطبقة الوسطى) في الحياة السياسية من خلال المشاركة في الحركات الاجتماعية الشعبية والأحزاب السياسية (Kirkwood 1986: 70). غير أن مشاركتهن الاجتماعية والسياسية افتقرت إلى مطالب نسوية صريحة. وعلى الرغم من أنها ليست مجموعة تواريخ محددة، إلا أن سنوات الصمت استمرت حتى الثمانينيات في بعض أجزاء من أمريكا اللاتينية (مثل تشيلي)؛ فقد كانت هذه السنوات، وهي فترة طفرة المواليد والشعبوية، فترة ازدهار سياسي في أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية. كما أنها كانت فترة اتسمت بالمكارثية التي عجلت بتدخل الولايات المتحدة في غواتيمالا وجمهورية الدومينيكان بنية درء الشيوعية (Gargallo 2004: 94). وشهدت هذه السنوات أيضًا سقوط ديكتاتورية سوموزا في نيكاراغوا في العام 1956، بالإضافة إلى صعود النزاعات والأنظمة العسكرية في بلدان مثل كولومبيا والأرجنتين وشيلي. وبالتالي، جرت التعبئة السياسية حول المشهد المتغيّر في أمريكا اللاتينية، وشاركت نساء الطبقة الوسطى في هذه الحركات، لكن دورهنّ الواضح في هذه الحركات معقّدٌ بسبب عدم توثيق حضورهنّ وتأثيرهنّ بسهولة (Ungo Montenegro 2000: 45). على الرغم من ذلك، لم تكن سنوات الصمت هادئة على الصفحات. فقد كانت النساء خلال هذه السنوات ناشطات أدبيًا وأنتجن نصوصًا أعطت مكانةً مميزةً لهن لم تكن تحظى بالتقدير النظري بسبب أسلوبهن الأدبي (Gargallo 2004: 95).
لقد تمَّ استكشاف العلاقة بين الأدب والفلسفة كجزء من التقليد الفلسفي الأمريكي اللاتيني؛ على سبيل المثال: يرى أحد المواقف أنَّ التقليد الأدبي الأمريكي اللاتيني في كتابة المقالات يحتوي على رؤى يمكن أن تخفف من مشاكل الفلسفة الأمريكية اللاتينية بشكلٍ عامٍّ (Pereda 2006: 196)، ومع ذلك، نادرًا ما تكون نقاط الانطلاق الأدبية للعديد من فلاسفة أمريكا اللاتينية من النساء، على الرُّغم من أنَّ نساء أمريكا اللاتينية في منتصف القرن العشرين كتبْنَ بإسهابٍ عن هُويَّاتهنَّ في علاقتهنَّ بالجندر والعرق والإثنية والجنسية (Gargallo 2004: 97).
من المهمِّ أن نُدرِك أن كتابات النساء في تلك الفترة لم تدفع جميعها باتجاه التغيير الاجتماعي، فبعض الروايات لعبت على السلطة الأبوية والذكورية والزواج القسري والعزلة الاجتماعية، في الوقت نفسه، قدَّمت بعض النساء رواياتٍ كشفتْ عن شكوكٍ ومقاومةٍ للترتيب الأبوي للعالم (Gargallo 2004: 97).
لسوء الحظ، غالبًا ما تُطوَى الكاتبات في ذلك الوقت في التقاليد الأدبية، مما يعيق الاعتراف بهنَّ كمفكِّراتٍ ومُنظِّرات؛ ومن الأمثلة البارزة على ذلك: روزاريو كاستيلانوس من المكسيك.
في عام 1950، في سن الـ (25)، دافعت كاستيلانوس عن أطروحة الماجستير في الفلسفة في جامعة المكسيك الوطنية المستقلة (UNAM)، استكشف المشروع الذي كان عنوانه Sobre cultura feminina، دور المرأة في إنتاج الثقافة (Gargallo 2004: 89)، كانت كاتبة غزيرة، ومع ذلك، يتمُّ تذكُّر كاستيلانوس إلى حدٍّ كبيرٍ كشخصية أدبية وشاعرة، لم يتم الاعتراف بنشر عملها الأكثر شهرة El Eterno Feminino إلا في عام 1974 (بعد وفاتها)؛ حيث تم الاعتراف بعملها الأكثر شهرة El Eterno Feminino باعتباره ثريًّا من الناحية النظرية؛ حيث تحدَّث عن موضوعات النَّوع الاجتماعي والعرق والأمة، واليوم، يُعترف بها كصوت رائد في الحركة النسويَّة في المكسيك؛ حيث تدعو أعمالها إلى بناء ذاتية أنثوية تتحدَّى الهوية التي تفرضها المعايير الثقافية الأبوية. ونتيجةً لذلك، ساعد عملها في تأسيس رؤيةٍ مختلفةٍ للحياة السياسية للنساء في المكسيك (Gargallo 2004: 90).
كانت فترة الخمسينيَّات والسبعينيَّات من القرن العشرين فترة ازدهار الكتابة النسائية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، كتبت أنتونيا بالاسيوس الفنزويلية (آنا إيزابيل) (1949)، وكتبت كاستيلانوس المكسيكية (بالون كانان) (1957)، وكتبت ألبوسيا أنخيل الكولومبية (إستابا لا باخارا بينتا سينتا أون فيردي ليمون) (1975).
ومن بين الأمثلة البارزة الأخرى الشاعرة المكسيكية إنريكيتا أوتشوا التي تمتدُّ أعمالها المنشورة بين عامي 1947 و1948، ومارفل مورينو التي تُعَدُّ واحدةً من أكثر الكاتبات تأثيرًا في كولومبيا.
في ثمانينيَّات القرن العشرين، اخترقت مورينو القالب الأدبي الذي كان سائدًا في عصرها الذي تميزت به أعمال غابرييل غارسيا ماركيز بنشْرها رواية (Algo tan feo en la vida de una señora bien ) (1980)، تعمل بطلات الكتاب، وهنَّ نساء، كوسيلة لاستكشاف الحياة في مجتمع أبوي، وقد أولت مورينو أهمية كبيرة لتقديم سلسلة نسبية من النساء باعتبارهنَّ بطلات رواياتها (مثل الابنة والأم والجَدَّة)، مما يعكس أهمية التواصل عبر الأجيال بين النساء. وبالتالي، يجادل البعض بأن أعمالها تُقدِّم خيطًا موضوعيًّا من التمرُّد الذي يمرُّ عبر حياة النساء ويوحدهنَّ في تاريخهنَّ في مقاومة الأنظمة الاجتماعية الأبوية (Gargallo 2004: 106).
وفي حين أُطلق عليها (سنوات الصمت)، إلا أن أعمال الكاتبات خلال هذه الفترة وجدت من خلال الأدب والشعر صوتًا لها، وقد حظِيَتْ تأمُّلاتهنَّ النظرية لاحقًا بالتقدير مع عودة الحركة النسويَّة في العقود اللاحقة.
1.4 أفكار الحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن العشرين (السبعينيَّات والتسعينيَّات)
اتَّسمت السنوات التي امتدَّت من السبعينيَّات إلى التسعينيَّات بتحوُّل اجتماعي وسياسي مهمٍّ للمرأة في أمريكا اللاتينية وسط خلفيات سياسية معقَّدة، وقد وفَّرت التحولات من الأنظمة العسكرية وعمليات التحول الديمقراطي ومفاوضات السلام السياق الذي ظهرتْ فيه الحركة النسائية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.
أفسح تعدُّد الظروف السياسية المجال لتطوُّر الأفكار النسويَّة المتنوعة، وكانت النسويَّة في تلك الفترة، والتي يشار إليها عادةً بالنسويَّة الجديدة، متناغمةً مع الجسد على وجه الخصوص (Bartra 2001: 1).
وانطلاقًا من تاريخ الحركة النسويَّة في أمريكا اللاتينية قبل العام 1970، سعت النسويَّة الجديدة إلى إقرار حقوق النساء، لكنَّها ركَّزت تحديدًا على حرية النساء في أجسادهنَّ، وتُرجم المنظور النسوي الجديد إلى حركةٍ حول قضايا الإجهاض، والأمومة، والاستقلالية الجنسية، والاغتصاب، والاعتداء (Bartra 2001: 1).
وقد ازدهرتِ الحركة النسويَّة الأمريكية اللاتينية المعاصرة في أوقاتٍ سياسيةٍ كئيبةٍ، لا سيما في ظلّ وجود أنظمةٍ عسكريةٍ أو ديمقراطياتٍ صوريةٍ تقمع الحريات المدنية باسم الأمن القومي في كثيرٍ من الأحيان (Saporta Sternbach et al. 1992: 397). بالتالي، ولدت النسويَّة الأمريكية اللاتينية كحركةٍ اجتماعيةٍ ذات طابعٍ معارضٍ في جوهره وسريٍّ في بعض الأحيان (Saporta Sternbach et al. 1992: 397). ومع محاولة المنظمات الدولية التأثير في السياسات الصحية والسكانية الوطنية والحكومات للسيطرة على أجساد النساء، ازدادت بؤر النسويَّة الأمريكية اللاتينية تعقيدًا (Saporta Sternbach et al. 1992: 403).
إحدى السمات البارزة للحركة النسويَّة خلال هذه الفترة هي الاعتراف بالأنوثة كحالة مشتركة، فقد وجدت النساء خلال هذه العقود هويةً في وضعهنَّ الأنثوي ووضعهنَّ المشترك الذي ميَّزَهُنَّ عن الرجال (Gargallo 2004: 88).
رفضْنَ (الرجل) باعتباره النموذج المعياري الذي ينتظم حوله عملهنَّ السياسي، ولم يركِّز الضغط من أجل التحوُّل الاجتماعي والسياسي على المساواة (مثل الحقِّ في التصويت) بقدْرِ ما ركّز على الرغبة في الحرية، نافياتٍ مفاهيم الأنوثة باعتبارها تابعةً للتركيبات الذكورية للإنسانية (Gargallo 2004: 111).
وقد شجَّعت النسويَّة الأمريكية اللاتينية في أواخر القرن العشرين اللقاءات بين النساء اللواتي اعترفت بهنَّ كمواضيع، بتاريخهنَّ الخاص وشروطهنَّ الخاصة (Gargallo 2004: 88).
1.4.1 السبعينيَّات
في ظلّ الأنظمة العسكرية، تميّزت السبعينيَّات من القرن الماضي بحركة النساء اللواتي اتَّخذْنَ من الأمومة فئةً سياسية، في بعض البلدان، قاومت النساء قمْعَ الدولةِ كأمهات لأولئك الذين اختفوا على يَدِ الدَّولة (Gargallo 2004: 113)، تشكَّلت لجنة الأمهات في السلفادور في العام 1977 للتحقيق في اختفاء الأقارب المفقودين، وقاموا بتصوير جُثَثِ الأشخاص الذين عُثِرَ عليهم في شوارع السلفادور من أجْلِ المساعدة في التعرُّف على هُويَّاتهم، في العام نفسه، نظَّمتْ رابطة الأمهات في بلازا دي مايو في الأرجنتين كأمَّهات للبحث عن أبنائهنَّ المفقودين نتيجة لإرهاب الدولة الذي مارسَتْه الديكتاتورية العسكرية التي امتدَّتْ من 1976 إلى 1983.
في المكسيك، بدأت المواقف الناقدة للأمومة من قِبَل مجموعة النسويَّة الجديدة (موخيريس إن أكسيون سوليداريا) (MAS)، التي احتجَّتْ على أسطورة تقديس الأمومة عشية عيد الأم في النُّصُب التَّذكاري لتكريم الأمهات في مكسيكو سيتي، قاوموا أسطورة أنَّ دور المرأة في المجتمع يجب أن يقتصِرَ على الأمومة (Gutiérrez 2012: 42)، استمر الاحتجاج في السنوات التالية.
وقد مهَّد السعي لفصل الأمومة عن الأنوثة الطريق للفصل بين القدرات الإنجابية لأجساد النساء وصحتهنَّ الجنسية (Gargallo 2004: 114)، وبرزت المطالبات بإلغاء تجريم الإجهاض في ظلِّ الوصول إلى الحقوق الإنجابية التي سَعَتْ إلى مَنْحِ النساء السيطرة على أجسادهنَّ، وهكذا، تمَّ الدفاع عن الحقِّ في الإجهاض على أساس حقِّ المرأة في الاستقلالية الفردية (Gargallo 2004: 114).
في العام 1976، نظَّمت الحركة الوطنية للنساء إلى جانب مجموعات نسوية مستقلة أخرى أحدَ المؤتمرات الأولى حول إلغاء تجريم الإجهاض، والذي أكد على أن الإجهاض قرارٌ نسويٌّ مستقلٌّ يجب أن يكون متاحًا من خلال جميع مؤسسات الصحة العامة (Gargallo 2004: 114).
في السنوات التي تلَتْ ذلك، استخدمت النسويات في المكسيك مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات الرمزية في نضالهنَّ من أجل تقنين الإجهاض، فارتدين ملابس سوداء حدادًا علنًا على النساء اللواتي تُوُفِّينَ نتيجة الإجهاض السري (Garagallo 2004: 115).
واليوم، لا يزال الإجهاض متفاوتًا في الوصول إليه في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية؛ فبلدان مثل (شيلي، ونيكاراغوا، وجمهورية الدومينيكان، والسلفادور) تحظر الإجهاض بالكامل، حتى في الظروف التي قد ينقذ فيها حياة المرأة، وفي دولٍ مثل (المكسيك، وغواتيمالا، وبنما، وفنزويلا، وغواتيمالا، وبنما، وفنزويلا) لا يكون الإجهاض قانونيًّا إلا في الظروف التي ينقذ فيها حياة المرأة، ومع ذلك، في دول مثل (الأرجنتين، وكوستاريكا، وإكوادور) يكون الإجهاض قانونيًّا بالقدر الذي يحافظ على الصحة البدنية للمرأة.
في بعض البلدان، تُفهم ظروف الاغتصاب على أنها جزءٌ من الحفاظ على الصحة البدنية (مثل الأرجنتين)، بينما في بلدان أخرى، يتمُّ التوسُّع في السماح بالإجهاض إلى الحد الذي يحافظ على الصحة العقلية للمرأة (مثل: كولومبيا، وكوبا، وأوروغواي، وبورتوريكو، وبورتوريكو)، هي الأماكن التي أجازت الإجهاض دون أي قيود تتطلب سببًا معينًا.
على الرغم من أن المعركة من أجل الوصول إلى الإجهاض بدأت خلال السبعينيات، إلا أنها لا تزال قضية سياسية متنازَع عليها، خاصة في الأماكن التي يُمنع فيها الوصول إلى الإجهاض بالكامل، أو يتم تقييده بعوامل أخرى؛ كالصحة البدنية أو الصحة العقلية أو الحفاظ على الحياة، وعلاوة على ذلك، في أماكن مثل بورتوريكو، ترتبط مسألة الإجهاض ارتباطًا وثيقًا بتاريخ التعقيم القسري، مما يجعل القضية أكثر تعقيدًا وشحنًا من الناحية السياسية.
وباعتبارها فترةً اتسمت بقمع الدولة، كانت السبعينيَّات أيضًا فترة صحوةٍ للعديد من النساء اللواتي طالبْنَ بالتغيير الاجتماعي (Bartra 2001: 6)، ولم تتحد النسويات في أمريكا اللاتينية النظام الأبوي من خلال تعريف أنفسهنَّ كذواتٍ سياسيةٍ متميزةٍ فحسب، بل تحدَّيْنَ أيضًا نماذج الهيمنة الذكورية التي عبَّرتْ عنها الدولة العسكرية والمناهضة للتمرد.
إن واقع قمع الدولة جعل نسويات أمريكا اللاتينية متميزةً في قدرتها على كشف الأسس الأبوية للعسكرة والعنف المأسَّس (Saporta Sternbach et al. 1992: 397).
تتجلى العلاقة الوثيقة بين النظام الأبوي والقمع العسكري للدولة بأوضح صورة من خلال التلاقي بين النشاط النسوي التشيلي والدفع باتِّجاه الديمقراطية في عبارة جولييتا كيركوود الشهيرة: (Democracia en el país, en la casa y en la cama)، والتي تترجم إلى (الديمقراطية في الوطن وفي المنزل وفي السرير) (Kirkwood 1986: 14).
ارتبطت الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية في السبعينيَّات بنشاطٍ يؤمن بأن جذور الأنظمة الاستبدادية وجدت جذورَها حيث تسرب القمع الأبوي إلى المجال (الخاص).
وبحلول أواخر السبعينيَّات، ظهرت حركات معارضة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، انضمَّتْ إليها نساء من جميع مناحي الحياة متحدِّيةً إقصاءهنَّ التاريخي من الحياة السياسية (Saporta Sternbach et al. 1992: 398-399).
ويرجع عدم تجانُس النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة إلى الظروف السياسية المتنوِّعة التي انبثق منها نشاطها، ومع ذلك، يمكن العثور على سِمَة مشتركة في الالتزام بتغيير العلاقات الاجتماعية للإنتاج، بما في ذلك الإنجاب.
في جميع أنحاء المنطقة، شاركت النساء بشكل جماعي في حركات لتوليد حقوق الإنسان من خلال السعي إلى تحسين الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخِدْمات الحضرية، بالإضافة إلى مقاومة قمع الدولة العسكري (Saporta Sternbach et al. 1992: 401)، وقد مهد التبعية الاقتصادية والقمع السياسي في أمريكا اللاتينية خلال هذه السنوات الطريق لنشاط نسوي نضالي متميز سيستمر في الانتشار خلال عقد الثمانينيَّات.
1.4.2 الثمانينات
تميزت الثمانينيَّات بتوسع النظرية والممارسة النسوية، بدأت النسويات في التركيز على الأنشطة المتخصِّصة التي عمقت رؤيتهنَّ للسياسة والثقافة والمجتمع، وازداد عدد المجلات والأفلام ومجموعات الفيديو النسوية، وعلاوةً على ذلك، ازداد عدد مراكز ضحايا الاغتصاب والنساء المعتدى عليهنَّ، وكذلك التجمعات الصحية النسوية ومجموعات السُّحاقيَّات، وغيرها من المشاريع ذات الطابع الجنساني، تحديدًا خلال هذه الفترة (Saporta Sternbach et al. 1992: 404).
ومع زيادة نشاطات النسويات في المشاريع النسوية، بدأْنَ بإنشاء المزيد من منظمات المجتمع المدني أو المنظَّمات غير الحكومية (Millán 2014: 154).
كان أحدُ أهمِّ الأحداث التي ميزت الثمانينيَّات من القرن العشرين هو اللقاء الأول للحركة النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الذي عقد في بوغوتا، كولومبيا، وكانت هذه اللقاءات، كما أصبح يُطلق عليها باختصار، بمثابة منتديات إقليمية نقدية للمناقشات حول السياسات النسوية وعلاقة الحركة عمومًا بالعدالة الاجتماعية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
اجتمع الحاضرون في اللقاء الأول في أعقاب العزلة الجغرافية والسياسية مع الرغبة في شق طريق للسياسة المستقلة، على مَرِّ السنين، وسع اللقاءان خريطة السياسة النسوية (Saporta Sternbach et al. 1992: 405).
انعقد اللقاء الأول في بوغوتا – كولومبيا، على مدار أربعة أيام في يوليو 1981، وحضره أكثر من مائتي امرأة من أكثر من خمسين منظَّمة، وقد جمع هذا التجمُّع على مستوى المنطقة بين العديد من أطياف الحركة النسوية، مما خلق حركة غير متجانسة مع وجود توترات وصراعات كبيرة؛ على سبيل المثال: خلال مراحل التخطيط للاجتماع، ظهرت مناقشات ساخنة بين النسويات المستقلات، اللاتي غالبًا ما يُشار إليهنَّ باسم (المستقلات أو النسويات)، والنسويات السياسيات المناضلات المنتسبات إلى الأحزاب السياسية (مثل الاشتراكية)، اللاتي غالبًا ما يشار إليهن باسم (المناضلات)، وقد أعربت النسويات المستقلَّات عن قلقهنَّ من احتمال أن تحاول النسويات المنتميات إلى الأحزاب السياسية فرض أجنداتٍ طائفيةٍ تحوِّل الانتباه عن القضايا المركزية للتنظيم النسوي (مثل الحقوق الإنجابية) (Saporta Sternbach et al. 1992: 407).
وقد ركَّزت جلسة (النسوية والنضال السياسي) التي حظيت بأكبر عدد من الحضور في عام 1981، والتي كانت بعنوان (النسوية والنضال السياسي)، على استقلالية الحركة النسوية، والنضال المزدوج (المشاركة المتزامنة في حزب سياسي والحركة النسوية)، والنسوية والإمبريالية (Saporta Sternbach et al. 1992: 408).
جسَّدت الاستجابة للجلسة تنوُّع الأفكار التي ينطوي عليها النضال النسوي، فقد اتفقت جميع المشاركات على أنَّ النساء يعانِين اضطهادًا محدَّدًا بحكم أنوثتهنَّ، وهو اضطهادٌ يتفاقم بسبب الطبقة، وتُرجِم اتفاقهنَّ إلى مطالبَ مُحدَّدة: (المساواة في الأجر، وإنهاء يوم العمل المزدوج، والحق في الإجهاض الآمن، والحق في اختيار الأمومة) (Saporta Sternbach et al. 1992: 408).
علاوة على ذلك، كان من الواضح أن الأحزاب السياسية في ذلك الوقت في جميع أنحاء المنطقة لم تُركِّز على هذه المطالب في مطالبها للتغيير الاجتماعي.
تم تطوير موقفين بارزين استجابةً للجلسة؛ أكَّد الموقف الأول على أنه لا الرأسمالية ولا الاشتراكية بمفردهما يمكنهما إنهاء اضطهاد المرأة، وكان لا بدَّ من التعبير عن تحرير المرأة خارج شبكات النشاط الحزبي الذي من شأنه أن يطالب بالتحوُّل الاجتماعي الكامل لتغيير العلاقات القمعية، ورأوا أنَّ الفصل بين المناضلة والنسوية هو سوء فهمٍ للسياسة النسويَّة التي هي ممارسة سياسية شاملة، كان يجب أن يكون محور النشاط السياسي النسوي في المنظمات النسوية المستهدفة؛ لأن اليسار الثوري كان يميل إلى وضْعِ الرجال في المركز (Saporta Sternbach et al. 1992: 409).
أما الموقف الثاني فيرى أن النسوية بمفردها لا يمكن أن تكون ثورية بسبب التزامها المتأصل بالاشتراكية، واعتقدوا أن النسوية يجب أن تكون ثمرة عضوية للنضالات الاشتراكية التي لا يمكن فصْلُها عن النضالات ضد الاضطهاد الطبقي، كانت النضالية المزدوجة، من وجهة النظر هذه، عملية صعبة، لكن يمكن التغلُّب عليها (Saporta Sternbach et al. 1992: 409).
عكس مؤتمر 1981 الظروف الاجتماعية والسياسية الأوسع نطاقًا التي كانت النسوية في أمريكا اللاتينية تتطور من خلالها، وجسَّد الصراع بين النسويات والمناضلات التباينات التي شهدتها الحركات النسوية في أمريكا اللاتينية خلال الثمانينيَّات، ومع ذلك، فقد عكس أيضًا نشأة الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية في النشاط السياسي النسائي؛ لذا، على الرُّغم من أنها كانت غارقة في الصراع، إلا أنَّ اللقاءات أشارت إلى الروابط الحميمة بين الأفكار المتعلقة بالنضال الجندري والظروف السياسية التي أدَّت إلى ظهور تلك الأفكار.
ركَّز اللقاء الثاني، الذي عقد في ليما، بيرو في تموز/يوليو 1983، على موضوع النظام الأبوي، وهو موضوع مثير للجدل نظرًا لارتباطه بالنسوية الأمريكية والأوروبية الإمبريالية، وقد عكس اللقاء تحوُّلًا في المطالبات النسوية؛ إذ حدَّد أنَّ التحيُّز الجنسي لم يكن مجرَّد نتيجة للرأسمالية، بل شكلها نظامٌ أبوي جنسي/جندري يعمل باستقلالية (Saporta Sternbach et al. 1992: 412).
علاوةً على ذلك، شَهِدَ اللقاء الثاني استجابةً علنيةً لظهور الهُوِيَّة المثلية ضمن النسوية الأمريكية اللاتينية، ما أجبر العديد من النساء الغيريات على مواجهة رُهَاب المثليَّة (Saporta Sternbach et al. 1992: 412).
ودَفَعَ الاجتماع أيضًا بموضوع العنصرية، الذي عاد إلى الظهور في السنوات اللاحقة في كلٍّ من اللقاءات والمشهد الأوسع للأفكار النسوية الأمريكية اللاتينية التي أطلقت انتقاداتٍ شديدةَ اللهجة بشأن إغفال العرق والعنصرية من النقاشات النسوية السائدة.
شَهِدَ نموُّ اللقاءات على نمو الحركة النسائية في جميع أنحاء المنطقة، جمع اللقاء الرابع الذي عقد في تاكسكو بالمكسيك (1987) 1500 امرأة، مع اقتراب نهاية العقد، عكس اللقاء الرابع زيادة التعقيد في السياسات النسويَّة في أمريكا اللاتينية، وهو ما أصبح ملموسًا من خلال تَكرار السؤال (من هي النسوية؟) (Saporta Sternbach et al. 1992: 421)، وقد عكست المناقشة الاختلافات فيما يُشكِّل السياسة النسوية، وما إذا كان التنظيم المجتمعي العام كافيًا لوصف التنظيم النسوي، لا سيما عندما تكون المجموعات المجتمعية خاضعةً لسيطرة الكنيسة أو الأحزاب السياسية المحلية (Saporta Sternbach et al. 1992: 421).
على الرُّغم من ذلك، تبقى النقطة الأساسية هي أنه عندما بدأت Encuentros في العام 1981، كانت النسويَّة لا تزال (كلمة قذرة)، لكن بحلول العام 1987، اكتسبت النسوية شرعيةً وتم التحقُّق من شرعيتها في الأوساط السياسية اليسارية، لا سيما في ثورة نيكاراغوا (Saporta Sternbach et al. 1992: 421)، واستمرت اللقاءات في إظهار النمو المتنوع للنسويات في أمريكا اللاتينية كخريطة مزدهرة وواسعة من الأفكار المرتكزة على مختلف أنماط النشاط السياسي.
على الرُّغم من استمرار اللقاءات حتى يومنا هذا، إلا أن لقاءات الثمانينيَّات كانت تطوراتٍ مهمةً عكست حركة اجتماعية متطورة ذات علاقات متوترة، ولكن مهمة بين النضالات الثورية والأهداف النسوية والمطالبات بالعدالة الاجتماعية.
في نهاية الثمانينيَّات، ومع وصول وباء فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) إلى ذروته، أصبحت السياسة الجنسية محافِظةً بشكلٍ متزايدٍ، وأصبح الجنس- الذي كان يُنظر إليه في السابق كفعل سياسي يمكن أن يطمس الفجوة بين الخاص والعام ويقوض الأدوار التقليدية للجنسين – محفوفًا بالصعوبات، وبلغت النسويات الشابات سن الرشد في وقتٍ تحوَّل فيه التثقيف الجنسي نحو سرديات مخاطر الجنس وليس إمكاناته السياسية التخريبية (Gargallo 2004: 123-124).
علاوةً على ذلك، شَهِدَتْ نهاية العقد استمرار الربط بين النسوية والمنظمات غير الحكومية الذي سيكون سمةً من سمات مؤسَّسة النسوية في التسعينيَّات، وبالنسبة إلى البعض، استتبع إضفاء الطابع المؤسَّسي نزع الطابع الراديكالي عن السياسات النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (Gargallo 2004: 125).
1.4.3 التسعينيَّات
تتَّسِم النسويات في أمريكا اللاتينية خلال التسعينيَّات بالتركيز على المساواة بين الجنسين وعدم التمييز ضمن حدود المؤسسات التي تحكمها السياسات النيوليبرالية (Coba & Herrera 2013: 18)، ونتيجةً لذلك، لا يُشار إليها بالنسويات الليبرالية التي لا ترتكز على المقاومة، بل على تكيُّفِها مع البنية التحتية النيوليبرالية التي تم التبشير بها في المنطقة.
كان للنيوليبرالية الجديدة تأثيرٌ واضحٌ على النشاط النسوي وتطور الأفكار النسوية، فقد كانت النساء من أكثر الفئات تضرُّرًا من التحوُّلات في السياسات الاقتصادية، وعبارة (تأنيث الفقر) تعبِّر بدِقَّة عن الأثر الضار على حياة النساء، فقد انضمت العديد من النساء إلى القوى العاملة الوضيعة؛ مثل (مصانع التصدير، والعمالة الزراعية) من دون أيِّ حقوق عماليَّة أو الحصول على أجور عادلة (Gargallo 2004: 117).
وفي الوقت ذاته، بدأت الناشطات النسويات بمزاوجة جهودهنَّ مع المنظمات التي استهدفتْ تغيير السياسات لصالح النساء وعملْنَ بلغةٍ متميزةٍ حول العنف والصحة وحقوق الإنسان بما يتماشى مع السياسات الليبرالية (Gargallo 2004: 125)، وساد مفهوم الفرد المستقل كإطار تفسيري للتنمية.
تحت مظلَّة الفردية، كان الناس مسؤولين عن بقائهم وتنميتهم التي كانت تعتمد على مبادرتهم في اقتصاد السوق (Coba & Herrera 2013: 18)، في هذا السياق، تحوَّلت السياسات النضالية التي كانت تميِّز التنظيم النسوي في السابق إلى مؤسَّسات تنظيمية أقل راديكالية، وقد فعل جزء كبير من الحركة النسوية التي تحوَّلت إلى المؤسَّسات ذلك دون انتقاد السياسات الاقتصادية والليبرالية الجديدة (Bastian Duarte 2012: 157).
بدأت النسويات المؤسساتية في العمل إلى جانب الحكومات والوكالات التي أعطت الأولوية للتغيير في السياسة العامة، لكنها لم تسْعَ إلى البحث في جذور اللامساواة التي تبرِّر الحاجة إلى تغيير السياسات، وعلاوة على ذلك، ظهرت ظروف كانت فيها المنظمات غير الحكومية قادرة على تقديم موارد متخصِّصة للنساء، وبذلك، روَّجت هذه المنظمات لخطاب جنساني بعيد المدى تمَّ توحيده مع معايير الأمم المتحدة التي تضفي الطابع العالمي، لم تكن هذه المنظمات، التي كانت أيديها مقيَّدة من قِبَل الجهات المانحة، تراعي بالضرورة أولويات المنظمات المحلية أو سكانها (Bastian Duarte 2012: 157)، ونتيجةً لذلك، فاقمت البنية التحتية لإضفاء الطابع المؤسسي من اختلال موازين القوى القائمة عبر الخطوط العرقية والطبقية.
من بين المؤسَّسات المشاركة في إضفاء الطابع المؤسَّسي على النسوية كانت الأكاديمية. فمنذ أواخر الثمانينيَّات وحتى التسعينيَّات، بدأت برامج الدراسات النسائية تنتظم في جميع الجامعات، علاوةً على ذلك، بدأت دراسة الفلسفة النسوية على نطاقٍ أوسع تجِدُ طريقها إلى المناهج الدراسية؛ حيث ضغط نشاط العقود السابقة على الجامعات لدعم الدراسات النسوية والجندرية (Schutte & Femenías 2010: 400)، وشهد هذا العقد إضفاء الطابع المهني على النسوية، وأصبحت النسوية، التي كانت في السابق قوةً موجهةً للنضال، قابلةً للتوظيف ومربحةً (Bartra 2001: 11)، لكن هذا لا يعني التقليل من الجهد الهائل الذي تطلَّبَه تطوير البرامج الجامعية، فمع تحول البرامج الجامعية إلى ثوابت مؤسَّساتية، كانت بمثابة مساحاتٍ مضادَّةٍ للهيمنة؛ حيث يمكن تيسير المقاومة.
شهدت التسعينيَّات أيضًا بدء المجلات والمنشورات الرسمية؛ في عام 1990، أطلقت مارتا لاماس مجلة Debate Feminista، ولا تزال واحدة من أكثر المنشورات الصحفية تأثيرًا في مجال النسوية الفكرية، وفي عام 1991، تم إنشاء مجلة (لا كوريا فيمينيستا) (La Correa Feminista) لتجمع أفكار النسويات المستقلَّات والراديكاليَّات، واستمرَّت حتى عام 1998 عندما قام المحرِّرون بتقييم ذاتي لأهداف المجلة وقرَّروا إطلاق (كريتفيداد فيمينيستا)، وهي مطبوعة إلكترونية استمرَّت حتى عام 2008، عندما تم إنشاء الموقع التابع لها (ماما ميتال)، أخيرًا، ظهرتْ (لا دوبلي جورنادا) كملحقٍ نسوي لصحيفة (لا جورنادا)، الصحيفة اليسارية الرائدة في المكسيك، واستمرَّت من 1986 إلى 1998 (Millán 2014: 156).
خلال هذه الفترة، بدأت النسويات في أمريكا اللاتينية في تفضيل استخدام فئة النوع الاجتماعي أو المنظور الجنساني على النظام الأبوي كإطارٍ مفاهيميٍّ يمكن من خلاله الحديث عن وضْعِ المرأة، ويعود التحوُّل إلى استخدام لغة الجندر إلى حدٍّ كبيرٍ إلى استيراد الأفكار النسوية في أمريكا الشمالية.
في السياق الأمريكي اللاتيني، حظي عمل غايل روبن باهتمام كبير كما يتضح من الترجمات العديدة، وكذلك من التعليقات المستفيضة على فهمها المعقد لنظام الجنس/ الجندر (Gargallo 2004: 21)، مع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن المصطلح كان مستخدَمًا بالفعل من قِبَل الباحثين، ويحمل في طيَّاته دلالاتٍ متنوِّعة (Schutte 1998b: 88).
تُرجمت كلمة (الجندر) إلى اللغة الإسبانية بـ (género)، وهي ترجمة رديئة بالنسبة للكثيرين.
وقد انتقلت كلمة Género، التي تترجم إلى اللغة الإنجليزية بمعنى (النوع) أو (النوع)، إلى سياق أمريكا اللاتينية عبر النشر الأكاديمي، وأثارت جدلًا حول مدى ملاءمتها لتطابُقِها مع الظروف النسوية في المنطقة، وجاء المنظور الجندري، الذي يوظف نموذج الفردية الراديكالية التي اتسم بها العقد، ليقف إلى جانب مفهوم التمكين باعتباره مفهومًا يمكن أن يستهدف احتياجات المرأة على وجه التحديد، وقد استخدمت الأمم المتحدة لغة الجندر والتمكين كجزء من أهدافها الرامية إلى تعميم مراعاة المنظور الجنساني وتمكين المرأة خلال المؤتمر العالمي للمرأة الذي عقد في بكين عام 1995، وهي لحظة شهدت تصاعد التوترات حول نزع الطابع السياسي عن النسوية في أمريكا اللاتينية (Bastian Duarte 2012: 157).
واستخدمت الدُّوَل الحديثة العهد بالديمقراطية استخدام موضوعات النوع الاجتماعي والتمكين بشكلٍ أكبر، ووجدت المناضلات النسويات أنفسهنَّ في علاقة مختلفة مع الدولة مع تبنِّيها لغة النوع الاجتماعي، فبعد أن كانت أداة للقمع، لا سيما في ظلِّ الحكم العسكري، كان على النسويات في أمريكا اللاتينية الآن أن يتعاملن مع دور الدولة بشكل مختلف تمامًا، وهو دورٌ استوعب مصطلحات الحركة التي بدأت في معارضة قمعها، لقد فَهِمَت الديمقراطيات الليبرالية حديثة التكوين النساء كأسواقٍ محتملةٍ للتحديث والتنمية، وبالتالي نشرت لغة الجندر والتمكين (Alvarez 1998: 271). غير أن الطريقة التي أدارت بها الدولة الفقر كجزءٍ من مهمَّتِها التحديثية كانت غارقةً في الفردية مع تركيزٍ ضئيلٍ على المجتمعات المحلية.
أثَّرت التحوُّلات السياسية والاقتصادية على تطوُّر الأفكار النسوية، أصبح النشاط مؤسسيًّا ونَمَتِ الحركة النسوية في اتجاهات مختلفة، ومع اقتراب عقد التسعينيَّات من نهايته، وجد ما بدأ كحركة اجتماعية عفوية ذات أفكار راديكالية حول النظام الأبوي والعسكرة والديمقراطية -طريقه إلى أروقة المؤسسات والمنظمات التي خنقت النشاط النسوي، كان إضفاء الطابع المؤسسي على الحركة النسوية عميقًا لدرجة أن وعدها السياسي بدا ضائعًا، ومع ذلك، وكما يتَّضِح من بداية القرن الحادي والعشرين، لم يكن الأمر كذلك. لم يكن إضفاء الطابع المؤسسي من دون نقد، وقد شهدت بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ظهور أصواتٍ جديدةٍ أخذت على عاتقها مهمة النسوية الليبرالية المهيمنة من خلال التركيز على النقد المناهض للنيوليبرالية وإنهاء الاستعمار الذي بدأ في فضح الممارسات المهيمنة للنسويَّات في أمريكا اللاتينية.
1.5 أصوات منشقة:الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية في القرن الحادي والعشرين.
خضعت مؤسَّسة النسوية للتدقيق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، جادل النسويُّون المستقلُّون أنه مع استمرار تطبيع الممارسات النسوية، فشلوا في تفسير أوجه عدم المساواة بين النساء، ومع اقتراب القرن من نهايته، برزت أصواتٌ (هامشية) وناقدةٌ، مجادلةً بأن النسوية الليبرالية تميل إلى تجاهل الاختلاف وعدم المساواة والإقصاء بين النساء الموجودات في مواقع اجتماعية وثقافية مختلفة إلى حدٍّ كبيرٍ (Coba & Herrera 2013: 18)، وقد عكس اللقاء الثامن (نوفمبر 1999) الذي عُقد في خوان دوليو، جمهورية الدومينيكان، حضور هذه الأصوات الناشئة بوصْفِها (الآخر) في النسوية المهيمنة: النساء من السكان الأصليين، والنساء المنحدرات من أصل أفريقي، والمثليَّات اللواتي كان موقفهنَّ هامشيًّا بالنسبة إلى اللقاءات النسوية Encuentros. وخضعت مزاعم الشمولية والتنوُّع في اللقاءات للتدقيق النقدي؛ حيث جادلن بأن هُوِيَّاتهنَّ كانت محجوبة في ظل النسوية الليبرالية التي اعتبرت الجندر سمةً من سمات الوحدة التأسيسية للقاءات، وشكلت هذه الـخلافات أساسًا للنقد الاجتماعي والسياسي الجديد الذي ميَّزَ الأصوات الناشئة.
وردًّا على التحوُّلات النيوليبرالية في الثمانينيَّات والتسعينيَّات، جلبت بدايات القرن الحادي والعشرين خطابًا مناهضًا للنسوية في أمريكا اللاتينية معادٍ للنيوليبرالية تغذى من المواقف المناهضة للاستعمار والأبوية، وكان من بين هذه المواقف مواقف تدعو إلى إنهاء استعمار النسوية العالمية من خلال مراعاة محاور العرق والإثنية والجنسانية في صياغة الهُوِيَّة، وتميز العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أيضًا بمحاولة الحد من نفوذ مؤسَّسات الجندر، في الوقت عينه، لم يكن هناك زخمٌ لإعادة تشكيل الحركة الاجتماعية في أعقاب التحولات النيوليبرالية (Coba & Herrera 2013: 19).
نشهد حاليًّا ظهور أفكار بدأت في إعادة تشكيل طريقة تفكيرنا في النسوية الأمريكية اللاتينية، ومع ذلك، فإن مشروع إعادة التشكيل لا يزال في طور التكوين. في هذا السياق، دخلت الأفكار النقدية حول العِرْق وتاريخ العنصرية إلى الاهتمامات السائدة، والتي تم التعبير عنها في الغالب من وجهات نظر منحدرة من أصل أفريقي (Curiel 2007).
علاوةً على ذلك، وجهت النسويات المثليَّات انتقادات للنسوية الليبرالية ليس فقط بسبب عدم اهتمامها بالعرق والعنصرية، بل أيضًا بسبب تركيزها على الغيرية كجزء من الأجندة النسوية، ويرى أحد المواقف البارزة أن ثمة رابطًا لا ينفصم بين النسوية والنسوية من حيث أن تبنِّي النسوية الواعية للذات يستلزم تحولًا في التعامل مع الذكورة المهيمنة على المستويات كافة، بما في ذلك مجال الرغبة (Espinosa Miñoso 2011: 403)، كما كشفت النسويات من الشعوب الأصلية عن رؤًى نقدية في العلاقات بين المجتمع والدولة والانتماء السياسي، وتمثل أفكارهنَّ حول التوازن بين الانتماء الإثْنِي ونقد التحيز الجنسي دعوةً للنسوية الليبرالية المهيمنة لإعادة النظر في مفهومها للثقافة والمجتمع، وهو ما يخاطر باختزال نساء الشعوب الأصلية إلى أهدافٍ للتنمية (Bastian Duarte 2012: 164). ويأخذ ظهور هذه الأفكار النقدية النسوية الليبرالية على النسوية الليبرالية من خلال دعوة هيمنة نماذج الطبقة الوسطى، البيضاء/ المستيزا والمعيارية الغيرية للمشاريع النسوية على أنها ليست إقصائية فحسبُ، بل ضارة للغاية، وتجدر الإشارة إلى أنَّ معظم هذه المواقف تتخذ من إنهاء الاستعمار مشروعًا توجيهيًّا وتؤكِّد أن العنصرية والغيرية الجنسية متجذرة في الاستعمار الذي لا يزال أثره يعمُّ أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
في عام 2007، تأسست مجموعة أمريكا اللاتينية للدراسات والتكوين والعمل النسوي (GLEFAS) بهدف خلق مساحة للحوار داخل الحركة السحاقية والنسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وكذلك مع الحركات الاجتماعية وحركات النضال الاجتماعي والنضال من أجل الأرض في المنطقة، يصفون أنفسهم بأنهم يسعون إلى إنتاج تحليل سياسي من منظور نسوي مثلي مناهض للعنصرية والعسكرية والاستعمار والرأسمالية، وتماشيًا مع رؤيتهنَّ الفلسفية، نشرْنَ كتاب “Tejiendo de otro modo”: Feminismo, epistemología y apuestas decoloniales en Abya Yala (2014b) كثمرة لندوة عقدت في تشابل هيل، نورث كارولينا في عام 2012، يجمع الكتاب بين مجموعة متنوعة من الأصوات المعاصرة التي تتدخل في المفاهيم المهيمنة للنسوية في المنطقة من أجل إفساح المجال أمام مجموعة تقدر تنوع المعارف، يتحدث الكتاب من الهامش، ويتخذ الكتاب من الهامش ادِّعاءه المركزي بأن إنهاء الاستعمار يترافق مع إلغاء الأبوية، ومن ثَمَّ، فهو يعكس تحوُّلًا في الكتابات النسوية المعاصرة في أمريكا اللاتينية التي تمهد الطريق لاعتبارات نقدية للرأسمالية والإمبريالية والديمقراطية والهُوِيَّة، تغير هذه الأصوات الجديدة المعارضة المشهد النسوي في أمريكا اللاتينية بأفكار فريدة من نوعها تدعو إلى إعادة التفكير في معنى أن تكون نسوية اليوم.
2. القضايا والمناقشات الرئيسية
2.1 الاستقلال الذاتي النسوي في أمريكا اللاتينية
الاستقلالية مفهومٌ أساسي، وإن كان محلَّ نزاعٍ، في النسويات في أمريكا اللاتينية، إنه مفهومٌ تأسيسيٌّ إلى حدِّ أنَّ الهُوِيَّة النسوية تتوقف على مفهوم الاستقلالية، ومع ذلك، فإن كيفية تعريف الاستقلالية كانت موضع جدلٍ واسعِ النطاق؛ حيث تم استخدام المصطلح بصفات مختلفة. فقد استُخدم الاستقلال الذاتي من الناحية المفاهيمية لإقامة تحالفات بين المجموعات النسائية في أمريكا اللاتينية التي تسعى إلى القضاء على الاضطهاد القائم على النَّوع الاجتماعي، كما استُخدمت أيضًا لتجنُّب استتباع جهات فاعلة مثل الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية والدولة ووكالات التمويل، والنتيجة هي توتُّر بين الاحتفاظ بالاستقلالية الأيديولوجية والمالية وتوسيع نطاق وتأثير النسويات، وبالتالي، فإنَّ الاستخدام المتباين للاستقلالية يدعو إلى التساؤل عن كيفية تعريفها (ألفاريز وآخرون 2003: 542).
تعود جذور تاريخ الاستقلالية النسوية في الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية إلى نشاط السبعينيَّات والثمانينيَّات؛ حيث تم التذرُّع بها في معارضة النسويات المناضلات (militantes) المنخرطات في الأحزاب السياسية لليسار، وعُرف الاستقلال الذاتي، في هذا السياق، على أنه الاستقلال عن أيِّ تنظيمٍ يفهم النضال من أجل تحرير المرأة كهدف ثانوي، على الجانب الآخر، وقف أولئك الذين اعتبروا النضال من أجل التغيير الاجتماعي الثوري متزامنًا مع المشاركة النسوية ودعَوا إلى المشاركة المزدوجة (Alvarez et al. 2003: 542)، وانطوى صعود اليسار السياسي في العديد من بلدان أمريكا اللاتينية على مقاومة الأنظمة السياسية، وعكست مسألة تجذر التكريس في العلاقة بين النسوية وإمكانيات التغيير الاجتماعي، وكشف النشاط النسوي عن الطريقة التي كان ولا يزال فيها التفاوض على الاستقلالية مفهومًا متطورًا، ومع تقدم عقد الثمانينيَّات وتغير المشهد السياسي في الثمانينيَّات، أصبحت فكرة النسوية المستقلة زائدة عن الحاجة، ومن ثَمَّ، ظهر فهمٌ للاستقلالية التشاركية التي حافظت على أهمية الاحتفاظ بالموقف النسوي أثناء التفاوض أو المشاركة في الممارسة الاجتماعية (Alvarez et al. 2003: 543).
وقد برَزَ مفهوم الاستقلالية خلال اللقاءات التي امتدَّت بين السبعينيَّات والتسعينيَّات من القرن الماضي، وألقى مزيدًا من الضَّوء على مسألة الإدماج.
إذا كان الاستقلال الذاتي ينطوي على التزامات بتحرير المرأة، فإن الاستقلال الذاتي يشير أيضًا إلى المشاركة في مشروع نسوي، ومع ذلك، فإن ماهية معايير الإدماج تحت مسمَّى النسوية أمرٌ قابلٌ للنقاش، ومع خضوع النسوية في أمريكا اللاتينية لعملية إضفاء الطابع المؤسسي، اتسمتْ مشكلة الإدماج بمنطقين؛ ودعا منطق الدعوة إلى تعزيز سياسة النوع الاجتماعي المتأثرة بالنسوية من خلال المنظمات الحكومية أو غير الحكومية، ومن جهةٍ أخرى، نأى منطق التضامن الهُوِيَّاتي عن المؤسسات الرسمية وظلَّ متمحورًا حول الحركات النسائية من خلال تطوير الأفكار النسوية في المجتمع والسياسة (Alvarez et al. 2003: 548)، لكن أيًّا من هذين المنطقَين لم يستلزم بالضرورة إدماج جميع النساء، كما يتَّضِح من الانتقادات المعاصرة للممارسات المهيمنة للنسويَّات في أمريكا اللاتينية التي لم تنتبه إلى أهمية العِرْق والطبقة والعنصر والجنسانية في تشكيل التبعية (Alvarez et al. 2003: 565).
ما يتقاطع مع هذا المنطق هو الطريقة التي يتوقف بها الإدماج في النسوية على الممارسة، وتتوقف كيفية فهم الاستقلالية على فهم الممارسة النسوية، وتتشكل هذه الممارسات خلال ديناميكيات الإدماج والإقصاء، وفي نهاية المطاف، سيعاد تعريف الاستقلالية من خلال الالتزام الفردي والجماعي بتحويل حياة النساء والمجتمع ككلٍّ (Alvarez et al. 2003: 557).
في الوقت الحاضر، لا يوجد تعريفٌ مستقرٌّ للاستقلالية النسوية، بل تعدُّدية في الفهم تتبع مجموعةً متنوعةً من المقترحات لفهم المشاركة والممارسات النسوية.
2.2 سياسات الترجمة والموقع الجغرافي
لقد كان الاهتمام بالعَلاقات بين الأمريكتين إحدى القضايا النظرية الرئيسية للنسوية في أمريكا اللاتينية التي انعكست في الدراسات الوفيرة حول هجرة الأفكار، فقد أبدت النسويات في أمريكا اللاتينية، مثلها مثل فلسفة أمريكا اللاتينية، قلقًا بشأن أصالة الأفكار التي انتقلت من المراكز المعرفية (مثل الولايات المتحدة وأوروبا)، ولكن، على عكس فلسفة أمريكا اللاتينية، استجابت النسويات في أمريكا اللاتينية لهذا القلق من خلال تطوير نظريات تهتم بالديناميكيات التي تنتقل بها الأفكار والطريقة التي يتم بها إعادة التفاوض على الأفكار وإعادة توقيعها أثناء انتقالها عبر المواقع.
بشكلٍ عامٍّ، تبرز الادعاءات المتعلِّقة بالطرق التي يتم بها إعادة تشكيل الأفكار عند دخولها في سياقات جديدة على المخاوف المتعلقة بانتقال الأفكار في اتجاه الشمال والجنوب، والتي لا تبقى غير متبادلة فحسب، بل تشير أيضًا إلى مركزية أمريكا الشمالية وأوروبا كمراكز لإنتاج المعرفة، لقد جادلت النسويات في أمريكا اللاتينية بشكلٍ نقديٍّ ضدَّ الفهم العام القائل بأنَّ الأفكار تتشكل في (الشمال) وتنتقل إلى (الجنوب) (Connell 2014)، ومن أجل الدفاع عن هذا الموقف، يُجادَل بأنَّ فعل الترجمة هو بحدِّ ذاته مهمة سياسية ذات موقع مادي تعيد صياغة الأفكار أثناء انتقالها إلى سياقات مختلفة.
إنَّ الأفكار التي تظهر في سياق أمريكا اللاتينية هي في حدِّ ذاتها فريدة من نوعها بالنسبة للظروف التي تولد شروط صياغتها، ومع ذلك، فإنَّ الظروف لا تكفي لخلْقِ التفرُّدِ، بل إنَّ عمليَّات الترجمة التي تنطوي عليها حركة الأفكار عبر الأمريكتين هي التي تحوِّل المعنى.
يمكن فهْمُ الترجمة على أنها أي فعل من أفعال الوصف أو التفسير أو النشر، ودائمًا ما تنخرط الترجمة في علاقات القوة التي تتشكل من خلال عدم التماثل بين الأشخاص واللغات والمناطق (Lima Costa 2014a: 21). في سياق الأمريكتين، تحدث حركة الأفكار عبر علاقات القوة غير المتكافئة، تواجه الأفكار حواجز الطرقات ونقاط التفتيش المهاجرة أثناء محاولتها عبور الحدود (Lima Costa 2014a: 21).
ونتيجةً لذلك، يعكس الحوار عبر الأمريكتين عدمَ تناسُقِ القوى، وقد أدى ذلك إلى فكرةٍ خاطئةٍ مَفادُها أن لا شيء ينبع من الجنوب العالمي، بل يتم استيراده إلى المنطقة من الشمال العالمي فقط، وتزداد الترجمة تعقيدًا بسبب (وسطاء النظرية)؛ مثل (الأكاديميين، والمانحين، والمنظمات غير الحكومية النسوية) الذين يتوسطون في حركة الأفكار (ليما كوستا 2014 أ: 25)، وبينما تنتقل الأفكار، تتحول معانيها، ويتوقف تحولها على الثقافة أو النظام الذي يستقبلها (Lima Costa 2014a: 29). ومن ثَمَّ، فإنَّ الهجرة الخطابية ليست محايدة، وفي هذه العملية، يأتي الموقع ليؤطِّر كيفية فهم إعادة تشكيل الأفكار، إنَّ التفكير في الترجمة من خلال مصفوفة الهجرة الخطابية يُسلِّط الضوء على الطريقة التي يلعب بها الاختلاف والسلطة دورًا حاسمًا في كيفية إضفاء الشرعية على المعرفة عبر الاختلاف.
إن وضع الترجمة في مركز الممارسات النسوية يعترف بأنَّ الترجمة أمر لا غنى عنه من الناحيتين (السياسية والنظرية) للتحالفات النسوية والمناهضة للعنصرية وإنهاء الاستعمار ومناهضة الإمبريالية (Alvarez 2014: 1)، وتؤطر الترجمة كظاهرة مترجمة من حيث إنها لا تنطوي على موقع ثابت، بل تربط كذلك بين جغرافيات السلطة؛ على سبيل المثال: (الوطنية والمحلية)، ومواقف الذات؛ على سبيل المثال: (الجندر/الجنس، والعرق) (Alvarez 2014: 2).
في هذا الحيز المفاهيمي، تتشكَّل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي مع عدم تجانُس اللاتينية داخل الولايات المتحدة وداخل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي التي توجد وتتحرك عبر مساحات حدودية متعددة (Alvarez 2014: 2)، تتشكل الهويات في الترابط بين الحدود، وهي مساحات التقاء مكثف تميز الانتقالات عبر المنطقة.
فالذاتية قائمةٌ على المكان، كما أنها تستند إلى المكان، وتخطئ أو تنزاح مع حركة الأفكار، في هذا السياق، يبرز الاختلاف كتضاريس غنية يمكن من خلالها إشراك الآخرين، بالنسبة للبعض، فإنَّ الاختلاف الذي يتوسط المواقف الكلامية يتسم دائمًا بدرجات من عدم التماثل؛ إذ لا يمكننا أبدًا أن نكون شفافين تمامًا مع بعضنا البعض عبر شروط التغاير، ومع ذلك، فإن شرط عدم قابلية التماثل ليس كافيًا للتخلِّي عن الترجمة، بل هو ضرورة حتمية لسماع الآخرين في اختلافهم وعبره (Schutte 1998a: 61).
تتمثل إحدى طرق التعامل مع ظروف عدم قابلية التماثل في إدراك تعقيدات وتنوُّع مواقف الكلام التي نتعامل معها، وقد قيل: إنَّ مصطلح (الترجمان) يساعد في توضيح تعقيدات الاختلاف هذه، وتجسيدًا لكلٍّ من عمليات الترجمة (الترجمان) والتأثيرات المادية للموقع (لوكا)، يُسلِّط مصطلح الترجمان الضوء على الأبعاد المتعددة التي تشكل شروط الاختلاف (Alvarez 2014: 4)، وتبعًا للمزاعم المتعلقة بالترجمة، فإن الترانسلوكا كموقع موضوعي يهتم بحركة الأجساد، والنص، ورأس المال، والنظرية على طول محور الشمال والجنوب؛ حيث تنتج معرفات جديدة لفهم عولمة الأمريكتين (Alvarez 2014: 4).
إنَّ الترانسلوكاس هم مترجمون يسافرون حول العالم، ووسطاء ثقافيون وسياسيون، وبالتالي هم أيضًا وكلاء لتجاوز الثقافات (Alvarez 2014: 8)، يهدف المصطلح إلى إلقاء الضَّوء على الطريقة التي يتمُّ بها صياغة الذاتية من خلال الحركة عبر نصفي الكرة الأرضية بوساطة الموقع والترجمة، إنَّ الاهتمام بأبعاد الحركة في نصفي الكرة الأرضية يوضِّح شروط التغاير التي تولِّد عدم التماثل، لكنه يُسلِّط الضَّوء أيضًا على الطريقة التي تتوسَّط بها الترجمة في عمليات تشكيل الهُوِيَّة.
كما أنَّ الحجج المتعلقة بالهجرة الخطابية والترجمة، تجسد الروابط بين أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي والولايات المتحدة كجزء من الشتات المتشابك (Alvarez 2014: 7)، إنَّ هذا التشابك هو تشابُكٌ يمتد في العديد من الاتجاهات في نصف الكرة الأرضية ونتيجة لذلك، يجعل من أمريكا اللاتينية أفقًا معرفيًّا غير متجانس، من اللاتينيات في الولايات المتحدة إلى اللاتينيات من أصل أفريقي في أمريكا اللاتينية، فإنَّ الأفكار المنتجة على الحدود والترابط بين نصفي الكرة الأرضية وداخلهما وعبرهما تُفهم على أفضل وجهٍ من خلال تقدير ممارسات الترجمة، ومن ثَمَّ، فإنَّ التفكير في أمريكا اللاتينية كموقع معرفي، في تعدُّد أبعاده، يتطلب سياسة للترجمة يمكنها أن تُعزِّز بناء التحالفات عبر الأمريكتين، على الرُّغم من التباين.
وإذا ما أخذنا النظريات النسوية للترجمة على محملِ الجِدِّ، فإن النظريات النسوية للترجمة تثبت أن الأفكار هي نتاج واقع الأمريكتين ، ولا يمكن مقارنتها مع سابقاتها (المحلية أو المستوردة).
إنَّ الخطابات المنتجة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ليست مجرَّد عمليات إعادة تشكيل بديلة للأفكار، بل هي أيضًا تمزُّقات في الممارسات المعرفية السياسية، إنها تُشكِّك في المفهوم القائل بأن إنتاج المعرفة هو سمة طبيعية لأماكن معينة (Femenías 2007: 14)، وبالتالي، فإنَّ حركة الأفكار تولِّد مساحات جديدة ومتنوعة يمكن من خلالها التفكير في مواقع الاختلاف (Femenías 2007: 15).
3.2.3 النوع الاجتماعي في سياق الأمريكتين
ومن النقاشات الرئيسية الأخرى التي برزتْ كجزء من النقاش النسوي الأوسع في أمريكا اللاتينية حول سياسات الترجمة ما يتعلَّق باستخدام مصطلح الجندر، والذي دخل، كما أشَرْنا سابقًا، إلى الإطار الأمريكتين مع ترجمة دراسة غايل روبين إلى اللغة الإسبانية، وقد تُرجِم المصطلح إلى اللُّغة الإسبانية باسم género، وترجمته المباشرة أقرب إلى (النوع)، اعترضت نسويات أمريكا اللاتينية على شرعية الجندر كفئة من فئات التحليل النسوي (Schutte & Femenías 2010: 403).
قبل إدخال مصطلح الجندر، استخدمت النسويات مفهوم النظام الأبوي بسهولةٍ كبيرةٍ؛ لأنه كان يوفر إطارًا يرتكز على الظروف الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية التي سمحت بالتعبير عن قضية اضطهاد النساء (Schutte & Femenías 2010: 403).
ومن نواحٍ عدَّةٍ، كان النظام الأبوي بمثابة صمغٍ لرفْعِ الوعي في الحركات النسائية في أواخر القرن العشرين في أمريكا اللاتينية، ما ساعد على الربط بين النساء من خلال تحديد وضعِهنَّ التَّبَعيِّ المشترك في ظل ظروف النظام الأبوي.
خلال الملتقى الثاني في عام 1982 (ليما، بيرو) أُعلِن أن النظام الأبوي هو الفئة الأساسية التي سَعَتِ النسويات في أمريكا اللاتينية إلى فهْمِ واقعهنَّ من خلالها، وقد استُخدمت كتفسيرٍ لحركة النساء، لكنها توسَّعت أيضًا كتفسيرٍ لظروف الغيرية الجنسية الإجبارية والقمع والعنف ضد النساء والأطفال وحظر الإجهاض وأشكالٍ مختلفةٍ من الظلم الاجتماعي (Gargallo 2004: 92)، كما تم ربْطُها بأُطُرٍ سعَتْ إلى تحديد دور العسكرة والرأسمالية في قمع النساء، وبالتالي، وفرت إطارًا منهجيًّا يمكن من خلاله صياغة مطالبات حول السلطة والقمع والهيمنة التي وحدت النساء على جبهاتٍ عدَّةٍ.
كانت البطريركية معقلًا مفاهيميًّا للنسوية الأمريكية اللاتينية شبيهًا بما كانت عليه الإمبريالية بالنسبة إلى نضالات التحرُّر الوطني (Gargallo 2004: 92)، كان هذا المفهوم قويًّا من الناحية التفسيرية؛ لأنه كان قادرًا على تفسير الوقائع المعقدة، وفي الوقت عينه كان يقدم تفسيرًا للتجارِب المشتركة للنساء، ولسوء الحظ، كانت القوة التفسيرية للمصطلح واسعةً جدًّا لدرجةٍ جعلت الخصوصيَّات التاريخية مبهمةً لأنه لم يكن من الممكن أن يوجد شيءٌ على هامشها (Gargallo 2004: 92).
وبدلًا من التركيز على النظام الأبوي، أصبح المنظور الجنساني (perspectiva de género) أو التركيز على النوع الاجتماعي (enfoque de género) الإطار المنهجي الذي يمكن من خلاله الحديث عن المرأة وقضايا المرأة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. استُبدلت المرأة كفئة تأسيسية بالجندر، الذي أصبح مصطلحًا شاملًا سهَّل الاستخدام بحيث يمكن لأي شخص استخدامه كمرجع لقضايا المرأة (Schutte & Femenías 2010: 404). وقد استلزمت السهولة التي استُخدم بها هذا المصطلح تخفيفَ حدَّة الانتقادات الراديكالية النضالية الراديكالية للنظام الأبوي التي ميزت التنظير النسوي في العقود السابقة.
تم إدماج الجندر في السياسة العامة والبرامج الاجتماعية من قبل المنظمات الحكومية والحكومية الدولية، مما يعكس الطريقة التي يمكن من خلالها اعتماده كجزء من المعجم حتى في السياسات غير المستوحاة من النسوية (Lima Costa 2014a: 2626)، على الجانب الآخر، خشي الفاتيكان أثناء تحضيره لمؤتمر المرأة لعام 1995 من استخدام كلمة الجندر؛ لأنها قد تنطوي على قبول المثلية الجنسية وتدمير الأسرة الأبوية ونشر النسوية (Lima Costa 2014a: 28).
على الرُّغم من أن حركة الجندر عبر نصفَي الكرة الأرضية لما تكتمل بعدُ، إلا أنه من المهمِّ إدراك الطريقة التي تتم بها حركة الجندر في الظروف المادية ومن خلالها.
إنَّ إحدى الطرق البارزة لترجمة المفاهيم وترحيلها هي من خلال المجلات الأكاديمية، وقد كشفت المناقشات حول استخدامات الجندر عن تأملات أوسع حول كيفية وصول المفاهيم إلى الوزن المعرفي، ويشكل سوق الاستشهاد العابر للحدود الوطنية أحد الأبعاد الرئيسية في هذه العملية؛ إذ يكشف من يتم الاستشهاد به؟ وأين؟ ومن قبل من؟ المسارات التي تنتقل عبرها النظريات في السياقات العالمية (Lima Costa 2014b: 142).
في ضوء السفر المفاهيمي واستخدام الجندر، تطلب النسويات في أمريكا اللاتينية النظر في الطريقة التي يؤثر بها الامتياز العالمي للغة الإنجليزية كوسيط لغوي على ما يُسمح بتداول المعرفة (Lima Costa 2014b: 142)، وعلاوةً على ذلك، تُبرِز هذه التأمُّلات حقيقةَ أنه لا يمكن النظر إلى اللُّغة الإنجليزية كوسيطٍ شفافٍ؛ لأن وضعها المتميز يمهد الطريق لما يتمُّ تناوُلُه باعتباره يستحقُّ الترجمة في المقام الأول، ومن ثَمَّ، لا ينبغي أن يكون من المستغرب أن يكون الجنسانية قد قطعت شوطًا كبيرًا، إنَّ مرورها هو علامة على ضرورة تهيئة الظروف لخلق ظروف (الترجمات الخاطئة) المثمرة التي تخلق مساحات للتطور المفاهيمي غير المتجانس (Lima Costa 2014b: 144144).
2.4 التفاوض على الهُوِيَّات المعقدة
على الرُّغم من أنَّ النوع الاجتماعي كان محورًا رئيسيًّا للتحليل، إلا أن الفكر النسوي في أمريكا اللاتينية ركز أيضًا على أهمية مراعاة تعقيدات الهُوِيَّة.
من الناحية المفاهيمية، لا يكفي النوع الاجتماعي بمفرده لتفسير تعقيدات الهوية، وقد أوْلَتِ النسويات في أمريكا اللاتينية اهتمامًا خاصًا للطرق التي تشكل فيها الطبقة والعرق (الإثنية) والجنسانية مكونات ضرورية لفهم التجربة المعاشة للهُوِية، والتي لا يمكن أبدًا تصوُّرُها على أنها نقية أو أحادية البعد (Feménias 2007: 16).
إنَّ فكرة أن الطبقة الاجتماعية هي بُعدٌ رئيسيٌّ في حياة المرأة هي فكرة متجذِّرة في النشاطات النسوية في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكما ذُكِر سابقًا في القسم (1) (عن تاريخ الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية)، فقد تم تأطير نضال النساء من أجل المساواة في ذلك الوقت من حيث الوصول العادل إلى السلع الاجتماعية (مثل: التعليم).
وكان تأثير هذه الدَّفْعة هو تحوُّل الحياة المادية للأشخاص الذين يعيشون في فقر بشكلٍ عامٍّ، ولطالما كانت الاعتبارات المتعلقة بأهمية الظروف الطبقية في فهْمِ محنة النساء والفقراء متجذرة في الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية، وتلاقت المشاريع النسوية المهتمة بالنهوض بالمرأة في المجتمع المدني مع الحركات العمالية والمقاومة المناهِضة للإمبريالية؛ على سبيل المثال: (لويزا كابيتيو).
عاد هذا الاتجاه للظهور من جديد خلال حركات المقاومة في السبعينيَّات التي ربطت المشاريع النسوية بالأحزاب الثورية لليسار في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ونتيجة لذلك، لطالما كان الاهتمام بالأبعاد الطبقية جزءًا من المنهجية النسوية، ومع ذلك، لم يكن هذا الاهتمام دون خطأ، فقد جادلت النظريات المعاصرة من أعمال النساء المنحدرات من أصل أفريقي بأن الاهتمام الطاغي بالطبقة جاء على حساب تحليل الدور الذي لعبته العنصرية في تهميش وإقصاء السكان المنحدرين من أصل أفريقي والسكان الأصليين (Curiel 2007).
تتنوع التأملات حول (العرق/ الإثنية) في المنهجية النسوية في أمريكا اللاتينية، مما يدلُّ على التباين العرقي الذي ولَّده الشرط الاستعماري، فالاستعمار لم يؤسس المفاهيم المعاصرة للعرق (الإثنية) فحسبُ، بل ولَّد ظروفًا للتشكُّل العرقي في ظل أنظمة الاستغلال والتبعية، وعلى وجه التحديد، استلزم التاريخ الاستعماري لأمريكا اللاتينية إخضاع الشعوب الأصلية والمنحدرة من أصول أفريقية (Schutte & Femenías 2010: 407).
من الناحية الاقتصادية، استلزم الاستعمار استعباد واستغلال هذه الشعوب، أما ثقافيًّا، فقد ضمن الاستعمار فرض نظام اجتماعي رمزي رسخ البياض كقاعدة وسلطة ثقافية (Schutte & Femenías 2010: 407)، في الوقت عينه، تظهر معايير الجندر والطبقة الاجتماعية من خلال إنتاج العرق الذي ينعكس أثره الاقتصادي من خلال الربط بين البياض والصعود الطبقي، بالتالي، صاغت النخب السياسية مشاريع بناء الأمة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بأيديولوجيات أبوية غارقة في العنصرية والطبقية، وقد ترتَّب على تأثير هذه الأيديولوجيات تصنيفٌ طبقي اجتماعي عنصري يعكس امتيازات البيض ويترك النساء متضرراتٍ بشكل غير متناسب (Curiel 2007: 98).
في ظلِّ هذه الخلفية، سعت التأملات النسوية حول (العرق/ الإثنية) إلى تقويض عنصرية الأيديولوجيات القومية التي أدت إلى إخضاعهنَّ وتهميشهنَّ، إحدى هذه الأيديولوجيات هي أيديولوجية (المستيزاج) التي ظهرت كجزء من مشاريع بناء الأمة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، فضلت الميستيزاجي تشكيل شعب مختلط عرقيًّا، ولكنها جاءت مشبعة بالمركزية الأوروبية، وميزت تبييض الأمريكتين، وضمنت الميستيزاخي عدم المساواة الهيكلية؛ لأنها أضفت طابعًا عنصريًّا على الفوارق الطبقية مع الإبقاء على العنصرية أسطورة.
في أعقاب هذه الظروف، جاءت إسهامات بارزة في النقاش حول (العرق/الإثنية) في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من النساء المنحدرات من أصل أفريقي ونساء الشعوب الأصلية اللاتي تمَّ تهميشهنَّ بشكل منهجي في هذه العمليات الاجتماعية، وهم يجادلون بأنَّ الميستيزاجي يعمل كتكملة للاستعمار الذي لا يزال يستتبع التبعية والتهميش في الحياة الاجتماعية (Curiel 2007: 98).
كما أشارت النساء المصنَّفة عنصريًّا في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى عنصرية المنهجية النسوية السائدة التي اعتبرت الأنوثة حالة فئوية مشتركة لكنها تجاهلت أهمية الخصوصيات التي يحددها (العرق/الإثنية) والهوية الطبقية، وبذلك، فتحت أصوات النساء المنحدرات من أصول عرقية آفاقًا جديدةً للتحقيق النسوي النقدي المعاصر، فعلى سبيل المثال، أظهرت النساء المنحدرات من أصل أفريقي كيف أن منهجيات دراسة النساء من الحقبة الاستعمارية قد أضرَّت بقراءة حياة النساء المستعبدات في بُعدٍ واحدٍ كضحايا للعبودية فقط، متجاهلةً الطرق التي شاركت فيها الكثيرات في أعمال المقاومة، من الأفضل فهْمُ أفعال مثل إهدار الأمتعة المنزلية أو الإجهاض الذاتي لتجنُّب استعباد الأطفال على أنها أفعال استعباد منزلي ويجب قراءتها كجزء من تاريخ النساء المنحدرات من أصل أفريقي في الأمريكيتين (Albert 2003).
في هذا السياق، تستلزم الدعوة إلى تحليلٍ متعدِّد الأبعاد للنساء المنحدرات من أصل أفريقي أيضًا إثبات أن المجالين العام والخاص ليسا كِيانين منفصلين بالنسبة إلى النساء المنحدرات من أصل أفريقي كما تدَّعِي النسوية المهيمنة (Curiel 2016: 49).
من هنا، برزت الدعوة إلى تسويد النسوية كوسيلةٍ لتوضيح العلاقة بين العنصرية والتمييز الجنسي من أجل فهمٍ أفضل لتاريخ النساء في مختلف أنحاء الأمريكيتين (Carneiro 2005).
وعلاوةً على ذلك، قدمت النساء ذوات الأصول العرقية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أطُرًا بنَّاءة جديدة لتصور الهُوِيَّات العرقية والإثنية، يمكن العثور على إحدى هذه المحاولات في تطوير مصطلح الأمريكانية-الأفريقية (Amefricanidad)، وهو مصطلح صاغته الباحثة الأفرو-برازيلية ليلى غونساليس، التي تقاوم استخدام مصطلح لاتيني بسبب أسُسِه الأوروبية، تمامًا مثل الطريقة التي يقلل بها مصطلح الامتزاج العرقي ( mestizaje) من البعد الأصلي والأفريقي لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (Curiel 2007: 99).
واستنادًا إلى استخدام مصطلح الأمريكانية-الأفريقية، جادل آخرون في استخدام المصطلح باعتباره نظرية معرفية متميزة تعزِّز من ظهور النسوية المنحدرة من أصل أفريقي في المنطقة (Alvarez & Caldwell 2016: v).
يتتبع الأمريكانية-الأفريقية أهمية الجذور الأفريقية والأصلية للهوية، لكنه يسعى أيضًا إلى التفكير من داخل تلك الهُوِيات في سعيه إلى مقاربةٍ متقاطعةٍ للعنصرية والاستعمار والإمبريالية (Alvarez & Caldwell 2016: v).
يتتبع الأمريكانية-الأفريقية الهُوِيَّة العرقية، لكنه في الوقت عينه يشير إلى التعددية في قدرته على التقاط الميراث المتعدد لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
من خلال إبقاء تأثير الحالة الاستعمارية في مركز النظرية، قامت النسويات المعاصرات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بتقييم نقدي لمعايير الجنسانية، وهو موضوعٌ لطالما أبقَتْه النسوية الليبرالية المهيمنة على الهامش.
تَنبُع الحركة المثلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي من المنظمات المثلية الجنسية المختلطة بين الجنسين التي كانت في حوار مع الحركة النسوية في أواخر القرن العشرين (Bastian Duarte 2012: 165)، لكن، في معظم تلك الفترة، كانت المناقشات حول التفضيل الجنسي تُنحَّت جانبًا ضمن الأجندة النسوية الليبرالية.
النسوية السحاقية، شأنها شأن البانوراما الأوسع للنسوية الأمريكية اللاتينية، غير متجانسة، مع ذلك، ثمة قاسمٌ نظريٌ مشتركٌ واحدٌ: حتمية تحويل الأفكار والممارسات المتعلقة بالمعيارية الغيرية والمثلية والعلاقات الجندرية (Bastian Duarte 2012: 169).
ما هو على المحك في تحليل النسوية المثلية هو الطريقة التي تتخلَّل بها المعيارية الغيرية في كلِّ جوانب التجرِبة المعيشية، بما في ذلك التقاطعات بين الجنسانية والعرق والدينية والطبقة الاجتماعية والجندر؛ على سبيل المثال: ربطت النسويات المثليات المنحدرات من أصولٍ أفريقيةٍ بين العنصرية والتمييز الجنسي والمعيارية الغيرية من خلال المجادلة بأن الأبعاد الإلزامية للمثلية الجنسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بإعادة إنتاج الممارسات العنصرية والتمييز الجنسي (Curiel 2016: 50)، وجادل آخرون بأن هناك علاقةً وثيقةً بين المثلية والنسوية ترتكز على الإقرار بأن تحرر النساء يرتكز على إلغاء الأبوية، وهو ما ينطوي غالبًا على إعادة التفاوض في العلاقات مع الرجال والذكورة على كافة المستويات (Espinosa Miñoso 2011: 404).
تتضمن المناقشات حول تعقيد الهُوِية العلاقةَ بين الفرد والجماعة، فالعلاقة بين الظروف الجماعية البنيوية وتكوين الهُوية الفردية تَحضُر في العلاقة بين الظروف الجماعية البنيوية وتشكيل الهُوية الفردية إلى الطرق التي لا يكون فيها البشر صانعي معنى منعزلين، ولكن، عندما تعكس شروط صنع المعنى موروثات الاستعمار أو القمع أو النظام الأبوي أو الغيرية الإلزامية أو الغيرية الجنسية الإلزامية، فإنَّ المفاوضات المتوترة مطلوبة بين الفرد والجماعة، وقد تفاوضت النسويات الأصليَّات على القيمة السياسية والشخصية للانتماء الإثني مع المطالبات النسوية الفردية (Bastian Duarte 2012: 164)، لطالما ركَّزت الحركة النسوية الليبرالية الجديدة على أهمية الحقوق الجنسية والإنجابية للنساء، لكن في حين أن هذه القضايا قد تمثل جوانب أساسية في حياة الكثير من النساء، إلا أنها لا تُمثِّل قضايا أساسية في نضالات نساء الشعوب الأصلية.
على سبيل المثال، موضوع العنف هو أحد المواضيع التي تقع في صميم الاهتمامات النسوية للعديد من الاتجاهات السياسية، ولكن، من منظور النسوية الأصلية، لا يُبنَى العنف من منظور العنف المُجندَر فحسبُ، بل يتولَّد أيضًا من قبل أولئك الذين استولوا على أراضي الشعوب الأصلية ودمروها (Bastian Duarte 2012: 163)، بالتالي، لن يكون الفهم الذي يُظهر العنف المتمحور حول الفردانية فقط كافيًا لتوليد شروط المساواة بالنسبة إلى النسويات من الشعوب الأصلية اللواتي تشكل هُويَّاتهنَّ الجماعية الوسيلة الأساسية للحفاظ على أنظمتهنَّ الثقافية (Bastian Duarte 2012: 164). ويتَّبِع معنى المساواة والعدالة بالنسبة إلى نسويات الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي خصوصية سياساتهنَّ التي تأخذ دور المجتمع المحلي كمحورٍ للهُوية، وبالتالي تستدعي طرقًا جديدةً للتفكير في العلاقة بين المطالب النسوية الفردية والتحول الجماعي (Bastian Duarte 2012: 165).
على الرُّغم من أن الشعوب الأصلية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي لا تقيم جميعها في مجتمعاتها المحلية؛ لأن العديد منها هاجر إلى مناطق أكثر حضرية، إلا أنه من المهم تقدير الطرق التي يعمل بها المجتمع المحلي بالمعنى المتعدِّد الأوجه كمَيزة مهمة للمشاريع التحويلية.
3. الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية
تنبثق الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في حلقة الوصل بين النظرية والممارسة. فقد غَذَّى النشاط الاجتماعي في القرن العشرين إنتاج النظريات التي تشكل تقاليد الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية، وكذلك مكانتها في الأكاديمية، ومع ذلك، لا تزال دراسة الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية نادرة ومهملة (Gargallo 2015).
لقد كانت العلوم الاجتماعية هي المحرك الأساسي للتقدم المؤسسي للنظرية النسوية وحتى الآن، وتتخلف الفلسفة في تناوُلِها للقضايا النسوية كفلسفة (Schutte 2003, 208)، لقد تم إنكار وجود الفيلسوفات النسويات الأمريكيات اللاتينيات إلى حدٍّ كبيرٍ، وتمَّ محْوُ خصوصيات إسهاماتهنَّ النظرية في ظل التوجه الجنسي والأوروبي المركزي للفلسفة، إنَّ الاعتراف بوجودهنَّ هو فعل سياسي يتعارض مع البنية المهيمنة لتاريخ الفلسفة.
يتطلب أخذ الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية في الحسبان إعادةَ بناء تاريخي وفلسفي يفهم حقيقة أنَّ النساء من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي كُنَّ مُفكِّرات منذ فترة طويلة، إنَّ العمل الفلسفي الذي لا يزال يتعين القيام به يتطلب التعامل مع أفكارهنَّ.
الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية هي فلسفة سياسية (Gutíerrez Castañeda 1994: 186)، فالأفكار التي دفعت التحوُّل الاجتماعي في حركات القرن العشرين ترتكز على السياسة التي أدركت ضرورة التغيير الاجتماعي، وينعكس البعد السياسي للفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في حقيقة أنَّ العديد من الفيلسوفات النسويَّات الأمريكيَّات اللاتينيَّات كُنَّ مناضلات، وغالبًا ما يعكس امتداد فكرهنَّ مشاركتُهنَّ في حركات المقاومة.
يمكن أن تعني المقاومة أنواعًا عديدةً من المشاريع السياسية، وفي سياق الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية، يُفهم فعل الاقتباس على أنه سياسي لأنه يعمل على بناء شريعة فلسفية تُضفِي الشرعية على أصوات النساء المستبعدات منذ فترةٍ طويلةٍ من الممارسة الفلسفية، على هذا النحو، تدعم النسوية مفهومًا واسعًا للسياسة يزعزع المساحات التي تعمل فيها، ويطمس الحدود بين العام والخاص (Gutíerrez Castañeda 1994: 187).
إنَّ تتبُّع التاريخ الفلسفي للمفكِّرات النسويات في أمريكا اللاتينية مهمَّة تستحق الاهتمام العلمي، وحتى الآن هناك ثغرة في المصادر، إحدى العقبات الرئيسية هي (اللغوية)؛ حيث لم تتم ترجمة الكثير من المصادر النصية، وعلاوةً على ذلك، فإن الموارد نفسها ليست وفيرةً، على الرُّغم من صدور بعض المنشورات البارزة، يُعَدُّ كتابَا (أنتولوجيــــة الكتابينAntología del pensamiento pensamiento feminista nuestroamericano: tomo 1 del anhelo a la emancipación (2010a) ، وأنتولوجية الكِتَاب النسوي: tomo 2 movimiento de liberación de las mujeres (2010b) من تنسيق فرانشيسكا غارغالو – من أوائل المنشورات واسعة النطاق التي تناولت الكتابات الفلسفية النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهي مصادر غير حصرية، تشهد على الإسهامات النظرية والجدلية والمنهجية للكاتبات النسويات في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، وبينما تنقذ هذه المختارات الكاتبات اللاتي غالبًا ما يُضيَّعْنَ في صفحات التاريخ، فإنها تتخذ أيضًا من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (بوصفها أمريكانا) نقطة انطلاق نظرية، وبالتالي، فهي تتيح اعترافًا جماعيًّا بتاريخ الفكر النسوي الذي لا يعتمد على أمريكا الشمالية أو أوروبا في تحديد هُوِيته، توضح هذه المختارات كذلك أنَّ الفكر الفلسفي النسوي الأمريكي اللاتيني ليس جديدًا، فهو يستند إلى تاريخ من المقاومة للظروف الاجتماعية والسياسية التي أعاقت الاعتراف بالنساء كمنتجات للمعرفة (Gargallo 2009: 418).
وقد قيل: إن الفلسفات النسوية المبكرة هي من أولى المنظومات الفكرية التي تفسر سياسات الشرعية؛ حيث تمنح الظروف الاجتماعية امتيازًا للإنتاج المعرفي لمجموعةٍ ما من أجل إقصاء أصوات الآخرين ونزع الشرعية عنها (Gargallo 2009: 420)، إن نقد الشرعية هو نقدٌ يتبع الفلسفة النسوية الأمريكية اللاتينية في القرنين (العشرين والحادي والعشرين).
على سبيل المثال: دافعت خوانا إينيس دي لا كروز (1651-1695)، وهي واحدة من أكثر الكاتبات اللواتي يُستشهد بهنَّ في هذا التقليد، عن الحياة الفكرية للمرأة، الأمر الذي استلزم شجْبَ معايير الذكورة المهيمنة، وقد ارتبطت صورتها ككاتبةٍ نسويةٍ بدائيةٍ بالسُّحَاقية، إذ عاشت حياةً رهبانيةً وقاومت بذلك هيمنة الذكورة (Gargallo 2009: 419)، لقد تحدى وجودها كمثقفةٍ سلطة عصرها وانعكست مقاومتها في كتاباتها.
يمكن العثور على مثال آخر في فكر لويزا كابيتيلو (1879-1922)، والذي يعود إلى مشاركتها في الحركات العمالية في بورتوريكو والولايات المتحدة خلال حياتها، وبوصفها قارئة في مصنع سيجار، فقد كانت تعمل (قارئة) في مصنع سيجار، وكانت تعمل كوسيط فكري وثقافي من خلال قراءة كل شيء للعمال من الأخبار إلى النظرية السياسية، أصبحت كابيتيلو قارئة في الوقت الذي كان فيه أربعون في المئة من عمال التبغ وسبعة وثمانون في المئة من القوى العاملة الزراعية في بورتوريكو أُمِّيِّين (Ramos 1992: 14)، ومع ذلك، فإن وجود القراء، مثل كابيتيلو، جعل القوى العاملة في مجال التبغ من أكثر القوى العاملة وعيًا اجتماعيًّا (Ramos 1992: 21)، استمدَّ نشاطُها دعمًا فكريًّا من الفلسفة الفوضوية الأوروبية التي انتقلت إلى بورتوريكو من خلال ترجمات لمؤلفين مثل (تولستوي، ودوستويفسكي، وديدرو، وباكونين، وكروبوتكين، وماركس، ونيتشه) (Ramos 1992: 27)، تركت كابيتيلو بصمة في الحركة العمالية في بورتوريكو، لكنها أصبحت مهاجرة عابرة للحدود الوطنية بعد أن طُردت من بورتوريكو بسبب حملة القمع الحكومية على الفوضويين (Ruiz 2016: 3)، في حياتها القصيرة التي امتدَّت لاثنين وأربعين عامًا، ستقيم في مدينة نيويورك ومدينة يبور ولا هابانا بينما واصلت نشاطها من خلال تنظيم الإضرابات العمالية، ومناهضة مؤسسة الزواج، والانخراط في مقاومة منمقة من خلال ارتداء ملابس الرجال، ونشر أربعة كتب (راموس 1992: 66)، كانت مساهمة كابيتيلو الأكثر أهمية هي إنتاج أفكار متجذرة في حركة حقوق العمال التي انتقلت عبر الدول واستلهمت هي نفسها من سفر الأفكار.
تمَّ إضفاء الطابع المؤسسي والمهني على الفلسفة كمجال للدراسة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في السنوات الممتدة من 1940 إلى 1960، وبالتالي، ليس من المستغرب أن تحصل النساء بعد ذلك على تعليم جامعي رسمي في الفلسفة.
كانت ماتيلدي كارانزا (1892-1981)، المولودة في سان خوسيه بكوستاريكا، أول امرأة في كوستاريكا تحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة. التحقت بجامعة ويسكونسن، كما أنها من أوائل النساء اللاتي حصَلْنَ على درجة الدكتوراه من الجامعة، تمحور فكْرُها الفلسفي حول أهمية التعليم من أجل التحوُّل الاجتماعي، وهو ما يتماشى مع سياساتها المناهضة للتمييز والمساواة، ومع ذلك، كان تأثيرها الأبرز هو تحطيم الأسطورة القائلة بأن النساء غير مؤهلات للفلسفة، مما مهد الطريق أمام النساء من الأجيال الأخرى (Prada Ortiz 2013: 32–33).
درست آنا إيزابيل ألفارو (1944-1990)، المولودة في ألاخويلا بكوستاريكا، الفلسفة في جامعة كوستاريكا، تمحورت التزاماتها الفلسفية حول دور التعليم في التنمية الوطنية؛ حيث اعتبرت أنَّ التعليم هو عامل تحوُّلٍ اجتماعيٍّ، ونتيجة لذلك، رأت ألفارو دَوْرَ الجامعة كجزء لا يتجزأ من التغيير الاجتماعي، كانت التزاماتها بالقدرات التحويلية للتعليم متجذِّرة من الناحية المنهجية في تعدُّد التخصُّصات والتنوع الثقافي.
والجدير بالذكر أنَّ ألفارو أوْلَتْ أهمية للقوة الإبداعية للمرأة في فلسفتها التعليمية؛ حيث دافعت عن قدراتها الإبداعية وعكست هذا الالتزام في تحالفاتها السياسية مع النساء الفقيرات (Prada Ortiz 2013: 55).
وعلى نفس المنوال، دخلت مونيليسا لينا بيريز مارشاند، وفيكتوريا جونكو بوساداس، وأولغا فيكتوريا كيروز مارتينيز، وروزا كراوز، وإلسا سيسيليا فروست، وفيرا ياموني، وماريا ديل كارمن روفيرا غاسبار الفلسفة الأكاديمية في المكسيك في منتصف القرن العشرين من خلال حلقات خوسيه غاوس (غارغالو 2015، مصادر أخرى على الإنترنت)، ومن أبرز هؤلاء: فيرا ياموني (1917-2003) وماريا ديل كارمن روفيرا، اللتان أدركتا أهمية ممارسة الفلسفة من منظور أمريكي لاتيني مع التركيز على خصوصيات المرأة؛ ستطبق روفيرا هذه المنهجية على التاريخانية، وياموني على النزعة الإنسانية (Gargallo 2009: 423)، وتكتسب ياموني أهمية خاصة لأنَّ عمَلَها وموقعها في الأكاديمية أثَّرَ في أجيال عديدة من الفيلسوفات النسويات، لقد كانت مفكرة عابرة للحدود الوطنية وُلِدَت من أبوين لبنانيَّين في كوستاريكا، على الرغم من أنها قامت بمعظم دراستها وتدريسها وكتابتها في المكسيك، تتلمذت ياموني على يد غاوس، وخصَّصت جزءًا من مسيرتها الفكرية للاشتباك مع أعمال غاوس، ولا سيما نقده في كراهية النساء، كما خصصت وقتًا إضافيًّا لترجمة النصوص من الإنجليزية والعربية إلى الإسبانية، مما يعكس التزامها بتهيئة ظروف الوصول الفلسفي (Prada Ortiz 2013: 71)، غير أنها تُذكَر على وجه الخصوص كمفكرة نسوية من خلال عملها عن سافو وفيرجينيا وولف وسيمون دي بوفوار، بالإضافة إلى تحليلها النسوي لدور المرأة في تاريخ الفلسفة، وقد استكشفت كتاباتُها مفاهيم التماثل والاختلاف قبل فترة طويلة من تحوُّلِها إلى مرتع للتحليل الفلسفي النسوي في التسعينيَّات (Prada Ortiz 2013: 87)، إن تأثيرها كفيلسوفة نسوية عميق؛ إذ يُشار إليها كأول من أدخل الفلسفة النسوية إلى المكسيك من قبل تلميذتها غراسييلا هييرو التي أصبحت شخصية بارزة في الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في الثمانينيَّات والتسعينيَّات (Prada Ortiz 2013: 83).
انعكس التحول الاجتماعي في السبعينيَّات والثمانينيَّات على مجال الفلسفة، ومع بدء النساء في ترسيخ وجودهنَّ في الأوساط الأكاديمية، تطوَّرتْ أفكارهنَّ بشكل متزايد، وعلى أكتاف الأمهات الرمزيات وسياسات العصر، بدأت الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية في الانتشار كنظام فكري متنوِّع اتخذ من التنظير النسوي شكلًا من أشكال السياسة، ومع ذلك، تنوَّعت نقاط الانطلاق للتحليل، فقد طورت غراسييلا هييرو، تلميذة ياموني، أخلاقيَّات نسوية مستنيرة بالنفعية التي استكشفت العلاقة الحميمة بين الأخلاق والسياسة التي تُركِّز على التحرر والمتعة، بالنسبة إلى هييرو، تتمحور السياسة النسائية حول تقديم مطالبات حول دور المرأة في مجتمعٍ تُفهم فيه حالة الأنوثة على أنها سمةٌ متغيِّرةٌ للحياة البشرية (Hierro 1990).
عملت هييرو، مثلها مثل ياموني والنساء اللاتي سبقْنَها؛ كأمٍّ فلسفية رمزية للكثيرين؛ حيث أثرت بشدة على جيلٍ من الباحثات النسويات.
أكدت إيلي بارترا، وهي إحدى تلميذات هييرو، أن النسوية هي تيار نظري مكرس للكشف عن معنى أن تكوني امرأة، بالنسبة لها، المشروع النسوي سياسي لأن النسوية فلسفة سياسية (Bartra 2001: 12).
وتؤكد ديانا هيلينا مافيا من الأرجنتين، المتأثرة ببارترا، أن النسوية هي موقف سياسي ونظرية نقدية تفسح المجال لمراجعة المُثُل السياسية (Rietti & Maffía 2005).
أما ماريا لويزا لويزا فيمينياس، وهي تكتب أيضًا من الأرجنتين، فتؤكِّد على وجود صلةٍ بين النسوية والسياسة، لكنها تعتبر أنَّ النسوية الأمريكية اللاتينية تتميَّز بتقديرها الفريد للتقاطعات بين الجندر والطبقة و(العرق/ الإثنية) والدين التي تشكل مجتمعةً شروط الوجود (فيمينياس 2007)، أما أورانيا أونغو مونتينيغرو من بنما فتعرف النسوية كنظريةٍ سياسيةٍ للمرأة تعكس العَلاقة بين المرأة والسياسة (Ungo Montenegro 2000).
وعلى الرُّغم من تباينهم في توصيفهم للعلاقة بين النسوية والسياسة، إلا أنَّ جميع هذه المواقف تشترك في فهمٍ عامٍّ مَفادُه أنَّ مناقشة النسوية الأمريكية اللاتينية فلسفيًّا تعني الانخراط في النظرية السياسية بطريقة توضِّح العلاقات المتنوعة والمعقدة بين النساء والنوع الاجتماعي والسياسة، هذه القائمة ليست شاملة بأي حال من الأحوال، ولا ينبغي نسيان شخصيات أخرى؛ مثل روزاريو كاستيلانوس من المكسيك وسيليا أموروس من إسبانيا؛ لأنهما أثَّرَتَا في المواقف التي طورها هؤلاء المفكرون.
وعلاوة على ذلك، قدمت فيلسوفات؛ مثل أوفيليا شوت، المولودة في كوبا وتكتب في الولايات المتحدة، إسهامات ملحوظة في مشهد الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية، مذكرة القُرَّاء بأن التقليد النسوي يحتل جزءًا من تقليد أوسع للتحرر السياسي والنظري في أمريكا اللاتينية.
كل هؤلاء النساء تجرأن جميعًا على أن يكنَّ مفكرات في أوقات لم يكن يُسمع فيها عن امرأة أمريكية لاتينية في الفلسفة، وقد شكَّلْنَ أساسًا لشريعة من المفكرين الذين مهدوا الطريق لأصوات جديدة وناشئة.
لا يزال عمل أوفيليا شوت في الولايات المتحدة أحد أهم الإسهامات في الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية لأنها مسؤولة عن خلق مساحات أكاديمية جسرت الأفكار عبر نصف الكرة الأرضية للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية؛ في عام 1988 نشرت كتاب (الفلسفة والنسوية في أمريكا اللاتينية: وجهات نظر حول الجنس والثقافة) (Schutte 1988)، والذي يوفر إطارًا لفهم الخصوصية الاجتماعية والثقافية لظروف المرأة في أمريكا اللاتينية (Schutte 1988: 63).
في عام 1994، شاركت في تحرير عدد خاص في مجلة (هيباتيا) عن الفلسفة النسوية الإسبانية والأمريكية اللاتينية، ضم مقالات لسيليا أموروس، وماريا لويزا فيمينياس، وغراسييلا هييرو، وغريسيلدا غوتيريز كاستانييدا، ويُختتم العدد الخاص بقائمة بمراكز وبرامج الدراسات النسائية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا حسب البلدان، وتضم الأرجنتين وكوبا وكوستاريكا والمكسيك وإسبانيا (Schutte 1994: 194).
بجمعه هذه الأصوات معًا، يشير شوت إلى ولادة النسويات الفلسفية في أمريكا اللاتينية من خلال الإشارة إلى التفسيرات الجديدة للفلسفة التي تسائل الروابط بين المعرفة والجندر والسلطة (Schutte 1994: 143)، ويعكس هذا العدد الخاص تأطير كتاب (الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا – 2007) الذي حررته إيمي أوليفر وماريا لويزا فيمينياس.
لا تزال الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية وإسبانيا واحدة من أهم تجميعات الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية باللغة الإنجليزية التي تضم مجموعة من الموضوعات بما في ذلك الأخلاق، والجندر، والتاريخ، والنظام الأبوي، والترجمة، والجنس.
من الناحية الجدلية، ترسي شوت الأساس الفلسفي لمنهجية فلسفية نسوية أمريكية لاتينية قوية على مدار مسيرتها المهنية، في كتابها (الفلسفة والنسوية في أمريكا اللاتينية: وجهات نظر حول الجندر والثقافة) (1988) تبدأ في تأطير الفلسفة النسوية في أمريكا اللاتينية كحقلٍ ينطلق من الوعي الجندري في سياق التمييز والاضطهاد مع إستراتيجيات بحثية محددة يمكنها أن تعالج وضْع النساء والفتيات في أمريكا اللاتينية على نحوٍ مناسبٍ (Schutte 1988: 65).
بناءً على هذه الرُّؤى، يتناول الفصل الأخير من كتابها (الهُويَّة الثقافية والتحرر الاجتماعي في الفكر الأمريكي اللاتيني- 1993) تحليل العلاقة بين الهُوِية الثقافية والنظرية النسوية والتحرُّر من خلال استكشاف السوابق التاريخية للنظرية النسوية في أمريكا اللاتينية، وإستراتيجيات البحث النسوية التعددية وخصوصية أمريكا اللاتينية في علاقتها بقضايا الجندر، بالإضافة إلى النماذج التقييمية والتشاركية التي تبني السياسات النسوية في المنطقة (Schutte 1993)، توضح رؤاها فيما يتعلَّق بخصوصية الحالة الأمريكية اللاتينية والجندرية تعقيدات السياق التي تولد شروط إمكانيات الفكر النسوي الأمريكي اللاتيني التي تتطلب التركيز على مواضيع العنف ضد المرأة، والمرأة والتنمية، والمرأة والعمل المنزلي التي تشير إلى الاستيلاء الأبوي على أجساد النساء وعملهنَّ من أجل إعادة الإنتاج الاجتماعي (Schutte 1993: 215).
في نهاية المطاف، تُنتج خصوصية السياق الجندري في أمريكا اللاتينية العلامات الموجهة للمنهج النظري النسوي الأمريكي اللاتيني: مفهوم نقدي للمعرفة، والربط بين النظرية والممارسة، والمشاريع التقدمية ومفاهيم الحرية والتحرر، والسياسات التحويلية للثقافة (Schutte 2011).
هنا يجب أن يكون التحوُّل تحريريًّا؛ من حيث أنه يحتاج إلى تجاوز امتيازات الاستعمار الأوروبي المركزي والحداثة الأنغو-أوروبية المركزية، والتحول هو تحَدٍّ مستمر يطلق العنان لوجهات نظر النساء الجنسية، ووجهات النظر المقموعة من قبل اتحادات السلطة الذكورية المهيمنة (Schutte 2011: 800).
وفي هذا السياق، شنَّت الأصوات المنشقة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين نقدًا لإنهاء الاستعمار الذي أصبح سِمَةً من سمات الدراسات الفلسفية النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة.
بتأثير من الإسهامات المحورية لماريا لوغونيس (2007، 2008)، عالجت الدراسات النسوية الأمريكية اللاتينية المعاصرة في مجال إنهاء الاستعمار النزعة المركزية الأوروبية، والأسس الاستعمارية، وإغفال الهُوِية في الفلسفة النسوية، كانت لوغونيس صوتًا أساسيًّا في تشكيل تقليد نسوي مناهض للاستعمار؛ حيث كانت أول باحثة تصوغ مفهوم استعمار الجندر.
في حديثها مع أبحاث البيروفية، أنيبال كيخانو (2000) أكَّدت أن نظام الجنس الحديث متجذرٌ في المشروع الاستعماري الذي يفرض نظامًا جنسيًّا ثنائيَّ الشكل، مؤطرًا من خلال المعيارية الغيرية.
واستكمالًا لـ(كيخانو)، تؤكد أن النظام الجندري الاستعماري/ الحديث تطلب تصنيف البشر وغير البشر واختراع التقسيمات العرقية للبشر، ومع ذلك، تضيف بشكل نقدي أن الجندر لعب دورًا مهمًّا في هذه العلاقات، وهي نقطة يغفلها كيخانو. ونتيجة لذلك، فإن وضع النساء البيض، الموجودات إلى جانب الرجال البيض المستعمرين، كان يعمل على رابطة مختلفة ملتزمة بإعادة إنتاج الإنسانية العنصرية. لم تشارك شعوب العالم المستعمَر في النظام الجندري الحديث قبل فرضه، ومغزى هذه الحجة هو أن الجندر والجنسانية متلازمان مع العرق ويتشكلان في المشروع الاستعماري الذي سعى إلى إخضاع الشعوب المستعمرة ومن خلاله، وبالتالي، فإن التنظير حول الجندر يستلزم إلقاء نظرة على موروثات الاستعمار الذي بنى إمكانيات العالم الحديث من خلال تصنيف الناس إلى إنسانية عنصرية وجندرية.
يُشكِّك هذا النقد في أيِّ فكرة عن الجنسانية المشتركة في الأنوثة لأنها تفشل في تفسير الاختلافات العرقية والطبقية التي تتقاطع مع تشكيلات الهُوِيات في الأمريكيتين.
من أبرز وأشمل النصوص التي تجمع أصوات أمريكا اللاتينية المناهضة للاستعمار كتاب Tejiendo de otro modo: النسوية والأسبستمولوجيا والأصوات المناهضة للاستعمار في أبي يالا (2014 ب)، الذي حرره (يودركيس إسبينوسا مينيوسو وديانا غوميز كوريال وكارينا أوتشوا مونيوز)، يقدم الكتاب مداخلة نقدية في نسويات أمريكا اللاتينية المعاصرة من مواقع وتجارِب متنوعة للنساء (Escobar 2014: 11)، متجذرًا في الممارسات المعرفية لإنهاء الاستعمار، يعيد الكتاب تصوُّر أمريكا اللاتينية كمصطلح (أبيا يالا) (السكان الأصليون في بنما وكولومبيا) لما أطلق عليه المستعمرون (أمريكا). ويترجم (أبيا يالا) إلى (أرض النضج الكامل) أو (أرض الدم الحيوي) ويتخذ الكتاب كنقطة انطلاق منهجية للتنظير لطرق المعرفة من خلال عدسة إنهاء الاستعمار. يتمسَّك المساهمون بالادِّعاء بأن إنهاء الاستعمار لا يمكن أن يحدث دون إزالة الأبوية. بعبارةٍ أخرى، يجب أن تتضمَّن مقاومة الرأسمالية والعنصرية ورُهاب المثلية وكل أشكال الهيمنة المرتبطة بنظامنا الاجتماعي الحديث إستراتيجيَّات إلغاء الأبوية (Escobar 2014: 11).
على هذا النحو، يسلِّط النص الضوء على أهمية تقاطع النسويات في أمريكا اللاتينية مع الفكر اللاستعماري، ويقدِّم مثالًا على الأصوات النقدية الجديدة الناشئة التي تُسهِم في النمو والانتشار.
وتنتج هذه المنحة بشكلٍ خاصٍّ علمَ أنسابٍ نسويٍّ أمريكي لاتيني ملتزم بإعطاء الأولوية لأصوات المهمَّشين أو المهمَّشات بشكل منهجي، وتكريم النسويات البيض المهيمنات من الطبقة العليا/ الوسطى، اللواتي فشَلْنَ في تفسير الاختلاف (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 14)، وتشكل هذه الدراسة شهادةً إضافيةً على حقيقة عدم قدرة فئةٍ مهيمنةٍ واحدةٍ على حل مشكلة التوحيد (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 20).
لا يقوم مشروع النسويات اللاستعمارية على تفضيل فئةٍ من التحليل على أخرى؛ على سبيل المثال: (العِرْق) على (الجندر)، بل يقترح نقدًا منهجيًّا يركز على الإطار المفاهيمي للنسويات الأمريكية اللاتينية المهيمنة، لافتًا الانتباه إلى الطُّرُق التي أعاد فيها هذا الإطار تكريس الطبقية والتمييز الجنسي والعنصرية والمعيارية الغيرية.
إن مشروع النسويات اللاستعمارية هو حركة في طور التشكل، لكن جوهره يسعى إلى جمع إنتاجات المفكرين والمثقفين والناشطات النسويات والنسويات المثليات والنساء المنحدرات من أصول أفريقية والشعوب الأصلية والمولَّدات الفقيرات والحليفات الملتزمات بالاستعادة التاريخية للنظرية والممارسة المناهضة للعنصرية من الموقع المعرفي لأبييا يالا (Espinosa Miñoso et al. 2014a: 32).
يمكن العثور على مثالين بارزين للنظرية النسوية لإنهاء الاستعمار في أعمال (سيلفيا ريفيرا كوسيكانكي، وريتا سيغاتو).
سيلفيا ريفيرا كوسيكانكي هي عالمة اجتماع ومؤرخة نسوية بوليفية، اشتهرت بتحليلها التاريخي النقدي لسوسيولوجيا الصورة، والتي ترى أنَّ الصور لديها القدرة على بناء سردياتٍ نقديةٍ قادرةٍ على إلغاء تأطير أشكالٍ مختلفةٍ من الاستعمار المعاصر (Rivera Cusicanqui 2010)؛ تولد الصور، أكثر من الكلمات، تراتبية النصي على المرئي الذي يأتي لإعطاء علامات الهُوية معنى، ومع ذلك، تخفي الكلمات المعنى، بينما يمكن للصور أن تكشف عن طبقات دفينة من المعنى الذي قد لا يتم النطق به.
إلى جانب غلبة النص وما يحمله من كونية استعمارية مفترضة يحملها النص، توجد عوالم أخرى من المعنى الذي يميزه مصطلح ch’ixi، الذي يصفه ريفيرا كوسيتشانكي بأنه ذلك الذي يتسم بالتبعيض من حيث أنه يخضع لفكرة الأيمارا التي تقول بأن الأشياء يمكن أن تكون وغير موجودة في الوقت نفسه، تكمن قوة غير المتمايز في كونه مقترنًا بالأضْدَاد (Rivera Cusicanqui 2010: 70)، في خطوةٍ نقديةٍ تحوليةٍ نقديةٍ مماثلة، تطور الأنثروبولوجية الأرجنتينية البرازيلية ريتا سيغاتو خطوط بحثها في مفترق الطرق بين نقد الاستعمار والأنثروبولوجيا المستجيبة (Segato 2022: 1). تجادل بأن المشروع الأنثروبولوجي يحتاج إلى أن يكون منفتحًا على أن يتمَّ استجوابه من خلال الاختلاف داخل (نحن) المجتمع الأخلاقي الذي يسمح للآخر بالحكم علينا وإخبارنا (من نحن؟) وما هو متوقع منا (Segato 2022: 3).
تفتح الأنثروبولوجيا المتجاوبة مع الاستعمار التي تطورها سيغاتو الباب أمام أسئلة حول طبيعة النظام الأبوي، ودور الدولة، والطرق الحميمة وغير المعلنة التي يتم فيها تشكيل العرق والطبقة الاجتماعية بشكل مشترك، والتي تم استكشافها جميعًا في كتاب (لا كريتيكا دي لا كولونياليداد أونشو إنسايوس) (2013) الذي تُرجم مؤخرًا إلى الإنجليزية في 2022.
وجدت التقاليد النسوية الأمريكية اللاتينية المناهضة للاستعمار حلفاء مؤثرين في التقاليد النسوية اللاتينية/ الجنسية في الولايات المتحدة، تبلورت النسوية اللاتينية/ الجنسية خلال الستينيَّات والسبعينيَّات كجزء من مجموعة واسعة من النضالات السياسية الساعية إلى تحقيق العدالة الجندرية والاجتماعية التي تأتي لتشكل مشهدًا واسعًا من النظريات.
إنَّ مصطلح (لاتينية/إكس) واسع النطاق، لكنه بعيد كل البعد عن التوحد، إذ يمكن أن يشمل مجموعة من الهويات؛ على سبيل المثال: (اللاتينيات من أصل أفريقي، والأفرو-لاتيني، والأفرو-كاريبي، والنيوريكيات، والشيكانا)، وهو يشمل بشكل رمزي ظروف الهُوِيَّة للهجرة والهجرة والشتات إلى الولايات المتحدة من بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
على الرغم من أن النسوية اللاتينية/ الجنسية هي مجال واسع النطاق، إلا أنها تلتزم عمومًا بنظام فكري يحاول تفكيك أنظمة القمع المتشابكة، مما يعكس ظروف المناطق الحدودية والعرق/ الإثنية والجنس والجنسانية والهجرة والدين بطرق فريدة من نوعها، والأهم من ذلك أن النظرية النسوية اللاتينية/ الجنسية تولي اهتمامًا وثيقًا للتجربة المعيشية وقدمت إسهامات ملحوظة في نظريات الهُوِيَّة التي تتجاوز حدود الولايات المتحدة.
وهنا تبرز أهمية شخصيات؛ مثل (غلوريا أنزالدوا، وشيري موراغا، وإيما بيريز، وخوانيتا راموس، ونورما ألاركون، وشيلا ساندوفال، وماريانا أورتيغا، وأوفيليا شوت، وماريا لوغونيس)، وتجدر الإشارة إلى أنَّ أعمال أنزالدوا أثَّرت على تصور لوغونيس لاستعمار الجندر، الذي يقع في قلب النظرية النسوية لإنهاء الاستعمار في كلٍّ من أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة، على الرُّغم من أن النظريات مرتبطة دائمًا بمواقعها، إلا أنها تتنقل أيضًا بطرق تتطلب الانتباه إلى عمليات إعادة التعيين التي تمرُّ بها من خلال حركة المرور الخاصة بها، ولهذا السبب، دعَتْ بعض المفكرات النسويات اللاستعمارية إلى إيلاء اهتمامٍ أكبر لخصوصيَّات التغير التي قد تضع حدودًا للتطبيق النظري للأفكار (Mendoza 2014: 101)، ومؤخرًا، تستكشف مجموعة المقالات (نظريات الجسد) (2020) خصوصيات عيش التغير في الجسد بطرقٍ تربط بين التوجهات النسوية اللاتينية والأمريكية اللاتينية حول نقد إنهاء الاستعمار، ونظرية المقاومة والسياسات الائتلافية، ومن ثَمَّ، كان التقليد النسوي اللاتيني/ الجنسوي مؤثرًا في حدِّ ذاته ولا يزال يمهد طرقًا ائتلافية مع مفكرات أمريكا اللاتينية والكاريبي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
4. خاتمة
إنَّ تاريخ الأفكار النسوية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي واسع النطاق، ومع ذلك، لا يزال هذا التاريخ لا يحظى بالتقدير الكافي في المساحات الأكاديمية في أمريكا الشمالية وأوروبا، ومما يضاعف من إغفال النسوية في أمريكا اللاتينية أن معظم مصادرها الأساسية لا تزال غير مترجمة من الإسبانية، مما يجعل انتقال الأفكار صعبًا، بالنسبة للبعض، قد لا يكون عدم إمكانية الوصول اللغوي مشكلة لأنه يشير إلى الحاجة إلى مراكز معرفية لاستيعاب الاختلاف، وبالنسبة للبعض الآخر، فإنه يسلِّط الضوء فقط على الكم الهائل من العمل الذي لا يزال يتعيَّن القيام به، وفي كلتا الحالتين، فإن التقليد النسوي في أمريكا اللاتينية هو تقليدٌ يذكِّر قارئه من الناحية المنهجية بأن النظرية ترتكز دائمًا على الممارسة، وبالتالي، فإن وضع أفكار النساء وسعيهنَّ للتحول الاجتماعي في مركز النشاط الفلسفي والنظري يتطلب وضع أفكار النساء ودفعهنَّ للتحول الاجتماعي في سياقها.
وبالنسبة للممارسات الفلسفية على وجه التحديد، تذكِّرُنا نسوية أمريكا اللاتينية بأن النساء كنَّ يفكِّرْنَ منذ وقت أطول بكثيرٍ مما يُنسب إليهنَّ، وما على الفلاسفة سوى أن يبدؤوا بالسؤال: ما الذي كنَّ يفكِّرْنَ فيه؟
Rivera Berruz, Stephanie, “Latin American Feminism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2023 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2023/entries/feminism-latin-america/>.
المراجع
Albert Batista, Celsa, 2003, Mujer y esclavitud en Santo Domingo, Dominican Republic: INDAASEL.
Alvarez, Sonia E, 1998, “Feminismos Latinoamericanos”, Estudos Feministas, 6(2): 265–284.
–––, 2014, “Introduction to the Project and the Volume/Enacting a Translocal Feminist Politics of Translation”, in Alvarez et al. 2014: 1–18. doi:10.1215/9780822376828-001
Alvarez, Sonia E. and Kia Lilly Caldwell, 2016, “Promoting Feminist Amefricanidade: Bridging Black Feminist Cultures and Politics in the Americas”, Meridians, 14(1): v–xi. doi:10.2979/meridians.14.1.01
Alvarez, Sonia E, Elisabeth Jay Friedman, Ericka Beckman, Maylei Blackwell, Norma Stoltz Chinchilla, Nathalie Lebon, Marysa Navarro, and Marcela Ríos Tobar, 2003, “Encountering Latin American and Caribbean Feminisms”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 28(2): 537–579. doi:10.1086/342589
Alvarez, Sonia E., Claudia de Lima Costa, Vernoica Feliu, Rebecca Hester, Norma Klahn, and Millie Thayer (eds.), 2014, Translocalities/Translocalidades: Feminist Politics of Translation in the Latin/a Américas, Durham: Duke University Press. doi:10.1215/9780822376828
Ángel, Albalucía, 1975 [2015], Estaba la pájara pinta sentada en el verde limón, Spain: Ediciones B Grupo Z.
Anzaldúa, Gloria E., 1987, Borderlands/La Frontera: The New Mestiza, San Fransisco: Aunt Lute Books.
Aspe, Virginia, 2018, Approaches to the Theory of Freedom in Sor Juana Inés de la Cruz, Mexico: Univesidad Panamericana.
Bastian Duarte, A., 2012 “From the Margins of Latin American Feminism: Indigenous and Lesbian Feminisms”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 38 (1): 153–178.
Carneiro, Sueli, 2005, “Noircir le féminisme” (Ennegrecer el feminismo), Jules Falquet (trans.), Nouvelles Questions Féministes, 24(2): 27–32. doi:10.3917/nqf.242.0027 (fr)
Castellanos, Rosario, 1957, Balún canan. Mexico: Fondo de Cultura Económica.
–––, 1975, El eterno feminino, Mexico: Fondo de Cultura Económica.
–––, 2005, Sobre cultura feminina, Mexico: Fondo de Cultura Económica.
Coba Liset and Gioconda Herrera, 2013, “Nuevas voces feministas en América Latina: ¿continuidades, rupturas, resistencias? Presentación del Dossier”, Íconos: Revista de Ciencias Sociales, 45: 17–23. doi:10.17141/iconos.45.2013.3103
Connell, Raewyn, 2014, “Rethinking Gender from the South”, Feminist Studies, 40(3): 518–539.
Curiel, Ochy, 2007, “Crítica poscolonial desde las prácticas políticas del feminismo antirracista”,Nómadas, (26): 92–101. [Curiel 2007 available online]
–––, 2016, “Rethinking Radical Anti-Racist Feminist Politics in a Global Neoliberal Context”, Manuela Borzone and Alexander Ponomareff (trans.), Meridians, 14(2): 46–55. doi:10.2979/meridians.14.2.04
Escobar, Arturo, 2014, “Prefacio”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 11–12.
Espinosa Miñoso, Yuderkys, 2011, “The Feminism-Lesbianism Relationship in Latin America: A Necessary Link”, J. Flores, (trans.), in J. Corrales and M. Pecheny, The Politics of Sexuality in Latin America, Pittsburgh: University of Pittsburgh Press, pp. 401–405.
–––, 2014, “Etnocentrismo y colonialidad en los feminismos latinoamericanos: complicidades y consolidación de las hegemonías feministas en el espacio transnacional”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 309–324.
Espinosa Miñoso, Yuderkys, Diana Gómez Correal, and Karina Ochoa Muñoz, 2014a, “Introduccíon”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014: 13–40.
––– (eds.), 2014b, Tejiendo de ‘otro modo’: feminismo, epistemología y apuestas decoloniales en ‘Abya Yala’, Colombia: Editorial Universidad del Cauca.
Femenías, María Luisa, 2007 “Esbozo de un feminismo latinoamericano”, Estudos Feministas, 15(1): 11–25. doi:10.1590/S0104-026X2007000100002
Femenías, María Luisa and Amy A. Oliver (eds.), 2007, Feminist Philosophy in Latin America and Spain, Amsterdam: Rodopi.
Gargallo, Francesca, 2004, Las ideas feministas latinoamericanas, Mexico City: Universidad de la Ciudad de México.
–––, 2009, “El feminismo filosófico”, in Enrique Dussel, Eduardo Mendieta, and Carmen Bohórquez, (eds.), El pensamiento filosófico latinoamericano, del Caribe y “latino” (1300–2000), Mexico City: Siglo XXI Editores, pp. 418–433.
2010b, tomo 2 movimiento de liberación de las mujeres
Gutiérrez, Mario, 2012, “Marta Acevedo: la marcha que ha durado décadas”, in 20 años por todas las mujeres, Mexico City: GIRE, pp. 42–45.
Hierro, Graciela, 1990, Ética de la libertad, Mexico: Editorial Fuego Nuevo.
–––, 2001, La ética del placer, Mexico: UNAM.
Kirkwood, Julieta, 1986, Ser política en chile: Las feministas y los partidos, Santiago de Chile: FLASCO.
Lamas, Marta (ed.), 1996, El género: la construcción cultural de la diferencia sexual, México City: PUEG.
Lima Costa, Claudia de, 2014a, “Introduction to Debates about Translation: Lost (and Found?) in Translation: Feminisms in Hemispheric Dialogue”, in Alvarez et al. 2014: 19–36. doi:10.1215/9780822376828-002
–––, 2014b, “Feminist Theories, Transnational Translations, and Cultural Mediations”, in Alvarez et al. 2014: 133–148. doi:10.1215/9780822376828-008
Lugones, María, 2007, “Heterosexualism and the Colonial/Modern Gender System”, Hypatia, 22(1): 186–219. doi:10.1111/j.1527-2001.2007.tb01156.x
–––, 2008, “Coloniality of Gender”, World and Knowledges Otherwise, 2(2): 1–17.
Mendoza, Breny, 2014, “La epistemología del sur, la colonialidad del género y el feminismo latinoamericano”, in Espinosa Miñoso, Gómez Correal, and Ochoa Muñoz 2014b: 91–103.
Merrim, Stephanie (ed.), 1999, Feminist Perspectives on Sor Juana Ines de la Cruz, Detroit: Wayne State University Press.
Millán, Márgara, 2014, “Politics of Translation in Contemporary Mexican Feminism”, in Alvarez et al. 2014: 149–167. doi:10.1215/9780822376828-009
Moreno, Marvel, 1980, Algo tan feo en la vida de una señora bien, Bogotá: Pluma.
Ochoa, Enriqueta, 1987, Retorno de Electra, México: SEP-Diógenes, Colección Lecturas Mexicanas n. 72.
Oliver, Amy, 2007, “Latin American Feminist Philosophy: Early Twentieth-Century Uruguay,” in M.L. Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 31–41.
Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 31–39.
Palacios, Antonia, 1949, Ana Isabel, una niña decente, Argentina: Ed. Losada.
Palacios, Mariá Julia, 2007. “A Critical Examination of Women’s History,” in M.L. Femenias and A. Oliver (eds), Feminist philosophy in Latin America and Spain, New York: Rodopi, pp. 95–105.
Pereda, Carlos, 2006, “Latin American Philosophy: Some Vices”, Journal of Speculative Philosophy, 20 (3): 192–203. doi:10.1353/jsp.2007.0007
Pitts, Andrea, Mariana Ortega, and José Medina (eds)., 2020, Theories of the Flesh: Latinx and Latin American Feminisms, Transformation, and Resistance, New York: Oxford University Press.
Bartra, Eli, 2001, “Neofeminism in Mexico”, Working Paper Series #33. Durham: Duke University Press.
Prada Ortiz, Grace, 2013, El pensamiento filosófico desde las mujeres: Matilde Carranza, Vera Yamuni y Ana Alfaro, Costa Rica: EUNA.
Quijano, Aníbal, 2000, “Coloniality of Power, Eurocentrism, and Latin America”, Nepantla, 1(3): 533–580.
Ramos, Julio, (ed.), 1992, Amor y anarquía: Los escritos de Luisa Capetillo, Rio Piedras: Ediciones Huracán.
Rietti, Sara and Diana Maffía, 2005, “Género, Ciencia y Ciudadanía”, Arbor, 181(716): 539–544. doi:10.3989/arbor.2005.i716.411
Rivera Cusicanqui, Silvia., 2010. Ch’ixinakax utxiwa: Una reflexión sobre prácticas y discursos descolonizadores, Buenos Aires: Tinta Limon.
Ruiz, Vicki L., 2016, “Class Acts: Latina Feminist Traditions, 1900–1930”, American Historical Review, 121(1): 1–16. doi:10.1093/ahr/121.1.1
Saporta Sternbach, Nancy, Marysa Navarro-Aranguren, Patricia Chuchryk, and Sonia E. Alvarez, 1992, “Feminisms in Latin America: From Bogotá to San Bernando”, Signs: Journal of Women in Culture and Society, 17(2): 393–434. doi:10.1086/494735
Schutte, Ofelia, 1988, “Philosophy and Feminism in Latin America: Perspectives on Gender Identity and Culture,” The Philosophical Forum, XX(1–2): 62–84.
–––, 1993, Cultural Identity and Social Liberation in Latin American Thought, New York: SUNY Press.
–––,1994, “Philosophical Feminism in Latin America and Spain: An Introduction,” Hypatia 9(1): 142–146.
–––, 1998a, “Cultural Alterity: Cross-Cultural Communication and Feminist Theory in North-South Contexts”, Hypatia, 13(2): 53–72. doi:10.1111/j.1527-2001.1998.tb01225.x
–––, 1998b, “Latin America”, in Alison M. Jaggar and Iris Marion Young (eds.), A Companion to Feminist Philosophy, Malden: Blackwell Publishing, p. 87–97.
–––, 2011, “Engaging Latin American Feminisms Today: Methods, Theory, and Practice”, Hypatia, 26(4): 783–803. doi:10.1111/j.1527-2001.2011.01200.x
Schutte, Ofelia and María Luisa Femenías, 2010, “Feminist Philosophy”, in Susan Nuccetelli, Ofelia Schutte, and Otávio Bueno (eds.), A Companion to Latin American Philosophy, Oxford: Wiley-Blackwell, pp. 397–411. doi:10.1002/9781444314847.ch28
Segato, Rita, 2013, La critica de la colonialidad en ocho ensayos y una antropologia por demanda, Buenos Aires: Prometeo Libros.
–––, 2022. R. McGlazer (Trans.), The Critique of Coloniality: Eight Essays, UK: Routledge.
Ungo Montenegro, Urania Atenea, 2000, Para cambiar la vida: política y pensamiento del feminismo en América Latina, Panamá: Instituto de la Mujer, Universidad de Panamá.
–––, 2002, Conocimiento, libertad y poder: Claves críticas en la teoría feminista, Instituto de la Mujer de la Universidad, Panamá.
Valle Ferrer, Norma, 2006, Luisa Capetillo, pioneer Puerto Rican feminist, New York: Peter Lang Publishing.
Vaz Ferreira, C., 1933, Sobre feminismo, Uruguay: Sociedad Amigos del Libro Rioplatense.
The research for this essay was supported (in part) by a Summer Stipend from the Research Center for the Humanities and Social Sciences (2017) at William Paterson University and the Woodrow Wilson Career Enhancement Fellowship (2017–2018). I would like to thank Andrea J. Pitts, Mariana Ortega, Adriana Novoa, and Jamilett Aguirre for their advice, encouragement, and support in the research process as well as the reviewers whose suggestions greatly helped the framing of the essay.