مجلة حكمة
الحرب

الحرب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: وليام عوطة


حول أخلاقيات الحرب وفلسفتها، وكيف يمكن التفكير فيها، وعن مستقبل نظرية الحرب العادلة، وحق اللجوء، وقانون الحرب؛ نص مترجم لد. سيث لازار، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يرفض البعضُ مقولة “أخلاقية الحرب”[i]  بحدّ ذاتها، ومن بين هؤلاء من ينكر أنّ للأخلاقيات موقعها متى ما بدأ إطلاق الرصاص؛ بالنسبة لآخرين، لا يمكن لأيّ نظرية أخلاقية معقولة أن تبيح الفظائع الاستثنائية للحرب. المجموعة الأولى تضمّ من نسمّيهم بالواقعيين، وتضمّ الثانية السلاميين [دعاة السلام – pacifist]. تتمثّل وظيفة نظرية الحرب العادلة just war theory بالبحث عن طريق يتوسّط هؤلاء وأولئك: لتبرير بعض الحروب على الأقل، ولكن أيضًا لتقييدها (Ramsey 1961).  رغم أنّ للواقعية، بلا شكٍّ، أنصارها ولكنّ القليل من الفلاسفة يجدها مقنعة[ii]. يتأتّى التحدّي الفعلي لنظرية الحرب العادلة من السلامية، وعلينا أن نتذكّر، منذ البداية، إنّ هذا التحدّي حقيقيّ؛ قد تبدو الحرب العادلة سرابًا.

ومع ذلك، يتقصّى هذا المدخل الطّريق الّذي يتوسّط الواقعية والسلامية. ويبدأ بتحديد التقسيمِ الجوهريّ والمركزيّ في نظرية الحرب العادلة المعاصرة، قبل أن يقدّم الانقسامات المنهجية الّتي تعزز النقاش. ومن ثمّ، يناقشُ المدخلُ التقييمَ الاخلاقيّ للحروب ككلّ، وللأفعال الفردية داخل الحرب (ما يسمّى تقليديًا، رغم أنّ التسمية مضلِّلة نوعًا ما، حقّ اللجوء إلى الحرب jus ad bellum  وقانون الحرب  jus in bello ).

 

  1. التقليديون والتعديليون

  2. كيف علينا أن نفكّر بـ أخلاقيات الحرب؟

    • نظرية الحرب العادلة التاريخية مقابل المعاصِرة

    • المؤسسات والأفعال

    • سِجالات سائدة في النظرية التحليلية المعاصرة للحرب العادلة.

    • تفريع الموضوع

    • الدور الحاسم للضرورة والتناسبية

  3. حقّ اللجوء إلى الحرب

    • القضية العادلة

    • السلام العادل

    • السلطة الشرعية

    • التناسبية

    • الملاذ الأخير(الضرورة)

  4. قانون الحرب

    • وولتزر ونقّاده

    • قتلُ المقاتلين

    • تجنيب المدنيين

    • التناسبية

    • الضرورة

  5. مستقبل نظرية الحرب العادلة

  • بيبليوغرافيا.

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى من الإنترنت.

  • مداخل ذات صلة.


 

  1. التقليديون والتعديليون

يهيمن معسكران على النظرية المعاصرة للحرب العادلة: التقليدي و التعديلي revisionist [iii]. يمكن، بسهولة، تسمية التقليديين بالتشريعيين legalists (من تشريع). إلى حدٍّ كبير، يقود القانون الدوليّ، وبالأخصّ قانون النزاعات المسلّحة، رؤاهم عن أخلاقيات الحرب. يهدف التقليديون إلى تزويد هذا القانون بالأسس الدفاعية الأخلاقية: يُسمَح للدول (وفقط الدوَل) بالانخراط في حربٍ ما من أجل الدفاع الوطنيّ، الدفاع عن دولٍ أخرى، أو بالتدخّل لأجل تجنّبِ “جرائمَ تهزّ الضمير الأخلاقيّ للبشرية” (Walzer 2006: 107). يمكن ألاّ يُستهدَف المدنيون في الحربِ، ولكن من المسموحِ، أخلاقيًا، للمقاتلين، بغضّ النظر عمّا يقاتلون من أجله، أن يستهدفوا بعضهم بعضًا، حتّى حين يؤدّي ذلك إلى الإضرار، كما هو متوقّع، ببعض المدنيين (طالما أنّ ذلك لا يتم بشكلٍ مفرط)[iv].

يساءلُ التعديليون المقام الاخلاقي للدولة وإباحة الدفاع الوطنيّ، ويجادلون لأجل توسيع مساحة أذونات التدخّل الإنسانيّ، مشكّكين بالحصانة المدنية، وهم يزعمون أنّ المقاتلين من أجل غاياتٍ خاطئة لا يمكنهم القيام بما هو صحيح، ومن ثمّ عليهم إلقاء أسلحتهم.

التعديليون بمعظمهم أخلاقيون فقط: ينكرون أنّ قانون الصراعات المسلّحة المعاصر مبرّر أخلاقيًا بحد ذاته، ولكنهم يعتقدون، غالبًا لأسباب براغماتية، أنّه لا يحتاج لتغيير جوهريّ. مع ذلك، فبعضهم تعديليّ أخلاقيّ وتشريعيّ. كما أنّ خلاف التعديليين مع التقليديين يبدو مصطنعًا، ذلك أنّ معظمهم يعتقد إنّ على الأفراد، أمام التعارض بين ما هو مسموح ومحظور أخلاقيًا وتشريعيًا، أن ينصاعوا لضميرهم بدلًا من القانون [v].

ظهرت الرؤية التقليدية بشكلٍ بارز لأول مرة في السنة نفسها حين ادخِلَت بشكلٍ حاسمٍ في القانون الدوليّ، في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. كان لكتاب مايكل وولتزر Walzer  الحرب العادلة وغير العادلة، المنشور عام 1977، تأثيرٌ واسعٌ في أوساط الفلاسفة وعلماء السياسة، وبين المشرّعين الدوليين والعسكريين الممارسين. من مساهماته الرئيسية كان دفاعه عن المواقف المركزية التقليدية في الدفاع الوطني، التدخّل الانسانيّ، التمايز، والمساواة بين المقاتلين.

تحدّى التعديليون الأوائل رؤية وولتزر حول الدفاع الوطني (Luban 1980a) والتدخّل الانساني (Luban 1980b). ومن ثمّ تبعهم النقد التعديليّ للتمايز والمساواة بين المقاتلين (Holmes 1989; McMahan 1994; Norman 1995). مذّاك، كثُرت الطعون التعديلية لوولتزر (على سبيل المثال، Rodin 2002; McMahan 2004b; McPherson 2004; Arneson 2006; Fabre 2009; McMahan 2009; Fabre 2012. )

في الآن عينه، رحّب العديد من الفلاسفةِ بخلاصات وولتزر، ولكنهم رفضوا حججه. تبعًا لذلك، بحثوا عن أسس أوثق للمواقف التقليدية فيما خصّ الدفاع الوطني (Benbaji 2014; Moore 2014)، التدخّل الانساني (Coady 2002)، التمايز (Rodin 2008b; Dill and Shue 2012; Lazar 2015c)، وبالأخصّ المساواة بين المقاتلين (Zohar 1993; Kutz 2005; Benbaji 2008; Shue 2008; Steinhoff 2008; Emerton and Handfield 2009; Benbaji 2011). سوف نتعمّق لاحقًا في هذه المناقشات. ومع ذلك، سنبدأ ببعض القواعد المنهجية، فالتقليديون والتعديليون يرتكزون غالبًا على مقدّمات منهجية أو مقدّمات من الدرجة الثانية، إلى الحدّ الّذي يعتقد عنده المرء إنّ المسائل من الدرجة الأولى ليست سوى معارك بالوكالة يعملون من خلالها على حلّ خلافاتهم العميقة. (كما سنرى عند لازار و فالنتيني).

 

  1. كيف علينا أن نفكّر بـ أخلاقيات الحرب؟

    • نظرية الحرب العادلة التاريخية مقابل المعاصِرة

بغرضِ الإيجاز، يناقش هذا المدخَل الفلاسفة التحليليين المعاصرين الّذين عملوا على موضوعة الحرب فقط. يمكن توجيه القرّاء صوبَ الأعمال العظيمة لفلاسفة ومفكّرين مؤرّخين مثل غريغ رايخبرغ، بابلو كلمانوفيتز، دانييل شفارتز و روري كوكس، وذلك لاكتساب المزيد من الاستبصارات عن نظرية الحرب العدالة التاريخية (see, in particular, Cox 2016; Kalmanovitz 2016; Reichberg 2016; Schwartz 2016)..

  • المؤسسات والأفعال

تنطوي الفلسفة التحليلية المعاصرة على طريقتين مختلفتين يفكّر من خلالهما الفلاسفة السياسيون والأخلاقيون بالحرب (لازار وفالنتيني لاحقًا). أولاً، المقاربة المؤسساتية، حيث يكون الهدف الأول للفلاسفة أن يحددوا كيف يجب أن تكون المؤسسات التي تنظّم الحرب. على وجه التحديد، علينا هنا أن نصوغ قوانينَ مبررةً أخلاقيًا للحرب، ومن ثمّ أن نُعلِم الأفراد والجماعات أنّ عليهم اتّباع هذه القوانين. في المقاربة الثانية، علينا أن نركّز أولاً على الأسباب الأخلاقية الّتي تنطبق مباشرةً على أفعال الأفراد والجماعات، من دون العامل التوسطّي للمؤسسات. هنا، نعلِم الأفراد والمجموعات أنّ عليهم أن يفعلوا بما تمليه عليهم أسبابهم الأخلاقية. بما أنّ هذه المقاربة لا تركّز على المؤسسات الّتي تدير تفاعلاتنا، بل على هذه التفاعلات بحد ذاتها، فسوف نسمّيها المقاربة “التفاعلية”[vi].

بشكلٍ عام، تبدو المقاربة المؤسساتية مفضّلة لدى الاستتباعيين الضمنيين consequentialists والتعاقديين contractualists. يعتقد الاستتباعيون الضمنيون إنّ هذه المؤسسات مبررة فقط في حال أدّت إلى نتائج أفضل على المدى الطويل أكثر من أي مؤسسة بديلة ناجحة  (see Mavrodes 1975; Dill and Shue 2012; Shue 2013; (Waldron 2016. ويؤمن التعاقديون أنّ هذه المؤسسات تؤسس أو تعكس عقدًا حاليًا أو افتراضيًا بين الدول و/ أو مواطنيها، ما يحدّد شروط تفاعلهم في الحرب.

يميل علماء الواجب اللا-تعاقديون Non-contractualist deontologists والاستتباعيون الصريحون أو استتباعيو الفعل act-consequentialists إلى تفضيل المقاربة التفاعلية. سؤالهم المركزيّ: ما هي الأسباب الأخلاقية الّتي تتّصل بإباحة القتل في الحرب؟ قد ينطوي هذا التركيز على الحرب على قصرِ نظر، فالحرب تولّد عنفًا ودمارًا أكثر مما يفعل القتل وحده. مع ذلك، عادةً ما يكون هذا التركيز مجرّد وسيلة إرشادية؛ وطالما أنّنا غالبًا ما نفكّر بالقتل مفترضين إنّه أكثر أنواع الأذى لاشرعيةً، فمهما كانت الحجج الّتي يقدمها المرء لتبرير القتل، فمن المرجحّ أن تبرّر أيضًا جرائمَ أصغر. وإذا كان القتل الّذي تتسبب به الحرب غبر قابل للتبرير، فعلينا أن نؤيّد السلامية.

يجب على أيّ نظرية معيارية للحرب أن تلحظَ ما يجب على قوانين الحرب أن تكون، و ما يجب علينا أخلاقيًا أن نقوم به. هذان سؤالان متمايزان ولكنهما على نفس القدر من الأهمية، وهما يؤكّدان أهميةَ سؤالٍ ثالثٍ: مثلاً، ماذا يجب أن نفعل، آخذين بالاعتبار كل الأمور، حين يصطدم القانون مع الأخلاقيات؟ مؤخّرًا، ركّزت نظرية الحرب العادلة أنّ على الملاحظة الفلسفية أن تنصبّ على سؤالٍ من السؤالين الأولّين (Buchanan 2006; Shue 2008, 2010; Rodin 2011b )، ولم يجرِ التركيز بما يكفي على السؤال الثالث ( ومع ذلك، راجع : McMahan 2008; Lazar 2012a).

رغم أنّ هذا المدخَل يمسّ السؤال الأول، ولكنه يركّز على الثاني. تتطلّب الإحالة إلى السؤال الأولى بحوثًا تجريبية مفصّلة وتأمّلات سياسية براغماتية، وهذه كلّها خارج اختصاصي هنا. أمّا معالجة السؤال الثالث فتأخذنا عميقًا جدًا إلى دقائق نظرية الحرب العادلة [ما يستوجب] مدخلاً موسوعيًا.

الأكثر من ذلك، حاجةُ المؤسساتيين إلى جوابٍ على السؤال الثاني – وبالتالي بعض التفسير للأخلاقية التفاعلية للحرب. يحتاج التعاقديون إلى وصفِ الجيّد (والسيّء) الّذي يأملون أنّ القوانين المثالية للحرب ستعززه (أو تحجّمه) على المدى الطويل. يعني هذا على سبيل المثال أن نحدّد إذا كان الهدف هو تخفيفِ كل أذى، أو فقط ذلك اللامباح. يبدو المسار الأخير معقولاً بدرجة أكبر، فقوانين الحرب لا تبيح، مثلاً، إبادةً جماعيةً فقط لأنها ستؤدّي إلى التقليل من عدد الأموات بالمجمل. ولكن، ولأجل تحقيق هذا المسار، علينا أن نعرف أيّ الأضرار (فائقة المؤسساتية) تكون غير مشروعة. بالمثل، عادةً ما يعترف التعاقديون بقيودٍ متعددة على القواعد الّتي يمكنها أن تشكّل أساس العقد الشرعيّ، والّتي، أيضًا وأيضًا، لا يمكننا العمل بموجبها من دون التفكير بالأخلاقيات فائقة المؤسساتية للحرب the extra-institutional morality of war (Benbaji 2011).

 

  • سِجالات سائدة في النظرية التحليلية المعاصرة للحرب العادلة

حتّى داخل نظرية الحرب العادلة التفاعلية، تؤكّد خلافات من الدرجة الثانية سِجالات من الدرجة الأولى. أولاً: حين نفكّر بأخلاقيات الحرب، أيّ نوع من القضايا علينا أن نستخدم لنفحص حدوسنا ومبادئنا؟ بمقدورنا أن نبدأ بالتفكير بالحروب الراهنية والسيناريوهات الواقعية للحروب، منتبهين للقضايا الدولية والتاريخ العسكري. أو، بشكلٍ سريريّ [تشريحيّ]، بإمكاننا أن نبنيَ قضايا افتراضية لكي نعزل المتغيّرات ونفحص أثرها على بديهياتنا.

استند بعضُ التعديليين بشكلٍ كبير على حالات جدًا مصطنعة (e.g., McMahan 1994; Rodin 2002). وقد انتقد عملهم التقليديون الّذين يستعينون، بشكلٍ عام، بأمثلة مزوّدة بمعارف تجريبية أكثر (Walzer 2006). ولكنّ وجهة نظر المرء بخصوص الأسئلة الجوهرية محطَّ الخلاف بين التقليديين والتعديليين لا تحتاج إلى تحديدٍ مسبقٍ من خلال المنهجية الّتي يستخدمها. يمكن للتعديليين أن يتنبهوا للصراعات الراهنة (e.g., Fabre 2012) ، وبامكان التقليديين استخدام فرضيات مصطنعة (e.g., Emerton and Handfield 2009; Lazar 2013).

يتلافى التجريد السجالاتِ الّتي لا تساعدنا بخصوص التفاصيل التاريخية، كما يقلّل من التحيّز، لأنّنا نميل إلى رؤية الصراعات الحالية وفق ولاءاتنا السياسية. ولكن للتجريد عيوبه، وعلينا أن نكون أقلّ ثقة بحدوسنا بشكل يتناسب مع غياب الحالة موضع الاختبار عن تجربتنا الحيّة. سيناريوهات الفلاسفة عن التحكّم الذهنيّ، المشاة المسلحين، المركبات، الأجرام والتسلسل السببيّ فائق التعقيد تبدو تمارين خيالية محضة. كيف بمقدورنا أن نثق بأحكامنا حول حالاتٍ كهذه أكثر من ثقتنا بما نراه في الواقع من سيناريوهات حقيقية؟ زد على ذلك، قد لا يكون التخلّي عن التجربة المفجعة للحرب لصالح حالاتٍ افتراضية خالية من الشوائب فاسدًا على المستوي الابستيمولوجيّ فحسب، بل أيضًا يكون مهينًا لضحايا الحرب. أخيرًا، غالبًا ما تهمِل الأمثلة “النظيفة” التفاصيلَ الأخلاقية ذات الصلة، كالافتراض مثلاً أن الكلّ يمتلك المعلومات المتّصلة بخياراته بدلاً من الاعتراف بـ”غشاوة الحرب”، وألاّ نراعي الخوف أو الصدمة.

تحتفظ الافتراضات المصطنَعة بموقعها، ولكن يجب اختبار الإستنتاجات الّتي تسندها أمام الواقع المبلبِل للحرب. علاوة على ذلك، على أحكامنا الحدْسية أن تكون نقطة انطلاق التقصّي وليس نهايته.

ترتبط القِسمة الثانية بالأولى. يعتقد الاختزاليون Reductivists   بإلزامية تبرير القتل في الحرب وفقًا لذات الخصائص الّتي تبرر القتل خارجها. ويعتقد اللا-اختزاليون، وأحيانًا يُسمّون بـ المستثنِين exceptionalists أنّ بعض الخصائص تبرّر القتل في الحرب ولكنها لا تبرر القتل خارجها[vii] . كما يعتقد معظمهم أنّ سماتٍ محددة للقتل في الحرب تجعل منه مختلفًا أخلاقيًا عن القتل في الحياة العادية، مثلاً حجم الصراع، عدم التقيّد الواسع والصارخ  بالقيَم الأخلاقية الأساسية، المصالح السياسية على المحكّ، الحيرة الشديدة، ووجود قانون للصراع المسلّح، أو واقع كون الأطراف المنخرطة في الصراع مجموعاتٍ منظمة. بالمقابل، يمكن لاختزاليٍّ نموذجيّ أن يوافق على أنّ الحروب المبررة ليست سوى تركمات من أفعال الدفاع عن النفس أو عن الآخر المبررة (see Rodin 2002; McMahan 2004a).

غالبًا ما يميل الاختزاليون إلى استخدام حالات افتراضية بعيدة الاحتمال، لأنّهم يعتقدون ألاّ شيء مميّزًا بخصوص العمل الحربي. العكس هو الصحيح لدى المستثنِيين. تعتمد انتقادات وولتزر الأولى على المنطلقات الاختزالية لتقويض مبادىء الدفاع الوطني (Luban 1980a; Rodin 2002)، التمايز (Holmes 1989; McMahan 1994) والمساواة بين المقاتلين (Holmes 1989; McMahan 1994). يردّ العديد من التقليديين برفض الاختزالية، محاججين بوجود ما هو مميّز بخصوص الحرب والّذي يبرر شكلاً متفاوتًا من الأحكام الّتي تناسب الأنواع الأخرى من الصراعات ((Zohar 1993; Kutz 2005; Benbaji 2008; Dill and Shue 2012. مرةً أخرى، يعارض بعض الفلاسفة هذه الميول المسيطرة ( بخصوص الحجج التقليدية الاختزالية، راجع : Emerton and Handfield 2009; Lazar 2015c، وتلك التعديلية غير الاختزالية، راجع: Ryan 2016).

يبدو النقاش بين الاختزاليين والمستثنِيين مضخَّمًا؛ فمفهوم “الحرب” ملتبسٌ، وبينما تتضمن الحروب القياسية typical خصائصَ لا تندرج في النزاعاتِ القياسية خارج الحرب، يمكننا أيضًا التوصّل إلى افتراضات بعيدة الاحتمال لا تتضمّن تلك الخصائص، ويمكننا أن نسمّيها “حروبًا”. ولكن هذا ما يحجب خلافًا منهجيًا أعمقَ: حين نفكّر بأخلاقيات الحرب، هل علينا أن نبدأ التفكير بالحرب، أو بالاستعمال المتاح للقوّة خارج الحرب؟ هل علينا أن نمنذج القتل المبرر في الحرب على منوال القتل المبرر خارج الحرب؟ أو، حين نركّز على تبرير القتل في الحرب، هل يمكن لنا أن نكتشف وجود بعض الحالات غير المعيارية لقتلٍ مسموحٍ به خارج الحرب؟ وجهة نظري الخاصّة أن التفكير بالقتل المبرّر خارج الحرب له موقعه الخاص، ولكن يجب استكماله بالتفكير بالحرب بشكلٍ مباشر.

تاليًا، بإمكاننا أن نميّز بين الفردانيين والجماعيين، كما يمكننا أن نفرّعهم أكثر إلى فئات تقييمية evaluative  و وصفية descriptive . يعتقد الفردانيون التقييميون أنّ الدلالة الأخلاقية للجماعة تُتخزل كلّها إلى مساهمتها برخاء الأفراد الّذين يشكلّونها. ويعتقد الجماعيون التقييميون أنّ الجماعات بامكانها أن تكون ذات شأن بشكلٍ مستقلٍ عمّا تساهم به من رخاءٍ للفرد. يرى الفردانيون الوصفيون إنّ أيّ فعلٍ يمكن أن يظهر كأنه جماعيّ يُختزَل إلى مكوّناتِ أفعال قام بها الأفراد، وينكر الجماعيون الوصفيون هذه الفكرة، معتبرين أنّه لا يمكن اختزال بعض الأفعال جماعية[viii] .

مرةً أخرى، يتضمن ديالكتيك النظرية المعاصرة للحرب العادلة التعديليين الّذين يجادلون أولاً أنّنا لا نستطيع تسويغ المواقف التقليدية على أرضية وصفية أو تقييمة فردية، كما يتضمن بعض التقليديين الّذين يردّون بالمقابل ويرفضون الفردانية الوصفية (Kutz 2005; Walzer 2006; Lazar 2012b) و التقييمية (Zohar 1993). وكذلك هناك الخوارج outliers، أي الفردانيون التقليديون ((e.g., Emerton and Handfield 2009 والجماعيون التعديليون (e.g., Bazargan 2013).

على خلاف الانقسام بين الاختزاليين والمستَثنيين، فإنّ الصدع بين الفردانيين والجماعيين لا يمكن أن يُربأ بالتفكير بأخلاقيات الحرب بمفردها. تشكّل الحرب حالة اختبارٍ ناجعة لنظريات الفعل الجماعيّ وقيمة الجماعات، ولكن ليس أكثر من ذلك. ليست الحدوس حول الحرب بديلاً عن نظرية الفعل الجماعيّ. وربّما تكون لبعض الجماعات قيمة تتجاوز مساهمتها رفاهية أعضائها. على سبيل المثال، بإمكانها أن تجسّد العدالة، أو التضامن، أي ما يمكنه أن يكون ذات قيمة غير شخصية (Temkin 1993). ومع ذلك، من المشكوك فيه أن تملك الجماعات مصالح مستقلّة عن رفاهية أعضائها. على الجهة الوصفية، حتّى لو أمكننا اختزال الأفعال الجماعية إلى تلك الّتي يقوم بها الأعضاء، فإنّ ذلك سيتضمن على الأرجح تشويهات معقّدة ما يدفعنا لنتسأل جدّيًا عمّا إذا كان الأمر يستحق القيام بذلك(Lazar 2012b)  .

 

  • تفريع الموضوع

تقليديًا، يقسّم منظّرو الحرب العادلة بحثهم إلى تفكّرٍ بالالتجاء إلى الحرب – الحقّ باللجوء إلى الحرب – والسلوك في الحرب – قانون الحرب. في الآونة الأخيرة، أضفوا أهميةً على الفعل المباح ما بعد الحرب أو jus post bellum (قانون ما بعد الحرب). يقترحُ آخرون تركيزًا مستقلاً حول الخروج من الحرب، ما سمّوه غالبًا jus ex bello  (قانون الخروج من الحرب) و jus terminatio  (قانون الانهاء) (Moellendorf 2008; Rodin 2008a). بالرغم من التباسها المؤسف، تخدم هذه المصطلحاتِ اللاتينية كاختصارات مفيدة. حين نشير إلى عدالة الحرب، فإننا نعني تقييم إباحة الحرب ككلّ، وهذا بيّنٌ بشكلٍ خاصّ حين نقرّر شنّ حرب. ولكنّه مهمّ أيضًا لقرار الاستمرار بالقتال. هكذا، يتواءم قانون الخروج إلى الحرب مع حقّ اللجوء إلى الحرب. يؤشّر قانون الحرب إلى إباحة أفعال محدَّدة تؤلّف الحرب، عدا الحرب ككلّ.

 

  • الدور الحاسم للضرورة والتناسبية

تفسّر النظرية التقليدية للحرب العادلة حقّ اللجوء إلى الحرب وقانون الحرب كمجموعتين من المبادئ، مكتفية بما هو ضروري وكافٍ لإباحة الحرب. يتضمن حقّ اللجوء إلى الحرب المبادىءَ الستّة التالية:

  • القضية العادلة: الحرب هي محاولة لتلافي هلاكٍ متحقق.

  • الصلاحية الشرعية: الحرب يخوضها كيانٌ له صلاحية خوض حروب كهذه.

  • القصد الصائب: يقصد الكيانُ تحقيق القضية العادلة بدلاً من استخدامها كوسيلة للوصول إلى غايات غير عادلة.

  • آفاق معقولة للنجاح: من المرجّح بشكلٍ كافٍ أن تحقق الحرب أهدافها.

  • التناسبية: تفوق الخيور [جمع خير] الأخلاقية الّتي تحققها الحرب الشرور الأخلاقية الّتي ستتسبب بها.

  • الملاذ الأخير (الضرورة): ألاّ يوجد طريق أقلّ ضررًا لتحقيق القضية العادلة.

عادةً ما يتضمن قانون الحرب ما يلي:

  • التمايز: على المقاتلين أن يفرّقوا دائمًا بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وأن يهاجموا عمدًا الأهداف العسكرية.

  • التناسبية: يجب أن تتناسب الأضرار المتوقّعة ولكن غير المقصودة مع المكسب العسكريّ المحقَق.

  • الضرورة: يجب استخدام أقلّ الوسائل الميسّرة ضررًا.

كلّ ما سبق تعداده يهمّ أخلاقيات الحرب، وسوف نتكلّم عنها لاحقًا. مع ذلك، ليس من المفيد أن نراه كقائمة مرجعية للشروط الضرورية والكافية. حين تُفهَم بشكلٍ صحيح، تكون التناسبية والضرورة فقط (تحت ستار الملاذ الأخير في حقّ اللجوء إلى الحرب) الشروط اللازمة لكي تكون حربٌ ما، أو أيّ أفعال في الحرب، مباحة، لأنّه وبغضّ النظر عن فشل معايير قانون الحرب الأخرى (مثلاً) ستبقى هذه الأخيرة مباحة لأنها ستكون أقلّ البدائل فظاعة، وبالتالي ستستجيب لمحددات الضرورة والتناسبية.

من أجل استيعابٍ متبصّر للضرورة والتناسبية، خذ مثلاً أنّ أحدهم يهدد حياتي، فسيكون قتله متناسبًا؛ ولكن لو أمكنني منعه بضربه، فسيكون قتلي له غير ضروريّ، وبالتالي غير مباح. لمحددات الضرورة والتناسبية الجذور نفسها: مع بعض الاستثناءات (ربّما حين يكون الأمر مستحقًا)، يبدو الأذى سيئًا. فالأذى (وفي الواقع، كل الشرور) الّذي نتسبب به يجب أن يكون مبرَرًا ببعضِ الأسباب الايجابية الّتي تدعمه – مثل تحقيق الخير أو تجنّب الشرّ (Lazar 2012a). تنطوي كلا الضرورة والتناسبية على مقارنة بين السيّئات الّتي يتسبب بها فعلٌ ما مع الخير الّذي يحققه هذا الفعل، وتختلفان فقط في أنواع الخيارات الّتي تقارنان بينها.

يكون استعمال القوّة متناسبًا حين يوازن الضرر الحاصلً الخيرَ المتحقق عند تفادي التهديد. لتحديد هذا الأمر، عادةً ما نقارن بين المسار المرشَّح للفعل مع ما كان يمكنه أن يحصل لو سمحنا للتهديد بأن يحدث.

بالطبع، وفي أغلب الحالات، سيكون لدينا أكثر من وسيلة لتفادي التهديد أو لتحجيمه. وسيكون الخيار المؤذيّ مباحًا فقط إذا كان كلّ الضرر الّذي ينطوي عليه مبرَرًا من خلال الخير الموازي الّذي تحقق. إذا كانت بعض البدائل تجعلنا نتفادى التهديد بنجاح، ولكنّها تتسبب بالقليل من الضرر، إذًا سيكون الخيار الأكثر ضررًا غير مباح، لأنّه سيتضمنّ ضررًا غير ضروريّ.

عندما يكون هدف الخيار خ أن يتفادى التهديد ت، فإننا نحدّد ضرورة خ بمقارنته مع كل الخيارات الّتي ستتجنّب ت أو ستقلّل من آثاره. ونحدّدُ تناسبيته بمقارنته مع الضرر الناجم إذا تحقق ت. إنّ الفرق الوحيد من محددات التناسبية والضرورة هو أن الأولى تنطوي على مقارنة الفعل مع سيناريو محدّد مضاد للحقيقة counterfactual، حيث لا نقوم بفعلٍ ما كي نتجنّب التهديد. بالمقابل، تنطوي الحالة الثانية على مقارنة الفعل مع كل الخيارات المتاحة الّتي تتضمن بعض احتمالات تتجنّب أو تخفّف من التهديد. من وجهة نظري، علينا ببساطة أن نفسح المجال ليمكننا مقارنة محدّدات الضرورة مع كل الخيارات المتاحة بلا استثناء، وهكذا سيمكن للتناسبية أن تنطوي، بالجوهر، على مقارنة لكلّ خيارٍ مع البديل المتمثّل في عدم القيام بأي شيء، بينما سيمكن للضرورة أن تنطوي على مقارنة لكلّ الخيارات (بما فيها خيار ألاّ نفعل شيئًا) من ناحية توازناتها النسبية بين الحسنات والسيّئات. وفقًا لهذه المقاربة، سيكون ممكنًا للضرورة أن تحتوي التناسبية. ولكن، هذه مسألة تقنية ذات مردود جوهري ضئيل.

ما هو جوهريّ أكثر أنّ أحكام الضرورة والتنسابية تتعلّق بالعواقب، ومع ذلك، فهما تحصلان قبليًا قبل أن نعرف ماذا ستكون نتائج أفعالنا. لهذا السبب، يجب تعديلهما من أجل مراعاة عدم اليقين هذا. أفضل الحلول الواضحة هو، ببساطة، الإشارة إلى التهديدات المتوقعة والأضرار المتوقعة، حيث الضرر المتوقع للخيار خ هو متوسط الاحتمال المرجّح للأضرار الّتي ستنتج إذا اخترنا خ، وإنّ التهديد المتوقع هو متوسط الاحتمال المرجّح لعواقب ألاّ نفعل شيئًا لمنع التهديد، ونحنُ نفسح بالمجال لاحتمال ألاّ يحصل التهديد أبدًا (Lazar 2012b). سيكون علينا أيضًا أن نأخذ بالاعتبار احتمالية خيارات تجنّب التهديد. هذه الخطوة البسيطة تحجب عددًا من القضايا المهمّة ومخفّضة التنظير undertheorised الّتي ليس بمقدورنا مناقشتها هنا. أمّا حاليًا، علينا فقط أن ننتبه إلى أنّ على التناسبية والضرورة أن تقترنا على نحو مناسب بانعدام اليقين عند الفاعل.

تتضمن أحكام الضرورة والتناسبية قياسَ حجم الأضرار الواقعة والتهديدات الّتي تمّ تلافيها، وبواقع الأمر، كلَّ الحسنات والسيّئات. أبسط طريقة للمضي قدمًا يمكن أن تقوم على جمع الأضرار المرتكبة بحق الأفراد من كلَ طرفٍ، وأن نسمّيَ الفعل متناسبًا فقط في حال تفادى ضررًا أكثر ممّا سبّب، وضروريًا فقط في حال غياب أي بدائل تنطوي على أضرارٍ أقل. ولكن، يعتقد قليل من علماء الواجب، وفي الحقيقة قلة من اللا-فلاسفة، بهذه الطريقة البدائية للجمع. عوضًا عن ذلك، علينا أن نقيس حجم الأضرار وفقًا لعوامل مثل ما إذا كان الفاعل مسؤولاً بشكلٍ مباشر عنها (أي الاضرار)، أو إذا كانت هذه الأخيرة مقصودة أو متوقّعة فقط[ix] . ويعتقد الكثيرون أيضًا أن بمقدورنا، وربّما علينا، أن نوليَ اهتمامًا أكبر لمشاوراتنا مع أحبابنا (مثلاً) أكثر ممّا يمكن أن نعطيه لهؤلاء الّذين يرتبطون بنا فقط من خلال الأواصر البشرية المشتركة (Hurka 2007; Lazar 2013; for criticism, see Lefkowitz 2009). على نفس المنوال، ربّما نقدّم تبريرنا أولاً للدفاع عن سيادة بلدنا وسلامة أراضيه، حتّى حين لا نكون بذلك أفضل المنصفين[x] . فقط حين تؤخذ هذه العوامل وتلك الشروط الأخرى (الّتي سنناقش معظمها لاحقًا) بالاعتبار يمكننا أن نضع خلاصات دفاعية حول أيّ الخيارات تكون ضرورية ومتناسبة.

تساهم العناصر الأخرى من أخلاقيات الحرب في تقييم التناسبية والضرورة، في طريقة واحدة من بين الطرق الثلاث (أو الأكثر) التالية: تحديدها الأسباب الإيجابية لصالح القتال، استبعادها الأسباب السلبية ضد القتال، أو أن تكون نقاط انطلاق لمسار الأحكام حول الضرورة والتناسبية.

نظرًا لفداحة قرار خوض الحرب، يمكن للقليل فقط من التهديدات الجدّية أن تمنحنا مسوّغًا عادلاً للقتال. وهكذا، إذا توفّرت القضية العادلة، يمكننا أن نقيس الأسباب الإيجابية للقتال، والافتقار للقضية العادلة هذه لا يزيد بذاته من سوء القتال، ولكنه يجعل ممّن قُتِل خلال السعي لتحقيق أهداف الحرب أقل استحقاقية liable للموت (المزيد عن ذلك لاحقًا وأيضًا   McMahan 2005)، ما يجعل تبرير القتل أكثر صعوبة بكثير. حتّى لو كان توفّر قضية عادلة لا يمكن اعتباره، على وجهِ التحديد، شرطًا لتصبحَ الحرب مباحة، ولكنَ غياب هذه القضية يجعل من الصعب على الحرب أن تحقّق التناسبية.

إذا توفّرت السلطة الشرعية فسيُحسَب توفرّها سببًا إيجابيًا إضافيًا لصالح القتال (راجع لاحقًا). وإن لم تتوفّر، فإنّ ذلك يضيف سببًا إضافيًا ضد القتال، ما يستوجب تخطّي هذا السبب لكي يصبح القتال متناسبًا.

يشكّل معيار “الاحتمالات المعقولة للنجاح” عقبةً يمكن التغلّب عليها في الطريق نحو التناسبية. إجمالاً، حين تفتقر حربٌ ما إلى احتمالات معقولة للنجاح فستكون غير متناسبة، طالما أنّ الحروب تنطوي دائمًا على ما يتسبب بالأضرار البالغة، وإذا كان من المحتمل أن تكون هذه الأضرار بلا جدوى، فمن غير المتوقع أن يتم تبريرها. ولكن بالطبع، وفي بعض الأحيان، يكون احتمال انتصار أحدهم ضئيلاً، ومع ذلك يبقى القتال أفضل الخيارات المتاحة، وبالتالي ضروريًا ومتناسبًا. يكون التوفّر على احتمالات معقولة للنجاح هامًّا فقط للأسباب نفسها الّتي تتصّل بالضرورة والتناسبية. إذا تم استيفاء الضرورة والتناسبية تصبح قاعدة الاحتمالات المعقولة للنجاح غير ذات صلة.

القصدُ الصائب هو أيضًا قد يكون غير ذي صلة، ولكن وبقدر ما يهمّ فإنّ غيابه قد يكون سببًا ضد القتال؛ وإنّ امتلاك القصد الصائب لا يمنح سببًا ايجابيًا للقتال.

أخيرًا، يعَدّ التمايز حاسمًا لأجل تكريس التناسبية والضرورة، لأنّه يخبرنا كيف نقيس الحيوات الّتي تُزهَق في الحرب.

 

  1. حقّ اللجوء إلى الحرب

    • القضية العادلة

تدمّر الحروب الحيواتِ والبيئات. في السنوات الثماني الّتي أعقبت غزو العراق سنة 2003، نصف مليون وفاة كانت، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بسبب الحرب (Hagopian et al. 2013). بلغ عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية أكثر من ستين مليون، أي ما يقارب 3 بالمائة من عدد سكّان العالم. الأثمان البيئية للحرب أقلّ رواجًا في الأبحاث، ولكنّها أيضًا مهولة بشكلٍ فاضح (Austin and Bruch 2000). تستهلك القوات المسلحة الفيول بكميات ضخمة جدًا: من سنة 2000 حتى 2013، استحوذت وزارة الدفاع الأميركية على ما يقارب 80% من استهلاك الحكومة الفدرالية للطاقة، بين 0.75 و 1 كوادرليون [1024 أو مليون ترليون] وحدة حرارية بريطانية [كلّ وحدة تساوي تقريبًا 1055 جول Joule] في السنة، أي أقلّ بقليل من مجموع الطاقة المستخدمة تلك السنة في الدانمارك وبلغاريا، وأكثر بقليل من سلوفاكيا وصربيا  (Energy Information Administration 2015a,b).كذلك، تدمّر الحروب، مواربةً أو مباشرةً، الموائل والموارد الطبيعية، مثل ما حصل من تسرّب نفطي في حرب الخليج مثلاً (El-Baz and Makharita 1994) . بالنسبة لكوكبنا وسكّانه، تُعدّ الحروب أسوأ ما يمكن القيام به.

قد تكون الحرب ضرورية ومتناسبة فقط إذا كانت تخدم غايةً تستحق كل هذا الموت والدمار. من هنا أهمية التوفرّ على قضية عادلة، ومن هنا أيضًا الاعتقاد الشائع أن القضايا العادلة قليلة ومتباعدة. بالفعل، تعترف النظرية التقليدية للحرب العادلة بنوعين فقط من تبريرات الحرب: الدفاع الوطني (عن دولة المرء الخاصّة أو دولة حليفة) والتدخّل الانساني. وأكثر، فالتدخّل الانساني يكون مباحًا فقط من أجل تفادي أخطر المآسي – “الجرائم الّتي تهزّ الضمير الأخلاقي للبشرية” (Walzer 2006: 107)  .

يجادلُ وولتزر أنّ مطلب الدولة للسيادة وسلامة الأراضي يتأسّس على الحقوق الإنسانية لمواطنيها، وفق ثلاثة طرقٍ: أولاً، تضمنُ الدول الأمن الفرديّ، فلحقوق الحياة والحرية قيمة “فقط إذا امتلكت هذه الحقوق أبعادًا تتأتّى عن حدود الدولِ (Walzer 2006: 58) لأن “داخل هذا العالم، يكون الرجال والنساء في مأمنٍ من أيّ هجومٍ، ومتى ما تمّ تجاوز الحدود يختفي الأمان” (Walzer 2006: 57). ثانيًا، تحمي الدولة الحياة المشتركة الّتي صنعها مواطنوها عبر قرون من التفاعل. وإذ يتمّ تقييم الحياة المشتركة لجماعة سياسية من قبل مواطنيها، فتستحق عندئذٍ القتال من أجلها. ثالثًا، لقد شكّلت الدولُ أيضًا ارتباطات سياسية، وعقدًا اجتماعيًا عضويًا، حيث مرّرَ الأفراد، مع الوقت وبطرقٍ غير رسمية، خصائصَ تحررهم إلى الجماعة، من أجل تأمين أكبر قدر من الحرية للجميع. لحججِ الدفاع الوطني هذه حدّان: فهي تساعد في تفسير لماذا تكون حروب الدفاع الوطني مباحة، ولكنّها تجعل من تبرير التدخّل الانساني أصعب. يمكن بسهولة أن ننتهيَ إلى حربٍ للدفاع عن بلدنا الخاص أو عن بلدٍ حليفٍ من دون التسبّب بأضرار طويلة الأمد على السيادة السياسية أو سلامة الأرض لأيّ من الأطراف المتنافسة. وفي رؤية وولتزر، فإنّ التدخّل الانسانيّ، حيث يتمّ الدفاع عن شعبٍ ما ضد دولته الخاصّة، ينتهكُ، بالضرورة، السيادة السياسية وسلامة الأراضي. ما يعني أن التدخّل هذا يحتاج إلى عناء أكبر من التبرير.

تلقّت مواقف وولتزر التقليدية حول الدفاع الوطنيّ والتدخّل الانسانيّ نقدًا قاسيًا. فقد تحدّى المشكّكون الأوائل (Doppelt 1978; Beitz 1980; Luban 1980a) استنجاد وولتزر بقيمة الحرية الجماعية، معتبرين إنّ في جماعات سياسية مختلفة قد تكون حرية الغالبية بمثابة اضطهادٍ للأقلية (see also Caney 2006). فهل يمكننا، في الدول الحديثة، أن نتحدّث عن حياة مشتركة واحدة؟ حتّى لو أمكننا ذلك، فهل تهدد الحروب هذه الحياة بالفعل، إلى جانب الحالات المتطرفة؟ وحتّى لو تهددت حياتنا المشتركة وثقافتنا أيضًا، فهل يبرر الدفاع عنها قتلَ أبرياء؟

كما أدانت الانتقادات استنجاد وولتزر بالحقوق الفردية (see especially Wasserstrom 1978; Luban 1980b). فقد شككت في لجوئه المعياريّ لمجازه عن العقد الاجتماعيّ العضويّ (فإذا كان العقود الافتراضية مجرّد حبرٍ على ورق، فما بال العقود المجازية؟). لقد تحدّت هذه الانتقادات ادّعاءه بأنّ الدول تكفل الأمان الفردي: فمن الواضح جدًا، أنّه حين يكون التدخّل الانسانيّ مستحقًا، تصبح الدولة، وبشكلٍ نموذجيّ، أكبرَ تهديدٍ لأعضائها.

بصورةٍ أوضح، دفع ديفيد رودن (2002) النقد الاختزاليّ لولتزر قدمًا، مبيّنًاُ أنّ محاولة الأخير تأسيس دفاع الدولة على أرضية الحقوق الدفاعية للأفراد قد تبوء بالفشل. وقد أضاف رودن مقولة “الاعتراض السلميّ على الاجتياح” إلى حجته حول حقوق الدفاع الوطنيّ. فلنفترض هجومًا عسكريًا من دون وجهِ حقّ بإمكانه أن يحقق أهدافه من دون التسبب بخسارةِ حياةٍ واحدة طالما أنّ الدولة الضحية لا تقاوم (يوافق غزو أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003 هذا الوصف، وربّما أيضًا في حالة التوسّع الروسي الإقليميّ). إذا كان الحق في الدفاع الوطنيّ مؤسَّسًا على حقوق “أعضاء” الدولة في الحماية، فإنّه في هذه الحالة لن يكون هناك حقٌّ للدفاع الوطنيّ، لأنّ حياة هؤلاء الأعضاء تصبح تحت التهديد فقط حين تقوم الدولة المغزوَّة بالمقاومة. بكل الأحوال، غالبًا ما نعتقد أنّ من المباح أن نقاتل ضد الغزو وتغيير النظام.

من خلال الحطّ من قيمة السيادة، أفسح التعديليون المجالَ أمام التدخّل العسكريّ في الدول الأخرى. غالبًا ما كانت هذه الحجج مرتبطةً بشكلٍ مباشر: فالبعض يعتقد إنّه في حال لم تستطع الدول حماية أمن أفرادها، فستكون مفقترة إلى أيّ حقٍّ بالسيادة قد يطيح بها تدخّل عسكريّ ما (Shue 1997)[xi]. يحاجُّ كاني Caney (2005) بإباحة التدخلّ العسكري عندما يخدم الحقوق الانسانية الفردية أكثر من عدم التدخل. ويستحسن آخرون ما يسمّى ” حروب إعادة التوزيع”، وهي القتال تحت راية فقراء العالم من أجل دفع الدول الغنيّة إلى الاهتمام بالانتهاكات الواسعة للحقوق الأساسية للبشر، وهي الانتهاكات الّتي تسببت بها السياسات الاقتصادية لهذه الدول (Luban 1980b; Fabre 2012; Lippert-Rasmussen 2013; Øverland 2013).

كذلك، لم يقتنع فلاسفة آخرون بحججِ وولتزر، رغم أنّهم، فعليًا، رفضوا أيَّ مأخذٍ تعديليّ على القضية العادلة. إن كان دفاع الفرد عن نفسه انطلاقًا من حقّ اللجوء إلى الحرب لا يمكنه تبرير الدفاع القاتل ضد “أصغر أشكال الهجوم”، فيمكننا إذًا أن نحذو حذوَ رودين (2014)، وندافع عن نتائج تعديليّة راديكالية في ما خصّ القضية العادلة، أو بالمقابل، يمكننا أن نرفض مقاربة دفاع الفرد عن نفسه لكي نبرّر القتل في الحرب (Emerton and Handfield 2014; Lazar 2014).

يعتقدُ البعضُ بإمكانية حلّ “مشكلة أصغر أشكال الهجوم” بإظهار أهمية الردع، وكذلك باستحالة التأكّد أنّ الهجوم سيكون غير دمويّ (Fabre 2014). يعتقدُ آخرون أنّ علينا أن نأخذ بالحسبان مصلحةِ الشعب في الحصول على حكومة منتخَبة ديمقراطيًا، أو على الأقل محلّية، لتبرير الدفاع الوطنيّ. في روايةٍ رائجة، ورغم أنّه لا يجوز لأيٍّ فردٍ كان أن يقتلَ دفاعًا عن “مصالحه السياسية” الخاصّة، ولكن حين تتهدّد حياة عددٍ كافٍ من الناس، فإنّ مصالحهم المتشابكة تبررّ انخراطهم في الحرب (Hurka 2007; Frowe 2014). وعلى عكس المتوقّع، يعني ما سبق إنّه كلما زاد سكّان دولةٍ، وكانت الأمور الأخرى متساوية، سيكون لديها المزيد من الحقوق في الدفاع الوطنيّ. ومع ذلك، ربّما كان للدول حقّ جماعيّ بالدفاع الوطنيّ، ما يتطلّب عددًا كافيًا فقط من الأفراد لديهم مصالح سياسية ذات صلة – وأيّ زيادةٍ على العتبة العددية المطلوبة هو أخلاقيًا في غير موضعه. يفكّر العديد في حقّ تقرير المصير الوطني وفق نفس الطريقة: يجب على سكّان الجماعة الّتي تنادي بالاستقلال أن تكون كبيرةً بما يكفي قبل أن تؤخذ مطالبها على محمل الجدّ، ولكن قليلًا ما تهمّ الفروقات بعد تجاوز العتبة المطلوبة  (Margalit and Raz 1990).

يمكن للمأخذ التعديليّ على التدخلّ الانسانيّ أن يولّد أيضًا بعض النتائج المربكة. إذا كانت السيادة وسلامة الأراضي قليلتيْ الأهمية، أفلا يجب علينا أن نستخدم القوة العسكرية أحيانًا كثيرة؟ كما قال كوتز (2014) محاججًا، فإنّ وجهات النظر التعديلية حول الدفاع الوطني قد تبيح نوعًا من المغامراتية العسكرية كتلك الّتي انتهت بشكلٍ سيّء جدًا في العراق، حيث لم تعر الدول اعتبارًا كبيرًا للسيادة حين شاركت في تلك الحرب كي تُصلح المؤسسات السياسية المحلية لخصومها.

بمقدورنا أن نتجاوز هذا الإرباك بطريقٍ من اثنين: أولاً، أن نتذكّر ندرة نجاح أيّ تدخّل عسكريّ. وطالما أنّه لا يفشل فقط بل يزيد الأمور سوءًا أيضًا، علينا أن نلجأ إليه فقط حين تكون الجرائم المستمرة فظيعةً لدرجة أن نخاطر بأيّ شيء من أجل محاولة ايقافها. ثانيًا، ربّما كانت المصالح السياسية التي يرتكز عليها حقَ الدول بالدفاع الوطنيّ لا تنحصر ببساطة في انتمائها إلى النموذج اللّيبرالي الديمقراطيّ، بل أن يحكمها، على نطاق واسعٍ، أعضاؤها الوطنيون، أو ربّما أن تسيّرها مصلحتها في الحكم الذاتي الجماعيّ. قد يعيدنا ذلك إلى “رومانسية الدولة –الأمة” عند وولتزر، ولكن من الواضح أن الشعوب تهتمّ بأمور كهذه.  طالما أنّنا نريد أن نحصر حقوق الدفاع الوطنيّ باللّيبراليات الديمقراطية فقط (ونعرف أنّ القليل منها موجودٌ حول العالم)، فعلينا بالتالي أن نعترف بأنّ مصالحنا السياسية ليست كلّها ليبرالية ديمقراطية حصرًا.

ما هي حروب إعادة التوزيع redistributive war  ؟ غالبًا ما ميّزت حججٌ عديدة ، وببراعةٍ، بين القضية العادلة والشروط الأخرى لحقّ اللجوء إلى الحرب (Fabre 2012). حتّى حين تستخدمها الدول القومية ضد خصومها الضعفاء، نادرًا ما تشكّل القوة العسكرية نصرًا أخلاقيًا. فهي تميل إلى التسبّب بمشاكل إضافية أكثر ممّا تحلّ منها. ومن الواضح أنَ حروب إعادة التوزيع، بما هي الكفاح العالمي للفقراء ضد الأغنياء، ستفشل في تحقيق غاياتها، وفعليًا قد تزيد جذريًا معاناة هؤلاء الّذين تحاول الدفاع عنهم. هكذا، قد تكون هذه الحروب غير متكافئة، ولا تلبّي شرط الضرورة. بالمبدأ، فالفكرة النظرية ومفادها إنّ الدفاع الوطني والتدخّل الانساني لا يمكنهما وحدهما إعطاء قضايا عادلة للحروب، تبدو مفهومة. ولكنّ هذا المثل يبدو في الممارسة غير ذات صلة (للإطّلاع عن نقدٍ عميق لحروب إعادة التوزيع، راجع Benbaji 2014 ).

ومع ذلك، نظرًا للمسار المحتمل للتغيّر المناخيّ، قد يشهد المستقبل حروبًا على الموارد. وعندما تجد الدول القومية نفسها تفتقرُ إلى موارد حيويّة تحتفظُ دولٌ أخرى بها، فقد نرى أنَ الهجوم العسكريّ سيكون أفضل الوسائل المتوفّرة من أجل تأمين هذه الموارد وإنقاذ الأرواح. ربّما في ظروفٍ كهذه قد تصبح الحروب على الموارد خيارًا واقعيًا.

  • السلام العادل

تمتدّ المنافع والأضرار المتّصلة بالتناسبية والضرورة إلى ما هو أبعد من الهدنة. وهذا ما يبدو بديهيًا ولكنّه نال مؤخّرًا توكيدًا بدا ضروريًا بين الفلاسفةِ وفي النقاش العام الأوسع الّذي أشعلته صراعات العراق وأفغانستان (Bass 2004; Coady 2008; May 2012). إن تحقيق القضية العادلة لا يبدو كافيًا، فالعواقب الّتي تلي الحرب يجب أن تكون مقبولة إذا كان على الحرب أن تكون متناسبة، مع مراعاة كافة الأمور الأخرى. وإنّه لسؤالٍ مفتوحٍ حول المدى الّذي يجب ننظر إليه في المستقبل لأجل تقييم النتائج الأخلاقية للصراع ذات الصلة.

 

  • السلطة الشرعية

تاريخيًا، هيمن أنصار الدولة [الدولتيون] على نظرية الحرب العادلة. وكان لمعظم فروع التقليد نسخةُ ما من القيود “الشرعية”، “الخاصة”، أو “الصحيحة” على السلطة، مبنية كشرطٍ ضروريّ لكي تكون الحرب قانونيًا عادلة[xii]. في التطبيق، يعني ذلك أنّ الدول ذات السيادة تمتلك حقوقًا لا يملكها الفاعلون غير الحكوميين. يمنح القانون الدولي الدولَ فقط حقوقَ الدفاع الوطنيّ ويضمن “حقوق المقاتلين” بشكلٍ أساسيّ لجنود الدول. رغم أنّ وولتزر لم يقل سوى القليل بخصوص السلطة الشرعية، لكنّ كلّ حججه تفترضُ أن للدول مكانة أخلاقية يفتقر إليه الفاعلون غير الحكوميين.

إذن، يعتقدُ التقليديّ أنّ من يخوض الحرب لديه السلطة المناسبة للقيام بذلك. وبعتقد البعض إنّ السلطة متأصّلة في الشرعية العامة للدولة، ويعتقد آخرون إنّ السلطة العامة ليست ذات صلة، وما يهمّ هو إذا كان الكيان الّذي يشارك في الحرب يفعل ذلك وفق تفويضٍ ممّن يمثلّه (للنظر لاحقًا، لازار). في كلتا الحالتين، من المرجّح أن تستوفي الدول شرطَ السلطة الشرعية أكثر من الفاعلين غير الحكوميين.

بالاعتماد على المنطلقات الاختزالية، يقاوم الاختزاليون ويجادلون أن القتل في الحرب يُبرَّر بحماية الحقوق الفردية، وأن إباحة دفاعنا عن حقوقنا لا تتطلّب توسّط مؤسسات الدولة. إمّا علينا أن نتجاهل شرط السلطة الشرعية أو أن نعتقد أنّه بامكان الفاعلين غير الحكوميين تحقيقه بالفعل (Fabre 2008; Finlay 2010; Schwenkenbecher 2013).

بشكلٍ عام، يبدو مؤكّدًا ارتباطُ الشرعية ببعض مسائل الحرب (Estlund 2007; Renzo 2013). ولكنّ التفويض أساسيٌّ على درجة أكبر من الأهمية. مثاليًا، على الكيان الّذي يخوض الحرب أن يتم تفويضه ليفعل ذلك من قبل مؤسساتِ الديمقراطية الدستورية. كما تبدو الأشكال المخفّفة من التفويض ممكنة بوضوح؛ فحتّى لو كانت الدولة غير شرعية تمامًا فقد تكون مخوّلة من قبل حكومتها لشنّ حربٍ من أجل الدفاع الوطني. هذا النوع من التفويض مهمٌّ لحقّ اللجوء إلى الحرب، بشكلين: أولاً، لأنّ القتال في الحرب سيكون خطأً مضاعفًا من دون تفويضٍ، إذ يجب مقارنة هذا الخطأ المضاعف بالمنافع الّتي سيجلبها القتال، وعليه أن يجتاز اختبارات التناسبية والضرورة. حين تورّط حكومةٌ نظامها السياسيّ في الحرب فهي تستخدم موارد المجتمع بأكمله، وكذلك اسمه، وتعرّضه لمخاطر أخلاقية واحترازية أيضًا (لازار، لاحقًا). من الواضح أن القيام بذلك من دون تفويضٍ سيثير إشكالية أخلاقية عميقة. أيّ شكلٍ من صنع القرار الّذي تقوم به الحكومات بشكلٍ غير ديمقراطيّ سيكون مرفوضًا؛ فاتّخاذ قرارات بهذا الحجم من دون أن يمنح الشعبُ الحقّ بذلك هو ما سيكون خاطئًا بشكلٍ خاصّ.

ثانيًا، يسمح التفويض للحكومة بأن تنخرط بالقتال وفق أسباب إيجابية لن تكون متاحة لولا التفويض هذا. فلنلاحظ الادّعاء أنّ حروب الدفاع الوطني تكون في جزءٍ منها مبرّرة بفعل المصالح السياسية لمواطني الدولة الّتي تدافع عن مصالحهم، في المشاركة الديمقراطية مثلاً أو في تقرير المصير الجماعيّ. يمكن للحكومة أن تدافع عن هذه المصالح السياسية المتشابكة فقط إذا فوّض لها القيام بذلك، وإلاّ فسيتعارض القتال مع المصالح الخاصّة بتقرير المصير الّتي يُفترَضُ إنّها تدافع عنها. ولكن، في حال كانت مفوَّضة، فستحصل على أسباب إضافية تدعم انخراطها في الحرب. بالنتيجة، تتمتّع الدول الديمقراطية بحقوق حربٍ أكبر، إلى حدٍ ما، من تلك غير الديمقراطية والحركات اللاحكومية. غالبًا ما لا تستطيع الفئتان الأخيرتان الادّعاء بالحصول على ذات درجة التفويض كما في حال الدول الديمقراطية. ورغم أنّ ذلك قد لا يعلّل التحيّز المستمر في القوانين الدولية لصالح الدول، إلاّ أنّه يشير إلى توافقه مع ما هو أكبر من المصالح الذاتية المجرّدة لواضعي القانون الدوليّ، والّذين هم الدول بالطبع. ومن الواضح أنّ لذلك آثارًا كبيرة في حالة الحروب الأهلية (see Parry 2016)  .

 

  • التناسبية

نتذكّر أن المهمّة الأساسية لقيود التناسبية تكمن في تحديد الأسباب الّتي تعمل لصالح القتال وتلك الّتي تعارضه. سنتحتفظ بالكثير من المهمّة الأخيرة حين نناقش قانون الحرب أدناه، طالما أنّه يتعلّق بتتبّع الأرواح [المهدورة] في الحرب.

من بين المنافع الّتي تساعد في جعل الحرب متناسبة سبق وأشرنا إلى تلك الخاصّة بالقضية العادلة وما يتصّل بالسلام العادل والسلطة الشرعية. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد كثيرون بإمكانية اخضاع التناسبية لتحزّب مقبول من المرء لدولته ومواطنيه. فلنفكّر مرّة أخرى بالمصالح السياسية الّتي تساعد في تبرير الدفاع الوطنيّ، فإن كنّا محايدين تمامًا، علينا بالتالي أن نختار المسار الّذي يحقق بشكلٍ أفضل مصالح الشعب السياسية بشكلٍ عام. وهكذا، فإذا كان خوض حربٍ دفاعيةٍ سيقوّض المصالح السياسية لمواطني الدولة المعادية أكثر ممّا سيفعل فيما خصّ مصالحنا السياسية، فسيكون علينا، بالنتيجة، أن نرفض القتال. ولكننا بالعادة لا نفكّر على هذا المنوال بخصوص إباحة اللجوء إلى الحرب، إذ يحق لنا عادةً أن ننحاز إلى حدٍ ما إلى المصالح السياسية لمواطنينا.

ويقترحُ البعضُ مزيدًا من القيود على ما يمكن للمنافع أن تشي به بخصوص تناسبية الحرب. يجادل كلٌّ من ماكماهن وماكّيم  McMahan and McKim (1993) أنّ الفوائد مثل التقدّم الاقتصادي لا يمكنها أن تحوّل حربًا غير متناسبة إلى أخرى متناسبة. ويبدو هذا صحيحًا في الممارسة، ولكن ليس في المبدأ، لأنّه يتطلّب أولوية معجمية lexical priority بين الأرواح المهدورة والفوائد الاقتصادية، ومن الصعب جدًا الدفاع عن الأولوية المعجمية هذه. في النهاية، ينقذ التقدّم الاقتصاديّ الأرواح.

تخسرُ بعض المنافع قيمتها في تناسبية اللجوء إلى الحرب، ولا يعود السبب إلى كونها أدنى رتبة، حرفيًا، من القيَم الأخرى المهددة بالخطر، بل لأنها، بطرقٍ معينة، مشروطة. يخضع الجنود لالتزامات مشروطة من أجل استكمال مهامهم، على أساسِ عقودهم، أيمانهم oaths، والتوقعات المشروعة من مواطنيهم. فأن أقوم بمهمّةٍ ما توفي بيميني فذلك سيمنحني سببًا لأقوم بالعملية، وهذه تُقاس وفق حسابات تناسبية (Lazar 2015b). ولكن هذه الأسباب لا يمكنها المساهمة بتناسبية حقّ اللجوء إلى الحرب على نفس المنوال، لأنها مشروطة بالحرب ككلّ. ولا يمكن للقادة السياسيين أن يقولوا بوجاهةٍ : ” إذا لم يحققّ القتال الايفاء بقسم اليمين كلّه، ستكون هذه الحرب غير متناسبة”، ذلك لأنّ القتال يرتكز على الايفاء بهذه الأيمان فقط إذا قرر السياسيون أن يدخِلوا قواتهم المسلّحة في الحرب.

يكمنُ سببٌ آخر للتفريق بين تناسبية حقّ اللجوء إلى الحرب وقانون الحرب في أنّ المقارَنات ذات الصلة تتغيّر مع نوعي التقييم. بمعنى فضفاض، نحدد التناسبية بأن نسأل إذا كانت بعض الخيارات أفضل من ألاّ نفعل شيئًا. إذًا، فالمقارن comparator لتقييم الحرب ككلّ ليس عدم القتال بالمطلق، أو إنهاء الحرب. لا يتوفّر هذا الخيار في حالةِ أفعالٍ محدَّدة خلال الحرب، حيث يمكننا فقط أن نقرّر إذا كنّا سنقوم أو ألاّ نقوم بهذا الفعل المحدّد.

 

  • الملاذ الأخير (الضرورة)

هل تكون الحروب الاستباقية، الّتي تُخاض تحسبًا لهجومٍ وشيكٍ من عدوٍ، مباحة؟ وماذا عن الحروب الوقائية الّتي تُشَنُّ قبل أن يكون للعدوّ خطةٌ واقعيّةٌ للهجوم (see, in general, Shue and Rodin 2007)  ؟ في الآونة الأخيرة، جادل المحافظون الجدد، بشكلٍ معقول بالظاهر، أن معيار الملاذ الأخير يمكن استيفاؤه طويلاً قبل أن يبدأ العدو هجومه (see President 2002). الردّ الصحيح على هذا الكلام يبدو مألوفًا بشكلٍ مملّ: ففي المبدأ، هذا الأمر يبدو بالطبع ممكنًا، ولكن في التطبيق العملي، غالبًا ما نبالغ في تقدير احتمالية النجاح بالوسائل العسكرية، ونتغاضى عن العواقب غير المقصودة لأفعالنا. على القانون الدولي، إذًا، أن يحافظ على قيوده لردع هذا النوع من الاستخدام المتهوّر لمبدأ الملاذ الأخير مثلما رأينا في غزو العراق عام 2003  (Buchanan and Keohane 2004; Luban 2004)  .

نوقش سؤالٌ آخر مرارًا وتكرارًا: ماذا تعني صفة “الأخير” بالتحديد حين نتحدّث عن الملاذ الأخير؟ الفكرة بسيطة وتماثل ضرورة الحرب. يجب أن نقارن الذهاب إلى الحرب بالاستراتيجيات البديلة المتوفرّة عند التعامل مع العدو (بما في ذلك الطرق المتنوعة الّتي يمكن أن نتبّعها). حرفيًا، شنّ الحرب هو الملاذ الأخير حين لا تتوفرّ وسائل بإمكانها أن تجنبّنا التهديد. ولكنّ أحوالنا ليست، غالبًا، مقيّدة على هذا النحو، إذا تمتلك خياراتٌ أخرى، وبشكلٍ دائمٍ، بعض فرص النجاح. هكذا، فلو توفرّ لك بديل دبلوماسيّ عن الحرب، وهو ما يكون أقلّ ضررًا من الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّه على الأرجح يجنبّك التهديد، إذًا، لا تكون الحرب الملاذ الأخير. أمّا إذا كان البديل الدبلوماسيّ أقل ضررًا، ولكن لا يُرجَّح أنّه سيجنبك التهديد، سيكون السؤال هو ما إذا كان تقليل التهديد المتوقَّع كبيرًا بما يكفي كي نُصبِح مطالبين بأن نقبل التقليلِ من امكانية تجنّب التهديد هذا. إذا كان جوابنا لا [أي لا نقبل التقليل] فستكون الحرب الملاذ الأخير[xiii].

 

  1. قانون الحرب

    • وولتزر ونقّاده

يَعتبر قانون الحرب التقليدي، كما هو منعكس في القانون الدوليّ، أن على السلوك في الحرب أن يلبّي ثلاثة مبادئ:

  • التمايز: لا يجوز استهداف غير المقاتلين[xiv].

  • التناسبية: يجوز، بشكلٍ عرضيّ، إلحاق الأذى بغير المقاتلين (أي بشكلٍ غير متوقع وغير مقصود) فقط إذا تناسب الأذى مع أهداف الهجوم المقصود تحقيقها[xv].

  • الضرورة: إلحاق الأذى عرضيًا بغير المقاتلين مباح فقط حين يتم اختيار أقلّ الوسائل ممكنة الضرر في سياق السعي لتحقيق الأهداف العسكرية[xvi] .

تُقسِّم هذه المبادئ الثلاثة ضحايا الحرب المحتملين إلى فئتين: المقاتلين وغير المقاتلين. ولا تضع هذه المبادئ أي قيودٍ على قتل المقاتلين[xvii]. لكن، وخارج “حالات الطوارئ القصوى” وهي ظروف نادرة الحدوث حيث يصبح القتل العمد لغير المقاتلين ضروريًا من أجل تجنّب تهديدٍ هائل، لا يجوز استهداف غير المقاتلين إلاّ عن غير قصدٍ؛ وحتّى في هذه الحالة، لا يُباح هذا القتل إلاّ عندما يكون الضرر الّذي سيعانون منه ضروريًا ومتناسبًا مع الأهداف المقصود تحقيقها خلال الهجوم[xviii]. من الواضح إذًا وجود الكثير ممّا يجب التقيّد به لكي يصبح المرء مقاتلاً. يعتمدُ هذا المدخلِ تعريفًا متحفّظًا: المقاتلون هم (بمعظمهم) أعضاء قوّات مسلّحة منظمّة لمجموعة منخرطة في الحرب، بالإضافة إلى آخرين يشاركون، بشكلٍ مباشرٍ، في أعمالٍ عدائية أو لديهم مهمات قتالية مستمرة (لمزيد من النقاش، (Haque 2017. أمّا غير المقاتلين فهم من لا يشارك بالقتال. يوجد بالطبع العديد من الحالات صعبة التصنيف، بالأخصّ في الحروب غير المتناظرة asymmetric، ولكن لا يناقش المدخل هذه الحالات. تُستخدَم كلمة “جندي” بالتبادل مع “محارب”، و “مدني” مع “غير مقاتل”.

كلا النظرية التقليدية للحرب العادلة والقانون الدوليّ يشرّعان القتال وفق هذه القيود، بغضّ النظر عن غايات كلٍّ منهما. بمعنى آخر، تصادقان على المساواة بين المقاتلين: يجوز للجنود الّذين يستجيبون للتمايز، التناسبية والضرورة أن يقاتلوا بغضّ النظر عمّا يقاتلون من أجله[xix].

ناقشنا آنفًا التناسبية والضرورة، ولنركّز الآن على حجّة مايكل وولتزر المؤثِّرة بخصوص التمايز والمساواة بين المقاتلين، والّتي ثبت إنّها مثيرة جدًا للجدل.

يتمتّع الأفراد بحقوقٍ أساسية في الحياة والحرية تحظر على الآخرين إلحاق الأذى بهم بطريقة ما. لأنّه من الجليّ أن يؤدي القتال في الحروب إلى تجريد الآخرين من الحياة والحرية، كما يقول وولتزر، فإنّه يكون مباحًا فقط إذا كانت كلّ ضحية من الضحايا “بطريقةٍ ما…. قد استسلمت أو فقدت حقوقها” (Walzer 2006: 135). ومن ثمّ، يدّعي وولتزر أنه، و”ببساطة عبر القتال، يخسر [كل المقاتلين] أحقيتهم بالحياة والحرية” (Walzer 2006: 136). أولاً، حين يقوم شخصٌ ما بمجرد تهديدي فهو يغرّب نفسه عنّي وعن انسانيتنا المشتركة، ويصبح بالتالي هدفًا مباحًا للقوّة المميتة (Walzer 2006: 142). ثانيًا، بمشاركته في القوّات المسلّحة، يسمح المقاتل لنفسه بأن “يصبح شخصًا خطيرًا” (Walzer 2006: 145) وبالتالي يتخلّى عن حقوقه. بالمقابل، فغير المقاتلين هم “رجالٌ ونساءٌ لهم حقوق، و… لا يستعملونها لغرضٍ عسكريّ، حتّى لو كان الغرضُ مباحًا” (Walzer 2006: 137). يدخل هذا الكلام مفهوم الاستحقاقية liability في قلب النقاش، وهو ما نحتاج إلى تعريفه بشكلٍ دقيق. في معظم الروايات، أن يكون شخصٌ ما مستحِقًا للقتلِ معناه أنّه لم يُقتَل بالخطأ. وغالبًا ما يكون ذلك مفهومًا، كما عند وولتزر، من ناحية الحقوق: يولد كلّ فرد ولديه حقٍّ بالحياة، ولكن يمكن مصادرة هذا الحقّ أو اهداره بحيث يمكن قتل هذا الفرد من دون أن يُنتهَك هذا الحقّ أو يُعتدى عليه. يتفق وولتزر ونقّاده أن قتلَ شخصٍ عمدًا يكون مباحًا فقط إذا أضاع هذا الشخصُ حماية حقّه في الحياة، أو إذا كان الخيرُ المتحقق على أثر ذلك كبيرًا بما يكفي لكي لا تُعتبَر كلّ الأمور خاطئة لأنه قُتِل، رغم الاعتداء عليه؛ [أي] يُصبح انتهاكُ حقّه مباحًا. يعتقد وولتزر ونقّاده أنّ حالاتٍ كهذه نادرةٌ جدًا خلال الحروب، ولا تظهر إلاّ حين يكون البديل عن الانتهاك العمد لحقوق الناس بالحياةِ على شكل كارثةٍ محدقةٍ على غرار الانتصار النازيّ في أوروبا (وهذا مثلٌ للطوارىء القصوى).

تمنحنا هذه العناصر الأساسية البسيطة التمايزَ والمساواة بين المقاتلين، الأولى لأنّ غير المقاتلين، بفضل احتفاظهم بحقوقهم، ليسوا أهدافًا مباحة للهجوم؛ والثانية لأن كلّ المقاتلين يفقدون حقوقهم، بغضّ النظر عمّا يقاتلون من أجله: هكذا، لأنّهم يهاجمون مقاتلي العدو فقط، فإنّهم يقاتلون بشكلٍ مشروعٍ، فهم لا ينتهكون حقوق أحد.

واجهت هذه الحجج انتقادات لاذعة، فأبسط الاعتراضات على المساواة بين المقاتلين يجعلها تتعارض مع التناسبية (McMahan 1994; Rodin 2002; Hurka 2005). لا يجوز القتل العمد لغير المقاتلين إلاّ في حال تناسبه مع الهدف العسكري المنشود، وهذا معناه أن الهدف يستحق هذا القدر من معاناة الأبرياء. ولكنّ الأهداف العسكرية ليست سوى وسائل من أجل غاية، ويعتمد استحقاقها على قيمة هذه الغاية. كم هو عدد القتلى من الأبرياء الّذي يتناسب مع الاستيلاء الناجح لحركة الشباب [الصومالية] على موغديشو، أو على احتلال العراق للأرضي الكويتية واحتياطات النفط في العام 1991؟ في الحالتين الجواب واحدً: صفر.

تُعنى التناسبية بحساب الشرّ الواقع مقابل الشر الّذي تم تجنبّه (Lee 2012). ولكنّ النجاح العسكريّ لمقاتلين غير عادلين لا يجنبّنا الشرّ، بل هو نفسه شرٌ. ولا يمكن للشرّ المتعمّد إلاّ أن يُضاف إلى الشرور غير المقصودة ولكنه لا يتساوى معها؛ لا يمكن للمساواة بين المقاتلين أن تكون صحيحة.

تركّز حججٌ أخرى ضد المساواة بين المقاتلين على وصف وولتزر لكيف يخسر أحدهم حقّه بالحياة. تبدأ هذه الحجج عادةً بقبول منطلق وولتزر أن إباحة القتل في الحرب لا تنتهك حقوق الضحايا ضد القتل، على الأقل القتل العمد[xx]. يتعارض هذا مع القول بأنه يمكن، أحيانًا، تجاوزُ حقوق الناس بالحياة، ولذا، تكون الحرب مباحة برغم التعدّي على حقوق الناس. هكذا، تبيّن الانتقادات الموجهّة لوولتزر أنّ رؤيته لفقداننا حقنا بالحياة تبدو، ببساطة، غير وجيهة. إنّ مجرّد تشكيل تهديدٍ للآخرين، بما فيه التهديد المميت، لا يبدو كافيًا لإجازة خسارة أحدهم حقوقه الأساسية، لأنّه، وفي بعض الأحيان، قد يهدد أحدهم حياة الآخرين لأسباب وجيهة جدًا (McMahan 1994).

إن جنود البِشمركة الكردية الّذين قاتلوا ببطولية من أجل إنقاذ الأيزيديين من الهجومات الإبادية الّتي شنّها “داعش”، لا يفقدون حقوقهم بألاّ يقتلوا على يد أعدائهم. لا يمكن لتهديد الآخرين من أجل تحقيق هدفٍ عادل، وحيث يقوم هؤلاء [مقاتلو داعش] بمحاولة فاعلة لإحباط الهدف العادل، أن يبطِل أو ينقض الحقوق الطبيعية الأساسية للإنسان في ألاّ يؤذوه. إن الحجّة القائمة على التوافق consent-based تبدو أيضًا غير مقبولةٍ كدفاعٍ عام عن المساواة بين المقاتلين. فالمقاتلون الغاشمون [غير العادلين] لديهم ما يكسبونه من تخلّيهم عن حقوقهم أمام هجوم قاتلٍ إذا تسبّب ذلك بدفعِ المقاتلين العادلين إلى القيام بالمثل [أي التخلّي عن حقوقهم]. وفي معظم وجهات النظر، لا يبدو أنّ لدى المقاتلين الغاشمين ما يخسرونه طالما أنّهم بمشاركتهم في حربٍ غاشمة يكونون قد أضعفوا، أو، حتّى على الأقل، فقدوا حقوقهم مسبقًا. بالمقابل، لدى المقاتلين العادلين ما يخسرونه وليس لديهم ما يسكبونه. لذلك، لماذا سيرضى مقاتلون لأجل قضية عادلة أن يلحق أعداؤهم الأذى بهم، سعيًا خلف نهاية غير عادلة؟

تستند حجّة وولتزر عن المساواة بين المقاتلين على إظهار أنّ المقاتلين العادلين يخسرون حقوقهم في الحياة. وقد بيّن منتقدوه أن حجّته في هذا الصدد فاشلة؛ وبالتالي، فالمساواة بين المقاتلين خاطئة. ولكنّهم بيّنوا أكثر من ذلك. فباستلهام وولتزر عند النظر إلى شروط خسارتنا حقوقنا بالحياة، حقّق منتقدوه تقدّما نظريًا يشكّل خطرًا حقيقيًا على المعتقدات المركزية الأخرى لقانون الحرب؛ فقد جادلوا، ضد وولتزر، أن حصول تهديدٍ ما لا يكفي لتحقيق شرط الاستحقاقية للقتل (McMahan 1994, 2009)، ولكنّهم بيّنوا أيضًا أن تهديد الشخصِ لنفسه ليس ضروريًا أيضًا للاستحقاقية هذه. وما هو مثير أكثر للجدل أنّ التعديليين لطالما جادلوا أن الاستحقاقية تتأسس، في الحرب كما في أي مكانٍ آخر، على مسؤولية الشخص في مساهمته بتهديدٍ غاشم. فالرئيس الأميركي [بوش الابن] مثلاً، يتحمّل مسؤولية ضربة درون [طائرة بلا طيّار] كان قد أمر بها، برغم أنّه لم يقم بنفسه بإطلاق الصاروخ.

وكما لاحظ الكثيرون، هذه الحجةُ تقوّض التمايز ((McMahan 1994; Arneson 2006; Fabre 2012; Frowe 2014. ففي حالاتٍ عدّة، يحتّل غير المقاتلين موقعًا هامًّا في اللجوء إلى القوّة العسكرية. في البلدان الصناعية، تعمل ما نسبته 25 % من السكّان في الصناعات المرتبطة بالحرب (Downes 2006: 157–8; see also Gross 2010: 159; Valentino et al. 2010: 351)؛ ونحنُ نمدُّ المحاربين بالخدمات المالية وغيرها من التقديمات الهامّة، كما ندعم ونساند الجنود المشاركين في القتال؛ وندفع ضرائبنا وننتخب بشكلٍ ديمقراطيّ. مع مرور الزمن، إنّ مساهماتنا في قدرات الدولة تمنحها القوّة والدعم للتركيز على الحرب[xxi]. إذا كانت حرب الدولة غاشمة، إذًا سيكون العديد من غير المقاتلين مسؤولين بسبب مساهمتهم في تهديداتٍ غاشمة. وإذا كان ذلك كافيًا من أجل أن يفقدوا حقوقهم بالحياة، فهم بالتالي أهداف مباحة [للقتل].

حاول ماكماهان (2011 a) أن يتجنّب هذه النتيجة المربكة في حجته حين زعمَ أنّ كل هؤلاء من غير المقاتلين والّذين ينتمون إلى الجانب الغاشم (أي غير المقاتلين الغاشمين) يكونون أقلّ مسؤوليةُ من كل المقاتلين الغاشمين. ولكنّ كلامه هذا ينطوي على ازدواجية في المعايير، إذ يدافع عن مسؤولية المقاتلين فيما يقلّل من مسؤولية غير المقاتلين، كما يسهو عن عنصرٍ مركزيٍّ في وصفه للاستحقاقية القتل. من وجهة نظره، فإنَّ المرءَ المستحِق للقتلِ في حال الدفاع عن نفسه أو عن الآخرين وبحكم كونه من هؤلاء القادرين على تحمّل أذىً محتومًا وكليًا، هو المسؤول الأكبر عن الوضع القائم (McMahan 2002, 2005b). وحتّى لو كان غير المقاتلين مسؤولين بالحد الأدنى فقط عن حروب دولهم غير العادلة – أي لا يُلامون، إذ تصرّفوا فقط طواعيةً وبطريقةٍ أسهمت بشكلٍ متوقعّ بحصول هذه النتيجة –  ففي رؤية ماكماهان سيكون هذا كافيًا ليجعلهم مستحِقين لأن يُقتلوا، إذا كان هذا القتل ضروريًا من أجل انقاذ أرواح مقاتلين أبرياء تمامًا كما غير المقاتلين المنتمين إلى الجانب العادل (McMahan 2009: 225)..

يتمثّل أحدُ الردود في رفضِ هذا التفسير المقارَني عن كيفية تحديد المسؤولية للتعرّض للقتل، ويجادل من أجل مقاربة غير مقارنية حيث على درجة مسؤولية المرء أن تكون كبيرة بما يكفي كي تتيح هذا الانتقاص الشديد من حقوقه الأساسية. ولكن متى ما فعلنا ذلك علينا، بالطبع، أن نعترف أن العديد من المقاتلين في الجانب الغاشم ليسوا مسؤولين بما يكفي عن التهديدات غبر المبررة لكي يصبحوا مستحِقين للقتل. سواء كان ذلك بسبب الخوف، الاشمئزاز، المعتقد أو الحماقة، يبدو الكثير من المقاتلين غير فعّالين في الحرب، ويساهمون بالقليل أو بلا شيء من التهديدات الّتي يشكّلها فريقهم. زعمَ بحثٌ كثُر الاستشهاد به وضعه س.ل.آ مارشل أنّ 15-25 بالمائة فقط من جنود الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية مّمن كان بإمكانه إطلاق النار فعلوا ذلك (Marshall 1978). لدى معظم الجنود نفورٌ طبيعي من القتل لا يمكن لتدريب نفسيّ مكثّف أن يتغلّب عليه (Grossman 1995). لا يساهم الكثيرون بالتهديدات غير المبررة أكثر ممّا يفعل غير المقاتلين. كما يفتقرون إلى النيّة الجرمية mens rea  الّتي قد تجعل من الاستحقاقية، بغياب مساهمة مؤثِّرة معتبَرة، متناسبة، كما لا يستحقون اللوم غالبًا، وإنّ فقدانهم حقّهم بالحياةِ ليس الرد الملاءم على تصرفهم.

إذا كان وولتزر محقًّا في أنّنا، في الحرب وبعيدًا عن حالات الطوارئ القصوى، قد نقتل عمدًا هؤلاء المستحِقِين للقتل فقط، وإذا كان قسمٌ كبيرٌ من المقاتلين الغاشمين ومن غير المقاتلين مسؤولاً بالتساوي عن التهديدات غير المبررة، وإذا كانت الاستحقاقية محدَّدة بالمسؤولية، فعلينا بالتالي أن نختار بين بديلين غير مستاغسين: فإذا قدّمنا المسؤولية على الاستحقاقية لكي نضمن أن غير المقاتلين لن يكونوا مستحِقِين للقتلِ، فسيكون علينا أيضًا أن نعفي العديد من المقاتلين من هذه الاستحقاقية. في الحروب العادية، حيث لا توجد حالات طوارئ قصوى، يكون القتل العمد لهؤلاء المقاتلين غيرَ مباح. وهذا ما يجرّنا إلى شكلٍ من السلامية –رغم أنّ الحرب قد تكون مبدئيًا مبررة، ولكن من الصعوبة بمكان أن نقاتل من دون قتلِ غير المستحِقِين [للقتل] بشكلٍ متعمدٍ، وإلاّ علينا على أرض الواقع أن نكون مسالمين [سلاميين] (May 2015). ولكن لو خفّضنا من عتبة المسؤولية، بشكلٍ يضمن أن كلّ المقاتلين الغاشمين يكونون مستحِقين للقتل، سيكون العديد من غير المقاتلين مستحِقين للقتل أيضًا، مما يجعلهم أهدافًا مباحة ويقوّض التمايز جدِيًا. هكذا، نتمزّقُ بين السلامية من ناحية وبين الواقعية من ناحية أخرى. هذه هي “معضلة المسؤولية” في نظرية الحرب العادلة (Lazar 2010).

 

  • قتلُ المقاتلين

تجد نظرية الحرب العادلة فحواها فقط إذا أمكن لنا أن نشرح لماذا يُسمَح بقتلِ بعض المقاتلين في الحرب، في حين لا يجوز لنا، من ثمَّ، أن نقتل كلَّ من هم في الدولة العدوّة. هنا، تصل القوى المتنافسة للواقعية والسلامية إلى ذروتها؛ وهكذا، ليس مستغربًا أن تركّز الكثير من الأعمال الحديثة على هذه المسألة. لا يمكننا هنا أن ننصف كلّ الحجج، لكن بالمقابل سنأخذ بالاعتبار ثلاثة أنواع من الردود: التعديلي الشامل، التقليدي المعتدل، والتقليدي الشامل.

يواجه المعسكر الأول تحديَين: تبرير القتل العمد للمقاتلين الغاشمين غير المستحِقِين، ظاهريًا، للقتل، ولكن من دون افساح المجال للمساواة بين المقاتلين، أو للمزيد من تقويض التمايز. يكمن المسار الرئيسي لهذا المعسكر في القول أنّ كلّ المقاتلين الغاشمين فقط، وبرغم المظاهر، هم في الواقع مستحِقِين لأن يُقتلوا.

يجادل ماكمهان أن الاستحقاقية للقتل لا تحتاج، حقيقةً، إلى مسؤولية مفترضة مسبقًا عن تهديدٍ غبر مبرر. عوضًا عن ذلك، فإنّ مسؤولية المقاتلين الغاشمين عن معتقدات المقاتلين العادلين المعقولة بأنهم مستحِقين للقتل تبدو كافية لتبرير مصادرة حقوقهم (McMahan 2011a). يجادل البعض أن مسؤولية المقاتلين عن التواجد في المكان الخطأ والزمان الخطأ تكفي[xxii] (تشبيههم بالدروع البشرية الطوعية). وبشكلٍ جذريٍّ أكثر، يتخلّى بعض الفلاسفة عن الإصرار على المسؤولية الفردية، بالقول أن المقاتلين الغاشمين يشتركون معًا بالمسؤولية عن المساهمة في التهديدات غير المبررة، حتّى لو كانوا على المستوى الفردي غير فعّالين (أو حتّى معوِّقين لبلوغ الأهداف) (Kamm 2004; Bazargan 2013).

يشير لازار (كما سنرى لاحقًا) إلى كون هذه الحجج غير مقنعة. قد يكون التواطؤ على صلة بالأثمان الّتي على المرء أن يدفعها في الحرب، ولكن سينبري بعض اللّيبراليين للاعتراض على فكرة فقدان المرء لحقّه بالحياة من أجل أمور قام بها آخرون. فإن أمكن للمقاتلين أن يكونوا، كمتواطئين، معرَّضين للقتلِ بفعل ما قام به رفاقهم في السلاح، فلماذا لا يكون غير المقاتلين كمتواطئين معرّضين أيضًا؟

يبدو أن المسؤولية الجديرة باللّوم عن معتقدات الآخرين الخاطئة ترتبطُ بأخلاقيات الدفاع عن الذات وعن الآخر. فلو أنّ أحمقًا ما يدّعي، على سبيل الخداع، إنّه مفجّر انتحاريّ، وأطلق شرطيّ النار عليه (Ferzan 2005; McMahan 2005c)، فهل نعتبر، وبتجرّدٍ، إنّ قتله مباحًا؟ يبدو الجواب ملتبسًا. من الواضح أن الاعتقاد المبرر للشرطيّ أن المخادِع شكّل خطرًا قد أسقطَ لامشروعية قتله (Lazar 2015a). وممّا لا شكّ فيه أنّ غلطة المخادِع تعفي الشرطيّ من أيّ ذنب. ولكن، يبقى قتلُ المخادِع، وبتجرّدٍ، خاطئًا. حتّى لو أنّ المسؤولية الجديرة باللوم لأحدهم عن معتقداته الخاطئة قد تجعل قتله مباحًا بشكلٍ موضوعيّ، فإنّ معظم الفلاسفة يتفقّون أنّ العديد من المقاتلين الغاشمين لا يستحقون اللّوم بسبب غشمِ [لا عدالة] حروبهم (McMahan 1994; Lazar 2010) ومن غير المقبول أكثر أنّ المسؤولية غير الجديرة باللّوم عن المعتقدات قد تجعل المرء هدفًا مباحًا للقتل. وحتّى لو جعلته كذلك، فإنّ ذلك سيُحتسَب في خانة المساواة المعتدلة بين المقاتلين، طالما يتحمّل معظم المقاتلين العادلين مسؤولية غير ملومة عن المعتقدات المعقولة للمقاتلين الغاشمين الّذين يكونون مستحِقِين للقتل.

يعتقد التقليديون المعتدلون أن ليس بمقدورنا أن نتفادى اعتبارات السلامية والواقعية في معضلة المسؤولية إلاّ حين نقرّ بشكلٍ معتدلٍ من المساواة بين المقاتلين. تتقّدم الحجّة عبر ثلاث مراحل: أولاً، تأييد مستوى مرتفع غير مقارَن من المسؤولية عن الاستحقاقية للقتل، بحيث أن معظم غير المقاتلين في معظم النزاعات لا يكونون مسؤولين بشكلٍ يجعلهم مستحِقِين للقتل. وهذا ما يساعد بتفسير لماذا يبدو من الصعوبة بمكان تبرير قتل المدنيين في الحرب. بالطبع، هذا ما يستلزم أيضًا أن العديد من المقاتلين سيكونون أبرياء. تاليًا، تفيد المرحلة الثانية الدفاع عن مبدأ التمايز الأخلاقي بحيث أن قتل المدنيين يكون أسوأ من قتل الجنود؛ وهذا صحيح لأنّ الجنود هم المستحِقون للقتل وليس المدنيين. ولكن يكمن التحدّي هنا في أن نبيّن أن قتل المدنيين غير المستحِقين [للقتل] هو أسوأ من قتل هؤلاء الجنود غير المستحِقين أيضًا. وإذا أمكن لنا القيام بذلك، فلن تستوجب إباحة القتل العمد للجنود غير المستحِقين إباحةَ القتل العمدِ لغير المقاتلين ممّن ليسوا مستحِقين للقتل. وقد يجادل أحدهم بالطبعِ إنّه، وحتّى لو كان التمايز الأخلاقي صحيحًا، فعلينا أن نؤيّد السلامية. ولكن، وهذا ما يظهر في المرحلة الثالثة، كلّما كان الفعل أقلّ خطورة، قلّ الخير الّذي يجب أن يتولّد عن هذا الفعل، لتكون كلّ الأشياء مباحة. وإذا لم يكن القتل العمد للمقاتلين الأبرياء أسوأ ما يمكن للمرء أن يقوم به، فإنّ الخير الّذي يجب أن يتولّد عنه لكي تكون كل الأشياء مباحة هو أقلّ ممّا هو الحال، مثلاً، في حالة القتل العمد للمدنيين الأبرياء، وهو ما يميل الفلاسفة ليعتبروه مباحًا فقط في حالات الطوارئ القصوى. قد يعني ذلك أن قتل الجنود الأبرياء بشكلٍ متعمدٍ يكون مباحًا حتّى في الظروف الاعتيادية للحرب.

هكذا، يمكن تبرير الحرب بمزيج من الاستحقاقية والأهوَن الشرّين من الأسس. يفقد بعض المقاتلين الغاشمين حقوقهم بألاّ يتم قتلهم، ويمكن تجاوز حقوق الآخرين من دون أي يعني ذلك أن حقوق غير المقاتلين الغاشمين يجب تجاوزها أيضًا. يمكننا أن نرفض الاعتبار السلاميّ لمعضلة المسؤولية، ولكنّ يُرجّح للمساواة المعتدلة بين المقاتلين أن تكون صحيحة طالما أن قتلَ المقاتلين الأبرياء ليس أسوأ أنواع القتل، ومن السهولة بمكان للمقاتلين الغاشمين أن يبرّروا استخدام الأسلحة القاتلة (على الأقل بوجه مقاتلين عادلين). يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق الحالات حيث يمكنهم تلبية التمايز، التناسبية، والضرورة وبالتالي أن يقاتلوا بشكلٍ مباح.

إذن، يتمسّك الكثيرون بحجج التمايز الأخلاقي، ويركّز البعض على ما يجعل من قتل الأبرياء من غير المقاتلين أمرًا خاطئًا بالتحديد؛ والبعض الآخر على ما يجعل من قتل الأبرياء من المقاتلين أمرًا ليس بهذا السوء. يعالج هذا القسمُ النوع الثاني من الحجج، على أن نعود إلى النوع الأولى في القسم اللاحق.

قد لا تؤسس حجج التعديليين المذكورة أعلاه الاستحقاقية [للقتل]، ولكنّها ربّما تبرر بعض أسباب تفضيل إلحاق الضرر بالمقاتلين. وهؤلاء يتجنبّون الضرر بشكلٍ أفضل من غير المقاتلين. من المؤكّد أنّ المقاتلين يتحمّلون إلى هذا الحدّ أو ذاك مسؤوليةً أكبر لكي يدفعوا تكاليف تجنّب الأفعال الخاطئة لرفاقهم في السلاح مقارنة بغير المقاتلين. وإنّ استعداد معظم المقاتلين للقتال، بغضّ النظرِ عمّا إذا كانت دعوتهم عادلة، معناه، على الأرجح، أن للمقاتلين العادلين مكانة ملتبسة بالنسبة لغير المقاتلين؛ إذ لا يراعون حقوق خصومهم إلاّ بالصدفة. كما لديهم أسباب أضعف للشكوى حين يُقتلون ظلمًا أكثر ممّا لدى غير المقاتلين، الّذين يحترمون حقوق الآخرين بصلابةٍ أكبر (عن الصلابة و الاحترام، راجع Pettit 2015).

بالإضافة، حين يقوم مقاتلون بقتلِ مقاتلين آخرين فإنّهم، بالعادةِ، يعتقدون أنّهم يقومون بما هو مباح لهم، وغالبًا ما يؤمنون أن قضيتهم عادلة، وأنّ القتل هو الوسيلة الشرعية لتحقيق هذه القضية. ولكن، ولأنّهم مقاتلون شرعيون، فسيعتقدون أيضًا إنّ القانون الدوليّ يقيّد أفعالهم، وهكذا ستكون أفعالهم مباحة حين يقاتلون بما ينسجم مع هذا القانون. يعتقد لازار (2015c) أنّ قتلكَ الناس وأنتَ تعلم أن ما تفعله هو، موضوعيًا، خاطىء، لهو أمر مستهجنٌ أكثر من قيامك بذلك حين تعتقد بشكلٍ معقول أنّك تتصرّف بما هو مباح لك..

تفشل الحجة القائمة على التوافق فيما خصّ المساواة بين المقاتلين بسبب منطلقها التجريبي وليس المعياري. إذا تنازل المقاتلون، على أرض الواقعِ، عن حقوقهم بألاّ يقتلهم خصومهم، حتّى في حال الحرب العادلة، فإنّ من الواضح أن ذلك سيؤثّر على أسباب تصرّف خصومهم، ما يقلّل من التعسّف الكامن في قتل كل من تنازل عن حقه. أمّا المشكلة فتكمن في أنّهم لم يتنازلوا عن تلك الحقوق. ومع ذلك، غالبًا ما يُظهِرون تنازلاً ضمنيًا محدودًا أكثر عن حقوقهم. تكمن غاية امتلاك قوّاتٍ مسلّحةٍ ونية الكثيرين ممّن ينتسبون إليها، في حماية المدنيين من ضراوة الحرب، ويعني هذا في الآن عينه مجابهة التهديدات وإبعاد نيران الرصاص عنهم. يضع المقاتلون أنفسهم بين العدو وبين مواطنيهم المدنيين، ويقاتلون بالنيابة عن هؤلاء. إذا انصاعوا لقوانين الحرب، فمن الجليّ أنّهم يميّزون أنفسهم عن المدنيين، إذ يرتدون الزيّ العسكريّ الموحّد ويحملون بنادقهم علنًا. ويتوجّهون لخصومهم بالقول ضمنيًا: “عليكم بإلقاء سلاحكم، وإذا أردتم القتال، فتعالوا وقاتلونا“. يشكّل هذا تنازلاً محدودًا عن حقوقهم ضد الأذى. ومثل تنازلٍ تام، فإنّ ذلك يغيّر أسباب مواجهتهم لخصومهم، وفي مثل ظروفٍ كهذه، حيث كلّ الأمور الأخرى متساوية، من الأسوأ أيضًا أن يُقتَل غير المقاتلين. بالطبع، وفي معظم الحالات، على المقاتلين الغاشمين أن يتوقفّوا ببساطةٍ عن القتال. ولكنّ هذا التنازل المشروط من خصومهم عن حقوقهم معناه أنّهم إذا لم يلقوا السلاح، فعليهم أن يستهدفوا المقاتلين وليس غيرهم.

وبالطبع، قد يعتقد المرء أن المقاتلين العادلين، وبفضلِ تضحيتهم الغيرية بأنفسهم، يستحقون أقل ما يمكن من أذى خلال الحرب (Tadros 2014). ولكن، وأولاً، ليست الحرب وسيلة نضمن عبرها حصول الناس على استحقاقاتٍ عادلة. والأكثر أهميةً، ولأن غيريتهم تتوخّى تحديدًا أن يطلقوا النار بعيدًا عن مواطنيهم غير المقاتلين، فسيكون أمرًا شاذَا أن نرى ذلك كسبب لأن يقوموا، تحديدًا، بما يحاولون تفاديه.

تقترحُ هذه الحجج وغيرها أن قتلَ مقاتلين أبرياء ليس أسوأ أنواع القتل التي يمكن للمرء أن يقوم بها. ولذلك، قد تُعتبَر كل الأشياء مباحةً في الظروف الاعتيادية للحرب، بشرط أن تحقق ما يكفي من الخير. وإذا هاجم مقاتلون غاشمون مقاتلين عادلين فقط، وإذا استطاعوا بذلك تحقيق بعض الأهداف القيّمة (كالدفاع عن مواطنيهم أو إقليمهم) فقد يُباح لهم القتال، حتّى لو انتهكوا حقوق المقاتلين العادلين  (Kamm 2004; Hurka 2005; Kamm 2005; Steinhoff 2008; Lazar 2013)). يبدو، على الأقل، أنّ من المعقول أن يمكنهم القتال بشكلٍ مباح، أكثر ممّا هو معقول لو نظرنا إلى موت كلّ مقاتلٍ عادلٍ على أنّه يعادل أسوأ أنواع الجرائم. وهذا لا يسوّغ المساواة بين المقاتلين، بل يُبيّن، ببساطةٍ، وأكثر ممّا يمكن لأحد أن يفكّر، أنّ باستطاعة المقاتلين الغاشمين أن يقاتلوا بشكلٍ مباح. أضف إلى ذلك حقيقة أن كل الحروب كانت غير متنجانسة أخلاقيًا، تكتنفها أطوارٌ غاشمة وأخرى عادلة (Bazargan 2013)، وسرعان ما نرى أنّه إذا افتقرت المساواة بين المقاتلين في قوانين الحرب إلى الركائزَ الأخلاقية الأساسية، فإنّ ذلك سيشكّل اقترابًا ملموسًا من الحقيقة.

ومع ذلك، يسعى بعض الفلاسفة إلى دفاعٍ أقوى عن المساواة بين المقاتلين. المسارات الثلاث الأبرز هي تلك المؤسساتية. تبدأ حجّةٌ تعاقدية (Benbaji 2008, 2011) بملاحظة أن الدول (وسكّانها) بحاجة إلى جيوش منضطبة لهدف الدفاع الوطني؛ إذا تُرك الأمر دائمًا للجنود كي يقرروا بأنفسهم ما إذا كان هذه الحرب أو تلك عادلة، فلن تستطيع دولٌ كثيرة استدعاء الجنود عند الحاجة، ولن تكون قادرة على دحر العدوان. تستفيد كلّ الدول، وكذلك كلّ الشعوب، من ترتيب يقوم به المقاتلون الأفراد بالتنازل لبعضهم عن حقوقهم بألاّ يقتلوا، ما يسمح لهم بأن يطيعوا أوامر دولهم من دون تردّدٍ لحظة كلّ انتشار للجنود. بهذه الطريقة، يوافق المقاتلون على التنازل ضمنيًا عن حقوقهم، مع العلم أنّ كلّ قتالٍ يتناسب مع قوانين الحرب يقتضي تنازلاً كهذا. أيضًا، تكون مصادقة المقاتلين “فعّالة أخلاقيًا” لأنها تتوافق مع عقدٍ منصفٍ ومثاليّ بين الدول.

يظهر القانون الدوليّ وكأنّه يغيّر موقفَ المقاتلين الأخلاقي. إذا انخرطتَ في القوّات المسلّحة لدولةٍ ما، فأنتَ تعرف أنك، وفقًا للقانون الدولي، تصبح هدفًا مشروعًا في أي نزاعٍ مسلّح. هذا ما عليه أن يكون وثيق الصلة بلامشروعية إلحاق الأذى بك، حتّى لو كنت تقاتل من أجل قضية عادلة. ولكنّ حجّة بنباجي Benbaji أكثر طموحًا من ذلك؛ فهو يعتقد أن الجنود يتنازلون لبعضهم عن حقوقهم بألا يُقتلوا ليس إلى حدّ التنازل المشروط المذكور أعلاه، بل وفق تنازلٍ كاملٍ يعفي خصومهم من أيّ سيّئئاتٍ (برغم أنه لا يعفي قادتهم العسكريين والسياسيين).

أولى مشكلات هذا المقترح أنّه يستند على تأملات تجريبية مثيرة للجدل حول ما إذا كان الجنود على أرض الواقع يوافقون وفق هذه الطريقة. ولكن لو وضعنا هذا الأمر جانبًا، يبدو المقترح ثانيًا، وبشكلٍ جذريّ، دولتيًّا [من دولة] إذ يتضمّن، ببساطة، أنّ القانون الدوليّ لا ينطبق على النزاعات غير المتكافئة بين الدول والفاعلين غير الدولتيين، طالما أنّ هؤلاء ليسوا طرفًا في الاتفاقيات المناسبة. هذا ما يجعل أسس القانون الدولي سطحية، ما يفشل في مساندة الغضب العميق الّذي عادةً ما تتسبب به ثغرات القانون الدوليّ. كما يفيد هذا المقترح أنّ بإمكان الدول الّتي إمّا لا تصدّق على المواد الأساسية للقانون الدولي أو الّتي تنسحب من الاتفاقيات، أن تتهرّب من قيودها. وهذا هو الغلط! ثالثًا، عادةً ما نعتبر التنازلات عن الحقوق الأساسية قابلة للتراجع متى ما توفّرت لدينا معلومات جديدة. لماذا لا يمكن للمقاتلين العادلين أن يسحبوا تنازلهم حين يقاتلون في حرب عادلة؟ يرى الكثيرون أن الحقّ بالحياة غير قابلٍ للتصرّف، وحتّى لو أنكرنا ذلك، علينا، بالتأكيد، أن نشكّ فيما إذا كان بالإمكان التخلّي عنه مرةً وإلى الأبد، في ظلٍّ معلوماتٍ ناقصة. بالإضافة، فلنفترض أنّ أحدًا ما أراد الانضمام إلى القوّات المسلّحة فقط ليقاتل في حربٍ عادلة (McMahan 2011b)، فلماذا عليه، في هذا الحال، أن يتنازل عن حقوقه بألاّ يتأذّى، مع العلم أنّه يخطط الآن للقتال؟ رابعًا، والأكثر أهميةً، حتّى لو فسّرت حجة بنباجي لماذا يُباح قتل المقاتلين في الحرب بغضّ النظر عن القضية التي يخدمونها، ولكنّها لا تفسّر لماذا يُباح القتلُ العمد لغير المقاتلين كضرر جانبيّ. حين ينضمّون إلى القوّات المسلّحة لدولتهم، يقوم الجنود بشيءٍ ما على الأقلّ يتضمّن موافقتهم على نظامِ القانون الدولي الّذي يهيكل أدوراهم كجنود. ولكنّ غير المقاتلين لا يوافقون على هذا النظام. وقد قام الجنود المقاتلون لأجل قضايا غير عادلة بقتلِ الكثيرين من المدنيين الأبرياء، وطالما لا يمكن جعل هذه الوفيات متناسبة، فإنّ المساواة بين المحاربين لن تصمد.

تبدأ الحجة المؤسساتية الثانية من الاعتقاد بأنّ من واجبنا إطاعة قانون دولتنا الشرعية. هذا ما يمنح المقاتلين الغاشمين، الّذين تلّقوا أوامرَ بالقتال في حربٍ غير عادلة، بعضَ الأسباب كي يطيعوا هذه الأوامر. بمقدورنا تعليل ذلك بطرقٍ مختلفة: يجادل استلوند Estlund (2007) أن واجب إطاعة الآخرين يتأتّى عن السلطة المعرفية epistemic للدولة، ومن المرجّح أن يكون الجنديّ على بيّنة من كون هذه الحرب عادلة (see Renzo 2013 for criticism). يشدّد تشيني راين Cheyney Ryan (2001) على المصدر الديمقراطي لسلطة الدولة، كما على الأهمية الحاسمة لسيطرة المدنيين على الجيش. إنّها أسباب أخلاقية أصيلة يجب أن تؤثّر في المداولات بين الجنود، ولكن هل تؤثّر بما يكفي كي ترسّخ المساواة بين المقاتلين؟ هذا أمر مشكوك فيه. فهذه الأسباب لا يمكنها أن تتجاوز بشكلٍ منهجيّ التزامات المقاتلين الغاشمين في ألاّ يقتلوا الأبرياء. هذه مسألة تظلّ قائمة بغضّ النظر عن تأثير الأسباب، أو عن كونها أسباب إقصائية تمنع أخذ الآخرين بعين الاعتبار (Raz 1985). إنّ حقوق الأبرياء بألاّ يُقتلوا هي أكثر الحقوق وجاهةً وتأسيسًا، ويجب على أي سببٍ آخر يقلّل من شأنهم أو ينأى بهم عن المداولات أن يكون قويًّا للغاية. ولا تبدو التزامات المقاتلين بإطاعة الأوامر ذات وزنٍ كبير بما يكفي، حسبما يعترف الجميع بصدد إطاعة أوامر الحرب غير الشرعية (McMahan 2009: 66ff).

مثل الحجّة الأولى، تؤسّسُ الحجّة المؤسساتية الثالثة المساواةَ بين المقاتلين على نتائجها بعيد المدى. ولكن، عوضًا عن التركيز على قدرة الدول في الدفاع عن نفسها، فإنّها تؤكّد على أهمية تحجيم فظائع الحرب، نظرًا لأننا نعلم أن الناس غالبًا ما يخدعون أنفسهم في ما خصّ عدالة قضيّتهم (Shue 2008, 2010; Dill and Shue 2012; Shue 2013; Waldron 2016) . لأنّ المقاتلين وقادتهم دائمًا ما يؤمنون إنّهم على حقّ، فإنّ أيّ إيعازٍ للمقاتلين الغاشمين بأن يتوقفوا عن القتال سيتم، ببساطة، تجاهله، بينما أيّ أذونات إضافية تلحِق الضرر بغير المقاتلين سيُساء استخدامها من كلا الطرفين. في كلّ الحروب تقريبًا، يكون كافيًا لتحقيق النصر العسكري أن يتم استهداف المقاتلين فقط. وإذا كان الالتزام بذلك سيقلّل على المدى الطويل من أعداد من قُتِلوا بشكلٍ غير مشروع، فعلينا أن نفرض على كل الأطراف، بغض النظر عن أهدافها، أن تحترم مبدأ التمايز. أضف إلى ذلك، بينما يبدو صعبًا جدًا أن نضمن الاتفاقيات الدولية حتّى فيما يخصّ، حقيقةً، قضيةُ عادلةً لحربٍ ما (لاحظوا الجدل حول نظام روما الأساسي لجرائم العدوان، والّذي استمر لسنوات طويلة مثار مفاوضاتٍ قبل أن يصل الديبلوماسيون إلى تسوية صعبة حوله)، فإنّ المبادىء التقليدية لقانون الحرب سبق وحظيت بدعم دولي واسع. إنّها تنازلات صعبة المنال علينا أن نتخلّى عنها فقط في حال كنّا متيقّنين أن النظام الجديد سيكون أفضل (Roberts 2008).

على الرغم من كون هذه الحجة مقبولة، ولكنها لا تمسّ المسألة نفسها كما فعلت الحجج السابقة. ما يمكن للمرء أن يسأله هو: في وضعٍ معين، ماذا علينا أن نفعل؟ كيف يمكن للجنود أن يتصرّفوا في أفغانستان، أو مالي، أو سوريا أو في الصومال؟ وحين نطرح هذا السؤال، لا يجب أن نبدأ بافتراضٍ مسبق أنّنا أو هم سنفشل بوضوحٍ بالامتثال لأيّ معايير أخلاقية صارمة قد نقترحها (Lazar 2012a; Lazar and Valentini ). حين نعاين أفعالنا الخاصّة، وأفعال هؤلاء الّذين نؤثّر عليهم، علينا أن نختار بين كل الخيارات المتوفّرة، لا أن نقصيَ بعضها لأننا نعرف كم نحن فاسدين بحيث لا نوافق عليها. من ناحية أخرى، عند تصميم المؤسسات والقوانين، علينا بالطبع أن نفكّر كيف يمكن للناس أن يستجيبوا لها. ونحتاج الإجابة على كلا السؤالين: ماذا يجب حقّا أن نقوم به؟ وماذا يجب أن تكون عليه القوانين، أخذًا بالاعتبار هشاشتنا وهشاشة الآخرين الأخلاقية المتوقّعة؟

هكذا، فمساواة معتدلة بين المقاتلين هي نتيجة ممكنةِ لتجنبِّ القيد السلاميّ لمعضلة المسؤولية. لكي نبيّن أن القتلَ مباحٌ، علينا أن نُظهِر أن القتل العمد لمقاتلين أبرياء ليس أمرًا خطيرًا مثل ما الأمر في حال القتل العمد لأبرياء غير مقاتلين. وإذا كان قتلُ مقاتلين أبرياء ليس من بين أسوأ أنواع القتل، فسيكون مقبولاً أن يُبرَّر بالمنافع المحقّقة خلال حروب اعتيادية، وخارج حالات الطوارىء القصوى. وفقًا للرؤية هذه، وعلى عكس ما يراه كلّ من وولتزر ونقّاده، فإنّ معظم القتل العمد في الحروب غير العادلة يكون مباحًا، ليس لأنّ المستهدفين مستحِقون للقتل، بل لأنّ التعدّي على الحقوق هو أقلّ الشرور إباحةً. ولكن، يجري تطبيق هذا المبدأ بغضّ النظر عمّا إذا كان المرء في الجانب العادل أو الغاشم، وهذا ما يزيد بدوره من نطاق الحالات حيث يمكن للمقاتلين من الطرف الغاشم أن يقاتلوا بشكلٍ مباحٍ: بدلاً من حاجتهم لتحقيق ما هو جيد بالإمكان مقارنته مع تجنّبِ حالةٍ من الطوارىء القصوى تهدف لتبرير انتهاكِ حقوق المقاتلين العادلين، سيحتاج المقاتلون الغاشمون فقط إلى تحقيقِ أشكالِ خيرٍ عادية أكثر، بحيث لا تكون أسوأ أنواع انتهاكات الحقوق. هكذا، فإنّ الواجبات المترابطة للمقاتلين الغاشمين في حماية بعضهم بعضًا يمكنها أحيانًا أن تجعل من القتل العمد للمقاتلين العادلين شرًا أقل، ومن القتل غير المقصود لغير المقاتلين متناسبًا. هذا يعني أنّ قوانين الحرب الموجودة تقتربُ جدًا من الالتزامات الأخلاقية الحقيقية للمقاتلين أكثر ممّا يظنّ التعديليون. ومع ذلك، يبقى الكثير من القتل الّذي يرتكبه المقاتلون الغاشمون خلال الحرب خاطئًا بشكلٍ موضوعيّ.

 

  • تجنيب المدنيين

يعتمد المسار الوسطيّ في نظرية الحرب العادلة على إظهار أنّ قتل المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود. ويناقش هذا القسم حججًا تفسّر لماذا يتم الاعتراض بالتحديد على قتل المدنيين. سنناقش، تاليًا، دلالة القتل العمد ونحن نأخذ التناسبية بالاعتبار.

نوقِشت هذه الحجج بإسهابٍ في نصوص لازار (2015 c)، وسنعرضها هنا بإيجاز. ترتكزُ هذه الحجج على نقطة محورية: التمايز الأخلاقي الّذي يعني أن قتلَ المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود. وهو لا يفيد أن قتلَ المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود في حال كانت كلّ الأمور الأخرى متساوية. يؤمن لازار بهذا المبدأ الصلب ولكنّه لا يعتقد إنّ الاختلافات الجوهرية بين قتل المدنيين وبين قتل الجنود، أي الخصائص الّتي تتجسّد بالضرورة في هذين النوعين من القتل، كبيرةً بما يكفي لتوفرَّ تمايزًا أخلاقيًّا طبقًا للقوّة المعيارية اللازمة لحماية غير المقاتلين في الحرب. تعتمد هذه الحماية على تحريكِ أسسٍ متنوعة للتمايز الأخلاقي، بما فيها العديد من الخصائص الّتي تتمثّل بشكلٍ عرضي وليس ثابت في أفعال قتلِ المدنيين والجنود، ما يجعل من قتلِ المدنيين أسوأ. لا يمكننا أن نؤسّس التمايز الأخلاقي على خاصية واحدة فقط من تلك الخصائص المذكورة أعلاه، لأنّ كلّ خاصّية قابلة للتفنيد. ولكن حين تؤخذ بكلّيتها فإنّها تضبط الخط الرفيع نسبيًا بين الإضرار بغير المقاتلين والإضرار بالمقاتلين. لا شكّ بوجود حالات صعبة، ولكن يجب البتّ فيها باستدعاء الخصائص الأساسية البارزة بدلاً من مجرّد حقيقة الانتماء إلى هذه الجماعة أو تلك.

أولاً، فإنّ القتل العمد للمدنيين غالبًا ما يقوّض أكثر التأويلات المتراخية لقيد الضرورة. ولكن هذا ما لا يبدو صحيحًا دائمًا، فالقتل ضروريّ إذا كان فعّالاً في تحقيق هدفه، ولا توجد خيارات أخرى أكثر فعالية. أحيانًا، يلبّي قتل المدنيين شروط هذا الوصف، ويبدو غالبًا فعّالاً: فقد ساعد الحصار المفروض على ألمانيا في وضعٍ حدٍّ للحرب العالمية الأولى، رغم أنّه قد سبب بمقتل نصف مليون مدنيّ؛ والاستهداف الروسي للمدنيين في الشيشان قلّل من قتلى الجنود الروس (Lyall 2009)، وكانت تكتيكات “طالبان” ضد المدنيين في أفغانستان فعّالة. غالبًا ما تكون هذه الهجمات الملاذ الأخير للجماعات في الحروب (Valentino 2004). عندما تفشل كل الخيارات الأخرى أو تصبح مكلفة، يصبح استهداف المدنيين سهلاً نسبيًا. وبالفعل، كما بيّنت الهجمات الارهابية مؤخّرًا (في مومباي وباريس مثلاً)، فإنّ أقلّ من عشرِ محرَّضين يحملون أسلحة بدائية يمكنهم أن يحوّلوا مدنًا نابضة بالحياة إلى ساحاتِ رعب. هكذا، يمكن لقتلِ المدنيين أن يلبّي قيد الضرورة. ومع ذلك، غالبًا ما تكون الهجمات ضد المدنيين وحشية، وهناك شكلٌ من الازدراء الخاصّ تجاه قتل الأبرياء أكان عشوائيًا أو لغاية ما في نفس القاتل. على الأقل لو توفّرت بعض الغايات الاستراتيجية في الأفق، ربّما أمكننا أن نؤمن أنّ شيئًا ما على المحكّ يفوق الأرواح البريئة الّتي تُزهق، ولكنّ أولئك الّذين يقتلون المدنيين يعبّرون عن عدم اكتراثهم التام بضحاياهم.

ثانيًا، حتّى لوكان قتلُ المدنيين فعّالاً، لكنّه غالبًا ما يكون انتهازياً جدًا (Quinn 1989; Frowe 2008; Quong 2009; Tadros 2011) : تُستخدَم معاناة المدنيين كوسيلة لإجبار مواطنيهم وقادتهم على إنهاء الحرب. تسعى عمليات الحصار والضربات الجويّة لأماكن تجمّع السكّان المدنيين إلى كسرِ إرادة هؤلاء وحكومتهم. بالمقابل، غالبًا ما يُبادُ المقاتلون عن بكر أبيهم، فموتهم لا يُستخدم لتحصيلٍ فائدة ما كان بالإمكان تحصيلها من دون استخدامهم بهذه الطريقة؛ وبالعكس، فهم يُقتلون لأجل الوصول إلى حلّ لمشكلةٍ يتسببون هم بوجودها. يبدو ما سبق وثيق الصلة باللاشرعية النسبية لهذه الأنواع من الهجمات. وبالطبع، على المستوى الاستراتيجي، تهدف كلّ وفاةٍ إلى توصيل رسالةٍ إلى قادة العدو مفادها أن تكاليف الاستمرار بالحرب تفوق فوائدَها. ولكن، على المستوى التكتيكي، حيث يكون القتل مستمرًا، يقوم الجنود عادةً بالقضاء كليًا على جنود العدو، بينما يستهدفون المدنيين بشكلٍ انتهازيّ. وإذا كان هذا الفرق ذا أهمية أخلاقية، كما يعتقد الكثيرون، وإذا كانت أعمال قتل المدنيين انتهازية أكثر من تلك الّتي تستهدف الجنود، فبالتالي تكون أفعال قتل المدنيين، بشكلٍ عام، أسوأ من قتلِ الجنود. وهذا ما يضفي المزيد من الدعم على التمايز الأخلاقي.

ثالثًا، وكما ذكرنا آنفًا، يمكن لمعتقدات الفاعل أن تؤثّر على الجِدِّية الموضوعية لقيامه بالقتل. أن تقتلُ أحدهم عندما تملك أسسًا صلبة للاعتقاد بأنّ فعلك هذا مباحٌ موضوعيًا، ففي ذلك إباحةٌ أقل فداحة فيما لو كانت أسسك المعرفية للإضرار بالآخرين أضعف. بتعبير أدقّ، يصبح قتلُ شخصٍ بريءٍ أكثر فداحة متى ما كان للقاتل أسبابٌ أكثر لكي يعتقد أنّ المقتول لا يستحق القتل (Lazar 2015a).

أخيرًا، انطلاقا من التفكير الاعتيادي بأخلاقيات الحرب، وإلى جانب براءتهم فإنّ الخاصّيتين الأكثر شيوعًا والمذكورتين لتفسير اللامشروعية المتمايزة في إيذاء المدنيين، هما ضعفهم وعزلتهم defencelessness . يشتبه لازار (2015 c) بأنّ واجبيْ حماية الضعيف وعدم أذية الأعزل يكاد يكونان أساسيين مثل واجب عدم الحاق الأذى بالبريء (لاحظوا أنّ هذه الواجبات لا تنطبق إلاّ في حال كان المستهدَف بريئًا من الناحية الأخلاقية). من الواضح، وبتحليل معقول، يكون المدنيون ضعفاء وعُزّل أكثر من الجنود، ولذلك إذا كان قتل المدنيين الّذين هم أضعف وعزّل أسوأ من قتل من هم ليس كذلك، فبالتالي يكون قتلُ المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الجنود غالباً ما يكونون ضعفاء أيضًا، ونتذكّر مقتلة “طريق الموت” Highway of Death  في العراق عام 1991، حين قامت القوّات الأميركية بتدمير العديد من الفرق المدرّعة في الجيش العراقي، والّتي كانت بلا أي شكلٍ من الحماية (وقد فرّ الكثير من الجنود في هذه الفرق ناحية الصحراء). ولكن لا يبيّن هذا المثل سوى أنّه يصعب تبرير قتل الجنود حين يكونون ضعفاء وعزّل بالمقارنة عندما لا يكونون كذلك. متى ما تبيّنت صحّة الزعم التجريبيّ بأنّ الجنود أقلّ ضعفًا وليسوا عزّلاً مثل المدنيين، فإنّ ذلك ببساطة يدعم التمايز الأخلاقي.

 

  • التناسبية

يسمح لنا التمسّك بالتمايز الأخلاقي بالتخلّص من تقييدات الواقعية والسلامية في معضلة المسؤولية، بينما يستمر بمنحِ هذه الأخيرة حقّها. وحتّى هؤلاء التعديليون الّذين يُنكرون المساواة المعتدلة بين المقاتلين يمكنهم الموافقة على التمايز الأخلاقي، وبالتالي يحتفظون بالتبصّر المعقول جدًا بأنّ قتل غير المقاتلين العادلين أسوأ من قتلِ المقاتلين العادلين. وإذا أرادوا تفسير أحكام معظم الناس المقدّرة حول الحرب، فحتّى هؤلاء السلاميون سيحتاجون إلى تفسير لماذا يكون قتل المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود.

مع ذلك، فالتمايز ليست تمييزًا Discrimination ، بل ادّعاءً قياسيًا [مقارَنًا]، ولا يُعنى بالمقاصد intentions . أمّا التمييز، وعلى العكس، فهو يحظر الهجوم العمد على غير المقاتلين، إلّا في حالات الطوارىء القصوى. وهو نظير التنسابية الّتي تعترضُ على قتل غير المقاتلين عن غير قصد؛ وإنّ أزمة فظيعة فقط قد تجعل الهجوم العمد على غير المقاتلين مباحًا، ولكنّ المنافع الاعتيادية الّتي يمكن تحصيلها في المعارك المنفردة يمكنها أن تبرّر القتل غير المقصود. فما الّذي يبرّر هذا التمايز الجذري؟

لدينا هنا أحد أقدم الأسئلة في الأخلاقيات المعيارية (برغم المناقشة الأخيرة، راجعوا  Quinn 1989; Rickless 1997; McIntyre 2001; Delaney 2006; Thomson 2008; Tadros 2015). في معظم الروايات، فإنّ هؤلاء الّذين يعمدون إلى أذية ضحاياهم يُظهِرون لهم وجهًا أكثر استهجانًا من الازدراء أكثر ممّا يظهره هؤلاء الّذين يؤذونهم بشكلٍ حتميّ ولكن كضررٍ جانبي. ربّما تكمن أفضل حالة لمكانة المقاصد، أولاً، في الحجة العامة أنّ الحالات الذهنية ترتبط بالإباحة الموضوعية. وثانيًا، أنّنا نحتاج إلى اعتبار نظري غنيّ وموحّد للحالات الذهنية المحدّدة الّتي تهمّ، والّتي تتلاءم معها النوايا. وربّما يبالغ الحظرُ الخاصّ على الهجمات المتعمدة على المدنيين بالحقيقة الأخلاقية. إنّ النوايا مهمّة. وفي حال كانت كل الأمور الأخرى متساوية، يكون القتل العمد أسوأ من القتل غير المقصود (برغم أن بعض أشكال القتل غير المقصود والّتي تهمل أو تستهين بالضحية تكون سيّئة بقدر القتل العمد). ولكنّ الاختلاف بين شكلي القتل ليس قاطِعًا، ولا يمكنه أن يعزّز التناقض بين، من جهة، حظرٍ شبه مطلق، ومن جهة أخرى إباحة واسعة.

بلا ريب أنّ هذا هو، بالتحديد، وجه الالتباس الّذي يمكن أن يصبح كارثيًا إذا نُفِّذ في القانون الدوليّ أو إذا قبله المقاتلون كقاعدة. تتطلّب زِنة weighing الحيوات في الحرب كمًّا هائلاً من المعلومات، ويحتاج الجنود إلى مبدءٍ يمكنهم تطبيقه، والتمييز هو ذلك المبدأ. هذه ليس مجرّد قاعدة عامة، طالما أنّها تنطوي على ما هو مؤَسَّس أخلاقيًا، أي اعتبار قتل المدنيين أسوأ من قتلِ الجنود. ولكنّها أيضًا قاعدة عامة، لأنّها تضع تناقضًا واسعًا بين القتل المقصود والقتل غير المقصود أكثر ممّا هو، بالجوهر، مبرّر أخلاقيًا.

كما ذكرنا سابقًا، تقريبًا تتضمن التناسبية والضرورة داخلهما كل الأسئلة الأخرى حول أخلاقيات الحرب. ونتكلّم الآن عن نقطتين إضافيّتين.

أولاً، تختلف التناسبية، على صعيد القانون الدوليّ، بشكلٍ ملحوظٍ، عن المبدأ الّذي تدعمه النظرية الأخلاقية من الدرجة الأولى. في القانون، يكون العمل الحربيّ متناسبًا بقدر ما يكون الأذى اللاحق بالمدنيين غير مفرطٍ مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة الّتي تتحقق نتيجة هذا الأذى. وكما ذكرنا أعلاه، يبدو ذلك، من منظور النظام الأخلاقي من الدرجة الأولى، ملتبسًا. ولكن، قد نتوفّر على حجّة مؤسساتية أفضل لهذا المفهوم المحايد للتناسبية. تتضمّن حسابات التناسبية العديد من الأحكام القيَمية الجوهريّة، مثلاً حول مكانة المنزِلة الأخلاقية، المقاصد، المخاطر، الضعف، والأعزلية، وغيرها من الموضوعات المثيرة للجدل بشكلٍ كبير. هناك فائض من الخلاف المعقول! يعتقد الكثير من الليبراليين أنّ على القوانين القسرية أن تُبرَّر بشكل يمكن للآخرين أن يوافقوا عليها بشكلٍ معقول، بدلاً من الاعتماد على العناصر الخِلافية في النظرية الأخلاقية الشاملة (Rawls 1996: 217). إنّ قانون النزاعات المسلّحة قسريٌ، ويشكّل انتهاكه جريمة حربٍ يُعاقب المرءُ عليها. لا شكّ أنّ قانونًا أكثر تعقيدًا قد لا يخضع للفصل القضائي، ولكنّنا نتوفّر على أسس مبدئيةٍ لكيلا نؤسِّس القانون الدوليّ على خِلافات معاصرة مثيرة للجدل في نظرية الحرب العادلة. ربّما يمكننا تبنّي المعيار الحالي من داخل نطاق واسع من النظريات الأخلاقية الشاملة أكثر من أيّ شيءٍ آخر يقترب من الحقيقة.

ثانيًا، وبغضّ النظر عن القانون والتركيز ثانيةً على الأخلاقية، يعتقد الكثيرون أن المسؤولية ضرورية من أجل التفكير بالتناسبية، على الطريقة التالية: فلنفترض أن الجيش السوري الحرّ شنّ هجومًا على مدينة الرقّة [في سوريا] حيث معقل “داعش”. يتوقّع مقاتلو هذا الجيش أنّهم سيتسببون في إزهاق عدد من الأرواح بين المدنيين، ولكنّ الهجوم سيحصل لأن “داعش” اختار أن ينطلق بعملياته من داخل مناطق مدنية، ما يجبر الناس على أن يصبحوا “دروعًا بشرية بالإجبار”. يعتقد البعضُ أنّ مسؤولية “داعش” عن تعريض المدنيين للخطر يسمح للجيش السوري الحرّ بأن يعطي أرواح هؤلاء المدنيين وزنًا أقل في مداولاته يكون متناسبًا إذا لم يقم “داعش” باستخدامهم كدروع بشرية (Walzer 2009; Keinon 2014).

ولكن يمكن للمرء أن يأخذ بالاعتبار ما يلي: حتّى لو كان اللوم يقع، في المقام الأول، على “داعش” لاستخدامه المدنيين كغطاء، لماذا على ذلك أن يعني أنّ هؤلاء المدنيين يحظون بحمايةٍ هي أضعف من تعرّضهم للأذى؟ عادةً ما نعتقد أن على المرء ألاّ يخسر أو يتخلّى عن حقوقه إلاّ من خلال أفعاله الخاصّة. ولكن، وفقًا لهذه الحجّة، يتمتع المدنيون بحماية أضعف بوجه تعرّضهم للقتل من دون خطأ أو اختيار من قبلهم. وقد يعتقد البعض أنّ المعايير الأكثر تسامحًا تنطبق على الدروع البشرية اللاطوعية بسبب القيمة الإضافية لردعِ الناس عن الاستفادة من الأخلاقيات على هذه الطريقة (Smilansky 2010; Keinon 2014). ولكن، تبدو هذه الحجّة، بشكلٍ غريب، دائرية: نعاقب الناس لأنّهم استفادوا من تحفّظنا الأخلاقي بعدما أخفينا كلّ تحفّظ أخلاقي. والأكثر من ذلك، هذا يغيّر الفعل من كونه ذاك الّذي يقتل المدنيين بشكلٍ يمكن توقّعه وكضررٍ جانبيّ حتمّي لمواجهة تهديد عسكريّ إلى آخرٍ يقتل هؤلاء المدنيين كوسيلة لردع انتهاكات مستقبلية. هذا ما يحوّل المدنيين إلى وسيلة بطريقة تجعل من الصعب بمكان تبرير إيذائهم.

 

  • الضرورة

كلّ ما سبق من اقتراحات يتعلّق أيضًا بالضرورة. تسمح هذه الاقتراحات بأن نقدّر الأضرار، بشكل يمكننا أن نحدّد إذا كان يمكن تقليل الأذى المقدَّر أخلاقيًا الّذي اُلحِق بالفاعلين إلى درجة معقولة. البنية الأساسية للضرورة في حالة قانون الحرب تبقى كما هي في حالة حقّ اللجوء إلى الحرب، رغم أنّه يبدو واضحًا أن نفس الاختلافات بالجوهر تظهر في حالة التناسبية. تنطبق بعض الحيثيات فقط على أحكام الضرورة في قانون الحرب، وليس على كلّ أحكامها في حقّ اللجوء إلى الحرب، بسبب أنّها مشروطة بالخلفية المفترضة أن الحرب ككلّ ستستمر. وهذا يعني أنّنا لا نستطيع التوصّل إلى الأحكام بشأن ضرورة الحرب ككلّ بتجميعٍ بسيط لأحكامنا بشأن الأفعال الفردية الّتي تشكّل معًا الحرب.

مثالٌ على ذلك، حين ينطبق على مبدأ الضرورة، فإن أحد الأسئلة المركزية، في الحرب in bello ، هو: ما هو مقدار الخطر على جنودنا الّذي علينا تحمّله بهدف التقليل من إلحاق الأذى بالأبرياء؟ قد تكون بعض الخيارات ضرورية لأنها ببساطة تنقِذ حياة بعض مقاتلينا. خلال الحرب Ad bellum، وتقييمها ككلّ، علينا بالطبعِ أن نأخذ بالاعتبار الخطر الّذي يتعرّض مقاتلونا له، ولكنّنا نفعل ذلك بطريقةٍ مختلفة، إذ نسأل إذا كانت المنافع المحققة عبر الحرب ككلّ تبرّر تعرّض مقاتلينا للخطر. هكذا، لا نحتسب من بين المنافع الّتي حققتها الحرب واقعَ أن خيارات متعددة داخل الحرب ستنقذ أرواح المقاتلين الأفراد. ولا نستطيع أن نعتبر إنّ تفادي التهديدات، الّتي ستبرز فقط حين نقرر الذهاب إلى الحرب، من بين المنافع الّتي تبرّر قرار خوض بالحرب.

يتصّل ما سبق مباشرةً بالمطالبة المهمَّشة جدًا في القانون الدوليّ والّتي تفيد أنّ على المقاتلين اتخّاذ كل الاحتياطات الممكنة في اختيار الوسائل والأساليب خلال الهجوم، بهدف تجنّب الخسائر الجانبية في أرواح المدنيين، وإصابتهم والإضرار بالممتلكات المدنية، أو على أقل تقدير التقليل من هذه الخسائر.  (Geneva Convention, Article 57, 2(a)(ii)). ولهذا الموضوع أساسٌ أخلاقيّ عميق: إن المحاربين في الحرب مُطالبون أخلاقيًا بالتقليل من الخطر الّذي يصيب الأبرياء، إلى أن يؤدّي ذلك إلى تحميل هؤلاء المحاربين تكلفة باهظة وغير معقولة بالنسبة لهم، والّتي لا يمكن تحملها. بلوغ هذه النقطة يستدعي التفكير في: إلزامات الموقع الّذي يشغله الجندي في تحمّل المخاطر، الاختلاف بين إلحاق الأذى بالمدنيين وبين السماح بحدوثه للذات أو لرفاق السلاح، أهمية الواجبات المترابطة لحماية رفاق السلاح، وكلّ الاعتبارات الّتي سبق وقُدِّمَت لصالح التمايز الاخلاقيّ. هذا الحساب صعبٌ للغاية؛ ورؤيتي الخاصّة أنّ على المقاتلين إعطاء أولوية قصوى لحياة المدنيين (Walzer and Margalit 2009; McMahan 2010b)، و[لكن] هذا ما يتناقض بشكلٍ صارخٍ مع الممارسات الموجودة (Luban 2014).

 

  1. مستقبل نظرية الحرب العادلة

الكثيرُ من الأعمال الحديثة استخدمت إمّا نظرية الحرب العادلة التقليدية أو تلك التعديلية لأجل معالجة التطورات الجديدة في ممارسة الحرب، بالأخص استخدام الطائرات من دون طيّار، والتطور المحتمَل لأنظمة الأسلحة ذاتية التحكّم. ركّزت أعمالٌ أخرى على أخلاقيات الصراعات اللادولتية، كما على الحروب غير المتكافئة. يتناسبُ عددٌ قليل من الحروب المعاصرة مع نموذج الدولة-الأمة لمنتصف القرن العشرين، وتطرح النزاعات الّتي يخوضها فاعلون لادولتيون أسئلة مثيرة للاهتمام حول السلطة الشرعية ومبدأ التمايز بالتحديد (Parry 2016). تطورٌ ثالثٌ نجمَ عن الفشل الرهيب في التخطيط لمستقبل العراق وأفغانستان هو موجةُ التأمَل بنتائج الحرب. هذا الموضوع، jus post bellum قانون ما بعد الحرب، يحتاج معالجة منفصلة [عن هذا المدخل].

بخصوص الأسس الفلسفية لنظرية الحرب العادلة، فإنّ المواقف التقليدية والتعديلية تبدو اليوم مدعومة بشكلٍ جيد، ولكنّ السؤال المثير فعلاً للاهتمام والّذي يحتاج جوابًا يجب مقاربته من دون التفكير من منطلق الانقسام [بين هذه المواقف]. على وجه الخصوص، قد يكون للفلاسفة السياسيين ما يمكنهم أن يساهموا به في الجدل الدائر حول نظرية الحرب العادلة، ويبدو أمرًا هامًّا، أيضًا، أن نفكّر بشكلٍ منفتح حول مؤسسات القانون الدولي (مثلاً، لم يقم أحدٌ بعد بإثبات صحة الادّعاء بأن لقانون النزاعات المسلّحة سلطةً ما)، وأيضًا حول موقع الجيش داخل الدولة-الأمة، خارج زمن الحرب (Ryan 2016).

يمكن استكشاف المزيد من الأبعاد الجماعية للحروب. اهتمّ العديد من الفلاسفة بكيفية قيام الجنود بالـ”العمل معًا” حين يقاتلون (Zohar 1993; Kutz 2005; Bazargan 2013)، ولكن قلّةٌ منهم فكّروا فيما إذا كانت فاعلية المجموعة group agency موجودة وذات صلة أخلاقية بالحرب. ومع ذلك، من الطبيعيّ جدًا أن نناقش الحروب بهذه المصلطحات، بالأخص عند تقييم الحرب ككلّ. حين ناقش البرلمان البريطاني في أواخر 2015 الانخراط بالحرب ضد “داعش” في سوريا والعراق، كان كلّ نائبٍ، بلا شكّ، يفكّر أيضًا في ما يجب عليه فعله، ولكنّ معظم النوّاب كان يسألون أنفسهم عمّا يجب على المملكة المتحدة أن تفعله. قد يُختزَل هذا العمل الجماعيّ بكليته إلى أفعال فردية تكوّنه، ولكنّه يستمر بإثارة أسئلة مثيرة للاهتمام: كيف عليّ بالتحديد أن أبرّر أفعالي، كفرد يتصرّف نيابةً عن المجموعة؟ هل عليّ فقط أن ألتمس الأسباب الّتي تناسبني أو الّتي تناسب [بعض] الأعضاء الآخرين في المجموعة أو المجموعة ككلّ؟ وهل بإمكاني أن أقيَم إباحة أفعالي من دون تقييم عمل المجموعة الّتي تشكّل أفعالي جزءًا منها؟ على الرغم من أهمية التفكير الجماعي في الحرب، ولكنّ مناقشة أخلاقيات جماعة الحرب لا تزال في بدايتها.

 

 


بيبليوغرافيا

  • Arneson, R.J., 2006, “Just Warfare Theory and Noncombatant Immunity”, Cornell International Law Journal, 39: 663–88.
  • Austin, J. and C. Bruch, 2000, The Environmental Consequences of War : Legal, Economic, and Scientific Perspectives, Cambridge ; New York: Cambridge University Press.
  • Bass, G.J., 2004, “Jus Post Bellum”, Philosophy and Public Affairs, 32(4): 384–412.
  • Bazargan, S., 2013, “Complicitous Liability in War”, Philosophical Studies, 165(1): 177–95.
  • –––, 2014, “Killing Minimally Responsible Threats”, Ethics, 125(1): 114–36.
  • Beitz, C.R., 1980, “Nonintervention and Communal Integrity”, Philosophy and Public Affairs, 9: 385–91.
  • Bellamy, A.J., 2004, “Supreme Emergencies and the Protection of Non-Combatants in War”, International Affairs, 80(5): 829–50.
  • Benbaji, Y., 2008, “A Defense of the Traditional War Convention”, Ethics, 118(3): 464–95.
  • –––, 2011, “The Moral Power of Soldiers to Undertake the Duty of Obedience”, Ethics, 122(1): 43–73.
  • –––, 2014, “Distributive Justice, Human Rights, and Territorial Integrity: A Contractarian Account of the Crime of Aggression”, in Fabre and Lazar 2014: 159–84.
  • –––, 2016, “Legitimate Authority”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.15
  • Besson, Samantha and John Tasioulas (eds), 2010, The Philosophy of International Law, New York: Oxford University Press.
  • Buchanan, A., 2006, “Institutionalizing the Just War”, Philosophy & Public Affairs, 34(1): 2–38.
  • Buchanan, A. and R.O. Keohane, 2004, “The Preventive Use of Force: A Cosmopolitan Institutional Proposal”, Ethics & International Affairs, 18(1): 1–22.
  • Caney, S., 2005, Justice Beyond Borders: A Global Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2006, “Environmental Degradation, Reparations, and the Moral Significance of History”, Journal of Social Philosophy, 37(3): 464–82.
  • Christopher, R., 1998, “Self-Defense and Defense of Others”, Philosophy & Public Affairs, 27(2): 123–41.
  • Coady, T., 2002, “The Ethics of Armed Humanitarian Intervention”, Peaceworks, 45.
  • –––, 2008, Morality and Political Violence, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Cox, R., 2016, “The Ethics of War up to Thomas Aquinas”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.19
  • Delaney, N.F., 2006, “Two Cheers for “Closeness”: Terror, Targeting and Double Effect”, Philosophical Studies, 137(3): 335–67.
  • Dill, J. and H. Shue, 2012, “Limiting the Killing in War: Military Necessity and the St. Petersburg Assumption”, Ethics & International Affairs, 26(03): 311–33.
  • Doppelt, G., 1978, “Walzer’s Theory of Morality in International Relations”, Philosophy & Public Affairs, 8(1): 3–26.
  • Downes, A., 2006, “Desperate Times, Desperate Measures: The Causes of Civilian Victimization in War”, International Security, 30(4): 152–95.
  • El-Baz, F. and R.M. Makharita, 1994, The Gulf War and the Environment, New York? USA: Gordon and Breach Science Publishers.
  • Emerton, P. and T. Handfield, 2009, “Order and Affray: Defensive Privileges in Warfare”, Philosophy & Public Affairs, 37(4): 382–414.
  • –––, 2014, “Understanding the Political Defensive Privilege”, in Fabre and Lazar 2014: 40–65.
  • Energy Information Administration, U.S., 2015a, “Defense Department energy use falls to lowest level since at least 1975”, February 5, 2015, available online
  • Energy Information Administration, U.S., 2015b, “International Energy Statistics, 2007–2011”, available online
  • Estlund, D., 2007, “On Following Orders in an Unjust War”, Journal of Political Philosophy, 15(2): 213–34.
  • Fabre, Cécile, 2008, “Cosmopolitanism, Just War Theory and Legitimate Authority”, International Affairs, 84(5): 963–76.
  • –––, 2009, “Guns, Food, and Liability to Attack in War”, Ethics, 120(1): 36–63.
  • –––, 2012, Cosmopolitan War, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2014, “Cosmopolitanism and Wars of Self-Defence”, in Fabre and Lazar 2014: 90–114.
  • Fabre, Cécile and Seth Lazar (eds), 2014, The Morality of Defensive War, Oxford: Oxford University Press.
  • Ferzan, K., 2005, “Justifying Self-Defense”, Law and Philosophy, 24(6): 711–49.
  • Finlay, C.J., 2010, “Legitimacy and Non-State Political Violence”, Journal of Political Philosophy, 18(3): 287–312.
  • Frowe, H., 2008, “Threats, Bystanders and Obstructors”, Proceedings of the Aristotelian Society, 108(1): 365–72.
  • –––, 2014, Defensive Killing, Oxford: Oxford University Press.
  • Gross, M., 2010, Moral Dilemmas of Modern War: Torture, Assassination and Blackmail in an Age of Asymmetric Conflict, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Grossman, D., 1995, On Killing: The Psychological Cost of Learning to Kill in War and Society, London: Back Bay Books.
  • Hagopian, A., et al., 2013, “Mortality in Iraq Associated with the 2003–2011 War and Occupation: Findings from a National Cluster Sample Survey by the University Collaborative Iraq Mortality Study”, PLoS Med, 10(10): e1001533.
  • Haque, A., 2017, Law and Morality at War, Oxford: Oxford University Press.
  • Holmes, R., 1989, On War and Morality, Princeton: Princeton University Press.
  • Hurka, T., 2005, “Proportionality in the Morality of War”, Philosophy & Public Affairs, 33(1): 34–66.
  • –––, 2007, “Liability and Just Cause”, Ethics & International Affairs, 21(2): 199–218.
  • ICISS, 2001, The Responsibility to Protect: Report of the International Commission on Intervention and State Sovereignty, Ottawa: International Development Research Centre.
  • Kalmanovitz, P., 2016, “Early Modern Sources of the Regular War Tradition”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.2
  • Kamm, F.M., 2004, “Failures of Just War Theory: Terror, Harm, and Justice”, Ethics, 114(4): 650–92.
  • –––, 2005, “Terror and Collateral Damage: Are They Permissible?”, The Journal of Ethics, 9(3): 381–401.
  • Keinon, H., 2014, “PM: Terrorists Watching Whether World Gives Immunity for Attacks from Schools, Homes”, Jerusalem Post, August 6, 2014. [Keinon 2014 available online.
  • Kutz, C., 2005, “The Difference Uniforms Make: Collective Violence in Criminal Law and War”, Philosophy & Public Affairs, 33(2): 148–80.
  • –––, 2014, “Democracy, Defence, and the Threat of Intervention”, in Fabre and Lazar 2014: 229–46.
  • Lazar, S., 2010, “The Responsibility Dilemma for Killing in War:, A Review Essay”, Philosophy & Public Affairs, 38(2): 180–213.
  • –––, 2012a, “Morality & Law of War”, in Companion to Philosophy of Law, Andrei Marmor (ed.), New York: Routledge: 364–79.
  • –––, 2012b, “Necessity in Self-Defense and War”, Philosophy & Public Affairs, 40(1): 3–44.
  • –––, 2013, “Associative Duties and the Ethics of Killing in War”, Journal of Practical Ethics, 1(1): 3–48.
  • –––, 2014, “National Defence, Self-Defence, and the Problem of Political Aggression”, in Fabre and Lazar 2014: 11–39.
  • –––, 2015a, “Risky Killing and the Ethics of War”, Ethics, 126(1): 91–117.
  • –––, 2015b, “Authority, Oaths, Contracts, and Uncertainty in War”, Thought: A Journal of Philosophy, 4(1): 52–58.
  • –––, 2015c, Sparing Civilians, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, forthcoming-a, “Complicity, Collectives, and Killing in War”, Law and Philosophy.
  • –––, forthcoming-b, “Authorization and the Morality of War”, Australasian Journal of Philosophy.
  • Lazar, Seth and Helen Frowe (eds), 2016, Oxford Handbook of Ethics of War, New York: Oxford University Press. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.001.0001
  • Lazar, S. and L. Valentini, forthcoming, “Proxy Battles in Just War Theory: Jus in Bello, the Site of Justice, and Feasibility Constraints”, Oxford Studies in Political Philosophy, III.
  • Lee, S., 2012, Ethics and War: An Introduction, New York: Cambridge University Press.
  • Lefkowitz, D., 2009, “Partiality and Weighing Harm to Non-Combatants”, Journal of Moral Philosophy, 6(3): 298–316.
  • Lippert-Rasmussen, 2013, “Global Injustice and Redistributive Wars”, Law, Ethics and Philosophy, 1(1): 65–86.
  • List, C. and P. Pettit, 2011, Group Agency: The Possibility, Design, and Status of Corporate Agents, Oxford: Oxford University Press.
  • Luban, D., 1980a, “The Romance of the Nation-State”, Philosophy and Public Affairs, 9(4): 392–97.
  • –––, 1980b, “Just War and Human Rights”, Philosophy and Public Affairs, 9(2): 160–81.
  • –––, 2004, “Preventive War”, Philosophy & Public Affairs, 32(3): 207–48.
  • –––, 2014, “Risk Taking and Force Protection”, in Reading Walzer, Yitzhak Benbaji and Naomi Sussman (eds), New York: Routledge: 230–56.
  • Lyall, J., 2009, “Does Indiscriminate Violence Incite Insurgent Attacks? Evidence from Chechnya”, Journal of Conflict Resolution, 53(3): 331–62.
  • Margalit, A. and J. Raz, 1990, “National Self-Determination”, The Journal of Philosophy, 87(9): 439–61.
  • Marshall, S.L.A., 1978, Men against Fire: The Problem of Battle Command in Future War, Gloucester: Peter Smith.
  • Mavrodes, G.I., 1975, “Conventions and the Morality of War”, Philosophy and Public Affairs, 4(2): 117–31.
  • May, L., 2012, After War Ends : A Philosophical Perspective, Cambridge ; New York: Cambridge University Press.
  • –––, 2015, Contingent Pacifism : Revisiting Just War Theory, New York: Cambridge University Press.
  • McIntyre, A., 2001, “Doing Away with Double Effect”, Ethics, 111(2): 219–55.
  • McMahan, J., 1994, “Innocence, Self-Defense and Killing in War”, Journal of Political Philosophy, 2(3): 193–221.
  • –––, 2002, The Ethics of Killing: Problems at the Margins of Life, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2004a, “War as Self-Defense”, Ethics & International Affairs, 18(1): 75–80.
  • –––, 2004b, “The Ethics of Killing in War”, Ethics, 114(1): 693–732.
  • –––, 2005a, “Just Cause for War”, Ethics & International Affairs, 19(3): 1–21.
  • –––, 2005b, “The Basis of Moral Liability to Defensive Killing”, Philosophical Issues, 15(1): 386–405.
  • –––, 2005c, “Self-Defense and Culpability”, Law and Philosophy, 24(6): 751–74.
  • –––, 2008, “The Morality of War and the Law of War”, in Rodin and Shue 2008: 19–43.
  • –––, 2009, Killing in War, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2010a, “Laws of War”, in Besson and Tasioulas 2010: 493–510.
  • –––, 2010b, “The Just Distribution of Harm between Combatants and Noncombatants”, Philosophy & Public Affairs, 38(4): 342–79.
  • –––, 2011a, “Who Is Morally Liable to Be Killed in War?”, Analysis, 71(3): 544–59.
  • –––, 2011b, “Duty, Obedience, Desert, and Proportionality in War: A Response”, Ethics, 122(1): 135–67.
  • –––, 2014, “What Rights May Be Defended by Means of War?”, in Fabre and Lazar 2014: 115–58.
  • McMahan, J. and R. McKim, 1993, “The Just War and the Gulf War”, Canadian Journal of Philosophy, 23(4): 501–41.
  • McNaughton, D. and P. Rawling, 1995, “Value and Agent-Relative Reasons”, Utilitas, 7(1): 31–47.
  • McPherson, L., 2004, “Innocence and Responsibility in War”, Canadian Journal of Philosophy, 34(4): 485–506.
  • Moellendorf, D., 2008, “Jus Ex Bello”, Journal of Political Philosophy, 16(2): 123–36.
  • Moore, M., 2014, “Collective Self-Determination, Institutions of Justice, and Wars of National Defence”, in Fabre and Lazar 2014: 185–202.
  • Norman, R., 1995, Ethics, Killing and War, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Øverland, G., 2013, “602 and One Dead: On Contribution to Global Poverty and Liability to Defensive Force”, European Journal of Philosophy, 21(2): 279–99.
  • Parry, J., 2016, “Civil Wars and Revolutions”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.22
  • Pettit, P., 2015, The Robust Demands of the Good, Oxford: Oxford University Press.
  • President, U.S.A., 2002, The National Security Strategy of the United States of America, September. available online.
  • Quinn, W.S., 1989, “Actions, Intentions, and Consequences: The Doctrine of Double Effect”, Philosophy and Public Affairs, 18(4): 334–51.
  • Quong, J., 2009, “Killing in Self-Defense”, Ethics, 119(2): 507–37.
  • Ramsey, P., 1961, War and the Christian Conscience: How Shall Modern War Be Conducted Justly?, Durham, N.C: Duke University Press.
  • Rawls, J., 1996, Political Liberalism, Chichester: Columbia University Press.
  • Raz, J., 1985, “Authority and Justification”, Philosophy & Public Affairs, 14(1): 3–29.
  • Reichberg, G.M., 2016, “The Historiography of Just War Theory”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.18
  • Renzo, M., 2013, “Democratic Authority and the Duty to Fight Unjust Wars”, Analysis, 73(4): 668–76.
  • Rickless, S.C., 1997, “The Doctrine of Doing and Allowing”, The Philosophical Review, 106(4): 555–75. doi:10.2307/2998512
  • Roberts, A., 2008, “The Principle of Equal Application of the Laws of War”, in Rodin and Shue 2008: 226–54.
  • Rodin, D., 2002, War and Self-Defense, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 2008a, “Two Emerging Issues of Jus Post Bellum: War Termination and the Liability of Soldiers for Crimes of Aggression”, in Jus Post Bellum: Towards a Law of Transition from Conflict to Peace, Carsten Stahn and Jann K. Kleffner (eds), The Hague: T.M.C. Asser Press: 53–76.
  • –––, 2008b, “The Moral Inequality of Soldiers: Why Jus in Bello Asymmetry Is Half Right”, in Rodin and Shue 2008: 44–68.
  • –––, 2011a, “Justifying Harm”, Ethics, 122(1): 74–110.
  • –––, 2011b, “Morality and Law in War”, in The Changing Character of War, Sibylle Scheipers and Hew Strachan (eds), Oxford: Oxford University Press: 446–63.
  • –––, 2014, “The Myth of National Self-Defence”, in Fabre and Lazar 2014: 69–89.
  • Rodin, David and Henry Shue (eds), 2008, Just and Unjust Warriors: The Moral and Legal Status of Soldiers, Oxford: Oxford University Press.
  • Ryan, C., 2011, “Democratic Duty and the Moral Dilemmas of Soldiers”, Ethics, 122(1): 10–42.
  • –––, 2016, “Pacifism”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.21
  • Schwartz, D., 2016, “Late Scholastic Just War Theory”, in Lazar and Frowe 2016. doi:0.1093/oxfordhb/9780199943418.013.13
  • Schwenkenbecher, A., 2013, “Rethinking Legitimate Authority”, in Routledge Handbook of Ethics and War: Just War Theory in the 21st Century, Fritz Allhoff, Nicholas Evans, and Adam Henschke (eds), New York: Routledge: 161–70.
  • Shue, H., 1997, “Eroding Sovereignty: The Advance of Principle”, in The Morality of Nationalism, Robert McKim and Jeff McMahan (eds), Oxford: Oxford University Press: 340–59.
  • –––, 2008, “Do We Need a Morality of War?”, in Rodin and Shue 2008: 87–111.
  • –––, 2010, “Laws of War”, in Besson and Tasioulas 2010: 511–30.
  • –––, 2013, “Laws of War, Morality, and International Politics: Compliance, Stringency, and Limits”, Leiden Journal of International Law, 26(02): 271–92.
  • Shue, H. and D. Rodin, 2007, Preemption: Military Action and Moral Justification, Oxford: Oxford University Press.
  • Smilansky, S., 2010, “When Does Morality Win?”, Ratio, 23(1): 102–10.
  • Statman, D., 2006, “Supreme Emergencies Revisited”, Ethics, 117(1): 58–79.
  • –––, 2014, “Fabre’s Crusade for Justice: Why We Should Not Join”, Law and Philosophy, 33(3): 337–60.
  • Steinhoff, U., 2008, “Jeff McMahan on the Moral Inequality of Combatants”, Journal of Political Philosophy, 16(2): 220–26.
  • Tadros, V., 2011, The Ends of Harm: The Moral Foundations of Criminal Law, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2014, “Orwell’s Battle with Brittain: Vicarious Liability for Unjust Aggression”, Philosophy and Public Affairs, 42(1): 42–77.
  • –––, 2015, “Wrongful Intentions without Closeness”, Philosophy & Public Affairs, 43(1): 52–74.
  • Taylor, C., 1995, “Irreducibly Social Goods”, in his Philosophical Arguments, London: Harvard University Press: 127–45.
  • Temkin, L.S., 1993, Inequality, Oxford: Oxford University Press.
  • Thomson, J.J., 2008, “Turning the Trolley”, Philosophy and Public Affairs, 36(4): 359–74.
  • Valentino, B., P. Huth, and S. Croco, 2010, “Bear Any Burden? How Democracies Minimize the Costs of War”, The Journal of Politics, 72(2): 528–44.
  • Valentino, B.A., 2004, Final Solutions : Mass Killing and Genocide in the Twentieth Century, Ithaca, N.Y.: Cornell University Press.
  • Waldron, J., 2016, “Deep Morality and the Laws of War”, in Lazar and Frowe 2016. doi:10.1093/oxfordhb/9780199943418.013.1
  • Walzer, M., 2006 [1977], Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations, 4th edition, New York: Basic Books.
  • –––, 2009, “Responsibility and Proportionality in State and Nonstate Wars”, Parameters, Spring: 40–52.
  • Walzer, M. and A. Margalit, 2009, “Israel: Civilians and Combatants”, New York Review of Books.
  • Wasserstrom, R., 1978, Harvard Law Review, 92(2): 536–45.
  • Zohar, N.J., 1993, “Collective War & Individualistic Ethics: Against the Conscription of ‘Self-Defense’”, Political Theory, 21(4): 606–22.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

   

مصادر أخرى على الإنترنت

  • Geneva Conventions of 1949 and their Additional Protocols
  • The International Committee of the Red Cross on War and Law
  • Rome Statute of the International Criminal Court (1998)
  • Ethical War Blog
  • The Stockholm Centre for the Ethics of War and Peace
  • Orend, Brian, “War,” Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2016/entries/war/>. [This was the previous entry on War in the Stanford Encyclopedia of Philosophy — see the version history.]

مداخل ذات صلة

authority | justice: global | justice: transitional | pacifism | political realism: in international relations | responsibility: collective | rights: human | السيادةحكومة العالم

Acknowledgments

Many thanks to Thomas Pogge for his comments on this entry, which were a great benefit throughout. This entry draws on all my work in just war theory, and so I owe a great debt to the many philosophers who have contributed so much to my understanding of these issues, both in their published work and in conversation. Most of the people in the bibliography deserve a mention, but I reserve particular thanks for Henry Shue, Jeff McMahan, and David Rodin, for setting me on this path.


[1] Lazar, Seth, “War”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2020/entries/war/>.


الملاحظات

[i] نعني بالحرب هنا الصراع العسكري الواسع بين مجموعات منظمّة.

[ii] للإطلاّع على ردّ قوّي للموقف الواقعيّ، راجع وولتزر 2006، الفصل الأول.

[iii] هذه أنماط بدائية، فمعظم المنظرّين هم تقليديين في بعض النواحي، وتعديليين في أخرى.

[iv] في هذا الجزء، ولأسباب أسلوبية، نستخدم “مدني” بالتبادل مع “غير مقاتل”، و”جندي” بالتبادل مع “مقاتل”. بطبيعة الحال، حرفيًا، ليست هذه المصطلحات مترادفة كلّيًا.

[v]  حول العلاقة بين أخلاقيات الحرب وقانونها، تُنظر الحجج التقليدية المستفيضة عند هنزي شو و سيث لازار، والحجج الأخلاقية ولكن غير التعديلية القانونية عند جيف ماكمهان ، والحجج التعيدلية القانونية والأخلاقية عند ديفيد رودن : McMahan 2008; Shue 2008; McMahan 2010a; Shue 2010; Rodin 2011b; Lazar 2012a; Shue 2013; Lazar and Valentini 2017.  وللاطّلاع على معالجة مفصّلة، راجع هاك Haque لاحقًا.

[vi] يعتقد البعض أن كل الأخلاقيات مؤسساتية، وما نسمّيه هنا المقاربة التفاعلية يعتمد بشكلٍ كثيف على المؤسسات في ما خصّ القضايا في السياقات المحلية، مع مؤسسات محلية معيارية. لاحظوا أنّ هذا التعارض نفسه موجود في النقاش الدوليّ حول العدالة. راجع مثلاً كاني Caney 2005.

[vii] بالتعارض مع نقد الاختزاليين (راجع مثلاً فوري Frowe 2014)، فقط هؤلاء المستثنيون الأكثر تطرّفًا ولامعقولية يعتقدون أن أخلاقيات الحرب  فريدة حقًّا.

[viii] توجد مراجع مفيدة تصلح كمقدمات لمعالجة الجماعية الوصفية والتقييمية، على التوالي: تايلور 1995 و ليست  List وبوتي Pettit 2011.

[ix] من أجل لائحة  شاقّة ولكن ليست شاملة لعواملٍ كهذه، راجع رودين 2001a

[x] يعتقد العديد من علماء الواجب أن الأسباب الفاعلة-المحايدة و الفاعلة-النسبيّة ذات صلة بما نعتبره جميعًا أمورًا مسموحة،  وبالتالي يجب احتسابها في حسابات التناسبية والضرورة. تنطبق الأسباب الفاعلة-المحايدة على الكلّ بنفس القوّة، أمّا الأسباب الفاعلة-النسبيّة إمّا تنطبق حصرًا على بعض الفاعلين، أو بقوّة مختلفة اعتمادًا على الفاعل (McNaughton and Rawling 1995). مثلاً، لديّ أسبابي الفاعلة-المحايدة لكي أنقذ ابني من الغرق، ولكن لدي تحديدًا أسبابي الفاعلة النسبية القوّية لكي أقوم بذلك. بالطبع، لا يجب خلط الأسباب الأخلاقية الفاعلة النسبية مع مجرّد الأسباب الاحترازية. لديّ سبب فاعل-نسبيّ أقوى ممّا لديم لكي أنقذ أحدهم من الغرق، إذا دفعته إلى المياء، لكن هذا قد لا يكون على علاقة مع مصلحتي الخاصّة. مع ذلك، يعتقد بعض علماء الواجب أنّ بمقدورنا استيعاب كل الأفكار الواجبية المعتادة من دون اللجوء إلى نسبية الفاعل. وهذا نقاشٌ لا يسعه المدخل هذا.

[xi] هذه الفكرة الأساسية، الملطّفة كثيرًا، تشكّل أساس تقرير الهيئة الدولية للتدخّل وسيادة الدولة حول مسؤولية الحماية (ICISS 2001).

[xii] من أجل معاجلة ممتازة للسلطة الشرعية، راجع بنباجي 2016,

[xiii]  إذا كان البديل عن الحرب هو الخضوع، يصبح موضوع الملاذ الأخير هو نفسه موضوع التناسبية: هل فوائد القتال كبيرة بما يكفي لكي تتجاوز التكاليف المتوقّعة للخضوع؟

[xiv] قارنوا: ” تعمل أطراف النزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية.”(المادة 48، البروتوكول الاضافي الأول لاتفاقية جنيف).

[xv] قارنوا: ” والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضراراً بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.” (المادة 51، البند الخامس ب، البروتوكول الاضافي الأول لاتفاقية جنيف).

[xvi] أ ) قارنوا مع المادة 57، من البروتوكول الاضافي الأول لاتفاقية جنيف: “يجب على من يخطط لهجوم أو يتخذ قرار بشأنه:  أولا : أن يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين أو أعياناً مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة 52، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا اللحق “البروتوكول”.     ثانياً : أن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند تخير وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الأضرار بالأعيان المدنية، وذلك بصفة عرضية، وعلى أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق.     ثالثاً : أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم قد يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الأضرار بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.    ب) يلغى أو يعلق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس هدفاً عسكرياً أو أنه مشمول بحماية خاصة أو أن الهجوم قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الأضرار بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، وذلك بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة،     ج ) يوجه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك.     3- ينبغي أن يكون الهدف الواجب اختياره حين يكون الخيار ممكناً بين عدة أهداف عسكرية للحصول على ميزة عسكرية مماثلة، هو ذلك الهدف الذي يتوقع أن يسفر الهجوم عليه عن إحداث أقل قدر من الأخطار على أرواح المدنيين والأعيان المدنية.     4- يتخذ كل طرف في النزاع كافة الاحتياطات المعقولة عند إدارة العمليات العسكرية في البحر أو في الجو، وفقاً لما له من حقوق وما عليه من واجبات بمقتضى قواعد القانون الدولي التي تطبق في المنازعات المسلحة، لتجنب إحداث الخسائر في أرواح المدنيين وإلحاق الخسائر بالممتلكات المدنية.  

[xvii]  تحظر مبادىء أخرى إلحاق الأذى بالمقاتلين باستخدام طرق محددة، مثل الغاز السامّ.

[xviii] من أجل الاطّلاع على “الاستثناء الطارىء الأقصى”، راجع : وولتزر 2006: 247-50. ومن أجل النقد، راجع: بلّامي Bellamy 2004؛ ستاتمان Statman 2006.

[xix]  المادة 43 من البروتوكول الاضافي الأول يذكر بشكل صريح :” يعد أفراد القوات المسلحة لطرف النزاع …..مقاتلين بمعنى أن لهم حق المساهمة المباشرة في الأعمال العدائية”.  في الوقت عينه، توضّح الديباجة أنّ هذه المبادىء تنطبق “على الأشخاص كافة الذين يتمتعون بحماية هذه المواثيق دون أي تمييز مجحف يقوم على طبيعة النزاع المسلح أو على منشأه أو يستند إلى القضايا التي تناصرها أطراف النزاع أو التي تعزى إليها.” يجادل هاك  Haque (في ما يلي) من أجل تأويلٍ مختلف للقانون الدولي، يتم بموجبه تجريم المشاركة في حربٍ جائرة، ولكن ليس بشكلٍ قانونيّ صريح. يبدو أن هذا التأويل يعكس ما يجب على القانون الدولي أن يكون عليه، أوجدَ المرءُ هذا التأويل مقنعًا أو لا. راجع: لازار 2012a  .

[xx] حتّى وقتٍ قريب، أيّد معظم منظّري الحرب العادلة هذه المنطلقات (Rodin 2002; McPherson 2004; Arneson 2006; McMahan 2009; Fabre 2012; Frowe 2014)). في الأونة الأخيرة، لاحظ الفلاسفة الصعوبة في التوفيق بين الاستنتاجات المقبولة لنظرية الحرب العادلة وبين نظرية معقولة للحقوق الفردية، وقبلوا بدورٍ موسَّع لتبرير مخفّف للشرور في نظرية الحرب العادلة (حيث يتم تجاوز الحقوق ولكن لا تضيع) (Lazar 2010; Bazargan 2014; McMahan 2014)).

[xxi] يعتقد البعض أن مسؤوليات غير المقاتلين تبرز بشكلٍ خاصّ في النزاعات غير المتكافئة، والّتي غالبًا ما تكون حاسمة بخصوص قدرة المقاتلين على القتال. (راجع مثلاً جروس Gross 2010).

[xxii] هذا هو اقتراح سابا بازركان Saba Bazargan.