ديالكتيك هيجل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فراس الحمدان

ديالكتيك هيجل – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فراس الحمدان


شرح ووصف لمهنج هيجل الجدلي وحججه، والأنماط النحوية والمصطلحات في ديالكتيك هيغل، وتطبيقه، وعن إذا ما كان منهجه منطقيًا من عدمه، ولم يستخدم هجيل الجدل من الأساس؟ نص مترجم للـد. جولي مايبي والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

“الديالكتيك” هو مصطلح استُخدم لوصف طريقة حجاجٍ فلسفية تتضمن نوعاً ما عملية تناقضٍ بين أطرافٍ متضادّة. على سبيل المثال ، قدم الفيلسوف اليوناني القديم ، أفلاطون ، حجاجه الفلسفي في ما يمكن اعتباره الشكل الأكثر كلاسيكية للديالكتيك (الجدل) على شكل محاورة تبادلية أو مناظرة ، تدور بشكل عام بين شخصية سقراط ، من طرف ، و بين شخص ما أو مجموعة من الأشخاص ممن كان يحدثهم سقراط  (محاوروه) ، على الطرف الآخر . أثناء المحاورات ، يقترح محاورو سقراط تعريفات لمفاهيم فلسفية أو يعبرون عن وجهات نظر يسائلها سقراط أو يعارضها . تُنتج المحاورة التبادلية بين الأطراف المتضادة نوعًا من التقدم الخطي أو الارتقاء في وجهات النظر الفلسفية أو المواقف المتّخذة : طالما أن المحاورات مستمرة ، فإن محاوري سقراط يغيرون أو ينقحون وجهات نظرهم استجابةً لتساؤلات سقراط و يذهبون إلى تبنّي آراء أكثر تعقيداً و أكثر رقيّا . يُصبح الديالكتيك (الجدل) المتبادل بين سقراط و محاوريه إذن سبيل أفلاطون في الحجاج ضد الآراء والمواقف الأولية و الأقل تعقيداً و رقياً ، وضد أكثرها تعقيداً و رقياً لاحقاً .

يُشير “ديالكتيك هيجل” إلى الأسلوب الديالكتيكي (الجدلي) الاستثنائي الذي استخدمه فيلسوف القرن التاسع عشر الألماني، جورج فيلهيلم فريدريك هيجل للحجاج ، والذي يعتمد ، شأنه شأن الأساليب “الديالكتيكية” الأخرى ، على عملية تناقض بين ” الأطراف المتضادة “. لمّا كان الناس هم ” الأطراف المتضادة ” عند أفلاطون (سقراط ومحاوروه) ، فإن ” الأطراف المتضادة ” في عمل هيجل تعتمد على مادة الموضوع الذي يبحثه . على سبيل المثال ، في عمله على المنطق ، فإن “الأطراف المتضادة ” هي تعريفات مختلفة للمفاهيم المنطقية التي تعارض بعضها البعض . في ” فينيمونولوجيا الروح ” والذي يمثل إبيستيمولوجية هيجل أو فلسفته المعرفية ، فإن ” الأطراف المتضادة ” هي تعريفات مختلفة للوعي والشيء الذي يدركه الوعي أو يدعي معرفته . كما هي الحال في محاورات أفلاطون ، فإن عملية التناقض الحاصلة بين “الجوانب المتضادة” في ديالكتيك هيجل تؤدي إلى ارتقاء خطي أو تطورٍ من تعاريف أو آراءٍ أقل تعقيداً و رقيّاً إلى تعاريف و آراء أكثر تعقيداً و رقيّاً لاحقاً. وبالتالي فإن العملية الجدلية تشكّل أسلوب هيجل في الحجاج ضد التعاريف أو الآراء الأقل تعقيداً و رقيّاً إلى أكثرها تعقّداً و رقياً لاحقاً. اعتبر هيجل أن هذه الطريقة الجدلية أو ” المعرفة النظرية ” (PR §10) هي السمة المميزة لفلسفته ، واستخدم نفس الطريقة في فينيمونولوجيا الروح Phenomenology of Spirit (PhG) ، وكذلك استخدمها في جميع الأعمال الرصينة التي نشرها لاحقًا – موسوعة العلوم الفلسفية Encyclopedia of Philosophical Sciences بأكملها (بما في ذلك ، المنطق الصغير في مستهلّها Encyclopaedia Logic (EL) ، وعلم المنطق Science of Logic (SL) ، وأصول فلسفة الحق Philosophy of Right  (PR) – .

لاحظ أنه على الرغم من أن هيجل قد اعترف بأن طريقته الجدلية كانت جزءًا من تراث فلسفي يمتدّ إلى عهد أفلاطون في القِدم ، إلا أنه قد انتقد هيئة الجدل عند أفلاطون. و قد دلّل على نقده بأن ديالكتيك أفلاطون لا يتعامل إلا مع ادعاءات فلسفية محدودة و أنه غير قادر على تجاوز الشكوكيّة أو العدم (SL-M 55–6; SL-dG 34–5; PR, Remark to §31). وفقاً لمنطق حجّة ” برهان الخَلفِ ” reductio ad absurdum argument التقليدية ، إذا كانت المقدمات المنطقية لحجّة ما تقود إلى تناقض ، فيجب علينا استنتاج أن تلك المقدمات باطلة أو خاطئة – مما يجعلنا بلا مقدّمات و بلا شيء على الإطلاق . و يجب علينا إذن الانتظار في الجوار حتى تتشكل لدينا مقدمات أخرى بشكل اعتباطي من مطرحٍ آخر ، و من ثمّ نرى ما إذا كانت تلك المقدمات ستعيدنا إلى العدم أو الخلاء مرّةً أخرى ، إذا كانت أيضاً ( أي تلك المقدمات ) تقود إلى تناقض آخر . و لأن هيجل اعتقد بحتمية توليد العقل للتناقضات ، كما سنرى لاحقاً ، فقد فكر بأن المقدمات الجديدة ستنتج بالتأكيد تناقضات إضافية .  و كما يطرح حجته ، إذن :

” والريبية التي تختُم بتجريد الليس أو بالخلاء لا تقدرُ على المضيّ قدماً انطلاقاً منه ، بل يجب أن تترقب إن عرض لها جديدٌ و ما هو، حتى تلقي به في عين الغور الخالي ” (PhG §79)

يجزم هيجل بأنه نظرًا لأن ديالكتيك أفلاطون لا يمكن أن يتجاوز التعسف والريبيّة ، فإنه ينتج فقط حقائق تقريبية ، ولا يرقى إلى أن يكون علماً أصيلاً (SL-M 55–6; SL-dG 34–5; PR, Remark to §31; cf. EL Remark to §81).

 

  1. شرح و وصف هيجل لمنهجه الجدلي

  2. تطبيق منهج هيجل الجدلي على حججه

  3. هل منهج هيجل الجدلي منطقي؟

  4. لماذا يستخدم هيجل الجدل؟

  5. الأنماط النحوية والمصطلحات الخاصة في ديالكتيك هيجل

  • قائمة المراجع

  • الترجمات الإنجليزية لنصوص هيجل الرئيسية

  • الترجمات الإنجليزية للمصادر الأولية الأخرى

  • أدب ثانوي

  • الأدوات الأكاديمية

  • مصادر الإنترنت الأخرى

  • مداخل ذات صلة


 

  1. شرح هيجل لطريقته الجدلية

يقدم هيجل نظرته الأشمل و الأعمّ لأسلوبه الجدلي في الجزء الأول من ” موسوعة العلوم الفلسفية “، والذي يسمّى غالباً منطق الموسوعة [Encyclopedia Logic]. يقول : إن المنطق من حيث الشكل والعرض له ثلاثة جوانب أو لحظات (EL §79). هذه الجوانب ليست أجزاءً من المنطق ، لكنها بالأحرى لحظاتُ ” كلّ فكرة منطقية” ، و “كل حقيقةٍ أيّاً كانت” (EL Remark to §79 ؛ سنرى لماذا اعتقد هيجل بأن الديالكتيك موجود في كل شيء في القسم الرابع). اللحظة الأولى – لحظة الفهم – هي لحظة الثبات ، حيث يكون للمفاهيم أو الأشكال على ما يبدو تعريف أو تعيّن مستقر (EL §80).

اللحظة الثانية – اللحظة الجدلية (EL §§79, 81) أو ” اللحظة السلبية للعقل ” (EL §79) – هي لحظة عدم الاستقرار. في هذه اللحظة ، يتقدم التعيّن أو أحادية الجانب الموجودة في لحظة الفهم إلى المقدمة (EL Remark to §81)، والتعيّن الذي كان ثابتاً في اللحظة الأولى يعبرُ إلى نقيضه (EL §81). يصف هيجل هذه العملية بأنها عملية ” (تجاوز) ذاتي – self-sublation” (EL §81). يترجم الفعل الإنجليزي ” to sublate” استخدام هيجل التقني للفعل الألماني aufheben ، و الذي يعدّ مفهوماً أساسياً في أسلوبه الجدلي . يقول هيجل أن للفعل aufheben معنيين : فهو يعني الإلغاء ( أو النفي ) و يعني في الوقت ذاته الاحتفاظ (PhG §113; SL-M 107; SL-dG 81–2; cf. EL the Addition to §95). تُجاوز لحظة الفهم نفسها بسبب أن ميزتها أو طبيعتها – كونها أحادية الجانب أو محددة – تزعزع تعريفها و تقودها إلى العبور نحو نقيضها . تتضمن اللحظة الجدلية إذن عملية رفع ذاتي ، أو عملية يجاوز فيها “الحدّ” من لحظة الفهم ذاته ، أو بمعنى أن ينفي نفسه ويحافظ عليها في الآن ذاته ، و كأنه يدفع نفسه إلى العبور نحو نقيضه .

اللحظة الثالثة – اللحظة ” النظرية ” أو اللحظة ” الإيجابية للعقل ” (EL §§79, 82) – و هي اللحظة التي تُدرك وحدة تضادّ الحدّين الأوّلين، أو هي النتيجة الإيجابية لتحول و تفكك تلك الحدود (EL §82 and Remark to §82). يرفض هيجل هنا حجة ” برهان الخِلف ” التقليدية ، و التي تقول بأنه عندما تقود المقدمة المنطقيّة لحجاج ما إلى تناقض، فيجب حينئذٍ التخلص من المقدمة كليّاً و تجاهلها ، دون ترك شيء . كما أشار هيجل في ” الفينومينولوجيا ” بأن هذه الحجة

” إنما هي حقاً الريبيّة التي لا ترى في النتاج إلا الليس المحض ، فتجرّد من ذلك كون هذا الليس إنما هو على وجه التحديد لَيسُ الذي ينتج عنه (PhG §79) “.

على الرغم من أن اللحظة النظريّة تلغي التناقض، إلا أنها عدم ذو مضمون محدد أو معرّف لأنها نتاج عمليّةٍ محددة مميزة . هناك شيء مخصص بشأن المضمون المحدد في لحظة الفهم – ضعفٌ معيّن ، أو جانب معيّن أُهمِل في أحاديّة جانبه أو تقييده – مما يقوده إلى الانهيار في اللحظة الجدلية . اللحظة النظرية لها تعريف أو تعيّن أو محتوى لأنها تنمو من هذه الميزات الخاصة بالتعيّنات الأولية و توحدها ، أو هي ” وحدة من القضايا المميزة ” (EL §82). وبالتالي فإن اللحظة النظرية ” ليست عدماً فارغاً أو مجرّداً ، و إنما هي سلبٌ لقضايا نوعيّةٍ خاصّة “(EL §82). عندما يكون النتاج ” من حيث يُؤخذ بما هوَ ( ليسُ ) الذي يتأتّى منه ” ، كما يقول هيجل ، فإنه ” في الواقع النتاج الحق ، و هو ذاته عندئذٍ ( ليسٌ ) مقيّدٌ و ذو مضمون ما “(PhG §79). و كما يعبّر هو عنه ” و لمّا يُدرك النتاج – بالعكس – كما يكون على الحقيقة ، أي كنفي مقيّد (محدّد) ، فإن صورة جديدة تكون نجمت مع ذلك – في الحال – ” . (PhG §79) أو، كما يقول، ” لأن النتاج ، النفي ، نفيٌ مقيّد – bestimmte – فإن له مضموناً ما ” (SL-dG 33; cf. SL-M 54). إن ادّعاء هيجل في كلٍّ من الفينومينولوجيا و علم المنطق أن فلسفته تعتمد على عملية ” نفيٍ مقيّد (محدد) bestimmte ” قد دفع الباحثين في بعض الأحيان إلى وصف ديالكتيكه كمنهج أو مذهب ” للنفي المقيّد ” . (see entry on Hegel, section on Science of Logic; cf. Rosen 1982: 30; Stewart 1996, 2000: 41–3; Winfield 1990: 56).

هناك العديد من الميزات لهذا الاعتبار والتي يعتقد هيجل أنها تسمو بمنهجه الجدليّ فوق تعسفيّة جدل أفلاطون لتصل إلى مستوى العلم الأصيل . أولاً ، نظرًا لأن التعيّنات في لحظة الفهم ” تُجاوز نفسها ” ، فإن ديالكتيك هيجل لن يتطلب ظهور فكرة جديدةٍ بشكلٍ اعتباطي . بدلاً من ذلك ، فإن الانتقال إلى تعيناتات (قيود) جديدة مدفوع بطبيعة التعيّنات السابقة. في الواقع ، بالنسبة لـهيجل، فإن الانتقال مدفوع “بالضرورة” (see, e.g., EL Remarks to §§12, 42, 81, 87, 88). طبيعة التعيّنات نفسها تقودها أو تجبرها على العبور إلى أضدادها . هذا المعنى للضرورة- فكرة أن الطريقة “الجدليّة” تتضمن الإجبار من اللحظات المبكّرة إلى اللحظات المتأخرة – يقود هيجل إلى اعتبار ديالكتيكه كضرب من ضروب المنطق . و كما يقول في الفينومينولوجيا، فإن “البيان الخاص بالمنهج فإنما هو من غرض المنطق ، أو هو المنطق برأسه ” (PhG §48). إن الضرورة – بمعنى أنها دفعٌ أو إجبار للوصول إلى الاستنتاجات أو الخلاصات – هي سمة ” المنطق ” المميزة في الفلسفة الغربية.

ثانياً ، و لأن الشكل أو التعيين الذي ينشأ هو نتاج تجاوز ” التعيين ” من لحظة الفهم لذاته  ، فإنه لا حاجة لحضور و ظهور فكرة جديدة من الخارج . بدلاً من ذلك ، فإن الشكل أو التعيين الجديد يتأتى بشكل ضروري من اللحظات السابقة، وبالتالي فإنه ينشأ من العملية نفسها. على عكس ديالكتيك أفلاطون الاعتباطيّ- والذي يجب أن ينتظر في الجوار حتى تأتي فكرة أخرى من الخارج – بالتالي فإنه بالنسبة لديالكتيك هيجل ” لا يقدّم شيء عرضي أو خارجي ” كما يقول (SL-M 54;  راجع ؛ . SL-dG 33). إن جدله إذن مدفوع بالطبيعة ” طبيعة الشيء ” ، الحضورية أو ” جوهر الشيء ” (SL-M 54 ؛ راجع SL-dG 33 ؛ راجع PR §31). على حد تعبيره ، فإن الديالكتيك هو ” الدينامية التي تضفي وحدها الارتباط المحايث و الضرورة الكامنة في جسم العلم “(EL Remark to §81).

ثالثًا ، نظرًا لأن التعيينات السابقة “تُجاوز” التعيينات اللاحقة ، فإن التعيينات السابقة لم يتم إلغاؤها أو نفيها بشكلٍ كامل . بل على العكس من ذلك ، فإن التعيينات السابقة تُحفظ بمعنى أنها تبقى ضمن حدود التعيينات اللاحقة ليتم الاستفادة منها . على سبيل المثال ، عندما يتم تقديم ” الوجود لذاته being for itself  ” في المنطق على أنه التصور الأول للمثاليّة أو الكليّة ، و يُعرّف بكونه محتضنا لمجموعة من ” الشيء- الآخر”  ،فإن الوجود لذاته يستبدل الشيء – الآخر بكونهم التصوّر الجديد، لكنهم ” أي الشيء- الآخر ” يبقون فعّالين ضمن تعريف تصور الشيء لذاته . و يجب على هؤلاء ” الشيء – الآخر ”  أن يواصلوا اصطفاء “الأشياء” الفردية قبل أن يستطيع تصوّر الوجود لذاته أن يحصل على تعريفه الخاص بصفته تصوراً جامعاً لهم . يستبدل الوجود لذاته ” الشيء – الآخر ” ، لكنه يحتفظ بهم أيضاً، لأن تعريفه لا يزال يتطلب منهم القيام بعملهم في اصطفاء الأشياء الفردية (EL §§ 95–6).

مفهوم ” التفاحة ” ، على سبيل المثال ، كالوجود لذاته، سيكون معرّفاً بجمع ” أشياء ” فردية تتشابه فيما بينها و تتماثل (كتفّاحات). كل تفاحة بحالها يمكن أن تكون ما هي عليه (كتفاحة) فقط بالنسبة ” للآخر ” و الذي هو نفس ” الشيء ” و يكون هنا ” تفاحة ” على سبيل المثال . هذه هي أحادية الجانب أو هو التقييد الذي يقود كل “شيء” للعبور إلى “الآخر” الخاص به أو نقيضه . “الأشياء” إذن هي “الشيء-الآخر” مجتمعَين . أضف إلى ذلك ، أن عمليات تعريفهم تؤدي إلى عملية غير منتهية تتمثل في العبور ذهابًا وإيابًا إلى بعضهم البعض : “الشيء” يمكن أن يكون ما هو عليه ( كتفاحة ) فقط بالنسبة إلى “شيء” آخر يكون نفسه أو مثله ( أي مثل الشيء الأول ) ، والذي في المقابل ، يمكن أن يكون ما هو عليه (كتفاحة) فقط بالنسبة إلى “الشيء” الآخر الذي يشبهه أيضاً ، و على هذا المنوال، ذهابًا وإيابًا ، إلى ما لا نهاية (راجع EL §95) . يوقف مفهوم “التفاحة” باعتباره وجوداً لذاته عملية العبور غير المنتهية تلك باحتواء أو تضمّن ” الشيء-الآخر ” الفرديين (التفاحات) في مضمونها .فهو يقبض على أو يدرك سماتها أو كيفيّتها ( كتفاحات ) . لكن يجب على “الشيء-الآخر” أن يقوما بعملهما في اصطفاء وفصل تلك العناصر الفردية (التفاحات) قبل أن يتمكن مفهوم “التفاح” – كوجود لذاته – من تجميعها لتعريفه الخاص. يمكننا أن نتصور مفهوم الوجود لذاته من خلال هذا الشكل :

وبالتالي فإن المفاهيم اللاحقة تستبدل و لكنها أيضاّ تحتفظ بالمفاهيم السابقة .

رابعًا ، تحدد المفاهيم اللاحقة و تتخطى أيضاً نهايات و محدودية المفاهيم السابقة . تتجاوز التحديدات السابقة نفسها – تعبر إلى الآخر الخاص بها بسبب بعض الضعف أو أحادية الجانب أو التقييد في تعريفاتها . هنالك إذن قيود في كل من التحديدات التي تقودهم للعبور إلى أضدادهم . و كما يقول هيجل ، “الشيء المتناهي يطمس معالم نفسه ، و سيضع نفسه جانباً ” (EL Remark to §81). التحديدات اللاحقة تعرّف محدودية التحديدات السابقة . على سبيل المثال ، من وجهة نظر مفهوم الوجود لذاته ، فإن مفهوم “الشيء- الآخر” محدود أو متناهٍ : على الرغم من أن الشيء- الآخر من المفترض أن يكونا مثل بعضيهما ، فإن سمة تشابههما (كتفاحات على سبيل المثال) مُلتقطة و مرئية من الأعلى فقط، بواسطة شيء من مستوى أرفع ، تصوّرٍ أكثر كونية “للوجود لذاته”. يكشف الوجود لذاته عن تقييدات مفهوم ” الشيء- الآخر ” ، كما أنه يتعالى عنها ، ذلك لأنه يستطيع فعل شيءٍ لا يستطيع مفهوم ” الشيء- الآخر” فعله . و بهذا يتيح لنا الديالكتيك تخطي المتناهي وصولاً إلى الكونية . ” و باختصار سيظهر المبدأ الجدلي على أنه هو الذي يشكل ما هو حقيقي و واقعي في معارضة ما هو خارجي، و هكذا يرتفع فوق المتناهي ” (EL Remark to §81) كما يقول هيجل.

خامسًا، ولأن التحديدات في اللحظة النظرية تُدرك وحدة اللحظتين الأوليّتين، فإن أسلوب هجل الجدلي يقود إلى تصورات أو أشكال شموليّة و كليّة على نحو متزايد. و كما يحيل إليها هيجل ، فإن نتاج العملية الجدلية ” هو مفهوم جديد ولكنه مفهوم أرفع و أثرى من سوابقه – أثرى لأنه ينفي أو يعارض سوابقه وبالتالي فإنه يحتويهم و يحتوي أكثر من ذلك حتى ، ما يكون وحدة نفسه و معارضتها . ( SL-dG 33;راجع ؛   SL-M 54).

و مثل ” الوجود لذاته “، فإن المفاهيم اللاحقة أكثر كليّة لأنها توحد أو أنها مبنيّة من التحديدات السابقة ، وتشمل تلك التحديدات السابقة كجزء من تعريفاتها. و في الواقع ، يمكن أيضًا تصور العديد من المفاهيم أو التحديدات الأخرى بأنها محيطة حرفيًا بالمفاهيم السابقة (cf. Maybee 2009: 73, 100, 112, 156, 193, 214, 221, 235, 458).

أخيراً، و نظراً لأن العملية الجدلية تؤدي إلى زيادة الشمولية والكليّة، فإنها تنتج في نهاية المطاف سلسلة كاملة ، أو تدفع “إلى الاكتمال” (SL-dG 33; cf. PhG §79) . و باستخدام مصطلح هيجل ، يقود الديالكتيك إلى “المطلق”، وهو المفهوم أو الشكل الأخير ، النهائي ، الشامل لما قبله أو غير المشروط ، المتعلق بالموضوع قيد النقاش (المنطق ، الفينومينولوجيا، الأخلاق / السياسة وما إلى ذلك) . مفهوم “المطلق” أو شكله غير مشروط لأن تعريفه أو تحديده يحتوي على كل المفاهيم أو الأشكال الأخرى التي طُوِّرَت مسبقًا في العملية الجدلية لذاك الموضوع قيد النقاش . علاوة على ذلك ، و لأن العملية تتطور بشكل ضروري و شامل من خلال كل مفهوم أو شكل أو تحديد، بالتالي ليس هنالك تحديدات مهملة أو تم تركها خارج العمليّة . و من ثمّ ليس هناك بقايا مفاهيم أو أشكال – مفاهيم وأشكال تقبع خارج نطاق “المطلق” – من الممكن أن تحدده أو تعرّفه . و يستتبع ذلك إذن أن “المطلق” غير مشروط لأنه يحتوي كل الشروط في مضمونه ، و هو ليس مشروطًا بأي شيء آخر خارجه (أي مضمونه) . هذا المطلق هو أعلى مفهوم أو شكل للكونيّة الخاصة بذاك الموضوع . إنه الفكر أو مفهوم النسق الفكري الكامل المتعلق بمادة الموضوع المدروسة . يمكننا على سبيل المثال تصوير “الفكرة المطلقة” (EL §236)، والتي تمثّل “المطلق” للمنطق – على أنها شكل بيضاوي ممتلئ ويحيط بالعديد من الحلقات المضمنة المكونة من أشكال بيضاوية ودوائر أصغر حجمًا من تلك المحيطة بهم، والتي تمثل كل التحديدات السابقة والأقل كونية من عملية التطور المنطقي (راجع Maybee 2009: 30 ، 600):

تقود مفاهيم “المطلق” لكل موضوع إلى بعضها البعض، عندما يتم جمعها معًا ، و بذلك تشكل النسق الفلسفي الكامل لهيجل ، والذي ، كما يقول : “يقدم نفسه كدائرة من الدوائر أو دائرة تحتوي دوائر ” (EL §15). يمكننا تصور النسق بأكمله بهذا الشكل (راجع Maybee 2009: 29):

تجعل هذه المميزات مجتمعةً أسلوبه الجدليّ أسلوباً علمياً أصيلاً ، كما يعتقد . يقول: “و إذا ما فُهم المبدأ الجدلي على هذا النحو فسوف يكون روح التقدم العمي و حياته ” (EL Remark to §81). و يقرّ بأن وصف المنهج كان من الممكن أن يكون أكثر اكتمالًا وتفصيلاً، ولكن نظرًا لأن المنهج أو التقدم مدفوع بمادة الموضوع ذاتها ، فإن هذا المنهج الجدلي هو “المنهج الوحيد الحقيقي” (SL-M 54; SL-dG 33).

 

  1. تطبيق منهج هيجل الجدلي على حججه

رأينا حتى الآن كيف يصف هيجل منهجه الجدلي ، لكننا لم نرَ بعدُ كيف يمكننا قراءة أو تفحّص هذا المنهج في الحجج التي يقدمها في أعماله. يستخدم الباحثون غالباً الأطوار الثلاثة الأولى من المنطق “كمرجع كلاسيكي” (Forster 1993: 133) لتوضيح كيفية تطبيق منهج هيجل الجدلي على حججه. يبدأ المنطق بالفكرة البسيطة والمباشرة للوجود الخالص ، والتي من شأنها أن توضح لحظة الفهم . يمكننا التفكير في الوجود هنا كمفهوم للوجود أو الحضور الخالص. وجود غير مُتوسَّطٍ بأي مفهوم آخر – أو غير معرّفٍ بالنسبة إلى مفهوم آخر ( أي لا يتعلق به ) – و بهذا فإنه غير متعيّن أو ليس له تعيين إضافي (EL §86; SL-M 82; SL-dG 59). يؤكد هذا الوجود أنه وجود مجرّد ، لكن هذا الوجود أو الحضور لا يملك تعيُّناً إضافياً. و نظرًا لأن فكر الوجود الخالص غير متعيّن وكذلك التجريد الخالص ، إلا أنه لا يختلف حقًا عن إثبات السلب الخالص أو السلب المطلق (EL §87). هو بالتالي (أي الوجود) عدمٌ بالمثل (SL-M 82 ؛ SL-dG 59). عَوَز الوجود إلى التعيّن يقوده إذن إلى تجاوز نفيه والعبور إلى فكرة العدم (EL §87؛ SL-M 82؛ SL-dG 59) ، و بهذا يصوّر لنا هذا التجاوز اللحظة الجدلية.

لكن إذا ركزنا للحظة على تعريفات الوجود والعدم نفسها ، فإن تعريفاتهما لها نفس المضمون. في الواقع ، كلاهما غير متعيّن، و بذلك فإنهما يملكان نفس المضمون غير المعرّف. الفرق الوحيد بينهما هو “شيء ما مقدّر فقط” (EL Remark to §87) ، أي أن الوجود هو مضمون غير معرّف ، يُعتبر أو من المفترض أن يكون حضوراً ، بينما العدم هو مضمون غير معرّف أيضاً ، يُعتبر أو من المفترض أن يكون غياباً . المفهوم الثالث من المنطق – والذي من شأنه تصوير أو توضيح اللحظة النظرية – يوحد اللحظتين الأوليّتين  بالتقاطه أو إحاطته بـ – أو استخلاص النتيجة – من التعارض بين اللحظتين الأوليّتين. مفهوم “الصيرورة” هو الفكر لمضمون غير معرّف ، يُعتبر كحضور (وجود) و من ثمّ كغياب (عدم) ، أو يُعتبر كغياب (عدم) و من ثمّ كحضور (وجود) . أن تصير يعني أن تنتقل من الوجود إلى العدم  أو من العدم إلى الوجود ،أو كما يصيغها هيجل: “التلاشي المباشر للواحد في الآخر” (SL-M 83; cf. SL-dG 60). التناقض بين الوجود و العدم ليس إذن “برهان الخِلف” ، أو لا يؤدي إلى نبذ المفهومين و بالتالي إلى العدم أو اللاشيء – كما قال هيجل عن ديالكتيك أفلاطون (SL-M 55–6 ؛ SL-dG 34-5) – إنما يؤدي إلى نتيجة إيجابية، أي إلى التقديم لمفهوم جديد – التوليفة – التي توحد المفهومين الأوليين المتعارضين.

يمكننا أيضًا استخدام مثال المرجع الكلاسيكي للوجود – العدم – الصيرورة لتوضيح مفهوم هيجل عن ال”aufheben” (التجاوز)، والذي يعني كما رأينا الإلغاء (أو النفي) والاحتفاظ في الوقت ذاته . يقول هيجل أن مفهوم الصيرورة يتجاوز مفهومي الوجود والعدم (SL-M 105 ؛ راجع SL-dG 80). تنفي أو تلغي الصيرورة الوجود والعدم لأنها مفهوم جديد يستبدل المفاهيم السابقة، لكنها أيضاً تحتفظ بالوجود والعدم لأنها تعتمد على هذه المفاهيم السابقة من أجل تعريفها الخاص. حقيقةً ، الصيرورة هي أول فكرة عينيّة في المنطق. على عكس الوجود والعدم، اللذين ليس لهما تعريف أو تعيّن كأفكار بحد ذاتهما، و بهذا كانت تجريداً فقط (SL-M 82–3 ؛ SL-dG 59–60 ؛ راجعEL Addition to §88 )، الصيرورة هي وحدةٌ متعيّنة تحتوي كلا الوجود والعدم (SL-M 105 ؛ راجع SL-dG 80). تنجح الصيرورة بالحصول على تعريف أو تعيّن لأنها معرّفة بـ- أو راكبةً على أكتاف (دلالة على الاعتماد)- فكرتي الوجود والعدم .

يرتبط المثال المرجعي الكلاسيكي (وجود – عدم – صيرورة) بقوة بالفكرة التقليدية القائلة بأن ديالكتيك هيجل يتبع نمط (أطروحة – نقيضة – توليفة)، والذي عند تطبيقه على المنطق يعني أنه هناك فكرة جديدة مقدّمة “كأطروحة” أو فكرة موجبة ، والتي تتطور بعد ذلك إلى فكرة ثانية تنفي أو تعارض الفكرة الأولى أو “نقيضتها”، والتي بدورها تقود إلى فكرة ثالثة، “التوليفة”، التي توحد الفكرتين الأوليتين (انظر ، على سبيل المثال، McTaggert 1964 [1910]: 3–4; Mure 1950: 302; Stace, 1955 [1924]: 90–3, 125–6; Kosek 1972: 243; E. Harris 1983: 93–7; Singer 1983: 77–79). تستمر روايات تفسير ديالكتيك هيجل هذه بالانتشار (على سبيل المثال ،Forster 1993: 131; Stewart 2000: 39, 55; Fritzman 2014: 3–5). في هذه القراءة ، الوجود هو الفكرة الموجبة أو “الأطروحة”، والعدم هو اللحظة السالبة أو “النقيضة” ، والصيرورة هي لحظة الaufheben أو لحظة التجاوز “التوليفة”، و هي الفكرة التي تلغي و تحتفظ ، أو التي توحد و تدمج الوجود و العدم .

ومع ذلك ، يجب أن نكون حذرين من ألا نطبق هذا المثال المرجعي الكلاسيكي بشكل دغمائي على بقية منطق هيجل أو منهجه الجدلي بشكل عام (لرؤية النقد الكلاسيكي لقراءة الأطروحة – النقيضة – التوليفة الخاصة بجدل هيجل ، انظر مولر 1958). يمكن لهذا النمط العام وصف الانتقالات من طور إلى طور أو من مرحلة إلى أخرى في بعض الأماكن، ولكن هناك العديد من الأماكن الإضافية لا يتماشى أو لا يتلاءم فيها هذا النشوء مع هذا النمط العام بشكل جيّد. على سبيل المثال، يبدو النمط ملائماً أو مناسباً للمكان الذي يتحول فيه “القدر” (EL §107) – بوصفه اتحاداً بين الكيف والكم – إلى الذي لا قدر له (EL §107) ، المقابل أو المعارض للقَدْر، والذي بدوره يتحول إلى الماهية، والتي هي الوحدة أو الدمج ما بين الجانبين السابقين (EL §111). يمكن القول أن هذه السلسلة من التحولات تتبع النمط العام المصوّرَ بواسطة “مثال المرجع الكلاسيكي”: حيث سيكون القدر هو لحظة الفهم أو الأطروحة ، والذي لا قدر له سيكون اللحظة الجدلية أو النقيضة ، وستكون الماهية اللحظة النظرية أو التوليفة التي توحد اللحظتين السابقتين. ومع ذلك ، فإنه يتم إعادة تعريف “الذي لا قدر له” ذاته ” كقَدْر” قبل أن يتم التحول إلى الماهية (EL §109) – تحجيمٌ بتوازٍ محدد مع مثال الوجود – العدم – الصيرورة الكلاسيكي ، بما أن التحول من القَدْر إلى الماهية لن يتبع نمط قدر – لا قدر له – ماهية ، ولكنه بالأحرى سيتبع نمط {قَدْر(لا قدر له) – قَدْر – ماهيّة}.         

كما لاحظ المفسرون الداعمون للقراءة التقليدية لديالكتيك هيجل، فإن أقساماً أخرى من فلسفة هيجل لا تتناسب مع ثالوث المرجع الكلاسيكي وجود – عدم – صيرورة على الإطلاق. يذهب والتر ستيس بعد استخدام مثال وجود – عدم – صيرورة للحجاج بأن منهج هيجل الجدلي يتضمن مثلثات تسمى أعضاؤها “أطروحة – نقيضة – توليفة [Stace 1955 [1924]: 93]، إلى تحذيرنا بأن هيجل لم ينجح بتطبيق هذا النمط على النسق الفلسفي ككل . يقول ستيس إنه من الصعب رؤية كيف أن الحد المتوسط ​​من بعض ثواليث هيجل يمثل المقابل أو نقيض الحد الأول، “حتى أنه يوجد  (ثواليث) تحتوي على أربعة حدود!” (Stace 1955 [1924]: 97). بل إن قسماً من منطق هيجل  – وهو القسم الخاص بالمعرفة – ينتهك و يكسر نمط الأطروحة – النقيضة – التوليفة لأنه ذو تقسيمين فرعيين فقط، بدلاً من ثلاثة. يتذمر ستيس بأن :”الثالوث غير مكتمل”. “لا حدّ ثالث. يتخلى هيجل هنا عن النهج الثلاثي. ولا يوجد تفسير قادم لما فعله” (Stace 1955 [1924]: 286 ؛ راجع McTaggart 1964 [1910]: 292).

عرض المفسرون حلولاً مختلفة و عديدة للشكوى أو الاتهام القائل بأن ديالكتيك هيجل يبدو أحياناً و كأنه ينتهك و يكسر الشكل الثلاثي . يطبق بعض العلماء الشكل الثلاثي على نحو غير مضبوط إلى حد ما على مراحل عدّة (مثل Burbidge 1981: 43–5 ؛ Taylor 1975: 229–30). آخرون طبّقوا نهجه الثلاثي على أقسام كاملة من فلسفته، بدلاً من المراحل الفردية أو الجزئية . على سبيل المثال، بالنسبة إلى جوفري ريجنالد جيلكريست مور فإن القسم الخاص بالمعرفة يتلاءم بإجادة مع النظرة الثلاثية للديالكتيك “أطروحة – نقيضة – توليفة” لأن القسم كله بدوره هو النقيض للقسم الذي يسبقه ، القسم الخاص بالحياة (Mure 1950: 270). يحاجج مور بأن الشكل الثلاثي الخاص بهيجل يسهل تمييزه كلما طبقناه على نطاق أوسع. يقول: “يظهر الشكل الثلاثي على عدة مقاييس، وكلما كبُر المقياس المعتمد كلما كان الشكل الثلاثي أوضح”(Mure 1950: 302).

وقد حاول العلماء الذين يفسرون وصف هيجل للديالكتيك على نطاق أصغر – من ناحية الانتقال من مرحلة إلى أخرى – أن يشرحوا لماذا يبدو أن بعض الأقسام تنتهك الشكل الثلاثي. يحاجج جون نيميير فيندلاي على سبيل المثال، الذي مثله مثل ستيس يربط الديالكتيك “بالثالوث، أو بالثلاثية”- أن هذه المراحل يمكن أن تتناسب مع هذا الشكل الثلاثي “بأكثر من وجع أو أكثر من معنى” (Findlay 1962: 66). المعنى الأول للثلاثية يحاكي المثال الكلاسيكي “الوجود – العدم – الصيرورة”. غير أنه بمعنىً ثانٍ، كما يقول فيندلاي: فإن اللحظة الجدلية أو “الانهيار التناقضي” ليست مرحلة منفصلة بحد ذاتها، أو “أنها لا تُحسب كواحدة من هذه المراحل”، بل هي تحول بين مرحلتين مجردتين متعارضتين لكنهما متكاملتان و متطورتان إلى حد ما في الآن ذاته” (Findlay 1962: 66). قد يشتمل هذا النوع الثاني من الثلاثية على أي عدد من المراحل: “كان يمكن توسيعه بسهولة ليصبح رباعية أو خماسيّة .. إلخ” (Findlay 1962: 66). و يذهب مع ذلك مثله مثل ستيس إلى مواصلة الشكوى بأن العديد من التحولات في فلسفة هيجل لا يبدو أنها تتلاءم والنمط الثلاثي بشكل حسَن. فالحد الثاني في بعض الثواليث يكون “المناقض الواضح والمباشر للحد الأول” – كما في حالة الوجود والعدم . بينما في حالات أخرى، فإن المقابل أو المعارض، كما يصيغه فيندلاي، “ذو طابع أقل شدّة أو تطرف” (Findlay 1962: 69). و يتوسط الحد الثالث في بعض الثواليث الحدّين الأوليين بشكل واضح. و في حالات أخرى كما يقول، فإن الحد الثالث مجرّد متوسِّطٍ محتمل أو وحدةٌ من بين وحدات أخرى محتملة ؛ وفي حالات أخرى بعد، “فإن الوظائف التوفيقية للحد الثالث ليست واضحة على الإطلاق” (Findlay 1962: 70).

لننظر بتمعن إلى مكانٍ ما لا يبدو أن المثال الكلاسيكي “وجود – عدم – صيرورة” يصف فيه التطور أو النمو الجدلي لمنطق هيجل على نحوٍ حسن. في مرحلة لاحقة من المنطق ، تمر فكرة الغاية بعدة تكرارات ، من الغاية المجردة (EL §204) ، إلى الغاية المنتهية أو المتوسّطة (EL §205) ، ثم مروراً بعدة مراحل من القياس (EL §206) وصولاً إلى الغاية المُدركة (EL §210). الغاية المجردة هي الفكر الخاص بـ أو فكرة أي نوع من الغائية ، حيث لم تتعيّن أو تُعرّف الغاية بعد. لا تتضمن هذه الغاية المجردة أنواع الغايات التي تطرأ في الوعي فقط، مثل الدوافع أو الحاجات، لكنها تتضمن أيضاً “الغرضية الجوانيّة” أو النظرة الغائية التي طرحها الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو (انظر إلى “مدخل إلى أرسطو”؛EL Remark to §204)، والتي تقتضي أن الأشياء في العالم لها ماهيّاتها و تسعى إلى الوصول إليها أو تحقيقها، أو “لديهم الغاية للتلاؤم” مع ماهيّاتهم. الغاية المنتهية هي اللحظة التي تبدأ الغاية المجردة عندها بتجميع و اختيار مواد مخصصة أو مضمون سيتمّ إدراكه (EL §205). تمر الغاية المتناهية بعد ذلك خلال تلك العملية التي مثبلها مثل “الكليّة” تصبح مدركةً لنفسها بوصفها الغاية لتلك المواد المخصصة أو ذاك المضمون (و بالتالي تصبح غايةً مدركة) بالانتقال إلى الخصوصية، ثم إلى الفردانية (قياس U-P-S) ، وفي النهاية إلى “التخارجيّة” ، أو إلى المواضيع الفردية الموجودة خارجاً في العالم (EL §210 ؛ راجع Maybee 2009: 466–493).

لا يبدو أن وصف هيجل لتطور أو نشوء الغاية يتلاءم مع مثال “وجود – عدم – صيرورة” الكلاسيكي أو مع نموذج “أطروحة – نقيضة – توليفة”. وفقاً للمثال أو النموذج فإن الغاية المجردة ستكون لحظة الفهم أو الأطروحة، و ستكون الغاية المتناهية هي اللحظة الجدلية أو النقيضة، و من ثمّ ستكون الغاية المدركة هي اللحظة النظرية أو التوليفة. و على الرغم من أن الغاية المتناهية لها تعيُّن مختلف عن تعيُّن الغاية المجردة (تنقح و تهذب تعريف الغاية المجردة) ، فإنه من الصعب رؤية كيف يمكن أن تُصنّف (أي الغاية المتناهية) كمُقابِلة تامّة أو كنقيضة للغاية المجردة بنفس الطريقة التي يناقض أو يعارض فيها العدم نقيضه الوجود.

هنالك إجابة رغم ذلك لذلك النقد القائل بأن العديد من التعيينات غير متضادة بشكل دقيق. المصطلح الألماني الذي تُرجم إلى “التضاد” في شرح هيجل للحظات الديالكتيك (EL §§81, 82) —entgegensetzen— له ثلاثة مقاطع: setzen (أن يضع أو يجلس)، gegen ، (ضد|مقابل)، والبادئة ent التي تشير إلى أن شيئاً قد دخل إلى حالة جديدة. من ثمّ يمكن ترجمة الفعل entgegensetzen حرفياً بـ”أن يوضع أو يجلس على الطرف المقابل”. ال entgegensetzen الذي تعبرُ إليه التعيينات إذن ليس بالضرورة  أن يكون مضاداً أو مقابلاً تماماً للأول، بل يمكن أن تكون مجرد تعيينات “توضع قِبال” أو فقط مختلفة عن التعيينات الأولى. ويمكن تفسير البادئة ent – التي تشير إلى دخول التعيينات الأولى في حالة جديدة – بادعاء هيجل بأن التعيينات المتناهية من لحظة الفهم تتجاوز(تلغي و تحتفظ أيضاً) نفسها (EL §81): تضع التعيينات اللاحقة التعيينات السابقة في حالة جديدة باحتفاظها بها بعد إلغاء ما تم إلغاؤه.

 

هناك حس تقني في ذات الوقت مفاده أن التعيينات اللاحقة ستظل “أضداداً” للتعيينات السابقة. و بما أن التعيينات الثانية مختلفة عن التعيينات الأولى، فإنها النفي المنطقي للأولى، أو أنها “ليست” التعيينات الأولى. مثلاً إذا كان التعيين الأول ياءً، فلأن التعيين الجديد مختلف عنه فهو إذن أي التعيين الثاني ليس ياءً (Kosek 1972: 240). و نظراً لأن الغاية المتناهية على سبيل المثال لديها تعيين أو تعريف مختلف عن ذاك الذي تمتلكه الغاية المجردة فإنها بالتالي ليست غاية مجردة، أو أنها النفي لهذه الغاية المجردة أو ما يقابلها و يضادها. و من أجل هذا فإنه يوجد حس منطقي و تقني في كون الفكرة أو الصورة الثانية هي المقابل أو نفي الفكرة الأولى أو أنها ليست هي، و على أية حال، مجدداً، فإن الفكرة الثانية لا يجب أن تكون مقابلة أو مضادة للفكرة الأولى بمعنى دقيق.

مشاكل أخرى لا تزال قائمة رغم ذلك. نظرًا لأن مفهوم “الغاية المدركة” معرّفٌ من خلال عملية قياسية، فهو ذاته نتاج عدة مراحل من التطور (على الأقل أربعة مراحل حسب إحصائي إذا اعتبرنا “الغاية المدركةَ” كتعيين منفصل)، والذي يبدو أنه ينتهك و يكسر النموذج الثلاثي. و رغم ذلك، فلا تبدو فكرة “الغاية المدرَكة” كوحدة أو كدمج بين الغاية المجردة والغاية المتناهية، بالمعنى الدقيق لكلمة الوحدة أو الدمج. الغاية المُدرَكة هي النتاج (و كذلك توحّد) للعملية القياسية الخاصة بالغاية المتناهية، والتي تركز عليها الغاية المتناهية و تُدرَك بواسطتها في المادة المخصصة أو المضمون. وبالتالي تبدو الغاية المُدركَة كتطوير للغاية المتناهية، أكثر منها وحدةً أو دمجاً بين الغاية المجردة و الغاية المتناهية، مثلما يمكن القول أن الصيرورة هي الوحدة أو الدمج بين الوجود والعدم.

قادت هذه الأنواع من الاعتبارات الباحثين ليفسروا ديالكتيك هيجل بطريقة تتضمن قراءة أكثر حَرفيّة لادّعائه في “منطق الموسوعة”، بأن الجوانب الثلاثة لشكل أو صورة المنطق – أي لحظة الفهم واللحظة الجدلية واللحظة النظرية – “هي لحظات كل {jedes} فكرة منطقية أعني كل {jedes} فكرة شاملة” (EL Remark to §79، و بها ترجمة بديلة لكلمة “كل”). يشير الاقتباس إلى أن كل فكرة تمر بكل اللحظات الثلاث من العملية الجدلية – و هو اقتراح مدعوم بادعاء هيجل في الفينومينولوجيا بأن نتيجة عملية السلب المتعيّن هي أن “صورة جديدة تكون قد نجمت مع ذلك في الحال” (PhG §79). وفقًا لهذا التفسير ، فإن “الجوانب” الثلاثة ليست ثلاثة أفكار أو أشكال مختلفة مرتبطة ببعضها البعض في ثالوث – كما يوحي مثال “وجود – عدم – صيرورة” الكلاسيكي- بل هي جوانب لحظية مختلفة أو “تعيينات” مختلفة في الحياة، إن صحّ القول، لكل فكرة أو شكل أثناء انتقاله/ا إلى الفكرة التالية. وبالتالي تتضمن اللحظات الثلاث مفهومين أو شكلين فقط: ذلك الذي يأتي أولاً و ذلك الذي يليه (أمثلة من الفلاسفة الذين يفسرون دياللكيتك هيجل بهذه الطريقة الثانية Maybee 2009 ؛ Rosen 2014: 122، 132؛ and Winfield 1990: 56).

بالنسبة لمفهوم الوجود على سبيل المثال فإن لحظة الفهم الخاصة به هي لحظة استقراره، حيث يتم التأكيد عليه أنه حضور خالص. رغم ذلك فإن هذا التعيين أحاديّ الجانب أو مقيّد، لأنه كما رأينا، يتجاهل جانبًا آخر من تعريف الوجود، أي أن الوجود ليس له مضمون أو تعيين، وهو كيف أن الوجود معرّف في لحظته الجدلية. يجاوز الوجود نفسه إذن لأن أحادية الجانب الخاصة بلحظة الفهم الخاصة به تقوّض ذلك التعيين و تقود إلى التعريف الذي يملكه في لحظته الجدلية. تستخلص اللحظة النظرية نتائج هذه اللحظات: فهي تؤكد أن الوجود (كحضور خالص) يدل على العدم أو يحتويه. إنها أيضًا (أي اللحظة النظرية) “وحدة الحدود أو القضايا في تضادها”[Entgegensetzung] (EL §82، ترجمة بديلة): و بما أنها تصوّر عملية تحركٍ من فكرة إلى أخرى، فإنها تشتمل على لحظة فهم الوجود (كحضور خالص) و لحظته الجدلية (كعدم أو عدم تعيين)، ولكنها تقارن أيضاً بين هذين الحدّين أو التعيينين، أو تضعهما  (setzen) ضد (gegen) بعضهما البعض. كما أنها تضع الوجود في حالة جديدة (كما تفيد البادئة ent) لأن المفهوم التالي، العدم، سيجاوز(يلغي و يحتفظ) الوجود.

لمفهوم العدم أيضاً  كل اللحظات الثلاث. فعندما يتم التثبت بأنها النتيجة النظرية لمفهوم الوجود، فإنها عندئذ تتمتع بلحظة الفهم أو الاستقرار: إنه العدم، مُعرّف بكونه غياباً خالصاً، بكونه غياب التعيين أو التحديد. لكن لحظة الفهم الخاصة بالعدم هي أيضاً أحادية الجانب أو مقيدة: مثل الوجود ، فالعدم أيضاً مضمونٌ غير معرّف، والذي يكون (أي المضمون غير المحدد) تعيينه في لحظة العدم الجدلية. يجاوز العدم نفسه إذن: فبما أنه مضمون غير معرّف، فإنه ليس غيابًا خالصًا بعد الآن، و لكن كان له نفس الحضور الذي كان للوجود. إنه حاضر كمضمون غير معرّف . بالتالي فإن العدم يجاوز الوجود: فهو يستبدل (يلغي) الوجود ، لكنه يحتفظ أيضًا بالوجود بقدرٍ ما لكونه يماثله التعريف (كمضمون غير معرّف) والحضور الذي كان للوجود. يمكننا تصور الوجود والعدم على هذه الشاكلة (للدوائر خطوط تفصيلية متقطعة لتشير إلى أنها، كأفكار، غير معرفة؛ انظر Maybee 2009: 51):

من ثم فإن العدم في لحظته النظرية يتضمن الحضور أو الوجود، والذي هو “وحدة الحدود أو القضايا في تضادها “Entgegensetzung (EL §82; ؛ ترجمة بديلة). لأنها تشمل التحديدين السابقين لـ”العدم” – كعملية تحرك من فكرة إلى أخرى – و تقارن أيضًا بينهما، أولاً كغياب خالص، وثانيًا بقدر ما فيه من حضور.

تُساق العملية الجدلية إلى المفهوم أو الشكل التالي – الصيرورة – ليس من خلال نمط “أطروحة – نقيضة – توليفة” الثلاثي ولكن بواسطة أحاديّة جانب العدم – والتي تقود العدم إلى مجاوزة نفسه – و بواسطة نتائج العمليّة إلى ذلك الحد. و بما أن كلّاً من “الوجود” و “العدم” قد تم تحليلهما بشكل شامل و بإسهاب كمفاهيم منفصلة، ولأنهما المفهومان الوحيدان في العملية، فهناك سبيل واحد فقط للمضي قدماً بالعملية الجدلية: يتوجب على أي مفهوم سيأتي لاحقاً أخذ الوجود والعدم في الحسبان و في ذات الوقت. علاوة على ذلك، فقد كشفت العملية أن مضموناً غيرَ معرّف يُعتبر حضوراً (أي الوجود) يدل على العدم (أو غياباً)، وأن مضموناً غير معرّف يُعتبر غيابًا (أي العدم) يدل على الوجود (أو حضوراً). يأخذ المفهوم التالي إذن الوجود والعدم و يستخلص منهما تلك النتائج – أي أن الوجود يدل على العدم، وأن العدم يدل على الوجود. إذن نحن الآن أمام الصيرورة، مُعرّفةً بأنها عمليتان منفصلتان: عملية يصبح فيها الوجود عدماً، و عملية أخرى يصبح فيها العدم وجوداً، يمكننا تصوّر الصيرورة بهذا الشكل (راجع Maybee 2009: 53):

بطريقة مماثلة ، تقود أحادية الجانب أو التقييد في التعيينات الخاصة بالغاية المتناهية إلى جانب النتائج الخاصة بالمراحل السابقة إلى الغاية المُدرَكة. تعرّف أو تخصص (أو تَحضُر) الغاية المتناهية نفسها في مضمونها في لحظة الفهم “كشيء ما مُفترض” أو كموضوع “مَنْوِيّ”(EL §205). أذهب إلى مطعم لغاية تناول العشاء على سبيل المثال، وأطلب سلطة. غايتي من تناول العشاء تتخصص كموضوع منويٍّ مسبقاً – السلطة. لكن هذا الموضوع أو هذه الجزئية – السلطة مثالاً- هي “منعكسة داخليًا” (EL §205): لها محتواها الخاص – والذي تطور في المراحل السابقة – والذي يتجاهله تعريف الغاية المتناهية. يمكننا تصور الغاية المتناهية بهذه الطريقة:

تتعيّن الغاية المتناهية في اللحظة الجدلية بواسطة المضمون المُتجاهَل، أو بواسطة ذاك المضمون الآخر. تتطلب أحاديّة الجانب الخاصة بالغاية المتناهية استمرار العملية الجدلية من خلال سلسلة من الأقيسة التي تحدد الغاية المتناهية بالنسبة إلى المضمون المُتجاهَل. يربط القياس الأول الغاية المتناهية بالطبقة الأولى من المضمون في الموضوع : تمرّ الغاية أو الكليّة (العشاء) عبر الجزئية (السلطة) وصولاً إلى محتواها، الفردي (الخس كمثال للشيء) – القياس u p s  (EL §206). لكن الجزئية (السلطة) هي في حد ذاتها غاية أو كليّة، “والتي هي بذات الوقت قياس داخل نفسه [sich]”( EL Remark to §208 ؛ ترجمة بديلة)، بالنسبة إلى مضمونها. السلطة كليّة/غاية  مخصصة كَخس (كنوع من الشيء) ولها فرديتها في هذا الخس، هنا قياسٌ ثانٍ ، u p s. وبالتالي ، فإن الفردية الأولى (“الخس” كنوع من الشيء) – والتي هي في القياس الثاني، جزئية (p) تحكُم (EL §207) أو تؤكد أن u”  هي s” : تقول بأن الخس ككلي u أو بوصفه نوعاً من الشيء هو فردي s ، أو أنه “الخس هنا” على سبيل المثال. هذه الفردية الجديدة (الخس هنا) هي نفسها دمج بين الذاتية والموضوعية (EL §207): إنها فكرة داخليّة أو مميزة (“الخس”)، تكون في علاقة تعريف تبادلية (السهم الدائري) مع ما هو خارجي أو ذاك الموضوعي الخارجي (“هذا هنا”) بوصفه محتواها. يتم تعيين الغاية المتناهية في اللحظة النظرية بواسطة عملية التطور بأكملها ابتداءّ من لحظة الفهم – عندما عُرّفت بالجزئي المخصص في موضوع منويّ بجانب المضمون الذي تتجاهله – وصولاً إلى لحظتها الجدلية – حيث عُرّفت أيضاً بالمضمون المُتَجاهَل سابقاً. يمكننا تصور اللحظة النظرية من الغاية المتناهية بهذه الطريقة:

تقودنا اللحظة النظرية الخاصة بالغاية المتناهية إلى الغاية المُدرَكة. بمجرد أن تمثّل الغاية المتناهية كل المحتوى، تقوم عملية إرجاع (سلسلة من الأسهم الراجعة) بتأسيس و تثبيت كل طبقة و تعيد تعريف الغاية المتناهية كغاية مُدركَة. يؤسس حضور “هذا الخس هنا” الحقيقة الواقعية “للخس” كنوع من الشيء (الحقيقة الواقعية مفهومٌ يصور علاقة التعريف المتبادل بين ما هو داخلي و ما هو خارجي [EL §142]) ، والتي تؤسس “السلطة”، والتي بدورها تؤسس” العشاء ” كغاية مُدركَة من خلال العملية برمتها. يمكننا تصور الغاية المُدركة بهذه الطريقة:

إذا كانت نظرة هيجل إلى الديالكتيك بأنه وصف أو شرح عام لحياة كل مفهوم أو شكل، إذن يمكن لأي قسم احتواء تلك الكثرة أو القلة من المراحل التي يتطلبها التطور. بدلاً من محاولة عصر أو ضغط تلك المراحل لتناسب شكلاً ثلاثياً (راجع Solomon 1983: 22) – و هي تقنية يرفضها هيجل بذاته (PhG §50 ؛ راجع القسم 4) – يمكننا أن نرى العملية مدفوعة بكل تعيين على حسابه الخاص: ما الذي نجحت في إدراكه (والذي يسمح لها أن تكون مستقرة ، من أجل لحظة الفهم) ، ما الذي فشلت في إدراكه أو تصوّره (في لحظتها جدلية) وكيف تؤدي (في لحظتها النظرية) إلى مفهوم أو شكل جديد يحاول تصحيح أحاديّة الجانب في لحظة الفهم. قد يكشف هذا النوع من المعالجة عن نوع من الحجاج قد ينتج كما وعدنا هيجل استكشافاً كليّاً و شاملاً لكل مفهوم أو شكل أو تعيين في كل موضوع ، بالإضافة إلى السموّ بالجدل أو الديالكتيك فوق التحليل العشوائي للآراء الفلسفية المختلفة للوصول به إلى مستوى العلم الأصيل.

  1. هل طريقة هيجل الجدلية منطقية؟

قادت المخاوف القائلة بأن حجج أو براهين هيجل قد فشلت في ملاءمة نظرته إلى الديالكتيك المفسرين إلى استنتاج أن منهج هيجل تعسّفي أو أن عمله ليس فيه منهج جدلي على الإطلاق (Findlay 1962: 93; Solomon 1983: 21). يرفض هؤلاء المفسرون فكرة وجود أي ضرورة منطقية للتحركات أو الانتقالات من مرحلة إلى أخرى. “هذه هي النقطة المهمة التي يجب إثباتها هنا، مراراً و تكراراً”، كتب روبرت سي سولومون، على سبيل المثال:

إن الانتقال من الشكل الأول إلى الثاني، أو الانتقال من الشكل الأول للفينومينولوجيا مباشرةً إلى الشكل الأخير ليس بشكل من الأشكال ضرورة استدلالية. الارتباطات هي أي شيء إلا كونها استلزاماً، و يمكن للفينومينولوجيا دائماً أن تسلك مساراً آخر أو تتخذ من نقاط أخرى مكاناً للانطلاق. (Solomon 1983: 230).

و على هامش هذا المقطع ، يضيف سولومون “أن صياغة منطق هيجل مهما كانت حاذقة و مبتكرة، مستحيلة” (Solomon 1983: 230).

وقد جادل بعض الباحثين أن ضرورة هيجل لم يقصد بها أن تكون ضرورة منطقية. اقترح والتر كوفمان، على سبيل المثال، أن الضرورة الفاعلة في ديالكتيك هيجل هي نوع من الضرورة العضوية. و أن التحركات في الفينومينولوجيا تتبع بعضها البعض،قال إن التحركات في علم الظواهر تتبع بعضها البعض “بالطريقة التي سنستخدم بها التصور الهيجلي من المقدمة حيث يتتالى البرعم ثم الزهرة ثم الفاكهة وراء بعضهم البعض ” (Kaufmann 1965: 148; 1966: 132). و حاجج فيندلاي بأن المراحل اللاحقة  تزوّد ما أسماه “تعليقاً من مستوى أعلى” على المراحل المبكرة، حتى لو لم تنتج المراحل اللاحقة عن المراحل السابقة بشكل مبتذل (Findlay 1966: 367). اقترح سولومون أن الضرورة التي يريدها هيجل ليست “ضرورة” بالمعنى الحديث “للضرورة المنطقية”، (Solomon 1983: 209) ، بل نوعا من التقدم و التوالي (Solomon 1983: 207) ، أو “ضرورة داخل سياق لغاية ما”(Solomon 1983: 209). و يعرّف جون بوربيدج ضرورة هيجل ,وفقاً لثلاثة معانٍ للعلاقة بين الحقيقة الواقعية و الاحتمالية ، و آخر تلك المعاني كان الضرورة المنطقية (Burbidge 1981: 195–6).

عرّف باحثون آخرون الضرورة في جدل هيجل و فقاً لحجة متعالية أو متجاوِزة (ترانسيندينتالية). تبدأ الحجة المتعالية بحقائق غير مثيرة للجدل تخص التجربة و تحاول إظهار أن تلك الشروط لا بد أن تكون حاضرة – أو ضرورية – لجعل تلك الحقائق محتملة . يجادل جون ستيوارت، على سبيل المثال، بأن “جدل هيجل في الفينومينولوجيا هو اعتبار ترانسندنتالي” بهذا المعنى، وبالتالي فإنه لضروريّ امتلاكه ذلك النوع من الحجاج  (Stewart 2000: 23; cf. Taylor 1975: 97, 226–7; for a critique of this view, see Pinkard 1988: 7, 15).

تجنب بعض المفسرين هذه المناظرات بتفسير جدل هيجل بطريقة أدبية. يقدم كينيث ر. ويستفال في استقصائه لنظرية المعرفة في الفينومينولوجيا على سبيل المثال “نموذجًا أدبيًا” لجدل هيجل استنادًا إلى قصة مسرحية سوفوكليس “أنتيجون” (Westphal 2003: 14, 16). و يقدم إرمانو بينسيفينجا تفسيرًا يجمع بين مقاربة سردية ومفهوم الضرورة. بالنسبة له ، يمكن تصور الضرورة في المنطق الجدلي لهيجل باعتبارها سرداً لقصة جيدة – حيث تدل “الجيدة” على أن القصة مبتكرة أو إبداعية و صحيحة في الوقت ذاته (Bencivenga 2000: 43–65).

قد يُثار جزء من النقاش الدائر حول ما إذا كان منطق هيجل منطقياً أم لا بسبب عدم الارتياح من علامته الفارقة الخاصة بالمنطق، والذي على عكس المنطق الرمزي المعاصر، ليس فقط نحوياً، و لكنه دلاليّ أيضاً. و بينما بعض التحركات من مرحلةٍ إلى أخرى مدفوعةٌ بالضرورة النحوية، إلا أن الحركات الأخرى مدفوعة بمعاني المفاهيم القائمة في العملية. و قد رفض هيجل بالفعل هذه الأنواع من المنطق الشكلي أو الصوري والتي اعتبرها الطاغية على المجال في أيامه (EL Remark to §162). منطق يتعامل فقط مع صور الحجج المنطقية وليس مع معاني المفاهيم المستخدمة في هذه الصور الحجاجية لن يكون أفضل من حيث الحفاظ على الحقيقة من تلك النكتة القديمة عن برامج الكمبيوتر: قمامة داخلة، قمامة خارجة (تعني أن المُدخلات غير المنطقية أو غير ذات المعنى ستنتج لنا مخرجاً غير منطقي). في هذه الأنواع من المنطق، إذا أدخلت شيئاً على الp أو الq (في الافتراض “إذا كان P إذن Q ” أو ” تؤول p  إلى q”، على سبيل المثال) أو ” F ” أو ” G ” أو ” x ” (في الافتراض “إذا كان F هو x ، فإن G هو x ” أو ” F x → G x”، على سبيل المثال) هذا يعني شيئًا صحيحاً أو حقيقياً، من ثم ستحفظ الصيغة الخاصة بالمنطق الرمزي هذه الحقيقة. ولكن إذا أدخلت شيئاً غير حقيقي أو بلا معنى على هذه المصطلحات (قمامة داخلة) ، فإن صيغة الجملة الخاصة بالمنطق الشكلي ستؤدي إلى استنتاج غير صحيح أو لا معنى له (قمامة خارجة). يفترض المنطق الفرضي اليوم أننا نعرف ما يكون معنى “الكون is”. و ضد هذه الأنواع من المنطق، أراد هيجل تطوير منطق لا يحفظ الحقيقة فحسب، بل محدداً أيضًا لكيف تُشيّد الادعاءات الصادقة في المقام الأول. اعتقد هيجل أن المنطق الذي يعرّف المفاهيم (الدلالات) وكذلك علاقاتها مع بعضها البعض (النحو) سوف يُظهر كيف يمكن دمج المفاهيم في أشكال ذات معنى. و لأن المفسرين متآلفون مع أنواع المنطق الحديثة التي تركز على بناء الجملة أو النحو، فقد يعتبرون منطق هيجل الدلالي والنحوي غير منطقي. (cf. Maybee 2009: xvii–xx).

غالبًا ما تكون التحركات من مرحلة إلى أخرى مدفوعة أو مُساقة في أعمال هيجل الأخرى ، ليس فقط من خلال بنية أو صيغة الجملة ودلالاتها – أي بالمنطق (بالأخذ بالاعتبار نظرته إلى المنطق) – وإنما أيضًا بالاعتبارات المنبثقة عن الموضوع المدروس و ذات العلاقة به. في الفينومينولوجيا على سبيل المثال، تكون التحركات مدفوعة بصيغتها أو بنائها و دلالتها، والعوامل الفينومينولوجية . في بعض الأحيان، يكون الدافع وراء الانتقال من مرحلة إلى أخرى هو الحاجة النحوية — الحاجة إلى إيقاف عملية ذهاب و إياب غير منتهية، على سبيل المثال، أو اتخاذ مسار جديد بعد استنفاد جميع الخيارات الحالية (راجع القسم 5 ). و في أحيان أخرى، يكون الدافع وراء تحرك ما هو معنى مفهوم ما ، مثل مفهوم “الهذا” أو “الشيء”. وأحيانا تكون الحركة مدفوعة بحاجة أو ضرورة فينومينولوجية – بمتطلبات الوعي، أو بالحقيقة القائلة أن الفينومينولوجيا تدور حول وعي يدعي أنه يدرك (أو يعرف) شيئًا ما. منطق الفينومينولوجيا هو بالتالي فينومينو – منطق، أو منطق مدفوع بمنطق – بناء الجملة والدلالات – و بواسطة اعتبارات فينومينولوجية. مع ذلك، اقترح المفسرون مثل كوينتين لاور، أنه بالنسبة لهيجل،

فإن الفينومينولوجيا هي منطق الظهور، هي منطق التضمين ،مثل أي منطق آخر، حتى و لو أنه ليس الاستلزام الرسمي الذي يألفه المناطقة والرياضيون. (Lauer 1976: 3)

يحذرنا لاور من رفض فكرة وجود أي تضمين أو ضرورة في منهج هيجل على الإطلاق (Lauer 1976: 3). (الباحثون الآخرون الذين يعتقدون أيضًا أن هناك ضرورة منطقية للديالكتيك في الفينومينولوجيا و تشمل Hyppolite 1974: 78–9 و HS Harris 1997: xii.)

يجب أن نكون حذرين أيضًا في ألا نبالغ في تقدير “ضرورة” المنطق الشكلي والرمزي. حتى في هذه الأنواع من المنطق، فغالبًا ما يكون هناك أكثر من مسار واحد من بعض المقدمات إلى النتيجة نفسها، يمكن التعامل مع العوامل المنطقية بعدة أوامر مختلفة ، ويمكن استخدام مجموعات مختلفة من العمليات للوصول إلى نفس الاستنتاجات. بالتالي غالبًا لا يوجد “استلزام” دقيق وضروري من خطوة إلى أخرى، على الرغم من أن الاستنتاج قد يكون ملازماً لسلسلة كاملة من الخطوات مجتمعة. و كما هو الحال في أنواع المنطق المعاصرة، إذن، يعتمد اعتبار ما إذا كان ديالكتيك هيجل منطقياً على الدرجة التي يُظهر بها أننا مضطرون – بالضرورة – من المراحل المبكرة أو سلسلة المراحل إلى المراحل اللاحقة (انظر أيضًا القسم 5 ).

 

  1. لماذا يستخدم هيجل الديالكتيك؟

يتكشف الآن السبب الذي دفع هيجل لاستخدام المنهج الجدلي في دراسة المشروع الذي أعده لنفسه، ولا سيما فيما يتعلق بأعمال ديفيد هيوم وإيمانويل كانط (انظر مقالات عن هيوم و كانط). حاجج هيوم ضد ما يمكن أن نفكر فيه كنظرة “ساذجة” لكيفية تحصيلنا للمعرفة العلمية . وفقاً لهذه الرؤية الساذجة، فإننا نكتسب معرفة العالم باستخدام حواسنا لإدخاله، أي العالم، إلى رؤوسنا وتثبيتها فيه، إن صحّ القول. وعلى الرغم من أننا قد نستخدم ملاحظاتٍ دقيقة و نجري التجارب، إلا إن معرفتنا بالعالم أساساً ما هي إلا عكس مرآةٍ أو نسخة لما يكونه العالم في الأساس. و قد برهن هيوم رغم ذلك على أن ادعاءات تلك العلوم الساذجة عن أن معرفتنا مماثلة للعالم أو ناسخة له غير فعالة أو غير نافعة. خذ المفهوم العلمي للعلة على سبيل المثال. وفقًا لمفهوم العلّة، فالقول بأن حدثاً ما يسبب آخراً يعني القول بأن هناك صلة ضروريةً بين الحدث الأول (العلّة) والحدث الثاني (الأثر) أو المعلول، وعلى ذلك يترتب أنه عندما يحدث الحدث الأول لا بدّ للثاني أن يحدث أيضاً. ووفقاً لهذه العلوم الساذجة، فإننا عندما ندّعي أو (نعرف) أن حدثاً ما يسبب حدثاً آخر، فإن ادعاءنا يعكس أو ينسخ ما ما يكونه العالم أساساً. ويترتب على ذلك أن تلك الصلة السببية الضرورية بين الحدثين يجب أن تكون هي ذاتها موجودة خارجاً في العالم. و على الرغم من ذلك فقد برهن هيوم أننا لا نلحظ مثل تلك الصلة السببية الضرورية في تجربتنا للعالم ، ولا يمكننا حتى أن نستنتج وجود شيء واحد بناءً على استدلالنا (see Hume’s A Treatise of Human Nature, Book I, Section II; Enquiry Concerning Human Understanding, §6). لا تعكس ولا تنسخ فكرتنا عن العليّة أي شيء موجودٍ في العالم.

اعتقد كانط أن حجة هيوم أدت إلى استنتاج غير مقبول ومتشكك ، ورفض حل هيوم فيما يتعلق بالريبيّة (see Kant’s Critique of Pure Reason, B5, B19–20). اقترح هيوم أن فكرتنا عن الضرورة السببية تستند في مضمونها إلى العرف والعادة، لأنها متولدة عن تصوراتنا الخاصة بعد ملاحظات متكررة لنوع من الأحداث يحدث بعد نوع آخر من الأحداث (see Hume’s A Treatise of Human Nature, Book I, Section VI; Hegel also rejected Hume’s solution, see EL §). بالنسبة لكانط، فيجب على العلم والمعرفة أن يستندا إلى العقل، واقترح حلاً يهدف إلى إعادة تأسيس العلاقة بين العقل والمعرفة والتي قُطعت بسبب حجاج هيوم الشكوكيّ. تضمن حل كانط اقتراح ثورة كوبرنيكية في الفلسفة (Critique of Pure Reason, Bxvi). كان نيكولاس كوبرنيكوس هو الفلكي البولندي الذي قال بدوران الأرض حول الشمس، وليس العكس. اقترح كانط حلاً مماثلاً لحل كوبرنيكوس لكن لريبيّة هيوم. يفترض العلم الساذج أن معرفتنا تدور حول ما يكونه العالم، ولكن كما ينص نقد هيوم، فإن هذا الرأي يستلزم أننا لا يمكننا اكتساب معرفة للأسباب العلمية من خلال العقل. يمكننا إعادة تأسيس العلالقة بين العقل والمعرفة رغم ذلك كما اقترح كانط، إذا قلنا أن المعرفة لا تدور حول ما يكونه العالم – لكنها أي المعرفة تدور حول ما نكونه نحن. و لأغراض معرفتنا يقول أننا لا ندور حول العالم، بل العالم هو الذي يدور حولنا. ولأننا كائنات عقلانية، فإننا نتشارك بنية معرفية مع بعضنا البعض تعمل على تنظيم تجاربنا في العالم. هذه البنية العقلية المُشتركة “لتوافق الذوات” هي ما تؤسَّس عليها معرفتنا – و ليس العالم.

أدى حل كانط المتعلق بريبيّة هيوم رغم ذلك إلى استنتاج ريبيّ هو الآخر كان هيجل رافضاً له. بينما تسمح لنا هذه البنية المشتركة لتوافق الذوات الخاصة بعقلنا أن نمتلك معرفة حول العالم من منظورنا الشخصي، إن صحّ القول، إلا أننا لا نستطيع الخروج من أذهاننا أو من بنيتنا العقلية لنرى كيف من الممكن أن يكون العالم في ذاته. و كان على كانط أن يعترف، وفقًا لنظريته، أنه لا يزال هناك عالم  بذاته أو “الشيء في ذاته” (Ding an sich) لا يمكننا معرفة شيءٍ عنه (see, e.g., Critique of Pure Reason, Bxxv–xxvi). رفض هيجل استنتاج كانط المتشكك بأنه لا يمكننا أن نعرف شيئًا عن العالم أو “الشيء في ذاته”، وكان ينوي أن تكون فلسفته الخاصة أن تكون ردّاً على نظرة كانط (see, e.g., EL §44 and the Remark to §44).

كيف رد هيجل على ريبيّة كانط – خاصة وأن هيجل قد تقبّل ثورة كانط الكوبرنيكيّة، أو إدعاء كانط بأننا نمتلك معرفة حول العالم بسبب ما نكونه، بسبب عقلنا؟ كيف، بالنسبة لهيجل، يمكننا الخروج من رؤوسنا لرؤية العالم كما هو في ذاته؟ كانت إجابته قريبة جداً من رد الفيلسوف اليوناني القديم أرسطوطاليس على أفلاطون. ذهب أفلاطون إلى القول بأننا نمتلك معرفة حول العالم فقط من خلال الأشكال أو النماذج. هذه النماذج هي أفكار أو مفاهيم عقليّة كليّة تماماً. ولأن العالم غير مثالي، فقد أبعد أفلاطون هذه النماذج إلى عالمها الخاص. و على الرغم من أن الأشياء في العالم تكتسب تعريفاتها من خلال مشاطرة هوية النماذج، إلا أن هذه الأشياء، في أحسن حالاتها، نسخ غير كاملة من النماذج الكليّة(see, e.g., Parmenides 131–135a). وبالتالي فإن هذه النماذج ليست في هذا العالم، إنما في عالم منفصل خاص بها. أما أرسطوطاليس فقد زعم بأن العالم قابل للمعرفة ليس بسبب أن الأشياء نسخ غير مثالية من النماذج، بل لأن النماذج نفسها كامنة في داخل الأشياء بوصفها الماهيّات المعرّفة لهذه الأشياء(see, e.g., De Anima [On the Soul], Book I, Chapter 1 [403a26–403b18]; Metaphysics, Book VII, Chapter 6 [1031b6–1032a5] and Chapter 8 [1033b20–1034a8]).

 

بطريقة مماثلة، فإن إجابة هيجل على كانط هي أننا يمكننا الخروج من رؤوسنا لنرى كيف يكون العالم في ذاته – وبالتالي يمكن أن يكون لدينا معرفة بالعالم في ذاته – لأن العقلانية ذاتها أو العقل الموجود في رؤوسنا موجودٌ بالمثل في العالم كما هو بنفسه. و كما يبدو أن هيجل أشار إلى هذه النقطة في محاضرة بأن التعارض أو التناقض بين الذاتي والموضوعي يختفي بالقول ، كما قال القدماء:

أن النّوس أو العقل يحكم العالم، أو بقولنا نحن “إن العقل موجود في العالم”. و هو قول يعني أن العقل هو روح العالم فهو حالٌّ فيه و هو مبدؤه الكامن المحايث و هو طبيعته الداخلية و هو الكلّي فيه. (EL Addition 1 to §24)

 

استخدم هيجل مثالًا مألوفًا من أعمال أرسطوطاليس لتوضيح هذا الرأي:

لكن من خواص كل حيوان جزئي أن يكون حيواناً، و هذا هو قانون النوع الذي هو الكلي في هذه الحالة، و هو الذي يكوّن ماهيته المحددة: احذف من الكلب حيوانيّته تجد أنه يستحيل عليك بعد ذلك أن تقول ما هو. (EL Addition 1 to §24)

كان خطأ كانط حينذاك أنه اعتبر العقل أو العقلانية موجودين فقط في رؤوسنا، لا كما يقترح هيجل (EL §§43–44)، أنه موجود فينا و في العالم ذاته. يمكننا استخدام عقلنا ليكون لدينا معرفة حول العالم لأن العقل ذاته الموجود فينا موجود في العالم أيضاً بوصفه مبدأه المعرّف له. تجعل العقلانية أو العقل في العالمِ الواقعَ قابلاً للفهم، و لهذا يمكننا معرفة أو فهم الواقع بعقلانيّتنا. والديالكتيك – الذي يمثّل نظرة هيجل للعقل – لا يميّز المنطق فحسب، بل وأيضاً “كل حقيقة أيّاً كانت” (EL Remark to §79).

لكن لمَ يصل هيجل إلى تعريف العقل وفقاً للديالكتيك، ومن ثم يعتمد منهجاً جدلياً؟ نستطيع البدء برؤية ما الذي دفع هيجل لاعتماد منهجٍ جدلي بالرجوع مرة أخرى إلى فلسفة أفلاطون. زعم أفلاطون أنه يمكننا امتلاك معرفة عن العالم بإدراك النماذج، تلك الأفكار أو المفاهيم العقليّة الكليّة تماماً. و نظراً لأن الأشياء في العالم غير مثالية بالمرّة أو ناقصة، خَلَص أفلاطون إلى أن النماذج ليست في هذا العالم، بل في عالم خاص بها. في النتيجة، إذا كان إنسانٌ ما جميلاً بشكل فائق مثالي على سبيل المثال، بالتالي هو أو هي لن يصبحوا غير جميلين. لكن البشر يتغيرون، يتقدمون في السن ويموتون، وبهذا يمكن أن يكونوا في أحسن أحوالهم، نسخًا غير كاملة من نموذج الجمال – رغم أنهم يمتلكون أي قدر من الجمال بمشاركتهم لنموذج الجمال. وعلاوة على ذلك، بالنسبة لأفلاطون، فإن الأشياء في العالم مجرّد نسخ غير مثالية لا يمكننا من خلالها أو من خلال دراستها تحصيل معرفة عن النماذج الكلية، لكن يمكننا ذلك فقط من خلال العقل، بمعنى، فقط باستخدام عقلانيّتنا نستطيع الوصول إلى العالم المنفصل الخاص بالنماذج.( as Plato argued in the well-known parable of the cave; Republic, Book 7, 514–516b).

لاحظ مع ذلك بأن استنتاج أفلاطون بتعذّر وجود هذه النماذج في هذا العالم و وجوب نفيها أو إبعادها إلى عالمها الخاص مبنيٌّ على ادعاءين. الأول، يعتمد على الادّعاء القائل بأن العالم مكان غير مثالي أو كامل و فوضوي – وهو ادعاء يصعب إنكاره. لكنه يعتمد أيضًا على الافتراض القائل بأن هذه النماذج – المفاهيم أو الأفكار العقليّة الكليّة للعقل نفسه – ساكنة و ثابتة، وبالتالي لا يمكنها إدراك الشواش داخل ثنايا هذا العالم الناقص. هيجل قادر على ربط العقل مرة أخرى بعالمنا الفوضوي عن طريق تغيير تعريف العقل. فبدلاً من القول أن العقل يتكون من مفاهيم أو أفكار ساكنة كليّة، يقول هيجل إن المفاهيم أو النماذج الكليّة هي نفسها فوضويّة. و بعكس أفلاطون، فإن منهج هيجل الجدلي يسمح له بأن يبرهن أنه بإمكان هذه المفاهيم الكليّة يمكن أن “تٌدرك و تتعدى overgrasp” (من الفعل الألماني) übergreifen ) الطبيعة الجدلية الفوضوية للعالم لأنهما هي نفسها، أي الأفكار، جدلية. علاوة على ذلك، و نظرًا لأن المفاهيم اللاحقة تعتمد على المفاهيم السابقة أو تتجاوزها (تلغيها ولكن تحتفظ بها أيضًا) ، فإن المفاهيم اللاحقة الأكثر كليّة تُدرك العمليات الجدلية للمفاهيم السابقة. نتيجةً لذلك، لا تستطيع المفاهيم ذات المستوى الأعلى اللاحقة إدراك الطبيعة الجدلية للمفاهيم أو النماذج السابقة فحسب، بل أيضاً بإمكانها إدراك العمليات الجدلية التي تجعل العالم نفسه مكاناً فوضوياً. على سبيل المثال، لن يعتبر التعريف الأعلى لمفهوم الجمالِ الجمالَ ثابتاً أو ساكناً، و لكنه سيضمّن في ثناياه طبيعة الجمال الجدليّة أو تناهيَه، الفكرة القائلة بأن الجمال سيصبح بالنسبة لنفسه قبحاً أو ليس جمالاً. يمكن لهذا الفهم الجدلي لمفهوم الجمال أن “يدرك و يتعدى” الطبيعة الجدلية والمتناهية للجمال في العالم، وبالتالي الحقيقة أنه في العالم، فإن الأشياء الجميلة نفسها تُصبح غير جميلة. أو من الممكن أن تكون جميلة من منظور واحد و ليس من الآخر. وبالمثل، فإن التعيين الأعلى لمفهوم الشجرة سيتضمن في تعريفه العملية الجدلية التي تتمثل بالتطور و التغيّر من البذرة مروراً بالشتلة و وصولاً إلى الشجرة. وكما يقول هيجل فالديالكتيك هو “مبدأ كل الحياة الطبيعية والروحية” (SL-M 56 ؛ SL-dG 35)، أو “روح التقدم العلمي و حياته” (EL §81). فالديالكتيك إذن يدفع كلاً من العقل والأشياء في العالم إلى التطور. عقل جدليّ يستطيع بالتالي إدراك و تعدّي عالم جدليّ.

ستساعد رحلتان إضافيّتان في تاريخ الفلسفة على إظهار لمَ اختار هيجل الجدل منهجاً له في الحجاج والبرهنة. كما رأينا، يحاجج هيجل ضد ريبيّة كانط باقتراح أن العقل ليس موجوداً فقط في رؤوسنا، ولكنه موجود في العالم نفسه. و على أي حال فلإظهار أن العقل يكمن في العالم نفسه، يتعين على هيجل أن يعرض كيف أن العقل يمكن أن يكون كيفما هو بدون مساعدتنا نحن البشر. و يتعيّن عليه أن يظهر كيف يستطيع العقل التطور من تلقاء نفسه، ولا يحتاج منا أن نطوّره (على الأقل بالنسبة لتلك الأشياء التي في العالم و ليست خلقاً بشرياً). الفكرة الأساسية في جدل هيجل هي كما رأينا في القسم الأول  أن المفاهيم أو الأشكال تتطور من تلقاء نفسها لأنها ترفع أو تُجاوز (تلغي و تحتفظ في الآن ذاته) نفسها، و تعبر من ثمّ إلى مفاهيم أو أشكال لاحقة بواسطة أنفسها بلا مساعدة من قوة خارجية. فالعقل كما كان، يدفع نفسه، وبالتالي لا يحتاج إلى رؤوسنا لتطويره. يحتاج هيجل إلى تعليل -الدفع الذاتي- الخاص بالعقل ليتجاوز ريبيّة كانط.

و من سخرية القدر أو للمفارقة فإن هيجل يشتق الخطوط العريضة الأساسية لتعليله أو تفسيره للعقل المدفوع ذاتياً من كانط. قسم كانط العقل البشري إلى مَلّكتين: مَلَكة الفهم و مَلَكة العقل. يستخدم الفهم المفاهيم أو الأفكار لتنظيم و ترتيب تجاربنا التي نقوم بها في العالم. تتمثل وظيفة العقل في تنسيق مفاهيم و تصنيفات الفهم من خلال تطوير نسق مفاهيمي موحد تمامًا، وهو يقوم بهذا العمل بمفرده حسب رأي كانت، بشكل مستقل و بعيداً عن كيف يمكن تطبيق هذه المفاهيم على العالم. ينسق العقل هذه المفاهيم الخاصة بالفهم باتباع سلاسل قياسيّة ضروريّة لإنتاج مفاهيم تصل إلى مراحل أعلى و أعلى من الوحدة المفاهيميّة. ستقود هذه العملية في الواقع العقلَ إلى إنتاج أفكاره الترانسندنتالية الخاصة به، أو تلك المفاهيم التي تتجاوز عالم التجربة. يدعو كانط هذا العقل خلّاق المفاهيم الضرورية بالعقل “النظري”.( cf. Critique of Pure Reason, Bxx–xxi, A327/B384). يبتكر العقل مفاهيمه أو أفكاره الخاصة – إنه “ينظّر” أو يتكهن – بتوليده لمفاهيم خاصة به و شموليّة بنحوٍ متزايد، بشكل مستقل عن الفهم. في النهاية كما فكّر كانط فإن العقل سيتبع مثل هذه السلاسل القياسيّة حتى يطوّر مفاهيماً شموليّة بالكامل أو كليّة غير مشروطة – كليّة بحيث تتضمن كل الشروط الخاصة بالمفاهيم الأقل شموليّة – والتي ساعدت في تعريفها. و كما رأينا في القسم الأول، فديالكتيك هيجل يعتمد على أو يتبنى فكرة كانط عن العقل المدفوع ذاتياً و العقل خلّاق المفاهيم، و كذلك على فكرة كانط القائلة بأن العقل يسعى إلى مفاهيم كليّة غير مشروطة أو إلى مفاهيم مطلقة.

في نهاية المطاف و كما اعتقد كانط فنشاط الدفع الذاتي الضروري الخاص بالعقل سيقود إلى إنتاج تناقضات – والتي أسماها ” التضادات”، وهي تتكون من أطروحة ونقيضة. مثلاً عندما يولّد العقل هذه المفاهيم غير المشروطة للعالم أجمع ، فحسب كانط يمكنه، أي العقل، النظر إلى العالم بطريقتين متناقضتين. في التضاد الأول، يمكن للعقل أن يرى العالم (1) ككليّة تامة أو بوصفه غير مشروط، أو (2) بوصفه سلسلة الأقيسة التي آلت إلى هذه الكليّة. إذا كان العقل يرى العالم كعالم غير مشروط أو ككلٍّ تام غير مشروط بأيِّ شيء آخر، عندها سيرى العالم كبداية و نهاية من ناحية الزمان والمكان، وعندها سيستنتج أن “الأطروحة” القائلة بأن العالم له بداية و نهاية أو أنه محدود. و لكن إن كان يراه كسلسلة و كل حلقة من هذه السلسلة مشروطة بالحلقة السابقة، عندها سيظّهّر الظالم و كأنه بلا بداية أو نهاية، و حينها سيستنتج العقل “النقيضة” القائلة بأن العالم غير محدود من حيث المكان والزمان. (cf. Critique of Pure Reason, A417–18/B445–6). يقود العقل بالتالي إلى تناقض: فهو يتضمن رؤيتين للعالم إحداهما محدودة والأخرى غير محدودة في ذات الوقت. و نظرًا لأن عملية التطوير الذاتي الخاصة بالعقل ستقوده إلى تطوير تناقضات أو لأن يكون جدلياً بهذه الطريقة، فقد ذهب كانط بظنّه أن العقل يجب أن يظل قيد الفحص من بواسطة الفهم. و كما يقول فإن أي استنتاج يستخلصه العقل ولا يتلاءم مع أو لا يدخل في نطاق الفهم فإنه غير قابل للتطبيق في العالم التجريبي، و بالتالي فلا يمكن اعتبارها معرفة أصيلة. (Critique of Pure Reason, A506/B534).

يتبنى هيجل تصور كانط الجدلي للعقل، لكنه يحرر العقل من طغيان الفهم بخصوص المعرفة. كان كانط محقًا في أن العقل يولّد المفاهيم بنفسه نظرياً، و هذه العملية النظرية مدفوعة بالضرورة و تؤدي إلى مفاهيم كليّة أو شموليّة بنحوٍ متزايد. حتى أنه كان محقاً في اقتراحه – كما أظهر في نقاش التضادات – أن العقل جدلي، أو أنه ينتج التناقضات بشكل ضروري من تلقاء نفسه. مرة أخرى، فقد كان خطأ كانط أنه أخفق في قوله إن هذه التناقضات موجودة في العالم نفسه. و قد فشل في تطبيق رؤى نقاشه بخصوص التناقضات على ” الأشياء في ذاتها”( SL-M 56; SL-dG 35). في الواقع، يثبت البرهان الخاص بكانط أن الطبيعة الجدلية للعقل يمكن تطبيقها على “الأشياء في ذاتها”. الحقيقة القائلة بأن العقل يطور تلك التناقضات بنفسه، من دون الحاجة للمساعدة بواسطة رؤوسنا، توضح أن هذه التناقضات ليست فقط في رؤوسنا، بل هي موضوعية، أو في العالم نفسه. كانط ، ومع ذلك فقد فشل كانط في التوصل إلى هذا الاستنتاج ، واستمر في اعتبار أن استنتاجات العقل محض أوهام. رغم هذا فقد بررت فلسفة كانط الفكرة العامة التي مفادها أن التناقضات التي اعتبرها كأوهام هي في الحين ذاته موضوعيّة – موجودة خارجاً في العالم – و ضرورية. و كما يصيغها هيجل فإن كانط يبرر فكرة موضوعيّة الأوهام وضروريّة التناقضات التي تنتمي إلى طبيعة تعيّنات الفكر “(SL-M 56 ؛ راجع SL-dG 35) ، أو لطبيعة المفاهيم نفسها.

أظهر عمل يوهان غيتليب فيخته (راجع المدخل على Fichte ) لهيجل كيف يمكن للديالكتيك أن يتجاوز كانط – كيف يتجاوز التناقضات التي يطورها العقل من تلقاء نفسه كيفما عرضها كانط، كيف يتجاوز “برهان الخلف” (والذي كما رأينا أعلاه، يقول بأن التناقضات تؤول للعدم)، و كيف يتجاوز ريبيّة كانط، أو ادعاء كانط القائل بأن تناقضات العقل يجب أن يتم التحكم بها من قِبل الفهم وأنه لا يمكن اعتبارها كمعرفة. يحاجج فيخته أن مهمة استكشاف أصل المعرفة الإنسانية كلها تؤدي إلى تناقض أو تعارض بين النفس و اللا نفس  أو الذات و عدم الذات(ليس من المهم لأغراضنا هنا معرفة لم تبنّى فيخته هذه الرؤية). نوع الاستدلال الذي يقود إلى هذا التناقض كما يقول هو المنهج التحليلي أو العكسي في الاستدلال، والذي يتضمن استنباط تعارض بين العناصر (في هذه الحالة، النفس و اللا نفس) التي تتم مقارنتها أو مساواتها ببعضها. في حين أن برهان الخِلف التقليدي سيقودنا إلى نفي أو رفض طرفي التضاد والابتداء من الصفر، فقد برهن فيخته أن هذا التناقض أو التعارض بين النفس و اللا نفس  يمكن حلّه. على وجه الخصوص، يتم حل التناقض بافتراض مفهوم ثالث – مفهوم القسمة – الذي يوحد الجانبين (The Science of Knowledge, I: 110–11; Fichte 1982: 108–110). ينتج مفهوم القسمة عن عمليّة استدلال تركيبية، التي تتضمن “الاستكشاف في التعارضات من حيث ما تكون هي عليه” (The Science of Knowledge, I: 112–13; Fichte 1982: 111). و بالفعل يبرهن فيخته أن حركة حل التناقضات بمفاهيم تركيبية ليست فقط ممكنة بل هي أساساً ضرورية. و كما يقول بشأن الانتقال من التناقض بين النفس واللا نفس إلى مفهوم القسمة التركيبي:

لا يمكن أن يكون هناك أي سؤال آخر حول إمكانية هذه (التوليفة) أو التركيبة، ولا يمكن إعطاء أي تفسير لذلك؛ فهي ممكنة بشكل مطلق، و نحن مخوّلون بذلك من غير أي تفسيرات أو تبريرات إضافية من أي نوع. (The Science of Knowledge, I: 114; Fichte 1982: 112)

نظرًا لأن الأسلوب التحليلي يؤدي إلى تعارضات أو تناقضات، فقد جادل قائلاً أننا إذا استخدمنا فقط الأحكام التحليلية ، “فإننا لسنا كما يقول كانط لا نذهب بعيداً بل نحن لا نذهب إلى أي مكان على الإطلاق”( The Science of Knowledge, I: 113; Fichte 1982: 112). بدون المفاهيم أو الأحكام التركيبية ، فإننا نُترك كما تشير حجة برهان الخِلف التقليدية، بلا أي شيء على الإطلاق. وبالتالي، فإن المفاهيم أو الأحكام التركيبية ضرورية لتجاوز التناقض من أجل ألا نُترك بلا شيء على الإطلاق.

 

تزوّد نظرة فيخته للأسلوب التركيبي هيجل بمفتاح تجاوز كانط أو العبور عليه. اقترح فيخته أن المفهوم التركيبي الذي يوحد نتائج التناقض المتولد ديالكتيكياً لا يلغي الجوانب المتناقضة تمامًا، لكنه يحّدها فقط. وكما قال، بشكل عام، “أن تحدّ شيئاً أي أن تلغي حقيقته، ليس كليًا، ولكن جزئيًا فقط” (The Science of Knowledge, I: 108; Fichte 1982: 108). و بدلا من الاستنتاج الذي يقترحه أو يطلبه برهان الخِلف والقاضي بأن يُستبعد جانبا التناقض سوياً، يبرر المفهوم أو الحكم التركيبي أو التوليفي بأثر رجعي الأطراف المتعارضة بإظهار حدودها، بإظهار الجزء الذي يرتبط بالواقع والجزء غير المرتبط به (The Science of Knowledge, I: 108–10; Fichte 1982: 108–9) ، أو عن طريق تحديد من أي منظور تكون حقيقية أو إلى أي درجة تكون حقيقية. بالنسبة لـهيجل كما رأينا (راجع القسم 1)، فإن المفاهيم والأشكال اللاحقة تُجاوز – تلغي و تحتفظ بنفس الوقت – المفاهيم والأشكال السابقة  بمعنى أنها تتضمن المفاهيم والأشكال السابقة في تعريفاتها الخاصة. من وجهة نظر المفاهيم أو الأشكال اللاحقة، فإن المفاهيم السابقة لا تزال تتمتع ببعض الصلاحية، أي أن لها صلاحية محدودة أو حقيقة معرّفة بواسطة مفهوم أو شكل رفيع المستوى أو من مستوى عالٍ.

وبالتالي، فإن التناقضات المتولدة ديالكتيكياً ليست عيبًا يُتَحكَّم به بواسطة الفهم، كما قال كانط، ولكنها دعوات للعقل لكي “ينظّر”، بمعنى آخر، أن يولّد العقل بدقة ذلك النوع من المفاهيم والأشكال الشمولية والكليّة بنحو متزايد و التي قال عنها كانط أن العقل يهدف لتطويرها. في نهاية المطاف، و كما رأينا (انظر القسم 1 )، فقد فكر هيجل بأن العملية الجدلية تقود إلى مفهوم أو شكل غير مشروط البتّة لكل موضوع قيد النقاش – الفكرة المطلقة (المنطق)، الروح المطلق (الفينومينولوجيا)، الفكرة المطلقة للحق والقانون (فلسفة الحق)، و هلُم جرّا – والتي و هي مجتمعة تشكل “دائرة من الدوائر” (EL § 15) و التي تشكل النسق الفلسفي بأكمله أو “الفكرة” (EL § 15) و التي تُدرك و تتعدى العالم و تجعله مفهوماً بالنسبة لنا.

لاحظ أنه على الرغم من تأثر هيجل بشكل واضح بعمل فيخته، إلا أنه لم يتبنى أبدًا لغة فيخته الثلاثية “أطروحة – نقيضة – توليفة” في وصفه و شرحه لفلسفته (Mueller 1958: 411–2; Solomon 1983: 23) على الرغم من أنه قد استخدم هذا النمط بوضوح في محاضراته لشرح فلسفة كانط (LHP III: 477). في الواقع، نقد هيجل الاستخدامات الشكلية لأسلوب “الثلاثية” [Triplizität (PhG §50؛ ترجمة بديلة) المستوحى من كانط – نقد يمكن أن يكون موجهاً تجاه فيخته. جادل هيجل بأن استخدامات النموذج الثلاثي المستوحى من كانط قد تحولت إلى “خطاطة عريّة من الحياة ” و “إلى شبح بالفعل [ eigentlichen Scheinen, PhG §50 ؛ ترجمة بديلة) ، مثل صيغة رياضية، تم فرضها ببساطة على الموضوعات المطروحة. بدلاً من ذلك ، يجب أن يتدفق الاستخدام العلمي الصحيح لثلاثيّة كانط – كما قال أن منهجه قد فعل – من الحياة الجوانية والحركة الذاتية للمضمون.

 

  1. الأنماط النحوية والمصطلحات الخاصة في ديالكتيك هيجل

على الرغم من أن ديالكتيك هيجل مدفوع بالنحو والدلالات والاعتبارات الخاصة بالموضوعات المختلفة (القسم 3 أعلاه)، إلا أن أنماطاً عديدة مهمة تظهر بشكل متكرر في أعماله. في عدة أماكن تكون العملية الجدلية مدفوعة بضرورة نحوية تمثل نوعًا من الاستنفاد: فعندما يتم استنفاد الاستراتيجية الحالية ، تُجبر العملية بشكل ضروري على استخدام استراتيجية جديدة. كما رأينا في ( القسم 2) بمجرد أن تُستنفذ الاستراتيجية التي تتعامل مع الوجود والعدم كمفهومين منفصلين، يجب أن تتبنى العملية الجدلية بالضرورة استراتيجية مختلفة ، أي استراتيجية تجمع بين المفهومين معاً. يصور مفهوم الصيرورة الطريقة الأولى التي يتم فيها الجمع بين الوجود والعدم. في مراحل الكم خلال العدد، تتناوب مفاهيم الواحد والكثير في تعريف كل العناصر (cf. Maybee 2009, xviii–xix):

و بما أن الواحد والكثير قد استنفدوا، يجب أن تستخدم المرحلة التالية، النسبة، بالضرورة، استراتيجية مختلفة لإدراك العناصر الموجودة أمامها. و كما أن الوجود لذاته مفهوم كلّي للكيف و يصوّر ميزة مجموعة من الشيء – الآخر في مضمونها (انظر القسم 1 ) ، “فالنسبة” أيضاً (المستطيل بالكامل مع الزوايا المبرومة) هي مفهوم الكليّة للكم و يصور ميزة مجموعة من الكميات في مضمونها (EL §105–6; cf. Maybee 2009, xviii–xix, 95–7).

في نمط نحوي ثانٍ شائع، يؤدي التطور الجدلي إلى عملية ذهاب و إياب لا نهاية لها – اللانهاية المشكوك فيها أو “الزائفة” (EL §94) – بين مفهومين أو شكلين. لا تستطيع دياليكتك هيجل أن ترتاح بوجود اللانهايات الزائفة. و طالما أن العملية الجدلية تعبر بشكل لامتناهي ذهاباً و إياباً بين عنصرين فإنها لن تنتهي أبداً، و لن يستطيع المفهوم أو الشكل المعنيان بهذه العملية التعيّن. لذلك يجب أن تُحلّ اللانهاية الزائفة أو يتم إيقافها، و دائماً ما تُحلّ حلها بمفهوم من مستوى أعلى وأكثر كليّة. في بعض الحالات، يتم تقديم مفهوم جديد من مستوى أعلى يوقف اللانهاية الزائفة عن طريق استيعاب عملية الذهاب والإياب بأكملها. الوجود لذاته على سبيل المثال (راجع القسم الأول)، يتم تقديمه كمفهوم جديد أكثر كليّة يشمل – وبالتالي يُوقف – عملية الذهاب والإياب بأكملها بين الشيء – الآخر. رغم ذلك فإذا حدثت عملية الذهاب والإياب بين المفهوم و مضمونه – في هذه الحالة يشمل المفهوم مضمونه أساساً – عندئذٍ يتم إعادة تعريف المفهوم المُشتمل بطريقة جديدة تستوعب عملية الذهاب والإياب كلها. يرفع التعريف الجديد المفهوم المُشتمِل إلى مستوى أعلى من الكليّة – ككل (“الكل”) أو كمفهوم كامل ومكتمل. تتضمن الأمثلة من المنطق إعادة تعريف الظاهر بوصفه عالم الظاهر بأكمله (EL §132; cf. SL-M 505–7, SL-dG 443–4) ، وهي الحركة التي تعيد فيها عملية الذهاب والإياب اللامتناهية الخاصة بالواقع الممكن تعريف الشرط ككليّة (EL §147; cf. SL-M 547, SL-dG 483) ، و هي العملية التي تعيد فيها عملية الذهاب والإياب المُبتكرة بواسطة المعرفة المتناهية والإرادة المتناهية تعريف الفكرة النظرية كفكرة مطلقة.( EL §§234–5; cf. SL-M 822–3, SL-dG 733–4).

بعض المصطلحات الأكثر شهرة في أعمال هيجل – “في ذاته” ، “لذاته” و “في و لذاته” – تصور أنماطاً نحوية أخرى شائعة. يكون المفهوم أو الشكل “في ذاته” عندما يكون لديه تعيينٌ يحصل عليه لأنه عُرِّف ضد “آخره” (cf. Being-in-itself, EL §91). و يكون المفهوم أو الشكل “لذاته” عندما يتم تعريفه فقط بالنسبة إلى مضمونه الخاص، بحيث أنه بينما يتم تعريفه تقنيًا بالنسبة إلى “الآخر”، فإن “الآخر” ليس “الآخر” حقاً بالنسبة له. و كنتيجة لذلك، يتم تعريفه حقًا فقط بالنسبة إلى ذاته. بخلاف المفهوم أو الشكل الذي “في ذاته”، إذن، يبدو أن المفهوم أو الشكل الذي “لذاته” له تعريفه من تلقاء نفسه ، أو لا يحتاج إلى آخر أصيل ليتم تعريفه ( و مثل المفاهيم أو الأشكال الأخرى، تتحول المفاهيم أو الأشكال التي “لذاتها” إلى جدلية أيضًا، ومن ثم تدفع إلى مفاهيم أو أشكال جديدة). في المنطق ، يعدّ مفهوم ” الوجود لذاته” (راجع القسم 1 ) ، والذي يتم تعريفه بضم “الأشياء الأخرى” في مضمونه، أول مفهوم أو شكل “لذاته”.

يكون المفهوم أو الشكل “في و لذاته” عندما يكون “لذاته” مضاعفًا، أو “لذاته” ليس فقط من حيث المضمون – إذ أنه يشمل مضمونه – ولكن أيضًا من حيث الشكل أو التمثّل، طالما أنه لديه نشاط تمثيل مضمونه. إنه “لذاته” (يحتوي مضمونه) لذاته (من خلال نشاطه الخاص)، أو لا يحتوي مضمونه الخاص فقط​​ ( ما هو لذاته الخاص بالمضمون) ولكنه يمثّل أيضًا مضمونه من خلال نشاطه الخاص (ما هو لذاته الخاص بالشكل). يزود “ما هو لذاته” الثاني الخاص بالشكل المفهوم بنشاط منطقي (أي تمثيل مضمونه) ومن ثم تعريفًا يتجاوز التعريف الموجود في مضمونه، و بذلك هو منفصل عنه. و نظرًا لأن لديه تعريفاً خاصاً به منفصل عن التعريف الخاص بمضمونه، فإنه يصبح معرّفاً – بنفس المعنى الخاص بما “في ذاته” – ضد مضمونه، والذي أصبح “الآخر” الخاص به. لأن هذا “الآخر” لا يزال مضمونه الخاص، ومع ذلك، فإن المفهوم أو الشكل كليهما “في ذاته” ولكن أيضًا لا يزال “لذاته” في نفس الوقت، أو “في و لذاته” (EL §§148–14 ؛ راجع Maybee 2009: 244–6). تعتبر علاقة “في و لذاته” السمة المميزة لمفهوم أصيل (EL §160) ، وهي تجسد فكرة أن المفهوم الأصيل لا يتم تعريفه تصاعدياً فقط من خلال مضمونه، ولكن أيضًا تنازلياً من خلال نشاطه الخاص بتمثيل مضمونه. المفهوم الأصيل للحيوان على سبيل المثال، ليس معرفاً فقط من خلال احتوائه لمضمونه (أي جميع الحيوانات) تصاعدياً، ولكن أيضًا من خلال تعريفه الخاص المنفصل عن مضمونه، الضي يؤدي إلى تعيين ما يعد كحيوان ، و بشكل تنازلي.

تعتبر aufheben  ” يُجاوز” و abstract “مجرّد” من المصطلحات التقنية و النحوية التي رأيناها بالفعل في القسم الأول. إن القول بأن المفهوم أو الشكل “مجرد” يعني القول إنه مجرد تعريف جزئي. يصف هيجل لحظة الفهم، على سبيل المثال، بأنها مجردة (EL §§79, 80) لأنه تعريف أو تعيين أحادي الجانب أو مقيد (القسم 1). على العكس، يكون المفهوم أو الشكل “متعيّناً أو واقعياً” بالمعنى الأكثر تأسيساً عندما يكون ذا مضمون أو تعريف يحصل عليه من بنائه بمواد أخرى تكون في هذه الحالة مفاهيماً أو أشكالاً. و كما رأينا ( القسم 2 )، فقد اعتبر هيجل أن الصيرورة هي أول مفهوم واقعيّ في المنطق.

على الرغم من أن كتابة هيجل واستخدامه للمصطلحات التقنية يمكن أن تجعل فلسفته صعبة بشكل ملحوظ، إلا أن عمله يمكن أن يكون مجزيًا للغاية. على الرغم من الصعوبة أو ربما بسببها، فإن هناك عدداً مدهشاً من الأفكار الجديدة في عمله والتي لم يتم استكشافها بالكامل في الفلسفة.

 

 


قائمة المراجع

الترجمات الإنجليزية لنصوص هيجل الرئيسية

 [EL] The Encyclopedia Logic: Part 1 of the Encyclopaedia of Philosophical Sciences [Enzyklopädie der philosophischen Wissenschaften I], translated by T.F. Geraets, W.A. Suchting, and H.S. Harris, Indianapolis: Hackett, 1991.

[LHP], Lectures on the History of Philosophy [Geschichte der Philosophie], in three volumes, translated by E.S. Haldane and Frances H. Simson, New Jersey: Humanities Press, 1974.

[PhG], Phenomenology of Spirit [Phänomenologie des Geistes], translated by A.V. Miller, Oxford: Oxford University Press, 1977.

[PR], Elements of the Philosophy of Right [Philosophie des Rechts], edited by Allen W. Wood and translated by H.B. Nisbet, Cambridge: Cambridge University Press, 1991.

[SL-dG], The Science of Logic [Wissenschaft der Logik], translated by George di Giovanni, New York: Cambridge University Press, 2010.

[SL-M], The Science of Logic [Wissenschaft der Logik], translated by A.V. Miller, Oxford: Oxford University Press, 1977.

الترجمات الإنجليزية للمصادر الأولية الأخرى

Aristotle, 1954, The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation (in two volumes), edited by Jonathan Barnes. Princeton: Princeton University Press. (Citations to Aristotle’s text use the Bekker numbers, which appear in the margins of many translations of Aristotle’s works.)

Fichte, J.G., 1982 [1794/95], The Science of Knowledge, translated by Peter Heath and John Lachs, Cambridge: Cambridge University Press. (Citations to Fichte’s work include references to the volume and page number in the German edition of Fichte’s collected works edited by I.H Fichte, which are used in the margins of many translations of Fichte’s works.)

Kant, Immanuel, 1999 [1781], Critique of Pure Reason, translated and edited by Paul Guyer and Allen Wood. Cambridge: Cambridge University Press. (Citations to Kant’s text use the “Ak.” numbers, which appear in the margins of many translations of Kant’s works.)

Plato, 1961, The Collected Dialogues of Plato: Including the Letters, edited by Edith Hamilton and Huntington Cairns. Princeton: Princeton University Press. (Citations to Plato’s text use the Stephanus numbers, which appear in the margins of many translations of Plato’s works.)

Secondary Literature

Bencivenga, Ermanno, 2000, Hegel’s Dialectical Logic, New York: Oxford University Press.

Burbidge, John, 1981, On Hegel’s Logic: Fragments of a Commentary, Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press.

Findlay, J.N., 1962, Hegel: A Re-Examination, New York: Collier Books.

–––, 1966, Review of Hegel: Reinterpretation, Texts, and Commentary, by Walter Kaufmann. The Philosophical Quarterly (1950–), 16(65): 366–68.

Forster, Michael, 1993, “Hegel’s Dialectical Method”, in The Cambridge Companion to Hegel, Frederick C. Beiser (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 130–170.

Fritzman, J.M., 2014, Hegel, Cambridge: Polity Press.

Harris, Errol E., 1983, An Interpretation of the Logic of Hegel, Lanham, MD: University Press of America.

Harris, H.S. (Henry Silton), 1997, Hegel’s Ladder (in two volumes: vol. I, The Pilgrimage of Reason, and vol. II, The Odyssey of Spirit), Indianapolis, IN: Hackett Publishing Company).

Hyppolite, Jean, 1974, Genesis and Structure of Hegel’s “Phenomenology of Spirit”, Evanston, IL: Northwestern University Press.

Kaufmann, Walter Arnold, 1965, Hegel: Reinterpretation, Texts, and Commentary, Garden City, NY: Doubleday and Company Inc.

–––, 1966, A Reinterpretation, Garden City, NY: Anchor Books. (This book is a republication of the first part of Hegel: Reinterpretation, Texts, and Commentary.)

Kosok, Michael, 1972, “The Formalization of Hegel’s Dialectical Logic: Its Formal Structure, Logical Interpretation and Intuitive Foundation”, in Hegel: A Collection of Critical Essays, Alisdair MacIntyre (ed.), Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press: 237–87.

Lauer, Quentin, 1976, A Reading of Hegel’s “Phenomenology of Spirit”, New York: Fordham University Press.

Maybee, Julie E., 2009, Picturing Hegel: An Illustrated Guide to Hegel’s “Encyclopaedia Logic”, Lanham, MD: Lexington Books.

McTaggart, John McTaggart Ellis, 1964 [1910], A Commentary of Hegel’s Logic, New York: Russell and Russell Inc. (This edition is a reissue of McTaggart’s book, which was first published in 1910.)

Mueller, Gustav, 1958, “The Hegel Legend of ‘Synthesis-Antithesis-Thesis’”, Journal of the History of Ideas, 19(3): 411–14.

Mure, G.R.G., 1950, A Study of Hegel’s Logic, Oxford: Oxford University Press.

Pinkard, Terry, 1988, Hegel’s Dialectic: The Explanation of a Possibility, Philadelphia: Temple University Press.

Rosen, Michael, 1982, Hegel’s Dialectic and its Criticism, Cambridge: Cambridge University Press.

Rosen, Stanley, 2014, The Idea of Hegel’s “Science of Logic”, Chicago: University of Chicago Press.

Singer, Peter, 1983, Hegel, Oxford: Oxford University Press.

Solomon, Robert C., 1983, In the Spirit of Hegel: A Study of G.W.F. Hegel’s “Phenomenology of Spirit”, New York: Oxford University Press.

Stace, W.T., 1955 [1924], The Philosophy of Hegel: A Systematic Exposition, New York: Dover Publications. (This edition is a reprint of the first edition, published in 1924.)

Stewart, Jon, 1996, “Hegel’s Doctrine of Determinate Negation: An Example from ‘Sense-certainty’ and ‘Perception’”, Idealistic Studies, 26(1): 57–78.

–––, 2000, The Unity of Hegel’s “Phenomenology of Spirit”: A Systematic Interpretation, Evanston, IL: Northwestern University Press.

Taylor, Charles, 1975, Hegel, Cambridge: Cambridge University Press.

Westphal, Kenneth R., 2003, Hegel’s Epistemology: A Philosophical Introduction to the “Phenomenology of Spirit”, Indianapolis, IN: Hackett Publishing Company.

Winfield, Richard Dien, 1990, “The Method of Hegel’s Science of Logic”, in Essays on Hegel’s Logic, George di Giovanni (ed.), Albany, NY: State University of New York, pp. 45–57.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Aristotle | Fichte, Johann Gottlieb | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Hume, David | Kant, Immanuel | Plato


[1] Maybee, Julie E., “Hegel’s Dialectics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/hegel-dialectics/>.

error: