ترجمة أحمد فريحي

إعادة الكتابة والتَّرجمة: أحمد فريحي

تقديم

عُرض هذا الحوار على قناة غيلسن أوليغاريو،[1] منذ خمس عشرة سنة. ويتألف من ثلاثة مقاطع ڤيديو: المقطع الأول بدون صوت، وقصير جدا، ولا يتعدى طوله ثمانية وثلاثين ثانية؛ يصوِّر رودولف كارناپ[2] جالسافي مكتبه، وهو يتصفَّح سفرا كبيرا، ونظن، على الغالب، أنّه كتاب “البناء المنطقي للعالم”؛ والمقطع الثاني، طُوله إحدى عشرة دقيقة واثنين وعشرين ثانية؛ أما المقطع الثالث، فطوله تسع دقائق وثمانية وثلاثين ثانية. وقد أشار صاحب القناة إلى أنَّ هذا الحوار أُجري مع كارناپ على التليفزيون الألماني سنة 1964،[3] أي قبل ست سنوات من وفاته. وقد أَجرى معه الحوار الفيلسوف والكاتب الألماني ڤيلي هوخكيپيل.[4]

تميَّز هذا الحوار الفلسفي العميق بالهُدوء وبالتَّسلسل المنطقي، وبدقة الوصف، الَّذي طبعَ حديث كارناپ فيكلِّ مَراحله؛ وتميَّز كذلك بذكاء السُّؤال واقتصاده، وحُسن التَّدخل، الَّذي طبعَ التَّدخلات القليلة والهادفة للمحاور ڤيلي هوخكيپيل. ورغم قِصر مدة هذا الحوار، والَّتي لا تتجاوز عشرين دقيقة، فإنَّه مفيد للغاية؛ لأنَّه يكشفُ عن جوانب من فكر كارناپ الدَّقيق والعميق بلغة سلسة وبسيطة، وقابلة للاستيعاب لمن لهم زاد قليل في الفلسفة والعلم. كما أنَّ كارناب في هذه المرحلة، أي في سنة 1964، كان قد حقَّق نوعا من النُّضج الفكري، الَّتي سمحت له بتبسيط أفكاره، والتَّعبير عنها بدقة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحوار أجري باللغة الألمانية، والترجمة التي نقدمها له هنا، ليست ترجمة من الألمانية، وإنما هي ترجمة للدبلجة الإنجليزية المكتوبة على الشاشة؛ ولا أظن أنها تنقص من معاني كارناپ، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه رجل علم، ورجل منطق، ويستعمل الألفاظ الواقعية والواضحة، ويتحاشى الألفاظ الميتافيزيقية الغامضة؛ كما أنَّ صياغته للجملة تكون مركبة وفق النَّحو المنطقي (البناء المنطقي للجملة)، الَّذي يجعلها قابلة للترجمة لأيِّ لغة مهما كانت، وكأنها رموز كونية، كالرموز الرياضية أو الرموز الموسيقية. فمع لغة كارناپ لا يمكن الحديث عن الخيانة في الترجمة، وإنما هي ترجمة صادقة وأمينة ودقيقة، لأنَّها بعيدة عن ترجمة لغة المشاعر، الَّتي نجدها في الشعر والأدب بشكل عام، والتي تحتمل التأويل؛ وبعيدة كل البعد عن لغة الغموض والضبابية التي نجدها كثيرا في لغة الميتافيزيقا؛ وبعيدة عن لغة الاشتراك في اللّفظ والاختلاف في المعنى، ولغة المجاز المحمولين على تعدد المعنى.

يمكنُ حصر القضايا الّتي يجيبُ عنها الحوار في الأسئلة الآتية: هل يمكنُ الحديث عن تقدُّم في الفلسفة يضاهي التّقدّم في العلوم؟ لم فشلت الفلسفات الكلاسيكية في تحقيق تقدّم، ونجحت العلوم في تحقيقه؟ كيف يمكن النّظر إلى الفيلسوف الميتافيزيقي، بان الأنساق الميتافيزيقية؟ وكيف يمكن النَّظر إلى الفيلسوف الّذي يؤسس مذهبَه على أسس منطقية وتجريبية؟ ما الفرقُ بين العلم الحديث والفلسفة الكلاسيكية؟ لم يقتضي تحقيق تقدّم في الفلسفة الاعتماد على المنطق المعاصر (منطق فريݣه وراسل) وإهمال المنطق الأرسطي القديم؟ كيف ساهمَ منطق فريݣه في تحويل العبارات من الصّياغة المُختلة إلى صياغة إشارية المضمون المعرفي، وسليمة من حيث التّركيب النّحوي المنطقي؟ كيف ارتبطت نشأة المنطق المعاصر بأزمة الأسس في الرّياضيات؟ كيف يمكن التّمييز بين الهندسة الرّياضية والهندسة الفيزيائية؟ كيف ساعدت الهندستين غير الإقليديتين (هندسة ريمان، وهندسة لوباتشوفسكي) في تأسيس النّظرية النّسبية عند ألبرت آينشتاين؟ ما هو علم الدّلالة؟ وما دوره؟ وما الفرق بين علم الدّلالة اللُّغوي وعلم الدّلالة المنطقي؟ لمَ الحاجة إلى المنطق الاستقرائي؟ وما الفرق بينه والمنطق الاستنباطي؟ كيف ارتبط المنطق الاستقرائي بحساب الاحتمالات؟ لمَ يحتاجُ الفيزيائي الألمعي إلى عقل نبيه وإلى فكرة عبقرية؟ كيف يمكنُ تقديم نظرية الاحتمالات؟ كيف يمكنُ تناول القضايا القيمية: الأخلاقية والجمالية؟ هل احتكار الفلاسفة الحق في تحديد القيم كقيمتي الخير والشر، وقيمتي الجميل والقبيح حق مشروع علميا؟ لمَ يجب التّمييز بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية؟ لمَ يجبُ البدء بمناقشة القضايا الواقعية والحسم فيها قبل مناقشة القضايا القيمية؟

كلُّ شخص يشاهد الحوار بعينين نافدتين، ويسمعه بأذنين صاغيتين، ويتذكر كيف نحاور بعضنا بعض، إلا ويعتبره درسا في أدبيات وأخلاقيات الحوار، من جهة المُحاور، ومن جهة الذي يجرى معه الحوار: فالاقتصاد في اللغة، وتجنب الإسهاب؛ والارتباط بالموضوع، وتجنب الحديث عما ليس له علاقة به، والابتعاد عن الاستطرادات غير المجدية؛ واعتماد منهجية محددة العناصر، جعلت النقاش منظما، وبعيدا كل البعد عن الارتجال والعشوائية؛ والكلام الحكيم والهادئ، الذي يخاطب العقول، وتجنب البلاغة والصخب اللفظي المؤثر في العواطف؛ وحسن الكلام، وحسن الإنصات، وحسن التدخل، وحسن الرد…كلها خصائص ميزت هذا الحوار الذي نفتقده.

إليكم نص الحوار، وأرجو أنْ أكون موفقا في نقل مضامينه:     

 النص المُترجم

ويلي هوخكيپيل: هناك تقدُّمٌ ملحوظٌ في العلوم، كما هو معلوم. أمَّا الفلسفة، فحالُها ليس كحال العلوم بالضَّرورة؛ لذلك نجدُ كثيرا من الفلاسفة يرفضون رفضاً باتاً فكرة التَّقدم في الفلسفة. استنادا إلى رأيك، الأستاذ كارناپ، هل ترى أيَّ تقدُّم في الفلسفة يُوازي فكرة التَّقدم في العُلوم؟

رودولف كارناپ: نعم، أعتقد أنَّه من العدل أنْ نتحدَّث هنا عن تقدُّم في الفلسفة. وهذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسُّؤال الأول الَّذي طرحتَه فيما يتعلق بالطَّابع العلمي للفلسفة. فهذا الطَّابع العلمي يسمحُ بتعاون مختلف النَّاس؛ لأنَّه لم يعد الفلاسفة مقيدين كثيرا بفلسفات الحوار الذاتي، أي أنَّه لمَّا يُعلن الفيلسوف ويصرِّح برؤيته الفلسفية العظيمة في نسق فلسفي محدَّد، فإنّه يُمكن للآخرين قبول هذا النَّسق أو رفضه. فإذا كان في العلم، يكمنُ جوهر التَّقدم في استمرار مختلف النَّاس في العمل على المَهمة نفسها عبر مرور الأجيال، من خلال نقل النَّتائج ووضع التَّحسينات، وإضافة التَّكميلات، فإنَّ هذا ممكنٌ الآن أيضًا في الفلسفة من خلال موضوعية أشد صرامة. وأعتقد أنَّه ينبغي هنا، من خلال جُهودنا الرَّامية إلى تقديم لغة فلسفية أفضل، التَّركيز على فهم معانِ المفاهيم. ففي الماضي، كانَ لكلّ فيلسوف مفاهيمُه الخاصة، وكان كلُّ فيلسوف يبدعُ مفاهيم مختلفة مطلقاً عن الآخر.

هوخكيپيل: وكان كلُّ واحد منهم فخورا بمفاهيمه الخاصة.

كارناپ: نعم، بالطَّبع، لقد كان ذلك إبداعاً فردياً؛ مثَلُه مثل إبداع سيمفونية، إذ لا يقومُ شخص آخر بتأليف ولا حركة موسيقية ثانية فيها عدا صاحبها. فكلُّ شيء فيها إبداعٌ فردي. أمَّا في مجال العلوم، فإنَّنا نجد تعاونا، وهذا التَّعاون لا يقتصرُ على العلوم فقط، وإنَّما يطالُ أحيانًا الفنون. فعلى سبيل المثال، عند التَّفكير في بناء كاتدرائية [كنيسة عظيمة]، نجد تصميما عامًا للمبنى برُمته، والَّذي قد يُعدّل أحيانًا أثناء عملية البناء، ثم تُنفّذ الأجزاء الفردية منه. وفي هذا السِّياق، تُولى أهمية بالغة في بنائها للدقة الفنية والإتقان، وبدونهما ستنهارُ الكاتدرائية. لذلك، نعتقدُ أنَّه في الفلسفة يجب أيضاً أنْ يتم الأمر على هذا النَّحو، إذ يصبحُ التّعاون مُمكناً من خلال صياغة أكثر دقة لآليات التَّحليل. ونرى أنَّ المنطق هو أهم آلية من آليات التَّحليل الفلسفي؛ ولا نقصدُ بالمنطق هنا المنطق التَّقليدي القديم عند أرسطو، الَّذي ظلَّ دون تغيير خلال القرون الوسطى، وإنَّما نقصدُ المنطق الحديث، الَّذي يستعملُ الرُّموز. فهو آلية للتحليل الدَّقيق للمفاهيم، والعبارات، والعلاقات بين العبارات داخل نسق ما، ليُصبح كنظرية علمية. فبحلول نهاية القرن السَّابق [أي نهاية القرن التَّاسع عشر]، ظهر عالم الرّياضيات الألماني ݣوتلوپ فريݣه، ثم في بداية قرننا هذا [أي بداية القرن العشرين]، ظهر عالم الرّياضيات الإنجليزي برتراند راسل، وقد بيَّن كلُّ واحد منهما أنَّ الرّياضيات يمكن ردُّها إلى المنطق، أي أنَّه يمكنُ تعريف كلّ المفاهيم الرّياضية بناء على مفاهيم منطقية؛ ويمكن ردُّ كلُّ المبرهنات الرّياضية إلى مبادئ المنطق. فالمنطقُ المُتحدَّث عنه هنا لا يشيرُ إلى المنطق التَّقليدي، كما ذكرت سابقاً، وإنَّما يشير إلى المنطق الحديث.

هوخكيپيل: إنَّك تقصد هنا البناء المنطقي [اللوجيستيكا]، أو المنطق الرِّياضي، أو المنطق الرَّمزي.

كارناپ: نعم هذا هو المقصود، وقد تجلى ذلك في هذا السّياق. فقد بيّن فريݣه، على سبيل المثال، أنَّ مفاهيم الأعداد الطَّبيعية المُختلفة نحو: واحد، واثنان، وثلاثة، إلخ، يمكن التَّعبير عنها باصطلاحات منطقية خالصة. فالعبارة الَّتي تقول: “عددُ الكتب على تلك الطَّاولة اثنان”، يمكن تحويلها إلى العبارة الآتية: “يوجدُ شيءٌ على تلك الطَّاولة، وهو كتاب؛ وهناك شيء آخر غير مطابق للشيء الأول موجود أيضًا على تلك الطَّاولة، وهو أيضًا كتاب”؛ وهذا يعني نفس معنى العبارة الَّتي ذكرت آنفا، والَّتي تقول: “عددُ الكتب على تلك الطَّاولة اثنان”. إذن، فالعدد “اثنان” يعرَّف باستعمال ألفاظ منطقية نحو: “كل”، و”يوجد”، و”مطابق لـ”… وباستعمال مفاهيم أخرى تنتمي إلى المفاهيم الأساسية للمنطق الحديث. وعلى غرار ذلك… وهذا الأمر أكثر تعقيدًا بعض الشيء… فكلّ العمليات الرّياضية المجراة على الأعداد، سواء كانت أعدادا حقيقية، أو أعدادا مركبة، أو دوالا عديدة، إلخ قائمة على المنطق، وكذلك نظرية الأعداد ودوالها برمتها قائمة على المنطق.

هوخكيپيل: لتجنب سوء الفهم، هل لي أنْ أشير إلى أنَّ فريݣه كان عالم رياضيات؟ فإذا قلنا إنَّ الفلاسفة، إنْ صح التَّعبير، نجحوا في رد الرِّياضيات إلى منطق، فقد يُفهم على سبيل الخطأً أنَّ فريݣه، الَّذي ساهم في التَّوصل إلى هذه النتيجة، كان عالم رياضيات. ولكن في هذه الحال، ونظرًا لأهمية الأسس، فهل يُمكننا أن نُطلق عليه لقب فيلسوف بالمعنى المُحدَّد؟

كارناپ: نعم، لطالما اعتُبر المنطق مَهمةً يقوم بها الفلاسفة. لكن ما يلفت النَّظر هو أنَّ المنطق الجديد لم يُبتكر على يد فلاسفة متخصصين، وإنَّما ابتكر من قبل علماء رياضيات كانوا في حاجة ماسة إلى آلية أدق لحل ما يُسمى بمشكل الأسس في الرّياضيات. أمَّا في الهندسة، فالوضع أكثر تعقيدًا، ممَّا أدى إلى النَّتيجة الَّتي نراها اليوم بوضوح. لقد تم التَّوصل تدريجيًا إلى وجود نظريتين مختلفتين تمامًا في الهندسة. فعلى الرّغم من أنّ كلّ واحدة منهما تتحدّث عن النّقط، وعن الخطوط المستقيمة، وعن السُّطوح، وعن المثلثات، وعن الدّوائر، وما إلى ذلك، فإنّ لكلّ واحدة منهما تأويلات مختلفة. فهناك هندسة تنتمي إلى الرّياضيات، ولا تتعلق بالمكان الفيزيائي الّذي نعرفه، ونطبقها عليه في الفيزياء، حيث تتحرك الأجسام وتتراصف جنبًا إلى جنب، وما إلى ذلك، وإنّما يتعلق بالهندسة الرّياضية، ويتعلق ببنية صورية مجردة، تُبنى وفقًا لتعريفات محدّدة، مثل كونها ثلاثية الأبعاد ومتصلة، ولها سمات بنيوية محدّدة ننسبها إلى المكان الفيزيائي، وكلّ هذه السّمات يعبّر عنها على نحو تجريدي خالص، ولا يوجد حديث فيها عن الأجسام. لذلك، يجبُ علينا التّمييز بوضوح بين هذا النوع من الهندسة عن الهندسة الفيزيائية، التي تُعد جزءًا من الفيزياء. فهذا يجيب عن الإشكال المتعلق ببنية المكان، وبمكان حدوث الظّواهر في المستقبل، وهذه النّظرية من نوع مختلف تمامًا، إذ تُشير أيضًا إلى النّقط، والخطوط المستقيمة، والمستويات، والدّوائر، والكرات، وما إلى ذلك، لكنها تدل على شيء ينطبق على الطّبيعة. لذلك يتطلب الأمر بحثًا تجريبيًا. وتجدر الإشارة إلى أنَّ ألبرت آينشتاين أسس في عصرنا هذا نظرية النّسبية على بنية هندسية غير إقليدية، ومن خلال تأكيد نظريته بناءً على بعض الملاحظات، تم إدراك أهمية تينك الهندستين الأخريتين، ليس باعتبارهما مجالا يلعبُ فيه علماء الرياضيات فقط، وإنّما من جهة أهميتهما الفيزيائية. لقد كان ذلك مثالًا على تطور وتوضيح طبيعة الهندسة فيما يتعلق بفرعيها، الفيزيائي، والرّياضي.

هوخكيپيل: هل يمكنُ اعتبار هذا بمثابة نقطة تقدّم في الفلسفة الحديثة؟

كارناپ: نعم، وكمثال أخير، أود أنْ أذكر علم الدّلالة، الّذي يُعرَّف في الفلسفة بأنّه نظرية تعنى بمعاني الألفاظ والجُمل، إذ يُبين، على سبيل المثال، أنّ ألفاظ اللُّغة الفرنسية لها هذا المعنى أو ذاك، وهكذا. أمَّا الآن، فقد بُني علم الدّلالة بمعنى مختلف، ويُطلق عليه أحيانًا علم الدّلالة المنطقي، باعتباره نظرية تعنى بالعلاقة المنطقية بين المعاني المُحتملة. وخلافا لعلم الدّلالة اللغوي، فإنّ هذا النّوع من علم الدّلالة ليس فرعًا تجريبيًا واقعيًا، وإنّما هو فرع منطقي خالص؛ يُجيب، على سبيل المثال، عن السُّؤال الآتي: “إذا عُلم معنى كلّ لفظ وارد في الجملة، وإذا علم دور كل لفظ في تركيبها النحوي، فكيف يُحدَّد معنى الجملة برمتها؟” فمن البديهي أنَّه يجب تحديده على وجه القطع. وتتمثل مَهمة الجُمل المنطقية في تحليل ذلك، وتحديد القواعد التي تحدد المعنى. ثم إنّ علم الدّلالة المنطقي حقّق لأول مرة في التّاريخ تعريفًا أكثر دقة لمفهوم الصّدق في الجملة أو العبارة، وهو ما يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالدّلالة، لأنّ شروط صدق العبارة هي نفسها معنى العبارة؛ فإذا فهم المرءُ العبارة، وإذا طابق معناها، فإنَّه يعرف في ظل أي شروط تكون صادقة أو كاذبة.

هوخكيپيل: حسناً، إذا كانت هذه بعض المجالات المُهمة، الَّتي تميِّز التقدّم في الفلسفة، فما هي، في نظرك، المَهام المحدَّدة الَّتي تراها للفلسفة في المُستقبل القريب؟

كارناپ: حسنًا، أعتقد أنَّني سأبدأ بالحديث عن المنطق الاستقرائي. فهو أكثر ملاءمةً لي. وكما تعلمون، فقد انصبّ اهتمامي عليه بالخصوص في السَّنوات الأخيرة. إنَّ المنطق الاستقرائي يختلفُ عن المنطق الاستنباطي في كونِه لا يعنى بالاستدلالات اليقينية، وإنَّما يعنى بالاستدلالات الَّتي تنطوي على عدم يقين، والَّتي لا تصح إلاّ بالاحتمال. فلَّما يمتلكُ عالم الأرصاد الجوية، على سبيل المثال، تقارير سنوات عدة عن حالة الطَّقس في مكان وبيئة محدَّدين، ويريدُ التّنبؤ بحالة الطَّقس لليوم التالي، فإنّه، من جهة، تكونُ لديه معطيات مؤكدة، وهي نتائج لملاحظات سابقة، وتكونُ لديه، ومن جهة أخرى، فرضية، من قبيل: وجود عاصفة رعدية، أو ما شابه، وهو أمرٌ غير مؤكد، أي فرضية عملية غير معروفة. ففي هذه الحال، لا يمكننا بالطَّبع بناء استنتاجات مؤكدة. لكن ربما يمكننا القول حينئذ إنَّ احتمال حدوث عاصفة رعدية حاصل أو غير حاصل. ولا يزالُ هذا الأمرُ محل نقاش، لكنّي أكثر تفاؤلاً، وأعتقد أنّه يمكننا تحديد الاحتمال عددياً. وقد نتمكَّن من تحديد القيم العددية للاحتمال، إذا توفرت لدينا معطيات محدّدة من جهة، وتوفرت لدينا فرضية تشير إلى شيء مجهول من جهة أخرى.

هوخكيپيل: هكذا يكون الأمر ، فكما هو مفترض في كثير من الحالات، فإنَّ المنطق الاستقرائي، بمعنى ما، يهيمن على الفكرة، وعلى الإبداع، وعلى البحث عن الوسائل والمناهج الخاصة بالباحث التجريبي، أي، بعبارة أخرى، يهيمن عليها بواسطة آلة تضمن الإبداع، وهذا ليس بأيّ حال من الأحوال ما يفترض أنْ يعنيه ذلك.

كارناپ: لا بالتأكيد، لأنَّه لا يمكن تطبيقه وفقًا لقواعد قارة. لقد كان لدى آينشتاين نفس المعطيات التي أتيحت لكلّ الفيزيائيين الآخرين، لكنَّ الإلهام العبقريٌ جعله يرى أنَّ بنيةً فيزيائيةً مختلفةً تمامًا يمكنها تفسير المعطيات المعروفة بطريقةٍ أفضل. لذلك، فمن الضَّروري أنْ يكونَ للفيزيائي عقلٌ أو فكرةٌ عبقريةٌ. لكن من الممكن، في رأيي، حساب ما يلي وفقًا لقواعد محددة: “فإذا أُعطيتُ فرضية للتقييم، وأعطيتُ نسقا من المعطيات، فإنّه من الممكن حساب احتمال تلك الفرضية. وهذا الاحتمال يختلفُ عن الاحتمال المستعمل في الإحصاء الرّياضي، وفي الفيزياء الحديثة، لما يقول الفيزيائي، على سبيل المثال: إنَّ هناك مادة مشعة من هذا النوع أو ذاك، فإنّ احتمال انبعاث جسيم من هذا النوع في الثانية التالية له قيمة محدّدة، ثم يكتشف أنَّ هذه القيمة هي متوسط ​​التَّردد في الثانية لعمليات محددة؛ فإنّ هنا، لا يتعلق الأمر بالتّرددات، وإنّما يتعلق بعلاقة منطقية بين شيء مجهول وشيء معلوم.”. ومع ذلك، يكمنُ التحدي في وضع قواعد لذلك. لقد وضعنا حتى الآن قواعد تُفسّر المنطق الاستقرائي من منظور مفهوم الاحتمال المنطقي. ونكونُ قد خطينا الخطوات الأولى، إذ أصبحنا قادرين على تطبيقه على عبارات بسيطة نسبيًا. فلَّما نقول، على سبيل المثال، حسب ما لوحظ، أنه سُحبت كرات محددة من صندوق الاقتراع هذا، فكل كرة إمَّا أنْ تكون زرقاء أو تكون حمراء. هذا ما نعرفه. وقد سُحبت أربعُ كرات زرقاء، وكرتان حمراوان. فمن الواضح إذًا، أنّ احتمال أنْ تكون الكرة التالية المسحوبة زرقاء أكبر من احتمال أنْ تكون حمراء. وفي حال عدم وجود شك في إمكانية تحديد الاحتمال عدديًا، فسيكون الاحتمال هو 2/3. وفي الحالات الأخرى، حيثُ تكون القضايا أكثر تعقيدًا، فإنّ هذا الأمر يكون قابلًا للنقاش. لكنّي متفائل، وأعتقد، بخلاف الآخرين، أنّه سيكون من الممكن إسناد قيم عددية، وهو ما تم إنجازه حتى الآن. أما في المستقبل، فما ينبغي إنجازُه هو توسيع نطاق هذا المنطق الاستقرائي أو منطق الاحتمالات ليطال لغة غنية، لا تقتصر على الإشارة إلى صفات الأشياء مثل اللّون الأحمر واللون الأزرق، وإنّما تتضمن أيضًا الإشارة إلى القيم الفيزيائية. فإذ قامَ أحدهم بقياس درجة الحرارة، ووجد أنّها مرتفعة للغاية… وكانت القيم مختلفة… وحدّد درجة الحرارة المحتملة لليوم التالي بناءً على ذلك… شيء من هذا القبيل… يعتبر من المشكلات المعقدة جدا. لكنَّني أعتقد أنّنا على وشك الدخول في هذا المجال.

هوخكيپيل: إذن، ستكون هذه إحدى المَهام المهمة في المستقبل. فهل هناك مهام أخرى تراها جديرة بالأهمية؟

كارناپ: آهٍ، يوجد الكثير ممّا يجدر الاهتمام به. وأعتقد أنّ التّحليل المنطقي للعبارات القيمية يمثل مشكلة بالغة الأهمية. لقد تم تناولها بالفعل، لكنّني أظن أنّ ما تم تناوله ليس إلا خطوات أولى، أي العبارات القيمية في مختلف مجالات القيم، كالقيم الأخلاقية، أو القيم الجمالية على سبيل المثال. فالعبارة القيمية في مجال الأخلاق تُعرِّف فعلاً ما بأنه فعلٌ خيّر أو فعلٌ شرير، أمّا العبارة الجمالية فتُعرّف عملاً فنياً ما بأنّه عملٌ نبيل أو عملٌ تافه، أو بتعرفه بأي وصف آخر، أو بالمعايير التي تُحدد كيفية التّصرف في موقف معين. ففي المراحل الأولى لتطور الفلسفة، كانَ الفلاسفة يعتقدون أنّهم هم وحدهم من يُحددون صدق العبارات القيمية، وبالتالي هم من يُقررون ما هو خير وما هو شر.

هوخكيپيل: إنَّهم يحددون ذلك على نحو مطلق وقاطع.

كارناپ: أعتقد أن هذا غير صحيح، إذ لا يستطيع الفيلسوف أنْ يحسم هذا الأمر، وأن يصرح به. فهو، حسب رأيي، مجرد قرار فردي يخص كلّ إنسان، وفقاً لضميره أو مشاعره الأخلاقية أو أياً كان المسمّى، وهو ليس أمراً مطلقاً، وإنّما هو شيء يتطور، وينضج، عبر مراحل التّعليم والحياة. أعتقد أنَّ الفلاسفة، وهكذا ننظر إلى المسألة في الفلسفة العلمية الحديثة،  ليس من حقهم أن يقولوا شيئًا عن مضمون العبارات القيمية، وإنّما عليهم أنْ يقولوا شيئاً عن العلاقات المنطقية، وأنّه في هذا المجال حيث لا يفيدُ المنطق الاستنباطي على نحو جيد، أو قد يفيد على نحو ضئيل جدًا، فإنّه توجدُ أيضًا إمكانيات منطقية للقول بأنّ العبارات القيمية هذه لا تتوافق مع تلك الَّتي ذكرناها مسبقًا [يقصد هنا العبارات الواقعية والمنطقية، التي تتضمن معنى] أو ما يُماثلها، أو عبارات يمكن استنتاجها منها، أو ما يماثلها. لقد لاحظتُ مرارًا وتكرارًا أنَّ هذا الفرقَ الأهم بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية لا يُؤخذ دائما بعين الاعتبار، وبالقدر الكافي، لا سيما في النّقاشات الّتي تُطرح فيها قضايا أخلاقية، كالنّقاشات السّياسية، الّتي غالبًا ما تُطرح فيها هذه القضايا. وهذا يُؤدي إلى تهافت صارخ. وأعتقد أنّه إذا ما وُضّحَ هذا الفرق بين القضايا الواقعية والقضايا القيمية، فمن الأجدر البدء بتسوية الخلافات الواقعية أولا، ثم الانتقال إلى مناقشة القضايا القيمية ثانيا من أجل التّوصل إلى اتفاق بشأن أهم النّقاط. وأعتقد أنَّ الفهم الفلسفي بهذه الطَّريقة لن يُساعدنا في حسم القضايا الأخلاقية في حد ذاتها فحسب، وإنّما سيُساعدنا في إيجاد أساس أوضح لمناقشتها.

هوخكيپيل: الأستاذ كارناپ، أشكرك جزيل الشُّكر.


[1]Gilson Olegario اسم قناة على اليوتيوب.

[2]Rudolf Carnap (1891-1970) فيلسوف ألماني، يعد من الرواد المؤسسين للوضعية المنطقية، وأحد أعضاء “حلقة ڤيينا”، ومن أكبر منتقدي الميتافيزيقا، ودعاة التحليل المنطقي للغة، ورفض ما يخرج عن البناء المنطقي، وتبني ما ينسجم معه. كان له تأثير كبير في الفلسفة الأمريكية، لما هاجر إليها فرارا من النّازية مع أصدقائه من الفلاسفة الألمان.

[3] – هذه المعلومة الّتي أشار إليها صاحب القناة دقيقة، وقد تأكدت من ذلك بتصفُّح لائحة المصادر للمقالة المكتوبة عن كارناپ بموسوعة ستانفورد الفلسفية، فوجدت المصدر موثوق ومشفر كالآتي:

1964, “Interview mit Rudolf Carnap”, in Mein Weg in die Philosophie, Rudolf Carnap, interview with Willy Hochkeppel, Stuttgart: Reclam, pp. 134–148.

بما أنّ هذا الحوار المنشور في المجلة الألمانية “طريقي إلى الفلسفة”، الّتي كان يشرفُ عليها ڤيلي هوخكيپيل يتألف من أربع عشرة صفحة، فلا شك أنّه أطول من هذا الحوار المعروض في مقاطع الڤيديو على قناة اليوتيوب. ومهما يكن، فإنْ لم يكن هذا الحوار مترجما حتى إلى اللغة الإنجليزية، فإنّ هذا الجزء الّذي ترجمناه مكسب، وفيه فائدة جمة.

[4]Willy Hochkeppel (1927-2022)، فيلسوف وكاتب ألماني. عمل محررًا ثقافيًا في هيئة الإذاعة الباڤارية، وساهم في العديد من الصحف والمجلات الكبرى، وحرر عدة مختارات في الفلسفة، وعلم الاجتماع؛ كما سعى في برامجه الإذاعية ومنشوراته إلى تنمية اهتماماته الفنية، والأدبية، والموسيقية.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك