المفكر الذي نَستحق – ناثان جيَ روبنسن / ترجمة: هناء خليف غني

المفكر الذي نَستحق – ناثان جيَ روبنسن / ترجمة: هناء خليف غني


“إن شعبية جوردن بترسن لهيَ خيرُ دليل على مشهد سياسي وفكري أجدب للغاية….”

إذا أردت أن تظهر بوصفك شخصاً بليغاً مُتعمقاً وتُقنع الناس في التعامل معك بجديةٍ، ولكنك لا تحوز شيئاً ذا قيمة لتقوله، ثمة طريقة مُجربة ومعروفة ستساعدك.  أولاً، خذَ شيئاً مُبتذلاً وتافهاً وبديهياً. تأكد من أن هذا الشيء يحتوي على تبصرٍ من نوعٍ ما على الرغم من أن هذا التبصر قد يكون غامضاً نسبياً. خذ شيئاً من مثل: ((إذا كنت استرضائياً توفيقياً للغاية، ربما ستُستَغل أحياناً))، أو ((هناك العديد من القيم الأخلاقية المتشابهة عبر المجتمعات البشرية)). يمكنك بعدها أن تُقدم فكرتك التافهة المُبتذلة  ثانية باستخدام أكبر قدرٍ ممكنٍ من الكلمات المُلتبسة الغامضة  شريطة ألا تُكرر نفسك قط. استخدم لغة تقنية للغاية مأخوذة من عددٍ من النظم الأكاديمية المختلفة، كي تضمن أن المستمعين لك لن يحوزوا قط التدريب أو المعرفة اللازمة لتقييم عملك تقييماً متكاملاً. قدم نظريات تفصيلية فيها العديد الجوانب والأوجه. أرسم مخططات. استخدم  الأحرف المائلة كما تشاء كي تُظهر لهم أنك تستخدم الكلمات بنحوٍ محددٍ وتمييزي للغاية. لا تقل قط شيئاً محدداً، وإذا فعلت ذلك،  أجعله قابلاً للتعديل ومُلتبساً بحيث يُمكنك دوماً أن تدافع وتُصر أن العكس هو ما كنت تقصده. ثم أسلك سلوك المبشر المُتحمس: تحدث بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الثقة، كما لو أنك تتحدث عن حقيقة الرب.  أرفض النقودات رفضاً قاطعاً:  تشددَ في إصرارك على أن المتشكك في حديثك أما قد أخفق في فهمك وأما قد سَلم مسبقاً أنك على صواب. واصل الحديث ما استطعت وتجنب الاصغاء ما استطعت. التزم بهذه الخطوات، وسيكون النجاح حليفك. (سيساعدك كثيراً إذا كنت ذكراً ومن العرق القوقازي الأبيض).

يبدو جوردن بيترسن عميقاً للغاية، وقد أقنع الكثير من الناس في التعامل معه بجديةٍ. وبرغم ذلك، ليس لدى بيترسن شيئاً ذا قيمة يقوله. ينبغي أن يكون هذا واضحاً لأي شخص قد قضى بضع دقائق فحسب في التفحص النقدي لكتاباته وأحاديثه التي تبدو مضحكة في تخبطها، وجهلها، وخوائها. إنها محض هراء في جانبٍ منها، وابتذال في جانبها الآخر.  في عالم مُتعقل ومُتزنٍ، سيبدو بيترسن مثل أخبلٍ مملٍ لا يتمنى أحدٌ أن يجلس بجانبه في رحلة قطار.

ولكننا لا نعيش في عالم مُتعقل ومُتزنٍ. إذ يظهر جلياً عمق جاذبية بيترسن وتأثيره، فكتابه ’أثنتا عشرة قاعدة للحياة‘ هو الأكثر قراءةً في موقع  أمازون حيث حصل على تقييم خمسة نجومٍ كاملةٍ. قال أحدهم إنه عندما عثر على نسخةٍ من أول كتاب لبيترسن، ((كنت أريد أن أمسكه بيديَ كلتيهما واتأمل أهميته لبضع دقائق، كما لو أنه أحد مؤلفات شكسبير أو أنجيل غوتنبيرغ)). وقدمته صحف العالم الرئيسة بوصفه أحد أهم المفكرين الأحياء. إذ وصفت صحيفة ’التايمز‘ رسالته (إنها عميقة وكاسحة في حيويتها)، واعترف أحد كتاب الأعمدة في صحيفة الغارديان مُضطراً أن بيترسن (يستحق أن يؤخذ على محمل الجد). ويحسب ديفيد بروكس أن بيترسن قد يمثل ((المفكر العام الأكثر تأثيراً في العالم الغربي في الوقت الراهن)). لقد حظيَ بوصف ((صوت الفكر المحافظ الأكثر عمقاً ووضوحاً في عالم اليوم))؛،إنه رجلٌ ستجعلهُ أعماله ((مشهوراً لعصورٍ طويلة)). ووصفه مالكولم غلادول بـ  ((عالم نفس رائع)). ولم يقتصر كيل المديح والثناء والاعتراف بالأهمية الذي حظيَ به بيترسن على العاملين في الصحافة الشعبية فحسب، فهذا هو رئيس قسم علم النفس في جامعة هارفرد يثني على رائعة بيترسن (خرائط المعنى) واصفاً اياها بـ ’المذهلة‘ و ’الجميلة‘. وتساءل زاكري سليَباك من مؤسسة التربية الاقتصادية كيف يمكن لأيَ شخص جاد أن يتجاهل بيترسن مبيناً أنه ((حتى المفكر الأكثر تشدداً في مناهضته لبيترسن ينبغي أن يتحلى بالقدرة على الاعتراف أن مشروع الأخير جيدٌ للغاية)). ولهذا السبب، نحن في حيرةٍ من أمرنا: إذا لم يكن لدى بيترسن ما يقوله، كيف تمكن، إذن، من أن يحصد هذه الشهرة والمكانة؟ وإذا كانت القدرة على تجاهله بوصفه دجالاً محتالاً ’جليةً ومُمكنةً‘ للغاية، لم يحظى فكره بإعجاب هذا العدد الكبير من الناس؟

قبل أن نناقش سر الشهرة التي يتمتع بها بيترسن، نحن في حاجة إلى دراسة أعماله. فبعد كل ذلك، إذا كان عمله ’مذهلاً‘ ومتبصراً حقاً، إذن، ليس ثمة سر: لقد اعتُرِف به مفكراً عميقاً لأنه، بسهولة ويسر، مفكرٌ عميقٌ. والعديد من نقاد بيترسن لم يُنصِفوا عمله، بل إنهم عملوا على الحط من قيمته والاستهزاء به من دون قراءته، أو رميه بأقذع الصفات، فهو (الرجل الذكي للدهماء) أو (المسيح-الدجال-والأب للحمقى والأغبياء). وقد أزعج ذلك معجبي بيترسن، ولذا نرى  الكثير منهم يهبون مسرعين إلى قسم التعليقات للدفاع عنه واتهام كُتَاب المقالات المُنتقِدة له-وهو اتهام صحيح في العادة- بالإخفاق في التعامل بجديةٍ معه.

تُسهم المقابلة التي أجرتها الصحفية كاثي نيومان مع بترسن في القناة الرابعة سيئة الصيت حيث حاولت نيومان التقول على بترسن والتصريح بما لم يصرح به أكثر من مرةٍ (إذن، ما تريد أن تقوله هو كذا، مثلاً)…تُسهم في تعزيز الانطباع أن التقدميين يحاولون النيل من بيترسن واتهامه بالإيمان بمعتقدات لا يؤمن بها. وبهذا الصدد، قال كونر فريدرسدروف من صحيفة اتلانتك إن بيترسن قد وقع ضحيةً لـ (سوء فهم شديد)، وحث الناس على مراجعة ما كان بيترسن (يقوله فعلاً).

وبرغم ذلك، توصلت من جانبي- بعد مراجعةٍ متأنيةٍ وعميقةٍ لأعمال بيترسن- إلى نتيجةٍ تفيد أن السبب في سوء الفهم أو التحريف الذي تعرض له بيترسن لا يعود كله إلى قراءة اليساريين لأعماله عبر المنظور الايديولوجي. ثمة سببٌ آخر، في الواقع، أكثر أهميةً لسوء الفهم هذا يتصل بالغموض والتذبذب الدائمين الملازمين له بحيث يتعذر، بل ويستحيل، تحديد فحوى “ما يقوله بدقةٍ كبيرةٍ”. يُمكن أن يحتدم الجدل بين الناس بشأن بيترسن بين من يرى فيه شخصاً دفاعياً فاشياً ومن يرى فيه ليبرالياً تنويرياً لأن كلماته الجوفاء هي بمنزلة اختبار رورشتاخ يمكن بسهولة اسقاط عددٍ لا يحصى من التفسيرات عليها.

يبدو ذلك واضحاً للعيان حال تصفح كتاب بيترسن خرائط المعنى (1999)، وهو مُلخصٌ بستمئة صفحة لنظرياته الرئيسة التي أنفق خمسة عشر عاماً في تطويرها. يدور الكتاب- الى الحد الذي يُمكن فيه تلخيصه- حول ’كيف يُنتج البشر ’المعنى‘ أو يستحدثونه ؟. ظاهرياً، يبدو أن ما يقصده  بيترسن من ’إنتاج المعنى‘ هو ’معرفة كيف نعمل‘؛ نقول ’ظاهرياً‘ لأن ما يقصده لم يقف حائلاً دون لحظ التنوع النسبي في تعريف مفردة ’معنى‘:

1- ’المعنى‘ هو إظهارٌ للمسار الإلهي الفردي التكيَفي.

2- ’المعنى‘ هو التوازن النهائي بين…فوضى التحول وإمكانية النظام الأصلي و…انضباطه.

3- ’المعنى‘ هو تعبيرٌ عن الفِطرةِ التي ترشدنا نحو المجهول بحيث نتمكن من التغلب عليه.

4-’المعنى‘ هو عندما يجتمع معاً كل شيء موجود في رقصة الغرض الواحد المُثيرة.

5- المقصود بـ ’المعنى‘ هو المضامين المؤدية إلى مردود سلوكي.

6- يبرز ’المعنى‘ من التفاعل بين إمكانات العالم وقيمة البَنية الفاعلة في داخل هذا العالم.

وابتغاء الإجابة عن السؤال أعلاه، يقول بيترسن: إن البشر يعرفون كيف يتصرفون عن طريق الاستعانة بمجموعة مشتركة من القصصِ التي تحتوي على ’نماذج أصلية‘؛ نماذج تطورت على طول الطريق الذي استغرقته رحلة ارتقاء الأنواع الحية. يرى بيترسن كذلك أن دراستنا للأساطير من شأنها مساعدتنا في معرفة القيم والأُطر المشتركة عبر الثقافات، وتبعاً لذلك، تمكيننا من فهم البنى التي تقودنا.

ولكني، بفعلي هذا، أمنح سلفاً كتاب بيترسن مُلخصاً أكثر تساوقاً مما يستحقه عملياً!. لأنه إذا كان ما يود بيترسن قوله هو ((إن العديد من القصص الإنسانية تشترك في تقديم دروسٍ أخلاقيةٍ))، فإن قوله هذا هو من البديهيات المُسلم بها بحيث لن يخطر على بال أحد الثناء عليه بوصفه تبصراً جديداً من نوعه.

ولكن بيترسن تمكن من نشر هذا ’الموضوع البديهي‘ على مئات الصفحات، وتطويره إلى نظرية تفصيلية، غير قابلة للإثبات، ولا الدحض، ولا الفهم؛ نظرية تشمل كل شيء، من اتجاه التاريخ إلى معنى الحياة، إلى طبيعة المعرفة، إلى صنع القرار البشري، إلى أُسس الأخلاق. (ينبغي لنا هنا أن نتذكر المبدأ المناسب الذي يقول إنه إذا ظهر الكتاب بمظهر من يتحدث عن كل شيء، فإنه في الأعم الأغلب لا يتحدث، في جوهره، عن أي شيء). المقطع الآتي الذي اخترناه عشوائياً هو خير دليل على هذه الملحوظة: ((إن المعرفة الإجرائية، المُنتَجة في مسار السلوك البطولي، هي معرفة غير مُنتظمة أو مُستدمجة في داخل المجموعة والفرد بوصفه نتاجاً لعملية تراكم بسيطة. قد يدخل إجراء (أ) في موقف رقم (1) في حالة تعارضٍ مع إجراء (ب) في موقف رقم 2، ويُسفر ذلك عن صدامٍ متبادلٍ عنيفٍ في موقف رقم (3).  وستؤدي ظروفٍ مثل هذا، بالضرورة، إلى وقوع صراع ضمن-نفسي أو بين-شخصي. ونتيجةً لـ [عملية] إعادة التقييم هذه، تتصف الخيارات الأخلاقية أنها مرتبةً ترتيباً صارماً على وفق المرتبة أو المنزلة، أو يجري-بنحوٍ أقل تواتراً- ضعضعة نظم أخلاقية كاملة، وإعادة ترتيبها والاستغناء عنها. يقع هذا التنظيم وإعادة التنظيم بسبب ’الحرب‘ بتنويعاتها العيانية، والمجردة، وضمن-النفسية وبين-الشخصية. في أشد الحالات بدائيةً، يقع الفرد ضحيةً لصراع قاسٍ يتعذر تحمله، نتيجة لتنافر مُتخيل (مؤثر وعاطفي) لاثنتين أو أكثر من المحصلات المُقلِقة الناتجة عن إجراء سلوكي. في النطاق ضمن النفسي البحت ، يبرز صراعٌ مثل هذا في المعتاد عندما يتداخل عامل نيل ما مرغوب في الحاضر، بالضرورة، مع عامل نيل ما مرغوب (أو تجنب ما نخاف منه) في المستقبل. إن حسماً مُقنعاً ودائمياً لصراعٍ مثل هذا (بين الاغواء و ’النقاء الأخلاقي‘ في سبيل المثال) يستلزم بناءً أخلاقياً مُجرداً وقوياً بما يكفي للسماح بما يعنيه حدث ما للمستقبل أن يتحكم بردة الفعل على ما يعنيه [هذا الحدث] في الوقت الحاضر. وحتى هذا البناء هو، بالضرورة، بناء غير كامل عندما نتعامل معه بوصفه ظواهر ’ضمن-نفسية‘ فحسب. إن الفرد، الذي كان قادراً في الماضي على دمج الحاجات المُحرِكة للدوافع والمتضاربة دمجاً متساوقاً في النطاق الخاص، سيبقى مُقدراً له مع ذلك، الدخول في صراعٍ مع الآخر، في مسار التحولات المحتومة للتجربة الشخصية. وهذا يعني إن الشخص الذي توصل إلى التصالح مع نفسه-أو نفسها- مبدئياً في الأقل- ما يزال عرضةً للاختلال التنظيمي العاطفي الذي ينتج، بنحوٍ محتوم، عن التفاعل بين-الشخصي. ويُمكن القول إن ’قهراً‘ مثل هذا يُعدَ، عملياً، مؤشراً على تنظيم ’ضمن نفسي‘ ناقص لأن العديد من ’الاحتياجات‘ الأساسية لا يمكن اشباعها ألا عبر التعاون مع الآخرين.

إن الجانب المهم في كتابات من هذا النوع هو قدرتها على الظهور بمظهر من يحتوي على تبصرٍ نافعٍ لأنها تتحدث عن الكثير من الأشياء التي أما تكون صحيحة أو ’تبدو كذلك‘، وهي تفعل ذلك بأسلوبٍ يجعل القارئ يشعر بالغباء لأنه لا يفهم هذه الأشياء. (تُظهر العديد من المراجعات التي حظيَ بها الكتاب مشاعر ومواقف [عاطفية] من مثل: لست واثقاً من فهمي للكتاب، ولكنه كتاب رائع قطعاً). لا يتصل الأمر هنا بخلو الكتاب من المحتوى؛ بل يتصل، على وجه التحديد، بقدرة بعض من جوانبه على اثبات  قدرتها على اقناع القراء بأهميته.

لا يُشك في فاعلية بعض من الإجراءات في موقف محددٍ لا المواقف كلها. وبالمثل، لا يُشكُ في ضرورة أن تتحلى النظم الأخلاقية الجيدة بالقدرة  على التفكير في المستقبل عبر معرفة الأمور التي يتعين عليها فعلها في الحاضر. فيما عدا ذلك، لا نجد غير لغةٍ مُجردةٍ لا يُمكن إثباتها ولا دحضها. (ثمة تعبيرٌ قديمٌ يصدق هنا هو: ’الجديد فيه خاطئ، والصحيح فيه قديم).

في مقطعٍ آخر يشرح فيه بيترسن نظريته الخاصة بالقانون، نقرأ الآتي: ((القانون شرطٌ ضروريٌ سالف للخلاص؛ حسناً، إنه ضروري ولكنه غير كافٍ.  يوفر القانون الحدود التي تحد من الفوضى، وتسمح بالإنضاج المضمون للفرد. يعمل القانون على ضبط الاحتمالية، ويسمح في الوقت نفسه للأفراد المُنضبطين أن يُخرجوا قدراتهم الكامنة- أو تلك الأرواح بين النفسية –  في ظل رقابةٍ وسيطرةٍ طوعيةٍ. إن القانون يسمح بتوظيف قدرات كامنة مثل هذه في عملية الوجود الخلاق والشجاع. إنه يسمح بتدفق المياه الروحية بنحوٍ مُنضبط في وادي ظل الموت. ألا إن القانون الذي يُعامل بوصفه مُطلقاً يضع الإنسان في موضع المراهق الأبدي، المعتمد على أبيه في كل قرار حاسمٍ، وينتزع من الفرد مسؤوليته عن الأفعال، ونتيجةً لذلك، يمنعه/يمنعها من اكتشاف الفخامة والرفعة الكامنة في الروح.  ولا يُشك أن الحياة بدون قانون هي حياةٌ فوضويةٌ لا تطاق، وثقيلة على النفس. الحياة التي تمثل قانوناً صرفاً هي حياة عقيمة لا تُطاق كذلك. إن هيمنة الفوضى أو الجدب كليهما لن يؤديا سوى إلى [تغول] الكراهية أو الاستياء الفتاك)).

ومرةً أخرى أود أن أُبينَ أن ما يهمني هنا ليس إظهار الخطأ الذي وقع فيه بيترسن عندما قال إن للقانون وظيفةً انضباطية، أو إن الإفراط في القانون سيؤدي إلى الشعور بالاختناق، في مقابل الفوضى الناتجة عن عدم وجود القدر الكافي من القانون. لا، ليس هذا ما أود الحديث عنه؛ بل إن مقصدي هو عبارات من مثل: ’الأرواح بين-النفسية‘ و ’تدفق المياه الروحية‘ التي قدمها بيترسن، لكنه لم يشرحها شرحاً وافياً ولم يبرهن عليها!  وحتى لو طلبت منه أن يشرحها، فلن تحصل منه سوى على سلسلةٍ إضافيةٍ من المفردات المجردة. (بنحوٍ فارقٍ، لا يحتوي كتاب خرائط المعنى على خرائط ولا معنى!). في تعليقه على مقولات بيترسن، بينَ عالم الاجتماع سي رايت ملز (C. Wright Mills)، الذي درسَ نقدياً ’المنظرين العظام‘ في حقله المعرفي الذين يستعينون بـ ’الحشو والاطناب‘ للتمويه على افتقارهم العمق،…بينَ أن السبب في ترحيب الناس وتجاوبهم مع كتابات مثل هذه هو أنهم يرون فيها ((متاهة مذهلة، وآسرة تحديداً لافتقارها العميق للقدرة على الإفهام)). بيد أن ملز أضاف مُبيناً أن كتاباً مثل هؤلاء: ((يكتفون اكتفاءً صارماً بمستويات مرتفعة من التجريد إلى حدٍ تبدو فيه ’الطوبولوجيات‘ التي يضعونها-والأشياء التي يفعلونها للتوصل إلى هذه الطوبولوجيات- لعبة شاقة وعقيمة للمفاهيم أكثر منها جهداً لتعريف المشكلات القائمة بأسلوب منهجي-بمعنى بأسلوبٍ واضحٍ ومُنظمٍ- وتوجيه جهودنا لحلها)).

وبرغم ذلك، لا يؤلف التلغيز والإبهام محض محاولة يائسة للتظاهرة بالجدة والابتكار، بل إنه يمثل في وجهه الآخر تكتيكاً  لدفع القراء إلى احترام سلطة الكاتب. لا سبيل إلى التأكد من أن القراء يستوعبون معنى ما يقوله الكاتب، وهذا قد يؤدي إلى جعل القارئ يشعر بدونيته وبالرهبة من عمق معرفة الكاتب وسعه اطلاعه؛ معرفة يتعين أن تبرز في مستوى أعلى بكثير من مستوى الناس العاديين الذين ليس بقدرتهم حتى تقييمها تقييماً وافياً. بيترسن، في الحقيقة، صريحٌ للغاية في إصراره على تمكنه من تحقيق ظهورات وتبصرات تتجاوز حدود فهم الناس العاديين. تنطوي العبارة الاستهلالية في الكتاب، في سبيل المثال، على الكثير من المبالغة المُضحكة والإحساس الفائق بالأهمية: ((سأقول اشياءً بقت سراً منذ بدء الخليقة))(ماثيو 12: 35)، ولم يقتصر الأمر على هذا الاقتباس، بل عرض بيترسن رسالةً إلى أبيه يحاول فيها تصوير أهمية اكتشافه: ((لا اعرف، يا أبي، ولكني أظن أني قد اكتشفت شيئاً ليس لأحدٍ غيري فكرةٌ عنه، وأنا على ثقة من أنني سأوفي هذا الشيء حقه. إن هذا الشيء من الاتساع والفخامة بحيث أعجز عن رؤيته كاملاً، أني لا ارى سوى اجزاء منه في المرة الواحدة. إن شرح هذا الشيء بأسلوبٍ مفهومٍ سلسٍ يبدو صعباً بنحوٍ يتعذر وصفه…على أية حال، أنا سعيد لأنك ووالدتي على ما يُرام. شكراً لك لإتمامك معاملة عوائد ضريبة الدخل خاصتي)).

يبدو أمراً مسلياً قراءة هذه الرسالة وتخيل أنك والد بيترسن وهو يحاول معرفة ما يفعله ابنه في حياته).

ومن نافلة القول إنه عندما يكون أحدنا مُقتنعاً ببراعته والمعيته، فإنه لن يُدرك قط مدى ابتعاده عن عالم التعقل والفهم. الصور التوضيحية والأشكال البيانية في (خرائط المعنى) مُبهرة للغاية، ولكنها روائع لهذرٍ يتعذر  برهنته:  ((كيف يتسنى لأحدٍ حتى التعامل مع مادةٍ مثل هذه؟ مادة لا يمكن ’دحضها‘. هل يحكمنا تنين الفوضى؟ هل التنين أنثوي؟ هل “’حالة‘ الفردوس ما قبل الواعي” في “مواجهة إرادية مع المجهول”؟ هل العرضي والاستطرادي حقاً اكثر وضوحاً من الإجرائي؟ لا يتوقع الخروج بأجوبة عن هذه الاسئلة، لأنها، في جوهرها، اسئلة بلا معنى.

إن تضخيم الواضح وتحويله إلى مُلهم ورهيب يؤلف جانباً من السبب الذي يجعل بيترسن ينجح في الجنس الكتابي المعروف بـ ’ساعد-نفسك.‘ بقدرة بيترسن، مثلاً، أن يقدم للناس النصائح الحياتية الأبوية الأساسيةً المعروفة من مثل (نظف غرفتك، قف مستقيماً) بطريقةٍ تجعلها تبدو مثل درر الحكمة!. لنأخذ مثلاً مُلخص المبادئ في نهاية قواعد الحياة الاُثنتي عشرة:

ما الذي ينبغي لي أن أفعله لجعل روحي أكثر صلابةً؟ لا تكذب، أو أفعل ما تحتقره وتزدريه؟

ما الذي ينبغي لي فعله لأرتقي بجسدي؟ استخدمه في خدمة روحي فحسب.

ما الذي ينبغي لي أن أفعله مع الأصعب بين الاسئلة؟ اتعامل معها بوصفها  المدخل إلى طريق الحياة.

ما الذي ينبغي لي أن أفعله إزاء محنة الرجل الفقير؟ السعي لتقديم نموذجٍ صالحٍ لرفع روحه المعنوية.

ما الذي ينبغي لي أن أفعله عندما تلوح الجموع العظيمة بأيديها؟ أقف بثقةٍ وأدلي بحقائقي المُتلعثمة.

هذه أساليب متبجحة وانجيلية للقول: قل الحقيقة، كن صادقاً مع نفسك، تعامل مع التحديات بوصفها فرصاً، أجعل من نفسك قدوةً جيدةً، وأوه، قدم محاضرات واثقة وطويلة ومُفصلة لجمهور المعجبين الذي يعبدك. (لاحظ الرد على ’محنة الرجل الفقير‘ الذي لا يقدم، عملياً، مساعدة لهذا الرجل، بل يرمي إلى إظهار كم أنت شخصٌ صالحٌ يمكن اتخاذه مثالاً يُحتذى به). إن أسلوب بيترسن في الكتابة مُستمر في الالتفاف والدوران ابتغاء التمويه على بساطة ما يطرحه وسذاجته؛ فهو لن يقول، مثلاً، إن “الخلايا السرطانية في الرجل تنتقل إلى عضوٍ آخر،” بل سيختار أن يقول إن الرجل: “وقع ضحيةً للنزوع نحو ذلك الظرف المريع من انتقال الخلايا السرطانية من عضوٍ إلى آخر.” وكلما بذل الناس جهداً أكبر في محاولتهم معرفة ما كنت تقوله، سيشعرون بدرجةٍ أكبر من التميز عند معرفتهم، وستبدو أنت أكثر نبوغاً وتطوراً، وهذا يعني مكسباً مربحاً للجميع.

دعونا نطلع على المزيد مع المقولات البيترسينية (نسبة إلى بيترسن):

  • ليس ثمة كائن بلا عيوب. قطعاً، لا يوجد.

  • “أن تتشارك لا يعني أن تعطي شيئاً ثميناً لديك من دون الحصول على شيء بالمقابل. أن تتشارك يعني أن تبدأ، بأسلوبٍ صحيحٍ، عملية المتاجرة.” قد يعني ذلك أي شيء لأنه يعتمد على التفسير: إذا شاركت طعامي مع شخصٍ جائعٍ، ولم أطلب شيئاً بالمقابل، فربما ما يزال لدي “شيء أحصل عليه.” ألا إن هذا القول المأثور قد يُفسر كذلك بوصفه دفاعاً عن الجشع. يمكنك أن تجد فيه ما يحلو لك من مسوغات تبريرية بحسب وجهة النظر التي تحوزها سلفاً.

  • لا يمكنك وضع قواعد للاستثنائي.” بحسب تعريف هذا الاستثنائي.

  • المستقبل هو موطن الوحوش المحتملة جميعاً.” المستقبل هو موطن كل شيء محتمل.

  • لا يهتم الناس بـ ’هل سينجحون أم لا؛ بل يهتمون بهل سيفشلون أم لا؟‘. الأمران مختلفان للغاية.

  • ’لا يسعى الناس وراء السعادة، بل يسعون إلى عدم الايذاء.‘ أنا، في الواقع، أسعى وراء السعادة، شكراً جزيلاً.

  • ’الحياة معاناة. هذا واضح. ليس ثمة حقيقة أساسية غير قابلة للتفنيد.‘ أي شيء ’غير قابل للتفنيد‘ إذا لم يكن واضحاً ما الذي نعنيه به.

  • ’لا يمكن حمايتك من الأشياء التي تخيفك وتؤذيك، ولكنك إذا تماهيت مع ذلك الجزء من كيانك المسؤول عن التحول، عندها ستكون مساوياً، أو ربما أكثر من مساوٍ للأشياء التي تخيفك.‘ ما لم تكن خائفاً من الفهود، التي ستأكلك فيما بعد!.

 إن كثرة التفسيرات المحتملة مهمٌ للغاية لأنها تجعل من المتعذر، بل المستحيل تقريباً، هزيمة بيترسن في نقاشٍ لأنه في كل مرةٍ يحاول فيها أحدٌ إجباره على الدفاع عن فكرةٍ أو فرضيةٍ، سيكون بقدرته الإصرار على أنه يعني شيئاً آخر. يرى بيترسن، مثلاً، أن العالم مُقسم بنحوٍ جوهري، بين قوى ’الفوضى‘ وقوى ’النظام‘، ويشرح الفرق مبيناً: (([الفوضى] هي الشيء الذي يمتد، داخلياً بدون قدرٍ محددٍ، خارج حدود الدول جميعاً والأفكار والنظم المعرفية جميعاً…إنه الأجنبي، الغريب، عضو الجماعة الأخرى، الحفيف في الأحراش…غضب أمك المُضمر… تقترن الفوضى رمزياً بالأنثوي…في مقابل النظام، الذي يمثل، خلافاً للفوضى، إقليماً مُستكشفاً. بمعنى تراتبية هرمية للمكان والموقع والسلطة عمرها مئات الملايين من السنين. هذا هو تنظيم المجتمع. إنه التنظيم الذي توفره البايولوجيا…إنه علم الأمة…إنه عظمة التقاليد، صفوف الرحلات في الصف الدراسي، القطارات التي تغادر المحطة في مواعيدها…في عالم النظام، تتصرف الأشياء على وفق ما حدده لها الرب)).

من السهولة بمكان سماع أصداء السلطوية، وحتى الفاشية، في هذا القول: الرجال الاقوياء يخلقون النظام، وهو مقصد الرب، والإذعان للسلطة، والتقاليد، والترتيب الهرمي، والأعلام والرايات كفيل بحفظ التنظيم الاجتماعي. (لاحظ حديثه حتى عن القطارات التي تغادر حسب مواعيدها!). ولكن في اللحظة التي يحاول فيها أحدٌ نقد هذه المقولات، والحديث عن مخاطر التمسك بالأعلام والتقاليد في ذاتها، سيُصر بيترسن، بعصبيةٍ وغضبٍ، على أنك اسأت فهم نظريته: لأن النظام متكافل مع الفوضى، لا متفوق عليه! (’لا يبدو النظام كافياً.‘). و’الأنثوي‘ ضروري كذلك لأن الفوضى مقترنة بـ (الاحتمالية ذاتها، مصدر الأفكار، عالم النمو والولادة الغامض). وإذا حاولت أن تُبين أن بيترسن- بقوله هذا- يقدم مسوغاً يُبرر البطرياركية (النظام الأبوي)، فإنه سيخبرك أنه لم يكن يقصد ’الرجال‘ في حديثه ’رمزياً‘ عن ’الذكوري‘.  ومع ذلك، يبقى ما يقصده بيترسن عملياً محاطاً بالغموض، وأي محاولة لمعرفته وتحديده ستواجه بالمزيد من الرطانة والحشو.  (ما الذي يتعين علينا أن نستخلصه من تفسيره لحلقات المسلسل الكارتوني الشعبي ’عائلة سمبسن‘ الذي أكد فيه على أهمية وجود متنمر قوي للحيلولة دون هيمنة الأطفال الخنثويين الناعمين: (بدون نيلسن، ملك المتنمرين، ستخضع المدرسة قريباً إلى سيطرة أشخاص مثل ملهاوس موسوليني فان هوتن الحساسين المستائين، وأشخاص مثل مارتن برنس النرجسيين المتأملين، والأطفال الالمان الناعمين المولعين بتناول الشوكلا، وأشخاص مثل أبن رئيس جهاز الشرطة رالف وكذلك غام الطفولي الساذج. مونتز تصحيحي في طبعه…)). إنه إقرار ومصادقة على التنمر على الضعفاء، هذا واضح ومؤكد، اليس كذلك؟ ولكن بيترسن سينكر ذلك ايضاً.

لنفكر كذلك في الأسلوب الذي اعتمده بيترسن للحديث عن “مخاطر الهوس بالجسم”: ((أعرف كيف اتصدى لرجلٍ يُخطئ بحقي بنحوٍ مُجحفٍ. والسبب في معرفتي هذه هو أن العوامل التي تعزز مقاومتي مُحددة وواضحة للغاية، وهي: أننا نتحدث، ونتجادل، ونندفع، ثم يغدو الموضوع جسدياً. وإذا انتقلنا خارج حدود الخطاب المدني، فنحن نعلم ما الخطوة القادمة. هذا مُحرم في الحديث مع النساء. ولذا، لا اعتقد أن بقدرة الرجال السيطرة على النساء المجنونات. حقيقةً لا اعتقد بذلك. أعتقد أن عليهم أن يرفعوا أيديهم عالياً. ولكن رفعها إلى ماذا؟ ليست هذه عدم ثقة حتى. بل يعني إن الثقافي…حسناً، لن يكون بقدرتك أن تتقدم خطوةً إلى الإمام في ظل هذه الظروف، لأنه إذا كان الرجل عدوانياً ومجنوناً بما يكفي، سيكون رد الفعل جسدياً لا محالة. أو على الأقل ما يزال الخطر حاضراً في هذا الموقف.  وعندما يتحدث الرجال فيما بينهم بأسلوبٍ جاد، يبقى خطر الاحتكاك الجسدي الملازم قائماً، ولاسيما عندما يكون الحوار حقيقياً. إنه يُحافظ على الشيء متحضراً إلى حدٍ ما. أما إذا كنت تتحدث مع رجلٍ لن يشتبك في قتالٍ معك تحت أي ظرف أو مُسمى، إذن، أنت تتحدث مع شخصٍ لا تكن له أي احترام. على أية حال، لا يمكنني معرفة….مثلاً، ثمة امرأة في تورنتو كانت مُنهمِكة في تنظيم هذه الحركة، لنقل، ضدي، وبضعة أشخاص آخرين كانوا ينوون المشاركة في حدثٍ يعكس حرية التعبير.  اظهرت المرأة تمكناً وقدرةً في تنظيم الحدث، وكانت عدوانية للغاية، إذا جاز لنا القول. إذ قارنت بيننا وبين النازيين علناً، في سبيل المثال، واستخدمت الصليب المعقوف، أو شعار النازية، وهو شيء لم أكن مولعاً به كثيراً.  ولكني مُسالم إزاء هذا النوع من الخبل الأنثوي، لأن التقنيات التي سوف استخدمها ضد الرجل الذي كان يوظف هذه التكتيكات غير متاحة لي. ولذا، لا أعرف…يبدو لي أن الرجال ليسوا هم من يتعين عليهم أن يقفوا ويقولوا: (هذا يكفي!). وعلى الرغم من ان هذا ما كان يتعين عليهم فعله، يبدو لي أن النساء العاقلات المتزنات هنَ من يتعين عليهنَ أن يقفنَ بوجه أخواتهن المجنونات ويقلنَ: (حسناً، يكفي هذا القدر. يكفي هذا القدر من كراهية الرجل. يكفي هذا الشعور بالمرض. يكفي هذا القدر من العار الذي جلبتنَه لنا بوصفكن نوعاً اجتماعياً).

والآن، يُمكننا تفسير هذا المقطع المُربك الذي قد يعني أن بيترسن يشعر بالانزعاج من وجود تابو اجتماعي ضده يمنعه من ضرب المرأة في تورنتو الذي وصفته بـ ’النازي‘. لا أعرف، في الواقع، هل يمكنني تفسيرها بطريقةٍ مختلفةٍ: فبيترسن يقول إنه ’مسالم‘ واعزل ضد ’جنونها‘ لأن التكتيكات التي كان يمكن له استخدامها مع رجل ’غير متاحة ومُحرمة‘ في هذه الحالة. (ما السبب في عدم توفر ’وسائل دفاع أخرى‘ له، من مثل ’الاكتفاء بتجاهلها‘، لا أحد يعلم!). ولكن بيترسن سيعترض بشدة على فكرة أنه يؤيد، بأي شكل من الأشكال، العنف ضد النساء: كلا، أنا [أي بيترسن] ببساطة أقول  إن خطر المواجهة الجسدية حاضر في التفاعلات البشرية جميعاً. كيف يُمكنك أن تُسيء فهمي بهذه الصورة- عن قصدٍ وبإجحافٍ؟ وبداهةً، إذا أخترنا تحدي فكرة بيترسن التي يقول فيها: ((عندما يتحدث الرجال فيما بينهم بأسلوبٍ جادٍ))، ثمة خطر مُلازم (كنت اتحدث للتو مع زميل يعمل محرراً في (Current Affairs) بشأن جوردن بيترسن، ولم أشعر بأي خطر محتمل يبقبق تحت السطح، باستثناء ربما نسختي الخاصة من ’خرائط المعنى‘)…إذا أخترنا تحدي هذه الفكرة، فإنه سيعود إلى الفرضية التي تفيد: ((لا يمكنك احترام رجل لا يمكنه قط الاشتباك معك في قتال تحت أي ظرفٍ)). وبعد كل ذلك، تعني عبارة ’تحت أي ظرفٍ‘ أن هذا الرجل سوف لن يتدخل جسدياً حتى لمنعك من إيذاء شخصٍ آخر، كيف يمكنك احترام ذلك؟ (يبدو ذلك، في الواقع، مختلفاً تماماً عن ’ثمة خطر ملازم ودائم‘). وهكذا، يُقدم بيترسن تعميمات تُثير الهلع (وخاطئة ظاهرياً)، وبرغم ذلك، تتخذ هذه التعميمات شكل محاذير بحيث لا يمكن لأحدٍ اتهامه بتأييد الشيء الذي يبدو أنه يؤيده!.

يتكرر الشيء ذاته في مناقشة بيترسن لموضوعيَ الأشخاص اللطفاء والقسوة. فهو يقول إن الأشخاص المفرطين في لطفهم سيتعرضون للاستغلال، ويتحدث عن أهمية التحلي بالقدرة على القسوة. يبدو بيترسن هنا وكأنه يشجع الناس على أن يكونوا ساديين! ولكنه سيصر أن كلامه،  في الواقع، لا يعني أن يكون الشخص قاسياً، بل يعني أن يتحلى بالقدرة على أن يكون قاسياً (أيها الغبي، كيف تُخفق في معرفة الفرق بين الأمرين؟). ليس لدى بيترسن اعتراض على الناس اللطيفين، بل إن كل ما يريد قوله هو أن الضعفاء سيهلكون لا محالة!. ولأنك تستطيع ’اختيار [وجهة نظر] بيترسن الذي تريد‘، يمكن لمشاهدي فيديوهاته على اليوتيوب أن يستخلصوا رسائل مختلفة تماماً من مجموعة الكلمات ذاتها. يحتوي أحد الفيديوهات عن ضرب النساء ، في سبيل المثال، حيث لا يؤيد بيترسن ضربهنَ قط… يحتوي على تعليقات حصلت على النسبة الأعلى من القبول والاستحسان:

  • أخبرتني جدتي لأمي ذات مرةٍ: “لا تضرب امرأةً قط، ولكن كنَ على ثقة أن بقدرتك ضربها على الظهر.” (حصل على 660 لايك (علامة قبول واستحسان))

  • لا ينبغي لك ضرب شخصٍ، ولكن يمكنك الدفاع عن نفسك إذا هاجمك شخصٌ حتى لو كان هذا الشخص امرأة (حصل على 745  لايك)

  • لن أضرب سيدةً قط، ولكن عاهرة عدوانية أمر آخر(حصل على 576 لايك)

  • تفيد القاعدة الأخلاقية الأساسية أن الرجل المحترم لا ينبغي له قط ضرب سيدةٍ. ولكن في اللحظة التي تُشكل فيه هذه السيدة تهديداً لك أو لوجودك، فإنها قطعاً ليست امرأة. أن تكوني سيدةً- مثل أن تكون رجلاً محترماً- يعني السلوك المهذب، والكياسة واللباقة والاحترام والشعور بالمسؤولية عن السلوكات الشخصية.

  • لم يقل بيترسن إنه لن يضرب امرأةً قط ، بل إنه اشار تلميحاً لا تصريحاً أن كل امرأة كان قد ضربها يوماً هي امرأة ميتة.

  • أومن أن الحقوق مكفولة للنساء….و[مُثل] يسارية!!! (حصل على 550  لايك)

إذا كان الأشخاص الذين يتابعونك يصرون على ترديد أمور مثل هذه، ينبغي لك- على الأرجح- أن تُفكر كثيراً في السبب الذي يجعلك تجتذب هذا النوع من المشاهدين. لا يتعلق الأمر بمصادقة بيترسن وتأييده للعنف، بل بتمثيله اختبار رورشتاخ الذي يمكن تفسيره على وفق منظورات مختلفة؛ إن محاضراته عن الأنثى الفوضوية وضرورة التحلي بالقوة والقدرة على القسوة توفر مواداً جاهزة للذين يبحثون عن مسوغات عقلانية فلسفية تبرر العنف.

يبدو بيترسن في أشد حالاته غموضاً عندما يتحدث عن الطبيعة. فهو يُخصص نصف الوقت تقريباً للمغالطة الطبيعية: إنه يصف الاتجاهات الموجودة، ويشير ضمناً أن هذه الأشياء جيدة لأنها موجودة. ولذا سيتحدث عن تراتبيات الهيمنة بين سرطانات البحر (الروبيان)، ويحث الرجال الشباب على (أن يجعل من سرطانات البحر المنتصرة مصدر إلهام لهم). وتقليدياً، تمثل مملكة الحيوان مكاناً للمساعدة المتبادلة، وتقليد الرجلٌ لسرطانٍ بحري يبدو مشابهاً  لتعامل امرأة مع وجود حشرة فرس النبي بوصفه رخصةً لأكل زوجها. وبرغم ذلك، يظهر أن بيترسن يتأرجح في موقفه بين الادعاء، ظاهرياً، أن الطبيعة تدل ضمناً على وجود نظام تراتبي هرمي للأشياء واضحٍ وفضيلٍ والإصرار أن موقفه لا يقف حائلاً دون نقد نظام الأشياء القائم.  وعندما يبدو بيترسن وكأنه يقول  شيئاً ينطوي على مغالطةٍ (في سبيل المثال: التراتبيات الهرمية لا بأس بها لأنها طبيعية)، فإنه سيحرص على تلطيفه بإضافة ملحوظة أو تحذير غايته التلميح أنه لا يقول شيئاً قط  (في سبيل المثال: الأشياء الطبيعية لا بأس بها احياناً ولكن ليس على الدوام). لقد أبان سام هارس، المتعاطف مع مواقف بيترسن السياسية، بأسلوب ينم عن شعوره بالاستياء، أن العديد من مزاعم بيترسن بشأن أُسس السلوك الجيد هي أما مزاعم غير مدعومة أو غير مفهومة: ((هل اختار الارتقاء البشري، عملياً، شيئاً للذكور يتوافق بشدة مع بطولة القديس جورج؟  وهل هذه حقاً هي القصة الأقدم التي نعرفها؟ الا تتوفر قصص أخرى قديمة مثل هذه، تعكس قيماً مختلفة تماماً وقد تحتوي كذلك على مزايا تكيَفية؟  وبأي معنى توجد النماذج الأصلية؟…أليس أمراً واضحاً  أن الجزء الأكبر مما نعدَه أخلاقياً- جميع الأمور التي تنطوي على قيمةً بالنسبة لنا، في الواقع-  يقع حالياً خارج منطق الارتقاء؟ إن الاهتمام بالأطفال المعاقين قد يكون-بنحوٍ مرجح لا قطعي- عملاً لا يناسب أسلافنا في اثناء ظروف الندرة والنقص- بينما تُقدم عملية أكل لحوم البشر أو أكلُ المَثيل نفسها بوصفها عمليةً مناسبةً من وقت لآخر في كل زاوية من زوايا العالم. ما مقدار الإلهام الذي يتعين علينا استخلاصه من حقيقة أن قتل الأطفال وأكلهم يمثل نموذجاً أصلياً قديماً؟

ليس ثمة سببٌ جيدٌ يدعونا للاستعانة بالتطور والمملكة الحيوانية للحصول على نصيحة أخلاقية، ولكن هذا ما يوصي به بيترسن.  أو ربما هو لا يفعل ذلك. أشعر بالفزع من الايميلات المحتومة التي تصر على أني لا أفهم بيترسن، هذا كل ما في الأمر، وهي تحتوي على عددٍ كبيرٍ من الاقتباسات التي يُصر فيها أن ما يقوله هو تحديداً  النقيض لما يبدو  أنه يقوله في موقعٍ آخر. (بالمناسبة، ثمة أمر جانبي مسلٍ: قبل بضع سنوات، كتبت بالاشتراك مع زميلي اورن نيمي محاكاة ساخرة للنظرية الكبرى الاكاديمية عديمة المعنى المعروفة بـ ’مخططات أولية لغدٍ مشرقٍ‘، التي يتوافق حرفياً أنها تحتوي على مقطع  يوصي بضرورة ان يستعين البشر بالسرطانات البحرية طلباً للنصيحة): (وتبعاً لذلك،  نقترح منفذاً بديلاً  لعواطف الجنس البشري وأحاسيسه:  الحيوانات المفصلية.  يعرف أي شخص كان قد حضر حفلة زفاف لسرطان بحر مدى العمق والرومانسية التي يمكن أن تتحلى بها هذه المخلوقات الإلهية. ألا إن هذه المفصليات تٌهدر وتعاني في أقفاص الضرب ومفاصل الطعام البحري، وتُجرد من امكانياتها ويتم تجاهل محاولاتها لتقديم إسهامات رصينة للحياة المدنية. إن اخفاق بيترسن في الاعتراف أنه مَدين لنا يكاد يكون سوء ممارسة اكاديمية وسوء تصرف مهني).

وإلى الحد الذي يمتلك فيه بيترسن رداً- بصرف النظر عن نوعية هذا الرد- على الاتهامات التي تفيد بأنه يختلق كل ذلك، كل ما في الأمر أن…الخيال حقيقي: إن ما تشترك به التجربة البشرية بأكملها عبر الزمن…ثمة حقائق أخلاقية، أو ميتافيزيقية، أو ظاهراتية لها الطبيعة ذاتها. لا يمكنك رؤية هذه الحقائق في حياتك عبر ملاحظتها بحواسك، ولكن يمكنك تخيلها بخيالك، واحياناً قد تكون الأشياء التي تتخيلها بخيالك أكثر حقيقيةً من الاشياء التي تراها…

وعندما سأله محاوِره في المقابلة لم يتعين على الناس تصديق الأساطير التي يستشهد بها، كان جواب بيترسن: ’حسناً، يمكنك كذلك أن تأخذ شيئاً ما على محمل الجد لأن الحياة نفسها تتسم بالجدية، اللعنة، وثمة كارثة في انتظارك.

المحاوِر:  لأن الكثير من الناس ينظرون إلى هذه القصص مثل تيامات ومردوك أو قصة المسيح وقصص الكتاب المقدس، ويقولون: (حسناً، هذا…فحسب.. هذه قصص جميلة، ولكني لن أخذها على محمل الجد)). ما الذي تود قوله، لأني اعرف في الواقع—

بيترسن: حسناً، ما الشيء الذي ستأخذه على محمل الجد؟ أنت لن تأخذ شيئاً قط على محمل الجد. حسناً، حظاً سعيداً لك، لأن الأشياء الجادة تعترض طريقك. إذا لم تكن مستعداً لها ومسلحاً بجدية ميتافيزيقة موازية، فإنها ستسحقك. يمكنك أن تتجاهل ما يتصل بالحكمة، ولكن ذلك لن يحميك من الكارثة. (هذا ليس نقاشاً مقنعاً).

أنا لا اقصد أن أقول إن كل ما يقوله بيترسن يقع في خانة (ليس خاطئاً حتى). فبعضه، بسهولة ويسر، خاطئ فحسب. فهو مُرشد غير موثوق به للحقائق (مثلاً قوله: ’هناك عددٌ من الطبيبات النساء اكثر من الأطباء الذكور،‘ وهو قول خاطئ بالنسبة للولايات المتحدة، وكندا، والمملكة المتحدة، أو حديثه المتكرر عن نظرية مؤامرة غريبة يقودها محرك غوغل عن طريق التحكم  بنتائج الأبحاث الخاصة بـ ’البكيني‘ كي تشمل الأحجام الكبيرة الخاصة لأسباب صحيحة سياسياً، وهي ليست كذلك). إن مهاراته الاستيعابية في القراءة…محدودة. وهنا يصف بيترسن صحوة سياسية مهمة خبرَها بنفسه بعد قراءة جورج اورويل الذي، بحسب بيترسن، قد اقنعه ألا يعتنق الاشتراكية: ((عبرَ زميلي في الغرفة، وهو متهكم متبصر، عن شكوكه في معتقداتي الايديولوجية، وأخبرني بتعذر حصر العالم وتقييده بنحوٍ كاملٍ في داخل حدود الفلسفة الاشتراكية . وقد توصلت، بطريقة ما، إلى النتيجة ذاتها، ولكني لم اتحدث عن ذلك كثيراً. قرأت بعد ذلك كتاب اورويل (الطريق إلى رصيف ويغان). هذا العمل دمرني في نهاية الأمر وأسهم في تغيير قناعاتي- لا ايديولوجيتي الاشتراكية فحسب، بل إيماني بالمواقف الايديولوجية كذلك. في المقال ذائع الصيت الذي ختم به اورويل الكتاب (الذي كُتِب لصالح نادي الكتاب اليساري البريطاني- لسوء حظ هذا النادي)، تحدث ورويل عن المثلبة الأهم في الاشتراكية ، والسبب في فشلها المتكرر في التمسك بالقوى الديمقراطية والحفاظ عليها (في الأقل في بريطانيا). قال اورويل، بإيجاز، إن الاشتراكيين لا يحبون الفقراء في الواقع. ولكنهم يكرهون الأغنياء، ها كل ما في الأمر. لاقت هذه الفكرة استحساناً فورياً وكبيراً. تخدم الايديولوجية الاشتراكية غرض التستر على مشاعر الاستياء والكراهية، التي يُغذيها الشعور بالفشل. كان العديد من الناشطين الحزبيين الذين قابلتهم يستخدمون مُثل العدالة الاجتماعية لتقديم مسوغٍ يبرر سعيهم وراء الانتقام الشخصي.

وهنا نجد جورج اورويل، في ’الطريق إلى رصيف ويغان‘ الذي يقول بيترسن أنه [أي الكتاب] قد تمكن من اقناعه أن الاشتراكية حماقة لأن الاشتراكيين كانوا ممتعضين ومستائين: الرجاء لاحظ أني ادافع عن الاشتراكية ، لا اهاجمها. […] ولذا‘ فمهمة الشخص المفكر ليس رفض الاشتراكية بل التوصل إلى قرار حاسمٍ بأنسنتها…إن المسار الوحيد الذي يتعين على أي شخص مستقيم أن يسير فيه في الوقت الحاضر، سواء أكان ذا ميول محافظة أم فوضوية، هو أن يعمل من أجل تأسيس الاشتراكية . ليس ثمة شيء آخر بقدرته انقاذنا من بؤس الحاضر أو كابوس المستقبل […]. في الواقع، وبحسب أحدى وجهات النظر، تبدو الاشتراكية مثل حس عام أولي جوهري، وهذا ما يجعلني أشعر بالدهشة أحياناً من أنها لم ترسخ وجودها سلفاً. يمثل العالم طوفاً يبحر عبر الفضاء؛ إنه طوفٌ مجهزٌ، على الأرجح، بالكثير من التجهيزات الضرورية لكل  شخص تقريباً؛ ولذا تبدو الفكرة التي تقول إنه يتعين علينا جميعاً التعاون والعناية بهذا الطوف بحيث يؤدي كل شخص حصته العادلة من العمل ويحصل على حصته العادلة من التجهيزات الضرورية…تبدو واضحة وضوح الشمس بحيث ربما سيظن احدنا أنه ليس ثمة شخص لن يقبل بها ما لم تكن لديه بعض الدوافع الفاسدة للتمسك بالنظام الحالي. […] إن الانسحاب من الاشتراكية لأن العديد من الاشتراكيين هم  أشخاص ادنى مكانةً هو أمر يماثل في سخافته سخافة رفضك السفر بالقطار لأنك لا تستسيغ وجه جامع التذاكر. يُبين اورويل ويؤكد أن الشخص الذي يُقيَم محاسن السياسات الاشتراكية في ضوء المواصفات الشخصية للاشتراكيين هو شخص معتوه. ويختتم بيترسن حديثه مبيناً أن أورويل كان يفكر أن السياسات الاشتراكية هي سياسات خاطئة لأن الاشتراكيين انفسهم أشخاص سيئون!.  لا اعتقد أنه ثمة طريقة لقراءة بيترسن غير الطريقة الغبية تماماً أو المخادعة تماماً، ولكن يمكن أن يكون المرء لطيفاً ويزعم أنه ببساطة لم يقرأ الكتاب الذي يُفترض أن يمنحه هذا التبصر العميق بشأن الاشتراكية .

ولكني حتى هذه اللحظة كريم للغاية مع جوردن بيترسن، لأني دأبت في تقديم الأكثر وضوحاً  ونضجاً من أفكاره. إذ لم أوفر لك، في سبيل المثال، الفرصة الكاملة للإصغاء اليه وهو يتحدث عملياً.  إن الجلوس في قاعةٍ للاستماع إليه متحدثاً يختلف كثيراً عن مشاهدة مقابلة تلفزيونية سريعة يتعذر عليك اللحاق بتفاصيلها. الرجاء اطلع في أدناه على قسمٍ من حديثٍ لبيترسن استغرق سبع عشرة دقيقةً تم نسخه وتدوينه كاملاً. هذه عينة عشوائية، من المحاضرة الأولى التي توافق استماعي لها، كانت غاية المحاضرة مثلما يبدو واضحاً تقديم فكرةٍ عن ’خرائط المعنى‘. يقف بيترسن في اللقطة في المنتصف تقريباً (ظاهرياً، مرةً اخرى!) وهو يُحلل كيف أن كتاب الأطفال المعنون (ليس ثمة شيء مثل التنين) يعرض للأنواع والنماذج الأصلية الموجودة في الميثولوجيا الكلاسيكية. أود منك أيها القارئ أن تتذكر أن هذا هو الرجل الذي اطلقت عليه مجلة النيويوركر لقب المفكر ’الأكثر احتراماً ومكانةً‘ في الانترنت، وقالت عنه الغارديان أنه ((يحث الخطى ويبدو قريب الشبه بنجم روك في عالم الاكاديميا)). تذكر كذلك أن هذا هو الرجل الذي ينصح الناس بتوخي الوضوح والدقة ويقول إنه ((حذر جداً جداً جداً في استخدامه للكلمات)).  أوه، وهو يُريد أن يَحرِم أقسام الدراسات النسوية من التمويل المالي لأنه يعتقد أنها لا تقدم سوى حشوٍ فارغٍ. هل انت مستعد؟ لننطلق. (لاحظ:  لا تحاول تحت أي ظرف أن تقرأ المقطع الآتي بأكمله. اقرأ بقدر ما تستطيع لأنك ستشعر بالضجر، ثم واصل القراءة سريعاً حتى النهاية).

بيترسن: أعدت الأم بعض قطع الكيك إلى بيلي، ولكن التنين أكلها جميعاً!. أعدت الأم عدداً إضافياً من القطع، ولكن التنين أكلها كذلك. واصلت الأم صناعة قطع الكيك حتى نفد الزبد. لم يحصل بيلي سوى على قطعةٍ واحدةٍ، ولكنه قال لأمه إن هذه القطعة هي كل ما كان يرغب به. ولذا، سأروي لك قصةً أخرى عن ذلك. عندما كنت أعيش في بوسطن، وكان معي أطفالي الصغار وكانت زوجتي تعتني ببعض من أطفال الجيران الصغار كذلك لأنها لا تمتلك البطاقة الخضراء، وكانت تبقى في المنزل مع الأطفال على أية حال، وعلى أية حال،  كانت زوجتي تعتني ببعض الأطفال الصغار الآخرين. وكان أحد هؤلاء الصغار لا يأكل سوى الصوصج، وهو أمر مضحك، كما ترى. كان يأكل الصوصج فحسب في منزله، ولكنه في بيتنا كان يأكل وجبة الغذاء بأكملها وكان سعيداً للغاية بذلك، ولذا فكرت أن هذا كان أمراً مُسلياً للغاية. ولكن، على أية حال، زارنا أحد الجيران في أحد الأيام، وكان لدى هذا الجار طفلٌ بعمر الرابعة يبحث له عن شخصٍ يعتني به لأن مربيته تعرضت إلى حادث سيارة ويتعذر عليها الاعتناء به مدةً من الوقت. وهكذا مضى الطفل في جولةٍ على بيوت الجيران ليومين تقريباً وكان الناس يعتنون به ثم انتهى به المطاف في بيتنا. لا بأس بذلك. إنه طفل صغير في غاية اللطف-وجاءت الأم إلى عتبة منزلنا وقالت لنا أنها قد شجعت الطفل على البقاء معنا. كان الطفل من ذلك النوع من الأطفال المتذمرين الشاكرين، لم يكن سعيداً تماماً، وقالت الأم لنا: ((على الأرجح لن يأكل طوال اليوم، ولكن هذا أمر لا بأس به)). وفكرت ممممم! هذه عبارة ملفتة للاهتمام، تعرف ذلك، قدمتها الأم بوصفها فرضية في أول لقاء لنا. إنها قريبة الشبه بالقول، إنه لن يأكل طوال اليوم، وهو بالمناسبة، ليس بالأمر الجيد، كلا، ليس بالأمر الجيد، وأنت ستقول لنا، أنه أمر جيد ومناسب، وستتوقع أننا سنقبل بحقيقة أنك تظن انه أمر جيد. وهذه هي القصة بتفاصيلها كاملةً، تُقدم هذه المعلومات في جملة صغيرة واحدة. ولذا فكرت، حسناً، هذا أمر فريد للغاية. أحسب أنها كانت عالمة نفس كذلك، وكان ذلك ملفتاً كثيراً [يعطس]. حسناً. لا بأس بذلك. وعليه، خرجت لفعل شيء ما وكان هناك اربعة أطفال يلعبون في المنزل وعندما عدت شاهدت الطفل الصغير في مدخل المنزل حيث كانت الأحذية وكل شيء آخر، وكان الطفل واقفاً هناك [تدل هيأته على عدم الرضا]، وفكرت مممم ليس ذلك بالأمر الجيد لأن هناك كل هؤلاء الأطفال الصغار الذين كان من المفروض أن ينشغل في اللعب معهم، أليس كذلك؟ يبدو واضحاً أن هذا ما كان ينبغي للطفل أن يفعله! كان ينبغي له أن يكون هناك، يلعب ويعبث مع الأطفال الآخرين. أظن انه كان هناك طفل بعمر الثانية وطفل بعمر الثالثة وآخر بعمر الرابعة. كان ينبغي له أن يكون هناك، اتعرف ذلك، يعبث ويلعب ويتسلى، ولكنه لم يفعل ذلك، كان واقفاً في المدخل [متأففاً متذمراً] ولم يكن سعيداً. لم يكن سعيداً. ولذا نظرت إليه ولكزته مرتين لأني حسبت، تعرف، إذا أردت التفاعل والتعامل مع أطفال صغار، فإنهم سيكونون مرحين، اليس كذلك؟ إنهم قريبو الشبه بالجراء- صغار الكلاب، ولذا إذا مازحتهم قليلاً وداعبتهم، فإنهم حتى لو كانوا متوترين، تعرف أن ثغورهم ستفتر عن ابتسامة بالرغم عنهم، ثم ستند عنهم ضحكات مكتومة، وربما، مثلما تعرف، سيحاولون ممازحتك ثم يمضون في العابهم وانشطتهم التقليدية.

وعلى الرغم من احتمال معرفتك بالأمر، لكني سأخبرك على أية الحال، الثدييات مثلنا تمتلك موهبة في اللعب! تعرف ذلك، اليس كذلك؟ وعليه، نحن مولعون باللعب في جوهرنا، وهذا يفسر جزئياً السبب في انسجامنا مع الكلاب لأن الكلاب، تقليدياً، حيوانات لعوبة، وتعرف أكثرية الناس كيف تلعب مع الكلاب، وتعلم أنه عندما يريد الكلب أن يلعب بإتقان، لأن الأمر يشبه إلى حدٍ ما أن يغرز مخالبه وينظر إليك بنوعٍ من التكشيرة، ويرفع ذيله في الهواء ويتصرف وكأنه يعرف، الحيوان الرئيس أنت تعلم لقد حان الوقت لقضاء بعض الوقت في اللعب، وانت تعلم أنك تعلم كيف تفعل ذلك وحتى الكلاب تعرف كيف تفعل ذلك. ولذا، أنا الكز ذاك الطفل وأحاول جعله يبتسم، ولكن ليس ثمة طريقة محددة تعرف بها أنني الكزه لأنه يتجاهلني فحسب ويبدو مصراً على ذلك، فكرت من جانبي هذا ليس بالأمر الجيد، تعرف ذلك، لأنك لا تريد لأبنك الصغير أن يعلم أنه ينبغي عليك ذلك- أنه لا بأس من تجاهل البالغين، أو أنه يتعين عليك تجاهل البالغين، أو أن بقدرتك ان تتجاهل البالغين. هذا برمته أمر سيء لأن العالم مليء بالبالغين الذين يعرفون الكثير من الأشياء ويتحكمون بجميع الموارد، ولذا من الأفضل لك أن تتفاهم وتتعايش معهم لأنك ستنتهي في العيش بوصفك بالغاً في الجزء الأكبر من حياتك، ولذا إذا كانت القاعدة العامة أو القاعدة الأولى هي أنه يمكن بل وينبغي تجاهل البالغين، إذن، إلى أين تتجه بحق الجحيم؟ تعلم هذا، أليس كذلك؟ وهو أحد الأسباب الموجبة للتحقق من أن الأطفال يحترمون البالغين لأنهم سيصبحون بالغين، وعليه، فإنهم- إذا لم يحترموا البالغين- لن يشعروا بالاحترام حيال ما سيصبحونه، لم بحق الجحيم يكبرون؟ سينتهي بك الأمر مثل بيتر بان لأنه هذا ما تدور حوله قصة بيتر بان الذي أراد أن يبقى في جزيرة الخيال، نيفرلاند، مع الأولاد الضائعين، حيث لا يتحمل أية مسؤولية لأنه كان ينظر، مثلما تعلم، نحو المستقبل وكل ما يراه هو الكابتن هوك. طاغية خائف من الموت، أنه التمساح أليس كذلك…تمساح يطارده والساعة في داخل بطنه. وهو الشيء ذاته مثل هذا التنين. وهكذا، أتعلم، يتعين على الأطفال احترام البالغين. وسيكون الأمر وكأنك تلحق الضرر بهم إذا لم تفعل! حسناً، الأمور على ما يرام، لكزت هذا الطفل، ليست ثمة طريقة مثلى، لم أصل معه إلى نتيجةٍ وظننت أن هذا ليس بالأمر الجيد. ثمة خطب جلل في هذا الطفل الصغير. هذا حسن تماماً. ثم أعددنا وجبة الغداء للأطفال ودعوناهم لتناولها، والقاعدة التي يتعين عليهم الالتزام بها: تناول وجبة غدائك الملعونة وكن حامداً لهذه النعمة. لأنه، فكر بهذا الأمر، كتب ليونارد كوهن هذه الأغنية في الماضي عن لا أتذكر الأغنية تحديداً ولكنه تكلم فيها عن الامتهان الوحشي الذي يحدث في المطابخ جميعاً بشأن من يُقدم الطعام ومن يتناوله. يبدو الأمر وكأنه…إذا لم تخض هذه التجربة، إذن ثمة خطأ رهيب…هل تعلم ذلك…لأن التوتر العائلي يغلب على الجزء الأكبر من التوتر في المنازل.  التوترات بين الأزواج والزوجات أنهم أزواج زوجات وأطفال، الأمر شبيه بـ ’من بحق الجحيم؟‘ سيؤدي الأعمال المنزلية وكيف ومتى والجواب لا يمكن أن يكون، حسناً نحن لن نؤدي هذه الأعمال لأنه، مثلما تعلم، انت تأكل رقائق البطاطس والذرة الصفراء لما تبقى من حياتك، كما تعلم، وهذا ليس جيداً. لقد وصل الأمر إلى هذه المرحلة في انكلترا لأن الأوضاع العائلية قد تدهورت، والطقوس قد تدهورت إلى حدٍ لم تعد فيه  واحدة من أصل ثلاث عائلات تمتلك منضدة في غرفة الطعام ويمكنك شراء بيض نصف مسلوق، نعم، نعم، هذا صحيح، هذا ليس أمراً جيداً، وربما تسأل نفسك، لماذا بحق الجميع يعاني الجميع البدانة أو اضطرابات هضمية، هل تعلم أن السبب في جزء منه هو أن الروتين المنزلي بأكمله بشأن تنظيم مقادير الطعام قد أختفى، هذا أمر فظيع بالنسبة للناس لأننا كائنات اجتماعية أكولة.  وعليه قد تقول، حسناً، إذا جلست مع مجموعة من الناس…على منضدة طعام…ما مقدار ما ينبغي تناوله؟ والجواب هو: ينبغي في المتوسط أن تأكل بقدر ما يأكله الآخرون. وهذا تحديداً ما تفعله، حتى لو لم تلحظ ذلك. تعلم أن الناس معتادين على ذلك، نحن نجري العديد من التجارب، مثلاً، إذا جلبت طلاباً في مرحلة البكالوريوس لا يعرفون أحدهم الآخر…وجعلتهم في مختبر…وقدمت لهم وجبةً خفيفةً بينما هم منهمكون في فعل شيء مثل مشاهدة فلمٍ، هؤلاء الطلاب سيأكلون العدد ذاته من أصابع البطاطا. وتعلم أنه إذا تناول أحدهم نصف الكمية، سيحذو الطالب الآخر حذوه ويتناول النصف كذلك. وإذا كان لدى أحد الطلاب أصبع بطاطا واحد، سيكون لدى الطالب الآخر أصبع بطاطا واحد كذلك.  كان معامل الارتباط بين مقدار الطعام، بين الذرات ثنائية التكافؤ (0.8) تقريباً، كان شيئاً مذهلاً. يبدو هذا الرقم أعلى في حالة الانبساطيين منه في حالة الانطوائيين، ولكنه كان متوافقاً بنحوٍ لافتٍ. يمكنك معرفة السبب، أيس كذلك؟ لأن البشر يتشاركون الطعام، ويبدو الأمر كما لو أنك لن تكون شخصاُ قبلياً معروفاً…إذا تناولت، تعلم، (30%) من الطعام عندما يندر. يتعين عليك أن تكون يقظاً تماماً وتتأكد أنك لا تتناول أكثر من حصتك. وتعلم أن فعلنا ذلك هو من الجوانب الجوهرية في الطبيعة البشرية. وتعلم كذلك، نحن ننظم حاسة الشبع بحسب إشارات خارجية بالنسبة لنا. وعليه، يتضح لنا أن تنظيم مقادير الطعام التي نتناولها، لأننا لواحم عواشب، عملية صعبة للغاية، وعلى أية حال، لنعود إلى هذا الطفل الصغير. وعليه، اجلسنا جميع الأطفال إلى المنضدة، وبعد الجلوس حولها، شرعوا في تناول الطعام، والقاعدة، مثلما قلت،  تناول ما موجود أمامك وكن سعيداً وقانعاً بذلك. ربما تقول، حسناً، ما السبب الموجب لوضع هذه القاعدة؟ يبدو الأمر، حسناً، شبيهاً بوضع نفسك في هذا الموقف لأنك ستكون في هذا الموقف!. ستقوم بإعداد وجبة غداء إلى طفلك. وستفعل ذلك…حسناً لنحسب ذلك بدقة لأني أحب الحساب. حسناً، لنقل أن إعداد الوجبة يستغرق نصف ساعة يومياً، وانت تفعل ذلك في ايام الأسبوع جميعاً. ولكننا سنضرب ذلك بثلاثة لأن هناك ثلاث وجبات في اليوم، فيكون الوقت الذي يستغرقه إعداد الوجبات ساعة ونصف يومياً، أليس كذلك؟ حسناً نضرب ساعة ونصف في سبع مرات نحصل على عشرة، يعني ذلك عشر ساعات أسبوعياً، أربعين ساعة شهرياً مما يعادل عمل أسبوعٍ كاملٍ. وعند ضرب اربعين ساعة شهرياً في اثنتي عشرة، سنحصل على اثني عشر اسبوع عمل كامل، اليس كذلك؟ يعادل ذلك ثلاثة أشهر كاملة ناتجة عن اربعين ساعةً تقضيها في إعداد وجبةً لطفلك. هذا وقت طويل، أليس كذلك، وستفعل ذلك لثمانية عشر عاماً. عندها قد تسأل نفسك… ما نوع الاستجابة التي تحتاجها…من طفلك…حتى لا تشعر بالحنق أو الاستياء من حقيقة انه يتعين عليك فعل ذلك لثلاثة أشهر مرهقة في العام. هل تعلم يتعين عليك التفكير في هذا الأمر فحسب، وهذا هو السبب الذي يجعل من الضروري معرفتك أنك تحمل وحشاً  في داخلك شبيه بالوحش الذي يحمله العالم الخارجي حولك. لا تظن أنك ستتمكن من الحفاظ على موقف صحي إزاء طفلك أو طعامك أو إزاء نفسك إذا كان كل ما يمكنك تحشيده لبذل الجهد في الطبخ وإعداد الطعام هو موقف العبد والعقاب المتواصل من الأشخاص الذين تقدم لهم الطعام. يبدو الأمر شبيهاً بالسؤال ’من بحق الجحيم يرغب بذلك؟‘ وعليه، أنت تريد أن تُعلم هذا الولد الغرير التعس أنه محظوظ لمجرد وجود هذا الطعام وأن الموقف المناسب هو أن تقول أشكرك جداً ماما أو أشكرك جداً بابا أنا سعيد أنك قدمت شيئاً، ثم هل تعرف، بقدرتكم جميعاً أن تكونوا سعداء بشأن حقيقية قضائكم كل هذا الوقت المتعب في المطبخ وبقدرتكم أن تحبوا اطفالكم!. يشبه الأمر قولكم، نعم هذا صحيح، كلا. ليس هذا صحيحاً. وبين حين وآخر، تعرف أنك تقرأ في الصحف عن أشخاصٍ قد تعرضوا لضغوط كبيرةٍ في احد الأيام لأنهم عاطلون عن العمل ويسرفون في تناول الكحول وتعرف أن علاقتهم قد انهارت، وفعلوا شيئاً وحشياً للغاية لطفلهم، وربما تفكر (كيف يمكن لأي أحد فعل ذلك؟)، يبدو أن هناك تاريخاً من التفاعلات المرعبة بين الأم والطفل او الأب والطفل قبل أن يحدث شيءٌ مثل هذا. ولذا تعرف انه إذا أردت حماية طفلك من الوحش الذي يقبع في داخلك، قد ترغب في تعليمه أن يعاملك بشيء من الاحترام بحيث تزداد احتمالات أن تكون إنساناً متحضراً معهم. ولذا، حسناً، وعلى أية حال، هذا الطفل يجلس هناك، وليس ثمة وسيلةً محددة تجعله يأكل شيئاً! ولذا نقرر أننا سنطعمه، وأنا بارع في ذلك، لأن أبني، الطفل الذي يقول ’لا‘ طوال الوقت، هو الطفل الأكثر عناداً الذي يمكن تخيله. في أحدى المرات عندما كان في الشهر التاسع فحسب، أمسك بقوةٍ بهذه الملعقة وبدا الأمر كما لو أنه لن يحتاج إلى أن يُطعمه  أحد بعد اليوم. أن تتناول الطعام بنفسك، هذا أمر رائع. ولكن لا، الأطفال، آه؟ إنهم شديدو الفضول وعابثون بحيث لا يتمكنون من اطعام أنفسهم ولذا تُجلسهم في مقاعد مرتفعة  وتعرف أنهم يرمون الطعام على الأرض لأنه أمر لطيف، وبقدرتهم فعل ذلك مراراً وتكراراً أو قد يعبثون بالطعام، أو تعرف، قد يضعون بعض الطعام في شعر الأم لأن هذا أمر مثير كذلك، وهم يقضمون الطعام مرةً او مرتين، وهم ربما غير نهمين وأكثر اهتماماً باللعب، وهذا جيد باستثناء إذا لم يأكل الطعام، إذن، سيكون الطفل مزعجاً وتعرف كثير التذمر والاستياء، ثم يزعج الأم أو الأب ثم لا ينام في الليل، وهذا لا يبدو أمراً جيداً. وهكذا وبعد ثلاثة أيام، أخذت الملعقة منه ولم يكن الطفل سعيداً بهذا.  إن محاولة جعل هذا الطفل الصغير يأكل بعدما أخذت الملعقة منه كانت أشبه بخوض معركةٍ تدوم اربع ساعات. كان أمراً مُلفتاً.  ولذا، أكن الكثير من الاعجاب لهذه القدرة على الوقوف بوجه العناد، تعلم، وقد تعلمت بصفتي والداً، في ذلك الوقت، أنه إذا كنت تريد تهذيب طفلك وتعليمه الانضباط، ثمة موقف ينبغي لك اتخاذه يضمن لك النجاح.  يبدو الموقف شبيهاً بـ ’لا يهمني كم عنيد انت، سأحرز النجاح وانتصر!‘. ولأني أعرف أني سأنتصر، سوف لن أشعر بالغضب. بل سأكتفي بأن أكون أكثر عناداً منك، ولذا أخذت بعض من الطعام ووضعته أمامه، وهو سيتصرف بنحو ينم عن الاستياء [يُكشر ويتذمر] وهذه كانت حيلة جيدة، ولذا حاولت وضع الطعام ’هناك‘، ولكنه صر على أسنانه، ولذا لكزته وكررت ذلك عدة مرات، وبعد عشر لكزات تقريباً، بدا عليه الانزعاج، أغرب عني، ووضعت الطعام هناك وحاول الصغير بصقه خارجاً  بينما حاولت الابقاء عليه في الداخل. استغرق هذا الأمر، تعلم، ثلاث دقائق، ثم فعلنا الأمر ذاته مع  ملعقة أخرى وتعلم بعد مرور ساعة على ذلك كان على زوجتي التخلي عن الأمر لأنها لم تستطع معالجته. وبعد مضي ساعة على ذلك، قرر الطفل، تعلم، أن الأمور على ما يرام وأنه سيدعني أطعمه، ولكن بدا الأمر وحشياً وكان مدهشاً، اعني أن الأطفال الصغار عنيدون للغاية، تعلم، هم لطفاء للغاية وكل شيء، لكنهم عنيدون لا يمكنك تصديق ذلك على أية حال. ولذا، لدينا هذا الطفل الجالس إلى المنضدة وهو لن يأكل، ولذا قررت زوجتي، التي كانت قد تعلمت هذه الخدع في ذلك الوقت… قررت أن تُطعمه. وكان هو يتصرف ذلك النوع من التصرفات المعروفة لدى الاطفال في الشهر التاسع أو الثامن من عمرهم، تعلم أن للأطفال ستراتيجيات مقاومة مختلفة إذا لم يكونوا يرغبون في فعل شيء ما، وهذه الستراتيجيات تغدو أكثر تطوراً كلما كبروا في السن، ولدى الطفل بعض من الستراتيجيات ولكنها لم تكن متطورةً، تعلم، مثلاً الطفل لا يلقي النكات أو يلقي الملعقة جانباً أو يغضب أو يهرب بعيداً أو يفعل أي من هذه الأشياء.  إنه يسلك سلوكات أي طفل عمره تسعة أشهر، يعني أنه  يكتفي بحني رأسه إلى الأسفل وعندما تحاول أمه  تقريب الملعقة من فمه، فإنه يحاول التملص وتحريك رأسه يميناً أو يساراً، وهذا مثير للاهتمام لأني اعلم أن والديه قد تخليا عن اطعامه عندما بلغ عمره ثمانية او تسعة أشهر، لأن هذه الخدع أحرزت النجاح المأمول  وهذا هو السبب الذي مكنَها من المجيء إلى المنزل والقول [بصوتٍ عالي النبرة]: “على الأرجح، لن يتناول الطفل الطعام طوال اليوم، ولكن لا بأس بذلك”، ولكن ذلك غير صحيح، غير صحيح. حسناً، واصلت زوجتي محاولاتها اطعامه والطفل لم يفتح فمه، ولذا لكزته قليلاً وعاجلاً أو آجلاً  سيشعر بالتوتر ويتصرف بعصبية ووضعت زوجتي الطعام في فمه ثم ربتت على رأسه حالما بلعه وقالت انظر “أنت طفل لطيف حقاً”، هل تعلم، قمت بعملٍ رائع،  وهو يتساءل ما الذي يجري بحق الجحيم، لقد كان امراً لطيفاً للغاية لأنها واصلت اطعامه بينما واصل هو فعل الشيء ذاته [التكشير والتذمر] ولكن بينما كانت تربت على رأسه، كان الطفل مستمراً في التذمر وكان يفتح فمه، وهكذا، بدا الأمر كما لو ان صراعاً غريباً بين هذا السلوك المعتاد وهذا الشيء الذي يجري فرضه بحيث، تعلم، كانت تضع الطعام في فمه وتربت على رأسه، ويشعر هو، تعلم بنوعٍ من السعادة في ذلك، ثم يبدأ الطفل بالعودة إلى ما اعتاد عليه، ثم فعلت زوجتي ذلك لعشرين دقيقة تقريباً، لم يكن أمراً مُقلقاً، فكما هو الحال مع غيره من الأطفال الذين لا ينتبهون في اثناء تناولهم الطعام. لم يكن أمراً مهماً، ولكني كنت اراقب لأني عرفت أن شيئاً ما يحدث بسبب الشيء الغبي الذي ذكرته والدته، وحقيقة انه سوف لن يلعب، وقد تجاهلني وعندها فكرت، كلا كلا، ثمة شيء مؤسف  حقاً في الأمر برمته، ثمة تنين هنا، تنين ضخم…وعليه…أطعمته زوجتي وقد أتى الطفل على الطبق بأكمله! وقالت ’كم أنت طفل رائع، لقد تناولت الطبق بأكمله. تباً، كان ينبغي لك مشاهدة ما حدث لذلك الطفل، صاح، لقد فطر ما حدث قلبي، فتح عينيه على وسعهما، وابتسم، وبدا كما لو أنه فرح للغاية لأنه تمكن اخيراً من إنجاز هذه الضرورة الأساسية المطلقة…التي لم يتقنها في أربع سنوات. أخيراً تمكن من القيام بها.  فكر في جميع الوجبات الغذائية التي تناولها، سواء تعرض للتجاهل فيها أو أخفق، ثلاث مرات يومياً، لثلاث سنوات تقريباً. لا شيء خلا الفشل والردود غير المناسبة وتعلم، لقد ذوتَ كل ذلك، وهو يعتقد أنه طفل سيء، ثم بنحوٍ غير متوقع، بوووف، فعل ذلك أخيراً، وتعرف، نال مكافأة صغيرة عنه. بدا الأمر كما لو أن شيئاً التمع في داخله، والقوقعة بأكملها، التي كانت تحيطه كما لو أنه كان يستخدمها لحماية نفسه عندما كان في المدخل، قد تحطمت وتلاشت. كان الأمر مريعاً ومذهلاً في الآن عينه، بعد ذلك، بدأ في ملازمة زوجتي أينما ذهبت في المنزل مثل جرو صغير. كما لو أنه لا يُدرك أنه لا يبعد سوى قدم واحد منها. كان الأمر لا يصدق. ثم نزلنا إلى الطابق الأرضي لمشاهدة فلم مع الأطفال وجلست زوجتي على الكرسي الهزاز وجاء الطفل وتسلق واستقر في حضنها وأمسك بها بيديه كلتيهما تماماً مثلما يُمسك قرد هارلو، تعلم، بيديه الأم الصغيرة الناعمة بدلاً من الأم النحيلة، كان يفعل هذا الشيء [يُمسك بيديها] واستمر ذلك  لساعتين تقريباً  ولم يكن يسمح لها بالإفلات. وبعد ذلك، جاءت الأم إلى المنزل ودخلت الطابق الأرضي وشاهدت ما كان يحدث وكيف كان هذا الطفل [بصوتٍ مخنوقٍ] يزعج زوجتي، ثم نظر اليها الطفل وقال أوه، ماما الرائعة.  وتعرف لقد أخذت طفلها، وتوجهت إلى المنزل. الأمر أشبه، يا ألهي، إذا فكرت أنه ليس ثمة تنين في تلك القصة، حسنا، يعني ذلك انك لم تكن تستمع إلى القصة. لم يكن ذلك جيداً. وكان رد فعلها في النهاية فظيعاً. كان يتعين عليها ان تقول: ((حسناً، ما الذي فعلته لتجعله يتناول الطعام؟ الأمر شبيه بـ ’بحق الجحيم ما الذي يفعله، يحضنك. لم يفعل ذلك قط معي!)). يا رجل، هذا مستحيل، لم تكن لتسمح بذكر هذه المعلومة، وهذا متوقع، لأن التنين في تلك القصة كان تنينها، وكان هذا شيئاً لم تكن تود الاعتراف به.  وكانت مستعدة، مستعدة تماماً للتضحية بطفلها بسبب فشلها في إدراك إنها قد تكون تنيناً. وهذا يعني أن الطفل كان هو المشكلة. وهذا شيء فظيع تفعله مع طفل في الرابعة من عمره. لذا…لم يكن امراً ممتعاً. لم يكن ممتعاً قط. وفي الواقع، ربما الحقنا الضرر بهذا الطفل بجعله يفعل شيئاً جيداً، أيه؟ لأننا عرضناه إلى احتمال انه سيُحسن التصرف، والحصول على مكافأة على ذلك…وهذا منحه أملاً…ولذا كن على ثقة أن الأمر قد تلاشى في اليوم التالي….لذا…ولهذا السبب لم يحصل بيلي على شيء يأكله!.

بعد أن برهنَا بوضوح أن جوردن بيترسن محتال فكري يستخدم الكثير من الكلمات لكي لا يقول شيئاً تقريباً، يمكننا الآن العودة إلى السؤال الأصلي: كيف يمكن لرجلٍ لا يملك القدرة على إيصال محتوى كتابٍ للأطفال أن يصبح المفكر الأكثر تأثيراً في الوقت الحاضر؟ تمثل رد فعلي الأول، ببساطة، في التنهد والشعور بالحسرة على عالم مأساوي وعبثي، ويبدو انه ليس ثمة ارتفاع يتعذر على الحمقى الواثقين تسلقه. ومع ذلك، تتوفر  تفسيرات أفضل يمكن تقديمها.  تعود شعبية بيترسن في جزء منها إلى انتقاده الناشطين في مجل العدالة الاجتماعية بطريقة يجدَها العديد من الأشخاص مقنعةً، وفي بعض من هذه النقودات محاسن [تُحسب له]، وفي جزئها الآخر، إلى تمكنه من منح الشباب المنساق إحساساً بالغرض البطولي، ومنح الشباب الغاضب مسوغات عقلانية تبرر مشاعر الكراهية التي تعتمل في صدورهم، وهو مشهور لأن المؤسسات الأكاديمية واليسار قد فشلا فشلاً ذريعاً في جعل العالم مفهوماً للناس العاديين، ومنحهم رؤيةً سياسية واضحة ومؤثرة.

حظيَ بيترسن بشهرة عالمية عندما عارض علناً قانون (C-16) في كندا الذي أضاف تعبيرات الجندر والهوَية إلى قائمة أسس التمييز المحظورة في قانون حقوق الإنسان الكندية.  زعم بيترسن أنه في ظل هذا القانون، قد يضطر إلى استخدام ضمير الجندر المُفضل عند الطالب وألا سيواجه  الملاحقة القضائية، واقترح أن ناشطي العدالة الاجتماعية يتبنون على وفق ذلك ايديولوجية شمولية. ليس ثمة شيء في القانون، في الواقع، يُجرم الفشل في استخدام ضمائر الجندر المفضلة وأنا اشاطر الاعتقاد أن تشريعاً حكومياً يطلب من الناس استخدام ضمائر محددة سيكون انتهاكاً للحريات المدنية.  وبما أن المفكر نعوم تشومسكي واتحاد الحريات المدنية الأمريكي قد أيدا هذا الموقف، فلا يمكن عدَه نقداً مدمراً وصادماً لليسار. وعندما يخرج بيترسن من نطاق الخطاب المؤثر، فإن حديثه عن العدالة الاجتماعية لا يبدو أكثر معقوليةً من محاضرته عن الأنواع الأصلية اليونغية [نسبة الى عالم النفس كارل يونغ] في قصة قطعة الكيك-التنين.

      لنأخذ مثلاً الطريقة التي تحدث فيها بيترسن عن التوجهات ’الشمولية‘ للناشطين الذين حاولوا إضافة الهويَة الجندرية إلى قانون حقوق الإنسان في مقابلته في القناة الرابعة:

بيترسن: لقد قارنتهم بـ ’ماو‘…كنت أقارنهم بالشموليين من جناح اليسار. وأنا اعتقد أنهم شموليون يساريون.

نيومان: مات الملايين من الناس تحت حكم ماو!

بيترسن: صحيح!

نيومان: ما أقصده هو إنه لا وجه للمقارنة بين ماو وناشط جندري، هل ثمة مقارنة؟

بيترسن: لم لا؟

نيومان: لأن الناشطين الجندريين لا يقتلون الملايين من الناس!

بيترسن: الفلسفة التي توجه أقوالهم هي ذات الفلسفة.

نيومان: ولكن النتائج….

بيترسن: ليس بعد!

نيومان: إذن، أنت تقول أن الناشطين الجندريين…

بيترسن: كلا!

نيومان: قد يسهمون في قتل ملايين الناس.

بيترسن: كلا، ما أقوله هو أن الفلسفة التي توجه أقوالهم هي الفلسفة ذاتها التي أدت بنا سابقاً إلى قتل ملايين الناس.

نيومان: حسناً. أخبرنا كيف يمكن اخضاع هذه الفلسفة للمقارنة.

بيترسن: بالتأكيد. لا مشكلة في ذلك. الشيء الأول هو أن فلسفتهم تفترض أن الهويَة الجماعية هي العامل الأكثر أهميةً. هذه هي الفلسفة الأساسية التي وجهت الاتحاد السوفيتي والصين. وهي الفلسفة الأساسية للناشطين اليساريين. إنها سياسات الهويَة. لا يهم من تكون بوصفك فرداً، ما يهم هو من تكون بصيغ هويتك الجماعاتية.

وبينما خالفت كاثي نيومان الانصاف بنحوٍ متكرر فيما يتصل بآراء بيترسن  فيما تبقى من المقابلة، ألا إنها كانت محقة تماماً في شعورها بالحيرة والارتباك: إن ما يقوله بيترسن ليس له معنى. تساءل بيترسن مثلاً كيف يمكن أن يكون ثمة فرق بين الناشطين الجندريين والصين الماوية، ثم أُبلغ ان الفرق هو ملايين من الوفيات، ثم أنكر ان الناشطين يمكن أن يتسببوا في موت الملايين، ثم قال إنهم يتبعون فلسفةً شموليةً تدفع الناس إلى القتل الجماعي. والسبب الذي جعل بيترسن  عالقاً بين هذه الآراء المتناقضة هو عدم توفر الدليل الذي يثبت أن قانون حقوق الإنسان الكندي سيجلب لنا ارخبيل غولاغ[1]، على الرغم من أن ذلك هو تحديداً ما توحي به عباراته الفخمة والمبالغة عن شمولية جناح اليسار.

وتبعاً لذلك، يتعين على بيترسن أما الادعاء أن ولاية البرتا الكندية على وشك أحراز قفزتها العظيمة إلى الأمام أو التمييز بين حرس ماوتسي تونغ الثوري الأحمر ومركز مجتمع الميم في جامعة تورنتو، وهذان أمران لا يريد بيترسن الالتزام بهما. وهكذا نحصل على كمية أخرى من بسكويت الوافل الذي يقدمه بيترسن الذي حاول مرةً اخرى شرح العلاقة بين السوفيت ومتحولي الجنس، مرةً اخرى باستخدام فكرة أن فعل سياسي جماعي أو مبني على الجماعة هو فعل يتبع الفلسفة ذاتها التي احتشدت ونفذت الغولاغ: ((لقد انحرفت [الليبرالية] ولذا تحول العالم إلى فريقٍ ضد فريقٍ آخر. إنه صراع قوة بين جماعتين، ثم يبدأ المناضلون باسم العدالة الاجتماعية واليساريون، وحتى الحزب الديمقراطي…يبدؤون في تصنيف الجميع على وفق هويَاتهم الأثنية، او الجنسية، أو العرقية، ويجعلون من ذلك الجانب المعتمد في وجودهم. وفِعل ذلك يمثل شيئاً فظيعاً للغاية! لقد حدث ذلك، في الاتحاد السوفيتي، في سبيل المثال، عندما تبنوا تلك الفكرة إلى جانب فكرة الذنب الطبقي… وهكذا، في سبيل المثال، عندما تبنى السوفيات سياسة المزارع الجماعية والانتاج الجماعي، فإنهم قضوا عملياً، أو انتهكوا، أو جمدوا حتى الموت جميع، جميع مزارعيهم الأكفاء-أطلقوا عليهم الغولاغ- ونسبوا إليهم الشعور الطبقي بالذنب، لأنهم كانوا فلاحين ناجحين، ولكنهم يعرَفون نجاحهم بوصفه قمعاً وسرقةً. لقد قتلوهم جميعاً تقريباً، ونفوهم إلى سيبيريا وتركوهم في البرد القارص حتى الموت، وكان هؤلاء الفلاحون مزارعين منتجين في الاتحاد السوفيتي، ثم في اوكرانيا في الثلاثينيات من القرن العشرين، وبسبب هذا الأمر هلك ستة ملايين اوكراني جوعاً.

وأظن أن من الأهمية هنا تذكر ما يُطالب به الناشطون المناهضون للتمييز عملياً: إنهم يطالبون بعدم فصل المتحولين جنسياً عن وظائفهم بسبب ميولهم الجنسية، إنهم يطالبون في التخفيف من معاناتهم المجانية في السجون، وفي تمكينهم من الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وعدم اضطهادهم في جرائم الكراهية، وفي عدم اقصائهم، أو طردهم، أو احتقارهم. وبالمثل، تدور مطالبات العدالة الاجتماعية في مجال العرق حول: محاولة معالجة الفجوة الاقتصادية بين السود والبيض، محاولة تقليص التمييز العرقي في طلبات الوظائف، محاولة تقليص الفروقات الصحية المبنية على العرق والفجوات في التحصيل الدراسي، ومعالجة التحيزات اليومية المُجحفة التي تزيد من صعوبات الحياة بالنسبة للملونين. هذه هي الجوانب التي يركز عليها اليسار. اقرأ برنامج الحزب الديمقراطي او برنامج ’الحيوات السوداء مهمة‘. هل تخالفهم! لكن بيترسن يعفي نفسه من الاضطرار إلى الانخراط عملياً في سجالات جوهرية حول قضايا السياسة، عن طريق تجاهل اليسار بوصفه مجموعة من النيوماركسيين ما بعد الحداثيين الشموليين مغسولي الدماغ. (لقد بينَ آخرون كيف أن هذا الجانب في اشتغال بيترسن يتجاهل الصراع المعاصر الاستثنائي في أهميته بين اليسارية و ’الليبرالية المبنية على الهويَة‘، وهو صراع على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية في فهم اليسار.

بادئ ذي بدء، لا يبدو أن بيترسن يفهم حقيقةً ’ما السياسات‘؟ فهو يقول إنه ضد ’الايديولوجية‘ على الرغم من تصريحاته  المتواصلة وخوضه في المسائل الاجتماعية بفضل تطبيقه ’نظرية كل شيء‘ الشخصية المُستفيضة. عندما سأله أحدهم ما الذي يتعين على الناس فعله لإحداث التغيير، في ضوء معارضته الأنشطة الطلابية، كان جوابه مدهشاً: ((…حدث ذلك في الستينيات، بحسب معلوماتي، أننا اكتسبنا هذه الفكرة المنحوسة التي تقول إنه لكي تقدم نفسك بوصفك شخصاً مسؤولاً يعني أن ترفع اللافتات للاحتجاج وتغيير آراء الآخرين وبالتالي التوجه نحو اليوتيبيا. أظن ان هذا الأمر برمته مروع، أظن انه مروع. وأعتقد أن من العبث تعليم الطلاب ان هذا هو الأسلوب لتقديم أنفسهم إلى العالم.

أولاً، إذا كنت في التاسعة عشر أو العشرين أو الحادية والعشرين، فأنت حتماً لا تعرف شيئاً قط، لم تفعل شيئاً قط. لا تعلم شيئاً عن التاريخ، لم تقرأ شيئاً قط، لم تعتمد على نفسك قط مدةً من الزمن. لقد كنت تعتمد اعتماداً كلياً على دولتك أو عائلتك في السنوات القليلة من عمر وجودك. وفكرة تمتعك بالحكمة لتحديد كيف يتعين إعادة بناء المجتمع بينما تقضي الوقت جالساً في أحضان الترف والتنعم محصناً بعمليات لا تفهمها…لنقل إن هذه الفكرة هي فكرة سيئة… الفكرة هي أنك إذا أردت أن تُغير العالم، يتعين عليك أن تجد أشخاصاً تختلف معهم وتلوح باللافتات والرايات لهم، إنه ..فحسب!.

وعليه، فالناشطون أشخاص مزعجون يلوحون باللافتات والرايات، إنها ظاهرة غريبة ومفزعة بدأت في الستينيات، بحسب بيترسن. ليس مهماً أن ما يطالب به الناشطون يندرج تحت ما يُعرف بحركة حقوق الإنسان، وبـ ’اللافتات والرايات‘ التي كُتب عليها “سننتصر”، و “الغوا الفصل العنصري في المدارس”. وبالمثل، ليس مهماً أن ما حدث في احتجاجات الطلبة كان من بين الأحداث الأكثر أهمية أخلاقياً في القرن العشرين. لأن بيترسن، الذي يبدو غريباً على المشهد والأفعال السياسية بالنسبة له ليست سوى سرٍ مُبهمٍ لا يُسبر غوره، يرى أن ما حدث لا يمثل شيئاً خلا خمسين عاماً من اظهار الفضيلة الطفولي. قضى الناشطون المناهضون لحرب فيتنام سنوات وهم يحاولون وضع حدٍ للفظائع الوحشية التي قتلت الملايين، وأدوا دوراً كبيراً في لفت الانتباه إلى تلك الفظائع وتمكنوا في النهاية من وضع حدٍ لها. ولكن الطلاب هم الفئة التي ((لا تعرف شيئاً عن التاريخ)).

وهنا تحديداً نلحظ نقطة الالتقاء بين السياسات وروتين المساعدة الذاتية لجوردن بيترسن الذي يبدو أنه ليس من مؤيدي الأنشطة السياسية الجادة. وهو يرى أن تطوير الذات وقراءة الكتب العظيمة ((أكثر اهمية من أي نشاط سياسي آخر)). لا تركز على تغيير العالم، الأفضل أن تركز على تنظيم أمور حياتك. فبعد كل ذلك، ((يكمن معنى الحياة في تبني المسؤولية الفردية،” و”عندما تحرز النجاح، سيحرز النجاح جميع من حولك، لأن ذلك يعني أنك تضيء العالم بأكمله)). يشرح كتاب بيترسن (أثنتا عشرة قاعدة للحياة) ذلك بنحوٍ أفضل: كف عن مساءلة النظام الاجتماعي، كف عن القاء اللوم على الفواعل السياسيين في المشكلات، كف عن إعادة تنظيم الأشياء!. هل اغتنمت جميع الفرص المتاحة أمامك؟ هل تعمل بجدٍ على تطوير مسارك المهني، أو حتى عملك، أم هل تدع الشعور بالمرارة والاستياء يعيقك ويثبط عزيمتك؟ هل ترتبط بعلاقة أخوية مسالمة مع أخيك؟…هل ثمة أشياء بقدرتك فعلها؟ وأنت تدرك أن بقدرتك فعلها، أشياء قد تجعل ما حولك أفضل؟ هل رتبت مفردات حياتك؟ إذا كان الجواب ’كلا‘، سأقدم لك شيئاً حاول القيام به: كف عن القيام بأشياء تعرف أنها خاطئة…لا تلقي باللائمة على الرأسمالية، أو اليسار الراديكالي، أو شرور الأعداء. لا تحاول إعادة تنظيم الدولة حتى تنتهي من إعادة ترتيب تجربتك الخاصة. تحلى ببعض التواضع. إذا  لم تفلح في إشاعة السلام في بيتك، كيف تتجرأ على محاولة حكم مدينة؟…أضبط الأمور في داخل منزلك قبل أن تنتقد العالم.

ملاحظة: ممتاز، إنه أمر جيد، متكامل. ولكن، ولتعذر الحصول على منزلٍ في حالة كاملة، لا يمكن لأحدٍ قط انتقاد العالم. وهذه دعوة صريحة وواضحة ومباشرة للوحدة الذاتية والابتعاد الكامل عن التسييس. ولكنها تمثل كذلك وصفةً لجعل التعساء أكثر تعاسةً!. لا تلم ألا نفسك. لمَ لمْ احاول معالجة هذا الأمر؟ سأحاول التفكير في ذلك. حسناً، يمكنك فعل ذلك، بنحوٍ مؤكد. (يفعل أكثريتنا ذلك). ولكننا نعرف أن هناك الكثير من الظلم والجور في هذا العالم. الكثير من الظلم في الواقع. بيترسن يتحدث هنا إلى رجال الألفية الساخطين، وهو يبدو مؤيداً للتحيزات ضد النسويات ويقدم نفسه بوصفه شخصية أب بديلة.  نعم، إنه يقدم لهم نصيحة مهمة لأن أخلاقيات ’المسؤولية الفردية‘ تجعل الفرد يشعر أنه فاشل لإخفاقه في الالتزام بها. حسناً، بالتأكيد، فالقواعد التي تقول: ’حافظ على استقامتك‘ و ’اعتني بالقطة عندما ترى واحدة‘ تبدو بريئة ومناسبةً. وبرغم ذلك، لا ينبغي لك أن تخبر الناس أن السبب في مشكلاتهم هي الأخطاء التي ارتكبوها إذا لم تكن تعرف أن مشكلاتهم هي بسبب اخطائهم. إن صراع الناس وكفاحهم في سنوات الألفية يعود في جزء منه إلى اقتصاد يغلب عليه التنافس الشديد الذي يسحقهم بالديون وقلة الفرص. قد يُدرب بيترسن الناس على أن يكونوا أكثر وحشيةً وتشدداً، وبرغم ذلك، لن يحقق سوى القليل منهم نتائج أفضل في هذه المنافسةالشرسة. ولكنك إن لم تتمكن من دفع قروضك الدراسية، أو إيجارك، أو لم تستطع الحصول على وظيفة أفضل، ما فائدة اخبارك بضرورة أن تتبنى وضعية سرطان البحر الواثقة؟

وهنا تحديداً يتحمل اليسار والمؤسسات الأكاديمية جزءاً لا بأس به من اللوم. ما السبب الذي يجعل ترهات جوردن بيترسن وكليشيهاته تستقطب ملايين المعجبين؟ يعود السبب في جزء منه إلى أن الناس الصالحين يحسبون أن بيترسن يقدم تفسيراً علمياً- ظاهرياً- لشعورهم بالنفور من (رافعي لواء العدالة الاجتماعية)، وفي جزئه الآخر يعود إلى أن مواد المساعدة الذاتية لها جاذبيتها بين الناس. وثمة تفسير آخر يمكن تقديمه هو عزلة الأكاديميين وعجزهم عن تقديم المساعدة وفشل اليسار في تقديم بديلٍ سياسي مقنعٍ. جوردن بيترسن محق في قوله إن الناس تائهون وفي حاجة ماسة للمعنى. إنه يحظى بمتابعة الكثير من الناس لأنه يقدم لهم شيئاً يشبه التبصر ويعدَهم بتزويدهم بالأسرار التي تؤدي إلى حياةٍ جيدةٍ. ولكن ما يقدمه بيترسن عملياً لا يمثل تبصراً، عملياً، بل هو كلام يعرفه الجميع سلفاً مغلفٌ بلغة طنانة فخمة. ولكنها تبدو كما لو أنها شيء قيم. كانت تاباثا ساوذي قاسيةً عندما وصفت بيترسن بـ ’عبقري المغفلين.‘ إنه عبقري اليائسين، إنه يعتاش على القلق والحيرة. هل ثمة شخص آخر لديه بديل جاد؟ أين الاساتذة الآخرين الذين يمتلكون قنوات يوتيوب مؤثرة ومتاحة للجميع، الذين أصدروا كتباً عن النصائح المساعدة وجلسات الأسئلة والأجوبة الطويلة مع الجمهور؟ ليس أمراً عجيباً الشعبية التي يحظى بها بيترسن: إنه يتقدم ويعرض قواعده وإرشاداته في عالمٍ من الفوضى. دع الأب يتصرف، وسيكون كل شيء على ما يرام.

برغم ذلك، هذا تفسير غير مجدٍ. إن الأمر لا يتعلق بكون بيترسن مخادع وماكر. فإذا كان جل ما يعرضه بيترسن هو (طبخته الفكرية الساخنة) مثلما وصفتها حوليات التعليم العالي التي ينثرها في ((أفكار من الفلسفة والرواية والدين وعلم الاعصاب وحلم مزعج راود أبن أخيه البالغ من العمر خمس سنوات))، إذن، لن يكون امامنا سوى الضحك عليه. إن السبب في اعتقادنا بعبثية الأسلوب البيترسيني  لا يعود إلى افتقاره المعنى، بل يعود، في النهاية، إلى تعذر الإفلات من قبضة السياسة. إن حياتنا مرتهنة، سواء رغبنا بذلك ام لم نرغب، بالأنظمة الاقتصادية والسياسية، وعليه، فإن إخبار الناس بالتخلي عن مشاريع التغيير الاجتماعي يعني العمل على جعلهم ضحايا بائسين دائمين لقوى يتعذر عليهم فهمها او السيطرة عليها. إن المسار الحقيقي ’البطولي في الحياة هو التعاون مع الآخرين لتحقيق الرفاه الاجتماعي وإيجاد المعنى في المسعى البشري الجماعي لتحسين ظروف الجنس البشري. ولن يتحقق ذلك من خلال التخلي عن فكرة ’الفردي‘ والنظر الى العالم بصيغ الهوية الجماعاتية، بل من خلال تجميع المواهب والجهود الفردية للحصول على عالمٍ أفضل وأكثر عدالةً وجمالاً.

ينبغي أن يكون ذلك واضحاً حتى من القراءة المتعجلة لبيترسن: إذا كان جوردن بيترسن المفكر الأكثر تأثيراً في العالم الغربي، يعني هذا إن العالم الغربي قد فقد عقله!. ولأن بيترسن يحوز من الصفات ما يجعله يدعي أنه المفكر الأكثر تأثيراً في العالم الغربي، إذن، نحن في حاجة إلى التفكير بجديةٍ بالخطأ الذي وقعنا به؟ ما الذي فعلناه لينتهي بنا الأمر إلى الاستماع إلى هذا الرجل؟ إن نجاحه هو اخفاق لنا، وبينما يبدو الاستخفاف به سهلاً، ينبغي لنا أن نتذكر أن الأهم هو البحث عن السبب الذي جعلنا نصل هذه المرحلة! إنه عارض. إنه يعكس ثقافةً مجردة من الأفكار، وسياسةً بلا مبدأ أو إلهام. قد لا يكون بيترسن المفكر الذي نريد، ولكنه، ربما، يمثل المفكر الذي نستحق!.

شكراً  لاديسون كين لتدوينه خطاب بيترسن.


المصدر (Current Affairs, March, 2018)

[1]  ارخبيل غولاغ عمل أدبي للمؤلف والروائي الروسي الكسندر سولجنستين عن القمع والسياسات التعسفية في الاتحاد السوفيتي في المدة ما بين 1918 و1956 أستند في كتابته إلى الرسائل والشهادات الكتابية والشفوية التي أدلى بها (257) سجيناً روسياً تقريباً، إضافةً غلى تجربة المؤلف الشخصية. كلمة ’غولاغ‘ بالروسية هي اختصار للمديرية العامة للمعسكرات والمعتقلات الروسية.

error: