مجلة حكمة
كتاب في ظلال الغد

في ظلال الغد

في ظلال الغد: لعل جاذبية هذا العنوان أول ما يستوقف القارئ حول هذا الكتاب الفريد للمؤرخ الهولندي “يوهان هويزنجا”، الذي صدر عام 1936 –أي قبل الحرب العالمية الثانية بثلاث سنوات فحسب–[1].

الكاتبمراجعة
يوهان هويزنجامحمد الشامي
 "إن تقدم المعرفة والعلوم التطبيقية، مهما كانت حتميته وإلهامه لن ينقذ ثقافتنا. العلم والتكنولوجيا لا يكفيان كأساس للحياة الثقافية، فأصول الانحطاط الروحي تكمن على عمق أبعد" ــ يوهان هويزنجا.

لأول وهلة يوحي هذا عنوان الكتاب بمحتوى تنبؤي من الدرجة الأولى، بيد أن التنبؤ والاستنتاج في هذه الأطروحة تابع لقراءة تتوخى تحليل عوامل تقوُض الحضارة الغربية، الظاهرة التي أرقت المؤلف، كما شغلت اشبنجلر من قبله في “تدهور الحضارة الغربية”(1918)، ثم تناولها رينيه جينو (عبدالواحد يحيى) في “أزمة العالم الحديث”(1927) من منظور يضع الإشكالية الروحية في المركز.

ليست القيمة التنبؤية هي ما يهمنا في هذا كتاب “في ظلال الغد”، ولا أرى أن المؤلف قصد بـ”الظلال” شيئا غير الحقائق والإرهاصات التي قدمتها له اللحظة التي عاشها، ففي تصور فيزيائي لا يأبه بمسار التدفق المعهود للزمن، ومن منظور آخر، يمكن أن نبصر اليوم أشباح أحياء الغد وظلال أشخاصه ماثلة أمامنا.

إن مؤرخًا ثقافيا من المؤسسين مثل هويزنجا، يدرك جيدًا، ويعلن بكل صراحة تفرد الأزمة الحضارية التي يتحدث عنها، وأن التجربة التاريخية وإن ساعدتنا في بعض الجزئيات، إلا أنها تبقى صامتة حيال الكليات في هذه الأزمة، وأنه على كل حال: “أيًا ما كانت قيمة المقارنة التاريخية؛ لن تمنحنا أي إجابة قاطعة… ليس هناك أية سابقة يمكنها أن تؤكد الاستنتاج المزهو بنفسه بأن الأمور ستصحح مسارها بشكل ما، سنستمر إذاً في السير تجاه المجهول”(ص25).

وكما أن قاضي التاريخ قد أعرض عن البت في هذه القضية، فإن هيئة محلفي الحاضر قالت: “كل ما يمكننا فعله هو تقييم بعض الاحتمالات، وافتراض بعض الممكنات… هناك مجالٌ للأمل دائما، أما اليقين فأمر صعب” (ص173).

لا شك أن هذا القلق الذي عاناه هويزنجا بالأمس القريب هو عناء اليوم أيضا، بيد أن الداء قد استفحل، وأزمة الحضارة الغربية، أصبحت أزمة عالمية بحق –مع حفظ مقام الاختلافات-، لا كما كان الرجل الأبيض يسمي كل ما هو أوروبي عالميًا.

أزمة الثقافة

أول ما يتناوله المؤلف من موضوعات الأزمة هو الموضوع الثقافي، وذلك من خلال عرض الواقع على معيارين مركزيين في الحكم على أي ثقافة بالرقي أو التدني –باعتبار جوهرية المكون الأخلاقي في الثقافة–:

 1) التحكم في الطبيعة البشرية مقابلاً للتحكم في الطبيعة الكونية.

 2) السعي من أجل قيمة أو مثال يتحدد على ضوءه التقدم والتطور الحضاري.

أما المعيار الأول فيشكل ضمانا لعدم إساءة استعمال الحرية التي يتمتع بها الإنسان في فرض سلطته على الطبيعة والتحكم بها.

وأما المعيار الثاني فلعله الأهم، حيث أن عملية تحديد مبدأ ميتافيزيقي يتضمن غالبا السيطرة على التصرف الإنساني وتقييده بما يناسب آمرية هذا المبدأ.

وبناءا على هذه المعيارية الأخلاقية، يخلص المؤلف إلى: “أنه لا يمكننا أن نتحدث عن الثقافة إلا عندما يتعدى المثل الأعلى الذي يسيطر عليها مصالح المجتمع الذي يدعي امتلاك الثقافة. يجب أن يكون هدف الثقافة ميتافيزيقيا وإلا ستتوقف عن كونها ثقافة”(ص37)، وهو بهذا يرفض مقولات “الثقافة القومية” و”ثقافة الطبقة” باعتبارها أطرا مرجعية.

ولا شك أنه في غياب هذه السيطرة الذاتية لدى الإنسان، وفي غياب القيمة العليا، حيث تحل محلها مجموعة من الأهواء المتضاربة، ستكون فكرة التقدم الحضاري فكرة جوفاء، بل خطرا داهما يهدد الميراث الحضاري بالأساس:

التقدم في ذاته لا يشير إلا إلى للاتجاه دون التطرق إلى أي شيء له علاقة بالوجهة، سواءًا إلى الخلاص أو الهلاك، إننا نميل إلى التفاؤل الضحل الذي ورثناه عن أسلافنا من القرن الثامن والتاسع عشر، المفهوم السعي خلط بين السعي إلى “الأكبر” و”الأفضل” وبين مجرد السعي إلى “المزيد”. هذا التوقع الذي يوهم بأن كل اكتشاف جديد أو تحسين لما هو موجود يجب أن يحتوي على وعد بقيمة أعلى وسعادة أكبر”(ص41).

وبينما يقرر هويزنجا ذلك، ويتحدث عن مدى سذاجة التصور الذي يقضي بأن ازدهار المجتمع ليس إلا نتيجة طبيعية لمزيد من الإنجاز التقني وأن رقيه متوقف على محو الأمية وضمان التعليم الإلزامي، أجد أننا –وبالأخص الدول النامية–، لا زلنا –عمليا– بعيدين كل البعد عن إدراك سذاجة هذا الأمل.

على أية حال، إن ما تحدث المؤلف عنه من تدهور الأساس الثقافي ما هو إلا بداية التشخيص فحسب!

ضعف الملكة النقدية

يأتي ضعفُ ملكتي الحكم والنقد ضمن أهم أعراض التخلف الفكري الحديث، وتكمن المفارقة في أن كثرة المدخلات تعمي عن الإدراك بينما يفترض أن تثقله!

ولعلنا نعي هذه الأزمة بشكل أكبر في عهد هيمنة الثورة المعلوماتية ومواقع التواصل ومع إرهاصات عالم “الميتافيرس”.

إن كثرة المدخلات المعرفية بدون ملكة نقدية مصقولة، تعني فقد الآلة اللازمة لإنتاج معرفة حقيقية، وعليه لا تعني إلا معرفة وهمية. “فالمعرفة غير المهضومة تعيق الحُكم، وتقف في طريق الحكمة”(ص59).

 لقد اشتملت الثقافة الإسلامية على التحذير من هذه المعضلة، ونجد في المأثور” من زاد علمه على عقله كان وبالا عليه”، و” كل علم لا يؤيده عقل مضلة”[2]. وروي أنه: ” سُئِلَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ عَنِ الْخَلِيلِ، فَقَالَ: هُوَ نِهَايَةٌ فِي الْعِلْمِ… وَفِيهِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمِهِ؛ عَقْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ عِلْمِهِ. وَسُئِلَ الْخَلِيلُ عَنِ ابْنِ الْمُقَفَّعِ، فَقَالَ: لا تَلِدُ النِّسَاءُ إِلَى أَلْفِ سَنَةٍ مثْلَهُ؛ غَيْرَ أَنَّ فِيهِ عَيْبًا… عِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَقْلِهِ، وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ أَكْثَرَ مِنَ الْعَقْلِ؛ فَهُوَ مُضِرٌّ بِصَاحِبِهِ.”[3].

ولا شك أن العقل المقصود في هذه الآثار عقل مغاير لعقل الفهم والتلقي، وإلا لما نسب لصاحبه علم أصلا، وإنما هو ملكة النقد والموازنة التي تقيم بها المعارف المكتسبة.

جدير بالذكر أنه إلى جانب الملكة النقدية هناك ما يسميه هويزنجا بـ”الإرادة الشخصية للثقافة”: “نتحدث هنا عن الثقافة بالمعنى الضيق: امتلاك كنز معين من الجمال والحكمة”(ص57).

فبهذه الإرادة وحدها يمكن أن يحتمي الإنسان من السلبية التي فرضها كل من الآلة الدعائية الضخمة والتعليم الإجباري، ومع ذلك تظل هذه الإرادة وحدها ضعيفة عاجزة في مواجهة كلتا الآلتين.

إساءة استخدام العلم

من المصطلحات الهامة التي تحدث هويزنجا عنها مصطلح “إساءة استخدام العلم”، وهذا المصطلح مبني على حقيقةٍ كان التغني بها من شعارات المجد في العصر الفيكتوري، ثم ما لبثت أن أصبحت نذير شؤم على حد قوله، وهي: “المعرفة قوة”، ويختزل هذا المصطلح مشكلة العلوم الطبيعية في العصر الحديث، أو العلوم التطبيقية بتحديد أدق.

أشار المؤلف في كتابه “في ظلال الغد” إلى خطرين يهددان المعرفة مع كل ما شهدته من تقدم، يكمن الخطر الأول في نظريات خُرافية قائمة على أهواء وتحزبات سياسية وفكرية مسبقة، تتخطى عنصر العقلانية باسم محدودية العقل، ويضرب بـ”النظرية العرقية” مثالا على ذلك.

أما الخطر الآخر، والذي عبر عنه بهذا المصطلح: “إساءة استخدام العلم”، فهو داء العلوم التطبيقية دون العلوم الاجتماعية، وهذا الداء وإن كان عارضا خارجيا لا يمس ذاتيات المعرفة إلا أنه من الخطورة والأهمية بمكان، بحيث لا يمكن تبرئة جانب العلماء من أي مسؤولية إزاءه.

ليس هذا الخطر الداهم للتقنية إلا نتيجة للأزمة الثقافية التي سبق الحديث عنها: ” إن العلم إذ يضل عن هدي المبادئ السامية المجردة يسلم أسراره بحرية إلى التقنيات المطورة لأغراض تجارية… وهذه الأخيرة، والتي هي أقل تقيدا بالمبادئ العليا لصون الثقافة، تنتج بمساعدة العلم كافة الأدوات المطلوبة لترسيخ الاستعلاء”(ص73).

وكما يعول المجتمع على هذه العلوم في عملية البناء والتعمير، فإنه كذلك يطالبها بوسائل التدمير؛ والدمار خيار مطروح في الحرب والسلم معا، فالسيطرة على الطبيعة وتخريبها مفهومان ملتبسان في غياب ثقافة راشدة.

العقل ومشكلات الثقة

إن ما تحدثنا عنه من تفكك ثقافي تمثل في غياب المركزية الميتافيزيقية، قد تبعته ضربة أخرى، انتقلت بها الحضارة الغربية من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، أو من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة، لقد كانت الضربة موجهة إلى العقل وموثوقيته هذه المرة.

"لقد آمن نيتشه بعمق بالمنفى المأساوي للإنسان عن الحقيقة، وفسر إرادة الحياة على أنها إرادة للقوة، ورفض بكل ما أوتي من عبقرية شعرية راسخة وجود المبدأ الفكري.
أما البراجماتية فقد جردت حقيقة المفهوم من دعواه الصلاحية المطلقة... فبالنسبة للبراجماتيين، الحقيقة هي ما له صلاحية مبدئية عند من يؤمن به، أي أن الشيء يكون صحيحا فحسب بقدر ما يكون صالحا لوقت معين"(ص78).

إن هويزنجا إذ يتحدث عن تلك اللحظة فإنه يؤكد مفارقة كامنة: إن إدراك محدودية العقل، واستعصاء الحقيقة، وانغلاق الفهم، لا يعني الانقلاب إلى “ما دون العقل” من أحكام غريزية وشهوية، ولا يعني التخلي عن استجداء الحقيقة بمنهج آخر، بيد أن ما حصل هو أن اليأس المعرفي تجاه الحقائق الكونية استحال إلى إنكار مطلق، وإلى ترجيح لأسبقية الوجود على الفكر، بكل ما تحويه الكلمة من معنى، وبعبارة المؤلف: “عبادة الدنيا”.

معارك غير أخلاقية

من الموضوعات المهمة التي يتناولها هويزنجا كذلك: لاأخلاقية الصراع البشري.

وعندما نتحدث عن قضية الصراع فنحن نتحدث عن وظيفة حيوية، فالحياة قد صممت في كافة مجالاتها على أساس مجموعة من المعارك التي نخوضها، التي وإن انتفى عن بعضها طابع العنف إلا أنها تظل قائمة لا ينفك أحد عنها ما لم يتخل عن فاعليته وأهدافه الاجتماعية، بل ما لم يتخل عن إرادته الحرة ويخلع على نفسه وصف العبودية، أو يقرر الانزواء في عالم المجهول.

وما تضطلع به الثقافة من مهام يشمل تحديد غايات المعارك وتسمية العدو والصديق، وبعبارة أخرى، تشكيل مفهومي “الخير” و”الشر” عند أبناء هذه الثقافة.

 إذن فالتحيزات التي تنبني عليها المعركة مرتبطة بمفهومي الخير والشر، سواء أكان ذلك الارتباط حقيقيا أو مصطنعا، إلا أن هناك دائما مبررات وحدود أخلاقية.

ومع التخلي عن مرجعيات الأخلاق المسيحية واليهودية، و”الكانطية” بطبيعة الحال، تحولت محددات الصراع النهائية إلى مفاهيم من قبيل “المصلحة” و”المنفعة”.

"هؤلاء الآخرون الذين هم وجهة القتال لم يعودوا يظهرون في ثوب "الفاسدين"، ففي الصراع على السلطة أو الثروة هم مجرد خصوم أو ممارسين للاضطهاد السياسي أو الاقتصادي. وفقًا للموقف المعين للمجموعة المعينة، فهم منافسون تجاريون، أو أولئك الذين يمتلكون وسائل الإنتاج، أو حاملي الخصائص البيولوجية غير المرغوب فيها، أو ببساطة الجيران، أو مرة أخرى، أولئك الذين يقفون في طريق توسع الاستعلاء. في جميع هذه الحالات، فإن الرغبة في القتال أو القهر أو الطرد أو المصادرة أو الإفناء لا تستند إلى إدانة أخلاقية في حد ذاتها"(ص94).

ومن هنا ينتقل المؤلف إلى محور جديد في كتابه “في ظلال الغد”، يتناول الدولة القومية وسياساتها.

أزمة النظرية السياسية

يسوي هويزنجا بين دعاة الشمولية (التوتاليتارية) ودعاة الحرب من أجل الحرب –وتدخل النازية في أطروحته بمقتضى طبيعتها الشمولية–، بيد أن الأهم من ذلك أنه لا يعتبر هاتين الظاهرتين شذوذا في الفكر السياسي الغربي، فالنظرية السياسية التي تضع الدولة ككائن مطلق، مستقل عن القيم الأخلاقية الكبرى ومنافس لها، كما تحدث عنها كارل شميت في “مفهوم السياسي” هي المبدأ لكل هذه الظواهر المتطرفة، وعليه، فأشد هذه الأدلوجات تطرفا أكثرها مصداقية واتساقا مع المبدأ.

"تشير وجهة النظر هذه إلى أن إخضاع النزاعات السياسية لحكم طرف ثالث تعد شيئا مرفوضا وغبيا وغير معقول وعديم الفائدة.. إن الدولة، وبالتالي كل دولة من حيث المبدأ، هي الحكم الوحيد على كيفية ووقت محاربة العدو، ويبدو ذلك ينطبق أيضا على مسألة تحديدها لمن هو العدو"(ص89).

فكل ذلك يتجرد من أي اعتبارات أخلاقية أو ميتافيزيقية متجاوزة لإرادة الدولة ذاتها باعتبارها كيانا مستقلا، كما يتجرد من أي التزامات أممية حقيقية لها قوة القانون (كما يمكن فهم الإلزام القانوني بلحاظ عنصر العقوبة في سياق القانون الداخلي).

ويقرر أن هذه النظرية (اللاأخلاقية السياسية) تجد أصولها في أعمال ميكافيللي وهوبز وفخته وهيجل على المستوى النظري، وإن كانت وجدت قبلهم مدعمة تاريخيا على المستوى العملي غير المصرح به.

وربما يتسائل المرء عما إن كان هناك منهج آخر تسلكه الدولة الحديثة على طاولة الذئاب السياسية، إلا أنه ما يمكننا التيقن منه، أنه قبل أن تظهر منظومة المفاهيم المرتبطة بالدولة القومية، عاشت دول تتمثل بمنظومات واعتبارت تتجاوز إرادة السياسي.

ومن مكامن الخلل التي يكشف عنها المؤلف في هذه الأطروحة –طوباوية الدولة المطلقة–: التهافت المنطقي الذي ينغص على تحديد هذا الاستقلال الوجودي بـ”الدولة”، فيسأل:

"هل الجماعة التي ترغب في أن تصبح مستقلة سياسيا يحق لها التصرف سياسيًا؟ ماذا عن أعضاء الفدرالية؟ وماذا عن حزب أو فئة تطالب بقيادة الدولة؟ يبدو أنه لا مفر من الاستنتاج أنه في جميع هذه الحالات... (يكون) تحديد الشخصية السياسية، أي القرار بشأن ما إذا كان يحق لمجموعة ما أن تتصرف كدولة، يكمن في النضال الذي تسعى إليه المجموعة نفسها، لذا سنجد الفوضوية الكاملة كامنة في ظل هذا الاعتراف بالاستقلال الكامل.
من الواضح، علاوة على ذلك، أنه بقدر ما ينظر إلى الدولة على أنها الحكم الوحيد على الرغبة في توسيع نطاق سلطتها، ويمكن التعامل مع هذا التمديد في كل حالة على أنه شرط للبقاء= فإن إخضاع الدولة الأضعف من جانب الدولة الأقوى يصبح مجرد مسألة ميل وفرصة"(ص98-99).

كما ينتقد هويزنجا مزاعم الواقعية لهذه الدعاوى التي تبرر شريعة الغاب بأنها نوع من الكسل المعرفي والمراهقة الفكرية التي تتهرب من أسبقية الفهم وتمرق من المعايير الأخلاقية دفعة واحدة.

كما يتحدث عن الاستحالة العملية الكامنة في قبول تمثل الدولة الأخرى بهذا الموقف المستقل والمتموضع (خارج كل الأخلاق) أيضا:

"بالنسبة للدولة، ليس ثمة جرائم أو مخالفات يمكن ارتكابها. لكن من الناحية النظرية، يجب أن ينطبق هذا أيضا على الدولة المعادية... أن تكون الدولة المعادية محصنة ضد الحكم الأخلاقي والإدانة. لكن الوهم المثير للشفق عن الدولة، المليء برائحة جشع وحماقة الإنسان، يكشف عن نفسه على الفور. في الممارسة العملية، هذه النظرية الرنانة... تنطبق فقط على دولة المرء"(ص121).

تتقدم أطروحة هويزنجا إلى القدر الذي يمكن معه القول بأن علمانية الدولة هي العامل المباشر في صعود هذه النظرية، وأن تحولها من مجال الفعل المستتر إلى مجال الإقرار باللاأخلاقية يعزى لهذا الفصل العلماني، وهذا حكم تحليلي منه بطبيعة الحال.

وعلى أي حال، يقرر هويزنجا أن عقيدة الاستقلالية الأخلاقية للدولة: هي أعظم المخاطر التي تتربص للحضارة بمعاول الهدم، وقد ذقنا هذا حقَا وعرفناه من بعده، ولم يكن ذات يوم من الحديث المرجم.

مشكلات وآفاق

يتحدث المؤلف في كتابه “في ظلال الغد” عن “الصبيانية الاجتماعية” التي يقحم فيها الهزل على الجد ويهول فيها شأن اللعب؛ كما يتحدث عن الإيمان المعاصر بالخرافات، لا يعني الخرافات المتجذرة في السلوك فحسب، بل تلك الخرافات الحديثة التي تزيت بزي العلم والتبست بالنظريات العلمية؛ كما يتحدث عن اغتراب الفن والأدب.. إلى غير ذلك من القضايا التي يتبلور فيها ما أشار إليه في البداية من إشكاليات.

ولكنه مع ذلك، في إطار “الآفاق”، لا يميل إلى انقلاب جذري ولا يتصوره. فلنقل بأن مظاهر الكمال التقني للحضارة الحديثة نفسها بواعث خوف ونذر شؤم ودمار وهمجية، إلا أن الانقلاب عليها والتخلص منها تصرف أكثر همجية وانحدارا.

وهو -رغم كل شيء- يميل إلى التفاؤل ما دام خيارا ممكنا، فلا شيء بمقدوره أن يسلب الإنسان إيمانه بالعمل، ولا بد من نقل هذا الإرث الحضاري إلى الأجيال القادمة.

وباستثناء الانتصارات التقنية المتتابعة، يمكننا اليوم أن نرى جليا أن ما أشاد به المؤلف من إرث حضاري أبعد ما يكون عن التماسك وعن القابلية للتعريف؛ وأن إيمانه بالعمل، لا قيمة له إلا بمشروطيته بالبحث عن حل للأزمة الروحية التي تحدث عنها سالفا.


هوامش (في ظلال الغد)

[1] صدرت الترجمة العربية للكتاب منذ عدة شهور على يد الأستاذ مصطفى عبد الظاهر، في دار صفصافة للنشر والتوزيع.

[2]  تنسب المقولتان للإمام علي، ولم أقف على صحة النسبة، بيد أن الأولى قد نسبت أيضا لأرسطو انظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء: مقالة أرسطوطاليس (ص97).

[3] كتابُ المجالسة وجواهر العلم، للدينوري: 15/303 ح 2168.