الوسم: الثقافة

  • ما هي الثقافة؟

    ما هي الثقافة؟

    الكاتبباتي تامارا لينارد
    ترجمةديمة حمد الحارثي
    مراجعةسيرين الحاج حسين
    تحميلنسخة PDF

    مدخل فلسفي شامل حول تعريف الثقافة، وحقوق الأقليات الثقافية؛ منشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة، والتي قد يطرأ عليها التعديل من منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد على تعاونهم واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


    ما هي الثقافة؟

    غالباً ما تتسم المجتمعات الديمقراطية بالتعددية الشاملة في الأديان والثقافات والأعراق ووجهات النظر، والتي على أساسها يقوم المواطنون بتقديم مطالبات لدولهم. وتتسم الدول الديمقراطية أيضاً بالالتزام بمعاملة جميع المواطنين بالتساوي، وبالتالي فإنها تحتاج إلى سبل عادلة ومنصفة للتعامل مع هذه المطالبات والتجاوب معها. ويتناول هذا المدخل بالتحديد المطالبات الثقافية.

    تكون المطالبات الثقافية على نطاق واسع في المجالات السياسية والقانونية. لا يقوم الأفراد والجماعات فقط بتقديم مطالبات ثقافية للدولة -والتي تكون غالبًا من أجل الاستيعاب القانوني أو السياسي- ولكن غالبًا ما تشرح الدولة خياراتها التي تتعلق بحماية جوانب معينة من ثقافتها. سيبحث هذا المدخل أولاً الطرق التي من خلالها يُعرِّف الفلاسفة السياسيين والأخلاقيين “الثقافة”: الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة، الثقافة كتكوين اجتماعي، الثقافة كسردية، الثقافة كهوية. خلال هذه المناقشة، سيتم تقديم التحدي “الماهوي”: يعامل السرد الماهوي للثقافة بعض الخصائص الأساسية لتلك الثقافة كمعرِّف لها، وبالتالي على جميع أعضائها أن يشتركوا في سمات أساسية معينة حتى يُعامَلوا كأعضاء ينتمون إليها (للمزيد انظر 2010Phillips). ويتابع المدخل على وجه الخصوص الإشارة إلى أن المفاهيم الأولى للثقافة كمجموعة شاملة تُنتقد بأنها ماهوية، وتُعتبر المفاهيم المتأخرة محاولات إعادة صياغة للثقافة بطرق تتجنب التحدي الماهوي.

    ينتقل المدخل بعد توضيح هذه الطرق الرئيسية لفهم الثقافة لتقييم أنواع مميزة من المطالبات الثقافية (وإن كانت متداخلة في بعض الأحيان) والتي من خلالها تضغط الأقليات على الدولة: مطالبات الإعفاء، مطالبات المساعدة، مطالبات تقرير مصيرها بنفسها، مطالبات الاعتراف، ومطالبات المحافظة (والمطالبات بعدم الخسارة القسرية للثقافة)، والمطالبات الدفاعية في الأوضاع القانونية، ومطالبات الاستخدام الحصري (المطالبات ضد الاستيلاء الثقافي). يوجد مبررات لهذه المطالبات واعتراضات عليها، وغالبًا ما تعتمد على كيفية فهم “الثقافة”. تعتمد الخلافات حول إمكانية تبرير هذه المطالبات في كثير من الحالات على الفهم المتضارب لماهية الثقافة، وعلى وجه الخصوص لمدى أهميتها لأعضائها، كما سيوضح أدناه.

    أخيراً، سيتم اختتام المدخل بتقييم الحالات التي يقدم فيها مجتمع الأغلبية مطالبات ثقافية لتبرير اتخاذ الإجراءات، لاسيما في سياق السيطرة على الهجرة، وفي بعض الحالات، رفض دخول المهاجرين المحتملين جميعاً، فضلاً عن المطالب الثقافية التي تتخذ تجاه أولئك الذين صُرّح لهم بالدخول للدولة، ومجموعة المبررات والاعتراضات المقدمة في هذه الحالات. يتناول هذا القسم محتوى ثقافة الأغلبية، التي يُطلب من الوافدين الجدد الالتزام بها، بالإضافة إلى كيفية “مطالبتهم” بالقوة للالتزام بذلك.


    1. تعريف الثقافة

    يعد تعريف مصطلح “الثقافة” أمراً بالغ الصعوبة: فقد تم وصفه على أنه “مفهوم اشتهر بأنه فضفاض” (Song 2009: 177) و “مفهوم اشتهر بأنه مبهم” (Eisenberg 2009: 7). فهو يستخدم بعدة طرق: نظراً لأن المدخل سيستمر في النظر بشكل أوسع، يمكن لمصطلح “الثقافة” أن يشير إلى مجموعة الأعراف والممارسات والقيم التي تميز مجموعات الأقليات والأغلبية، مثل الإشارة إلى أن مجتمعات الحسيديم اليهودية تمارس في نيويورك “ثقافة” فريدة من نوعها، أو وصف الثقافة الإيطالية أو السنغالية.

    ولكن يستخدم المصطلح أيضاً بطرق أخرى، مثل الإشارة إلى ثقافة “برو” (bro)، أو ثقافة “هيبيستر” (hipster)، أو ثقافة مشجعي كرة القدم البريطانيين. كذلك يمكن لأي شخص أن ينتسب لعدة ثقافات، إذ يمكن لشخص (مثل كاتب هذه السطور!) أن يكون عضواً في الثقافة الكندية، وثقافة مدينة أوتاوا، والثقافة اليهودية، والثقافة الأكاديمية في نفس الوقت. ستشرح الاعتبارات السياقية ترابط الأعراف والممارسات والقيم التي تعرِّف كل من هذه الثقافات في لحظة معينة. علاوة على ذلك، فإن بعض هذه الثقافات فقط لها أهمية سياسية وقانونية، وهي محور هذا المدخل.

    ثمة خلاف شائع في المجالات السياسية والقانونية حول ماهية الثقافة، ويركز القسم التالي على التوسع في توضيح هذه الآراء المتباينة عن الثقافة. ومع ذلك هناك اتفاق كبير على أنه مهما كانت ماهيتها، فالثقافة مهمة للناس والمعنى والقيمة التي توفرها لحياة الأفراد وهذا من بين أهم أسباب قيمتها – إن لم يكن أهمها – للدفاع عنها وحمايتها في المجالات القانونية والسياسية. هذه القيمة هي السبب في أنه من المهم محاولة اكتشاف ماهية الثقافة، وأي جوانب منها على وجه الخصوص يجب أو لا يجب حمايتها في الحياة العامة ولماذا. إدراك الملاحظة القائلة بأن الثقافات تشكل قيمة للناس، وأنها في الواقع تضيف قيمة إلى حياة الأفراد، لا يعني القول بأن الممارسات الثقافية الفردية تعتبر كلها جيدة. يجب أن يأخذ أي سرد دفاعي عن الثقافة أهمية الثقافة بشكل عام على محمل الجد دون الدفاع عن جميع أشكالها. فُسِّرت الثقافة بأربع طرق رئيسية: باعتبارها مجموعة شاملة، وباعتبارها تكوين اجتماعي، ومن منظور الحوار والهوية.

    1.1 الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة

    أحد طرق التفكير في الثقافة هي اعتبارها كلٌ شامل؛ مشكِّلةً كل أو معظم أبعاد حياتنا. قد تتحمل صياغة ويل كيمليكا (Will Kymlicka) للثقافة المجتمعية المسئولية الأكبر عن استحداث التفكير الجاد في فهم طبيعة الثقافة بهذه الطريقة. توفر الثقافة المجتمعية

    لأعضائها طرقاً ذات مغزى للحياة عبر مجموعة كاملة من الأنشطة البشرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والتعليمية والدينية والترفيهية والاقتصادية، والتي تشمل المجالات العامة والخاصة (Kymlicka 1996: 76).

     يبين كيمليكا توفير لثقافة المجتمعية المفعمة بالحياة “سياقاً للاختيار”، أي أنها توفر الموارد التي يعتمد عليها الأفراد لفهم عالمهم والخيارات التي يقدمها. استناداً على هذا، توصف الدول القومية على أنها تتمتع بثقافة مجتمعية، مثل مجموعات السكان الأصليين والأقليات القومية داخل الدولة (مثل الكتالونيون أو التبتيون)؛ مجموعات المهاجرين التي تحافظ على مجموعة من الممارسات والأعراف الثقافية حتى عندما تندمج في “ثقافة مجتمعية” أكبر تختلف عنها.

    ليس كيمليكا وحده من يقدم وصفاً شاملاً للثقافة، إذ يقدم مايكل والزر (Michael Walzer) وصفاً مماثلاً، مقترحاً أننا نفهم المجتمعات السياسية كـ “مجتمعات ذات شخصية”، حيث يرتبط أعضاؤها بـ “عالم من المعاني المشتركة” (Walzer 1983: 28). و أيضاً يصف كلاً من أفيشاي مارغاليت (Avishai Margalit) وجوزيف راز (Joseph Raz) ما يسمى بالمجموعات “الشاملة” حيث يجد فيها أعضاؤها

     ثقافة تشكل إلى حد كبير أذواقهم وفرصهم، وتوفر لهم ركيزة لتحديد هويتهم الذاتية وسلامة الانتماء الآمن دون بذل جهد Margalit & Raz 1990: 448)).  

    يقول أفيشاي مارغاليت وموشيه هالبيرتال (Moshe Halbertal) عن مجموعة شاملة إن ثقافتها “تغطي جوانب مهمة ومختلفة من الحياة”. ويقدمان بهذا القول كمثال الثقافة اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة:

    إنها تحدد أنشطة الأشخاص (مثل دراسة التوراة في الثقافة الأرثوذكسية المتطرفة)، وتقرر المهنة (مثل الختانين)، وتعرِّف العلاقات المهمة (مثل الزواج). إنها تؤثر على كل ما يفعله الناس: الطبخ، الأسلوب المعماري، اللغة المشتركة، التقاليد الأدبية والفنية، الموسيقى، العادات، اللباس، المهرجانات، والاحتفالات ... تؤثر الثقافة على ذوق أعضائها، وأنواع الخيارات المتاحة لهم ومعناها، والخصائص التي يعتبرونها مهمة في تقييمهم لأنفسهم وللآخرين (Margalit & Halbertal 1994: 498).  

    في حين يؤكد كيمليكا على الحرية التي توفرها ثقافة مجتمعية متينة، فإن مارغاليت وهالبرتال يتناولان دورها في تأمين “هوية شخصية” لأعضائها (Margalit & Halbertal 1994: 502)، ويتحدث والزر عن أهميتها في تشكيل “الوعي الجمعي”. وبالرغم من أن هؤلاء العلماء يبررون حماية ثقافة متينة لعدة أسباب، فإنهم يتفقون على أن ما تقوم به الثقافة في الأساس توفير منظومة القيم الأساسية التي تساعد الأعضاء على الاختيار بين الخيارات وتفسير قيمتهم، بما في ذلك مثلا ما يتعلق بأشكال معينة من التوظيف أو التعليم أو هيكل الأسرة وتربية الأطفال. ويعكس والزر الطريقة التي تخبر بها الثقافة كيفية فهم حتى أبسط الأمور:

    تحمل سلعة ضرورية واحدة، والتي دائماً ما تكون ضرورية – مثل الغذاء – معاني مختلفة في أماكن مختلفة. يعتبر الخبز وقود الحياة، وجسد المسيح، ورمز السبت، وأحد سبل الضيافة، وهلم جرا (Walzer 1983: 8).

    تلقي هذه الشروحات للثقافة الضوء على الكثير من الجوانب، بما في ذلك على وجه الخصوص سبب أن الثقافات المجتمعية المستنزفة قد تكون أقل قدرة على توفير السياق للاختيار وهو ما يؤكده كيمليكا، أو سبب أن “هوية الشخصية” قد تتعرض بالتالي للمخاطر: وأنه إذا أُضعفت النظم التعليمية أو السياسية أو الاقتصادية لمجموعة ثقافية ما، فإن قدرتها على دعم أعضائها لكي يعرفوا العالم، ويختاروا بين خيارات عدة، تضعف تبعاً لذلك. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الشروحات توضح الخطأ في تقويض ثقافات الآخرين: فإذا ما قوضت ثقافة ما، فسوف تتقلص الخيارات المتاحة لأعضائها بالتالي. وبوسعنا ملاحظة ذلك فيما يتعلق بثقافة الشعوب الأصلية في العديد من الدول: حيث حاولت الدول محو ثقافة الشعوب الأصلية بفاعلية، نتج عن ذلك تفكك اجتماعي حاد وعزلة الشعوب الأصلية التي أضعف سياق الاختيار لديها بشكل ملموس.

    ولكن ظهرت عدة اعتراضات على هذه الطريقة في فهم الثقافة، ومعظمها عبارة عن صيغ لما يسمى بالاعتراض “الماهوي”؛ غير أنه يجدر ملاحظة أن الآراء الموصوفة أعلاه لا يعتقد أصحابها أنها ماهوية. ويستهدف الاعتراض الماهوي ما يعتبره افتراضاً مفاده أن أعضاء ثقافة ما سوف يحملون نفس المجموعة من الممارسات والأعراف والقيم ذات الأهمية، وبالقدر ذاته. ولكن هذا الافتراض غير صحيح، إذ يقول النقاد: أن في أي ثقافة واقعية سوف يكون التزام أعضائها بممارساتها وأعرافها المعرِّفة مختلفاً، بل وحتماً سيكون هناك خلاف حول تحديد ممارساتها ومعاييرها التي تعرِّفها أصلاً. ينص الاعتراض الماهوي – على وجه التقريب – أن معاملة الثقافة على اعتبارها شاملة يؤدي بطريقة خاطئة إلى أحد الأشياء التالية:

    1. إعلان أن بعض سمات ثقافة ما هي من صميم تلك الثقافة، وبالتالي غير قابلة للتغيير تحت طائلة حل الثقافة (Eisenberg 2009: 120)، وتبعاً لذلك، تعتبر الثقافات بالضرورة مقيدَة ومحددة وليست محل نزاع وتقلب (Moore 2019; Patten 2014: 38)،
    2. وبعد تحديد السمات التي تعتبر في صلب الثقافة، فإنها تستبعد أولئك الذين يعتقدون أنهم أعضاء في تلك الثقافة ولكنهم لا يلتزمون بهذه السمات أو يظهرونها أو يحترمونها (Parvin 2008: 318–19)
    3. تتجاهل حقيقة أن معظم الناس في مجتمع ليبرالي “يحددون هويتهم من تعدد الأدوار والمجتمعات المحلية والعضويات في أي وقت من الأوقات” (Parvin 2008: 321)، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية اجتماعية متفاوتة حسب السياق، بشكل مستقل عن الهويات الثقافية وأحياناً بالتزامن معها (Moore 2019).

    وخلاصة القول: ينطوي أي شرحٍ مفرط الشمولية لماهية الثقافة بالنسبة لأعضائها على خطر التعامل مع حدود الثقافة كما لو كانت محددة وغير متغيرة، وكما لو أن أعضاؤها لا يبدو عليهم أي اختلاف (وربما لا يستطيعون إظهار الاختلاف) في التزامهم بالثقافة ككل وفي ممارساتها المعرِّفة لها.

    تهدف جميع الشروحات البديلة للثقافة التي ستناقش أدناه – أو جزء منها على الأقل – إلى الرد على التحدي الماهوي. بمعنى أن هدف تلك الشروحات إنتاج شرح منطقي لماهية الثقافة، وبالتالي ماذا يعني أن تكون عضواً في مجموعة ثقافية معينة يمكن استخدامها من أجل فهم منطقي للخلافات القانونية والسياسية، والفصل المثالي بينهما دون الخضوع للتحدي الماهوي. تنبيه: لابد من فهم وجهات نظر الثقافة التي سيتم تناولها أدناه على أنها “أنماط نموذجية” حتى يتسنى فهم سماتها الرئيسية، وكيفية اختلافها عن وجهات النظر الأخرى، وسبب عدم وقوعها ضحية (حسب تقديرها) للتحدي الماهوي.

    2.1 الثقافة بصفتها تكويناً اجتماعياً

    إن إحدى المحاولات الرامية إلى إعادة النظر في الثقافة بطريقة تستجيب للتحدي الماهوي، ولكنها تحتفظ بالنظر إلى الثقافة على أنها شاملة إلى حد كبير، تقترح تعريف الثقافات من خلال الخبرة المشتركة بين أعضائها في التكوين الاجتماعي (Patten 2014: 39). وعلى أساس شرح “النسب الاجتماعي” للثقافة، فإن ما يجعل ثقافة ما ثقافة هو خضوع أعضائها “لمجموعة من الظروف التكوينية التي تختلف عن الظروف التكوينية المفروضة على الآخرين” (Patten 2014: 51).

    إن تجربة الخضوع لمؤسسات مشتركة – والتي يفهم منها عموماً أنها تشمل مجالات تعليمية مشتركة واللغات ووسائل الإعلام فضلا عن التقاليد والقصص التاريخية المشتركة والمكونات الأسرية المتداخلة وما إلى ذلك – تشكل شعوراً لدى أفراد المجموعة الثقافية بأنهم يتشاركون طريقة مميزة في رؤية العالم، وأن بعض الافتراضات التي يمتلكونها يتقاسمها معهم آخرون أو على الأقل يفهمونها. ويؤكد هذا الرأي على المسار التاريخي للثقافة، ولكنه لا يتطلب أن تكون أعرافها وقيمها وممارساتها المعرِّفة لها غير متغيرة مع مرور الوقت. بل على العكس:

    يمكن وجود تباين داخلي لأن الخضوع لمجموعة مشتركة من التأثيرات التكوينية لا يعني أن الناس سينتهي بهم المطاف بمجموعة متجانسة من المعتقدات أو القيم (Patten 2014: 52).

     فالثقافات نتيجة لذلك مواضع يمكن فيها للأعضاء أن يعترضوا على فهمهم ويتداولوه بما يكفي من الافتراضات المشتركة عن الطريقة التي يسير بها العالم لكي يتعرف كل منهم على الآخر على أنه مطّلع معه في نفس المشروع.

    وكتب باتن (Patten) عن المؤسسات التي يخضع لها أعضاء المجموعة الثقافية بحيث أنهم على الأقل “معزولون إلى حد ما عن المؤسسات والممارسات التي تعمل على إضفاء الطابع الاجتماعي على الغرباء” (Patten 2014: 52)، مما يسهم في تمييز ثقافة عن أخرى. واستناداً على هذا الرأي، ينصب تركيز شديد على من يسيطر على زمام الأمور في تلك المؤسسات التي تشكل تكوين الأعضاء: أي أن ما يهم هو أن يكون الأعضاء مسيطرين على المؤسسات التي هم بأنفسهم يخضعون لها، حتى يتمكنوا من تشكيل تجربتهم الاجتماعية تشكيلاً معقولاً، وتجربة الأعضاء الأصغر سناً تشكيلاً أساسياً. حينما تنكر السيطرة على هذا التكوين الاجتماعي، يتضرر بذلك أفراد الثقافة؛ وعندما تُنكر إنكاراً قسرياً، فإنه من المرجح جداً أن يكون هناك ظلم يحتاج التدارك.

    وبالتركيز على الخبرة المشتركة في الخضوع للمؤسسات الثقافية المشتركة، يتجنب هذا الشرح الاتهام القائل بأن ما يعرِّف الثقافة هو استقرار أعرافها وقيمها الأساسية على مر الزمن: فالثقافة بوجهة النظر هذه ليست كياناً جامداً. بل المهم هو أن أعضاء الجماعات الثقافية يعتقدون أنهم أعضاء في مجموعة ثقافية، وينشأ هذا الاعتقاد من تجربة المؤسسات الثقافية المشتركة، وليس من الممارسات المحددة التي تعتبر مركزية بالنسبة للجماعة. وبإمكان هذه الممارسات المركزية أن تتغير تغيراً جذرياً، دون حل المجموعة الثقافية نفسها.

    بيد أن وجهة النظر هذه تخضع لانتقاد العلماء الذين يخشون من أن أولئك الذين يسيطرون على زمام أمور التشكيل لا يمثلون آراء جميع الأعضاء (Phillips 2018)، وأنهم بدلاً من ذلك يستخدمون مواقعهم النسبية في السلطة لخلق وفرض الأعراف والممارسات الثقافية التي لا تحظى (أو لن تحظى – دون إكراه -) باتفاق على نطاق واسع.

    3.1 الثقافة حوار

    ويدفع الاعتراض الأخير – وهو أن ما يسمى بثقافة يعتبر نتاج بعض أعضائها وليس جميعهم – بعض العلماء لإعادة تعريف الثقافة من ناحية الطرق التي تبنى بها من خلال الحوار بين الأعضاء وتفاعلهم بين بعضهم البعض. والغرض من التأكيد على أن أعضاء أي ثقافة هم مصدر ممارساتها وقيمها وأعرافها الرئيسية هو للتأكيد على أن الثقافة لا “تمنح” لأعضائها من جهة عليا – باعتبارها كياناً ثابتاً غير قابل للتغيير – بل إن أعضاء أي ثقافة هم أساساً مؤلفوها. وهنا يشرح جيمس تولي (James Tully) بأن الثقافات:

    يتنازع عليها باستمرار، ويتم تخيلها وإعادة تشكيلها وتغييرها والتفاوض بشأنها، سواء من أعضائها أو من خلال تفاعلاتهم مع الآخرين (Tully 1995: 11).

    وعلى غرار ذلك تشدد شيلا بن حبيب (Seyla Benhabib) على الجانب السردي للثقافات، مشيرة إلى أن المطلعين داخلها

    يجربون تقاليدهم وقصصهم وطقوسهم ورموزهم وأدواتهم وظروفهم المعيشية المادية من خلال روايات سردية مشتركة وإن كانت موضع خلاف وجدل (Benhabib 2002: 5).

    إن وجود صراع بين أعضاء الثقافة، وكون عناصرها الرئيسية قيد التفاوض المستمر، لا يقلل من أهميتها بالنسبة لأعضائها. ولعل ما قد يبدو محيراً هو الفكرة التي مفادها أن الثقافة المتنازع عليها والمتغيرة باستمرار تستدعي الحماية؛ وقد تعني الحماية وقف التغيرات الطبيعية التي تتعرض لها الثقافة اصطناعياً عن طريق حماية عناصرها في مرحلةٍ ما. ولكن يطالب المدافعين عن هذا الرأي بالحماية على هيئة ضمان استدامة المحافل التي يتم فيها التفاوض على الثقافة ومشاركتها ونقلها استدامةً قويةً وشاملةً، ودون تدخل غير مرغوب فيه من قوى أجنبية عن الثقافة. وكما هو الحال في شرح الثقافة باعتبارها تكويناً، ينصب التركيز على قدرة أعضاء المجموعة على تشكيل الأعراف والممارسات المركزية، وليس على الأعراف والممارسات بحد ذاتها.

    كيف تستجيب وجهة النظر هذه للقلق بشأن توزيع القوة غير المتكافئ داخل مجموعة ثقافية ما؟ يعتبر التركيز على الطرق التي يتم بها تحديد الخصائص المركزية للثقافة من خلال التفاوض بين الأعضاء محاولة لتسليط الضوء على أجهزة السلطة ذات الصوت المسموع في هذه المفاوضات في ثقافات الأقليات والأغلبية (Dhamoon 2006). لطالما كانت الأصوات المهيمنة تاريخياً في العديد من الثقافات – بل وربما في أغلب الثقافات – من الذكور، وقد كانت إحدى الآثار المترتبة على ذلك عموماً هي النظرة الجنسانية في تحديد أفضل السبل لتنظيم الحياة الثقافية، مما أدى إلى تقليص حقوق المرأة (وغيرها من الأقليات) بطرق لا تعد ولا تحصى، وكثيراً ما كان ذلك في غير صالحهم وضد إرادتهم.

    وبالنسبة للبعض، فإن اضطهاد الأعضاء الأضعف من قِبَل أولئك الذين يتولون زمام الأمور يولد على الأقل شكاً جزئياً في قيمة حماية أو استيعاب الثقافة في الدول الليبرالية الديمقراطية، وخاصة في الحالات التي قد يبدو فيها أن “التعددية الثقافية سيئة للنساء” (Okin 1999). وبناءً على هذا الرأي، فلا يجب التغاضي عن الممارسات الثقافية التي تنتقص من حقوق المرأة (وغيرها من الأقليات) في الدول الليبرالية الديمقراطية.

    إن الاعتراف بأن العديد من الممارسات الثقافية مجحفة للمرأة (وغيرها من الأقليات) لا يدفع كافة المنظرين السياسيين إلى تبني موقف مشكك تجاهها في كل الحالات. وبالنسبة للبعض، فإنها فرصة لرؤية أن الثقافات يمكن أن تحظى بالتقدير حتى ممن يُعرف بأنهم مضطهدين، حتى وإن كانوا يعملون من الداخل للتأثير على اتجاه ثقافتهم نحو أعراف وممارسات أقل قمعاً. فعلى سبيل المثال، ورغم أنه عادةً ما تهمش العديد من النساء من مراكزهن في السلطة، فإنهن يقدّرن ثقافاتهن مما يدفعهن إلى عدم التخلي عنها، بل إلى الانخراط في عمليات إصلاح ممارسات وأعراف عدم المساواة من الداخل (Deveaux 2007).

    وتحتفي هذه الطريقة من التفكير في الثقافة ومحتوياتها بـ “إضفاء الطابع الديمقراطي” على الآليات التي يتم من خلالها تبني الأعراف والقيم والممارسات الرئيسية للمجموعة الثقافية، وتشجع عليه، وتدافع عن الثقافات العامة التي تكون منفتحة على تعدد الأصوات (Lenard 2012).

    ومن ثم فإن هذا الشرح السردي أو الحواري للثقافة يتصدى جيداً للتحدي الماهوي، بإنكار أن السمات المعرِّفة للثقافة يجب أن تكون ثابتة وذات قيمة مماثلة لجميع أعضاء المجموعة الثقافية. ولكن يجب على هذا الشرح أن يتصدى لتحدي آخر، وهو تحدي الفردانية (Moore 2019).

    وإذا كان أي شرح يتناول الثقافة سيكون قوياً بما يكفي لتحديد الكيانات التي ينبغي أن يكون لها الحق في مزيد من الاعتبار السياسي والقانوني بطرق مختلفة – بما في ذلك ما يتعلق بالحماية الإضافية للحقوق أو الاستثناءات من بعض المتطلبات القانونية والسياسية – فإنه أيضاً يجب أن يكون هذا الشرح قادراً على تحديد حدود ثقافة معينة ومتفردة، ومن يعتبر بصورة مشروعة عضواً فيها بهدف احترام المطالبات السياسية والقانونية المقدَّمة نتيجة لذلك. ولكن من الممكن أن يكون هذا تحدياً يصعب إنجازه.

    لمعرفة السبب علينا تأمل شرح بن حبيب للطرق التي يتم بها ملاحظة الثقافات من منظور خارجي، والطريقة التي تتم بها ممارسة تلك الثقافات من منظور داخلي. وتقول بن حبيب إن المراقب مسؤول مسؤولية كبيرة عن فرض “الوحدة والاتساق على الثقافات”، في حين أن المشاركين فيها من الداخل

    يقومون بتجربة تقاليدهم وقصصهم وطقوسهم ورموزهم وأدواتهم وظروفهم المعيشية المادية من خلال روايات سردية مشتركة وإن كانت موضع خلاف وجدل (Benhabib 2002: 5).

    ويتمثل أحد آثار فهم الثقافة بهذه الطريقة في تمسكّ العديد من دعاتها بعمق بالقيم المركزية وارتياحهم البالغ بالمشاركة في التقاليد الثقافية المركزية، بينما يتذبذب آخرون كثيرون من الأعضاء في الالتزام بممارساتها المركزية وينتقون ويختارون بين قيمها وأعرافها المركزية. وبالتالي فإن احتساب الأعضاء في أي ثقافة تعتبر عملية غير واضحة، وهذا الغموض قد يسبب مشكلة بما أنه يقال إن العضوية تمنح حقوقاً وامتيازات لا تتاح لغير الأعضاء. وهناك تعارض لا مفر منه بين الحاجة إلى منح الثقافات طابعاً متفرداً لها لأسباب سياسية وحدود الثقافات المرسمة ترسيماً ضعيفاً بالضرورة. والسياق هو الشيء الوحيد الذي سيمكننا من حل المسائل السياسية التي ستظهر نتيجة لذلك.

    4.1 الثقافة باعتبارها هوية (أو هوية بدلاً من ثقافة)

    ولمواجهة التحدي المتمثل في كيفية تحديد الثقافة وأعضائها، يركز أحد المقترحات على المكون الذاتي المرتبط بالانتماء إلى جماعة ثقافية ما. ولنأخذ هذا المثال الذي وصفته مارجريت مور (Margaret Moore): على الرغم من وجود انقسام عميق في إيرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستانت، فإن الاختلافات ليست دينية (الصراع لا يتعلق بتفسيرات متمايزة لنص ديني، والشخصيات الدينية غير مستهدفة بالعنف) ولا ثقافية، حيث تكشف الدراسات الاستقصائية للقيم الثقافية لكلا الطائفتين عن تداخل كبير بين القيم التي تتمسك بها الطائفتان المتنافستان (Moore 1999: 35).

    ولكنها تقول إن ما يجعل الصراع أكثر منطقية بالأحرى هو التركيز على الهويات المشتركة بين المجموعات المتنافسة. وتبرز وجهة النظر التي تركز تركيزاً كبيراً أو جزئياً على الهوية أن أحد الأبعاد الرئيسية للثقافة هو الطريقة التي تشكل بها هوية أعضاء الجماعة الثقافية. كما تسلط وجهة النظر هذه الضوء على أن الثقافة شيء سيرتبط العديد من الناس به ارتباطاً هاماً، ولكنها ستكون معرِّفة لهم بطرق متعددة ومميِزة. ولوجهة النظر التي تركز على الهوية مزايا واضحة: فهي على سبيل المثال تستطيع أن تفسر سبب بقاء الأفراد مرتبطين إسمياً بثقافة ما رغم أن سماتها المعرِّفة لها تعريفاً مركزياً تتغير تاريخياً بمرور الوقت، وحتى إن لم يتفاعلوا مع بعض جوانبها الأكثر تقليدية.

    وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظرة المركزة على الهوية قادرة على استيعاب الهويات التي لا تكون قائمة بوضوح على ثقافة، بما في ذلك على سبيل المثال هويات مجتمع الميم (LGBTQ) (Eisenberg 2009: 20؛ للاطلاع على مناقشة المطالبات الثقافية/الهوية في سياق مجتمع الميم، انظر Ghosh 2018: chapter 4). وفي الواقع تهدف وجهة النظر التي تركز على الهوية إلى تفادي صعوبة تحديد المواد المعينة التي تعتبر شرعياً مواد ذات طابع ثقافي. وكما ذكر أعلاه، كثيراً ما يلاحظ علماء ثقافات الأقليات أن هناك طائفة واسعة من المطالبات التي تقدمها طائفة واسعة من المجموعات، وتُعرَّف هذه المجموعات من خلال التنوع في الخصائص التي تميزها بما في ذلك العرق والطائفة الإثنية والدين والهوية الجنسية. يقول المدافعون عنها أنه قد يكون من الأفضل التركيز على الهوية وليس على الثقافة لأن

     مصطلح الهوية يغطي أرضية أكبر بمعنى أنه يمكن أن يشير إلى الأبعاد الدينية واللغوية والجنسانية والأبعاد المتعلقة بالشعوب الأصلية وغيرها من أبعاد فهم الذات (Eisenberg 2009: 2).

    2. مطالبات الحقوق الثقافية للأقليات

    وتنبئ آراء الثقافة الأربعة المذكورة أعلاه عن المطالبات الثقافية التي يقدمها الأفراد والجماعات للدولة. تعد التهديدات الخاصة التي يواجهها الأفراد والجماعات – والتي تتطلب نوعاً من الحماية – متميزة كالردود التي قد تكون لدى الدول استجابةً للمطالبات التي يقدمها الأفراد والجماعات (Eisenberg 2009: 20–21). وفي بعض الحالات، تقدَّم مطالبات من أجل استيعاب جميع أعضاء مجموعة ما بوصفهم مجموعة؛ وفي حالات أخرى تقدَّم مطالبات بشأن أفراد معينين؛ وقد تكون هناك صلة بينهم. فعلى سبيل المثال، قد تطالب جماعة ما بسياسات لحماية اللغة، أو قد يطالب فرد ما بالحق في التحدث بلغته/ها الأم في الإجراءات القانونية.

    وترتبط هذه الحقوق ببعضها البعض، وقد تكون في بعض الحالات مستمدة من بعضها البعض: وقد يكون أحد الأسباب التي تجعل للفرد الحق في التحدث بلغته الأم في الإجراءات القانونية هو أن الدولة اعترفت بلغته هذه لغة رسمية من لغات الدولة، أو لولاية قضائية تابعةٍ للدولة مثلاً. وبالنسبة لمسألة الاستيعاب، سيكون من المهم فيما يلي ملاحظة متى تكون المطالبات المقدمة من أجل الاستيعاب تنطبق على الأفراد ومتى ينطبق الاستيعاب على المجموعات؛ وعلى الرغم من حرص بعض الفلاسفة على تقييم ما إذا كانت الحقوق الثقافية من الأفضل أن تفهم على أنها حقوق فردية أو على أنها حقوق جماعية (Casals 2006)، فينطلق التحليل الوارد أدناه من الافتراض بأنها يمكن أن تكون كلاهما (اتباعاً لـ Levy 2000: 125).

    ولاحظ كذلك بأن مصطلح ” الاستيعاب ” هو نوع من أنواع المصطلحات الجامعة التي تشمل مجموعة واسعة من المطالبات التي يمكن أن يقدمها الفرد أو الجماعة للدولة استناداً على الثقافة. وقد حاول الفلاسفة السياسيون التفريق بين هذه المزاعم بطرق لا حصر لها من أجل فهمها. والواقع أن العديد من هذه الحقوق تطالب بها جماعات المهاجرين (عادة) الدولة، التي تحتاج إلى استيعاب معين من الدولة من أجل تحسين الاندماج في تلك الدولة. وفي النقاش الأوسع نطاقاً حول قيمة التعددية الثقافية، يدور نقاش مستفيض حول أي نوع من الاستيعاب يشجع على إدماج الوافدين الجدد خاصة المميزين ثقافياً منهم، وأي منها يسمح أو حتى يشجع على انفصالهم عن المجتمع الأكبر (على سبيل المثال: Sniderman & Hagendoorn 2007).

    كما يقلق بعض العلماء من أن التركيز على أفضل السبل لاستيعاب مجموعات الأقليات الثقافية تنتقل مع تجاهل (ربما يكون عمداً) المسائل الأكثر أهمية كإعادة توزيع أولئك الأقل حظاً (Barry 2001; Fraser 1995). لكن يتفق منظري التعددية الثقافية عموماً على أن حقوق الاستيعاب يمكن تبريرها والدفاع عنها دفاعاً شديداً عندما تدعم دمج الأقليات بوجه عام والوافدين الجدد بوجه خاص، وكذلك عندما تستهدف معالجة استمرار أوجه عدم المساواة بين الأغلبية والأقليات.

    من الجدير بالذكر أن الجميع لا يتفق بسهولة على وجوب التعامل مع “الثقافة” كمصدر للمطالبات القانونية والسياسية المميزة. فعلى سبيل المثال تشير سارة سونغ (Sarah Song) إلى أن ما يسمى بمطالبات “التعددية الثقافية” غالباً ما تكون في الواقع مطالبات باستيعاب طائفة واسعة من المجموعات، بما في ذلك المجموعات العرقية والدينية والإثنية. ويبدو أن العديد من المنظرين السياسيين للحقوق الثقافية يعتقدون أن هناك مجموعات ثقافية متميزة ومعترف بها تقدم مطالبات ثقافية مميزة، بينما يعتمد هؤلاء المنظرون في تقديمهم للأمثلة على “مجموعة واسعة من الأمثلة التي تشمل الدين واللغة والطائفة الإثنية والجنسية والعرق” (Song 2009: 177).

    ونادراً ما تكون “الثقافة” وحدها أساس المطالبة المقدَّمة للدولة. بل إن ما يسمى بالمطالبات الثقافية – كما تقول سونغ – هي غالباً في الحقيقة مطالب بسلع ديمقراطية أخرى مفهومة فهماً جيداً ومبررة. وتتلخص أغلب هذه المطالب في الاستيعاب الديني، ويتم الدفاع عنها وفق الدفاعات الليبرالية المعتادة عن حرية المعتقد؛ والبعض الآخر من المطالب عبارة مطالب بالتعويض عن الأخطاء السابقة والجارية وتتخذ شكل التمييز الإيجابي؛ وهناك مطالب أخرى من أجل الإدماج الديمقراطي، وغالبا ما تكون جذورها متأصلة في تاريخ ينطوي على إشكالية أخلاقية من الإقصاء المتعمد.

    وبمجرد الكشف بوضوح عن أسباب هذه المطالب “الثقافية” سنجد في الغالب أسباباً يمكن تبريرها ديمقراطياً من أجل احترامها واستيعابها دون الحاجة إلى اللجوء إلى الاعتماد على الثقافة بوصفها كياناً متميزاً، مما يؤدي إلى ظهور مجموعة متميزة من المطالبات بالحقوق. ونتيجة ذلك هي أنه يمكن في حالات كثيرة تجنب الجدل المرتبط بتعريف الثقافات وتحديد أعضائها على الوجه الصحيح. إلا أن هذا التحليل قد يجعل من الصعب معالجة الحالات التي يتفاعل شيء يسمى “الثقافة” مع المطالبات الدينية والإثنية والعرقية أو يكملها.

    ولنتناول قضية الاختيار الذي تم من خلال استفتاء حظر بناء المآذن فوق المساجد في سويسرا. وقد كانت إمكانية الدفاع عن الحظر موضوعاً للتداول بين الفلاسفة السياسيين، وكانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية هي ما إذا كان بناء المآذن يعتبر واجباً دينياً في الإسلام وإلى أي مدى. ويقترح العديد من المفسرين أنه نظراً لأن المآذن ليست إلزامية وفقاً للشروط الدينية الإسلامية، فمن المؤسف اختيار حظرها (بسبب ما تقوله عن الأماكن العامة للإسلام في سويسرا)، ولكن الحظر لا ينتهك الحرية الدينية للمسلمين الذين يمارسون شعائرهم الدينية في سويسرا، ولذلك فهو مسموح به (Miller 2016).

    ومع ذلك، فإن ما يتم تجاهله في هذه المطالبة هو الأهمية الثقافية للمآذن. وبدون الاعتراف بمكانة الثقافة المتميزة في بعض المطالبات، لا يمكن التوصل إلى فهم كامل لقضية المآذن. ويمكن ملاحظة نفس التحدي في المداولات الجارية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمرأة المسلمة بارتداء غطاء وجهها في الأماكن العامة. ويشير بعض المعلقين إلى أن النصوص الإسلامية (وفقاً لبعض التفسيرات) لا يبدو أنها تطلب تغطية الوجه، ومن الممكن حرمان المرأة من الحق في الانخراط في هذه الممارسة، دون انتهاك حريتها الدينية.

    وعند طرح هذه الحجة، يلاحظ المدافعون عنها أن اختيار تغطية الوجه يشكل في واقع الأمر (مجرد) تفسير ثقافي للمتطلبات الإسلامية، كما يتضح من حقيقة مفادها أن بعض الطوائف التي تمارس الإسلام هي وحدها التي تمارس هذه الممارسة.[i] من الضروري بالنسبة لبعض العلماء الفصل بين المطالب الدينية والمطالبات الثقافية ــ تأخذ الدول الديمقراطية الليبرالية المزاعم الدينية بجدية بالغة باعتبارها مسائل أخلاقية، ولها تاريخ طويل في حماية الحرية الدينية بحماس.

    وعلى هذا فبعد أن قرر هؤلاء العلماء أن المطالبة ليست مطالبة تتعلق بالحرية الدينية، فإنهم يعتقدون أنهم قادرون على رفض طلب الإذن بتغطية الوجه في الأماكن العامة بأريحية. ومع ذلك، فإن تجاهل الأبعاد الثقافية للمطالبة – أو معاملتها كما لو أنه من الواضح أنها أقل أهمية من المطالبة الدينية الكامنة وراءها – لا يعالج القضية معالجةً صحيحة. لاسيما أنه لا يأخذ على محمل الجد أن الالتزامات الدينية تنطوي بالضرورة على تفسيرات ثقافية، وأن الاعتراف الكامل بالحرية الدينية يستلزم الاعتراف بتفسيراتها الثقافية، وبذلك سوف يكون هناك حاجة لتحقيق الاستيعاب الثقافي القانوني والسياسي (للالتزام الديني).

    وسيتم النظر فيما يلي في أنواع مميزة من المطالبات الثقافية المقدمة لمؤسسات الدولة الرئيسية. وكما سيتبين فإن هذه المطالبات يقدمها تارة أفراد وتارة جماعات. وحيثما اقتضى الأمر سيسلط التحليل الضوء على ما إذا كان مفهوم الثقافة الذي سيرد ذكره هو الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة، الثقافة كتكوين اجتماعي، الثقافة كسرد، الثقافة كهوية. لن يكون التحليل دائما مرتباً، إذ ستكون هناك في بعض الحالات دفاعات متعددة عن حق ثقافي ما مستندةً على فهم مختلف للثقافة.

    1.2 حقوق الإعفاء

    ولعل أكثر أنواع المطالبات الثقافية شيوعاً التي تقدم للدولة تكون على شكل طلب إعفاء من القواعد واللوائح التي تنطبق عادةً على جميع المواطنين. وتستجيب حقوق الإعفاء لحقيقة أنه بالفعل يقصد من القوانين والممارسات في الديمقراطيات الليبرالية معاملة جميع المواطنين معاملة متساوية، ولكن تشكل بعض القوانين والممارسات المفروضة ضرراً على بعض الأقليات دون قصد. والقلق الذي يتعين حله هو أن مواطني الأقليات مثقلون بقصد أو دون قصد بالتطبيق المعتاد لبعض القوانين (Levy 2000: 130)، على نحو يؤدي إلى معاملتهم معاملة غير عادلة، والتي يمكن حلها بالإعفاء من بعض القوانين والممارسات المعتادة (Quong 2006; Gutmann 2003). ومن ثم يفهم توسيع نطاق حقوق الإعفاء على أنه:

    اعترافٌ بذلك الاختلاف، باعتباره محاولةَ لعدم إثقال كاهل ثقافة الأقلية أو دينها دون داع في طريق تحقيق الأهداف المشروعة للقوانين (Levy 2000: 130).

    يطلب بعض السيخ على سبيل المثال إعفاءهم من القوانين التي تشترط ارتداء خوذات الدراجات النارية أو خوذات مواقع البناء. ورغم أن السيخية تعتبر ديناً، إلا أن السيخ يصفون شرط ارتدائهم العمامة بأنه شرط غير ديني تماماً، بل إنه رمز لعقيدتهم والتزامهم بقيم السيخ، فضلاً عن كونه تعبيراً عن هويتهم (تجدون الأسئلة الشائعة عن اعتقاد السيخ في قسم مصادر الإنترنت الأخرى). وبدون إعفاء من هذه القوانين، سيُستثنى السيخ من الاستفادة من الفرص التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين على أساس متكافئ.

    وينطبق الأمر ذاته على مجتمعات السكان الأصليين الذين طلبوا إعفاءات من القوانين المعمول بها عموماً والتي تحد من الصيد البري وصيد الأسماك، موضحين أن مثل هذه القيود تخل بأسلوب حياتهم التقليدي، أو تجعل من الصعب عليهم (أو من المستحيل) إعالة أنفسهم (Levy 2000: 128). وقبل التخلي عن قوانين إغلاق الأحد في كندا والولايات المتحدة، كانت الأقليات الدينية تمنح أحياناً إعفاءات منها. وفي هذه الحالات، وكما ورد أعلاه وبدون إعفاءات منصوص عليها قانوناً، يتعين على الناس (الأقليات عادة) أن يختاروا المشاركة في الفرص التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين على أساس متكافئ، أو احترام فهمهم (الثقافي) لما يمليه عليهم دينهم.

    وثمة فرق طفيف بين طلب الإعفاء وطلب تعديل القواعد. وكما تبين، فإن طلبات الإعفاء هي – كما تبدو – طلبات لإعفاء الأفراد من بعض الشروط التي من المفترض أن تنطبق على جميع المواطنين بالتساوي؛ وتطلب طلبات التعديل إدخال تغييرات على الممارسات القائمة للأغلبية من أجل استيعاب ممارسات معينة أخرى من ممارسات الأقليات. ويطلب السيخ في بعض الأحيان إعفائهم من القوانين التي من شأنها أن تلزمهم بخلع عمائمهم على النحو السالف الذكر؛ ويطلبون في حالات أخرى إدخال تعديلات على الزي الرسمي، بحيث تعامل العمائم على أنها أحد أغطية الرأس المتاحة للذين يضطلعون بدور معين.

    وينطبق الأمر ذاته على طلبات تعديل الزي الرسمي التي تقدمها النساء المسلمات اللاتي يغطين وجوههن أو رؤوسهن، والرجال اليهود الذين يرتدون اليرمولكات، حيث يتطلب الزي الرسمي عادةً رأساً أو وجهاً كاشفاً، أو في الحالات التي يطلبون فيها تغطية الرأس بطريقة معينة (كما هو الوضع في حالة السيخ، ويمكن عرضها على أنها طلبات للحصول على إعفاءات). وعلى غرار ذلك عندما يطلب المسلمون الملتزمون أوقات استراحة قصيرة في أيام العمل للصلاة في أوقات محددة من اليوم، أو عندما يطلب الطلاب اليهود والمسلمون تغييرات في توفير الطعام (لاستيعاب التزامات المتعلقة بطعام الكوشر والحلال) في المقاصف المدرسية، فهذه الطلبات تعتبر طلبات تعديل وليست إعفاء.

    وفي معظم الحالات يكون الإخفاق المبكر للقانون الشرعي في تعديل ممارسات جديدة أو الإعفاء منها أمراً غير متعمد. بمعنى أن القوانين أو الممارسات السارية لم تعتمد عن قصد بغرض الاستثناء، بل اعتمدت بالأحرى على افتراض أنها تعامل السكان الحاليين معاملة عادلة. غير أن الهجرة واسعة النطاق نوّعت سكان بلدان كثيرة بطرق ملموسة. وغالباً ما يسافر المهاجرون بممارسات وقواعد لا تكون -عند وصولهم- مألوفةً في الدول التي سيقيمون فيها، ويُطلب نتيجة لذلك من الدول تعديل قوانين معينة، وإعفاء الوافدين الجدد من قوانين معينة أخرى. وقد توجد حالات يكون فيها أسباب عامة مشروعة تؤدي إلى الاستمرار في تطبيق قوانين معينة على الرغم من الأضرار التي تلحقها بالوافدين الجدد.

    كما أن هناك حالات تصر فيها الدول على المطالبة بطاعة القوانين والممارسات التي من الواضح أنها تضر بالوافدين الجدد الذين يحاولون الاندماج، ولكن لا توجد فيها عوامل مخففة جيدة تبرر الاستمرار في فرض الضرر (مثلاً عندما أقرت مدينة راندرز الدنماركية قانوناً يشترط تقديم لحم الخنزير “بالتساوي مع الأغذية الأخرى” في المقاصف المدرسية). وفي هذه الحالات الأخيرة، لم يعد الأثر الاستبعادي للقوانين غير مقصود، وتستحق هذه القوانين الإدانة عموماً لأنها تكرس الاستبعاد غير الضروري وغير المبرر من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

    وليس المهاجرون – أفراداً أو جماعات – من يطالب دائماً بحقوق ثقافية من إعفاء وتعديل، ولكن هذا هو الحال في كثير من الأحيان. وتطالب مجتمعات السكان الأصليين بالإعفاءات كما تطلبها بعض الطوائف الدينية الأرثوذكسية. وستُناقش هذه الحالات أدناه في القسم الذي يركز على الحفاظ على الثقافة.

    2.2 حقوق المساعدة

    تناشد طلبات المساعدة الدولة بالحفاظ على الظروف التي يمكن أن تستمر فيها مختلف عناصر الثقافة بل وتزدهر – لا سيما لغات الأقليات – أو بتعزيز وحماية الجمعيات الثقافية بطرق مختلفة، بما في ذلك تقديم الدعم المالي للفنانين الذين ينتمون لهذه المجموعات الثقافية، أو بتوفير الموارد اللازمة لإتاحة إنتاج وتوزيع وسائط الإعلام بلغة الطائفة الإثنية. والمبرر وراء حقوق المساعدة هو ذاته الذي وراء طلبات الإعفاء والتعديل: وهو منع استمرار الظلم في الوصول إلى الحقوق أو المنافع التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين بالتساوي.

    وفي حالة حقوق المساعدة، تجادل الأقليات الثقافية بأن الأغلبية تصل بالفعل إلى هذه المنافع، على سبيل المثال تعلم لغة قوية أو الوصول إلى وسائل الإعلام، ولذلك فهم يطلبون موارد الدولة بتأمين هذه المنافع للأقليات الثقافية أيضاً. وبينما يتداخل المبرر هنا مع المبرر المقدم للدفاع عن حقوق الإعفاء والتعديل – لتحقيق الإنصاف – فإن فهم الثقافة التي يقوم عليها طلب هذه الحقوق يختلف. وعادة ما تعامل مطالبات الإعفاء والتعديل الثقافة باعتبارها هوية أو حواراً، في حين أنه في حالة مطالبات المساعدة، يكون الفهم الأساسي للثقافة غالباً باعتبارها تكويناً اجتماعياً أو بوصفها مجموعة شاملة؛ وتُعامل الثقافة على أنها كلٌ يتطلب مساعدةً لحماية كل جزء من أجزائها المركزية، لكي تؤدي مهمة تشكيل الأعضاء تشكيلاً جيداً.

    3.2 حقوق تقرير المصير

    حقوق تقرير المصير هي الحقوق التي تمنح ولايات قضائية محلية داخل الدولة سيطرة كبيرة على إقليم معين، لا سيما الحق في إدارة المؤسسات الرئيسية في ذلك الإقليم. إن أي مجتمع يقرر مصيره بنفسه هو مجتمع قادر – بسبب السيطرة على المؤسسات الكبرى في إقليم ما – على اتخاذ وفرض القرارات من دون تدخل من أطراف خارجية في مجالات السياسات المتعددة (I.M. Yung 2004). ويستند تبرير حقوق تقرير المصير في بعض الأحيان على التعويض أو العدالة التصحيحية، على سبيل المثال عندما تكون إجراءات الدولة السابقة قد قوضت قدرة مجموعة ثقافية معينة على تقرير مصيرها بنفسها من الأساس (Song 2009: 184).

    وفي حالات أخرى، فإن المطالبة بتقرير المصير لها ما يبررها فيما يتعلق بأهمية حماية استقلال الولايات القضائية المحلية المميزة ثقافياً، أي قدرتها على إدارة شؤونها الخاصة بطرق تنسجم مع تفضيلاتها الثقافية. ويعتمد الحق في تقرير المصير عادة على فهم الثقافة على أنها مجموعة شاملة، أو على اعتبار أنها تكويناً اجتماعياً، مما يدل على أنه بدون سيطرة كبيرة على المؤسسات الرئيسية التي تحكم حياة المواطنين، لن تكون المجموعة المعنية قادرة على تحديد مصيرها بنفسها.

    يعزى الحق في تقرير المصير عادة إلى الدول، ولذلك فإن معناه في سياق الأقليات التي تعمل في مستوى محلي دون مستوى الدولة ليس واضحاً دائماً. ومن بين الولايات القضائية المحلية داخل الدولة، كثيرا ما تطالب بهذا الحق جماعات السكان الأصليين والجماعات القومية داخل الدولة مثل سكان إقليم الباسك والأسكتلنديين، الذين تختلف “ثقافتهم المجتمعية” بشكل واضح عن الثقافة المجتمعية للأغلبية. وتعتبر المطالبة بتقرير المصير مطالبةً باتخاذ قرارات بشأن كيفية تعليم الأطفال، واللغة التي تتحدث بها السلطات السياسية المختصة، وكيفية تنظيم الأماكن العامة. وللحق المطَالب به ثلاثة مظاهر على الأقل، وهي:

    1. الحق – على أقل تقدير- في “الحفاظ على أسلوب حياة شامل داخل المجتمع الأوسع دون تدخل”؛
    2. حق اعتراف الأغلبية بأسلوب حياتها
    3. الحق في المساندة النشطة من قبل الأغلبية لدعم أسلوب الحياة ذي الصلة دعماً إيجابياً حتى “تزدهر الثقافة” (Margalit & Halbertal 1994: 498).

    وتقدم هذه المظاهر الثلاث مطالب مميزة للدولة، تتراوح من مطلب بسيط مثل عدم التدخل إلى المشاركة النشطة في إدامة ظروف تقرير المصير. ويناط نتيجة لذلك بالدولة في بعض الأحيان مهمة تقييم مدى رغبتها في توجيه مواردها لدعم طلب معين من طلبات تقرير المصير، مع التركيز على ما إذا كان هناك ما يبرر المطالبات المرتبطة بالحفاظ على الثقافة، والتي سينظر فيها أدناه.

    4.2 حقوق الاعتراف

    وكثيراً ما ينتقل طلب الاعتراف الرسمي في الوثائق القانونية والسياسية مع طلب تقرير المصير، ويستند على الرغبة في جعل الأغلبية تعبر عن التزامها بالاحترام الكامل والمتساوي للأقلية الثقافية (Mcbride 2009). وفي الحالة الكندية، كافح سكان مدينة كيبيك طويلاً من أجل الاعتراف بهم أمةً لديها “مجتمع مميز”. وقد فشلت محاولات الاعتراف بوضع كيبيك في الدستور الكندي مراراً، على الرغم من أن عريضةً نصها “أن يعترف هذا المجلس بأن كيبيك تشكل أمةً داخل كندا الموحدة” قد تمت الموافقة عليها (بالرغم من الجدل الكبير المصاحب لها) من قبل مجلس العموم في عام 2006. وتعد المطالبة بالاعتراف في هذه الحالة مطالبةً بالاحترام بوصف هذه الأمة شريكاً قومياً متساوٍ في تأسيس الدولة الكندية.

    وفي حالة مجتمعات السكان الأصليين أيضاً، لا يشمل الحق في تقرير المصير غالباً المطالبة بممارسة السلطة على ولايات قضائية محددة فحسب، بل يشمل أيضاً الاعتراف بها. فتسعى هذه المجتمعات – على سبيل المثال – إلى الاعتراف بها على أنها السكان الأصليون لدولة معينة، أو على أنها أمم في حد ذاتها، أو على أنها ضحية لجرائم مختلفة قام بها المستعمرون منها انتهاك المعاهدات المبكرة المبرمة بينهما، فضلا عن طلبات تقدم للدولة من أجل دعم المحافظة على استدامة المجتمعات المحلية، وفي كثير من الحالات إعادة بناء تلك التي دمرتها حكومات الاستعمار/الاستيطان تدميراً نشطاً. وأصبح على سبيل المثال في كندا وغيرها من الدول المستعمِرة من الشائع قراءة بيانات الاعتراف بالأرض قبل الفعاليات (بما في ذلك قراءتها كجزء من “الإعلانات” التي تُقرأ في بداية اليوم الدراسي)، التي تعترف بأن الأحداث والإجراءات تجري على أرض السكان الأصليين التي لم يتنازلوا عنها للدولة المستعمِرة.

    وعلى نحو مماثل لطالما طالبت مجتمعات السكان الأصليين الأسترالية بالاعتراف الرسمي بهم في الدستور الأسترالي. فإن الأمل بل والمتَوقع من منظور مجتمعات السكان الأصليين الأسترالية هو أن يؤدي الاعتراف الرسمي إلى مزيد من الحقوق والفوائد، مثل زيادة القوة التصويتية ووصول أفراد الأقلية إلى السياسة. ويوجد أمل في الحصول على حقوق ومنافع إضافية في بعض – ولكن ليس في كل – مطالبات الاعتراف (فعلى سبيل المثال لم يكن هذا موجوداً إلى حد كبير في حالة مدينة كيبيك).

    ويأتي الاعتراف بأشكال أخرى تتجاوز الاعتراف في الوثائق القانونية والسياسية، والتي يقصد بها تأكيد احترام الأقليات. وتعترف بعض الدول رسمياً بلغات الأقليات على أنها لغات وطنية. تعترف سويسرا على سبيل المثال رسمياً باللغة الروماشانية لغةً وطنية، على الرغم من أن المتحدثين بها يشكلون أقل من ١٪ من مجموع سكان البلاد. وعلى النقيض من ذلك كانت القوانين التركية تحظر التحدث باللغة الكردية في الأماكن العامة والتي تعتبر محاولةً لحرمان أقلية قومية من الاعتراف (أخيراً أُلغي هذا القانون عام ١٩٩١). وكما هو الحال بالنسبة لطلبات الاعتراف الرسمي في الوثائق الدستورية الملزِمة، تظهر هذه الأنواع من الاعتراف احترام مجتمعات الأقليات فضلاً عن الالتزام بمعاملتهم على أنهم أعضاء كاملي العضوية ومتساوين في الدولة الأكبر.

    5.2 حقوق الحفاظ على الثقافة

    حقوق الحفاظ على الثقافة هي الحقوق التي تدعي المجموعات أنها أمراً أساسياً في المحافظة على مجموعة ثقافية بوصفها مجموعة ثقافية. ويوصف هذا الحق في بعض الأحيان بأنه حق في “بقاء شعب ذو مواصفات ثقافية خاصة” (Gutmann 2003: 75). ويستند التبرير في بعض الحالات إلى الادعاء بأن بعض أشكال الاحتكاك بالمجتمع الأوسع نطاقاً والمشاركة معه ستؤدي إلى اضمحلال ثقافة يقدرها أعضاؤه. ويكون المبرر في حالات أخرى مبرراً تاريخياً، كما في الحالات التي وافقت فيها الجماعات الدينية الأرثوذكسية الفارّة من الاضطهاد الديني في أوروبا على استيطان أراض جديدة في كندا والولايات المتحدة مقابل الحرية الدينية.

    ويتلخص المبرر الرئيسي في حالات أخرى في أن التنوع الثقافي يعتبر قيّماً ويستحق الحفاظ عليه بحد ذاته (Parekh 2000). (ويطالب في بعض الحالات بحقوق الحفاظ على الثقافة على أنها تعويضات عن أخطاء الماضي؛ ويُنظر أدناه في هذه المطالبة على حدة). وتعتبر طلبات الحفاظ على الثقافة من أكثر الأمور إثارة للجدل حيث تقوم بها مجموعات غير ليبرالية، كما سيرد التفصيل فيها قريباً.

    ويجدر بنا هنا التوقف قليلاً لنلاحظ وجود طريقتين لتفسير الحفاظ على الثقافة: فقد تعني الحفاظ على مجموعة ما باعتبارها كياناً ثقافياً مميزاً أو قد تعني الحفاظ على بعض الممارسات والقيم التي يُعتقد في وقت ما أنها تشكل أهمية مركزية للثقافة. تأتي حقوق الحفاظ على الثقافة بأشكال متعددة بما في ذلك طلبات الإعفاء، واستقلال الوالدين الذاتي، واحترام آليات حل النزاعات الداخلية (في قانون الأسرة بالدرجة الأولى)، والسيطرة على العضوية. ولهذه الحقوق ما يبررها فيما يتعلق بالحفاظ على الثقافة، وعادة ما تعتمد على فهم الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة أو باعتبارها تكويناً اجتماعياً، تماماً كما هو الحال بالنسبة للحق الأعم في تقرير المصير الذي كثيراً ما ينتقل معه.

    لا تطالب العديد من الأقليات غير الليبرالية إلا بحقوق التحريم ضد الدولة التي تعيش فيها (Spinner-Halev 2000).  واستجابةً لذلك، قد تسمح الدولة لمجموعة ثقافية غير ليبرالية بأن “تترك وشأنها”، على أساس أنه يجوز لها ذلك ما دامت قادرة على الاستمرار دون دعم من الدولة من أي نوع. ومع ذلك قد يطلب من الدولة أن تبذل المزيد للحفاظ على الثقافة.

    فعلى سبيل المثال، يمكن أن يُطلب من الدولة إعفاء أفراد مجتمع محلي من بعض الشروط التي تطلب عادة من جميع المواطنين، بما في ذلك التعليم الإلزامي وقوانين عمل الأطفال. ولنتأمل هذا المثال: تعيش العديد من مجتمعات طائفة الأرثوذوكس الأميش حياة معزولة إلى حد كبير عن المجتمع الأوسع نطاقاً، فهم يعيشون أسلوب حياة منظم دينياً يملي عليهم من يتزوجون، وكيف يربون أطفالهم، وكيف ينتجون اقتصاداً يسمح استمرار أسلوب حياتهم. وفي أغلب الحالات لا يطلبون الاعتراف ولا المزيد من الدعم المالي من أجل حماية أسلوب حياة مجتمعاتها.

    وقد طالبوا في السابق بعدم التدخل فقط. وطلبت بعض مجتمعات الأميش الأمريكية في سبعينات القرن الماضي الحق في سحب أطفالهم من التعليم الإلزامي في سن الرابعة عشر – وكان لهم ذلك -، محتجين بأنه في الحالات التي طلب فيها من أطفالهم البقاء في المدرسة حتى سن السادسة عشر كانوا أكثر عرضة للخروج من مجتمعهم المحلي. وزعموا أن معدل خروجهم المرتفع هذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم استمرار أسلوب حياة الأميش على مر الزمن (Burtt 1994). كان حق الإعفاء الذي طالب به الأميش – في هذه الحالة – مستمداً من الطلب الأوسع نطاقاً وهو الحفاظ الذاتي على الثقافة؛ وقالوا إنه من دون الإعفاء قد تتلاشى الثقافة نفسها.

    ويمكن أيضا أن يطلب من الدولة أن تحترم مجالات معينة للسلطة القانونية، ولعل أكثرها يكون في مجال قانون الأسرة. وغالباً ما تنظم الأقليات شروط الزواج وحضانة الأطفال والطلاق، وتطلب من السلطة القانونية أن تقوم بذلك. إن احترام السلطة القانونية لجماعات الأقليات لممارسة الولاية القضائية في قانون الأسرة هو ذات الطلب الذي عادةً ما يزعج منتقدي حقوق الأقليات الثقافية، وذلك لأنه قد يؤدي إلى ترسيخ الاجحاف بالمرأة، في تسويات الطلاق أو اتفاقيات الحضانة على سبيل المثال (Shachar 2001; Bakht 2007).

    وإذاً عامةً تطالب الدول التي تعترف بالسلطة القانونية لجماعات الأقليات في مجال قانون الأسرة أيضاً أولئك الذين يشاركون في هذه الإجراءات القضائية بأن يفعلوا ذلك عن طيب خاطر؛ ولذلك تحتفظ الدول ذات الأغلبيات لنفسها في كثير من الأحيان بالإذن بالتدخل في هذه الإجراءات دعماً للذين قد لا يتمتعون بحماية كافية. ويجب على الدولة هنا أن تحاول إيجاد توازن بين تقديم دعمها لأضعف أفراد الأقليات (من أجل ضمان حماية حقوقهم الدستورية على سبيل المثال)، والتدخل الذي يغفل عن المطالب المشروعة لجماعات الأقليات بالاستمرار على مر الزمن، وذلك جزئياً من خلال ممارسة سلطتها في المجالات الرئيسية.

    تعتبر حقوق الاستبعاد أحد الأشكال الشائعة الأخرى لحقوق الحفاظ على الثقافة وهو حق جماعة ثقافية في رفض انضمام الآخرين لأراضيهم أو الانتساب لهم، بسبب تخوفهم من أن وجود شروط قبول أكثر سخاءً يهدد بتقويضها من خلال تمييعها عملياً. وكما تتمتع الدول بالحق المزعوم في السيطرة على حدودها (نوقش أدناه في القسم ٣)، ومن يستطيع أن يطالب بحقوق العضوية حتى بعد الانضمام، فإن بعض الولايات القضائية داخل الدولة تزعم كذلك هذا الحق المزدوج في الاستبعاد مستشهدة بأهمية الحفاظ على الثقافة. وقد طالبت في بعض الأحيان مجتمعات السكان الأصليين بحقها في استبعاد الأفراد غير الأصليين من الاستقرار على أراضيها أو حقها في استبعاد الآخرين (مثل أزواج الأشخاص الأصليين من غير السكان الأصليين) من مزايا معينة في العضوية، بما في ذلك الحق في التصويت (أو الحق في أن يكون لهم رأي آخر) لمن سيحكمون. ولقد طُلب من محاكم الدول البت في السلطة الشرعية للمجتمعات الأصلية لاتخاذ هذه القرارات (انظر Song 2005).

    تشكل حقوق الحفاظ على الثقافة الموصوفة أعلاه تحدياً عسيراً يرتبط بالانتقادات التي تعامل الثقافة على أنها مجموعة شاملة، إذ يقول بعض النقاد أن أي مطالبة بالحفاظ على الثقافة تترجم في واقع الأمر إلى مطالبات إشكالية فيما يخص السيطرة على الأعضاء، والتي تكون أيضاً أكثر تقييداً للنساء وأعضاء مجتمع الميم. ويعتبر هذا تحدياً يفرض فرضاً قوياً عندما تطلب ما يسمى بالمجموعات غير الليبرالية مثل الأميش بحقوق الحفاظ على الثقافة، وعندما تفرض هذه الحقوق (في نظر النقاد) على الأطفال ضد إرادتهم.

    إن المجموعات غير الليبرالية هي تلك التي ترفض بعض القيم الليبرالية الرئيسية مثل الاستقلال الذاتي والمساواة؛ ويتم في كثير من الحالات دعم هذه المجتمعات المحلية من خلال نظم تعليمية تثبط عملية الاستقلال في اتخاذ القرارات، ومن خلال تجنب تدريس المهارات والقدرات التي تمكنها عادة، ومن خلال فرض قواعد التسلسل الهرمي التي تُعلي من قدر بعض الأعضاء على غيرهم بطرق يجدها مناصري فكر المساواة غير مرضية.

    وتكمن المشكلة في أن المجتمع المحلي لا يريد أن يحافظ على نفسه باعتباره مجموعة ثقافية مميزة فحسب، بل يريد أيضاً أن يحافظ على نوعٍ من التجانس الثقافي الذي لا يترك مجالاً للمنافسة أو معارضة قيمه وممارساته المركزية. وكثيراً ما تجعل قواعد التسلسل الهرمي الأخيرة هذه المرأة عرضة لرجال أكثر قوة قد يطلبون أشكال مختلفة من الخضوع الجنسي لهم، ويعيدونهن إلى البيت لرعاية أطفالهن، ويفرضون عليهن قواعد سلوكية صارمة يترتب على انتهاكها عقوبات قاسية. تعتبر هذه الأنواع مما يسمى بـ “الممارسات الثقافية” – في نظر بعض النقاد – من النوع الذي يجعل أي شكل من أشكال دعم الدولة لحماية الأقليات الثقافية أمراً لا يمكن تبريره في الغالب (Okin 1999).

    ومن دواعي القلق التي تتخلل الاعتراضات على هذه الحقوق الكثيرة للحفاظ على الثقافة أن المرأة قد لا تكون راغبة في المشاركة في هذه الثقافات، وبالتالي فإن احترام حقوق الحفاظ على الثقافة يودع المرأة في حياة لا تختارها ولا تريدها ولا تستطيع الهرب منها. ولكن بالنسبة لكثيرين من الخطأ افتراض أن العضوات لا يتعرضن إلا للإكراه فقط، لأن كثيرات منهن يقدرن مجتمعهن المحلي تقديراً عميقاً ويحترمن الأعراف والقيم التي يسعى المجتمع إلى حمايتها، حتى وإن كنّ يرفضن بعضها.

    وتوجد في هذه الحالات – عندما يبحث فيها المنظرون السياسيون – محاولة للانتقال من معاملة الثقافة من منظور الشمولية إلى معاملتها من منظور الحوار والسرد. تخضع الثقافات – وحتى الثقافات القمعية للأقليات (بالنسبة لليبراليين) – للتغيير، وربما يكون أفضل مصدر للتغيير هو الأعضاء الملتزمين التزاماً عميقاً والذين يؤمنون طواعيةً بالقيم الرئيسية ويرفضون غيرها، بما في ذلك تلك القيم التي لا تحترم مساواة المرأة في الحقوق. يعامل شرح مونيك ديفوكس (Deveaux Monique) الثقافة من منظور الحوار، حيث يتناول شرحه هذا المشاركات البالغات في الزواج العرفي في جنوب أفريقيا واللواتي يقبلن بعض عناصر ثقافتهن، ولكنهن يهدفن إلى الحصول على صوت على الطاولة لتغيير عناصر أخرى (Deveaux 2007).

    وتكمن الفكرة الرئيسية المحفزة هنا في أن الثقافات يمكنها أن تتغير بل تتغير بالفعل مع مرور الوقت مستجيبةً لكيفية انخراط أعضائها فيها، وأن ما يهم ليس التغيير نفسه وإنما من أو ما هو مصدره. ووفقاً لهذا الرأي، فإن هدف حقوق الحفاظ على الثقافة ليس الحفاظ على الثقافة بحد ذاتها – ويعتبر هذا تحدٍ قد يكون مستحيلاً على أية حال – بل الهدف هو الحق في حماية قدرة أعضاء المجموعة على تشكيل ثقافتهم وحمايتها من مصادر التغيير غير المرغوب فيها.

    ويزعم آخرون أنه ما دامت النساء – وأي أشخاص آخرون يخضعون لطلبات ثقافية صارمة – يمتلكن حق (أو القدرة على) الخروج من المجتمع، فيجب التعامل مع اختيارهن للبقاء على هذا الأساس (Kukathas 1992). وتشكل الجهود الرامية إلى جعل الحق في الخروج يُمارس بشكل حقيقي أهمية كبرى لأولئك الذين يعتقدون بوجهة النظر هذه (Kukathas 2012; Holzleithner 2012). وبذلك يتعين على الدولة أن تختار الموارد التي توفرها لأولئك الأعضاء الذين قد يرغبون في الخروج ولكنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لبناء أنفسهم في المجتمع الأوسع. ففي بعض الطوائف الدينية الأرثوذكسية تكون الملكية للممتلكات مشتركة ولا يملك الأفراد أي ممتلكات أو موارد شخصية؛ ونتيجة لذلك ليس لدى الذين يرغبون في الخروج من المجتمع المحلي ما يعتمدون عليه أثناء تأسيسهم لحياتهم الجديدة.

    وفي مجتمعات محلية أخرى يكون الأعضاء ذوو تعليم متدن ولم يألفوا الحياة خارج مجتمعاتهم المحلية، وبالتالي يخرجون من مجتمعاتهم وهم غير قادرين على إعالة أنفسهم في المجتمع الأوسع. إذاً بوسع الدول المستقبلة لأولئك الخارجين من مجتمعاتهم المحلية أن تقدم لهم الدعم بطرق مختلفة، مثل توفير الملاجئ للنساء الخارجات (والرجال) حيث يتم فيها توفير التعليم حتى يتسنى لهن لاحقاً تحقيق الاكتفاء الذاتي بوصفهن عضوات في النسيج العام للمجتمع. وقد يبدو أن اختيار دعم الخارجين من مجتمعاتهم يقوض قدرة الثقافة على الحفاظ على ذاتها. ولكن لا يفهم دعم الخارجين على أنه إنكار حقوق الحفاظ على الثقافة؛ بل ينبع اختيار القيام بذلك من التزام الدولة بحماية حقوق جميع أعضائها بمن فيهم أكثر الفئات ضعفاً، على أفضل وجه ممكن.

    6.2 حقوق عدم فقدان الثقافة

    وينبغي التمييز بين الحق في الحفاظ على الثقافة الموصوف أعلاه وبين أحد الحقوق المختلف عنه اختلافاً طفيفاً وهو الحق في عدم الخسارة القسرية للثقافة والذي يركز على الحفاظ في الحالات التي تكون فيها الخسارة المحتملة ناجمة عن إكراه ممارس من قوى خارجية وتكون فيها المجموعة الثقافية عاجزة نسبياً إزاءها. فيكون التغيير الثقافي بطبيعة الحال أمراً لا مفر منه بطريقة أو بأخرى – على النحو المبين أعلاه – ولا سيما إذا كان المرء ينظر للثقافة من منظور الحوار، فالثقافات غير ثابتة في الواقع أبداً.

    بل إن الممارسات والأعراف والقيم التي تعرِّف الثقافة في وقت من الأوقات قد تتوقف عن كونها معرِّفة مركزية لتلك الثقافة يوماً ما، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها الاقتصادي والبيئي والسياسي. لذا فإنه في الواقع لا مفر من الخسارة الثقافية بقدر ما، وهذا أيضاّ لا يدعو للأسف دائماً. إذ أنها في بعض الأحيان تكون استجابةً طبيعيةً لعوامل خارجية تقع خارج سيطرة الثقافة، وتكون أحياناً موضع ترحيب لأن التغييرات تؤدي إلى تحسين حماية حقوق الإنسان أو إلى تقاليد وممارسات ثقافية أكثر شمولاً. وقد تختار المجموعة الثقافية تغيير أساليب إنتاجها المركزية استجابةً على سبيل المثال للعوامل البيئية المتغيرة. ولذلك – وكما زعم صاموئيل شيفلر (Samuel Scheffler)- يجب رفض وجهة النظر التي تدعم دعماً قوياً المحافظة على الثقافة – والتي مفادها أن الثقافات يجب أن تكون بمنأى عن جميع أشكال التغيير – (Scheffler 2007).

    ومع ذلك قد يكون لدى ثقافات الأقليات في بعض الأحيان مطالبة وجيهة وهي أنها غير قادرة على حماية نفسها من التغيير الثقافي غير المرغوب فيه أو أنها غير قادرة على التحكم في وتيرة التغيير. وبالتالي قد يحق لهم الحصول على أشكالٍ من الدعم الذي تقدمه الدولة لمساعدتهم على تهيئة الظروف المواتية التي يمكنهم بموجبها مقاومة التغيير الثقافي غير المرغوب فيه. فعندما تطلب الأقليات اللغوية دعم الدولة للاستمرار في تعليم الأطفال بإحدى لغات الأقليات على سبيل المثال، يكون تبريرهم لذلك أحيانا هو حماية تلك اللغة من الاضمحلال في مواجهة الضغوط الرامية إلى اعتماد أو إتقان لغة الأغلبية.

    وتركز الأغلبية في حالات أخرى تركيزاً شديداً على تقويض ثقافات الأقليات على مدى سنوات بل وعقود. فقد اتبعت الدول المستعمرة سياسات الإبادة الجماعية لمجتمعات السكان الأصليين – على سبيل المثال – لغرض صريح وهو تقويض قدرتها على البقاء كشعوب مميزة. إن أحد العوامل الرئيسية في تقييم حالات الخسارة الثقافية هو ما إذا كان التحول قسرياً على الأقليات، وليس بالضرورة أن يكون من خلال تغيير الظروف البيئية أو الاقتصادية، بل عن طريق وكلاء يعتزمون تقويض الثقافة من خلال تجريدها من قيمتها بصورة نشطة ومن ثم العمل على تقويض الظروف اللازمة لاستمراريتها استمراراً راسخاً. إن العوامل الخارجية الكيدية التي تولد تغيراً ثقافياً – لم يكن متوقعا لولا تلك العوامل – لا تجعل من التغيير أمراً يؤسف له فحسب، بل تولد أيضاً قضية للتعويضات، مثلاً فيما يتعلق بمجتمعات السكان الأصليين حيث توجد “أدلة على تاريخ من انتزاع الملكية أو التمييز أو الخضوع” (Phillips 2018: 97).

    7.2 حقوق الدفاع عن الثقافة

    يستخدم المسيؤون أحياناً في البيئات القانونية دفاعاً ثقافياً موضحين أن الأعراف والقيم الثقافية للأقليات – والتي تتعارض مع أعراف وقيم الأغلبية – ذات صلة سببية في تفسير السبب الذي دفعهم إلى ارتكاب خطأ ما. وبهذا قد عومل الدفاع الثقافي في بعض الأحيان على أنه عامل مخفف مهم في تحديد العقوبة. ويُبرر الحق في تقديم دفاع ثقافي عادة بأهمية الاعتراف بأن الأقليات لا تعمل دائماً وفقاً لنفس القيم والأعراف الممثلة في النظام القانوني للأغلبية، وأن هذه الاختلافات تستحق النظر فيها في المجالات القانونية. وقبلت الأحكام القضائية في السابق تفسيرات مفادها – على سبيل المثال – أن ما دفع الرجال لقتل شركائهم الخائنين هو مزيج من العار والغضب المرتبطين بالأعراف الثقافية.

    فعلى سبيل المثال أن الرجال الذين زعموا أن “الاغتصاب الجماعي” (المعروف ثقافياً باسم الزواج بالاختطاف) كانت تقرُّه ثقافة الهمونج على أنه وسيلة لتأمين زوجة – بحيث لم تكن النساء شريكات متواطئات فحسب، بل كن في الواقع شريكات راغبات في ذلك – لم يعد مفهوماً بعد الآن أنهم يحظون بدفاع في الدعاوى القانونية التي تتهمهم بالاغتصاب (Song 2005). ومع ذلك فقد تناقصت قوة التفسيرات “الثقافية” في المجالات القانونية الرئيسية مع مرور الوقت، حيث أصبحت الدول ترى أن كثير من هذه الدفاعات تغطي في الواقع المواقف الأبوية والمسيئة للمرأة والتي لا تزال قائمة سواء عند بعض الأقليات أو في المجتمع الأوسع.

    وغالباً ما تكون الدفاعات “الثقافية” عن الجريمة بمثابة معاملة للثقافة كما لو كانت كتلة متجانسة، وكما لو أن الجناة على ثقة بتفسيرها بدلاً من الضحايا. ولكن ” لا يمكن أن يعني احترام الثقافة الإذعان لكل ما تراه سلطات الثقافة القائمة حقاً” (Gutmann 2003: 46). وعلاوة على ذلك فإنه من الممكن أن تتجاهل الضرورة العامة لـ “احترام الثقافة” في المجالات القانونية الاختلافات بين أنواع التوقعات الثقافية والتي قد تتراوح بين الأفعال المسموح بها والأفعال المشجِعة والأفعال اللازمة، والتي قد يُعامل بعضها فقط على أنه ذو أهمية قانونية (Vitikainen 2015: 162).

    وكذلك يمكن أن تسمح وتشجع تمثيل ثقافات الأقليات (وخاصة غير الغربية) على أنها قوالب نمطية، وأن “تحشد الثقافة بطرق تشجع بعبثية على التعميمات الواسعة عن الأشخاص المنتمين إلى مجموعات ثقافية معينة” (Phillips 2007: 81 & 99). ويكمن الخطر الذي يمثله القبول غير المشروط للدفاع الثقافي في معاملة الثقافة باعتبارها شاملة بحيث أنها تعامل أفرادها على أنهم غير قادرين على اتخاذ قرارات مستقلة. ولكن يعتقد منتقدي الدفاع الثقافي بعدم صحته إذ أنه من الممكن للثقافة – بجانب العديد من العوامل الأخرى – أن تشكل جزءاً من تفسير ممارسة الأعمال الخاطئة، ولكن يجب عليها “ألا تخطئ أبداً في الحقيقة الكاملة” (Phillips 2007: 98).

    8.2 حقوق الاستخدام الثقافي الحصري (أو حقوق ضد الاستيلاء الثقافي)

    ثمة حق ثقافي أخير يطالب به البعض وهو الحق في التحكم في القطع الأثرية الثقافية أو أشكال التعبير الثقافي أو استخدام المحتوى الثقافي بشكل عام (Matthes 2016). ويعتبر هذا الحق هو الحق المطروح في الخلافات الأخيرة التي تركز على الاستيلاء الثقافي، ويعرف على أنه قيام طرف من غير الأعضاء باستخدام “شيء ذا قيمة ثقافية، وعادة ما يكون رمزاً أو ممارسة للآخرين” (Lenard & Balint 2020).

    ومن بين الأمثلة الشائعة على الأفعال المتهمة بالاستيلاء على الثقافة هي تجديل البيض لشعرهم وارتداء ملابس السكان الأصليين لعيد القديسين (الهالوين) وارتداء العمائم في الأزياء راقية وقيام مدربين لا ينتمون لجنوب آسيا بتعليم اليوغا. ويُتهم غير الأعضاء في جميع هذه الحالات بـ “الاستيلاء” على ممارسة أو رمز ثقافي معين ليس لهم. وبناء على هذا الرأي، فإن للثقافات حقوقاً حصرية في استخدام “منتجاتها” الثقافية حسبما تراها مناسبة، وذلك لأنه في كثير من الأحيان يُعتقد أن هذه الممارسة محورية بالنسبة لهويتها.

    وتعتبر وجهة النظر هذه مثيرة للجدل، وكثيراً ما يسخر منها أولئك الذين يرون أن التاريخ هو مجرد اختلاط ومشاركة للممارسات والرموز الثقافية بما في ذلك في المأكولات والفنون واللباس والممارسات الروحية؛ وتعامل سخريتهم هذه المطالبة بالحقوق على أنها تعتمد على فهم الثقافة بأنها ثابتة ولا تتغير بمرور الزمن، وهو أمر غير دقيق تاريخياً وأيضاً غير مرغوب فيه. ومن الأفضل بالمثل فهم القطع الأثرية الثقافية الرئيسية أنها تنتمي إلى “الإنسانية”: “ليست الشعوب هي التي تجرب الفن وتقدره: بل إنهم الرجال والنساء” (Appiah 2009).

    وربما لا تنفذ الدولة الحق المطالب به – وهو الاستخدام الكامل أو الحصري للممارسات أو الرموز المعرِفة للثقافة – على أفضل وجه، على الرغم من أن الدول يمكن أن تشارك في ممارسات تهتم بالأضرار التي يُزعم أنها ناتجة عن الاستيلاء الثقافي. فعلى سبيل المثال يمكن للدعم المركزي للفنون على هيئة منح لإنتاج أعمال فنية أن يكون حساساً تجاه من يطلب الدعم وماذا سينتج، ويمكن أن يوجه التمويل إلى الفنانين ينتمون لتقاليد معينة ويهدفون إلى إنتاج منتجات محددة ثقافياً ويرفض بالتالي (ما لم يُقدّم سبباً وجيهاً جداً لذلك) دعم الجهود التي تبذلها جهات ثقافية خارجية لإنتاج فن “داخلي” (Rowell 1995; J. O. Young 2008).

    ويكون الحق المطالب به أقوى نسبياً عندما يكون مجتمع ثقافي معين ضحية لاختلال موازين القوة عندما يكون المجتمع الثقافي قد طلب صراحة أن “تترك” جماعة الأغلبية ممارسة ما أو رمزاً معيناً، وعندما يستفيد أفراد مجتمع الأغلبية من استخدام هذا الرمز أو الممارسة (Lenard & Balint 2020). وكما هو الحال في حالات أخرى، يكون الحق الذي تطالب به جماعة ثقافية ما أقوى عندما يكون هناك استمرار لعدم المساواة بين الأقليات صاحبة المطالبة ومجموعة الأغلبية.

    3. مطالبات الحقوق الثقافية للأغلبية

    بحث القسم الثاني في مطالبات الحقوق الثقافية التي تقدمها الأقليات عادة. كما تقدم مجموعات الأغلبية مطالبات ثقافية لا سيما فيما يتعلق باستبعاد الآخرين من أراضيها وكذلك فيما يتعلق بما يمكن أن يطالب به أولئك الذين تم قبولهم.

    1.3 حقوق الاستمرارية الثقافية والاستبعاد

    وأحد المجالات التي تطالب فيها جماعات الأغلبية بحق ثقافي هو مجال الهجرة. وبالنسبة للبعض، يمكن أن يكون حق الدول في تشكيل ثقافتها سبباً مشروعاً لاستبعاد الآخرين بشكل عام ومجموعات محددة منهم أحياناً. وكثيراً ما يعزى هذا الرأي إلى مايكل والزر الذي يقول إن حق الدولة في السيطرة على حدودها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على

    الدفاع عن الحرية والرفاهية وسياسة وثقافة مجموعة من الناس الملتزمين ببعضهم البعض وبحياتهم المشتركة (Walzer 1983: 39).

    ولهذا فإن حق الدولة في السيطرة على ثقافتها هو حق أساسي لحماية “وعيها الجمعي”، كما جاء في القسم الأول.

    وقد واجه هذا الادعاء معارضةً من الكثير من الباحثين لأسباب متعددة. ويتمثل أحد الأسباب في أن الادعاء بأن الدولة قد تستبعد المهاجرين المحتملين لأسباب ثقافية كثيراً ما كان – في الواقع – محاولة لسن تشريع تمييزي يهدف إلى استبعاد المهاجرين الذين يُقال إن معتقداتهم وممارساتهم تتعارض مع القيم والأعراف المعرِّفة لثقافة الأغلبية أو حتى تقوضها. وكثيراً ما كان الاستبعاد القائم على ما يسمى بالأسباب الثقافية هو مطالبة مفادها بأن الدولة تفضل أن تظل متجانسة ثقافياً ودينياً وطائفياً وعرقياً. وتاريخياً انخرطت الدول انخراطاً صريحاً في هذه الممارسات التمييزية المنبوذة حالياً، بما في ذلك على سبيل المثال صيغ قوانين الاستبعاد الآسيوي التي كانت سارية في أمريكا الشمالية في أوائل القرن التاسع عشر.

    وأيضاً تستحق العديد من القضايا التي حدثت مؤخراً نفس الاتهام مثل تنفيذ ما يسمى بحظر المسلمين في الولايات المتحدة أو فيما يتصل بالطلبات المقدمة أثناء ذروة الأزمة في سوريا (2015) في بعض البلدان بإعطاء الأولوية للاجئين المسيحيين على المسلمين (Song 2018). ولكن هناك رفض واسع النطاق – سواء صراحةً أو ضمناً – بين المنظرين السياسيين للهجرة للسياسات التمييزية في مجال الهجرة، حتى بين أولئك الذين يدافعون عن الحق العام للدول في استبعاد المهاجرين واللاجئين لأسباب عديدة من بينها الحفاظ على الثقافة (Miller 2005).

    وينبثق المصدر الثاني للمعارضة من شك أعم في أن ثقافة الأغلبية – حتى ولو كانت قيّمة حقاً لأعضائها – يجب أن تعامل بما يكفي على أنها تستوجب استبعاد المهاجرين وخاصة المحتاجين منهم (استعيرت صيغة الضرورة من 2018Song). وحتى لو تم التسليم بأن الثقافة قيّمة بالنسبة للأغلبية، فإن العديد من العلماء يعتقدون أن حمايتها لا يمكن أن تستوجب استبعاد من هم في أمس الحاجة للأمن أو العيش.

    ولكن على افتراض أن هناك من يدافع عن وجهة النظر القائلة بأن الثقافة من الممكن أن تساهم – على الأقل في بعض الحالات – في استبعاد المهاجرين، فهناك ما يدعو لأن تُعامل الدولة على أنها تمتلك الحق في الاستمرارية الثقافية (Miller 2005). ويبدو هذا الحق المطالب به إلى حد ما يشبه الحق في الحفاظ على الثقافة (أو عدم خسارة الثقافة) المشار إليها أعلاه، وهو لا يبرز الأبعاد العاطفية لتعلق الأغلبية بثقافتها بقدر ما يبرز تفسيرها العملي.

    وبناءً على هذا الرأي، فإن أي دولة بعينها والتي تعرِّفها “ثقافة عامة مشتركة”، ولأنها مشتركة فهي تعزز الثقة التي تعتمد عليها الدول الديمقراطية في السعي إلى تحقيق أهداف سياسية واجتماعية مشتركة. ليس هناك قيمة خاصة في حد ذاتها تشكل ثقافة عامة مشتركة، بل إن المزج بين مجموعة من القيم والأعراف والممارسات التي تنتج “ثقافتنا” هو القيّم، وفي وجودها تكون الثقة أعلى؛ وكذلك بالتالي الاستعداد للتعاون لدعم السياسات التي تتطلب بعض التضحية، منها على سبيل المثال الالتزام بإعادة توزيع السياسات الاجتماعية التي تعود بالنفع خاصةً على من هم أشد حاجةً (انظر على سبيل المثال مقالات Gustavsson & Miller 2019).

    ولذلك – وفقاً لمن يدافعون عن هذه الآراء – لا تعتبر الدولة التي تسعى إلى فرض السيطرة على القبول متذرعةً بأسباب “ثقافية” عنصرية ولا تمييزية، بل تسعى إلى قبول خاضع للرقابة (بدلا من الحدود المغلقة) حتى يتمكن الوافدون الجدد – خلال فترة زمنية كافية – من تبني ما يكفي من مجموعة القيم والأعراف والممارسات المعرِّفة، ليتمكنوا من تبرير وتوسيع نطاق الثقة التي تقوم عليها السياسات التي تمثل هذه السلع ذات القيمة الموضوعية.

    2.3 حقوق الاستمرارية الثقافية ورفض الاندماج

    وعادة ما تستخدم الدول التي تدافع عن حق الاستمرارية الثقافية على مستوى القبول في الدولة الحق في اعتماد وفرض سياسات “الاندماج” التي تشجع الوافدين الجدد على تبني أعراف وقيم الأغلبية، بحجة أنه كلما تسارعت وتيرة هذا التبني، كلما زاد القبول نفسه. وتطلب سياسات الاندماج من الوافدين الجدد تبني أعراف وممارسات الأغلبية، بينما تطلب سياسات الاستيعاب من الأغلبية استيعاب الممارسات المميزة عن تلك التي تعرِّف ثقافة الأغلبية. وبناءً على هذه النظرة التقليدية المتعددة الثقافات، فإن العملية التي يتم من خلالها قبول المهاجرين في أراضي الدولة ثم انضمامهم إلى العضوية عبارة عن شارع “ذو اتجاهين”، يتطلب تكيف كلاً من الوافدين الجدد والدولة المضيفة لهم مع بعضهم البعض (Kymlicka 1998).

    هل طلب اندماج الوافدين الجدد ثقافياً يعد طلباً معقولاً؟ هل من المعقول أن نطلب من المهاجرين تبني الأعراف والقيم والممارسات المركزية للثقافة التي انضموا إليها (سنغض النظر هنا عن الاندماج الاقتصادي والسياسي)؟ نلاحظ أنه في أدبيات السياسة وعلم الاجتماع في مجال دمج الهجرة يتم التمييز عادة بين الاندماج (ثقافياً) عن الاستيعاب، حيث يركز الأول على الترحيب بالوافدين الجدد بمجموعات مميِزة من الأعراف والقيم التي تنتقل معهم (وبالتالي استيعابهم حيثما أمكن)، ويطلب الأخير المهاجرين بأن يتبنوا أكبر قدر ممكن من مجموعة الأعراف والقيم المركزية للمجتمع المضيف (Brubaker 2001؛ انظر أيضاً Modood 2007). ولكن في أدبيات النظرية السياسية بشأن التعددية الثقافية من المقبول على نطاق واسع أن الطلب على الاستيعاب الكامل يعد معيارياً إشكالية (فهو يتطلب أن يتخلى قدرٌ كبيرٌ من المهاجرين عن تاريخهم وهويتهم، على أنه جزء من الانضمام إلى مجتمع جديد)، ولكن من المسموح به تقديم شكل من أشكال التشجيع على الاندماج.

    ولكن ما إذا كانت طلبات الاندماج مسموح بها فيستند ذلك على أمرين مترابطين على الأقل: الأول يتعلق بمضمون الثقافة العامة المشتركة، والثاني يتعلق بإمكانية الوصول إلى الأماكن التي يتم فيها تداول مضمون هذه الثقافة العامة. يعتبر الحيز الذي يجري فيه التداول بشأن ثقافة ما غير متبلور وواسع. يتسم مصدر الأعراف والممارسات والقيم الرئيسية بتعدد جوانبه: فبعضها تاريخي، وبعضها يُتبنى عمداً من خلال العمليات السياسية، وبعضها يُتبنى عرضياً استجابة للظروف الطارئة. والمطالبة بأن يدمج الوافدون الجدد – بمعنى اعتماد أعراف وممارسات ثقافة الأغلبية بدرجة معقولة على الأقل – هي مطالبة يمكن الدفاع عنها دفاعاً أكبر في الحالات التي تكون فيها إمكانية الوصول إلى الأماكن التي يتداولون فيها عمومية وبالتالي تكون مفتوحة لكثير من الأصوات.

    ويشكل المعنى الدقيق لـ‍ “إمكانية الوصول” إلى أماكن غير واضحة المعالم، والدخول إليها لا يتم رصده أو مراقبته بشكل رسمي، تحدياً في تحديد ماهيته. ولكن النقطة الرئيسية هنا هي أنه يمكن وصف الثقافات بأنها متاحة للجمهور بقدر ما ترحب بأصوات جديدة ــ في وسائل الإعلام العامة وفي المجالات السياسية وما إلى ذلك ــ.  فهناك بالتالي صلة بين شرعية الطلب بالالتزام بأعراف وممارسات ثقافة الأغلبية – باعتبارها جزء من عملية الاندماج – وبين الوصول الحقيقي للوافدين الجدد إلى المجالات التي يتداولون فيها.

    وأستعير عند النظر في السؤال الثاني – فيما يتصل بمضمون الثقافة العامة المشتركة للأغلبية – من أدبيات النظرية السياسية للقومية (رغم أنني لا أعتقد أن لغة القومية في حد ذاتها ضرورية لتقدير أهميتها في المناقشة هنا). ويمكن تعريف الثقافة من خلال سمات شاملة بشكل أو بآخر. وحيثما تكون الثقافات محددة بسمات تستخدم عادة لوصف الأمم الإثنية بما في ذلك التاريخ والدين والإثنية/العرق المشتركة، فلن يكون من السهل على الوافدين الجدد الانضمام إليها والاعتراف بهم أعضاء كاملي العضوية. ومن جهة أخرى عندما تعرَّف الثقافات من خلال سمات تستخدم عادة لوصف الأمم المدنية بما في ذلك الالتزام المشترك بالمؤسسات السياسية والالتزام عادة بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية، فإنها تكون أكثر ترحيباً بالوافدين الجدد.

    وفي اللغة التي سبق اعتمادها في هذا المدخل، من الأرجح أن الثقافات التي تعرِّفها سمات حصرية تعامل الثقافة على أنها شاملة، في حين أن الثقافات التي تتبنى سمات شاملة وتشدد على إمكانية الوصول إلى المنتديات التي يتم فيها تداول محتواها تعامل الثقافة من منظور الحوار أو الهوية. ومع ذلك فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا هو الحال، لأن أولئك الذين يتعاملون مع الثقافة من منظور الحوار قد يعتقدون مع ذلك أن العناصر الرئيسية من تاريخ أو دين تشكل أهمية مركزية لها (مع أنهم مستعدون للتداول حول مدى ملاءمة هذه العناصر باعتبارها عناصر مركزية)، وبالمثل يمكن صياغة الهويات على أساس السمات الاستبعادية.

    وتركز الطريقة أخرى في تعريف الشمولية على مدى قدرة الوافدين الجدد على تبني الأعراف والممارسات والقيم الرئيسية للثقافة من دون التخلي عما يقدرونه (Lenard 2019). والأمر الأساسي هنا هو أن تحديد الخطوط العامة المسموح بها لثقافة شاملة يمكن أن يفيد – في الوقت نفسه – في تمييزها عن الثقافات الأخرى بطرق تعالج ما أسماه الفلاسفة بمشكلة “الخصوصية”. وإذا لم يتم تعريف الثقافات إلا بالالتزام بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية والمؤسسات التي تمثلها، فإن أي شخص سيلتزم بالضرورة بأي دولة يتم تعريفها على هذا النحو.

    ولكن هذا الاستنتاج لا يوضح حقيقة مفادها أن العديد من المواطنين مرتبطون بتفسير دولتهم لهذه القيم ــ حيث يتم تبني واحترام ودعم المبادئ الديمقراطية الليبرالية الأساسية والمجردة، وبمعنى آخر بطريقة محددة ثقافياً. ومن المهم إذاَ ترسيم حدود المحتوى الثقافي المسموح به والتي يمكن أن تشمل الاعتراف باللحظات التاريخية الرئيسية أو المحادثات السياسية أو الرموز الثقافية. ولا تستطيع أي دولة أن تطلب من الوافدين الجدد بتوجيه التزامهم العاطفي نحو دولتهم الجديدة؛ ولكنها يمكن أن تنقل نقلاً معقولاً معلومات عن العلامات الثقافية الرئيسية التي يمكن تعلمها، وتشجع الوافدين الجدد على تبني الممارسات والأعراف المرتبطة بها، وتأمل أن يتحول تعريفهم العاطفي مع مرور الوقت إلى الدولة المضيفة – جزئياً على الأقل – (Carens 2005).

    يمكن للدولة المضيفة أن تشجع على اندماج الوافدين الجدد شريطة أن يكون المحتوى الثقافي العام للدولة المضيفة متاحاً بقدر معقول، وأن تكون المنتديات التي يجري فيها التداول متاحة بقدر معقول أيضاً. وقد يكون أمثل وجه لفهم هذا الحق هو فهمه على أنه مشتق من الحق في الاستمرارية الثقافية الذي تطالب به الدول فيما يتعلق بالهجرة، والذي يجوز المطالبة به فقط إذا ما استوفيت شروط إمكانية الوصول المذكورة أعلاه.

    وبطبيعة الحال لا يتفق جميع العلماء على هذه النقطة، ويرفض بعضهم رفضاً قاطعاً الاقتراح القائل بأنه يمكن أن يُطلب من الوافدين الجدد تقديم تنازلات لثقافة الدولة التي انضموا إليها. إن هؤلاء الذين يتبنون متغيرات بشأن وجهة النظر هذه يتعاملون مع ثقافة الأغلبية باعتبارها دائماً متجانسة وقمعية على نحو لا يحترم الوافدين الجدد، ويتعاملون مع طلب الاندماج بجانب بعض الأبعاد على الأقل باعتبارها أشكال “تنظيف” متنوعة من سياسات الهجرة التمييزية والعنصرية التي انتهجت في الماضي (Abizadeh 2002). ويشكل هذا قلقاً حقيقياً.

    عندما طلبت هولندا من المهاجرين المحتملين القادمين من دول ذات غالبية إسلامية مشاهدة شريط فيديو واجتياز اختبار لمجرد الدخول إلى أراضيها ــ وهو فيديو أظهر رجال مثليين يقبلون بعضهم وامرأة عارية الصدر ــ وتم شجب هذا الفيديو على نطاق واسع لقصده التمييزي، بدلاً من أن يكون (كما زعم) محاولة لضمان قدرة المهاجرين على تبني القيم الليبرالية التي يفترض أن تتسم بها ثقافة البلد. وعموماً يجب إنعام النظر في مدى معقولية آليات تشجيع تعلم وتبني قيم الأغلبية الثقافية، بالإضافة إلى محتواها الفعلي كما هو مبين أعلاه، والعواقب المترتبة على عدم القيام بذلك. ومن المؤكد أن هذا التقييم يعد أمراً معقداً، وما يجعله أكثر تعقيداً هو بسبب أن في العديد من حالات الهجرة (إن لم يكن أغلبها) يكون الوافدين الجدد المحتملين في حالة ضعف أمام الدولة المضيفة: واهتمامهم بالحصول على إذن للدخول إلى الدولة قوي جداً، ولذلك فإنهم في كثير من الحالات سيقبلون المحاولات الجائرة التي تجبرهم على الاندماج دون شكوى.

    4. الخاتمة

    وتزعم كلٌ من مجموعات الأقليات (التي يكون العديد منها مجموعات مهاجرة) ومجموعات الأغلبية أن “الثقافة” مهمة وتستحق الاستيعاب بطرق شتى. وقد بدأ هذا المدخل بدراسة الطرق المتعددة التي تفهم بها الثقافة، وذلك لتفكيك الطرق التي يتم استخدامها عند المطالبة بحقوق ثقافية محددة. ومن الجدير ملاحظة أن هذه المطالبات الثقافية – من كلا الجانبين – كثيراً ما تكون مرتبطة ببعضها البعض: تطلب أقلية ما بحق ثقافي معين وتتجاوب الأغلبية مع هذا الطلب من خلال المطالبة بحق ثقافي مختلف. وفي كثير من الحالات، فإن اختيار احترام الحقوق الثقافية المطالب بها أو تجاهلها يصاغ في إطار الأثر الذي سيخلفه ذلك على ثقافة الأغلبية، مثل القول بأن ممارسة معينة يُطلب استيعابها تتعارض مع ثقافة الأغلبية بشكل عام، أو أحياناً على وجه التحديد مع ممارسة أو عرف معين يعتقد أنه ذا أهمية خاصة.

    فعلى سبيل المثال قدمت هذه المطالبة الأخيرة في فرنسا أثناء “قضية غطاء الرأس” ــ مُنع حق الفرد في تغطية رأسه باعتباره مظهراً من مظاهر الالتزام الديني الإسلامي (أو اليهودي) إذ اعتُبر أنه يخترق الالتزام الفرنسي بالعلمانية (Laborde 2008; Benhabib 2004).

    وقد حاول هذا المدخل توفير المصادر الضرورية للفصل في هذه الصراعات بطرق تأخذ على محمل الجد أولئك الذين يطالبون بالحقوق الثقافية وأولئك الذين يقاومون احترامها. ونأمل أن تستفيد النظرية السياسية في المستقبل من هذا التصنيف لتحديد الاستنتاجات المرضية عند نشأة هذه الصراعات.


    المراجع

    • Abizadeh, Arash, 2002, “Does Liberal Democracy Presuppose a Cultural Nation? Four Arguments”, American Political Science Review, 96(3): 495–509. doi:10.1017/S000305540200028X
    • Appiah, Kwame Anthony, 2009, “Whose Culture Is It, Anyway?”, in Cultural Heritage Issues: The Legacy of Conquest, Colonization and Commerce, edited by James A. R. Nafziger and Ann Nicgorski, Leiden: Brill, 207–21.
    • Bakht, Natasha, 2007, “Religious Arbitration in Canada: Protecting Women by Protecting Them from Religion”, Canadian Journal of Women and the Law, 19(1): 119–144.
    • Barry, Brian, 2001, Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Benhabib, Seyla, 2002, The Claims of Culture: Equality and Diversity in the Global Era, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • –––, 2004, The Rights of Others: Aliens, Residents, and Citizens, Cambridge, UK: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511790799
    • Borchers, Dagmar and Annamari Vitikainen (eds.), 2012, On Exit: Interdisciplinary Perspectives on the Right of Exit in Liberal Multicultural Societies, Berlin, Boston: De Gruyter. doi:10.1515/9783110270860
    • Brubaker, Rogers, 2001, “The Return of Assimilation? Changing Perspectives on Immigration and Its Sequels in France, Germany, and the United States”, Ethnic and Racial Studies, 24(4): 531–548. doi:10.1080/01419870120049770
    • Burtt, Shelley, 1994, “Religious Parents, Secular Schools: A Liberal Defense of an Illiberal Education”, The Review of Politics, 56(1): 51–70. doi:10.1017/S0034670500049500
    • Carens, Joseph, 2005, “The Integration of Immigrants”, Journal of Moral Philosophy, 2(1): 29–46. doi:10.1177/1740468105052582
    • Casals, Neus Torbisco, 2006, Group Rights as Human Rights: A Liberal Approach to Multiculturalism, (Law and Philosophy Library 75), Dordrecht: Kluwer Academic Publishers. doi:10.1007/1-4020-4209-4
    • Deveaux, Monique, 2007, Gender and Justice in Multicultural Liberal States, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199289790.001.0001
    • Dhamoon, Rita, 2006, “Shifting From ‘Culture’ to ‘the Cultural’: Critical Theorizing of Identity/Difference Politics”, Constellations, 13(3): 354–373. doi:10.1111/j.1467-8675.2006.00406.x
    • Eisenberg, Avigail, 2009, Reasons of Identity: A Normative Guide to the Political and Legal Assessment of Identity Claims, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199291304.001.0001
    • Fraser, Nancy, 1995, “Recognition or Redistribution? A Critical Reading of Iris Young’s Justice and the Politics of Difference”, Journal of Political Philosophy, 3(2): 166–180. doi:10.1111/j.1467-9760.1995.tb00033.x
    • Ghosh, Cyril, 2018, De-Moralizing Gay Rights: Some Queer Remarks on LGBT+ Rights Politics in the US, Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan. doi:10.1007/978-3-319-78840-1
    • Gustavsson, Gina and David Miller (eds.), 2019, Liberal Nationalism and Its Critics: Normative and Empirical Questions, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780198842545.001.0001
    • Gutmann, Amy, 2003, Identity in Democracy, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Holzleithner, Elisabeth, 2012, “Interrogating Exit in Multiculturalist Theorizing: Conditions and Limitations”, in Borchers and Vitikainen 2012: 13–33. doi:10.1515/9783110270860.13
    • Kukathas, Chandran, 1992, “Are There Any Cultural Rights?”, Political Theory, 20(1): 105–139. doi:10.1177/0090591792020001006
    • –––, 2012, “Exit, Freedom and Gender”, in Borchers and Vitikainen 2012: 34–56. doi:10.1515/9783110270860.34
    • Kymlicka, Will, 1996, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 1998, Finding Our Way: Rethinking Ethnocultural Relations in Canada, Toronto: Oxford University Press.
    • Laborde, Cecile, 2008, Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199550210.001.0001
    • Lenard, Patti Tamara.,2012, Trust, Democracy and Multicultural Challenges, University Park, PA: Pennsylvania University State Press.
    • –––, 2019, “Inclusive Identities: The Foundation of Trust in Multicultural Communities”, in Gustavsson and Miller 2019: 155–171. doi:10.1093/oso/9780198842545.003.0009
    • Lenard, Patti Tamara and Peter Balint, 2020, “What Is (the Wrong of) Cultural Appropriation?”, Ethnicities, 20(2): 331–52. doi:10.1177/1468796819866498
    • Levy, Jacob, 2000, Multiculturalism of Fear, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0198297122.001.0001
    • Margalit, Avishai and Moshe Halbertal, 1994, “Liberalism and the Right to Culture”, Social Research: An International Quarterly, 61(3): 491–510.
    • Margalit, Avishai and Joseph Raz, 1990, “National Self-Determination”:, Journal of Philosophy, 87(9): 439–461. doi:10.2307/2026968
    • Matthes, Erich Hatala, 2016, “Cultural Appropriation Without Cultural Essentialism?”, Social Theory and Practice, 42(2): 343–366. doi:10.5840/soctheorpract201642219
    • Mcbride, Cillian, 2009, “Demanding Recognition: Equality, Respect, and Esteem”, European Journal of Political Theory, 8(1): 96–108. doi:10.1177/1474885108096962
    • Miller, David, 2005, “Immigration: The Case for Limits”, in Contemporary Debates in Applied Ethics, Andrew Cohen and Christopher Wellman (eds), Malden: Blackwell Publishers, 193–207.
    • –––, 2016, “Majorities and Minarets: Religious Freedom and Public Space”, British Journal of Political Science, 46(2): 437–456. doi:10.1017/S0007123414000131
    • Modood, Tariq, 2007, Multiculturalism: A Civic Idea, Cambridge, UK: Polity Press.
    • Moore, Margaret, 1999, “Beyond the Cultural Argument for Liberal Nationalism”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 2(3): 26–47. doi:10.1080/13698239908403282
    • –––, 2019, “Liberal Nationalism and the Challenge of Essentialism”, in Gustavsson and Miller 2019: 188–202. doi:10.1093/oso/9780198842545.003.0011
    • Okin, Susan Moller, 1999, Is Multiculturalism Bad for Women? Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Parekh, Bhikhu, 2000, Rethinking Multiculturalism: Cultural Diversity and Political Theory, Basingstoke: Macmillan Press.
    • Parvin, Phil, 2008, “What’s Special About Culture? Identity, Autonomy, and Public Reason”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 11(3): 315–233. doi:10.1080/13698230802276447
    • Patten, Alan, 2014, Equal Recognition: The Moral Foundations of Minority Rights, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Phillips, Anne, 2007, Multiculturalism without Culture, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • –––, 2010, “What’s Wrong with Essentialism?”, Distinktion: Journal of Social Theory, 11(1): 47–60. doi:10.1080/1600910X.2010.9672755
    • –––, 2018, “What Makes Culture Special?”, Political Theory, 46(1): 92–98. doi:10.1177/0090591717696023
    • Quong, Jonathan, 2006, “Cultural Exemptions, Expensive Tastes, and Equal Opportunities”, Journal of Applied Philosophy, 23(1): 53–71. doi:10.1111/j.1468-5930.2006.00320.x
    • Rowell, John, 1995, “The Politics of Cultural Appropriation”, Journal of Value Inquiry, 29(1): 137–142.
    • Scheffler, Samuel, 2007, “Immigration and the Significance of Culture”, Philosophy & Public Affairs, 35(2): 93–125. doi:10.1111/j.1088-4963.2007.00101.x
    • Shachar, Ayelet, 2001, Multicultural Jurisdictions: Cultural Differences and Womens Rights, Cambridge, UK: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511490330
    • Sniderman, Paul M. and Louk Hagendoorn, 2007, When Ways of Life Collide, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Song, Sarah, 2005, “Majority Norms, Multiculturalism, and Gender Equality”, American Political Science Review, 99(4): 473–489. doi:10.1017/S0003055405051828
    • –––, 2009, “The Subject of Multiculturalism: Culture, Religion, Language, Ethnicity, Nationality, and Race?”, in New Waves in Political Philosophy, Boudewijn de Bruin and Christopher F. Zurn (eds.), London: Palgrave Macmillan UK, 177–197. doi:10.1057/9780230234994_10
    • –––, 2018, Immigration and Democracy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780190909222.001.0001
    • Spinner-Halev, Jeff, 2000, Surviving Diversity: Religion and Democratic Citizenship, Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
    • Tully, James, 1995, Strange Multiplicity: Constitutionalism in the Age of Diversity, Cambridge, UK: Cambridge University Press.
    • Vitikainen, Annamari, 2015, The Limits of Liberal Multiculturalism: Towards an Individuated Approach to Cultural Diversity, London: Palgrave Macmillan UK. doi:10.1057/9781137404626
    • Walzer, Michael, 1983, Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality, New York: Basic Books.
    • Young, Iris Marion, 2004, “Two Concepts of Self-Determination”, in Ethnicity, Nationalism, and Minority Rights, Stephen May, Tariq Modood, and Judith Squires (eds.), Cambridge, UK: Cambridge University Press, 176–196. doi:10.1017/CBO9780511489235.009
    • Young, James O., 2008, Cultural Appropriation and the Arts, Malden, MA: Blackwell.

    أدوات أكاديمية

    How to cite this entry.
    Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
    Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
    Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

    مصادر أخرى على الإنترنت

    1. Sikh Faith FAQs, World Sikh Organization of Canada.

    مداخل ذات صلة

    citizenship | cultural heritage, ethics of | culture: and cognitive science | identity | multiculturalism | rights: group

    Acknowledgments

    I would like to thank Matthias Hoesch, Margaret Moore, and Stéfanie Morris for comments on an earlier draft of this entry.


    [1] Lenard, Patti Tamara, “Culture”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2020/entries/culture/>.


     [i] على القارئ المسلم الرجوع لمصادر التشريع الإسلامي لمعرفة شرعية القضايا المطروحة في هذا المقال (المترجمة).

  • الوعي بالتحيز الغربي عند عبدالفتاح كيليطو وانعكاساته على المثاقفة الأدبية: (لن تتكلم لغتي) أنموذجاً

    الوعي بالتحيز الغربي عند عبدالفتاح كيليطو وانعكاساته على المثاقفة الأدبية: (لن تتكلم لغتي) أنموذجاً

    الكاتبحامد بن أحمد الإقبالي

    يعتبر التحيز المعرفي والنقدي إحدى الرؤى الأحادية لدى الثقافة الغربية ضد بقية أمم العالم وحضاراتهم، ولأنه ينطلق من رؤية التفوق على الآخرين، فإنه بالضرورة يستعلي عليهم انطلاقاً من هذه الرؤية، بل ويتعامل معهم وفقاً لهذه الفكرة العنصرية، وأظهر هذه الإشكالات التي تسفر عن نفسها واضحة ؛ بروز التحيز الفكري في القراءة الأدبية للنصوص والأشكال الأدبية العربية، فهي ليست قراءة حيادية لتلاقح الأفكار، واستنباط المعارف وكشف اتجاه الذائقة الأدبية، بل هي منهج فلسفي متكامل له تصوراته الخاصة وأنساقه المضمرة التي تتوارى خلف الكتابات والنتائج والاستخلاصات، مما يتوجب معرفة أبعادها وتجلياتها في سبيل المحافظة على الهوية والتثاقف الإيجابي.

      أَولى الناقد عبدالفتاح كيليطو معظم مؤلفاته: الكتابة عن السردية العربية الكلاسيكية، هدف من خلال ذلك مواجهة التحيز الأدبي والنقدي الغربي، الذي هيمن على الأدب العالمي وهمّش خصوصيات الشعوب وأذواقهم الأدبية وأساليبهم النقدية، ليعيد الاعتبار الأدبي إلى الأدب العربي القديم، ويحثّ الباحثين على تمثلها ودراستها من جديد. فـ التراث العربي يمثل له الامتداد الطبيعي للتاريخ والعقيدة والحضارة، فيلتقط منه ما حدث في ذاكرته وينقله إلى الأجيال المعاصرة، ومن هذا المنطلق تعتبر الكتابة في التراث العربي واستلهام شخصياته الأدبية، مثل كتابات الجاحظ، ومقامات الحريري والهمذاني جزءاً حيوياً يشغل فكر كيليطو، وهو بهذا الاستدعاء التاريخي يمهد لوضع هذه الكتابات نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الأدب في العصر الحديث، لأن خصائص الثقافة الحديثة التي تمثلها أوربا اليوم تتصف بالعلمانية والحداثة، وهذا يعني ضرورة التخلي عن الأفكار القديمة والتخلص من رواسب التفكير في حال الرغبة في الدخول إلى بوابة الثقافة العالمية.

    تمحورت القضايا النقدية التي اشتمل عليها كتاب (لن تتكلم لغتي) حول ثلاث مسائل، المسألة الأولى: وهي التحيز الغربي ضد المنجز الأدبي العربي القديم والتي لا تحتكم إلى معيار محدد أو ما يقوله النص الأدبي، والمسألة الثانية: إعادة الاعتبار للأشكال الأدبية القديمة لاسيما المقامات التي تمثل حقيقة السرد العربي، ونفض الغبار عنها وتقديمها بصورة تحليلية معبّرة عن النسق الاجتماعي والثقافي إيماناً بقيمة لغته وليس فخراً مجرداً، المسألة الثالثة: كشف النسق المضمر للتحيز الأدبي الغربي الذي يصوغ أفكار الأديب العربي من أجل (المطابقة) مع الآخر، وهذا يظهر في المزامنة التاريخية في تدوين الأحداث، كما تظهر في العلائق المعرفية في ربط الإبداع الأدبي العربي بأسباب التميز الغربي.

    لم يكتف كيليطو برفض التحيز المعرفي عند أدباء الغرب، بل حتى كشف أشكاله في الدراسات التي قاموا بها على الأدب العربي وظهرت فيها تحيزاتهم ضد المنجز الأدبي، فهو يراها أحكام غريبة وتخلو من الإنصاف في الحكم على النص الأدبي، واستعرض تجربة المستشرق الغربي: أرنست رينان في دراسة المقامات العربية، التي صُبغت بنوع من التناقض وعدم اليقين، وغياب الشروط العلمية والجمالية لقراءة نص المقامات، فهو لم يقدم أراء وأحكام تتسم بالموضوعية “يحاول رينان قبل كل شيء أن يرسم خطاً فاصلاً بين فضائين متناقضين أوربا والشرق، القطيعة تامة من فضاء لآخر، والانفصال حاسم “([1]).

      كان كيليطو مجاهداً في إعادة السيرة الأولى للأدب العربي، حينما كانت شمس العرب تسطع على الغرب وعلى غيرهم من الأمم، لذلك فإن محاولاته لم تقتصر على كتاب (لن تتكلم لغتي ) بل إن دراساته النقدية والأدبية مسكونة بهذا الهاجس الفكري، لذلك حينما اهتم بدراسة المقامات ؛ هذا النص السردي التراثي، قال مبرراً ذلك:” ونعتقد أنه آن الأوان للانكباب على المقامة التي ظلت أمداً طويلاً معروضة في متحف يعلوها الغبار شيئاً فشيئاً ومن حين لآخر، كان يذهب سائحون أو مواطنون لتأملها نافضين برؤوسهم باستياء أو نافخين صدورهم بكبرياء، ماذا نصنع بالهمذاني والحريري”([2]).

    يحاول كيليطو في كتاب (لن تتكلم لغتي) بيان النسق المضمر للتحيز للأدب الغربي الذي يصوغ أفكار الأديب العربي ويعيد نظمها من جديد دون أن يشعر صاحبها، فتتشكل نسخة أدبية غربية في قالب عربي ويضرب لذلك مثالاً بالمنفلوطي الذي تحول إلى ناقل أمين للأدب الفرنسي، فيما يبدو للناس أنه أحد المناهضين لهذه الثقافة المريبة، كما يتطرق إلى صعوبة المثاقفة، في ظل تعذر وجود الخطوط المعرفية المشتركة،  من العقائد، والتاريخ، والأدب، والجغرافيا مع الآخر، فلا سبيل إليها إلا بالمزامنة التاريخية والعلائق المعرفية، فالمزامنة تكون بتحوير التاريخ العربي إلى التاريخ الغربي، والعلائق المعرفية تحدث بريط أدب المشرق وشخصياته بأدباء الغرب في ذلك العصر، وهي أشبه بحركة ترجمة ثقافية، أما الاعتراف بالريادة الأدبية والفرادة الأسلوبية، فلا بد دونها من اعتساف حقائق التاريخ من أجل البحث عن (الأثر الأوربي) على حركة الأدب العربية بأي مشيئة كانت، فكتاب الساق على الساق للشدياق نقد لمجتمع الشرق الأدنى، متأثرٌ برايلي، كما لا بد من البحث عن أوجه (المطابقة) لا الاختلاف من أجل الاعتراف بالأدب العربي، فالجاحظ تكمن براعته في وجود الشبه بمونتيني، ورسالة الغفران للمعري قريبة الفكرة من الكوميديا الإلهية، وهي آراء مبنية على اختزال عجيب واحتقار دفين كما يرى كيليطو، وهذا ما انعكس على الأدباء العرب وألقى بظلاله على تراثهم النقدي والأدبي، فتجد المتلقي أديباً كان أم ناقداً أم قارئاً أثناء قراءته لأي أديب عربي، يستحضر في ذهنه بوعي أو غير وعي ما يماثله من أدباء الغرب، فحينما يقرأ حي بن يقظان يشرد ذهنه إلى روبنسون كروزو، وفي أثناء قراءة اللزوميات يتجلى له شوبنهاور، ولا يقرأ للجرجاني حتى يطل عليه فجأة دي سوسير وهكذا في سائر فنون الأدب ورجاله.

     والنتيجة الوحيدة لسبل المثاقفة بين الشرق والغرب عند كيليطو تظهر واضحة في نهاية الكتاب تبدو مهمة شبه مستحيلة، فمن أراد أن يتحدث إلى العرب عليه إجادة لغتهم العربية أولاً، ويكنّي أكثر جرأة على لسان إحدى شخصيات مقامات الحريري: إما أن تبينا، وإلا فبينا، وحين ينطق بالعربية ويجيدها فعليه أن يعتنق معتقدها الخاص والخالص: دين الإسلام، وإلا فقد حانت القطيعة واستحال التواصل المعرفي.

      فالأدب والفن في حاجة إلى بعث مصطلحاته من القرآن الكريم وإشاعتها في الميدان الثقافة، ولا يعني ذلك سدّ منافذ الاستفادة من مصطلحات الآخرين، فإن اقترضت الثقافة مصطلحاً من لغة أخرى وجب عليها أن تستوعبه في نظام اللغة العربية وتنقيته من الحمولات الفكرية العالقة به، لأنها لو أبقته على وضعه السابق صياغة ومعنىً فقد تحول إلى مصطلح دخيل لا يسهم في تطوير عملية المثاقفة، فالثقافة هذا المصطلح الوارد من أوروبا، يعني لديهم الغرس والزرع، ثم تطور ليصبخ غرس الأنماط والقيم، وهم بذلك يعنون به قبل غرس هذه القيم اقتلاع القيم السائدة القديمة في أي مجتمع سوى أوربا ” وقد أكد ذلك منظرو التنمية السياسية إذ اعتبروا أن عملية التنمية لا يمكن أن تتم في ظل وجود ثقافة معوقة وغير تنموية، ومن ثم لا بد من إزاله هذه الثقافة التقليدية، ونشر قيم الحداثة بدلاً منها، وقد أطلق مفهوم الثقافة التقليدية ونشر قيم الثقافة الحديثة بدلاً منها “([3]) فالثقافة التقليدية هي الجمود الفكري والتأخر العلمي والطابع الأبوي، أما خصائص الثقافة الحديثة التي تمثل أوربا فهي تتصف بالعلمانية والمساواة والإنجاز، والتطور التقني، وهذا يعني ضرورة التخلي عن الأفكار القديمة والتخلص من رواسب التفكير في حال الرغبة في الدخول إلى بوابة الثقافة العالمية كما يقرأ كيليطو ذلك، فقبل المثاقفة يجب أن نسبر هذه المكونات الثقافية لإيماننا بأن كل استعارة ثقافية يسبقها تمييز دقيق وفكر متيقظ .

    لم يكن مؤلف ( لن تتكلم لغتي) منطوياً على ذاته، منزِّهاً تراثه الأدبي، متعامياً عن مكامن الخلل فيه، لكن التراث العربي يمثل له تاريخ العرب بعقيدته، وحضارته، وفكره، وعلومه، وفنونه، لذلك فهو يلتقط منه أبدع ما حدث في ذاكرته وينقله إلى الأجيال المعاصرة، ومن هذا المنطلق تعتبر الكتابة في التراث العربي واستلهام شخصياته الأدبية: اللغة، الجاحظ، المقامات، هي القضية المركزية التي تشغل فكر ونقد كيليطو، وهو بهذا الاستدعاء التاريخي يمهد لوضع هذه الكتابات نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الأدب من الدفاع عن القيم، والأدب الرفيع، بعد أن أصبح ما بعد الحداثة رقيعاً لا قيمة له، وهو بذلك يحاول وصل الانفصال المتدرج – كما أطلق عليه الناقد عبدالله إبراهيم – بين المرجعيات الثقافية والأجناس الموروثة التي فقدت كفاءتها وأهليتها وبين الظواهر الإبداعية الجديدة التي راحت تتصل بنسق مستحدث من القيم والحقائق النسبية والعلاقات([4]) وهي جهود تصب في صالح صيغ التعبير القديمة التقليدية التي تراجعت قيمتها في هذا العصر.

           لم يكتف كيليطو برفض التحيز المعرفي عند الغرب، بل حتى كشف أشكاله في الدراسات التي قاموا بها على الأدب العربي وظهرت فيها تحيزاتهم ضد المنجز الأدبي، فهو يراها أحكام غريبة وتخلو من الإنصاف في الحكم على النص الأدبي، واستعرض تجربة رينان في دراسة المقامات، فهي دراسة تتميز بنوع من التناقض، وعدم اليقين، وغياب الشروط العلمية والجمالية لقراءة نص المقامات، فهو لم يقدّم أراء وأحكام تتسم بالموضوعية بل “يحاول رينان قبل كل شيء أن يرسم خطاً فاصلاً بين فضائين متناقضين: أوربا والشرق، القطيعة تامة من فضاء لآخر، والانفصال حاسم”([5]).

    يعيب كيليطو من ينظر إلى منتجات الحداثة الغربية المادية نظرة إعجاب، لأن هذه نظرة قاصرة تستظهر جانباً واحداً من الحياة وهو الجانب الظاهر وتتغافل عن الجانب المعنوي والروحي الذي يميّز الإنسان عن غيره، فالإعجاب بطريقة سياسة الغربيين ومنتجاتهم التقنية ربما كان طريقاً إلى الإعجاب بأفكارهم الثقافية وقيمهم الأخلاقية، معرّضاً برفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق سابقاً، ومحمد الصفار لاحقاً، الذين رأوا أن تدارك التأخر في ميدان العلوم والصناعة لا يأتي إلا بالتوقف في المحطة الأوروبية.

      لم يكن كيليطو حفياً بالمثاقفة لأنه يعرف مآلاتها مسبقاً، ولذلك نفهم مبادرته بالحديث عن فن المقامات، فهي من الآداب التي يستعصي أسلوبها على النقل والترجمة ” فكأنّ الحريري بذل أقصى ما في وسعه ليحمي كتابه ويقيه من تسلط لسان آخر، فمن يا ترى قد يقدم على ترجمة رسالة تقرأ طرداً وعكساً من دون أن يطرأ عليها تغيير أو رسالة تقرأ من أولها بوجه ومن آخرها بوجه آخر”([6]) لذلك فهو يؤيد رأي الجاحظ في قصور ترجمة الفلسفة والشعر، فأما الفلسفة فلأنها متّسمة في كل الحالات بالنقص والإخفاق، لأن المترجم يتوجب عليه أن يكون إتقانه في نفس الترجمة بقدر علمه في نفس المعرفة، وأما الشعر فإن ترجمته تغيّر وزنه وتقطع نظمه فيضعف بيانه، على أن هذا ليس مزية في الشعر والفلسفة ولا ذماً لهما بقدر أن لكل أمة نتاجها الأدبي الخاص بها، ويتعجب كيليطو من القول الذي يرى إن نقل الفلسفة إلى لغة أخرى أقوم من نقل الشعر، لأن الأخير حديث العهد بالتجربة الإنسانية خلافاً للفلسفة التي يضرب تاريخها في جذور ما قبل التاريخ، ويبلغ العجب مداه حين يجد أن ابن رشد قد فضّل الشعر اليوناني على الشعر العربي وذلك حين ترجم كتاب أرسطو (فن الشعر) مشيراً إلى أن ما جاء به أرسطو مشترك لسائر الأمم وغير موجود عند العرب لأنهم خارجون عن الإجماع ومخالفون للمألوف، ويبدو أن ابن رشد لا يبتعد كثيراً عن المنفلوطي والطهطاوي والشدياق والصفّار في القعود تحت القول الغربي من وجهة نظر كيليطو.

    يحيل كيليطو في تصديره الكتاب إلى نص لبيترارك من القرن الرابع عشر الميلادي، الذي تعتبره المدونة الغربية الرائد الأول لحركة النهضة الغربية حتى قبل أن يدلف إلى مقدمة الكتاب، ويحوي النص تهميشاً للعرب وأدبهم وثقافتهم، في مقابل الإشادة البالغة للأدب الإيطالي، ما يستحيل معه وفق هذه الرؤية المتحيزة إقامة مصاهرة ثقافية بين الشرق والغرب عبر الزمن، يقول الأديب الايطالي في رسالة طويلة إلى صديق له يختصر مقدمتها مضمونها المتحيز ” أرجو منك، في كل ما يتعلق بي، أن لا تقيم أي اعتبار لعربك، وأن تتصرف تماماً كما لو كانوا غير موجودين، إنني أكره هذه السلالة بكاملها، أعرف أن يونان أنجبت رجالاً علماء فصحاء: فلاسفة، شعراء، خطباء، رياضيين، كلهم نبغوا هناك … فيما يخصني أعرف شعراءهم (أي العرب) ولا يمكن تصوّر شيء أكثر هشاشة، وأكثر إزعاجاً، وأكثر فحشاً، ليس بإمكان أي شيء أن يجعلني أصدق أن شيئاً طيباً يمكن أن يأتي من العرب”([7]).

      فالنص الذي رشّحه كيليطو ليصدم به القارئ يجسد واقع الصدام الحضاري بين الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، لأنه لا يقيم أي اعتبار للأدب العربي فهو يتعجب: (تسبغون عليهم المديح) ويتمنى: ( لو لم يكتب العرب شيئاً ) ويبدو أن كيليطو يريد بذلك قطع أي تعاطف من الممكن أن يتسلل إلى القارئ العربي أثناء قراء الكتاب، ويبدو أن كيليطو بالغ في اهتمامه النقدي، إلى أن اختار صورة غلاف الكتاب لسفينة عربية بريشة الواسطي في القرن السابع الهجري وهي تمثل إحدى مقامات الحريري، وربما أراد كيليطو برمزية السفينة على أنها تمثل الأدب العربي وقدرته في خوض عباب آداب التاريخ المعاصر وهيمنته عليها ووضع أشكاله الأدبية أمام المتلقي، أقول ربما لأن كيليطو لا يترك شاردة ولا واردة إلا وهو يستثمرها لإثبات عُلو كعب آداب العرب القديمة وتمكّنها على رفع ذائقة الناس والتأثير فيها إيجاباً.

    لم يكن استدعاء كيليطو للهمذاني والحريري اعتزازاً مجرداً للثقافة العربية، بل كان يريد أن يحيي هذا السرد التراثي البديع ليكون في بؤرة الثقافة المركزية، لتصل إلى العالم وتصيغ حضارته الفكرية من جديد، بعد أن كانت هامشاً اتخذ منه موقفاً لداعٍ ثقافي خاص([8]) فالخطاب عن هذا السرد ليس عكوفاً على الماضي بقدر ما هو خطاب عن الحاضر المُقصى عنه أدب العرب، بل ينبع اهتمامه بالأدب الكلاسيكي لقدرته على ممارسة الكتابة وإنتاج أشكال أدبية ممتدة في الزمن، فهو في هذا المقام يشيد بضرورة اللغة التي يستخدمها الكاتب فتكون وسيلة للتفكير، لا مادة للتعبير يتم من خلالها إنتاج عمل أدبي فحسب([9]).

    شعر عبدالفتاح كيليطو بعمق التحيز الأدبي والفكري عند الغرب، فأصدر كتابه على شكل احتجاج أدبي، واعتزاز لغوي ( لن تتكلم لغتي) وكأنه يحتج على هذا التحيز في كل مجالات الحياة التي هيمن عليها الغرب وصبغها بأسلوبه الحضاري، فقد هيمنت فكرة التحيز الأدبي على الذاكرة الثقافية وتجذرت فيها، وكأنها أصبحت سيمة الأدب أو ثيمة المجتمع المعاصر، حتى في كتابه الأخير ( في جو من الندم الفكري) وفي معرض ثنائه على الجاحظ الرمز الأدبي العربي، تذكر هذه السطوة الثقافية الغربية على الوعي الجمعي وضرورة المقارنة بين ثقافتين قائلاً” وإذا كان من اللازم تشبيهه بكاتب أوروبي، فلا أرى أفضل من الفرنسي مونتيني، الذي كان يكتب، على حد قوله، (بالقفز والوثب). ولا أشك أنه كان يقرأ أيضاً بهذه الطريقة”([10]) وليس ذلك تسويقاً لأدب فرنسي أو أديب غربي بقدر ما هي وفاء للأدب العربي متمثلاً في صورة الجاحظ في سياق الأدب المقارن، وقد أشار إلى ذلك حين قال ” أعرف أنني لن أضيف شيئاً يذكر إلى ما يكتبه الفرنسيون. وفضلاً عن ذلك، فإنهم، وهذا هو المهم، لا ينتظرون مني أن أكتب عن أدبهم. أدبهم لا يحتاجني”([11]).

       يعزز كيليطو فكرة ضرورة التمايز بين الحضارتين الشرقية والغربية، ليس في الفكر والفلسفة ومرجعيتهما الدينية واللغوية، بل حتى في أصغر خصوصياتها التي تمثل هُويتها: الزي وطريقة الأكل والشرب، لذلك فإنه لم يدع الخطأ الذي وقع فيه الناشر الغربي يمرّ مروراً عادياً، فاستحضر هذه المسألة، فحين ترجم كاتب فرنسي كتاب “البخلاء“، وكتب كيليطو مقدمة له، وضع الناشر  اسم صاحب المقدمة قريباً من اسم الجاحظ، حتى ظنّ القراء أنه ترجمها “ها قد انخرط الجاحظ في زمرة الكتاب الفرانكوفونيين، صار معاصراً لنالا شك أنه يحمل نظارة شمسية أو طبية يخفي بها جحوظ عينيه، ولا شك أنه يرتدي لباساً أوروبياً أنيقاً من بدلة ورباط عنق وحذاء لامع ([12]).

    حتى مصطلح (الأدب) بدا لكيليطو أن تأثر بهذه الهيمنة الثقافية، وأصبح حين يطلق على الأدب العربي يحمل دلالات مخالفة لما كان عليه من التحلي بالأخلاق والفضائل والتربية عليها، كما في كتاب الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع، بل وصل الحال إلى أنه عند التأليف في تاريخ الأدب العربي، يُكتب انطلاقاً من مدلول كلمة (litterature) بمعنى: إسقاط التصورات المعاصرة على ما الّف في القرون السالفة – على حد تعبير كيليطو – فهذا المفهوم الغربي الحديث لا يتعدى عمره مائتي عام، وقد تبلور داخل الرومانسية الألمانية، وبكل تدقيق داخل ما يسمى مجموعة (بينا) التي كانت مكونة من أسماء كنوفاليس وشيلينغ والأخوين شليغل، وقد كان يستخدم عند الغرب قبل الثورة الفرنسية وله دلالات راسخة وثابتة، لكن مع ظهور الرومانسية تحول إلى أدب متلوّن يمزج بين الأنواع والمتضادات، فصار من مضامين هذا الأدب: مسرحيات شكسبير الذي يزاوج بين الكلام الجزل والسوقي، وخطابات أفلاطون الذي يخلط بين الجد والهزل، وحينما حققت الرواية هذه الشروط في العصر الحديث([13])، اعتلت أعلى مراتب الأدب الغربي وذلك لأنها تستوعب السيرة الذاتية، والحوار المسرحي، والمذكرات، والرسائل([14]) .

    ولذلك فهو يدعو إلى نبذ هذا المفهوم الغربي للأدب وتجاوز دلالاته التي لا تتقاطع مع الأدب الغربي الذي يُعنى بالجانب التعليمي والخُلقي والأمر والنهي، وليس التذبذب في الأشكال الأدبية، بل إن الأدب في مفهومه في العصر

    الحديث لم يتحدد بشكل منضبط ودقيق، ولا يمكن حدوث ذلك حتى تُوضع نظرية عامة للخطابات.

      تشرّب كيليطو الفلسفة الأدبية التي صاغها نقاد الغرب لكن استيعابه لها لم تجعله خاضعاً لها واقعاً تحت سطوتها، بل إنه حاول أن يتجاوزها ويتخلص من آثارها الفكرية والكتابية، وإن كان قد استخدم أدواتها البحثية ومناهجها الأدبية والنقدية إلا أنه كان حريصاً في أن عمله لم يكن نقلاً وتأثراً بل عملاً تأصيلياً لهذه المناهج وتأسيساً عليها مشروعه النقدي، من خلال إحياء موروثه السردي وإعادة قراءته ورصد خصوصيته وفحص نسقه الثقافي، فاستطاع أن يستخلص جملة من القواعد الأدبية الملائمة للحكاية في سياقها العربي والتراثي، سواء كان في المنطق الذي يحكمها، أو النوع الذي يحتويها، بل إنه كان عامداً إلى استخدام مصطلح ( حكاية) لتأصيل هذا المفهوم المنتمي إلى الذاكرة السردية العربية([15]).

    يرى كيليطو في تقديمه أن المنفلوطي – الذي كان يعتمر العمامة الأزهرية  -كان أوروبيا بشكل أو بآخر، شَعر أم لم يشعر بذلك،فالأديب الذي افتتن به المراهقون في نظراته وعباراته لم يكن بأكثر من ناقل أمين للأدب الغربي، حتى وصل الى المرحلة التي تشرب فيها فكرهم ؛ فأصبح يتحدث بلسانهم معنىَ لا لغة، يتحدث بلغة أدمون روستان وبرتردان دي سان بيير، والكسندر دوما الابن، وألفونس كار، فأكثر ما كان يثير كيليطو هو نسق التحيز المضمر عند المنفلوطي وإعجابه الخفي بالثقافة الفرنسية التي صبغت كتاباته وأدبه، فيما كان يبدو للناس أنه مناهض لهذه الثقافة وليس لها هيمنة عليه، فلا هو الذي يجيد الفرنسية، ولا أسلوبه خرج عن طريقة أعلام النثر العربي قديما، يقول كيليطو ومع ذلك: فكل صفحة من صفحاته تهمس بسؤال واحد: كيف أكون أوربياً؟! وفي ذلك حكم قاسٍ على أديب العربية وتعميم مبالغ فيه، فأديب الأسلوب العربي الذي يتحاكى كثير من المبتدئين بكتاباته أصبح محطّ اتهام وموضع ريبة عند كيليطو، ولا أظنه مقتنعاً بهذا الرأي إذ يسجّل شهادته في المنفلوطي “جلّ الكتاب المحدثين تفتقت قريحتهم وانبثقت رغبتهم في الكتابة بعد أن قرأوه”([16])  ومن الغريب أن الذين قرأوه لم يصاب باللوثة الأوربية! لكن كيليطو يرى أنه قد تأثر بالغرب دون أن يشعر حتى وصله به الأمر الى أنه يتزيّا باللباس الأوروبي، وفي هذا معنى عميق على مأساويته وهزليته ” اللباس الأوروبي سر المنفلوطي سرٌّ لا يمكنه البوح به لأنه لصيق ببدنه بذاته، فلا يظهر على غلاف الكتب كما لا يظهر أسماء المؤلفين الاوربيين”([17]).

      إذاً بعد كل هذه المبررات وفي ظل تعذر وجود الخطوط المعرفية المشتركة من العقائد والتاريخ والأدب والجغرافيا مع الآخر، يطرح كيليطو حلّاً انهزامياً، وبتعبير أدق: الانسياق في طابور التبعية الثقافية، وهو يعني بذلك: استحالة المثاقفة في ظل هذا العولمة الطاغية إلا ركوب موجتها أو مقاطعتها، لذلك فهو يرى أن لا سبيل إلى المثاقفة إلا بوسيلتين وهما:المزامنة التاريخية والعلائق المعرفية، فأما المزامنة التاريخية فتكون بتحوير التاريخ العربي إلى التاريخ الغربي وأما العلائق المعرفية فتكون بريط أدب المشرق وشخصياته بأدباء الغرب في ذلك العصر، وهي أشبه بحركة ترجمة ثقافية.

    جرّب كيليطو الوسيلتين أخيراً، ففي المحاضرة التي ألقاها في ستراسبورغ الفرنسية عن مقامات الهمذاني، طرأت له هذه الهواجس ثم عنّت له فكرة المزامنة التاريخية وهو أن يعرض أحداث هذه المقامات بالتاريخ الميلادي بدلاً من الهجري حتى يستوعبها المتلقي الأوربي، ثم عقد صلة بين بديع الزمان الهمذاني بأدباء أوربين معاصرين له ( ولاشك أن الجمهور سيحمد لي هذه الالتفاتة الكريمة فقد علمتني التجربة المرّة أن الآخر لن يهتم بي الا اذا التفتّ اليه([18]) ولا أظنّ أن كيليطو قد اقتنع بالوسيلتين ولكن ذلك كان كافياً للشعور بمرارتهما.

      ومن المفارقات المأساوية في ذاكرة الأمة الثقافية، وهي أن كتب الأدب العربي تحيل في تأريخها عند الحديث عن العصور الذهبية الى نهاية القرن الخامس الهجري، ثم حدثت فجوة أدبية وتاريخية معاً لا أدبٌ مزدهر ولا تاريخٌ مسجّلٌ منقولٌ، وحين بدأ الادب العربي يستعيد شيئاً من ألقه في عهد الطهطاوي والشدياق، لا ينصرف الذهن إلى القرن الثالث عشر الهجري بل القرن التاسع عشر الميلادي ” فإذا كان الأدب العربي الكلاسيكي يحيلني تلقائياً إلى الهجرة وفضائها فإن الأدب الحديث يحيلني عفوياً إلى أوروبا كتقويم وإطار”([19]).

    وصل كيليطو الى ذروة المواجهة وهو يسخر من أديب فرنسا شارل بيلا، حينما وصم الأدب العربي -الذي أفنى فيه حياته دراسة وتخصصاً- بالتفاهة وبعثه على الملل والسآمة ، استخدم كيليطو نفس المنهجية التي اتّبعها شارل بيلا: السخرية المريرة، وذلك  لأنه حكمٌ جائرٌ من أديبٍ محقِّق،  لقد شبّهه كيليطو بفارس الظل الحزين دون كيخوته، النبيل الذي يحارب طواحين الهواء، ومع ذلك فقد كان كيليطو لطيفاً في تصويره، فلم يقل أن هذا البطل لم يكن غير أحمقٍ ظنّ نفسه في مهمة مقدسة كما تصف كتب الأدب بطل أولى الروايات الغربية وأشهرها، وفي الواقع فقد كان كيليطو محقاً في نقده وفي خياله، وفي النقض عليه أيضاً، إذ أن هذا الرأي السطحي عن الأدب العربي الذي جاء في كتاب رصين عن (بيئة البصرة وتكوين الجاحظ) هو محاولة لتسفيه الثقافة العربية كاملة،لمجرد أنها ليست أوروبية فحسب، فكيف يمكن بذل أدنى محاولة للمقاربة الثقافية أو التقارب الحضاري في ظلّ هذا التحيّز المركّب، ولا يظهر -على حد وصف كيليطو – أنّ هذا الناقد كان يقيم وزناً كبيراً للقراء العرب أو مترجميهم، فالحوار الذي يعقده في كتاباته يتم في الغالب مع قراء أوروبيين([20]) بل حتى الإعجاب الذي أبداه بأديب عربي كالجاحظ لم يكن مجرداً من حمولات التحيّز الثقيلة في الفكر الغربي المستعلي على الآخرين، فقد كان الجاحظ مبدعاً ليس لأنه برع في التصوير والأسلوب الكتابي، بل لأنه يشبه أدباء الأرض الفرنسية من أمثال مونتيني، فالسابق يُشبّه باللاحق، هكذا في العرف الغربي، ثنائية ( الأنا والآخر)، قلْب التسلسل التاريخي رأساً على عقب من أجل الفرادة الأوروبية التي يعتنقها المستعرب شارل بيلا([21]).


    الهوامش (التحيز الغربي)

    [1] – كيليطو، عبدالفتاح، المقامات: السرد والأنساق الثقافية، ترجمة: عبدالكبير الشرقاوي، الطبعة 2، الدار البيضاء: دار توبقال،  2001م،ص169.

    [2]   – كيليطو، المقامات: السرد والأنساق الثقافية، ص8.

    [3] عارف، نصر، نظريات التنمية السياسية، ضمن كتاب: إشكالية التحيز، تحرير عبدالوهاب المسيري، فرجينيا: المعهد العالي للفكر الإسلامي. 1997 م(2/188) .

    [4] – إبراهيم، عبدالله، السردية العربية الحديثة، الجزء الأول، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013م، ص7.

    [5] – كيليطو، المقامات: السرد والأنساق الثقافية، ص169.

    [6] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص24.

    [7] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص5.

    [8]– برجم، راوية،آليات تأويل السرد العربي القديم عند عبدالفتاح كيليطو، المقامات نموذجاً، مجلة أبوليوس، العدد 8، يناير 2018م.

    [9] -طرودي، سليمة، آليات قراءة التراث عند عبدالفتاح كيليطو، كتاب المقامات السرد والأنساق الثقافية أنموذجاً،  رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة العربي بن مهيدي، الجزائر،2014م.

    [10] – كيليطو، عبدالفتاح، في جو من الندم الفكري، ايطاليا: شرق المتوسط، 2020م.

    [11] – كيليطو، نفس المرجع .

    [12] – كيليطو، نفس المرجع .

    [13] – يربط هيغل نشأة الرواية كجنس أدبي جديد بالتحول التاريخي الذي حصل في سباق الوعي الأوربي، وهذا التصور يعزز رؤية هيغل في مركزية أوروبا التي تنظر إلى تواريخ غيرها من الشعوب كهوامش فقط(بوعزة، الطيب، ماهية الرواية، بيروت: عالم الأدب،2016م، ص60)

    [14] – كيليطو،عبدالفتاح،  الأدب والغرابة:دراسات بنيوية في الأدب العربي، الطبعة 3، الدار البيضاء: دار توبقال،  2006م،ص21،ص23.

    [15] – حكيمة، بلحين، الخطاب النقدي والموقف من التراث في كتابات عبدالفتاح كيليطو الأدب والغرابة نموذجاً، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة محمد بوضياف، المسيلة، الجزائر. 2016، ص56 ص57.

    [16] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص8.

    [17] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص9.

    [18] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص11.

    [19] – كيليطو، نفس المرجع، ص12-13.

    [20] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص17-ص18.

    [21] – كيليطو، لن تتكلم لغتي، ص19.

  • الشاعر والسلطة السياسية قبل الإسلام: طرفة بن العبد  وزهير بن أبي سلمى كنموذجين – يسين العمري

    الشاعر والسلطة السياسية قبل الإسلام: طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى كنموذجين – يسين العمري


     تُعتبر العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية علاقة جدلية – استشكالية منذ القدم، فهي علاقة ديناميكية ومتحرّكة وغير جامدة وثابتة؛ حيث قامت بالأساس على قاعدة ثنائية العلاقة بين الموالاة والمعارضة، ولا يمكن القفز على كون السلطة السياسية عبر العصور تحتاج للمثقفين وللسلطة الثقافية عموماً لتكريس شرعيتها، والتبرير لسياساتها، وتلميع رموزها، وإقناع الجمهور بكلّ ما ينتج من أقوال وأفعال عن الحاكم وبطانته. وفيما يخصّ المثقف العربي، وحتى قبل استقرار المفهوم ورسوخه على إثر قضية الضابط “دريفويس” بفرنسا، كان الشعراء بالأساس ممّن لعبوا دور المثقف في العصر الجاهلي، يتعاملون مع السلطة الحاكمة بمنطقين مختلفين، فإمّا يوالون الحاكم ويمدحونه، فيحصلون مقابل ذلك على الامتيازات المالية والمناصب والمكانة الاجتماعية، وإمّا يعارضون الحاكم فيكون مصيرهم إمّا محاولة التدجين والاحتواء في بعض الحالات، أو مباشرة الإقصاء والتنكيل والعقوبات التي تتراوح ما بين السجن والتعذيب والتشريد والقتل وحرق الكتب وغيرها. نشير مع ذلك إلى أن هناك استثناءات على قاعدة الثنائية، فخارج منطق الموالاة والمعارضة، قد نجد هناك المثقف المحايد أو الذي يتقلّب بين الموالاة والمعارضة حسب المصلحة والمشروع الشخصي والقناعة. هذه المقالة البحثية تهدف إلى الغوص في علاقة المعارض للسلطة السياسية في العصر الجاهلي (طرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمي نموذجين)، الأول منهما فقد حياته ثمن قصيدة هجا بها ملك الحيرة عمرو بن هند، والثاني نال التكريم والقرب والعطايا نتيجة مدحه لهرم بن سنان شيخ وزعيم قبيلة ذبيان.


    • فهرس:

    • مقدّمة.

      • المحور الأول: المثقف المعارض ما قبل الإسلام (نموذج طرفة بن العبد): الأوجه والدوافع والمآل.

        • المبحث 1: أوجه ودوافع معارضة طرفة بن العبد لملك الحيرة عمرو بن هند.

        • المبحث 2: مآل معارضة طرفة بن العبد.

      • المحور الثاني: المثقف الموالي قبل الإسلام (نموذج زهير بن أبي سلمى): الأوجه والدوافع والمآل.

        • المبحث 1: أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان.

        • المبحث 2: مآل موالاة زهير بن أبي سلمى.

    • خاتمة.

    • فهرس المصادر والمراجع.


     

     

    مقدمة:

          شكّلت علاقة المثقف -أو من كانوا يقوم مقامه ويلعبون دوره قبل تأصيل ورسوخ مفهومه بالمعنى الحديث- بالسلطة السياسية علاقة ملتبسة ومتشابكة، عرفت أوجهاً متعدّدة وتميّزت بالدينامية وعدم الجمود، وعرفت هذه العلاقة الجدلية بين الطرفين مساراً طويلاً عبر محطّات تاريخية تميّزت بالتحدّي والمواجهة حيناً والتحالف والتناغم حيناً آخر.

          ولم يخلُ التاريخ العربي ما قبل الإسلامي بدوره من هذه التجاذبات والتناغمات والتنافرات بين الطرفين، وسأشتغل في هذا المقال على فترة من التاريخ الجاهلي، حيث سأقف على بعض محطّات علاقة السلطة السياسية بالمثقف المعارض والموالي، وتبيان بعض أوجه ودوافع ومآلات الصراع بين الطرفين، مع اختيار نموذجين عن تلك الفترة، وتمّ اختيارهما لمكانتهما الأدبية والشعرية من جهة، فكلاهما من أصحاب المعلقات السبع المعروفة، لأنّ مواقفهما تجاه السلطة في حينه تضاربت بما يخدم موضوع المقالة، فمنهما المعارض الذي هجا ومنهما الموالي الذي مدح، فالمعارض هو أشعر الشعراء في الجاهلية بعد امرؤ القيس، طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة من قبيلة قيس بن ثعلبة من بني بكر بن وائل، الذي نشأ في عائلة كلها شعراء (جده وأبوه وعمّاه وخاله)، أمّا الشاعر الموالي فقد وقع الاختيار على زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني وهو من مُضَر، ويلقّب بحكيم الشعراء، توفي قبل بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بسنة واحدة.[1]

        بناءًا عليه، أفتتح مقالي بطرح الإشكالية وهي كالآتي: ما هي أوجه ودوافع معارضة المثقف للسلطة السياسية في العصر الجاهلي؟ وكيف تعاملت السلطة الحاكمة مع المثقف المعارض والموالي لها؟ وسأعمل على ذلك من خلال النموذجين  المختارين، وذلك وفق تصميم ينقسم إلى محورين: يتعلّق الأول بـ المثقف المعارض في العصر الجاهلي، وينقسم هذا المحور إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع المعارضة طرفة بن العبد لعمرو بن هند ملك الحيرة، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك المعارضة. أمّا المحور الثاني فيتناول المثقف الموالي في العصر الجاهلي، وينقسم هذا المحور بدوره إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان المرّي، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك الموالاة.

          يمكن في هذا المقام ملاحظة أنّ إشكالية المقالة ذات طابع تفكيكي للعلاقة بين المثقف المعارض والموالي من جهة، والسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام، ومن خلال العودة لتاريخ هذه العلاقة بين الطرفين يمكن القول بأنّ المثقّف “العربي” الحالي في علاقته بالسلطة السياسية الحاكمة ينطلق من حمولة تاريخية لها انعكاسات مختلفة، حيث أرى أنّ استحضار البُعد التاريخي –في تقديري- عنصر مؤسّس لفهم واقع واستشراف مستقبل العلاقة بين الطّرفين.

          وقبل الشروع في التحليل، أرى أنّه من الضروري أن أبيّن في هذا الصّدد أنّ علاقة المثقف -أو لنقل من كانوا يقومون بدوره قبل رسوخ المفهوم وتأصيله بشكله الحديث المتعارف عليه- بالسلطة السياسية في الثّقافة العربية قديمة وقائمة في أساسها على ثنائية المدح والهجاء (حالياً المعارضة والموالاة)، وأستعين في هذا الصّدد بما ذكره حسين العودات الذي يصف هذه العلاقة كالتالي: […كانت علاقة ذوي الفكر بذوي السياسة قائمة في بادئ الأمر في ما هو متعارف عليه بعصر الجاهلية، يعني قبل قيام دولة الإسلام المركزية، التي بدأت نواتها الأولى منذ دولة المدينة التي أسّسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم، وكان المدح والهجاء هما الموضوع الأساسي لمثل هذه العلاقة، حيث كان بعض المثقفين إمّا هم من الشعراء، وكانوا يقومون بوظيفة إعلامية من خلال دور المدّاحين والهجّائين، وإمّا هم من الكتّاب يقولون نصوصاً قريبة من الحكمة أو الفلسفة، ونذكر منهم قسّ بن ساعدة الإيادي والنابغة الذبياني وغيرهما].[2]

          وكانت علاقة السلطة السياسية في عصر الجاهلية ممثلة في شيخ القبيلة بالشاعر باعتباره مثقف ذلك العصر، تقوم على أساس أنت تكتب وأنا أشتري وأنشر وأكافئ إن كان الشاعر موالياً (مادحاً)، أو أنت تكتب وأنا أقتل إن كان الشاعر معارضاً (هَجَّاءًا) ، ممّا أبرز دور المثقف بقوّة في المجتمع الجاهلي، وقد استمرّ الأمر كذلك في الدولة الإسلامية ما بعد الرسول عليه السلام والخلفاء الراشدين، حيث لم يكن الشعر يلعب دوراً بالغ الأهمية حينها، وإن كان موجوداً طبعاً ولم يندثر، ويؤكّد العودات هذه الفكرة، حيث ذكر أنّ: [… المنطق السلطاني الذي جرى وفقه استجرار الشّعراء والأدباء والعلماء والأطبّاء إلى داخل ما سمي ب “الحريم الثقافي” هو منطق “أنت تكتب وأنا أشتري”، وكان المثقّف يحتال على عصره سابقاً بالاستنساخ، في غياب الطّباعة ووسائل النّشر الجماعي، فكان الجمهور مهجوراً ثقافياً، يعيش بين النّمط السّلطاني والطّقوس الاجتماعية الدّينية، مع كلّ شعائر العصر وشعارات القوى المتغالِبَة، فتكرّست منذ ذلك الوقت علاقات المصالح المتبادلة بين المثقّف والحاكم، حيث تأكّد من جهة تجذّر تقليد ضرورة الغطاء الثّقافي للسّلطة، وحاجة أيّ سلطة إلى آراء المثقّفين وتبريراتهم، فلم تعد وجهات نظرهم أو مواقفهم من الدولة أمراً من النّوافل، بل أمراً جوهرياً تقع في صلبه مقوّمات السّلطة واستمرارها، ومن جهة ثانية تأكّد أنّ المثقّفين أصبحوا شركاء حقيقيّين في السّلطة وركناً من أركانها، لا يقلّ شأنهم عن شأن الجنود، ولا يقلّ دورهم عن دور القوّة العسكرية في امتلاك السّلطة وتثبيت أركانها، رغم بقاء هذه العلاقة مثل علاقة بيع وشراء (أنت تكتب وأنا أشتري)، بمعنى أنّ الحاكم بحاجة إلى المثقّف ليكتب له ما يستطيع به ومن خلاله تحقيق شرعية حكمه واستمرارها، والمثقّف بحاجة إلى الحاكم للحصول على الامتيازات السياسية والمالية والمعنوية والسّلطوية أيضاً].[3]

            أمّا بخصوص طبيعة السلطة السياسية التي كانت قائمة في العصر ما قبل الإسلامي، فيبيّن محمد كلاوي أنّ: [… إقليم الحجاز يُعتَبَرُ الامتداد الجغرافي الذي نشأ وترعرع فيه الإسلام، ومنه انتشر إلى باقي المناطق التي دانت لحكم المسلمين، وبالتالي شكّل نقطة القاعدة الجغرافية الأصلية للثقافة العربية الإسلامية. فهذا الإقليم اقترن بمفهوم البداوة، وما يوحي به من قفر وجدب على الصعيد البيئي. غير أنه بقدر ما كانت هذه الوضعية عائقاً حال دون تطوّر نمط الحياة اليومية للرجل العربي آنذاك، بقدر ما زكّت فيه جملة من السّجايا والخصال انعكست إيجاباً على حياته الاقتصادية والسياسية. وهكذا استقرّت في المجتمع الحجازي كثير من الأعراف والعادات شدّت أواصر ترابطه القبلي وأذكت روحه التجارية، وهي سمات أفرزت مكوّنين أساسين استندت إليهما السلطة الحاكمة التي على رأسها شيخ القبيلة في تجمّع قَبَلي ما ممتدّ على رقعة جغرافية معيّنة، سواء تعلّق الأمر فيها بمواطن الحلّ أو التّرحال، تقوم على أساسين: الترابط العصبي المستمدّ من الروح القبلية التي يقول عنها الجابري أنها كانت “مفعولاً طبيعياً فطرياً، بمعنى أنّه لم يكن يحرّكه غير ما شكّل من القبيلة قبيلة، وهو القرابة بالنسب أو ما في معناه كالولاء، والحِلف، والجوار”، والتوزيع الاجتماعي المبني أولاً على مختلف الفئات الاجتماعية التي كانت تُصنَّف وفق أصلهم القبلي، وبالتالي كان المحدّد الرئيسي فيها هو موقع كلّ قبيلة في ترتيب السُّلَّم الهرمي، بالرغم من وجود “فوارق” في المستوى المعيشي، كما كان مبنياً ثانياً على التّشكيل القبلي الذي كان أضفى النّزعة النظامية على ذلك المجتمع. وكان الإطار السياسي متمثلّاً في دار الندوة كأعلى هيئة سياسية لصنع واتّخاذ القرارات المنظمة لشؤون الحياة العامة في مكّة، وهي هيئة مقسّمة إلى قسمين: واحد استشاري يفترض فيه أنّه ذو طابع جماعي، والثاني هو الملأ وهو بمثابة مجلس تنفيذي “إذا ما توفّر الإجماع للقرارات الصّادرة عنها”، ولكن العضوية في دار الندوة كانت تخضع لشروط تحول دون إشراك كلّ الأطياف الاجتماعية فيها، وهكذا “فلم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي أجمعون”].[4]

             وأستنبط ممّا سبق، أنّ السلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام كانت قائمة على القبيلة والتحالفات القبلية، وتكمن فاعلية عامل العصبية القبلية في التكوين السكاني والدفاع عن مصالحه المادية، وقد كان هو محور السلطة السياسية، والعماد الصّلب فيما يخص النمط الإنتاجي والبيئي. وقد عرف محمد عابد الجابري العصبية بأنها: [… الجماعة، ولكن ليس مطلق الجماعة، بل بالضّبط تلك التي تتكوّن من أقارب الرجل الذين يلازمونه، وهذا يعني: أولاً، أن العصبية تقوم أساساً على القرابة، ثانياً: أن جميع أقارب الرجل، ليسوا بالضرورة عصبة له، بل فقط الذين يلازمونه منهم].[5]

     

    أهمية الموضوع:

            تكمن أهمية البحث في كون أنّ ما عرفته المنطقة “العربية” من حراك جماهيري أُطلق عليه “الرّبيع العربي“، أعاد طرح العديد من الأسئلة والنّقاشات ولا زال، حول دور وتأثير المثقّف في المجتمع، وحول سبل تعاطي السّلطات السّياسية في الدّول “العربية” مع المحكومين من جهة، ومع المثقّفين من جهة أخرى، وهو ما استدعى -في تقديري- العودة إلى النّبش في تاريخ وأصول تشكّل العلاقة بين المثقّفين والسّلطة السّياسية في التاريخ العربي ما قبل الإسلام، لاستكشاف كيف انتظمت العلاقة بين الطّرفين، وأوجه ودوافع ومآلات الموالاة والمعارضة، وكيف يمكن استخلاص العبر من هذه الحمولة التاريخية.

           من هذا المنطلق، أرى أنّ أهمية البحث مُستمَدّة من عنصر الجِدّة والرّاهنية، إضافة إلى المساهمة الأكاديمية التي حظي بها موضوع المثقف والسلطة السياسية سواء في المرجعية الغربية أو العربية، مع اختلاف زوايا معالجة الموضوع، ومن خلال اطّلاعي على المصادر والمراجع التي تسنّى لي الاطّلاع عليها أثناء إنجاز هذه المقالة.

    أسباب البحث:

    • محاولة توضيح أنّ “المثقف” كمفهوم وكرمز وكإيديولوجيا له حمولة تاريخية، ويستند على سلطته المعرفية (سلطة العقل) في مواجهة سلطة غاشمة تحتكر وسائل العنف، أو يضع تلك السلطة المعرفية في خدمة الحاكم ليتقرّب منه وينال مكاسب ذلك التقرّب، وفي الغالب تكون كلمات المثقف المعارض كابوساً مزعجاً للسلطة السياسية، حيث يخشى الحاكم وحاشيته من تأثيرها على العامّة/ وبالتالي سقوط هيبة الحاكم أمام شعبه، واجتراء العامّة عليه، وبالتالي سهولة تمرّدهم على السلطة القائمة، لذلك يسارع الحاكم إلى معاقبة المثقف المعارض ووأد “فتنته”، أمّا المثقف الموالي فيسلك منهجاً تبريرياً يجعل ما يقوم به الحاكم مقبولاً لدى الشعب، ومقابل هذه الخدمة ينال المكافأة المالية والحظوة الاجتماعية، فيصير أشبه بالموظف لدى الحاكم، يستخدمه متى وأين وكيف ما شاء، وضدّ من شاء.

    • وضع الأصبع على مكامن الخلل في العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية في الجغرافيا والحيّز التاريخي اللذان ترصدتهما المقالة.

    أهداف الموضوع:

    • الانخراط في سياق الدراسات والأبحاث التي تمّ القيام بها حول الموضوع، ومحاولة تبيان بعض الإشكالات العالقة أو التي لم يتمّ تفكيكها بخصوص موضوع المثقف الموالي والمعارض في علاقته بالسلطة السياسية في العصر الجاهلي.

    منهجية البحث:

           اعتمدت في هذا البحث على المنهجين الوصفي والتاريخي، إضافة لجوانب من المقارنة والنقد والتحليل، انطلاقاً من زاوية المعالجة التي اخترتها للموضوع وهي بالأساس التاريخ، دون إغفال بعض الأنساق ومجالات البحث الأخرى الثانوية مثل الفكر السياسي.

          وقد اقترحت هذه المنهجية، عملاً بالقاعدة البحثية القائلة بأنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدّد طبيعة المنهجية، حيث لم أعتمد في هذا البحث على منهج واحد، بل قمت بتوظيف المنهج المناسب في الظّرف المناسب، ولهذا قمت مثلاً بتوظيف المنهج الوصفي للمساهمة في التّعرّف على المفاهيم موضوع المقالة (المثقّف والسلطة السياسية)، والوصول إلى تفسيرات تحاول الإجابة على الإشكالية، كما قمت بتوظيف المنهج التّاريخي لتتبّع ورصد تمظهرات معارضة وموالاة المثقف للسلطة السياسية في العصر الجاهلي.

          أنتقل بعد عرض إشكالية وأهمية الموضوع، وتبيان أسبابه وأهدافه، وطرح منهجيته، إلى توضيح أنّ العلاقة بين السلطتين الثقافية والسياسية علاقة غير جامدة وثابتة، بل هي متغيّرة ومتحرّكة عبر التاريخ القديم والحديث، ولا تحكمها العواطف، بقدر ما تحكمها وتتحكّم فيها المصلحة من الطرفين، فالمثقف تحرّكه مصلحته الشخصية حيناً ومصلحة مجتمعه حيناً، والمصلحتين معاً في أحيان أخرى. كما أنّ السلطة السياسية تحرّكها في علاقتها بالمثقف مصلحتها الملحّة والدائمة في إيجاد من يُبرّر سياساتها ويُقنِع المحكومين بشرعيتها، حتّى تتّقي السلطة غضبتهم وتمرّدهم، كما أنّ العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية قد تعكس نوعاً من الصّراع الاجتماعي أو السياسي أو الإيديولوجي داخل المجتمع.

         وأرى أنّ الأمر يقتضي من الناحية المنهجية تعريف المصطلحين الرئيسيين في هذه المقالة، ويتعلّق الأمر بالمثقف والسلطة السياسية، وأبدأ بمعنى المثقف، حيث أوضح محمد عابد الجابري أنّ: [… المثقّف هو الذي يعرف، ويتكلّم ليقول ما يعرف، وبالخصوص ليتولّى القيادة والتّوجيه في عصر صار فيه الحكم فنّاً في القول قبل أن يكون شيئاً آخر، وقد اتّسع مفهوم المثقّف ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثّقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين].[6]

          وأرى أنّ المثقّفيْن (الشاعرين) اللذان سأشتغل عليهما في هذه المقالة ينضويان تحت هذا التّعريف، من حيث المقدرة الفكرية والأدبية والبعد الإبداعي والألمعية الفذّة لديهما في الشّعر، حيث كان المشهد الشعري بالخصوص في الحجاز  يتميّز بالثراء، ويتصدّره كوكبة من فطاحل الشعراء والخطباء، باعتبارهم من كانوا يقومون مقام المثقفين بالمفهوم الحديث للمصطلح ويلعبون دورهم، وكان منهم من عارض السلطة السياسية فاكتوى بنارها، وبعضهم كان موالياً للحكّام (شيوخ القبائل)، وكان أولئك الحكّام في كثير من الأحيان يحاربون أولئك الشعراء الأفذاذ والجهابذة بإيعاز من محيط الملك أو زعيم القبيلة أو شيخها، ممّن كانوا يحقدون عليهم أو من بعض الشعراء الذين كانوا ينافسونهم، أو بينهم مشاكل شخصية، فكانوا يوغرون صدر الحاكم والعامّة على بعض الشعراء كمثقفين في ذلك العصر.

         وفي إطار تنسيب الأحكام، وجب التوضيح أنّ طرفة بن العبد قبل هجائه لملك الحيرة عمرو بن هند فقد سبق له أن قام بمدحه، بل وكان من خاصّته وأهل مجلسه وديوانه، وبالتالي تحكمت المصلحة الشخصية باعتبارها من محددات العلاقة بين الحاكم والمثقف في ما آلت إليه الأمور، حيث انتهى الأمر بمقتل الشاعر، وهذا الحدث له ما يماثله في التاريخ الإسلامي، وبالضبط في عصر الدولة الإخشيدية بمصر، حيث قام الشاعر أبو الطيب المتنبي بمدح حاكم مصر كافور الإخشيدي، ثمّ ما لبث أن هجاه، ممّا تسبّب في قتله،[7] ويكون بذلك قد أدّى الشاعر طرفة بن العبد ثمن موقفه المعادي للملك عمرو بن هند، وقد لعب محيط الملك دوراً هامّاً في تأجيج الموقف، وأوغروا صدر  عمرو على طرفة، وبالأخصّ ابن عمّ طرفة بن العبد وكانت بينهما خصومة، فهجاه طرفة، فلعب دوراً في الجفاء بين طرفة والملك عمرو، حتى تمّ له ما أراد وانتهى الأمر بقتل طرفة.[8]

          بعد أن قدّمت معنى المثقف والمثقفين المختارين كنموذجين للموالاة والمعارضة، أنتقل إلى عرض معنى السلطة بمفهومها العامّ ومفهومها الخاصّ السياسي، فمن ناحية التعريف المتداول لها كمفهوم عامّ، أرجّح ما ذهب إليه جون وليام لابيار إذ عرّفها بأنّها: […الوظيفة الاجتماعية التي تقوم على سنّ القوانين، وحفظها، وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، وهي التي تعمل على تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة: إنها لا غنى عنها لوجود الجماعة ذاته، لاستمرارها، ولمتابعة نشاطها، من هنا بالذات، إنها تلك الوظيفة القائمة على اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة، فالتنظيم، والتقرير، والحكم، والعقاب، هي المهام التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت…].[9]

          وفيما يخصّ تعريف السلطة في بعدها السياسي، أختار التعريف الذي وضعه هنري لوفيفر، واتّفقت عليه معظم المعاجم القانونية التي عرّفت السلطة السياسية بأنها: [ عنصر من عناصر الدولة إلى جانب السكان أو الشعب، والأرض أو الإقليم. ومن شروطها وجود موارد من البشر والسلاح والمال، وجود مجتمع منظّم يعيد إنتاج العلاقات التي تكوّنه (من الأعراف إلى القانون)، ثمّ وجود ضوابط وقيم وإيديولوجيا].[10]

         أمّا فيما يخصّ الإطار الزمني الذي تشمله المقالة البحثية، فيتعلّق الأمر بعصر ما قبل الإسلام المتعارف عليه بالعصر الجاهلي.

           ويتّفق المفكّرون العرب والغربيون بخصوص تأصيل مفهوم المثقّف بمفهومه العصري، ونجد مثلاً من بين أولئك المفكّرين العرب المختار بنعبد العالي على سبيل المثال، والذي بيّن أنّ النقطة المفصلية في بلورة المفهوم تاريخياً كانت في “قضية دريفوس”، حيث يذكر الكاتب أنّ: [… بيان المثقفين في قضية “ألفريد دريفوس”، الضابط اليهودي الذي اعتقلته فرنسا في غويانا سنة 1894م بتهمة تجسّسه لألمانيا، أدّى لظهور المثقف، الذي يعني سواء من حيث المعنى اللغوي أو الاستعمالي “الشخص المهتم أو المتابع في مجال بعينه أو في مجالات متقاربة، وقد يكون متابعاً ومعلقاً في الأدب والسينما، المسرح أو الرسم التشكيلي، والحدود هنا واضحة بين المثقفين والمفكرين والمبدعين”. أمّا في الثقافة العربية، فإن الحدود غير واضحة بين المثقف الذي هو قارئ ومتتبّع بالأساس، وبين المفكّر أو المبدع، وغالبا ما يتم إدماج الجميع داخل صيغة واحدة هي صيغة المثقفين، كما يتميز المثقف العربي بطابعه الموسوعي وتعدد اهتماماته وبنزعة تربوية، بل أبوية أحيانا اتجاه مجتمعه، والمثقف أمام شعوره بواجبه “التربوي” إزاء المجتمع، يحاول أن ينقل إليه كل الضروب المعرفية الممكنة، حتى ولو أدى ذلك إلى نوع من الإسفاف، كما ينغمس في العمل السياسي لأنه يعتبر نفسه ضميراً للشّعب، ويرى أن مكانته داخل المجتمع توفر له نوعا من الحماية، وأنه يستطيع أن يصير إحدى القنوات التي يمكن أن يمرّر من خلالها الخطاب السياسي في غياب المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي يفترض أن يمر هذا الخطاب عبرها].[11]

            غير أنّ بعض المفكرين مثل محمد عابد الجابري وعلي أومليل وغيرهما قاموا بـ”تبيئة” مفهوم المثقف بما يلاءم المرجعية العربية – الإسلامية مع العودة للجذور من باب المقارنة، حيث تمّ استنباط بعض الوظائف المشابهة لوظيفة المثقف، والتي قام بها بعض الفقهاء والوعّاظ والكتّاب والمفسّرون والشعراء والأدباء وغيرهم في التاريخ الإسلامي الوسيط، وبالقياس على ذات المعيار، يمكن أن نقوم بتبيئة مفهوم المثقف ليشمل فترة العصر الجاهلي.

          بعد هذه التوطئة التي اشتملت على مدخل نظري عامّ، ومحاولة لضبط الإطار المفاهيمي، أنتقل إلى المحور الأول المتعلّق بأوجه ودوافع ومآلات معارضة الشاعر طرفة بن العبد، باعتباره النموذج الذي اخترته كمثقف معارض في العصر الجاهلي

    المحور الأول: المثقف المعارض للسلطة السياسية قبل الإسلام:

           سنتطرق في هذا المحور إلى نموذج الشاعر طرفة بن العبد الذي لقي حتفه على يد ملك الحيرة عمرو بن هند، وهو في الخامسة والعشرين من عمره وفي روايات أخرى السادسة والعشرون، بسبب قصيدة هجاه فيها هو وأخوه قابوس، لأنّ الملك أساء إليه لم يكرم وفادته كما سنرى.

         ولكن قبل أن نستعرض ملابسات هذه الحادثة التاريخية، وما يمكن استخلاصه منها، نتطرّق باقتضاب لمكانة الشعر والشعراء في القبائل والممالك العربية حينئذ، بما أنّ الشعراء يمكن اعتبارهم مثقفو تلك الحقبة الزمنية سواء معرفياً لفصاحتهم في اللغة العربية، أو لدورهم في المجتمع عبر الدفاع بالكلمة عن القبيلة وحلفائها والذّبّ عن أنسابهم وأحسابهم وأعراضهم والتغنّي بانتصاراتهم في الحروب والافتخار بهم…إلى آخره، أو لتعظيمهم لزعماء وملوك العرب من خلال شعر المدح أو الحطّ من قدرهم والاستهزاء والاستهانة بهم من خلال شعر الهجاء.

          يشير مصطفى صادق الرافعي إلى أنّ الشعراء قبل الإسلام كانوا يعرضون أشعارهم في الأسواق مثل عكاظ، وفي موسم الحجّ في مكة على أندية قريش، وما استُحسِنَ من الشِّعر رُوِيَ وكان فخراً لقائله، وكان العرب يُفاخِرون بشعرائهم، كما كان الشاعر يتباهى بقبيلته، ويُعرض عن غيرها، وكان ذلك دينه السياسي ودَيْدَنَهُ، فكان يستحيل إيجاد شاعر يمدح قبيلة بينها وبين قبيلته عداوة، وهذا التفاني في حبّ القبيلة والدّفاع عنها والتنافر مع أعدائها، خلق الحرص في طبائع الشعراء، فتمكّنت غريزة الفخر من نفوسهم، ومن جهتها صارت القبائل وزعمائها في حاجة للشعراء، لدرجة أنّه لمّا كان ينبغ شاعر في قبيلة أتت القبائل الأخرى فهنّأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، وتتباشر الرجال والولدان، لأنّ الشاعر يحمي أعراض أفراد القبيلة ويدافع عن الأحساب ويخلّد المآثر ويشيدون الذِّكر، وكانت لا تتمّ القبائل إلا بغلام يُولد أو شاعر يَنبُغ أو فرس تُنتِج. ويخلص الرافعي إلى أنّ الشعر في الجاهلية أخذ طابع العصبية القبلية.[12]

    المبحث 1: أوجه ودوافع معارضة طرفة بن العبد لملك الحيرة عمرو بن هند.

            ننتقل بعد أن ذكرنا مكانة الشعراء والشعر في المجتمع القَبَلي العربي قبل الإسلام، إلى تسليط الضوء على مثل يؤرّخ لعلاقة الصّدام بين المثقف والسلطة السياسية قبل الإسلام، من خلال استعراض حادثة قتل الشاعر طرفة بن العبد على يد ملك الحيرة بسبب قصيدة شعر.

            يذكر الرافعي أنّ طرفة بن العبد كان شاعراً ذا حَسَبٍ في قومه من أهل اليمامة، وكان جريئاً في شعر الهجاء، أبيّاً ومُعتدّاً لنفسه، مُدلّ على قومه، أي واثق من محبتهم له ومنزلته منهم فيتجرّأ عليهم بمقدار ما تدفعه هذه الثقة، مترفّعاً إلا عن الملوك يرجوهم ويهجوهم، فهو يذهب إليهم بنفسه، ولكنه يَمْثُل لديهم وكأنّه بين قومه، ويفسّر الرافعي ذلك بكون الشاعر طرفة بن العبد كان غِرّاً (ساذجاً) لم تَسْلَم به السِّنُّ إلى مذهب عن نزق الحداثة وسكرة الشباب.[13]

         ويضيف الرافعي عن سبب قتله هو أنّ كان ضحية جنون كبرياءه وقتله لسانه، والأقوال متقاربة في ذكر حادثة قتله، يسوق الرافعي منها ما رواه يعقوب بن السكيت في شرح ديوانه، حيث قال إنّ طرفة هجا عمرو بن هند ملك الحيرة بأبيات أوّلها:

    فليت لنا مكان الملك عمرو ….. رَغوثاً حول قبتنا تَخُورُ.

    من الزّمِرات أسبل قادماها …… وضرّتُها مركّنة دَرُورُ.

    يشاركنا لنا رِخلان فيها …….. وتعلوها الكِباشُ فلا تنورُ.

    لَعَمْرُكَ إنّ قابوس بن هند …… لَيَخلِطُ مُلكَه نوكٌ كثيرُ.[14]

          ونلاحظ أنّ الشاعر طرفة بن العبد يعني بأبياته هذه أنّ الملك عمرو بن هند لا يصلح للمُلك، وخير منه نعجة تخور (الرَّغوث)، بل حملت قصيدته سبّاً بذيئاً للملك، يحمل دلالة جنسية خادشة في الشطر الثاني من البيت الثالث، كما تعّرض الشاعر بالهجاء لشقيق الملك.

          ويذكر الرافعي أنّ الملك عمرو بن هند لم يسمع تلك القصيدة حتى خرج يوماً إلى الصيد فأمعن في الطلب، فانقطع في نفر من أصحابه حتى أصاب طريدته، فنزل وقال لأصحابه: اجمعوا حطباً، وفيهم ابن عمّ طرفة واسمه عبد عمرو بن بشر، وكان قد وقع بينه وبين طرفة شرٌّ فهجاه، وكان عبد عمرو لا يعلم بأمر ذلك الهجاء، فأخبره الملك بأمر هجاءه وذكر له أبيات سمعها من طرفة في هذا الخصوص، فغضب عبد عمرو ممّا قاله وأنفه واستقبحه، فقال: لقد قال للملك أقبح من هذا، قال عمرو: وما الذي قاله؟ فندم عبد عمرو و أبى أن يُسمعه، فقال: أسمعنيه وطرفة آمن، فأسمعه القصيدة التي هجاه بها، فسكت الملك على ما قرّر في نفسه، وبلغ ذلك طرفة.[15]

          يتّضح من هذه النازلة أنّ الجفاء والعلاقة المتوترة بين الشاعر المثقف في شخص طرفة بن العبد، وبين السلطة السياسية متمثّلة في الملك عمرو بن هند وأخيه، يعود لطابع شخصي، وهذا الأخير محدّد من محدّدات العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية، فماذا كان مآل معارضة طرفة للملك؟

    المبحث 2: مآل معارضة طرفة بن العبد.

      يوضّح الرافعي أنّ الملك عمرو بن هند لم يعجل على طرفة بن العبد بسبب هجائه له، وذلك لمكانة قومه، وتظاهر بأنّه تجاهل أمره منتظراً غِرّته والاستمكان منه، حتى أمن طرفة ولم يعد خائفاً، ظنّاً منه أنّ عمرو بن هند قد رضي عنه، فقدم إليه يتعرّض لفضله، مع شاعر آخر يُدعى المتلمس أو جرير بن عبد المسيح، وهو رجل مسنّ ومجرّب –وكلاهما هجا الملك-، فكتب لهما إلى عامله على البحرين وهجر، وقال لهما انطلقا إليه فاقبضا جوائزكما، ففطن المتلمس للأمر، وحذّر طرفة، واقترح عليه فتح الرسالة وقراءة ما فيها فإن كان خيراً واصلا المسير، وإن كان شرّاً لم يهلكا، لكن طرفة –لسذاجته وحداثة سنه حسب الرافعي- رفض تحذير جرير، ورفض فكّ خاتم الملك، ففرّ جرير إلى الشام، أمّا طرفة فوصل إلى البحرين وسلّم عاملها كتاب الملك ففتحه وقتل طرفة، وقيل أنّ ذلك كان سنة 552م وقيل 564م. [16]

          ويذكر مصطفى صادق الرافعي بأنّ طرفة لم يجزع لمّا أيقن بالموت، بل واجهه باقتدار وسكون جأش وقوة غريزة، فقال مخاطباً من كلّفه عمرو بن هند بقتله:

    أبا منذرٍ كانت غروراً صحيفتي …… ولم أعطكم بالطّوع مالي ولا عرضي.

    أبا منذرٍ أفنيت فاستبق بعضنا ……. حنانيك، بعض الشرّ أهون من بعضِ.[17]

         ونستنتج من هذا المحور أنّ السلطة السياسية في شخص الملك عمرو بن هند لم تتقبّل أن تكون للسلطة الثقافية في شخص الشاعر طرفة بن العبد، رأي في أهليتها وصلاحيتها للحكم، حتى ولو كان الطابع الشخصي بين الطرفين حاضراً في هذه الحادثة التاريخية، ولكن يمكن أن نستخلص منها أنّ الحاكم لا يقبل نقده كشخص ولا كصاحب سلطة ونفوذ فكيف بهجاءه، لذلك كان ردّ الفعل هو القتل. ويمكن كذلك أن نستخلص أنّ المثقف المعارض لا يبالي بمصير معارضته للحاكم، فهو لا يعارض إلا عن علم مسبق بأنّ نهايته ومآله ستنتهي بالتنكيل أو السجن أو القتل، ولذلك فهو يواجه مصيره وهو معتدّ بنفسه، ولا تظهر عليه آثار الخوف من سوء المصير أو الأسف على ما بدر منه من مواقف، حتى لا يشمت فيه من عارضه، ويسجّل عليه التاريخ موقف المتراجع والنّادم.

         وبهذا نختم محور المثقف المعارض للسلطة السياسية في العصر الجاهلي، والذي استعرضنا فيه تجربة الشاعر طرفة بن العبد مع ملك الحيرة عمر بن هند، وننتقل إلى محور آخر نستعرض من خلاله نموذج المثقف الموالي للسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام، حيث سنخوض في تجربة الشاعر زهير بن أبي سلمى.

    المحور الثاني: المثقف الموالي قبل الإسلام (نموذج زهير بن أبي سلمى): الأوجه والدوافع والمآل.

            سبق أن استعرضنا في معرض التطرق لنموذج المثقف المعارض للسلطة السياسية قبل الإسلام مكانة الشعر والشعراء في المجتمع العربي، باعتبارهم مثقفي تلك الحقبة الزمنية، وسنتطرق في هذا المحور إلى نموذج أحد الشعراء ممّن خصّصوا شعرهم لمدح زعماء القبائل والملوك للتقرّب منهم وكسب المال كما سنرى.

           يشير سراج الدين محمد بادئ ذي بدء إلى معنى المديح، فهو لغة حسن الثّناء بذكر مآثر الفرد أو الجماعة، أمّا اصطلاحاً فهو من أكثر الفنون الأدبية شيوعاً، وفي الشعر العربي “الجاهلي” استُمِدّت المعاني التي يدور حولها من بيئة العرب الصحراوية، ومجتمعهم الذي يعتمد على الفروسية، فكان الشعراء يمدحون بالجود والعزّة والشجاعة والإباء والفتك بالأعداء وإكرام الضيف ورعاية حقوق الجار وصفاء النسب، أي أنّ المدح كان يهتمّ في المقام الأول بالقيم الإنسانية للمحافظة عليها وترسيخها في النفوس، ومن هنا كانت وظيفة الشاعر تربوية أخلاقية.[18]

         ويضيف سراج الدين أنّ المدح في الجاهلية كان في أوّل الأمر جماعياً أكثر منه فردياً، وكان يمتاز بالصّدق والعفوية، لكنه في العصور التالية أصبح تكسّبياً، وأصبح الشاعر يتفنّن في استعاراته وتشابيهه لحدّ الغلوّ، وعليه، يمكن القول أنّ شعر المدح قيل أولاً لإبداء الإعجاب الصّادق، ثمّ قيل للشّكر ثانياً، وأخيراً قيل للتزلّف والتكسّب حتى أصبح مهنة تدرّ الكثير من المال.[19]

         ويذكر سراج الدين أنّه لم يكن في الجاهلية قصائد مديح مستقلّة، بل كان المدح جزءاً من قصيدة تبدأ بالغزل ثم بالفخر ثم بالمديح ثم بالوصف ثم بالخمر وما إلى ذلك، ولم يتّخذ المديح استقلالية خاصة إلا في العصور التالية. كما أنّ المديح تشعّب من مدح أفراد وجماعات إلى مدح المدن ومدح الأحزاب والفرق.[20]

          ويذهب سراج الدين إلى أنّ شعراء العرب في الجاهلية نظموا قصائد المدح بدافع الإعجاب بالفضائل المتعارف عليه، فكان همّ الشاعر أن يرفع من شأن قبيلته وأحلافها والتغنّي بالكرم وحسن الضيافة والبطولة والشرف والعِرض وصحّة النّسب، وكان للشاعر حينئذ مكانة كبيرة لدى الملوك والعظماء، وكانت القبيلة تفتخر بولادة شاعر فيها يرفع من شأنها ويهاجم أعداءها.[21]

         ويضيف سراج الدين فنّ المديح تطوّر في الجاهلية وأصبح صناعة يبيعها الشعراء عند أعتاب الملوك والزعماء، وأدرك هؤلاء الملوك والزعماء أثر الشعر في تحقيق أهدافهم وتكريس مكانتهم، فقرّبوا الشعراء وأغدقوا المال عليهم، وقرّبوهم، وأصبحوا ندماء لهم وبات حضورهم قارّاً في مجالسهم، خاصّة ملوك المناذرة في العراق (حلفاء الفُرس وكانت عاصمتهم الحيرة) وملوك الغساسنة في الشام (حلفاء الروم البيزنطيون كانت عاصمتهم الجابية)، ففتحوا قصورهم للشعراء الذين تنافسوا في مدحهم واستطابوا ترف العيش.[22]

    بعد هذه التوضيحات، ننتقل إلى استعراض تجربة الشاعر زهير بن أبي سلمى في علاقته الموالية للسلطة السياسية.

    المبحث 1: أوجه ودوافع موالاة زهير بن أبي سلمى لزعيم قبيلة ذبيان هرم بن سنان.

        ننتقل بعد أن ذكرنا مكانة شعر المدح والشعراء المدّاحين في المجتمع القَبَلي العربي قبل الإسلام، إلى استعراض نموذج يؤرّخ لعلاقة موالاة المثقف للسلطة السياسية قبل الإسلام، من خلال عرض موجز لمثال الشاعر زهير بن أبي سُلمى وزعيم قبيلة بني ذبيان هَرِم بن سنان.

        ونبدأ بقصّة الشاعر زهير بن أبي سُلمى (520م – 607م) مع زعيم قبيلة ذبيان هَرِمُ بن سِنَان الذبياني (540م – 608م)، وزهير كان قد ورث الشعر عن أبيه وخاله، وورّثه لولده كعب الذي مدح النبي صلى الله عليه وسلّم في قصيدته البردة.[23]

          وقد قام زهير بمدح هرم بن سنان لدوره في إحلال السلام والصلح في فرعين من قبيلة غَطَفَان هما بنو عبس وبنو ذبيان، إثر حرب داحس والغبراء التي دامت أربعين سنة، وقد اشتعلت بين الطرفين بسبب سباق خيل، حيث وقعت مكيدة دبّرتها قبيلة ذبيان لتفوز فرستها الغبراء على حصان قبيلة عبس داحس، فلمّا علم بنو عبس بأمر المكيدة وقعت الحرب. وقد خلفت قتلى كثيرين من الجانبين أبرزهم عنترة بن شدّاد العبسي وعروة بن الورد العبسي، فتدخّل هرم بن سنان والحارث بن عوف لإيقاف الحرب، ودفعا ديات القتلى من مالهما، فأثنى زهير بن أبي سلمى على موقف هرم بن سنان.[24]

           والحقيقة أنني وجدت في المراجع العديد من المواقف التي تدخّل من خلالها هرم بن سنان للصلح بين بني عبس وبني ذبيان، وسأكتفي بذكر أحدها، حيث أورد الرافعي أنّ: [ عبس وذبيان تشاجرا قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم أن لا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس، ثم من بني غالب، ولم يُطلع على ذلك أحداً، وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، فأقبل حتى نزل بحصن بن ضمضم، فقال له حصين من أنت أيها الرجل؟ قال عبسي، قال: من أيّ عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين، وبلغ ذلك الحادث الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتدّ عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو هرم، فلمّا بلغه ركوبهم إليه، وما قد اشتدّ عليهم من قتل صاحبهم، وأنّهم يريدون قتل حصين، بعث إليهم بمائة من الإبل وابنه معهم، وقال للرسول أن يقول لهم: هل الإبل أحبّ إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك، فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إنّ أخاكم قد أرسل إليكم هل الإبل أحبّ إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم؟ فقالوا: نأخذ الإبل ونصالح قومنا ونتمّ الصّلح].[25]

              ويمكن أن نستنبط أنّ سبب موالاة الشاعر المثقف للحاكم، كان بسبب سياسات هذا الأخير التي اعتبرها المثقف إصلاحية، وتخدم المجتمع، حيث كان للحاكم دور في إحلال السلام بين طرفين متحاربين، فكيف ردّ الحاكم على موالاة المثقف له؟

    المبحث 2: مآل موالاة زهير بن أبي سلمى.

        ردّ هرم بن سنان على مدح زهير له بمنحه مكافآت عديدة من شدّة إعجابه بشعره، وآلى على نفسه أمام الملأ ألّا يُسلّم عليه زهير إلا وأعطاه عبداً أو أَمَة أو فرساً أو بعيراً، فاستحيا زهير  ممّا كان يقبل منه، فكان إذا رآه في ملإ قال: عمتم صباحاً غير هرم، وخيركم استثنيت.[26]

    ويذكر سراج الدين محمد القصيدة التي مدح بها زهير بن أبي سلمى هرم بن سنان، ونذكر منها هذه الأبيات التالية:

    بلِ اذكُرَنْ خيرَ قيس كلها حبساً ….. وخيرها نائلاً وخيرها خُلُقاً.

    وذاك أحزمهم رأياً إذا نبأٌ ………. من الحوادث آب الناس أو طَرَقَا.

    قد جعل المبتغون الخير في هَرِمٍ …. والسائلون إلى أبوابه طُرُقا.

    من يلقَ يوماً على عِلّاته هَرِما ….. يلقَ السماحة منه والنّدى خُلُقا.

    لو نال حيٌّ من الدّنيا بمنزلةٍ …… وسط السماء لنالت كفُّهُ الأفقا.[27]

       ونستنتج من هذه العلاقة بين الطرفين أنّ الشاعر سخّر شعره ومدحه، لإعلاء شأن زعيم القبيلة ورفع مكانته في قبيلته وباقي القبائل، وذلك من خلال إظهاره للمتلقّي بصورة “برّاقة” باعتباره رجل سياسة “نبيل” رفض الحرب وإراقة الدماء بين قبيلتي ذبيان وعبس، وكذلك كرجل دبلوماسي “شهم” سعى لحصول الصّلح بين المتحاربين، وكرجل سلام “فاضل” و”كريم” دفع ديات القتلى من الجانبين من أمواله. وبغضّ النظر عن نبل ذلك الزعيم فعلاً أو تضخيم الصورة من طرف الشاعر لإظهاره كذلك، إلا أنّ الثابت أنّ ذلك الشعر له انعكاسه الإيجابي على زعيم القبيلة في محيطه الاجتماعي لأنّ مدحه جاء على لسان أحد فطاحلة الشعر العربي الجاهلي الذين يذكرهم تاريخ الأدب العربي، كما أنّ الثابت أيضاً أنّ الشاعر نال من الزعيم المكافأة الموازية لدوره في تلميع صورته وذكر خصاله وإعلاء شأنه.

         ونستفيد من هذا الاستنتاج أنّ الزعيم أو الحاكم أو السلطة السياسية بصفة عامّة لا مناص لها من مثقف في بلاطها، بما له من قبول ونفوذ وتأثير معنوي على الجماهير، ليكتب عنها ما يقنع الناس بشرعيتها ومكانتها وكفاءتها ويبرر لسياساتها… (قبل إقرار المفهوم كما هو متعارف عليه حالياً، كان يقوم بدوره الأديب والفقيه والواعظ والشاعر … إلى آخره كما رأينا).  

    خاتمة:

         يمكن القول كخلاصة أنّ العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية غالباً ما كانت إشكالية في التاريخ العربي منذ العصر الجاهلي، فيما يخصّ السلطة السياسية، إذ كانت في معظم الأحوال تخلو من أيّ لون رمادي لدى الحاكم العربي، فلم يكن هذا الحاكم يقبل أيّ حلّ وسط، فإمّا يكون المثقف موالياً له، مؤكّداً لشرعيته وشرعية حكمه، معدّداً إنجازاته، وإمّا يعدّه مناوئاً وعدوّاً تنبغي معاقبته، وكانت العقوبات شديدة جدّاً في أحيان عديدة، منها السّجن والتّجويع والقتل، والمبالغة في التعذيب أحياناً أخرى، كتقطيع الأطراف أو الصّلب أو الحرق أو غير ذلك، ولم تكن جريمة المثقف في معظم الأحوال، مهما كان الموقف منها، تستحقّ مثل تلك العقوبات، لأنها في الغالب الأعمّ، مجرّد رأي مخالف لرأي الحاكم، بل كان الحاكم العربي في محطّات تاريخية متعدّدة، منها العصر الجاهلي كما عرضت متعسّفاً، ولا يقبل أيّ نقد وإن كان خفيفاً أو ناعماً أو شبه نقد، وكذلك من الحكّام من كان لا يقبل أيّ مدح غير مباشر، بل ينتظر دائماً مدحاً مباشراً مبالغاً فيه إلى أبعد الحدود ويستمتع بذلك، حتى كاد مدح الحاكم يصبح في التاريخ العربي، تقليداً عادياً مقبولاً من الكتّاب ومن أبناء المجتمع.

           وقد سار مصطفى مرتضى في نفس الاتّجاه إذ أكّد أنّ: [السلطات الحاكمة في العالم العربي لم تقف عند حدود استتباع المجتمع المدني للمجتمع السياسي والعسكري، بل تسعى إلى ابتلاع الفكر والثقافة والعقل، وإلحاق ذلك كلّه بالدّولة والسّلطة، ليصبح مجرّد صدى لها، وأداة تبرير وتسويغاً للممارسات المختلفة، فالثقافة الرّسمية هي بالأساس ثقافة تبرير وثقافة تسيير الأمر الواقع، تفتقد البُعد التّحليلي والبُعد النّقدي الذي يسم كلّ ثقافة لا تدور في رِكَاب السلطة].[28]

           وقد تطرّقت إلى كون العقوبات التي ينالها المثقف المعارض كانت قاسية للغاية، بحيث لم يكتفِ الحاكم العربي، في العصر الجاهلي، بالعقوبات الجسدية كالسجن أو الضرب، بل تجاوزها إلى عقوبة أفدح وأكثر شناعة، ألا وهي القتل، وبالعكس كان نصيب المثقف الموالي المبالغة في إكرامه وتقريبه وإسباغ العطايا عليه.

        وأتمنى أن ينال موضوع المثقف وعلاقته بالسلطة السياسية في عصر ما قبل الإسلام المزيد من تسليط الضوء عليه، لأنّه في تقديري سيشكّل منطلقاً صلباً لمعرفة العلاقة بين الطرفين في العصر الإسلامي كذلك، سواء في العصور الوسطى أو التاريخين الحديث والمعاصر، بل والتاريخ العربي الإسلامي الراهن.

           وأخيراً، أنهي هذه المقالة بطرح تساؤل مفتوح، ألم يؤدِّ التّحالف والتّوافق وكذلك المعارضة والتّخالف بين المثقف والسلطة السياسية، منذ العصر الجاهلي إلى ما يسمّى بالربيع العربي، إلى المساهمة في خلق زخم ثقافي وسياسي واجتماعي، ألم تؤدّ معارضة المثقف للسلطة السياسية إلى تحوّله إلى أيقونة وشهيد في نظر الناس؟ ثمّ ألم يؤدِّ بالمقابل التّحالف بين المثقف والسلطة إلى ظهور أجيال من المثقفين التبريريين؟ وهل هذا المعطى كفيل بالتأكيد على أنّ المثقف المساير للسلطة والمبرّر لها بالضرورة عبد لها؟

     


    فهرس المصادر والمراجع:

    1- بنعبد العالي المختار، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة، مجلة الوحدة، العدد 101-102، المجلس القومي للثقافة العربية، باريس، فبراير – مارس 1993.

    2- الجابري محمد عابد، العصبية والدولة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1982.

    3- الجابري محمد عابد، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية يناير 2000.

    4- الرافعي مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012.

    5- سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، دار الراتب الجامعية، بيروت، سلاسل سوفنير، سلسلة المبدعون، 2008.

    6- العودات حسين،  المثقف العربي والحاكم، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012.

    7- كلاوي محمد، المجتمع والسلطة- دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1999، ص 53-64.

    8- لوفيفر هنري، الدولة والسلطة، ترجمة حسن أحجيج، مقالة بتاريخ 14/04/2014، اطّلع عليها بتاريخ 17/05/2021، الرابط:  https://www.ahewar.org/debat/ show.art.asp?aid=410259

    9- مرتضى مصطفى، المثقف والسلطة: رؤى فكرية، شركة روابط للنشر وتقنية المعلومات، القاهرة، 2016.

    10- ناصف عبد الله، السلطة السياسية: ضرورتها وطبيعتها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982.

    [1] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012، ص 789.

    [2] – حسين العودات،  المثقف العربي والحاكم، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012، ص 108 و 109.

    [3] – حسين العودات، المثقف العربي والحاكم، ص 127 و 128.

    [4] – محمد كلاوي، المجتمع والسلطة- دراسة في إشكالية التكوين التاريخي والسياسي للمؤسسات والوقائع الاجتماعية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1999، ص 53-64.

    [5] – محمد عابد الجابري، العصبية والدولة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة 1982، ص 252.

    [6] – محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية يناير 2000، ص 24.

    [7] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة – مصر، 2012، ص 839.

    [8] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 840.

    [9] – عبد الله ناصف، السلطة السياسية: ضرورتها وطبيعتها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982، ص 49.

    [10] – هنري لوفيفر، الدولة والسلطة، ترجمة حسن أحجيج، مقالة بتاريخ 14/04/2014، اطّلع عليها بتاريخ 17/05/2021، الرابط: https://www.ahewar.org/debat/ show.art.asp?aid=410259

    [11]– المختار بنعبد العالي، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة، مجلة الوحدة، العدد 101-102، المجلس القومي للثقافة العربية، باريس، فبراير – مارس 1993، ص 47.

    [12] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مرجع سابق، ص 641 و642.

    [13] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 839.

    [14] – مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 840.

    [15] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 841.

    [16] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 841.

    [17] –  مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، نفس الصفحة.

     

    [18] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، دار الراتب الجامعية، بيروت، سلاسل سوفنير، سلسلة المبدعون، 2008، ص 6.

    [19] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

    [20] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

    [21] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 7.

    [22] – سراج الدين محمد، نفس المرجع، نفس الصفحة.

    [23] – مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، مرجع سابق، ص 849.

    [24] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 8.

    [25]– صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 850 و 851.

    [26]– مصطفى صادق الرافعي، نفس المرجع، ص 850.

    [27] – سراج الدين محمد، المديح في الشعر العربي، ص 8.

    [28] – مصطفى مرتضى، المثقف والسلطة: رؤى فكرية، شركة روابط للنشر وتقنية المعلومات، القاهرة، 2016، ص 32.

  • رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال: مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية – محمد أركون

    رهانات المثاقفة بالمغرب الكبير بعد الاستقلال: مقاربة تاريخية وأنثروبولوجية – محمد أركون


    مسألة المثاقفة مسألة جديدة حتى في المجتمعات الديمقراطية الأكثر تقدما. وتكشف التوترات التي يغذيها في أوربا تدفق المهاجرين والمشاكل اليومية التي تطرحها جماعات إثنية ـ ثقافية عديدة لم تندمج بعد كفاية، تكشف عن مدى عدم استعداد المجتمعات الأوربية المستقبِلة، استعدادا ملائما، للتبادل الثقافي الذي يتجاوز مجرد استعارة كلمات ووصفات مطبخية وزيارات سياحية وأشكال من الموضة عابرة. إن العلوم المتخصصة في دراسة الثقافات الأجنبية على الفكر والتاريخ الأوربيين ما زالت غير مدمجة اندماجا واسعا، أو غير مدمجة بالمرة، في الأنظمة التربوية الوطنية بأوربا. إن أسماء هذه العلوم، وأعني الإثنوغرافيا والإتنولوجيا و الأنثروبولوجيا، أسماء يجهلها الجمهور الأوربي؛ أما الطبقات التي توصف بـأنها “متعلمة” فهي لا تميز بدقة ووضوح بين هذه المستويات الثلاثة من البحث في ثقافات ” الآخرين ” ؛ أولئك الذين ينظر إليهم على أنهم بدائيون ومتخلفون وشعوب تشدها إلى الوراء معتقدات وعادات وممارسات تم تجاوزها كلية في أوربا. إن تواجد المهاجرين في أوربا، اليوم، لا يواجه في أحسن الأحوال سوى بإجراءات ” للدمج” و”الاستيعاب”، تماما كما كان يعامل الأهالي في المستعمرات بالأمس؛ إنه يفتقد تماما إلى سلوك سياسة جديدة للمثاقفة تساعد على خلق فضاءات مشتركة للتعبير والاحتكاك والتبادل الحامل لرياح التغيير، فضاءات تكون مجالا للشراكة الإبداعية التي بدأت الأغنية الشعبية والمطبخ واللباس تعطينا فكرة عن مدى الغنى الذي يمكن أن تكشف عنه سياسة للمثاقفة فاعلة وإرادية.

    وكما أنه يتم التمييز اليوم، على مستوى الجغرافيا السياسية، بين دوائر التدخل، والنفوذ، والتعاون، والتنافس، فكذلك يجب الأخذ بالحسبان، على مستوى السياسة التي تخطط لأنشطة المثاقفة، معطيات الجغرافيا التاريخية والجغرافيا الدينية والأنثروبولوجية. يتعلق الأمر بتصور للأمور يقع على العكس تماما من ذلك الذي سارت عليه أوربا الاستعمارية منذ القرن 19. لقد صنفت الاستشراق –تلك النزعة الولوع بسحر الشرق- أقطار إفريقيا الشمالية ضمن مفهوم للشرق تم بناؤه في ظروف إيديولوجية معروفة. ولم تعمل هذه النزعة، من أجل تدارك ما ينطوي عليه هذا التصنيف من حيف، إلا على تقديم تنازل جغرافي محض، وذلك بتمييزها بين شرق أدنى وشرق أوسط، تمييزا يقوم على مجرد اعتبار المسافة الكيلومترية التي تفصلهما عن الشرق الأقصى. لقد دأب المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، ولمدة طويلة، على الجمع بين ثقافات الشرق وإفريقيا الشمالية، ولغاتهما وحضاراتهما، في فرع يشار إليه برقم 44 ويحمل اسم ” حضارات الشرق “. وعندما تم تغيير هذا التقسيم احتج “المستشرقون” ووقفوا ضده لأنهم وجدوا أنفسهم في موضع الأقلية في التصنيف الجدي،. وأنهم أقلية بالفعل. إن إدراج جميع المجتمعات وجميع الثقافات في العلوم والتخصصات الكبرى التي تعنى باستكشافها ودراستها بتوظيف مفاهيم مناسبة وطرح إشكاليات ملائمة، خطوة إبيستيمولوجية إلى الأمام تأخرت عن موعدها كثيرا.

    أن التطور الذي عرفه ما يسمى بالمغرب [ والمقصود المغرب العربي الكبير ]() منذ استقلال أقطاره هو على النقيض تماما من ذلك الذي عرفته المجتمعات الأوربية والذي جعل منها اليوم مجتمعات تقوم على التعدد الإثني والطائفي والثقافي. لقد استقر في هذه المجتمعات، وبصورة دائمة، مهاجرون من جميع أنحاء العالم، تناسلوا وأخذوا، مع الجيل الثاني بل والثالث، يساهمون مساهمة ذات دلالة في التطور العام الذي تعرفه المجتمعات التي استقبلتهم. أما قيام أحزاب يمينية، على أساس التعصب القومي والكره للأجانب، في عدد من البلدان الأوربية ( فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا … ) فهو رد فعل يعكس مدى الحضور الاجتماعي الذي لهؤلاء الوافدين الجدد من جهة، ويكشف من جهة أخرى عن استغلال سياسي لمقولات ” الأسبقية الوطنية ” ونقاء الأصول وتأكيد الهوية، استغلالا يجند المخيال السياسي ـ الاجتماعي لجماهير السكان الأصليين المعرضة من جهتها لأزمات، على هذه الدرجة أو تلك من الحدة، على مستوى القيم والنظام الديمقراطي والنظام الاقتصادي والروابط الاجتماعية، أزمات تجد مصدرها في عملية بناء الاتحاد الأوربي وأيضا، وهذا أبعد غورا، في الضغوط القاهرة الناجمة عن العولمة. أما المغرب الكبير فقد عرف [ على العكس مما حصل في أوربا] إفقارا اجتماعيا، فكريا وثقافيا، بعد الرحيل المكثف لليهود والأوربيين غداة الاستقلال. وحتى الإسلام المغاربي فهو اليوم أبعد ما يكون عن التعدد الذي عرفه في القرون الوسطى. ذلك أنه باستثناء الأقليات الإباضية بالجزائر وتونس وليبيا، فإن جميع المغاربيين هم سنيون ومالكيون. أما الأطرف الأخرى، المتمثلة في الشيعة والمسيحيين الذين مازال لهم وجود في الشرق الأدنى، فقد اختفت منذ مدة طويلة في “المغرب الكبير” الذي يوصف بكل بساطة بـ “العربي”، مع السكوت عن جماعات أقلية، تتكلم لهجات بربرية تتعرض للاندثار تحت وطأة سياسة للتعريب تعمل على إخضاع الواقع الحي لقرارات الإرادة. وهكذا لم يعد قائما أي شكل من أشكال التعدد في هذا الفضاء الجغرافي التاريخي الشاسع الذي عرف كثيرا من أشكال الحضور الثقافي و الإثني واللساني تعاقبت منذ الفينيقيين والرومان حتى مجيء الأوربيين، مرورا بالأتراك الذين انشدوا هم أنفسهم، خلال العصر العثماني، إلى نزعة للمواطنة الكونية خاصة بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.

    وإذا كانت مبادئ الديمقراطية الليبرالية قد سمحت لمهاجرين من جميع الأعراق والأديان بالاستقرار بأوربا وأمريكا الشمالية، فيجب الاعتراف بأن هذه الظاهرة التاريخية الجديدة لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية تشجع الثقافات المرشحة لما أفضل أن أسميه: الإدراج insertion على التعبير عن نفسها بشتى وسائل التعبير العلمي والثقافي. لقد عمدت الدول القومية (في أوربا وأمريكا)، كما فعلت زمن الاستعمار، إلى معالجة المسألة بمنطق ضيق قومي النزعة، يعمل على تذويب ثقافات الوافدين الجدد في الثقافة القومية بواسطة الإلحاق والإدماج. وهكذا تصرفت تلك الدول من موقع يتعارض تماما مع متطلبات المثاقفة؛ فلا الباحثون في العلوم الاجتماعية، و لا الكتاب والمفكرون والمدرسون المنشطون الثقافيون، ولا المسؤولون السياسيون، عرفوا كيف يخلقون، أو استطاعوا لحد الآن خلق ديناميكية للمثاقفة قوامها فضاءات للتبادل والتربية والإبداع والبحث العلمي، من شأنها أن تلبي تطلعات الجمهور بمختلف فئاته، وتستجيب للضرورات التي يتطلبها إنعاش جميع المواهب والمرجعيات، وجميع حقول الإنجاز الفكري والفني التي أصبحت من مكونات فضاء المواطنة نفسه. لقد بقي الوضع، بالأحرى، سجين سياسة تقوم على ترك الحبل على الغارب، على اللامبالاة، فأدت إلى توترات، بل إلى أشكال من العنف اليومي، يستشري حتى داخل الثانويات التي يفترض فيها أن تكون فضاءات للاندماج التربوي. والنتيجة هي أن النقاش حول الأديان الأخرى غير المسيحية ينزلق، في الأغلب الأعم، وفي جو من الحمِيّة عارم، إلى اختزال الأمور في تعارضات تبسيطية تقام بين القيم اللائكية والقيم الظلامية الدينية، بين التصورات الحديثة والمعتقدات التراثية البالية، مما يغلق الباب في وجه ظهور فاعلين تاريخيين جدد، قادرين على فتح آفاق جديدة فكرية وعملية أمام تشييد صروح ديمقراطية وبلورة صياغة جديدة للقيم والغايات وحقوق الأشخاص، مما صار يفرض نفسه نتيجة الانتقال من المجتمعات المتجانسة والمندمجة، التي تنتمي إلى ما قبل 1945، إلى المجتمعات المعقدة التركيب، المطبوعة بالتعددية والمفتوحة في وجه حركات الهجرة. وهؤلاء الفاعلون الجدد، المنتمون لتاريخ جديد، لا يمكن أن ينبثقوا إلا من صفوف مجموعات تعيش التوترات التربوية التي تلازم الإخلاص الذي يحياه المرء فعلا، لا الذي يعيشه على صعيد الحلم فقط أو على صعيد الشعارات أثناء مناسبات تاريخية تضامنية. إنه في إطار هذا النوع من الصدق الذي يتحلى به المرء بدون كلل، خارج قوالب الفكر الثيولوجي [اللاهوتي-الموحد] الذي يخنق الاختلاف [باسم الانحراف والهرطقة] وأيضا خارج قوالب النزعة القومية الضيقة التي تمارس الإقصاء بذريعة الخيانة للوطن، يمكن أن تنبثق عقول جديدة حرة قادرة على الانطلاق والترعرع في المجال الذي لم يسبق له أن وجد من قبل، مجال التشارك في الإبداع، في سياق من التعددية.

    أما عندما تكون العلوم الاجتماعية في خدمة الحكومات فإن نتاجها يكون عبارة عن نصوص من نوع تقارير الخبراء، مشفوعة بسرديات تأريخية وتصنيفات صورية وعروض وصفية وإحصائيات، لا تقتصر على كونها خالية من أية مبادرة للتوسط الثقافي، بل تعمل، أكثر من ذلك، على إفقار وإبخاس جهود أولئك الذين يشتغلون في اتجاه هذا التوسط، من المثقفين النقاد والمفكرين والكتاب والفنانين. ويتكرس الميل إلى تجاهل دور التوسط الثقافي، الذي هو دور أساسي، في المجتمعات التي تقوم على التعدد السياسي، يتكرس بصورة أكثر جلاء في أنشطة البحث والتدريس التي يفترض فيها، نظريا، أن تكون رائدة هذا التوسط. إني استحضر هنا دروس الأدب المقارن التي ما زالت تقصر المقارنة على الآداب الأوربية وحدها؛ واستحضر كذلك دروس التاريخ العام المسجونة في حدود التمجيد الذاتي بالعبقرية الوطنية، ودروس تاريخ الأديان غير المقارن، وتاريخ العقائد والفلسفات والفنون والموسيقى، غير المقارن كذلك. وهكذا فبدلا من أن يكون الباحثون والمدرسون فاعلين مجددين، يأخذون على عاتقهم تحقيق التطلعات الجديدة لمجتمعاتهم، نجدهم –بغض النظر عن استثناء لا نقلل من شأنها- يساهمون بالعكس من ذلك في المحافظة على استمرارية الأطر المعرفية والأدوات الذهنية التي يراد منها صياغة خطاب خاص عن الهوية و “العبقرية” الوطنية، وهما الترجمة العلمانية للمجموعات الطائفية القديمة.

    وغالبا ما يضايق هذا النوع من الحجاج المخاطبين الغربيين، خصوصا عندما يصدر عن مهاجر مندمج تماما في فكر أوربا وثقافاتها. [يتساءلون باستنكار:] ألا يتسامح الأوربي عموما، والفرنسي خصوصا، في أن يحتل مهاجر العديد من مواقع التضامن التاريخي والإنجاز الفكري والثقافي في البلد المستقبل له، والحال أن ما ينتظر منه، أولا وباستمرار، هو تقديم أدلة إضافية على اندماجه التام الذي لا رجعة فيه ولا شريك، في المحل التاريخي الذي “رباه” على درجة سواء مع أبناء البلد الأصليين؟ إن تجربتي الشخصية، المبنية على معاشرة طويلة لأوساط أوربية متنوعة، تفرض عليّ القول في هذا الصدد: إن أشكالا من المقاومة صادرة عن نزعة قومية ضيقة تقوم، ليس في وجه أفراد-مواطنين، بل تمانع تماما، وفي كل مكان، في قبول منظومات ثقافية “أجنبية”، مما يتخذ صورة رفض صريح على مستوى البرامج السياسية، ويكتسي شكلا أعمق وأعم على مستوى التبادل الداخلي بين الأشخاص، الذي تتحكم فيه التمثلات الخاصة بكل ثقافة”. وهذه ملاحظة ذات دلالة انثروبولوجية: ذلك أن كل إنسان يزن قيم الآخر وأنماط تفكيره بواسطة منظومات المبادئ والمسلمات التي توجه تمفصل المعنى في اللغة/ الأم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها. إنه الأنا العميق الذي يعبر عن نفسه في الذات الجماعية التي تمثلها الأمة والجماعة، أو المجموعة بالاصطلاح الإتنولوجي. فعلى هذا المستوى يجب تركيز جهود التفكيك التي تتخذ موضوعا لها الثقافات واللغات التي تحمل هذه الثقافات وتُراكِم منظومات التمثلات الكامنة فيها. وإنه لمن الأمور التي هي موضوع ملاحظة يومية أن الثقافات واللغات التي تتساكن [ في أوربا ] داخل فضاء سياسي واحد لا تحظى بنفس الاعتبار لا من طرف الدول ولا من طرف الجماعات المحلية، ولا حتى من طرف أعضاء كل جماعة وكل مجموعة أو جمعية. وهذه اللامساواة الصميمة، التي تتم على صعيد البنيات، تحفر خنادق، وتغذي الإقصاء المتبادل، انطلاقا من تصورات معادية وتأويلات خاطئة ومن الجهل الذي يكتسي طابعا مؤسساتيا في كل جماعة. ومن هنا تتعرض المطالبة بحق الاختلاف للتمييع، ويتخذ اللجوء إلى الهوية ومرجعياتها شكل التحصن في قلاع غير قابلة للاقتحام، مع الاستغلال البشع لحرية الفكر وحرية النشر وحرية التظاهر، وهي حريات تضمنها النظم الديموقراطية.

    ولابد من التساؤل هنا عن جدوى السياسات التعليمية والثقافية والعلمية ( وأقصد هنا العلوم الاجتماعية التي تهتم بعملية التثاقف بين الجماعات) التي تواصل العمل بها الديموقراطيات الليبرالية الكبرى منذ الخمسينات والستينات، جدواها في تلبية الحاجات الجديدة لجماهير المهاجرين. إن المسألة الأساسية هي إنجاح التجاوز السريع لعصر المرتبية الثقافية والقولبة التعسفية التي تتم بشكل تعسفي، عاكسة هكذا ميزان القوى، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث يتطلب الأمر اكتشاف ومفصلة ونشر القيم السامية، القابلة لأن تغدو قيما كلية عالمية، بهدف إنضاج ما أسميه الشراكة الإبداعية، الثقافية والروحية والفنية والأخلاقية؛ شراكة تكون فيها كل ثقافة، في آن واحد، مستقِبلة ومستقبَلة، مقترضة وقارضة، محولة ومتحولة في إطار دينامية لا يِؤخذ فيها بالحسبان سوى المشاركة الوجدانية والاتصال الكثيف والهدف الثابت للمعاني التي يرتبط بها بل يتقاسمها الطرفان. وإن المرء ليضطر اضطرارا لأن يلاحظ: أنه في هذه المجتمعات التي تحتكر المبادرة التاريخية، في الميادين الأكثر حيوية، تتعشش قوى رافضة ومواقف منغلقة على أنانيات قومية تمانع في الاعتراف بالمسؤوليات التاريخية التي تتحملها، على الصعيد العالمي، القوى الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر، تلك القوى التي خلفتها في مهمتها الدول السبع المصنعة، في إطار الوضعية الراهنة للعولمة. وبعيدا عن تركيز الاهتمام على الظروف والفضاءات الجديدة التي من شأنها أن تعمل على ازدهار الإنسان وتفتح ممكناته تعمد الشخصيات “المثقفة” ثقافة عالية، من جامعيين مشهورين ووزراء ونواب برلمانيين وكتاب، دع عنك الجمهور الواسع الذي يوصف بأنه مثقف، إلى الإدلاء بـ “اعتراضات” والدخول في مشادات كلامية، جعلتني اضطر شخصيا وعلنيا إلى الإجابة عنها بكل أدب، اعتراضات من قبيل: “كيف جاز لك أن تندد بقصور تعليمنا وأبحاثنا وممارساتنا الثقافية بينما أنتم، في بلدانكم الإسلامية، تعملون على تكريس واستمرار أكثر النزعات الوثوقية الدوغمائية ظلامية وأكثر أنواع التعصب تخريبا، وأشد أنواع الرفض والتحريم والمنع تعارضا مع جميع المبادئ التي تدعون أنكم تعلمونها لنا، والتي غرفتموها من تقاليدنا الفكرية والثقافية”؟

    أنا هنا لا أخترع. إن بإمكاني أن أدلي بأسماء وأن أحيل بدقة إلى المكان والبيئة والظروف حيث تحصل مثل هذه الانقطاعات في التواصل التثاقفي، والتي لم تنج منها حتى أروقة الهيئات الرفيعة المستوى، التي أنشئت بالتحديد من أجل بلورة ممارسات تربوية وثقافية جديدة. وهنا لن أمنع ذكرى مؤلمة عن التعبير عن نفسها، بل استدعيها أمام شهادة شهود، هم أعضاء لجنة الثقافة والتربية في البرلمان الأوروبي المجتمعين في أنطاليا من 6 إلى 9/9/1997. فبعد العرض الذي قدمته [ في اللجنة المذكورة] والذي كان موضوعه: الدين والديموقراطية واللائكية، مقاربة نظرية، وجه إلي السيد جاك بوميل، البرلماني الفرنسي وعضو اللجنة، اعتراضا مستعملا العبارات المذكورة أعلاه.

    أما أن أكون مواطنا فرنسيا وبالتالي مواطنا أوروبيا مثله، وأما أن أكون أستاذا في جامعة السوربون حيث حصلت على شهادات جامعية تسمح لي بالتعامل مع الفكر الأوربي بنفس الروح النقدية التي دأبت على التعامل بها مع الفكر الإسلامي، فهذا وذاك ما لا قيمة له في نظر النائب المحترم الذي يمثل بالفعل واحدا من أهم التيارات السياسة في فرنسا. هكذا وجدتني أشعر مرة أخرى، كما شعرت في الجزائر المستعمرة، وقد “أرجعت إلى دواري الأصلي” –[ الدوار: حي من أحياء البادية، مدشر]- حسب العبارة التي كانت تستعملها الإدارة الاستعمارية لإبعاد الشخص غير المرغوب فيه من الدائرة المحمية [ الحي الخاص بسكنى الأوربيين ]. لقد تعودت على جدلية الـ”نحن”، [نحن ] المسيطر، ناشر الحضارة، القدوة المستأهل لكل احترام، الذي يعيد إلى وضعيته كتابع، إلى تفاهته، إلى تخلفه التاريخي، بل إلى قصوره الموروث، مخاطبَه الـ “أنتم”، الذي يتجرأ على التطاول على لغة وفكر وثقافة مراقبة في أسمائها واستعمالاتها. إن مثل هذه التصرفات العنفية توجد في أوربا التي تريد أن تكون في الوقت نفسه إنسانية وديموقراطية وليبرالية. لقد صادفتها في كل مكان، حيثما حاولت بكل قناعة وحماس، القيام بأكثر ما يمكن من الجدية والإخلاص بمهمة الوسيط الثقافي والفكري بين التجارب الثقافية المتعددة التي ترعرعت ونمت في سياق الحضارة الإسلامية، وبين التجارب المجددة والمبدعة حقا والحاملة للتاريخ المحرر والتي كانت أوربا فعلا هي وحدها التي أنتجتها ونشرتها في بقية العالم.

    ***

    يمكن أن يلاحظ علي هنا أنني بقيت مشدودا، كلية، إلى أمثلة من حاضر المجتمعات والثقافات الأوربية. وهذا يرجع إلى سببين: فمن جهة يتعلق الأمر بمجتمعات هي، مع كندا والولايات المتحدة الأمريكية، أكثر المناطق التي يقصدها المهاجرين من جميع الأعراق، لأنها تتوافر على بنيات سياسية واقتصادية وثقافية للاستقبال أكثر جذبا وفعالية من تلك التي تتوافر في المجتمعات التي في هي طريق النمو والتي تتدفق عليها هي الأخرى جموع من اللاجئين. ذلك ما يجعل من تلك المجتمعات [ الغربية ] عبارة عن مختبر سوسيولوجي تاريخي أنثروبولوجي على درجة عالية من الغنى. أما السبب الثاني فهو أن هذه المجتمعات الغربية قد شيدت لنفسها إطارا لممارسة الفكر النقدي والتحليل العلمي والمعرفة التجريبية أصبح الإطار المهيمن في العالم الراهن، بحيث أن أي تفسير وأية معرفة ذات توجه علمي لا يمكنهما الاندماج في معارف عصرنا وفكره إذا لم تتم إجازتها من طرف الهيئات التي تحتكر مهمة الإجازة هذه. يجب الأخذ بعين الاعتبار بهذا الأمر الواقع من أجل إدراك حقيقة أن قطع خطوات إلى الأمام, على طريق انبثاق فكر وإبداع يكونان نتيجة عملية تثاقف تتم عبر الثقافات وبداخلها، عملية تتطلب، مسبقا، القيام بنقد إبيستيمولوجي يتناول أدوات التفكير وضروب التصورات وأنواع المعايير وستراتيجيات التأويل، المعمول بها في المحافل المهيمنة على إنتاج المعنى وفحصه.

    إن الثقافات المرشحة للعمل والتبادل والإبداع بالمشاركة توجد اليوم في وضعية تاريخية وفكرية واجتماعية وسياسية تقع على مسافة بعيدة من مصادر وإنجازات الثقافات المهيمنة. إنها مسافة لم تحظ لحد الآن بالعناية الفعلية، من خلال مقاربات تهتم بعملية التثاقف. هناك استسلام زائد للتأثير بل للتشويه الذي تمارسه النداءات المطالبة بـ “الحق في الاختلاف” « droit à la différence » دون التمييز بين “التغاير” la différance () كما يفكر فيه الفلاسفة المعاصرون وبين مجرد الخصائص المرتبطة بالطوارئ السياسية والسوسيولوجية والتاريخية والاقتصادية. إننا نشاهد المجتمعات العربية المعاصرة، مثلا، وهي التي تقع تاريخيا ضمن الساحة المتوسطية، تنتج “ثقافات” الرفض والتمسكن والمفاخرة بالهوية، هذا إن لم نقل ثقافات الحقد، إزاء الحداثة الغربية التي تعامل بوصفها عدوانا ثقافيا وفكريا. إن فكر المثاقفة يسجل هذا المشهد ولكنه لا يقترح حلولا ناجعة. إن الفكر العربي والإسلامي ما زال فكرا غير نقدي إزاء نفسه و بالتالي فهو لا يستطيع المساهمة في العمل الذي يقف وراء جنازة المعاني، جميع المعاني الموروثة، والتي يجب أن يتولى تشييعَها البحثُ القائم على المثاقفة والهادف إلى تحقيق المشاركة الإبداعية في جميع مجالات الوجود التاريخي، على عتبة القرن الواحد والعشرين.

    سأركز على المجتمعات العربية الإسلامية كمثال، وبخاصة المغرب العربي الذي أعرف ملامحه النوعية، وذلك بهدف إغناء تفكيرنا في الشروط النظرية والعملية لسياسية المثاقفة في الفضاء المتوسطي . وقبل ذلك، أرى أن من الضروري التذكير بوعود وحدود الأنثروبولوجيا المطبقة على المعرفة النقدية بالثقافات .

    • ما الذي يمكن انتظاره من الأنثروبولوجيا ؟

    لقد دافعت دائما عن ضرورة قيام أنثروبولوجيا مطبقة على المجال الشاسع الذي طوعته الظاهرة الإسلامية، وبخاصة المغرب الكبير الذي أطلق عليه الباحثون الفرنسيون اسم إفريقيا الشمالية لأسباب جغرافية–سياسية جد معروفة. ولا يعني هذا الموقف أنني أجهل أو أقلل من شأن ضروب الضعف النظري والمشكلات المزيفة وأنواع القصور والوعود غير الموفى بها، من طرف “علم” لم يتوقف مع ذلك عن ممارسة نقده الذاتي. لقد ذَكَّر ج. بلانديي في تعليق له، نشر بجريدة لوموند دي ليفر المؤرخة بـ11/9/1998، على كتاب جديد لنيكولا ثوماس (يحمل عنوان : خارج الزمن . التاريخ والنزعة التطورية في الخطاب الأنثروبولوجي. برلين 1998) ذكّر بهذا التعريف [للأنثربولوجيا. قال ]: وظيفة الأنثروبولوجيا هي معرفة المجتمعات ” الأخرى” ، أي جميع المجتمعات، الكثيرة جدا والمتنوعة كثيرا، التي تشكلت خارج العالم المسمى الغرب. إن الاختلافات بين الغرب وهذه المجتمعات قد تم تصورها، ولمدة طويلة، بواسطة مقولات من قبيل التخلف والفقر والتفاوت والهوة [ التي تفصلها عن المجتمعات المتقدمة ] في مجالات الاقتصاد المنتج وفي إدارة الأشياء والناس، وفي إدراج الأشخاص والأحداث والوقائع في تاريخ قوامه الصيرورة والتحول.

    لقد أكثر الأنثروبولوجيون من التنظير والنقاش حول الفوارق بين الإثنوغرافيا والإثنولوجيا والأنثروبولوجيا وفتحوا مجالات للعمل والبحث واعدة حول الأنثروبولوجيا كنقد للثقافات (جيمس كليفورد ). وهكذا، فمن جهة مازال بعضهم يشهر بعمى الاستدلال الأنثروبولوجي ويندد بالتمادي في الأخطاء النظرية وبالفهم الخاطئ للوقائع وبالنقاش الذي يراوح مكانه حول التاريخ والتاريخية، في مقابل المنظومة والبنيات… ومن جهة أخرى يعاد الاعتبار لباحثين مثل روني مونيي ( 1887 ـ 1951 ) الذين ألقت بهم المؤامرات الجامعية في الظل لمدة طويلة(). أما ن. توماس فهو ما زال يعارض النزعة التطورية، القائلة بالمراحل والحقب، بمنطق العلاقات البنيوي ضدا على تموجات السيرورات التاريخية واستمرارية الأفكار التي سقطت مصداقيتها والاحتفاظ بالتحليل النسقي أو البنيوي والاستبعاد المعترف به، بهذه الدرجة أو تلك، للسيرورات التاريخية بدعوى استحالة التحقق من واقعيتها في المجتمعات التي لا تعرف الكتابة. وبالعكس من ذلك المؤرخ، فهو لا ينتظر منه أن يرحب بالمعارف التي تقدمها أنثروبولوجيا غير متحررة كفاية من النزعة الوصفية الإثنوغرافية والتي تقتصر على وقائع مختارة ومستقاة عن مخبرين هم أنفسهم مختارون وأخذ عنهم في ظروف عابرة من جهة، بينما ُتعاد كتابتها، من جهة أخرى، بلغة غير لغة الأهالي، فتنقل هكذا إلى مدونة للدلالة مختلفة ومثقلة بحمولات نظرية غير مصرح بها. من ذا الذي يستطيع أن يزعم أنه استنفذ تحليل عمليات تفكيك التناص وإعادة بنائه؟ هل يمكن إعادة تشكيل تغيرات التراث وتنوع الأنظمة التقليدية في فضاءات إثنو ـ ثقافية واسعة كفضاءات المغرب الكبير، ومركبة كفضاءات مصر أو إندونيسيا، بدون اللجوء إلى التاريخ، والحال أن المجتمعات التي يبحث فيها ” الأنثروبولوجي” قد عرفت كلها تغيرات قبل زمن البحث ؟ أضف إلى ذلك الاضطرابات الكبرى التي تعرضت لها جميع المجتمعات التي تقع خارج “الغرب ” منذ 1945.

    إن أقل ما يمكن أن يقال هو أن مجموع العلوم الاجتماعية هي أبعد من أن تكون قد أخذت بعين الاعتبار جميع العمليات الكبرى التي تقف وراء التفتت والتشظي والذوبان وإعادة التشكيل، وعمليات التقدم والنكوص، والتعقيد والانقطاعات والاستلابات والتحولات الوحشية والاختلالات التحتية والخفية التي تثير فعلا دهشة الملاحظين الذين يستعجلون كثيرا ويحتاطون قليلا. إننا نعيش منذ عشرين سنة بداخل زَبَد إسلاموي هائل يضخم تضخيما من طرف وسائل الإعلام وحلفائها من علماء السياسة على غرار الفقاعات المالية المضخمة والمقزمة، من أسبوع لآخر، في البورصات العالمية.

    يمكن أن يبدو هذا الحكم ظالما إزاء مساهمات المؤرخين المهتمين بالتاريخ الاجتماعي على المدى المتوسط -القرنان 19 و 20- والمسلحين بالميل نحو التدقيق الذي تتميز بهما الدراسات التاريخية التي تتناول الحوادث الفردية المحدودة (الميكرو ـ تاريخ) والتي تزاوج، بهذه الدرجة أو تلك من التوفيق، بين إشكاليات كل من علم الاجتماع وعلم النفس التاريخي واستكشافات كل من الإثنوغرافيا والإثنولوجيا. فالباحثة فاني كولونا، التي تهتم اهتماما خاصا بالتقييم النقدي، تواصل العمل على الخط الذي سار فيه كل من إ.جيلنر, وج. بيرك, وبـ. باسكون, وس ل. جريتز … في هذا المجال. ويستحق كتابها الأخير آيات المناعة، الثبات والتغير في المجال الديني بالجزائر المعاصرة، (مطبوعات المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية 1995)، فحصا مطولا لا يمكنني إدراجه هنا وإلا ابتعدت عن الموضوع الذي أعالجه. لذلك سأقتصر على الإشارة إلى أن المؤلفة خصصت خاتمة قصيرة، مع تذييل، للدفاع عن موقفين مركزيين بحمية الباحث المتحمس الذي يسعى، في آن واحد، إلى إعادة النظر في طريقة الممارسة العلمية المهيمنة على الدراسات الخاصة بالمغرب العربي من جهة، وإلى إعادة بناء ماض وحاضر تمت مصادرتهما كلية من طرف الجزائر الرسمية، من جهة أخرى. وهكذا، فمن الناحية العلمية تقرر الباحثة أن العلوم الاجتماعية لم تعرف كيف تعالج الأبعاد المحلية والرهانات الثقافية لتاريخ المغرب العربي؛ ومن الناحية السياسية تقرر أن المعرفة العميقة بمنطقة معروفة بقوة هويتها، منطقة جبال الأوراس، تسمح بالقول إنه بعد الاستقلال “كان من الممكن أن تسير الأمور على غير ما سارت عليه… ويمكن أن تصبح في المستقبل على غير ما كانت عليه وما هي عليه اليوم ” ( ص ، 374 ).

    شخصيا، كنت دائما من الذين خاضوا هذه المعركة التي تتعلق بالماهية الثقافية والروحية وذلك من أجل الإعلاء من شأن ما أسميه بحقوق الفكر إزاء صنوف الأمر الواقع التي يفرضها التاريخ الذي يطبعه العنف والعداء الشديد للمصالح الجوهرية للمجتمعات والمجموعات، وضدا على القضايا التي باسمها شنت معارك التحرير المزعوم وتمت عمليات التصفية لأبرياء كي تستخدم في ما بعد كقيم عليا لإضفاء الشرعية على سلطة جماعة من المغتصبين. إن من واجب العلوم الاجتماعية القيام بتعرية وتفكيك وجلاء حقب من الماضي مصنوعة، وفترات من الحاضر محرفة، وتصورات حول المستقبل وهمية، يراد منها جميعا سجن الفكر في استلابات تعيد نفسها باستمرار. ومع تقديري الكامل للشجاعة الفكرية التي اتسم بها عمل الباحثة فاني كولونا فإني أبدي تحفظات حول طريقة استخدامها للمعجم الخاص بالفكر الإسلامي. إنها تعرف اعتراضاتي؛ لكنها، ككثيرين غيرها، لم تفهم على حقيقتها مهام ومقاصد نقد العقل الإسلامي كما مارسته منذ مدة طويلة، منطلقا، ابتداء، من نفس البواعث التي حركتها كجزائرية إلى أن تشارك، وبتعاطف كبير، أهل الأوراس في قيمهم ومفاخرهم ونجاحاتهم كما في الاخفاقات عانوا منها والتي لا يستحقونها. إن دعوتها المتكررة لكتابة تاريخٍ لأنماط التفكير، على جميع مستويات الحياة الاجتماعية-الثقافية، ولإنشاء “علم اجتماع تاريخي للأفكار ينطلق من أسفل”، تجد مكانها في إلحاحي على توجيه الكتابة في تاريخ الفكر الإسلامي نحو الطرح الإشكالي الذي تقدمه جدلية القوى والبقايا، وهي الجدلية التي نجدها في جميع المجتمعات والتي أكدت عليها في أبحاثي الخاصة بالمغرب العربي منذ 1974.

    وفي نفس الخط، هذا الذي أعرض فيه هنا لمنجزات العلوم الاجتماعية، خصوصا منجزات تاريخ مطبق على الفضاء المغاربي على صورة أنثروبولوجيا نقدية للماضي وللحاضر، أجد لزاما علي هنا الإشارة، باحترام وتقدير واعتراف، إلى المساهمة الاستثنائية التي أنجزها تادوس ليفيسكي T. Lewicki . فقد انكب هذا العالم بلا كلل، وطوال خمسين سنة، على ترميم مجموعة الوثائق الإباضية التي سبق أن جمعها السيد ز. سموغورزيفسكي Z. Smogorzewski ، في العشرينات من هذا القرن، في خزانة مدينة لووو Lwow (بأكرانيا) ، والتي نقلت في ما بعد إلى كراكوفيا. وأنا أحتفظ باسم ت. ليفيسكي ضمن باحثين لامعين آخرين غيره ليس فقط بالنظر إلى غنى مساهماته واتساع مداها، بل أيضا لأنه في أعماله تلك يجعل في المستطاع تسجيل وإبراز المواقف التي تكرر نفسها لدى المغاربيين: مواقفهم إزاء ماضيهم وتراثهم وإزاء الظروف الواقعية لحياة الجماعات التي ينتسبون إليها, والمجتمع الشمولي الذي يسمونه اليوم “المغرب” Maghreb ، المغرب العربي الكبير، الشعب المغاربي. فنحن نعرف أن لمجموعة بني مزاب هوية دينية اجتماعية وثقافية ما زالت أكثر تميزا وأكثر بروزا أمام الملاحظ من هويات جماعات أخرى معروفة في الفضاء المغاربي. إنهم ينتمون للفرقة الكلامية الفقهية الإباضية التي حاربها الأمويون كغيرها من فرق الخوارج. وعند سقوط دولتهم الإمامية بتاهرت سنة 909 التجئوا إلى جنوب الجزائر حيث عملوا على قيام نوع من الوطنية البربرية، دينية وإثنوـ ثقافية ومؤسسية، ما زالت قائمة حتى أيامنا هذه . ونظرا لوضعيتهم كأقلية دينية وإثنية فقد اضطروا إلى التقية، يمارسون بحذر معتقداتهم وسط أغلبية سنية مالكية عربية اللسان. لقد حافظوا على مذهب ديني هو من الناحية الشعائرية جد صارم، ولكنه من الناحية الفكرية أشبه ما يكون بذلك الذي ساد في مجموع الفضاء الإسلامي منذ القرن 15. ليس هناك أية دراسة هي من العمق بحيث تمكننا من بيان الكيفية التي اجتازت بها هذه الجماعة السنوات الستة والثلاثين التي استغرقتها الهيمنة السياسية القسرية التي مارستها عليها دولة جبهة التحرير الوطني: فنحن لا نعرف ما الذي تبقى من استقلالها الذاتي العريق ولا من مؤسساتها ولا من قانونها العرفي الذي كان يطبقه علماؤها الإباضيون، ولامن عمرانها واقتصادها المرتبط بالواحات، ولا من ذاكرتها الجماعية وقيمتها كشاهد عيان، كالطوارق، على مغرب كبير مدفون تحت عديد من الطبقات التاريخية المتراكمة فوق بعضها والتي تتطلب عملا أركيولوجيا في جميع الميادين ؟ هناك خزانات خاصة يحتفظ بها أصحابها بحرص شديد، فحرمت غيرتهم عليها الباحثين من الاطلاع عليها دون أن يقوم أولئك أنفسهم بما يلزم من تهيئتها وإعدادها وفق الأساليب الحديثة، من أجل نشرها الذي كان يجب أن يتم منذ مدة. وتلك وضعية تعرفها المخطوطات في جميع مناطق المغرب العربي. و نحن لا نرى كيف سيغدو في الإمكان يوما إنشاء مؤسسات، لا تستهدف أية منفعة وذات رسالة إنسانية، تضع تحت تصرف الباحثين، أخيرا، جميع المخطوطات التي تتعرض الآن لجميع مخاطر الضياع. وإلى جانب ما تبقى من تلك المخطوطات تظل هذه الشهادة المحركة للعواطف التي أدلى بها هذا الباحث البولوني [ المذكور ] الذي كرس حياته لإيجاد مكان ومصير، لجماعة صغيرة مقموعة تم تجاهلها والتنقيص من قيمتها من طرف السلطات المتعاقبة، في التاريخ العام المشترك، في هذا الفضاء الجغرافي السياسي الذي ساهمت فيه بوصفها أحد الفاعلين الأساسيين .

    لا علاقة لهذه المواقف النقدية بتلك التي سادت من قبل والتي تستنكر “العلم الاستعماري” من منطلق أيديولوجي محض وتتبناها وتكرسها اليوم عقول سلفية مشدودة إلى شعارات الخطاب الوطني الذي كان موجها ضد ما كان بالفعل موجة أنثروبو ـ سوسيو ـ إثنوغرافية، أعني علما استعماريا بامتياز! إنه من الضروري القيام بجرد نقدي جديد لمظاهر اللامسؤولية، غير المعترف بها بعد، والتي اقترفتها العلوم الاجتماعية والسياسية التي ساهمت في النفخ في الزبد الإسلاموي بأكثر مما فعلت من أجل تكييف جهازها المفاهيمي واستراتيجياتها المعرفية وإرادتها في المعرفة مع متطلبات القيام بتفكيك جذري، وبلا تنازل، لما أسميته قبل قليل بالتراجيديات المخططة والتي عانت منها جميع المجتمعات المحررة من الهيمنة الاستعمارية بعد 1945. إن مفهوم التخطيط التاريخي، السوسيولوجي والسياسي، لتطور يشق طريقه شقا حسب خطى ثقيلة الوطأة خطتها الأجيال السابقة، مفهوم سبق أن شرحه باحثون آخرون، أخص بالذكر منهم روني ريمون ومارسيل كوشي بفرنسا. فانطلاقا من النقاش الواسع الذي يعرفه المجتمع الفرنسي اليوم يتتبع هؤلاء الباحثان مجرى التاريخ من أجل إعادة بناء السيرورات والقوى والأفكار التي تلقي الضوء ليس فقط على الكيفية التي تكونت بها المشاكل المعاصرة، بل أيضا على الشرعية الثقافية للنقاشات المتقدمة، بالمقارنة مع الصدامات التي تجري اليوم. ويمكن التعرف على مدى خصوبة هذه المقاربة، التي تمت في سياق من البحث يراعي تداخل العلوم وتعددها، من خلال كتابين حديثين : كتاب ر. ريمون : الدين والمجتمع بأوربا، محاولة حول علمانية المجتمعات الأوربية في القرنين 19 و 20 ،(دار النشر سوي، باريس 1998)؛ و كتاب م. كوشي : الدين في إطار الديمقراطية، مسارات العلمانية (دار النشر غاليمار 1998).

    بالإمكان الإشارة هنا إلى عدد أكبر من المؤلفات، باللغات الأوربية، يتضح منها أن الباحثين في العلوم الاجتماعية يعالجون، بهذه الدرجة أو تلك من العمق ووثوق الصلة بالموضوع، مشاكل مجتمعاتهم الخاصة، ويضعون أصابعهم الآن، أكثر من أي وقت مضى، على مشاكل الاتحاد الأوربي الذي أضحى فضاء تاريخيا واجتماعيا وسياسيا مشتركا. إن هذا الدور الفصل الذي للعلوم الاجتماعية هو أبعد من أن يكون في متناول مجموع المجتمعات التابعة فكريا وثقافيا وعلميا للمراكز العليا التي تنتج المعارف وتراقبها. لقد غرست الأيديولوجية التي قادت الكفاح ضد الاستعمار في المخايل الاجتماعية فكرة أن تحقيق الاستقلال السياسي يفتح بالضرورة طريقا ملكية للاستقلال الاقتصادي، والاستقلال التكنولوجي، والاستقلال العلمي ومعه الاستقلال الفكري بطبيعة الحال. لقد ساد الاعتقاد في إمكانية حرق المراحل واختصار الطريق والاستغناء بالتالي عن الأسئلة ذات الطابع الكوني العام التي طرحتها الحداثة الفكرية والعلمية بأوربا من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين. وقد ظلت مختلف الأنظمة التي قامت بعد الاستقلال تخلط بين الأولوية التي يجب أن يحظى بها النضال من أجل تقليص الحدود المفروضة في كل مكان وباستمرار على الانتشار الحر للفكر الإنساني، وبين الأسبقيات الظرفية لمعارك الاستيلاء على السلطة. صحيح أن إدراك هذا التمييز وتحيينه في الفعل التاريخي كان يتطلب أن يكون في مقدور الفاعلين الاجتماعيين الاستناد إلى مرجعية من الفكر النقدي؛ وهي المرجعية التي خلا منها المغرب العربي باستمرار. ومن وجهة النظر هذه فإن الخلفية الفكرية الثاوية في خطاب التحرر الوطني خلفية مسجونة في أنواع من الخلط الفكري والمواقف الدوغماطيقية هي نفسها السائدة اليوم في الفكر الأصولي الإسلاموي الذي يريد أن يستلم راية العمل التحريري.

    لقد دافعت الحركات الوطنية خلال معارك التحرير بالمغرب العربي عن تصور للأمة، في كل من تونس والجزائر والمغرب، مستنسخ تماما من النموذج اليعقوبي الفرنسي، وهو نفسه النموذج الذي دشنته الملكية بفرنسا والذي تم تعضيده وتوسيعه سياسيا من طرف الجمهورية الثالثة. وبالاستناد إلى هذه المرجعية تعامل المستعمرون والسياسيون الفرنسيون باستهزاء، وتبعهم في ذلك أصناف من المثقفين، مع ما أطلق عليه اسم الأمة التونسية والأمة الجزائرية والأمة المغربية. أما المثقفون والباحثون المغاربيون –وعلى كل حال فقد كان عددهم قليلا إلى حدود السبعينات- فإنهم بانسياقهم الجماعي مع منطق الضرورات التاريخية للبناء الوطني، لم يفكروا قط في القيام بمراجعة نقدية لعملية استيراد نموذج لا يستجيب لمتطلبات الفضاء المغاربي الذي مازالت فيه الممارسة العلمية، على مستوى التاريخ والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، ممارسة هزيلة، وفي الأغلب الأعم تطبق تطبيقا سيئا في مجال إعادة بناء الروابط مع كل من الساحة المتوسطية، واللغات والثقافات الإفريقية، وأنماط ودرجات الحضور الذي كان, حسب الأزمنة والجهات, للغة والثقافة العربية الإسلامية. إن جدلية القوى والبقايا() (التي تتمثل في التعارض المشهور في المغرب الأقصى بين المخزن / السيبة ) تسود دائما في علميات بناء المركز السياسي على حساب كل من الأقليات والذين يعيشون على الهامش واللغات المنافسة، وهي العناصر التي تصنف ضمن ما عفى عليه الزمن وما لا أهمية له، وتنسب إلى البدعة والتمرد والفوضى… لنلاحظ هنا أنه في الإسلام كما في المسيحية سرعان ما شيدت الثيولوجيا السياسية (علم الكلام) إطارا للتفكير يسمح من خلال مفهوم الدين الحق، الذي لا يحق لأية سلطة بشرية أن تجادل فيه، بإضفاء الشرعية على الرقابة الصارمة لـ “البدع” التي يمارسها الحراس الرسميون للفرقة الدينية “الرسمية”- “الأورثودوكسية “.

    إننا نعرف في أية ظروف مأساوية بالجزائر -ولحسن الحظ هي أكثر سلمية بالمغرب وموريتانيا وتونس()– تتواصل عملية البناء الوطني وتشييد المجتمع المدني. إن بعض الخيارات السياسية التي لها علاقة مباشرة بمصير المثاقفة بالمغرب الكبير كانت لها آثار مضاعفة على الوضعية غير الملائمة الموروثة من التجاوزات الإيديولوجية التي فرضها الكفاح التحريري. سأشير بسرعة لسياسة للتعريب، ديماغوجية وظلامية، جاهلة أو متجاهلة كليا للإرث الثقيل الذي يجره الفكر واللغة العربيين معهما منذ القرنين 13 و 14. إنها سياسة ليست أقل اعتباطية تكرس التقليد من أجل إنعاش شخصية عربية ـ إسلامية “أصيلة” على أنقاض الانشطارات والإقصاءات وضروب الإهمال التي تنسب إلى النشاط العدواني للمستعمر، وحده دون غيره. وهكذا يتم القفز فوق ما يسمى بقرون الانحطاط من أجل البحث في العصر الذهبي ( التراث ) للحضارة الموصوفة بكل بساطة بالعربية، عن القيم والبواعث والإنجازات والأبطال ناشري الحضارة، الشيء الذي يُنشَد من ورائه تحقيق انبعاث يصل بالشخصية العربية الإسلامية إلى شاطئ النجاة. وحتى تونس بورقيبة، الذي نعرف جرأته النقدية والإصلاحية، لم تستطع مقاومة هذه النوازع التي تضفي الطابع الأسطوري على الأشياء والتي يستحثها ماض يعيد المناضلون صنعه، في الوقت الذي يظل فيه عمل هائل في مجال الترميم التاريخي والأنثروبولوجي ينتظر أن يخطط له ويصار به إلى النجاح.

    إن التحديد الإيديولوجي المختزل لـ ” الشخصية ” أو لـ” الهوية ” المغاربية مازال يحول دون الإسراع في تدشين بحث محايد يستكشف آفاق مجموع الفضاء المغاربي بواسطة أدوات تفكير متحررة، أخيرا، من أطر التأويل المكرس من قبل السرديات التاريخية العربية ـ الإسلامية التي يغلب عليها التوجه الكلامي-الديني، ومتحررة أيضا من الإشكاليات البالية المرتبطة بالظاهرة الاستعمارية ثم بالهيمنة الغربية. وفي الوقت الذي يحتل فيه الدين حيزا لا حدود له في الحياة اليومية وفي الفكر السياسي لدى المغاربيين، فإن الشأن الديني مازال يشكل اللامفكر فيه الأكبر لما لم يرق بعد، لهذا السبب ولأسباب أخرى، إلى ما يمكن أن نسميه الفكر المغاربي. هناك جهود في هذا المنحى جديرة بالتنويه؛ وأنا أحيي، مع متمنياتي بالنجاح الأكيد، ميلاد مجلتين واعدتين بالمغرب : مجلة فكر ونقد ، وهي مجلة شهرية يديرها محمد إبراهيم بوعلو ومحمد عابد الجابري ( وقد ظهر منها 17 عددا )؛ ومجلة برولوغ (مقدمات) المزدوجة اللغة، ويديرها عبده فيلالي أنصاري. وليس من قبيل التقليل من أهمية المسرح الفكري والثقافي المغاربي الإشارة إلى ضروب التأخر المتراكمة، وبشكل خاص إلى الهوة القائمة بين ما هو متوافر معروض وبين الطلبات الملحة لجمهور شاب متعطش. إن الجهود والمبادرات ما زالت معزولة واستثنائية وجد متواضعة وبدون صدى دائم في مجتمعات تعاني من البطالة والتهميش وظروف وجود هشة، ومن وسياسة تربوية غير ملائمة، وتعاني بكيفية خاصة من وطأة الثقافة الشعبوية التي تعمل كإطار لإعادة تشكيل فظة لمعتقدات إسلامية تسربت إليها شذرات متنافرة من حداثة تُرفَض مبادئُها رفضا. إنني أعرف طلبة يفضلون الابتعاد عن الموضوعات التي لا تمس (تابو) والعلوم التي لا تفتح آفاقا للكسب الجيد ولا أبوابا لولوج الدوائر المقصورة على المحظوظين، آملين بذلك تحاشي الالتحاق بصفوف الخريجين العاطلين، المرشحين للهجرة. أما الأعمال التي تنجز بالخارج، فمع أنها ذات قيمة، فهي غير مقروءة بما فيه الكفاية من طرف جمهورها الطبيعي, فالكتاب المطبوع بالخارج والمكتوب بلغة أوربية هو كتاب لا يمكن حيازته إلا بصعوبة: فهو باهظ الثمن، موزع توزيعا سيئا، ومن الصعب جدا العثور عليه في مكتبات قليلة العدد ورديئة التجهيز. أما المعربون الذي يعرفون اللغة العربية وحدها والذين يتزايد عددهم باطراد فلم يعد في مقدورهم حتى التفكير في التحرر من هذه العوائق الخطيرة المفروضة على أبواب الحداثة. وأما الفرانكوفونيون الذين لا يجيدون غير الفرنسية فهم يغامرون بطمأنينة بالغة، إن لم يكن أحيانا بغرور، في فكر إسلامي يجهلون مصادره الوضعية ومناهجه وقضاياه وإشكالاته. والنتيجة هبوط الثقافة المدرسية بل والجامعية إلى مستوى الكتب المدرسية التي لم تعد مواكبة والمختصرات المستنسخة والمقالات الموجهة لعامة الجمهور، بل وإلى الأدبيات التمجيدية المناضلة التي توزع مقابل أسعار زهيدة.

    يجب الدفع بهذا النوع النقدي من التحليل والجرد في اتجاه سوسيولوجيا منهجية لنشر الكتاب والفيلم والبرامج المتلفزة بالعربية والفرنسية وباللغات الأوربية الأخرى، سوسيولوجيا تعنى بالكيفية التي تتم بها عملية الاستقبال والرفض للأنماط والأشكال والمستويات الثقافية في كل مجتمع؛ سوسيولوجيا للممارسة الدينية وللصيغ والمضامين الثقافية التي تصاحبها لدى مختلف الجماعات اللسانية ( بربرية ، عربية ، فرنسية )، مع العناية بإبراز الأوضاع الاجتماعية ـ الاقتصادية ومستويات الثقافة المقابلة لها، داخل كل جماعة. يجب أيضا الدفع بتحليل الأنظمة التربوية والبرامج المدرسية وتوجهات البحث في العلوم الاجتماعية إلى أبعد مما فعلت هنا. يجب القيام بجرد المصادر الثقافية الضائعة و التي هي في طريق الضياع بسبب غياب سياسة للثقافة متحررة من النماذج الإيديولوجية التي كرست سياسات اللاثقافة والجهل الممأسس.

    كيف تتمثل كل مجموعة اجتماعية، مميزة بواسطة لغتها الراهنة، كلا من ماضيها وحاضرها ومستقبلها ودرجة اندماجها أو عدمه بداخل المجتمع الشامل الذي تنتمي إليه؟ ما هي الاتفاقيات الخاصة بالتعاون والتبادل في مجالات اللغة والثقافة والتعليم التي تقبلها وترغب فيها، أو تتجنبها وترفضها، مختلف الدول المغاربية، من بين جميع ما يمكن أن تعرضه عليها دول العالم أجمع، وبكيفية خاصة دول المجموعة الأوربية() ؟ إننا نعاني من نقص المعلومات الدقيقة بخصوص كل هذه المسائل المهمة، ولا ندري هل يتعلق الأمر بقصور راجع إلى علوم لا تنمي الفضول وحب الاطلاع في هذا الاتجاه، أو بكون الباحثين يصطدمون ببيروقراطية ومراقبة بوليسية تحبط أحسن الإرادات وأفضلها. ونفس الشيء يقال بالنسبة للاستكشافات الإثنوـ سوسيولوجية .

    وباعتبار ما تقدم يمكن أن يفهم القارئ الدواعي التي جعلتني لا أكف عن التنديد بالكتابات السياسوية التي تكتفي بكتابة حواش وتعليقات انتقادية على الخطابات “الإسلاموية، “الأصولية”، والتي يذهب بها الأمر إلى حد التنظير لصدام الحضارات! وتلك مسألة يتوجب على فكر مغاربي نقدي أن يمارس فيها، بصورة أوسع مما فعل، مسؤوليته العلمية والفكرية.

    • حظوظ المثاقفة بالمغرب الكبير

    إن “المحاضر” السلبية التي قمت بعرضها هاهنا لم تمليها عليّ نظرة متشائمة إلى التطور الذي عرفه المغرب الكبير بعد الاستعمار. إن مهمة العلوم الاجتماعية تتمثل في الإفصاح عن الرهانات الثاوية وراء سياسة من السياسات، والكشف عن الآليات العميقة التي تحكم حياة المجتمعات وعن البواعث الخفية أو اللاشعورية التي توجه اختيارات الفاعلين. كما وأن مهمة العلوم الاجتماعية تتمثل أيضا في التصريح عن صنوف اللامفكر فيه وغير القابل للتفكير فيه الذين تكرسهما بصورة متواصلة الخطابات الرسمية، بما في ذلك خطابات كل من المثقفين العضويين والقيِّمين على وجهة النظر الدينية “الرسمية”، مغلقة بذلك الباب، في كل فضاء اجتماعي ـ سياسي، أمام ما هو قابل للتفكير فيه. يمكن أن تناقَش تلك “المحاضر” في إطار القواعد المعمول بها في العلوم الاجتماعية، لكن –بكل تأكيد- ليس انطلاقا من المواقف الإيديولوجية للفاعلين السياسيين ولا من المسلمات الكلامية- الدينية لحراس وجهة النظر الدينية التي تقدم نفسها على أنها وحدها “الدين الحق”. وأنا أقدم هذه التوضيحات بقصد الرد مقدما على أنواع الاعتراض والإدانة والرفض التي قد تصدر عن أولئك الذين هم كثيرون، والذين لا يميزون بين حقول الواقع وأطر الفكر، ولا بين مستويات التحليل واستراتيجيات التدخل العلمي، ولا بين ما يهم المعرفة وما يخص الخطب الخاصة بتعبئة المخايل الاجتماعية .

    نتمنى أيضا أن تساعد جميع هذه التشخيصات والمعلومات والتوضيحات على فتح فضاء جديد للمعقولية والعمل، فضاء يتم فيه تجاوز العوائق والإكراهات التعسفية وأنواع الجهل وضروب اللاتكيف التي سبقت الإشارة إليها. ما هي حظوظ المثاقفة بالمغرب الكبير في السياق الجديد لعولمة تتميز بكونها علمية وتكنولوجية ، ثقافية وفلسفية، وليست فقط اقتصادية ونقدية؟. إن للأولوية الوظيفية التي تعطى للاقتصاد والنظام النقدي الحالي على الثقافات، وبالتالي على ظروف وجود الإنسان، انعكاسات لا يمكن أن تضبطها إلا اليقظة النقدية للعقل الذي يعمل على حماية حقوق الفكر، التي تتوج على المستوى الفلسفي، حقوق الأفراد ـ المواطنين [“حقوق الإنسان“]. وإذا كنت أضع الفكر وحقوقه في المقدمة وأعطيهما الأولوية فليس لأني أناصر الرجوع إلى تلك النزعة التوفيقية الفلسفية ـ الدينية التي نشرتها الأفلاطونية المحدثة والنزعات الصوفية التي كرست على مدى قرون، في الشرق والغرب على السواء، تلك الثنائية الروحانية التي تضع الروح في مقابل الجسد والفكر في مقابل المادة. إن النقاش الذي جرى مؤخرا حول هذا الموضوع بين بول ريكور و ج.ب. شانجو لم سفصل – وأنى له ذلك!- في مسألة الشكوك التي تقف في وجه قيام أي يقين حول موضوع العلاقة بين كل من الروح والفكر والعقل واللغة والمادة. وبما أني ذكرت الفكر هنا فإني أود فقط لفت الانتباه لهذه الحظيرة، التي نسميها النفس، حيث تتم جميع أعمال الفكر متداخلة متشابكة مع أنواع التفاعل والتراتب التي لا تستقر على حال والتي تجري بين العقل والخيال والذاكرة والإرادة. إن أي نقد جذري لرهانات المعنى الثاوية وراء جميع أنواع الخطاب التي ينتجها الإنسان لا يمكن أن يدعي لنفسه الصدق والصواب ما لم يتمكن من التعرف على الوظائف والأوضاع التي تعطيها كل ثقافة لما تدعوه العقل، والخيال، والمخيال، والذاكرة، والإرادة. إن الموقع السياسي الذي تحتله الاستعمالات الأصولية للعقل، في غير ما اعتبار لما يجتهد كل من العقل العلمي والخيال المبدع لإقراره في مجال احترام حقوق الفكر، وإن الخلط الذهني المتعددة مظاهره، والناجم عن أنواع التفسير الفج للنصوص الدينية المؤسسة التي تعطي كلها المقام الأول لتقدم الإنسان كفكر، كما وإن الضغوطات التي تمارسها النظريات العلموية الاختزالية على الخطابات الدينية التي تواصل العمل بطريقتها الخاصة على التعبير عن طموح الإنسان لمواجهة مصيره بوصفه فكرا وجسما : كل ذلك يفرض الارتفاع بالنقاش إلى المستويات المتشابكة المتداخلة التي يعمل فيها التفكير الفلسفي الجذري، كما هو قابل للتداول في هذه المرحلة من تطور معارفنا. فبدافع من كون هذا الطموح إلى تجذير الفكر النقدي لا يجد مجراه في الفكر المغاربي أولا ولا في الفكر الإسلامي ثانيا ولا في الحوار بين الأديان ثالثا، أجدني أتحفظ من الكلام عن فكر مغاربي، وفكر إسلامي حديث، وفكر ديني، على غرار الفكر الذي تعبر عنه الجهود المبذولة في مجال تجذير المعرفة [ في الغرب ] والتي تجد ما يمثلها خير تمثيل في الحوار الذي جرى بين ريكور وشانجو وكذا في بعض المسارات الفلسفية المعاصرة.

    لماذا كل هذا الإلحاح في البحث عن فكر مغاربي غائب ؟ هل لأن هناك مهام مستعجلة وخاصة تنتظره؟ هل لأنه ينتظر منه أن يقدم مساهمة نوعية في الجهود المبذولة من قبل أنماط أخرى من الفكر، في مسارات تاريخية أخرى، من أجل تكريس أولوية التماس المعنى على القبول بالأمر الواقع الذي تفرضه دائما وفي كل مكان إرادات القوة ؟

    أعتقد أنه لا يمكن الحديث عن فكر مغاربي إلا عندما يتم تدشين العمل في مشروع واعد يكون عليه وعليه وحده: إلقاء أضواء كاشفة على العلاقات التي تربط حاضر المغرب الكبير بالحقب التي يغلب فيها الانفصال على الاتصال في تاريخه، والتي تشده إلى جغرافيته السياسية ومكوناته اللسانية والأنثروبولوجية والإيكولوجية، تلك العلاقات التي لا يمكن اختزالها في اختيار إيديولوجي واحد يوضع في منأى من كل تدخل نقدي. إن مهمة التوضيح هذه تقع على عاتق جميع المجموعات الاجتماعية التي تطمح إلى اجتياز الفترة التاريخية للدولة-الأمة. من أجل ذلك فإن فكرا مغاربيا يقدم جوابا قابلا لأن تجد فيه بغيتها المجموعات العديدة التي تناضل من أجل تحصيل هويتها الوطنية، سيساعد بكل تأكيد في الدفع إلى الأمام بالنقاش الحالي الذي يجري حول التناقضات التي لم يتم بعد تجاوزها، والتي تقوم بين أولوية تحصيل المعنى الهادف إلى تفتح الإنسان على وجوده وكينونته وبين الضرورات التاريخية التي تفرض الارتكاز على إرادات القوى للولوج إلى صرح الوجود الوطني والعمل داخل هذا الصرح المستعاد، من أجل احترام حقوق الشخص-الفرد–المواطن.

    عندما كنت طالبا بكلية آداب الجزائر استمعت إلى أندري مندوز يحاضر عن القديس أوغسطين أسقف عنابة، وإلى روجي لوتورنو يستشهد بابن خلدون المؤرخ المغاربي النقدي، في حين أنه بقريتي التي فيها مسقط رأسي، تاوريرت ـ ميمون، والتي تقع بمنطقة “القبائل الكبرى”، كانت إحدى عماتي، التي ينيف عمرها عن المائة سنة، قد سبق لها أن أروت طفولتي بالثقافة الشفوية المحلية. إن هذه المرجعيات الكبرى الثلاث تحيل إلى مكونات تقوم بينها علاقة انفصال وتتشكل منها ذاكرة تاريخية، كما تشير إلى بعد جغرافي-سياسي لم يحدث لحد الآن أن قام، في الفضاء المغاربي، أي شكل من أشكال الفكر ولا أية لحظة من لحظاته بالتقريب بينها والإمساك بها في رؤية إجمالية متسائلة، تجمع بين النظر إلى الماضي والنظر إلى المستقبل. لم يكن بمستطاع الجهاز الذهني السائد في العصر القديم المتأخر كما في العصر الإسلامي الأول أن يسمح بانبثاق مثل هذه الرؤية. إن التحول إلى دين جديد يكون مصحوبا بالبغضاء، بالكراهية التي تدمر العوالم والثقافات السابقة التي تقاوم توسع المنظومة الجديدة، الداعية إلى الإيمان بمعتقدات والكفر بأخرى. لقد وعى ابن خلدون هذا الانقطاع بين حضارة البدو الرحل وحضارة الحضر وعيا عميقا جعله يقول قولته المشهورة التي تحدد موقعه من الصراع الدائر في عصره، أقصد قوله: ” إذا عرِّبتْ خُرِّبتْ”. بيد أنه لم يكن يستطيع، حتى بوصفه وريثا لثقافة عربية إسلامية رحبة، أن يدرك رهانات المعنى والثقافة الثاوية وراء القطيعة التي أحدثها الإسلام، الذي اعتقده الناس وعاشوه بوصفه دين الحق، في فضاء متوسطي تعرض من قبل وبقوة لمفعول قطائع أقل عمقا بين المسيحية والثقافات الإغريقية ـ الرومانية. لقد ظهرت في السنوات الأخيرة مؤلفات تجديدية، صدرت في برينستون عن دار النشر داروين بريس، في مجموعة تحمل اسم studies in late antiquity and early Islam [دراسات في العصر القديم المتأخر والإسلام المبكر]. لقد عملت هذه المؤلفات على تجاوز التقابل الاختزالي التي انشغل به هنري بيرين في كتابه محمد وشارلمان (1936)، التقابل بين إسلام فاتح كاسح و حلف روماني pax romana يشمل جنبات البحر الأبيض المتوسط المسمى آنذاك بحر الظلمات Mare Nostrum .

    أما الأبحاث الفرنسية التي تناولت شمال إفريقيا منذ 1980 فقد سبق أن كانت موضوعا لأنواع من التقويم النقدي. ولن أتعرض إلى هذه الأعمال إلا من أجل إبراز كيف أن الإيديولوجيا الاستعمارية قد بالغت، إلى الحد الذي لا مزيد عليه، في إضفاء الطابع الإيديولوجي على المشاكل التي تخص الذاكرة التاريخية في المغرب الكبير، هذه الذاكرة التي أحاول فعلا تحريرها من المغالط المضاعفة التي يرجع بعضها إلى الموقف الاستعماري وبعضها الآخر إلى رد الفعل الوطني: فالموقف الاستعماري قد أولع بتركيب استمرارية موهومة بين روما المسيحية وفرنسا ما بعد الثورة، قافزا على الفاصل الطويل الذي لم يستكشف بعد كاملا، والذي يشكله الحضور العربي الإسلامي. أما رد الفعل الوطني فقد أراد أن يمحي جميع شوائب الاستعمار الروماني-الفرنسي- المسيحي ليرسي الشخصية العربية الإسلامية على كمالها وطهرها وأصالتها. وهنا يذكر البربر من أجل إدانة الاستعمار الروماني، والتنديد أكثر وأكثر بالاستراتيجية الفرنسية التي أرادت أن تعارض العرب بالبربر. وفي إطار هذا التنديد حكم بالجب والاستئصال على ما تبقى من آثار اللهجات والعادات البربرية بوصفها بدعا أو مظاهر وثنية من الجاهلية التي ندد بها القرآن. ونقطة القوة في هذا النوع من التصرف بالذاكرة التاريخية الذي مارسه فاعلون لا يعرف بعضهم بعضا ولا تربط بينهم أية رابطة، هي فيما يبدو لي، ذلك الجمع الذي زاوجوا فيه بين تمثلات المخيال الاجتماعي وبين مسلمات العقل المناضل، عقل عصر الأنوار؛ المسلمات التي تؤسس العلوم الاجتماعية وبالأخص التأريخ الوضعي الذي ساد في القرن التاسع عشر. لقد ترتب عن ذلك نشوء عدة طبقات رسوبية، يتحتم اليوم تفكيكها، في كل من الخطاب الاستعماري والخطاب الوطني الذي يشكل الرد الجدلي عليه. أما طبقة الخطاب الديني، التي تعرضت لكبت نسبي في الخمسينات والستينات، فقد عادت إلى السطح لتغزو الساحة السياسية التي يدين لها بالتبعية كل من الحقل الفكري والثقافي والعلمي. لقد بينت أعلاه كيف أن الظاهرة الدينية، وهي بالتحديد الإسلام، هي اليوم اللامفكر فيه الأقوى تأثيرا على نتائج النقاشات الفكرية الراهنة بالمغرب الكبير؛ كما أوضحت كيف، ولماذا، يوجد الحقل الديني اليوم موصدا من طرف إرادات سياسية متنافسة. ذلك ما يبرر مشروع نقد العقل الإسلامي الذي يرمي إلى تحقيق مطمحين اثنين: نزع الشرعية عن التحالف الخطير بين الدين والسياسة، والارتفاع بالمسألة الدينية إلى الفضاءات الجديدة التي تفتحها اليوم، في وجه الفهم والتأويل، العلوم الاجتماعية والنقد الفلسفي.

    مجلة الجابري – العدد التاسع عشر