القديس أوغسطين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني، تحرير: تركي طوهري

القديس أوغسطين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني، تحرير: تركي طوهري

القديس أوغسطين

القديس أوغسطين


حول سيرة القديس أوغسطين وأعماله وفلسفته في الأخلاق والسياسة، ونظريته في المعرفة؛ نص مترجم لد. كريستيان تورنو، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


ربما كان أوغسطين أعظم فيلسوف مسيحي في العصور الوسطى، وبالتأكيد هو الفيلسوف صاحب التأثير الأعمق والأطول. تعده الكنيسة الكاثوليكية قديسا، وكانت سلطته في الأمور اللاهوتية مقبولة عالميا في العصور الوسطى اللاتينية، وظلت هذه السلطة في التقليد المسيحي الغربي غير مختلف عليها حتى القرن التاسع عشر. وكان تأثير وجهات نظره بالغا على الثقافة الغربية فيما يتعلق بالخطيئة، والنعمة الإلهية، والحرية، والجنسانية. وقد أثارت هذه الآراء التي تختلف بشدة مع التقاليد الفلسفية والثقافية القديمة، انتقادات شديدة في حياة أوغسطين ، ومرة ​​أخرى نشطت معارضتها في القرنين: العشرين والحادي والعشرين من وجهات نظر عديدة (مثل: الإنسانية، والليبرالية، والنسوية)، ومع ذلك يظل الفلاسفة مفتونين بأفكاره المبتكرة عن اللغة، والمنهج الشكي والمعرفة، وعن الإرادة والعواطف، وعن الحرية والحتمية، وعن بنية العقل البشري، وأخيرا وليس آخرا فَتنتهم طريقة ممارسته للفلسفة التي كانت بنحو يثير الاستغراب -على الرغم من التزامه بطبيعة الحال بحقيقة الوحي الكتابي كما جاء في الكتاب المقدس- غير متزمتة، تتميز بروح التحقيق الدؤوب. أشهر أعماله: الاعترافات، عمل فريد من نوعه في التقاليد الأدبية القديمة ولكنه أثَّر بشكل كبير في التقاليد الحديثة لكتابة السيرة الذاتية، إنه عمل فلسفي فريد ومثير مكتوب بصيغة المتكلم. ونظرا لأهمية أوغسطين بالنسبة لتراث العصور الوسطى الفلسفي، فغالبا ما يُدرج كأول فيلسوف قرْوَسَطِيّ، ولكن على الرغم من أنه ولد بعد أن أنهى الإمبراطور قسطنطين الأول الاضطهاد الموجَّه ضد المسيحية بعدة عقود، وفي سنوات نضجه، رأى التشريعات المناهضة للوثنية، والمضادة للهرطقة، التي أصدرها ثيودوسيوس الأول وأبنائه، مما جعل المسيحية الكاثوليكية (أي، نيقية) هي الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، لم يعش أوغسطين في عالم مسيحي “قرْوَسَطِيّ”. كانت التقاليد الدينية والثقافية والاجتماعية الوثنية في أوج وجودها في طائفته، حيث كان يستنكرها كثيرا في خطبه الوعظية، وكانت نظرته الثقافية الخاصة مثل تلك التي لمعظم معاصريه من متعلمي الطبقة العليا، والتي تتشكل من المؤلفين اللاتينيين الكلاسيكيين، والشعراء، والفلاسفة، الذين درس أعمالهم في مدارس قواعد اللغة والبلاغة قبل وقت طويل من لقياه للكتاب المقدس والكُتاب المسيحيين. يتشابك طوال أعماله مع الفلسفة غير المسيحية والسابقة عليها، والتي عرف الكثير منها من مصادرها الأصلية. ظلت الأفلاطونية بشكل خاص مكونا حاسما في فكره، لذلك من الأفضل قراءة أعماله باعتباره فيلسوفا مسيحيا من القرون الوسطى المتأخرة، تشكلت فلسفته خلال حوار مستمر مع التراث الكلاسيكي.

 

الترجمات من النصوص اليونانية أو اللاتينية في هذا المدخل من عمل المؤلف ما لم يُذكر خلاف ذلك. تمت ترجمة اقتباسات الكتاب المقدس من نسخة أوغسطين اللاتينية، وقد تأتي لذلك مختلفة عن الأصل اليوناني أو العبري أو عن الترجمة اللاتينية الشعبية للكتاب المقدس Vulgate.

 

  1. حياته

  2. أعماله

  3. أوغسطين والفلسفة

  4. التراث الفلسفي؛ أفلاطونية أوغسطين

  5. نظرية المعرفة

 5.1 الشكية واليقين

 5.2 التنوير

5.3  الإيمان والعقل

5.4  اللغة والعلامات

  1. علم الإنسان: الله والروح، الروح والجسد

 6.1 الروح ككائن مخلوق

6.2  العقل الإنساني كصورة لله

  1. الأخلاق

 7.1 السعادة

7.2  الفضيلة

 7.3 الحب

7.4  الإرادة والحرية

 7.5 الإرادة والشر

 7.6 النعمة الإلهية، والقدر، والخطيئة الأولى

  1. الفلسفة التاريخية والسياسية

  2. النوع، والمرأة، والجنسانية

  3. الخلق والزمن

  4. الإرث

قائمة المراجع

  • الطبعات

  • الترجمات

  • التعليقات

  • أعمال مرجعية

  • مقدمات وكتب عامة

  • المؤلفون اليونانيون واللاتينيون الذين استُشهد بهم

  • أعمال ثانوية مختارة

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الانترنت

  • مدخلات ذات صلة


 

 

  1. حياته

عاش أوغسطين (أوريليوس أوغسطينوس) من 13 نوفمبر 354 إلى 28 أغسطس 430. ولد في “طاغاست” في أفريقيا الرومانية (سوق أهراس في الجزائر). يبدو أن والدته مونيكا (ت 388) المسيحية التقية كان لها تأثير عميق وجليٌّ على تطوره الديني. والده باتريسيوس (ت 372) تم تعميده وهو على فراش الموت. تلقى أوغسطين مبادئ المسيحية في وقت مبكر من حياته. كان يؤمل من دراسته للقواعد والبيان في المراكز الإقليمية في مادوراوس وقرطاج والتي استنفدت الموارد المالية لوالديه متوسطي الحال أن تمهد طريقه لمستقبل مهني راقٍ في الإدارة الإمبراطورية في قرطاج. وهو في حوالي الثامنة عشرة من عمره التقى خليلة، عاش معها كزوجة واحدة وحيدة له حوالي 14 عاما، وأنجبت له ابنا (أديوداتوس) الذي تم تعميده مع والده في ميلانو، ثم ما لبث أن مات بعد ذلك بقليل (حوالي 390) وعمره 18 عاما. في عام 373 أصبح أوغسطين “مستمعا” للمانوية، وهو دين ثنائيٌّ أصوله فارسية وتطور في شمال أفريقيا إلى أشكال متنوعة من المسيحية (وتم اضطهاده كهرطقة). استمر اعتناقه للمانوية تسع سنوات وقد عارضته أمه بشدة. على الرغم من نشاطه كمدافع ومبشر مانوي، إلا أنه لم يصبح أبدا واحدا من “صفوة” الطائفة (electi) الذين التزموا بالزهد والامتناع عن ممارسة الجنس. في عام 383 انتقل إلى ميلانو التي كانت آنذاك عاصمة النصف الغربي من الإمبراطورية ليصبح أستاذ المدينة للبلاغة مقابل أجر، والأديب الرسمي للبلاط الإمبراطوري، هنا ترك خليلته لتمهيد الطريق لزواج مفيد (سلوك من المحتمل أنه كان شائعا بين المهنيين الشباب في تلك الفترة). في ميلانو تعرض لتأثير الأسقف أمبروز (339-397) الذي علمه الطريقة المجازية لتفسير الإنجيل، ولتأثير بعض المسيحيين الذين يميلون إلى الأفلاطونية المحدثة الذين زودوه بفهم للمسيحية التي تم إطلاعه عليها فلسفيا، والتي كانت بالنسبة لـ أوغسطين من الوجهة الفكرية أكثر إرضاءً له من المانوية التي بدأ بالفعل في الابتعاد عنها. انتهت الفترة التي نشأت عن عدم اليقين والشك -التي تم تصويرها في الاعترافات كأزمة بالمعنى الطبي- في صيف عام 386 عندما تحول أوغسطين إلى المسيحية الزاهدة وتخلَّى عن كرسيه البلاغي وتطلعاته المهنية الأخرى. بعد شتاء من الراحة الفلسفية في مزرعة كاسيسياكوم بالقرب من ميلانو، تم تعميد أوغسطين بواسطة أمبروز في عيد الفصح عام 387، ثم عاد إلى أفريقيا برفقة ابنه وبعض الأصدقاء ووالدته التي توفيت في الرحلة (أوستيا، 388). في 391 تم ترسيمه على ما يبدو ضد إرادته كاهنًا في أبرشية المدينة البحرية هيبو ريجيوس (عنابة الآن في الجزائر)، بعد ما يقرب من خمس سنوات (حوالي 396) خلَّف الأسقف المحلي. تضمنت هذه الوظيفة الكنسية واجبات رعوية وسياسية وإدارية وقضائية جديدة، وربما أسهمت مسؤولياته تجاهها وخبرته مع جماعة مسيحية عادية في تعديل وجهات نظره حول النعمة والخطيئة الأصلية (Brown 2000: ch. 15)، لكن مهاراته البلاغية جهزته بشكل جيد لوعظه اليومي وللخلافات الدينية. طوال حياته كأسقف كان يشارك في مجادلات دينية مع المانويين، والدوناتيين، والبيلاجيانيين، وبدرجة أقل مع الوثنيين. معظم الكتب والرسائل الكثيرة التي كتبها في تلك الفترة كانت جزءًا من هذه المجادلات أو على الأقل مستوحاة منها، وحتى تلك التي لم تكن تدمج تعاليما فلسفية أو لاهوتية مع البلاغة (على سبيل المثال، كتابيه: التفسير الحرفي لسفر التكوين، وعن الثالوث) (Tornau 2006a). إن طعونه الشديدة في رفاقه الدينيين السابقين من المانويين تظهر في أعماله حتى عام 400 تقريبا، وقد ساعد نقاشه معهم على تشكيل أفكاره بعدم جوهرية الشر، ومسؤولية الإنسان. نشأت جذور الانشقاق الدوناتي مع الاضطهاد الأخير الهائل في بداية القرن الرابع. رأى الدوناتيون أنفسهم كخلفاء شرعيين لأولئك الذين ظلوا ثابتين خلال الاضطهاد، وزعموا أنهم يمثلون التراث الأفريقي لـ “كنيسة الطهارة” المسيحية. منذ 405 تم إدراج الدوناتيين بموجب القوانين الإمبراطورية المضادة للهرطقة، وأجبروا على العودة إلى دخول الكنيسة الكاثوليكية بالوسائل القانونية، تم تشديد هذه الإجراءات بعد أن مثَّل مؤتمر قرطاج (411) النهاية الرسمية للدوناتية في أفريقيا (Lancel & Alexander 1996-2002). عن طريق كتابته الدؤوبة ضد الدوناتيين، شحذ أوغسطين أفكاره الكنسية وطور نظريةً عن الإكراه الديني تتأسس على الفهم المقصود للحب المسيحي. كان أوغسطين على علم بالحركة البيلاجيانية (سميت باسم بيلاجيوس البريطاني الزاهد) حوالي عام 412، وقد سعى مع زملائه من الأساقفة الأفارقة إلى إدانتها باعتبارها حركة هرطيقية عام 418. وبينما لم ينكر هؤلاء أهمية النعمة الإلهية، فقد أصر بيلاجيوس وأتباعه على أن الإنسان بطبيعته حر وقادر على عدم ارتكاب إثم (محتمل possibilitas). وفي مواجهة هذا المذهب دافع أوغسطين بقوة عن مذهبه حول اعتماد الإنسان بنحو جذري على النعمة الإلهية، وهي قناعة تم الإفصاح عنها بالفعل في “الاعترافات”، لكنه قام بصقلها وتقويتها في غضون نزاعه معهم. تميز العقد الأخير من حياة أوغسطين بنقاش محتدم مع الأسقف البيلاجياني السابق: جوليان من إكلانوم، الذي اتهم أوغسطين باعتناق المانوية المشفرة وإنكار الإرادة الحرة، بينما ألقى أوغسطين باللوم عليه وعلى البيلاجيين لتفريغ تضحية المسيح من معناها بإنكار الخطيئة الأصلية (Drecoll 2012-2018). يبدو أن الجدل مع التقليديين الوثنيين قد وصل إلى ذروته بعد عام 400، عندما دحض أوغسطين سلسلة من الاعتراضات ضد المسيحية المستقاة على ما يبدو من أطروحة فورفوريوس: ضد المسيحيين (الرسائل Letter 102،Bochett 2011)، وبعد عام 410 عندما تم نهب مدينة روما بواسطة ألاريك الأول وأتباعه من القوطيين. كان كتاب “مدينة الله” هو الاعتذار الكبير لأوغسطين الذي أثاره هذا الحدث الرمزي، على الرغم من أنه بأية حال مجرد رد على المجادلات الوثنية. انتهت حياة أوغسطين أثناء حصار الفاندال لمدينة عنابة، ويقال أنه مات وهو ينطق اسم أفلوطين (بوسيديوس، سيرة حياة أوغسطين 28.11،بعد أفلوطين، التاسوعات 14.7.23-24 Enneads).

 

  1. أعماله

تزيد أعمال أوغسطين عن مجمل الأعمال المحفوظة لكُتَّاب العصور الوسطى تقريبا. في كتاب الاستدراكات (“المراجعات”، وهو مسح نقدي لكتاباته بترتيبها الزمني حتى عام 428 م) يقترح تقسيما ثلاثيا لعمله إلى: كتب، وخطابات، وخطب وعظية (المراجعات 1، ديباجة 1Retractationes 1, prologue 1)، بقي منها حوالي 100 كتاب، و300 خطاب، و500 خطبة وعظية. بدأ مشوار أوغسطين المهني بعد اعتناقه للمسيحية، بحواراتٍ فلسفية. أولها مكتوب في كاسيسياكوم في عام 386/7، يتناول موضوعات تقليدية مثل: الشك (الرد على الأكاديميين Contra Academicos)، والسعادة (الحياة السعيدة De beata vita)، والشر (في النظام De ordine)، وخلود الروح (مناجاة Soliloquia، في خلود النفس De immortalitate animae). استمر أوغسطين في متابعة هذه القضايا في شكل حوارات حول لا مادية الروح (في عظمة الروح De quantitate animae, 388)، واللغة والتعلم (المعلمDe magistro, 388-391)، وحرية الاختيار والمسؤولية الإنسانية (الإرادة الحرة De libero arbitrio,، بدأه عام 388 وأتمه تقريبا في نهاية عام  395)، والبنية العددية للواقع (388 في الموسيقى De musica, 390). وأطروحة الدين الحقيقي De Vera Religione (391-389) التي تعتبر ملخصا لفلسفة أوغسطين المسيحية المبكرة. بعد استهلاله لحياته الكنسية تخلى عن شكل الحوار، ربما لأنه أدرك ملاءَمته بنحو أكبر للنخبة الثقافية، وطبيعته التي تحتمل إحداث تضليل (G. Clark 2009; Catapano 2013). ومن أعمال فترة الكهنوت والأسقفية، العديد من الكتابات المثيرة للجدل ضد المانويين (على سبيل المثال: الرد على فاوستوس المانوي Contra Faustum Manichaeum، حوالي 400)، وضد الدوناتيين (على سبيل المثال: الرد على رسالة بيتلياني Contra litteras Petiliani، 401-405 عن المعمودية De baptismo، 404) وضد البيلاجيين (مثل: عن الروح والرسالة De Spiritu et littera،  412، والرد على جوليان Contra Iulianum، 422 وفي النعمة الإلهية والإرادة الحرة De gratia et libero arbitrio، 424-427، وعمله الأخير غير المكتمل: الرد على جوليان، الذي يحافظ على قسم جوهري من الرسالة المفقودة إلى فلوروس Ad Florum التي كتبها خصمه البيلاجيني جوليان من إيكلانو). من الأعمال الفلسفية الأكثر إثارة للاهتمام من بين أعماله: فائدة الإيمان (391-392، وهو دفاع عن الإيمان/ الاعتقاد ضد العقلانية المانوية)، في طبيعة الخير (399، حجة موجزة للرد على مذهب المانويين والتي تذهب إلى أن الشر حرمان من الخير وليس وجودا مستقلا)، في الطبيعة والنعمة الإلهية De natura et gratia (413-417 ردا على أطروحة البيلاجينية: في الطبيعة De natura) واللوم والنعمة الإلهية De correptione et gratia (426/427، دحض النسخة المسيحية من “حجة الخمول” الرواقية، التي تم طرحها لمواجهة مذهب أوغسطين في النعمة). ومع ذلك اشتهر أوغسطين بأطروحاته الخمس الطويلة ذات النطاق الأوسع، والتي ألفها بين عامي 396 و 426. الاعترافات (حوالي 396-400) ربما كان أكثر أعماله أصالة، وهو “فلسفة السيرة الذاتية” (Mann 2014) بديلا للسيرة الذاتية بالمعنى الحديث. وفيها يبين كيف أن حياة الفرد -حياة أوغسطين- تصبح ذات معنى بفضل النعمة والعناية الإلهيتين، وكذلك بفضل خَلقه وتدبيره للعالم من أجل الخلاص. وفي العقيدة المسيحية De doctrina christiana (بدأه في 7/396 ولكنه اكتمل في 7/426) وهو كتيب عن التفسيرات الإنجيلية والبلاغة المسيحية، يصور بدقة الانقسام السيميائي الثنائي “للأشياء” (res) -وبخاصة اللغوي-  و”العلامات” (signa)، ويقيِّم بنحو نقدي أهمية القواعد الكلاسيكية لتفسير الإنجيل. وقد أثار كتابه عن الثالوث De trinitate (بدأ تصنيفه في عام 399 وأكمله في عام 419، أو ربما في وقت لاحق من عام 426) إعجاب القراء العصريين ذوي الميول الفلسفية، بتحليلاته الاستقصائية للعقل البشري باعتباره “صورة” للثالوث الإلهي. التفسير الحرفي لسفر التكوين De Genesi ad litteram ( 401/2-416) هو محاولة لكسب علم كونيات مبرر فلسفيا، مستمد من الفصول الأولى لسِفر التكوين. الفلسفة هنا كما هو الحال في معظم أعمال أوغسطين ، غير منفصلة عن التفسيرات الإنجيلية. تقول الرسالة الدفاعية الهائلة: مدينة الله De civitate dei (التي بدأ تصنيفها عام 412 بعد عامين من نهب روما، وأتمها عام 426) إنه لا يمكن العثور على السعادة في التقاليد الرومانية ولا الفلسفية، ولكن فقط من خلال الانتماء إلى مدينة الله، التي أسسها المسيح. ومن بين أمور أخرى فإن له تأملات مثيرة للاهتمام في الدولة العلمانية، وحياة المسيحي في مجتمع علماني. توثق الخطب الوعظية قدرة أوغسطين على تهيئة الأفكار المعقدة لجمهور كبير لم يحصل على قدر كاف من التعليم. وسلسلتان طويلتان عن سِفر المزامير (شروح سفر المزامير Enarrationses in Psalmos، حوالي 392-422)، وعن إنجيل يوحنا (في تدبر إنجيل يوحنا In Iohannis evangelium tractatus، حوالي 406-420)، ويبقى أن سلسلة الخطب الوعظية حول رسالة يوحنا الأولى (عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين In epistulam Iohannis ad Parthos tractatus decem، 407) هي البحث الأكثر براعة لأوغسطين عن الحب المسيحي. أما الرسائل فليست وثائق شخصية أو حميمة، بل كتابات عامة تعد قسما من تعاليم أوغسطين ومن سياساته الكنسية، يصل طول بعضها إلى ما يماثل طول أطروحة كاملة، وتطرح مناقشات فلسفية بديعة (الرسالة 155 حول الفضيلة، الرسالة 120 حول الإيمان والعقل، الرسالة 147 حول “رؤية” الله).

 

  1. أوغسطين والفلسفة

ورث أوغسطين من الفكر القديم فكرة أن الفلسفة هي “حب الحكمة” (الاعترافات 3.8، مدينة الله 8.1)، أي: محاولة الوصول إلى السعادة -أو كما كان متأخرو العصور الوسطى من المفكرين سواء الوثنيين أو المسيحيين يفضلون القول: الخلاص- من خلال النظرة الثاقبة للطبيعة الحقيقية للأشياء، والعيش وفقا لذلك. هذا النوع من الفلسفة هو ما يؤيده بشكل قاطع خاصةً في أعماله المبكرة (راجع على سبيل المثال، الرد على الأكاديميين 1.1). إنه مقتنع بأن الفيلسوف الحقيقي محب لله؛ لأن الحكمة الحقيقية في نهاية الأمر تتطابق مع الله، وهي نقطة يشعر فيها بالاتفاق مع كل من بولس (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 1:24)، وأفلاطون (راجع: مدينة الله 8.8). هذا هو سبب اعتقاده أن المسيحية هي “الفلسفة الحقيقية” (في الرد على لوليانوم Contra Iulianum 4.72، وتلك وجهة نظر شائعة بين القدماء، وخاصة المفكرين اليونانيين والمسيحيين)، وأن الفلسفة الحقيقية والدين الحقيقي (التعبدي) متطابقان (في الدين الحقيقي De vera religione 8). في حالة الشك تكون الأسبقية للممارسة على النظرية: في حوارات كاسيسياكوم يُنسب إلى مونيكا التي تمثل القديسة غير المتعلمة فلسفةً خاصة بها (في النظام 1،31–32، 2.45). في الوقت نفسه ينتقد أوغسطين بحدة “فلسفة هذا العالم” التي يستنكرها العهد الجديد لأنها تصرف الانتباه عن المسيح (الرسالة إلى أهل كولوسي 2: 8). في عمله المبكر عادة ما يقتصر حكمه هذا على الأنظمة المادية الهلنستية (في الرد على الأكاديميين 3.42، في النظام 1.32)، وفي أعماله اللاحقة يشمل حكمه حتى الأفلاطونية، لأنها تنفي إمكانية وجود تاريخ للخلاص (مدينة الله 12.14). الخطأ الرئيسي الذي يأخذه على الفلاسفة هو الغطرسة أو الكبرياء (الغرور superbia)، وهو توبيخ ليس بالهين، نظرا إلى أن الغطرسة في رأي أوغسطين هي أصل جميع الخطايا. بعيدا عن الغطرسة يفترض في الفلاسفة أن يكونوا قادرين على الوصول إلى السعادة من خلال فضيلتهم (مدينة الله 19.4، وهو نقد موجه في المقام الأول ضد الرواقيين)، وحتى من بين أولئك الذين امتلكوا النظرة الثاقبة إلى الطبيعة الحقيقية لله وكلمته (أي: الأفلاطونيون) فإنهم غير قادرين على “العودة” إلى “وطنهم” الإلهي، لأنهم يرفضون بكِبرٍ وساطة المسيح المتجسد، ويلجؤون بدلا من ذلك إلى الشياطين المتعجرفة الخبيثة، أي إلى الطوائف الوثنية التقليدية وإلى السيمياء (الاعترافات 7.27، في تدبر إنجيل يوحنا 2.2–4، مدينة الله 10.24–29، Madec 1989). يلخص أوغسطين في أعماله الأولى برنامجه الفلسفي الخاص في عبارة “لمعرفة الله والروح” (مناجاة 1.7، في النظام 2.47)، ويعِد بمتابعة ذلك بالوسائل التي توفرها الفلسفة الأفلاطونية، طالما أنها لا تتعارض مع سلطة الوحي الإنجيلي (في الرد على الأكاديميين 3.43)، وهو بذلك يعيد صياغة الأسئلة الفلسفية القديمة حول الطبيعة الحقيقية للإنسان، وحول المبدأ الأول للواقع، ويلمح إلى الفكرة الرئيسية للأفلاطونية الجديدة التي مفادها أن المعرفة بذاتنا الحقيقية تستلزم معرفةً بأصلنا الإلهي، وستمكننا من العودة إليها (راجع: أفلوطين، التاسوعات VI.9.7.33–34). وتظل هذه هي الخصائص الأساسية لفلسفة أوغسطين طوال حياته الفلسفية، والتي تم تمييزها وتعديلها بشكل ملحوظ مع ازدياد ارتباطه بالفكر الإنجيلي، واكتسبت مع ذلك مفاهيم الخلق، والخطيئة، والنعمة، أهميةً أكبر. لم يكن أوغسطين مدركا للتمييز في العصور الوسطى والعصر الحديث بين “الفلسفة” و”اللاهوت”، فكلاهما متشابك بشكل لا ينفصم في فكره، ومن غير الصائب محاولة فصلهما بالتركيز حصريا على العناصر التي تُعتبر “فلسفيةً” من وجهة النظر الحديثة.

 

  1. التراث الفلسفي؛ أفلاطونية أوغسطين

يخبرنا أوغسطين أنه في الثامنة عشرة من عمره ألهب الحوار التعليمي لشيشرو: هورتنسوس (مفقود الآن) حماسه إلى الفلسفة (الاعترافات 3.7)، وأنه قرأ في شبابه المقولات لأرسطو (ib. 4.28)، وأن تحوله إلى المسيحية قد تعزز بشكل كبير بقراءاته للأفلاطونية الجديدة، (ib 7.13)، وكذلك رسائل بولس (ib. 7.27، في الرد على الأكاديميين 2.5)، لكنه أكثر تحفظا بشأن النصوص المانوية التي لابد وأنه قد عرف عنها الكثير (van Oort 2012). بدأ من تسعينيات القرن الرابع فصاعدًا يصبح تأثير الكتاب المقدس حاسما على فكره، ولا سيما سفر التكوين، والمزامير، وكتابات بولس ويوحنا (على الرغم من أن تفسيره يبقى مشربا بالفلسفة)، ويبدو أن عقيدته في النعمة الإلهية في فترة نضجه قد نمت من قراءة جديدة لبولس حوالي عام 395 (انظر فقرة 7.6 النعمة الإلهية، والقدر، والخطيئة الأصلية).

كان التأثير الفلسفي الأكثر ديمومة على أوغسطين هو الأفلاطونية المحدثة، لكنه لا يحدد مؤلفين بعينهم أو موضوعات محددة لـ “كتب الأفلاطونيين” (الاعترافات 7.13) التي تُرجمت إلى اللاتينية في القرن الرابع بواسطة الأفلاطوني الجديد والمسيحي ماريوس فيكتورينوس (ib 8.3) والتي قرأها عام 386. في القرن العشرين كان الجدل قائما ومستمرا وأحيانا ساخنا، حول ما إذا كان يجب منح الامتياز لأفلوطين (الذي ورد ذكره في كتاب الحياة السعيدة  4)، أو فورفوريوس الصوري (الذي ذُكر اسمه أولا في كتاب تناغم الأناجيل 1.23 حوالي عام 400)، باعتباره صاحب التأثير الأفلاطوني الجديد الرئيسي على أوغسطين (للحصول على ملخصات النقاشات، انظر:  O’Donnell 1992: II 421-424; Kany 2007: 50-61). معظم العلماء اليوم يقبلون الحل الوسط، بأن ما ذكره من “كتب الأفلاطونيين” تشمل بعض أطروحات أفلوطين (على سبيل المثال: التاسوعات I.6 و I.2 و V.1 و VI.4-5)، ومختارات من أعمال فورفوريوس الصوري (الآراء Sententiae، وربما Symmikta Zetemata). على أية حال لا ينبغي المبالغة في أهمية هذه المشكلة، لأن من الواضح أن أوغسطين واصل قراءاته للأفلاطونية المحدثة بعد عام 386. وحوالي عام 400 كان قد حصَّل فلسفة فورفوريوس من الكهنة الذين لقيهم، وفي مدينة الله 10 (حوالي عام 417) نجده يقتبس من رسالة إلى أنيبو لفورفوريوس، ومن أطروحة لاتينية مجهولة عنوانها حسب ترجمة أوغسطين عودة الروح De regressu animae، وهو التأثير الذي شك فيه البعض بالفعل في أعمال أوغسطين المبكرة. بالنسبة لفلسفة العقل في النصف الثاني من كتابه عن الثالوث De trinitate، ربما انكبَّ على نصوص الأفلاطونية المحدثة حول علم النفس. وبينما تراوغنا المصادر الدقيقة للأفلاطونية المحدثة عند أوغسطين ، فإن نقد المصدر كان قادرا على تحديد بعض سمات الأفلاطونية المحدثة الأصيلة بلا شك والمنتشرة في فكره: تعالي الذات الإلهية ولا ماديتها. وتفوق ما لا يقبل التغير على المتغير (راجع أفلاطون، محاورة طيماوس 28d)، والتراتب الوجودي للإله، والروح والجسد (الرسائل 18.2)، ولا مادية النفس وخلودها، وانقسام العوالم إلى عقلانية وحسية (المنسوبة إلى أفلاطون في الرد على الأكاديميين 3.37)، والوجود الكلي للعقل اللامكاني في المعقول (الاعترافات 1.2-4، الرسائل 137.4) والحضور السببي للإله في خليقته (في خلود الروح 14-15، التفسير الحرفي لسفر التكوين 4.12.22)، ووجود المثل العقلانية (الأفلاطونية) التي تحل في عقل الإله، وتعمل كنماذج للأشياء المعقولة (كتاب الأسئلة 46)، وجوهرية المعقول، وفكرة أننا نجد الإله والحقيقة باتجاهنا إلى الداخل (الدين الحقيقي 72)، ومذهب الشر باعتباره نقص أو حرمان من الخير، وفهم حب الروح للإله كرغبة شبه جنسية للجمال الحقيقي (الاعترافات 10.38، راجعRist 1994: 155 ). العنصر الأفلاطوني الذي لا ريب فيه هو فكرة الصعود الفكري أو الروحي. يعتقد أوغسطين أنه من خلال التوجه إلى الذات، وإلى الأعلى من الأجسام إلى الروح (أي من معرفة الأشياء إلى معرفة الذات)، ومن المحسوس إلى المعقول، سنتمكن في نهاية الأمر من أن نسمو بأنفسنا إلى أن نتصل بالوجود الأسمى، وهو لا شيء غير الله، والحقيقة، وهذا أعمق بكثير في داخلنا من ذاتنا (الاعترافات 3.11، ماكدونالد 2014: 22-26، نص دليل الكتاب المقدس لأغسطين هو رومية 1:20، مقتبس على سبيل المثال، ib 7.16). هذا النوع من الصعود موجود في سائر أعمال أوغسطين (على سبيل المثال: في حرية الإرادة 2.7–39، والاعترافات 10.8-38،وعن الثالوث 8-15). من الصعب تحديد ما إذا كان يجب قراءة النصوص المكثفة في الاعترافات (7.16، 7.23، 9.24–26) كتعبير عن تجارب صوفية (Cassin 2017). النسخة المبكرة لفكرة الصعود الأوغسطينية هي المشروع -الموضح في كتابه: في النظام (2.24-52)، والذي سرعان ما تم التخلي عنه، وتراجع عنه فعليا في كتابه: في العقيدة المسيحية- الذي يرمي إلى تحويل العقل إلى المعقول وإلى الله عن طريق العلوم الحرة وضوابطها (وبخاصة الرياضية) (Pollmann & Vessey 2005). إنه مستوحى بنحو بعيد من جمهورية أفلاطون، وربما كان له سلف في الأفلاطونية المحدثة (Hadot 2005)، على الرغم من أن استخدام عمل فارو Varro في المجالات المعرفية لا يمكن استبعاده (Shanzer 2005). في وقت متأخر عند كتابته لمدينة الله 8 (حوالي عام 417)، يفترض في عرض موجز لآراء الفلاسفة القدامى نظمه وفقا للمجالات التقليدية: الفيزياء، والأخلاق، والمعرفة، أن الأفلاطونية والمسيحية تتشاركان في بعض الأفكار الفلسفية الأساسية، بمعنى: أن الله هو المبدأ الأول، وأنه هو الخير الأسمى، وأنه معيار المعرفة (مدينة الله  8.5-8، راجع الدين الحقيقي 3-7). على الرغم من هذه الأفكار المهمة لا يمكن للأفلاطونية أن تؤدي إلى الخلاص، لأنها غير قادرة أو غير راغبة في قبول وساطة المسيح. وبالتالي فهي أيضا معيبة فلسفيا (مدينة الله 10.32).

إن شيشرو هو مصدر أوغسطين الرئيسي للفلسفات الهلنستية، وبخاصة مذهب الشك الأكاديمي والفلسفة الرواقية. باعتباره جزءًا من تراثه الثقافي يقتبس أوغسطين عنه وعن غيره من الكلاسيكيات اللاتينية بحسب ما يناسب أغراضه الجدلية (Hagendahl 1967). إن مفهومه المثالي المبكر عن الحكيم، المستقل عن أنواع الخيرات التي يمكن للمرء أن يفقدها رغما عن إرادته، قد ورثه عن الأخلاق الرواقية (عن الحياة السعيدة 11، عن التقاليد 1.5، Wetzel 1992: 42–55). على الرغم من أن القول بأن فضيلة الحكيم تضمن سعادته بالفعل في هذه الحياة قد تم رفضه لاحقا باعتباره وهم (عن الثالوث 13.10، مدينة الله 19.4، المراجعات 1.2، Wolterstorff 2012)، إلا أنه يمكن للشهيد المسيحي أن يصنف، على غرار الحكيم الرواقي الذي تتحصن سعادته ضد التشويه (الرسائل 155.16، Tornau 2015: 278). ظل ماضي أوغسطين المانوي قائما في ذهنه كما يُظهر جداله المستمر، ومع ذلك من الصعب تقييم تأثيره على فكره بنحو دقيق (Van Oort (ed.) 2012; Fuhrer 2013; BeDuhn 2010 and 2013). راق لبعض النقاد المحدثين ادعاء جوليان الإكلانومي القائل بأن أوغسطين مع مذهبه في القدر والنعمة الإلهية قد وقع في ثنائية مانوية، ولكن من المؤكد أن جوليان تجاهل ملامح أساسية في فكر أوغسطين (على سبيل المثال: مفهوم الشر كحرمان من الخير) ليجعل ادعاءه معقولا (Lamberigts 2001).

  1. نظرية المعرفة

5.1 الشكية واليقين

من الأعمال المبكرة والموجودة لـ أوغسطين “حوار حول مذهب الشك الأكاديمي” (في الرد على الأكاديميين أو عن الأكاديمية 386، Fuhrer 1997)، كتبه في بداية مسيرته كفيلسوف مسيحي بغرض إنقاذ نفسه وقرائه من “اليأس” الذي كان سيحدث إذا لم يثبت ضد التحدي المتشكك أن من الممكن إحراز الحقيقة والمعرفة والحكمة (راجع: المراجعات 1.1.1). لا بد وأن الشعور باليأس كان حقيقيا جدا بالنسبة له بعدما انفصل عن المانوية، وإن ظل غير قادر على رؤية حقيقة المسيحية الكاثوليكية، وقرر “التوقف عن القبول حتى يتكشف له بعض اليقين” (الاعترافات 5.25). لم تأتِ معلوماته عن مذهب الشك من “مدرسة” شكيَّة معاصرة والتي لم تكن موجودة حينذاك، وإنما أتته من أعمال شيشرو: المقالات الأكاديمية، وهورتنسيوس. وكان قد كرَّس معظم البحث في كتابه: “الرد على الأكاديميين” للنقاش الدائر بين الرواقيين الهلنستيين والمتشككين حول ما يسمى “الاستيعاب” أو المظهر المُدرَك، أي: مشكلة ما إذا كانت هناك مظاهر حول الحقيقة لا يمكن للمرء أن يخطئها لأنها واضحة بنفسها (Bermon 2001: 105-191). ويقتصر أوغسطين في مناقشاته بخلاف الرواقيين والأكاديميين الأصليين على انطباعات الحس، لرغبته في تقديم الأفلاطونية كحل لمشكلة الشك، والإشارة إلى مصدر للمعرفة الحقيقية غير متوفر للماديين الهلنستيين.

على عكس توجهات الخطوط الحديثة للحجاج المناهضة للشك، فإن دحض أوغسطين لمذهب الشك لا يهدف إلى تبرير ممارساتنا ومعتقداتنا المألوفة، بل لدحض الادعاء الأكاديمي القائل بما أن الحكيم لا يمكنه التيقن أبدا مما إذا كان قد استوعب الحقيقة، فإنها ستواصل امتناعها عن القبول حتى لا تخضع لرأي ضعيف، حيث يرى أنه يكفي إثبات وجود شكل ما من المعرفة المحصنة ضد الريبة المتشككة. تتكون استراتيجيته بالتالي من الإشارة إلى: (1) يقين المعرفة ذات المرجعية الذاتية (الشخص الحكيم “يعرف الحكمة”، في الرد على الأكاديميين 3.6، المتشكك الأكاديمي “يعرف” معيار الرواقية للحقيقة، المرجع السابق 3.18–21)، (2) يقين المعرفة الخاصة أو الذاتية (أوقن أن شيئا ما يبدو أبيضا بالنسبة لي، حتى إذا كنت أجهل إن كان أبيضا بالفعل، المرجع السابق 3.26)، (3) اليقين في البنى الشكلية، المنطقية أو الرياضية (المرجع السابق  3.24–29)، معرفة ما هو ممكن بشكل مستقل عن الحالة العقلية للعارف، حيث إن وثوقية الانطباعات الحسية تختلف وفقا لكوننا في حال يقظة أم حلم، عقلاء أم مجانين. لم يُعجَب النقاد المعاصرون بهذه الحجج (على سبيل المثال: كيروان 1989: 15–34)، وكان يمكن للمتشكك من القدماء أن يعترض بحق على أن الاقتصار على المعرفة الذاتية أو الشكلية لا يمكنه تبرير ادعاء الدوغمائيين بالمعرفة الموضوعية للواقع (راجع: سكستوس إمبريقوس، الخطوط العريضة للبيرووية 1.13)، لكن هذه ليست فكرة أوغسطين الأساسية. إن الأمر المهم بالنسبة له إثبات أن تقديم أقصى تنازل للمذهب الشكي بخصوص عدم إمكانية معرفة العالم الخارجي الذي يقع في متناول الحواس، تبقى هناك منطقة إدراك داخلية تسمح وتضمن اليقين. هذا هو السبب في أن “الرد على الأكاديميين” ينتهي برسم تخطيطي لنظريتي المعرفة والوجود الأفلاطونيتين، وبخصوصية فائقة إن لم تكن فذة لا مثيل لها، يعيد بناء تاريخ الأكاديمية باعتبار أن الأكاديميين في الواقع هم أفلاطونيون سريون، أخفوا رؤيتهم للواقع المتعالي وألزموا أنفسهم بالحجج الشكية، لمحاربة هيمنة المدارس المادية والحسية في العصر الهلنستي، إلى أن ظهرت الأفلاطونية الأصيلة مرة أخرى مع أفلوطين (الرد على الأكاديميين 3.37–43، ويتواصل سرد القصة في الرسالة 118 من 410، حيث ترتبط نهضة الأفلاطونية ببزوغ المسيحية). الحقائق الوحيدة التي تلتقي بالمعيار الهيلينسني للحقيقة وتضمن اليقين المطلق لكونها بديهية هي المُثُل الأفلاطونية (في الرد على الأكاديميين 3.39، راجع: كتاب الأسئلة 9، كاري 2008a: 55-60). بالتالي فإن “موضوعات” المعرفة التي تظهر في حجج أوغسطين المناوئة للشك هي المُثُل الأفلاطونية نفسها، أو على الأقل تشير إلى طريقة الوصول إليها. ينسجم هذا مع ميل أوغسطين المبكر إلى تفسير المُثُل أو على أي حال الأكثر أساسية من بينها على أنها “أرقام”، بعبارة أخرى مثل البنى والمعايير الشكلية والمعيارية التي تحكم مجمل الواقع وتمكننا من فهمه وتقييمه (في النظام 2.14، في الموسيقى 16، 6.57–58، O’Daly 1987: 101-102، انظر أيضا: التنوير5.2). بالمعنى الدقيق للكلمة فإن حجج أوغسطين المناهضة للشك لا تبرر الادعاء بأن المعرفة يمكن أن تُستمد من الحواس، كونها موضوعات حسية ومتغيرة لا يمكنها إلا إنتاج رأي أو في أفضل الأحوال اعتقاد حقيقي. يوسع أوغسطين المتأخر بطريقة أكثر سخاءً في التحدث مصطلح “المعرفة” (scientia، لتمييزه عن مصطلح “الحكمة”، sapientia) بحيث يشمل ما نتعلمه من خلال الإدراك الحسي ومن الشهود الموثوقين (عن الثالوث15.21، راجع: مدينة الله 8.7، المراجعات 1.14.3،  Siebert 2018، انظر: الإيمان والعقل 5.3).

أشهر حجج أوغسطين المناهضة للشك هي ما يطلق عليها حجة “شبيه الكوجيتو cogito-like” لأنها مماثلة (وربما ألهمت) كوجيتو ديكارت (Matthews 1992 ، Menn 1998، Fuchs 2010). مثل كوجيتو ديكارت ينشئ كوجيتو أوغسطين منطقة محصنة ضد الريب الشكي، من خلال استنتاجي من إدراكي لوجودي حقيقة الافتراض: “أنا موجود”. حتى لو كنت مخطئا في نطق هذا الافتراض فسيظل من الصحيح أني أنا المخطئ موجود ( مدينة الله :11.26 إذا كنت أخطئ إذن أنا موجود  si enim fallor, sum، للبناء الدقيق لهذه الحجة راجع: Horn 1995: 81–87، Matthews 2005: 34–42). لم تظهر الحجة في الرد على الأكاديميين، لكن يمكن التعرف عليها بسهولة كتطور للحجة من المعرفة الذاتية (في الرد على الأكاديميين 3.26)، يعتبر أوغسطين ذلك تفنيدا صحيحا للمذهب الشكي، بدايةً من أعماله المبكرة (في الحياة السعيدة 7) إلى أحدث أعماله (عن الثالوث 15.21، لمزيد من الشهادات انظر : مناجاة 2.1، روحان ضد المانوية De duabus animabus 13؛ في حرية الإرادة 2.7،الدين الحق 73، الاعترافات 7.5 13.12). إن نطاق الحجة عند أوغسطين في الآن ذاته أوسع وأضيق مما عند ديكارت. يفتقر الكوجيتو الأوغسطيني إلى الثقل المنهجي الذي لنظيره الديكارتي، حيث لا نرى محاولة لتأسيس فلسفة متماسكة وشاملة تنبني عليه، ومع ذلك فأحيانا ما يعمل كنقطة انطلاق لصعود أوغسطين إلى الله (في حرية الإرادة 2.7، حيث يؤدي الصعود إلى فهم الله على أنه حقيقة وحكمة غير قابلة للتغيير، للحصول على نسخة موجزة راجع: الدين الحق 72 – 73، حيث يجعل أوغسطين من الحقيقة فوق العقلانية مصدرا ومعيارا لحقيقة الكوجيتو نفسه). المثال الأكثر إثارة للإعجاب هو النصف الثاني من كتابه عن “الثالوث”، هنا تبدأ محاولة الوصول إلى فهم عقلاني لسر الثالوث عن طريق بحث في بنية العقل البشري، يبدأ بتحليل ما يخص العقل الفردي من حب النفس والوعي الذاتي (انظر فقرة 6.2 العقل البشري كصورة الله، ومع ذلك لا يدعي أوغسطين أن يقين العقل عن نفسه يستتبع يقينا مماثلا حول طبيعة الله). لا تقتصر حجة الكوجيتو عند أوغسطين على نظرية المعرفة فحسب، بل يمكن توظيفها كذلك في سياق أخلاقي لأنها لا تثبت وجودي وتفكيري فحسب (وضمنًا كوني على قيد الحياة) ولكن أيضا محبتي ورغبتي. أنا على يقين من أنني أريد بمثل يقيني من أنني موجود وأحيا، وأن إرادتي تخصني بما لا يمكن إنكاره، بمثل ما هو وجودي وحياتي، وبالتالي فإن خياراتي تُنسب إليَّ، وأنا المسؤول عن اختياراتي (وليس بعض الكيانات الشريرة الحاضرة في روحي والغريبة عن نفسي، كما هو الأمر في تفسير أوغسطين، فإن الثنائية المانوية سيكون لها ذلك. راجع: روحان ضد المانوية 13، الاعترافات 7.5؛ مدينة الله 5.10).

 

5.2 الإشراق الإلهي

إن نظرية أوغسطين للمعرفة -ما يسمى عنده بنظرية الإشراق- هي بلا ريب نظرية غير تجريبية للمعرفة، تستند على الأرجح إلى قراءة أفلاطونية جديدة لمذهب أفلاطون في التذكر (Burnyeat 1987، MacDonald 2012b، King 2014a: 147–152; Karfíková 2017). يرى أوغسطين مثل أفلاطون وأتباعه أن المعرفة الحقيقية تتطلب معرفة ذاتية مباشرة ومعلومات يتلقاها من غيره، على سبيل المثال: من شهادة موثوقة قد يسفر عنها اعتقاد حقيقي ومبرر، ولكن لا يسفر عنها معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة. في حالة الأشياء المحسوسة -التي بالمعنى الدقيق للكلمة لا تعطي معرفة على الإطلاق بل رأيًا فقط- فإن هذه المعرفة المباشرة ممكنة بواسطة الإدراك الحسي، ومع ذلك لا يمكن تحقيق معرفة بالأشياء المعقولة بنحو تجريبي، لا عن طريق التجريد ولا بنقلها إلينا لغويا من قِبَل معلم (انظر الفقرة 5.4 الرموز والعلامات)، إنما تتطلب مثل هذه المعرفة نشاطا فكريا شخصيا، ينتج عنه رؤية فكرية التي نحكم عليها وفقا لمعيار لا نجده إلا في أنفسنا. يتمثل نموذج هذا النوع من المعرفة في الحقائق الرياضية، والمنطقية، والحدس الأخلاقي الأساسي، الذي نفهمه ليس لأننا نصدِّق معلما أو كتابا، ولكن لأننا نراها بأنفسنا (المعلم 40). إن شرط إمكانية هذه البصيرة الفكرية ومعيار صدقها ليس سوى الله (رأي يُنسب بموافقة صريحة إلى الأفلاطونيين في مدينة الله 8.7)، الذي يُعتبر بحسب الأفلاطونية المحدثة “مبدأ لا مادي”، وهو ملازم ومتعالٍ معًا فيما يتعلق بروحنا. يشرح أوغسطين في غالب الأمر هذه النظرية الأفلاطونية للمعرفة الأولية بواسطة صورتين مدهشتين: المعلم الداخلي والإشراق، تم تقديم الأول في محاورة المعلم (حوالي 390) وتكرر ذكره خاصة في الخطب الوعظية (على سبيل المثال: عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين :3.13 Fuhrer 2018b)، وفقا لذلك فإن المسيح حاضر في أرواحنا “ويشرف عليها” كمعلم يضمن مصداقية فهمنا (المعلم 38-39، راجع الرسالة إلى أهل إفسس 3:17، من أجل صورة وفكرة عن فكرة أن الحقيقة “تحيا في الإنسان الباطن”، الدين الحق 72). يظهر هذا الأخير أولا في (كتابه: مناجاة 1.12–15) كما أنه يتغلغل في مجمل كتابات أوغسطين (راجع بشكل خاص: عن الثالوث 1224)، وهي مستقاة بنحو جوهري من تشبيه الشمس في جمهورية أفلاطون (508a-509b; cf. Rist 1994: 78–79). في كتابه: مناجاة يقول أوغسطين بطريقة تذكرنا بوضوح بأفلاطون: إنه مثلما أن الشمس مرئية بنفسها وتضيء الأشياء حتى تتمكن العين من رؤيتها، فإن الله يعلم ذاته وينير الأشياء المعقولة (التي تتحدد هنا بموضوعات السلوك الحر والخاضع لله) وذلك لتمكين العقل (“عين” الروح) لتنشيط قدرته على العقل. تقدم النسخة الأخيرة من كتابه عن الثالوث بشكل صريح الإشراق الإلهي كبديل للتذكر الأفلاطوني، وتضعه في إطار نظرية الخلق. هنا يقول أوغسطين إن العقل البشري قد خلقه الله بطريقة تجعله “مرتبطا” بالواقع المعقول “من الأسفل” (subununcta) ومزودًا بقدرةٍ (capacitas) تمكنه من “رؤية” المعقولات في ضوء الحقيقة الواضحة، تماما مثلما تملك العين بطبيعتها القدرة على رؤية الألوان في ضوء الشمس. من الواضح أن “القدرة” في هذه الحالة لا تعني إمكانية محضة (كما هو الحال في نظرية الصفحة البيضاء tabula rasa التي أيدها محاور أوغسطين إيوديوس في كتابه: عظمة الروح 34)، ولكنها تتضمن على الأقل معرفة ضمنية أو كامنة للمعايير الأخلاقية والمعرفية. يجب لكلتا الصورتين إذا تمت قراءتهما بشكل صحيح أن تستبعدا الفهم الخاطئ بأن نظرية المعرفة عند أوغسطين تجعل المعرفة البشرية قائمة بالكلية على القوة الإلهية حيث يصبح الإنسان مجرد متلقٍّ سلبي للإلهام (راجع جيلسون 1943: الفصل 4 ولاجونيير  2012: 158-180، وللمناقشات حول الإشراق عند أوغسطين في فلسفة العصور الوسطى والفلسفة الحديثة). لا ينشأ الإدراك ببساطة عن حضور المسيح في روحنا، وإنما ينشأ عن “استشارتنا” للمعلم الداخلي، أي: افتراضاتنا الاختبارية التي تدعي أنها تنقل حقيقة عن الواقع المعقول (أو حتى حقيقة عامة عن الأشياء المعقولة، راجع الرسالة. 13.3–4) مخالفةً للمعايير الداخلية التي نمتلكها بفضل حضور المسيح (المعلم37-38، تلك الطريقة في “استشارة” الحقيقة الداخلية تتكرر بشكل درامي في كتاب الاعترافات، على سبيل المثال: 11.10 ، 11.31 ، Cary 2008b: 100). وبينما “يشرق” كل إنسان بالنور الإلهي، على الأقل من الوراء ليتمكن من إصدار أحكام حقيقية حول الصواب والخطأ أو الخير والشر، من أجل الارتقاء بتلك الحدوس الطبيعية إلى معرفة كاملة أو حكمة، ويكون قادرا بالفعل على أن يعيش حياة فاضلة، نحتاج إلى العودة إلى الله “مصدر” النور (المعلم 14.21). وهكذا في حين أن جميع البشر قادرون بطبيعتهم على الوصول إلى الحقيقة المعقولة، إلا أن من ينجحون في ذلك هم فقط من لديهم إرادة قوية بنحو كاف (المعلم (38 ـ من المحتمل أنهم من يؤيدون الدين المسيحي ويعيشون وفقا له. ينشئ هذا العنصر الطوعي القوي ارتباطا وثيقا بين نظرية أوغسطين في المعرفة ومذهبه الأخلاقي، وبنحو جوهري مع مذهبه في النعمة الإلهية (حول البناء الموازي للإدراك والنعمة عند أوغسطين ، انظر: لورينز 1964). ومثل جميع القوى البشرية فإن السعي إلى الحكمة يتم في ظل ظروف العالم المتهاوي، وفي مواجهة الصعوبات والعوائق التي تخضع لها البشرية بسبب الخطيئة الأصلية.

من أجل توضيح ما يعنيه بقوله “رؤية الأشياء بأنفسنا” و”في ضوء الحقيقة”، فإن أوغسطين غالبا ما يستشهد بمثال الحوار السقراطي التوليدي (المعلم 40، راجع: خلود الروح 6، عن الثالوث 12.24)، وفي بعض مقاطع في أعماله المبكرة يبدو مؤيدا للمذهب الأفلاطوني في التذكر (الذي تعرف عليه من خلال شيشرو، في كتابه: مناقشات توسكولان 1.57) بطريقة تتضمن معنى الوجود السابق للروح (المناجاة 2.35، تم التراجع عنه في: المراجعات 1.4.4، خلود الروح 6، عظمة الروح 34، وأنكرها في: المراجعات 1.8.2). من الصعب القول إن أوغسطين المبكر كان يؤمن فعلا بالتذكر والوجود السابق (Karfíková 2017، O’Daly 1987: 70–75، 199–207)، تحديدا لأنه كان يدرك أن بعض الأفلاطونيين الجدد قد فسروا التذكر الأفلاطوني على أنه تحقيق لمعرفتنا الحاضرة دائما والكامنة للمعقول، بدلا من كونها تذكر اطلاعنا السابق عليها (الرسائل 7.2، راجع: أفلوطين، التاسوعات IV.3.25.31–33، O’Daly 1976). إذن فكما هو الحال في خلود الروح 6، يُتخذ التذكر كإثبات لخلود الروح (مثلما كان في محاورة فايدروس)، فمن الصعب أن نرى كيف لا يمكن للوجود المسبق ألا يكون متضمنا. على أي حال فمن غير الدقيق القول كما يحدث في بعض الأحيان إن أوغسطين تخلى عن نظرية التذكر لأنه أدرك أن فكرة الوجود المسبق تتعارض مع الإيمان المسيحي. في مدينة الله (12.14 وغيره) يرفض أوغسطين بشكل قاطع فكرة التقمص metempsychosis الأفلاطونية أو تناسخ الأرواح، باعتبارها غير متوافقة مع السعادة الأبدية والتدبير الإلهي لخلاص الإنسان، وفي كتابه:  الثالوث (12.24) نبذ نسخة محاورة مينون في نظرية التذكر، والتي تشتمل على فكرة التقمص من أجل مذهبه في الإشراق. ومع ذلك تعد مغالطة الادعاء بأن التذكر يستتبع التقمص. ربما اعتقد أوغسطين المبكر بفكرة الوجود المسبق (ربما ببساطة باعتبارها نتيجة لازمة لفكرة خلود الروح)، ولكن لا يوجد دليل على اعتقاده بتناسخ الأرواح، على العكس من ذلك فإن رفضه للتقمص لم يمنع حتى أوغسطين المتأخر من التفكير في الوجود المسبق -على الأقل بنحو نظري- كاختيار لأصل الروح (الرسائل 143.6 من 412، راجع فقرة  6.1 الروح ككائن مخلوق).

 

5.3 الإيمان والعقل

في حين يميل النقاش المعاصر إلى اعتبار الإيمان والعقل كطرق تبادلية أو حتى مشتركة للحقيقة (الدينية)، فإنهما متلازمان في برنامج أوغسطين المعرفي والتفسيري. فهو يرفض عقلانية الفلاسفة ولا سيما المانويين، بسبب ثقتهم المفرطة وغير المبررة في قدرات العقل البشري الناتجة عن الكبرياء الآثم وإنكار متعجرف لإلهام المسيح في الكتاب المقدس (الإرادة الحرة 3.56، الاعترافات 60، 3.10-12)، في مقابل المذهب القائل باعتماد المعرفة على الإيمان لا العقل، الذي لاقاه في بعض الدوائر المسيحية (راجع: الرسائل 119 من كونسنتيوس إلى أوغسطين)، أصر على أنه من الجيد والطبيعي توظيف القدرة العقلية التي خُلقت معنا من أجل الوصول إلى فهم للحقائق التي نقبلها من سلطة الوحي الإنجيلي، على الرغم من أن الفهم الحقيقي لله لن يكون ممكنا إلا في الحياة الآخرة عندما نراه “وجها لوجه” (الرسائل 120.3-4). في هذا البرنامج المعرفي والتفسيري الذي تم تصنيفه بشكل ملائم منذ أنسيلم من كانتربري على أن “الإيمان سبيل الفهم” (راجع: عن الثالوث 15.2، الإيمان يسعى، فيجد الفهم  fides quaerit, intellectus invenit) أو “الفهم الإيماني” (intellectus fidei)، الإيمان قبل الفهم زمنيا ولكنه يليه في الأهمية والقيمة (في النظام 2.26، الدين الحق 45، الرسائل 120.3، van Fleteren 2010). الخطوة الأولى نحو الكمال هي تصديق كلمات الكتاب المقدس. والخطوة الثانية: أن ندرك أن الكلمات هي علامات ظاهرية لواقع داخلي عقلاني، وأنها تحثنا على التوجه إلى، والقيام “باستشارة” الحقيقة الداخلية من أجل الوصول إلى فهم حقيقي وبالتالي إلى حياة طيبة (راجع  فقرة 5.2 الإشراق، وفقرة 5.4 اللغة والعلامات). قد تكون الحجة الفلسفية مفيدة في هذه العملية، ولكنها كما لاحظ أوغسطين مبكرا في مصنفه “في الرد على الأكاديميين” (3.43) تحتاج إلى أن تكون مرتبطة بسلطة الكتاب المقدس والعقيدة؛ لمنع قصور العقل البشري من الضلال (راجع: الاعترافات 7.13). يبدو أن أوغسطين صاحب الحوارات المبكرة قد تبنى الفكرة النخبوية، التي تذهب إلى أن أولئك المثقفين الذين تعلموا في جو الفنون الليبرالية القادرين على الصعود الفكري الأفلاطوني الحديث، قد يتفوقون بالفعل على السلطة ويحققون بالفعل فهما كاملا للألوهية في هذه الحياة (في النظام 2.26، ولكن على النقيض من ذلك المرجع نفسه: 2.45 عن مونيكا). في عمله المتأخر تخلى أوغسطين عن هذا الأمل، وأكد على أنه خلال هذه الحياة التي تتميز حتما بالخطيئة والضعف يظل كل إنسان في حاجة إلى إرشاد سلطة المسيح المعلنة (Cary 2008b: 109–120). بالتالي فإن الإيمان ليس مجرد أمر معرفي فحسب، بل هو أمر أخلاقي أيضا. من أجل التطهر الأخلاقي فإن حاجتنا جوهريةٌ إلى الخضوع له قبل أن نأمل ولو حتى بلمحة من الفهم الحقيقي (مناجاة 1.12، كتاب الأسئلة 48، عن الثالوث 4.24، Rist 2001). يعتمد دفاع أوغسطين عن الإيمان كأمر معرفي صحيح إلى حد كبير، على رد الاعتبار إلى الإيمان الحقيقي ضد التراث الفلسفي (الأفلاطوني والهلنستي). يميز أوغسطين بدقة “الإيمان” (fides، وهي الكلمة التي يستخدمها أيضا للتعبير عن الإيمان الديني) والتي تنطوي على وعي المؤمن بأنه لا يعرف عن “الرأي” (opinio) الذي يعرفه الفلاسفة بأنه توهم المرء معرفةُ ما لا يعرفه في الحقيقة (فائدة الإيمان 25، الرسائل 120.3). بدون الإيمان بحسب المعنى السابق يلزمنا الاعتراف بأننا جاهلون بنَسبِنا الخاص (الاعترافات 6.7) وبموضوعات العلوم التاريخية والتجريبية، والتي كما يؤكد أوغسطين في نقده للأفلاطونية يصعب الحصول منها على معرفة مباشرة (عن الثالوث4.21). إن الاعتقاد بأن شخصا لم نره، كان أو قد يثير حبنا الأخوي له (عن الثالوث8.7، Bouton-Touboulic 2012: 182–187، على العكس من ذلك يطلب أوغسطين من أولئك الذين اتحدوا معه في الحب الأخوي أن يصدقوه فيما يخبرهم به عن حياته، الاعترافات 10.3). ومن الواضح أن الأحداث المصيرية لتاريخ الخلاص، وموت يسوع على الصليب، وقيامته لا يمكن معرفتها وإنما يتم الإيمان بها بواسطة الأحداث التاريخية، وبرغم أنها تصلنا بواسطة علامات فإنها قد تؤدي إلى الفهم بدفعنا إلى حقيقة عقلانية (عن الثالوث 13.2). وهكذا في حين أنه لا ريب في أن الإيمان بالوحي يسبق البصيرة العقلانية إلى معناه الحقيقي، فإن القرار بأي سلطة نؤمن، ومن يتم قبوله كشاهد موثوق به هو بذاته قرار عقلاني (الدين الحق 45، الرسائل 120.3)، ومع ذلك قد يُخدع الإيمان بالطبع (عن الثالوث 8.6). في الحياة العادية هذا أمر لا مفر منه ولا يصعب حدوثه في غالب الأمر. المشكلة الأكثر أهمية هي تبرير الإيمان بالكتاب المقدس، الذي بالنسبة لـ أوغسطين هو سلطة (السلطة auctoritas، وليس النفوذ الفعلي potestas) وتراث الكنيسة (Contra epistulam fundamenti 5.6; Rist 1994: 245).

 

5.4 اللغة والعلامات

تعتبر فلسفة أوغسطين في اللغة مدينةً لكلٍّ من نظريات النحو الهلنستية والرومانية المتأثرة بالرواقية والمبتكرة للغاية (Rist 1994: 23–40، King 2014b). ونراه يتبع الرواقيين في التمييز بين صوت الكلمة، ومعناها، والشيء الذي تدل عليه (في الجدل 5، عظمة الروح 66، راجع: سكستوس أمبيريقوس: ضد المناطقة  Long-Sedley 8.11–12 = 33B)، لكن يبدو أنه كان أول من فسر اللغة على هذا النحو كنظام من الإشارات ودمجها في سيميائية عامة (Fuhrer 2018a: 1696، Cary 2008b، Mayer 1969 and 1974). في كتيبه عن تفسير الإنجيل والخطاب المسيحي “في العقيدة المسيحية” (1.2 ، 2.1-4) يقسم أوغسطين العالم إلى “أشياء” و”علامات” (أي: الأشياء التي بعيدا عن ما هي في ذاتها فإنها تدل على أشياء أخرى)، إضافة إلى ذلك فإنه يميز بين العلامات “الطبيعية” أو العفوية (على سبيل المثال، نار تدل على الدخان) والعلامات الطوعية أو “الصناعية” (تمييزٌ يقارب ولكن لا يكافئ، النقاش القديم حول الطبيعة أو الاتفاق، أيهما أصل اللغة). تُعرَّف اللغة على أنها نظام لعلامات اتفاقية بواسطتها يدل المتكلم إما على أشياء أو على أفكاره وعواطفه (Enchiridion 22). في الإطار التفسيري لكتاب “في العقيدة المسيحية” الشيء الذي تدل عليه العلامات اللفظية للكتاب المقدس هو الله، الكائن الأسمى. لذلك يبدأ أوغسطين برسم تخطيطي للاهوت والأخلاق بحسب تصوره، يتمحور حول أفكار محبة الله ومحبة الجار، قبل أن يشرع في تأويلاته للإنجيل التي مرة أخرى تطرح الحب كمعيار لكفاءة التفسير (Pollmann 1996،  Williams 2001). إن كلمات الكتاب المقدس هي علامات خارجية صيغت من أجل حثنا إلى زيادة ظاهرة الحب الداخلي، والذي يتوجه في النهاية إلى الله الذي يتجاوز الفكر وكل اللغات. قد يتم تعميم ذلك على مبدأ أن العلامات الخارجية -اللفظية وغير اللفظية- تعمل على مستوى وجودي أقل من الحقيقة الداخلية والعقلانية التي ترمي إلى الدلالة عليها، وأنها حلت محلها في المعرفة الحقيقية والتي ليست معرفة بالعلامات وإنما معرفة بالأشياء. لا يقتصر هذا على الكلمات فقط حتى كلمات الكتاب المقدس، ولكن أيضا على الأسرار  المقدسة وتجسد المسيح (ضد الرسالة المانوية الموصوفة بالأصلية Contra epistulam Fundamenti 36.41). أكثر بحوث أوغسطين استطرادا حول اللغة كان الحوار المبكر في كتاب “المعلم”، وفيه يسأل كيف نعرف الأشياء من الكلمات، وكيف نربط الدلالة اللغوية بالمعرفة الإشراقية (Nawar 2015). بعد نقاش طويل حول الكيفية التي تدل بها العلامات اللفظية على الأشياء أو الحالات الذهنية وكيف ترتبط بعلامات أخرى، تبين بنحو يدعو للدهشة أننا لا نعرف الأشياء من العلامات على الإطلاق، لأنه من أجل فهم معنى علامة فإنه يجب علينا أن نكون على دراية بالشيء الذي تعبر عنه. تلك في نهاية الأمر نسخة من مفارقة مينون، ويقوم أوغسطين بحلها من خلال تقديم استعارات المعلم الداخلي والإشراق، أي: عن طريق النظرية الباطنية للتعلم، المعروفة بالتأويل الأفلاطوني الجديد للتذكر الأفلاطوني (المعلم 38-40). هذا لا يعني أن الكلمات عديمة الفائدة، إنها تُخبرنا عن الأشياء التي يتعذر إدراكها المباشر، وبالتالي فإنها تولد إيمانا حقيقيا، الأهم من ذلك أنها تنبهنا إلى “مشاورة” المعلم الداخلي وأن نفهم الأشياء بأنفسنا (وهذا بحسب أوغسطين هو غاية الحوار السقراطي). ينطبق هذا حتى على اكتساب اللغة نفسها: نحن نفهم إشارة: “صيد الطيور” ليس بالضبط بإظهارها أن شخصا مشارك في هذا النشاط والإخبار بأنه معنيٌّ بهذا الاسم، ولكن من خلال ملاحظته وتفكيرنا بأنفسنا فيما تعنيه علامة “صيد الطيور” (المرجع السابق 32 حول هذا الموضوع، وانتقاد فيتجنشتاين لما اعتبره رأي أوغسطين في اكتساب اللغة انظر: ماثيوز 2005: 23-33). في الكتب المتأخرة لمصنفه عن “الثالوث” وفي عظات حول الثالوث، تتكرر إشارة أوغسطين إلى ظاهرة تسمى “الكلمة الداخلية” والتي يستخدمها لتوضيح علاقة كلمة الثالوث الداخلية أو اللوجوس في مستهل إنجيل يوحنا (إنجيل يوحنا 1:1) بالمسيح المتجسد، فمثلما تشير الكلمة المنطوقة إلى مفهوم قمنا بتشكيله في أذهاننا وأبلغناه للآخرين، كذلك يدل المسيح المتجسد على الكلمة الإلهية ويحثنا ويساعدنا على الرجوع إليها (راجع: عن الثالوث 15.20، في العقيدة المسيحية 1.12، العظات 119.7 ، 187.3). في كتابه “الثالوث” يوسع أوغسطين هذه الفكرة إلى نظرية حول كيفية تشكل الكلمة الداخلية أو المفهوم (14.10، 15.25، cf. 15.43). يتم إنشاء الكلمة الداخلية عندما نحقق بعض المعرفة الكامنة أو الضمنية المخزنة في ذاكرتنا. إنها ليست علامة وليست ذات طبيعة لغوية (يصر أوغسطين على أنها ليست لاتينية، ولا يونانية، ولا عبرية)، ولكن يبدو أنها نوع من البصيرة العقلية اللازمنية والتي تتجاوز اللغة (راجع: تعليم أصول الدين المسيحي للمبتدئين De catechizandis rudibus 3). بتعبير أدق إذن فإن نظرية الكلمة الداخلية ليست نظرية لغوية على الإطلاق.

 

  1. علم الإنسان: الله والروح، الروح والجسد

6.1 الروح ككيان مخلوق

مثل معظم الفلاسفة القدماء يعتقد أوغسطين أن الإنسان مُركَّب من جسد وروح، وضمن هذا المركب فإن الروح -التي اعتُبرت العنصر المانح للحياة، ومركز الوعي، والإدراك، والفكر- هي أو يجب أن تكون هي القسم الحاكم. يجب على النفس العقلانية أن تتحكم في الرغبات والعواطف الحسية، ويمكن أن تصبح حكيمة إذا اتجهت إلى الله الذي يُعد في الوقت نفسه الكائن الأسمى والخير الأسمى. تصوَّر أوغسطين في مرحلته المانوية كلا من الله والروح ككيانات مادية، وأن الروح في الواقع جزء من الله، سقط إلى العالم المادي حيث بقي غريبا حتى بالنسبة لجسده الخاص (روحان ضد المانوية 1، الاعترافات 8.22). وبعد أن وفرت له قراءاته في الأفلاطونية المحدثة في ميلانو الوسائل الفلسفية الكافية للتفكير في الواقع غير المادي واللامكاني (الاعترافات 7.1-2 ، 7.16)، استبدل هذا الرأي الذي صوَّره لاحقا على أنه ثنائية فجة، بتراتبٍ وجودي تحتل فيه الروح المتغيرة في الزمن والثابتة في المكان مركزًا وسطا بين الله وهو كائن لامادي ولا ينتابه تغير مطلقا (راجع ماكدونالد 2014)، وبين الأجسام التي تخضع للتغيير الزمني والمكاني (الرسائل 18.2). الروح ذات أصل إلهي بل وحتى شبيهة بالإله (عظمة الروح 2-3)، إنها ليست إلهية في ذاتها ولكنها خُلقت من قِبل الله (يبدو أن الحديث عن ألوهية الروح في حوارات كاساسياكوم هو عنصر شيشروني تقليدي، راجع كاري 2000: 77-89، من أجل تفسير أفلوطيني، انظر: O’Connell 1968: 112– 131). يبرهن أوغسطين بتوسع في كتابه “عظمة الروح” على أن “عظمة” الروح لا تشير إلى التمدد المكاني بل إلى قواها الحيوية، والمدرِكة، والعقلانية، والتأملية التي تؤهلها للاقتراب من الله، كما أنها تتوافق مع وتستلزم كونها لا مادية (esp. ib. 70–76، Brittain 2003). إن التعريف المبكر للروح على أنها “جوهر عقلاني مؤهل للتحكم في الجسد” (ib. 22) هو رجع صدى لوجهات النظر الأفلاطونية (راجع: تعريف الإنسان على أنه “روح عقلانية لها جسد” في: محاضرات حول الإنجيل بحسب القديس يوحنا 19.15، O’Daly 1987: 54–60). لاحقًا عندما تصبح قيامة الجسم ذات أهمية أكبر بالنسبة له يؤكد أوغسطين -ضد ادعاء فورفوريوس المزعوم أنه من أجل أن تكون سعيدا، يجب على الروح أن تحرر نفسها من كل ما هو مادي- أن من الطبيعي بل والمرغوب فيه بالنسبة للروح هو أن تحكم الجسد (التفسير الحرفي لسفر التكوين 12.35.68)، لكنه ظل رغم ذلك مقتنعا بأن الروح هي جوهر لا مادي وخالد، يمكنه الوجود من حيث المبدأ بشكل مستقل عن الجسد (في مناجاة 2.24). متابعا تراث أفلاطون، ومناقشات توسكولان لشيشرو، يطرح دليلا على خلود الروح الذي يقدمه صراحةً كبديل للدليل النهائي في محاورة فيدون (مناجاة 2.23، راجع: محاورة فيدون 102d -103). لقد تم إنشاء الدليل من عناصر من كل من: إيساغوجي فورفوريوس، وكتابه: تعليقات على مقولات أرسطو (نصوص أولية كان أوغسطين ليجدها قبل وقت طويل من قراءاته الأفلاطونية في ميلان) وقد بدت أصلية عنده (Tornau 2017)، تقول بما أن الحقيقة أبدية وتكمن في الروح كموضوع لها، يتبع ذلك أن الروح موضوع الحقيقة أبديةٌ أيضًا، هذه مغالطة لأنه إذا كانت الحقيقة أبدية بمعزل عن الروح فلا يمكن أن تكون في الروح كموضوع لها (أي: كمِلكية لها)، وإذا كانت مملوكة للروح فلا يمكنها أن تضمن خلودها. في المسودة غير المكتملة للكتاب الثالث من “مناجاة” المحفوظة تحت عنوان: في خلود الروح، يقوم أوغسطين بناء على ذلك بتعديل الدليل، ويزعم أن الروح خالدة بسبب الوجود السببي غير القابل للمصادرة لله (= الحقيقة) فيها. ثم اتضح مع ذلك أنه حتى إذا نجحت نسخة الدليل هذه فإنها تثبت فقط الوجود الأبدي للروح باعتبارها روحًا (عقلانية) ولكن ليس حكمتها الأبدية (خلود الروح 19، Zum Brunn 1969: 17–41 [1988: 9–34])، على أمل أن المحاورين قد شرعوا في إثبات خلود الروح في المقام الأول (مناجاة 2.1). بعد كتابه “خلود الروح” لم يرجع أوغسطين أبدا إلى برهانه، ولكنه لم يتخلَّ عنه. وفي مرحلة متأخرة بمثل كتابه عن الثالوث (13.12) يقر المسلَّمة الأفلاطونية بأن الروح بطبيعتها خالدة، وأن خلودها من حيث المبدأ يمكن البرهنة عليه بالوسائل الفلسفية. كما التزم بقناعته بأن الخلود شرط ضروري للسعادة، لكنه يصر على أنه ليس شرطا كافيا، نظرا لأن الخلود والبؤس متوائمان (راجع: مدينة الله 9.15 حول بؤس الشياطين الخبيثة). لن تتحقق السعادة الحقيقية إلا في الآخرة كهبةٍ من نعم الله، حينها وبفضل بعث الجسد لن تكون الروح وحدها، بل الإنسان ككل سيحيا إلى الأبد. البعث مع ذلك ليست عرضة للبرهنة العقلية، بل إنه وعد الله الذي يجب الإيمان به بحسب السلطة الكتابية (مدينة الله، الموضع نفسه).

إلى جانب الفكرة الأفلاطونية عن الروح، يرث أوغسطين المشكلات الأفلاطونية التقليدية لثنائية الجسم والروح. كيف يمكن للروح أن تفي بمهمتها في “حكم” الجسد (راجع: عظمة الروح 22) إذا كانت هي نفسها لا مادية؟ وكيف ترتبط الجوانب الجسدية والنفسية ببعضها البعض، في الظواهر التي تنطوي على كل من الجسد والروح، خاصة إذا كانت مثل العواطف والرغبات ذات بعد أخلاقي؟ زاد تعقد هذه المشكلات بفعل المسلَّمة الأفلاطونية بأن الكيانات اللامادية باعتبارها سابقة في الوجود على الكيانات المادية، لا يمكن أن تتأثر بها سببيا. إن حل أوغسطين مدين لاستراتيجية أفلوطين في جعل علاقة الروح بالتأثيرات الجسدية مسألة إدراكية بالأساس (O’Daly 1987, 84–87، Hölscher 1986, ch. 2.2.1، Nash 1969, 39–59، Bermon 2001: 239–281). تماشيا مع أفلوطين يصر أوغسطين على أن الإدراك الحسي ليس تأثيرا تخضع له الروح بنحو سلبي (بمثل ما رأت المادية الرواقية، حيث تم تفسير الإدراك الحسي كنوع من التأثيرات المنطبعة في الروح) ولكن وعيها الفاعل هو للتأثيرات التي يعاينها الجسد ( عظمة الروح 41 ، 48، التفسير الحرفي للإنجيل بحسب يوحنا 7.14.20، التاسوعات، أفلوطين I.4.2.3–4 ( Brittain 2002: 274–282. إن إطار هذه النظرية في كتابه “عظمة الروح” هو الحُجة العامة التي مفادها أن علاقة الروح بالجسد يجب أن يتم تصورها لا بحسب مفهوم المكان بل بحسب مفهوم “القوة” (انظر أعلاه). في كتابه: في الموسيقى (6.11) تم تطوير هذا إلى فكرة أن الإدراك الحسي هو وعي الروح بتعديلات أنشطتها البنيوية والحيوية، التي تنتج عن تفاعلها مع البواعث الخارجية التي يعاينها الجسد. بالإضافة إلى الحواس الخمسة المعروفة، يحدد أوغسطين قدرة حسية تربط بيانات الحواس ببعضها البعض وتحكم عليها جماليا (ولكن ليس أخلاقيا، في الموسيقى 6.5، 19)، في كتابه حرية الإرادة (2.8–13) يطلق عليه: “الحس الداخلي” (حول الخلفية الأرسطية، راجع O’Daly 1987: 102–105)

اشتد الخلاف في الأفلاطونية المحدثة حول كيف للروح مع كونها خالدة، ولا مادية، وتسمو وجوديا على الجسد، أن تكون رغم ذلك مندمجة به. كانت الخيارات الأساسية التي تم طرحها بالفعل في محاورات أفلاطون أن الروح المجردة قد “سقطت” في العالم المادي بسبب خطأ ما (كما في أسطورة فايدروس)، أو أن الله أرسل بها إلى الكون من أجل نقل الحياة والنظام إليه (كما في محاورة طيماوس، من أجل نسق تفسيرات الأفلاطونية المحدثة، انظر: تاسوعات أفلوطين IV.8، وماكروبيوس، Commentary on Cicero’s Somnium Scipionis 1.10–14). يطرح أوغسطين المسألة في إطار  عقيدته في الخلق، وفي حقبة الجدل البيلاجياني التي دار فيها النقاش حول انتقال الخطيئة الأصلية (انظر: فقرة 9 النوع، والمرأة، والجنسانية). في كتابه الإرادة الحرة (3.56-559) يميز بين اختيارات ثلاثة للخلق: (أن الله يخلق روحا جديدة لكل جسد يولد)، وتوارث الروح Traducianism (أن الروح تنتقل من الوالدين إلى الطفل مثل الصفات الجسدية)، والوجود السابق والذي ينقسم بدوره بحسب الشروط الأفلاطونية إلى أصل اختياري أو مرسل من الله. بعد عام 412 تعود تلك الخيارات إلى البروز مرة أخرى (الرسائل 143.5-11 ، 166 ، 190، وأطروحة طبيعة الروح وأصلها De anima et eius origine). لا يتجاهل أوغسطين أيا منها رسميا، باستثناء الفكرة المرتبطة بشكل خاطئ مع مذهب أوريجانوس Origenism الذي كان يعتبر هرطقة في ذاك الوقت، حيث كان اندماج الروح بالجسد يعتبر عقوبة الخطيئة التي ارتكبتها الروح في وجودها السابق (مدينة الله 11.23). من الناحية العملية فإنه يحصر النقاش في البدائل بين خلق الروح، وتوارث الروح، واللذان يبدو أنهما الخياران الوحيدان اللذان أخذهما معاصروه المسيحيون بجدية. رفض أوغسطين اتخاذ موقف محدد حتى آخر حياته، ربما لأن أيا من الخيارين لا يناسب مقاصده (Rist 1994: 317–320، O’Connell 1987، Mendelson 1998)، فقد أنشأ مذهبُ خلْق روح جديدة صعوبةً في تفسير الخطيئة الأصلية، أما مذهب توارث الروح فكان عمليا في هذا الصدد، لكنها كانت نظرية مادية بل وبيولوجية تتعارض مع أفلاطونية أوغسطين ، وتعرضت لمزيد من التنازلات لأنها طُرحت من جانب سلفه الأفريقي ترتليان (d. c. 220 CE)، وهو عالم رواقي يقول بالتجسيد، وقد أنهى حياته كمهرطق (Rist 1994: 123).

 

6.2 العقل الإنساني كصورة لله

نشر أوغسطين ما يمكن أن نسميه فلسفته للعقل على أكمل وجه في عمله العظيم حول لاهوت مجمع نيقية الثالوثي: عن الثالوث. بعد تنحيته للعقبات الإنجيلية الواضحة لتحقيق المساواة والاستمرارية للأشخاص الإلهيين الثلاثة (الكتب من 1 إلى 4)، وبعدما وضع قواعد النحو إذا جاز القول للتحدث بشكل مناسب عن الثالوث، بتمييزه للافتراضات المطلقة والنسبية حول الله والأشخاص الثلاثة (الكتب 5-7، King 2012)، ينتقل إلى تحليل العقل البشري باعتباره صورة لله (الكتب 8-15 rachtendorf 2000، Ayres 2010; Bermon & O’Daly (eds.) 2012) . كان الأساس إلى هذه الخطوة بالطبع هو سفر التكوين 1: 26-27. يتبع أوغسطين تقاليدَ يهودية وآبائية قديمة تعرف عليها بواسطة أمبروز، وبحسبها فإن الوصف الإنجيلي للإنسان كصورة الله لا يشير إلى الجسد الحي (قراءة حرفية عرضة للنقد للتهمة المانوية بالتجسيم، راجع: الاعترافات 6.4) ولكن إلى ما هو خاص بالإنسان، أي: “الإنسان الباطن” (الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس 4:16، مقتبس مثلا في: عن الثالوث 11.1) أو العقل (mens). بافتراض بطريقة أفلاطونية أن “الصورة” في هذه الحالة لا تعني مجرد تشابه، بل تعني تأثيرا سببيا للأصل، يعكس السمات الجوهرية للأخير في مستوى وجودي أقل، إنه يقوم بالتنقيب في العقل البشري بحثا عن البنى الثلاثية التي تتوافق مع متطلبات مجمع نيقية من المساواة وتماثل الماهية، وقد يقدم ذلك فهما -ولكن ضعيفا- للإله الثالوثي. وكان النمط العام لحجته هو الصعود الأوغسطيني من الخارج إلى الداخل، ومن الحواس إلى الله. ولكن بما أن العقل البشري سواء بطبيعته أو بسبب حالته المتدنية قادر بالكاد على معرفة الله، فإن أوغسطين هذه المرة ملزم بقطع الصعود وإعادة بدْئه من جديد مرات عديدة. يُظهر الكتاب الأخير أن ممارسة تحليل العقل البشري له قيمة تمهيدية لتفكيرنا عن الثالوث، ولكنه لا يثمر تبصرا بالألوهية بمجرد انتقاله إليه (عن الثالوث15.10-11). العناصر الثلاثة التي يميزها أوغسطين في جميع أعمالنا المعرفية من الإدراك الحسي إلى العقل النظري أو التأمل هي: [1] موضوع هو خارج العقل (كما في الإدراك الحسي) أو داخله، ويكون في هذه الحالة صورة أو مفهوم مخزَّن في ذاكرتنا، [2] قدرة معرفية يجب تنشيطها أو “تشكيلها” بحسب الموضوع مع حدوث الإدراك، [3] عنصر طوعي أو مقصود، يجعل القدرة المعرفية تتجه إلى موضوعها بحيث يتم تشكلها بالفعل بواسطته. يضمن العنصر الأخير  الطابع النشط للإدراك والفهم، ولكنه يهتم أيضا بفكرة أننا لا ندرك الشيء إلا إذا وجهنا انتباهنا إليه بنحو واعٍ (MacDonald 2012b). على الرغم من أن هذا النمط الثلاثي فعال على جميع مستويات الإدراك البشري، إلا أن أوغسطين يؤكد أن المعرفة الفكرية الذاتية للعقل فقط على مستوى العقل التأملي (ذاكرته عن ذاته، ومعرفة ذاته، وحب ذاته) هي المؤهلة لأن تكون صورة الله، لأن هنا فقط ترتبط العناصر الثلاثة بإحكام ببعضها البعض كما هو الحال في عقيدة مجمع نيقية، ولأنها غير قابلة للمصادرة بمثل الحضور المباشر للعقل بالنسبة لنفسه (عن الثالوث 14.19). تم إعداد هذه الفكرة بعناية في الكتاب 10، الذي يتضمن واحدة من أبرز حجج أوغسطين لجوهرية العقل واستقلاله عن الجسد (Stróżyński 2013، Brittain 2012a، Matthews 2005: 43–52، Bermon 2001, 357–404). يبدأ أوغسطين محاججته (بطريقة تذكرنا بحجة الشبيه بالكوجيتو، انظر فقرة 5.1 الشكية واليقين) بأن العقل يعرف نفسه بالفعل دائما، لأنه موجود بالنسبة لنفسه ودائم الإدراك لذاته. هذا الإدراك الذاتي الانعكاسي يفترضه كل فعل من أفعال الإدراك الواعي. إذا كان الأمر كذلك فإن الأمر الذي طلبته كاهنة دلفي “اعرف نفسك” لا يمكن أن يعني أن العقل سيقوم بالتعرف على نفسه كما لو كان لا يعرف نفسه من قبل، وإنما يعني أنه يجب على العقل أن يصبح واعيا بما يعرفه عن نفسه بالفعل، وأن يميز ذلك عن ما لا يعرفه عن نفسه. بما أن العقل أثناء حالة السقوط ينغمس بعمق في الواقع الحسي، فإنه يميل إلى نسيان ما هو عليه حقا، وما يعرف أنه يكونه، ويربك نفسه بالأشياء التي يمنحها أهمية كبرى، أي: الأشياء الحسية التي تمنحه المتعة. وما ينتج عن ذلك هو نظريات مادية عن النفس، مستمدة بالتالي من الأخلاق المعيبة (عن الثالوث 10.11–12). إذا اتبع أمر كاهنة دلفي، سيدرك العقل أنه يعرف على وجه اليقين أنه موجود، ويفكر، ويشاء، وما إلى ذلك، في حين يمكنه في أفضل الأحوال أن يعتقد أنه مجرد هواء، أو نار، أو دماغ (عن الثالوث10.13). وبما أنه لا يمكن لجوهر أو ماهية العقل أن يكون أي شيء غير ما يعرفه يقينا عن نفسه، يتبع ذلك أنه لا يوجد شيء مادي جوهري بالنسبة للعقل، وأنه يجب البحث عن ماهيته في أفعاله العقلية (عن الثالوث10.16)، يتم الوصول إلى المعرفة الذاتية التامة حينئذٍ عندما يكون الإدراك الذاتي للعقل (se nosse، “أن تدرك ذاتك”) تحققت بالوعي “التفكير الذاتي” (se cogitare). الكيفية التي يرتبط بها هذا الحضور قبل الانعكاسي للعقل بالنسبة لنفسه غير واضحة تماما (لمراجعة مشاكل التفسير انظر على سبيل المثال: Horn 2012، Brittain 2012b)، ولكن يبدو أن أوغسطين يعتقد أن حالة التفكير الذاتي الذهنية للعقل ومعها أيضا وعي العقل الذاتي والمباشر يتسمان ببنية ثلاثية وصورة للإله الثالوثي (عن الثالوث 14.7–14). مرةً أخرى فإن الجانب الأخلاقي للنظرية لا ينبغي تجاهله، باعتباره عنصرا اختياريا قويا هو موجود في فعل الإدراك وضروري له، ما تتصل به الموضوعات (التخيلات، والأفكار) التي ندركها أخلاقيا وتشير إلى تفضيلاتنا ورغباتنا. وفي حين أن البنية الثلاثية للعقل هي جوهره الخالص، وبالتالي غير قابلة للتخلي عنها، يصر أوغسطين على أن العقل مخلوق على صورة الله، ليس لقدرته على معرفة ذاته، وإنما لامتلاكه القدرة على أن يصبح حكيما، أي: يتذكر، يعرف، ويحب الله خالقه (عن الثالوث14.21–22).

 

  1. الأخلاق

7.1 السعادة

البنية الأساسية للأخلاق عند أوغسطين هي بنية مذهب الرفاه الإنساني أو المذهب اليودايموني القديم (Holte 1962)، لكنه يرجئ تحقق السعادة إلى الحياة الآخرة، ويلوم علماء الأخلاق القدامى على قناعتهم المتغطرسة -الناتجة عن جهلهم لحالة سقوط البشرية- بأنه بمقدورهم الوصول إلى السعادة في هذه الحياة الدنيا من خلال السعي الفلسفي (مدينة الله 19.4، Wolterstorff 2012، للحصول على نظرة أكثر تفاؤلا راجع كتابه في النظام 2.26). يَعتبر أوغسطين أنه أمر بديهي أن السعادة هي الغاية النهائية التي يسعى إليها كل البشر (على سبيل المثال: في الحياة السعيدة 10، مدينة الله 10.1، عن الثالوث 13.7، نقلا عن كتاب هورتتنسيوس لشيشرو، للاطلاع على مناقشة مثيرة حول كيف ترتبط الرغبة في السعادة برغباتنا الطبيعية المتساوية إلى المتعة والحقيقة راجع: الاعترافات 10.29–34، Matthews 2005: 134–145; Menn 2014: 80–95). تتحقق السعادة أو الحياة الطيبة بامتلاك أعظم خير في الطبيعة والذي يمكن للبشر اكتسابه، وهو ما لا يمكن فقده ضد إرادة المرء (على سبيل المثال: lib. arb 1.10–12، يشارك أوغسطين خاصة في عمله المبكر، اهتمام الرواقية بالاكتفاء الذاتي، واستقلالية الشخص الحكيم والسعيد، راجع: فيتزل 1992، 42-55). يسجل أوغسطين هذا البناء في التراتب الوجودي الثلاثي الطبقات المستوحى من الأفلاطونية المحدثة (الرسائل 18.2)، ويخلص إلى أن الشيء الوحيد القادر على تلبية متطلبات الخير الأعلى التي حددها المذهب اليودايموني هو الإله غير القابل للتغير نفسه. الكائن الأسمى هو أيضا الخير الأعظم، إن رغبة المخلوق في السعادة لا يمكن إشباعها إلا من قِبَل الخالق. كما عبر عنها أوغسطين بإيجاز، في الحياة السعيدة (11): “السعيد هو من له إله”. ومن الصيغ البديلة لذلك: “التمتع بوجود إله” ( مدينة الله 8.8، عن الثالوث 13.10)، “تأمل الإله”، أو “التمتع بالحق” (الإرادة الحرة 2.35). إن “امتلاك” إله يعني في الواقع أن تعرفه وبشكل خاص أن تحبه، لذلك يفسر أوغسطين سفر المزامير 72:28 (“بالنسبة لي من الجيد أن تعتصم بالرب”) كصيغة إنجيلية نهائية أو تعريف للخير الأعلى والذي يحقق سعادة الصالحين (مدينة الله10.18، Tornau 2015: 265–266). وبعبارة أخرى نكون سعداء وحكماء وفضلاء إذا لجأنا أو “أنَبنا” إلى الله، وإذا ابتعدنا عنه ووجهنا انتباهنا ومحبتنا للأجساد -التي ليست في حد ذاتها سيئة كما هو الحال في المانوية، ولكنها بنحو مطلق أقل خيرية من الله- أو لذواتنا التي هي خير عظيم ولكنها تظل خاضعة لله، نصبح بائسين وحمقى ومخدوعين (الرسائل 18.2، حرية الإرادة 2.52–54، في تدبر إنجيل يوحنا 20.11). الفضيلة هي “الحب الذي يعرف أولوياته” (نظام الحب ordo amoris، مدينة الله 15.22)، في حين تُفسد الرذيلة أو الخطيئة النظام الطبيعي. ومثلما هو الأمر بعد السقوط وتلوث جميع البشر حتما بالخطيئة، فإننا في حاجة إلى أن نتطهر من خلال الإيمان، من أجل أن نحيا حياة صالحة، ونستعيد قدرتنا على معرفة الله ومحبته (كتاب الأسئلة 68.3، Cary 2008a: 12–13). لا ينبذ أوغسطين العنصر الفكري الموروث من التراث الأخلاقي (السقراطي) القديم، ومن المؤكد أن مفهومه عن الهداية مستوحى من فكرة “العَود” (epistrophe) في الأفلاطونية المحدثة، لكن أوغسطين يعزز الصلة الأخلاقية للهداية والبغض من خلال التأكيد على طابعهما الطوعي (راجع: خلود الروح 11-12). إن عنصر الإرادة أو الحب كان حاسما أيضا في التمييز بين “الاستمتاع” (frui) و”الاستخدام” (uti) الذي ظهر تطوره الكامل في كتابه  “في العقيدة المسيحية” الكتاب الأول (فقرة 396)، وظل أساسيا بالنسبة لفكره الأخلاقي. اتباعا لرؤية القدماء بأننا نسعى إلى بعض الأشياء من أجل ذاتها، والبعض الآخر من أجل أشياء أخرى أعظم، يرى أوغسطين أن “الاستمتاع” بشيء يعني التعلق به وحبه من أجل ذاته، بينما يعني “استخدام” الشيء أننا نحبه من أجل شيء آخر نرغب في الاستمتاع به. نحن بلا ريب نحب ما نستمتع به فقط، أما حبنا للأشياء التي نستخدمها فهو نسبي وذرائعي (في العقيدة المسيحية 1.4). والهدف الوحيد المناسب للاستمتاع هو الله (راجع: مدينة الله 8.8 حيث يُنسب الرأي نفسه إلى الأفلاطونيين). وينتج الشر والارتباك في النظام الأخلاقي عن عكس فِعلَيْ الاستخدام والاستمتاع، عندما نريد الاستمتاع بما يجب علينا استخدامه (كل الأشياء المخلوقة، مثل: الثروة، أو الأجسام، أو أنفسنا)، واستخدام ما يجب أن نستمتع به (هذا على الأرجح يشير إلى الفهم “الجسدي” للدين الذي يتهم به أوغسطين اليهود في كثير من الأحيان). من المشكلات الواضحة لهذا المذهب تصنيف حب الجار المذكور في الكتاب المقدس. هل نستمتع بجارتنا أم نستخدمها؟ في حين يشير الحدس الأخلاقي الطبيعي إلى المسلك الأول، يبدو أن منهجية أوغسطين تتطلب المسلك الأخير. المشكلة موروثة من المذهب اليودايموني eudaimonism القديم، حيث يستغرق بعض الجهد الفلسفي لإصلاح الحدس الذي يعني بالنسبة لآخرين أنه ذو صلة أخلاقية مع الافتراض القائل بأن الأخلاق في المقام الأول تدور حول فضيلة الفرد وسعادته. كان أوغسطين على دراية بالمشكلة وقدم إجابة مختلفة. في كتابه في العقيدة المسيحية (1.20–21) يقترح بشكل مبدئي أن محبة جارنا تعني استخدامنا له، ليس لأنه مجرد وسيلة لتحقيق سعادتنا، ولكن لأننا ملزمون بمحبته كما نحب أنفسنا، ولأننا نحب أنفسنا بحق فقط إذا أحلنا حبنا لأنفسنا إلى الاستمتاع بالله. وهكذا فإن حب الجار يعني الرغبة في سعادته الحقيقية بمثل ما نرغب في سعادتنا. جوهريا تظل هذه رؤية أوغسطين في عمله اللاحق أيضا (راجع على سبيل المثال: عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين 1.9)، لكنه يفضل بعد ذلك تجنب الحدس العكسي والحديث الذي يحتمل التضليل حول “استخدام” أقرانه من البشر، واستبدله بوصف للحب الأخوي كشكل من “الاستمتاع المتبادل بالله” (على سبيل المثال: عن الثالوث 9.13، راجع: في العقيدة المسيحية 1.35، 3.16، Rist 1994: 159–168; O’Donovan 1980: 32–36; 112–136). يُحتمل أن تعبير “بالله” يضاف لمنع سوء الفهم بأننا نستمتع بالجار “في ذاته” أو “في أنفسنا” دون الإحالة إلى الله. هذا يعني أننا نتوقع سعادتنا الحقيقية من جارنا، والتي لا يمكن لأي إنسان أن يمنحها لنا، ونتيجة ذلك التوجه الخاطئ ستكون بؤسا شديدا في حالة فقدان الجار (راجع الاعترافات 4.9-11 على حزن أوغسطين الشديد لوفاة صديقه، Nawar 2014).

 

7.2 الفضيلة

مبدئيا يتْبع أوغسطين وجهة نظر اليودايميين القدامى بأن الفضيلة كافية أو على الأقل مرتبطة بالسعادة. وهناك مع ذلك العديد من التعديلات المهمة: (1) البنية الكاملة تعتمد على نعمة الله الحاصلة. والفضيلة الحقيقية تضمن السعادة الحقيقية، ولكن لا توجد فضيلة حقيقية ليست نعمة موهوبة من الله. (2) يقبل أوغسطين تعريف شيشرو للفضيلة باعتبارها فن “الحياة بنحو جيد”، ولكنه يرفض بشكل قاطع موازنته بين العيش الكريم والعيش بسعادة، أي: الادعاء ذو الصبغة الرواقية بأن التصرفات الفاضلة تعادل السعادة (الإرادة الحرة 2.50، مدينة الله 4.21، في التقاليد 1.10، النقيض من شيشرو، مناظرات توسولان 5.53). إن حياتنا التالية للسقوط على الأرض هي حتما موضع الخطيئة والعقاب، وحتى القديسين غير قادرين على التغلب على الصراع الداخلي الدائم بين “الروح” و”الجسد”، أي بين الإرادة الخيِّرة والشريرة، أو الرغبات العقلانية وغير العقلانية في هذه الحياة (مدينة الله 19.4، نقلا عن جلاتيان 5:17). لن تتحقق فضيلة السكينة الداخلية المثالية إلا في الحياة الآخرة. (3) يستبدل أوغسطين التعريف القديم للفضيلة على أنه “العقل السليم” (كما في الرواقية) أو “الفعل وفقا للعقل” (كما هو الحال في التراث الأرسطي) بتعريف الفضيلة على أنها محبة الله، أو في النصوص اللاحقة كمحبة الله والجار. الفضيلة هي قابلية داخلية أو سلوك تحفيزي يمكِّننا من أداء كل عمل بحب صحيح. هناك عدة بيانات للفضائل الأساسية التقليدية الأربعة: التعقل، والعدالة، والشجاعة، والاعتدال التي تعيد تعريفها كتنويعات لمحبة الله، سواء في هذه الحياة أو في الزمن الأخروي (في التقاليد 1.25، الرسائل 155.12، قارن الرسائل 155.16 بخصوص الفضائل الأساسية كتنويعات لحب الجار، والإرادة الحرة 1.27 بخصوص توصيف الفضائل من حيث الإرادة الصالحة). إن أكثر تعريفاته إيجازا للفضيلة هو: “الحب المنظم” (مدينة الله 15.22)، لا يعني هذا أن تصبح الفضيلة غير عقلانية (بالنسبة لـ أوغسطين فإن الحب والإرادة هما السمتان الجوهريتان للعقل اللبيب، انظر: فقرة 6.2 العقل الإنساني كصورة الله)، ولكن هذا لا يعني أنها تصبح متعمدة بشكل أساسي. إن معيار الفضيلة الحقيقية هو أنها موجهة نحو الله. حتى لو تحدث أوغسطين من حين لآخر كما لو أن الفضائل الأساسية الأربعة يمكن إضافتها إلى فضائل بولينية، أو الفضائل اللاهوتية للحب والإيمان، وآمل في إحصاء مجموعة من سبع فضائل (الرسائل 171A.2)، فمن الأفضل اعتبارها تقسيمات فرعية للحب، وهو الفضيلة البولينية الوحيدة التي استمرت في الزمن الأخروي (مناجاة 1.14).

كان لهذه التعديلات العديد من النتائج المثيرة للاهتمام. على الرغم من أن أوغسطين يؤجل السعادة التي هي مكافأة الفضيلة إلى الحياة الآخرة، إلا أنه لا يجعل الفضيلة وسيلة لتحقيق غاية، بمعنى أن تصبح الفضيلة غير ضرورية عند الوصول إلى السعادة. على العكس من ذلك يصر على أن الفضيلة ستستمر في الوجود في الزمن الأخروي، حيث ستتحول إلى ثمار أبدية لا تنفد من الله ومن الجار في الله، حينها ستكون حقا مكافأتها الذاتية، وتصبح متطابقة مع السعادة (الرسائل 155.2، 12). إن كلا من الفضيلة الأخروية والفضيلة الدنيوية بالتالي هما محبة الله، لا يختلفان إلا في أن الفضيلة الدنيوية عرضة للإعاقة والفتن. لهذا السبب فإن من يملكون حبا حقيقيا لله -على سبيل المثال: الشهداء المسيحيين- هم سعداء بالفعل في هذه الحياة الدنيا، على الأقل في جانب الرجاء (على سبيل المثال: الاعترافات،10.29 Tornau 2015). إن وصف أوغسطين للفضائل الأخروية وغير الأخروية (الرسائل 155) مُصاغ جزئيا وفق مذهب الأفلاطونية المحدثة، على قياس الفضائل مع تراتبها المتصاعد، للفضائل الاجتماعية أو المدنية، التطهيرية والتأملية (Tornau 2013; Dodaro 2004a: 206–212; Dodaro 2004b). عند تحليل الفضيلة في هذه الحياة الدنيا يأخذ أوغسطين بالتمييز الرواقي الذي استقاه من شيشرو (في الالتزامات De officiis 1.7-8) بين الغاية النهائية للفضيلة (finis) وفعلها المناسب (officium، راجع على سبيل المثال: الرد على جوليان 4.21، مدينة الله 10.18). الفعل المناسب الذي يميز الفضيلة في هذه الحياة وأن لا تعود له حاجة في النعيم الأبدي هو إخضاع الأجزاء الدنيا من الروح للعقل، ومقاومة الإغراءات التي تنشأ عن الصراع المستمر بين الإرادة الصالحة والسيئة (كما كانت حالة “ضعف الإرادة akratic”، انظر فقرة 7.4 الإرادة والحرية)، وينتج ذلك عن حالة سقوطنا (مدينة الله 19.4). مثل أفضل الفلاسفة والأبطال الذين يخبرنا عنهم ماضي روما المجيد والذين يتهمهم أوغسطين دوما بحب المجد، فإن أفعالهم قد تنبع لديهم ببساطة من دوافع أخرى غير الحب الحقيقي لله. يميز أوغسطين بناء على ذلك بين الفضيلة الحقيقية (أي: المسيحية) التي يحركها حب الله، وبين “الفضيلة في ذاتها” (Virtus ipsa: مدينة الله 5.19) التي تؤدي نفس الأفعال الملائمة ولكنها في نهاية الأمر تسترشد بحب الذات أو الكبرياء (مدينة الله 5.12، 19.25). من بين أمور أخرى يدعم هذا التمييز الحل الذي يقدمه لما يسمى بمشكلة الفضيلة الوثنية (Harding 2008; Tornau 2006b; Dodaro 2004a: 27–71; Rist 1994: 168–173)، لأنه يسمح بعزو الفضيلة بمعنى قوي إلى الوثنية، ونماذج ما قبل المسيحية للفضيلة مثل سقراط، دون الحاجة إلى الاعتراف بأنها قادرة على الخلاص. إذا تم تبني منظور “غائي” للفضيلة يركز بنحو حصري على الغايات، فيجب أن يُحكم على الفضائل الوثنية بأنها رذائل لا أنها فضائل وسيتم العقاب وفقا لذلك (مدينة الله 19.25، الفقرة التي يبدو أن العبارة غير الأوغسطينية بأن الفضائل الوثنية هي “رذائل رائعة” قد اشتُقت منها، انظر Irwin 1999). ومع ذلك يكشف منظور “فاعل” أنه بقدر ما يتم الاعتناء بالأفعال الملائمة، فإن الإنسان غير المسيحي الفاضل يختلف عن الحمقى والأشرار ولكن لا يمكن تمييزه عن المسيحي الفاضل. من هذه الوجهة من النظر فإن سقراط أقرب إلى بولس منه إلى نيرون، على الرغم من أن فضيلته لن تجلب له السعادة، أي: النعيم الأبدي. إذ إنه يتصور وجهة نظر تخص الفضيلة، تجردها من العلاقات السببية بين الفضيلة والسعادة، وربما كان ذلك أهم انحراف قام به أوغسطين عن اليوديمانية القديمة.

 

7.3 الحب

الحب هو فكرة حاسمة وشاملة في علم الأخلاق عند أوغسطين ، يرتبط ارتباطا وثيقا بالفضيلة، وكثيرا ما يتم استخدامهما بشكل مترادف مع مفهوم الإرادة (على سبيل المثال: عن الثالوث 15.38، في الحجج الشبيهة بالكوجيتو، فإن الحب والإرادة يترادفان، راجع: مدينة الله 11.27، والاعترافات 13.12) أو النية (intentio). إن نص أوغسطين المرجعي الأساسي بالطبع هو الأمر الإنجيلي بمحبة الله والجار (متى 22.37، 39)، والذي كان مستعدا طوال حياته لتفسيره بحسب مفاهيم الحب الجنسي الأفلاطوني (Rist 1994: 148–202). كما هو الحال في محاورة المأدبة، وعند أفلوطين (التاسوعات I.6) فالحب قوة في أرواحنا تجذبنا إلى الجمال الحقيقي الذي لا نجده في أي مكان سوى في أنفسنا وما يعلو فوقها، إنها تدفعنا إلى الارتقاء من العالم الحسي إلى العالم المعقول، وإلى إدراك وتأمل الله (الاعترافات 10.8-38، ولا سيما 38). حتى الحب الأخوي المسيحي يمكن وصفه بطريقة تذكرنا بمحاورة فايدروس كنوع من الإغواء، من خلال عمل صالح آخر حقيقي أو مفترض (عن الثالوث 9.11). بشكل أكثر عمومية الحب يعني الاتجاه العام لإرادتنا، “إيجابيا” تجاه الله أو “سلبا” تجاه أنفسنا، أو نحو مخلوق جسدي (مدينة الله 14.7، Byers 2013: 88–99). يُدعى الأول: الحب، بالمعنى الإيجابي (الإحسان)، وأما الآخر فيدعى: الجشع أو الرغبة الشهوانية (الرغبة)، أي: الحب الخاطئ الضال (في العقيدة المسيحية 3.16). إن أصل الخطيئة هو حب الذات المفرط، الذي يرغب في وضع الذات في موضع الله ويعادل الخيلاء (مدينة الله 14.28)، ويجب تمييزه عن محبة الذات الشرعية التي تشكل جزءًا من وصايا الإنجيل وتجهد من أجل السعادة الحقيقية بإخضاع الذات لله (O’Donovan 1980). في أعماله السابقة واجه أوغسطين بعض الصعوبات في دمج حب الجار في الإطار الأفلاطوني واليودايموني لتفكيره (في العقيدة المسيحية 1.20–21، انظر: فقرة 7.1 السعادة). بعد عام 400 في سياق تأملاته حول الثالوث وتفسيره لرسالة يوحنا الأولى (ولا سيما رسالة يوحنا الأولى 4.8، 16، “الله محبة”)، يجد حلًّا مقتضاه أن الحب في جوهر طبيعته هو ذاتي الانعكاس. في محبة جيراننا فإننا بالضرورة نحب الحب الذي يمكننا من فعل ذلك نفسه والذي هو ليس سوى الله، وبناء على ذلك فإن محبة الله وحب الجار متلازمان، وبنحو جوهري متشابهان (عن الثالوث 8.12، في عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين 9.10). وهكذا يصبح كلا من الحب السوي والضال أو النية -الإحسان أو الرغبة الشهوانية- هما المعيار السائد بل والوحيد للتقييم الأخلاقي. ويمكن لأخلاق أوغسطين أن تُوصف بهذا المعنى بأنها قصدية (راجع مان 1999 في “أخلاقيات الحياة الداخلية” عند أوغسطين). ويصر بشدة على أن كل فعل حتى لو كان صالحا ومثيرا للإعجاب ظاهريا، يمكن أن يكون مدفوعا إما بنية حسنة أو نية شريرة، أو بالحب السوي أو المنحرف، بالإحسان أو بالغطرسة. ينطبق هذا على الأعمال التي نصت عليها عظة الجبل، وحتى بالنسبة للاستشهاد (في عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين 8.9، ويعتمد جزئيا على رسالة كورنثوس الأولى 13: 3). بالتالي فمن المستحيل طرح قواعد احتيال منطقي للسلوك الأخلاقي الخارجي. الشيء الوحيد الممكن هو التوصية العامة بـ “الحب والقيام بما تنويه” (المرجع السابق 7.8)، أي: أن تأخذ في الاعتبار أن الاستعداد الداخلي أو النية وراء أفعال المرء هي محبة الله والجار وليس حب الذات أو الكبرياء. من الأهمية بمكان ألا تسيئ فهم هذا على أنه مذهب ذاتي أخلاقي، وهو ما تستبعده الافتراضات الأنطولوجية والأخلاقية لـ أوغسطين . لا يسمح أوغسطين أبدا بالأفعال الشريرة التي يقوم بها المرء “بنية صالحة” أو بضمير نقي ذاتي، ولكنه يسمح بالأعمال التي يمكن إدانتها دائما، لأنه لا يُحتمل إمكانيةُ أن تنتج عن الحب مثل الهرطقة. بمعنى أن عامله المثالي هو خليفة الحكيم الرواقي وحكيم الأفلاطونية المحدثة، الذين تصدر أفعالهم دائما عن الفضيلة الداخلية أو العقلانية المثالية (يجعل أوغسطين الأخير بديلا للحب الحقيقي)، ولكنه يكيف أفعاله الخارجية مع الظروف الخارجية (راجع: سكستوس أمبيريكوس: في الرد على علماء الرياضيات  11.200–201 =59 G،Long-Sedley، Diogenes Laertius 7.121، Porphyry, Sententiae 32). ومع ذلك فإن المذهب القصدي عند أوغسطين ينطوي على مضامين متعارضة مفادها: طالما أن الحب والإرادة ينتميان لا محالة إلى خصوصية العقل، فإن الدوافع الداخلية للفاعلية الخارجية للشخص لا يعرفها إلا الفاعل نفسه والله. من ناحية يحد هذا من سلطة الآخرين -بما في ذلك أولئك الذين يتمتعون بسلطة دنيوية أو مركز كنسي- في إصدار الأحكام الأخلاقية. يوصي أوغسطين مرارا بكبح الحكم، لأجل الحفاظ على التواضع (مدينة الله 1.26، الخطب 30.3-4). من ناحية أخرى يجعل أوغسطين حياتنا التحفيزية والأخلاقية الداخلية مبهمة حتى لأنفسنا، وجلية الوضوح بالنسبة لله فقط (الاعترافات 10.7، في تدبر إنجيل يوحنا 32.5). فلا يمكننا أبدا أن نكون متأكدين تماما من نقاء نوايانا، وحتى إذا تحقق ذلك فلا يمكننا التأكد من أننا سنستمر في التمسك بها. لذا فإن جميع البشر مدعوون للتدقيق باطراد في الوضع الأخلاقي لأنفسهم الداخلية في حوار تعبدي مع الله (كما هو مذكور في الاعترافات). قد يشكِّل هذا التدقيق الذاتي تعذيبا ذاتيا، نجد هنا جذورا أوغسطينية لهوس المسيحية الغربية بالذنب الكامن. قد يمثل العرض العام لاعتراف أوغسطين أمام الله في الاعترافات من بين أمور أخرى محاولةً لتصحيح عزلة التدقيق الذاتي المسيحي (راجع الاعترافات 10.1-7).

إن مذهب القصدية عند أوغسطين يزوده أيضا بالحجج لصالح الجبرية الدينية. بما أن هدف الحب الأخوي الصحيح ليس الرفاه الدنيوي للجار بل سعادته الأبدية أو خلاصه، يجب علينا ألا نتسامح مع خطايا إخواننا من البشر، ولكن يجب أن نعمل على إصلاحها إذا استطعنا، وإلا سيكون دافعنا هو الجمود لا الحب (في عشر عظات في رسالة يوحنا إلى البارثيين 7.11، راجع: الرسائل 151.11، كتاب الأسئلة 1.2.18). وبالتالي فإن الأساقفة الكاثوليك ملزمون بإجبار الزنادقة والمنشقين على العودة إلى الكنيسة الكاثوليكية حتى لو لزم اللجوء إلى القوة، تماما مثلما يضرب الأب أطفاله عندما يراهم يلعبون مع الثعابين، أو عندما نقيِّد مجنونا حتى لا يلقي بنفسه إلى الهاوية (الرسائل 93.8، 185.7، والرسالة 93.1-10 بشكل عام). من الواضح أن هذه حجة أبوية تفترض مسبقا البصيرة الفائقة في أولئك الذين يمارسون السلطة القسرية بشكل شرعي. في حين أن هذا قد يكون مقبولا في حالة الكنيسة التي تعتبر وفقا للدراسات الكنسية عند أوغسطين جسد المسيح وتجسيدا للحب الأخوي، إلا أنها تتحول إلى معضلة عندما يتم نقلها إلى الحكام العلمانيين (نادرا ما يفعل أوغسطين ذلك ولكن راجع الرسائل 138.14-15). وبما أن الكنيسة في هذا العالم هي مجموعة مختلطة من الخطاة والقديسين (انظر فقرة 8 فلسفة التاريخ والسياسة)، قد يُسأل: كيف يمكن لأفراد الأساقفة أن يتأكدوا من أن نواياهم حسنة حين يستخدمون القوة الدينية (Rist 1994: 242 -245). لا يعالج أوغسطين هذه المشكلة، على الأرجح بسبب أن معظم نصوصه ذات الصلة هي دفاعات دعوية عن الإكراه ضد الدوناتيين.

 

7.4 الإرادة والحرية

على الرغم من أن الفلاسفة اللاتينيين الآخرين وخاصة سينيكا قد استخدموا مفهوم الإرادة (voluntas) قبل أوغسطين ، إلا أن له تطبيقا أوسع بكثير في علم الأخلاق وعلم النفس الأخلاقي عنده من أي ممن سبقوه، ويغطي مجالا أوسع من الظواهر بأوسع مما في الإرادة الأرسطية (تقريبا، الاختيار العقلاني) أو الاختيار الرواقي (تقريبا، القرار الأساسي لانتهاج حياة صالحة). لقد اقترب أوغسطين بأكثر من أي فيلسوف سابق من طرح الإرادة كقدرة على الاختيار لا يمكن إرجاعها إلى العقل ولا إلى الرغبة غير العقلانية، لذلك فقد زُعم أن أوغسطين “اكتشف” الإرادة (Dihle 1982: ch. 6، Kahn 1988، contrast Frede (2011: 153–174 الذي يؤكد بنحو أساسي اعتمادا على كتاب “الإرادة الحرة” أن أوغسطين يدين للرواقية بذلك). يعترف أوغسطين بكل من المرتبتين الأولى والثانية للإرادة، والأخيرة عبارة عن أفعال الاختيار الحر للإرادة  liberum voluntatis arbitrium، القدرة على الاختيار بين التفاضلات المتعارضة للمرتبة الأولى للإرادة (Stump 2001; Horn 1996; den Bok 1994). مثل الرغبات، تكون المرتبة الأولى للإرادة مقصودة أو موجهة، وتعمل على جميع مستويات النفس. إن الإرادة مثل الذاكرة والفكر، عنصر تأسيسي للعقل (انظر فقرة 6.2 العقل الإنساني كصورة لله)، إنها ترتبط ارتباطا وثيقا بالحب، وبالتالي فإنها موضوع للتقييم الأخلاقي. إننا نتصرف بشكل جيد أو سيئ إذا وفقط إذا كانت أفعالنا تنبع من إرادة طيبة أو شريرة، وهو ما يعادل القول بأن ما يحفزها هو الحب الصحيح (أي: بتوجيه من الله) أو المنحرف (أي: بتوجيه من الذات) (مدينة الله 14.7). مع هذه الفكرة الأساسية يدافع أوغسطين عن العواطف أو الانفعالات في مواجهة الإدانة الرواقية لها باعتبارها خللا في الحكم العقلاني، من خلال إعادة تعريفها بشكل أكثر حيادية كاختيارات (voluntates) قد تكون جيدة أو سيئة اعتمادا على مقاصدها (مدينة الله 5-9.4،14.9، Wetzel 1992: 98–111، Byers 2012b). إن آليات الإرادة في علم النفس الأخلاقي عند أوغسطين مدينةٌ بشدة لنظرية القبول الرواقية والتي تم تعديلها من ناحية واحدة على الأقل. وكما هو الحال في المذهب الرواقي يتم إثارة الإرادة للعمل بواسطة انطباع ينتج عن موضوع خارجي (visum مشهد مرئي). يستجيب العقل له بحركة تهدف إلى الإشباع، تحثنا على متابعة أو تجنب الموضوع (على سبيل المثال: سرور أو خوف). ولكن فقط عندما نمنح موافقتنا الداخلية لهذا الدافع أو كبحه ستنبثق إرادة تتجلى إذا سمحت الظروف في فعل متناغم معها. إن الإرادة هي الموضع المناسب لمسؤوليتنا الأخلاقية، لأنه ليس في مقدرتنا أن يُبدي الموضوع نفسه سواء لحواسنا أو عقلنا، ولا ما إذا كنا سنستمتع به (الإرادة الحرة 3.74، كتاب الأسئلة 1.2.21)، وربما تنجح محاولاتنا للعمل خارجيا أو تفشل لأسباب خارجة عن سيطرتنا. العنصر الوحيد في مقدورنا هو إرادتنا أو موافقتنا الداخلية، وهو ما يجعلنا بالتالي مسؤولين مسؤولية كاملة. وهكذا فإن الشخص الذي يوافق على ارتكاب الزنا هو مذنب، حتى إذا كانت محاولته الفعلية لارتكابه غير ناجحة، وضحية الاغتصاب التي لا تقبل الفعل تبقى بريئة من الخطيئة حتى إذا شعرت باللذة الجسدية (مدينة الله 1.16–28). بناءً على ذلك يعرِّف أوغسطين الخطيئة بأنها “إرادة الحفاظ أو السعي وراء شيء بطريقة غير عادلة” (روحان ضد المانوية 15). المرحلة الثانية في البناء أعلاه “حركة التوق اللاإرادية للنفس” والتي تذكرنا “بالأفعال الأولى” الرواقية، ولكنها تتوافق أيضا مع “الحافز” الذي لا يسبق القبول في المذهب الرواقي ولكنه يتبعه ويتبدى على الفور في الفعل. إن إغراءات من هذا النوع عند أوغسطين لا تُعد خطايا شخصية، وإنما مرجعها إلى الخطيئة الأصلية، وهي تنتاب حتى القديسين. ويجب لإرادتنا أن تتحرر بفضل النعمة الإلهية لمقاومتها (في الرد على لوليانوم 6.70، انظر، حول هذه النظرية وخلفيتها الرواقية والأفلاطونية: Byers 2013: 100–150، J. Müller 2009: 157–161، Sorabji 2000: 372–384، Rist 1994: 176–177).

اجتاز تفكير أوغسطين حول الإرادة الحرة (القرار الحر أو الاختيار الحر للإرادة) بعض التطورات خلال حياته المهنية. ففي تسعينيات القرن الرابع معارضا للحتمية الثنائية للمانويين يستخدم الحجة الشبيهة بالكوجيتو (انظر فقرة 5.1 الشكية واليقين) لإثبات أننا مسؤولون عن اختياراتنا، لأننا على يقين من أننا نريد، بمثل ما نحن على يقين من أننا موجودون ونفكر (روحان، ضد المانوية 13، الإرادة الحرة 3.3، الاعترافات 7.5، S. Harrison 1999). إن التعريف المعاصر للإرادة كحركة للنفس نحو شيء ما ترغبه يؤكد عدم وجود قيود خارجية، ويبدو أن التعريف الناتج عن ذلك للخطيئة كإرادة جائرة (انظر أعلاه) يؤيد مبدأ الاحتمالات البديلة (روحان، ضد المانوية 14– 15). في كتاب “الإرادة الحرة” تظهر الإرادة الحرة كشرط لإمكانية العمل الأخلاقي الصالح، وبالتالي تظهر كخير عظيم في حد ذاتها، ولكن بما أنها ليست خيرا مطلقا (فالله وحده هو الخير المطلق) ولكنها مجرد خير وسيط، فهي عرضة لإساءة الاستخدام، وبالتالي أن تكون مصدرا للعمل الأخلاقي الفاسد (الإرادة الحرة 2.47–53). وفي تفسيره المبكر لفصل بولس عن الاصطفاء الإلهي (رسالة إلى أهل رومية 9)، يحرص أوغسطين على إثبات أن بولس لم يبطل الإرادة الحرة (عرض لبعض المقترحات حول رسالة الرسول بولس إلى أهل روميةExpositio quarundam Offeritionum ex epistula apostoli ad Romanos 13–18). في كل ذلك فإن أوغسطين متناغم بشكل أساسي مع النظرة التقليدية للاهوت والتفسير المسيحيين في بدايتهما، والتي ما تزال معتمدة في عشرينيات القرن الخامس من جانب جوليان الإكلانومي، حيث يلوم أوغسطين لوقوعه مجددا في الجبرية المانوية، ويستشهد بتعريفاته المبكرة ضده (جوليان، إلى فلوروس  Ad Florum، في الرد على لوليانوم Contra Iulianum opus imperfectum 1.44–47). تتغير الأمور في كتابه أسئلة متنوعة إلى سيمبليسيانوم K1.2 والاعترافات. مع حلول عام 400 بعد الميلاد توصل أوغسطين إلى استنتاج مفاده أن قدرتنا على الاختيار قد تأثرت بشدة بسبب حالة السقوط البشري، مما جعل من غير المنطقي التحدث عن الإرادة الحرة دون الإشارة إلى النعمة الإلهية. إن الادعاء المتفائل في الكتاب الأول من الإرادة الحرة (29 1.25–26) أنه في مقدورنا أن نكون صالحين بمجرد أن نختار أن نكون صالحين لأنه “لا شيء تام في إرادتنا كإرادتنا ذاتها”، لم تكن قط على الأرجح هي مجمل القصة، ففي الكتاب الثالث من نفس العمل يقول أوغسطين إن أوجه القصور المعرفية والتحفيزية الناتجة عن خطيئة آدم (“ignorance and difficulty”, ib. 3.52; S. Harrison 2006: 112–130) تؤثر في قدرتنا الطبيعية على اختيار الخير. وفي أعماله اللاحقة وخاصة المضادة للبيلاجيين، يثوِّر أوغسطين هذا إلى فكرة أن الخطيئة الأصلية تجعلنا غير قادرين على كبح اختياراتنا الخاطئة طالما نحن أحياء، لذلك فإننا نعيش في حالة دائمة من “akrasia” أو ضعف الإرادة (حول الطبيعة والنعمة الإلهية 61–67، مدينة الله 19.4، عن الزواج والرغبة الشهوانية 1.35)، لكنه لا يشكك أبدا في مبدأ أننا قد خلقنا مزودين بقدرة طبيعية على اختيار الخير بحرية وطوعا، كما أنه لم ينكر قط إمكانية تطبيق حجة الكوجيتو على الإرادة (راجع: مدينة الله 5.10)، كما لم  يشك في أن اختياراتنا تعزى إلينا. ما تفعله النعمة الإلهية هو استعادة حريتنا الطبيعية، إنها لا تجبرنا على التصرف ضد إرادتنا. أفضل ما يعبر عن هذا المعنى نجده في سرد رقم 8 في الاعترافات (للتفسيرات الواضحة، انظر: Wetzel 1992: 126–138، J. Müller 2009: 323–335). قبل تحوله العقائدي مباشرة عانى أوغسطين من “إرادة منقسمة” وشعور بالتمزق بين إرادة سلوك حياة مسيحية زاهدة، وإرادة مواصلة حياته السابقة النشطة جنسيا. على الرغم من أنه يتوافق مع الأولى الإرادة الأفضل بأكثر مما يتوافق مع الأخرى التي تعذبه بالفعل، إلا أنه غير قادر على اختيارها؛ بسبب عاداته السيئة التي اكتسبها من قبل طوعاً وتحولت الآن إلى نوع من الضرورة الإدمانية ( ib. 8.10-12). كانت التقاليد الفلسفية السابقة ستفسر هذه الحالة من “ضعف الإرادة” على أنها صراع بين العقل والرغبة، وكان من الممكن أن تعزو الثنائية المانوية إرادة أوغسطين السيئة إلى مادة شريرة موجودة داخله ولكنها غريبة على النفس، لكن أوغسطين يصر على أن كلًّا من نوعي الإرادة في الواقع تصدران عنه. فيزعم مستعينا بالاستعارات الطبية التي تذكرنا بالفلسفة الأخلاقية الهلنستية، أن إرادته كانت تفتقر إلى قوة الاختيار الحر، لأن مرض الانقسام بين اختياراته المتعارضة أضعفها (ib. 8.19، 21). إن قدرته على الاختيار يتم استردادها في مشهد الحديقة في نهاية الكتاب، عندما يتم إعادة دمج إرادته وشفائها بدعائه إلى الله، مما يحرره على الفور فيختار حياة الزهد (ib. 8.29–30). قبل ذلك عندما قرر الاستمرار في حياته المعتادة، فإن هذا لم يكن خيارا وليس اختيارا، على الرغم من أنه كما يصر أوغسطين فقد فعل ذلك طوعا. من حيث الجوهر ظل هذا خط دفاعه عندما واجه في الجدل البيلاجي تهمة أن مذهبه في النعمة الإلهية ألغى الإرادة الحرة (في النفس والرسالةDe Spiritu et littera 52-60، راجع في اللوم والنعمة الإلهية 6). في حين يعتقد البيلاجيون أن مبدأ الاحتمالات البديلة لا غنى عنه لمسؤولية الإنسان والعدالة الإلهية، فإن أوغسطين يقبل هذا المبدأ فقط لأول البشر في الجنة (في الرد على لوليانوم 1.47، 5.28 ،5.40-42 إلخ). بطريقة ما عن طريق الاختيار الخاطئ من جانب آدم وحواء، تخليا عن الإرادة الحرة لنفسيهما ولسائر البشر. حولت الخطيئة الأصلية قدرتنا الفطرية على عدم الخطيئة إلى عجز عن عدم الخطيئة، ويمكن للنعمة الإلهية أن تعيد القدرة على عدم الخطيئة في هذه الحياة وستحولها إلى عجز عن الخطيئة في الحياة الآخرة (مدينة الله 22.30، في اللوم والنعمة الإلهية 33).

 

7.5 الإرادة والشر

ترتبط فكرة الإرادة عند أوغسطين ارتباطا وثيقا بتصوره للشر، يرى أن مشكلة أصل الشر (unde malum) تطارده منذ شبابه (الاعترافات 7.7). في البداية قبِل الحل الثنائي للمانويين الذي يرفع عن الله المسؤولية عن الشر، لكنه انتقص من قدرته المطلقة (ib. 3.12، 7.3). بعد اطلاعه على كتب الأفلاطونيين نبذ أوغسطين فكرة وجود جوهر شرير، وأيد وجهة النظر الأفلاطونية المحدثة (نوقش على سبيل المثال في: التاسوعات، أفلوطين I.8) بأن الشر في الواقع لا أساس له وأنه مجرد فقد أو فساد للخير. من وجهة نظره الناضجة التي تم تطويرها إلى حد كبير خلال مناظراته المناهضة للمانوية، فإن كل شيء موجود هو خير ما دام أنه مخلوق من قبل الله. هناك بالطبع مراتب مختلفة للخير مثلما هو الحال بالنسبة للوجود (الرسائل 18.2)، لكن كل ما هو حقيقي هو خير “في مرتبته”، والنظام التراتبي للواقع هو نفسه مخلوق خيِّر لله (Bouton-Touboulic 2004). لذلك نبذ أوغسطين وجهة نظر أفلوطين بأن المادة الأصلية تعادل الشر الأصلي، لأن الحالة اللاصورية للمادة ليست سلبا خالصا بل هي قدرة إيجابية خلقها الله لتلقي الصور (الاعترافات 12.6 ، انظر فقرة 10. الخلق والزمن). يمكن القول إن الكائن المخلوق يكون شرا فقط إذا كان مقصرا في خيريته الطبيعية بإفسادها أو إبطالها بالمعنى الدقيق للكلمة، الفساد فقط هو الشر، في حين أن طبيعة جوهر أو ماهية (لبيان ترادف المصطلحات، انظر: في التقاليد 2.2) الشيء نفسه تبقى على خيريتها (الاعترافات 7.18، ضد الرسالة المانوية الموسومة بالأصلية 35.39، وغيرهما. للاطلاع على عمل منهجي، طبيعة الخير De natura boni  1–23، Schäfer 2002: 219-239). في حين أنه يمكن لهذه النظرية تفسير الشر الجسدي بسهولة نسبيا، إما باعتبارها سمة ضرورية للواقع (الجسدي) التراتبي (في النظام 2.51) كعقاب عادل للخطيئة، أو كجزء من الأصول التربوية التي جعلها الله لأجل الخلاص (الرسائل 138.14)، فإنها تترك السؤال مطروحا عن الشر الأخلاقي أو الخطيئة ذاتها. يجيب أوغسطين عن طريق معادلة الشر الأخلاقي بإرادة الشر، ويدعي أن ما يبدو كسؤال طبيعي حول أسباب إرادة الشر غير قابل للإجابة. تم العثور على حجته الأكثر استدامة لهذا التأثير في شرحه لسقوط الشيطان والملائكة الشريرة، وهي حالة كونها أول ظهور للشر في العالم المخلوق تسمح له بتحليل المشكلة بأكثر مصطلحاتها تجريدا (مدينة الله 12.1–9، راجع: الإرادة الحرة 3.37–49، Schäfer 2002: 242–300; MacDonald 1999). لا يمكن أن يكون السبب جوهر (حيث إن الجوهر في ذاته جيد وغير قادر على التسبب في أي شر) أو إرادة (والتي بدورها يجب أن تكون إرادة شريرة وهذا بحاجة إلى تفسير). لذلك فإن الإرادة الشريرة ليس لها “فعالية” ولكن فقط مجرد سبب “واهن”، والتي ليست سوى انشقاق الإرادة العفوي عن الله. إن حقيقة أن عناصر الشر مخلوقة من عدم وبالتالي ليست على عكس الله، غير قادرة بنحو طبيعي على ارتكاب الخطيئة، هو شرط ضروري للشر ولكنه ليس شرطا كافيا (بعد أن نجحت جميع الملائكة الصالحة في الحفاظ على إرادتهم الخيرة). في هذا السياق يتخيل أوغسطين في تجربة فكرية مثيرة شخصين متساويين في التصرفات الفكرية والعاطفية، يستسلم أحدهما للفتنة، بينما يقاومها الآخر، ومن ذلك يستنتج أن الاختلاف يجب أن يرجع إلى اختيار الإرادة الحر والعفوي وغير القابل للاختزال (مدينة الله 12.6). هنا على الأقل يطرح أوغسطين بنحو واقعي الإرادة كقدرة عقلية مستقلة.

 

7.6 النعمة الإلهية، والقدر، والخطيئة الأولى

منذ العصور الوسطى وما بعدها تم النظر إلى لاهوت أوغسطين للنعمة باعتباره قلب تعاليمه المسيحية ولسبب وجيه. كما يشير هو نفسه فإن قناعته بأن البشر في وضعهم الحالي غير قادرين على فعل الخير أو حتى إرادته بجهودهم الخاصة، هو خلافه الأساسي مع القدماء وخاصة أخلاقيات الفضيلة الرواقية (مدينة الله 19.4، Wolterstorff 2012 ). بعد حدوث عصيان آدم وحواء وبسببه فقدنا قدرتنا الطبيعية على تقرير المصير، والتي لا يمكن إصلاحها واستعادتها إلا بالنعمة الإلهية التي تجلت في تجسد وتضحية المسيح، وتعمل داخليا من أجل تحرير إرادتنا من عبوديتها للخطيئة. لذا فإن الاعتراف بالخطايا والتواضع فضائل ومواقف مسيحية أساسية، إن ثقة الفلاسفة بفضيلتهم الخاصة التي تمنعهم من قبول نعمة المسيح، هي مثال على الكبرياء الآثم الذي يضع الذات في مكان الله، وكان ذلك هو أساس الخطيئة الأولى للملائكة الشريرة (مدينة الله 10.29).

مصدر الإلهام الرئيسي لمذهب أوغسطين في النعمة الإلهية هو بالطبع بولس (على الرغم من أن الملاحظات حول ضعف الإنسان والعون الإلهي ليست غائبة عن التراث الفلسفي القديم، وخاصة في الأفلاطونية التي تضمنت جانبا دينيا قويا منذ البداية، يدعي أوغسطين أن بمثل هذه الأقوال يعترف الأفلاطونيون عن غير قصد بالنعمة الإلهية، راجع: مدينة الله 10.29، 22.22). النظرة الراديكالية إلى أن هبات النعمة الإلهية لا تشمل فقط الأعمال الصالحة الخارجية والرغبات الداخلية المتعمدة التي تسمح لنا بأدائها، بل حتى البدايات الأولى للإيمان -في المصطلحات التقنية اللاحقة: أن النعمة ليست “ناشئة” ولكنها “سابقة”- ولكنها على أية حال فكرته الخاصة، وقد استغرقت عدة سنوات لتتبلور في فكره. كانت هناك بعض المناقشات حول مراحل هذا التطور (للتعرف على عمليات إعادة البناء المتشعبة، انظر: Karfíková 2012, Cary 2008a, Drecoll 2004–2010, Drecoll 1999، والتي تركز على تحولات فكر أوغسطين: Lettieri 2001; Flasch 1995؛ والتي تُعنى باستمراريته: C. Harrison 2006)، ولكن من المتفق عليه بشكل عام أن عقيدة أوغسطين في النعمة الإلهية وصلت إلى شكلها الناضج في الفترة بين عامي 395-397 الميلاديين في كتاب الأسئلة 1.2، بعد عدة سنوات من القراءة المكثفة وتفسير إنجيل بولس، واكتسبت صورة أوضح خلال الجدل البيلاجي بعد عام 412. إن تأكيد أوغسطين على ضرورة النعمة الإلهية لكلٍّ من الفهم العقلاني والتطهر الأخلاقي، كان موجودا بالفعل في أعماله الأولى (راجع على سبيل المثال: مناجاة 1.2–6)، ولكن يبدو أنه كان معنيا بترك مجال لمبادرة إنسانية على الأقل فيما يتعلق بالإيمان والإرادة (وهو ما يتماشى مع اهتمامه الذي برز طوال تسعينيات القرن الرابع، لحماية المسؤولية الإنسانية ضد الحتمية المانوية). في شرحه المبكر لإنجيل بولس، يفسر انتخاب الله غير المسبَّب ليعقوب ورفض عيسو (الرسالة إلى أهل رومية 9: 10-13) بمعرفة الله المسبقة بإيمان يعقوب وخيانة عيسو (كتاب الأسئلة 68.5، عرض لبعض المقترحات حول رسالة الرسول بولس إلى أهل رومي 60)، وهي قراءة “تآزرية” تعتمد على افتراض أن الخلاص ينتج عن تآزر النعمة الإلهية والنية الإنسانية، وهي الفكرة القياسية في فترات المسيحية المبكرة منذ أوريجانوس. وقد نبذ هذا التفسير صراحة في كتاب الأسئلة (1.2.5–6، 8، 11). في هذا النص المحوري يحاول أوغسطين مخلصا لبرنامجه عن “الإيمان الذي يسعى إلى الفهم”، تفسير رسالة إلى أهل رومية 9: 9–29 التي تفي بالمتطلبات الفلسفية لعدالة الله وإحسانه، بينما تأخذ بجدية فكرة بولس بأن الانتخاب الإلهي لا سبب مفسَّر له، وليس بسبب أي جدارة بشرية. يقول أوغسطين الآن إن القصد الإرشادي للرسالة إلى أهل رومية 9 هو الحيلولة دون الغطرسة والكِبر (ib.2.2.2) بأكثر منه حماية المسؤولية البشرية (كما كان رأيه في عرض لبعض المقترحات حول رسالة الرسول بولس إلى أهل رومية 13–18). يجرب أوغسطين جميع الأسباب المحتملة لاصطفاء الله ليعقوب -أعماله الصالحة، ونيته الحسنة، وإيمانه، ومعرفة الله المسبقة لكل هذه الخصال- ويقدِّر أنها في مجموعها تعادل الاصطفاء بسبب الجدارة البشرية وليس بسبب النعمة الإلهية. بدءًا من الاستعداد الفطري للانتباه إلى دعوة الله للإيمان، ثم إن كل ما هو صالح في طبيعة يعقوب لزم أن يكون بفضل النعمة الإلهية. الإرادة الحرة لا علاقة لها بتلقي هذه الهبات، إذ لا يمكن لأحد أن يشاء بمحض إرادته أن يتلقى دعوة إلهية للإيمان، ولا أن يستجيب لها بشكل إيجابي حتى يتصرف وفقا لذلك، ويؤدي أعمالا صالحة تنبع عن الحب (كتاب الأسئلة 1.2.21، للمزيد عن نظرية القوى الفاعلة وراء ذلك والمستوحاة من المذهب الرواقي انظر فقرة 7.4 الإرادة والحرية). في حين أن الاصطفاء غير المفسَّر بصرف النظر عن كونه عزاء، يمكنه بسهولة أن ينسجم نسبيا مع مسلمات الإحسان الإلهي، والعدل، والقدرة المطلقة، فإن النتيجة اللازمة له ومقابله من الإنكار والإدانة غير المفسرين لعيسو، يُعدُّ مشكلة فلسفية مهمة (ib 1.2.2). إذا لم يكن الأمر ينتهك مبدأ العدل الإلهي، فإنه يجبرنا على افتراض نوع ما من الشر في عيسو، والذي تستبعده بأية حال عبارة بولس الصريحة الدالة على عكس ذلك (رسالة إلى أهل رومية 9: 11). جاء حل أوغسطين للمسألة في مذهبه للخطيئة الأصلية، لقد ورث كل من يعقوب وعيسو ذنب آدم الذي عمَّت خطيئته البشرية كافة -دَيْن يرفعه الله عن يعقوب ولكن يفرضه على عيسو- لأسباب يعترف أوغسطين تتجاوز بالضرورة الفهم البشري لكنها بالتأكيد عادلة. منذ السقوط لم يكن الجنس البشري سوى “كتلة من الخطيئة”، التي ربما شاءها الله ككلٍّ ولكنه اختار إنقاذ بعض الأفراد وتحويلهم إلى “قوارب الرحمة” (ib 1.2.16، راجع رسالة إلى أهل رومية 9:23). لم يخترع أوغسطين فكرة الخطيئة الأصلية، ولكن كان لها تراث في المسيحية الأفريقية وخاصة عند المفكر الأمازيغي ترتليان. إن الرأي القائل بأن الخطيئة الأصلية ذنب متعلق بالشخوص ويبرر اللعنة الأبدية، هو مع ذلك جديد في كتاب الأسئلة، وينشأ بالضرورة المنطقية عن الادعاءات التفسيرية والفلسفية المقدمة حول النعمة الإلهية والاصطفاء (Flasch 1995، قارن: في الإرادة الحرة 3.52– 55). تم توضيح النظرية المعروضة في كتاب الأسئلة، بفطنة فلسفية كبيرة وبمعقولية سيكولوجية في كتاب الاعترافات (خاصة كتاب 8)، وتظل موجودة في ثنايا الجدل مع البيلاجية حتى نهاية حياة أوغسطين . ولكن الغريب أن هناك فقرات حتى أعماله المناهضة للبيلاجية تبدو كأنه يهدف من خلالها إلى حماية حرية الاختيار، وبالتالي الإقرار بقراءة “تآزرية” (الروح والكلمة De Spiritu et littera 60؛ Cary 2008a: 82–86، ولتفسير مختلف: Drecoll 2004–2010: 207–208). بعد عام 412 تحت ضغط من خصومه البيلاجيين، وجَّه أوغسطين اهتماما متزايدا إلى آليات انتقال الخطيئة الأصلية، وكانت النتيجة نظرية شبه بيولوجية ربطت الخطيئة الأصلية ارتباطا وثيقا بالرغبة الشهوانية (انظر فقرة 9 الجنسانية والمرأة والجنس).

أحد المضامين الواضحة لنظرية أوغسطين في النعمة الإلهية والاصطفاء هو القضاء والقدر، وهو موضوع بارز في أطروحاته الأخيرة ضد البيلاجيين (على سبيل المثال: أقدار القديسين De praedestinatione sanctorum، المكتوب بعد عام 426) ولكنه متضمَّن بالفعل في كتاب الأسئلة. يقضي الله “قبل تأسيس العالم” (رسالة بوس الرسول إلى أهل أفسس 1: 4)، أي: (بمصطلحات الأفلاطونية المحدثة) بطريقة غير زمنية تتطابق مع وجوده السرمدي المتعالي (مدينة الله 11.21، انظر أيضا: فقرة .10 الخلق والزمان )، مَن الذين سيتم إعفاؤهم من اللعنة التي تنتظر البشرية الساقطة، والذين لن يتم إعفاؤهم (“ازدواجية القضاء المسبق”). لكن هذه معرفة تخفى على البشر الذين سيُكشف لهم عنها في نهاية الزمان (في اللوم والنعمة الإلهية 49). حتى ذلك الحين لا يمكن لأي شخص حتى المسيحي المعمَّد، أن يكون موقنا مما إذا كانت النعمة الإلهية قد منحته الإيمان الحقيقي وإرادة صالحة، وإذا كان الأمر كذلك فلا يعرف ما إذا كان سيظل متصفا بذلك حتى نهاية حياته وبذلك يتم إنقاذه بالفعل (في اللوم والنعمة الإلهية 10-25، راجع فقرة  7.3الحب). واجه أوغسطين مثل الجبريين الرواقيين من قبله الاعتراضَ بأن مذهبه في القضاء الإلهي المسبق جعل كل الأفعال البشرية لا معنى لها “حجة خاملة”. وبينما كانت في الثقافة الهيلينية قضية نظرية إلى حد كبير، فقد اكتسبت أهمية عملية في ظل ظروف حياة الرهبنة، حيث اعترض بعض الرهبان من شمال إفريقيا على لومهم لسوء تصرفهم، بحجة أنهم غير مسؤولين بسبب عدم تمتعهم (بعد) بهبة النعمة الإلهية (في اللوم والنعمة الإلهية 6). بالنظر إلى أفكار كتابَيْ “المعلم” و”كتاب الأسئلة” يرد أوغسطين بأن اللوم قد يكون بمثابة توبيخ خارجي، حتى كدعوة إلهية تساعد الناس على الرجوع إلى الله داخليا، وبالتالي لا يجب حجبه (في اللوم والعمة الإلهية 7–9). بالنسبة للتساؤل عما إذا كان القدر يقوض الإرادة الحرة، يقدم أوغسطين إجابته المعتادة بأن حريتنا في الاختيار قد تضررت بسبب الخطيئة الأصلية ويجب تحريرها بواسطة النعمة الإلهية، إذا كنا بصدد تطوير الإرادة الصالحة اللازمة للفضيلة وتحقق السعادة. يصبح جدل العصور الوسطى والحديثة حول ما إذا كانت النعمة الإلهية “لا تقاوم” بالتالي إلى حد ما غير أوغسطيني (راجع: Wetzel 1992: 197-206)، ومع ذلك فإن بعض النصوص لا سيما في وقت لاحق تقدم النعمة الإلهية المسبقة كتحويل الإرادة بالقوة القسرية (في الرد على رسالتين للبيلاجيينContra duas epistulas Pelagianorum 1.36–37 ، راجع: كتاب الأسئلة 1.2.22، Cary 2008a: 105–110). هناك مشكلة تتعلق بالقضاء والقدر ولكن لا تعادلها، هي المعرفة الإلهية المسبقة (Matthews 2005: 96–104، Wetzel 2001، for general discussion, Zagzebski 1991). يرثها أوغسطين من المناقشة الهلنستية حول الأحداث العارضة المستقبلية والحتمية المنطقية التي تم توثيقها في أفضل صياغة في كتاب شيشرو: القدر  De fato. الحل الذي قدمه هو أنه في حين يمكن تقرير الأفعال الخارجية، فلا يمكن ذلك بالنسبة للمشيئة الداخلية. تلك بالتأكيد معروفة مسبقا لدى الله، وبالضبط كما هي، أي: كنابعة عنَّا، وليس كإكراهات خارجية (مدينة الله 5.9–10، راجع: الإرادة الحرة 3.4–11). هذه حجة مستقلة عن مذهب النعمة الإلهية والخطيئة الأصلية، إنها لا تنطبق على البشرية الساقطة فحسب، ولكن أيضا على آدم وحواء، وحتى على الشيطان الذي كان الله على علم بالطبع بانتهاكاته (مدينة الله 11.17، 14.11).

  1. فلسفة التاريخ والسياسة

إن كتاب “مدينة الله” لـ أوغسطين ليس أطروحة للفلسفة السياسية أو الاجتماعية، إنه التماس موسع مصمم لحثِّ الناس على “الدخول إلى مدينة الله أو المثابرة فيها” (الرسائل 2*.3). معيار المشاركة في مدينة الله (مجاز يستمده أوغسطين من المزامير، راجع المزمور 86: 3 المقتبس على سبيل المثال في مدينة الله 11.1) ومقابلها المدينة الأرضية هو الحب الصحيح أو الخطأ. ينتمي المرء إلى مدينة الله فقط إذا كان يوجه حبه إلى الله حتى على حساب محبته لنفسه، وينتمي إلى المدينة الأرضية أو مدينة الشيطان فقط إذا ما جعل محبة الله تالية لمحبته لنفسه، وبخُيَلاء يجعل نفسه هي الخير الأعظم بالنسبة له (مدينة الله 14.28). الحجة الرئيسية في هذا العمل هي أن السعادة الحقيقية التي يسعى إليها كل إنسان (مدينة الله 1.1) لا يمكن إيجادها خارج مدينة الله التي أسسها المسيح (راجع: مدينة الله 1، التمهيد). تُذكِّرُنا الكتب العشرة الأولى بالكتابات الدفاعية المسيحية التقليدية، وبالمفاهيم البديلة للسعادة في التراث السياسي الروماني (الذي يساوي بين السعادة وازدهار الإمبراطورية، وبالتالي يقع فريسة لشياطين الشر الذين ادَّعوا أنهم المدافعون عن روما، والحقيقة أنهم دمروها أخلاقيا وسياسيا) وفي الفكر اليوناني خاصة الفلسفة الأفلاطونية (التي على الرغم من تأملها في الطبيعة الحقيقية للإله، فشلت في قبول وساطة المسيح المتجسد بدافع الكبرياء، وتحولت إلى وسطاء زائفين، أي: شياطين مخادعة، تحوي الكتب 8 : 10 بحوثا مثيرة للاهتمام في علم الشياطين الأفلاطوني). كان نهج أوغسطين في النصف الثاني الإيجابي إنجيليًّا ويقول بالخلق ووجود الآخرة، هذه الحقيقة تمثل الطابع المحدد لبُعدها التاريخي. يبدأ تاريخ المدينتين مع خلق العالم، وانشقاق الشيطان، وخطيئة آدم وحواء (الكتب 14-11)، ويستمر مع التقلبات الدائرة في كنف العناية الإلهية لشعب إسرائيل (الممثل الأرضي الأول لمدينة الله)، وبعد مجيء المسيح أصبحت مدينة الله هي الكنيسة (الكتب 17-15، أُلحق بها مسح للتاريخ العلماني المتزامن معها من أقدم الإمبراطوريات الشرقية إلى روما المعاصرة في الكتاب 18)، وينتهي بالوجهة النهائية (finis، تُفهم هذه الكلمة أخلاقيا على أنها “هدف نهائي” وأخرويًّا على أنها “نهاية الزمان”) للمدينتين في اللعنة الأبدية، والنعيم الأبدي (الكتب 22–19، لمزيد عن البناء و الأفكار الأساسية لمدينة الله انظر: O’Daly 1999). كان منهج أوغسطين إلى حد كبير تفسيريًّا بالنسبة له، فإن تاريخ مدينة الله في جوهره هو تاريخ مقدس كما هو مذكور في الكتاب المقدس (مرقص 1970: 1-21). من الواضح أنه يجب عدم الخلط بين المدن السماوية والأرضية من جهة، وبين المؤسسات الدنيوية للكنيسة والدولة. في التاريخ كل من الكنيسة والدولة والكنيسة على وجه الخصوص، هو هيئة مختلطة يتعايش فيها أفراد من مدينة الله والمدينة الأرضية وتَميزهم واضح، فقط الله هو من سيفصل بين المدينتين في نهاية الزمن (ib 1.35، 10.32 إلخ). وفي حين أن مدينة الله غريبة أو في أحسن الأحوال هي رحَّال مقيم (peregrinus: ib. 15.1، 15.15) في هذا العالم وتتوق إلى موطنها السماوي، فإن المدينة الأرضية ليست كيانا موحدا على الإطلاق، ولكنها تقع في نزاع مستمر مع نفسها؛ بسبب أن ما يهيمن عليها هو شهوة السلطة أكثرُ الأنماط انتشارا للخطيئة النموذجية للغطرسة في الحياتين السياسية والاجتماعية (ib. 18.2). يتفق كل هذا مع أفكار أوغسطين حول الأقدار والنعمة الإلهية، إن تاريخ المدينتين السماوية والأرضية هو في الأساس تاريخ البشرية الساقطة. ومع ذلك فإن هذه الثنائية مؤهلة عندما يحلل أوغسطين -في الجزء من العمل، الذي يصبح أقرب إلى الفلسفة الاجتماعية- الموقف الذي يجب على المسيحي أن يتبناه تجاه المجتمع الأرضي الذي يعيش فيه حتما أثناء وجوده في هذا العالم. انطلاقا مرة أخرى من بديهية أن جميع البشر يرغبون بشكل طبيعي في ما هو جيد بالنسبة لهم، فهو يحدد على نحو مبتكر الهدف الذي يسعى إليه كل فرد وكل مجتمع بأنه “السلام” (pax)، وهو في رأيه معادل إلى حد كبير للنظام الطبيعي والتبعية. هناك درجات أعلى وأقل من السلام الفردي والجماعي، على سبيل المثال: السيطرة على العواطف بواسطة العقل، وتبعية الجسد للروح، وطاعة الأطفال للآباء في إطار الأسرة، أو نظام هرمي وظيفي في الدولة، في الأعلى “السلام مع الله”، أو تبعية العقل البشري لله (ib. 19.13، Weissenberg 2005). الشكل الأدنى للسلام هو خيرات نسبية في حد ذاتها، تُقصد بشكل شرعي طالما أنه لا يُظن أنها هي الخير المطلق. إن السلام السياسي والنظام مقصدان لأعضاء مدينة الله والمدينة الأرضية على حد سواء، ولكن في حين أن الأخيرة “تتمتع” به لأنه أعظم خير يمكن لهم إحرازه وتصوره، فإن أفراد مدينة الله “يستخدمونه” من أجل بلوغ سلامهم مع الله، أي: لكي يتمتعوا هم والآخرون بحياة دينية مسيحية لا يعوقها شيء (ib. 19.17، 19.26، لمزيد عن فكرتي “التمتع” و “الاستخدام”، انظر فقرة 7.1 السعادة)، وبالتالي فإن السلام السياسي محايد أخلاقيا بقدر ما هو هدف مشترك بين المسيحيين وغير المسيحيين. ينتقد أوغسطين شيشرو لأنه أدرج العدالة في تعريفه للدولة (شيشرو، عن الجمهورية 1.39)، وبالتالي أعطى الدولة الأرضية صفة أخلاقية أصيلة في حين أنها امتياز خاص بمدينة الله (مدينة الله 19.21). هو نفسه يفضل تعريفا أكثر واقعية يجعل الإجماع حول موضوع مشترك هو “الحب” (أي: خير عام، متفق عليه بين جميع أفراد المجتمع) كمعيار للدولة، إن التقييم الأخلاقي ليس مسألة تعريف، بل يعتمد على تقييم الغاية التي يسعى إليها (راجع فقرة 7.3 الحب). لقد كانت الإمبراطورية الرومانية المبكرة التي ناضلت من أجل المجد أكثر تحملا من الإمبراطوريات الشرقية التي كانت مدفوعة بشهوة خالصة للسلطة، إن أفضل هدف يمكن تخيله تم السعي إليه بواسطة مجتمع دنيوي، هو السلام الأرضي المثالي (ib. 19.24، Weithman 2001: 243–4). يُسمح للمسيحيين بل ويُدعَون للعمل من أجل رفاهية المجتمعات التي يعيشون فيها، طالما أنهم يعززون السلام الأرضي من أجل مواطنيهم وسعادتهم الحقيقية، من الناحية العملية سيعني هذا عادة تعزيز الدين المسيحي (ib. 5.25–6، عن الأباطرة المسيحيين: قسطنطين، وثيودوسيوس، الرسائل 155.12، 16، Dodaro 2004b، Tornau 2013). لكن مذهب المدينتين يستبعد عمدا أي ترقية للإمبراطور أو الإمبراطورية إلى مرتبة العناية الإلهية أو شبه المقدسة. ولن يتمكن حتى المسيحيون في السلطة من التغلب على البؤس المتأصل للبشرية الساقطة (مدينة الله 19.6). ومثل الغالبية العظمى من اللاهوتيين المسيحيين القدماء لم يكن لدى أوغسطين أدنى اهتمام بالإصلاح الاجتماعي. إن العبودية التي تعني الهيمنة غير الطبيعية للبشر على البشر، هي وصمة مميزة لحياة الإنسان ما بعد السقوط، وفي الوقت نفسه هي شر يستخدم لما هو خير عندما يؤمن النظام الاجتماعي (ib. 19.15، Rist 1994: 236-239). وتنشأ الحرب عن الخطيئة، وهي الوسيلة المميزة لإشباع شهوة السلطة (ib. 18.2، 19.7). ومع ذلك كتب أوغسطين رسالة لدحض الادعاء بأن المسيحية أيدت مسالمة غير قابلة للتطبيق من الناحية السياسية (الرسائل 138). ينبغي قراءة تفسيره المسيحي لنظرية الحرب العادلة الرومانية التقليدية في إطار نظريته العامة في الفضيلة والسلام (هولمز 1999). لكي تكون الحرب عادلة حقا وفقا لمعايير أوغسطين ، يجب شن حرب لصالح العدو وبدون أي نزعة للانتقام، باختصار بدافع حب الجار الذي يبدو في العالم الساقط طوباويا (الرسائل 14.138). قد تكون الحروب عادلة نسبيا إذا كانت دفاعية وتم الإعلان عنها بشكل صحيح (راجع: شيشرو، في الالتزامات1. 37-36) أو بقيادة سلطة عادلة، حتى بأقل من الحالة الخاصة لحروب شعب إسرائيل التي كان يقودها الرب نفسه (الرد على فاوستوس المانوي 74.22-78).

 

  1. النوع، والمرأة، والجنسانية

إن كراهية النساء الصريحة نادرة عند أوغسطين ، لكنه عاش وعمل في مجتمع ذي  تقاليد -يونانية رومانية، ويهودية مسيحية معا- والذي اعتبر تبعية النساء الطبيعية والاجتماعية للرجال أمرا مسلما به (راجع: Børresen 2013: 135 ومن أجل صورة للوقائع الاجتماعية والعائلية لأفريقيا الرومانية المتأخرة: Rist 1994: 210–213، 246–247). يفسر أوغسطين حكاية سفر التكوين عن خلق المرأة (سفر التكوين 2: 18-22) بأنها تعني أن حواء خُلقت لتكون معينا لآدم ومن أجل التكاثر، وأنها كانت تابعة له بالفعل في الجنة (التفسير الحرفي لسفر التكوين 6.5.7، 9.5.9). وقد تفاقم هذا الوضع بسبب السقوط، في ظل ظروف سقوط البشرية يكون الزواج بالنسبة للزوجات نوعا من العبودية التي يجب عليهن أن يقبلنها بالطاعة والخضوع (كما فعلت مونيكا، راجع الاعترافات 9.19-2020، وعن الزواج عند أوغسطين بشكل عام ارجع: E. Clark 1996 ). في تفسيره المبكر  لسفر التكوين المناهض للمانوية عبَّر عن الرجل مجازا باعتباره الجانب العقلاني، والمرأة باعتبارها الجوانب غير العقلانية والاشتهائية من الروح (سفر التكوين ضد المانوية 2.15، راجع: الدين الحقيقي 78، والتفسير الحرفي لسفر التكوين 8.23.44 والمثال موثق بشكل جيد في التراث الفلسفي). من ناحية أخرى فإنه يُصرُّ -كما فعل بعض اللاهوتيين المسيحيين حتى ذلك الحين- على أن معنى حكاية سفر التكوين لم يكن مجازيا بحتا، ولكن التمايز الجنسي بدأ وجوده في الجنة وسيستمر في أجساد من سيُبعثون من المباركين، لأنه كان جزءا طبيعيا في الخلق الإلهي (مدينة الله 22.17). متبعا القناعة الفلسفية اليونانية (الأفلاطونية على وجه الخصوص) بأن الروح ولا سيما جانبها العلوي العقلاني لا تنتمي إلى نوع، مثلما ورد في وعد بولس الأخروي من أنه في المسيح “ليس ثَم ذكر ولا أنثى” (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 3:28)، يبرهن أوغسطين على أن كلمات سفر تكوين 1: 26–27 عن خلق الإنسان على صورة الله تتضمن أن المرأة هي بشر مثل الرجل، لأنها تمتلك روحا عقلانية، والروح العقلانية وليس الجسد الحامل للنوع هي ما يجعل الإنسان على صورة الله (التفسير الحرفي لسفر التكوين 3.22.34، Børresen 2013: 136-137 ، راجع أيضا فقرة 6.2 العقل البشري كصورة لله، إن وجهة النظر القائلة بأن المرأة مخلوقة على صورة الله بعيدة عن إثارة الجدل في المسيحية القديمة). إن التوتر الداخلي في الرأي القائل بأن المرأة متساوية عقليا وفي الوقت نفسه أدنى بطبيعتها الاجتماعية من الرجل، نجده محسوسا في تفسير أوغسطين لقول بولس بأنه يجب على النساء وليس الرجال أن يرتدين الحجاب؛ لأن الرجل مخلوق على صورة الله (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 11: 7). يقارن أوغسطين الرجل بالعقل النظري، والمرأة (“المعين” في سفر التكوين 2:18) بالعقل العملي، ويرى أنه في حين أن العقل النظري والعملي معا أو العقل في مجمله هو صورة الله، تماما كما هو الإنسان في ذاته بفضل عقله هو صورة الله، فإن العقل العملي وحده كونه موجها نحو الأمور الجسدية ومجرد “معين” للعقل النظري فليس كذلك. (ضمنًا المرأة هي صورة الله لكونها إنسان، لكنها ليس لكونها امرأة)، والممارسة التي أمر بها بولس تهدف إلى إبراز هذا الاختلاف (عن الثالوث 12.10–13). يحمي هذا التفسير  كون المرأة على صورة الله ضد إجماع آباء الكنيسة واسع النطاق، ويبدو أنه ضد بولس نفسه، لكنه في الوقت نفسه يدافع عن التباين الاجتماعي، بل ويمنحه أهمية ميتافيزيقية ودينية (Stark 2007a).

تظهر امرأتان بشكل بارز في الإنتاج الأدبي لـ أوغسطين (Power 1995; G. Clark 2015): والدته مونيكا (يظهر اسمها فقط في الاعترافات 9.37)، وأم أديوداتوس خليلته لمدة أربعة عشر عاما. في محاورات كاسيسياكوم تمثل مونيكا أسلوب الحياة الفلسفية القائمة على الحدس الطبيعي للعقل، وعلى إيمان مسيحي لا يتزعزع، مع العيش وفقا لتعاليم الأخلاق المسيحية (الحياة السعيدة 10، في النظام 1.31–32)، هي وخليلته غير المتعلمة، ولكن المؤمنتان بشكل عام قد لا تكونان قادرتين على الوصول إلى السعادة في هذه الحياة عن طريق الصعود إلى الألوهية بمساعدة العلوم الليبرالية، لكنهما بالتأكيد ستريان الله “وجها لوجه” في  النعيم الأبدي (في النظام 2.45–46). وراء هذه المعالجة المثالية قد تكون الرغبة التي يحن بها الفيلسوف المسيحي الذَّكَر إلى القداسة “الطبيعية” غير الملوثة بالعمل والتعلم العلمانيَّيْن (براون 1988: الفصل 13، عن اللاهوتيين والأساقفة اليونانيين في القرن الرابع). أثار بروز مونيكا وتصويرها المثالي في “الاعترافات” الكثير من التخمينات النفسية، معظمها عقيم. يعرض أوغسطين لتأثيرها على حياته الدينية الذي امتد منذ سنواته الأولى وما بعدها، ويقارنها بالكنيسة الأم (الاعترافات 1.17). إنها تجسد الحب المسيحي المثالي للجار (انظر فقرة 7.3 الحب) من حيث إنها عززت إيمان أوغسطين الكاثوليكي بكل ما لديها من وسائل (في الغالب بالدموع والصلاة) ولا تتساهل معه أبدا عند اعتناقه المانوية، على الرغم من عاطفتها الأمومية (على سبيل المثال: الاعترافات 3.19). إضافة إلى ذلك فإن لديها خاصة في كتبه الأولى دوافع أكثر دنيوية، على سبيل المثال: عندما ترتب زواجا لـ أوغسطين على أمل تسييج شهوته الجنسية ومساعدته في حياته المهنية الدنيوية (ib. 6.23). ومثل تأثيرات أناس آخرين على أوغسطين والمذكورة في الاعترافات، يجعلها الله سببا لنعمه عليه بطريقة لم تتوقعها ولا قصدتها. فقط بعد تحول أوغسطين ترتقي إلى كمال القداسة، خاصة فيما يخص “رؤيا أوستيا” عندما توصلا قبل وفاتها بفترة وجيزة وبعد محاورة لاهوتية -فلسفية طويلة، الأم والابن- إلى رؤية مفاجئة لما يجب أن يكون عليه شكل التأمل في الإله المتعالي في النعيم الأبدي (ib. 9.24–25). كان الفصل الخاص بالانصراف عن والدة أديوداتوس من أجل زواج ملائم (ib. 6.25، Shanzer 2002، Miles 2007) غير مستساغ لكثير من القراء المعاصرين. غير أن الأمر غير المعتاد في ذلك ليس سلوك أوغسطين ، ولكن حقيقة أن يذكره أصلا وبإدراك متأخر، مفكرا في الألم الذي سببه له هذا الأمر. ووفقا للأسلوب المتعمد وغير المتوقع والاستفزازي غالبا في الاعترافات، فإنه يختص أمرا عاطفيا يمكن لمعظم الناس أن تتفهمه حينها مثلما هو الآن بسهولة، لكنه مع ذلك يفسره على أنه علامة على حالته الخاطئة، لأنها نتجت عن فقدان الجسد الأنثوي الذي امتلكه، في نوع من الاستغلال الجنسي المتبادل، تمتعت به فقط من أجل المتعة (الاعترافات 4.2، للمزيد عن وجهة النظر المعيبة الأساسية، الشائعة في العصور الوسطى، عن العلاقات الجنسية، راجع: Rist 1994: 249) بدلا عن “إمتاع” جارته الأنثى “في الإله”، وربط حبهما المتبادل به (راجع فقرة 7.1 السعادة، قارن بين حزن أوغسطين المفرط على صديق شبابه في الاعترافات 4.9 – 11، وحداده بعد التحول على مونيكا، ib.9.30 – 33 ).

إن آراء أوغسطين في الجنس هي الأبرز في أطروحاته المعادية للبلاجية، حيث طور نظرية حول انتقال الخطيئة الأصلية من الزوجين الأولين في الجنة إلى كل إنسان يولد منذ ذلك الحين، مما يجعل الشهوة الجنسية هي العامل الرئيسي في العملية (راجع: E. Clark 1996 and 2000 الذي يأخذ أيضا في الاعتبار ماضي أوغسطين المانوي). في مذهب أوغسطين الأخلاقي ليس للشهوة الجنسية (concupiscentia) معنىً جنسيا محددًا، ولكنه مصطلح شامل يغطي كل المشيئات أو النوايا المخالفة للحب الصحيح (انظر Nisula 2012). إن خطيئة آدم وحواء لم تتألف من تواطؤ جنسي بل من عصيانهما الذي كان مثل الخطيئة الأولية للشيطان، متجذرة في الكبرياء (انظر فقرة 7.5 الإرادة والشر). بسبب هذا العصيان عوقبا هما وجميع البشر معهما بعصيان أنفسهم، أي: استحالة السيطرة الكاملة على شهيتهم، وإرادتهم، وحالة الضعف الدائمة (“اشتهاء الجسد ضد الروح”، على حد ما ورد في الرسالة إلى أهل غلاطية 5:17) التي تشير إلى البشرية الساقطة. إن عجز البشر عن التحكم في رغباتهم الجنسية، وحتى أعضائهم الجنسية (شاهد التجارب المخزية للانتصاب اللاإرادي لدى الذكور، أو العجز الجنسي: مدينة الله 14.15–16) هو مثال واضح بشكل خاص. وبخلاف معظم الكتاب المسيحيين الأوائل، اعتقد أوغسطين أنه كان هناك اتصال جنسي في الفردوس، وأنه كان يمكن أن يحدث إنجاب حتى بدون السقوط، لكنه لم يشارك الأفكار الخاصة بإنكار الذات لبعض دوائر الزهاد، الذين كانوا يأملون في إصلاح الخطيئة الأولى من خلال الامتناع عن ممارسة الجنس، وكان لديه آراء معتدلة نسبيا حول العذرية والعفة (العذرية المقدسة De sancta virginitate ، 2013: 138  Børresen 2013: 138، Brown 1988: ch. 19). لكنه اعتقد أن آدم وحواء كانا قادرين على التحكم في أعضائهما الجنسية إراديا، للحد من استخدامها للغرض الطبيعي وهو الإنجاب. في الجنة كانت هناك فاعلية جنسية، ولكن لم توجد شهوة (مدينة الله 14.21–23). دمرت الخطيئة الأصلية هذه الحالة المثالية، ومنذ ذلك الحين أصبحت الشهوة الجنسية ملازمة لعملية الإنجاب -شر يمكن استخدامه بشكل صالح في الزواج الشرعي، حيث يكون الغرض من الجماع هو إنجاب الأطفال، وليس مجرد المتعة الجسدية (عن الزواج والشهوة الجنسية De nuptiis et concupiscentia 1.16، في الرد على لوليانوم 3.15–16)، ومع ذلك فإن هذا يُخضع لسيطرة الشيطان كل إنسان حديث الولادة، فيحتاج إلى التحرر منه بواسطة التعميد (في الزواج والشهوة الجنسية 1.25–26، للنقد القوي لآراء أوغسطين حول الشهوة الجنسية من بين مواضيع أخرى، بسبب تأثيرها على الأخلاق الجنسية للمسيحية الحديثة، انظر  Pagels 1989, for moderate defense Lamberigts 2000).

 

  1. الخلق والزمن

بالضبط كما طور أفلاطونيو أواخر العصور الوسطى تفكيرهم الكوني من خلال تعليقاتهم على محاورة طيماوس لأفلاطون، فإن فلسفة أوغسطين الطبيعية إلى حد كبير هي نظرية في الخلق، تقوم على أساس من تفسير الفصول الافتتاحية لسفر التكوين، والتي كتب عنها خمسة تعليقات موسعة ومتشعبة أحيانا (سفر التكوين ضد المانوية، التفسير الحرفي لسفر التكوين، كتاب غير مكتمل، الاعترافات 11–13، التفسير الحرفي لسفر التكوين، مدينة الله 11-14). أطولها وأكثرها أهمية هو التفسير الحرفي لسفر التكوين (De Genesi ad litteram). وكلمة “حرفي” لا تعني “حرفيا” ولكنها تدل على الافتراض التأويلي بأن النص يتعلق فعلا بخلق العالم (على عكس القراءة المجازية الأخلاقية أو النبوية، من النوع المقترح في عمل أوغسطين المبكر سفر التكوين ضد المانوية، والمنهجان متوافقان لأن أوغسطين يؤمن مثل أوريجانوس Origen والمفسر اليهودي فيلون Philo قبله، بوجود طبقات متعددة للمعنى في الكتاب المقدس، انظر: التفسير الحرفي لسفر التكوين 1.1.1، وبشكل عام: في العقيدة المسيحية، الكتاب الثالث). تماشيا مع مذهبه المعرفي في التنوير، ونظريته في العلامات اللفظية، ينظر أوغسطين إلى حكاية الخلق في الإنجيل على أنها “تحذير” يحثه بمساعدة “المعلم الداخلي” على ابتكار علم كونيات إيماني عقلاني يقوم على اللاهوت الثالوثي ( لمزيد معرفة برفض التفسيرات التي تتعارض مع نتائج الفلاسفة الطبيعيين، أو قوانين الطبيعة، راجع على سبيل المثال: التفسير الحرفي لسفر التكوين 2.9.21). في التفسير الحرفي لسفر التكوين، وفي الاعترافات، وبدرجة أقل في مدينة الله، يقدم أوغسطين تفسيره بأسلوب استفهامي، ويُبقي على النتائج مفتوحة للمراجعة. والسبب أنه وفقا للتأويلات التي تم تطويرها خاصة في الكتاب الثاني عشر للاعترافات، النية التأليفية للنص الإنجيلي أو بالفعل لأي نص لا يمكن تغييرها -بالنظر إلى أن صدق الكتاب المقدس يمكن اعتباره أمرا مسلما به- لذلك يجب اعتبار القراءات المختلفة وحتى غير المتوافقة مقبولةً إذا اتفقت مع ما يقوله النص، وإذا تمت الموافقة عليها بمقارنتها بالحقيقة التي نصل إليها داخليا من خلال العقل والتي تكون في نهاية الأمر هي الله نفسه (انظر على وجه الخصوص: الاعترافات 12.27، 43، في العقيدة المسيحية 3.38، حيث يدعي أوغسطين أن الروح القدس سمحت له بفضل العناية الإلهية، بكثير من المعاني الإنجيلية، من أجل حث أشخاص مختلفين إلى جوانب مختلفة من الحقيقة، Williams 2001، van Riel 2007، Dutton 2014: 175–179، وعلى الأسس المعرفية لهذه التأويلات، Cary 2008b: 135–138). والسمات الأساسية والمتكررة للفكر الكوني عند أوغسطين هي: (راجع Knuuttila 2001: 103–109; Mayer 1996–2002,، لكل منها مراجع) أن الله لا يخلق في الزمن، وإنما يخلق معاً الزمن والكائن المتغير أثناء بقائه في الأبد اللازمني (الاعترافات 11.16، التفسير الحرفي لسفر التكوين 5.5.12، إن التمييز بين السرمدية والزمن مسألة أفلاطونية، راجع: محاورة طيماوس 37c-38b، التاسوعات III.7.1 لأفلوطين). يحدث الخلق على الفور ولا يجب أن تؤخذ الأيام السبعة للخلق حرفيا، ولكنها وسيلة تعليمية لتوضيح النظام الجوهري للواقع (الاعترافات 12.40، التفسير الحرفي لسفر التكوين 1.15.29). مثل ما كان مثال الخالق للعالم المادي في محاورة طيماوس، يخلقُ الله من الخير أي من إرادته الحسنة وحبه غير المفسر لخلقه (مدينة الله 11.24). في عملية الخلق كل أفراد الثالوث الثلاثة نشيطون، مع اعتبار الآب للوجود، الابن (بحسب قراءة أوغسطين ، هو الكلمات الافتتاحية لسفر التكوين، من حيث المبدأ، يشير) إلى الشكل، أو الجوهر، والروح القدس، من أجل صلاح ونظام كل مخلوق (الاعترافات 11.11، مدينة الله 11.24). بما أن سببية الثالوث تُظهر نفسها في كل جوانب الخلق، يحب أوغسطين أن يصف الكائنات المخلوقة في علاقتها بالعلة الإلهية بطريقة ثلاثية باستخدام على سبيل المثال: فئات “التقدير” و”الشكل” و”السلام / النظام” (على سبيل المثال: الدين الحقيقي 13، طبيعة الخير 3، مدينة الله 12.5، قارن: Schäfer 2000، ومن أجل مناقشة دقيقة، du Roy 1966). لا يجب الخلط بين “آثار” الثالوث في الخلق وبين البنية الثالوثية للعقل البشري الذي هو وحده من بين جميع الكائنات المخلوقة صورة الله. لا يولد الكائن القابل للتغيير من الله (الذي وفقا لعقيدة نيقية ينطبق فقط على الابن) وإنما يُخلق من عدم، وهي حقيقة تفسر إلى حد ما قابليته للتأثر بالشر. بتعبير أدق يخلق الله “أولا”: مادة بلا شكل من عدم (وهذا هو السبب في أن المادة عند أوغسطين على عكس الأمر عند الأفلاطونيين المحدثين، لها حال وجودي ضئيل، راجع: الاعترافات 12.6، Tornau 2014: 189–194)، “ثم” شكَّلها بأن نقل إليها المبادئ العقلانية (الوحدات العقلية ratines) التي تظل موجودة إلى الأبد في عقله (كتاب الأسئلة 46.2) أو كما بتعبير أوغسطين المفضل في كلمته، أي: الشخص الثاني من الثالوث. هذه العملية التكوينية هي تفسير أوغسطين لـ “كلمة” الكتاب المقدس (سفر التكوين 1: 1 ويوحنا 1: 1). الكائنات غير المادية، والعقلية المحض، أي: الملائكة، مخلوقة من مادة عقلية يتم خلقها من عدم، وتكون إلى الخالق، بحيث يتم تشكيلها بفعل “سماع” كلمة الله، أي: بتأملها للأشكال الحالَّة في الله (التفسير الحرفي لسفر التكوين  1.4.9-1.5.11، وهي فكرة مستوحاة من نمط الأفلاطونية المحدثة المستديم، الانبثاق والعودة). يتم خلق الجسد المادي عندما تصبح الأشكال أو المبادئ العقلانية في الإله والتي يتم  تأملها بواسطة الملائكة، أكثر تجليا لتعلم بها لا المادة العقلية فقط ولكن أيضا المادة الفيزيائية (التفسير الحرفي لسفر التكوين  2.8.16، 4.22.39)

كل هذا هو إطار تأمل أوغسطين الشهير حول الزمن في الاعترافات (11.17–41)، الذي يعد سياقه تفسيرا لسفر التكوين، والذي يفترض باستمرار التمييز بين الزمن والأبدية (تمت كتابة الكثير على هذا النص، ولكن المعالجات المضيئة بشكل خاص هي: Flasch 1993، Mesch 1998: 295–343، Matthews 2005: 76–85، Helm 2014، Hoffmann 2017). يفتتح أوغسطين القسم بسؤال “ما هو الزمن؟” (الاعترافات 11.17) غير أنه في الواقع لا نية لديه لتقديم تعريف للزمن. وفي حين أن أعماله الأخرى غير “الاعترافات” تركز على الزمن الكوني أو المادي، فإنه يهتم هنا بخبرتنا مع الزمن من منظور المتكلم، وما الذي يعنيه لنا ولعلاقتنا بأنفسنا وبالله أن نعيش في نطاق زمني، بهذا المعنى فإن الغرض من الكتاب أخلاقي وليس كونيا. يستهل أوغسطين بملاحظة أنه على الرغم من “الأجزاء” الثلاثة المألوفة للزمن: الماضي، والحاضر، والمستقبل، لا توجد حقا (الماضي قد توقف عن الوجود، المستقبل غير موجود بعد، والحاضر لا امتداد له)، فإن الزمن واقع بالنسبة لنا. وهكذا هو الأمر؛ لأن الزمن حاضر بالنسبة لنا في شكل ذاكرتنا الحالية عن الماضي، واهتمامنا الحالي بالحاضر، وتوقعاتنا الحالية للمستقبل (ib 11.26). والدليل الظاهراتي لهذا الادعاء هو تجربة قياس الزمن بواسطة مقارنة الأجزاء الزمنية التي يتم تذكرها أو المتوقعة مع بعضها البعض، أو بتكرار قصيدة نحفظها عن ظهر قلب، عندما تجتاز الكلمات ونحن ماضون في تلاوة القصيدة انتباهنا (الحاضر)، تمر من التوقع (المستقبل) إلى الذاكرة (الماضي، ib 11.38)، وبذلك لن نتمكن من ربط الأحداث الماضية، والحالية، والمستقبلية، لنتذكر تاريخ حياتنا الشخصي، أو أن نكون مدركين لهويتنا الشخصية إذا لم يتم تقسيم وجودنا في الزمن إلى الذاكرة، والانتباه، والتوقع، وفي الوقت نفسه فإن الزمن موحد بترابطيته، والحضور المتزامن لأجزائه. يطلق أوغسطين على هذه الحالة المتناقضة “تمدد الروح” (ib. 11.33، 38–39، ربما مرددا صدى أفلوطين في التاسوعاتIII.7.11.41)، كان هذا هو أقرب الاعترافات 11 إلى تعريف الزمن. إن استقرار هذه الوحدة المتزعزعة على أية حال يعتمد على الوحدة العليا للإله الأبدي كما يعلمنا مجمل سرد الاعترافات، لا يمكننا أن نفهم تذكرنا لحياتنا إلا إذا أدركنا الوجود المستمر لرعاية الله ونعمته فيه. في نهاية الكتاب يقدم أوغسطين عبارة بولس “وأمتد إلى ما قُدَّام” (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 3: 12-14) -كما يقرأها توجه أو “نية” الروح نحو الله- كمصاحب لامتداد الروح في الزمن، ويختتم بعظة للتحول من تشتت الوجود الزمني إلى أبدية الله الخالدة التي تضمن وحدها الحقيقة والاستقرار (ib.11.39–41).

 

  1. الإرث

إن تأثير أوغسطين على الفلسفة اللاحقة كان هائلا بقدر ما كان متناقضا (للحصول على نظرة عامة، انظر Fuhrer 2018a: 1742-1750، لجميع الأسئلة التفصيلية، Pollmann (ed.) 2013، عن كتاب عن الثالوث: Kany 2007). رغم أنه سرعان ما تم قبوله كسلطة لاهوتية وكان الإجماع عليه يعتبر معيارا للأرثوذكسية طوال العصور الوسطى وما بعدها، واستمرت وجهات نظره -أو بشكل أكثر دقة، الطريقة الصحيحة في تفسيرها- في إثارة الخلافات. ففي القرن التاسع ذهب الراهب جوتشالك إلى أن عقيدة أوغسطين في النعمة الإلهية تتضمن قَدَرًا مزدوجا (وهو مصطلح صاغه) وعارضه جون سكوتس إريوجينا. وانصب اهتمام الخطاب الفلسفي للفلسفة المدرسية المبكرة (القرنان الحادي عشر والثاني عشر) بشكل كبير على الموضوعات الأوغسطينية. دليل أنسيلم على وجود الله يطور حجة كتاب “الإرادة الحرة” الكتاب الثاني، وتستند نقاشات علماء الأخلاق حول الإرادة والضمير إلى افتراضات أوغسطين حول نظرية القصدية الأخلاقية، ويمكن قراءة وجهة نظر أبيلارد القائلة بأن الأخلاق عالمية وقابلة للتطبيق على كل من العاملين البشري والإلهي، كاستجابة لمشكلات نظرية أوغسطين في الاصطفاء الإلهي. مع تزايد تأثير أرسطو من القرن الثالث عشر فصاعدا، تم تفسير أوغسطين بحسب المصطلحات الأرسطية التي لم تكن معروفة له إلى حد كبير. ولم يكن لدى توماس الأكويني وآخرون كبير اهتمام بأفلاطونية أوغسطين ، وكان هناك توتر واضح بين ميل القرون الوسطى إلى البحث عن نظام فلسفي ولاهوتي قابل للتعليم في نصوصه، وفي طريقته الخاصة بالاستفسار الفلسفي الذي شكله التراث القديم، وترك مساحة للحجة المؤقتة وكان مفتوحا للمراجعة. عرض المذهب الأوغسطيني في السياسة في العصور الوسطى صراع المدينتين على الكنيسة والدولة. اتفق مارتن لوثر (1483-1546) مع أوغسطين على أن النعمة الإلهية هبة مجانية، ولكنه لا يتبع النموذج الأوغسطيني (والمدرسي) للإيمان العقلي intellectus fidei ويجعل الإيمان بالإنجيل شرطا حاسما للخلاص. في مناظرته مع إيراسموس حول الإرادة الحرة، عبَّر عن تشاؤم أوغسطيني بشأن حرية الإنسان. تقبل مجموعة متنوعة من المذهب البروتستانتي التي افتتحها جان كالفن (1509-1564) القدر المزدوج. وفي القرن السابع عشر سرعان ما تم الاعتراف بـكوجيتو ديكارت كفكرة أوغسطينية، وأثار اهتماما متجددا بنظرية أوغسطين في المعرفة. في نفس الحقبة طرحت الحركة الجانسينية Jansenist تفسيرا راديكاليا للاهوت أوغسطين حول النعمة الإلهية، وشرحا تفسيريا قاومته الكنيسة الكاثوليكية بشدة. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أظهر زعماء فلاسفة التنوير، والمثالية الألمانية، والحركة الرومانسية، القليل من الاهتمام بـ أوغسطين ، وحتى أن نيتشه أبدى ازدراءً صريحا، لكنه بقي رغم ذلك شخصية مهمة في الفلسفة المدرسية الجديدة Neoscholasticism أو المدرسة التوماوية الجديدة Neothomism، والتي جاءت كرد فعل فلسفي للفلاسفة الكاثوليك ضد التنوير والمثالية، والتي استمرت في تزويد المعرفة اللاهوتية الكاثوليكية بأفكار أوغسطين حتى خمسينيات القرن العشرين وما بعدها. وفي القرن العشرين حظيت فلسفة أوغسطين للزمن (الاعترافات 11) باهتمام فلسفي هائل وغير مسبوق من مفكرين مثل إدموند هوسرل (1859-1938)، ومارتن هايدجر (1889-1976)، وبول ريكور (1913-2005)، وقد نسب بعضهم الفضل إلى أوغسطين في فهمهم الذاتي للزمن. وكتبت هانا أرندت (1906-1975) أطروحة الدكتوراه الخاصة بها عن فلسفة أوغسطين في الحب، ووجهت إليه لومًا ليس غريبا في عصرها، لجعله حب الجار مجرد أداة للسعادة الشخصية. ويعترض لودفيج فيتجنشتين (1889–1951) على ما يعتبره وجهة نظر أوغسطين في اللغة واكتساب اللغة، في غضون تحليله للغة في التحقيقات الفلسفية. ووضع مفكرو ما بعد الحداثة (جان لوك ماريون، جون ميلبانك) فكرة أوغسطين عن النفس التي يُنظر فيها إلى الحب كجزء تكاملي ضد حب الذات المزعوم، وعزل الذات الديكارتية والتي تعتبر السمة المميزة مثلما كانت العيب الخَلقي في الحداثة. ومثل أسلافهم في العصور الوسطى، فإن ما أخذته الحداثة وما بعد الحداثة من أوغسطين انتقائي ومشروط حتما بالاهتمامات المعاصرة، مما أدى أحيانا إلى قراءات علمانية. ولا تتعاطف الثقافة الغربية المعاصرة مع توق أوغسطين إلى نور إلهي داخلي، أو تجاه آرائه الأقل تفاؤلا حول حكم الإنسان لذاته وحول العلمانية. ومع ذلك لا يزال ثراء فكره يذهل القراء.

 


قائمة المراجع

الطبعات

Today critical editions of most of Augustine’s works are available. Almost all the books, the complete letters and a considerable portion of the sermons have been edited in the series

[CSELCorpus Scriptorum Ecclesiasticorum Latinorum (Wien: Holder, Pichler, Tempsky, latest volumes Berlin: De Gruyter) and

[CCLCorpus Christianorum Series Latina (Turnhout: Brepols). New critical editions are continually being prepared and older ones replaced.

The Patrologia Latina edition [PL] (Jacques-Paul Migne (ed.), Paris 1877), which used to be the standard edition, is a reprint of the edition of the Benedictines of St.-Maur in Paris from the seventeenth century and naturally does not meet modern critical standards; it remains necessary only for about a third of the sermons for which modern editions are still lacking.

For a full list of Augustine’s works and the standard critical editions see

Augustinus-Lexikon 4 (2012–2018), pp. XI–XXXIV (available online); Fitzgerald (ed.) 1999, xxxv–il.

A complete work list is also found in Fuhrer 2018a: 1680–1687.

 

الترجمات

تمت ترجمة معظم أعمال أوغسطين الشهيرة: (الاعترافات ومدينة الله) إلى لغات حديثة عدة،  أما بالنسبة لكثير من أعماله الأخرى، فليس لها غير ترجمات قديمة، أو ليس لها ترجمة على الإطلاق. ويوفر موقع Zentrum für Augustinusforschung, Würzburg قائمة (قديمة غالبا) للترجمات المتاحة على الشبكة.

English

English translations of Augustine’s works down to 1999 are listed in Fitzgerald (ed.) 1999, xxxv–xlii. A nearly complete modern translation is:

[WSAThe Works of Saint Augustine. A Translation for the 21st Century, 46 vols., John E. Rotelle et al. (eds.), New York: New City Press, 1991–2019. Reliable and modern, but almost without annotation.

Two older series of Patristic writers in translation include selected works of Augustine:

[FCThe Fathers of the Church, Ludwig Schopp et al. (eds.), New York: Cima Publishing, 1947ff.

[ACWAncient Christian Writers. The Works of the Fathers in Translation, Johannes Quasten et al. (eds.), New York: Newman Press 1946ff.

French

The last complete translations of Augustine into French date from the nineteenth century. The—still incomplete—standard translation series is:

[BABibliothèque Augustinienne. Œuvres de saint Augustin, Paris: Études Augustiniennes 1936ff. Bilingual editions with rich annotation that often comes close to a commentary. Especially important are the volumes on

Confessiones (BA 13–14, edited by Aimé Solignac et al., 1962),

De civitate dei (BA 33–37, edited by Guillaume Bardy and Guillaume Combès, 1959–1960),

De Genesi ad litteram (BA 48–49, edited by Paul Agaësse and Aimé Solignac, 1972) and

Letters 1–30 (BA 40/A, edited by Serge Lancel, Emmanuel Bermon et al., 2011).

German

No complete translation of Augustine’s work into German exists. Useful older translations are available in the series Bibliothek der Kirchenväter (BKV; 1st series: 8 vols., München: Kösel 1871–1879; 2nd series: 12 vols., München: Kösel 1911–1936). An annotated bilingual edition of Augustine’s Opera omnia was begun in 2002:

[AOWAugustinus: Opera—Werke, Wilhelm Geerlings, Johannes Brachtendorf, and Volker Henning Drecoll (eds.), Paderborn: Schöningh, 2002ff. 82 volumes planned, 13 completed.

A bilingual edition of the anti-Pelagian treatises with full annotation is:

Kopp, Sebastian, Thomas Gerhard Ring, and Adolar Zumkeller (eds.), 1955–1997, Sankt Augustinus—Der Lehrer der Gnade. Gesamtausgabe seiner antipelagianischen Schriften, 8 vols. (6 completed), Würzburg: Augustinus-Verlag.

Italian

[NBANuova Biblioteca Agostiniana. Opere di Sant’Agostino. Edizione latino-italiana, 44 vols., Agostino Trapé et al. (eds.), Roma: Città Nuova Editrice, 1965–2010. Complete.

 

التعليقات

Except for the Confessiones and the Cassiciacum dialogues, detailed commentaries on Augustine’s writings are rare, especially in English. Here is a selection:

O’Donnell; James J., 1992, Augustine: Confessions, 3 vols., Oxford: Oxford University Press. Introduction, text and commentary. [O’Donnell 1992 available online]

Simonetti, Manlio et al. (eds.), 1992–1997, Sant’Agostino. Confessioni. 5 vols., Milano: Mondadori. Critically revised text, translation and commentary.

Flasch, Kurt, 1993, Was ist Zeit? Augustinus von Hippo. Das XI. Buch der Confessiones, Frankfurt/Main: Klostermann (2nd edition 2004).

Fuhrer, Therese, 1997, Augustin, Contra Academicos (vel De Academicis), Bücher 2 und 3, Einleitung und Kommentar, Berlin/New York: De Gruyter.

Watson, Gerard, 1990, Saint Augustine. Soliloquies and Immortality of the Soul, with an Introduction, translation and Commentary, Warminster: Aris & Phillips.

Bermon, Emmanuel, 2007, La signification et l’enseignement. Texte latin, traduction française et commentaire du ‘De magistro’ de Saint Augustin, Paris: Vrin.

 

مراجع

Augustinus-Lexikon, edited by Cornelius Mayer et al., Basel: Schwabe, 1986ff. Four volumes out of five completed (down to “Sacrificium”). Articles in English, French and German, lemmata in Latin. Also available online (license required).

Corpus Augustinianum Gissense, a Cornelio Mayer editum 3.0 (CAG-online), Basel: Schwabe. Searchable database of Augustine’s complete works in Latin, based on the most recent editions (including quotation search), and bibliographical database with over 50,000 titles. License required. Free access to the bibliographical database at the “Literatur-Portal” of Zentrum für Augustinusforschung, Würzburg (available online).

Drecoll, Volker Henning (ed.), 2007, Augustin Handbuch, Tübingen: Mohr Siebeck.

Fitzgerald, Allan D. (ed.), 1999, Augustine through the Ages. An Encyclopedia, Grand Rapids, MI: Eerdmans 1999. Encyclopedia in one volume, translated into

French: Saint Augustin. La Méditerranée et l’Europe, IVe–XXIe siècle, Paris: Édition du Cerf, 2005

Italian: Agostino. Dizionario enciclopedico, Roma: Città Nuova Editrice, 2007.

Fuhrer, Therese, 2018a, “§ 144. Augustinus von Hippo”, in Christoph Riedweg, Christoph Horn, and Dietmar Wyrwa (eds.), Die Philosophie der Antike 5.2: Philosophie der Kaiserzeit und der Spätantike, Basel: Schwabe, pp. 1672–1750. With full bibliography down to 2018 (ib. pp. 1828–1853).

Pollmann, Karla (ed.), 2013, The Oxford Guide to the Historical Reception of Augustine, 3 vols., Oxford: Oxford University Press.

 

مقدمات وكتب عامة

Brown, Peter, 2000, Augustine of Hippo. A Biography. A New Edition with an Epilogue, second edition, London: Faber & Faber (first edition 1967). Translated into

German: Augustinus von Hippo. Eine Biographie, Frankfurt: Societäts-Verlag, 1973, second edition 2000.

French: La vie de saint Augustin, Paris: Éditions du Seuil, 1971.

Catapano, Giovanni, 2010a, Agostino, Roma: Carocci.

Gilson, Étienne, 1943, Introduction à l’étude de saint Augustin, second edition, Paris: Vrin. English translation: The Christian Philosophy of Saint Augustine, L.E.M. Lynch (trans.), New York: Random House, 1960.

Horn, Christoph, 1995, Augustinus, München: Beck.

Kirwan, Christopher, 1989, Augustine, New York: Routledge.

Matthews, Gareth B., 2005, Augustine, Malden: Blackwell.

Meconi, David Vincent and Eleonore Stump (eds.), 2014, The Cambridge Companion to Augustine, second edition, Cambridge: Cambridge University Press 2014. Revised and enlarged edition of Stump and Kretzmann (eds.) 2001. doi:10.1017/CCO9781139178044

O’Donnell, James J., 2005, Augustine. A New Biography, New York: HarperCollins.

Rist, John M., 1994, Augustine. Ancient Thought Baptized, Cambridge: Cambridge University Press.

Stump, Eleonore and Norman Kretzmann (eds.), 2001, The Cambridge Companion to Augustine, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CCOL0521650186

Vessey, Mark (ed.), 2012, A Companion to Augustine, Chichester: Blackwell. doi:10.1002/9781118255483

Wetzel, James, 2010, Augustine. A Guide for the Perplexed, London/New York: Bloomsbury.

 

المؤلفون اليونانيون واللاتينيون الذين استُشهد بهم

Cicero, De officiis, Michael Winterbottom (ed.), Oxford: Oxford University Press, 1994.

–––, Tusculanae disputationes, Max Pohlenz (ed.), Leipzig: Teubner, 1918.

Diogenes Laertius, Lives of eminent philosophers, Tiziano Dorandi (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 2013.

Macrobius, Commentarii in Somnium Scipionis – Commentaire au songe de Scipion, Mireille Armisen-Marchetti (ed. trans.), 2 vols., Paris, 2003.

Plato, Opera, Elizabeth A. Duke, et al. (eds.), Oxford: Oxford University Press, 1995 (vol. 1); John Burnet (ed.), Oxford: Oxford University Press 1901–1907 (vols. 2–5).

Plotinus, Opera, Paul Henry and Hans-Rudolf Schwyzer (eds.), 3 vols., Oxford: Oxford University Press, 1964–1982.

Porphyry, Sententiae ad intelligibilia ducentes, Erich Lamberz (ed.), Leipzig: Teubner, 1975.

Possidius, Sancti Augustini vita, Herbert T. Weiskotten (ed.), Princeton: Princeton University Press, 1919.

Sextus Empiricus, Opera, Hermann Mutschmann et al. (eds.), 4 vols., Leipzig: Teubner, 1914–1962.

Long, Anthony A. and David N. Sedley (eds.), 1987, The Hellenistic Philosophers, Cambridge: Cambridge University Press.

 

أعمال ثانوية مختارة

Ayres, Lewis, 2010, Augustine and the Trinity, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511780301

BeDuhn, Jason D., 2010, Augustine’s Manichaean Dilemma 1: Conversion and Apostasy, 373–388 C.E., Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

–––, 2013, Augustine’s Manichaean Dilemma 2. Making a “Catholic” Self, 388–401 C.E., Philadelphia: University of Pennsylvania Press.

Bermon, Emmanuel, 2001, Le cogito dans la pensée de saint Augustin, Paris: Vrin.

Bermon, Emmanuel and Gerard O’Daly (eds.), 2012, Le De Trinitate de saint Augustin. Exégèse, logique et noétique. Actes du colloque international de Bordeaux, 16–19 juin 2010, Paris: Études Augustiniennes.

Bittner, Rüdiger, 1999, “Augustine’s Philosophy of History”, in Matthews 1999: 345–360.

Bochet, Isabelle, 2011, “Les quaestiones attribuées à Porphyre dans la Lettre 102 d’Augustin”, in Sébastien Morlet (ed.), Le traité de Porphyre Contre les chrétiens. Un siècle de recherches, nouvelles questions. Actes du colloque international organisé les 8 et 9 septembre 2009 à l’Université de Paris IV-Sorbonne, Paris: Études Augustiniennes, pp. 371–394.

Børresen, Kari E., 2013, “Challenging Augustine in Feminist Theology and Gender Studies”, in Pollmann 2013: 135–141.

Bouton-Touboulic, Anne-Isabelle, 2004, L’ordre caché. La notion d’ordre chez saint Augustin, Paris: Études Augustiniennes.

–––, 2012, “Qu’il n’y a pas d’amour sans connaissance: étude d’un argument du De Trinitate, livres VIII–XV”, in Bermon and O’Daly 2012: 181–203.

Brachtendorf, Johannes, 2000, Die Struktur des menschlichen Geistes nach Augustinus. Selbstreflexion und Erkenntnis Gottes in De trinitate, Hamburg: Meiner.

–––, 2005, Augustins ‘Confessiones’, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft.

–––, 2012, “Time, Memory, and Selfhood in De Trinitate”, in Bermon and O’Daly 2012: 221–233.

Brittain, Charles, 2002, “Non-Rational Perception in the Stoics and Augustine”, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 22: 253–308.

–––, 2003, “Colloquium 7: Attention Deficit in Plotinus and Augustine: Psychological Problems in Christian and Platonist Theories of the Grades of Virtue”, Proceedings of the Boston Area Colloquium in Ancient Philosophy, 18: 223–275. doi:10.1163/22134417-90000043

–––, 2012a, “Self-Knowledge in Cicero and Augustine (De trinitate, X, 5, 7–10, 16)”, in Catapano and Cillerai 2012: 107–135.

–––, 2012b, “Intellectual Self-Knowledge in Augustine (De Trinitate 14.7–14)”, in Bermon and O’Daly 2012: 313–330.

Brown, Peter, 1988, The Body and Society. Men, Women and Sexual Renunciation in Early Christianity, New York: Columbia University Press. Translated into

German: Die Keuschheit der Engel. Sexuelle Entsagung, Askese und Körperlichkeit im frühen Christentum, München: Hanser, 1991.

French: Le Renoncement à la chair. Virginité, célibat et continence dans le christianisme primitif, Paris: Gallimard, 1995.

Bubacz, Bruce, 1981, St. Augustine’s Theory of Knowledge. A Contemporary Analysis, New York: Edwin Mellen Press.

Burnell, Peter J., 1992, “The Status of Politics in St. Augustine’s ‘City of God’”, History of Political Thought, 13(1): 13–29.

–––, 1995, “Concupiscence and Moral Freedom in Augustine and before Augustine”:, Augustinian Studies, 26(1): 49–63. doi:10.5840/augstudies19952612

Burnyeat, Myles F., 1987, “Wittgenstein and Augustine De Magistro”, Aristotelian Society Supplementary Volume, 61: 1–24. Reprinted in Matthews 1999: 286–303. doi:10.1093/aristoteliansupp/61.1.1

Byers, Sarah, 2012a, “Augustine and the Philosophers”, in Vessey 2012: 175–187. doi:10.1002/9781118255483.ch14

–––, 2012b, “The Psychology of Compassion: Stoicism in City of God 9.5”, in Wetzel 2012: 130–148. doi:10.1017/CBO9781139014144.008

–––, 2013, Perception, Sensibility, and Moral Motivation in Augustine: A Stoic-Platonic Synthesis, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139086110

Cary, Phillip, 2000, Augustine’s Invention of the Inner Self. The Legacy of a Christian Platonist, Oxford: Oxford University Press.

–––, 2008a, Inner Grace: Augustine in the Traditions of Plato and Paul, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780195336481.001.0001

–––, 2008b, Outward Signs: The Powerlessness of External Things in Augustine’s Thought, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780195336498.001.0001

Cary, Phillip, John Doody, and Kim Paffenroth (eds.), 2010, Augustine and Philosophy, Lanham, MD: Lexington Books.

Cassin, Mireille, 2017, Augustin est-il mystique?, Paris: Les éditions du Cerf.

Castagnoli, Luca, 2010, Ancient Self-Refutation: The Logic and History of the Self-Refutation Argument from Democritus to Augustine, Cambridge: Cambridge University Press.

Catapano, Giovanni, 2010, “Augustine”, in The Cambridge History of Philosophy in Late Antiquity, Lloyd Gerson (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1:552–581. doi:10.1017/CHOL9780521764407.038

–––, 2013, “The Epistemological Background of Augustine’s Dialogues”, in Sabine Föllinger and Gernot M. Müller (eds.), Der Dialog in der Antike. Formen und Funktionen einer literarischen Gattung zwischen Philosophie, Wissensvermittlung und dramatischer Inszenierung, Berlin/Boston: De Gruyter, pp. 107–122.

–––, 2012–2018a, “Philosophia”, Augustinus-Lexikon, 4: 719–742.

–––, 2012–2018b, “Ratio”, Augustinus-Lexikon, 4: 1069–1084.

–––, forthcoming, “Signum—res”, Augustinus-Lexikon, 5.

Catapano, Giovanni and Beatrice Cillerai (eds.), 2012, Il De trinitate di Agostino e la sua fortuna nella filosofia medievale/Augustine’s De trinitate and Its Fortune in Medieval Philosophy (= Medioevo. Rivista di storia della filosofia medievale 27), Padova: Il Poligrafo.

Chappell, Timothy D.J., 1995, Aristotle and Augustine on Freedom. Two Theories of Freedom, Voluntary Action and Akrasia, New York: St. Martin’s Press.

Cillerai, Beatrice, 2008, La memoria come ‘capacitas Dei’ secondo Agostino. Unità e complessità, Pisa: Edizioni ETS.

–––, 2012, “La mens-imago et la « mémoire métaphysique » dans la réflexion trinitaire de saint Augustin”, in Bermon and O’Daly 2012: 291–312.

Clark, Elizabeth A., 1996, St. Augustine on Marriage and Sexuality, Washington, DC: The Catholic University of America Press.

–––, 2000, “Vitiated Seeds and Holy Vessels. Augustine’s Manichean Past”, in Karen L. King (ed.), Images of the Feminine in Gnosticism, Harrisburg, PA: Trinity Press International, pp. 367–401.

Clark, Gillian, 2009, “Can We Talk? Augustine and the Possibility of Dialogue”, in The End of Dialogue in Antiquity, Simon Goldhill (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 117–134. doi:10.1017/CBO9780511575464.007

–––, 2015, Monica. An Ordinary Saint, Oxford: Oxford University Press.

Colish, Marcia L., 1980, The Stoic Tradition from Antiquity to the Early Middle Ages II: Stoicism in Latin Christian Thought through the Sixth Century, Leiden: Brill.

den Bok, Nico W., 1994, “Freedom of the Will: A Systematic and Biographical Sounding of Augustine’s Thoughts on Human Willing”, Augustiniana, 44(3/4): 237–270.

Dihle, Albrecht, 1982, The Theory of Will in Classical Antiquity, Berkeley: University of California Press 1982. German translation: Die Vorstellung vom Willen in der Antike, Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1985.

Dobell, Brian, 2009, Augustine’s Intellectual Conversion: The Journey from Platonism to Christianity, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511691744

Dodaro, Robert, 2004a, Christ and the Just Society in the Thought of Augustine, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511487668

–––, 2004b, “Political and Theological Virtues in Augustine, Letter 155 to Macedonius”, Augustiniana, 54(1/4): 431–474.

–––, 2009, “Ecclesia and Res publica. How Augustinian are Neo-Augustinian Politics?”, in: Lieven Boeve, Mathijs Lamberigts, and Maarten Wisse (eds.), Augustine and Postmodern Thought. A New Alliance against Modernity? Leuven: Peeters, pp. 237–271.

–––, 2012, “Augustine on the Statesman and the Two Cities”, in Vessey 2012: 386–397. doi:10.1002/9781118255483.ch30

Doody, John, Kevin L. Hughes, and Kim Paffenroth (eds.), 2005, Augustine and Politics, Lanham: Lexington Books.

Drecoll, Volker Henning, 1999, Die Entstehung der Gnadenlehre Augustins, Tübingen: Mohr Siebeck.

–––, 2004–2010, “Gratia”, Augustinus-Lexikon, 3. 182–242.

–––, 2012–2018, “Pelagius, Pelagiani”, Augustinus-Lexikon, 4: 624–666.

du Roy, Olivier, 1966, L’intelligence de la foi en la Trinité selon saint Augustin. Genèse de sa théologie trinitaire jusqu’en 391, Paris: Études Augustiniennes.

Dutton, Blake D., 2014, “The Privacy of the Mind and the Fully Approvable Reading of Scripture”, in Mann 2014: 155–180. doi:10.1093/acprof:oso/9780199577552.003.0008

Dyson, Robert W., 2001, The Pilgrim City. Social and Political Ideas in the Writings of St. Augustine of Hippo, Woodbridge: Boydell.

Flasch, Kurt, 1995, Logik des Schreckens. Aurelius Augustinus, De diversis quaestionibus ad Simplicianum I 2, Deutsche Erstübersetzung von Walter Schäfer. Herausgegeben und erklärt von Kurt Flasch, second edition, Mainz: Dieterich (first edition 1990).

Frede, Michael, 2011, A Free Will. Origins of the Notion in Ancient Thought, Anthony A. Long (ed.), Berkeley: University of California Press.

Fuchs, Marko J., 2010, Sum und cogito. Grundfiguren endlichen Selbstseins bei Augustinus und Descartes, Paderborn: Schöningh.

Fuhrer, Therese, 1999, “Zum erkenntnistheoretischen Hintergrund von Augustins Glaubensbegriff”, in Fuhrer and Erler 1999: 191–211.

–––, 2013, “Augustine’s Moulding of the Manichaean Idea of God in the Confessions”, Vigiliae Christianae, 67(5): 531–547. doi:10.1163/15700720-12341155

–––, 2018b, “Ille intus magister. On Augustine’s didactic concept of interiority”, in Peter Gemeinhardt et al. (eds.), Teachers in late antique Christianity, Tübingen: Mohr Siebeck, pp. 129–146.

Fuhrer, Therese and Michael Erler (eds.), 1999, Zur Rezeption der hellenistischen Philosophie in der Spätantike, Stuttgart: Teubner.

Gioia, Luigi, 2007, The Theological Epistemology of Augustine’s De Trinitate, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199553464.001.0001

Hadot, Ilsetraut, 2005, Arts libéraux et philosophie dans la pensée antique, second edition, Paris: Vrin (first edition 1984).

Hagendahl, Harald, 1967, Augustine and the Latin Classics, Stockholm: Almqvist & Wiksell.

Harding, Brian, 2008, Augustine and Roman Virtue, London/New York: Bloomsbury.

Harrison, Carol, 2006, Rethinking Augustine’s Early Theology: An Argument for Continuity, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0199281661.001.0001

Harrison, Simon, 1999, “Do We Have a Will? Augustine’s Way in to the Will”, in Matthews 1999: 195–205.

–––, 2006, Augustine’s Way into the Will: The Theological and Philosophical Significance of De Libero Arbitrio, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780198269847.001.0001

Helm, Paul, 2014, “Thinking Eternally*”, in Mann 2014: 135–154. doi:10.1093/acprof:oso/9780199577552.003.0007

Hoffmann, Philippe, 2017, “Temps et éternité dans le livre XI des Confessions : Augustin, Plotin, Porphyre et Saint Paul”, Revue d’Etudes Augustiniennes et Patristiques, 63(1): 31–79. doi:10.1484/J.REA.4.2017072

Holmes, Robert L., 1999, “St. Augustine and the Just War Theory”, in Matthews 1999: 323–344.

Hölscher, Ludger, 1986, The Reality of Mind. Augustine’s Philosophical Arguments for the Human Soul as a Spiritual Substance, London/New York: Routledge. German translation: Die Realität des Geistes. Eine Darstellung und phänomenologische Neubegründung der Argumente Augustins für die geistige Substantialität der Seele, Heidelberg: Winter 1999.

Holte, Ragnar, 1962, Béatitude et sagesse. Saint Augustin et le problème de la fin de l’homme dans la philosophie ancienne, Paris: Études Augustiniennes.

Horn, Christoph, 1996, “Augustinus und die Entstehung des philosophischen Willensbegriffs”, Zeitschrift für philosophische Forschung 50(1/2): 113–132.

––– (ed.), 1997, Augustinus. De civitate dei, (Klassiker Auslegen, 11), Berlin: Akademie Verlag.

–––, 1999, “Augustinus über Tugend, Moralität und das höchste Gut”, in Fuhrer and Erler 1999: 173–190.

–––, 2012, “Augustine’s Theory of Mind and Self-Knowledge: Some Fundamental Problems”, in Bermon and O’Daly 2012: 205–219.

Irwin, Terence H., 1999, “Splendid Vices? Augustine For and Against Pagan Virtues”, Medieval Philosophy and Theology, 8(2): 105–127. doi:10.1017/S1057060899082018

Kahn, Charles H., 1988, “Discovering the Will. From Aristotle to Augustine”, in John M. Dillon and Anthony A. Long (eds.), The Question of ‘Eclecticism’. Studies in Later Greek Philosophy, Berkeley, CA: The University of California Press, pp. 234–259.

Kany, Roland, 2007, Augustins Trinitätsdenken. Bilanz, Kritik und Weiterführung der modernen Forschung zu ‘De trinitate’, Tübingen: Mohr Siebeck.

Karfíková, Lenka, 2012, Grace and the Will According to Augustine, Markéta Janebová (trans.), Leiden/Boston: Brill. doi:10.1163/9789004229211

–––, 2017, “Augustine on Recollection between Plato and Plotinus”, in Markus Vinzent (ed.), Studia Patristica 75. Papers presented at the Seventeenth International Conference on Patristic Studies held in Oxford 2015, Leuven: Peeters, pp. 81–102.

King, Peter, 2012, “The Semantics of Augustine’s Trinitarian Analysis in De Trinitate 5–7”, in Bermon and O’Daly 201: 123–135.

–––, 2014a, “Augustine on Knowledge”, in Meconi and Stump 2014: 142–165. doi:10.1017/CCO9781139178044.013

–––, 2014b, “Augustine on Language”, in Meconi and Stump 2014: 292–310. doi:10.1017/CCO9781139178044.023

Kirwan, Christopher, 2001, “Augustine’s Philosophy of Language”, in Stump and Kretzmann 2001: 186–204. doi:10.1017/CCOL0521650186.015

Knuuttila, Simo, 2001, “Time and Creation in Augustine”, in Stump and Kretzmann 2001: 103–115. Reprinted in Meconi and Stump 2014: 81–97. doi:10.1017/CCOL0521650186.009 doi:10.1017/CCO9781139178044.008

Lagouanère, Jérôme, 2012, Intériorité et réflexivité dans la pensée de saint Augustin. Formes et genèse d’une conceptualization, Paris: Études Augustiniennes.

Lamberigts, Mathijs, 2000, “A Critical Evaluation of Critiques of Augustine’s View of Sexuality”, in Robert Dodaro and George Lawless (eds.), Augustine and his Critics. Essays in Honour of Gerald Bonner, London/New York: Routledge, pp. 176–197.

–––, 2001, “Was Augustine a Manichaean? The Assessment of Julian of Aeclanum”, in Johannes van Oort et al. (eds.), Augustine and Manicheism in the Latin West, Leiden: Brill, pp. 113–136.

–––, 2004, “Augustine on Predestination. Some Quaestiones Disputatae Revisited”, Augustiniana, 54(1/4): 279–305.

Lancel, Serge and James S. Alexander, 1996–2002, “Donatistae”, Augustinus-Lexikon, 2: 606–638.

Lettieri, Gaetano, 2001, L’altro Agostino. Ermeneutica e retorica della grazia dalla crisi alla metamorfosi del De doctrina christiana, Brescia: Morcelliana.

Lössl, Josef, 2002, “Augustine on Predestination: Consequences for the Reception”, Augustiniana, 52(2/4): 241–272.

Lorenz, Rudolf, 1964, “Gnade und Erkenntnis bei Augustinus”, Zeitschrift für Kirchengeschichte, 75: 21–78. Reprinted in Carl Andresen (ed.), Zum Augustin-Gespräch der Gegenwart II, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft 1981, pp. 43–125.

MacDonald, Scott, 1999, “Primal Sin”, in Matthews 1999: 110–139.

–––, 2012a, “Revisiting the Intelligibles: The Theory of Illumination in De trinitate, XII”, in Catapano and Cillerai 2012: 137–160.

–––, 2012b, “Augustine’s Cognitive Voluntarism in De trinitate 11”, in Bermon and O’Daly 2012: 235–250.

–––, 2014, “The Divine Nature: Being and Goodness”, in Meconi and Stump 2014: 17–36. doi:10.1017/CCO9781139178044.004

Madec, Goulven, 1989, La patrie et la voie. Le Christ dans la vie et la pensée de saint Augustin, Paris: Desclée.

–––, 1996, Saint Augustin et la philosophie. Notes critiques, second edition, Paris: Études Augustiniennes.

Mann, William E., 1999, “Inner-Life Ethics”, in Matthews 1999: 140–165.

––– (ed.), 2006, Augustine’s Confessions. Critical Essays, Lanham: Rowman & Littlefield.

–––, 2014, “Augustine on Evil and Original Sin”, in Meconi and Stump 2014: 98–107. doi:10.1017/CCO9781139178044.009

––– (ed.), 2014, Augustine’s Confessions: Philosophy in Autobiography, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199577552.001.0001

Markus, Robert A., 1970, Saeculum. History and Society in the Theology of St Augustine, Cambridge: Cambridge University Press.

––– (ed.), 1972, Augustine. A Collection of Critical Essays, New York: Anchor Books. Anthology of older essays.

–––, 2006, Christianity and the Secular, Notre Dame: University of Notre Dame Press.

Matthews, Gareth B., 1992, Thought’s Ego in Augustine and Descartes, Ithaca, NY: Cornell University Press.

––– (ed.), 1999, The Augustinian Tradition, Berkeley, CA: University of California Press.

–––, 2010, “Augustine’s First-Person Perspective”, in Cary, Doody, and Paffenroth 2010: 41–60.

Mayer, Cornelius Petrus, 1969, Die Zeichen in der geistigen Entwicklung und in der Theologie des jungen Augustinus, Würzburg: Augustinus-Verlag.

–––, 1974, Die Zeichen in der geistigen Entwicklung und in der Theologie Augustins. II. Teil: Die antimanichäische Epoche, Würzburg: Augustinus-Verlag.

–––, 1996–2002, “Creatio, creator, creatura”, Augustinus-Lexikon, 2: 56–116.

Mendelson, Michael, 1998, “‘The Business of Those Absent’: The Origin of the Soul in Augustine’s De Genesi Ad Litteram 10.6-26”, Augustinian Studies, 29(1): 25–81. doi:10.5840/augstudies19982918

Menn, Stephen, 1998, Descartes and Augustine, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511608995

–––, 2014, “The Desire for God and the Aporetic Method in Augustine’s Confessions”, in Mann 2014: 71–107. doi:10.1093/acprof:oso/9780199577552.003.0005

Mesch, Walter, 1998, Reflektierte Gegenwart. Eine Studie über Zeit und Ewigkeit bei Platon, Aristoteles, Plotin und Augustinus, Frankfurt/Main: Klostermann.

Miles, Margaret R., 2007, “Not Nameless but Unnamed. The Woman torn from Augustine’s Side”, in Stark 2007b: 167–188.

–––, 2012, “From Rape to Resurrection: Sin, Sexual Difference, and Politics”, in Wetzel 2012: 75–92. doi:10.1017/CBO9781139014144.005

Müller, Christof, 1996–2002, “Femina”, Augustinus-Lexikon, 2: 1266–1281.

Müller, Jörn, 2009, Willensschwäche in Antike und Mittelalter. Eine Problemgeschichte von Sokrates bis Johannes Duns Scotus, Leuven: Peeters.

Nash, Ronald H., 1969, The Light of the Mind. St. Augustine’s Theory of Knowledge, Lexington: University Press of Kentucky.

Nawar, Tamer, 2014, “Adiutrix Virtutum? Augustine on Friendship and Virtue”, in Suzanne Stern-Gillet and Gary M. Gurtler (eds.), Ancient and Medieval Concepts of Friendship, Albany, NY: SUNY Press, pp. 197–226.

–––, 2015, “Augustine on the Varieties of Understanding and Why There is No Learning from Words”, Oxford Studies in Medieval Philosophy, 3: 1–31. doi:10.1093/acprof:oso/9780198743798.003.0001

Nisula, Timo, 2012, Augustine and the Functions of Concupiscence, Leiden/Boston: Brill.

O’Connell, Robert J., 1968, St. Augustine’s Early Theory of Man, A.D. 386–391, Cambridge, MA: The Belknap Press.

–––, 1987, The Origin of the Soul in St. Augustine’s Later Works, New York: Fordham University Press.

O’Daly, Gerard, 1976, “Memory in Plotinus and two early texts of St. Augustine”, Studia Patristica 14. Papers presented to the Sixth International Conference on Patristic Studies held in Oxford 1971, Berlin: Akademie Verlag 1976, pp. 461–469. Reprinted in O’Daly 2001: no. III.

–––, 1987 Augustine’s Philosophy of Mind, London: Duckworth.

–––, 1986–1994, “Anima, animus”, Augustinus-Lexikon, 1: 315–340.

–––, 1999, Augustine’s City of God. A Reader’s Guide, Oxford: Oxford University Press.

–––, 2001, Platonism Pagan and Christian. Studies in Plotinus and Augustine, Aldershot: Variorum.

O’Donovan, O., 1980, The Problem of Self-Love in St. Augustine, New Haven: Yale University Press.

Paffenroth, Kim and Robert P. Kennedy (eds.), 2003, A Reader’s Companion to Augustine’s Confessions, Louisville: Westminster John Knox Press.

Pagels, Elaine, 1989, Adam, Eve and the Serpent, New York: Vintage Books. German translation: Adam, Eva und die Schlange, Hamburg: Rowohlt 1991.

Pépin, Jean, 1977, Ex Platonicorum persona. Études sur les lectures philosophiques de saint Augustin, Amsterdam: Hakkert. Reprint of earlier studies.

Pollmann, Karla, 1996, Doctrina christiana. Untersuchungen zu den Anfängen der christlichen Hermeneutik unter besonderer Berücksichtigung von Augustinus, De doctrina christiana, Freiburg/Schweiz: Unversitäts-Verlag.

Pollmann, Karla and Mark Vessey (eds.), 2005, Augustine and the Disciplines. From Cassiciacum to Confessions, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199230044.001.0001

Power, Kim, 1996, Veiled Desire. Augustine on Women, New York: Continuum Books.

Rist, John, 2001, “Faith and Reason”, in Stump and Kretzmann 2001: 26–39. doi:10.1017/CCOL0521650186.003

Schäfer, Christian, 2000, “Augustine on Mode, Form, and Natural Order”:, Augustinian Studies, 31(1): 59–77. doi:10.5840/augstudies20003111

–––, 2002, Unde malum. Die Frage nach dem Woher des Bösen bei Plotin, Augustinus und Dionysius, Würzburg: Königshausen & Neumann.

Seelbach, Larissa Carina, 2002, Das weibliche Geschlecht ist ja kein Gebrechen. Die Frau und ihre Gottebenbildlichkeit bei Augustin, Würzburg: Augustinus-Verlag.

Shanzer, Danuta, 2002, “Avulsa a latere meo. Augustine’s Spare Rib—Confessiones 6.15.25”, The Journal of Roman Studies, 92: 157–176. doi:10.2307/3184864

–––, 2005, “Augustine’s Disciplines: Silent diutius Musae Varronis?”, in Pollmann and Vessey 2005: 69–112.

Siebert, Matthew Kent, 2018, “Augustine’s Development on Testimonial Knowledge”, Journal of the History of Philosophy, 56(2): 215–237. doi:10.1353/hph.2018.0021

Sorabji, Richard, 2000, Emotion and Peace of Mind: From Stoic Agitation to Christian Temptation, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199256600.001.0001

Stark, Judith Chelius, 2007a, “Augustine on Women. In God’s Image but Less So”, in Stark 2007b: 215–241.

––– (ed.), 2007b, Feminist Interpretations of Augustine, University Park, PA: Pennsylvania State University Press.

Stróżyński, Mateusz, 2013, “There Is No Searching for the Self: Self-Knowledge in Book Ten of Augustine’s De Trinitate”, Phronesis, 58(3): 280–300. doi:10.1163/15685284-12341250

Stump, Eleonore, 2001, “Augustine on Free Will”, in Stump and Kretzmann 2001: 124–147. Shortened version in Meconi and Stump 2014: 166–186. doi:10.1017/CCOL0521650186.011 doi:10.1017/CCO9781139178044.014

Teske, Roland J., 2009, Augustine of Hippo: Philosopher, Exegete, and Theologian. A Second Collection of Essays, Milwaukee: Marquette University Press.

Tornau, Christian, 2006a, Zwischen Rhetorik und Philosophie. Augustins Argumentationstechnik in De civitate dei und ihr bildungsgeschichtlicher Hintergrund, Berlin: De Gruyter.

–––, 2006b, “Does Augustine Accept Pagan Virtue? The Place of Book 5 in the Argument of the City of God”, in Frances Young, Mark Edwards, and Paul Parvis (eds.), Studia Patristica 43. Papers presented at the XIVth International Conference on Patristic Studies held in Oxford 2003, Leuven: Peeters, pp. 263–275.

–––, 2013, “Augustinus und die neuplatonischen Tugendgrade. Versuch einer Interpretation von Augustins Brief 155 an Macedonius”, in Filip Karfík and Euree Song (eds.), Plato Revived. Essays on Ancient Platonism in Honour of Dominic O’Meara, Berlin/Boston: De Gruyter, pp. 215–240.

–––, 2014, “Intelligible Matter and the Genesis of Intellect: The Metamorphosis of a Plotinian Theme in Confessions 12–13”, in Mann 2014: 181–218. doi:10.1093/acprof:oso/9780199577552.003.0009

–––, 2015, “Happiness in This Life? Augustine on the Principle That Virtue Is Self-Sufficient for Happiness”, in The Quest for the Good Life: Ancient Philosophers on Happiness, Øyvind Rabbås, Eyjólfur K. Emilsson, Hallvard Fossheim, and Miira Tuominen (eds.), Oxford: Oxford University Press, 265–280. doi:10.1093/acprof:oso/9780198746980.003.0015

–––, 2017, “Ratio in Subiecto? The Sources of Augustine’s Proof for the Immortality of the Soul in the Soliloquia and Its Defense in De Immortalitate Animae”, Phronesis, 62(3): 319–354. doi:10.1163/15685284-12341330

van Dusen, David, 2014, The Space of Time. A Sensualist Interpretation of Time in Augustine, Confessions X to XII, Leiden/Boston: Brill.

van Fleteren, Frederick, 2010, “Augustine and Philosophy: Intellectus Fidei”, in Cary, Doody, and Paffenroth 2010: 23–40.

van Oort, Johannes, 2012, “Augustine and the Books of the Manicheans”, in Vessey 2012: 188–199. doi:10.1002/9781118255483.ch15

––– (ed.), 2013, Augustine and Manichaean Christianity. Selected Papers from the First South African Conference on Augustine of Hippo. University of Pretoria, 24–26 April 2012, Leiden/Boston: Brill.

–––, 2016, “Once Again: Augustine’s Manichaean Dilemma”, Augustiniana, 66(1/4): 233–245.

–––, forthcoming, Augustine and Mani, Leiden/Boston: Brill. Collected papers on Augustine and Manicheism.

van Riel, Gerd, 2007, “Augustine’s Exegesis of ‘Heaven and Earth’ in Conf. XII: Finding Truth amidst Philosophers, Heretics and Exegetes”, Quaestio, 7: 191–228. doi: 10.1484/J.QUAESTIO.1.100154

Vessey, Mark, Karla Pollmann, and Allan D. Fitzgerald (eds.), 1999, History, Apocalypse, and the Secular Imagination. New Essays on Augustine’s City of God, Bowling Green: Philosophy Documentation Center.

von Heyking, John, 2001, Augustine and Politics as Longing in the World, Columbia: University of Missouri Press.

Weissenberg, Timo J., 2005, Die Friedenslehre des Augustinus. Theologische Grundlagen und ethische Entfaltung, Stuttgart: Kohlhammer.

Weithman, Paul J., 1999, “Toward an Augustinian Liberalism”, in Matthews 1999: 304–322.

–––, 2001, “Augustine’s Political Philosophy”, in Stump and Kretzmann 2001: 234–252. Revised version in Meconi and Stump 2014: 231–250. doi:10.1017/CCOL0521650186.017 doi:10.1017/CCO9781139178044.019

Wetzel, James, 1992, Augustine and the Limits of Virtue, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511983627

–––, 2001, “Predestination, Pelagianism, and Foreknowledge”, in Stump and Kretzmann 2001: 49–58. doi:10.1017/CCOL0521650186.005

––– (ed.), 2012, Augustine’s ‘City of God’: A Critical Guide, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9781139014144

Williams, Thomas, 2001, “Biblical Interpretation”, in Stump and Kretzmann 2001: 59–70. doi:10.1017/CCOL0521650186.006 Revised version under the title “Hermeneutics and Reading Scripture”, in Meconi and Stump 2014: 311–328. doi:10.1017/CCO9781139178044.024

Wolterstorff, Nicholas, 2012, “Augustine’s Rejection of Eudaimonism”, in Wetzel 2012: 149–166. doi:10.1017/CBO9781139014144.009

Zagzebski, Linda Trinkaus, 1991, The Dilemma of Freedom and Foreknowledge, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780195107630.001.0001

zum Brunn, Émilie, 1969 [1988], “Le dilemme de l’être et du néant chez saint Augustin. Des premiers dialogues aux Confessions”, Recherches augustiniennes, 6: 3–102. Translated as St. Augustine. Being and Nothingness, New York: Paragon House Publishers 1988.

 

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

 

مصادر أخرى على الانترنت

 

مدخلات ذات صلة

Christian theology, philosophy and | divine: illumination | emotion: in the Christian tradition | ethics: virtue | free will | free will: divine foreknowledge and | medieval philosophy | moral responsibility | Neoplatonism | Plotinus | political philosophy: ancient | Porphyry | skepticism: ancient | Stoicism


[1] Tornau, Christian, “Saint Augustine”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2020/entries/augustine/>.