دانتي أليگييري – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد السعيد، مراجعة وتدقيق: عبير أحمد

دانتي أليگييري – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد السعيد، مراجعة وتدقيق: عبير أحمد


حول حياة دانتي  وشعره، والفلاسفة من كان لهم أثر كبير عليه في كتابة أعماله؛ نص مترجم لد. وينثروب ويثربي وجيسون ألكسندر، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


لا يُمكن دراسة وَلَعِ دانتي بالفلسفة دون الرجوع إلى كتاباته، إذ سَعَى فيها إلى إعلاء مستوى الخطاب العام، فثقّف بني بلده، وألهمهم البحث عن السعادة في حياة تتسم بالتفكّر. كان، حينئذٍ، أَعَلَم رجال إيطاليا، ومتبحّرًا في المنطق الأرسطي والفلسفة الطبيعية وعلم اللاهوت والأدب الكلاسيكي. ذاع صيته في التاريخ لكتابته الكوميديا الإلهية، إلا أن أشعاره وأطروحاته الفلسفية وكتاباته الأخرى محاكة من نسيجٍ لغويٍ، ذي خيوطٍ فلسفيةٍ ولاهوتيةٍ، وتحمل، أيضًا، إحالات ترجع إلى الإنجيل وتشمل حتى الشعر والأدب المعاصرَين له. وعلى الرغم من الإجماع القائم على عظمة إسهاماته في الأدب العالميّ والأوساط الفنيّة الأخرى، فإن نتاجه الفكري في علم اللاهوت منذ زمنه ما زال مؤثّرًا حتى اليوم. وبالمقارنة، بات إرثه الفلسفي صعب التقويم. ومع ذلك، تمثّل كتاباته، على الأقل، أداة مفيدة لدراسة المشهد الفلسفي لعصر النهضة وأواخر العصر الوسيط.

 

  1. حياته

  2. شعره المبكر

  3. آباؤه الفلسفيون

  4. الوليمة

  5. الملكية

  6. عن اللغة العامية

  7. الكوميديا الإلهية

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

1. حياته

تتجلّى قامة دانتي الأدبيّة في كلماته، ولكن يمكن ذكر القليل من سيرةٍ تتجنّب -إلى حدٍ ما- التأويلات الملازمة التي تعيد بناء هذه القامة [الأدبية]. [من حسن الحظ] تم الإقرار على تاريخ ميلاد دانتي ، إذ وُلد عام 1265 في مدينة فلورنسا؛ وإن كان صحيحًا أنه ينتمي إلى برج الجوزاء [كما ظهر في نشيد الفردوس 22: 112-120][2]، سيكون شهر ميلاده إما في أيار (مايو) أو حزيران (يونيو) تلك السنة. ووفقًا لكتاباته، فقد رأى وهو ابن التاسعة من عمره، پياتريتشِه پورتيناري -التي تصغره عامًا واحدًا- فأشعلت بصيرته الشعريّة وأمّلَته خلاصَه الروحيّ، وماتت عام 1290.

وبالإضافة إلى ما استُنبط من كتاباته، اعتدّ دانتي بنفسه، أو أراد -على الأقل- قرّاءه أن يعتدّوا به سليلًا للعوائل الرومانيّة السّحيقة التي أسست فلورنسا. فادّعى، على سبيل المثال، [في نشيد الفردوس الخامس عشر][3]، أن الإمبراطور كونراد عمّد جدّه الأكبر كاتشاگويدا[4]فارسًا، ثم أدركه الموت في الحملات الصليبيّة —وهذا ادّعاء أشار إليه كاتب سيرة حديث[5]: «بالإمكان أن يرجع [الادّعاء] إلى رغبة دانتي ، أثناء تأليفه الكوميديا، أن يَهَبَ العزّةَ لعائلةٍ، لم تكن -في الحقيقة- ترجع إلى أصول نبيلة، ولم تبعث فرسانًا، ولم تفز حتى بمديحة إمبراطور» [Santagata (2016), 20].

وعلى الرغم من صعوبة فصل الخيال عن الواقع لرسم سيرة دانتي ، إلا أنه من المؤكد بأن منظوره الفلسفي ومطامحه الشعرية تَشكّلا ضمن سياق نشأته في فلورنسا أواخر القرن الثالث عشر. على سبيل المثال، كان لدانتي دورٌ شاغل في الحياة الثقافية والمدنيّة لفلورنسا: حيث خدم في الجيش، وشغل عدة مناصبَ سياسيّة بين العامين 1285 و1302، فتزوج وكوّن أسرة، ثمّ تذوّق حرارة المنفى من مدينته فلورنسا. وفي هذا السياق، ونأيًا عن يُسرْ حال عائلته، كانت لمساهمة دانتي في السياسة الفلورنسيّة دور رئيسي في نمو فكره الفلسفي وجسامة طموحاته الشعريّة.

في بواكر القرن الثالث عشر، تنافست فرقتان سياسيتان للسيطرة على مدينة فلورنسا: الگيلف[6] والگيبلين[7]. أراد حلفُ الگيلف، الذي انتمى إليه دانتي ، استقلالَ فلورنسا السياسي، تزامنًا مع المصالح البابوية ونزاعها الطويل مع المطامح الاستعماريّة لأباطرة الهوهنشتاوفن، الذين دعمهم حلف الگيبلين. مع بركة البابا ودعم الگيلف القوي، تمكّن شارل [الأول] ملك أنجو من هزيمة جيوش الهوهنشتاوفن في معركة بينڤينتو [8] (1265-1266)، ومعركة تالياكوزو[9] (1268)، وعندها، أصبح لحلف الگيلف قوةٌ مهيمنة على المدينة. لكن في أواخر القرن، لم ينجُ حلف الگيلف من التمزّق، لا بسبب الظروف المدنيّة والاقتصاديّة وحسب، بل بتباين درجات وفائهم للبابا.

وعندما تفاقم الصراع عام 1301 بين حلف الگيلف «السود»، الناذرين أنفسهم للمصالح البابوية والأرستقراطيّة، وحلف الگيلف «البيض» الأكثر ثراءً والأقل شهرةً، حرّض البابا بونيفاتشو[10] الثامن على تسوية حزبية دفعت الگيلف السود لإسقاط زعامة الگيلف البيض، والذي كان دانتي عضوًا فيه؛ فلم يرجع دانتي إلى فلورنسا، ولم يعد له دور في الحياة العامة، ومع ذلك، بقيَ مهتمّا بالسياسة الإيطالية، وأمسى تقريبًا نبيًّا للعالم في السنوات التي سبقت تتويج هنري السابع ملك لوكسمبورگ[11] قائدًا للإمبراطورية الرومانية المقدّسة (1312).

أثناء العشرين السنة التالية انتقل دانتي من مدينة ڤيرونا إلى مدينة راڤينّا، و في العام 1319 أكمل فيها كتابة نشيد الفردوس، وقضى فيها نحبه عام 1321. لكنه عاش، أيضًا، في عدد من المدن الإيطالية، وظلّ -على الأقل- مدّتَين طويلتَين في بلاط أمير ڤيرونا، كانگراندي إِ ديلّا سكالا[12].

لا يُمكن دراسة وَلَع دانتي بالفلسفة دون الرجوع إلى أشعارِه؛ إذ كان موضوعه الأزليّ حبّه لپياتريتشِه. آثرَ رفع مستوى الخطاب العام، وبعد نفيه أعلن نفسه للإيطاليين، ونذر أن يشيع كنوز العلم والحكمة، فصَيّر الثقافة السكولاستية[13] المعاصرة مادةً متباينةَ التعقيد للقارئ العادي، وكتبها بلغة عاميّة بسيطة.

كان هذا المشروع هبة دانتي للثقافة الإيطالية التليدة. بدأت قراءته في الفلسفة مع شيشيرون وبوئيتيوس، اللذان كانت لكتاباتهما جزء كبير في تأسيس ثقافة نخبوية ذات لسانٍ لاتيني في إيطاليا. أحيا كتابا الوليمة[14] وعن اللغة العاميّة[15] ذاكرةً تكاد تكون حيّة حول البلاط النابلي[16] لفريدريك الثاني ملك صقليّة[17] (1195-1250) وابنه مانفريد[18] (1232-1266)، ومثقفي حاشيته، حيث دعموا جميعهم الفلاسفة والشعراء. وأحيَت نظرة دانتي لهم التقليد القديم بائتلاف الفيلسوف ورجل الدولة في شخص واحد [Van Cleve, 299–332]. ومن المحتمل تعلّمُ دانتي من برونيتّو لاتيني[19] (1220-1294)، الذي كتب موسوعته كتاب الكنوز[20] (1262-1266) حينما كان منفيًّا سياسيًّا في فرنسا. قدّم [برونيتو]، للقراء باللغة العاميّة، خلاصةَ الفنون الحرة مع نكهة من أفكار أرسطو الأخلاقية والسياسية [Meier; Imbach (1993), 37–47; Davis (1984), 166–97].

لكن التجسيد الأمثل لأفكار دانتي القروسطية وجوهر كتاباته، وبالأخص الشعريّ منها، يتمثل في الكوميديا الإلهية. في هذه الأعمال [الشعريّة]، نستطيع رؤية حصافة دانتي المبنيّة على فلسفة أرسطو، واللاهوت المسيحي المبكر، والحوار السكولاستي؛ وباختزاله هذه المراجع، ألهم أقرانه، وثقفّهم بلغة عاميّة بغيَةَ السعي وراء سعادة تجزي من أدرك نفسَه.

 

  1. شِعره المبكّر

مع أن دانتي لم يبتدئ دراسة الفلسفة دراسةً جادة إلا في منتصف العشرين، إلا أنه مسبقًا كان في مجاراة فكرية مع أسلوب مجموعة شعرية استثنائية، أي ممارسين فنيّين، لما سماه لاحقًا بالأسلوب الجديد الرنّان[21]، إذ كانت ألسنتهم تغرّد بالشعر المسجّى على الطريقة الغنائية لشعراء التروبادور جنوب فرنسا، ثم أصبح [الأسلوب الجديد] وسيلةً للتفكّر حول الحب والطبيعة الإنسانيّة. قبل ذلك بجيل واحد، أذهل گويدو گوينتزلّي[22] (1230-1276) معاصريه بقصائد تعامل الحب معاملة علم الطب وعلم الفلك، بلغة شبه صوفيّة تثني على طاقة محبوبته في شرح صدر محبوبها الشاعر (يلجئُ الحبُ في القلب الرقيق، 41–44, 47–50):

Splende ’n la intelligenzïa del cielo

Deo Criator più che ’n nostr’ occhi ’l sole;

ella intende suo fattor oltra ’l cielo,

e ’l ciel volgiando, a Lui obedir tole;

così dar dovria, al vero,

la bella donna, poi che ’n gli occhi splende

del suo gentil, talento

che mai di lei obedir non si disprende.

[يتغلغل نورُ الله،

أكثر من تغلغلِ نورِ الشمسِ في روح السماء،

وتدرك الشمس غاية مولاها،

وهي في كبد السماء،

ولا تشيح بوجهها إلا طاعةً له

ومثل الشمس، واجبٌ على السيدة الجميلة

حينما تشعّ

على عينَيْ محبوبها النبيل

أن تحرّك رغبته في طاعتها إلى الأبد.]

تفرض السيدة الجميلة[23] على محبوبها قانونًا مستمدًّا من مشاطَرَتِها الدستور الإلهي، إذ تشغل دورًا في روح السماء[24]، وبه يُستخلص تأثير المحرّك الأوّل[25] للكون كله. وعليه، يصبح الشاعر [گوينتزلّي] عالقًا في عمليّة دائريّة، حيث يكون مفهومه -مثل مفهوم شخوص القصيدة- متأثرًا بالنور الذي أشَعّتهُ السيّدة الجميلة. يبدو لگوينتزلّي أن استحلاب الفكرة القائمة على تراتبية السماء[26] ما هي إلا  غرور شعري، ولكنها ستصبح لدانتي نهجًا للتعبير عن حدسه العميق.

من بين معاصري دانتي ، ولعلّه أشدّهم تأثيرًا على شعره المبكر؛ گويدو كاڤلكانتي[27]، إذ اُشتهر ليس في كونه شاعرًا وحسب، بل وعارفًا في الفلسفة الطبيعية. أمست أنشودته الرفيعة سألتني سيّدة[28] موضوعًا للشروحات اللاتينية، إذ عَرَضت الأنشودة أفكارًا معاصرةً مرتبطةً بما عُرف آنذاك بـ«الأرسطيّة المتطرّفة» أو «فلسفة ابن رشد»، وغرضها الإبداعي وصفُ التجربة العاطفيّة للحب[29] برصانة فلسفيّة.

يرى گويدو كاڤلكانتي أن هناك فجوة كبيرة بين الجوانب الحسيّة والجوانب الفكريّة في استجابة الذات الواقعة في الحب. إذا انطبع طيف[30] المحبوب في العقل كفكرةٍ مجردةٍ، صار [الحبيب] غير مبتهجِ[31] الحواسّ[32] (21–28). تبدو هذه المقاربة إلى الشارحين الحديثين مقاربةً ابن رشديّة في كون العقل ملَكَةً معزولة [عن الحواسّ] [Corti (1983), 3–37]، وتحافظ السطور التالية على هذا الانطباع (30–56)؛ إذ تزيح الفضيلةُ، في النفس الرقيقة، العقلَ «وتحلّ محلّه»، وتقدّم للإرادة موضوعًا، الرغبةُ فيه ذو اختلالٍ فتّاك.

ما زال الحب مهنةً لشعراء التروبادور ومحصورًا على الطبقة الأرستقراطية، ويعترف گويدو بتأثيره القوي على النفوس النبيلة لإثبات استحقاقهم له. فهم يسعون إليه في الخفاء؛ لأن محرّكهم يحجب نور التفكّر (57–68). لا تخرج الأنشودة[33] من كونها تمرينًا في «الفلسفة الطبيعية»، حيث كانت تقوم على الضرورة البيولوجية فقط، فالوعي مقصيٌّ تمامًا عن المسألة. وفيها، يتألف البعد الأخلاقي للحب من إلحاح لحظيّته العمياء للعقل؛ وتُحدد «النبالة» بمقدار ضبط النفس، وبالسعادة اللحظية التي يمنحها هذا الحب، إذ لا وقت مثالي لها.

لا محيد من شدّة تأثير گويدو على دانتي . ولكن يكشف كتاب الحياة الجديدة[34] -الذي يحتوي على مجموعة من قصائد دانتي المبكّرة، والتي يتخللها سرد متألّفٌ من نضجه الشعري وتاريخ انجذابه إلى  پياتريتشِه أثناء حياتها الدنيويّة- انشقاقه الصريح عن مفهوم گويدو في الحب والشعر [Ardizzone (2011); Barolini (1998), esp. pp. 60–63]. سلّم دانتي -مثل گويدو- أن الحب في سرّائه وضرّائه، أساسٌ من أساسات الحياة النبيلة، حيث عبّرت قصائده المبكّرة عن وجود حسٍ مشابه لما أحسه گويدو بانقسام القوة الداخلية للرغبة. لكن بعد تكشّف الحياة الجديدة يُلاحظ وجود انشقاق تدريجي فيما يعالجه الكتاب: بعد الفشل في الفوز بحظوة من مولاته بمسرحة[35]مآسيه، يلجأ دانتي إلى تخصيص شعره كلّه من هذه اللحظة فصاعدًا للثناء على محبوبته [VN, 18.9][36]. يتمثل هذا اللجوء الجديد في أنشودة «السيّدات العليمات بالحب»[37]، والتي ترجع إلى منبع إلهامه، مرورًا بگويدو وانتهاءً بشعر گوينتزلّي، ثم تشقّ طريقًا جديدًا متفرّدًا. يعتقد گويدو أن الجاذبية «الإلهية» التي تتمتع بها السيّدة ما هي إلا خدعة حسيّة، والأكثر خطرًا، هو استجابة رقّة[38] العاشق كلّها لجمالها إذ يصبح «مرمىً سهلًا» للعاطفة. يرى دانتي أيضًا أن تجربته الشعرية المبكّرة وكلماته التي تنمّ عن روحٍ معذبة تصوّر«عَرَضًا»[39] [VN 25.1–2][40] ولكن «سنا لهيب الحب» يخطف بأبصار الذين منحتهم سيّدته [پياتريتشِه] تحيّتها، فلم يكن الحب أبدًا همزة من همزات الشهوة. (السيّدات العليمات بالحب، الحياة الجديدة 19 10. 37-40)[41]:

 

E quando trova alcun che degno sia

di veder lei. quei prova sua vertute,

ché li avvien, ciò che li dona, in salute,

e sì l’umilia ch’ogni offesa oblia.

Ancor l’ha Dio per maggior grazia dato

che non pò mal finir chi l’ha parlato.

[أما الجديرُ برؤيتها، إن وُجد، فتخضعه

لقوّتها النافذة،

وإن حدث وألقت عليه التحيّة،

أحسّ أنه متّضع

إلى حدّ أنه يغفل كلّ الإساءات.

رعاية أخرى، وأكبر

حباها الله أيضًا بها:

لا أحد كلّمها وكان حزين الخاتمة.]

 

صار سعيه للفوز بمحبّة مولاته امتحانًا لمقدار النبل والفضيلة، فلا مثيل لجمالها: التجسيد الأروع لقوى الطبيعة التي كشفت الحجاب عن صنيع الله المغمور بالحب. يُعدّ التقاء دانتي بمحبوبة گويدو، جيوڤانّا، ثم بمحبوبته پياتريتشِه، ذروة الحياة الجديدة، إذ قال فيهما: «رائعة تتبع أخرى» [VN 24.8] يُلحظ بسرعة جمال جيوڤانّا -كما في بشارة جيوڤانّي (يوحنا)[42]– بقدوم «النور المُبين» الذي يشع من پياتريتشِه، وكما جاء في شعر گويدو في كون الحب الدنيوي بذرةً للاحتفال بسموّ الحب الذي تَبَع خُطى پياتريتشِه.

 

  1. آباؤه الفلسفيّون

محتوى كتاب الحياة الجديدة الفلسفي ضئيل، إذ لم تظهر فيه سوى فكرة هيكلية عن علم النفس الوظيفي، وبضع إحالات ميتافيزيقية[43] (ما وراء الطبيعة). لكن حينما وجد دانتي شغفه في الشعر، كان منشغلًا مسبقًا بدراسة الفلسفة، فوفقًا لشهادته في الوليمة: «ذهبتُ إلى المكان الذي تجلّت فيه [الفلسفة]: حلقات الدراسة في الكنائس وجدالات الفلاسفة» [Conv. 2.12.7]. لم يذكر دانتي أي تفاصيل زائدة تبوح بأماكن دراسته الفلسفة، ولكن كانت هناك ثلاث مدارس كنسيّة في فلورنسا أواخر القرن الثالث عشر لربما درس فيها: الدومينيكانية في كنيسة سانتا ماريا نوڤيلا، والفرنسيسكانية في كنيسة سانتا كروتشيه، والأوغسطينية في كنيسة سانتو سبيريتو. مع الأسف، لا توجد مستندات تاريخية موثوقة تقول بتوافر منهجٍ دراسيٍ لدانتي [أي، لطلبة الفلسفة] في كنيسة سانتو سبيريتو، وعلى العكس، لدينا معلومات معتمدة تكشف عن المحتوى التعليمي الذي لربما أخَذَه طلبة الكنيستَين الأخريين.

مع أن المدرسة الدومينيكانية في كنيسة سانتا ماريا نوڤيلا لم تسمح للأشخاص العاديين الالتحاق بها لدراسة الفلسفة، إلا أنها أتاحت لدانتي حضور دروس اللاهوت، فمن المؤكد تعرّضه -البسيط- للفلسفة الأرسطية [Santagata (2016), 83]. وما يثير الاهتمام أنه ربما كانت لدانتي فرصة لحضور دروس ريميجو دي جيرولامي[44] (المتوفى عام 1319)، الذي درس علم اللاهوت على يد توماس الأكويني في جامعة باريس عندما كان الأخيرُ أستاذًا فيها [Panella; Davis (1984), 198–223]. مَاثَلَ [ريميجو] الشاعرَ في اتّباعه لحلف الگيلف البيض، واضطلاعه بالأدب الكلاسيكي، وشغفه بالإسقاطات السياسية والأخلاقية من قراءاته. كان توماس، لدانتي وريميجو كليهما، مؤلفَ كتاب خلاصة المذهب الكاثوليكي ضد الوثنيين[45]، وشارحَ كتاب الأخلاق لأرسطو، ومهتمًا -مثل أرسطو- في إيضاح أن التعقّلَ سبيلُ الحقيقةِ.

كانت مدرسة سانتا كروتشيه المدرسة الأرفع مقامًا في فلورنسا في السنوات العشر الأخيرة من القرن الثالث عشر، ومعهدًا جامعًا[46] يقف خلف الجامعات الكُبرى الثلاث[47]: باريس، وأكسفورد، وكامبريج؛ لأهميتها [Santagata (2016), 83]. يكتب سانتاگاتا في إحدى كتبه التي تدور حول سيرة دانتي:

شغل المفكّران والدارسان بيترو دي جيوڤانّي أوليڤي البروفنسي، والأصغر سنًا، أوبرتينو دا كازالي في كنيسة سانتا كروتشيه بين عامَي 1287 و1289 دورًا هامًا في تاريخ الكنيسة، وبالأخص، في تاريخ الحركة الفرنسيسكانية. وضربٌ من الاستحالة تمكّن دانتي من حضور دروسهما، إذ غادر كلاهما فلورنسا قبل العام 1290، ولكن من الممكن بأنه سمع بوعظ أوبرتينو. ولم يذكر أوليڤي أبدًا، ولكن صادف أن رؤية دانتي لتاريخ الكنيسة تتوافق مع رؤيته بما فيه من التأويلات الفرنسيسكانية والروحية. وبالنسبة لأوبرتينو، كرائدٍ للحركة الفرنسيسكانية الروحية، أراد هو وأتباعه الرجوع لحكم فرانسيس المتشدد ضد تساهل الرهبان[48] وعلى رأسهم الوزير العام ماتيو دا أكواسپارتا[49]. جعل دانتي بوناڤنتورا دي بانيوريجو[50] يقول في الفردوس [51][12.124–126] بأنهما خائنان للعهد [الكنيسة]؛ لتساهل ماتيو، وتطرف أوبرتينو [Santagata (2016), 84].

مع غض النظر عن هذه الاحتمالات لسيرة دانتي في فلورنسا، شهادته في الوليمة 2.12.7 بأنه حضر «جدالات الفلاسفة» تشير -إلى حد ما- دراسته للفلسفة في بولونيا هذا الوقت من حياته. ولكن مع الأسف، هناك فجوة سنتين ونيّف من حياته بين أيلول (سبتمبر) عام 1291 وآذار (مارس) عام 1294، لا نملك خلالها إلا التخمين ما إن استفاد دانتي من احتمال دراسته المواد الفلسفية والتي لم تكن متاحة له في بيئته الضيّقة آنذاك من مكتبات دير الرهبنة والكنائس الفلورنسية.

أينما طلب دانتي علم الفلسفة واللاهوت، فإن كتاباته تقدم دليلًا كافيًا على سعة معرفته، وإن لم يكن، فخبرة عالية في مواضيعهما؛ فقد استشهد بالكثير من أعمال أرسطو استنادًا على خبرته الشخصية، وأظهر إلمامًا بكتاب الأخلاق، الذي عرفه بلا شكّ من توماس الأكويني، ولم يقتصر دانتي عليه، بل استقى العلوم الأرسطية من مصادر أخرى. توصل برونو ناردي[52] إلى أن دانتي يدين جلّ الدَّين إلى القدّيس ألبيرت الكبير[53] -المعروف بانتقاء أفكاره- في دراسته للفلسفة [Nardi (1967); 63–72; (1992), 28–29; Vasoli (1995b); Gilson (2004)]. تعرّض دانتي ، في قراءته لألبيرت، إلى موسوعةٍ حيّةٍ لأمهات الكتب في العلم الطبيعي، نظريّة كانت أم تجريبية. أعاد دانتي صياغة علم النفس والفلسفة الأرسطيَين على نهج الفلاسفة المسلمين (وعلى رأسهم ابن سينا وابن رشد) ونهج المصادر اليونانية التي ترجمها العرب المجدّدون لأفلاطون، ومن هذه المصادر المُترجمة كتاب الإيضاح لأرسطوطاليس فى الخير المحض[54]، بالإضافة إلى نهج المسيحيّين المجدّدين لأفلاطون الذين اتّبعوا بدورهم نهج دايونايسس الزائف[55]. زعم ألبيرت معرفة قصد أرسطو بمساعدة شروحات العرب واليونانيين الذين دفعوه للاختلاف مع فلاسفة آخرين، بمن فيهم تلميذه توماس [الأكويني]، وكان يؤكّد على أن الفلسفة واللاهوت علمان منفصلان. لا شكّ أن هذا الإصرار على فَهمِ الفلسفة بحد ذاته، فتن دانتي الذي بدوره فصل المعرفتَين الفلسفية والدينية بلا تفضيل إحداهما.

يمكن ملاحظة نظرية الفيض لدى ألبرت بوضوح في معالجة دانتي للجوهر[56] أو العوارض[57] في كتاب الوليمة؛ القائلة بفيض «الجوهر » الإلهي على سائر الموجودات [Conv. 2.4–5; Nardi (1992), 47–62]؛ وتظهر أيضًا في معالجته لنمو المُضغة عند الإنسان، إذ لا تدل على أطوار خلال الارتقاء الغذائي والحسّي والفكري، كما يقول توماس، بل على عملية مستمرة من القوة التكوينية الكامنة[58]، والتي قارنها ألبيرت بالذكاء البدئي[59] في النفس [De intellectu & intelligibili 2.2] المسؤول عن نضج الإنسان وقابليّة تأثر  روحه[60] المفصول عن جسده [Boyde (1981), 270–79; Nardi (1960), 9–68; (1967), 67–70].

وعلى ما يبدو، فإن ألبيرت ناقلٌ محتملٌ  للـعناصر الموجودة والمأخوذة من فلسفة ابن رشد داخل فكر دانتي ، إذ صنّف التعقّل كمَلَكَة إيجاد بالفعل[61]؛ ومن خلالها يكتسح نورُ الله (الجوهر) روحَ الإنسان (العارض). ولدى كل نفس هذه المَلَكَة، ولكنها «انعكاس»[62] نور العقل الأول[63] الذي يصبح -عن حقّ وحقيقة- العقل الكلّي. يرفض ألبيرت نظرة ابن رشد في كون «الموجود بالفعل» مُوجدٌ إلهي، واحد وحيد، قائم بذاته، محقّقٌ إياها في «الموجودات بالقوّة» المتمثّلة في عقول الناس. لكنه مع ذلك، يحاجج على تفرّد العقل الكوني (الأول/الإلهي) بوصفه كليّ المعرفة. إن العقل والروح نجدان، يشتركان في ائتلاف واختلاف الموجودات؛ وعليه، فالروح ليست ما يتحقق به جوهر الإنسان -كما كَتَب توماس-، ولكنها ترتبط بالجسد عبر وظائفه الحيوية. الروح مجبولة خلال «وجودها بالفعل» على التفكّر بالموجِد الحكيم، والمعرفة المتعالية التي يجود بها، ومآلها «المُثُول» أمام البهاء الإلهي. وبهذا، يتمكّن صفوة من البشر على تحقيق رغبتهم العميقة لفهم النّعيم المُقيم -«الثابت والمتكوّن في الإله»- وإدراكه [Albert, De intellectu & intelligibili 2.2–12; Nardi (1960), 145–50].

وتتحقق هذه الرغبة عبر الإدراك الطبيعي؛ دون اللجوء إلى فهم المؤلفات اللاهوتية التي تحاول تفسير الوحي والفضل الإلهي. يختلف ألبيرت وتوماس كلّ الاختلاف في الفكرة السابقة، ويخصص الأخير عدة فصول من كتابه خلاصة المذهب الكاثوليكي ضد الوثنيين لرفضٍ قاطعٍ للفكرة القائلة: إن السعادة النهائية -كما عرّفها أرسطو- يمكن نيلها في هذه الحياة [SCG 3.37–48]؛ ووفقًا له، فإن الرغبة في المعرفة لا تتبدّل ولا تتغير، والفلسفة، بوصفها سعيٌ معرفي حثيث، «تترتّب كلّها، وتنتهي بمعرفة الله» [SCG 3.25.9]. من الصعب تحديد موقف دانتي في هذه المسألة: يتوافق شاعر الفردوس مع توماس في قيمة الفلسفة كونها تُعِدّ العقل للإيمان [Par. 4.118–32; 29.13–45]؛ ولكنه أيضًا يشارك ألبيرت ذهولَه بالإدراك الطبيعي، فتشير كتاباته المبكرة إلى عزمه أن يهب الفلسفة «نعيمًا» خاصًا بها، وازدواجيةً كامنةً في فكره [Foster (1965), 51–71; (1977), 193–208; de Libera (1991), 333–36]. يصعب رؤية مدى إدراكه للأفلاطونية-الجديدة كما شكّلها ألبيرت، أو كما شكّلتها أعمال مثل الإيضاح لأرسطوطاليس فى الخير المحض. أصرّ ناردي -الذي توصل مسبقًا إلى كون دانتي مفكرٌ انتقائيٌّ -[Diomedi (2005), 1–23] على أهمية كتاب الإيضاح لأرسطوطاليس. ولكن أظهرت الدراسات الحديثة أن ناردي، في غمرة حماسه لتحرير دانتي من قيودِ منهجيّةِ توماس الأكويني -والتي لاحظ وجودها مفكرين مثل بيير مادونّيه[64] وجيوڤانّي بوزنيلّي[65]-، يبالغ في شدّة تأثير الأفكار الأفلاطونية-الجديدة عليه [Maierù (2004), 128–35; Stabile (2007), 359–70; Iannucci (1997); Moevs (2005), 17–35].

كان دانتي بالتأكيد واعيًا لتمركز أرسطيّة «راديكاليّة» في بولونيا، حيث تأثر المعلمون مثل سجير دي برابان[66] وبوئيتيوس دي داشا[67]، اللذان أقرّا باستقلالية العقل البشري وقابليته في تحصيل السعادة [Corti (1981), 9–31; Vanni Rovighi]. اتّبع غالبية هؤلاء المفكرون طريقَ ألبيرت، ومن الممكن أن تأثيرَيْ ألبيرت وتوماس كافيان لتحديد الملامح الفريدة لطريقة دانتي في التفلسف [Imbach (1996b), 399–413]. ولكن، تم إحالة عدد من الأدلة النصيّة والمتعلقة بسيرة دانتي إلى بعدٍ متغاير في فكره. تبقى مسألة تأثر دانتي بفلسفة ابن رشد المنقولة عن اللاتينية مسألة قابلة للنقاش بين دارسيه [see esp., Fortin (2002); Ardizzone (2014 and 2016); Ziolkowski (2014a); Stone (2006)].

على الرغم من معرفة دانتي بقيود الفلسفة الأرسطية وقيود الأفلاطونية-الجديدة على تفكيره، والتي لا ترجع إلى كتاب الإيضاح (كونه كتابٌ ذو سماتٍ أفلاطونية-جديدة) وحسب، بل تمتد إلى الهوس القديم لمفكري القرن الثاني عشر بالموسوعية -مثل برناردوس سيلڤيستريس[68] وآلان دي ليلّي[69]-، والذين كانوا شعراءً وفلاسفة، وأخذوا من الأفلاطونية-الجديدة التي ظهرت في العصور القديمة المتأخرة[70] نظرتهم للعالم التي رسمتها أساسًا الفنون الحرة ولغة محاورة طيماوس [الكونية] لأفلاطون [Vasoli (1995a, 2008); Garin (1976), 64–70; Stabile (2007), 173–93]. جاءت أمثولة كوزموغرافيا لبرناردوس وأمثولة آنتيكلوديانوس لآلان[71] بأن التفكّر في أسرار الطبيعة يولّد قصصًا رمزية عن رحلة عقلية تجاه الحقيقة، ومهما ظهرت تجربة دانتي في الفلسفة حيويةً معقدةً، فإنها بمثابة قصة لنفس الرحلة. وفيها، تصبح مزاولة الحب سبيلًا لتحقيق الذات، وإدراكًا لتراتبيّة القوى المؤثرة في الكون أجمع، وبها يؤتى الشخصُ الحكمةَ[72]، وبها يتحقق لعقل الإنسان الذوبان في البهاء الإلهي، الذي به نعتنق التصوّف[73].

 

  1. الوليمة[74]

تتجلّى قدرة دانتي المكينة على التفلسف في كتاب الوليمة، فقد كانت استرسالاته الشعرية مناسبةً لعرض مختلف الأفكار: في الأخلاق، والسياسة، والميتافيزيقا، بالإضافة إلى عرض نقاشٍ مطوّل حول الفلسفة ذاتها. في البداية، عدّ دانتي كتابه «وليمةً» يُقدّم فيها «أربعة عشر طبقًا»، أي أربع عشرة أطروحة، شارحًا فيه قصائده التي تتناول «مواضيعَ في الحب والفضيلة» (Conv. 1.1.14). ولكنه تخلى عن تأليف الكتاب الذي كتبه خلال عامَيْ 1304 و 1307 تقريبًا، فلا يحتوي الآن إلا على أربع أطروحات مكتملة؛ يصف دانتي فيها تكوّن حبّه للفلسفة، ويتأمل قدرةَ الإدراكِ الفلسفي على تقصّي الحقيقة الدينية، متتبعًا الرغبة باكتساب المعرفة من جذورها كفطرة إنسانية، للحد الذي رأى فيه اتّحاد حب الحكمة [المعرفة] مع حبّ الله.

فالفلسفة في أصلها «محبّة الحكمة»، ومجاز دانتي الرئيس في تمثيل هذه المحبة حاضرٌ في تمجيده الشعري لسيدة جليلة[75]، إذ شَابَهَ گوينتزلّي في تطويق لغةٍ متأثرة بالقوى الكونية [بالطب وبالفلك]، فانبثق شعره بالمحبة والفضيلة [Conv. 1.1.14]؛ لأن طبيعة الشعر متوافقة مع إذعانٍ لسلطة «محرّك»[76] الكون، فكانت محبّة الموجودات لهذا المحرّك «الشكلَ الأسمى للفردوس» [2.5.19]، وإن استجابت هذه الموجودات لـ«محبة الروح القُدُس». وما نشاطه [المحرّك الأول] الكوني إلا ترجمة مستمرة للإدراك حبًّا وفطرة، وهذا بالتحديد ما جعل دانتي يصدح منشدًا [Conv. 2, Canzone, 1–9]:

Voi che ’ntendendo il terzo ciel movete,

udite il ragionar ch’è nel mio core,

ch’io nol so dire altrui, sì mi par novo.

El ciel che segue lo vostro valore,

gentili creature che voi sete,

mi tragge ne lo stato ov’io mi trovo.

Onde ’l parlar de la vita ch’io provo,

par che si drizzi degnamente a vui:

però vi priego che lo mi ’ntendiate.

[أيها الوَدود،

إنك تحرك سماء المحبّين[77]،

وتعلمُ جديدَ ما يختلج في صدري،

من مشاعرٍ مجهولة لا أستطيع البوح بها.

السماء النازلُ منها بركاتِ نعمائك

على نبيلِ الموجودات ولطيفِها،

تجتذبني للحالة التي أنا عليها،

ولعلّ قصيدي المسدّد إليك فيما أمر فيه إناءٌ جدير،

فلتستجِب لي، إذ إنني أضرع إليك وأبتهل.]

 

تنقل القوة الفكرية[78] للإله (أو العقل الكلي) دانتي إلى حالة استنطاق لا تدركها إلا هذه القوّة نفسها. وعليه، هناك استمرارية، أو عملية دورانيّة، تبدأ من العقل الكلّي وتحل في الطبيعة عبر سائر الموجودات؛ ليتحول دانتي في حالة ثناء على السيدة الجليلة، وبها تكتمل طبيعته في أسمى تعبير استطاعت رغبته وإدراكه رسمَه [2.6.5; Diomedi (1999)].

تمتاز الأطروحة الأولى من أطروحات الوليمة الأربع[79]، بأنها دفاعٌ عن قرار دانتي في كتابة قصائده وشروحها بلهجة تسكانيّة عاميّة فضلًا عن لاتينية رفيعة. تقدم الأطروحة التي تليها عرضًا بطلميًا[80] للكون الذي يحكمه الله، وتُختتم بوصف سماء الإمبريوم (سماء السماوات) [2.3.8–12]:

يفترض الكاثوليك وجود سماء الإمبيريوم خارج جميع السماوات، عُرفت بأنها سماء اللهب أو السماء النيّرة؛ ويؤكدون بانعدام حركتها في ذاتها وأجزائها بالإرادة. وهذا يفسّر الحركة السريعة للمحرّك الأول، من خلال الرغبة المتقدة لأجزاء السماء التاسعة (السماء التي تحتها)؛ إذ تتحد هذه الأجزاء مع البهاء الإلهي. وتدور العجلة فيها، بالرغبة المتقدة بسرعة معجِزة. وفيها يتسم مرتع الأرواح بالطمأنية والسلام في حضرة ربٍ قدير عارفٍ لذاته. وفيها تعيش الأرواح المباركة وفقًا لما قالته الكنيسة الصدِّيقة. يتفق أرسطو  ومتّبعوه مع هذه النظرة، كما ورد المجلد الأول من كتابه حول الأرض والسماء. هذه السماء صرح الكون، إذ إنها تحيط به، فلا شيء خارجها؛ ولا تؤيّن بأين ولا تكيّف بكيف، سوى في العقل الأول الذي أطلق عليه الإغريق لفظ «Protonoe»[81]. يصور إمام المُغنّين [المزماري] هذه العظمة حينما قال لله « أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَعْظَمَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ! تُغنّي جَلاَلَكَ في السَّمَاوَاتِ.»[82]

ليس للشروحات المتمحورة حول سماء الإمبريوم في القرن الثالث عشر أيّ قرار: حاول بعض المفكرين شرحها علميًا كونها مبدأ كوني راسخ، بينما لمفكرين كتوماس وألبيرت هناك تلازم بين السماء والروح ولا علاقة لهذا بالكون والفلك؛ ولكن يمكن الإحساس بتأثير طبيعتها المزدوجة [الفلكية والروحية] على القانون الطبيعي [Nardi (1967), 196–214; Vasoli (1995a), 94–102]. يعتنق دانتي هذه الشكوك؛ ويبتدئها بالإحالة إلى «الكاثوليك»، أو الاعتقادات الكاثوليكية بوصفها سلطة شاكمة لتفكيره: «[إن سماء الإمبريوم] مثوى الله القدير»، ولكنه، أيضًا، يصفها ككائن «مخلوقٍ في العقل الأول»، ومسبّبٍ لا حركة له في كونٍ مليءٍ بالحركة. إن كان الله حالًّا في هذا المكان، فإن الإمبريوم حالّةٌ فيه، والكون كله مُحاطٌ (سببيًا) بهذه السماء. يوظّف دانتي فيزياء الرغبة لأرسطو؛ لتفسير العلاقة ما بين الإمبريوم والسماوات الدنيا. ولكنها -في نفس الوقت- لا تقبع في مكان، إذ إنها مملكة سماوية ترتع فيها الأرواح المباركة، فتذوب في البهاء الإلهي. يشدد دانتي على هاتين الحالتين بمزج اللغتين: الفلسفية واللاهوتية؛ واستحضار أعمال أرسطو والأفلاطونيين-المجددين بالتوازي مع مزامير إمام المغنّين. ستُحلّ المشكلات المطروحة هنا ضمنيًّا في الفردوس، باستعانة  عبقرية لـ«ميتافيزيقا النور» حينما يبزغ دانتي و پياتريتشِه من «أعظم الدوائر»، أي سماء المحرّك الأول: «السماء التي هي النور الخالص. إنه نورٌ روحاني مفعمٌ بالمحبة…»[83] [Par. 30.39–40]، نجد أنفسنا في نقطة مفصلية تتحول عندها محبة الله إلى طاقة كونية، وكما قال دانتي «المحبة التي تحرّك الشمس وسائر النجوم.»[84]يبدو أن الشعر هو الطريقة الوحيدة في تعريف المنتهى[85]Bonaventure, Sent. 2. d. 2, a. 2, q. 1, c. 4; Thomas, Quodl. 6, q. 11, a. unicus 19].

وتظهر شكوك مشابهة في نقاشات دانتي حول العقل الأول [الجوهر] نفسه: كونه ملكوت السماوات، فهو شبه حاضر في الحياة الدنيا، ويمتلك وجودًا كليًّا وروحيًّا؛ إذ إن الصفة الأخيرة ذات قيمة أعلى من الصفة الأولى، ولا يوجد إله وحيد يتقاسم هاتَين الصفتين بالتساوي. ينسب دانتي -متأثرًا بتوماس- إلى أرسطو الفكرة القائلة أن الآلهة لا تعرف سوى حياةِ الروح فقط [2.4.13; cp. Aristotle, NE 10.8, 1178b; Thomas, Exp. Eth. 10, lect. 12, 2125]. ومن الغريب أن محاولة دانتي في حلّ هذا الإشكال غير مقنعة؛ إذ إنه يحاجج أن الحركة الدورانية للسماوات التي تدير العالم، ما هي إلا غاية نشاط الآلهة التأملي [2.4.13]. في مسألة الإمبريوم التي تسكنها الآلهة، يمكن رؤية خضوع الآلهة المحرّكين (كما يصفهم أرسطو) لعملية تحوّل أفلاطونية-جديدة، ولكن، يُنهي دانتي هذا النقاش بأن الحقيقة -فيما تخص الآلهة- لا يمكن إدراكها تمامًا بعقولنا الدنيوية.

تُختتم الأطروحة الثانية بأمثولة مطوّلة تُعرّف «السماوات» ذات المركز الواحد أو سماوات الكواكب، الفنونَ الحرّة السبعة[86]: «السماء ذات النجوم» والفيزياء والميتافيزيقا؛ سماء المحرّك الأول والفلسفة الأخلاقية؛ وسماء الإمبيريوم وعلم اللاهوت. يُظهر هذا التآلف ما بين الطبيعي والفكري خيرةَ العلم؛ إذ يرجع إلى أفلاطونية العصور القديمة المتأخرة في القرن الثاني عشر، فهذه الخيرة من العلم ما تشربه دانتي في حياته المعاصرة. ويعكس هذا التشديد على وظيفة الحكمة الأخلاقية والسعادة المكتسبة عبر التفكّر علاقتَه الوطيدة مع التقاليد الفلسفية، والتزامًا بالفلسفة كما رآها أواخر القرن الثالث عشر. ويؤيد الفصل الأخير من الأطروحة الثانية أن الجمال الضمني الآتي من معرفة أسباب «المعجزات» -كما جاء في كتاب الميتافيزيقا- يجتذبنا إلى الفلسفة.

من المحتمل أن الأطروحة الثالثة هي الأهم لدارسي فلسفة دانتي ومعرفته، وموضوعها الرئيس: الثناء على البهجة التي تلقيها الفلسفة -بوصفها حبًّا للحكمة[87]– على من يحبها، ليصبحوا أكثر سموًّا وقربًا لله، إذ إن سلطانها مُتجلٍّ في جمالها. إنها تأملٌ في المحبة. وكما نرى لدى دانتي -في نواحٍ عديدة-، أن السيدة الجليلة -التي تُدعى بالفلسفة- أنارت بصيرته.

يستحضر دانتي في بداية الأطروحة الثالثة كتاب الإيضاح: كل «موجود حقيقي» آتٍ من العلّة الأولى (الله)، إذ إنهم يتشاركون هذا النور الإلهي بحسب مستوى نبلهم [3.2.4–8; LC 1.1]، وروح الإنسان أنبل هذه الموجودات: من جهة تُغدق محبّتها على جميع الأشياء مظهرةً نوعًا من الرحمة الإلهية، ومن جهة أخرى ترغب كل الرغبة للذوبان في البهاء الإلهي. الفلسفة تعبير لهذه الرغبة «في نفسها، وبصرف النظر عن الروح، تحمل فهمًا موضوعيًّا، إذ يظهر ما تم فهمه منها محبّة إلهية» [3.11.13]. ولهذا، إن محبة الفلسفة، أو التواؤم الروحي معها، يَهب الإنسانية «قدرًا جليلًا، ويجعلهم أناسًا حقًّا، وبالأحرى يصلون إلى قدرٍ ملائكيٍ أو عقليٍ خالص» [3.3.11]. وفي هذا التواؤم الروحي، تجد الروح في نفسها «جزءًا قيّمًا، ألا وهو القداسة» [3.2.19]، «وتذوب في بهاء إلهٍ سرمديٍ قدير»[3.2.14] . وتظهر بهذا الذوبان كرامة الموجودات؛ إذ إن محبّة الجوهر الإلهي ومحبّة الحكمة يصيران متوائمين مع الله عبر «مزواجة أبدية» [3.12.11–14].

يبدو أن كل هذا محض خيال. لكن، علينا تذكر هدف عرض الفلسفة في الوليمة: وهو محاولة بلوغ أقاصي السعادة في حيواتنا الدنيوية عبر التعقّل، وهذه البهجة محدودة بأخلاقياتنا. يقول دانتي ، الذي يُثني على الإدراك الفلسفي كونه مزواجة بين الله  وما هو شبه-غيبي، أن المزواجة الحقّة لا تُنال إلا عن طريق مباركة الروح المُدركة للمزيج بين الفضائل اللاهوتية[88]، إذ تسمو فوق الفضائل الطبيعية العقلية[89].

وعلى هذا النحو، ليس من العجيب أن نجد دانتي يتحدث عن الروح بعد الموت ككيانٍ باقٍ «ثابتٍ في الطبيعة أكثر من كونها منتمية إلى الوجود الإنساني» [2.8.6] ويؤكد أن إدراكنا لله يستحيل على طبيعتنا الدنيوية [3.15.10]. ناقش أرسطو هذه الفكرة أيضًا، أي، الحياة التأملية الخالصة بعيدة المنال عن إمكاناتنا البشرية: لا يتحصّل عيشنا للحياة بهذه الطريقة إلا لأننا نمتلك في دواخلنا «شيئًا إلهيًّا»  [NE 10.7, 1177b]. ولكن وفقًا لدانتي وتوماس الأكويني، فإن حالة الروح[90] المنفوخة في الجسد تختلف عن الروح المنفصلة، وإن كانا يتوافقان في طبيعتَيهما، إلا أن الروح المنفصلة لا تدرك بإحساسها الصوريّ، بل بتعدد أصنافها، إذ إن النور الإلهي يغمرها بفضيلته [cf. ST 1.89.1r]. يوضّح دانتي أننا لا نستطيع إدراك بعض الحقائق في حياتنا الزائلة إلا في الأحلام[91]، وأن رغبتنا في الإدراك قاصرة بالضرورة [Conv. 2.12.4; Nardi (1944), 81–90]. إن رغبتنا فيما يتجاوز مستوى إدراكنا العقلي غير متماسكة لا أخلاقيًّا ولا فكريًّا؛ إن هي إلا رغبة في إدراك الناقص فضلًا عن إدراك التام. ولهذا، فإن محبتنا للحكمة «متناسبة في هذه الحياة مع معرفتنا المحدودة بحدٍّ لا يتم تجاوزه إلا عن طريق خطأ خارج طويّة الطبيعة» [3.15.8–10].

تحاول أطروحات  الوليمة جاهدةً دفع هذه الحدود التي رسمتها، لتتناسب مع إدراكنا المعرفي في حياتنا الدنيوية. وفقًا لـ دانتي ، بوصفه شاعرًا للحب أولًا وآخرًا، فإن للتجربة في نيل المعارف الفلسفية عنصرٌ نفسيٌ: يمكّننا من تمحيص المدارك العقلية، إذ به تصِلنا الفلسفة بجوهر الأشياء. كما لاحظ كينيلم فوستر[92] أن لهذه الصلة -عند دانتي- قيمة ميتافيزيقية:

لم يهتم دانتي بماهية معرفته، إذ أن نشوة المعرفة سابقة للمعرفة نفسها [ولكل النشوات]؛ لأنه في عملية المعرفة يحيط العقل بالحقيقة؛ وإن ذاق العقلُ الحقيقةَ، بتوافقها مع الواقع، فإنه لا يكلّ من طلبها  كاملة مُكمّلة، أي، بتوافقها مع الواقع بأكمله. [Foster (1965), 59–60]

وفي هذه المرحلة، تمتزج المعرفة مع نشوة امتلاكها؛ لتهييء النفس للإيمان. سنُذهل بتأويل الظواهر بدون الاتّكاء على عصا الفلسفة، إلا إنها تُلهمنا للاعتقاد بأن «لكل معجزة سببًا» [3.14.14]:

وهنا يكمن إيماننا الخالص، إذ ينبثق منه الأمل، أو التطلّع إلى الأمام؛ ومن خلالهما ينجلي الإحسان. وبهذه الفضائل الثلاث يسمو المرء بالتفلسف، كأنه في مدينة أثينا سماوية، حيث يسكن الرواقيون والأرسطيون والأبيقوريون، في نور اليقين، تحت إرادة واحدة، متفقين فيما بينهم أيما اتفاق.

وتُعَدّ الفلسفة على هذا المنوال خادمةَ اللاهوت، ولكن بعدما يعالج دانتي أمثولته الفلسفية بلغة القصيدة الجميلة «السيدة الجليلة»[93] ، تتّخذ قيمةً دينية خاصّةً بها. تسكن «السيدة الجليلة» العقل الإلهي بوصفها «التجسيد الأمثل للجوهر الإنساني»، إذ إن الحكمة التي تمثّلها تمام سموّ النفس الإنسانية [3.6.6]. ورغبتنا فيها ما هي إلا رغبةٌ في الكمال، إذ إنها «كاملة كجوهر الإنسان» [3.6.8]. يضيف دانتي هنا تذكيرًا لانعدام وجود شفاءٍ ناجعٍ لرغبتنا هذه في الحياة الدنيا، لكنه يؤيد موقف توماس في شرحه لكتاب الأخلاق، عندما أحال للمآل الوضيع رغبتنا الطبيعية كونها تتطلّب إدراكًا مُبينًا يفوق إدراكَ البشر [Thomas, Exp. Eth. 1, lect. 9, 107; SCG 3.48.2].

ولكن دانتي بعد إدراجه لهذا اللّبس، يتجاهله؛ كأنه غير قادرٍ على مقاومة تأثير الفلسفة القوي في إرضاء رغبتنا بطريقة متوافقة مع ذاتها. من الطبيعي أن كل شيءٍ يرغب الوصولَ إلى الكمال، ويعدّ الإنسان هذا «كمالَ العقل» [3.15.3–4; cf. Thomas, Exp. Eth. 9, lect. 9, 1872]. ولكن الفلسفة، كما عبّرت عنها قصيدة «السيدة الجليلة»، ليست تمام سموّ الإدراك (أو النفس الإنسانية). وفقًا لدانتي وأرسطو، فإن العقل الإنساني يتجاوز -بطريقةٍ ما- إنسانيّته. وجوابه مبهم فيما يخص إمكانية إدراك السعادة بممارسة الفضيلة، إن كانت هبةً من الله وإلى أيّ حد  [Foster (1977), 198–201]. يكرر دانتي فصلَ السعادة الإنسانية المحضة والسعادة المكتسبة من الله، ولكنه لا يسترسل حول هذه المسألة في النقاشات اللاحقة. ويصر في الفصل الأخير من الأطروحة الثالثة على «الهواجس القوية» التي، ربما،  تعتري المرء في نيله السعادة عبر الفلسفة: فبعض الكيانات تتجاوز إدراكنا، مثل الله، والأبدية، والهيولى [المادة الأولية]؛ وعليه، فإن رغبتنا الطبيعية في المعرفة لا بد أن تظل محدودة في الحياة الدنيا [3.15.7]. إجابة دانتي على هذه المسألة كما جاء أعلاه: رغبتنا الطبيعية في الكمال مقتصرة دائمًا لإدراكنا المحدود، والرغبة في إدراك اللامعقول إدراكٌ لمحدوديّتنا [3.15.8–11]. إن ثمار السعادة الإنسانية -كما يقول أرسطو- «الخيرُ الإنساني» المتبادل عبر ممارسة الفضيلة. وهذا ما أسماه دانتي «الاسثمار البشري»[94] ، وهدفه تحقيق أسمى ما يمكن للإنسان تحقيقه باستغلال مَلَكَاته البشرية.

ولكن الفلسفة غير محصورة بما سبق، إذ إنها تَعِدُ بالمزيد. يَرِدُ في ذُروة الفصل نفسه أن الحكمة «أم جميع الأشياء»، ومكمن الحركة كلها والتوافق في الكون، وهُدى الإنسان في السير على الطريق المستقيم. وكما يبدو، عندما تشكّل الفلسفةُ عقلَ الإنسان، فإنه يصبح على صورة الإله[95] المُدرك لما فوقه وتحته، وأن الله هو المُسبّب وعالمه حادث [3.6.4–6]. ولهذا، نجدُ دانتي يتحدّث عن طبيعتنا الإدراكية، أي «إنسانيّتنا الحقّة» و«طبيعتنا الملائكية» [Moevs (2005), 83–86].

يقول كتاب الإيضاح أن كل سببٍ يُنزل الخيرَ على نتيجته المُكتسبة من مُسبّبه الأول، وبالنسبة إلى الروحِ، فيأتي الخير من الله [Conv. 3.6.11; LC 4.48]. عند النظرِ لصورة السيدة الجليلة، نلتمس خيرَ الله، فيقول دانتي [3.6.12–13]:

ونرى في شخصِها الروعة، التي تلقتها من الله؛ إذ بدوره سبب لرقّة روحها. ومن الواضح أن الله حَبَا هذه السيدة -بعيدًا عن قصورنا البشري- وبعثها مقامًا نبيلًا.

وبناءً على هذا، فإن السيدة الجليلة هي الكمال الذي نطمح إليه. ومن خلالها يتدفق علينا الخير الإلهي، ويستفيض دانتي بالإحالة إلى كتاب الإيضاح [3.7.2; LC 20.157] في الأفياض (جمع فَيْضْ)  الإلهية المتباينة، إذ ليس هناك فيضٌ إلهي يقع بين الناس والملائكة في سلسلة الأفياض الإلهية شبه-المتصلة التي تنزل من الملائكة حتى الوحوش، ولهذا نجد صفوة من البشر ليسوا أقل قدرًا من الملائكة [3.7.7]. إن السيدة الجليلة إذًا لمعجزةٌ بيّنة[96] رُفِعَت من الله كشهادةِ إيمانٍ لنا [3.7.16–17; Foster (1965), 56]؛ وإشراق الله على حبّها للفلسفة، جعله «يُماثل» صورتها «بصورته بقدر ما يمكنها أن تشابهه» [3.14.3; cf. Thomas, SCG 1.91].

ومن الواضح أن الفلسفة أصبحت أكثر من مجرد وسيلة تُحقق بها الطبيعة البشرية ذاتها. ومع ذلك، يظل هذا المثال أساسًا يمكّن دانتي من الإشادة بالفلسفة التي احتلّت مقام الحكمة[97]، أي، العقل الإلهي المتمثّل في تناغم المخلوقات واتّساقها. ويُوصف جمالها في تجلّياته، كما يُوصف جمال الله بجمال مخلوقاته. إن الفيلسوف الحقّ «يحب الحكمة بأجزائها، والحكمة تحبّه بأجزائه، إذ إنها تجتذبه من كل جوارحه» [3.11.12]. تفكّر الفلاسفة أجمعون في طبيعته [الفيلسوف] الملائكية، حيث يبسط التفلسفُ الحكمة للناس [السيدة الجليلة]، بطريقة تكشف -كما يقول أرديتزوني[98]– «مبدأ الوحدة الذي يقوم عليه الكون، وهو في أصله، تعبيرٌ للمحبة والرغبة الساميتَين، الذي يتشارك فيهما البشر وما دونهم على حدٍ سواء» [Ardizzone (2016), 274].

يمكن استذكار نظرة دانتي في حركة «المحرك الأول» السريعة بوصفها رغبة في الاتحاد مع قدسيّة سماء الإمبيريوم [2.3.8]. وقد أنهى دانتي نظرته في كون الفلسفة حكمة. وفي آخر فصل من الأطروحة الثالثة، تُعرّف الفلسفة كتجلٍّ لحكمة الله: «أم الأشياء ومكمن كل حركة» [3.15.15]، ويختتم دانتي بزَجرٍ نبويّ:

أواه! يا من تتوارون عنها، أنتم أسوأ من الموتِ الزؤام! أسفِروا عن أعينكم وأمعنوا النظر؛ ولو كنتم من قبل نشأتكم وصورتكم الأولى مغمورين بمحبّتها؛ وبعدما سوّاكم الله، كانت لكم الهدى لأنفسكم.

يبدو أن الأطروحة الرابعة من الوليمة كُتبت بعد الثلاث الأولى بمدة طويلة، إذ من الملاحظ أنها مختلفة في وجهة النظر. موضوع قصيدتها الرئيس هو طبيعة النّبل الحقيقية. ويأتي في مقدمة الشرح، انقطاع دراسة دانتي الفلسفية بسبب -ما دعته القصيدة- سلوكًا فظًّا وقاسيًا من قبل سيدته الجليلة، حيث ذكر مناسبة هذه القسوة والفظاظة:

مذ عبست سيّدتي في وجهي، وغيّرَتْ أمارات الود تجاهي، -وبعد بحثي المطوّل فيما إن كانت الهيولى فائضة من الله- انصرفتُ لمدة عن الامتثال في حضرتها، وكنتُ أعيش حياة خاوية بدونها. لكنني بدأتُ في التأمل في الإدراك الناقص لماهيّة النبل الإنساني.  [4.1.8]

الاعتقاد بأن الله هو خالق الهيولى شهادةٌ في الإيمان، إذ حسم توماس دور الإرادة والحكمة الإلهيتَين في وظيفة الخَلْق [SCG 2.20.7, 21–24]. لربما أن إقرار دانتي بالتفكير بهذه الشكوك احتياطٌ أو تحفّظ من قبله للإحالات المتغايرة التي جاءت في أطروحته الثالثة [Ardizzone (2016)]. وبدلًا من هذا، من الممكن أنه أحسّ نفسه يوثّن القوى الثانوية المتباينة التي شعر بها، بوصفه شاعرًا، كغبشٍ يحجب عنه معرفة الله القدير -بفعل حركة السماوات الدورانيّة[99]-. يظهر غضب السيدة الجليلة في إحساسه بضياع المعنى، أي، فشلًا يؤكد فردانيّتها وسموّها بالإرادة الإلهية. ومن الممكن أيضًا أن دانتي استرجع الشرح الميتافيزيقي للأطروحتين الثانية والثالثة كعَرَضٍ جانبيٍّ لموضوع سيتوسّع فيه بنَفَسٍ فلسفي في الأطروحة الرابعة.

أينما تكمن الدقة في حل المعضلة التي خلقها دانتي ، فإن الأطروحة الرابعة موسومة بانتقال ملحوظ من الميتافيزيقيا إلى الأخلاق وعلم البلاغة. وُجّهت المعرفة الفلسفية لتمحيص الحياة السياسية والحياة الاجتماعية، وبينما تحوي الأطروحة، كسابقتيها، استطرادات عديدة، استطاعت الحفاظ على وحدة الموضوع. يبدؤها دانتي بضرورة النظام الاجتماعي لتحقيق السعادة البشرية، إذ يتطلّب نظامٌ كهذا حاكمًا واحدًا باستطاعته توجيه رعاياه، وتقبّل أهدافهم وتوحيدها [4.4]. بعد استطرادٍ طويل في دور روما الفريد في التاريخ الإنساني، ينأى عن السلطة السياسية ويتوجه إلى قرينتها الفلسفية، ويحيل إلى أرسطو الذي قال إن تحكم العقل، و«هدى السببية ومعلمها، ومكمن الوجهة النهائية» [4.6.8]. ومن هنا يشتقّ دانتي استنتاجه: ينبغي لسلطان الإمبراطور -أو فن الحكم- والقوانين المستمدة منه، الإذعان لسلطان العقل وقوانين الطبيعة [4.9].

يقول دانتي في هذا الصدد برفض النظرة التي تفصح بأن النبل وليدُ الغنى والأصالة، وينسبها إلى «آخر الأباطرة الرومان» فريدرك الثاني، ويحيل فيما عدا ذلك لاحقًا إلى كتاب السياسة لأرسطو [Mon. 2.3.4; Pol. 4.8, 1294a]. تمكُّنه من المحاججة في الكشف عن الطبيعة الغادرة للغنى، وطريق نبالته الغامض بعد تعاقب الأجيال، ما هو إلا تأكيد لسلطته الفلسفية والمدنية؛ ويظهر هذا الشيء في اعتذاره المفصل لما أفصح عنه [Ascoli (1989), 35–41]. يُعدّ هذا الارتجال خاتمة لطيفة لمشروعٍ ككتاب الوليمة، أي، خطاب بلغة دارجة يعرّف من العامّة حدود السلطة السياسية والتعليمية (السكولاستية)، ويؤكد على استقلالية العقل الإنساني ونجابته.

الفصول المتأخرة من الأطروحة الرابعة مؤسسة بتعريف أرسطي للنبل، يصفه ككمال للشيء وفق طبيعته [Conv. 4.16.7; Physics 7.3, 246a]. الفضيلة، أخلاقًا وفكرًا، هي التعبير الإنساني لهذا الكمال. يبدأ دانتي شارحًا الفضائل الأخلاقية بوصفها مفهومةً أكثر للعامة، فالنبل مطبوعٌ في الروح البدء[100] كبذرة للفضيلة، ويتفرع منها غصنان: حياة العادة وحياة التفكّر. يُطرح في الفصل الأخير كيف يمكن للفضائل المستهلّة من النبل توجيه شهية العقل الطبيعية، وجعلهِ ناميًا بحرارة الحب نحو السعادة، وهي ثمرة هذه الفضيلة [Conv. 4.17.8–9; NE 1.13, 1102a].

في آخر مقطع شعري من القصائد المكتوبة في الأطروحة الرابعة، يشير دانتي إلى القصيدة نفسها «كخلاصةٍ ضد الوثنيين»، ويفسر الفصل الأخير من الشرح أنها اقتداء لكتاب توماس خلاصة المذهب الكاثوليكي ضد الوثنيين، إذ إنها «تُفحم من ينحرف عن الإيمان» [Conv. 4.30.3]. وفيها يعلن نفسه كمتّبعٍ لهذه العقيدة القويمة، ويقول لعلّه «يشرّف» عهدًا كهذا.

ويبدو أن كتاب خلاصة المذهب الكاثوليكي ضد الوثنيين خيارٌ أنموذجي غريب. يضع برونو ناردي احتمالية ضآلة معرفة دانتي بهذا العمل عند كتابته بالحسبان؛ إذ كان يعارض أفكار توماس الجوهرية حول أصل الروح، ودور الكائنات السماوية في الخلق. ولعل أهمها هو دور الفلسفة في إرضاء الرغبة البشرية لاكتساب المعرفة في هذه الحياة [Nardi (1992), 28–29]. وعليه، فقد كان دانتي إلى رأي ألبيرت لأميَل.

وعمومًا، بعد بحث دانتي حول رغبتنا الجوهرية لحيازة الدنيا، يطرح مسألة تشابهها برغبتنا الجوهرية في حيازة المعرفة، إذ إن الأخيرة تكبر بقدر المكتَسب من المعرفة. يبتدئ دانتي إجابته بتوكيد أن «الرغبة الخالصة والبدائية لكل الأشياء وفقًا لطبيعتها تتلخص برجوعها لأصلها» أو لسببها، ويدعّم إجابته بمثال مسافرٍ في طريقٍ هيماء يظن أن كل منزلٍ يراه وجهَتُه النهائية؛ إذ تتركز رغبة الشباب في بدئها حول طعامٍ شهي أو لحنٍ عذب، ثم تتطور لتضم الحب وسمو النفس [Conv. 4.12.14–16]. بينما تشابه هذه النظرة رأي توماس في نمو الرغبة وسعيها الدؤوب في ملاقاة الله، إلا أن دانتي يكمل في أن السبيل إلى تحقيق هذه الرغبة ضم رغبات متفرّعة وإدراك أوجه الكمال [Conv. 4.13.1–2]:

لا يمكن القول بأن الرغبة في المعرفة تكبر بالمعنى المعتاد، حتى لو ذكرتُ سابقًا أنها تتوسع بطريقة محددة؛ لأن المعنى المعتاد للكُبر واحد دائمًا ولا يختلف؛ أما الرغبة في المعرفة عديدة وليست واحدة -إذ ما أتممنا واحدة، تجيء أخرى-. وبمعنى آخر، أن تتوسع لا يعني أن تكبر، حيث التوسّع عملية تطورية من شيءٍ وضيع إلى شيء سامٍ. تتحقق رغبتي في معرفة قوانين الطبيعة بعد الإحاطة تمامًا بقوانين الطبيعة، وإن رغبتُ بعدها في معرفة ماهية وكيفية كل قانون، فإن هذه رغبة جديدة كليًا، إذ إنها لا تتعارض مع الكمال الذي أدركته بتحقيق رغبتيَ الأولى. وهذا التوسّع ليس سببًا للنقص، بل سببٌ للتمام وللكمال.

يستطيع توماس التحدث عن القوة الجاذبة لرغبتنا الطبيعية في المعرفة، إذ جاذبيّتها تزداد بازدياد قربها من الشيء [SCG 3.25.13]. وبالمقابل، يوشك إصرار دانتي أن يبدو شاذًّا في تقسيم المعرفة إلى طبقات ومراتب: التشديد على تراتبية سمو العقل فضلًا عن التشديد على رغبة واحدة تعلو به مرتبةً مرتبة. لكن الأهم لدى دانتي ، الحاجة إلى الاعتراف بقيمة أهداف الإنسان، وستشغل هذه الحاجة دورًا مهمًّا في أعماله الفلسفيّة الأخرى.

 

  1. عن اللغة العامية[101]

حينما كان دانتي يكتب الوليمة، كان أيضًا يؤلف كتابًا عن اللغة العامية بلغة لاتينية رفيعة، ثم تخلّى دانتي عن تأليفه في عام 1307 كما فعل بكتاب الوليمة. وكما خاض دانتي في الأطروحة الرابعة من  الوليمة في ضروب الأخلاق والسياسة، فإنه نسخها عن نفسه في قالب علمي حصيف للشعراء القديرين ممن يمتلكون المعرفة والعبقرية[102] [DVE 2.1.8]، واستعمالهم للغة عاميّة جديرة «لإذابة الأفئدة، وجعل الراغبِ في الشيء راهبًا منه، والراهبُ منه راغبًا فيه» [1.17.4]. ويُلحقُ دانتي بعد تدوينه هذا معالجةً فريدةً لأصول اللغة وتطورها في الجزء الأول، ثم ينتقل للجزء الثاني، وفيه يتكلم عن الصنعة الشعرية بقوانينها الصارمة للغات الدارجة.

يحوي الجزء الأول تسعة عشر فصلًا. تطرح الفصول الثلاثة الأولى منها الحجر الأساس للعمل، بمناقشة الأغراض البسيطة للغة البشرية. ويذكر دانتي فيها، حتى لو اعتبرنا أن الأفكار غير مادية، فإننا مجبولون لا محالة باعتبار الحس السبيل البدء لاشتقاق الأفكار (كالاستنباط بوصفه القاعدة الأولى)، أو انتقال هذه الأفكار من إنسان لآخر (كالمحاججة أو قراءة أمهات الكتب) فاللغات تعرض التفكير في الوسائط المادية (كالصوت الناتج من الأحبال الصوتية الذي تستقبله طبلة الأذن المهتزة). يؤكد دانتي أن استعمال اللغة بهذا الشكل معنى كونك إنسانًا، ليس كالحيوانات الأخرى أو الأباليس أو الملائكة: «وإن أراد البشر إيصال مفاهيمهم الفكرية بين بعضهم، ينبغي لهم امتلاك علامة فكرية أو حسية: فكريةٍ لكونها دليلًا على العقل، وحسيةٍ لاتّكاء العقل والتعقّل على الحس.» [1.3.2].

ويعقب هذه الفصول سبعةٌ أخرى؛ تقدم تحقيقًا لأصول اللغات الدارجة المتنوعة في العالم. ويركز دانتي نظرته في هذه الفصول على مسألتَين: خلقُ آدم ولسانه الأول، وصرح بابل (سيتوسع دانتي في نظرته هذه في النشيد السادس والعشرين من الفردوس Aleksander [2016], 240–41)[103]. وفي الفصول الخمسة اللاحقة، يعرض دانتي بحثه عن ألمع لهجة إيطالية دارجة في عصره، فلا يجدُ بينها مبتغاه، فيصبّ سيلًا من المذمات على أغلب اللهجات المحلية، ومن ضمنها لهجته التسكانيّة الدارجة، إذ نجده يكتب «إن التسكانيين وقعوا في فخّ جريرتهم» [1.13.1] إذ يتفاخرون، وهم سكارى [in hac ebrietate baccantur, 1.13.2] ، بإصرارهم على تفوّق «رطانتهم الفظّة» [turpiloquio, 1.13.3].

وهناك لهجة دارجة مهمة لم تصبها مذمّة دانتي ، وهي اللهجة البولونية (نسبة إلى بولونيا). يزعم دانتي أن أهل بولونيا يتكلمون «بلغةٍ فيها صوتٌ عذب يفوق سائر اللهجات» [1.15.2]؛ لاختلافها عن لهجات إيطاليا الأخرى، فتستعير من لهجات دارجة أخرى «أطباعها الطِّباقية[104]» [1.15.5]. ومع الأسف، يفسّر  دانتي استثناءه للهجتهم: فلم يكن مدحًا لهم، بل تأسّيًا على الحال الكسيف للهجات الأخرى. ثم يقول ختامًا لو أن اللغة البولونية المحلية تفوق سائر اللغات المحلية الأخرى، لِمَ لَمْ ينشد الشعراء العظام مثل گويدو گوينتزلّي، و گويدو گتزلييري[105] ، وفابرزتو [106]، وأونيستو [107]بها؟

في القسم السادس عشر من الجزء الأول، يتحوّل دانتي من بحثه عن لهجة دارجة عذبة بين الأنماط اللغوية في عصرِه إلى تعريفه الخاص، بما يجب أن يُحكم على اللهجات العامية الأخرى به: يُقارب دانتي ضمنيًّا بين ما بحث عنه في اللهجات العامية الإيطالية وبين السبل العقلية التي بها نتعرّف على قانون أو مبدأ يؤمّن فيصلًا بين الخير والشر وفقًا لمعايير عمليّة؛ إذ حاجج دانتي أننا إن أدركنا «الفضيلة» التي يُحكم بها سلامة المرء، سنمسك حتمًا بعنان لهجة تتناسب مع حاجاتنا اليومية. وكما سيؤكَّد في الفصلَين الأوليين من الجزء الثاني، فإن هذه اللهجة مناسبة لأفعال حميدة لصفوة من البشر فقط، أي، إنها مناسبة الاستعمال لبالغي الكمال ومثيريه في نفوس الآخرين. ولن تكتفي بهذا، بل ستعبر هذه اللهجة وتصوغ الفضائلَ المتوافقة مع الجوانب الثالثة من روح الإنسان: رباطة الجأش، والحب، وسداد الرأي. يتعلق أولاها بجوهر الروح الذي يسعى لإدراك ما هو حَسَن؛ ويتعلق ثانيها باستقامة الشهوة للجزء الحيواني منها؛ ويتعلق آخرها بجزئها العقلي [2.2].

يقول دانتي إن هناك أربع خصائص لأي نمط تعبيري [لهجة أو لغة] مناسب للأغراض المذكورة آنفًا، ويعرّفها كالتالي: تمكُّنه، انتقائيّته، كرمه، وشكيمته.  وفي الفصل السابع عشر من الجزء الأول، عنى دانتي تمامًا أن بإمكان لغة دارجةٍ كهذه إثارة النفوس وحثّ الناس على الفضيلة، إذ قال بأن عاميّةً كهذه «مَكِينة» بوصفها لغة «سامية في التعلم والتعبير على حدٍ سواء» [1.17.2]. وفي الفصل الذي يليه، يكمل دانتي أنها «انتقائيّة» أو «حيويّة»؛ لأنها «تُنبت» [اللفظ] الحَسَن والمتميّز من اللهجات المحلية، و«وتجتثّ» القبيح [1.18.1]. وأنها «كريمة» أو «تختص بالمجالس»[108]؛ لأنها «مشاعةٌ بين الجميع وليست لأحد» [1.18.2]. وأنها «شاكمة»؛ لاتّزانها على أكفّ العدل في محكمة يشرف عليها حاكمٌ واحد (مثل ما فقده معاصرو دانتي)، أو محكمة واقعة في «نور العقل المبارك» [1.18.5]. ويطرح هذا المعيار الأخير  أن لهجة عامية كهذه تعتمد على مبادئ الحكم العادل وتعبّر به، ووفقًا لدانتي: «جوهر الشكيمة تأمينُ ميزانٍ قاسطٍ لأي شيء» [1.18.4].

من الملحوظ أن أسلوب دانتي الحجاجي في عن اللغة العامية جازم، ويصارح شكّه عن أصلِ سلطته في إبدائه الخصائص الملخصة أعلاه. ولتوضيحِ قوة حجاجه، من الجدير الرجوع لرؤية ما سبق الخصائص الأربع. قضى دانتي بحثه عن لهجة عامية جديرة بين أربع عشرة لهجة محلية للغة الإيطالية. وأثناء بحثه، حَكَم على السمات الجمالية في اللهجات الإيطالية المحلية بالنقص، وكأنه أسس مسبقًا المبادئ [الأربع] التي شكّلها بعد تخلّيه عن هذا البحث. بعد هجائه لعادات أهليه التسكانيين، أكمل قائلًا حول موازنة حديث أهل جنوة:

إن كان هناك شخص يعتقد أن ما قلتُه حول التسكانيين لا ينطبق على أهل جنوة، لندعه يتأمل إن لم يستعمل أهل جنوة الحرف Z[109] -ولو على وجه النسيان-: إما يجب عليهم الصمت إلى الأبد، أو تأليف لغة جديدة لأنفسهم؛ إذ إن الحرف Z يشكّل أغلب لغتهم العامية، وهو حرفٌ لا يمكن نطقه بدون تشديدٍ معتبر.

التصوّر بتخلّي لهجة قديرة من استعمال الحرف Z تصوّرٌ غريب على ظاهره، ويبدو أنه يتطلّب توسّعًا فكريًّا يتعدّى كون صوت هذا الحرف صوتٌ مزعج. ومن المؤكد أن دانتي محيطٌ بهذه المشكلة، ولهذا شكّ مسبقًا في الفصل السادس في منصبه من تحقيقه:

لمن يظن أن مكان مولده أشرف بقعة تحت الشمس، من المحتمل أنه يظن أيضًا أن لغته الأم لغة باقية خالدة بين جميع اللغات؛ والنتيجة أن يغلب عليه الظن بأنها لغة آدم. لكنني أرى أن العالم كله وطن للجميع، كالبحر للسمك -حتى وإن شربتُ من نهر الآرنو وإن أحببت مدينتي فلورنسا حبًا جمّا قبل تعلّم المشي، فإنني [الآن] أتشرّب المنفى من حبها على غير عدل- ولهذا، سأقيم وزني بالقسطاس المستقيم، لا بالحسّ الميّال.

وإن أردنا التوسّع في هذا الشرح، فإنه يلمح إلى أن أساس منصبه في تقييم جودة اللهجات المحلية العديدة هي نفسها «منفاه». والتأويل بهذا الشكل يحتّم علينا رؤية منفى دانتي غير العادل من مجتمع فلورنسا المُعاب عملية عكسية من نفي آدم من جنة عدن (أو غرور النمرود الذي تسبب بمتعزلات لغوية [النشيد الواحد والثلاثون من الجحيم])[110]، ويدعم هذا التأويل أيضًا أن دانتي في هذا الفصل تحوّل من شكّه لأهليّته للحكم على لهجات إيطاليا المحليّة إلى نقاش للنمط التعبيري[111] في لسان آدم.

ولكن تُحيل هذه الدعاوى إلى تأويل معقول أيضًا لاستنتاج دانتي . أولًا، تشير مطالبته للسلطة بما اكتسب من فضيلة في منفاه أن شرعيّة لهجة محلية قديرة غير محكومة بلعبة أرقام، أي، أن مكانة لهجة ما غير مقدّرة بعدد متكلّميها في منطقة ما. وعلى العكس، الاستعمال المناسب للهجة كهذه يتطلّب من الشاعر امتلاك المعرفة والعبقرية، ولهذا سيكون عدد متكلّميها الأحقاء ضئيلًا، وتوظيفهم لها مقيّدًا. يقدم تحذيرا دانتي بأن مشاكلنا السلوكية في انحيازنا لأعرافنا اللغوية، وأهليّة نقده بوصفه نقدًا يستند إلى الفكر لا إلى الحواس؛ لمحةً باهتمامه بشرعية الأغراض الشعرية للهجة قديرة مؤلفة من سلطة فلسفية وظروف أخلاقية وسياسية.

لتسليط الضوء على هذه اللمحة، سيساعدنا تذكر أفكار دانتي في الوليمة حول العلاقة بين الفلسفة واللاهوت، والسلطة السياسية العلمانية. وكما جاء أعلاه، يحاجج دانتي في الأطروحة الرابعة من الوليمة بأنه يجب على سلطة الإمبراطور التناسب مع فنون الحكم، وعلى القوانين المستقاة منها ألا تلغي المَلَكَة العقلية بموجب الإدراك الفلسفي لقانون الطبيعة. ومن الحقيق أن دانتي استرسل في هذه الفكرة في الفصل السادس من الأطروحة الرابعة من الوليمة، إذ فسّر الضرورة العملية لتوحيد السلطتين الإمبراطورية والفلسفية:

سلطة هذا الفيلسوف الجهبذ الذي أُشير إليه هنا [أرسطو] مشروعة تمامًا [أو كما جاء في النصّ الأصلي: «مصروفة بقوة مطلقة»]. لا تتعارض السلطة الفلسفية مع السلطة الإمبراطورية؛ ولكن من المحتمل أن الأخيرة بدون الأولى خطِرة، والأولى بدون الأخيرة ضعيفة، وهذا ليس نقصًا فيهما، بل مما كسبت أيدي الناس؛ وإن جُمعت واحدة بقرينتها، فالناتج في غاية الحسن والصلاح. ومما جاء في باب الحكمة: «ألقوا محبتكم على الحكمة، يا من تقفون أمام الملأ»، وبمعنى آخر، وحّدوا السلطتَين الفلسفية والإمبراطورية من أجل حكم عادل كريم.

ويصرّح دانتي لاحقًا في النص بأولوية السلطة الفلسفية على قرينتها الإمبراطورية مع الأخذ بالاعتبار، الأحكام المتعلقة بالضرورات السياسية الوضعية. في الفصل التاسع من الأطروحة الرابعة من الوليمة، يزعم دانتي أن:

ما عرضناه باختلاف الفنون يمكن ملاحظته في فن الحكم الإمبراطوري؛ إذ نجد أعرافًا داخل هذا الفن أيضًا، وهي بدورها فنون نقية أخرى. مثل قوانين الزواج، وتدبير الخدم، وإدارة الجيش والمكاتب العمومية؛ وفيها نقع تحت الحكم التام للإمبراطور بلا شك. وإن أحسنتُ التعبير، هناك قوانين أخرى تتبع الطبيعة تؤسس متى ما كان المرء ناضجًا كفاية لإدارة أموره وتدبيرها، وفي هذا لا حق للإمبراطور علينا. وهناك المزيد من القوانين التي تظهر على أنها ذات علاقة مع الحكم الإمبراطوري -ومن يظن أن رأي الإمبراطور مطلق بخصوص هذا المجال فإنه موهوم- كتعريف [هذه القوانين] لماهية الفتوّة والنبل، إذ لا يُقبل رأي إمبراطورٍ لمجرد كونه إمبراطورًا، ولهذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. النتيجة: لا يجب تصديق أو مجاملة الإمبراطور نيرون إذ قال أن الفتوّة جمالُ الجسد والشدة، ولكن بدلًا منه، فإن فيلسوفًا  كأرسطو قال: إن الفتوة ذُروة الحياة الطبيعية.

وبكلمات أخرى، ترتكز حجّة دانتي في كتابه عن اللغة العامية على الدعاوى التي أتى بها في الوليمة وتقوّيها، إذ إن حاكمًا عادلًا يحتاج توحيد سلطته مع السلطة الفلسفية لسنّ القوانين وتطبيقها. من جهة، إن الفلسفة واهنة لقيادة الجميع، إلا من بلغ أشدّه عقلًا وأخلاقًا. ومن الجهة الأخرى، إن الإمبراطور بيده صلاح الرعيّة أو فسادها، ولكن شرعيته تستند على ترتيبه لأولوية المقاصد الفلسفية للإحاطة بمبادئ العدل والفضيلة، مذ كانت هذه القوانين مصاغة من الطبيعة البشرية أكثر من الأعراف المحلية. لكن ما يضيفه عن اللغة العامية لفلسفة دانتي السياسية في الوليمة دعوى صريحة لعظمة الخطاب الشعري بوصفه أداة تُستخدم لتوحيد الناس تحت راية الفلسفة والإمبراطورية؛ إذ يسهل تخيّل هذا المنظور حيث وظّفه أيّما توظيف في عودته للشعر كوسطٍ أساس لجذب أهليه الإيطاليين بلغة عامية في قصيدة الكوميديا الإلهية.

 

  1. الملكية[112]

مع أن هناك نزاعًا حول تاريخ تأليف كتاب الملكية (بعد عام 1314)، إلا إنه من الواضح اكتماله ونشره أثناء حياة دانتي ، على خلاف كتابَيه الأسبقَين. لكنه لم يُتداول على نطاقٍ واسع حتى أواخر العقد الثاني من القرن الرابع عشر ككتاب دعائي داعم لأفكار لويس الرابع لحيازة منصب إمبراطور روما المقدسة [Cassell (2004), 33–49].

بصرف النظر عن الاستعمالات اللاحقة للكتاب، كتاب الملكية مغايرٌ ككتاب الوليمة. يصف هدفه، كما لمّحت الأطروحة الرابعة في الوليمة في النقاش عن الإمبراطورية، ضرورةَ وحدة حكمٍ مائلٍ للكنيسة لكنه مستقلٌّ عنها، وقادرٌ على تسيير إرادة الناس الجمعية بسلامٍ ووئام. يستطيع حكم كهذا توظيف عقول البشر بطاقاتها الكامنة، بل وتوحيدها تحت راية واحدة كالجسد الواحد؛ وكما توظّف العديد من الكائنات الحية وتخرج طاقاتها الكامنة في الطبيعة، فإن هذه الطاقة والسعة غير محصورتَين بوقتٍ أو شخصٍ واحد [Mon. 1.3.3–8]. يضيف دانتي هنا شرحه المستند على شهادة أرسطو [De Anima 3.5, 430a10–15]، فيؤكد على عدم مقدرة البيت الواحد أو المجتمع الواحد أو المدينة الواحدة، على إخراج هذه الطاقة. يتطلب تسيير إرادة الناس الجمعية سلامًا كونيًّا [1.4]، ويتطلب هذا الأخير حكمًا واحدًا يمكّن للناس تحته العمل كالجسد الواحد، وإدراك مقاصد الله وأفعاله  [1.8].

وَرَدَت هذه الحجة في الأصل في الجملة الأولى لمقدمة شرح توماس الأكويني على الميتافيزيقا، حيث أعلن أن أي تسلسلٍ يفضي إلى نهاية، من المحتم أن يحكم أحد عناصر هذه السلسلة «كما يقول الفيلسوف [أرسطو] في كتاب السياسة»  [Thomas, Exp. Metaph., Proemium; Aristotle, Politics 1.5, 1254a–55a]. وفقًا لتوماس، فإن هذه مجرد مقاربة، إذ إنها تقدم موضوع التسلسل الذي ينطبق على الروح ومسعاها لنيل السعادة. المقطع الذي اقتبس منه لكتاب السياسة معنيّ فقط لأوليات التسلسل (التراتبية)؛ وتظهر فكرة «تسلسل الأشياء للوصول إلى مبلغ واحد» كفكرة مضمنة فقط، ولا يجهد أرسطو نفسه لتشكيل مضامينها الميتافيزيقية. لكن دانتي يربطها بأرسطو، أو بإحالة توماس لأرسطو: فكرة «منظومة سياسية معنيّة لبلوغ سعادة[113] البشر جميعًا» [Minio-Paluello, 74–77]. ربما يدعو هذا للتساؤل فيما إن كانت قراءة دانتي الخاطئة للمقطع الأرسطي- الذي اقتبسه دون الرجوع إلى توماس في كتابَيه الوليمة والملكية -[Conv. 4.4.5; Mon. 1.5.2–3]، تحيل على حاجته الماسة في أن يجعل أرسطو داعمًا لنظرته في تشكيل إمبراطورية عالمية.

يناقش ثاني فصول كتاب الملكية الثلاث مدينة روما العظمى، إذ يصف دانتي فيه الدورَ العظيم الذي شغلته المدينة في تاريخ العالم، بإدراج الكثير من المقاطع المأخوذة من الأدب الروماني. وكانت تركز على إخلاص روما لكرامة شعبها، وانسجام القوى الغاشمة[114] لروما مع الطبيعة وإرادة الله.

يناقش الفصل الثالث المشكلة الكبرى للعلاقة بين السلطتَين السياسية والكنسية. يحاجج دانتي في نواحٍ عديدة أن القوة في الحياة الدنيا غير مشتقة من ولا معتمدة على السلطة الروحية، مع أنها تستفيد من قوة البابوية لمباركتها. تتألف هذه الحجج من دحض الدعاوى التقليدية لسلطة البابوية الزائلة، ولكن في الفصل الأخير يجعل دانتي هذه الحجة طرحًا إيجابيًّا يتفق مع ما جاء في كتابه الوليمة. إن كان الإنسان يتألف من روحٍ وجسد، فإن طبيعته متناقضة، إذ تقبل الفساد ولا تقبله. وبجمع النقيضَين، يحتم على وجوده أن يكون منظمًا وفق هاتين الطبيعتَين. [Mon. 3.16.7–9]:

نَصَبَ لنا الله القدّوس مبلغَين: السعادة في الأولى التي تتم بمزاولة طاقاتنا في فردوسنا الأرضي، وسعادتنا في الآخرة التي تتم عند لقائنا الله (ولا تسعفنا طاقاتنا إلا بتشرّب نوره الكريم) في الفردوس الأعلى. لا نستطيع بلوغ هاتين السعادتين إلا بسبل مختلفة، إذ مبلغهما مختلف. إن أردنا الأولى، ينبغي لنا اتباع تعاليم الفلسفة شريطة مزاولتها أخلاقيًّا وفكريًّا. أما إن أردنا الأخيرة، ينبغي لنا اتباع الفضائل اللاهوتية كالإيمان والأمل والإيثار. أوحيَت لنا هذه المبالغ بسبلِها من العقل الإنساني أولًا، الذي ناقشه الفلاسفة، ومن الروح القُدُس آخرًا.

هذه دعوى دانتي الصريحة التي لا هوادة فيها، لاستقلال العقل، مدعومًا بحجة التاريخ العالمي التي وردت في الملكية بتبريرها الأخير لتأييد إمبراطورية عالمية. يتجاوز دانتي حس أوغسطين لموازنة وظيفة الإمبراطورية، ويفند أي تلميح باغض للإمبراطورية الرومانية جاء في كتابات أوغسطين، إذ رغب الأخير بفصل المملكتَين الأرضية والسماوية. في جمل الملكية الأخيرة، أصبح الحاكم الزائل مرسول السماء الفريد الذي « تنزل عليه المياه المباركة من نافورة السلطة الكونية دون أي وساطة» [Mon. 3.16.15].  ومثل الحِجاج الابن رشدي لدعواه السابقة يمكن للإنسانية أن تحقق قدرها الفكري تحت حكم إمبراطورية عالمية فقط، يظهر دانتي في دعواه الكبيرة هذه مغرّضًا أرسطو في خدمة رؤية فريدة تكاد أن تكون بائسة؛ إذ إنها تكشف الإمبراطورية كقوة مخلِّصة.

 

  1. الكوميديا الإلهية[115]

قليلة هي النصوص التي أثارت النفوس وحرّكت العواطف مثلما فعلت الكوميديا الإلهية خلال القرون السبعة الماضية. نشأ الحرص الشديد بقصيدة الكوميديا الإلهية من الاهتمام بما احتوته من ثقافة «موسوعية»؛ إذ اختزلت جميع المعارف القروسطية (بشكل مضمّن- ليس محدودًا- بإسقاطاتها في الأخلاق، والسياسة، والميتافيزيقا، واللاهوت، وتفاسير الإنجيل، وتاريخ الأدب، وعلم البلاغة، والجمال)، وكانت تحضّ معاصريها وقرّاءها المستقبلين بأخذ موسوعيّتها وتطبيقها في حياتهم؛ لملئها بالمعنى. تُعَدّ إلى حدٍ ما أي محاولة لتلخيص محتواها الفلسفي أو مكمن عظمتها، جهالة؛ لأنها موسوعيّة في الأصل، ولأنها تستخدم العديد من الحِيَل الشعرية التي تدور حول السخرية والتناقضات الصريحة. والحقيقة أن جميع المواضيع المذكورة في أطروحات (أعمال) دانتي الثلاث  رسمت المواضيع البليغة لهذا العمل الأعظم. ولكن فضلًا عن محاولة تلخيص معالجة  الكوميديا الإلهية لهذه المواضيع هنا، لربما من الأنفع عرض شرح موجز لمخاطر طرح مسألة العلاقة بين المحتوى الفلسفي للكوميديا الإلهية وهيئتها الشعريّة.

من الجدير استهلالًا أن نذكر أن الكوميديا الإلهية استغنت عن الفلسفة، ورفضتها لصالح ما بدا أنه مشروع روحاني. لمن الصحيح أن الكوميديا الإلهية زجّت حتى أرسطو «أستاذ الذين يعلمون» في الجحيم [الجحيم 4.131][116]، وبالتحديد في الليمبو الذي تسكنه أرواح الوثنيين النبلاء، وعقابهم أنهم «في شوقٍ لا يَحدُوه أمل» [الجحيم 4.42]. لكن، وإن كان الكمال الفلسفي غير كافٍ للخلاص وفقًا إلى البذل الروحي المطروح في الكوميديا الإلهية، فهذا ليس كالقول إن الخلاص في متناول اليد دون الفلسفة. بمعنى آخر، لا يجب أن يستند سؤال ماهيّة الفلسفة، ضمن عالم الكوميديا الإلهية، على أسسه الضعيفة مع أقدار الشخوص المذكورة فيها.

طَرحَ دانتي في الوليمة مسبقًا فهمًا معقدًا لمعنى الفلسفة ومنظورها[117]. تهب الفلسفة (السيدة الجليلة) سَعَةً فكرية للبشر ليتوحّدوا مع الله خلال الإخلاص لها. لهذا، إنه لمن الجدير استذكار مقطعٍ مذكورٍ أعلاه، إذ أسبَقَه دانتي قائلًا:

لا بد من الفهم أن نظرة هذه السيّدة مرسومة لنا، ليس بالرِّنا إلى طلعتها البهيّة وحسب، بل بالرغبة في نيل جواهرها الخفيّة. لهذا، ندرك هذه الجواهر بالعقل، فنراها حقًا، ونؤمن خلالها بأن كل معجزةٍ واردة الحدوث لها سبب إلهي، وبدونها نعجز عن تفسير [المعجزات]، فتصبح بعيدة المنال. وهنا يكمن إيماننا الخالص، إذ ينبثق منه الأمل، أو التطلّع إلى الأمام؛ ومن خلالهما ينجلي الإحسان. وبهذه الفضائل الثلاث يسمو المرء بالتفلسف، كأنه في مدينة أثينا سماوية، حيث يسكن الرواقيون والأرسطيون والأبيقوريون، في نور اليقين، تحت إرادة واحدة، متفقين فيما بينهم أيما اتفاق [3.13–14].

وعلى هذا المنوال، لمن الجدير أيضًا ملاحظة التفاتة دانتي لسلطة أرسطو في الأطروحة الرابعة لكتاب الوليمة بعدما «امتنع» عن رغبته في «السيدة الجليلة» التي تجسّد الفلسفة [4.1.8]. ويلزمنا ذكر أن لجوء دانتي للسلطة الأرسطية لم يكن للأمور الروحيّة والميتافيزيقية التي ناقشها في الأطروحتَين الثانية والثالثة من الوليمة، بل لقضايا الفلسفة الأخلاقية والسياسية وتعريفه للنبالة. لهذه القضايا صلة وثيقة في السعي لحيازة أمور الدنيا لا أمور الآخرة. وبمعنى آخر، لقد تطرّق الوليمة للشد والجذب الحاصل بين دور الفلسفة في الحياة اليومية، ودورها في حياة التفكّر والتأمّل بطريقة تشير أن الكوميديا الإلهية بدورها أيضًا مشكّلة بشدٍ وجذبٍ بين مطامحها لاستخدام متقن للفلسفة في هذين الموضوعَين المترابطين [الحياة اليومية، والحياة التأملية] في إسقاطاتهما لا جوهرهما. لربما أن هذين الموضوعين -في موضعٍ وآخر-يتنافسان فيما بينهما، إذ إن السعي وراء غاية واحدة يلغي أحيانًا السعي وراء أخرى.

هناك تعقيدان يسفّهان أي تقييم مباشر لمعالجة الكوميديا الإلهية لطبيعة الفلسفة. أول التعقيدَين: مسألة تأويل الدعاوى الفلسفية لشخوص الكوميديا الإلهية. يقدم النشيد السادس عشر في المطهر شخصية ماركو لمباردو في إفريز الغضب. يمس حديث ماركو لدانتي أنواع المواضيع الفلسفية، وضمنهم رفضًا للحتمية النجمية [الأبراج]. ولكن الأبيات التالية لحديثه أكبر من مجرد عرض قصير للفلسفة السياسية التي نوقشت مسبقًا في الأطروحة الرابعة من الوليمة وكتاب الملكية. وبالتحديد، يشخّص ماركو سبب المشقة المدنية في إيطاليا التي عاصرها دانتي [المطهر 16.106-112]:

 

Soleva Roma, che ’l buon mondo feo,

due soli aver, che l’una e l’altra strada

facean vedere, e del mondo e di Deo.

L’un l’altro ha spento, ed è giunta la spade

col pasturale, e l’un con l’altro insieme

per viva forza mal convien che vada

però che, giunti, l’un l’altro non teme.

[وروما التي صنعت الدنيا الصالحة،

اعتادت أن تكون ذات شمسَين أنارتا كلا الطريقين،

طريقَ الدنيا وطريقَ الله.

ولقد أطفأت إحداهما أنوار الأخرى؛

وارتبط السيف بالعكاز؛

واتحاد  الواحدة بالأخرى عنوةً يقتضي السير في طريق الشر؛

إذ باتحادهما لم تعد إحداهما تخشى من الأخرى شيئًا…]

 

وباستحضار كتابَي الوليمة والملكية، يؤكد ماركو مسبقًا [في الأبيات 91 – 96] على ضرورة وجود عنان أو دليل لثني الرغبة البشرية عن الملذات الأساسية ليتسنى لهم نيل السعادة الحقة. لربما نرى دانتي مؤيدًا للنظرة القائمة أن أفضل طريقة لزرع العدالة تتضمن توحيدًا لسلطة الإمبراطور السياسية كـ«عنانٍ» للرغبة البشرية، وللسلطة الفلسفية النابعة من النفس كـ«دليلٍ» وبوصلةٍ أخلاقيّة.

ومع صراحة حديث ماركو في هذه العطفَة[118]، إلا أن القارئ مدركٌ بأن المتكلّم يجاهد للتوبة والتطهّر؛ لأن حسّه بالعدالة نابعٌ من غضب تجاه من لم يشاركه قِيَمه. في عالمٍ غاشم، سيعني هذا أن حبّ ماركو للفضيلة [16.47] سيُضعف من قدرته على الإحسان؛ وبمعنى آخر، حتى إن عُنيَ أن حديث ماركو ناسخٌ للأطروحة الرابعة من كتاب الوليمة ومن كتاب الملكية، فإن سياقه الدرامي [المسرحي] ينثر بعض الشكوك، فيما إن كنا قادرين على فهمه بوصفه تأييد غير جدير لتلك الدعاوى. إن المشكلة التأويلية التي أثارتها أهمية هذا السياق الدرامي، للأحاديث المتفرقة في الكوميديا الإلهية، خاصيةٌ لا مناص منها لتفسير [119]هيكل العمل ضمن سياقات فلسفة ولاهوتية معنيّة لنا.

ثاني التعقيدَين: اختيار دانتي لوضع پياتريتشِه موضع الوصيّةِ العليا، للقوامة على صدق وخلاص قوّة نصّه المدفونة، إذ شكّلت وصيّرت معنى كتاباته كلّها. إن پياتريتشِه والسيدة الجليلة كلتاهما امرأتان، ورمزان أيضًا في الحياة الجديدة، والكوميديا الإلهية؛ إذ يحث تجديد پياتريتشِه [فيهما] القارئَ للعودة إلى نصوص دانتي المبكرة مع كبح تفسير أطروحاتها المرتبطة بتأويل القارئ المبدئي لقصيدة الكوميديا الإلهية. ينبغي التنويه، أيضًا، أن شخص دانتي الحاجّ [الشخصية الرئيسة في القصيدة] ما هي إلا نسخة تخييلية لذاته [الشاعر المؤلِّف]، والذي نَظَم مسبقًا الحياة الجديدة، ولم يكتب مؤلفاته الثلاث الأخرى[120] بعد. يساهم هذا التنويه في العلاقة الغريبة التي شكّلتها الكوميديا الإلهية بينها وبين نصوص دانتي الأسبق. من المؤكد أن الكثير من الدارسين تكلّموا وجادلوا في استدراكيّة[121] بعض مقاطع الكوميديا الإلهية لما جاء في الحياة الجديدة والوليمة[للاستزادة: Freccero 1973; Hollander 1975, 1990; Jacoff, 1980; Pertile 1993; Scott 1990, 1991, 1995; Ascoli 1995; Dronke 1997; and Aleksander 2011a].

بالرغم من هذَين التعقيدَين، إلا أنهما يسمحان بخاتمة، ولو كانت متواضعة، لواحدة من أساسات القصيدة: إن كان من الصحيح قول أن السياق الدرامي كشف علاقة پياتريتشِه والحاجّ، وأعاق محاولاتنا لفهم معالجة الكوميديا الإلهية لطبيعة الفلسفة، فإنه لمن الصحيح أيضًا القول بوجود درس فلسفي مشتق من طريقة النص المعيقة لفهمنا له. على الوجه الأكثر دقة، حتى مع دفاع الكوميديا الإلهية الصريح لفوقيّة حياة التأمّل والتفكّر لإدراك الخلاص، فإنها تثير، أيضًا، إرادة القارئ بدفعها إياه لمجابهة الإدراك المقلق أن المحتوى الفلسفي التي دافعت عنه القصيدة -إلى حدٍ ما- خدّاع المظهر وحمّالٌ للشك؛ لتقفّي الأثر الفكري الذي تركته هذه الفلسفة. لحسن الحظ أنه من المحتمل أن الطبيعة المخادعة لهذا المحتوى الفلسفي لا صلة لها بطريقة تفاعل القارئ مع القصيدة؛ إذ يولّد هذا التفاعل معنىً عبر عملية تتطلّب -على أي حال- تفكيرًا فلسفيًّا محكمًا. والقصيدة منظومة مع الاقتناع بألا أمل مرجو لإدراك الكمال دون تعرّضنا لشعور الدهشة المقلق، وخصوصًا أثناء انهماكنا في نشاط القراءة؛ وتشتدّ هذه التجربة، وتستمر بشرهنا الفلسفي والاعتراف بحدوده.

 


المراجع

[المصادر الرئيسية والترجمات]

كوميديا دانتي أليجييري الإلهية، ترجمها: حسن عثمان، الصادرة عن دار المعارف المصرية، ابتدأ بترجمتها عام 1951 وانتهى عام 1968.

الحياة الجديدة: فيتا نُوُفا، ترجمها وقدمها: محمد بن صالح، الصادرة عن منشورات الجمل ومشروع كلمة عام 2009.

  • Alighieri, Dante, La Commedia secondo l’antica vulgata, ed. Giorgio Petrocchi, Florence: Le Lettere, 1994.
  • The Divine Comedy, trans. Charles Singleton, 6 vols., Princeton: Princeton University Press, 1970–75. Clear prose facing-page translation, along with commentary volumes that quote generously from Thomas Aquinas and others.
  • Inferno, Purgatorio, Paradiso, trans. Robert Hollander and Jean Hollander, 3 vols., New York: Doubleday, 2000–07. Poetry translation with extensive commentary.
  • The Divine Comedy of Dante Alighieri, trans. Robert M. Durling, 3 vols., Oxford: Oxford University Press, 1996–2011. Clear prose translation with useful commentary. An excellent teaching edition.
  • Convivio: A Dual-Language Critical Edition, trans. Andrew Frisardi, Cambridge: Cambridge University Press, 2018.
  • Dantis Alagherii Epistolae: The Letters of Dante, trans. Paget Toynbee, Oxford: Clarendon Press, 1966.
  • Monarchia, trans. Prue Shaw, Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
  • Opere minori, 3 volumes, Milan and Naples: R. Ricciardi, 1979–95. Includes copiously annotated editions of the Vita nuova; De Vulgari Eloquentia; Convivio; Monarchia; and Epistole.
  • Vita nuova, trans. Dino S. Cervigni and Edward Vasta, Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1995.
  • De vulgari eloquentia, trans. Steven Botterill, Cambridge: Cambridge University Press, 1996.
  • Contini, Gianfranco, ed., Poeti del duecento, 2 volumes, Milan and Naples, R. Ricciardi, 1960. Vol. 2 contains the poetry of Guido Guinizzelli and Guido Cavalcanti.

 

  • [المصادر الثانوية]
  • Aleksander, Jason, 2011a, “Dante’s Understanding of the Two Ends of Human Desire and the Relationship between Philosophy and Theology,” The Journal of Religion, 91: 158–187.
  • –––, 2011b, “The Problem of Theophany in Paradiso 33,” Essays in Medieval Studies 27: 61–78.
  • –––, 2016, “Providence, Temporal Authority, and the Illustrious Vernacular in Dante’s Political Philosophy,” in Time: Sense, Space, Structure, Presenting the Past, vol. 5, eds. Nancy van Deusen and Leonard Michael Koff, Leiden: E. J. Brill, pp. 231–260.
  • Ardizzone, Maria Luisa, 2011, Dante: il paradigma intellettuale. Un’inventio degli anni fiorentini, Florence: L. S. Olschki.
  • –––, ed., 2014, Dante and Heterodoxy: The Temptations of 13th Century Radical Thought, Newcastle upon Tyne: Cambridge Shcolars Publishing.
  • –––, 2016, Reading as the Angels Read: Speculation and Politics in Dante’s Banquet, Toronto: University of Toronto Press.
  • Ascoli, Albert, 1989, “The Vowels of Authority (Dante’s Convivio, IV.vi.3–4),” in Discourses of Authority in Medieval and Renaissance Literature, eds. Kevin Brownlee, Walter Stephens, Hanover, NH and London: University Press of New England, pp. 23–46.
  • –––, 1991, “‘Neminem ante nos’: Historicity and Authority in the De vulgari eloquentia,” Annali d’Italianistica 8: 186–231.
  • –––, 1995, “Palinode and History in the Oeuvre of Dante,” in Dante Now: Current Trends in Dante Studies, ed. Theodore J. Cachey, Notre Dame: University of Notre Dame Press, pp. 115–186.
  • –––, 2008, Dante and the Making of the Modern Author, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Auerbach, Erich, 1929, Dante: Poet of the Secular World, trans. Ralph Manheim, Chicago: University of Chicago Press, 1961.
  • Baika, Gabriella I., 2014, The Rose and Geryon: the Poetics of Fraud and Violence in Jean de Meun and Dante, Washington, D.C.: Catholic University of America Press.
  • Barański, Zygmunt G., 1986, “‘Significar per verba’: Notes on Dante and Plurilingualism,” The Italianist 6: 5–18.
  • Barbi, Michele, 1941, Problemi di critica dantesca: seconda serie, Florence: Sansoni.
  • Barnes, John C. and Michelangelo Zaccarello, eds., 2013, Language and Style in Dante, Dublin: Four Courts Press.
  • Barolini, Teodalinda, 1984, Dante’s Poets: Textuality and Truth in the Comedy, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1992, The Undivine Comedy: Detheologizing Dante, Princeton: Princeton University Press.
  • Baur, Christine O’Connell, 2007, Dante’s Hermeneutics of Salvation: Passages to Freedom in the Divine Comedy, Toronto: University of Toronto Press, 2007.
  • Belliotti, Raymond Angelo, 2011, Dante’s Deadly Sins: Moral Philosophy in Hell, New York: Wiley-Blackwell.
  • Benfell, V. Stanley, 2011, The Biblical Dante, Toronto: University of Toronto Press.
  • Boyde, Patrick, 1981, Dante Philomythes and Philosopher: Man in the Cosmos, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1993, Perception and Passion in Dante’s Comedy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2000, Human Vices and Human Worth in Dante’s Comedy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Bruce-Jones, John, 1995, “L’importanza primaria della materia prima: Aspetti della materia nella poesia e nel pensiero di Dante,” in Dante e la Scienza, ed. Patrick Boyde, Ravenna: Longo, pp. 213–21.
  • Cahill, Courtney, 1996, “The Limitations of Difference in Paradiso XIII’s Two Arts: Reason and Poetry,” Dante Studies 114 (1996): 245–69.
  • Cassell, Anthony, 2004, The Monarchia Controversy, Washington, D.C.: Catholic University of America Press.
  • Cogan, Marc, 1999, The Design in the Wax, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Corbett, George, 2013, Dante and Epicurus: a Dualistic Vision of Secular and Spiritual Fulfillment, London: Modern Humanities Research Association and Maney Publishing.
  • Corti, Maria, 1981, Dante a un nuovo crocevia, Florence: Sansoni.
  • –––, 1983, La felicità mentale. Nuove prospettive per Cavalcanti e Dante, Turin: G. Einaudi.
  • Davis, Charles Till, 1957, Dante and the Idea of Rome, Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1984, Dante’s Italy and Other Essays, Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
  • De Benedictis, Raffaele, 2012, Wordly Wise: the Semiotics of Discourse in Dante’s Commedia, New York: Peter Lang.
  • Diomedi, Adriana, 1999a, “Dante e la necessita di perfezione: verso la felicita ultima,” Rivista di Studi Italiani, 17: 1–19.
  • –––, 1999b, “Il nesso ‘perfezione Filosofia’ in Dante,” Quaderni d’italianistica, 20: 191–210.
  • –––, 2005, Il principio di perfezione nel pensiero dantesco, Leicester, U.K.: Troubador.
  • Dronke, Peter, 1997, Dante’s Second Love: The Originality and the Contexts of the ‘Convivio’, Exeter: Society for Italian Studies.
  • Eco, Umberto, 1995, “The Perfect Language of Dante,” in The Search for a Perfect Language, trans. James Fentress, Oxford: Blackwell Publishers, pp. 34–52
  • Fortin, Ernest Leonard, 2002, Dissent and Philosophy in the Middle Ages: Dante and His Precursors, Lanham: Lexington Books.
  • Fortuna, Sara, Manuele Gragnolati, and Jürgen Trabant, eds., 2010, Dante’s Plurilingualism: Authority, Knowledge, Subjectivity Legenda: Oxford
  • Foster, Kenelm, 1977, The Two Dantes and Other Studies, Berkeley, CA and Los Angeles: University of California Press.
  • –––, 1965, “Religion and Philosophy in Dante,” in The Mind of Dante, ed. Uberto Limentani Cambridge: Cambridge University Press, pp. 47–78.
  • Franke, William, 1996, Dante’s Interpretive Journey, Chicago: The University of Chicago Press.
  • –––, 2013, Dante and the Sense of Transgression, London: Bloomsbury.
  • Freccero, John, 1973, “Casella’s Song (Purg. II, 112),” Dante Studies, 91: 73–80.
  • Freccero, John, 1986, Dante: the Poetics of Conversion, Cambridge, Mass: Harvard University Press.
  • Frisardi, Andrew, 2015, The Quest for Knowledge in Dante’s Convivio, London: The Temenos Academy.
  • Garin, Eugenio, 1976, Rinascite e rivoluzioni. Movimenti culturali dal XIV al XVII secolo, 2nd edition, Rome: Laterza.
  • Gauthier, René-Antoine, 1993, Saint Thomas d’Aquin, Somme contre les Gentils, Paris: Editions universitaires.
  • Gilson, Étienne, 1939, Dante and Philosophy, trans. David Moore, New York: Harper and Row, 1963.
  • Gilson, Simon A., 2004, “Rimaggiamenti danteschi di Aristotele: ‘gravitas’ e ‘levitas’ nella Commedia,” in Le culture di Dante: studi in onore di Robert Hollander, ed. Michelangelo Picone, Theodore J. Cachey, Jr., Margherita Mesirca, Florence: Cesati, pp. 151–77.
  • Ginsberg, Warren, 1999, Dante’s Aesthetics of Being, Ann Arbor: The University of Michigan Press.
  • Gragnolati, Manuele, 2005, Experiencing the Afterlife: Soul and Body in Dante and Medieval Culture, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • –––, 2016, “16. Politics of Desire,” Vertical Readings in Dante’s Comedy, vol. 2, eds. George Corbett and Heather Webb, Cambridge, UK: Open Book Publishers, pp. 101–126.
  • Gragnolati, Manuele, Tristin Kay, Elena Lombardi, and Francesca Southerden, eds., 2012, Desire in Dante and the Middle Ages, London: Modern Humanities Research Association and Maney Publishing.
  • Hollander, Robert, 1975, “Purgatorio II: Cato’s Rebuke and Dante’s scoglio,” Italica, 52: 348–63.
  • –––, 1990, “Purgatorio II: The New Song and the Old,” Lectura Dantis, 6: 28–45.
  • Holmes, Olivia, 2008, Dante’s Two Beloveds: Ethics and Erotics in the Divine Comedy, New Haven: Yale University Press.
  • Honess, Claire and Matthew Treherne, eds., 2013, Reviewing Dante’s Theology, 2 vol, Oxford: Peter Lang.
  • Iannucci, Amilcare A., 1997, “Dante’s Philosophical Canon (Inferno, 4. 130–44),” Quaderni d’italianistica, 18: 250–60.
  • –––, 2000, “Dante’s Theological Canon in the Commedia,” Italian Quarterly, 37: 51–56.
  • Imbach, Ruedi, 1996, Dante, la philosophie et les laïcs, Fribourg and Paris: Editions universitaires.
  • –––, 2002, “Filosofia dell’amore: Un dialogo tra Tommaso d’Aquino e Dante,” Studi medievali (ser. 3), 43: 816–32.
  • Jacoff, Rachel, 1980, “The Post-Palinodic Smile: Paradiso VIII and IX,” Dante Studies, 98: 111–22.
  • Kay, Richard, 2006, Dante’s Enigmas: Medieval Scholasticism and Beyond, Aldershot: Ashgate.
  • Kirkpatrick, Robin, 1978, Dante’s Paradiso and the Limitations of Modern Criticism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1987, Dante’s Inferno: Difficulty and Dead Poetry, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Libera, Alain de, 1991, Penser au Moyen Âge, Paris: Éditions du Seuil.
  • Lombardi, Elena, 2012, The Wings of the Doves: Love and Desire in Dante and Medieval Culture, Montreal: McGill-Queen’s University Press.
  • Maierù, Alfonso, 2004, “Dante di fronte alla Fisica e alla Metafisica,” in Le culture di Dante: studi in onore di Robert Hollander, ed. Michelangelo Picone, Theodore J. Cachey, Jr., Margherita Mesirca, Florence: Cesati, pp. 127–49.
  • Marchesi, Simone, 2011, Dante and Augustine: Linguistics, Poetics, Hermeneutics, Toronto: University of Toronto Press.
  • Mazzotta, Giuseppe, 1979, Dante, Poet of the Desert, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1993, Dante’s Vision and the Circle of Knowledge, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2003, “The Heaven of the Sun: Dante between Aquinas and Bonaventure,” in Dante for the New Millenium, eds. Teodolinda Barolini and H. Wayne Storey, New York: Fordham University Press, pp. 152–168.
  • Meier, Christel, 1988, “Cosmos Politicus: Der Funktionswandel der Enzyklopädie bei Brunetto Latini,” Fruhmittelalterliche Studien, 22: 315–56.
  • Minio-Paluello, Lorenzo, 1980, “Dante’s Reading of Aristotle,” in The World of Dante, ed. Cecil Grayson, Oxford: Clarendon Press, pp. 61–80.
  • Moevs, Christian, 1999, “God’s Feet and Hands…” Modern Language Notes 114: 1–13.
  • –––, 2005, The Metaphysics of Dante’s Comedy, Oxford: Oxford University Press.
  • Montemaggi, Vittorio, and Matthew Treherne, eds., 2010, Dante’s Commedia: Theology as Poetry, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Moore, Edward, 1968, “The Reproaches of Beatrice,” in Studies in Dante, Oxford: Clarendon Press, pp. 221–52.
  • Nardi, Bruno, 1944, Nel mondo di Dante, Rome: Istituto Grafico Tiberino.
  • –––, 1949, Dante e la cultura medievale, 2nd edition, Bari: Laterza.
  • –––, 1960, Studi di filosofia medievale, Rome: Edizioni di storia e letteratura.
  • –––, 1967, Saggi di filosofia dantesca, 2nd edition, Florence: La Nuova Italia.
  • –––, 1992, Dal “Convivio” alla “Commedia”, 2nd edition, Rome: Istituto storico italiano per il Medio Evo.
  • Olson, Kristina M, 2014, Courtesy Lost: Dante, Boccaccio, and the Literature of History, Toronto: University of Toronto Press.
  • Panella, Emilio, 1979, Per lo studio di fra Remigio dei Girolami, Pistoia: Memorie domenicane, n.s. 10.
  • Passerin d’Entrèves, Alessandro, 1952, Dante as a Political Thinker, Oxford: Clarendon Press.
  • Pertile, Lino, 1993, “Dante’s Comedy beyond the Stilnovo,” Lectura Dantis, 13: 47–77.
  • Rizzo, Stefano, 1969, “Il De vulgari eloquentia e l’unità del pensiero linguistic di Dante,” Dante Studies, 87: 69–88.
  • Ryan, Christopher, 1995, “‘Natura dividitur contra gratiam’: concetti diversi della natura in Dante e nella cultura filosofico-teologica medievale,” in Dante e la Scienza, ed. Patrick Boyde, Ravenna: Longo, pp. 363–73.
  • Santagata, Marco, 2016, Dante: The Story of His Life, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Scott, John, 1990, “Dante and Philosophy,” Annali d’Italianistica, 8: 258–277.
  • –––, 1991, “Beatrice’s Reproaches in Eden: Which ‘School’ Had Dante Followed?” Dante Studies 109: 1–23.
  • –––, 1995, “The Unfinished Convivio as Pathway to the Comedy,” Dante Studies 109: 1–23.
  • –––, 1996, Dante’s Political Purgatory Philadelphila: University of Pennsylvania Press.
  • –––, 2004, Understanding Dante Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • –––, 2008, “[Purgatorio 16:] A World of Darkness and Disorder,” in Lectura Dantis: Purgatorio, ed. Allen Mandelbaum, Anthony Oldcorn, and Charles Ross, Berkely: University of California Press, pp. 167–177.
  • Simpson, James, 2005, “Poetry as Knowledge: Dante’s Paradiso XIII,” Forum for Modern Language Studies, 25: 329–43.
  • Singleton, Charles, 1956, “Virgil Recognizes Beatrice,” Dante Studies, 74: 29–38.
  • Stabile, Giorgio, 2007, Dante e la filosofia della natura. Percezioni, linguaggi, cosmologie, Florence: SISMEL Edizioni del Galluzzo.
  • Steinberg, Justin, 2013, Dante and the Limits of the Law, Chicago: University of Chicago Press.
  • Stern, Paul, 2018, Dante’s Philosophical Life: Politics and Human Wisdom in Purgatorio, Philadelphia: Univerity of Pennsylvania Press.
  • Stone, Gregory, 2006, Dante’s Pluralism and the Islamic Philosophy of Religion, New York: Palgrave Macmillan.
  • Van Cleve, Thomas C., 1972, The Emperor Frederick II of Hohenstaufen. Immutator Mundi, Oxford: Clarendon Press.
  • Vanni Rovighi, Sofia, 1967, “Le ‘disputazioni de li filosofanti,’” in Dante e Bologna nei tempi di Dante, Bologna: Commissione per i testi di lingua, pp. 179–92.
  • Vasoli, Cesare, 1995a, Otto saggi per Dante, Florence: Lettere.
  • ––– 1995b, “Dante, Alberto Magno e la scienza dei ‘peripatetici’,” in Dante e la Scienza, ed. Patrick Boyde, Ravenna: Longo, pp. 55–70.
  • –––, 2008, “Dante e l’immagine del mondo nel Convivio,” in L’idea e l’immagine dell’universo nell’opera di Dante, Ravenna: Centro dantesco dei Frati minori conventuali, 83–102.
  • Wetherbee, Winthrop, 2008, The Ancient Flame: Dante and the Poets, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • Williams, Pamela, 2005, “Dante’s Heaven of the Sun and the Wisdom of Solomon,” Italica, 82: 165–179.
  • Wilson, A. N., 2011, Dante and Love, New York: Palgrave Macmillan.
  • Ziolkowski, Jan M., ed., 2014a, Dante and Islam, New York: Fordham University Press.
  • –––, ed., 2014b, Dante and the Greeks, Washington, D.C.: Dumbarton Oaks Research Library and Collection.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر على شبكة الإنترنت

 

هذه مصادر متميّزة للاستزادة من دانتي دراسةً أو/و اهتمامًا:

The Dante Dartmouth Project  يقدم هذا المشروع قاعدة بيانات نصية قابلة للبحث وتحوي أكثر من سبعين شرحًا للكوميديا الإلهية.

تضم صفحة جمعية دانتي الأمريكية أمثلة لكتابات الطلاب، وأدوات تعليمية للمرحلة الثانوية، ومراجع، وروابط تحيل للعديد من المصادر Education and Outreach.

Digital Dante  أقام قسم اللغة الإيطالية في جامعة كولومبيا هذا المشروع الذي يحوي شروحات تيودوليندا باروليني، وأداة تناص مرئية للكوميديا الإلهية، وصورًا، وعددًا من التسجيلات الصوتية، ومصادر أساسية وثانوية منوعة، وبضع ترجمات.

The Princeton Dante Project يقدم هذا المشروع قاعدة بيانات نصية قابلة للبحث لنصوص دانتي وترجماتها، مع معرض وسائط، وإحالات لمصادر ثانوية أيضًا.

 

مقالات ذات صلة

Albert the Great [= Albertus magnus] | Anselm, Saint [Anselm of Bec, Anselm of Canterbury] | Aquinas, Saint Thomas | Arabic and Islamic Philosophy, disciplines in: psychology and philosophy of mind | Arabic and Islamic Philosophy, historical and methodological topics in: influence of Arabic and Islamic Philosophy on the Latin West | Boethius, Anicius Manlius Severinus | heaven and hell in Christian thought | Ibn Sina [Avicenna] | medieval philosophy | Olivi, Peter John | political philosophy: medieval | Pseudo-Dionysius the Areopagite | Theology of Aristotle | world government


[1] Wetherbee, Winthrop and Jason Aleksander, “Dante Alighieri”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2018/entries/dante/>.

[2] الأبيات مأخوذة من ترجمة حسن عثمان لفردوس دانتي الصادرة عن دار المعارف المصرية: «أيتها النجوم المجيدة، أيها النور المفعم بالفضل العظيم، الذي أعترف بأن إليه يرجع كل ما لي من عبقريةٍ، وبالحال التي هي عليها؛ / لقد كان معكم بازغًا كما كان آفلًا، ذلك الذي هو لكل البشر والدٌ، حينما أحسستُ لأول وهلة بأنسام تسكانا؛ / وعندما أفاضت عليّ النعمة الإلهية بورود الحلقة السامية التي هي دائرةٌ بكم، قُدّر لي أن آتي إلى رُحابكم.» وقُدّر زمن هذه النجوم من 14 أيار حتى 13 حزيران. (المترجم).

[3] يقول جدّ دانتي الأكبر مخاطبًا إياه: «ثم تبعتُ الإمبراطور كورّادو(كونراد)؛ وقد طوّقني بحزام فروسيته؛ ونلت مرضاته بما قمت من طيب الأعمال. / وفي إثره سرتُ في مواجهة عنفوان [وهي في الأصل: كفران. لكن حسن عثمان أبدلها لأن المقصود فيها الدين الإسلامي] تلك الشريعة…» [الفردوس 15: 139-142] (المترجم).

[4] Cacciaguida.

[5]Marco Santagata.

[6] Guelfi

[7] Ghibellini

[8] Benevento

[9] Tagliacozzo

[10] Bonifacio.

[11] Henry VII of Luxembourg.

[12] Cangrande I della Scala.

[13] Scholastic.

[14] Convivio.

[15] De vulgari eloquentia.

[16] نسبة إلى مدينة نابولي الإيطالية. (المترجم).

[17] Frederick II of Sicily.

[18] Manfred.

[19] Brunetto Latini.

[20] Livres dou Tresor.

[21] dolce stil novo, or Sweet New Style.

[22] Guido Guinizzelli.

[23] bella donna.

[24] Intelligenzïa.

[25] المقصود بالمحرك الأول الله، أو الروح القُدُس. وهو خالق الكون والذي بعث فيه الحياة والحركة (المترجم).

[26] celestial hierarchy.

[27] Guido Cavalcanti.

[28] ترجم الشاعر الأمريكي عزرا باوند قصائد گويدو كاڤلكانتي وحاول إعادة نفس الوقع الموسيقي لشعره، وهذه القصيدة مما وقع عليه الترجمة وعنوانها: A Lady Asks Me ، وعنوانها الأصلي: Donna mi prega (المترجم).

[29] naturale dimostramento.

[30] Phantasma.

[31] Diletto.

[32] anima sensitive.

[33] Canzone.

[34] Vita nuova.

[35] يجعلها شبيهة بعرض مسرحي. (المترجم)

[36] يعود كل الفضل للمترجم الشاعر محمد بن صالح الذي نقله إلى العربية، والتي صدرت ترجمته عن منشورات الجمل ومشروع «كلمة» عام 2009. يشير كاتب المدخل إلى قول دانتي هذا في كتابه الحياة الجديدة: «عندئذٍ عزمتُ ألّا أتّخذ، وإلى الأبد، كموضوع لأشعاري إلا ما يكون مديحًا لمولاتي الرائعة، ومفكّرًا في ذلك جيدًا، كان يبدو لي أنني أطاول موضوعا أرفعَ من قدراتي، حتى أنني ما كنت أجرأ على البدء في ذلك. وهكذا بقيتُ لبضعة أيام موزّعا بين رغبة نظم الشعر والخوف من البدء في ذلك.» (المترجم).

[37] Donne ch’avete intelletto d’amore.

[38] Gentilezza.

[39] والمقصود فيه الحب. (المترجم).

[40] يقول دانتي في الحياة الجديدة في الترجمة المُشار إليها سابقًا: «هنا، يمكن أن ينتاب الشكّ بعض المستنيرين في أنني أتكلم عن الحبّ كما لو أنه شيء في ذاته، لا كجوهر عاقل فحسب، وأنني لا أتكلم عن الحب كجوهر حسي، وهو […] باطل: فليس الحب في ذاته جوهرًا، بل هو عرض […].» (المترجم).

[41] أخذتُ القصيدة من ترجمة محمد بن صالح المشار إليها مسبقًا؛ لأنها مترجمة من النص الأصلي وأقرب لروحه. (المترجم).

[42] للاستزادة، انظر سفر يوحنا في العهد الجديد. (المترجم).

[43] فرع فلسفي يدرس جواهر الأشياء، كالوجود والواقع. (المترجم).

[44] Remigio dei Girolami.

[45] Summa contra Gentiles.

[46]Studium generale  اسم أماكن الدراسة في العصور الوسطى. (المترجم)

[47] Studia principalia.

[48] Conventuals.

[49] Matteo d’Acquasparta.

[50] Bonaventura da Bagnoregio.

[51] يقول دانتي عنهما: «ولكنه لن يكون من كازالي -اسم مدينة-، ولا من أكواسپارتا -اسم قرية-، إذ سيأتي رجلان -ماتيو وأوبرتينو-إلى الكلمة المكتوبة، وسيتجنبها أحدهما -ماتيو-، وسيجعلها الآخر أكثر صرامة -أوبرتينو-» (المترجم).

[52] Bruno Nardi.

[53] باللغة اللاتينية: ألبيرتوس ماگنوس، وفي النص الأصلي: Albert the Great (المترجم).

[54] Liber de Causis.

[55] للاستزادة، الرجاء زيارة الصفحة التالية في موسوعة ستانفورد: https://plato.stanford.edu/entries/pseudo-dionysius-areopagite/ (المترجم).

[56] Intelligenze.

[57] sostanze separate.

[58] virtus formative.

[59] prima intelligentia.

[60] anima intellectiva.

[61] intellectus agens.

[62] Resultatio.

[63] أو -بحسب الفارابي- الموجود الأول، والواحد الأول، والحق الأول، وهو الله سبحانه. (المترجم)

[64] Pierre Mandonnet.

[65] Giovanni Busnelli.

[66] Siger of Brabant.

[67] Boethius of Dacia.

[68] Bernardus Silvestris.

[69] Alan of Lille.

[70] حقبة انتقالية من العصور الكلاسيكية إلى العصور الوسطى. (المترجم).

[71] Cosmographia and Anticlaudianus

[72] ascensus mentis ad sapientiam.

[73] amoroso uso della Sapienza.

[74] Convivio

[75] donna gentile.

[76] يتكلم دانتي هنا بصيغة الجمع، فيقول «محرّكي الكون»، وإن كان في الحقيقة يقصد إلهًا واحدًا، وبالتحديد، الروحَ القدس. (المترجم).

[77] وهي سماء الزُّهرة [ڤينوس]، وهي السماء الثالثة وجاءت في النص الأصلي بهذا الشكل ولكن آثرت الترجمةَ التأويلية لقرب المعنى. يناشد دانتي هنا إله المحبّين. (المترجم).

[78] Intendimento.

[79] Trattati.

[80] نسبة إلى عالم الفلك بطليموس. (المترجم).

[81] لم أجد مرجعًا يتناول هذا اللفظ، فجعلته كما هو. (المترجم).

[82] أُخذت هذه الترجمة من الكتاب المقدس بالترجمة العربية المشتركة من اللغات الأصلية، الصادرة عن دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط، المنشورة من جمعية الكتاب المقدس في لبنان. (المترجم).

[83] تم الاستعانة بترجمة حسن عثمان الأمينة للكوميديا الإلهية الصادرة عن دار المعارف. (المترجم).

[84] المرجع السابق. (المترجم).

[85]عنده يلتقي دانتي بربّه. (المترجم).

[86] المقصود بأن هناك تقابل بين السماوات والعلوم نفسها. (المترجم).

[87] l’amoroso uso della Sapienza.

[88] الفضائل الثلاث: الإيمان، والأمل (أو الرجاء)، والإحسان (الإيثار)، ويقال أن الثالثة هي المحبة، وعليها اختلاف. لكنني اخترت «إحسان» لأنها وردت في النص الأصلي. (المترجم).

[89] وهي اثنا عشر: الشجاعة، الحكمة، والعفة، والعدالة، والصداقة، والصدق، والود، والاتزان، والكبرياء، والبشاشة، والإحسان، وحسن المزاج، ويقال أنها أربع، ولكن هذا الأرجح. (المترجم).

[90] modus essendi.

[91] come sognando.

[92] Kenelm Foster.

[93] donna gentile.

[94] l’umana operazione.

[95] Intelligenze.

[96] visibilmente miraculosa.

[97] Sapientia.

[98] Ardizzone.

[99] Circulazione.

[100] أي الجديدة. (المترجم).

[101] De vulgari eloquentia.

[102] scientia et ingenium.

[103] يقول آدم -عليه السلام- مخاطبًا دانتي: «وخَبَت تمامًا اللغة التي تكلمتها، ومن قبل أن يباشر قوم نمرود العمل الذي ما كان له أن يكمل؛ إذ أنه ما من أثر عقلي بقي دائمًا أبدًا، ما دام ذوق الإنسان يتغير تبعًا لأثر السماء عليه أبدًا. وإنه لمن الطبيعي أن يتكلم الإنسان؛ ولكن الكلام بطريقة أو أخرى شيء تدعه لكم الطبيعة، على النحو الذي يروق لكم.» (المترجم).

[104] الطِّباق في علم البديع: الجمع بين معنيين متضادّين. (المترجم).

[105] Guido Ghislieri.

[106] Fabruzzo.

[107] Onesto.

[108]  Aulic تختص بالبلاط والمحاكم، أو ما يعنيه أنها مشاعة بين الجميع. (المترجم).

[109] لم أستطع ترجمته؛ لجهلي بطريقة نطق هذا الحرف لأهل جنوة في القرن الثالث عشر، فتركته كما هو. (المترجم).

[110] لعلّ ما يميّز هذا النشيد بدايتُه التي تكشف عما اكتنزه: «هذا اللسان جرحني من قبل مرةً، حتى علت حمرة الخجل كلا الخدّين، ثم قدّم لي الدواء» بدأ باللسان، واللسان هو اللغة، ثم سمع دانتي النمرود ناطقًا كلامًا في غاية الغرابة، فلم يفهم دانتي ما قيل، وهذا تعبيرٌ سامٍ لاكتمال فكر دانتي وفلسفته: كما أن رغبتنا محدودة في هذه الحياة لإدراك الكمال والسعادة، فهي أيضًا محدودة لغويًا، فلا عذاب أعظم من عذاب النمرود إذ ينطق لغةً لا يفهمها أحد، وهذا هو المتعزّل اللغوي. (المترجم).

[111] forma locutionis.

[112] Monarchia

[113] Beatitude.

[114] Imperium.

[115] Commedia.

[116] يذكر دانتي في اللمبو وجود الفلاسفة العظام كابن سينا وابن رشد وأرسطو وغيرهم من الشعراء. (المترجم).

[117] يظهر هذا في غزارة المحتوى الفلسفي وتعقيده عند المسيحيين المجددين لأرسطو وأفلاطون. من جهة نرى الفلسفة، ومن الجهة الأخرى نرى اللاهوت. (المترجم).

[118] أو نقطة التحول. يشكّل النشيد السادس عشر مركز الكوميديا الإلهية ومنتصفها، وهو النشيد الخمسون منها، إذ إن عدد الأناشيد مئة (المترجم).

[119] Hermeneutic.

[120] عن اللغة العامية، والملكية، والوليمة.

[121] قيل إن الاستدراك في الشعر: تصحيح خطأ تصحيحًا فوريًا في نفس البيت، ويكون بتوكيد الحكم للمعطوف بعد نفيه عن المعطوف عليه، كقولِ امرئ القيس: «ألا يا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبحٍ (وما الإصباح عنك بأمثلِ)». استدرك الشاعر هنا انتفاء همومه بالصبح؛ لأن الهموم تطارده صباحًا وليلًا، أي غير محصورة في الليل فقط. (المترجم).