الوسم: التعددية الثقافية

  • التعددية الثقافية

    التعددية الثقافية

    الكاتبسارة سونغ
    ترجمةريم التركي
    تحميلنسخة PDF

    مدخل فلسفي شامل حول فلسفة التعددية الثقافية؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة، والتي قد يطرأ عليها التعديل من منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد على تعاونهم واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


     

    يعكس مفهوم التعددية الثقافية في كلٍّ من الخطاب السياسي المعاصر والفلسفة السياسية، جدلاً يتعلق بطريقة الفهم والاستجابة للتحديات المقترنة بالتنوع الثقافي على أساس الاختلافات العرقية، والدينية، والقومية. وكثيرًا ما يستخدم مصطلح “متعدد الثقافات” كمصطلح لوصف حقيقة التنوع داخل المجتمع، لكننا سنركز، فيما يلي، على التعددية الثقافية باعتبارها مثالاً معياريًّا في سياق المجتمعات الديمقراطية الليبرالية الغربية. فبينما نجد أن المصطلح أصبح يضم مجموعة متنوعة من الأهداف والمطالب المعيارية، لكن إنصافًا للحق، علينا القول، بأن أنصار التعددية الثقافية يجدون أرضيةً مشتركةً في رفض أنموذج “بوتقة الانصهار” والتي يتوقع أن تذوب فيه مجموعات الأقليات في الثقافة السائدة. بدلًا من ذلك نجد أن أنصار التعددية الثقافية يقرون نموذجًا يكون فيه بإمكان أعضاء الأقليات الحفاظ على هوياتهم وممارساتهم الجماعية المميزة. وفي حالة المهاجرين، يؤكد أتباع التعددية الثقافية على أن مبدأها يتوافق ولا يتعارض مع اندماج المهاجرين في المجتمع، حيث إِنَّ سياسات التعددية تتيح شروطًا أكثر إنصافًا لاندماج المهاجرين.

    تتشكل الدول الحديثة من لغةِ وثقافةِ المجموعاتِ السائدة التي شكلتها تاريخيًا. لذلك، فإن أعضاء جماعات الأقليات الثقافية يواجهون معوقات في مزاولة ممارساتهم الاجتماعية الخاصة بطرقٍ لا يتبعها أعضاء الجماعات السائدة. ويؤيد بعض المنظرين فكرة التسامح مع جماعات الأقليات من خلال إبعادهم عن تدخلات الدول (Kukathas 1995, 2003)، بينما لا يتفق آخرون مع القول بأن مجرد التسامح مع الفروق الاجتماعية لا يرقى إلى مستوى معاملة أفراد الأقليات على قدر المساواة، فالمطلوب هو الاعتراف والتوافق الإيجابي مع ممارسات مجموعات الأقليات من خلال ما أطلق عليه المنظر الرائد للتعددية الثقافية (ويل كيمليكا) “الحقوق المتمايزة الجماعيّة” (1995). إِنَّ بعض الحقوق المتمايزة الجماعيّة تخص أفراد أعضاء في مجموعة الأقليات، كما هو الحال بالنسبة للأفراد الذين يتم منحهم حصانة ضد القوانين المعمول بها استنادًا إلى معتقداتهم الدينية، أو هؤلاء الأفراد الذين يطالبون بتوافقٍ لُغويٍّ في التعليم وحق الاقتراع وإبداء الرأيّ. ويتم التمسك والإبقاء على الحقوق المتمايزة الجماعية الأخرى من خلال المجموعة ككل بدلًا من أفرادها كُلٌ على حِدَة؛ حيث إِنَّ هذه الحقوق يطلق عليها “حقوق المجموعة” كما هو الحال بالنسبة لمجموعات السكان الأصليين والأقليات، الذين يطالبون بالحق في تقرير المصير. وفي هذا الصدد، بالنسبة لهؤلاء، ترتبط التعددية الثقافية ارتباطًا وثيقًا بالقومية.

    إن التعددية الثقافية جزءٌ من حركةٍ سياسيةٍ أوسع، تهدف إلى احتواءٍ أكبرَ للجماعات المهمشة بما في ذلك الأفارقة الأمريكيين (السود)، والنساء، ومجتمع الميم (وهو اصطلاح يشير إلى مثليّ الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيًّا)، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة (أو متحَدّيّ الإعاقة) (Glazer 1997, Hollinger 1995, Taylor 1992). انعكست هذه الحركة السياسية الأوسع في مناظرات “التعددية الثقافية” في الثمانينات من القرن المنصرم حول إمكانية وكيفية تنويع المناهج الدراسية للاعتراف بما حققته الجماعات المهمشة من إنجازات على المستوى التاريخي. بيد أن ما تركز عليه النظريات المعاصرة للتعددية الثقافية تحديدًا هو الاعتراف بمجموعات الأقليات وإدراجها في المقام الأول من حيث العرق، والجنسية، والديانة. إِنَّ الشغل الشاغل لأنصار التعددية الثقافية المعاصرة هم المهاجرون الذين يمثلون الأقليات العرقية والدينية (مثل، الأشخاص اللاتينيون في الولايات المتحدة، والمسلمون في أوروبا الغربية)، والأقليات (مثل الباسك، والكتالان، وكيبيكوا، والويلز) والشعوب الأصلية (مثل السكان الأصليين والجماعات الأصلية في كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا).


     

    1. مطالب التعددية الثقافية

    ترتبط التعددية الثقافية ارتباطًا وثيقًا بـ “سياسات الهوية”، و”سياسات الاختلاف” و”سياسة الاعتراف”، وجميعها تشترك في الالتزام بإعادة تقييم الهويات المزدرية، وتغيير أنماط التمثيل والتواصل السائدة التي تهمش مجموعات بعينها (Gutmann 2003, Taylor 1992, Young 1990). ولا تشتمل التعددية الثقافية على مطالب الهوية والثقافة فحسب كما يشير بعض نقاد التعددية الثقافية، بل تُعَد أيضًا مسألة تتعلق بالمصالح الاقتصادية والسلطة السياسية، فتشمل مطالب بمعالجة السلبيات والعيوب الاقتصادية والسياسية التي يعاني منها الأفراد نتيجةً لهوياتهم الجماعيّة المهمشة.

    من المسلمات بالنسبة لأنصار التعددية الثقافية أن “الثقافة” و “المجموعات الثقافية” هي التي يجب الاعتراف بها واستيعابها. ومع ذلك، نجد أن مطالب التعددية الثقافية تنطوي على مدى واسع يشمل الدين، واللغة، والعرق، والجنسية، والأصل الاجتماعي أو السلالة. فالثقافة مفهوم متنازع عليه غير محدَّد، وقابل للتعديل، وقد أدرجت جميع هذه الفئات أو مضاهاتها ومناظرتها بمفهوم الثقافة. ويمكن أن يوضح التقسيم والتمييز بين أنواع المطالب المختلفة ما هو على المحك، أو موضع الخلاف ((Song 2008. وتعد اللغة والدين في قلب العديد من المطالب بالتوافق الثقافي من المهاجرين. فالمطلب الرئيسي الذي تقوم به شعوب الأقليات هو حقوق الحكم الذاتي. ويعدّ دور العرق أو السلالة أكثر محدودية في خطاب التعددية الثقافية. وتعتبر مناهضة العنصرية والتعددية الثقافية من الآراء المُصاغة المتمايزة، بيد أنها مترابطة، فأولها يُسَّلِّطُ الضوء على “الإيذاء والمقاومة” بينما يسلط الأخير الضوء على “الحياة الثقافية والتعبير الثقافي والإنجازات، إلى غير ذلك” ( (Blum 1992, 14. وتُعَدُّ مطالب الاعتراف في سياق التعليم متعدد الثقافات مطالبَ ليست فقط للتعرف على جوانب الثقافة الفعلية للمجموعة (الفن والأدب الأفريقي الأمريكي -مثلاً)؛ بل أيضًا للاعتراف بتاريخ تبعية المجموعة وما يصاحبها من خبرات (Gooding – Williams 1998).

    تشمل أمثلة التسهيلات الثقافية أو «الحقوق التمايزية الجماعيّة»: الإعفاءات من القوانين المعمول بها بشكل عام، (مثل: الإعفاءات الدينية)، والمساعدة على القيام بأشياء مكنت أعضاء ثقافة الأغلبية بالفعل من القيام بها (بطاقات الاقتراع متعددة اللغات، وتمويل مدارس اللغات للأقليات والجمعيات العرقية، والعمل الإيجابي -مثلاً)، وتمثيل الأقليات في الأجهزة الحكومية (على سبيل المثال: الكوتا “الحصص” العرقية للقوائم الحزبية أو المقاعد التشريعية، ومناطق الكونغرس للأقلية والأغلبية)، وكذلك اعتراف النظام القانوني المهيمن بتشريعاتهم التقليدية (مثل: منح الاختصاص القضائي في قانون الأسرة للمحاكم الدينية)، أو حقوق الحكم الذاتي المحدودة (مثل: الاعتراف المشروط بالسيادة القبَليَّة، والترتيبات الفيدرالية التي تعترف بالاستقلال السياسي لمدينة كيبيك؛ (من أجل تصنيف مقيد للحقوق الثقافية، ينظر: Levy 1997).

    عادة ما يكون الحقُّ المتمايز الجماعيّ بمثابة حق مجموعة أقليّة (أو أعضاء من تلك المجموعة) في التصرف أو عدم التصرف بطريقة معينة بما يتفق مع التزاماتهم الدينية و(أو) الثقافية. فأحيانًا نجده حقًّا يُقيّدُ بشكل مباشر حرية غير الأعضاء؛ لحماية ثقافة مجموعة الأقلية –في حالة القيود المفروضة على استخدام اللغة الإنجليزية في كيبيك، وعندما تكون الجماعة أو المجموعة صاحبة الحق؛ فقد يحمي الحق قواعد المجموعة التي تقيد حرية أعضائها الأفراد –كما في قاعدة عضوية بويبلو التي تستثني أطفال النساء اللاتي تتزوجن من خارج المجموعة. والآن بعد أن تكونت لديك صورة عن أنواع المطالب التي يتم القيام بها باسم التعددية الثقافية: بإمكاننا أن ننتقل -للأخذ في الاعتبار- إلى المبررات المعيارية المختلفة لتلك المطالب.

    2. مبررات التعددية الثقافية

    1.2 الاعتراف

    تنبثق إحدى مبررات التعددية الثقافية من النقد الشيوعي لليبرالية، ويميل الليبراليون إلى أن يكونوا أفرادًا أخلاقيين؛ فيصرون على أن الأفراد يجب أن يكونوا أحرارًا في اختيار مفاهيمهم الخاصة عن الحياة الصالحة واتباعها، فهم يعطون أولوية للحقوق والحريات الفردية على الحياة المجتمعية والصالح العام، وبعض الليبراليين –أيضًا- أنصار للفردية- عندما يتعلق الأمر بالوجودية الاجتماعية (ما يسميه بعضهم بالفردية المنهجية أو المذهب الذريّ)، يعتقد أنصار المنهجية الفرديّة أنه بالإمكان -بل يجب- الأخذ بعين الاعتبار تبرير الأفعال الجماعيّة والصالح العام من حيث خصائص الأفراد المكونين له وصالح هؤلاء الأفراد. ليس هدف النقد الشيوعي لليبرالية الأخلاق الليبرالية بقدر الوجود الاجتماعي الليبرالي. يرفض الشيوعيون فكرة أنَّ الفرد مُقدم على المجتمع، وأن قيمة المصالح الاجتماعية يمكن تقليصها للمساهمة في رفاهية الفرد. إنهم يتبنون بدلًا من ذلك الشمولية الوجودية، التي تعترف بالمصالح الجماعية باعتبارها –على حد تعبير تشارلز تيلور- “اجتماعية بشكل لا يمكن اختزالها، وذات قيمة جوهرية” (1998 Taylor ).

    ترتكز وجهة النظر الأنطولوجية (الوجودية) الشاملة للهُويّات الجماعيّة على أساس حجة (تيلور) بشأن “سياسة الاعتراف”؛ استنادًا إلى وجهة نظر كل من (روسو وهيردر وهيجل وآخرون)، يوضح (تيلور) قائلاً: “إننا لا نصير أشخاصًا فاعلين كاملين مُحدَّديّ الهوية بمعزل عن الآخرين؛ بالأحرى إِنَّ هويتنا تتحدد من خلال الحوار، وأحيانًا من خلال الكفاح ضد الأشياء التي يرغب الآخر ذو الشأن أن يراها فينا” (, 331994). ولأن هوياتنا تتشكل من خلال الحوار، فإننا نُعَوّلُ على اعتراف الآخر بنا؛ حيث إِنَّ غياب هذا الاعتراف أو سوؤه قد يتسبب في أضرارٍ بالغةٍ. “قد يعاني أحد الأشخاص أو المجموعات ضررًا حقيقيًا، أو تشويهًا فعليًّا، إذا كان الأفراد أو المجتمع من حولهم يحملون لهم صورة مهينة، أو مزرية” (ص 25). إن السعي وراء الاعتراف لا يمكن أن يحقق غايته إلا من خلال “نظام للاعتراف المتبادل بين أناس متساوين” (ص50). ويميز تايلور سياسات الاعتراف عن سياسات “الاحترام المتكافئ لليبرالية التقليدية” التي تعتبر قاسية للاختلاف بسبب: (أ) إصرارها على التطبيق الموحد لتلك القواعد المحددة لتلك الحقوق، دون استثناء، و(ب) أنها تشكك في الأهداف الجماعية (ص60). وعلى النقيض: تقوم سياسات الاعتراف على “أحكام بشأن ما يجعل الحياة صالحة- أحكام تضع الاندماج الثقافي في مكانة مهمة”(ص 61). كما يطرح أو يعرض لصمود الثقافة الفرنسية في كيبك على سبيل المثال. فاللغة الفرنسية ليست مجرد مصدر جمعيّ قد يرغب الأفراد في استغلاله، ومن ثمَّ الحفاظ عليه –كما توحي سياسة الاحترام المتكافئ. بدلًا من ذلك: فإن اللغة الفرنسية تعد منفعة جماعية غير قابلة للاختزال التي تستحق الحفاظ عليها في حد ذاتها؛ حيث هدفت السياسات اللُغويّة إلى “الحفاظ على اللغة الفرنسية في كيبيك”؛ وذلك بالسعي الفعال إلى تشكيل أفراد المجتمع” من خلال ضمان استمرار الأجيال المستقبلية في تحديد هُويّتهم بوصفهم ناطقين بالفرنسية. يرى (تيلور) أنه بسبب الدور الذي لا غنى عنه للثقافات في تنمية الفاعلية والهوية البشرية، فإن علينا أن نتبنى افتراض القيمة المتكافئة لكافة الثقافات”(ص 66).

    2.2 المساواة

    يأتي التبرير الثاني للتعددية الثقافية من داخل الليبرالية، لكن تلك الليبرالية التي تمت مراجعتها من خلال المشاركة النقدية للنقد الشيوعي لليبرالية. وقد طَوَّرَ (ويل كيمليكا) النظرية الليبرالية الأكثر تأثيرًا في التعددية الثقافية من خلال التزاوج بين القيم الليبرالية المتمثلة في الاستقلالية والمساواة مع مناقشة قيمة العضوية الثقافية (1989، 1995، 2001). وبدلًا من البدء بأهداف ومصالح جماعية ذات قيمة جوهرية -كما يفعل (تيلور)، ينظر (كيمليكا) إلى الثقافات على أنها ذات قيمة مفيدة للأفراد، وذلك لسببين رئيسيين: أولًا، العضوية الثقافية بوصفها شرطًا مهمًّا للاستقلالية الشخصية، وفي كتابه الأول الموسوم: الليبرالية والمجتمع والثقافة (1989)، يطور (كيمليكا) نظرية التعددية الثقافية ضمن إطار راولز للعدالة، معتبرًا العضوية الثقافية “سلعة أساسية”؛ أي أشياء يُفترض أن كل شخص عاقل يريدها، وتُعد بمثابة ضروريات لتحقيق أهداف المرء (Rawls 1971, 62) وفي كتابه اللاحق بعنوان: المواطنة متعددة الثقافات (1995)، استبعد (كيمليكا) إطار (راولز) للعدالة، وتبنى بدلًا منه نظرية كل من(أفيشاي مارغاليت)، و(جوزيف راز) حول تقرير المصير الوطني (1990). وجود مجموعة مناسبة من الخيارات للاختيار من بينها يُعَدُّ أحد الشروط المهمة للاستقلالية (Rawls 1986). فالثقافة بمثابة “سياقات اختيار”، تقدم خيارات ونصوصًا ذات مغزًى يمكن للناس من خلالها تأطير أهدافهم ومراجعتها ومتابعتها ( (Kymlicka 1995, 89. ثانيًا: تلعب العضوية الثقافية دورًا مهمًا في الهوية الذاتية للشعوب. نقلاً عن مارجاليت وراز وكذلك تايلور، ينظر كيمليكا إلى الهوية الثقافية على أنها توفر للناس “ملاذًا للتعرف على الذات وطمأنينة الانتماء الآمن دون عناء” (ينظر: 1995: ص89، نقلاً عن مارجاليت وراز 1990: ص448 واستشهادًا أيضًا بـتيلور 1992). هذا يعني أن هناك علاقة عميقة وعامة بين احترام الشخص لذاته والاحترام الممنوح للمجموعة الثقافية التي هو جزء منها. لا يجب تأمين العضوية في أي ثقافة فحسب، بل الثقافة الخاصة للفرد؛ حتى تكون العضوية الثقافية بمثابة سياق مفيد للاختيار وأساس لاحترام الذات.

    ينتقل كيمليكا من هذه المقدمات حول القيمة الأساسية للعضوية الثقافية إلى المطالبة بالمساواة؛ نظرًا لأن المجموعات الأقلية محرومون من الوصول إلى ثقافاتهم (على عكس أعضاء ثقافة الأغلبية)، فإنهم يستحقون حماية خاصة. من المهم أن نلاحظ أن حجة كيمليكا حول المساواة للتعددية الثقافية تستند إلى نظرية المساواة التي أطلق عليها النقاد “مساواة الحظوظ” ( (Anderson 1999, Scheffler 2003 ووفقًا لنظرية مساواة الحظوظ، يجب تحميل الأفراد مسؤولية عدم المساواة الناتجة عن اختياراتهم الخاصة، لكن ليس لعدم المساواة الناجم عن ظروف خارج الإرادة لا دخل لهم فيها ( (Dworkin 1981; Rakowski 1993. إن معالجة أوجه التباين وعدم المساواة الأخيرة هي مسؤولية توّجَّه وتَنْصَبُّ على المواطنين. على سبيل المثال، فإن الاختلافات الناشئة عن البداية الاجتماعية للفرد في الحياة ليست اختيارية، ولكنها تحدد بشدة آفاقنا وتطلعاتنا في الحياة. ويبرر دعاة المساواة في الحظوظ أن أولئك الذين ولدوا لأسر فقيرة يحق لهم الحصول على دعم جماعي ومساعدة عبر خطة ضريبية لإعادة التوزيع. ويضيف كيمليكا العضوية الثقافية إلى قائمة مظاهر عدم المساواة غير المختارة. إذا ولد المرء في أسرة منتمية للثقافة السائدة في المجتمع، فحظه حسن، أما أولئك الذين ينتمون إلى ثقافات الأقليات فيعانون من الحرمان بسبب تعاسة وضعهم بوصفهم أقلية. وبقدر ما يكون سبب عدم المساواة في الوصول إلى العضوية الثقافية نابعًا من الحظ (على عكس الخيارات الفردية)، ويعاني المرء مساوئ نتيجة ذلك فمن حق أعضاء مجموعات الأقليات أن يطالبوا أعضاء ثقافة الأغلبية بأحقيَّة في تحمل تكاليف التوافق والمواءمة. فحقوق الأقليات لها ما يبررها، كما يقول (كيمليكا)، “ضمن نظرية المساواة الليبرالية … التي تؤكد على أهمية تصحيح التفاوتات خارج الإرادة” (Kymlicka 1995, 109).

    قد يتساءل المرء عَمَّا إذا كانت مجموعات الأقليات الثقافية “محرومة” حقًا، ومن ثم فهي تستحق تسهيلات إيجابية. لماذا لا نكتفي بفرض قوانين مناهضة للتمييز، وعدم تقديم أي تسهيلات إيجابية لمجموعات الأقليات؟ يؤكد (كيمليكا) وغيره من المنظرين الليبراليين للتعددية الثقافية أن قوانين مناهضة التمييز لا ترقى إلى مستوى معاملة أفراد الأقليات على قدم المساواة؛ لأن الدول لا يمكن أن تكون محايدة فيما يتعلق بالثقافة. ففي المجتمعات ذات التنوع الثقافي، يمكننا أن نجد بسهولة أنماطًا لدعم الدولة بعض المجموعات الثقافية على حساب أخرى. بينما قد تحظر الدول التمييز العنصري وتتجنب الانتماء الرسمي لأي دين، إِلاّ أنها لا تستطيع تجنب إنشاء لغة واحدة للتعليم العام وخدمات الدولة الأخرى (كون اللغة علامة أنموذجية للثقافة) (Kymlicka 1995, 111; Carens 2000, 77–78; Patten 2001, 693). فالميزة اللغوية تُترجم إلى ميزة اقتصادية وسياسية، إِذ إنَّ أعضاء المجتمع الثقافي المهيمن لهم اليد العليا في المدارس وأماكن العمل والسياسة. تتخذ الميزة اللغوية أيضًا شكلاً رمزيًا. فعندما تتبنى الدولة الدعم الرمزي لبعض المجموعات، دون مجموعات أخرى، من خلال تبني لغة معينة أو عن طريق تنظيم الأسبوع والعطلات الرسمية حسب تقويم ديانات معينة، يكون لها تأثير تطبيعي، مما يشير إلى أن لغة مجموعة ما وعاداتها تحظى بقيمة أكبر من تلك الخاصة بالمجموعات الأخرى.

    قد تفرض قوانين الدولة -إضافة إلى دعمها لثقافات معينة على أخرى- قيودًا على بعض المجموعات الثقافية دون غيرها. وأخذًا بعين الاعتبار (وبالتفكير مليًّا) حالة أنظمة الزيّ في المدارس العامة أو مكان العمل. حظر اللباس الديني يضايق الأفراد المتدينين، كما في حالة (سيمشا غولدمان)، الضابط بالقوات الجوية الأمريكية، والذي كان أيضًا يشغل منصب حاخامًا ويرغب في ارتداء قبعة احترامًا لإله كليّ الوجود (ينظر: قضية واينبرجر ضد جولدمان، 1986). تحظر الدولة الفرنسية الزيّ الديني في المدارس العامة، مما يتثقل كاهل الفتيات المسلمات الراغبات في ارتداء الحجاب في المدرسة، وهذا مثال آخر (Bowen 2007, Laborde 2008). قد يأمر الدين المؤمنين بأن يلبسوا بطريقة معينة (ما يسميه بيتر جونز “عبئًا داخليا”)، لكنه لن يمنع المؤمنين من الذهاب إلى المدرسة أو العمل (Jones 1994). ومع ذلك، فإن الأعباء الواقعة على عاتق المؤمنين لا تنبع من فروض الدين وحدها؛ إِذ إنَّها تنشأ من تقاطع مطالب الدين مع مطالب الدولة (“العبء الخارجي”). يجب أن يتحمل الأفراد أنفسهم أعباءً داخلية؛ فتحمل المرء أعباء ما تفرضه وتلزمه به عقيدته، كالصلاة والعبادة والصوم، هو جزء من الوفاء بالواجبات الدينية للفرد. غير أنَّه عندما يتعلق الأمر بالأعباء الخارجية، ويبرر أنصار التعددية الثقافية الليبراليين بأن العدالة تتطلب مساعدة الأقليات الثقافية لتحمل أعباء هذه المساوئ والعيوب خارج إرادتهم.

    من المهم أن نلاحظ أن أنصار التعددية الثقافية من الليبراليين يميزون بين أنواع مختلفة من المجموعات. على سبيل المثال، طورت نظرية (كيمليكا) تصنيفًا لمجموعات مختلفة وأنواع مختلفة من الحقوق لكل منها. حيث قدمت أقوى شكل من أشكال الحقوق المتمايزة للجماعة – حقوق الحكم الذاتي – للشعوب الأصلية والأقليات القومية نتيجة الحظّ غير المتكافئ المتمثل في عدم اختيار وضعهم كأقليَّة؛ إذ دمجوا قسرًا في الدولة العظمى. على النقيض من ذلك، ينظر إلى المهاجرين على أنهم مهاجرون طوعيًا، إِذ باختيارهم الهجرة قد تخلَّوا عن ثقافتهم الأصليَّة. وتفهم التعددية الثقافية للمهاجرين، ما يسميه (كيمليكا) “حقوق تعدد الأقليَّات”، على أنها مطالبة بشروط أكثر إنصافًا للاندماج في المجتمع الأوسع من خلال منح الإعفاءات والتسهيلات، وليس رفض الاندماج أو المطالبة بتقرير المصير الجماعي (1995, 113–115).

    3.2 التحرر من الهيمنة

    ترتكز مجموعة أخرى من الحجج التي تؤيد التعددية الثقافية على قيمة الحرية. وقد طَوَّرَ بعض المنظرين أمثال فيليب بيتيت (1997) وكوينتين سكينر (1998) فكرة التحرر من الهيمنة والاعتماد على التقاليد الجمهورية المدنية. وعلى هذا المنوال، في دفاعه عن حق الاعتراف، يؤكد (فرانك لوفيت) (2009) أن الهيمنة تمثل عقبة خطيرة أمام ازدهار الإنسان. وعلى النقيض من مفهوم الحرية على أنها عدم تدخل سائد في النظرية الليبرالية، فإن الحرية باعتبارها عدم هيمنة، تستمد وتستقى من تقاليد الجمهورية المدنية، وتركز على “قدرة الشخص على التدخل، على أساس تعسفيّ واستبداديّ، في خيارات معينة يكون الآخر فيها في وضع يُمَكِّنُهُ من القيام بذلك “(Pettit 1997, 52). ووفقًا لوجهة النظر هذه عن الحرية، يمكننا أن نكون غير أحرار حتى عندما لا نواجه أي تدخل -كما في حالة العبد والسيد المحب للخير. جميعنا خاضعون للسيطرة إلى الحد الذي نعتمد فيه على شخص أو مجموعة أخرى يمكنها ممارسة السلطة علينا بشكل تعسفي (Pettit 1997, ch. 2).

    استعرض (فرانك لوفيت) تداعيات قيمة التحرر من الهيمنة في مسائل التوافق (أو) التلاؤم متعدد الثقافات (2010). فبدأ من فرضية أن التحرر من الهيمنة أمر خيريّ، وهو سلوك إنساني مهم، وأن لدينا التزامًا بديهيًا بتقليل الهيمنة. ويرى أن الدولة لا ينبغي أن تأوي الممارسات الاجتماعية التي تنطوي بشكل مباشر على الهيمنة. ففي الواقع، إذا كان التحرر من الهيمنة يمثل أولوية، فيجب على المرء “أن يهدف إلى إنهاء هذه الممارسات في أسرع وقت ممكن، بغض النظر عن تحقيق أي قيمة ذاتية للمشاركين فيها” (, 2562010). أما الممارسات التي لا تنطوي على إخضاع الأفراد للسيطرة، فالتوافق معها جائز، ولكن ليس بالضرورة مطلوبًا. التوافق مطلوب فقط إذا كان سيعزز هدف الحد من الهيمنة. ثمَّ يناقش (لوفيت) أحد الأمثلة المبنية على حالة مألوفة في العالم الحقيقي: هي مزاولة النساء والفتيات المسلمات ارتداء الحجاب. لنفترض، كما يقترح لوفيت، أنه أجريت دراسة تفصيلية لمجتمع مسلم معين في مجتمع ديموقراطي ليبرالي، وكشفت أن فرص التعليم والتوظيف للمرأة غير مشجعة، مما أدى إلى “هيمنة أبوية شديدة”، لكن الدراسة تظهر أيضًا أن ممارسة ارتداء الحجاب لا يعبر عن هيمنة (2010, 258). ويؤكد (لوفيت) أنه يجب تلبية وتسهيل مزاولة ارتداء الحجاب؛ لأن عدم القيام بذلك قد يعزز التزام المجتمع بالممارسات المشتركة الأخرى التي تعزز الهيمنة الأبوية.

    وتتمثل أحد الفرضيات التجريبية الرئيسة هنا في أن مكافحة الممارسات الأبوية داخل مجتمعات الأقليات ستكون أسهل إذا خففت الأعباء على الممارسات الأكثر اعتدالًا، مثل ارتداء الحجاب. ويقدم تحليل (سيسيل لابورد) الذي تناول الحجاب في فرنسا الدعم لهذه الفرضية، إِذ إنَّ تأثير منع الفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب بمثابة تشجيع لآبائهن على سحب بناتهن من التربية المدنية وإرسالهن إلى مدارس دينية؛ فلا يتعرضن لتنوع في وجهات النظر حول العالم في المدارس العامة. قد تؤدي القيود الرسمية المفروضة على التعبير الديني الإسلامي في المجال العام، على حد تعبير (لابورد)، إلى أن “أعضاء الجماعات المهيمنة يوحدون صفوفهم حول الممارسات المشوهة، مما يسرع في التراجع الدفاعي للأشكال والهويات الثقافية المحافظة” (, 1642008).

    وثمة موقف آخر يكون فيه التوافق مبررًا -بحسب (لوفيت): عندما يجعل ارتباط الأفراد الشخصي بممارسات معينة منهم عرضة للاستغلال. يناقش (لوفيت) حالة العمال المهاجرين المكسيكيين ذوي المهارات المحدودة في اللغة الإنجليزية ومعرفة محدودة بالقوانين والسياسات الأمريكية. ويؤكد (لوفيت) أن توسيع “التدابير العامة الخاصة”، مثل الاستثناءات من القواعد واللوائح العامة، بجانب المساعدة القانونية العامة، مطلوب بقدر ما تقلل هذه الإجراءات من الهيمنة على هؤلاء العمال (,2602010). وعلى النقيض من حجج المساواة المجتمعية أو الليبرالية المذكورة أعلاه، فإن أساس التسهيلات الخاصة ليس الرغبة في حماية الثقافات ذات القيمة الجوهرية أو اعتبارات الإنصاف أو المساواة، لكن الرغبة في تقليل الهيمنة.

    وقد دافعت (ميرا باتشفاروفا) أيضًا عن مزايا التعددية الثقافية غير القائمة على الهيمنة مقارنة بمقاربات أو توجهات المساواة الليبرالية. ولتركيزها على الاستخدام التعسفي للسلطة والتباينات الهيكلية الأوسع التي تتفاعل فيها المجموعات، قد يكون نهج عدم الهيمنة أكثر حساسية لحركيّات أو ديناميكا القوة في كل من العلاقات بين المجموعات وداخل المجموعة. وعلى عكس المقاربات التي طورت أيضًا، من نظريات المساواة في العدالة التوزيعية، التي تركز على توزيع أنواع مختلفة من الحقوق، يركز نهج عدم الهيمنة على “الجودة الأخلاقية للعلاقة بين الفاعلين المركزيين” ويصر على استمرارية المعاملة بين المجموعات وضمنها” (2014, 671).

    4.2 معالجة الظلم التاريخي

    ثمة مُنَظَّرِين آخرين يتعاطفون مع التعددية الثقافية وينظرون إلى ما وراء الليبرالية والجمهورية، ويؤكدون -بدلًا من ذلك- على أهمية مواجهة الظلم التاريخي والاستماع إلى الأقليات نفسها. هذا ينطبق بشكل خاص على المُنَظِّرين الذين يكتبون من منظور ما بعد الكولونيالية (الاحتلال). على سبيل المثال، في المناقشات المعاصرة حول سيادة السكان الأصليين، فبدلًا من تقديم مطالب تستند إلى فرضيات حول قيمة الثقافات الأصلية وعلاقتها بإحساس الأفراد بالقيمة الذاتية -كما يفعل الليبراليون متعددو الثقافات، يُصَبُّ التركيز على حساب التاريخ. يؤكد هؤلاء المؤيدون لسيادة السكان الأصليين على أهمية فهم مطالب السكان الأصليين تجاه الخلفية التاريخية المتمثلة في إنكار الوضع السيادي المتساوي لمجموعات السكان الأصليين، ونزع ملكية أراضيهم، وتدمير ممارساتهم الثقافية (Ivison 2006, Ivison et al. 2000, Moore 2005, Simpson 2000). تدعو هذه الخلفية إلى التشكيك في شرعية سلطة الدولة على الشعوب الأصلية، وتقدم حجة ظاهرة للحقوق والحماية الخاصة لمجموعات السكان الأصليين، بما في ذلك الحق في الحكم الذاتي. وقد أكَّدَّ (جيف سبينر-هاليف) أنّ تاريخ اضطهاد الدولة لمجموعة ما يجب أن يكون عاملًا رئيسًا في تحديد -ليس فقط ما إذا كان ينبغي توسيع حقوق المجموعة- ما إذا كان يجب على الدولة التدخل في الشؤون الداخلية للمجموعة عندما تميز وتُحابي أعضاء معينين من المجموعة. على سبيل المثال، “عندما تستخدم مجموعة مضطهدة استقلاليتها بطريقة تمييزية ضد المرأة، لا يمكن ببساطة إجبارها على وقف هذا التمييز” (2001). يجب أن تتمتع المجموعات المضطهدة التي تفتقر إلى الحكم الذاتي “بامتياز مؤقت” على المجموعات غير المضطهدة. وهذا يعني أنه “باستثناء حالات الأذى الجسدي الخطير باسم ثقافة المجموعة، من المهم النظر في شكل من أشكال الاستقلال الذاتي للمجموعة” (ينظر: 2001: ص 97؛ وينظر أيضًا Spinner-Halev 2012).

    يتجاوز المنظرون الذين يتبنون منظور ما بعد الكولونيالية التعدديَّةَ الثقافيَّةَ الليبراليَّةَ إلى هدف تطوير نماذج للحوار الدستوري والسياسي التي تعترف بطرق متميزة ثقافيًا الحوار والتمثيل. تتكون المجتمعات متعددة الثقافات من وجهات نظر دينية وأخلاقية متنوعة، وإذا كان على المجتمعات الليبرالية أن تأخذ مثل هذا التنوع على محمل الجد، فيجب أن تدرك أن الليبرالية هي مجرد واحدة من عديدٍ من وجهات النظر الموضوعية القائمة على رؤية محددة للإنسان والمجتمع. فالليبرالية ليست خاليةً من الثقافة، ولكنها تعبر عن ثقافة مميزة خاصة بها. ولا تنطبق هذه الملاحظة فقط على الحدود الإقليمية بين الدول الليبرالية وغير الليبرالية، ولكن أيضًا داخل الدول الليبرالية وعلاقاتها مع الأقليات غير الحكومية. فقد أجرى (جيمس تولي) دراسة استقصائية للغة الدستورية التاريخية والمعاصرة، مع التركيز على علاقات الدولة الغربية مع الشعوب الأصلية، للكشف عن قواعد أكثر شمولاً للحوار بين الثقافات (1995). ويؤكد (بيكو باريخ) أن النظرية الليبرالية لا يمكن أن تقدم إطارًا محايدًا يحكم العلاقات بين المجتمعات الثقافية المختلفة (2000). ويؤكد عوضًا عن ذلك على أنموذج أكثر انفتاحًا للحوار بين الثقافات، حيث تعمل القيم الدستورية والقانونية للمجتمع الليبرالي كنقطة انطلاق أولية للحوار بين الثقافات، وفي الوقت نفسه تُبنى على الخلاف والطعن القضائي أيضًا.

    وقد أكدت الأعمال الحديثة على أهمية تطوير المزيد من المناهج السياقية التي تمارس وتباشر الكفاحات السياسية الراهنة من أجل إعطاء صوت أكبر لمجموعات الأقليات والاعتراف بها. ومن خلال الفحص التفصيلي لكيفية حرص المتاحف المتاحف الوطنية في كندا والولايات المتحدة على تمثيل مجموعات السكان الأصليين والاعتراف بها، تحدد (كيتلين توم) ثلاثة مبادئ من أجل الاعتراف: التعريف الذاتي، والاستجابة والتنافس الداخلي. سواء أكان مسؤولو المتاحف الذين يسعون إلى عرض تاريخ وثقافة مجموعات الأقليات أم المسئولون الحكوميون الذين يقررون ما إذا كانت الاعتذارات الرسمية عن المظالم التاريخية صحيحة، فيجب عليهم احترام التعريف الذاتي الفردي والجماعيّ، والاستجابة لمطالب الاعتراف بالشروط التي تتوافق مع شروط أولئك الذين يتم التعرف عليهم، وتهيئة التنافس الداخلي للمفاهيم الجماعيّة. ويبدي (توم) مبرراته أنَّ ممارسات الاعتراف التي تسترشد بهذه المبادئ تقترب أكثر من تعزيز الحرية والمساواة لمجموعات الأقليات من النهج الحالية (2018).

    3. نقد التعددية الثقافية

    1.3 نظرة عالمية للثقافة

    يؤكد بعض النقاد أن نظريات التعددية الثقافية تقوم على وجهة نظر جوهرية للثقافة. فالثقافات ليست جوامعَ متميزةً؛ كلٌ قائم بذاته، بل تفاعلت عبر العصور وأثرت ببعضها البعض نتيجة الحرب، والإمبريالية (الحكم الإمبراطوري المستبد)، والتجارة، والهجرة. يعيش الناس في بقاع كثيرة من العالم في ثقافات عالمية بالفعل، تتميز بالاختلاط أو (بالتهجين) الثقافي. وحسبما يوضح (جيريمي والدرون)، قائلاً: “إننا نعيش في عالم تصيغه التكنولوجيا والتجارة؛ وذلك من خلال الاقتصاد، والدين، والسياسة الإمبريالية وأعقابها، نتيجة الهجرة الجماعية واختلاف التأثيرات الثقافية. وفي هذا السياق، فإن الانغماس في الممارسات التقليدية لثقافة السكان الأصليين، إذا قلنا، قد يكون تجربة أنثروبولوجية رائعة، غير أنّه ينطوي على انسلاخٍ مصطنعٍ مما يجري بالفعل في العالم” (1995). إن هدف الحفاظ على ثقافة أو حمايتها ينطوي على خطر إعطاء الأولوية لنسخة واحدة يزعم أنها نقية من تلك الثقافة، وبالتالي شل قدرتها على التكيف مع التغيرات والظروف المختلفة (ينظر: Waldron 1995, 110؛ وينظر أيضًا Appiah 2005, Benhabib 2002, Scheffler 2007).

    ويرفض (والدرون) أيضًا فرضية أن الخيارات المتاحة للفرد ينبغي أن تأتي من ثقافة معينة؛ قد تأتي الخيارات ذات المغزى من مجموعة متنوعة من المصادر الثقافية. ما يحتاجه الناس هو المواد الثقافية، وليس الوصول إلى منظومة أو كيان ثقافي معين. على سبيل المثال، أثَّر الكتاب المقدس والأساطير الرومانية وحكايات جريمس بالثقافة الأميركية، بيد أنه لا يمكن النظر إلى هذه المصادر الثقافية باعتبارها جزءًا من بنية ثقافية واحدة، التي يهدف التعدديون الثقافيون مثل كيمليكا إلى حمايتها.

    وردًا على ذلك، يتفق منظرو التعددية الثقافية على أن الثقافات متداخلة وتفاعلية، بل يؤكدون مع ذلك أن الأفراد ينتمون إلى ثقافات مجتمعية منفصلة. ويوضح (كيمليكا) بصفة خاصة أنه في حين أن الخيارات المتاحة للناس في أي مجتمع حديث تنبع من مجموعة متنوعة من المصادر العرقية والتاريخية، بيد أنَّ هذه الخيارات تكون ذات مغزى بالنسبة لنا إذا “أصبحت جزءًا من المفردات المشتركة للحياة الاجتماعية – أي المتجسدة في الممارسات الاجتماعية، القائمة على لغة مشتركة، والتي نتعرض لها… أن نتعلم… من ثقافات أخرى، أو أننا نقترض كلمات من لغات أخرى، لا يعني أننا لا نزال ننتمي إلى ثقافات مجتمعية منفصلة، أو نتحدث لغات مختلفة” (1995, 103). ويؤكد المدافعون الليبراليون عن المساواة في التعددية الثقافية أمثال (كيمليكا) بأنَّ الحماية الخاصة للجماعات الثقافية للأقليات ما زالت قائمة، حتى بعد إقرار نظرة أكثر عالمية للثقافات، إِذ إنَّ الهدف من الحقوق المتمايزة الجماعيّة لا تعني تجميد الثقافات، بل تمكين أفراد مجموعات الأقليات من مواصلة ممارساتهم الثقافية المميزة طالما رغبوا إلى ذلك.

    2.3 التسامح يتطلب التغاضي، وليس المواءمة والتوافق

    أما الانتقاد الرئيس الثاني فيستهدف النظريات الليبرالية للتعددية الثقافية عن التوافق على وجه الخصوص، والذي ينبع من قيمة حرية التجمع والضمير. فإذا أخذنا هذه الأفكار على محمل الجد وتقبلنا الوجودية الفردية والأخلاقية على حدٍ سواءٍ كما نوقش أنفًا، فعندئذ علينا أن ندافع ليس عن الحماية الخاصة للجماعات فحسب، بل أيضًا عن حق الفرد في تشكيل التجمعات وتركها. وحسبما يقر (شاندان كوكاثاس) (1995، 2003)، أنه لا توجد حقوق جماعية، بل حقوق فردية فقط. ومن خلال منح الجماعات الثقافية حماية وحقوقًا خاصة، فإنَّ الدولة بذلك تتجاوز دورها، ألا وهو الحفاظ على المواطنة، مما يهدد بتقويض الحقوق الفردية في حرية التجمع. ينبغي للدول ألا تسعى إلى “الاندماج الثقافي” أو “الهندسة الثقافية”، ولكن حريٌّ بها أن تتعامل مع “سياسات الاختلاف” تجاه جماعات الأقليات (2003, 15).

    وأحد القيود المفروضة على هذا النهج القائم على عدم التدخل هو أن الجماعات التي لا تعترف نفسها بقيمة التسامح وحرية التجمع، بما في ذلك الحق في الانفصال عن جماعة أو الخروج منها، قد تمارس التمييز الداخلي ضد أعضاء جماعتها، ولن يكون للدولة سلطة تذكر للتدخل في هذه التجمعات. ومن شأن سياسة الاختلاف أن تسمح بإساءة معاملة أفراد الفئات الضعيفة (التي نوقشت أدناه في 3-6)، ونتسامح على حد تعبير (كوكاثاس)، مع “المجتمعات المحلية التي تربي وتنشئ أطفالاً أُمييّن مُنعوا من الالتحاق بالمدارس؛ والتي تفرض الزيجات المنظمة؛ وتحرم أفرادها من الرعاية الطبية التقليدية (بما فيهم الأطفال)؛ و توقع عقوبة قاسية و”غير معتادة” (Kukathas 2003, 134). إن تبني مثل هذه الأعمال يعني التخلي عن قيم الاستقلال الذاتي والمساواة، وهي القيم التي ينظر إليها العديد من الليبراليين على أنها أساسية لأي حركة ليبرالية تحررية جديرة باسمها.

    3.3 التحول عن “سياسة إعادة التوزيع”

    هناك اعتراض ثالث للتعددية الثقافية ينظر إليه باعتباره شكلًا من أشكال “سياسة الاعتراف” التي تصرف الانتباه عن “سياسة إعادة التوزيع”. يمكننا أن نفرق تحليليًا بين هذه الأنماط السياسية: فسياسة الاعتراف تتحدى حالة عدم المساواة والعلاج الذي تسعى إليه بمثابة تغيير ثقافي ورمزيّ، في حين أن سياسة إعادة التوزيع تتحدى عدم المساواة والاستغلال الاقتصاديين، والعلاج الذي تسعى إليه هو إعادة الهيكلة الاقتصادية (Fraser 1997, Fraser and Honneth 2003). إن حشد الطبقة العاملة يصبو في نهاية المطاف إلى إعادة التوزيع، ومطالبات الإعفاء من القوانين المعمول بها على وجه العموم، كما لا تهدف حركات زواج المثليين في نهاية المطاف إلا للاعتراف. وفي الولايات المتحدة يساور النقَّاد الذين يرون أنفسهم جزءًا من “اليسار التقدمي” القلق من صعود “اليسار الثقافي” وتركيزه على التعددية الثقافية والاختلاف، مما يحول التركيز بعيدًا عن الكفاح من أجل العدالة الاقتصادية (Gitlin 1995, Rorty 1999). كما أعرب المنتقدون في المملكة المتحدة وأوروبا عن قلقهم إزاء آثار التعددية الثقافية على الثقة الاجتماعية والدعم الشعبي لإعادة التوزيع الاقتصادي (Barry 2001, Miller 2006, van Parijs 2004). ودعا فيليب فان باريس العلماء إلى النظر في الاقتراح، “هناك أشياء أخرى متساوية، وأكثر ثقافية … كلما كان التجانس بين سكان إقليم معين، زادت آفاقهم للتضامن الاقتصادي” (2004, 8).

    ثمة نوعان من المخاوف المميزة هنا. أولهما هو أن وجود التنوع العرقي والإثني يقلل من الثقة والتضامن الاجتماعيين، والذي يقوض بدوره الدعم الشعبي للسياسات التي تنطوي على إعادة التوزيع الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، يوضح (روبرت بوتنام) أن سبب تراجع الثقة الاجتماعية والمشاركة المدنية في الولايات المتحدة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنوع الإثني والعرقي (2007). وقد أشار (رودني هيرو) أنه كلما عَظُمَ التباين والاختلاف العرقي والإثنيّ في الدولة، قُيّدَت برامج الرعاية الاجتماعية على مستوى الدولة (Hero 1998, Hero and Preuhs 2007). وتشير التحليلات على الصعيد الوطني إلى أن الاختلافات في التنوع العرقي تفسر جزءًا مهمًا وراء عدم قيام الولايات المتحدة بتطوير دولة الرفاهية على النمط الأوروبيّ (Alesina and Glaeser 2004). أما الشاغل الثاني فهو أن سياسات التعددية الثقافية نفسها تقوض دولة الرفاهية من خلال إبراز أهمية الاختلافات العرقية والإثنية بين الجماعات وتقويض الشعور بالهوية الوطنية المشتركة الذي ينظر إليه على أنه ضروري دولة الرفاهية الاجتماعية المنيعة (Barry 2001, Gitlin 1995, Rorty 1999).

    وردًا على ذلك، دعا مُنَظِّرو التعددية الثقافية، بل وتعاونوا على إجراء المزيد من البحوث التجريبية لهذه المقايضات المزعومة. ففيما يتعلق بالشاغل الأول بشأن المقايضة بين التنوع وإعادة التوزيع، يتساءل كل ٌمن (كيمليكا) و(بانتينغ) عن إمكانية تعميم الأدلة التجريبية المستمدة إلى حدٍ كبيرٍ من البحوث سواء في أفريقيا، حيث إِنَّ ضعف مؤسسات الدولة يحد من أي تقاليد قابلة للاستخدام أو قدرة مؤسسية للتعامل مع التنوع، أم في الولايات المتحدة، حيث نشأت عدم المساواة العرقية نتيجة قرون من العبودية والفصل العنصري. فحينما تكون العديد من مجموعات الأقليات من الوافدين حديثًا، وحيث تكون مؤسسات الدولة قوية، قد يكون تأثير التنوع المتزايد مختلفًا كليًا (Kymlicka and Banting 2006, 287). وقد اعترضت (باربرا أرنيل) على أطروحة (بوتنام) بشأن رأس المال الاجتماعي، بحجة أن المشاركة في المجتمع المدني قد تغيرت، ولم تتراجع، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبيرٍ إلى الحشد بين الأقليات الثقافية والنساء الساعيات إلى المزيد من الإدماج والمساواة (Arneil 2006a). وترى أن التنوع في حد ذاته ليس هو ما يؤدي إلى تغييرات في الثقة والمشاركة المدنية، بل سياسات التنوع، أيّ كيفية استجابة واعتراض مختلف الفئات للمعايير التي تحكم مجتمعها. والمسألة المحورية إذن ليست الحد من التنوع، بل تحديد المبادئ والإجراءات التي يعاد بموجبها التفاوض بشأن الخلافات باسم العدالة (Arneil and MacDonald 2010).

    أما بالنسبة للشاغل الثاني بصدد المفاضلة بين الاعتراف وإعادة التوزيع، فإن الأدلة التي اعتمد عليها منتقدو إعادة التوزيع الأوائل أمثال باري وتورتي كانت نظرية وظنيّة. وتشير البحوث الدولية عبر القومية التي أجريت مؤخرًا إلى أنه لا يوجد دليل على وجود اتجاه منهجي لسياسات التعددية الثقافية لإضعاف دولة الرفاهية (Banting et al. 2006). تقدم دراسة (إيرين بلومراد) المقارنة لإدماج المهاجرين في كندا والولايات المتحدة الدعم للرأي القائل بأنه ليس هناك مقايضة أو مفاضلة بين التعددية الثقافية ودولة الرفاهية فحسب، بل إن سياسات التعددية الثقافية يمكن أن تزيد في الواقع من الاهتمام بالموارد المخصصة لسياسات إعادة التوزيع. وترى أن سياسات التعددية الثقافية في كندا، التي توفر للمهاجرين مجموعة متنوعة من الخدمات بلغتهم الأصلية، وتدعمهم في الحفاظ على تقاليدهم (موروثاتهم) الثقافية حتى عندما يصبحون مواطنين كنديين، هي السبب الرئيس في أن معدل التطبيع بين المقيمين الدائمين في كندا ضعف معدله في الولايات المتحدة. ويتفق منظرو التعددية الثقافية على ضرورة إجراء المزيد من البحوث التجريبية، لكنهم مع ذلك يؤكدون أن إعادة التوزيع والاعتراف ليست إلا مجرد مقترحات. وكلاهما يعدان مهمين في السعي إلى تحقيق المساواة لجماعات الأقليّات. ومن الناحية العملية، فإن إعادة التوزيع والاعتراف – استجابة للأضرار المادية وتهميش الهويات والأوضاع – كليهما مطلوبان لتحقيق قدر أكبر من المساواة عبر العرق، والإثنية، والجنسية، والدين، والحياة الجنسية، والطبقة (الطائفة)، لأسباب ليس أقلها أن العديد من الأفراد يقفون عند تقاطع هذه الفئات المختلفة ويعانون من أشكال متعددة من التهميش. إن سياسة الاعتراف مهمة ليس نتيجة لآثارها على الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمشاركة السياسية فحسب، ولكن أيضًا من أجل الإدماج الكامل لأفراد الفئات المهمشة كمواطنين متساوين.

    4.3 المثل الأعلى العالمي للمساواة

    هناك اعتراض رابع مسار بحث على الفهم الليبرالي للتعددية الثقافية يتعلق بما تتطلبه المساواة. يدافع (براين باري) عن المثل العالمي للمساواة. وبخلاف ما يدافع عنه (كيمليكا) بشأن المثل الأعلى للمساواة الاجتماعيّة، يفسر (باري) بأنه ينبغي اعتبار الأقليات الدينية والثقافية مسئولة عن تحمل عواقب معتقداتها وممارساتها، تمامًا كما يعتبر أفراد الثقافة المهيمنة مسئولين عن تحمل عواقب معتقداتهم. و يعتقد أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة (متحدّي الإعاقة) جديرون بهذا التوافق، بل يرى أنَّ الانتماءات الدينية والثقافية تختلف عن الإعاقات الجسدية: فالأولى لا تقيد الناس بالطريقة التي تقيد بها الإعاقات الجسدية. وتدعم الإعاقة الجسدية المطالبة الظاهرة بالتعويض لأنها تحد من فرص الفرد في المشاركة في أنشطة يستطيع الآخرون المشاركة فيها. وعلى النقيض من ذلك، قد يشكل الدين والثقافة استعداد المرء لاغتنام الفرصة، ولكنهما لا يؤثران إذا كانت الفرصة سانحة. ويعلل (باري) مفسرًا بأن العدالة المتساوية لا تهتم إلا بضمان مدى معقول من تكافؤ الفرص، وليس بضمان المساواة في الوصول إلى أي خيارات أو نتائج معينة (2001: ص 37). وعندما يتعلق الأمر بالانتماءات الثقافية والدينية، فإنها لا تحد من نطاق الفرص التي يتمتع بها المرء، بل تحد من الخيارات التي يمكن للمرء أن يتخذها ضمن مجموعة الفرص المتاحة للجميع.

    وردًا على ذلك، قد يتفق المرء على أن الفرص ليست موضوعية بالمعنى الطبيعي الذي اقترحه (باري). ولكن الفرصة للقيام بشيء ما ليس مثل إمكانية القيام بشيء ما دون مواجهة أعباء مادية; إنها إمكانية القيام بشيء ما دون تكبد تكاليف مفرطة أو التعرض لخطر تلك التكاليف .(Miller 2002, 51) يمكن أن تتعارض قوانين الدولة والالتزامات الثقافية بطرق ما تجعل تكاليف استغلال الفرصة باهظة بالنسبة للأقليات الثقافية. وعلى النقيض من (باري)، يوضح أنصار التعددية الثقافية الليبراليون أن العديد من الحالات التي يؤثر فيها القانون أو السياسة بشكل متباين على ممارسة دينية أو ثقافية تشكل ظلمًا. على سبيل المثال، يشير (كيمليكا) إلى قضية (غولدمان) (التي نوقشت أنفًا) وغيرها من القضايا الدينية، وكذلك إلى المطالبات المتعلقة بحقوق اللغة، كأمثلة على أن الحقوق المتباينة بين المجموعات مطلوبة في ضوء التأثير التفاضلي لعمل الدولة (1995, 108–115). ودعواه هي أنه بما أن الدولة لا تستطيع تحقيق عزل تام للثقافة أو أن تكون محايدة فيما يتعلق بالثقافة، فعليها بطريقة أو بأخرى أن تعوض المواطنين الذين يحملون معتقدات دينية من الأقليات، وكذلك الناطقين بلغات أخرى. ونظرًا لعدم إمكانية عزل الدولة الكامل للثقافة، فإن إحدى الطرق لضمان ظروف خلفية عادلة هي تقديم أشكال مماثلة تقريبًا من المساعدة أو الاعتراف لكل لغة من لغات المواطنين ودياناتهم المختلفة. وعدم القيام بأي شيء يعني السماح بالظلم.

    5.3 نقد ما بعد الامبريالية

    تنتقد بعض نظريات مرحلة ما بعد الإمبريالية التعددية الثقافية وسياسات الاعتراف المعاصرة بكونها تعزز كيان الهيمنة الإمبريالية بدلًا من تحويلها في إطار العلاقات بين الدول المستوطنة ومجتمعات السكان الأصليين. وفي معرض تركيزه على نظرية تايلور في سياسة الاعتراف، يرى غلين كولتارد أنه “بدلًا من أن تبشر بعصر من التعايش السلمي القائم على الفكرة الهيغلية للمعاملة بالمثل، فإن سياسة الاعتراف في شكلها المعاصر تعد بإعادة إنتاج تشكيلات القوة الإمبريالية ذاتها التي سعت مطالب الشعوب الأصلية بالاعتراف تاريخيًا إلى تجاوزها” (2007، ص 438–439; ينظر أيضا: Coulthard 2014). وهناك العديد من العناصر في طريقة نقد (كولتارد). يبرهن كولتارد، أولًا، بأن سياسة الاعتراف، من خلال تركيزها على مخططات إعادة توزيع الدولة الإصلاحية، مثل منح الحقوق الثقافية والامتيازات لمجتمعات السكان الأصليين، تؤكد بدلًا من أن تتصدى للاقتصاد السياسي للكونيالية (للاحتلال). وفي هذا الصدد، تكشف سياسة الاعتراف عن أنها بديلٌ عن الليبرالية، التي “تفشل في مواجهة الجوانب الهيكلية/الاقتصادية للإمبريالية في جذورها الموغلة” (, 4462007). ثانيًا، تستند سياسة الاعتراف المعاصرة تجاه مجتمعات السكان الأصليين إلى افتراض اجتماعي معيب: وهو أن كلا الطرفين المنخرطين في الكفاح من أجل الاعتراف يعتمد كل منهما على الآخر على اعترافه بحريته وقيمته الذاتية. ومع ذلك، لا توجد مثل هذه التبعية المتبادلة في العلاقات الفعلية بين الدول القومية ومجتمعات السكان الأصليين: “لا يتطلب السيد – أي الدولة الإمبريالية ومجتمع الدولة – الاعتراف من المجتمعات التي كانت تقيد نفسها من قبل- والتي شكلت بنيتها التحتية الإقليمية والاقتصادية والاجتماعية”. ثالثًا، يوضح (كولتارد) بأن التحرر الحقيقي للمحتل لا يمكن أن يحدث دون كفاح وصراع يكون “بمثابة القوة الوسيطة التي يأتي من خلالها المحتلون لفصل هوياتهم الإمبريالية.” ويستعين بـ قول (فرانتز فانون) بأن الطريق إلى تقرير المصير الحقيقي للمضطهدين يكمن في تأكيد الذات: فبدلًا من الاعتماد على مضطهديهم للحصول على حريتهم وقيمتهم الذاتية، “ينبغي على المحتلين أن يبدأوا عملية إنهاء الاحتلال بالاعتراف بأنفسهم مسهمين أحرار في الإنسانية يتمتعون بالكرامة والتميز”(ص454). وهذا يعني أنه يجدر بالشعوب الأصلية أن “تعيد توجيه كفاحها بشكل جماعي بعيدًا عن السياسة التي تسعى إلى تحقيق شكل توفيقي من الاعتراف بالدول الاستيطانية للأمم الأصلية نحو سياسة الاعتراف المتجددة القائمة على تحقيق الذات، والعمل المباشر، وعودة الممارسات الثقافية التي تهتم بالتكوين الذاتي والهيكلي للسلطة الإمبريالية الاستيطانية” (2014).

    قد يتفق (تايلور) و(كيمليكا)، وغيرهما من أنصار سياسة الاعتراف المعاصرة مع (كولتارد) على أن تأكيد الذات من قبل الجماعات المضطهدة أمر بالغ الأهمية لتقرير المصير الحقيقي وحرية مجتمعات السكان الأصليين، ولكن لا ينبغي النظر إلى تأكيد الذات هذا على أنه يستبعد بعض جهود الدولة الرامية إلى توسيع نطاق التوافق المؤسسي. فاعتراف الدولة بحقوق الحكم الذاتي وغيرها من أشكال التكيف (التوافق، هي خطوات مهمة نحو تصحيح المظالم التاريخية وتحويل أوجه عدم المساواة الهيكلية بين الدولة ومجتمعات السكان الأصليين. ويعيد تحليل (كولتارد) توجيه الانتباه إلى أهمية التقييم والتصدي للأبعاد الهيكلية والنفسية العاطفية للهيمنة الإمبريالية، ولكن بحجة أن الشعوب الأصلية يجب أن “تبتعد” (, 4562007) عن دول المستوطنين، وأن مجتمعات المستوطنين قد تلعب دورًا في التحول الليبرالي الجديد نحو خصخصة التبعية والمخاطرة بتعزيز تهميش مجتمعات السكان الأصليين في وقت قد تكون فيه الأشكال الاقتصادية وغيرها من أشكال دعم الدولة حاسمة لبقاء مجتمعات السكان الأصليين.

    6.3 النقد النسوية لـ التعددية الثقافية

    إن مجموعة الانتقادات التي أشعلت الجدل الأكثر حدة حول التعددية الثقافية ترى بأن توسيع نطاق الحماية ليشمل مجموعات الأقليات قد يأتي على حساب دعم اضطهاد الأفراد الضعفاء في تلك الجماعات – وهو ما أطلق عليه البعض مشكلة “الأقليات الداخلية” أو “الأقليات داخل الأقليات” (Green 1994, Eisenberg and Spinner-Halev 2005). يميل منظري التعددية الثقافية إلى التركيز على أوجه عدم المساواة بين الجماعات في الدفاع عن توفير حماية خاصة لجماعات الأقليات، بيد أن تدابير الحماية القائمة على المجموعات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أوجه عدم المساواة داخل مجموعات الأقليات. ويرجع ذلك إلى أن بعض أساليب حماية جماعات الأقليات من الاضطهاد الذي تتعرض له من الأغلبية قد يزيد من احتمال قدرة أفراد هذه الجماعات الأكثر قوة على تقويض الحريات والفرص الأساسية لأعضائها الضعفاء. وتشمل المجموعات الفرعية الضعيفة داخل مجموعات الأقليات كل من المنشقين دينيًا، والأقليات الجنسية، والنساء، والأطفال. وقد يبالغ قادة المجموعات في درجة التوافق والتضامن داخل مجموعتهم لتقديم جبهة موحدة للمجتمع الأوسع وتعزيز قضيتهم من أجل التوافق.

    وتدور بعض المعايير والممارسات الجماعية الأكثر قمعًا حول قضايا الجندر(النوع) والجنس، وتُعد ناقدات الحركة النسائية أوَّل من لفتن الانتباه إلى التوترات المحتملة بين التعددية الثقافية والحركة النسوية (Coleman 1996, Okin 1999, Shachar 2000). وتشكل هذه التوترات معضلة حقيقية إذا قبل المرء كلاً من الحقوق المتباينة بين المجموعات للجماعات الثقافية للأقليات ورأى ما يبررها، كما يفعل منظري التعددية الثقافية، وفي نفس الوقت يؤمن بالمساواة بين الجنسين كقيمة مهمة، كما يؤكد دعاة الحركات النسوية. وقد يساعد توسيع نطاق الحماية الخاصة وأماكن الإقامة بالنسبة للأقليات المنخرطة في الممارسات الأبوية على تعزيز عدم المساواة بين الجنسين داخل هذه المجتمعات. ومن الأمثلة التي حللت في الأدبيات العلمية تلك الصراعات حول الزواج المنظم، وحظر الحجاب، واستخدام “الدفاعات الثقافية” في القانون الجنائي، وتوافق القانون الديني أو القانون العرفي ضمن النظم القانونية السائدة، وحقوق الحكم الذاتي لمجتمعات السكان الأصليين التي تعزز عدم المساواة بين النساء.

    وهذه الاعتراضات النسوية مقلقة بشكل خاص للمدافعين الليبراليين عن المساواة في التعددية الثقافية، الذين يرغبون ليس فقط في تعزيز المساواة بين المجموعات ولكن أيضا المساواة داخل المجموعة ذاتها، بما في ذلك المساواة بين الجنسين. وردًا على ذلك، أكدّ (كيمليكا) (1999) أوجه التشابه بين التعددية الثقافية والحركة النسائية: فكلاهما يهدف إلى مفهوم أكثر شمولًا للعدالة، كما أن كلاهما يتحدى الافتراض الليبرالي التقليدي بأن المساواة تتطلب معاملة مماثلة. ولمعالجة المخاوف المتعلقة بالتأقلم مع التعددية الثقافية والذي يفاقم من عدم المساواة داخل المجموعة، يميز(كيمليكا) بين نوعين من حقوق المجموعات، وهما: “الحماية الخارجية”، وهي الحقوق التي تطالب بها مجموعة أقلية في مواجهة غير الأعضاء من أجل الحد من ضعفها أمام القوة الاقتصادية والسياسية للمجتمع الأكبر، في حين أن “القيود الداخلية” هي الحقوق التي تطالب بها مجموعة أقلية في مواجهة أعضائها. ويوضح بأن النظرية الليبرالية لحقوق الأقليات تدافع عن الحماية الخارجية، بينما ترفض القيود الداخلية (1995, 35–44;1999, 31).

    لكن العديد من الناقدات يؤكدن أن منح الحماية الخارجية لجماعات الأقليات قد ياتي أحيانًا على حساب القيود الداخلية. وربما تكون هذه الجماعات وجهان مختلفان لعملة واحدة: على سبيل المثال، قد يستلزم احترام حقوق الحكم الذاتي لمجتمعات السكان الأصليين السماح بقواعد العضوية التمييزية جنسيًا التي يسنها قادة تلك المجتمعات. وتتوقف إمكانية التوفيق بين التعددية الثقافية والحركة النسائية ضمن النظرية الليبرالية جزئيًا على الفرضية التجريبية القائلة بأن الجماعات التي تسعى إلى الحصول على حقوق متباينة بين المجموعات لا تدعم الأعراف والممارسات الأبوية. وإذا فعلوا ذلك، سيتعين على دعاة التعددية الثقافية الليبرالية من حيث المبدأ أن يختلفوا مع توسيع نطاق حق تلك الجماعة أو توسيعه بمؤهلات معينة، مثل وضع شروط قبول توسيع نطاق حقوق الحكم الذاتي للشعوب الأصلية مقابل القبول بوثيقة الحقوق الدستورية.

    ما زالت هناك موجة من الردود النسوية لمشكلة الأقليات الداخلية الضعيفة المتعاطفة مع كل من التعددية الثقافية والحركة النسائية (انظر، مثلًا، Arneil 2006b, Deveaux 2006, Eisenberg 2003, Lépinard 2011, Phillips 2007, Shachar 2001, Song 2007, Volpp 2000). وقد أكد بعض دعاة النسوية على أهمية الابتعاد عن المفاهيم الجوهرية للثقافة والآراء الاختزالية لأفراد جماعات الأقليات باعتبارها غير قادرة على التمثيل الحقيقي (Phillips 2007, Volpp 2000). وسعت ناشطات نسويات أخريات إلى تحويل التركيز من الحقوق الليبرالية إلى نهج أكثر ديمقراطية. يميل المنظرون الليبراليون إلى البدء من مسألة ما إذا كان ينبغي التسامح مع الممارسات الثقافية للأقليات أو استيعابها وفقًا للمبادئ الليبرالية، وكيف ينبغي فعل ذلك؛ في حين أن المنظرين الديمقراطيين يمهدون لدور الحوارات الديمقراطية، ويسألون كيف تفهم الأطراف المتضررة هذه الممارسة المتنازع عليها. وبالاعتماد على أصوات الأطراف المتضررة وإعطاء وزن خاص لصوت المرأة في قلب الصراعات الثقافية الجنسانية، يمكن للحوارات أن توضح المصالح المطروحة وتعزز من شرعية الاستجابات للصراعات الثقافية (Benhabib 2002, Deveaux 2006, Song 2007). وتتيح الحوارات أيضًا فرصًا لأفراد الأقليات لكشف حالات النفاق بين الثقافات والنظر فيما إذا كانت قواعد ومؤسسات المجتمع الأكبر، التي ما زال كفاحها من أجل المساواة بين الجنسين ناقصًا ومستمرًا، قد يعزز الممارسات القائمة على التحيز الجنسي داخل جماعات الأقليات بدلًا من التصدي لها (Song 2005). وثمة خلاف حول ما يشكل نوعًا من التبعية وأفضل السبل للتعامل معها، وأن التدخل في الجماعات الثقافية للأقليات دون مشاركة نساء الأقليات أنفسهن لا يحترم حريتهن، ومن غير المرجح أن يخدم مصالحهن.

    4. التراجع السياسي عن التعددية الثقافية؟

    إن التحدي الأكبر للتعددية الثقافية في عالم اليوم قد لا يكون فلسفي بقدر ما هو سياسي، إذ إنه تراجع سياسي أو رد فعل عنيف ضد التعددية الثقافية، لا سيما تجاه المهاجرين. وقد شَخَّصَ بعض الباحثين “تراجعًا” عن التعددية الثقافية في أوروبا وأستراليا، والذي يعزو إلى نقص الدعم العام القائم جزئيًا على النجاح المحدود لمثل هذه السياسات لتعزيز اندماج الأقليات (Joppke 2004, McGhee 2008). بيد أن باحثين آخرين يدللون بأن هناك نقصًا في الأدلة على أي تراجع من هذا القبيل. وقد وجد كل من فارون أوبروي وطارق دودمو، استنادًا إلى تحليلهما للسياسات البريطانية، أن الإعفاءات القانونية للممارسات الدينية للأقليات، وتدابير مكافحة التمييز، وسياسات التعليم المتعددة الثقافات ما زالت قائمة، ولا توجد أدلة على نطاق أي بلد توحي بأن الخدمات العامة لم تعد تُقَدَّمُ بلغات مختلفة (, 1342013). وثمة حاجة إلى إجراء مزيد من الأبحاث بشأن وجود تراجع عن سياسات التعددية الثقافية وعن أسبابه.

    لَعلَّ الادعاء بشأن “التراجع” عن التعددية الثقافية لا يَمُتّ بِصِلَةٍ بأي تغييرات فعلية في سياسات الدولة، بل يتعلق أكثر بالمخاوف بشأن الافتقار إلى الوحدة الاجتماعية وزيادة التوترات بين الجماعات المختلفة في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية، والشعور بأن التعددية الثقافية من يلق عليها اللوم. ولنتأمل في هذا الصدد خطاب رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون عام 2011، حيث يقول: “في ظل عقيدة التعددية الثقافية للدولة، فقد شجعنا الثقافات المختلفة على أن تعيش حياة منفصلة، بعيدًا عن بعضها البعض وبمعزل عن التيار العام. لقد أخفقنا في تقديم رؤية للمجتمع تشعر [الشباب المسلم] بأنهم يريدون الانتماء إليها” (Cameron 2011). وبناءً على قول (كاميرون)، فإن التعددية الثقافية تعني الانفصال والانقسام، وليس التكامل والوحدة. ولكن من خلال استعراض نظريات مختلفة من التعددية الثقافية أعلاه فإن معظم نظريات المهاجرين للتعددية الثقافية لا تهدف إلى الانفصال، بل بالأحرى إلى استنباط شروط أكثر إنصافًا لإدماج الأقليات الدينية والثقافية في التيار العام للمجتمع (Kymlicka 1995).

    وللمضي قدمًا، علينا متابعة النقاش العام حول التعددية الثقافية للمهاجرين في سياق أوسع يضع في الاعتبار سياسات الهجرة، والعرق، والدين، والأمن القومي. فقد تصبح التعددية الثقافية كبشَ فداءٍ خطابيٍ سهلٍ للخوف والقلق العام كلما اعتبر الأمن القومي مهددًا، وكذلك عندما تسوء الأحوال الاقتصادية. ففي أوروبا، أصبحت المخاوف بشأن تطرف الأقليات المسلمة محورية في المناظرات العامة التي تتعلق بالهجرة والتعددية الثقافية. وقد انطبق هذا بشكل خاص في مواجهة أزمة الهجرة الأوروبية حيث فَرَّ أكثر من مليون شخص من الحرب والعنف في سوريا، والعراق، وأماكن أخرى وقاموا برحلات إلى أوربا محفوفة بالمخاطر عن طريق البحر والبر. وقد استغلت هذه الأزمة المخاوف بشأن الإرهاب والأمن، لا سيما بعد هجمات باريس 2015 ويوليو 2016 في نيس؛ كما جددت المخاوف بشأن حدود الجهود السابقة لدمج الوافدين الجدد وذريتهم. تشير الأدلة في كافة أنحاء أوروبا إلى أن المسلمين يكافحون بغية النجاح في التعليم وسوق العمل بالمقارنة مع الأقليات الدينية والثقافية الأخرى (Givens 2007).

    وتتفاعل عوامل التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي مع شعور المهاجرين بالانتماء، حيث إنَّه من الصعب تصور شعور الوافدين الجدد بالاندماج قبل اتخاذ خطوات هامة نحو اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي. إن الاندماج طريق ذو اتجاهين: ليس على المهاجرين فقط العمل على الاندماج، ولكن على الدولة نفسها، كما تؤكد العديد من نظريات التعددية الثقافية، أن تتخذ الترتيبات اللازمة لتسهيل الاندماج. وكما لاحظت سيسيل لابورد، إن شباب شمال أفريقيا في فرنسا “يلامون بشكل روتيني على عدم اندماجهم”، ولكن هذا اللوم “يخلط بين المسؤولية المؤسسية للمجتمع الفرنسي عن دمج المهاجرين وفشل المهاجرين الشخصي في الاندماج في المجتمع” (Laborde 2008, 208). وما زالت المواجهة المتمثلة في دمج المهاجرين بسبب زيادة قبول الجمهور للتعبير عن المشاعر المعادية للمسلمين قائمة. إن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة وحملاتها الدعائية المعادية للمسلمين، إلى جانب استعداد وسائل الإعلام لتغذية تلك المشاعر، دون انتقاد لمواقفها في كثير من الأحيان، يضر بآفاق دمج المسلمين في أوروبا (Lenard 2010, 311). ويشير القادة السياسيون المسلمون إلى “خطر الثقافات الأجنبية والتهديد الذي يشكله المهاجرون بوجه عام والمسلمون بوجه خاص على التضامن الاجتماعي والتجانس الثقافي (Klausen 2005, 123). وعلى حد تعبير لابورد، فإن المسلمين “يُختزلون في هويتهم أو ثقافتهم أو دينهم المفترض، وبالتالي يوصمون بأنهم مهاجرون أو عرب أو مسلمون” (, 172008). ويعتقد أن التحديات التي يفرضها دمج المسلمين أكثر تعقيدًا من تحديات دمج موجات سابقة من المهاجرين، ولكن كما تقول باتي لينارد، فإن هذا التعقيد المزعوم ينبع ببساطة من الإغفال المُجحف بين الأصولية الإسلامية، والغالبية العظمى من الأقليات المسلمة في أوروبا، التي ترغب في الاندماج بشروط أكثر عدلًا من النوع الذي يدافع عنه التعدديون الثقافيون (Lenard 2010, 318).

    في ضوء هذه المخاوف التي تتعلق بالتعددية الثقافية للمهاجرين، يحتاج مُنَظِّرو التعددية الثقافية أن يستمروا في إثبات أن المثل الأعلى للمواطنة متعددة الثقافات يمثل شروطًا أكثر عدلًا للاندماج، وليس الفصل والانقسام، وتقديم إجابات لأسئلة مثل: لماذا تكون المواطنة التعددية مرغوبة أكثر من المُثُل الليبرالية التقليدية للمواطنة الشائعة القائمة على مجموعة موحدة من الحقوق والفرص للجميع؟ هل تشجع سياسات التعددية الثقافية في الواقع على زيادة اندماج المهاجرين وذويهم؟ وكيف يجدر بنا أن نفكر في العلاقة بين التعددية الثقافية والكفاح من أجل معالجة أوجه عدم المساواة القائمة على العرق، والأصل الاجتماعي، والطبقة، والهوية الجنسية، والحياة الجنسية، والإعاقة؟ من المهم أيضًا دراسة تطور التعددية الثقافية بعيدًا عن الغرب، بما في ذلك ما إذا كانت النظريات والممارسات الغربية للتعددية الثقافية قد رحلت وأدمجت. على سبيل المثال، ما الدروس المستفادة من أن دولًا لم تفتح باب الهجرة الكبيرة إلا مؤخرًا، مثل كوريا الجنوبية، أفادت من تجارب الدول الأخرى، وما أنواع سياسات التعددية الثقافية التي تبنتها والداعي لها؟ (Lie 2014).

    المراجع

    • Alesina, A. and E. Glaeser, 2004, Fighting Poverty in the U.S. and Europe: A World of Difference, Oxford: Oxford University Press.
    • Anderson, E., 1999, “What is the Point of Equality?,” Ethics, 109(2): 287–337.
    • Appiah, A., 2005, The Ethics of Identity, Princeton: Princeton University Press.
    • Arneil, B., 2006a, Diverse Communities: The Problem with Social Capital, Cambridge: Cambridge University Press.
    • –––, 2006b, “Cultural Protections vs. Cultural Justice: Post-colonialism, Agonistic Justice and the Limitations of Liberal Theory,” in Sexual Justice, Cultural Justice: Critical Perspectives in Theory and Practice, B. Arneil, R. Dhamoon, A. Eisenberg, and M. Deveaux (eds.), London: Routledge, pp. 60–78.
    • Arneil, B. and F. MacDonald, 2016, “Multiculturalism and the Social Sphere,” in The Ashgate Research Companion to Multiculturalism, D. Ivison (ed.), London: Routledge, pp. 95–117.
    • Bachvarova, M., 2014, “Multicultural Accommodation and the Ideal of Non-Domination,” Critical Review of International Social and Political Philosophy, 17(6): 652–673.
    • Banting, K. and R. Johnston, W. Kymlicka, and S. Soroka, 2006, “Do Multiculturalism Policies Erode the Welfare State? An Empirical Analysis,” in Multiculturalism and the Welfare State, K. Banting and W. Kymlicka (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 49–91.
    • Banting, K. and W. Kymlicka (eds.), 2006, Multiculturalism and the Welfare State: Recognition and Redistribution in Contemporary Democracies, Oxford: Oxford University Press.
    • Barry, B., 2001, Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Benhabib, S., 2002, The Claims of Culture: Equality and Diversity in the Global Era, Princeton: Princeton University Press.
    • Bloemraad, I., 2006, Becoming a Citizen: Incorporating Immigrants and Refugees in the United States and Canada, Berkeley: University of California Press.
    • Blum, L.A., 1992, “Antiracism, Multiculturalism, and Interracial Community: Three Educational Values for a Multicultural Society”, Office of Graduate Studies and Research, University of Massachusetts, Boston.
    • Bowen, J.R., 2007, Why the French Dont Like Headscarves: Islam, the State, and Public Space, Princeton: Princeton University Press.
    • Cameron, D., 2011, “PM’s Speech at Munich Security Conference,” available online.
    • Carens, J., 2000, Culture, Citizenship, and Community: A Contextual Exploration of Justice as Evenhandedness, Oxford: Oxford University Press.
    • Chambers, C., 2002, “All Must Have Prizes: The Liberal Case for Interference in Cultural Practices,” in Multiculturalism Reconsidered, Paul Kelly (ed.), Cambridge: Polity Press, pp. 151–73.
    • Coleman, D.L., 1996, “Individualizing Justice through Multiculturalism: The Liberals’ Dilemma,” Columbia Law Review, 96(5): 1093–1167.
    • Coulthard, G., 2007, “Subjects of Empire: Indigenous Peoples and the ‘Politics of Recognition’ in Canada,” Contemporary Political Theory, 6(4): 437–60.
    • –––, 2014, Red Skins, White Masks: Rejecting the Colonial Politics of Recognition, Minneapolis: University of Minnesota Press.
    • Crowder, G., 2013, Theories of Multiculturalism: An Introduction, Cambridge: Polity Press.
    • Deveaux, M., 2005, “A Deliberative Approach to Conflicts of Culture,” in A. Eisenberg and J. Spinner-Halev 2005 (eds.), pp. 340–62.
    • –––, 2006, Gender and Justice in Multicultural Liberal States, Oxford: Oxford University Press.
    • Eisenberg, A., 2003, “Diversity and Equality: Three Approaches to Cultural and Sexual Difference,” Journal of Political Philosophy, 11(1): 41–64.
    • Eisenberg, A. and J. Spinner-Halev (eds.), 2005, Minorities within Minorities: Equality, Rights, and Diversity, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Fraser, N., 1997, Justice Interruptus: Critical Reflections on the Postsocialist Condition, London: Routledge.
    • ––– and A. Honneth, 2003, Redistribution or Recognition? A Political-philosophical Exchange, London: Verso.
    • Friedman, M., 2003, Autonomy, Gender, Politics, Oxford: Oxford University Press.
    • Gitlin, T., 1995, The Twilight of Common Dreams: Why America Is Wracked by Culture Wars, New York: Metropolitan Books.
    • Givens, T., 2007, “Immigrant Integration in Europe: Empirical Research,” Annual Review of Political Science, 10(1): 67–83
    • Glazer, N., 1997, We Are All Multiculturalists Now, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Gooding-Williams, R., 1998, “Race, Multiculturalism and Democracy,” Constellations, 5(1): 18–41.
    • Green, L., 1994, “Internal Minorities and Their Rights,” in Group Rights, J. Baker (ed.), Toronto: University of Toronto Press, pp. 101–117.
    • Guérard de Latour, S., 2015, “Cultural Insecurity and Political Solidarity: French Republicanism Reconsidered,” in France since the 1970s: History, Politics and Memory in a Age of Uncertainty, Emile Cabal (ed.), London: Bloomsbury Academic, pp. 245–262.
    • Gutmann, A., 2003, Identity in Democracy, Princeton: Princeton University Press.
    • Hero, R., 1998, Faces of Inequality: Social Diversity in American Politics, Oxford: Oxford University Press.
    • Hero, R. and R. Preuhs, 2006, “Multiculturalism and Welfare Policies in the USA: A State-Level Comparative Analysis,” in Multiculturalism and the Welfare State: Recognition and Redistribution in Contemporary Democracies, K. Banting and W. Kymlicka (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 121–151.
    • Ho, C., and A. Jakubowicz (eds.), 2014, For Those Whove Come Across the Seas: Australian Multicultural Theory, Policy, and Practice, London: Anthem Press.
    • Hollinger, D., 1995, Postethnic America: Beyond Multiculturalism, New York: Basic Books.
    • Huntington, S.P., 2005, Who Are We? The Challenges to Americas National Identity, New York: Simon and Schuster.
    • Ivison, D., 2006, “Historical Injustice,” in The Oxford Handbook of Political Theory, J. Dryzek, B. Honig, and A. Phillips (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 507–25.
    • ––– (ed.), 2010, The Ashgate Research Companion to Multiculturalism, Surrey: Ashgate.
    • Ivison, D., P. Patton, and W. Sanders, 2000, Political Theory and the Rights of Indigenous Peoples, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Johnson, J., 2000, “Why Respect Culture?,” American Journal of Political Science, 44(3): 405–418.
    • Jones, P., 1994, “Bearing the Consequences of Belief,” Journal of Political Philosophy, 2(1): 24–43.
    • Joppke, C., 2004, “The Retreat of Multiculturalism in the Liberal State: Theory and Policy,” British Journal of Sociology, 55(2): 237–57.
    • Kelly, P., 2002 , Multiculturalism Reconsidered: Culture and Equality and Its Critics, Oxford: Polity Press.
    • Klausen, J. 2005, The Islamic Challenge: Politics and Religion in Western Europe, Oxford: Oxford University Press.
    • Kukathas, C., 1995, “Are There Any Cultural Rights?” Political Theory, 20: 105–139.
    • –––, 2003, The Liberal Archipelago: A Theory of Diversity and Freedom, Oxford: Oxford University Press.
    • Kymlicka, W. 1989, Liberalism, Community, and Culture, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 1995, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights, Oxford: Oxford University Press.
    • –––(ed.), 1995, The Rights of Minority Cultures, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 1999, “Liberal Complacencies”, in Is Multiculturalism Bad for Women?, J. Cohen and M. Howard, and M.C. Nussbaum (eds.), Princeton: Princeton University Press, pp. 31–34.
    • –––, 2001, Politics in the Vernacular: Nationalism, Multiculturalism, and Citizenship, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 2007, Multicultural Odysseys: Navigating the New International Politics of Diversity, Oxford: Oxford University Press.
    • Kymlicka, W. and K. Banting, 2006, “Immigration, Multiculturalism, and the Welfare State,” Ethics & International Affairs, 20(3): 281–304.
    • Kymlicka, W. and A. Patten (eds.), 2003, Language Rights and Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
    • Laborde, C., 2008, Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press.
    • Laden, A.S., and D. Owen (eds.), 2007, Multiculturalism and Political Theory, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Lenard, P., 2010, “What Can Multicultural Theory Tell Us about Integrating Muslims in Europe?,” Political Studies Review, 8: 308–321.
    • Lépinard, E., 2011, “Autonomy and the Crisis of the Feminist Subject: Revisiting Okin’s Dilemma,” Constellations: An International Journal in Critical and Democratic Theory, 18: 205–221.
    • Levey, G.B. (ed.), 2008, Political Theory and Australian Multiculturalism, New York: Berghahn Books.
    • –––and T. Modood (eds.), 2009, Secularism, Religion, and Multicultural Citizenship, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Levy, J.T., 1997, “Classifying Cultural Rights,” in Nomos XXXIX: Ethnicity and Group Rights, W. Kymlicka and I. Shapiro (eds.), New York: New York University Press, pp. 22–66.
    • –––, 2000, Multiculturalism of Fear, Oxford: Oxford University Press.
    • Lie, J. (ed.), 2014, Multiethnic Korea? Multiculturalism, Migration, and Peoplehood Diversity in Contemporary South Korea, Berkeley: Institute of East Asian Studies, University of California, Berkeley.
    • Lovett, F., 2009, “Domination and Distributive Justice,” Journal of Politics, 71: 817–830.
    • –––, 2010, “Cultural Accommodation and Domination,” Political Theory, 38(2): 243–267.
    • Margalit, A. and J. Raz, 1990, “National Self-Determination,” Journal of Philosophy, 87(9): 439–461.
    • Markell, P., 2003, Bound by Recognition, Princeton: Princeton University Press.
    • May, S. and C. Sleeter, 2010, Critical Multiculturalism: Theory and Praxis, New York: Routledge.
    • Means, A., 2002, “Narrative Argumentation: Arguing with Natives,” Constellations, 9(2): 221–245.
    • Miller, D., 2002, “Liberalism, Equal Opportunities and Cultural Commitments,” in Multicultural Reconsidered: Culture and Equality and Its Critics, P. Kelly (ed.), Oxford: Polity Press, pp.45–61.
    • –––, 2006, “Multiculturalism and the Welfare State: Theoretical Reflections,” in Multiculturalism and the Welfare State K. Banting and W. Kymlicka (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 322–338.
    • Modood, T., 1998, “Anti-Essentialism, Multiculturalism, and the ‘Recognition’ of Religious Groups,” Journal of Political Philosophy, 6(4): 378–399.
    • –––, 2010, Still Not Easy Being British: Struggles for a Multicultural Citizenship, Stoke on Trent: Trentham Books.
    • –––, 2013, Multiculturalism: A Civic Idea, 2nd edition, Cambridge: Polity Press.
    • Moore, M., 2005, “Internal Minorities and Indigenous Self-Determination,” in A. Eisenberg and J. Spinner-Halev 2005 (eds.), pp. 271–293.
    • Okin, S., 1998, “Feminism and Multiculturalism: Some Tensions,” Ethics, 108(4): 661–684.
    • –––, 1999, “Is Multiculturalism Bad for Women?” in Is Multiculturalism Bad for Women?, J. Cohen, M. Howard, and M.C. Nussbaum (eds.), Princeton: Princeton University Press, pp. 7–24.
    • –––, 2005, “Multiculturalism and Feminism: No Simple Questions, No Simple Answers,” in A. Eisenberg and J. Spinner-Halev (eds.) 2005, pp. 67–89.
    • Parekh, B., 2000, Rethinking Multiculturalism: Cultural Diversity and Political Theory, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Patten, A., 2001, “The Rights of Internal Linguistic Minorities,” in A. Eisenberg and J. Spinner-Halev (eds.) 2005, pp. 135–154.
    • –––, 2014, Equal Recognition: The Moral Foundations of Minority Rights, Princeton: Princeton University Press.
    • Pettit, P., 1997, Republicanism: A Theory of Freedom and Government, Oxford: Clarendon.
    • Phillips, A., 2007, Multiculturalism without Culture, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Rattansi, A., 2011, Multiculturalism: A Very Short Introduction, Oxford: Oxford University Press.
    • Rawls, J., 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Belknap Press.
    • Raz, J., 1986, The Morality of Freedom, Oxford: Oxford University Press.
    • Rorty, R., 1999, Achieving Our Country: Leftist Thought in Twentieth-Century America, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • –––, 2000, “Is ‘Cultural Recognition’ a Useful Concept for Leftist Politics?,” Critical Horizons, 1: 7–20.
    • Scheffler, S., 2001, “Conceptions of Cosmopolitanism,” in Boundaries and Allegiances: Problems of Justice and Responsibility in Liberal Thought, Oxford: Oxford University Press, pp. 111–130.
    • –––, 2003, “What is Egalitarianism?,” Philosophy and Public Affairs, 31(1): 5–39.
    • –––, 2007, “Immigration and the Significance of Culture,” Philosophy and Public Affairs, 35(2): 93–125.
    • Shachar, A., 2000, “On Citizenship and Multicultural Vulnerability,” Political Theory, 28: 64–89.
    • –––, 2001, Multicultural Jurisdictions: Cultural Differences and Womens Rights, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Simpson, A., 2000, “Paths toward a Mohawk Nation: Narratives of Citizenship and Nationhood in Kahnawake,” in Political Theory and the Rights of Indigenous Peoples, D. Ivison, P. Patton, and W. Sanders (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 113–136.
    • Skinner, Q., 1998, Liberty before Liberalism, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Song, S., 2005, “Majority Norms, Multiculturalism, and Gender Equality,” American Political Science Review, 99(4): 473–1489.
    • –––, 2007, Justice, Gender, and the Politics of Multiculturalism, Cambridge: Cambridge University Press.
    • –––, 2008, “The Subject of Multiculturalism: Culture, Religion, Language, Ethnicity, Nationality, and Race?” in New Waves in Political Philosophy, B. de Bruin and C. Zurn (eds.), New York: Palgrave MacMillan, pp. 177–197.
    • Spinner-Halev, J., 2001, “Feminism, Multiculturalism, Oppression, and the State,” Ethics, 112: 84–113.
    • –––, 2012, Enduring Injustice, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Taylor, C., [1992] 1994, “The Politics of Recognition,” in Multiculturalism: Examining the Politics of Recognition, A. Gutmann (ed.), Princeton: Princeton University Press, pp. 25–73.
    • –––, 1995, “Irreducibly Social Goods,”, in Philosophical Arguments, Cambridge, MA: Harvard University Press, pp. 127–145.
    • Tom, C., 2018, Rethinking Recognition: Freedom, Self-Definition, and Principles for Practice, Ph.D. Dissertation, Political Science Department, University of California/Berkeley, available online.
    • Tully, J., 1995, Strange Multiplicity: Constitutionalism in an Age of Diversity, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Uberoi, V. and T. Modood, 2013, “Has Multiculturalism in Britain Retreated?,” Soundings, 53: 129–142.
    • van Parijs, P. (ed.), 2004, Cultural Diversity versus Economic Solidarity, Louvain-la-Neuve: De Boeck.
    • Volpp, L., 2000, “Blaming Culture for Bad Behavior,” Yale Journal of Law and Humanities, 12: 89–116.
    • Waldron, J., 1992, “Superseding Historic Injustice,” Ethics, 103(1): 4–28.
    • –––, 1995, “Minority Cultures and the Cosmopolitan Alternative,” in The Rights of Minority Cultures, Oxford: Oxford University Press, pp. 93–119
    • Williams, M., 1998, Voice, Trust, and Memory: Marginalized Groups and the Failings of Liberal Representation, Princeton: Princeton University Press.
    • Young, I.M., 1990, Justice and the Politics of Difference, Princeton, NJ: Princeton University Press.

    أدوات أكاديمية

    How to cite this entry.
    Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
    Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
    Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

    مصادر أخرى على الإنترنت

    [Please contact the author with suggestions.]

    مداخل ذات صلة

    citizenship | colonialism | communitarianism | culture | egalitarianism | identity politics | immigration | nationalism | pluralism | religious diversity | rights: group


    [1] Song, Sarah, “Multiculturalism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2020/entries/multiculturalism/>.

  • ما هي الثقافة؟

    ما هي الثقافة؟

    الكاتبباتي تامارا لينارد
    ترجمةديمة حمد الحارثي
    مراجعةسيرين الحاج حسين
    تحميلنسخة PDF

    مدخل فلسفي شامل حول تعريف الثقافة، وحقوق الأقليات الثقافية؛ منشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة، والتي قد يطرأ عليها التعديل من منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد على تعاونهم واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


    ما هي الثقافة؟

    غالباً ما تتسم المجتمعات الديمقراطية بالتعددية الشاملة في الأديان والثقافات والأعراق ووجهات النظر، والتي على أساسها يقوم المواطنون بتقديم مطالبات لدولهم. وتتسم الدول الديمقراطية أيضاً بالالتزام بمعاملة جميع المواطنين بالتساوي، وبالتالي فإنها تحتاج إلى سبل عادلة ومنصفة للتعامل مع هذه المطالبات والتجاوب معها. ويتناول هذا المدخل بالتحديد المطالبات الثقافية.

    تكون المطالبات الثقافية على نطاق واسع في المجالات السياسية والقانونية. لا يقوم الأفراد والجماعات فقط بتقديم مطالبات ثقافية للدولة -والتي تكون غالبًا من أجل الاستيعاب القانوني أو السياسي- ولكن غالبًا ما تشرح الدولة خياراتها التي تتعلق بحماية جوانب معينة من ثقافتها. سيبحث هذا المدخل أولاً الطرق التي من خلالها يُعرِّف الفلاسفة السياسيين والأخلاقيين “الثقافة”: الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة، الثقافة كتكوين اجتماعي، الثقافة كسردية، الثقافة كهوية. خلال هذه المناقشة، سيتم تقديم التحدي “الماهوي”: يعامل السرد الماهوي للثقافة بعض الخصائص الأساسية لتلك الثقافة كمعرِّف لها، وبالتالي على جميع أعضائها أن يشتركوا في سمات أساسية معينة حتى يُعامَلوا كأعضاء ينتمون إليها (للمزيد انظر 2010Phillips). ويتابع المدخل على وجه الخصوص الإشارة إلى أن المفاهيم الأولى للثقافة كمجموعة شاملة تُنتقد بأنها ماهوية، وتُعتبر المفاهيم المتأخرة محاولات إعادة صياغة للثقافة بطرق تتجنب التحدي الماهوي.

    ينتقل المدخل بعد توضيح هذه الطرق الرئيسية لفهم الثقافة لتقييم أنواع مميزة من المطالبات الثقافية (وإن كانت متداخلة في بعض الأحيان) والتي من خلالها تضغط الأقليات على الدولة: مطالبات الإعفاء، مطالبات المساعدة، مطالبات تقرير مصيرها بنفسها، مطالبات الاعتراف، ومطالبات المحافظة (والمطالبات بعدم الخسارة القسرية للثقافة)، والمطالبات الدفاعية في الأوضاع القانونية، ومطالبات الاستخدام الحصري (المطالبات ضد الاستيلاء الثقافي). يوجد مبررات لهذه المطالبات واعتراضات عليها، وغالبًا ما تعتمد على كيفية فهم “الثقافة”. تعتمد الخلافات حول إمكانية تبرير هذه المطالبات في كثير من الحالات على الفهم المتضارب لماهية الثقافة، وعلى وجه الخصوص لمدى أهميتها لأعضائها، كما سيوضح أدناه.

    أخيراً، سيتم اختتام المدخل بتقييم الحالات التي يقدم فيها مجتمع الأغلبية مطالبات ثقافية لتبرير اتخاذ الإجراءات، لاسيما في سياق السيطرة على الهجرة، وفي بعض الحالات، رفض دخول المهاجرين المحتملين جميعاً، فضلاً عن المطالب الثقافية التي تتخذ تجاه أولئك الذين صُرّح لهم بالدخول للدولة، ومجموعة المبررات والاعتراضات المقدمة في هذه الحالات. يتناول هذا القسم محتوى ثقافة الأغلبية، التي يُطلب من الوافدين الجدد الالتزام بها، بالإضافة إلى كيفية “مطالبتهم” بالقوة للالتزام بذلك.


    1. تعريف الثقافة

    يعد تعريف مصطلح “الثقافة” أمراً بالغ الصعوبة: فقد تم وصفه على أنه “مفهوم اشتهر بأنه فضفاض” (Song 2009: 177) و “مفهوم اشتهر بأنه مبهم” (Eisenberg 2009: 7). فهو يستخدم بعدة طرق: نظراً لأن المدخل سيستمر في النظر بشكل أوسع، يمكن لمصطلح “الثقافة” أن يشير إلى مجموعة الأعراف والممارسات والقيم التي تميز مجموعات الأقليات والأغلبية، مثل الإشارة إلى أن مجتمعات الحسيديم اليهودية تمارس في نيويورك “ثقافة” فريدة من نوعها، أو وصف الثقافة الإيطالية أو السنغالية.

    ولكن يستخدم المصطلح أيضاً بطرق أخرى، مثل الإشارة إلى ثقافة “برو” (bro)، أو ثقافة “هيبيستر” (hipster)، أو ثقافة مشجعي كرة القدم البريطانيين. كذلك يمكن لأي شخص أن ينتسب لعدة ثقافات، إذ يمكن لشخص (مثل كاتب هذه السطور!) أن يكون عضواً في الثقافة الكندية، وثقافة مدينة أوتاوا، والثقافة اليهودية، والثقافة الأكاديمية في نفس الوقت. ستشرح الاعتبارات السياقية ترابط الأعراف والممارسات والقيم التي تعرِّف كل من هذه الثقافات في لحظة معينة. علاوة على ذلك، فإن بعض هذه الثقافات فقط لها أهمية سياسية وقانونية، وهي محور هذا المدخل.

    ثمة خلاف شائع في المجالات السياسية والقانونية حول ماهية الثقافة، ويركز القسم التالي على التوسع في توضيح هذه الآراء المتباينة عن الثقافة. ومع ذلك هناك اتفاق كبير على أنه مهما كانت ماهيتها، فالثقافة مهمة للناس والمعنى والقيمة التي توفرها لحياة الأفراد وهذا من بين أهم أسباب قيمتها – إن لم يكن أهمها – للدفاع عنها وحمايتها في المجالات القانونية والسياسية. هذه القيمة هي السبب في أنه من المهم محاولة اكتشاف ماهية الثقافة، وأي جوانب منها على وجه الخصوص يجب أو لا يجب حمايتها في الحياة العامة ولماذا. إدراك الملاحظة القائلة بأن الثقافات تشكل قيمة للناس، وأنها في الواقع تضيف قيمة إلى حياة الأفراد، لا يعني القول بأن الممارسات الثقافية الفردية تعتبر كلها جيدة. يجب أن يأخذ أي سرد دفاعي عن الثقافة أهمية الثقافة بشكل عام على محمل الجد دون الدفاع عن جميع أشكالها. فُسِّرت الثقافة بأربع طرق رئيسية: باعتبارها مجموعة شاملة، وباعتبارها تكوين اجتماعي، ومن منظور الحوار والهوية.

    1.1 الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة

    أحد طرق التفكير في الثقافة هي اعتبارها كلٌ شامل؛ مشكِّلةً كل أو معظم أبعاد حياتنا. قد تتحمل صياغة ويل كيمليكا (Will Kymlicka) للثقافة المجتمعية المسئولية الأكبر عن استحداث التفكير الجاد في فهم طبيعة الثقافة بهذه الطريقة. توفر الثقافة المجتمعية

    لأعضائها طرقاً ذات مغزى للحياة عبر مجموعة كاملة من الأنشطة البشرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والتعليمية والدينية والترفيهية والاقتصادية، والتي تشمل المجالات العامة والخاصة (Kymlicka 1996: 76).

     يبين كيمليكا توفير لثقافة المجتمعية المفعمة بالحياة “سياقاً للاختيار”، أي أنها توفر الموارد التي يعتمد عليها الأفراد لفهم عالمهم والخيارات التي يقدمها. استناداً على هذا، توصف الدول القومية على أنها تتمتع بثقافة مجتمعية، مثل مجموعات السكان الأصليين والأقليات القومية داخل الدولة (مثل الكتالونيون أو التبتيون)؛ مجموعات المهاجرين التي تحافظ على مجموعة من الممارسات والأعراف الثقافية حتى عندما تندمج في “ثقافة مجتمعية” أكبر تختلف عنها.

    ليس كيمليكا وحده من يقدم وصفاً شاملاً للثقافة، إذ يقدم مايكل والزر (Michael Walzer) وصفاً مماثلاً، مقترحاً أننا نفهم المجتمعات السياسية كـ “مجتمعات ذات شخصية”، حيث يرتبط أعضاؤها بـ “عالم من المعاني المشتركة” (Walzer 1983: 28). و أيضاً يصف كلاً من أفيشاي مارغاليت (Avishai Margalit) وجوزيف راز (Joseph Raz) ما يسمى بالمجموعات “الشاملة” حيث يجد فيها أعضاؤها

     ثقافة تشكل إلى حد كبير أذواقهم وفرصهم، وتوفر لهم ركيزة لتحديد هويتهم الذاتية وسلامة الانتماء الآمن دون بذل جهد Margalit & Raz 1990: 448)).  

    يقول أفيشاي مارغاليت وموشيه هالبيرتال (Moshe Halbertal) عن مجموعة شاملة إن ثقافتها “تغطي جوانب مهمة ومختلفة من الحياة”. ويقدمان بهذا القول كمثال الثقافة اليهودية الأرثوذكسية المتطرفة:

    إنها تحدد أنشطة الأشخاص (مثل دراسة التوراة في الثقافة الأرثوذكسية المتطرفة)، وتقرر المهنة (مثل الختانين)، وتعرِّف العلاقات المهمة (مثل الزواج). إنها تؤثر على كل ما يفعله الناس: الطبخ، الأسلوب المعماري، اللغة المشتركة، التقاليد الأدبية والفنية، الموسيقى، العادات، اللباس، المهرجانات، والاحتفالات ... تؤثر الثقافة على ذوق أعضائها، وأنواع الخيارات المتاحة لهم ومعناها، والخصائص التي يعتبرونها مهمة في تقييمهم لأنفسهم وللآخرين (Margalit & Halbertal 1994: 498).  

    في حين يؤكد كيمليكا على الحرية التي توفرها ثقافة مجتمعية متينة، فإن مارغاليت وهالبرتال يتناولان دورها في تأمين “هوية شخصية” لأعضائها (Margalit & Halbertal 1994: 502)، ويتحدث والزر عن أهميتها في تشكيل “الوعي الجمعي”. وبالرغم من أن هؤلاء العلماء يبررون حماية ثقافة متينة لعدة أسباب، فإنهم يتفقون على أن ما تقوم به الثقافة في الأساس توفير منظومة القيم الأساسية التي تساعد الأعضاء على الاختيار بين الخيارات وتفسير قيمتهم، بما في ذلك مثلا ما يتعلق بأشكال معينة من التوظيف أو التعليم أو هيكل الأسرة وتربية الأطفال. ويعكس والزر الطريقة التي تخبر بها الثقافة كيفية فهم حتى أبسط الأمور:

    تحمل سلعة ضرورية واحدة، والتي دائماً ما تكون ضرورية – مثل الغذاء – معاني مختلفة في أماكن مختلفة. يعتبر الخبز وقود الحياة، وجسد المسيح، ورمز السبت، وأحد سبل الضيافة، وهلم جرا (Walzer 1983: 8).

    تلقي هذه الشروحات للثقافة الضوء على الكثير من الجوانب، بما في ذلك على وجه الخصوص سبب أن الثقافات المجتمعية المستنزفة قد تكون أقل قدرة على توفير السياق للاختيار وهو ما يؤكده كيمليكا، أو سبب أن “هوية الشخصية” قد تتعرض بالتالي للمخاطر: وأنه إذا أُضعفت النظم التعليمية أو السياسية أو الاقتصادية لمجموعة ثقافية ما، فإن قدرتها على دعم أعضائها لكي يعرفوا العالم، ويختاروا بين خيارات عدة، تضعف تبعاً لذلك. بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الشروحات توضح الخطأ في تقويض ثقافات الآخرين: فإذا ما قوضت ثقافة ما، فسوف تتقلص الخيارات المتاحة لأعضائها بالتالي. وبوسعنا ملاحظة ذلك فيما يتعلق بثقافة الشعوب الأصلية في العديد من الدول: حيث حاولت الدول محو ثقافة الشعوب الأصلية بفاعلية، نتج عن ذلك تفكك اجتماعي حاد وعزلة الشعوب الأصلية التي أضعف سياق الاختيار لديها بشكل ملموس.

    ولكن ظهرت عدة اعتراضات على هذه الطريقة في فهم الثقافة، ومعظمها عبارة عن صيغ لما يسمى بالاعتراض “الماهوي”؛ غير أنه يجدر ملاحظة أن الآراء الموصوفة أعلاه لا يعتقد أصحابها أنها ماهوية. ويستهدف الاعتراض الماهوي ما يعتبره افتراضاً مفاده أن أعضاء ثقافة ما سوف يحملون نفس المجموعة من الممارسات والأعراف والقيم ذات الأهمية، وبالقدر ذاته. ولكن هذا الافتراض غير صحيح، إذ يقول النقاد: أن في أي ثقافة واقعية سوف يكون التزام أعضائها بممارساتها وأعرافها المعرِّفة مختلفاً، بل وحتماً سيكون هناك خلاف حول تحديد ممارساتها ومعاييرها التي تعرِّفها أصلاً. ينص الاعتراض الماهوي – على وجه التقريب – أن معاملة الثقافة على اعتبارها شاملة يؤدي بطريقة خاطئة إلى أحد الأشياء التالية:

    1. إعلان أن بعض سمات ثقافة ما هي من صميم تلك الثقافة، وبالتالي غير قابلة للتغيير تحت طائلة حل الثقافة (Eisenberg 2009: 120)، وتبعاً لذلك، تعتبر الثقافات بالضرورة مقيدَة ومحددة وليست محل نزاع وتقلب (Moore 2019; Patten 2014: 38)،
    2. وبعد تحديد السمات التي تعتبر في صلب الثقافة، فإنها تستبعد أولئك الذين يعتقدون أنهم أعضاء في تلك الثقافة ولكنهم لا يلتزمون بهذه السمات أو يظهرونها أو يحترمونها (Parvin 2008: 318–19)
    3. تتجاهل حقيقة أن معظم الناس في مجتمع ليبرالي “يحددون هويتهم من تعدد الأدوار والمجتمعات المحلية والعضويات في أي وقت من الأوقات” (Parvin 2008: 321)، والتي يمكن أن تكون ذات أهمية اجتماعية متفاوتة حسب السياق، بشكل مستقل عن الهويات الثقافية وأحياناً بالتزامن معها (Moore 2019).

    وخلاصة القول: ينطوي أي شرحٍ مفرط الشمولية لماهية الثقافة بالنسبة لأعضائها على خطر التعامل مع حدود الثقافة كما لو كانت محددة وغير متغيرة، وكما لو أن أعضاؤها لا يبدو عليهم أي اختلاف (وربما لا يستطيعون إظهار الاختلاف) في التزامهم بالثقافة ككل وفي ممارساتها المعرِّفة لها.

    تهدف جميع الشروحات البديلة للثقافة التي ستناقش أدناه – أو جزء منها على الأقل – إلى الرد على التحدي الماهوي. بمعنى أن هدف تلك الشروحات إنتاج شرح منطقي لماهية الثقافة، وبالتالي ماذا يعني أن تكون عضواً في مجموعة ثقافية معينة يمكن استخدامها من أجل فهم منطقي للخلافات القانونية والسياسية، والفصل المثالي بينهما دون الخضوع للتحدي الماهوي. تنبيه: لابد من فهم وجهات نظر الثقافة التي سيتم تناولها أدناه على أنها “أنماط نموذجية” حتى يتسنى فهم سماتها الرئيسية، وكيفية اختلافها عن وجهات النظر الأخرى، وسبب عدم وقوعها ضحية (حسب تقديرها) للتحدي الماهوي.

    2.1 الثقافة بصفتها تكويناً اجتماعياً

    إن إحدى المحاولات الرامية إلى إعادة النظر في الثقافة بطريقة تستجيب للتحدي الماهوي، ولكنها تحتفظ بالنظر إلى الثقافة على أنها شاملة إلى حد كبير، تقترح تعريف الثقافات من خلال الخبرة المشتركة بين أعضائها في التكوين الاجتماعي (Patten 2014: 39). وعلى أساس شرح “النسب الاجتماعي” للثقافة، فإن ما يجعل ثقافة ما ثقافة هو خضوع أعضائها “لمجموعة من الظروف التكوينية التي تختلف عن الظروف التكوينية المفروضة على الآخرين” (Patten 2014: 51).

    إن تجربة الخضوع لمؤسسات مشتركة – والتي يفهم منها عموماً أنها تشمل مجالات تعليمية مشتركة واللغات ووسائل الإعلام فضلا عن التقاليد والقصص التاريخية المشتركة والمكونات الأسرية المتداخلة وما إلى ذلك – تشكل شعوراً لدى أفراد المجموعة الثقافية بأنهم يتشاركون طريقة مميزة في رؤية العالم، وأن بعض الافتراضات التي يمتلكونها يتقاسمها معهم آخرون أو على الأقل يفهمونها. ويؤكد هذا الرأي على المسار التاريخي للثقافة، ولكنه لا يتطلب أن تكون أعرافها وقيمها وممارساتها المعرِّفة لها غير متغيرة مع مرور الوقت. بل على العكس:

    يمكن وجود تباين داخلي لأن الخضوع لمجموعة مشتركة من التأثيرات التكوينية لا يعني أن الناس سينتهي بهم المطاف بمجموعة متجانسة من المعتقدات أو القيم (Patten 2014: 52).

     فالثقافات نتيجة لذلك مواضع يمكن فيها للأعضاء أن يعترضوا على فهمهم ويتداولوه بما يكفي من الافتراضات المشتركة عن الطريقة التي يسير بها العالم لكي يتعرف كل منهم على الآخر على أنه مطّلع معه في نفس المشروع.

    وكتب باتن (Patten) عن المؤسسات التي يخضع لها أعضاء المجموعة الثقافية بحيث أنهم على الأقل “معزولون إلى حد ما عن المؤسسات والممارسات التي تعمل على إضفاء الطابع الاجتماعي على الغرباء” (Patten 2014: 52)، مما يسهم في تمييز ثقافة عن أخرى. واستناداً على هذا الرأي، ينصب تركيز شديد على من يسيطر على زمام الأمور في تلك المؤسسات التي تشكل تكوين الأعضاء: أي أن ما يهم هو أن يكون الأعضاء مسيطرين على المؤسسات التي هم بأنفسهم يخضعون لها، حتى يتمكنوا من تشكيل تجربتهم الاجتماعية تشكيلاً معقولاً، وتجربة الأعضاء الأصغر سناً تشكيلاً أساسياً. حينما تنكر السيطرة على هذا التكوين الاجتماعي، يتضرر بذلك أفراد الثقافة؛ وعندما تُنكر إنكاراً قسرياً، فإنه من المرجح جداً أن يكون هناك ظلم يحتاج التدارك.

    وبالتركيز على الخبرة المشتركة في الخضوع للمؤسسات الثقافية المشتركة، يتجنب هذا الشرح الاتهام القائل بأن ما يعرِّف الثقافة هو استقرار أعرافها وقيمها الأساسية على مر الزمن: فالثقافة بوجهة النظر هذه ليست كياناً جامداً. بل المهم هو أن أعضاء الجماعات الثقافية يعتقدون أنهم أعضاء في مجموعة ثقافية، وينشأ هذا الاعتقاد من تجربة المؤسسات الثقافية المشتركة، وليس من الممارسات المحددة التي تعتبر مركزية بالنسبة للجماعة. وبإمكان هذه الممارسات المركزية أن تتغير تغيراً جذرياً، دون حل المجموعة الثقافية نفسها.

    بيد أن وجهة النظر هذه تخضع لانتقاد العلماء الذين يخشون من أن أولئك الذين يسيطرون على زمام أمور التشكيل لا يمثلون آراء جميع الأعضاء (Phillips 2018)، وأنهم بدلاً من ذلك يستخدمون مواقعهم النسبية في السلطة لخلق وفرض الأعراف والممارسات الثقافية التي لا تحظى (أو لن تحظى – دون إكراه -) باتفاق على نطاق واسع.

    3.1 الثقافة حوار

    ويدفع الاعتراض الأخير – وهو أن ما يسمى بثقافة يعتبر نتاج بعض أعضائها وليس جميعهم – بعض العلماء لإعادة تعريف الثقافة من ناحية الطرق التي تبنى بها من خلال الحوار بين الأعضاء وتفاعلهم بين بعضهم البعض. والغرض من التأكيد على أن أعضاء أي ثقافة هم مصدر ممارساتها وقيمها وأعرافها الرئيسية هو للتأكيد على أن الثقافة لا “تمنح” لأعضائها من جهة عليا – باعتبارها كياناً ثابتاً غير قابل للتغيير – بل إن أعضاء أي ثقافة هم أساساً مؤلفوها. وهنا يشرح جيمس تولي (James Tully) بأن الثقافات:

    يتنازع عليها باستمرار، ويتم تخيلها وإعادة تشكيلها وتغييرها والتفاوض بشأنها، سواء من أعضائها أو من خلال تفاعلاتهم مع الآخرين (Tully 1995: 11).

    وعلى غرار ذلك تشدد شيلا بن حبيب (Seyla Benhabib) على الجانب السردي للثقافات، مشيرة إلى أن المطلعين داخلها

    يجربون تقاليدهم وقصصهم وطقوسهم ورموزهم وأدواتهم وظروفهم المعيشية المادية من خلال روايات سردية مشتركة وإن كانت موضع خلاف وجدل (Benhabib 2002: 5).

    إن وجود صراع بين أعضاء الثقافة، وكون عناصرها الرئيسية قيد التفاوض المستمر، لا يقلل من أهميتها بالنسبة لأعضائها. ولعل ما قد يبدو محيراً هو الفكرة التي مفادها أن الثقافة المتنازع عليها والمتغيرة باستمرار تستدعي الحماية؛ وقد تعني الحماية وقف التغيرات الطبيعية التي تتعرض لها الثقافة اصطناعياً عن طريق حماية عناصرها في مرحلةٍ ما. ولكن يطالب المدافعين عن هذا الرأي بالحماية على هيئة ضمان استدامة المحافل التي يتم فيها التفاوض على الثقافة ومشاركتها ونقلها استدامةً قويةً وشاملةً، ودون تدخل غير مرغوب فيه من قوى أجنبية عن الثقافة. وكما هو الحال في شرح الثقافة باعتبارها تكويناً، ينصب التركيز على قدرة أعضاء المجموعة على تشكيل الأعراف والممارسات المركزية، وليس على الأعراف والممارسات بحد ذاتها.

    كيف تستجيب وجهة النظر هذه للقلق بشأن توزيع القوة غير المتكافئ داخل مجموعة ثقافية ما؟ يعتبر التركيز على الطرق التي يتم بها تحديد الخصائص المركزية للثقافة من خلال التفاوض بين الأعضاء محاولة لتسليط الضوء على أجهزة السلطة ذات الصوت المسموع في هذه المفاوضات في ثقافات الأقليات والأغلبية (Dhamoon 2006). لطالما كانت الأصوات المهيمنة تاريخياً في العديد من الثقافات – بل وربما في أغلب الثقافات – من الذكور، وقد كانت إحدى الآثار المترتبة على ذلك عموماً هي النظرة الجنسانية في تحديد أفضل السبل لتنظيم الحياة الثقافية، مما أدى إلى تقليص حقوق المرأة (وغيرها من الأقليات) بطرق لا تعد ولا تحصى، وكثيراً ما كان ذلك في غير صالحهم وضد إرادتهم.

    وبالنسبة للبعض، فإن اضطهاد الأعضاء الأضعف من قِبَل أولئك الذين يتولون زمام الأمور يولد على الأقل شكاً جزئياً في قيمة حماية أو استيعاب الثقافة في الدول الليبرالية الديمقراطية، وخاصة في الحالات التي قد يبدو فيها أن “التعددية الثقافية سيئة للنساء” (Okin 1999). وبناءً على هذا الرأي، فلا يجب التغاضي عن الممارسات الثقافية التي تنتقص من حقوق المرأة (وغيرها من الأقليات) في الدول الليبرالية الديمقراطية.

    إن الاعتراف بأن العديد من الممارسات الثقافية مجحفة للمرأة (وغيرها من الأقليات) لا يدفع كافة المنظرين السياسيين إلى تبني موقف مشكك تجاهها في كل الحالات. وبالنسبة للبعض، فإنها فرصة لرؤية أن الثقافات يمكن أن تحظى بالتقدير حتى ممن يُعرف بأنهم مضطهدين، حتى وإن كانوا يعملون من الداخل للتأثير على اتجاه ثقافتهم نحو أعراف وممارسات أقل قمعاً. فعلى سبيل المثال، ورغم أنه عادةً ما تهمش العديد من النساء من مراكزهن في السلطة، فإنهن يقدّرن ثقافاتهن مما يدفعهن إلى عدم التخلي عنها، بل إلى الانخراط في عمليات إصلاح ممارسات وأعراف عدم المساواة من الداخل (Deveaux 2007).

    وتحتفي هذه الطريقة من التفكير في الثقافة ومحتوياتها بـ “إضفاء الطابع الديمقراطي” على الآليات التي يتم من خلالها تبني الأعراف والقيم والممارسات الرئيسية للمجموعة الثقافية، وتشجع عليه، وتدافع عن الثقافات العامة التي تكون منفتحة على تعدد الأصوات (Lenard 2012).

    ومن ثم فإن هذا الشرح السردي أو الحواري للثقافة يتصدى جيداً للتحدي الماهوي، بإنكار أن السمات المعرِّفة للثقافة يجب أن تكون ثابتة وذات قيمة مماثلة لجميع أعضاء المجموعة الثقافية. ولكن يجب على هذا الشرح أن يتصدى لتحدي آخر، وهو تحدي الفردانية (Moore 2019).

    وإذا كان أي شرح يتناول الثقافة سيكون قوياً بما يكفي لتحديد الكيانات التي ينبغي أن يكون لها الحق في مزيد من الاعتبار السياسي والقانوني بطرق مختلفة – بما في ذلك ما يتعلق بالحماية الإضافية للحقوق أو الاستثناءات من بعض المتطلبات القانونية والسياسية – فإنه أيضاً يجب أن يكون هذا الشرح قادراً على تحديد حدود ثقافة معينة ومتفردة، ومن يعتبر بصورة مشروعة عضواً فيها بهدف احترام المطالبات السياسية والقانونية المقدَّمة نتيجة لذلك. ولكن من الممكن أن يكون هذا تحدياً يصعب إنجازه.

    لمعرفة السبب علينا تأمل شرح بن حبيب للطرق التي يتم بها ملاحظة الثقافات من منظور خارجي، والطريقة التي تتم بها ممارسة تلك الثقافات من منظور داخلي. وتقول بن حبيب إن المراقب مسؤول مسؤولية كبيرة عن فرض “الوحدة والاتساق على الثقافات”، في حين أن المشاركين فيها من الداخل

    يقومون بتجربة تقاليدهم وقصصهم وطقوسهم ورموزهم وأدواتهم وظروفهم المعيشية المادية من خلال روايات سردية مشتركة وإن كانت موضع خلاف وجدل (Benhabib 2002: 5).

    ويتمثل أحد آثار فهم الثقافة بهذه الطريقة في تمسكّ العديد من دعاتها بعمق بالقيم المركزية وارتياحهم البالغ بالمشاركة في التقاليد الثقافية المركزية، بينما يتذبذب آخرون كثيرون من الأعضاء في الالتزام بممارساتها المركزية وينتقون ويختارون بين قيمها وأعرافها المركزية. وبالتالي فإن احتساب الأعضاء في أي ثقافة تعتبر عملية غير واضحة، وهذا الغموض قد يسبب مشكلة بما أنه يقال إن العضوية تمنح حقوقاً وامتيازات لا تتاح لغير الأعضاء. وهناك تعارض لا مفر منه بين الحاجة إلى منح الثقافات طابعاً متفرداً لها لأسباب سياسية وحدود الثقافات المرسمة ترسيماً ضعيفاً بالضرورة. والسياق هو الشيء الوحيد الذي سيمكننا من حل المسائل السياسية التي ستظهر نتيجة لذلك.

    4.1 الثقافة باعتبارها هوية (أو هوية بدلاً من ثقافة)

    ولمواجهة التحدي المتمثل في كيفية تحديد الثقافة وأعضائها، يركز أحد المقترحات على المكون الذاتي المرتبط بالانتماء إلى جماعة ثقافية ما. ولنأخذ هذا المثال الذي وصفته مارجريت مور (Margaret Moore): على الرغم من وجود انقسام عميق في إيرلندا الشمالية بين الكاثوليك والبروتستانت، فإن الاختلافات ليست دينية (الصراع لا يتعلق بتفسيرات متمايزة لنص ديني، والشخصيات الدينية غير مستهدفة بالعنف) ولا ثقافية، حيث تكشف الدراسات الاستقصائية للقيم الثقافية لكلا الطائفتين عن تداخل كبير بين القيم التي تتمسك بها الطائفتان المتنافستان (Moore 1999: 35).

    ولكنها تقول إن ما يجعل الصراع أكثر منطقية بالأحرى هو التركيز على الهويات المشتركة بين المجموعات المتنافسة. وتبرز وجهة النظر التي تركز تركيزاً كبيراً أو جزئياً على الهوية أن أحد الأبعاد الرئيسية للثقافة هو الطريقة التي تشكل بها هوية أعضاء الجماعة الثقافية. كما تسلط وجهة النظر هذه الضوء على أن الثقافة شيء سيرتبط العديد من الناس به ارتباطاً هاماً، ولكنها ستكون معرِّفة لهم بطرق متعددة ومميِزة. ولوجهة النظر التي تركز على الهوية مزايا واضحة: فهي على سبيل المثال تستطيع أن تفسر سبب بقاء الأفراد مرتبطين إسمياً بثقافة ما رغم أن سماتها المعرِّفة لها تعريفاً مركزياً تتغير تاريخياً بمرور الوقت، وحتى إن لم يتفاعلوا مع بعض جوانبها الأكثر تقليدية.

    وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظرة المركزة على الهوية قادرة على استيعاب الهويات التي لا تكون قائمة بوضوح على ثقافة، بما في ذلك على سبيل المثال هويات مجتمع الميم (LGBTQ) (Eisenberg 2009: 20؛ للاطلاع على مناقشة المطالبات الثقافية/الهوية في سياق مجتمع الميم، انظر Ghosh 2018: chapter 4). وفي الواقع تهدف وجهة النظر التي تركز على الهوية إلى تفادي صعوبة تحديد المواد المعينة التي تعتبر شرعياً مواد ذات طابع ثقافي. وكما ذكر أعلاه، كثيراً ما يلاحظ علماء ثقافات الأقليات أن هناك طائفة واسعة من المطالبات التي تقدمها طائفة واسعة من المجموعات، وتُعرَّف هذه المجموعات من خلال التنوع في الخصائص التي تميزها بما في ذلك العرق والطائفة الإثنية والدين والهوية الجنسية. يقول المدافعون عنها أنه قد يكون من الأفضل التركيز على الهوية وليس على الثقافة لأن

     مصطلح الهوية يغطي أرضية أكبر بمعنى أنه يمكن أن يشير إلى الأبعاد الدينية واللغوية والجنسانية والأبعاد المتعلقة بالشعوب الأصلية وغيرها من أبعاد فهم الذات (Eisenberg 2009: 2).

    2. مطالبات الحقوق الثقافية للأقليات

    وتنبئ آراء الثقافة الأربعة المذكورة أعلاه عن المطالبات الثقافية التي يقدمها الأفراد والجماعات للدولة. تعد التهديدات الخاصة التي يواجهها الأفراد والجماعات – والتي تتطلب نوعاً من الحماية – متميزة كالردود التي قد تكون لدى الدول استجابةً للمطالبات التي يقدمها الأفراد والجماعات (Eisenberg 2009: 20–21). وفي بعض الحالات، تقدَّم مطالبات من أجل استيعاب جميع أعضاء مجموعة ما بوصفهم مجموعة؛ وفي حالات أخرى تقدَّم مطالبات بشأن أفراد معينين؛ وقد تكون هناك صلة بينهم. فعلى سبيل المثال، قد تطالب جماعة ما بسياسات لحماية اللغة، أو قد يطالب فرد ما بالحق في التحدث بلغته/ها الأم في الإجراءات القانونية.

    وترتبط هذه الحقوق ببعضها البعض، وقد تكون في بعض الحالات مستمدة من بعضها البعض: وقد يكون أحد الأسباب التي تجعل للفرد الحق في التحدث بلغته الأم في الإجراءات القانونية هو أن الدولة اعترفت بلغته هذه لغة رسمية من لغات الدولة، أو لولاية قضائية تابعةٍ للدولة مثلاً. وبالنسبة لمسألة الاستيعاب، سيكون من المهم فيما يلي ملاحظة متى تكون المطالبات المقدمة من أجل الاستيعاب تنطبق على الأفراد ومتى ينطبق الاستيعاب على المجموعات؛ وعلى الرغم من حرص بعض الفلاسفة على تقييم ما إذا كانت الحقوق الثقافية من الأفضل أن تفهم على أنها حقوق فردية أو على أنها حقوق جماعية (Casals 2006)، فينطلق التحليل الوارد أدناه من الافتراض بأنها يمكن أن تكون كلاهما (اتباعاً لـ Levy 2000: 125).

    ولاحظ كذلك بأن مصطلح ” الاستيعاب ” هو نوع من أنواع المصطلحات الجامعة التي تشمل مجموعة واسعة من المطالبات التي يمكن أن يقدمها الفرد أو الجماعة للدولة استناداً على الثقافة. وقد حاول الفلاسفة السياسيون التفريق بين هذه المزاعم بطرق لا حصر لها من أجل فهمها. والواقع أن العديد من هذه الحقوق تطالب بها جماعات المهاجرين (عادة) الدولة، التي تحتاج إلى استيعاب معين من الدولة من أجل تحسين الاندماج في تلك الدولة. وفي النقاش الأوسع نطاقاً حول قيمة التعددية الثقافية، يدور نقاش مستفيض حول أي نوع من الاستيعاب يشجع على إدماج الوافدين الجدد خاصة المميزين ثقافياً منهم، وأي منها يسمح أو حتى يشجع على انفصالهم عن المجتمع الأكبر (على سبيل المثال: Sniderman & Hagendoorn 2007).

    كما يقلق بعض العلماء من أن التركيز على أفضل السبل لاستيعاب مجموعات الأقليات الثقافية تنتقل مع تجاهل (ربما يكون عمداً) المسائل الأكثر أهمية كإعادة توزيع أولئك الأقل حظاً (Barry 2001; Fraser 1995). لكن يتفق منظري التعددية الثقافية عموماً على أن حقوق الاستيعاب يمكن تبريرها والدفاع عنها دفاعاً شديداً عندما تدعم دمج الأقليات بوجه عام والوافدين الجدد بوجه خاص، وكذلك عندما تستهدف معالجة استمرار أوجه عدم المساواة بين الأغلبية والأقليات.

    من الجدير بالذكر أن الجميع لا يتفق بسهولة على وجوب التعامل مع “الثقافة” كمصدر للمطالبات القانونية والسياسية المميزة. فعلى سبيل المثال تشير سارة سونغ (Sarah Song) إلى أن ما يسمى بمطالبات “التعددية الثقافية” غالباً ما تكون في الواقع مطالبات باستيعاب طائفة واسعة من المجموعات، بما في ذلك المجموعات العرقية والدينية والإثنية. ويبدو أن العديد من المنظرين السياسيين للحقوق الثقافية يعتقدون أن هناك مجموعات ثقافية متميزة ومعترف بها تقدم مطالبات ثقافية مميزة، بينما يعتمد هؤلاء المنظرون في تقديمهم للأمثلة على “مجموعة واسعة من الأمثلة التي تشمل الدين واللغة والطائفة الإثنية والجنسية والعرق” (Song 2009: 177).

    ونادراً ما تكون “الثقافة” وحدها أساس المطالبة المقدَّمة للدولة. بل إن ما يسمى بالمطالبات الثقافية – كما تقول سونغ – هي غالباً في الحقيقة مطالب بسلع ديمقراطية أخرى مفهومة فهماً جيداً ومبررة. وتتلخص أغلب هذه المطالب في الاستيعاب الديني، ويتم الدفاع عنها وفق الدفاعات الليبرالية المعتادة عن حرية المعتقد؛ والبعض الآخر من المطالب عبارة مطالب بالتعويض عن الأخطاء السابقة والجارية وتتخذ شكل التمييز الإيجابي؛ وهناك مطالب أخرى من أجل الإدماج الديمقراطي، وغالبا ما تكون جذورها متأصلة في تاريخ ينطوي على إشكالية أخلاقية من الإقصاء المتعمد.

    وبمجرد الكشف بوضوح عن أسباب هذه المطالب “الثقافية” سنجد في الغالب أسباباً يمكن تبريرها ديمقراطياً من أجل احترامها واستيعابها دون الحاجة إلى اللجوء إلى الاعتماد على الثقافة بوصفها كياناً متميزاً، مما يؤدي إلى ظهور مجموعة متميزة من المطالبات بالحقوق. ونتيجة ذلك هي أنه يمكن في حالات كثيرة تجنب الجدل المرتبط بتعريف الثقافات وتحديد أعضائها على الوجه الصحيح. إلا أن هذا التحليل قد يجعل من الصعب معالجة الحالات التي يتفاعل شيء يسمى “الثقافة” مع المطالبات الدينية والإثنية والعرقية أو يكملها.

    ولنتناول قضية الاختيار الذي تم من خلال استفتاء حظر بناء المآذن فوق المساجد في سويسرا. وقد كانت إمكانية الدفاع عن الحظر موضوعاً للتداول بين الفلاسفة السياسيين، وكانت إحدى نقاط الخلاف الرئيسية هي ما إذا كان بناء المآذن يعتبر واجباً دينياً في الإسلام وإلى أي مدى. ويقترح العديد من المفسرين أنه نظراً لأن المآذن ليست إلزامية وفقاً للشروط الدينية الإسلامية، فمن المؤسف اختيار حظرها (بسبب ما تقوله عن الأماكن العامة للإسلام في سويسرا)، ولكن الحظر لا ينتهك الحرية الدينية للمسلمين الذين يمارسون شعائرهم الدينية في سويسرا، ولذلك فهو مسموح به (Miller 2016).

    ومع ذلك، فإن ما يتم تجاهله في هذه المطالبة هو الأهمية الثقافية للمآذن. وبدون الاعتراف بمكانة الثقافة المتميزة في بعض المطالبات، لا يمكن التوصل إلى فهم كامل لقضية المآذن. ويمكن ملاحظة نفس التحدي في المداولات الجارية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمرأة المسلمة بارتداء غطاء وجهها في الأماكن العامة. ويشير بعض المعلقين إلى أن النصوص الإسلامية (وفقاً لبعض التفسيرات) لا يبدو أنها تطلب تغطية الوجه، ومن الممكن حرمان المرأة من الحق في الانخراط في هذه الممارسة، دون انتهاك حريتها الدينية.

    وعند طرح هذه الحجة، يلاحظ المدافعون عنها أن اختيار تغطية الوجه يشكل في واقع الأمر (مجرد) تفسير ثقافي للمتطلبات الإسلامية، كما يتضح من حقيقة مفادها أن بعض الطوائف التي تمارس الإسلام هي وحدها التي تمارس هذه الممارسة.[i] من الضروري بالنسبة لبعض العلماء الفصل بين المطالب الدينية والمطالبات الثقافية ــ تأخذ الدول الديمقراطية الليبرالية المزاعم الدينية بجدية بالغة باعتبارها مسائل أخلاقية، ولها تاريخ طويل في حماية الحرية الدينية بحماس.

    وعلى هذا فبعد أن قرر هؤلاء العلماء أن المطالبة ليست مطالبة تتعلق بالحرية الدينية، فإنهم يعتقدون أنهم قادرون على رفض طلب الإذن بتغطية الوجه في الأماكن العامة بأريحية. ومع ذلك، فإن تجاهل الأبعاد الثقافية للمطالبة – أو معاملتها كما لو أنه من الواضح أنها أقل أهمية من المطالبة الدينية الكامنة وراءها – لا يعالج القضية معالجةً صحيحة. لاسيما أنه لا يأخذ على محمل الجد أن الالتزامات الدينية تنطوي بالضرورة على تفسيرات ثقافية، وأن الاعتراف الكامل بالحرية الدينية يستلزم الاعتراف بتفسيراتها الثقافية، وبذلك سوف يكون هناك حاجة لتحقيق الاستيعاب الثقافي القانوني والسياسي (للالتزام الديني).

    وسيتم النظر فيما يلي في أنواع مميزة من المطالبات الثقافية المقدمة لمؤسسات الدولة الرئيسية. وكما سيتبين فإن هذه المطالبات يقدمها تارة أفراد وتارة جماعات. وحيثما اقتضى الأمر سيسلط التحليل الضوء على ما إذا كان مفهوم الثقافة الذي سيرد ذكره هو الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة، الثقافة كتكوين اجتماعي، الثقافة كسرد، الثقافة كهوية. لن يكون التحليل دائما مرتباً، إذ ستكون هناك في بعض الحالات دفاعات متعددة عن حق ثقافي ما مستندةً على فهم مختلف للثقافة.

    1.2 حقوق الإعفاء

    ولعل أكثر أنواع المطالبات الثقافية شيوعاً التي تقدم للدولة تكون على شكل طلب إعفاء من القواعد واللوائح التي تنطبق عادةً على جميع المواطنين. وتستجيب حقوق الإعفاء لحقيقة أنه بالفعل يقصد من القوانين والممارسات في الديمقراطيات الليبرالية معاملة جميع المواطنين معاملة متساوية، ولكن تشكل بعض القوانين والممارسات المفروضة ضرراً على بعض الأقليات دون قصد. والقلق الذي يتعين حله هو أن مواطني الأقليات مثقلون بقصد أو دون قصد بالتطبيق المعتاد لبعض القوانين (Levy 2000: 130)، على نحو يؤدي إلى معاملتهم معاملة غير عادلة، والتي يمكن حلها بالإعفاء من بعض القوانين والممارسات المعتادة (Quong 2006; Gutmann 2003). ومن ثم يفهم توسيع نطاق حقوق الإعفاء على أنه:

    اعترافٌ بذلك الاختلاف، باعتباره محاولةَ لعدم إثقال كاهل ثقافة الأقلية أو دينها دون داع في طريق تحقيق الأهداف المشروعة للقوانين (Levy 2000: 130).

    يطلب بعض السيخ على سبيل المثال إعفاءهم من القوانين التي تشترط ارتداء خوذات الدراجات النارية أو خوذات مواقع البناء. ورغم أن السيخية تعتبر ديناً، إلا أن السيخ يصفون شرط ارتدائهم العمامة بأنه شرط غير ديني تماماً، بل إنه رمز لعقيدتهم والتزامهم بقيم السيخ، فضلاً عن كونه تعبيراً عن هويتهم (تجدون الأسئلة الشائعة عن اعتقاد السيخ في قسم مصادر الإنترنت الأخرى). وبدون إعفاء من هذه القوانين، سيُستثنى السيخ من الاستفادة من الفرص التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين على أساس متكافئ.

    وينطبق الأمر ذاته على مجتمعات السكان الأصليين الذين طلبوا إعفاءات من القوانين المعمول بها عموماً والتي تحد من الصيد البري وصيد الأسماك، موضحين أن مثل هذه القيود تخل بأسلوب حياتهم التقليدي، أو تجعل من الصعب عليهم (أو من المستحيل) إعالة أنفسهم (Levy 2000: 128). وقبل التخلي عن قوانين إغلاق الأحد في كندا والولايات المتحدة، كانت الأقليات الدينية تمنح أحياناً إعفاءات منها. وفي هذه الحالات، وكما ورد أعلاه وبدون إعفاءات منصوص عليها قانوناً، يتعين على الناس (الأقليات عادة) أن يختاروا المشاركة في الفرص التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين على أساس متكافئ، أو احترام فهمهم (الثقافي) لما يمليه عليهم دينهم.

    وثمة فرق طفيف بين طلب الإعفاء وطلب تعديل القواعد. وكما تبين، فإن طلبات الإعفاء هي – كما تبدو – طلبات لإعفاء الأفراد من بعض الشروط التي من المفترض أن تنطبق على جميع المواطنين بالتساوي؛ وتطلب طلبات التعديل إدخال تغييرات على الممارسات القائمة للأغلبية من أجل استيعاب ممارسات معينة أخرى من ممارسات الأقليات. ويطلب السيخ في بعض الأحيان إعفائهم من القوانين التي من شأنها أن تلزمهم بخلع عمائمهم على النحو السالف الذكر؛ ويطلبون في حالات أخرى إدخال تعديلات على الزي الرسمي، بحيث تعامل العمائم على أنها أحد أغطية الرأس المتاحة للذين يضطلعون بدور معين.

    وينطبق الأمر ذاته على طلبات تعديل الزي الرسمي التي تقدمها النساء المسلمات اللاتي يغطين وجوههن أو رؤوسهن، والرجال اليهود الذين يرتدون اليرمولكات، حيث يتطلب الزي الرسمي عادةً رأساً أو وجهاً كاشفاً، أو في الحالات التي يطلبون فيها تغطية الرأس بطريقة معينة (كما هو الوضع في حالة السيخ، ويمكن عرضها على أنها طلبات للحصول على إعفاءات). وعلى غرار ذلك عندما يطلب المسلمون الملتزمون أوقات استراحة قصيرة في أيام العمل للصلاة في أوقات محددة من اليوم، أو عندما يطلب الطلاب اليهود والمسلمون تغييرات في توفير الطعام (لاستيعاب التزامات المتعلقة بطعام الكوشر والحلال) في المقاصف المدرسية، فهذه الطلبات تعتبر طلبات تعديل وليست إعفاء.

    وفي معظم الحالات يكون الإخفاق المبكر للقانون الشرعي في تعديل ممارسات جديدة أو الإعفاء منها أمراً غير متعمد. بمعنى أن القوانين أو الممارسات السارية لم تعتمد عن قصد بغرض الاستثناء، بل اعتمدت بالأحرى على افتراض أنها تعامل السكان الحاليين معاملة عادلة. غير أن الهجرة واسعة النطاق نوّعت سكان بلدان كثيرة بطرق ملموسة. وغالباً ما يسافر المهاجرون بممارسات وقواعد لا تكون -عند وصولهم- مألوفةً في الدول التي سيقيمون فيها، ويُطلب نتيجة لذلك من الدول تعديل قوانين معينة، وإعفاء الوافدين الجدد من قوانين معينة أخرى. وقد توجد حالات يكون فيها أسباب عامة مشروعة تؤدي إلى الاستمرار في تطبيق قوانين معينة على الرغم من الأضرار التي تلحقها بالوافدين الجدد.

    كما أن هناك حالات تصر فيها الدول على المطالبة بطاعة القوانين والممارسات التي من الواضح أنها تضر بالوافدين الجدد الذين يحاولون الاندماج، ولكن لا توجد فيها عوامل مخففة جيدة تبرر الاستمرار في فرض الضرر (مثلاً عندما أقرت مدينة راندرز الدنماركية قانوناً يشترط تقديم لحم الخنزير “بالتساوي مع الأغذية الأخرى” في المقاصف المدرسية). وفي هذه الحالات الأخيرة، لم يعد الأثر الاستبعادي للقوانين غير مقصود، وتستحق هذه القوانين الإدانة عموماً لأنها تكرس الاستبعاد غير الضروري وغير المبرر من المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

    وليس المهاجرون – أفراداً أو جماعات – من يطالب دائماً بحقوق ثقافية من إعفاء وتعديل، ولكن هذا هو الحال في كثير من الأحيان. وتطالب مجتمعات السكان الأصليين بالإعفاءات كما تطلبها بعض الطوائف الدينية الأرثوذكسية. وستُناقش هذه الحالات أدناه في القسم الذي يركز على الحفاظ على الثقافة.

    2.2 حقوق المساعدة

    تناشد طلبات المساعدة الدولة بالحفاظ على الظروف التي يمكن أن تستمر فيها مختلف عناصر الثقافة بل وتزدهر – لا سيما لغات الأقليات – أو بتعزيز وحماية الجمعيات الثقافية بطرق مختلفة، بما في ذلك تقديم الدعم المالي للفنانين الذين ينتمون لهذه المجموعات الثقافية، أو بتوفير الموارد اللازمة لإتاحة إنتاج وتوزيع وسائط الإعلام بلغة الطائفة الإثنية. والمبرر وراء حقوق المساعدة هو ذاته الذي وراء طلبات الإعفاء والتعديل: وهو منع استمرار الظلم في الوصول إلى الحقوق أو المنافع التي من المفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين بالتساوي.

    وفي حالة حقوق المساعدة، تجادل الأقليات الثقافية بأن الأغلبية تصل بالفعل إلى هذه المنافع، على سبيل المثال تعلم لغة قوية أو الوصول إلى وسائل الإعلام، ولذلك فهم يطلبون موارد الدولة بتأمين هذه المنافع للأقليات الثقافية أيضاً. وبينما يتداخل المبرر هنا مع المبرر المقدم للدفاع عن حقوق الإعفاء والتعديل – لتحقيق الإنصاف – فإن فهم الثقافة التي يقوم عليها طلب هذه الحقوق يختلف. وعادة ما تعامل مطالبات الإعفاء والتعديل الثقافة باعتبارها هوية أو حواراً، في حين أنه في حالة مطالبات المساعدة، يكون الفهم الأساسي للثقافة غالباً باعتبارها تكويناً اجتماعياً أو بوصفها مجموعة شاملة؛ وتُعامل الثقافة على أنها كلٌ يتطلب مساعدةً لحماية كل جزء من أجزائها المركزية، لكي تؤدي مهمة تشكيل الأعضاء تشكيلاً جيداً.

    3.2 حقوق تقرير المصير

    حقوق تقرير المصير هي الحقوق التي تمنح ولايات قضائية محلية داخل الدولة سيطرة كبيرة على إقليم معين، لا سيما الحق في إدارة المؤسسات الرئيسية في ذلك الإقليم. إن أي مجتمع يقرر مصيره بنفسه هو مجتمع قادر – بسبب السيطرة على المؤسسات الكبرى في إقليم ما – على اتخاذ وفرض القرارات من دون تدخل من أطراف خارجية في مجالات السياسات المتعددة (I.M. Yung 2004). ويستند تبرير حقوق تقرير المصير في بعض الأحيان على التعويض أو العدالة التصحيحية، على سبيل المثال عندما تكون إجراءات الدولة السابقة قد قوضت قدرة مجموعة ثقافية معينة على تقرير مصيرها بنفسها من الأساس (Song 2009: 184).

    وفي حالات أخرى، فإن المطالبة بتقرير المصير لها ما يبررها فيما يتعلق بأهمية حماية استقلال الولايات القضائية المحلية المميزة ثقافياً، أي قدرتها على إدارة شؤونها الخاصة بطرق تنسجم مع تفضيلاتها الثقافية. ويعتمد الحق في تقرير المصير عادة على فهم الثقافة على أنها مجموعة شاملة، أو على اعتبار أنها تكويناً اجتماعياً، مما يدل على أنه بدون سيطرة كبيرة على المؤسسات الرئيسية التي تحكم حياة المواطنين، لن تكون المجموعة المعنية قادرة على تحديد مصيرها بنفسها.

    يعزى الحق في تقرير المصير عادة إلى الدول، ولذلك فإن معناه في سياق الأقليات التي تعمل في مستوى محلي دون مستوى الدولة ليس واضحاً دائماً. ومن بين الولايات القضائية المحلية داخل الدولة، كثيرا ما تطالب بهذا الحق جماعات السكان الأصليين والجماعات القومية داخل الدولة مثل سكان إقليم الباسك والأسكتلنديين، الذين تختلف “ثقافتهم المجتمعية” بشكل واضح عن الثقافة المجتمعية للأغلبية. وتعتبر المطالبة بتقرير المصير مطالبةً باتخاذ قرارات بشأن كيفية تعليم الأطفال، واللغة التي تتحدث بها السلطات السياسية المختصة، وكيفية تنظيم الأماكن العامة. وللحق المطَالب به ثلاثة مظاهر على الأقل، وهي:

    1. الحق – على أقل تقدير- في “الحفاظ على أسلوب حياة شامل داخل المجتمع الأوسع دون تدخل”؛
    2. حق اعتراف الأغلبية بأسلوب حياتها
    3. الحق في المساندة النشطة من قبل الأغلبية لدعم أسلوب الحياة ذي الصلة دعماً إيجابياً حتى “تزدهر الثقافة” (Margalit & Halbertal 1994: 498).

    وتقدم هذه المظاهر الثلاث مطالب مميزة للدولة، تتراوح من مطلب بسيط مثل عدم التدخل إلى المشاركة النشطة في إدامة ظروف تقرير المصير. ويناط نتيجة لذلك بالدولة في بعض الأحيان مهمة تقييم مدى رغبتها في توجيه مواردها لدعم طلب معين من طلبات تقرير المصير، مع التركيز على ما إذا كان هناك ما يبرر المطالبات المرتبطة بالحفاظ على الثقافة، والتي سينظر فيها أدناه.

    4.2 حقوق الاعتراف

    وكثيراً ما ينتقل طلب الاعتراف الرسمي في الوثائق القانونية والسياسية مع طلب تقرير المصير، ويستند على الرغبة في جعل الأغلبية تعبر عن التزامها بالاحترام الكامل والمتساوي للأقلية الثقافية (Mcbride 2009). وفي الحالة الكندية، كافح سكان مدينة كيبيك طويلاً من أجل الاعتراف بهم أمةً لديها “مجتمع مميز”. وقد فشلت محاولات الاعتراف بوضع كيبيك في الدستور الكندي مراراً، على الرغم من أن عريضةً نصها “أن يعترف هذا المجلس بأن كيبيك تشكل أمةً داخل كندا الموحدة” قد تمت الموافقة عليها (بالرغم من الجدل الكبير المصاحب لها) من قبل مجلس العموم في عام 2006. وتعد المطالبة بالاعتراف في هذه الحالة مطالبةً بالاحترام بوصف هذه الأمة شريكاً قومياً متساوٍ في تأسيس الدولة الكندية.

    وفي حالة مجتمعات السكان الأصليين أيضاً، لا يشمل الحق في تقرير المصير غالباً المطالبة بممارسة السلطة على ولايات قضائية محددة فحسب، بل يشمل أيضاً الاعتراف بها. فتسعى هذه المجتمعات – على سبيل المثال – إلى الاعتراف بها على أنها السكان الأصليون لدولة معينة، أو على أنها أمم في حد ذاتها، أو على أنها ضحية لجرائم مختلفة قام بها المستعمرون منها انتهاك المعاهدات المبكرة المبرمة بينهما، فضلا عن طلبات تقدم للدولة من أجل دعم المحافظة على استدامة المجتمعات المحلية، وفي كثير من الحالات إعادة بناء تلك التي دمرتها حكومات الاستعمار/الاستيطان تدميراً نشطاً. وأصبح على سبيل المثال في كندا وغيرها من الدول المستعمِرة من الشائع قراءة بيانات الاعتراف بالأرض قبل الفعاليات (بما في ذلك قراءتها كجزء من “الإعلانات” التي تُقرأ في بداية اليوم الدراسي)، التي تعترف بأن الأحداث والإجراءات تجري على أرض السكان الأصليين التي لم يتنازلوا عنها للدولة المستعمِرة.

    وعلى نحو مماثل لطالما طالبت مجتمعات السكان الأصليين الأسترالية بالاعتراف الرسمي بهم في الدستور الأسترالي. فإن الأمل بل والمتَوقع من منظور مجتمعات السكان الأصليين الأسترالية هو أن يؤدي الاعتراف الرسمي إلى مزيد من الحقوق والفوائد، مثل زيادة القوة التصويتية ووصول أفراد الأقلية إلى السياسة. ويوجد أمل في الحصول على حقوق ومنافع إضافية في بعض – ولكن ليس في كل – مطالبات الاعتراف (فعلى سبيل المثال لم يكن هذا موجوداً إلى حد كبير في حالة مدينة كيبيك).

    ويأتي الاعتراف بأشكال أخرى تتجاوز الاعتراف في الوثائق القانونية والسياسية، والتي يقصد بها تأكيد احترام الأقليات. وتعترف بعض الدول رسمياً بلغات الأقليات على أنها لغات وطنية. تعترف سويسرا على سبيل المثال رسمياً باللغة الروماشانية لغةً وطنية، على الرغم من أن المتحدثين بها يشكلون أقل من ١٪ من مجموع سكان البلاد. وعلى النقيض من ذلك كانت القوانين التركية تحظر التحدث باللغة الكردية في الأماكن العامة والتي تعتبر محاولةً لحرمان أقلية قومية من الاعتراف (أخيراً أُلغي هذا القانون عام ١٩٩١). وكما هو الحال بالنسبة لطلبات الاعتراف الرسمي في الوثائق الدستورية الملزِمة، تظهر هذه الأنواع من الاعتراف احترام مجتمعات الأقليات فضلاً عن الالتزام بمعاملتهم على أنهم أعضاء كاملي العضوية ومتساوين في الدولة الأكبر.

    5.2 حقوق الحفاظ على الثقافة

    حقوق الحفاظ على الثقافة هي الحقوق التي تدعي المجموعات أنها أمراً أساسياً في المحافظة على مجموعة ثقافية بوصفها مجموعة ثقافية. ويوصف هذا الحق في بعض الأحيان بأنه حق في “بقاء شعب ذو مواصفات ثقافية خاصة” (Gutmann 2003: 75). ويستند التبرير في بعض الحالات إلى الادعاء بأن بعض أشكال الاحتكاك بالمجتمع الأوسع نطاقاً والمشاركة معه ستؤدي إلى اضمحلال ثقافة يقدرها أعضاؤه. ويكون المبرر في حالات أخرى مبرراً تاريخياً، كما في الحالات التي وافقت فيها الجماعات الدينية الأرثوذكسية الفارّة من الاضطهاد الديني في أوروبا على استيطان أراض جديدة في كندا والولايات المتحدة مقابل الحرية الدينية.

    ويتلخص المبرر الرئيسي في حالات أخرى في أن التنوع الثقافي يعتبر قيّماً ويستحق الحفاظ عليه بحد ذاته (Parekh 2000). (ويطالب في بعض الحالات بحقوق الحفاظ على الثقافة على أنها تعويضات عن أخطاء الماضي؛ ويُنظر أدناه في هذه المطالبة على حدة). وتعتبر طلبات الحفاظ على الثقافة من أكثر الأمور إثارة للجدل حيث تقوم بها مجموعات غير ليبرالية، كما سيرد التفصيل فيها قريباً.

    ويجدر بنا هنا التوقف قليلاً لنلاحظ وجود طريقتين لتفسير الحفاظ على الثقافة: فقد تعني الحفاظ على مجموعة ما باعتبارها كياناً ثقافياً مميزاً أو قد تعني الحفاظ على بعض الممارسات والقيم التي يُعتقد في وقت ما أنها تشكل أهمية مركزية للثقافة. تأتي حقوق الحفاظ على الثقافة بأشكال متعددة بما في ذلك طلبات الإعفاء، واستقلال الوالدين الذاتي، واحترام آليات حل النزاعات الداخلية (في قانون الأسرة بالدرجة الأولى)، والسيطرة على العضوية. ولهذه الحقوق ما يبررها فيما يتعلق بالحفاظ على الثقافة، وعادة ما تعتمد على فهم الثقافة باعتبارها مجموعة شاملة أو باعتبارها تكويناً اجتماعياً، تماماً كما هو الحال بالنسبة للحق الأعم في تقرير المصير الذي كثيراً ما ينتقل معه.

    لا تطالب العديد من الأقليات غير الليبرالية إلا بحقوق التحريم ضد الدولة التي تعيش فيها (Spinner-Halev 2000).  واستجابةً لذلك، قد تسمح الدولة لمجموعة ثقافية غير ليبرالية بأن “تترك وشأنها”، على أساس أنه يجوز لها ذلك ما دامت قادرة على الاستمرار دون دعم من الدولة من أي نوع. ومع ذلك قد يطلب من الدولة أن تبذل المزيد للحفاظ على الثقافة.

    فعلى سبيل المثال، يمكن أن يُطلب من الدولة إعفاء أفراد مجتمع محلي من بعض الشروط التي تطلب عادة من جميع المواطنين، بما في ذلك التعليم الإلزامي وقوانين عمل الأطفال. ولنتأمل هذا المثال: تعيش العديد من مجتمعات طائفة الأرثوذوكس الأميش حياة معزولة إلى حد كبير عن المجتمع الأوسع نطاقاً، فهم يعيشون أسلوب حياة منظم دينياً يملي عليهم من يتزوجون، وكيف يربون أطفالهم، وكيف ينتجون اقتصاداً يسمح استمرار أسلوب حياتهم. وفي أغلب الحالات لا يطلبون الاعتراف ولا المزيد من الدعم المالي من أجل حماية أسلوب حياة مجتمعاتها.

    وقد طالبوا في السابق بعدم التدخل فقط. وطلبت بعض مجتمعات الأميش الأمريكية في سبعينات القرن الماضي الحق في سحب أطفالهم من التعليم الإلزامي في سن الرابعة عشر – وكان لهم ذلك -، محتجين بأنه في الحالات التي طلب فيها من أطفالهم البقاء في المدرسة حتى سن السادسة عشر كانوا أكثر عرضة للخروج من مجتمعهم المحلي. وزعموا أن معدل خروجهم المرتفع هذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم استمرار أسلوب حياة الأميش على مر الزمن (Burtt 1994). كان حق الإعفاء الذي طالب به الأميش – في هذه الحالة – مستمداً من الطلب الأوسع نطاقاً وهو الحفاظ الذاتي على الثقافة؛ وقالوا إنه من دون الإعفاء قد تتلاشى الثقافة نفسها.

    ويمكن أيضا أن يطلب من الدولة أن تحترم مجالات معينة للسلطة القانونية، ولعل أكثرها يكون في مجال قانون الأسرة. وغالباً ما تنظم الأقليات شروط الزواج وحضانة الأطفال والطلاق، وتطلب من السلطة القانونية أن تقوم بذلك. إن احترام السلطة القانونية لجماعات الأقليات لممارسة الولاية القضائية في قانون الأسرة هو ذات الطلب الذي عادةً ما يزعج منتقدي حقوق الأقليات الثقافية، وذلك لأنه قد يؤدي إلى ترسيخ الاجحاف بالمرأة، في تسويات الطلاق أو اتفاقيات الحضانة على سبيل المثال (Shachar 2001; Bakht 2007).

    وإذاً عامةً تطالب الدول التي تعترف بالسلطة القانونية لجماعات الأقليات في مجال قانون الأسرة أيضاً أولئك الذين يشاركون في هذه الإجراءات القضائية بأن يفعلوا ذلك عن طيب خاطر؛ ولذلك تحتفظ الدول ذات الأغلبيات لنفسها في كثير من الأحيان بالإذن بالتدخل في هذه الإجراءات دعماً للذين قد لا يتمتعون بحماية كافية. ويجب على الدولة هنا أن تحاول إيجاد توازن بين تقديم دعمها لأضعف أفراد الأقليات (من أجل ضمان حماية حقوقهم الدستورية على سبيل المثال)، والتدخل الذي يغفل عن المطالب المشروعة لجماعات الأقليات بالاستمرار على مر الزمن، وذلك جزئياً من خلال ممارسة سلطتها في المجالات الرئيسية.

    تعتبر حقوق الاستبعاد أحد الأشكال الشائعة الأخرى لحقوق الحفاظ على الثقافة وهو حق جماعة ثقافية في رفض انضمام الآخرين لأراضيهم أو الانتساب لهم، بسبب تخوفهم من أن وجود شروط قبول أكثر سخاءً يهدد بتقويضها من خلال تمييعها عملياً. وكما تتمتع الدول بالحق المزعوم في السيطرة على حدودها (نوقش أدناه في القسم ٣)، ومن يستطيع أن يطالب بحقوق العضوية حتى بعد الانضمام، فإن بعض الولايات القضائية داخل الدولة تزعم كذلك هذا الحق المزدوج في الاستبعاد مستشهدة بأهمية الحفاظ على الثقافة. وقد طالبت في بعض الأحيان مجتمعات السكان الأصليين بحقها في استبعاد الأفراد غير الأصليين من الاستقرار على أراضيها أو حقها في استبعاد الآخرين (مثل أزواج الأشخاص الأصليين من غير السكان الأصليين) من مزايا معينة في العضوية، بما في ذلك الحق في التصويت (أو الحق في أن يكون لهم رأي آخر) لمن سيحكمون. ولقد طُلب من محاكم الدول البت في السلطة الشرعية للمجتمعات الأصلية لاتخاذ هذه القرارات (انظر Song 2005).

    تشكل حقوق الحفاظ على الثقافة الموصوفة أعلاه تحدياً عسيراً يرتبط بالانتقادات التي تعامل الثقافة على أنها مجموعة شاملة، إذ يقول بعض النقاد أن أي مطالبة بالحفاظ على الثقافة تترجم في واقع الأمر إلى مطالبات إشكالية فيما يخص السيطرة على الأعضاء، والتي تكون أيضاً أكثر تقييداً للنساء وأعضاء مجتمع الميم. ويعتبر هذا تحدياً يفرض فرضاً قوياً عندما تطلب ما يسمى بالمجموعات غير الليبرالية مثل الأميش بحقوق الحفاظ على الثقافة، وعندما تفرض هذه الحقوق (في نظر النقاد) على الأطفال ضد إرادتهم.

    إن المجموعات غير الليبرالية هي تلك التي ترفض بعض القيم الليبرالية الرئيسية مثل الاستقلال الذاتي والمساواة؛ ويتم في كثير من الحالات دعم هذه المجتمعات المحلية من خلال نظم تعليمية تثبط عملية الاستقلال في اتخاذ القرارات، ومن خلال تجنب تدريس المهارات والقدرات التي تمكنها عادة، ومن خلال فرض قواعد التسلسل الهرمي التي تُعلي من قدر بعض الأعضاء على غيرهم بطرق يجدها مناصري فكر المساواة غير مرضية.

    وتكمن المشكلة في أن المجتمع المحلي لا يريد أن يحافظ على نفسه باعتباره مجموعة ثقافية مميزة فحسب، بل يريد أيضاً أن يحافظ على نوعٍ من التجانس الثقافي الذي لا يترك مجالاً للمنافسة أو معارضة قيمه وممارساته المركزية. وكثيراً ما تجعل قواعد التسلسل الهرمي الأخيرة هذه المرأة عرضة لرجال أكثر قوة قد يطلبون أشكال مختلفة من الخضوع الجنسي لهم، ويعيدونهن إلى البيت لرعاية أطفالهن، ويفرضون عليهن قواعد سلوكية صارمة يترتب على انتهاكها عقوبات قاسية. تعتبر هذه الأنواع مما يسمى بـ “الممارسات الثقافية” – في نظر بعض النقاد – من النوع الذي يجعل أي شكل من أشكال دعم الدولة لحماية الأقليات الثقافية أمراً لا يمكن تبريره في الغالب (Okin 1999).

    ومن دواعي القلق التي تتخلل الاعتراضات على هذه الحقوق الكثيرة للحفاظ على الثقافة أن المرأة قد لا تكون راغبة في المشاركة في هذه الثقافات، وبالتالي فإن احترام حقوق الحفاظ على الثقافة يودع المرأة في حياة لا تختارها ولا تريدها ولا تستطيع الهرب منها. ولكن بالنسبة لكثيرين من الخطأ افتراض أن العضوات لا يتعرضن إلا للإكراه فقط، لأن كثيرات منهن يقدرن مجتمعهن المحلي تقديراً عميقاً ويحترمن الأعراف والقيم التي يسعى المجتمع إلى حمايتها، حتى وإن كنّ يرفضن بعضها.

    وتوجد في هذه الحالات – عندما يبحث فيها المنظرون السياسيون – محاولة للانتقال من معاملة الثقافة من منظور الشمولية إلى معاملتها من منظور الحوار والسرد. تخضع الثقافات – وحتى الثقافات القمعية للأقليات (بالنسبة لليبراليين) – للتغيير، وربما يكون أفضل مصدر للتغيير هو الأعضاء الملتزمين التزاماً عميقاً والذين يؤمنون طواعيةً بالقيم الرئيسية ويرفضون غيرها، بما في ذلك تلك القيم التي لا تحترم مساواة المرأة في الحقوق. يعامل شرح مونيك ديفوكس (Deveaux Monique) الثقافة من منظور الحوار، حيث يتناول شرحه هذا المشاركات البالغات في الزواج العرفي في جنوب أفريقيا واللواتي يقبلن بعض عناصر ثقافتهن، ولكنهن يهدفن إلى الحصول على صوت على الطاولة لتغيير عناصر أخرى (Deveaux 2007).

    وتكمن الفكرة الرئيسية المحفزة هنا في أن الثقافات يمكنها أن تتغير بل تتغير بالفعل مع مرور الوقت مستجيبةً لكيفية انخراط أعضائها فيها، وأن ما يهم ليس التغيير نفسه وإنما من أو ما هو مصدره. ووفقاً لهذا الرأي، فإن هدف حقوق الحفاظ على الثقافة ليس الحفاظ على الثقافة بحد ذاتها – ويعتبر هذا تحدٍ قد يكون مستحيلاً على أية حال – بل الهدف هو الحق في حماية قدرة أعضاء المجموعة على تشكيل ثقافتهم وحمايتها من مصادر التغيير غير المرغوب فيها.

    ويزعم آخرون أنه ما دامت النساء – وأي أشخاص آخرون يخضعون لطلبات ثقافية صارمة – يمتلكن حق (أو القدرة على) الخروج من المجتمع، فيجب التعامل مع اختيارهن للبقاء على هذا الأساس (Kukathas 1992). وتشكل الجهود الرامية إلى جعل الحق في الخروج يُمارس بشكل حقيقي أهمية كبرى لأولئك الذين يعتقدون بوجهة النظر هذه (Kukathas 2012; Holzleithner 2012). وبذلك يتعين على الدولة أن تختار الموارد التي توفرها لأولئك الأعضاء الذين قد يرغبون في الخروج ولكنهم لا يملكون الوسائل اللازمة لبناء أنفسهم في المجتمع الأوسع. ففي بعض الطوائف الدينية الأرثوذكسية تكون الملكية للممتلكات مشتركة ولا يملك الأفراد أي ممتلكات أو موارد شخصية؛ ونتيجة لذلك ليس لدى الذين يرغبون في الخروج من المجتمع المحلي ما يعتمدون عليه أثناء تأسيسهم لحياتهم الجديدة.

    وفي مجتمعات محلية أخرى يكون الأعضاء ذوو تعليم متدن ولم يألفوا الحياة خارج مجتمعاتهم المحلية، وبالتالي يخرجون من مجتمعاتهم وهم غير قادرين على إعالة أنفسهم في المجتمع الأوسع. إذاً بوسع الدول المستقبلة لأولئك الخارجين من مجتمعاتهم المحلية أن تقدم لهم الدعم بطرق مختلفة، مثل توفير الملاجئ للنساء الخارجات (والرجال) حيث يتم فيها توفير التعليم حتى يتسنى لهن لاحقاً تحقيق الاكتفاء الذاتي بوصفهن عضوات في النسيج العام للمجتمع. وقد يبدو أن اختيار دعم الخارجين من مجتمعاتهم يقوض قدرة الثقافة على الحفاظ على ذاتها. ولكن لا يفهم دعم الخارجين على أنه إنكار حقوق الحفاظ على الثقافة؛ بل ينبع اختيار القيام بذلك من التزام الدولة بحماية حقوق جميع أعضائها بمن فيهم أكثر الفئات ضعفاً، على أفضل وجه ممكن.

    6.2 حقوق عدم فقدان الثقافة

    وينبغي التمييز بين الحق في الحفاظ على الثقافة الموصوف أعلاه وبين أحد الحقوق المختلف عنه اختلافاً طفيفاً وهو الحق في عدم الخسارة القسرية للثقافة والذي يركز على الحفاظ في الحالات التي تكون فيها الخسارة المحتملة ناجمة عن إكراه ممارس من قوى خارجية وتكون فيها المجموعة الثقافية عاجزة نسبياً إزاءها. فيكون التغيير الثقافي بطبيعة الحال أمراً لا مفر منه بطريقة أو بأخرى – على النحو المبين أعلاه – ولا سيما إذا كان المرء ينظر للثقافة من منظور الحوار، فالثقافات غير ثابتة في الواقع أبداً.

    بل إن الممارسات والأعراف والقيم التي تعرِّف الثقافة في وقت من الأوقات قد تتوقف عن كونها معرِّفة مركزية لتلك الثقافة يوماً ما، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها الاقتصادي والبيئي والسياسي. لذا فإنه في الواقع لا مفر من الخسارة الثقافية بقدر ما، وهذا أيضاّ لا يدعو للأسف دائماً. إذ أنها في بعض الأحيان تكون استجابةً طبيعيةً لعوامل خارجية تقع خارج سيطرة الثقافة، وتكون أحياناً موضع ترحيب لأن التغييرات تؤدي إلى تحسين حماية حقوق الإنسان أو إلى تقاليد وممارسات ثقافية أكثر شمولاً. وقد تختار المجموعة الثقافية تغيير أساليب إنتاجها المركزية استجابةً على سبيل المثال للعوامل البيئية المتغيرة. ولذلك – وكما زعم صاموئيل شيفلر (Samuel Scheffler)- يجب رفض وجهة النظر التي تدعم دعماً قوياً المحافظة على الثقافة – والتي مفادها أن الثقافات يجب أن تكون بمنأى عن جميع أشكال التغيير – (Scheffler 2007).

    ومع ذلك قد يكون لدى ثقافات الأقليات في بعض الأحيان مطالبة وجيهة وهي أنها غير قادرة على حماية نفسها من التغيير الثقافي غير المرغوب فيه أو أنها غير قادرة على التحكم في وتيرة التغيير. وبالتالي قد يحق لهم الحصول على أشكالٍ من الدعم الذي تقدمه الدولة لمساعدتهم على تهيئة الظروف المواتية التي يمكنهم بموجبها مقاومة التغيير الثقافي غير المرغوب فيه. فعندما تطلب الأقليات اللغوية دعم الدولة للاستمرار في تعليم الأطفال بإحدى لغات الأقليات على سبيل المثال، يكون تبريرهم لذلك أحيانا هو حماية تلك اللغة من الاضمحلال في مواجهة الضغوط الرامية إلى اعتماد أو إتقان لغة الأغلبية.

    وتركز الأغلبية في حالات أخرى تركيزاً شديداً على تقويض ثقافات الأقليات على مدى سنوات بل وعقود. فقد اتبعت الدول المستعمرة سياسات الإبادة الجماعية لمجتمعات السكان الأصليين – على سبيل المثال – لغرض صريح وهو تقويض قدرتها على البقاء كشعوب مميزة. إن أحد العوامل الرئيسية في تقييم حالات الخسارة الثقافية هو ما إذا كان التحول قسرياً على الأقليات، وليس بالضرورة أن يكون من خلال تغيير الظروف البيئية أو الاقتصادية، بل عن طريق وكلاء يعتزمون تقويض الثقافة من خلال تجريدها من قيمتها بصورة نشطة ومن ثم العمل على تقويض الظروف اللازمة لاستمراريتها استمراراً راسخاً. إن العوامل الخارجية الكيدية التي تولد تغيراً ثقافياً – لم يكن متوقعا لولا تلك العوامل – لا تجعل من التغيير أمراً يؤسف له فحسب، بل تولد أيضاً قضية للتعويضات، مثلاً فيما يتعلق بمجتمعات السكان الأصليين حيث توجد “أدلة على تاريخ من انتزاع الملكية أو التمييز أو الخضوع” (Phillips 2018: 97).

    7.2 حقوق الدفاع عن الثقافة

    يستخدم المسيؤون أحياناً في البيئات القانونية دفاعاً ثقافياً موضحين أن الأعراف والقيم الثقافية للأقليات – والتي تتعارض مع أعراف وقيم الأغلبية – ذات صلة سببية في تفسير السبب الذي دفعهم إلى ارتكاب خطأ ما. وبهذا قد عومل الدفاع الثقافي في بعض الأحيان على أنه عامل مخفف مهم في تحديد العقوبة. ويُبرر الحق في تقديم دفاع ثقافي عادة بأهمية الاعتراف بأن الأقليات لا تعمل دائماً وفقاً لنفس القيم والأعراف الممثلة في النظام القانوني للأغلبية، وأن هذه الاختلافات تستحق النظر فيها في المجالات القانونية. وقبلت الأحكام القضائية في السابق تفسيرات مفادها – على سبيل المثال – أن ما دفع الرجال لقتل شركائهم الخائنين هو مزيج من العار والغضب المرتبطين بالأعراف الثقافية.

    فعلى سبيل المثال أن الرجال الذين زعموا أن “الاغتصاب الجماعي” (المعروف ثقافياً باسم الزواج بالاختطاف) كانت تقرُّه ثقافة الهمونج على أنه وسيلة لتأمين زوجة – بحيث لم تكن النساء شريكات متواطئات فحسب، بل كن في الواقع شريكات راغبات في ذلك – لم يعد مفهوماً بعد الآن أنهم يحظون بدفاع في الدعاوى القانونية التي تتهمهم بالاغتصاب (Song 2005). ومع ذلك فقد تناقصت قوة التفسيرات “الثقافية” في المجالات القانونية الرئيسية مع مرور الوقت، حيث أصبحت الدول ترى أن كثير من هذه الدفاعات تغطي في الواقع المواقف الأبوية والمسيئة للمرأة والتي لا تزال قائمة سواء عند بعض الأقليات أو في المجتمع الأوسع.

    وغالباً ما تكون الدفاعات “الثقافية” عن الجريمة بمثابة معاملة للثقافة كما لو كانت كتلة متجانسة، وكما لو أن الجناة على ثقة بتفسيرها بدلاً من الضحايا. ولكن ” لا يمكن أن يعني احترام الثقافة الإذعان لكل ما تراه سلطات الثقافة القائمة حقاً” (Gutmann 2003: 46). وعلاوة على ذلك فإنه من الممكن أن تتجاهل الضرورة العامة لـ “احترام الثقافة” في المجالات القانونية الاختلافات بين أنواع التوقعات الثقافية والتي قد تتراوح بين الأفعال المسموح بها والأفعال المشجِعة والأفعال اللازمة، والتي قد يُعامل بعضها فقط على أنه ذو أهمية قانونية (Vitikainen 2015: 162).

    وكذلك يمكن أن تسمح وتشجع تمثيل ثقافات الأقليات (وخاصة غير الغربية) على أنها قوالب نمطية، وأن “تحشد الثقافة بطرق تشجع بعبثية على التعميمات الواسعة عن الأشخاص المنتمين إلى مجموعات ثقافية معينة” (Phillips 2007: 81 & 99). ويكمن الخطر الذي يمثله القبول غير المشروط للدفاع الثقافي في معاملة الثقافة باعتبارها شاملة بحيث أنها تعامل أفرادها على أنهم غير قادرين على اتخاذ قرارات مستقلة. ولكن يعتقد منتقدي الدفاع الثقافي بعدم صحته إذ أنه من الممكن للثقافة – بجانب العديد من العوامل الأخرى – أن تشكل جزءاً من تفسير ممارسة الأعمال الخاطئة، ولكن يجب عليها “ألا تخطئ أبداً في الحقيقة الكاملة” (Phillips 2007: 98).

    8.2 حقوق الاستخدام الثقافي الحصري (أو حقوق ضد الاستيلاء الثقافي)

    ثمة حق ثقافي أخير يطالب به البعض وهو الحق في التحكم في القطع الأثرية الثقافية أو أشكال التعبير الثقافي أو استخدام المحتوى الثقافي بشكل عام (Matthes 2016). ويعتبر هذا الحق هو الحق المطروح في الخلافات الأخيرة التي تركز على الاستيلاء الثقافي، ويعرف على أنه قيام طرف من غير الأعضاء باستخدام “شيء ذا قيمة ثقافية، وعادة ما يكون رمزاً أو ممارسة للآخرين” (Lenard & Balint 2020).

    ومن بين الأمثلة الشائعة على الأفعال المتهمة بالاستيلاء على الثقافة هي تجديل البيض لشعرهم وارتداء ملابس السكان الأصليين لعيد القديسين (الهالوين) وارتداء العمائم في الأزياء راقية وقيام مدربين لا ينتمون لجنوب آسيا بتعليم اليوغا. ويُتهم غير الأعضاء في جميع هذه الحالات بـ “الاستيلاء” على ممارسة أو رمز ثقافي معين ليس لهم. وبناء على هذا الرأي، فإن للثقافات حقوقاً حصرية في استخدام “منتجاتها” الثقافية حسبما تراها مناسبة، وذلك لأنه في كثير من الأحيان يُعتقد أن هذه الممارسة محورية بالنسبة لهويتها.

    وتعتبر وجهة النظر هذه مثيرة للجدل، وكثيراً ما يسخر منها أولئك الذين يرون أن التاريخ هو مجرد اختلاط ومشاركة للممارسات والرموز الثقافية بما في ذلك في المأكولات والفنون واللباس والممارسات الروحية؛ وتعامل سخريتهم هذه المطالبة بالحقوق على أنها تعتمد على فهم الثقافة بأنها ثابتة ولا تتغير بمرور الزمن، وهو أمر غير دقيق تاريخياً وأيضاً غير مرغوب فيه. ومن الأفضل بالمثل فهم القطع الأثرية الثقافية الرئيسية أنها تنتمي إلى “الإنسانية”: “ليست الشعوب هي التي تجرب الفن وتقدره: بل إنهم الرجال والنساء” (Appiah 2009).

    وربما لا تنفذ الدولة الحق المطالب به – وهو الاستخدام الكامل أو الحصري للممارسات أو الرموز المعرِفة للثقافة – على أفضل وجه، على الرغم من أن الدول يمكن أن تشارك في ممارسات تهتم بالأضرار التي يُزعم أنها ناتجة عن الاستيلاء الثقافي. فعلى سبيل المثال يمكن للدعم المركزي للفنون على هيئة منح لإنتاج أعمال فنية أن يكون حساساً تجاه من يطلب الدعم وماذا سينتج، ويمكن أن يوجه التمويل إلى الفنانين ينتمون لتقاليد معينة ويهدفون إلى إنتاج منتجات محددة ثقافياً ويرفض بالتالي (ما لم يُقدّم سبباً وجيهاً جداً لذلك) دعم الجهود التي تبذلها جهات ثقافية خارجية لإنتاج فن “داخلي” (Rowell 1995; J. O. Young 2008).

    ويكون الحق المطالب به أقوى نسبياً عندما يكون مجتمع ثقافي معين ضحية لاختلال موازين القوة عندما يكون المجتمع الثقافي قد طلب صراحة أن “تترك” جماعة الأغلبية ممارسة ما أو رمزاً معيناً، وعندما يستفيد أفراد مجتمع الأغلبية من استخدام هذا الرمز أو الممارسة (Lenard & Balint 2020). وكما هو الحال في حالات أخرى، يكون الحق الذي تطالب به جماعة ثقافية ما أقوى عندما يكون هناك استمرار لعدم المساواة بين الأقليات صاحبة المطالبة ومجموعة الأغلبية.

    3. مطالبات الحقوق الثقافية للأغلبية

    بحث القسم الثاني في مطالبات الحقوق الثقافية التي تقدمها الأقليات عادة. كما تقدم مجموعات الأغلبية مطالبات ثقافية لا سيما فيما يتعلق باستبعاد الآخرين من أراضيها وكذلك فيما يتعلق بما يمكن أن يطالب به أولئك الذين تم قبولهم.

    1.3 حقوق الاستمرارية الثقافية والاستبعاد

    وأحد المجالات التي تطالب فيها جماعات الأغلبية بحق ثقافي هو مجال الهجرة. وبالنسبة للبعض، يمكن أن يكون حق الدول في تشكيل ثقافتها سبباً مشروعاً لاستبعاد الآخرين بشكل عام ومجموعات محددة منهم أحياناً. وكثيراً ما يعزى هذا الرأي إلى مايكل والزر الذي يقول إن حق الدولة في السيطرة على حدودها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على

    الدفاع عن الحرية والرفاهية وسياسة وثقافة مجموعة من الناس الملتزمين ببعضهم البعض وبحياتهم المشتركة (Walzer 1983: 39).

    ولهذا فإن حق الدولة في السيطرة على ثقافتها هو حق أساسي لحماية “وعيها الجمعي”، كما جاء في القسم الأول.

    وقد واجه هذا الادعاء معارضةً من الكثير من الباحثين لأسباب متعددة. ويتمثل أحد الأسباب في أن الادعاء بأن الدولة قد تستبعد المهاجرين المحتملين لأسباب ثقافية كثيراً ما كان – في الواقع – محاولة لسن تشريع تمييزي يهدف إلى استبعاد المهاجرين الذين يُقال إن معتقداتهم وممارساتهم تتعارض مع القيم والأعراف المعرِّفة لثقافة الأغلبية أو حتى تقوضها. وكثيراً ما كان الاستبعاد القائم على ما يسمى بالأسباب الثقافية هو مطالبة مفادها بأن الدولة تفضل أن تظل متجانسة ثقافياً ودينياً وطائفياً وعرقياً. وتاريخياً انخرطت الدول انخراطاً صريحاً في هذه الممارسات التمييزية المنبوذة حالياً، بما في ذلك على سبيل المثال صيغ قوانين الاستبعاد الآسيوي التي كانت سارية في أمريكا الشمالية في أوائل القرن التاسع عشر.

    وأيضاً تستحق العديد من القضايا التي حدثت مؤخراً نفس الاتهام مثل تنفيذ ما يسمى بحظر المسلمين في الولايات المتحدة أو فيما يتصل بالطلبات المقدمة أثناء ذروة الأزمة في سوريا (2015) في بعض البلدان بإعطاء الأولوية للاجئين المسيحيين على المسلمين (Song 2018). ولكن هناك رفض واسع النطاق – سواء صراحةً أو ضمناً – بين المنظرين السياسيين للهجرة للسياسات التمييزية في مجال الهجرة، حتى بين أولئك الذين يدافعون عن الحق العام للدول في استبعاد المهاجرين واللاجئين لأسباب عديدة من بينها الحفاظ على الثقافة (Miller 2005).

    وينبثق المصدر الثاني للمعارضة من شك أعم في أن ثقافة الأغلبية – حتى ولو كانت قيّمة حقاً لأعضائها – يجب أن تعامل بما يكفي على أنها تستوجب استبعاد المهاجرين وخاصة المحتاجين منهم (استعيرت صيغة الضرورة من 2018Song). وحتى لو تم التسليم بأن الثقافة قيّمة بالنسبة للأغلبية، فإن العديد من العلماء يعتقدون أن حمايتها لا يمكن أن تستوجب استبعاد من هم في أمس الحاجة للأمن أو العيش.

    ولكن على افتراض أن هناك من يدافع عن وجهة النظر القائلة بأن الثقافة من الممكن أن تساهم – على الأقل في بعض الحالات – في استبعاد المهاجرين، فهناك ما يدعو لأن تُعامل الدولة على أنها تمتلك الحق في الاستمرارية الثقافية (Miller 2005). ويبدو هذا الحق المطالب به إلى حد ما يشبه الحق في الحفاظ على الثقافة (أو عدم خسارة الثقافة) المشار إليها أعلاه، وهو لا يبرز الأبعاد العاطفية لتعلق الأغلبية بثقافتها بقدر ما يبرز تفسيرها العملي.

    وبناءً على هذا الرأي، فإن أي دولة بعينها والتي تعرِّفها “ثقافة عامة مشتركة”، ولأنها مشتركة فهي تعزز الثقة التي تعتمد عليها الدول الديمقراطية في السعي إلى تحقيق أهداف سياسية واجتماعية مشتركة. ليس هناك قيمة خاصة في حد ذاتها تشكل ثقافة عامة مشتركة، بل إن المزج بين مجموعة من القيم والأعراف والممارسات التي تنتج “ثقافتنا” هو القيّم، وفي وجودها تكون الثقة أعلى؛ وكذلك بالتالي الاستعداد للتعاون لدعم السياسات التي تتطلب بعض التضحية، منها على سبيل المثال الالتزام بإعادة توزيع السياسات الاجتماعية التي تعود بالنفع خاصةً على من هم أشد حاجةً (انظر على سبيل المثال مقالات Gustavsson & Miller 2019).

    ولذلك – وفقاً لمن يدافعون عن هذه الآراء – لا تعتبر الدولة التي تسعى إلى فرض السيطرة على القبول متذرعةً بأسباب “ثقافية” عنصرية ولا تمييزية، بل تسعى إلى قبول خاضع للرقابة (بدلا من الحدود المغلقة) حتى يتمكن الوافدون الجدد – خلال فترة زمنية كافية – من تبني ما يكفي من مجموعة القيم والأعراف والممارسات المعرِّفة، ليتمكنوا من تبرير وتوسيع نطاق الثقة التي تقوم عليها السياسات التي تمثل هذه السلع ذات القيمة الموضوعية.

    2.3 حقوق الاستمرارية الثقافية ورفض الاندماج

    وعادة ما تستخدم الدول التي تدافع عن حق الاستمرارية الثقافية على مستوى القبول في الدولة الحق في اعتماد وفرض سياسات “الاندماج” التي تشجع الوافدين الجدد على تبني أعراف وقيم الأغلبية، بحجة أنه كلما تسارعت وتيرة هذا التبني، كلما زاد القبول نفسه. وتطلب سياسات الاندماج من الوافدين الجدد تبني أعراف وممارسات الأغلبية، بينما تطلب سياسات الاستيعاب من الأغلبية استيعاب الممارسات المميزة عن تلك التي تعرِّف ثقافة الأغلبية. وبناءً على هذه النظرة التقليدية المتعددة الثقافات، فإن العملية التي يتم من خلالها قبول المهاجرين في أراضي الدولة ثم انضمامهم إلى العضوية عبارة عن شارع “ذو اتجاهين”، يتطلب تكيف كلاً من الوافدين الجدد والدولة المضيفة لهم مع بعضهم البعض (Kymlicka 1998).

    هل طلب اندماج الوافدين الجدد ثقافياً يعد طلباً معقولاً؟ هل من المعقول أن نطلب من المهاجرين تبني الأعراف والقيم والممارسات المركزية للثقافة التي انضموا إليها (سنغض النظر هنا عن الاندماج الاقتصادي والسياسي)؟ نلاحظ أنه في أدبيات السياسة وعلم الاجتماع في مجال دمج الهجرة يتم التمييز عادة بين الاندماج (ثقافياً) عن الاستيعاب، حيث يركز الأول على الترحيب بالوافدين الجدد بمجموعات مميِزة من الأعراف والقيم التي تنتقل معهم (وبالتالي استيعابهم حيثما أمكن)، ويطلب الأخير المهاجرين بأن يتبنوا أكبر قدر ممكن من مجموعة الأعراف والقيم المركزية للمجتمع المضيف (Brubaker 2001؛ انظر أيضاً Modood 2007). ولكن في أدبيات النظرية السياسية بشأن التعددية الثقافية من المقبول على نطاق واسع أن الطلب على الاستيعاب الكامل يعد معيارياً إشكالية (فهو يتطلب أن يتخلى قدرٌ كبيرٌ من المهاجرين عن تاريخهم وهويتهم، على أنه جزء من الانضمام إلى مجتمع جديد)، ولكن من المسموح به تقديم شكل من أشكال التشجيع على الاندماج.

    ولكن ما إذا كانت طلبات الاندماج مسموح بها فيستند ذلك على أمرين مترابطين على الأقل: الأول يتعلق بمضمون الثقافة العامة المشتركة، والثاني يتعلق بإمكانية الوصول إلى الأماكن التي يتم فيها تداول مضمون هذه الثقافة العامة. يعتبر الحيز الذي يجري فيه التداول بشأن ثقافة ما غير متبلور وواسع. يتسم مصدر الأعراف والممارسات والقيم الرئيسية بتعدد جوانبه: فبعضها تاريخي، وبعضها يُتبنى عمداً من خلال العمليات السياسية، وبعضها يُتبنى عرضياً استجابة للظروف الطارئة. والمطالبة بأن يدمج الوافدون الجدد – بمعنى اعتماد أعراف وممارسات ثقافة الأغلبية بدرجة معقولة على الأقل – هي مطالبة يمكن الدفاع عنها دفاعاً أكبر في الحالات التي تكون فيها إمكانية الوصول إلى الأماكن التي يتداولون فيها عمومية وبالتالي تكون مفتوحة لكثير من الأصوات.

    ويشكل المعنى الدقيق لـ‍ “إمكانية الوصول” إلى أماكن غير واضحة المعالم، والدخول إليها لا يتم رصده أو مراقبته بشكل رسمي، تحدياً في تحديد ماهيته. ولكن النقطة الرئيسية هنا هي أنه يمكن وصف الثقافات بأنها متاحة للجمهور بقدر ما ترحب بأصوات جديدة ــ في وسائل الإعلام العامة وفي المجالات السياسية وما إلى ذلك ــ.  فهناك بالتالي صلة بين شرعية الطلب بالالتزام بأعراف وممارسات ثقافة الأغلبية – باعتبارها جزء من عملية الاندماج – وبين الوصول الحقيقي للوافدين الجدد إلى المجالات التي يتداولون فيها.

    وأستعير عند النظر في السؤال الثاني – فيما يتصل بمضمون الثقافة العامة المشتركة للأغلبية – من أدبيات النظرية السياسية للقومية (رغم أنني لا أعتقد أن لغة القومية في حد ذاتها ضرورية لتقدير أهميتها في المناقشة هنا). ويمكن تعريف الثقافة من خلال سمات شاملة بشكل أو بآخر. وحيثما تكون الثقافات محددة بسمات تستخدم عادة لوصف الأمم الإثنية بما في ذلك التاريخ والدين والإثنية/العرق المشتركة، فلن يكون من السهل على الوافدين الجدد الانضمام إليها والاعتراف بهم أعضاء كاملي العضوية. ومن جهة أخرى عندما تعرَّف الثقافات من خلال سمات تستخدم عادة لوصف الأمم المدنية بما في ذلك الالتزام المشترك بالمؤسسات السياسية والالتزام عادة بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية، فإنها تكون أكثر ترحيباً بالوافدين الجدد.

    وفي اللغة التي سبق اعتمادها في هذا المدخل، من الأرجح أن الثقافات التي تعرِّفها سمات حصرية تعامل الثقافة على أنها شاملة، في حين أن الثقافات التي تتبنى سمات شاملة وتشدد على إمكانية الوصول إلى المنتديات التي يتم فيها تداول محتواها تعامل الثقافة من منظور الحوار أو الهوية. ومع ذلك فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا هو الحال، لأن أولئك الذين يتعاملون مع الثقافة من منظور الحوار قد يعتقدون مع ذلك أن العناصر الرئيسية من تاريخ أو دين تشكل أهمية مركزية لها (مع أنهم مستعدون للتداول حول مدى ملاءمة هذه العناصر باعتبارها عناصر مركزية)، وبالمثل يمكن صياغة الهويات على أساس السمات الاستبعادية.

    وتركز الطريقة أخرى في تعريف الشمولية على مدى قدرة الوافدين الجدد على تبني الأعراف والممارسات والقيم الرئيسية للثقافة من دون التخلي عما يقدرونه (Lenard 2019). والأمر الأساسي هنا هو أن تحديد الخطوط العامة المسموح بها لثقافة شاملة يمكن أن يفيد – في الوقت نفسه – في تمييزها عن الثقافات الأخرى بطرق تعالج ما أسماه الفلاسفة بمشكلة “الخصوصية”. وإذا لم يتم تعريف الثقافات إلا بالالتزام بالمبادئ الديمقراطية الليبرالية والمؤسسات التي تمثلها، فإن أي شخص سيلتزم بالضرورة بأي دولة يتم تعريفها على هذا النحو.

    ولكن هذا الاستنتاج لا يوضح حقيقة مفادها أن العديد من المواطنين مرتبطون بتفسير دولتهم لهذه القيم ــ حيث يتم تبني واحترام ودعم المبادئ الديمقراطية الليبرالية الأساسية والمجردة، وبمعنى آخر بطريقة محددة ثقافياً. ومن المهم إذاَ ترسيم حدود المحتوى الثقافي المسموح به والتي يمكن أن تشمل الاعتراف باللحظات التاريخية الرئيسية أو المحادثات السياسية أو الرموز الثقافية. ولا تستطيع أي دولة أن تطلب من الوافدين الجدد بتوجيه التزامهم العاطفي نحو دولتهم الجديدة؛ ولكنها يمكن أن تنقل نقلاً معقولاً معلومات عن العلامات الثقافية الرئيسية التي يمكن تعلمها، وتشجع الوافدين الجدد على تبني الممارسات والأعراف المرتبطة بها، وتأمل أن يتحول تعريفهم العاطفي مع مرور الوقت إلى الدولة المضيفة – جزئياً على الأقل – (Carens 2005).

    يمكن للدولة المضيفة أن تشجع على اندماج الوافدين الجدد شريطة أن يكون المحتوى الثقافي العام للدولة المضيفة متاحاً بقدر معقول، وأن تكون المنتديات التي يجري فيها التداول متاحة بقدر معقول أيضاً. وقد يكون أمثل وجه لفهم هذا الحق هو فهمه على أنه مشتق من الحق في الاستمرارية الثقافية الذي تطالب به الدول فيما يتعلق بالهجرة، والذي يجوز المطالبة به فقط إذا ما استوفيت شروط إمكانية الوصول المذكورة أعلاه.

    وبطبيعة الحال لا يتفق جميع العلماء على هذه النقطة، ويرفض بعضهم رفضاً قاطعاً الاقتراح القائل بأنه يمكن أن يُطلب من الوافدين الجدد تقديم تنازلات لثقافة الدولة التي انضموا إليها. إن هؤلاء الذين يتبنون متغيرات بشأن وجهة النظر هذه يتعاملون مع ثقافة الأغلبية باعتبارها دائماً متجانسة وقمعية على نحو لا يحترم الوافدين الجدد، ويتعاملون مع طلب الاندماج بجانب بعض الأبعاد على الأقل باعتبارها أشكال “تنظيف” متنوعة من سياسات الهجرة التمييزية والعنصرية التي انتهجت في الماضي (Abizadeh 2002). ويشكل هذا قلقاً حقيقياً.

    عندما طلبت هولندا من المهاجرين المحتملين القادمين من دول ذات غالبية إسلامية مشاهدة شريط فيديو واجتياز اختبار لمجرد الدخول إلى أراضيها ــ وهو فيديو أظهر رجال مثليين يقبلون بعضهم وامرأة عارية الصدر ــ وتم شجب هذا الفيديو على نطاق واسع لقصده التمييزي، بدلاً من أن يكون (كما زعم) محاولة لضمان قدرة المهاجرين على تبني القيم الليبرالية التي يفترض أن تتسم بها ثقافة البلد. وعموماً يجب إنعام النظر في مدى معقولية آليات تشجيع تعلم وتبني قيم الأغلبية الثقافية، بالإضافة إلى محتواها الفعلي كما هو مبين أعلاه، والعواقب المترتبة على عدم القيام بذلك. ومن المؤكد أن هذا التقييم يعد أمراً معقداً، وما يجعله أكثر تعقيداً هو بسبب أن في العديد من حالات الهجرة (إن لم يكن أغلبها) يكون الوافدين الجدد المحتملين في حالة ضعف أمام الدولة المضيفة: واهتمامهم بالحصول على إذن للدخول إلى الدولة قوي جداً، ولذلك فإنهم في كثير من الحالات سيقبلون المحاولات الجائرة التي تجبرهم على الاندماج دون شكوى.

    4. الخاتمة

    وتزعم كلٌ من مجموعات الأقليات (التي يكون العديد منها مجموعات مهاجرة) ومجموعات الأغلبية أن “الثقافة” مهمة وتستحق الاستيعاب بطرق شتى. وقد بدأ هذا المدخل بدراسة الطرق المتعددة التي تفهم بها الثقافة، وذلك لتفكيك الطرق التي يتم استخدامها عند المطالبة بحقوق ثقافية محددة. ومن الجدير ملاحظة أن هذه المطالبات الثقافية – من كلا الجانبين – كثيراً ما تكون مرتبطة ببعضها البعض: تطلب أقلية ما بحق ثقافي معين وتتجاوب الأغلبية مع هذا الطلب من خلال المطالبة بحق ثقافي مختلف. وفي كثير من الحالات، فإن اختيار احترام الحقوق الثقافية المطالب بها أو تجاهلها يصاغ في إطار الأثر الذي سيخلفه ذلك على ثقافة الأغلبية، مثل القول بأن ممارسة معينة يُطلب استيعابها تتعارض مع ثقافة الأغلبية بشكل عام، أو أحياناً على وجه التحديد مع ممارسة أو عرف معين يعتقد أنه ذا أهمية خاصة.

    فعلى سبيل المثال قدمت هذه المطالبة الأخيرة في فرنسا أثناء “قضية غطاء الرأس” ــ مُنع حق الفرد في تغطية رأسه باعتباره مظهراً من مظاهر الالتزام الديني الإسلامي (أو اليهودي) إذ اعتُبر أنه يخترق الالتزام الفرنسي بالعلمانية (Laborde 2008; Benhabib 2004).

    وقد حاول هذا المدخل توفير المصادر الضرورية للفصل في هذه الصراعات بطرق تأخذ على محمل الجد أولئك الذين يطالبون بالحقوق الثقافية وأولئك الذين يقاومون احترامها. ونأمل أن تستفيد النظرية السياسية في المستقبل من هذا التصنيف لتحديد الاستنتاجات المرضية عند نشأة هذه الصراعات.


    المراجع

    • Abizadeh, Arash, 2002, “Does Liberal Democracy Presuppose a Cultural Nation? Four Arguments”, American Political Science Review, 96(3): 495–509. doi:10.1017/S000305540200028X
    • Appiah, Kwame Anthony, 2009, “Whose Culture Is It, Anyway?”, in Cultural Heritage Issues: The Legacy of Conquest, Colonization and Commerce, edited by James A. R. Nafziger and Ann Nicgorski, Leiden: Brill, 207–21.
    • Bakht, Natasha, 2007, “Religious Arbitration in Canada: Protecting Women by Protecting Them from Religion”, Canadian Journal of Women and the Law, 19(1): 119–144.
    • Barry, Brian, 2001, Culture and Equality: An Egalitarian Critique of Multiculturalism, Cambridge, MA: Harvard University Press.
    • Benhabib, Seyla, 2002, The Claims of Culture: Equality and Diversity in the Global Era, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • –––, 2004, The Rights of Others: Aliens, Residents, and Citizens, Cambridge, UK: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511790799
    • Borchers, Dagmar and Annamari Vitikainen (eds.), 2012, On Exit: Interdisciplinary Perspectives on the Right of Exit in Liberal Multicultural Societies, Berlin, Boston: De Gruyter. doi:10.1515/9783110270860
    • Brubaker, Rogers, 2001, “The Return of Assimilation? Changing Perspectives on Immigration and Its Sequels in France, Germany, and the United States”, Ethnic and Racial Studies, 24(4): 531–548. doi:10.1080/01419870120049770
    • Burtt, Shelley, 1994, “Religious Parents, Secular Schools: A Liberal Defense of an Illiberal Education”, The Review of Politics, 56(1): 51–70. doi:10.1017/S0034670500049500
    • Carens, Joseph, 2005, “The Integration of Immigrants”, Journal of Moral Philosophy, 2(1): 29–46. doi:10.1177/1740468105052582
    • Casals, Neus Torbisco, 2006, Group Rights as Human Rights: A Liberal Approach to Multiculturalism, (Law and Philosophy Library 75), Dordrecht: Kluwer Academic Publishers. doi:10.1007/1-4020-4209-4
    • Deveaux, Monique, 2007, Gender and Justice in Multicultural Liberal States, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199289790.001.0001
    • Dhamoon, Rita, 2006, “Shifting From ‘Culture’ to ‘the Cultural’: Critical Theorizing of Identity/Difference Politics”, Constellations, 13(3): 354–373. doi:10.1111/j.1467-8675.2006.00406.x
    • Eisenberg, Avigail, 2009, Reasons of Identity: A Normative Guide to the Political and Legal Assessment of Identity Claims, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199291304.001.0001
    • Fraser, Nancy, 1995, “Recognition or Redistribution? A Critical Reading of Iris Young’s Justice and the Politics of Difference”, Journal of Political Philosophy, 3(2): 166–180. doi:10.1111/j.1467-9760.1995.tb00033.x
    • Ghosh, Cyril, 2018, De-Moralizing Gay Rights: Some Queer Remarks on LGBT+ Rights Politics in the US, Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan. doi:10.1007/978-3-319-78840-1
    • Gustavsson, Gina and David Miller (eds.), 2019, Liberal Nationalism and Its Critics: Normative and Empirical Questions, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780198842545.001.0001
    • Gutmann, Amy, 2003, Identity in Democracy, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Holzleithner, Elisabeth, 2012, “Interrogating Exit in Multiculturalist Theorizing: Conditions and Limitations”, in Borchers and Vitikainen 2012: 13–33. doi:10.1515/9783110270860.13
    • Kukathas, Chandran, 1992, “Are There Any Cultural Rights?”, Political Theory, 20(1): 105–139. doi:10.1177/0090591792020001006
    • –––, 2012, “Exit, Freedom and Gender”, in Borchers and Vitikainen 2012: 34–56. doi:10.1515/9783110270860.34
    • Kymlicka, Will, 1996, Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights, Oxford: Oxford University Press.
    • –––, 1998, Finding Our Way: Rethinking Ethnocultural Relations in Canada, Toronto: Oxford University Press.
    • Laborde, Cecile, 2008, Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:oso/9780199550210.001.0001
    • Lenard, Patti Tamara.,2012, Trust, Democracy and Multicultural Challenges, University Park, PA: Pennsylvania University State Press.
    • –––, 2019, “Inclusive Identities: The Foundation of Trust in Multicultural Communities”, in Gustavsson and Miller 2019: 155–171. doi:10.1093/oso/9780198842545.003.0009
    • Lenard, Patti Tamara and Peter Balint, 2020, “What Is (the Wrong of) Cultural Appropriation?”, Ethnicities, 20(2): 331–52. doi:10.1177/1468796819866498
    • Levy, Jacob, 2000, Multiculturalism of Fear, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/0198297122.001.0001
    • Margalit, Avishai and Moshe Halbertal, 1994, “Liberalism and the Right to Culture”, Social Research: An International Quarterly, 61(3): 491–510.
    • Margalit, Avishai and Joseph Raz, 1990, “National Self-Determination”:, Journal of Philosophy, 87(9): 439–461. doi:10.2307/2026968
    • Matthes, Erich Hatala, 2016, “Cultural Appropriation Without Cultural Essentialism?”, Social Theory and Practice, 42(2): 343–366. doi:10.5840/soctheorpract201642219
    • Mcbride, Cillian, 2009, “Demanding Recognition: Equality, Respect, and Esteem”, European Journal of Political Theory, 8(1): 96–108. doi:10.1177/1474885108096962
    • Miller, David, 2005, “Immigration: The Case for Limits”, in Contemporary Debates in Applied Ethics, Andrew Cohen and Christopher Wellman (eds), Malden: Blackwell Publishers, 193–207.
    • –––, 2016, “Majorities and Minarets: Religious Freedom and Public Space”, British Journal of Political Science, 46(2): 437–456. doi:10.1017/S0007123414000131
    • Modood, Tariq, 2007, Multiculturalism: A Civic Idea, Cambridge, UK: Polity Press.
    • Moore, Margaret, 1999, “Beyond the Cultural Argument for Liberal Nationalism”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 2(3): 26–47. doi:10.1080/13698239908403282
    • –––, 2019, “Liberal Nationalism and the Challenge of Essentialism”, in Gustavsson and Miller 2019: 188–202. doi:10.1093/oso/9780198842545.003.0011
    • Okin, Susan Moller, 1999, Is Multiculturalism Bad for Women? Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Parekh, Bhikhu, 2000, Rethinking Multiculturalism: Cultural Diversity and Political Theory, Basingstoke: Macmillan Press.
    • Parvin, Phil, 2008, “What’s Special About Culture? Identity, Autonomy, and Public Reason”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 11(3): 315–233. doi:10.1080/13698230802276447
    • Patten, Alan, 2014, Equal Recognition: The Moral Foundations of Minority Rights, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Phillips, Anne, 2007, Multiculturalism without Culture, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • –––, 2010, “What’s Wrong with Essentialism?”, Distinktion: Journal of Social Theory, 11(1): 47–60. doi:10.1080/1600910X.2010.9672755
    • –––, 2018, “What Makes Culture Special?”, Political Theory, 46(1): 92–98. doi:10.1177/0090591717696023
    • Quong, Jonathan, 2006, “Cultural Exemptions, Expensive Tastes, and Equal Opportunities”, Journal of Applied Philosophy, 23(1): 53–71. doi:10.1111/j.1468-5930.2006.00320.x
    • Rowell, John, 1995, “The Politics of Cultural Appropriation”, Journal of Value Inquiry, 29(1): 137–142.
    • Scheffler, Samuel, 2007, “Immigration and the Significance of Culture”, Philosophy & Public Affairs, 35(2): 93–125. doi:10.1111/j.1088-4963.2007.00101.x
    • Shachar, Ayelet, 2001, Multicultural Jurisdictions: Cultural Differences and Womens Rights, Cambridge, UK: Cambridge University Press. doi:10.1017/CBO9780511490330
    • Sniderman, Paul M. and Louk Hagendoorn, 2007, When Ways of Life Collide, Princeton, NJ: Princeton University Press.
    • Song, Sarah, 2005, “Majority Norms, Multiculturalism, and Gender Equality”, American Political Science Review, 99(4): 473–489. doi:10.1017/S0003055405051828
    • –––, 2009, “The Subject of Multiculturalism: Culture, Religion, Language, Ethnicity, Nationality, and Race?”, in New Waves in Political Philosophy, Boudewijn de Bruin and Christopher F. Zurn (eds.), London: Palgrave Macmillan UK, 177–197. doi:10.1057/9780230234994_10
    • –––, 2018, Immigration and Democracy, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/oso/9780190909222.001.0001
    • Spinner-Halev, Jeff, 2000, Surviving Diversity: Religion and Democratic Citizenship, Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
    • Tully, James, 1995, Strange Multiplicity: Constitutionalism in the Age of Diversity, Cambridge, UK: Cambridge University Press.
    • Vitikainen, Annamari, 2015, The Limits of Liberal Multiculturalism: Towards an Individuated Approach to Cultural Diversity, London: Palgrave Macmillan UK. doi:10.1057/9781137404626
    • Walzer, Michael, 1983, Spheres of Justice: A Defense of Pluralism and Equality, New York: Basic Books.
    • Young, Iris Marion, 2004, “Two Concepts of Self-Determination”, in Ethnicity, Nationalism, and Minority Rights, Stephen May, Tariq Modood, and Judith Squires (eds.), Cambridge, UK: Cambridge University Press, 176–196. doi:10.1017/CBO9780511489235.009
    • Young, James O., 2008, Cultural Appropriation and the Arts, Malden, MA: Blackwell.

    أدوات أكاديمية

    How to cite this entry.
    Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
    Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
    Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

    مصادر أخرى على الإنترنت

    1. Sikh Faith FAQs, World Sikh Organization of Canada.

    مداخل ذات صلة

    citizenship | cultural heritage, ethics of | culture: and cognitive science | identity | multiculturalism | rights: group

    Acknowledgments

    I would like to thank Matthias Hoesch, Margaret Moore, and Stéfanie Morris for comments on an earlier draft of this entry.


    [1] Lenard, Patti Tamara, “Culture”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2020/entries/culture/>.


     [i] على القارئ المسلم الرجوع لمصادر التشريع الإسلامي لمعرفة شرعية القضايا المطروحة في هذا المقال (المترجمة).

  • النسوية والأقليات الثقافية – ديفيد ميلر / ترجمة: توفيق السيف

    النسوية والأقليات الثقافية – ديفيد ميلر / ترجمة: توفيق السيف

    الفصل السادس من
    كتاب
    “الفلسفة السياسية:
    تقديم موجز جدا”[1]

    يشكل كل من المرأة والأقليات الثقافية، ووضعهما القانوني ومكانتهما في المجتمع السياسي، أحد أوسع مسارات النقاش في الديمقراطيات الغربية اليوم. يدعي أنصار النسوية Feminists والتعددية الثقافية Multiculturalists ان الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع، نظير اسئلة الهوية الشخصية، خطوط التمايز بين المجالين الخاص والعام، احترام الفروق الثقافية، قد حلت محل الأسئلة القديمة المتعلقة بالمجتمع السياسي، الأسئلة التي ناقشناها في الفصول السابقة، من قبيل الحرية، العدالة، الديمقراطية، الخ.

    هذا يعني – وفقا لأنصار التيار الجديد – ان طبيعة السياسة نفسها قد تغيرت، وان بروز قضايا الهوية وانعكاساتها السياسية، كان له تأثير مهم في هذا التحول. وهم يقولون ان السياسة في هذه الأيام، ليست ما يجري من جدالات ومناورات في المباني الضخمة للمؤسسات الحكومية، بل هي تتعلق في المقام الأول بما يجري من تفاعلات يومية بين الأفراد: الرجال والنساء، البيض والسود، المسيحيون والمسلمون، الخ.

    لقد تغير موضوع الفعل السياسي وميدانه. الأمر الذي يقتضي إعادة تدوين الفلسفة السياسية، باتجاه التركيز على الموضوعات الجديدة لعلم السياسة والفعل السياسي.

    اعتقد ان هذه المزاعم تنطوي على مبالغة. صحيح أن القضايا التي أثارتها الحركة النسوية، ونظيرتها التي تدعو للتعددية الثقافية، مهمة للغاية، وهي تستدعي – بالتأكيد – تغييرا في تفكيرنا السياسي. لكن الادعاء القائل بان الأسئلة القديمة قد انتقلت الى الهامش او فقدت أهميتها، يفتقر الى الدقة. على العكس من ذلك فان تلك الأسئلة ستبقى ملحة كما كانت على الدوام. بل أستطيع القول ان بروز قضايا النسوية والتعدد الثقافي، قد أضافت بعدا جديدا للأسئلة السابقة.

    لا شك ان بروز التيار النسوي والتعددي، قد ساهم في تغيير المشهد السياسي وما يدور فيه وحوله من أفكار. ولذا فان هدفي هنا هو استكشاف مدى التغيير، الذي ينبغي إدخاله على تفكيرنا، في السلطة السياسية والديمقراطية والحرية والعدالة، كنتيجة لتفاعلنا مع الحجج التي يطرحها التيار الجديد.[1]

    دعنا نوسع مجال الرؤية كي نرى الخيوط التي تربط أجزاء الصورة. ولنبدأ بسؤال: ماهي الظروف التي شهدت انتقال النسوية والتعددية الثقافية إلى قلب النقاش السياسي؟

    لفهم مغزى السؤال، دعنا نعرضه مقلوبا: لماذا تم تجاهل العلاقة بين الرجال والنساء، وموقف الأقليات الثقافية، بشكل متكرر، في أطروحات الفكر السياسي، قرونا عديدة؟

    من المغري النظر إلى هذا كنوع من الغفلة العامة، أو حتى القول بأن القوى المهيمنة على مقادير المجتمعات، أبقت تلك القضايا المهمة بعيدا عن مجال الاهتمام.

    هذا صحيح تماما. لو أخذنا حالة النسوية كمثال، فانه يصح القول ان الفلسفة السياسية في مختلف العصور السابقة، كتبت على يد رجال. في تلك الأوقات كان من المسلمات الدارجة، القول بان خضوع المرأة للرجل يعكس حقيقة طبيعية، وأنه ليس متوقعا ان يكون للنساء دور مؤثر في الحياة السياسية، وما إلى ذلك.

    بطبيعة الحال، كان ثمة استثناءات، لكنها قليلة وعرضية، كان جون ستيوارت ميل (1806-1873) واحدا من هذه الحالات الاستثنائية[2]. اما الاعم الاغلب فقد اعتبروا هامشية الدور السياسي للمرأة، أمرا مفروغا منه، ولم يكن أحد ليجادل في الاتجاه المقابل.

    بوسعنا ان نكرس جهدنا لتفصيل اللوم والنقد، لما قد نعتبره شوفينية عند الماضين. الحقيقة ان العديد من الكتب قد كرس لهذه الغاية، لكني أجد فائدة أكبر في طريق مختلف، أكثر صراحة أيضا، يتمثل في مساءلة مجتمعنا ذاته: ما الذي تغير حتى صرنا نحمل حجج التيارين النسوي والتعددي على محمل الجد، كيف استطعنا أن نرى أشياء كان أسلافنا قد اخفقوا في رؤيتها، من قبيل القول بأنه لا يوجد أي سبب على الاطلاق، يبرر حرمان النساء من الفرص الوظيفية التي يحصل عليها الرجال؟.

    الجواب، في اعتقادي، هو أننا نعيش في مجتمعات، بنيت في الأساس على الالتزام بالمبادئ الأساسية للحرية والمساواة. لكن هذه المجتمعات أخفقت في الوفاء بهذه الالتزامات، حين تعلق الأمر بالنساء والأشخاص المنتمين الى أقليات. من أعمق المعتقدات في ثقافتنا القول بأن كل شخص له حق ثابت في عيش حياته على النحو الذي يختاره، مع مراعاة حدود معينة مثلما شرحنا في الفصل الرابع. وثمة عقيدة أخرى لا تقل عمقا، وهو الحق الثابت لكل شخص بأن يعامل على قدم المساواة مع الآخرين، وهو حق ينبغي أن يتجسد في منحه حقوقا متساوية، أو منحه فرصا متساوية.

    وبالنظر لكون هذه المعتقدات عميقة الجذور في ثقافتنا، وفي الأساس الذي قام عليه نظامنا الاجتماعي، فسوف يكون من المزعج حقا ان نكتشف ان ما نمارسه في حياتنا اليومية، مغاير تماما لما نتبناه من رؤى ومعتقدات. لا بد اننا سنشعر بالقلق الشديد، إذا استيقظنا على حقيقة ان شريحة من مجتمعنا، لا تحصل على قدر من الحرية الشخصية، مماثل لما يحصل عليه بقية أعضاء المجتمع، أو أنها تعامل بصورة غير متساوية من جانب المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة.

    لذلك، على سبيل المثال، حين تُحرم النساء من الخيار المتاح للرجال، أي تمكينهم من الجمع بشكل متناغم بين الحياة المهنية والحياة الأسرية، أو حين يحصل أعضاء الأقليات العرقية على فرص في سوق العمل، أدنى من غيرهم، فهذا يعني أنه لا يعاملون كأحرار كاملين وأعضاء متساوين في مجتمعهم. أود ان اشير هنا الى ان احتجاجات التيار النسوي لا تتعلق دائما بالحرمان من الحقوق، بالمعنى الدقيق الذي توحي به الكلمة. ذلك ان الاقرار بحقوق النساء قد وصل الى مستوى طيب في العديد من المجتمعات. ما يجادل دونه هؤلاء، هو المساواة في الحقوق، الذي يعني إلغاء التمايز في الحقوق على أساس الجنس. ولهذا فقد تصادفك حالات احتجاج لصالح سيدات من الطبقة الرفيعة، ولا يعانين من حرمان بالمعنى الدقيق.

    من ذلك مثلا ما قرأناه عن سيدة تعمل في احدى المؤسسات الكبرى في المركز المالي للعاصمة للندن، أقامت دعوى امام المحكمة، لأن خيارات الأسهم التي منحت لها، كانت قيمتها تقل بعدة ملايين من الجنيهات، عن تلك التي منحت لزملائها الذكور. نعتقد بطبيعة الحال، وبناء على أي معيار معقول للمقارنة، بان هذه السيدة في حال جيد جدا.

    رد فعلنا هذا صحيح في أحد الوجوه، لكنه خطأ في الوجه الآخر. إنه خطأ لأنه يغفل التجربة المرة التي يتعرض لها ضحايا التمييز، في مجتمع يتبنى رسميا المعاملة المتساوية بين أعضائه. تنطوي المعاملة التمييزية على نوع من هدر قيمة الضحية واستنقاصه كشخص، حتى لو كان يتمتع برفاهية العيش.

    تدعو الحركة النسوية الى تحولات في المجتمع ككل، في منظومات القيم والعلاقات السائدة، بحيث تحصل المرأة على حرية كاملة ومساواة كاملة، وليس فقط اسمية او جزئية، أي الغاء أي مائز في الحقوق بين النساء والرجال.

    يقدم أنصار التعددية حججا مماثلة لما قدمه التيار النسوي، لكنها تركز على حقوق الأقليات الاثنية، الدينية، والمجموعات الأخرى، التي يتعرض أعضاؤها للتمييز، او الذين تتعرض ثقافاتهم للاستنقاص من جانب الأكثرية المهيمنة. يجري التعبير عن هذه المواقف بأشكال مختلفة ومتدرجة، لا أود الانشغال بتفصيلاتها الان. سوف أركز على مقولات الحركة النسوية والتعددية، التي تبدو تحديا جديا للمفاهيم والآراء التي استعرضناها في الفصول السابقة. ستكون نقطة البداية مع القوة السياسية political power والسلطة السياسية political authority.[3]

    ناقشت سؤال القوة والسلطة السياسية في الفصل الثاني، في إطار مفهوم ولاية الدولة. افترضت حينئذ ان سؤالنا عن الشكل الذي ينبغي ان تتجسد فيه السلطة السياسية political authority، في إطار الدولة الحديثة على الأقل، هو في جوهره سؤال عن كيفية تشكل الدولة وتوليفها.

    لكن العديد من أنصار الحركة النسوية تحدوا هذه الطريقة في فهم السياسة. وفقا لرؤيتهم فانه من العسير، بل ربما يكون مستحيلا، ان ترسم خطا فاصلا بين المجال العام، حيث ينخرط الناس في علاقات سياسية مع بعضهم البعض، وبين المجال الخاص حيث تسود العلاقات غير السياسية. بعبارة أخرى فانهم ينظرون الى السياسة كظاهرة قادرة على التسلل والنفاذ، والتأثير على كل جانب من جوانب حياتنا. هذا التحدي يلخصه الشعار المشهور “كل ما هو شخصي فهو سياسي[4].

    قبولنا بهذه الحجة، يستدعي توسيع النقاش حول السلطة السياسية، بحيث لا يقتصر على سلطة الدولة، بل يشمل أيضا السلطة التي يمارسها الرجال على النساء. ما يضفي على هذا النقاش مسحة جادة، هو حقيقة ان الرجال كانوا ولا زالوا يمارسون سلطتهم على النساء. هذه حقيقة لا يمكن أن يماري فيها أحد، ليس في الماضي فقط، بل – الى حد ما – في هذا اليوم أيضا. وقد جرى هذا بطرق عديدة، من بينها إبقاء النساء متكلين – معيشيا – على الرجال، بحيث لا يستطعن العيش الا في ظل رجال، ومن بينها نشر الأفكار التي تصور الدور المناسب للمرأة في الحياة، وهي أفكار جعلت النساء أنفسهن يتقبلن الفكرة السابقة. ومن الطرق التي استخدمت لتكريس التفاوت بين الجنسين، نذكر أيضا استعراض الذكور للقوة الجسدية والعقاب، إذا أبت المرأة الاذعان لأمرهم.

    هذه بطبيعة الحال ادعاءات عامة حول العلاقة بين الرجال والنساء. وهي لا تعني ان كل رجل في العالم سوف يستعمل الوسائل المذكورة لإخضاع النساء، لسبب وجيه ومعروف، وهو ان النساء يجدن في غالب الاحوال وسائل للرد على تلك المحاولات. هذا ليس اذن الغرض من تلك الادعاءات. بل غرضها هو الاشارة الى نوع من السلطة، التي ظلت غير مرئية في الفلسفة السياسية، وهي تتلخص في اعتبار السياسة ميدانا لعمل الرجال. ربما لم تذكر هذه الفكرة الا نادرا، لكنها شكلت خلفية لتفكير العديد من فلاسفة السياسة اثناء كتابة اعمالهم. حين كتب فلاسفة مثل توماس هوبز عن صراعات السلطة وكيفية السيطرة عليها، فانه كان يفكر في صراعات بين الرجال، كما لو ان القضايا الاشكالية في العلاقة بين الجنسين قد حلت، او انها ليست مشكلة أصلا، وربما لم يخطر في باله ان النساء سيكن طرفا في هذه الصراعات او جزء منها[5].


    الأقليات الثقافية وميزات السلطة السياسية

    أيا كان الحال، فان ما قلناه سابقا لا يعني بالضرورة، أن علينا ان نشرع بالتفكير في علاقة الرجال بالنساء، باعتبارها علاقة سياسية. من المفهوم طبعا ان السياسة تدور حول السلطة والقوة، من ينبغي ان يحصل عليها، وكيف يمكن التحكم فيها. لكن الواضح للجميع انه ليست كل علاقة قوة، هي علاقة سياسية. ثمة انواع عديدة من العلاقات التي تنطوي على تفاوت في القوة، وتتضمن ممارسة لنوع من السلطة، الا انه لا يمكن القول انها علاقة سياسية. من ذلك مثلا سلطة المعلم على تلاميذه، سلطة صاحب العمل على موظفيه، سلطة الجنرال على جنده.

    في كل من هذه الحالات، يمكن للطرف الاول ان يلزم الثاني بالتصرف وفقا للطريقة التي يقررها هو، الزاما يبنى على ارضيات مختلفة، فمرة يكون المبرر هو القبول الطوعي بحق الطرف الاول في ممارسة السلطة، ومرة يكون المبرر هو قدرة الطرف الاول على التهديد بايذاء الثاني ان لم يخضع، وخوف الطرف الثاني من الأذى بأي شكل، مثل الاعتقال، أو المحاكمة، او الفصل من العمل.. الخ.

    نحن لا نعتبر هذه العلاقات سياسية، رغم وضوح فارق القوة بين طرفيها. من هنا فإننا بحاجة الى التفكير في العوامل التي تجعل السياسة جزءا متميزا من حياة البشر، وأبرزها عاملان:

    الأول: بالرغم من انها تنطوي على صناعة قرارات وتطبيق قرارت، فان هذا الفعل يجري بطريقة خاصة يمتاز بها حقل السياسة عن سواه. وأبرز سمات الطريق السياسي، انه يتنجز من خلال منح الفرصة للآراء المختلفة والمصالح المتباينة، كي يكون لها صوت مسموع وإرادة ملحوظة.

    هذا لا يعني ان السياسة ديمقراطية بالضرورة، فقد نجد السياسة في الدواوين الملكية، وقد نجدها مشوبة بالعيوب الأخلاقية، فبعضها لا يخلو من التهديد والمساومات، إضافة الى النقاش والمحاججة. في المقابل فانه لا توجد سياسة في ظل الاستبداد، اي اننا لا نطلق صفة السياسة على ممارسة المستبد للسلطة: حيثما أمكن للدكتاتور ان يفرض ارادته، من دون ان يصغي لأي صوت غير صوته، او يستشير أي طرف ذي صلة او جهة ذات مصلحة في الموضوع، فلن تكون هناك سياسة. السياسة – ببساطة – هي التداول بين ذوي الأفكار وممثلي المصالح، ثم اتخاذ القرار.

    الثاني: من حيث المبدأ، يمكن للسلطة السياسية ان تطال كل جانب في حياة البشر. صحيح اننا نستطيع تقييدها، بل ينبغي لنا ان نقيدها، مع ذلك، ينبغي ان نرسم حدودا واضحة للمجال الخاص الذي نمارس فيه حرياتنا الشخصية، والذي لا يسمح للقرار السياسي بان يتجاوزه او يخترقه. وقد ذكرنا في الفصل الرابع ان هذا الفعل، أي رسم الحدود، هو فعل سياسي.

    إضافة الى ما سبق، فان السياسة هي الوسيلة التي نستخدمها لتحديد مقدار ونوع السلطة التي سوف نفوضها لأفراد الشعب، كي يستعملها كل منهم في مختلف مجاري الحياة الاجتماعية.

    حين نحتاج لمنح المعلم سلطة على تلاميذه، وتعيين حدود وأغراض تلك السلطة، فنحن نحتاج لاتخاذ قرار سياسي بهذا الشأن. وحين نحتاج لوضع نظام يشرح الحقوق والالتزامات المتبادلة بين العمال وارباب عملهم، فإننا نصدر النظام بقرار سياسي، وكذا إذا احتجنا لتعيين ما يسمح للجنرالات بفعله في إطار إدارة الجيش وما يمنع عليهم.

    هذه السمات المميزة التي تتسم بها السياسة، تجعلنا قادرين على وضع التحدي النسوي للسلطة السياسية، في إطار مختلف: فما يشير اليه أنصار الحركة النسوية، في خصوص العلاقة بين الرجال والنساء، ليس – في حقيقة الامر – الطبيعة السياسية لتلك العلاقة، بل هو اخفاق السياسة في معالجة الاشكالات التي تثيرها تلك العلاقة. بعبارة أخرى يمكن القول ان السلطة السياسية، بالشكل الذي تشكلت وتجسدت فيه حتى اليوم، لم تضع معايير كافية لتنظيم العلاقة الخاصة القائمة بين الجنسين.

    لم تضع السلطة السياسية، بالشكل الذي تشكلت به حتى الآن، معايير مناسبة للعلاقات الحميمة الخاصة القائمة بين الجنسين. وقد أخفقت في معالجة العديد من الاشكالات المتولدة عن تلك العلاقة. من ذلك مثلا انها لم تمنح المرأة الأمان البدني الكافي، لا سيما الحماية من العنف المنزلي، ولم تؤمن للمرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجال، في العديد من جوانب الحياة، كما لم توفر لها الحرية الشخصية الكافية (سوف اعالج بعد قليل ما أعنيه بهذا الكلام). إخفاقات السياسة هذه، هي التي فتحت الباب امام ممارسة الرجال سلطة على النساء في حياتهن الشخصية. ولو سألتني عن السبب الجوهري وراء هذا كله، لقلت لك ان السبب الرئيس هو استبعاد النساء من الحياة السياسية، بشكل كلي تقريبا، طيلة قرون.

    النقد النسوي/التعددي للحرية

    سوف أنظر عن قرب في مسألة الحرية، على ضوء النقد الموجه من جانب التيارين النسوي والتعددي، ثم اناقش احتجاجهم على الديمقراطية في الصورة التي نعرفها اليوم.

    أسلفنا القول في الفصل الرابع، بأننا نفهم الحرية في معنى توفر نطاق من الأفعال يحميه القانون، ويتمتع كل فرد في إطاره بالفرصة والقدرة على صياغة حياته وطريقة عيشه، على الوجه الذي يحقق سعادته، وينجز ما يستطيع من تطلعاته.

     لقد تحدى أنصار التيارين النسوي والتعددي هذه الفكرة، بطريقتين:

     أولا: جادلوا بأن الفلاسفة السياسيين قد أخطأوا، حين افترضوا ان المرأة تملك قدرا كبيرا من الحرية (او ربما حرية كاملة) ضمن النطاق الخاص. فالواقع يخبرنا ان ما تملكه المرأة بالفعل، في هذا النطاق، اقل بكثير مما افترضه الفلاسفة.

    ثانيا: جادلوا بأن بعض السلوكيات التي قد تبدو متعلقة تماما بذات الانسان – وفقا لوصف ستيوارت ميل [6] – يمكن أن تكون لها – في الواقع – آثار مدمرة على مصالح المرأة.

    لقد رأينا أن مفهوم الحرية يتضمن تعدد الخيارات المتاحة والمفتوحة للفرد، وكونه – بطبيعة الحال – قادرا على الاختيار فيما بينها. نعلم ان الخيارات التي كانت متاحة للغالبية العظمى من النساء، في الأزمان السابقة، محدودة للغاية. فقد كانت مقصورة على الزواج وتربية الأطفال، والعمل ضمن العائلة أو في عدد محدود من المهن المرتبطة بالعائلة ارتباطا وثيقا.

    اما في القرن العشرين فقد تغير الحال بشكل جذري، حيث زالت الكثير من القيود الخارجية التي تحد من حرية المرأة. بات جميع المهن على وجه التقريب متاحا للنساء، من الناحية الرسمية والنظرية على الأقل. كما اتسعت الخيارات الحقيقية للمرأة في مجال العلاقات الشخصية، سواء تعلق الامر بالزواج أو بمطلق العلاقة بين الجنسين، وكذا إنجاب الأطفال، وما إلى ذلك.

    لا أريد القول ان النساء حصلن على ذات المستوى من الحرية التي يتمتع بها الرجال، في مختلف النواحي. ذلك ان أحد جوانب الحرية، مشروط بالقدرة او الرغبة في تحمل كلف معينة. على سبيل المثال، كان على النساء ان يتحملن كلفة إضافية، إذا اخترن الجمع بين الوظيفة وتربية الأطفال. لكن المسألة الأصعب، تتعلق بالجانب الداخلي للحرية، أعني القدرة على الاختيار.

    يجادل أنصار النسوية بأن النساء ما زلن أسيرات للأعراف والقواعد الراسخة في مجتمعهن، مع انهن لم يعدن مرغمات ماديا على الخضوع لتلك الاعراف.

    وفقا للتيار النسوي، فان هذه الأعراف تتعلق خصوصا بمظهر المرأة وسلوكها: كيف يجب ان تبدو، كيف ينبغي ان تتصرف، ما نوع العلاقة التي ينبغي ان تقيمها مع الرجال.. الخ. هذه الأعراف تمسي جزءا من ذهنيتها وهويتها، منذ المراحل المبكرة من حياتها، الأمر الذي يجعل من العسير جدا مقاومتها او تحديها في المراحل التالية.

    بات بوسع المرأة ان تتخذ خياراتها، وهي تقوم بذلك فعلا، في العديد من حقول الحياة: في الوظيفة، في الدين، في نمط المعيشة بالمعنى العام.. الخ. لكن على الدوام، كان تنجيز هذه الخيارات وتفعيلها، مقيدا ومحدودا بإطار تمليه الأفكار السائدة حول الانوثة. والمعروف ان هذه الخلفية قد تخلف انعكاسات مؤذية. من ذلك مثلا ان هوس الفتيات بالمظهر الجسدي، سيما في سن المراهقة، يسبب احيانا فقدان الشهية. كما ان المعتقدات المتعلقة بتقاسم الاعباء المنزلية بين الرجال والنساء، تفضي في حالات كثيرة الى توزيع للمسؤوليات والواجبات، فيه ظلم فضيع للطرف الاضعف.

    الطبيعة ام العرف

    ربما لم يكن من الصعب علاج هذه القضية، لولا تشابكها مع سؤال آخر، يختلف فيه انصار الحركة النسوية أنفسهم، اعني به سؤال الطبيعة البشرية: هل للرجال والنساء، في الجوهر، طبيعة مشتركة، ام انه ثمة اختلافات عميقة بينهم، بما يعني انه سيكون على الدوام تفارق وتقابل في طريقة العيش التي يختارها كل من الجنسين لنفسه. اذا كان الأخير هو الصحيح، فعلينا ان لا نتعجل في افتراض، انه حين تختار المرأة اتباع عرف ثقافي بعينه، فان هذا الاختيار غير حقيقي، أي غير معبر عن ارادتها الحقيقية.

    هذا لا يعني أنه يتعين علينا – من باب المثال – قبول الاعراف التي تدفع الفتيات في سن المراهقة، إلى تجويع أنفسهن من اجل الحصول على جسد أجمل. لكن لعلنا نستطيع القول، على أقل التقادير، بأنه من السمات المتجذرة في طبيعة المرأة، أنها أكثر اهتماما بمظهرها الجسدي من الرجل.

    اذا اعتبرنا هذا الفارق موجودا في الواقع، وانه يشكل عنصر اختلاف بين الرجال والنساء، فسوف يترتب عليه القبول بوجود خيارات حياتية مختلفة، أي إمكانية ان تتخذ المرأة خيارات، في هذا الجانب من الحياة على الأقل، تعبر عن نمط حياتي مختلف عن ذلك الذي اختاره الرجال. هذا يعني ان اختيارها لهذا المسار انعكاس لدوافع طبيعية، وليست من نوع الاملاءات التي يفرضها العرف او الثقافة من الخارج او حتى من الداخل، وبالتالي فهو غير ذي صلة بحرية المرأة، وليس جزء من موضوعات النقاش فيها.

    هذا يثير تساؤلا ضروريا حول المسافة بين ما هو طبيعي وما هو انعكاس للثقافة السائدة. كيف نقرر ان كان ما نشاهده من فروق في الخيارات بين الجنسين، نتاج صرف لتأثير الأعراف الاجتماعية، وبالتالي فهو قابل للتغيير، ام هو انعكاس لاختلافات متجذرة في طبيعة كل من الجنسين؟

    الحق ان هذه مسألة معقدة. وأجد ان المسار الأكثر حكمة هو الوقوف على الحياد، واتباع رأي الفيلسوف جون ستيوارت ميل، الذي سطره في كتابه “The Subjection of Women = استعباد النساء” الذي يعد واحدا من أمثلة قليلة جدا عن الفلسفة السياسية النسوية في الحقبة السابقة للقرن العشرين:

    انا أنكر أن شخصا ما يعرف، أو يستطيع أن يعرف طبيعة الجنسين، طالما لم ير الرجال والنساء منفردين عن بعضهما، وطالما لم ير أي منهما إلا في إطار هذه العلاقة التي نعرفها عنهما. إذا أمكن ان نعثر على مجتمع يتألف من الرجال فقط، او من النساء فقط، او إذا عثرنا على مجتمع لا تخضع نساؤه لسيطرة الرجال، فقد يكون ثمة فرصة لمعرفة الاختلافات الذهنية والروحية، التي قد تكون متجذرة في طبيعة كل منهما بمفرده[7].

    مادمنا نفتقر الى هذا الدليل الذي أشار اليه ميل، فلدينا سبب وجيه لتركيز انظارنا على الإطار العام للمعيشة، والعوامل المؤثرة في مدى الحرية، بغرض التحقق من ان الخيارات المتاحة للجنسين، والتكاليف التي يتحملها كل منهما مقابل هذه الخيارات، متساوية بين الرجال والنساء.

    • هل يتوجب علينا ان نفعل شيئا يتجاوز هذا القدر؟
    • هل يجب ان نسعى لكسر سيطرة الاعراف الثقافية، التي تلزم النساء بطرق محددة للتصرف، وتلزم الرجال بطرق مختلفة، وتمنع ما عداها؟
    • ام ينبغي لنا – بدلا من ذلك – ان نسعى لجعل الاعراف التي تصنف تقليديا كأعراف نسائية، مساوية من حيث القيمة والتقدير لتلك التي صنفت تقليديا كأعراف رجالية؟

    هذه، في رأيي، ستبقى نقطة تجاذب شديد بين أنصار الحركة النسوية أنفسهم.

    هذه المشكلة ذاتها، تواجه المنتمين الى أقليات ثقافية، حين تكون هويتهم الدينية او العرقية مختلفة عن تلك الخاصة بأكثرية أعضاء المجتمع. فعلى رغم أن القانون في المجتمعات الليبرالية الحديثة، يمنح الجميع، أعضاء الأقلية والأكثرية، نفس الحقوق والفرص، في مختلف الحقول كالتعليم والوظيفة، لكن ثمة – في اغلب الاحيان – كلف إضافية مرتبطة بهذه الخيارات. من ذلك مثلا وضع شروط يصعب على أعضاء الأقليات الامتثال لها، ومنها الشروط الخاصة باللباس، التي ربما تتعارض مع قواعد اللباس الدينية او العرفية الخاصة بالجماعة، ومنها أيضا الزامهم بالعمل في أوقات تتعارض مع قيمهم الدينية (مثل إلزام شخص يهودي بالعمل يوم السبت)، وما الى ذلك.

    يجادل أنصار التعددية الثقافية، بأن فكرة المساواة في الفرص لا ينبغي ان تقتصر على المعنى الشكلي. تكمن المشكلة هنا في أن الكلف التي افترضنا انها إضافية، قد تبدو وكأنها موضوع اختيار من قبل الشخص، وليست املاء من الخارج: إذا اخترت، لأسباب دينية، عدم تناول لحم الخنزير، على سبيل المثال، فمن الواضح أن هذا لا يمثل قيدا على حريتي: فالقيود مفروضة ذاتيا. فكيف يختلف الحال اذن اذا رفض ارباب العمل توظيفي، لأنني قررت بمحض اختياري ان أرتدي لباسا بشكل معين او طراز خاص. انه خياري الشخصي، ويمكنني اختيار ملابس من طراز آخر كي أحصل على الوظيفة.

    لمعالجة هذه المشكلة، نحتاج إلى تحديد ما إذا كانت القواعد الخاصة باللباس، أو الشروط الأخرى، أساسية فعلا للوظيفة التي نفكر فيها. نعلم مثلا انه قد يتم الزام الموظفين بملابس ذات مواصفات معينة لأسباب تتعلق بالسلامة. في حالات أخرى، قد تكون هناك جوانب جمالية، من قبيل الزام الممثلين والراقصين، بارتداء الازياء التي يختارها مصمم العمل الفني.

    الفرضية في كل هذه الحالات ان التقييد كان انعكاسا لحاجة اساسية للعمل، ولا علاقة له بشاغل الوظيفة. لكن لو لم يكن الامر على هذا النحو، اي لو ان قواعد اللباس تلك كانت مجرد امتداد لعرف عادي، فعندئذ يمكن لأعضاء الاقليات الثقافية الرافضين للالتزام بتلك القواعد، ان يدعوا ( ودعواهم ستكون مبررة) بان تلك القواعد يجب ان تلغى او على الاقل تخفف، والا فان حريتهم في اختيار الوظيفة، وخياراتهم في العموم تتعرض للهدر او تتقلص  (نشير هنا الى انه من الواجب على اعضاء الاقليات الثقافية الذين يدعون الضرر بسبب قواعد اللباس تلك، ان يثبتوا بأن متطلباتهم الخاصة باللباس لها جذور ثقافية عميقة، بحيث يكون انتهاكها مكلفا اجتماعيا او روحيا للأفراد المعنيين).

    يوضح هذا النقاش كيف أن التحدي المنبعث من الحركة النسوية والتعددية، قد يضطرنا لمراجعة بعض القناعات الراسخة. هذا لا يتناول فكرة الحرية نفسها، بل فهمنا للظروف التي تساعد الناس على ان يكونوا أحرارا حقا في اختيار طريقهم في الحياة، او تسهم في تقليص خياراتهم. وهذا بنفسه يقال أيضا حين ننظر الى حدود تلك الحرية. وقد عرضت في الفصل الرابع أمثلة، توضح كيف أن السلوك الذي قد يفسره الآخرون كعدوان صرف، وليس مجرد فعل “متعلق بالأخرين other-regarding” وفق تعريف ستيوارت ميل[8]، كيف يمكن له ان يتحول الى ما هو أكثر من ذلك، أي الى عدوان حقيقي او تهديد بالعدوان، إذا اضطر الناس المتأثرون به لتغيير سلوكهم الخاص، نتيجة لضغطه أو لتفادي الأضرار المحتملة من ورائه.

    ربما يرغب أنصار الحركة النسوية والتعددية، في دفع هذه المحاججة خطوات أخرى أبعد من ذلك. ربما يزعمون، مثلا، أن الطريقة التي يتم بها تصوير النساء والأقليات الثقافية، وخاصة في وسائل الاعلام الشعبية، قد تخلف تداعيات سيئة جدا على نظرة الناس إليهم وتعاملهم معهم.. إذا تم تمثيل النساء كأدوات للمتعة، على سبيل المثال، أو تم تصوير السود على أنهم مجرمون أو تجار مخدرات، فإن هذا سيؤثر، ربما دون وعي، على موقف الأشخاص الذين يتولون اختيار المرشحين للوظائف، أو يقررون الترقيات. المعنى الضمني لهذه الحجة، هو أن حرية التعبير ينبغي أن تكون محدودة بدرجة تزيد عما كنا نعتقد في السابق، وأنه يجب منع التعبيرات التي تؤدي للأضرار بمصالح الفئات الضعيفة.

    هذا هو السبب وراء مطالبة أنصار الحركة النسوية بحظر المواد الاباحية[9]. وهو أيضا الذي دفع ممثلي الأقليات الدينية للمطالبة بتطبيق قوانين التجديف التي تحظر التعبيرات المهينة لرموزهم الدينية، كما فعل بعض المسلمين حين نشر سلمان رشدي كتابه “آيات شيطانية”.[10]

    هذه المطالبات تثير مشكلات سياسية وقانونية، في المجتمعات التي تتبنى بقوة مبدأ الحرية الفردية. فهم يقولون، ان الحرية، في نهاية المطاف، ذات قيمة رفيعة، لأن الايمان بها وتوفرها في المجتمع، هو الذي يعطي الأفراد فرصة لتحدي الأعراف السائدة، بل حتى إثارة الغضب والتسبب في صدمات أحيانا، على أمل ان يدفعوا الآخرين للتفكير ومساءلة قناعاتهم ومعتقداتهم الراهنة. لولا السماح بالنقد الحر للاعراف والمذاهب والقناعات على اختلاف اشكالها وانواعها، لما كان لدينا حياة ثقافية وحوار. فكيف يمكننا أن نتقبل التعبير أو السلوك، الذي قد يفسر كهجوم او إهانة للقناعات التي يتبناها مجموعة من الناس، ثم نستدير ونطالب بحظر التعبير أو السلوك الذي يسيء إلى مجموعة أخرى؟

    إنه لعسير جدا ان ترسم خطا واضحا، يفصل بين أشكال التعبير التي ينظر اليها كوسيلة لتحرير العقول ومساءلة القناعات، على رغم كونها مزعجة لبعض الناس، وبين أشكال التعبير التي لا تنطوي على مضمون تحرري، بل هي عدوان صرف او إهانة صرفة. من الصعب حقا ان تتوصل الى اتفاق بين الأشخاص المختلفين على حد واضح يفصل بين النوعين.

    نتيجة لهذا، فقد نرجح ان نترك للقانون، ولو كان فظا، ان ينظم هذا المجال بقدر ما يمكن. لكن في كل الأحوال لا ينبغي الحيلولة دون قيام الناس بالاختيار لأنفسهم، والحكم على ما يرونه تعبيرا مقبولا عن الرأي، وما لا يرونه كذلك، والتعامل مع الطرفين بلين وتسامح. هذا لا يحول بطبيعة الحال دون استثناء بعض الحالات القصوى، مثل الخطاب العنصري في الأماكن العامة، الذي يمكن ان يبقى محظورا.

    من المفيد ان نختم هذا النقاش بالتأكيد على ان احترام معتقدات الآخرين ورموزهم، لا ينبغي ان يصل الى حد استبعاد النقاش العام حول هذه المعتقدات. النقاش العام يعمق معرفة الناس من مختلف الانتماءات ببعضهم، كما يزيدهم وعيا بما يجده كل منهم مسيئا او مهينا، مما يعزز احترام بعضهم لبعض، فضلا عن دوره في الكشف عما ينطوي عليه التعدد الثقافي من اغناء للثقافة الوطنية ككل، وهذا من الأمور المهمة في مجتمع متعدد الثقافات. من المهم في الوقت نفسه الاشارة الى خطورة الجمود الثقافي، الذي ربما ينتج عن الدوغمائية السياسية political correctness، وخصوصا في حال احتواء المعتقدات او العناصر الثقافية موضع النقد، على مضامين معادية للقيم الكبرى للإنسان الحديث، ولا سيما الحرية والمساواة، ومن بينها طبعا الحقوق المتساوية للنساء. لا ينبغي ان نتردد ابدا في نقد هذه المضامين بكل قوة، حتى لو اعتبرها بعض الناس عدوانية او مسيئة.

    الديمقراطية وتمثيل الاقليات الثقافية

    سوف اناقش الآن حجج الحركة النسوية والتعددية، في خصوص ممارسة المبادئ الديمقراطية على النحو السائد اليوم. وأبدا بالإشارة الى شكوى واقعية تعرفها غالبية المجتمعات التي تسير حياتها السياسية بواسطة الاقتراع العام، تتناول هذه الشكوى الغياب النسبي للمرأة وممثلي الأقليات الثقافية عن المجالس التشريعية، او ضعف تمثيلها. وهذا يشكل قضية رئيسية لكل من الحركة النسوية والتعددية على السواء.

    لماذا يتوجب علينا الاهتمام بهذا الأمر؟ طالما جرى انتخاب كافة أعضاء المجالس التشريعية من قبل الشعب، وكانوا مسؤولين امام ناخبيهم، فانه يتوقع ان يتولى هؤلاء إيصال صوت الجميع، رجالا ونساء، المنتمون لمجتمع الأكثرية ونظراؤهم في الأقلية. لهذا فانه حتى مع وجود عدد قليل من النساء وأعضاء الأقليات في البرلمان، فان هموم ناخبيهم سيجري التعبير عنها من خلالهم ومن خلال ممثلي الأكثرية أيضا. بعبارة أخرى فان ما هو مهم في النظم الديمقراطية، هو آليات المحاسبة والمساءلة، التي نستعملها للتحقق من ان حقوق المواطنين تحظى بالرعاية. ما ينبغي الاهتمام به هو وجود ونشاط هذه الاليات، وليس من يجلس فعليا على كرسي البرلمان.

    من المتوقع ان لا يرضى أنصار الحركة النسوية والتعددية بالرد السابق. فهو – في رأيهم على الأقل – يغفل حقيقة أن النواب المنتخبين، في الديمقراطيات القائمة على الأقل، مستقلون عن ناخبيهم الى حد كبير. فهم يناقشون القضايا ويقررون آراءهم ويصوتون في البرلمان، من دون الاستماع لراي ناخبيهم فيها، بل ومن دون ان تتاح لهؤلاء الناخبين فرصة الاطلاع عليها أو مناقشتها. وقد ناقشت في الفصل الثالث طرق تعميق الديمقراطية، وإشراك المواطنين بشكل كامل في اتخاذ القرارات، فلو تم الاخذ بما اقترحته هناك، فلعل صفة العضو المنتخب لا تمسي ذات أهمية قصوى. لكن واقع الحال اليوم ليس كما نتوخى ونأمل. ولهذا فان صفة العضو الذي يمثل الشعب في البرلمان، ذات أهمية كبرى.

    ثمة إضافة الى ما سبق، حجة أخرى تدعم الدعوة لزيادة تمثيل المرأة والأقليات في البرلمان. وخلاصتها أن هناك قضايا مهمة، ليس من السهل عليك فهم جوهرها وفهم المصالح المرتبطة بها، ما لم تكن منتميا الى هذه المجموعة. قد يطرح على البرلمان سؤال أو شكوى حول قضية تمييز في الوظيفة، متصل بممارسة دينية (لبس الحجاب لسيدة مسلمة او العمامة لموظف من السيخ مثلا). فمن المهم في هذه الحالة أن يشارك في النقاش، أشخاص قادرون على شرح معنى الممارسة أو مركزيتها، وانعكاس الحرمان منها على حياة المجموعة المعنية. وينطبق الشيء نفسه على القضايا التي لها علاقة خاصة بالمرأة، من قبيل إجازة الأمومة أو رعاية الطفل.. الخ.

    زيادة تمثيل النساء والأقليات في المجالس التشريعية، لا يعني بطبيعة الحال، ان يكون عدد النواب متناسبا بشكل صارم ودقيق، مع نسبة الشريحة التي يمثلونها الى المجموع. المقصود على وجه التحديد ان كل مجموعة او دائرة مصالح ذات حجم معقول، ينبغي ان تتمثل في الهيئة التشريعية. تنطلق هذه الفكرة من وصفي السابق للديمقراطية، أي كونها نظاما للتوصل الى قرار سياسي، من خلال النقاش المفتوح بين كافة المعنيين بموضوع النقاش.

    من المفترض ان يكون أعضاء الهيئات التشريعية، وكذا كل شخص من المعنيين، مستعدا لسماع الحجج التي يعرضها الجانب الآخر، وتقييمها اعتمادا على معايير الانصاف، وربما تغيير وجهات نظرهم اذا اقتنعوا بتلك الحجج. هذا في الحالات المثالية. لكننا نعلم ان النظم الديمقراطية لا تعمل دائما على هذا النحو. مع ذلك فانه ينبغي لمجموعات الأقليات وممثليهم على وجه الخصوص، ان تسلك هذا الطريق بقدر الامكان. فهم في نهاية المطاف أقلية. فاذا تخلى كل منا عن معايير الانصاف (التي قد تدعم الحجة المضادة له في بعض الاحيان) وصوت بناء على مصالحه الطائفية او العرقية، فان الأقليات ستكون دائما في الطرف الخاسر. ان قوة الحجة والتمسك بمعايير الانصاف هو السلاح الوحيد للأقلية، ويجب ان لا تفرط فيه أبدا.

    يرد أنصار الحركة النسوية والتيار التعددي على هذه الحجة، بالقول ان المسألة لا تتعلق بالإنصاف او عدمه، بل بالإجراءات والآليات العملية، التي ليست في صالح الاقليات. ان الفكرة القائلة بضرورة حسم القضايا الخلافية بواسطة النقاش المنطقي، تصب في صالح اولئك الذين تمرنوا وبرعوا في هذا النوع من المناقشات، اي الطرف الذي كان دائما يدير الامور في الحكومة او البرلمان. ويؤكد اولئك على حاجة النساء والاقليات، لاستخدام خطاب أكثر حماسة واقناعا في الدفاع عن مطالبهم. كما يقترحون منح الاقليات والنساء حقا او أولوية، في اتخاذ القرار المتعلق بالقضايا التي تتعلق بهم مباشرة، مثل حقوق الانجاب، الاجهاض، ومنع الحمل، وأمثالها من القضايا التي ينبغي – وفقا لرؤيتهم – ان يترك القرار فيها للنساء حصرا.

    حين ناقشت المشكلة العامة للأقليات، في الفصل الثالث، جادلت بأن على النظم الديمقراطية ان تتقبل فكرة تكريس منظومة من الحقوق الأساسية في الدستور، تستهدف في المقام الاول حماية الاقليات من الاجراءات المنحازة، التي ربما تتخذها الأغلبية غير المنصفة. اقترحت أيضا انشاء دوائر انتخابية منفصلة، من أجل التعامل مع القضايا المختلفة، كما يحصل في النظام الفدرالي. وهو اقتراح يمكن اقامته على أرضية القيم الديمقراطية ومبرراتها.

    اردت القول ان مطالب الاقليات والحركة النسوية، يمكن معالجتها بشكل منصف، في إطار النظام الديمقراطي ومؤسساته. لكن المشكلة ليست في قلة الحلول او غيابها، بل في حقيقة ان العديد من القضايا التي تؤرق هذين الفريقين، هي أيضا مصدر قلق للمجموعات الأخرى، لكن في اتجاه مخالف. خذ مثلا مشكلة الاجهاض. فهي تعتبر قضية حساسة عند الحركات النسوية، وهي في الوقت ذاته مثار قلق شديد عند المجموعات الدينية. تركز الحركة النسوية في مجادلاتها على ان الانجاب والاجهاض “حق” للمرأة، بينما تجادل المجموعات الدينية، بأن الاجهاض ينطوي على تدمير لكائن بشري له روح، وبالتالي فهو ليس حقا لأحد غير الخالق.

    يمكن لبعض الناس ان يصفوا هذا القول بأنه محض جنون. لكن الانصاف يقتضي القول، انه لا يمكن للمرء رفضه تحت هذه الحجة او غيرها، الا إذا كان مستعدا لرفض كافة الحجج الثقافية الاخرى المنبعثة من أساس ديني. ان السبيل الوحيد لمعالجة هذا الخلاف هو النقاش والتفاوض، حتى نتوصل الى موقف من الاجهاض، يحقق الحدا الأدنى من مطالب الطرفين ويحظى بقبولهما أيضا. هذا يؤكد – مرة أخرى – الحاجة لوجود تمثيل مناسب لمختلف وجهات النظر ودوائر المصالح، في الهيئات التي سوف تتخذ القرار، او تبني الاساس الذي على ضوئه يتخذ القرار[11].

    العدالة المنزلية

    فيما تبقى من هذا الفصل، سوف نعالج سؤال العدالة: كيف تحدى أنصار النسوية والتعددية الثقافية، الافكار السائدة حول العدالة الاجتماعية، وكيف ينبغي ان نتعامل مع هذي التحديات. وأريد في هذا السياق التركيز على قضيتين بالخصوص، هما:

     أ) العدالة المنزلية: العلاقة بين المرأة والرجل في الحياة العائلية.

    ب) التمييز الايجابي، اي الاجراءات المصممة لمساعدة النساء وأعضاء الاقليات الاثنية، للوصول الى مؤسسات التعليم العالي وسوق العمل.

    سوف أناقش مسألة العدالة الاجتماعية في الفصل الأخير من هذا الكتاب. وقد أشرت هناك الى انها تتعلق بطريقة توزيع المنافع والكلف بين الأفراد، من جانب مؤسسات المجتمع والدولة. في الماضي، كان الذي يتبادر للاذهان حين نتحدث في العدالة الاجتماعية، هو نظام الملكية والضرائب، توفير الرعاية الصحية والتعليم لعامة الناس، وما إلى ذلك. هذه بطبيعة الحال قضايا لا تزال مهمة لعامة الناس وهم يعتبرونها جزء من مفهوم النظام العادل.

    • لكن هل سنحقق العدالة لو انحصر اهتمامنا في الآثار التوزيعية للمؤسسات العامة؟

    يجادل انصار الحركة النسوية، بأننا نحتاج أيضا إلى مطالعة ما يحدث داخل الوحدات الاجتماعية الأولية، وأبرزها طبعا العائلة، كي نرى كيف يجري توزيع المنافع والكلف بين أعضائها، وكيف ان نظام التوزيع داخل العائلة، يؤثر على تقاليد التوزيع الخاصة بالوظائف والدخل وما إلى ذلك، في المجتمع الواسع. ويقول هؤلاء بصورة محددة، أنه من دون ضمان العدالة في العلاقات بين الجنسين داخل المنزل، فانه ليس متوقعا ان تحصل المرأة على العدالة الاجتماعية مطلقا[12].

    من المرجح ان يتفق غالب الناس اليوم، على ان المرأة لم تحظ – تاريخيا – بمكانة مساوية للرجل، بل كانت دائما تحت رحمة الرجل. قضت الأعراف باعفاء الرجال من أي عمل منزلي، في الوقت الذي يتحكم في الموارد المالية للعائلة، نظرا لكونه المسؤول عن توفير مصادر المعيشة.

    لكن يبدو الوضع الان مختلفا بعض الشيء. فقد حصلت المرأة على استقلالها في المجال العام، ومن ثم استعادت حقوقها القانونية والسياسية والحق المتساوي في سوق العمل. ولعله من الممكن القول، بناء على التحولات المذكورة، بان علاقة الرجال والنساء داخل العائلة، قد تعرضت لتغيير جوهري. في الوقت الحاضر يتعامل الرجال والنساء في إطار شروط متساوية. بعبارة أخرى فان حصول المرأة على العدالة الاجتماعية (بالمعنى المتعارف) يعني ان الخطوة اللاحقة ستكون بالتأكيد هي العدالة المنزلية.

    يبدو هذا صحيحا على المستوى النظري فحسب. ان حصول المرأة على مكانة متساوية (في القانون) لم يؤد الى حصولها على نفس المكانة في سوق العمل، ولم ينعكس بنفس القدر على العلاقة في المنزل. لا شك ان وضع المرأة قد شهد تطورا ايجابيا في نواح عديدة. لكن سيكون من ضروب المبالغة القول ان التمييز قد تلاشى. فالمشهود انه لا زال ثمة قدر كبير من عدم المساواة، لا سيما في حصة كل من المرأة والرجل في العمل المنزلي. فحتى لو عمل الزوجان بدوام كامل، فان المرأة لا زالت تتحمل الجزء الأكبر من اعمال المنزل، وبينها بالتأكيد اعمال مرهقة، او على الأقل غير محببة (المؤكد ان أحدا لن يستمتع بكي الملابس او تنظيف البيت حتى لو كان بالمكنسة الكهربائية). هذا التباين في المهام وجه واضح لغياب الانصاف.

    من ناحية أخرى، ثمة اسباب تبدو – ظاهريا على الأقل – طبيعية، تؤدي لخسارة النساء في أي منافسة متساوية. من ذلك مثلا اضطرار المرأة لأخذ فترات راحة وظيفية طويلة نسبيا من اجل الولادة، وحين يعدن الى الوظيفة لاحقا، فان كثيرا منهن يعملن بدوام جزئي، وهذا وذاك يؤدي بالضرورة الى تقدم بطيء في السلم الوظيفي، مقارنة بزملائهن الرجال.

    يوضح هذا ان التمييز الصريح بين الجنسين لازال قائما. لكنه فوق ذلك يفسر الأسباب الكامنة وراء حصول النساء على دخل أقل من الرجال، كما يوضح السبب الكامن وراء ضعف تمثيلهن في الوظائف العليا، في مختلف المهن (ثمة عدد قليل جدا من النساء في وظائف مثل الرئيس التنفيذي للشركات والقضاة والأساتذة الجامعيين.. الخ). لكن لا ينبغي القفز الى الاستنتاج، بأنه طالما بقي الرجال والنساء في وضع غير متساو في جوانب معينة، فان هذا دليل على غياب العدالة. في نهاية المطاف، فان بعض النتائج غير المتساوية قد لا تكون غير عادلة بالمعنى الدقيق، اذا كانت تعكس الخيارات المختلفة التي اتخذها الناس بأنفسهم.

    بعبارة أخرى ينبغي الاخذ بعين الاعتبار، الردود القائلة بان هذه الترتيبات لم تجر في الخفاء، ولم تفرض على النساء قسرا، فقد وافقن على ما بدا انه يصب في مصلحتهن، وأنهن قد قبلن – كجزء من الصفقة التي أدت الى انشاء الأسرة، إن جاز التعبير – أن يتحملن عبء الأعمال المنزلية أو معظمها، وأن يكتفين بوظائف ربما تكون أقل ابهارا من شركائهن الذكور.

    • حسنا. لماذا وافقت النساء على هذا الدور وهذه المكانة؟

    دعنا نفترض انه لا يزال ثمة أعراف حول الدور المتوقع ان يلعبه كل من الجنسين في الحياة، أعراف تخبرنا ان المرأة تتحمل مسؤولية خاصة في إدارة المنزل وتربية الأبناء، بينما يتحمل الرجال مسؤولية خاصة في تدبير مصادر معيشة العائلة خارج المنزل. ومن هنا، وعلى الرغم من ان غالبية النساء يشغلن بالفعل وظائف في سوق العمل، إلا أنه ثمة ميل عند كلا الجنسين الى اعتبار عمل المرأة هذا نوعا من المكافأة او مصدرا للدخل الاضافي، شيئا مضافا الى المسؤوليات الأساسية التي تتحملها، وليس واحدا منها.

    الجواب على هذا الاشكال: انه حتى لو كان عمل النساء يجري ضمن هذا المنظور، فانه من الواضح انه ليس في صالحهن، من حيث التوازن المفترض بين الكلف والمنافع. ربما كان هذا المنظور والأعراف الداعمة له، بعضا من بقايا العصور القديمة، ولا يكفي القبول الاختياري بهذه الأعراف لجعلها منصفة، لانه من المعروف ان العبيد أيضا كانوا يقبلون المعايير التي تبرر استعبادهم، فهل هذا يجعلها عادلة؟.

    يوضح هذا النقاش اننا بحاجة للتمييز بين جانبين في النقاش: ان العدالة المنزلية لم تتحقق فعلا في مجتمعنا. هذا شيء قد يكون صعبا نوعا ما. لكن الأصعب حقا هو ما ينبغي قوله حول متطلبات تحقيق الانصاف في العائلة. هل ينبغي التشديد على ان تحقيق العدالة، مشروط بالمشاركة المتساوية بين الرجل والمرأة، في كافة المنافع والاعباء الخاصة بالعائلة… ام انه ثمة مجال للناس كي يتوصلوا بأنفسهم الى الترتيب الذي يريحهم ويتناسب مع ظروفهم الخاصة، بمعنى تمكين الناس من اختيار طريقة حياتهم، ولو لم تكن مطابقة لبعض المعايير التي نتحدث عنها؟.

    قد نستطيع القول ان الأمر متوقف على تزاحم الأعراف القديمة مع نظيرتها الحديثة. فور ان تختفي الأعراف القديمة التي تحدد المكان المناسب للمرأة، فان مبدأ التوافق الحر سوف يبرز كسياق طبيعي للعلاقة بين الجنسين. وكما لاحظنا، فثمة بين انصار الحركة النسوية من يصر على انه ثمة فروق عميقة بين الرجال والنساء، سيما في الجانب الخاص بتربية الأبناء، وهم يرون ان المساواة المتشددة، بمثابة قسر للمرأة للتصرف على نحو يتنكر لطبيعتها كأم.

    هذه الفرضية صحيحة الى حد ما. وضمن هذا الحد، فان الانصاف في الحياة العائلية ينبغي ان يتوافق مع المرونة الضرورية في العلاقة بين أعضاء العائلة، أي ان يتقاسم الشريكان اختياريا الاعمال داخل وخارج المنزل، تبعا لتفضيلاتهم الشخصية وقدراتهم.

    التمييز الايجابي والأقليات الثقافية

    النقطة الأخيرة التي أود مناقشتها في هذا الفصل، تتعلق بالقضايا التي أثارتها سياسات “التمييز الايجابي affirmative action“. نعلم ان أنصار الحركة النسوية والتعددية، قد تحدوا المفهوم التقليدي لتكافؤ الفرص، والذي يعني أن الجدارة يجب ان تكون معيارا حاكما، حين تجري المفاضلة بين المرشحين للوظائف أو المقاعد الجامعية. بدلا من ذلك، فهم يجادلون بأن العدالة ربما تستدعي قدرا من من التمييز الايجابي لصالح المرشحين من النساء و الأقليات العرقية. وبعبارة أخرى، يجب أن يمنح أعضاء هذه الفئات فرصة تفضيلية أمام لجان الاختيار. لقد تم الأخذ بسياسات كهذه على نطاق واسع، من قبل الجامعات و أرباب العمل. لكنها – مع ذلك – لا تزال مثار جدل، يتناول مقدار توافقها مع معايير العدالة[13].

    نحن بحاجة لتسليط الضوء على اثنين من المبررات التي ربما تدعم سياسات التمييز الايجابي.

    المبرر الأول هو أن الطرق المعيارية لقياس “الجدارة”، على سبيل المثال، تعتمد على درجات الاختبار التي يحصل عليها المتنافسون على الوظيفة او المقعد الجامعي. هذه النتائج تميل إلى التهوين من القابلية الحقيقية للنساء وأعضاء الأقليات. قد يكون هذا نتيجة احتواء الاختبارات على تحيزات ثقافية خفية، أو لأن المرشحين من الفئتين المذكورتين، لديهم فرص أقل لاكتساب المهارات التي جرى تصميم الاختبارات لقياسها، ربما لأن خلفيتهم التعليمية اضعف. ولعلنا نجد هذه المشكلة عند أعضاء الأقليات العرقية المحرومة، أكثر مما نجده عند النساء، نظرا لأن الفتيات يظهرن الآن ميلا واضحا للتفوق على الأولاد في المدرسة.

    ان التفاوت في الخلفية التعليمية او الاخفاق الناتج عن الانحياز الخفي للاختبارات، سيبقى مؤثرا في استمرار اللامساواة، ما لم يجر التعامل معه بجد. ويظهر ان سياسات التمييز الايجابي، هي الطريقة الأفضل والأكثر واقعية لتحقيق تكافؤ الفرص. يبدو انه لا خلاف من حيث المبدأ: موضوع النقاش هو الطريقة الأمثل للتحقق من ان المرشحين لمواقع وظيفية او تعليمية ممتازة، هم الأشخاص الذي يستحقونها واقعيا.

    المبرر الثاني: يثير قضية مبدئية، خلاصتها أن التمثيل الفعلي للنساء والأقليات، في الشرائح العليا من المجتمع، ضعيف جدا. ومن هنا فان التمييز الايجابي هو الوسيلة المعقولة لتصحيح هذا الخلل. بعبارة أخرى، يجب أن يستهدف واضعو السياسات، زيادة عدد الأشخاص الذين يمثلون النساء، والسود، والمسلمين، وبقية الأقليات، في المناصب رفيعة المستوى، في الأعمال التجارية والمهن والخدمة المدنية والتعليم العالي، وما إلى ذلك. وفقا لهذا المنظور، فإن العدالة الاجتماعية لا تتعلق حصرا بالمعاملة المنصفة للأفراد، اذ ان جانبا مهما منها يتعلق بالجماعة أيضا. نحن نصف المجتمع بالعادل، حينما تكون جميع الطبقات والشرائح والاتجاهات التي يتالف منها، حاضرة في المجالات الاجتماعية المختلفة، ولا سيما في المستويات العليا، بقدر يتناسب مع حجمها العددي.

    حسنا. دعنا نفترض ان الفرص الفردية كانت متكافئة حقا، وان المؤهلات كانت دائما المعيار المؤثر في اختيار الأشخاص للوظائف والمواقع الادارية والمهنية، وان الجميع حظي بفرص متساوية لتطوير مهاراته وقدراته التي تصنف كمؤهل. مع ذلك فان مجموعات مختلفة في المجتمع استطاعت ان تحقق – في العموم – نتائج متباينة. بعضها حقق نجاحا أكبر، فاحتل معظم الوظائف العليا، بينما فشلت المجموعة الأخرى فبقيت في القاع. فهل نستطيع القول ان المجموعة التي أخفقت، كانت ضحية لظلم جمعي؟.

    هذا محتمل. الا اذا كان افراد هذه المجموعة، قد اختاروا – عن وعي – عدم السعي وراء الوظائف العليا، أو عدم الاجتهاد لتلبية متطلباتها، أيا كان السبب، ثقافيا او دينيا او اجتماعيا او غيره.

    اظن انه يبدو من غير المرجح بشكل عام، ان يختار جمع من الناس، البقاء في وظائف متدنية، مع ان الأعلى متاحة لهم. هناك حالات – بطبيعة الحال – تكشف ان وظائف معينة تعتبر غير ملائمة عند مجموعات بعينها، لأسباب دينية او ثقافية او غيرها، ولذا فهي لا تجد اقبالا بين أعضاء هذه المجموعات. لكني أميل الى تفسير اراه مرجحا أكثر، وخلاصته ان المجموعات التي يكتفي أعضاؤها بالوظائف الدنيا، لازمان متوالية، تعاني في الغالب من شعور عميق بعدم تقدير الذات (او ربما احتقار الذات). ومن هنا فان توقعاتهم في الحياة، غالبا ما تكون منخفضة، ويعتقد أعضاؤها بان لديهم فرص قليلة جدا لتسلق السلم الوظيفي الى الأعلى، ولذا فان غالبيتهم لا يرون جدوى من محاولة الصعود.

    اذا وجدت هذه الحالة، فينبغي ان نشعر بالقلق. إنه لأمر سيئ لأية مجموعة، بل للمجتمع بأسره، ان تبقى شريحة من أبنائه في وضع معيشي او حياتي متدن، أو ان يشعر أعضاؤها بالاحباط إزاء فرص التحرر من بؤسهم، الى درجة انهم يرون الفرص أمامهم فيعرضون عن اغتنامها. في حالات كهذه، يمكن لسياسات التمييز الايجابي أن تلعب دورا مؤثرا، من خلال إظهار القابليات الكامنة عند أفراد الأقليات، التي يمكن تحريرها واطلاقها فور حصولهم على دعم أولي، من قبيل الحصول على مقعد دراسي في جامعة جيدة. يمكن لمثل هؤلاء الأشخاص أن يمثلوا نموذجا يشجع الآخرين على السير في نفس الطريق.

    انطلاقا من هذا، فانه يمكن تبرير سياسات التمييز الايجابي، بالنظر الى آثارها الاجمالية على أعضاء الأقلية والمجتمع ككل. (ربما يقدم الأمريكيون الأفارقة، أفضل مثال على نجاح هذا النوع من السياسات، وانعكاسه الايجابي على المجتمع ككل).

    يهمني الاشارة هنا الى ان سياسات التمييز الايجابي التي ندعو اليها هنا، لا تستمد مبرراتها من مبدأ العدالة. كما انني لا أقول بأن الجماعات العرقية او الثقافية، او أي من الشرائح الاجتماعية، التي ذكرت انها محبطة وان تطلعاتها متدنية، لا أقول انها ضحية لانعدام العدالة، بناء على هذا المعيار وحده، بل استطيع القول ان الحالات التي ذكرناها، قد تنطوي على تعارض بين القيم، بين وجوب المعاملة المنصفة لجميع الافراد، بغض النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية، من جهة، ووجوب السعي لادماج الأقليات العرقية والثقافية في الحياة الاعتيادية للمجتمع الاوسع، كي تتقارب مستويات المعيشة بين سائر افراد المجتمع، وتتقلص حالات التهميش.

    ولهذه المناسبة، أذكر القاريء بما أشرت اليه في الصفحات الأولى من هذا الكتاب، من ان على الفلاسفة السياسيين ان يقاوموا اغراء التسليم للفرضية الشائعة بين رجال السياسة، والتي فحواها ان السياسات التي يفضلونها او يدعون اليها، صافية تماما ولا تنطوي على أي تضارب مع القيم الأخرى، وبالتالي فهي لا تستدعي التضحية بتلك القيم.

    ما اردت التوصل اليه هنا، هو أن سياسات التمييز الايجابي ستكون متوافقة مع معايير العدالة، فقط وفقط حين يتعلق الأمر بتوفير مقومات العدالة بين الأفراد، ومن امثلتها ما ذكرناه في السطور السابقة، أي استخراج القابليات الكامنة في افراد الأقليات، القابليات التي قمعت او اختفت لأي سبب من الاسباب.

    لا ينبغي لسياسات التمييز الايجابي ان تتجاوز هذا الحد. فاذا تجاوزته وتحولت الى وسيلة لرفع المكانة العامة لمجموعة او شريحة ما، قياسا للمجموعات الأخرى، فحينها لن يبقى الامر في اطار العدالة وضمن حدودها، حتى لو كان مرغوبا بشكل عام.

    كنت قد قلت في بداية هذا الفصل بأن أنصار التيار النسوي والتعددي، يطرحون أسئلة على فلاسفة السياسة، تحت عنوان انها البديل الصحيح عن الأسئلة القديمة في الفلسفة السياسية. وذكرت هناك انني لا أراها بديلا، بل هي أقرب الى طرح الأسئلة القديمة بطريقة جديدة. ومع وصولنا الى نهاية الفصل، آمل ان تكون النقاشات السابقة تبريرا مناسبا لهذا الرأي.

    لقد تعلمنا من الحركة النسوية والتعددية، ان نغير طريقة تفكيرنا في قضايا السلطة السياسية، والحرية، والديمقراطية، والعدالة. لا يقتصر الأمر على هذا. فقد ابرزت الحركة تحديا موازيا، يتعلق بالطريقة المناسبة لبلورة هذه المباديء، وطريقة إنجازها في المجتمعات المتنوعة ثقافيا، المجتمعات التي تتوقع نساؤها أن يعاملن على قدم المساواة مع الرجال. ومن هنا استطيع القول ان الكتابات التي صدرت في إطار الحركة النسوية والتعددية، قد ساهمت في اغناء نقاشات الفلسفة السياسية، وجعلتها على اتصال مباشر مع عدد من اكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السياسي في هذا الزمان.



      الهوامش

     [1] للاطلاع على نقاش أوسع حول التعددية والنسوية، انظر ويلي كيمليشكا: مدخل إلى الفلسفة السياسية المعاصرة، ترجمة منير الكشو، المركز الوطني للترجمة (تونس  2010). 

    There are many anthologies of feminist political thought, including Alison Jaggar and Iris M. Young (eds.),  A Companion to Feminist Philosophy (Blackwell, 1998) and Anne Phillips (ed.), Feminism and Politics (Oxford Uni. Press, 1998).

    On multiculturalism, see Will Kymlicka, Multicultural Citizenship (Clarendon Press, 1995), Bhikhu Parekh, Rethinking Multiculturalism (Macmillan, 2000), and for a critique, Brian Barry, Culture and Equality (Polity Press, 2001).

    [2] نشر جون س. ميل كتابه “حول الحرية” في 1858 وشدد فيه على أهمية استقلال الفرد وحريته، وكونهما ضرورة لكرامة الانسان وكمال انسانيته. وفي 1869 نشر كتابه الآخر ” استعباد النساء ” الذي اعتبر مكملا للأول، مع التركيز على حالة المرأة. إن لم يكن هذا أول كتاب في الدفاع عن حقوق المرأة واستقلالها، فلا شك انه بين الأوائل في تلك الحقبة. انظر: جون س. ميل: استعباد النساء، ترجمة امام عبد الفتاح امام، مكتبة مدبولي (القاهرة 1998).

    [3] حول الفارق بين القوة السياسية والسلطة السياسية، انظر :

    ‘Introduction to Sociology, Module 15: Government and Politics, Power and Authority’ Lumen Learning , (retrieved 2-Jul-2021) https://courses.lumenlearning.com/wmopen-introtosociology/chapter/power-and-authority/

    [4] ينسب اطلاق هذا الشعار الى كارول هانيش التي كانت وقتئذ (1968) ناشطة نسائية وعاملة في مجال الحقوق المدنية. انظر بهذا الصدد مقالتها المسماة “الشخصي سياسي” في ويكي الجندر (10-06-2019)  https://genderiyya.xyz/mw/index.php?title=&oldid=22356

    وللاطلاع على قراءة تحليلية في الموضوع، ودور هانيش في الحركة النسوية، انظر:

    Theresa M. L. Lee: ‘Rethinking the Personal and the Political: Feminist Activism and Civic Engagement’, Hypatia , Vol. 22, No. 4, Democratic Theory (Autumn, 2007), pp. 163-179 . https://www.jstor.org/stable/4640110

    [5] For the claim that in debates about political power and authority, the power of men over women has remained unacknowledged, see especially Carole Pateman, The Sexual Contract (Polity Press, 1988).

    لتحليل حول كيفية تعاطي الفلاسفة السياسيين في الماضي مع المرأة وقضاياها، انظر سوزان أوكين: النساء في الفكر السياسي الغربي، ترجمة امام عبد الفتاح امام، دار التنوير (بيروت 2009)

    [6] ذكرنا في الفصل الرابع رؤية ميل، وفحواها ان لكل فرد نطاقا ينبغي ان يتمتع فيه بحرية تامة غير قابلة للانتهاك او التحديد. هذا النطاق وفقا لرايه، هو ذلك الذي تكون التصرفات الجارية فيه متعلقة بذات الانسان self-regarding وليس باحد آخر، بمعنى أنها، لو تسببت في اضرار، فسوف تكون مقصورة على مصالح الشخص نفسه، ولن يتضرر منها أي شخص آخر، ولذا لا ينبغي التدخل فيها أبدا.

    [7] John Stuart Mill: The Subjection of Women, 2nd ed. London, (Longman 1869), p. 38‏.

    The question whether there are essential differences between men’s and women’s nature is discussed in Deborah Rhode (ed.), Theoretical Perspectives on Sexual Difference (Yale University Press, 1990).

    [8] لتوضيح الفكرة هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من الفعل، هي: الفعل المتعلق بالذات self-regarding أي الذي ينعكس على الفاعل فقط، والفعل المتعلق بالغير other-regarding وهو الفعل الذي يبدو مثل الأول، لكنه ينعكس بشكل واضح على الآخرين (مثل تعليق صور او شعارات تتضمن تهوينا من قيمة العرق الأسود في مصنع يعمل فيه اشخاص من ذوي البشرة السوداء). وأخيرا الفعل الذي ينطوي على عدوان صريح على الغير، أي ان علاقته بالغير ليست ضمنية بل ظاهرة ومستهدفة بشكل اولي. والنقاش المذكور أعلاه يدور حول النوع الثاني، أي الفعل الذي يبدو متعلقا بالغير، فهذا الفعل يمكن ان ينتهي الى اضرار حقيقي بالاشخاص المعنيين به، وان لم يكن متصلا مباشرة بالشخص الذي علق تلك الصورة، مثل اضطرار اولئك الأشخاص الى ترك وظائفهم في ذلك المكان.

    راجع رأي ميل بهذا الخصوص في: جون ستيوارت ميل: حول الحرية، مصدر سابق ، ص 26 ن. إ. https://archive.org/details/Huriyya/page/n111/mode/2up

    ولمطالعة تحليلية في مفهوم ميل عن الفعل المتعلق بالذات والفعل المتعلق بالغير، انظر

    C. L. Ten: ‘Mill on Self-regarding Actions’, Philosophy, Vol. 43, No. 163 (Jan., 1968), pp. 29-37  http://www.jstor.org/stable/3749020

    [9] The feminist case against pornography is powerfully stated in Catherine MacKinnon, Only Words (Harper Collins, 1994).

    [10] For discussion of the issues of free speech raised by the controversy surrounding Salman Rushdie’s The Satanic Verses, see Bhikhu Parekh (ed.), Free Speech (Commission for Racial Equality, 1990) and Bhikhu Parekh, Rethinking Multiculturalism (Macmillan, 2000), ch. 10.

    [11] For discussion about why and how women and cultural minorities should be included in democratic politics, see Anne Phillips, The Politics of Presence (Clarendon Press, 1995) and Iris Marion Young, Inclusion and Democracy (Oxford University Press, 2000).

    [12] On justice within the family, see especially Susan Moller Okin, Justice, Gender and the Family (Basic Books, 1989).

    [13] لمنظور تحليلي في سياسات التمييز الإيجابي، انظر:

    روبرت فولينوايدر: التمييز الإيجابي (موسوعة ستانفورد للفلسفة)، ترجمة محمد العمري، مجلة حكمة (3-ابريل-2021)

    حول الاشكالات الفلسفية التي تثيرها سياسات التمييز الإيجابي والنقاشات المتعلقة بها انظر:

    Stephen Cahn, The Affirmative Action Debate, 2nd edn. (Routledge, 2002). See also Ronald Dworkin’s essays collected in A Matter of Principle (Clarendon Press, 1986), part v.

    [1] David Miller, Political Philosophy: A Very Short Introduction, Oxford University Press 2003.

  • التعددية الثقافية

    التعددية الثقافية

    الكاتبلويس رودريغس
    ترجمةعقيل العبودي

    مدخل حول فلسفة (التعددية الثقافية) وجذوره التاريخية، بقلم الد. لويس رودريغس، دكتور الفلسفة والقانون في جامعة إيسكس، مترجم من (موسوعة الإنترنت الفلسفية)، تعود حقوق النص الإنجليزي الأصلي لكل من الكاتب وموسوعة الإنترنت الفلسفية. بالغ الشكر لكل من الكاتب ومحرري الموسوعة على منح مجلة حكمة حقوق الترجمة ونشرها على موقعها

    التعددية الثقافية
    د. لويس رودريغس

     يوجد التنوع الثقافي في المجتمعات منذ زمن طويلة. لقد كانت في اليونان القديمة مناطق صغيرة متنوعة في ازياءها، لهجاتها وهواياتها  ومثال ذلك أولئك الذين ينحدرون من مناطق إيتوليا، لوكريس، دوريس، إيبروس. وكان يشكل المسلمون في الإمبراطورية العثمانية الغالبية مع وجود أقليات مسحية، يهودية، وثنية، عرب ومجموعات دينية أخرى.  ظلت المجتمعات متنوعة ثقافيا في القرن الواحد والعشرين حيث يوجد في معظم البلدان خليط بشري من اعراق وخلفيات لغوية وانتماءات دينية مختلفة الخ. وصف المنظرون السياسيون المعاصرون هذه  الظاهرة  المتمثلة في التعايش بين الثقافات المتنوعة في البقعة الجغرافية نفسها بفضاء التعددية الثقافية . أي أن أحد معاني التعددية الثقافية هو التعايش بين الثقافات المختلفة.

    لم يستعمل مصطلح التعددية الثقافية لوصف مجتمع متنوع ثقافيا فحسب، لكنه يشير الى نوع السياسة التي تهدف إلى حماية هذا التنوع الثقافي أيضاً. فعلى الرغم من أن التعددية الثقافية ظاهرة لها تاريخ طويل وكان هناك بلدان عديدة اعتمدت سياسات التعدددية كالامبراطورية العثمانية، لكن لم تزدهر الدراسة المنهجية للتعددية الثقافية في الفلسفة الاً في نهاية القرن العشرين، عندما بدات تلقى أهتمام خاص من قبل الفلاسفة الليبراليين. وكان دور الفلاسفة الكنديين بالتحديد كبيراً في ذلك، لكنه اصبح موضوعاً شائعا في الفلسفة السياسة المعاصرة في القرن الحادي والعشرين.

    فقد ركزت العديد من الكتابات في هذا الحقل على مواضيع تتعلق بمفهوم إعادة توزيع عادل للموارد ، قبل ان تكون التعددية الثقافية موضوعاً في حقل الفلسفة السياسة يسلط الضوء على فكرة أن الهويات الثقافية  ذات صلة معيارية بالتعددية وان السياسات يجب ان تأخد هذه الهويات المختلفة بنظر الأعتبار.

    يتطلب فهم التعددية الثقافية في الفلسفة السياسية المعاصرة ان نأخذ بنظر الاعتبار أربعة محاور مهمة هي؛ معنى مفهموم الثقافة؛ معنى مفهموم التعددية الثقافية ؛ النقاش حول مفهوم العدالة بين المجموعات الثقافية والنقاش بخصوص التطبيقات العملية للممارسات التي تترتب على التعددية الثقافية .

     

     

    المحتويات

    ١ مفهوم الثقافة في النظرية السياسية المعاصرة

    • المنظور السيمائي

    • المفهوم المعياري

    • التصور المجتمعي

    • المنهج الاقتصادي العقلاني

    • مناهضة الاصولية والعالمية

     

    ٢ مفهوم التعددية الثقافية

    • التعددية الثقافية كمفهوم وصفي للمجتمع

    • التعددية الثقافية كسياسة

    المواطنة متعددة الثقافات

    سياسة تايلور للاعتراف

    الليبرالية متعددة الثقافات عند كمليكا

    الإقامة التحويلية عند شاكر

    ** السلبية العالميه

    • المساواة الليبرالية عند بيري

    • ليبرالية كوكاثا

     

    ٣ الموجة الثانية من الكتابة عن التعددية الثقافية

    • االمثليون ، المثليات وثنائي الجنس

    • النساء

    • الأطفال

    ٤- الحيوانات وتعدد الثقافات

     ٥- مراجع / المزيد من القراءة.


     

     

     

    ١- مفهوم الثقافة في النظرية السياسية المعاصرة

    إن التعددية الثقافية هي قبل كل شيء نظرية حول الثقافة وقيمها. ولكي نفهم ماذا تعني التعددية الثقافية يكون إيضاح معناها لاغنى عنه.  سيوجز هذا القسم خمسة مفاهيم للثقافة لها حضور مميز في الفلسفة السياسية : السميائية، المعيارية، الاجتماعية، الاقتصادية / العقلانية والعداء للاصولية العالمية. كما أوضح (Festenstein 2005)، ليست هذه مفاهيم متنافسة للثقافة، حيث يختار كل منها مجموعة متميزة من الشروط الضرورية والكافية للتطبيق الصحيح “للحجة المفترضة” . بالمقابل ، تدافع كل مفاهيم الثقافة هذه ولو بطريقة مختلفة قليلاً عن فكرة  أنً الثقافة تُشكل الهوية الشخصية. لذلك ، من الممكن الدفاع في الوقت نفسه، على سبيل المثال، عن المفهوم السيميائي للثقافة والاعتراف بأن الثقافة قد تكون لها سمات، معيارية  اجتماعية، اقتصادية وعالمية.

     

    • المفهوم السيميائي

    كان هذا المعيار واسع الانتشار في ستينيات القرن العشرين، وكانت له جذور في الأنثروبولوجيا الاجتماعية الكلاسيكية. اعتبرعلماء انثروبولوجيا الاجتماع أمثال ماركريت مييد – ليفي ستراوس و مالونوسكي  الثقافة مجموعة نظم اجتماعية، رموز، بالإضافة الى التمثيل والممارسات العامة التي تحتفظ بها جماعات معينة.  فتعرف الثقافة، من هذا المنطلق ، على انها نظام من الأفكار او بناء رمزي للمعنى.  بمعنى اخر، وطبقا لهذه الرؤية، يجب ان تفهم الثقافة انها نظام رمزي والذي في المقابل يكون طريقة للتواصل مع العالم.  يستند هذا الشكل من التواصل الى الرموز التي تتضمن البنى والمعتقدات او المبادئ الأيديولوجية.  واحد من الفلاسفة الذين يتبنون هذا المعيار للثقافة هوباريخ Parekh (2005).   فطبقا لـ –  Parekh  (2005، p. 139) ، تنظم الحياة البشرية بواسطة نظام أنشأ تاريخيا المعاني المهمة والتي ندعوها نحن بالمقابل بالثقافة.

    يؤكد تايلور (1994b)  على ان المخلوقات البشرية عبارة عن كائنات تفسر نفسها ذاتيا، وتعتمد هوياتها على الطريقة التي يرى فيها كل شخص نفسه ، ومن الضروري جداً ، أن يكون لهذا الفهم الذاتي معنى.   بالتالي فان النظرية القائلة بأن الكائنات البشرية هي كائنات ذاتية التفسير تقترح ان الوجود البشري يتكون بواسطة المعنى.  في المقابل ، يدل هذا على ان الكائنات البشرية حيوانات ناطقة أيضاً.  نعني باللغة ، هنا كل اشكال التعبير ( الموسيقى ، اللغة المتحدثة ، الفن وهكذا دواليك) ( تايلور 1994 b).  أن تكون حيواناً ناطقاً يعني، ومن وجهة نظر تايلور، ان الافراد قادرين على خلق قيم ومعانى، ولهذه المعاني جذور في كل مجتمع ثقافي.  وهذا يعني، ان تكون اللغة ، نتاج التفاعل بين الافراد داخل مجتمعاتهم الثقافية ، وعلى وجه التحديد ( تايلور، 1974; 1994b).

    فأذا ما اخذنا هذا بنظر الاعتبار، يمكن القول إن دراسة الثقافة من منظور السيميائية هي تحليل أو توضيح للمعنى.  وكما هو الحال بالنسبة للتفسيرأو التأويل، عندما يفسر القاريء معنى معينا في نص ثقافي ، عليه ان يفسر منطقه الداخلي (Festenstein 2005) .  المثال الذي  يقدمه كواين (Quine 1960) بخصوص الرجل الأصلي الذي قال ‘Gavagai’ ، كلما رأى أرنبًا، هو مثال على أهمية تفسير المنطق الداخلي للثقافة. يشير  Quine (1960) ، الى ان هنالك العديد من المعاني المرتبطة بالأفعال ؛ والتي ربما تعني ارنباً ، طعامًا ، او جزء من ارنب ، او ربما القول ان عاصفة  قادمة هذه الليلة (اذا كان الرجل الأصلي يؤمن بالخرافة) وهكذا دواليك. إن نظام الرموز وعملية الأشارة أو نظام المعنى الكامن خلف هذا الفعل  هو طبقاً لوجهة النظر السيميائية ، ما يجب ان تكون عليه الثقافة ، وما يجب ان يدرس.  وبأختصار ، إنها دراسة المنطق المستقل للثقافة.

     

    • المفهوم المعياري

    عادة ما يتم اعتماد المفهوم المعياري للثقافة من قبل الجماعاتيين . فالثقافة مهمة، من وجهة النظر هذه، لأنها تزود الافراد بالمعتقدات والأعراف والأحكامم الأخلاقية  التي تحثهم على الفعل. ومن ثم، فإن جزءًا من ماهية الشخص يشمل التزاماته الأخلاقية ؛حيث تتكون هويتهم العملية من هذه الالتزامات وكذلك هي تحرك دوافعهم للعمل. وبعبارة أخرى، يشير مصطلح ‘الثقافة’ الى مجموعة من المعايير والاعتقادات المميزة والتي تشكل الهوية العملية لمجموعة من الافراد؛ وبالتالي، ينشأ جزء من قيم الأفراد وألتزاماتهم من الثقافة (Festenstein، 2005، p. 14). 

     

    تعود أهمية الثقافة من وجهة نظر المعيارين لما تشير اليه من الاعتقادات، العادات، والأسباب الأخلاقية الاخرى التي تدفع الافراد للفعل، وبالتالي، فان جزء مما يشتمل عليه الفرد هو ألتزاماتهم الأخلاقية؛ فتشكل هوياتهم العملية من هذه الالتزامات الأخلاقية، وتحفز دوافعهم للفعل بواسطتها.

    لقد تشكل جزء من الديانات السماوية، كالمسيحية، الإسلام واليهودية،على سبيل المثال بواسطة حقيقة مفادها هو ألتزام اتباع هذه الديانات بالتعاليم الأخلاقية المذكورة في كتب هذه الديانات الانجيل، القرأن والتوراة على التوالي.  بالتالي ، فمعرفة شخص ما، ترتبط بمعرفة او فهم الالتزامات الأخلاقية لذلك الشخص، وعليه تكون الثقافة قاعدة لتوفير المعلومات هنا.

    إن أحد الفلاسفة المؤيدين لمفهوم الثقافة هذا، هي شاكار (Shachar2001 a، p. 2) التي تمثل الثقافة، طبقاً لها نظرة للعالم، شاملة ومميزة يشرع بواسطتها قانون للمجتمع.  تلصق شاكار مصطلح المجتمعات البدوية بالأقليات التي تمتلك ثقافة.  ويشيرهذا المصطلح، طبقا لها، ((Shachar، 2001a، p. 2  الى الجماعات الدينية، العرقية، القبلية والقومية ، لان هذه الجماعات جميعا تكشف عن البعد المعياري المطلوب الذي يساعد على تصنيفها كمجتمعات بدوية.

    يرتبط المفهوم المعياري للثقافة عادة بالمفهوم السيميائي لها ، من ناحية عدم تعارض احدهما مع الاخر ؛ بل ربما يكمل احدهما الاخر.   يؤيد تايلور، على سبيل المثال ، كل من هذين  المعيارين للثقافة.  وعلى أية حال ، فالأمر ليس بذات أهمية لان لا يحتاج نظام المعنى وأهميته تقديم أسباب أخلاقية لكي يكون محفزاً للفعل عند الشخص. فما يكون عليه الانسان من وجهة نظر السيميائية هذه ، ليس بالضرورة أن يكون تعبيرعن التزامه / التزامها الأخلاقي ؛ فمن الممكن ان يكون أي شيء داخل هذا النظام.

      هذا هو ما يصطلح عليه بنظام المعنى ، والذي يمكن ان يستند على أي شيء ، بينما ، وطبقاً للمفهوم المعياري للثقافة ، تكون هذه الأخيرة مصدر قوي لالتزامات المرء الأخلاقية.  لتوضيح إمكانية التقابل بين هذين المفهومين ، السيميائي والمعياري في الثقافة ، علينا أن نأخذ بالاعتبار مفهوم تايلور في الثقافة.  يرى تايلور ان الافراد ‘كائنات ذاتية التفسير’. الحقيقة التي تقول ان الوجود البشري يتشكل من خلال المعاني.  فمن وجهة نظر المنهج المعياري ، أن جوهر هذه  المعاني، هي قدرتها القوية على تقييم الاخلاق.  انها تشير لمسألة التمييز الذي يستند على قيمة ما يراه الافراد في الشيء المرغوب.  بعبارة أخرى ، أنها تعتبر أرضية للتمييز بين تلك الأشياء التي تكون لها قيمة عند بعض الافراد ، وبين تلك التي تبدو عند البعض الاخر أقل أهمية او اقل قيمة.

    يوجه الافراد حياتهم وأهدافهم من وجهة نظر المنهج المعياري للثقافة ، نحو ما يعتبرونه ذو قيمة أخلاقية.  بأختصار ، فأن هذه الأطر والتقييمات الأخلاقية  القوية هي التي توضح للافراد ماهو مهم ومجزي لهم في الوقت نفسه.  وتكون هذه التقييمات دافع او حافز لهم (Taylor، 1974).  وبالتالي ، فأن النفس لها بعد أخلاقي ، بمعنى أن العقلانية والهوية تشير الى هذه التقييمات الأخلاقية.  ترتبط الهوية بالاخلاق ، لأن يتشكل الافراد من خلال تفسيراتهم الذاتيةً والتي تقدم من خلال تلك التقييمات القوية في نهاية المطاف (Taylor، 1974).  إن هذه الاعتقادات الاخلاقية أو التقييمات القوية في المقابل نتاجٌ لثقافة الفرد فيمكن أعتبارها لهذا السبب مفهموم معياري للثقافة.

     

    • التصور المجتمعي

    أستعمل مفهوم ‘التصور المجتمعي للثقافة’  بالأساس من قبل الفيلسوف الكندي كاميلكا “Kamlicka”.  ولكي نفهم هذا التصور، لابد أن نأخذ بالاعتبار تصنيف كاميلكا المزدوج لمصادر التنوع الموجودة في المجتمعات المعاصرة ؛ فبالنسبة له هناك نوعان من التنوع: الأقليات المتعددة الأعراق والاقليات القومية.  يستعمل كيميلكا مصطلح تعددية الأعراق للإشارة لنوع الاختلاف الناتج عن طريق الهجرة. 

    تشير التعددية الثقافية العرقية الى ما يتعارف عليه اصطلاحًا  بالجماعات الاثنية.  ولايتحدد وجود هذه الجماعات بمكان معين؛  لكنها تنتشر حول البلدان التي هاجرت اليها أيضًا ، حسب رأي كيميلكا.

    ابعد من ذلك ، يؤكد كيميلكا على ان هذه الجماعات في الاغلب لا تحبذ الانفصال عن ثقافة الاغلبية؛ بل ان هذه الجماعات ترغب بالاندماج معها أي ‘الأغلبية’ ، وتطالب بقوانين وبقرارات تضمن لها حقوق متساوية بالانتماء.  ومن جملة هذا المطالب تلك التي تتعلق بحق اللغة ، بحق الانتخاب ، ومقاعد في البرلمان وهكذا دواليك. 

    حتى وأن كانت المطالبة بحقوق الانتماء المتساوية، هي ما تطمح اليه هذه الجماعات العرقية، فان تلك المطالب لن تكون بالقضية الأساسية على الدوام. يؤكد كيميلكا على ان الجماعات العرقية تنقسم الى جماعات ليبرالية وأخرى غير ليبرالية (Kymlicka،2001، pp. 55-58). ولا تتعارض طموحات الجماعات العرقية الليبرالية بالضرورة مع القيم الليبرالية، بل انها تطمح  الى لانغماس في المجتمع  في الاغلب  وتطالب بسياسات تتمكن من خلالها من الحصول على حقوق المواطنة المتساوية.  يشير كيميلكا على سبيل المثال، الى الجاليات اللاتينية في الولايات المتحدة الامريكية التي تطالب بصورة عامة بحقوق تتعلق باللغة، والمتمثلة في ادخال اللغة الاسبانية في المناهج التعليمية.

     يرى كيميلكا  من جهة أخرى،  ان الجماعات العرقية الأخرى غير الليبرالية تتمثل بأولئك الذين لا تكون مطالبهم في الثقافة وامور أخرى متماشية مع القيم الليبرالية.  فبعض هذه  الجماعات العرقية الدينية، على سبيل المثال ، تناصر عقوبة الإعدام للمثليين داخلها ؛ بينما اخرين لهم مواقف تتعلق بالنوع والمعايير التمييزية المرتبطة بالزواج والطلاق.  بعض من مطالب هذه الجماعات تكون مشابهة لتلك التي لدى العرقيات القومية، لكن كيميلكا يؤكد ان هذه المسائل شاذة ولا يمكن اعتبارها قاعدة عامة (Kymlicka، 1995، pp. 11-26، 97-99).

     لا تعتبرالعرقيات القومية ‘ثقافة’ ، وحسب وجهة نظر كيميلكا، تعتبر الأمم ثقافة فقط.  يستعمل كيميلكا (Kymlicka، 1995، p. 18)  مصطلح الامة بالتبادل مع مصطلح الثقافة، الافراد والثقافة المجتمعية، فهو يقول “أنا استعمل مصطلح الثقافة على سبيل المثال، كرديف “للامة” أو”الشعب” والتي تُكْوَن مجتمعاً مترابطًا ومتكاملًا مؤساساتيا بنسبة قليلة او كبيرة ، ويقطن في بقعة جغرافية معينة، ويشترك فيه الافراد بلغة وتاريخ مميزين”. 

    من وجهة نظره ، فالعرقيات القوميةً هي تجمعات لها ثقل اجتماعي ، وتكون اقل من الأغلبية.  بالتالي ، فان العرقيات القومية تكون ثقافة مجتمعية عندما يكون عددها اقل من اعداد الأغلبية.  بالنسبة الى كايميلكا (1995، p. 76) فأن الثقافة المجتمعية تكون نوع من وضع اجتماعي يوفر للافراد طرقاً مهمة وذات قيمة في حياتهم العامة والخاصة.  وتكمن أهمية هذه الثقافات المجتمعية بالتحديد ، لانها تعطي الافراد الأرضية التي يستندون عليها وتساعدهم في صنع اختياراتهم.

      بتعبير أدق عن كيميلكا ( 1995، p. 76) نظرا لان الثقافات المجتمعية توفر طرقاً ذات معنى للأفراد في الحياة، فهي أيضاً، توفرالسياق الاجتماعي الذي يحتاجه الافراد من اجل تحقيق اختياراتهم الخاصة بهم (لكي يكونوا مستقلين).  الاساس المنطقي لكيميلكا هنا، هو ان الاستقلالية ممكنة فقط في سياقات إجتماعية معينة وان هذه السياق الاجتماعي يتم اعداده بواسطة الثقافات المجتمعية.

    تشترك الأقليات القومية أو الثقافات المجتمعية في الاغلب ، من وجهة نظر كاميلكا في عدد من الصفات.  أولا، هو أستقرار هذه الاقليات القومية في بلد لفترة طويلة.  فقد استوطنت غالبية تجمعات الايميش “Amish”  على سبيل المثال، في ولاية بانسيلفانيا الامريكية منذ القرن الثامن عشر، نتيجة للاضطهاد الديني الذي تعرضت اليه في أوروبا.  كذلك الامر بالنسبة للسكان الأصليين في أستراليًا، والكثير من مواطني أمريكا الأصليين من “الهنود الحمر”، قد عاشوا في هذه المناطق ولفترات زمنية طويلة. 

    ثانيا، غالباً ما تتركز هذه الجماعات في أماكن محددة، حسب رأي كيميلكا؛ فعلى سبيل المثال، تقع كل من مقاطعتي كيوبك وكاتلونيا في مناطق جغرافية محددة في كندا وأسبانيا على التوالي. ويجتمع ‘السيخ’ في مناطق محددة من الهند ، خاصة في مقاطعة البنجاب. 

    ثالثاً ، توفر المؤسسات والممارسات لهذه الجماعات، طبقاً لكيميلكا بعدا كبيراً للنشاطات الإنسانية ؛ وهذا يعني ان الأمم تتجسد في مؤسساتها الاقتصادية والتعليمية والسياسية المشتركة.  لم تؤسس هذه المؤسسات على معاني وذكريات وقيم مشتركة فقط لكنها تتضمن ممارسات وأجراءات أخرى. بمعنى أخر، تكون الأمم متكاملة من ناحية شمولها على تفاصيل مؤسساتية واسعة والتي تشمل تنوعاً في مجالات الحياة المختلفة وتتمثل ؛ في الحكومات ، والقوانين ، والمدارس وهكذا دواليك. 

    رابعًا ، فأن الصفة الأخيرة التي تشترك فيها هذه الأقليات القومية ، هي نزوعها الى الانفصال التام او الجزئي عن المجتمع الأم في الاغلب.  ترغب هذه المجموعات بأن تكون مستقلة اما بصورة كاملة او بصورة جزئية ، وان تكون لها دولة خاصة بها وتحكم بواسطة قوانينها ومؤسساتها الخاصة.   وبالتالي ، فأن هذه الأقليات القومية لا ترغب بأن تكون جزء من جسد اجتماعي كبير، طبقاً لوجهة نظر كيميلكا ؛ وعوضاً عن ذلك ، فهي ترغب بأن يكون لها نوع محدد من الاستقلالية.  على سبيل المثال ، فأن العديد من سكان مقاطعة كيوبك في كندا ، لديهم الرغبة بأن يكون لهم مؤسساتهم الحكومية الخاصة ، والتي تقاد بالطريقة التي يرغبون بها هم ، مثل المدارس التي تكون فيها اللغة الفرنسية هي اللغة الأساسية في التعليم.  “من الممكن ان نضيف الاكراد في شمال العراق الى هذه المجاميع القومية التي تسعى لان يكون لها بلد خاص بها ، وتحكم من خلال مؤسسات وقوانين تضعها هي لنفسها بعيداً عن البلد الام / المترجم”.

    يرغب الايميش “Amish” ، في كثير من الأحيان بأن يتركوا لحالهم ، وان لا تتدخل الدولة في مسائلهم الداخلية الخاصة ،  وواحدة من المطالب المهمة التي يرغب الايميش في تحقيقها في الولايات المتحدة الامريكية ، هو أن تسقط الدولة عنهم بعض قوانين التعليم التي يخضع لها بقية الأمريكيين ، وهذه القوانين تتعلق تحديدًا بالحد الأدنى من متطلبات محو الأمية.  سوف نعود ثانية لهذه النقطة بعد حين ، لانها ترتبط مع مجموعة أخرى من الأسئلة المعيارية عن ما يمكن للمجموعة وما لا يمكن لها ان تفرض على الاخرين في نفس المجموعة.

    لطرح هذه المشكلة بصورة أخرى ، يرسم كيميلكا لنا تمييزاً بين ممارسات يمكن فرضها والتي تتعلق في (الحماية الخارجية) ،  وممارسات لا يمكن فرضها والتي تتمثل في (المعوقات الداخلية).

    أن الأقليات القومية تنقسم، حسب وجهة نظر كيميلكا، الى أقليات ليبرالية وأخرى غير- ليبرالية.  فالأولى هي التي تكون مطالبها متوافقة مع القيم الليبرالية ، والتي لا تتعارض بأي حال من الأحوال مع حقوق الاخرين.  وتحت هذا العنوان ، يمكن لنا أن نضع الأقليات القومية في كل من مقاطعة كيوبك في كندا ‘الكيوبيكيون’ ، وفي مقاطعة كاتلونيا في الباسك الاسباني ‘الكاتلون’ ؛ وهذه الأقليات القوميةً عادة ما تطالب بحق استخدام لغة مختلفة خاصة بها في المدارس وفي المؤسسات الأخرى ، وهذه ليست بالضروره تتعارض مع أي قيمة ليبرالية.

    الثانية ، فيشير مفهوم الأقليات القومية غير-الليبرالية الىً تلك المجموعات التي ترغب بتأييد القيم غير-الليبرالية ، مثل عقوبة الإعدام للمثليين من كلا الجنسين. 

     

    • المنهج الاقتصادي /العقلاني

    تهدف نظرية الاختيار العقلاني الى توضيح وتوقع السلوك الاجتماعي. يتصرف الافراد طبقًا لوجهة نظرهذا المنهج ‘الاختيار العقلاني’ بدوافع المصلحة الذاتية عندما يأخذون بنظر الأعتبار التفضيلات والمعلومات المتوفرة.  فالمصلحة الذاتيةً تعني هنا ، ان الافراد يرغبون بتعظيم ماهو قيم بالنسبة لهم.  أي، ان السلوك البشري موجه نحو هدف معين.  يكون السلوك البشري موجها نحو هدف معين من خلال التفضيلات المتاحة والتي تعني ، ان الافراد يعملون طبقاً لها.  فأذا فضل الفرد على سبيل المثال ، مشروب الشكولاتا الساخنة على الفانيلا او الفراولة ، وكانت كل الأختيارات متوفرة ، فانه سوف يختار الشكولاته الساخنة ( فبقية الأشياء تبقى متساوية) .

    يذهب أصحاب منهج “الخيار العقلاني” ، الى الاعتقاد ، بأن المعلومات المتوفرة تأثر بقوة في السلوك.  مثلاً، لا يميل  الفرد الى اختيار الشكولاتة الساخنة، إذا أدرك بأنها غير متوفرة.  وهكذا يعمل الافراد طبقاً لمصالحهم الذاتية ، مهما كانت أشكال هذه المصالح ، معلومات او تفضيلات.  عندما تقود التفضيلات فرد معين شراء الشكولاتة الأكثر شهية، وان لدى هذا الفرد معلومات من ان اشهى أنواع الشوكولاتة الساخنة تباع في محل معين ، فأن مصلحة هذا الفرد تحتم عليه الذهاب الى ذلك المحل لشراءها. 

     تتحدد هذه الأفعال وبوضوح بواسطة الاختيارات المتوفرة وبواسطة أفعال الاخرين.  وبناء عليه ، فأذا لم تتوفر الشوكلاتة الساخنة في السوق ، فلن يكون هذا الشخص قادرًا على شراءها ، والخيار غير متوفر بسبب ان موردها قرر ان لا يبيعها.  وبهذا المعنى ، يعتمد الافراد في ظروفهم وفي افعالهم على الاخرين. 

    عندما نضع كل هذه المقدمات في أذهاننا ، فأن التعريف المحتمل  للثقافة من وجهة نظر منهج ‘الاختيار العقلي’ يقدمه لنا لاتن Laitin  (2007، p. 64)، والذي يفيد بأن الثقافة تكون: في توازن مجموعة محددة من الظروف، التي يشترك فيها  جماعة في الأصل المشترك او الممارسات الرمزية او في مستوى عالي من التفاعل ، وبالتالي تصبح هذه المجموعات ، مجموعات ثقافية قادرة على تكييف سلوكها من خلال معتقدات المعرفة المشتركة – حول سلوك جميع أعضاء هذه المجموعة.

    بالتالي ، فأن هنالك أربعة خصائص لمفهوم الثقافة هذا.

     أولاً ، تتمثل في الخاصية التي ترى ان الجماعة الثقافية هي تلك المجموعة التي يشترك افرادها بعدد من الصفات التي تميزهم عن الاخرين – على سبيل المثال ، اللغة او الدين. 

    ثانياً ، تتمثل في الخاصية التي ترى أن كل الافراد في هذه الجماعات  يشتركون بدرجة عالية من المعرفة وما نعني به هنا بالمعرفة المشتركة ، هو ان كل الأعضاء في ثقافة معينة، تبادلوا المعلومات والتوقعات المتبادلة حول أفعال ومعتقدات الأخرين في المجموعة.

      ثالثًا ، تتمثل في الخاصية التي تربط بين وجود حالة التوازن الثقافي وبين وجود الحافز والمصلحة الذاتية للفعل ، شريطة أن يكون هذا الحافز أو المصلحة الذاتية مطابقاً للمعتقدات التي تفرضها عليه اوعليها ثقافته.  يقع هذا التوازن الثقافي ، بصورة أوضح عندما تكون أفعال ومصالح الافراد متوافقة مع عادات وممارسات ثقافاتهم.  هذه العادات والممارسات يمكن ان تكون أي شيء.  يقدم لاتن “Laitin ” مثالاً ثاقباً في هذا الخصوص.  يتمثل في عادة ربط أقدام المرأة الصينية قبل زواجها.  وهذه هي أحدى العادات الصينية القديمة جداً (Laitin 2007) . يوضح هذا المثال، الصعوبة التي كانت تواجهها المرأة الصينية قبل ان تتزوج من رجل ما، إذا لم تنخرط معه في تقليد ربط القدم.  تجبرغالبية العوائل الصينية بناتها في الانخراط  بهذه الممارسة ، ظنناً منها أي ‘العوائل’ ، أن ما تقوم به يتماشى مع ممارسة ثقافة ربط القدمين. 

    رابعاً ، وأخيراً ، فأنه يمكن وصف مجموعة محددة من الظروف بأنها نوع من الحالات التي يكون فيها التفاعل القائم بين الأعضاء، قائم على أساس من التعاون بدلًا من الصراع .  بعبارة أخرى ، يجب أن تكون أفعال الافراد منظمة بطريقة تتطابق مع بعضها البعض أو مكملة لبعضها البعض ، بدلاً من ان تكون في حالة من الصراع.

     

    • منهج مناهضة الأصولية والعالميه.

    تعرضت مفاهيم الثقافة التي ذكرت أعلاه الى اعتراضات قوية من قبل بعض منظري السياسة. وقد وجهت بعض هذه الاعتراضات  نحو مفاهيم السيميائية ، المعيارية والمجتمعية ، وكان والجدال  يدور حول كون هذه المفاهيم ذات ابعاد أصولية لا تصف بشكل دقيق الحقيقة الاجتماعية.  على اية حال ، وكما أشار Festenstein (2005) ، أن هذه الاعتراضات لم تكن في مكانها الصحيح في بعض الأحيان ، وان مفاهيم الثقافة هذه لا تحتاج بالضرورة ان تكون أصولية.

     تميز النظرة الأصولية ، بصورة عامة بين الخصائص الجوهرية والخصائص العرضية التي قد تحتوي عليها الأشياء والمواضيع التي لديهم.  حضورهذه الخصائص العرضية ، ليس ضرورياً لدى كل الاعضاء في الجماعة  المحددة ، وفي الأشياء والمواضيع. 

    يشار الى أن الخصائص الأصولية او الجوهرية هي الخصائص التي تعرف الأشياء والمواضيع ، وهذه الأشياء والمواضيع ، تحتاج بالضرورة الى هذه الخصائص لكي تكون أعضاء في هذه الجماعة.  علاوة على ذلك ، لا يتمتع أعضاء الجماعة الأخرى بهذه الخصائص ؛ وإلا لكانوا هم أيضاً جزء من هذه الجماعة. على سبيل المثال ، فلكي يكون رف المكتبة رفاً ، يجب ان يعمل هذا الرف بطريقة يكون قادراً على حمل الكتب – فهذه هي خاصيته الجوهرية ، وأن كل الخصائص العرضية الأخرى مثل اللون أو شكل لا تتعدى كونها خصائص عرضية لا يمكن ان تغير من ماهية الرف وما يرمز اليه. 

    لا تكون هذه الخصائص ضرورية وكافية فقط لا دخال شيء ما او نوع معين في الجماعة، لكنها تكون ضرورية أيضاً لأبعاد كل شيء وموضوع لا يشترك في هذه الخصائص.  عندما نضع مثل هذه الشيء في الاعتبار، ممكن أن نستنتج حينها، ان الجواهر تعطى من خلال الاختلافات والتشابهات ؛ وان تعريف الموضوع يكون من خلال ما يملكه من تشارك مع المواضيع الأخرى في نفس المجموعة وفي المقابل تمثل صفة او خاصية لا تتمتع بها جماعة أخرى.

     ماذا يعني هذا للثقافة ، انه يعني تحديد المميزات الاجتماعية او الصفات التي تجعل من مجموعة ما كما هي ، والتي من المهم ان يتشارك بها كل الأعضاء ، وتساعد هذه الخصائص وبشكل واضح، على تمييز أعضاء مجموعة ما عن المجموعات الأخرى والتي تستبعد بكل وضوح الاخرين (Young، 2000a. P. 87).

    لكي يصنف الاصولي، على سبيل المثال،  المسلمين على أنهم مسلمين ، عليه تحديد بعض الخصائص ، مثل الممارسات المشتركة والاعتقادات التي يشارك فيها جميع من تنطبق عليهم مواصفات المسلمين.

    وعليه ، فأن تطبيق الأصولية على ثقافة ما تعني ، أن ثقافة معينة تمتلك صفة او صفات يشترك بها الجميع ولا يملكها شخص اخر من خارج الجماعة.  بالتالي ، فأن هوية المجموعة ومن وجهة النظر هذه ، تتركب بواسطة مجموعة من الخصائص او الصفات والتي تعتبر ضرورية لهذه المجموعة المحددة (Young، 2000a). 

    تنطوي هذه النظرية ، من وجهة نظر المعارضين لها على افتراضين خاطئين بخصوص الثقافة.

      أولا ، يبين المعترضون على هذه النظرية ، أن معتنقيها من الأصوليين يشددون بصورة خاطئة على أن الثقافات ترسم بوضوح خطوط تشير الى ان ممارساتها واعتقاداتها لا تتقاطع مع الثقافات الأخرى.   بالتالي، يؤكد الاصوليون بصورة خاطئة على ان الاعتقادات والممارسات تكون حصرية لكل ثقافة ، طبقاً لحجة المعترضين.  تكون هذه النظرية مهمة جداً في الدفاع عن الأصولية ، لانه ومن وجهة نظر الاصولي ؛ فأن المجموعات المختلفة لا يمكن ان تتشارك في الخصائص الجوهرية نفسها ؛ وأن تشاركوا في هذه الخصائص لاصبحوا منتمين لنفس المجموعة.

    ثانيا ، يرى المعترضون على هذه النظرية ، أن الأصوليين يصورون الثقافات خطأ على انها متجانسة داخلياً.  لنضع الامر بشكل مختلف ، يعتبر الاصوليون الافراد الذين ينتمون الى نفس الثقافة ، بأنهم جميعاً يوافقون ويفسرون الممارسات بالطريقة نفسها.  ترتبط أهمية هذه النظرية للاصوليين بحقيقة مفادها ، ان الجماعة يجب ان يكون لديها خاصية او مجموعة من الخصائص المتوقعة في جميع الافراد لكي يكونوا جزء من هذه الجماعة.

    تعرض هذا التصور الاصولي للثقافة للطعن بصورة واسعة النطاق.  وتكمن الحجة الأساسية في هذا الطعن ، فيما تقدمه الأصولية من صورًا نمطية ، ووضعها لتعميمات مسيئة لما تكون عليه الجماعة.   ان ما يمكن قوله بشأن الأصولية وطبقا للمعارضين لها ، انها أي ‘الاصولية’ غير دقيقة في الجانب الوصفي.  يُشكلك المعارضون لهذه الرؤية  من كونها أي النظرية الأولى ، تفتقد للبراهين التجريبية.  ليس هناك من دليل على التفرد في مجال الممارسات والاعتقادات، وفي الحقيقة فأن الأدلة تقترح العكس؛ حيث تستعير الثقافات كل الممارسات والاعتقادات لكي تزيد من مقبوليتها. 

    ليس للثقافات حدود ، وهذا يحسب لحقيقة مفادها ان الثقافة تتغير بأستمرار، وهي تتاثر بعوامل محلية وقومية وعالمية (Phillips، 2007a; 2010).  بالتالي ، فأن رسم حدود واضحة للثقافات بسبب اشتراكهم في العديد من الممارسات والاعتقادات غير ممكن ، طبقاً لوجهة النظر أعلاه.  تمتاز الثقافات بالتقاطع مع بعضها البعض ، لا سيما مع الثقافات المجاورة.  ان التمييز بين الثقافات هو تأكيد مفرط على الحدود بين هذه الثقافات والتي لم يتم تحديدها بوضوح ( Benhabib، 2002; Phillips، 2007a). 

    أما فيما يتعلق بالنظرية الثانية ، فالاعتراض يؤكد على انه من الخطأ القول بأن هناك وحدة داخلية في الجماعة فيما يخص الاحتياجات ، المصالح والاعتقادات.  يكون للاعبين الاجتماعين في الجماعات الثقافية ، عوضاً عن ذلك احتياجات ، ومصالح وتفسيرات مختلفة عن الممارسات والاعتقادات لمجموعات أخرى.  ويرى أصحاب هذه الرؤية ، ان الكثير من القضايا والممارسات والاعتقادات قابلة للنقاش وهي أيضا مفتوحة على تفسيرات مختلفة ، وعليه سيكون لدينا أختلافاً واسعا لمًا يعنيه مصطلح الثقافة( Benhabib، 2002).  

    يؤكد أعداء الأصولية ، على ان هناك العديد من الاستثناءات لتقديم ادعاءات الاصولية. .  وعليه فان هناك العديد من الأمثلة المقابلة لهذا التعميم ( Phillips، 2007a; 2010; Schackar، 2001a).  ونتيجة لذلك، يجادل بعض أعداء الأصولية،  بضرورة استبدال هذه التصنيفات بتصنيفات صغيرة.   ويرى هولاء، بالتالي أن لا يجب ان يكون الحديث عن النساء ، بل حول النساء من الأصول الافريقية ، أو النساء المسلمات المثليات.

    أقترح ، وبناء على هذا الاعتبار ، العديد من المفاهيم المرنة والمختلفة ؛ ومن بين هذه المفاهيم الأكثر شيوعاً ، هو المفهوم العالمي للثقافة ، والذي دافع عنه Waldron.   يرى والدرون أن الثقافات ديناميكية  وهي في حالة خلق مستمرة ومتغيرة (Waldron، 1991).   وتتقاطع هذه الثقافات مع مع بعضها البعض الاخر ، تبعاً لذلك ، مما يجعل الامر مستحيلًا لنسب خصائص حصرية لثقافة واحدة وكذللك للتمييز بين هذه الثقافات.   بعبارة أخرى ، وأستناداً للرؤية هذه ، يكون لدينا مزيج من الثقافات وهذا المزيج ، يسببه التنقل المستمر للافراد بين هذه الثقافات ، ومن خلال استمتاعهم بكل الفرص التي توفرها كل واحدة منها.   بالتالي ، يعيش الافراد في مشهد من الثقافات يستمتعون فيه ومن خلاله يستعيرون كل ممارساتهم (Waldron، 1996).   والسؤال الذي يطرح نفسه، هو ما ادا كان الانتقاد نفسه يتبعه محاولة لتعريف الثقافة ، عندها تكون المحاولة خاطئة.  

     

    أكد بعض أعداء الأصولية ، أمثال (Narayan 1998) ، على ان هذه ليست قضيتنا.   وتؤكد ناريان ، عوضاً عن ذلك ، أن الثقافة يمكن تعريفها، إذا ما اخذ بالاعتبار نقطتين مهمتين.

     الأولى ، تتعلق بكون الثقافات متحركة ومتغيرة بأستمرار ، وبالتالي ، فأن أي تعريف للثقافة يجب ان يأخذ بالحسبان ، كون الثقافات في حالة تغيرمستمر.

    الثانية ، يرى ضرورة أستبدل التصنيفات الواسعة باخرى صغيرة او ضيقة. هذا يعني، أن نستخدم مصطلح ثقافة التوتسي في راوندا ، بدلامن ذلك المصطلح الذي يتحدث عن الثقافة الافريقية.

     

    ٢- مفهوم التعددية الثقافية

     تم تعريف مفهوم التعددية الثقافية ، ضمن الفلسفة السياسية المعاصرة، بطريقتين مختلفتين.  أستخدم مصطلح ‘التعددية الثقافية’ في بعض الأحيان كمفهوم وصفي ؛ واحيان أخرى عرف على انه نوع من سياسة تستجيب للتنوع الثقافي.   سنناقش في الجزء القادم التعددية الثقافية كمفهوم وصفي ، ثم نتبعه بعد ذلك ببعض الإيضاحات فيما يتعلق بأستخدام مصطلح ‘التعددية الثقافية ‘ كسياسة.

     

    • التعددية الثقافية كمفهوم وصفي للمجتمع

    أستخدم مصطلح ‘التعددية الثقافية ‘ في بعض الأحيان لوصف حالة المجتمع ؛ ولاكون اكثر وضوحاً ، استخدم هذا المصطلح لوصف المجتمع عندما تكون هناك ثقافات مختلفة ومتعايشة.  تتنوع الثقافات في العديد من دول العالم.  كندا هنا كمثال، حيث يحتوي هذا البلد، على ثقافات متنوعة ، مثل الكنديون ذوالأصول الإنكليزية ، مقاطعة كيوبك، والمواطنون الامريكيون الاصليون ، الايميش ، الهوتريتس ، والمهاجرون الصينيون.

    تعتبر الصين هي الأخرى ، بلد متعدد الثقافات.  وتحتوي الصين المعاصرة على ما يقرب من ستة وخمسين مجموعة عرقية منتظمة بشكل رسمي  وخمسة وخمسين من هذه المجموعات ، تعتبر أقليات عرقية والتي تكون ما نسبته ٨.٤١ بالمائة من نسبة السكان الكلية للصين.  تعتبر “الهان” المجموعة الاثنية الكبرى بين كل المجموعات العرقية الاخرى، حيث تشكل الأغلبية من سكان الصين.  (Han، 2013; He، 2006).

    تتنوع المجتمعات من خلال عدة طرق ، فعلى سبيل المثال ، يرى گور ، أن الثقافة يمكن ان تأتي بصور مختلفة (Gurr، 1993 p. 3).   واحد من اهم الطرق التي يصبح من خلالها البلد مختلفًا ثقافيًا ، هي وجود مجموعات دينية مختلفة ، مجموعات تتحدث بلغات مختلفة ، مجموعات تعرف نفسها بواسطة المنطقة الجغرافية التي تقطن فيها ومجموعات عرقية مختلفة.  

    يمثل الاختلاف الديني احدى الظواهرالواسعة الانتشار في العديد من بلدان العالم.  ربما تكون الهند مثال واضح في هذا المجال ، حيث تحتوي الهند في مكوناتها على ، الهنود السيخ ، والهندوس ، والبوذيون.

    تعطينا الولايات المتحدة الامريكية مثال أخرعلى هذه التعددية الثقافية الدينية ، حيث يوجد المورمن ، الايميش ، الهوترتيس ، الكاثوليك، اليهود، وهكذا دواليك.  تختلف هذه المجموعات عن بعضها البعض من خلال عناصر متنوعة ، منها ما يتعلق بالعبادة ، الاعياد الوطنية ، الاحتفالات الدينية وتلك التي تتعلق بالملابس.

    التنوع اللغوي هو الاخر واسع الانتشار.  في القرن الحالي ، هناك اكثر من مائتي بلد ، وما يقارب على ستة ألاف لغة محكية (Laitin، 2007).   ينتج التنوع اللغوي من نوعين من المجموعات.  

    المجموعة الأولى ، تنتج عن طريق هجرة الافراد الى بلدان أخرى تكون اللغة المستخدمة فيها غير تلك التي يتحدثون بها (Kymlicka، 1995).  تشمل هذه الحالة المهاجرون للولايات المتحدة الامريكية من بورتوريكو وكوبا ؛ وكذلك هي الحال بالنسبة لليوكرانيين في البرتغال.

     

      المجموعية الثانية ، تنتج من وجود الأقليات القومية.

      وتعرف الأقليات القومية، على أنها تلك المجموعات البشرية التي استوطنت بلد ما لفترة زمنية طويلة ، لكنها لا تشترك مع أغلبية سكان ذلك البلد في استخدام لغة الأغلبية.  بعض الأمثلة على ذلك، مقاطعة كيوبك في كندا ، مقاطعة كاتلونيا في اسبانيا ، ومقاطعة اليوغر في الصين.   تتمركز هذه الجماعات اللغوية عادة في بقع جغرافية محددة ، والاقليات التي تقع ضمن هذا التصنيف عادة ما تطلب نسبة استقلال كبيرة  في تلك البلدان.   ترى هذه الأقليات ، أنها تمتلك قوة أقليمية تؤهلها لحكم ذاتي خاص بها،  “كما هو الحال عند الاكراد في شمال العراق”/المترجم”

    المجموعة الثالثة، تنشأ من موقع إقليمي مميز. لكن هذا الموقع الاقليمي، لا يعني بالضرورة ، ان أعضاء الثقافات المميزة  مختلفين، في الحقيقة.   فليس من الضروري ان تكون العادات والتقاليد مختلفة بشكل كبير.   تعتبر هذه الجماعات المعينة نفسها مختلفة عن الاخرين لسبب يتعلق بالموقع الجغرافي المحدد الذي تتواجد فيه.  

    ربما، ، هذا ما يميز الإسكتلنديين عن الأنجليز في المملكة المتحدة ، على الرغم من وجود بعض الاختلافات التاريخية بين الاسكتلنديين والانجليز ، واذا افترضنا ان هاتين المجموعتين ليس لديهما سوى القليل للتمييز بينهما بخلاف الموقع الجغرافي ، فأنهما يناسبان المجموعة الثالثة.    

    كما أوضحنا أعلاه، فأن هذه الاختلافات هي معيارية بالاصل، وفي الجانب العملي، تصنف هذه الجماعات الثقافية بواسطة اشكال متنوعة وليس بواسطة شكل واحد.

    المجموعة الرابعة ، ترتبط بالعرق.  والأعراق جماعات تكون خصائصها الطبيعية مشبعة بالاهمية الاجتماعية.   يتركب مفهموم العرق اجتماعيًا من خلال إضفاء الفرد او الافراد أهمية كبيرة على مجموعة من الصفات الظاهرة على الشكل الطبيعي للفرد او الافراد ، مثل لون الجلد ، لون العيون ، لون الشعر ، العظام / شكل الفك وهكذا دواليك. 

    وجود الصفات الطبيعية المختلفة ، على اية حال ، لا تعني ان هناك بيئة إجتماعية ذات ثقافات مختلفة.  أن مسألة تقرير السويد  كدولة متعددة ثقافيا، على سبيل المثال، بسبب وجود سويديون لهم عيون زرق واخرين لهم عيون خضر ، مسألة فيها بحث ولا يمكن إقرارها.   تخلق الصفات الطبيعية ، بيئةً متنوعة فقط عندما تعني هذه الصفات الطبيعية ان هذه الجماعات، تتطابق وبقوة مع صفاتها الطبيعية وعندما ينظر الى هذه الصفات الطبيعية من ناحية اجتماعية تمييزا لهم عن بقية الافراد. 

    فكرة الهوية المشتركة، مبالغ فيها كما تقترح حجة والدرون Waldron .   على الرغم من وجود فكرة ثقافة للاقلية الملونة ‘السود من أصول أفريقية’  في الولايات المتحدة الامريكية ، الا ان Appiah (1996) ، يرفض فكرة من هذا النوع ، لانه وبحسب رأيه ، لا وجود لفكرة الهوية المشتركة بين السود في الولايات المتحدة الامريكية. 

     

    تعتبر جماعات “التوتسي والهوتوس” في راوندا ، أمثلة على اعتبار الاختلافات الطبيعية ، لها اثر اجتماعي كبير تساعد من خلاله على تكوين بيئة ثقافية متعددة.  حيث تتشابه هذه القبائل بشكل عام في صفات معينة منها، أستخدامها  لنفس اللغة، العيش في نفس المنطقة الجغرافية والأشتراك في نفس العادات والتقاليد.

    يكون ‘التوتسي’ ، على أية جال، أطول وأضعف بالغالب الأعم من الهوتوس.  ان الأهمية الاجتماعية المعطاة لهذه الاختلافات الطبيعية ، تكون مهمة لافراد المجموعتين على حد سواء ، وبشكل عام ، لتحديد الأعضاء في مجموعة او أخرى ، ويتبع ذلك معارضة كل منها الاخر.

    من الواضح، ان أتحاد الجماعات لا يكون ممكنا في أغلب الأحيان  ، من خلال الاختلاف اللغوي فقط ، والتمركز في بقعة جغرافية محددة أو من خلال الاختلاف الديني.  أن العديد من هذه المجموعات في حقيقة الأمر، ربما لها صفة واحدة أو أكثر مما ذكرنا أعلاه.  لنأخذ على سبيل المثال السيخ في الهند ، فألى جانب أختلافهم الديني عن الاخرين ، هم أيضاً ومن ناحية عامة يصنفون من خلال منطقتهم الجغرافية  في مقاطعة البنجاب في الهند.  يتبع اليوغر في الصين، كمثال أخر الديانة الإسلامية ، ولهم لغتهم الخاصة ويقطنون في منطقة جغرافية محددة في مقاطعة  شن چنك.  يكون التصنيف ، بالتالي ، عاملاً مساعدا في فهم صفات كل مجموعة ، لكن هذا لا يعني ان هذه المجموعات تعرف ببساطة بواسطة هذه الصفات.

     

    • التعددية الثقافية كسياسة.

    يمكن استخدام مصطلح ‘التعددية الثقافية’ أيضا للدلالة على ‘سياسة’.   وتمتاز هذه السياسة بصفتين:

     

    الأولى ، تهدف الى تلبية المطالب المختلفة للجماعات الثقافية.  هذا النوع من السياسة يشير الى التحديات المعيارية المختلفة (النزاع العرقي ، التعصب الداخلي السيئ، الاستقلال الفيدرالي ، وهكذا دواليك) والذي ينشأ نتيجة للتنوع الثقافي.  ترمي هذه السياسات ، على سبيل المثال ، الى معالجة التحديات المعيارية المختلفة والتي تنشأ من وجود هذه الأقليات ، مثل كيوبيكيوس،  والذين يرغبون في امتلاك مؤسسات خاصة بهم ، وبلغة تختلف عن تلك التي يتحدث بها بقية الكنديون. 

    تكون سياسات أعادة التوزيع ، على النقيض تماماً من سياسات التعددية الثقافية والتي لا تعبر بالدرجة الأساس عن عدالة أعادة التوزيع ، ولكنها تشير ربما الى من يحصل على هذه الوسائل ، وربما تشير  التعددية الثقافية أيضا الى مسألة إعادة التوزيع بصورة عرضية (Fraser، 2001). 

    تهدف سياسات التعددية الثقافية ، الى إعادة تصحيح كل المساؤى التي يكون الافراد ضحية لها ، والتي تنتج من الهويات الثقافية لهولاء الافراد.  ربما تهدف هذه السياسات، على سبيل المثال، الى تصحيح المساؤى الناتجة من كون الافراد ينتمون الى مجموعات معينة.  ربما يعطينا وضع بعض المسلمين، في بعض الدول الغربية حيث سيادة المسيحية بعض الوضوح لمشاكل المسلمين الذين يعيشون في هذه بلدان ويطالبون بمناسبات عامة  تختلف عن تلك التي يمارسها اغلبية سكان ذلك البلد ، مثل عيد الفطر.

    يكون أختلاف الافراد ، طبقا الى وجهة نظرالاستيعاب هذه ، مقبولًا ، لكن الهدف الأخير او النهائي لهذه السياسات هو جعل الاقلية جزء من الأغلبية ، وان تكون مقبولة من قبل الأغلبية ، وإيجاد نوع من التوازن بين هذه الثقافات المختلفة بدرجة ما. 

     

    تعترف التعددية الثقافية ، على النقيض ، ان الافراد لهم طرق مختلفة في الحياة ، وبصورة عامة ، لا يجب على الدولة ان تستوعب هذه الجماعات، لكن من الممكن لها ان توفر الأدوات لهم في سعيهم للوصول الى حياتهم الثقافية الخاصة.  أي ان الهدف النهائي للسياسات هنا، من وجهة نظر أصحاب نظرية التعددية الثقافية ، ليس بتوحيد الهدف النهائي للسياسات وليس بتوحيد الاشكال الثقافية ؛ لكن الهدف ، يكون عوضاً عن ذلك هو في السماح للجماعات وإعطاءها الوسائل لمتابعة اختلافاتهم.

    كانت هناك موجتين من الكتابة في التعددية الثقافية ، في سياق النظرية السياسية الليبرالية المعاصرة، طبقا لوجهة نظر كيميلكا (Kymlicka، 1999a).  تركز النقاش في الاولى طبقا لكيميلكا، حول ما يجب ان تكون عليه هذه السياسات ، وما يجب القيام به لحماية ثقافة الأقليات.

    ناقش فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة ، في الموجة الأولى ، أنواع اللا -مساواة والتي تظهر بين الأغلبيات والأقليات ، وكيفية طرحها.  لقد دار النقاش، بعبارة أخرى، حول نوع هذه الأختلافات بين الجماعات، وما يمكن ان تقوم به الدولة بهذا الشأن. 

    أتخذ فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة الذين كتبوا في هذا الموضوع ، بشكل عام ، موقفين مختلفين.  دافع بعض فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة ، من جانب ، عن أمكانية غض الطرف من قبل مؤسسات الدولة عن هذه الاختلافات، ويجب ان يتمتع الافراد بمجموعة موحدة من الحقوق والحريات.  يرى أصحاب وجهات النظرهذه ، ان التنوع الثقافي ، الحرية الدينية وهكذا دواليك، محميان بما فيه الكفاية بواسطة هذه الحقوق والحريات ، لا سيما بواسطة حرية الارتباط والوعي.

    يؤكد أولئك الذين يعارضون مسألة أدخال الجماعات الموحدة في الحقوق والحريات على قاعدة العضوية في الجماعة ، أي جماعة ، من انها ترتكز على سياسة تمييزية غير أخلاقية، تخلق تراتبية في المواطنة تكون غير عادلة وغير مرغوب فيها (Kymlicja، 1999a pp. 112-113). 

    تكون مشاركة الدولة ، بالتالي ، ومن وجهة نظر فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة ، غير ذات جدوى في تكوين الشخصية الثقافية في المجتمع.

    وقد عارض فلاسفة أخرون ، على الجانب الاخر ، هذه الرؤية في هذه القضية.  تعاطف بعض فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة ، على سبيل المثال مع فكرة ادخال الحقوق للمجموعات عن بعض السياسات الحساسة والمختلفة. 

    فقد أشار كيميلكا (1999a، p. 112) ، من ان هولاء الفلاسفة حاولوا اظهار قواعد الاختلافات الحساسة على انها ليست متوارثة في عدم عدالتها.  وقد احتج هولاء الفلاسفة ، بشكل عام على نظام الاختلافات الحساسة وكونها ليست بالضرورة تتطلب او تحتوي على نظام تراتبي للمواطنة او على ممارسات غير عادلة لبعض المجموعات. وقد احتج هولاء ، عوضاً عن ذلك ، على ان سياسات الاختلاف الحساسة تقود الى عملية تصحيح لكل مسائل  اللا-مساواة وانعدام الفرص في المجموعات في سوق الثقافة.

    اقترح هولاء الذين دافعوا عن الحقوق الخاصة لهذه المجموعات ، مجموعة مختلفة من السياسات.

    أظهر ليفي في كتابه ، “التعددية الثقافية للخوف”، Levy (2000، p. 125-16) ، بصورة منتظمة أنواع سياسات الاختلافات الحساسة والتي تم شرحها في كتابات متعددة.   يمكن ان تنقسم ، وطبقاً له ، سياسات الاختلافات الحساسة الى ثمانية أصناف: الإعفاءات ، المساعدة ، المطالبات الرمزية ، الاعتراف/والتطبيق ، التمثيل الخاص ، الحكم الذاتي ، القوانين الخارجية والقوانين الداخلية.

     

     تكون الاعفاءات من القوانين ، حقوق تستند الى ما يطلق عليه بالحرية السلبية لعدم تدخل الدولة في قضايا خاصة ، والتي يمكن ان تسبب في وجود ثقل كبير على جماعات معينة.  تحدث الإعفاءات من القانون بعبارة أخرى، عندما تمتنع الدولة عن التدخل مع او الزام مجموعة معينة والتي ترغب في ممارسة بعض الأشياء لكي ترفع عنها مثل هذه الاحمال أو القيود.   يمكن أن تكون هذه الإعفاءات أيضاً تحديدات لحرية الشخص لفرض بعض التكاليف على مجموعة أخرى.

     

    تخيل ان هناك قانون عام ، يقر ان الشركات الكبيرة تمتلك الحق لتطبيق قانون الزي الموحد على موظيفها.   من الممكن جداً أن يشكل هذا القانون، عبأ على تلك المجموعات التي ترتدي ازياءها ضمن صيغة معينة ( والتي تكون مختلفة عما تطلبه الشركة) ، الوضع هنا يشكل قيمة مختلفة.  

     

    يمثل أرتداء الأزياء في صيغة معينة ، على سبيل المثال ، أمرا مهما للكثير من رجال السيخ وللنساء المسلمات، على التوالي، والحديث هنا عن العمامة التي يضعها السيخي فوق رأسه والحجاب الذي تضعه المرأة المسلمة فوق رأسها هي الأخرى.  تكون المطالبة بالاعفاءات هنا امر ضروري جدا ، وممكن ان توفر للافراد خيارات متعددة في إيجاد عمل مختلف او رفض قانون الزي في العمل ؛ اخذين بالاعتبار ما يمثله الملبس للرجال السيخ وللنساء المسلمات من مسؤولية كبيرة تختلف عن تلك التي يراها الغربيون، والتي يمكن ان تؤثر على هوياتهم ، والاعفاءات ربما تكون مبررة هنا (Levy، 2000، pp. 128-133).  بالتالي ، هذه المجموعات ربما تكون قادرة على الانخراط في بعض الممارسات التي تكون غير متاحة لغالبية المواطنين في ذلك المجتمع.

     

    تهدف حقوق المساعدة ، على مساندة الافراد في التغلب على كل العراقيل التي يمكن ان يواجهوها في جماعات معينة،  حيث تعمل حقوق المساعدة هذه، بعبارة أخرى على تصحيح الحرمان الذي خبرته بعض الجماعات ، نتيجة كونهم أعضاء في هذا المجاميع ، عندما تقارن بالأغلبية.   مساعدة الافراد هنا، ربما تبرر، في عملية سعيهم للوصول الى أهدافهم من خلال استخدام تمييز إيجابي لمساعدة هولاء في طرق مختلفة.

     

    تعتبر حقوق اللغة ، مثالًا لهذه الطريقة.  لنفترض ان بعض الافراد في كاتلونيا لا يتحدثون اللغة الأسبانية فتكون مسألة تواجد افراد يتحدثون هذه اللغة في المؤسسات الاسبانية الكاتلونية العامة ، عاملاً مساعداً في هذا الصدد، حتى يستطيع هولاء من تقديم خدمة للناس في كلتا الحالتين ، الأغلبية والأقلية. 

     

    منح المساعدات ، ربما يكون مثالا اخرا في عملية مساعدة الجماعات للحفاظ على ترابطهم من خلال الاحتفاظ بممارساتهم واعتقاداتهم ، من خلال مساعدة أعضاء هذه الأقليات في المشاركة في المؤسسات العامة كمواطنين أساسيين.  تكون غالبية هذه الممارسات وقتية ، لكن لا يجب ان تكون بقية الممارسات كذلك ( كحقوق اللغة ، على سبيل المثال ، والتي لا تكون في الأغلب وقتية) (Levy، 2000 pp. 133-137). 

     

    تشير المطالبات الرمزية الى المشاكل التي لا تؤثر على حياة الافراد بصورة مباشرة او بصورة جدية ، لكنها ممكن ان تجعل العلاقات بين الافراد من مجموعات مختلفة افضل بكثير.  ففي بلد تتعدد فيه الثقافات ، والديانات ، والعرقيات وطرق الحياة المختلفة ، ربما لا يكون من الحكمة ان توجد رموز معينة تمثل ثقافة محددة.

     

    تعرف المطالبات الرمزية على انها تلك التي ، تطالب على أرضية من المساواة ، أشراك الجميع في ثقافة ذلك البلد ومن خلال كل رموزه.   تضمين السيخ ، الكاثوليك ، المسلمون ، البروتستانت ، ويلز ، أيرلندا الشمالية ، أسكتلندا ، والرموز الإنكليزية الأخرى في كل من العلم الانكليزي والنشيد الوطني، مثال على ذلك.  يمكن أعتبار عدم دمج رموز الأقليات هنا، على أنه نوع من قلة الاحترام والمعاملة غير المتساوية لهذه الأقليات.  

     

    يكون الاعتراف مطلباً لاندماج قانون معين او ممارسة ثقافية معينة في مجتمع أوسع. اذا أحتاج الافراد دمج قانون معين ، فأنه يمكن لهم المطلبة في جعل هذا القانون جزء من نظام قانوني واسع.   ربما يصبح قانون الشريعة الإسلامية، بالتالي، جزء من قانون الطلاق للمسلمين ، بينما يمكن لقانون الافراد الأصليين في استراليا ان يسير بالتوازي مع قانون الملكية الاسترالية. 

     

    ويمكن ان تستخدم مثل هذه القوانين أيضا لادخال جماعات معينة في كتب التاريخ والتي تستخدم في المدارس – على سبيل المثال ، أدخال المهاجرين الهنود والباكستانيين في مقررات كتب التاريخ في المدارس الإنكليزية.  يشكل الفشل في دمج هذا القانون سوف عبأ كبيراً على الهويات الفردية.  يشكل قانون العائلة بالنسبة للمسلمين ، أهمية كبيرة في تحديد هوياتهم ، لذلك يشكل اجبارهم بألتزام القانون الغربي في مسألة الطلاق عبأ كبيراً عليهم.  كذلك الامر بالنسبة للسكان المحليين في أستراليا ، فكون الصيد مهم جداً في حياتهم ، فأن مسألة أمتلاك شخص اخر من خارج هذه الجماعات لأراضيهم يمكن ان يؤدي الى التأثير على ثقافة هذه المجموعات من السكان الأصليين.  

     

    توضع حقوق التمثيل الخاصة لحماية المجموعات التي تعرضت منهجياً لقلة التمثيل والحرمان في المجتمعات الكبيرة.  ربما تكون مجموعات الأقليات اقل تمثيلاً في المؤسسات المجتمعية ، ولاجل وضعهم في مواقع متساوية مع الاخرين ، من المهم جدا تقديم حقوق خاصة لهم.  تعمل هذه الحقوق ، بالتالي ، على حماية مصالح الافراد في شكل متساوي بواسطة تأكيد بعض الأشياء الخاصة او منع التمييز.  أحدى الوسائل المهمة للوصول الى هذا الحل ، يتمثل بزيادة عدد الأصوات الممثلة لهذه الأقليات في البرلمانات( Kymlicka، 1985، pp. 131-52; Levy، 2000، pp. 150-54). 

     

    تحصل الأقليات القومية على حقوق الحكم الذاتي  (على سبيل المثال ، هنود بيبلو وكذلك كيوبيكيوس) والتي تطالب في الاغلب بنوع من الاستقلال وحكم ذاتي.   يتطلب هذا الامر، في بعض الأحيان سيطرة حصرية على بعض الأراضي او بعض المناطق الجغرافية. 

     

    يكمن السبب وراء سعي بعض المجموعات خلف هذه الحقوق ، هو ان نوع الاستقلال الذي يعطى لهم يشكل عاملاً مهما في تطوير الافراد لثقافاتهم ، والتي تكون في مصلحة بقية أعضاء هذه الثقافة.  أن وجود نظام تعليمي خاص ، وحقوق تتعلق باللغة أو السيطرة القانونية على منطقة معينة، على وجه الدقة، ربما تكون متطلبات ضرورية لغرض أستمرار وأزدهار ثقافة معينة ولافراد هذه الثقافة على حد سواء.  تتماشى هذه مع كل من الحرية والمساواة ؛ فهي تتماشى مع الحرية لانها تتيح للافراد منفذا لثقافاتهم وتساعدهم في تحقيق خياراتهم ؛ وهي متوازية مع مبدأ المساواة لانها تضع الافراد على قدم المساواة من ناحية النفوذ الى الثقافة ( Kymlicka، 1995، pp. 27-30; Levy، 2000، pp. 137-138). 

     

    ما يصنفه Levy  على انه قوانين خارجية، يمكن أعتبارها على أنواع لحقوق  الأستقلال الحكم الذاتي. 

    و تستدعي هذه تحديد او تقييد حريات الاخرين لكي يحافظ على ثقافة معينة.  يوظف السكان الأصليون في استراليا، بالتالي، عوامل حماية خارجية لحماية أراضيهم.   فتكون حرية التنقل ، على سبيل المثال  محدودة للغرباء الذين ينتشرون حول المناطق التي يقطنها السكان الأصليين ؛ ابعد من ذلك ، لا يحق لهولاء الغرباء  شراء أراضي السكان الأصليين.  ان مطالب الجماعات بوجود قواعد داخلية، يكون الهدف منها تحديد سلوك الافراد ضمن الجماعة.  ان وصم الافراد، نبذهم او طردهم من الجماعات لانهم لم يلتزموا بالقواعد، هو ما نعنيه عادة بالقواعد الداخلية.   بالتالي، هذه هي السلطة التي تمنح لجماعات تتعامل مع اعضاءها بطريقة غير مقبولة لبقية افراد المجتمع. على سبيل المثال، زواج فرد معين من فرد اخر من جماعة اخرى، ربما يؤدي الى طرده من الجماعة التي ينتمي اليها.   حالة اخرى، هي حالة الايميش الذين يريدون سحب اطفالهم من المدرسة في وقت ابكر من بقية المجتمع.  تنطبق القيود على الحرية هنا، بالنقيض من القواعد الخارجية، على أعضاء الجماعة وليس على الغرباء.  أن توافق القواعد الداخلية مع قيم الليبرالية ام لا، يبقى امر مثيرا للجدل.   يؤكد كيميلكا من جانب، على ان هذه القواعد لا تتوافق مع القيم الليبرالية، بينما يجادل فلاسفة مثل كوكاثس، من جانب اخر، بان الليبراليين ملتزمون بالتسامح، وبالتالي، يجب عليهم قبول بعض القيود الداخلية.      

    • المواطنة متعددة الثقافات

    تتمثل فلسفة الكتاب ، الذين دافعوا ، بشكل عام عن مفهوم ‘المواطنة متعددة الثقافات’ ، في خمس نقاط مشتركة:

    النقطة الأولى ، تتمثل في أحتجاجهم ، على أمتلاك الدولة لحق دعم القوانين التي تحمي النظام الأساسي ، والحقوق السياسية والمدنية للمواطنيين.

     

    النقطة الثانية ، يجادل هولاء الفلاسفة في ضرورة مشاركة الدولة في بناء عناصر الثقافة المجتمعية ، وعليه يجب ان تنصب قوانينها وسياساتها على حماية الثقافة. 

     

    النقطة الثالثة ، يحتج هولاء الفلاسفة من ان الثقافة لها صفةً معيارية ، يتبع ذلك بالضرورة ، وهذا هو البعد الرابع ، من ان مصالح الافراد في الثقافة تكون قوية جداً وكافية ولهذا فهي تحتاج لدعم من الدولة.

     

      النقطة الخامسة ، تتمثل في دفاعهم جميعما عن الاختلافات الحساسة / سياسات المواطنة المتعددة الثقافة لحماية الثقافة.  بعض الفلاسفة الذين دافعوا عن هذه الرؤية ‘المواطنة المتعددة الثقافة’ هم Taylor ، Kymlicka and Shachar  (تايلور ، كاميلكا وشاكر) .

     

     

    • سياسة تايلور للاعتراف

    يرى تايلور ، أن هناك شكلان من الاعتراف ؛  الاعتراف الحميم ، والاعتراف العام.   Taylor ( 1994b، p. 37)  ويناقش في الأساس فكرة الاعتراف العلني او فكرة الاعتراف في المجال العام.  

    هل يدورهذا النوع من الاعتراف حول الاحترام والثقة في هوية الشخص في المجال العام ؛ لأن عدم الاعتراف بالفرد في المجال العام ، تعني عدم الاعتراف بهويته لدرجة تجعل منه مواطنا من الدرجة الثانية. 

    أن عدم الأعتراف بالطريقة هذه ، يولد عنه فقدان الفرد للفرص المتساوية من ناحية حصوله على المواطنة الكاملة والتي لها دور في هوية الفرد.  بالتالي ، فان عدم الاعتراف بالشخص ، في المجال العام ينتج من العيب القانوني الناتج من هوية الفرد.  

    أن حصول الفرد على الاحترام والثقة في المجال العام يعني حصوله على حقوق المواطنة والتي لا تحرم الفرد من هويته.  فيكون عدم الأعتراف، من وجهة نظر تايلور، بالنهاية شكل من اشكال الاضطهاد وربما يساعد في خلق صورا من الكره الذاتي لدى هولاء الذين يتعرضون لمثل هذا التجاهل او عدم الاعتراف. 

     

    يضع تايلور لنا تمييزاً بين الأشكال الليبرالية الإجرائية وتلك الاشكال الليبرالية غير الإجرائية من اجل ان نناقش الطريقة المثلى لتحقيق الاعتراف في المجال في العام.  يؤكد تايلور، وطبقاً للرؤية الاجرائية الليبرالية ، أن المجتمع العادل هو الذي يرى كل الافراد يتمتعون بمجموعة موحدة من الحقوق والحريات  وان وجود حقوق مختلفة لإفراد مختلفون ، يخلق تمييزات بين مواطني الدرجة الأولى وأولئك الذين يكونون من الدرجة الثانية:  تلتزم هذه الليبرالية فقط بحقوق الافراد وترفض فكرة الحقوق الجمعية

      لا يجب أن تدخل الدولة ، طبقاً لهذه الرؤيةً الليبرالية ، في بناء الصفة الثقافية للمجتمع وان إجراءات هذا المجتمع يجب ان تكون مستقلة عن أي مجموعة معينة للقيم والتي يحملها مواطنوا هذه الدولة، بمعنى اخر ، يجب ان تكون الدولة حيادية ومستقلة في أي مفهوم للحياة الجيدة.

     

    لا تكون الإجراءات الليبرالية ، من وجهة نظر تايلور ( 1994b، p. 60) ، صديقة للاختلافات وهي غير قادرة على ان تستوعب ثقافات مختلفة.  يعتقد تايلور أن الاهداف الجمعية في بعض القضايا ،تحتاج للدعم من اجل ان تتحقق. 

     

    تحتاج المجتمعات الثقافية ، في بعض الأحيان ان تكون لها قوة أو سيطرة على بعض المناطق حتى تستطيع  الترويج لثقافاتها ؛ وهذا الشيء ، لا يمكن أن تقدمه الإجراءات الليبرالية ، طبقًا لتايلور.  يرى ان  الاعتراف شيء مهم ، ويجب رفض الليبرالية التي لا تكون صديقةً للاختلافات ؛ ويرى على خلاف ذلك ايضا ، ان الليبرالية غير الإجرائية التي تشارك في الصفة الثقافية في المجتمع بالطريقة التي تؤدي الى تقوية التنوع الثقافي غير المعادي للاختلاف، هي نوع الليبرالية التي يجب ان نشجع. لا تكون الليبرالية غير الأجرائية، طبقا لوجهة نظر تايلور، محايدة بين طرق الحياة المختلفة وهي مؤسسة في حكم ماهية الحياة الجيدة.  يأخذ هذا النوع من الليبرالية بالأعتبار، طبقا لتايلور، الأختلافات بين المجموعات والافراد، وهذه بدورها أذا ما أخذت بعين الأعتبار، تخلق بيئة ملائمة لأزدهار الثقافات المختلفة.  أن الانخراط في السياسات التي تشجع الثقافة، حسب رأي تايلور، مهمة جدا، لأن المجموعات الثقافية تستحق الحماية، لكونها توفر لأعضائها القواعد الأساسية لهوياتهم.  أن اللغة الثقافية توفر الأطار العام للسؤال عن ماهية الفرد.    

    يعتقد تايلور ان الهوية تتأثر بقوة  من خلال الثقافة؛ ونتيجة لذلك، يكون لدينا أطر أخلاقية وأجتماعية تعطى بواسطة اللغة في ثقافة الشخص التي يحتاجها الافراد معنى في حياتهم.  أن الالتزام في تشجيع الاختلاف، من وجهة نظر تايلور، يكون مقبولًا فقط، أذا كانت الخطوات المتبعة في تشجيع هذا الاختلاف متوافقة مع الحقوق الأساسية.  يشير تايلور هنا بالتحديد الى حقوق العيش، الحرية، الأجراءات القانونية، حرية الرأي وحرية الممارسات الدينية. 

     

     يرى تايلور ، أن الليبرالية غير الإجرائية لها اثار على السياسة العامة.  انها تعني وجود قوة غير مركزية لكي تزدهر المجتمعات.  يعتمد التطبيق العملي ، لهذه القوى اللا- مركزية والليبرالية غير- الإجرائية على السياق ؛ ففي الدول التي تضم مجموعات مختلفة من الأقليات، ربما يترتب على ذلك بعض الأثار.

     

    كتب تايلور كثيراً في السياق الكندي، وهو يعتقد ان الفيدرالية هي افضل طريقة.  ويرى، يجب أعطاء  مقاطعة كيوبك حكما ذاتيا، حتى يكون لها سلطة على مجموعة محددة من السياسات.  يؤكد تايلور، على أن سيطرتها يجب أن تشمل الادب، الاقتصاد ، العمل ، الاتصالات ، الزراعة ، وكذلك الصيد. 

     

    يرى تايلور ، في موضوعة اللغة بالتحديد، يمكن تبرير التجاوز على بعض القيم الليبرالية مثل حق التعبير ، وفي بعض الحالات، لاجل الحفاظ على لغة المجتمع.  يمكن للحكومة الكندية، على سبيل المثال،  ان تحدد أستخدام اللغة الإنكليزية في مقاطعة كيوبك في كندا ، من أجل تشجيع استخدام اللغة الفرنسية. 

     

    يرى تايلور ، أنه من المهم جداً ، أن ندرك، بأن الفيدرالية ليست بالضرورة اثر لليبرالية غير الإجرائية.  ليست الفيدرالية في صلب فكرة الاعتراف ؛ عوضاً عن ذلك ، الفيدرالية هي نوع من النظام الذي يعتبره تايلور خيار مناسب في السياق الكندي ، والتي لا تعني انها ستكون خيار مناسب في سياقات أخرى.

     

    • الليبرالية المتعددة الثقافات عند كاميلكا

    يعتقد كيميلكا ، ان حقوق الجماعات متوافقة وتشجع قيم الليبرالية في الحرية والمساواة.  يقدم كيميلكا احتاجاً يربط من خلاله الحرية والمساواة ببقية حقوق الجماعات.   الحجة التي تؤسس على الحرية ترتبط بقوة بفكرته في الثقافة المجتمعية.  يرى كيميلكا ، (1995، p. 80) أن الثقافة المجتمعية تروج للحرية.  وان السبب الكامن ، حسب رأيه وراء أهمية عوامل الثقافة المجتمعية في الترويج للحرية هي ان هذه العوامل توفر للافراد الأرضية المناسبة لتحقيق اختياراتهم. 

     

    توفر الثقافات المجتمعية الأطر والمعاني المهمة للحياة وهي توفر الظروف الاجتماعية التي تكون مهمة جدا في عملية صنع الافراد لخياراتهم المستقلة أيضاً ، طبقاً لوجهة نظر تايلور.   يكون الاستقلال ممكنا بدوره ، فقط عندما تكون هذه الظروف الاجتماعية هي ظروف الثقافات المجتمعية للأفراد.  أن حجة كيميلكا القائلة بوجوب حماية الثقافات المجتمعية، لانها تشجع القيم الليبرالية بالاستقلال، وأن هذا التشجيع ناتج من أعطاء هذه القيم سياق للأختيار يكون مهما للأفراد في ممارسة حرياتهم.  كذلك توفر ثقافات الافراد، ، الأرضية التي يحتاجها الأفراد لأتخاذ خيارات مجانية.  أن ألتزام الليبراليون، بهذه المبادئ ، لاحقا يعني ألتزامهم في مسألة حماية الظروف (الثقافات المجتمعية) من أجل تحقيقها.  أذا كانت حقوق الجماعات مهمة لحماية سياق الاختيار، فأنها على هذا الاساس تكون مبررة، من وجهة نظر الليبراليين، لأنه أذا كانت حقوق المجموعات حامية لسياق الأختيار، فهي هنا تشجع على الاستقلال.  أن تكون ثقافات الأقليات القومية مجتمعية وكما اوضحنا أعلاه وطبقا للمصادر الثلاثة للاختلاف فقط.  تبرر الحجة هنا، حقوق الجماعة للأقليات القومية لكي تحافظ على ثقافاتهم المجتمعية.   يعطى سياق الأختيار، من وجهة نظر كيميلكا، بواسطة ولوج الفرد لثقافته الشخصية، وليس لكل ثقافة.  لا توفر الثقافات المجتمعية، وطبقا لوجهة النظر هذه، للفرد من مقاطعة كيوبك الكندية اي سياق للاختيار اذا ما قورن بذلك السياق الذي يعيشه الكتالوني، وكذلك هو الحال بالنسبة لشخص من الايميش، فأن سياق الثقافة المجتمعية للسيخ لا يمكن ان توفر اي سياق للاختيار للأيميش.  

     

    يقدم تايلور ثلاثة حجج للدفاع عن حقوق الجماعات التي تستند على مبدأ المساواة والتي تعتمد على خط تفكير مختلف. 

     

    تبدأ الحجة الأولى ، من خلال ملاحظة حتمية مشاركة الدولة في الصفة الثقافية للمجتمع مع أستحالة حيادية هذه المشاركة.  يؤكد كيميلكا في هذا الصدد ، على ان القرار التي تصنعه الحكومات ، مثل نوع العطل الرسمية وتقريرها ، من دون شك تشجع على وجود هوية ثقافية معينة. 

     

     أن الافراد الذين لا يشتركون في الثقافة التي تشجعها الدولة يكونون، فيما بعد  بوضع غير مريح وغير عادل.  أن أقامة العطل او المناسبات الدينية المسيحية ، على سبيل المثال،  واعتبارها مناسبات وطنية عامة ، يضع المسلمين في وضع غير متكافئ ، لان اعيادهم تقام تزامنا مع أعياد المسيحيين.  يرى كاميلكا هنا ، أن ألتزام الليبرالية بقواعد المساواة يحتم عليها الترويج لنوع من السياسة العامة التي لا تضع بعض الافراد في موقف غير عادل مقارنة بالاخرين ؛ وهذه في المقابل ، تعني ان السعي لمساواة الأوضاع لمجموعات مختلفة ، يجبر الدولة المعنية على أعطاء مجموعات مختلفة لحقوق مختلفة.  

     

    أن حقوق الجماعة، من وجهة نظر كيميلكا، يمكن ان تصحح هذه اللا-مساواة بواسطة توفير المعاني المهمة والضرورية والتي من خلالها يمكن للافراد السعي وراء ثقافتهم.  تنطبق حجة الاستقلال فقط في حدود الأقليات القومية ، وهذه الحجة التي تستند على المساواة تشير الى الأقليات القومية والمجموعات المتعددة الأعراق.  يمكن لمبدأ اللا-مساواة بين الاغلبيات والأقليات القومية ان يأخذ اشكالا مختلفة ، لكن الشكل الذي يحب كيميلكا أستخدامه، هو ذلك الذي يرتبط باللا-مساواة في حقوق اللغة.  أن الأقليات التي لها خصوصيات لغوية معينة، من وجهة نظره،  كتلك التي في كيوبك كندا، وكاتاليونيا في أسبانيا ربما تعامل بصورة غير عادلة، اذا لم تكن لغاتهم الرسمية القومية هي الأساس في مؤسساتهم الرسمية. 

     

    أن الحوار القائم بين المسيحيين والمسلمين حول العطل الرسمية، هو الأخر مثال على انعدام المساواة بين الاغلبيات وبين الاقليات العرقية المتعددة.  أن قناعة كيميلكا، أذا ما أخذنا هذه النقطة بوجه الاعتبار، بتعرض هاتين المجموعتين للسياسات غير-العادلة، بواسطة وجود مجموعات من القوانين غير الرسمية.

     

      تستند الحجة الثانية لكيميلكا ، على أهمية مبدأ  المساواة وأعتباره القضية الأساسية التي يجب ان يتمتع بها كل الافراد ، فأذا كان الامر كذلك، هنا يأتي التزام الدولة لتشجيع أنواع من الثقافات والتي يكون فيها للافراد خيارات متعددة للوصول الى ما يبتغيه هولاء الافراد.  

     

    لاترتبط هذه الحجة، على اية حال، بصورة مباشرة بالاقليات، فهي ترتبط بالاغلبيات ، كما أنها لا تشير الى أحتياجات الأقليات ؛ لكنها تشير عوضاً عن ذلك، الى كيفية تأثير الثقافة بحياة الانسان بصورة أيجابية،  من خلال تشجيع المزيد من الخيارات.   يرى كيميلكا ، انه وبسبب صعوبة تغيير ثقافة شخص ما ، فأن هذه المسألة أو الخيارغير مرغوب به.  (Kymilcka، 1995، p. 121)

     

    أن على الليبراليين أحترام المعاهدات التاريخية، وهذه هي الحجة الثالة التي يراها كيميلكا.  أنه يرى أن الكثير من الحقوق التي تمتلكها الأقليات الثقافية في القرن الحادي والعشرين ، يجب على الدولة أن تحترمها لانها كانت نتاج لهذه المعاهدات التاريخية.  اذا كان على الدولة ان تعامل الافراد من ثقافات مختلفة باحترام متساوي ، فعليها اذا ان تحترم هذه المعاهدات.

     

    • الإقامة التحويلية عند شاكار

    دافعت الفيلسوفة شاكارعن مواطنة التعددية الثقافية .  تؤيد شاكار نموذج الحكم المشترك والتي تعبر عنه بالاقامة التحويلية.   ويستند هذا النموذج الى أربعة تصورات:

     

    1-  يرى هذا التصور، أن الافراد لديهم هويات متعددة،  ومثالاً على ذلك ، شخصية مالكولم x ، ومالكولم   كان رجلا مسلما ، من أصول أفريقية ومحب للجنس الاخر.  يكون مالكوم هنا مثال على الافراد الذين يتمتعون بارتباطات متعددة والتي تلعب دورا في تكوين هويتهم. 

     

    2- يرى هذا التصور، أن الجماعة والدولة كليهما يتوفران على الأسباب المعيارية والقانونية التي تؤثر في تشكيل السلوك.  ربما يكون لهذا النوع أسباب مختلفة ، لكن المؤكد أن أحد هذه الأسباب ، على اقل تقدير  هي أن يكون للافراد مصلحة قوية في حفظ ثقافتهم وحماية حقوقهم.

     

     3- يتعلق هذا التصور،  بتأثيرات كل من الدولة والجماعة على بعضهما البعض.  فالقوانين التي تضعها الدولة ، على سبيل المثال ، والتي تنظم مسألة زواج المثليين ، تؤثر بدون شك على بقية الافراد الذين يميلون الى النوع الاخر من الزواج ، الزواج العادي بين الرجل والمرأة ؛ ويكون تأثيرالزواج المتباين بين الافراد، مرادف تماما لتأثير خطاب الكراهية للكنيسة المعمدانية في ويست بورو، وكلاهما يؤثران في الدولة.

     

      4-  يرى هذا التصور، أن لدى كل من الدولة والمجموعة مصالح في مساعدة الأعضاء المنتمين لهما (Shachar، 2001a، p. 118).  

     

    يستند معيار الإقامة المتحولة ، بالاضافة لما ذكرناه أنفا، على ثلاثة مقومات أساسية هي؛ الفصل الفرعي للسلطة ، عدم الاحتكار ، والتأسيس الواضح للخيارات المحذوفة (Shachar، 2001a، pp. 118-119). 

     

    أن أعتبار وجهة النظر الشاملة لمفهوم الفصل الفرعي للسلطة ، والتي اعترضت البيئة الاجتماعية مثل، ( قانون العائلة ، قانون التجريم ، قانون العمالة وهكذا دواليك) غير قابلة للتجزئة ، مفهوم غير صحيح.

     

    يمكن لهذه البيئات الاجتماعية ان تتجزأ لمسائل فرعية ، ولمكونات متعددة قابلة للتجزئة ومكملة لبعضها البعض (Shachar، 2001a، pp. 51-54).  هذا يعني ان العادات والقرارات المتعلقة بقضايا اجتماعية متنازع عليها يمكن ان تحدد بصورة منفصلة. 

     

    في كل منطقة قانونية ، هناك منطقة أخرى فرعية، وهذه المناطق الفرعية تكون مستقلة جزئياً ؛ والنتيجة تكون ، ان القرار الذي يصنع في منطقة فرعية معينة ، ممكن ان يصنع بأستقلالية في منطقة فرعية أخرى.   أن قانون العائلة ، من وجهة نظر شاكار، ممكن ان يقسم الى حدود مرسمة وفرعية.  (2001a، pp. 119-120).

    أن قانون تحديد الاسرة الفرعي، طبقا لشاكار، يكون عندما تعرف الحدود بين افراد الجماعات. في هذا الموضوع الفرعي يتم تحديد السمات الضرورية الكافية (البيولوجية،الاخلاقية،الاقليمية،الايديولوجية وما الى ذلك)، لتحديد عضوية الافراد.  تشير المادة التوزيعية الفرعيةً ، الى توزيع المصادر.  على سبيل المثال ، أن معرفة ماذا يمكن ان يحصل بعد الطلاق، على سبيل المثال مرتبط ارتباطا مباشرا في مسألة ترسيم الحدود الفرعية. 

     

    تستخدم شاكار على الدوام النزاع القانوني، لتوضيح كيفية عمل هذا الامر ، وهي تستخدم أحداث حقيقية حصلت مع قبائل الهنود الحمر في أمريكا ، خير مثال على ذلك ، هو قضية جوليا مارتينيز؛ كانت جوليا مارتينيز، جزء من سانتا كلارا ، قبيلة بيوبلو التي رفضت الأعتراف بأبنتها كعضو في القبيلة، الامر الذي قاد الى نتائج تراجيدية فيما بعد.   في العام ١٩٤١، كانت جوليا مارتينيز ابنة لاحد أعضاء هذه القبيلة وتزوجت فيما بعد من شخص خارج هذه القبيلة.   رزقت جوليا بأبنة من هذا الزواج وترعرعت هي الأخرى في هذا المكان ، أي محمية بيوبلو ، تبع ذلك أنخراط هذه الطفلة في تعلم عادات وممارسات هذه القبيلة.  يشير أحد قوانين هذه القبيلة ، على أن العضو لا يكون عضوا، الا اذا كان من نسل الذكر؛ وعلى الرغم من ان ابنة جوليا ترعرعت على ارض هذه المحمية الا انها بقت في عيون أفراد القبيلة وزعماء القبيلة مشكوك في انتمائها.  عندما تعرضت ابنت جوليا للمرض ، كان لزاما عليها ان تأخذها الى المستشفى لكن هذا الاخير رفض إدخالها الابنة على قاعدة كونها لا تنتمي للقبيلة المشار اليها ، هذا الرفض قاد في النهاية الى موت أبنة جوليا (Shachar، 2001a، pp. 18-20).   عند تطبيق مبدأ الفرعية هذا، في حدود قضية سانتا كلار، قبيلة بيوبلو ، يكون فقط من حق المشرع في هذه الفرعية تقرير فيما اذا كانت ابنة جوليا مارتينيز جزء من القبيلة او لا (Shachar، 2001a، pp. 52-54).  على النقيض ، يكون للمادة التوزيعية الفرعية ، القرار فيما اذا كانت ابنة جوليا مارتينيز الحق في استخدام النظام الصحي من عدمه. 

     

    تدافع شاكار في المبدأ الثاني، المتعلق بعدم الاحتكار عن مبدأ تقسيم القوة القضائية بين الدولة والمجموعة.  أن الدولة والمجموعة،  لا يتمتعان، طبقاً لهذا المبدا ، بسلطة مطلقة في الساحات الاجتماعية المتنازع عليها.  أن توزيع السلطة، بشكل محدد، يجب ان يكون متساوياً هنا ، فالسلطة لها قوتها والمجموعة كذلك.  أن ما يترتب على هذا المبدأ لاحقا ، يتمثل في كون القرارات القانونية تنتج من التبادل المترابط بين السلطة والمجموعة ( Shachar، 2001a، pp. 120-122).   يكون قانون العائلة، خير مثال هنا، فعندما يتعلق الامر بمسألة الطلاق ، تأخذ السلطة على عاتقها مسألة توزيع الأملاك بعد الطلاق ، بينما تتدخل المجموعة في موضوعة من يطلب الطلاق ولماذا والعكس صحيح.

     

    دافعت شاكار في المبدأ الثالث، عما يسمى “تعريف الخيارات المحددة” بوضوح.   يجب ان يكون للأفراد طبقاً لهذا المبدأ، أمكانية واضحة للاختيار بين ألتزامهم بما تمليه عليهم السلطة او ذلك الذي تمليه عليهم المجموعة.   أن الافراد بمعنى أخر لهم الحرية في الالتزام القانوني الذي تمليه عليهم السلطة ، او رفض هذا الالتزام ، لكن هذا يتم من خلال بعض النقاط المعرفة مسبقاً.  وهذه النقاط هي عبارة عن اتفاقات بين السلطة وبين المجموعة ، والتي من خلالها يتم الاتفاق على كيفية خروج الافراد من الجماعات وتحت أي ظروف يتم هذا الخروج.

     

    • السلبية العالمية

    يدعى المنهج الاخر للنقاش الفلسفي حول العدالة بين المجموعات بالسلبية العالمية (Festenstein، 2005).  يرى فيستنشتاين ، ان باري وكوكاثس هما، من ابرز الفلاسفة الذين كتبوا في هذا المنهج.  (Barry and Kukathas) .  وعلى الرغم من اختلاف فلسفتهما كعالميين سلبيين، الا انهم يشتركان في أربعة عناصر. 

     

    العنصر الأول ، وفيه يدافع كل منهما عن حيادية السلطة بين مفاهيم الخير المختلفة. 

    العنصر الثاني ، أن الحياد ليس له نفس التأثير على حياة كل المواطنين ، فبعضهم سوف يكون بحال افضل من الاخرين.  لكن هذا لا يمكن ان يكون، وطبقا لوجهة نظر هذين الفيلسوفين، حجة مضادة لقيم الليبرالية في الحياد، لان المساواة في التأثير ليست هدفا واقعيا.   

    العنصر الثالث ، أن أساس النظرية الليبرالية يكمن في تبنيها لمبادئ مدنية وأخرى سياسية ، مع اختلافات يمكن ان تبرر من خلال حقوق أساسية مثل حرية التفكير والتنظيم.  أن الحقوق المدنية والسياسية والانحرافات المبررة، على اية حال، تختلف كثيراً عندما يكون الاثنين مسموحا بهما في الوقت نفسه. 

    العنصر الرابع ، يشكك العالميون السلبيون بخصوصية القيم المعيارية للثقافة ، من ناحية توفير حقوق مختلفة للمواطنين (Festenstein، 2005، pp. 91-92). 

     

    • ليبرالية المساواة عند باري

    يرى باري، أن ليبرالية المساواة، هي نظام فلسفي يقدم النهج الأكثر تماسكا وعدلا لحماية هذه المصالح.   تقدم ليبرالية المساواة، بالاضافة الى ذلك وطبقا لوجهة نظر باري، الأرضية المعيارية للتحديات التي ربما تقدمها كل من ‘غيرالليبرالية’ وبقية المجموعات الثقافية المترابطة فيما بينها. 

     

    يمتاز نظام باري في ليبرالية المساواة ، بشكل خاص بقيم أساسية تتمثل في الحياد ، الحرية والمساواة.  يعتقد باري ، أن الحياد يعني ان السلطات او الحكومات لا تكون مسؤولة عن تشجيع او تفضيل بعض مفاهيم الخير على الأخرى.  أن هذا يعني وبصورة عامة، أن السلطة ليست في موقع يسمح لها ان تشجع البقاء والازدهار لمفاهيم الخير ، في اللغة ، في الدين ، وهكذا دواليك.  أن الحياد هنا يعني، ان الحكومات يجب ان تكون ملتزمة بحقوق الافراد بدون أي نوع من الأهداف الجمعية ، الى جانب تلك التي تتوافق مع المصالح الأساسية العالمية. 

     

    عندما تفضل حكومة ما مفاهيم معينة للخير ، فهي هنا تخالف مبدأ الحياد (Barry، 2001، pp. 28، 29، 122).  أن مفاهيم الخير، من منظور باري لحياد الليبرالية، تكون قضايا سياسية فيها خصوصية كبيرة ، والتي تشير الى علاقات شخصية ( Barry، 1995، p. 118).  وهنا، ومن وجهة نظر باري، فان دولا غير علمانية مثل إيران والمملكة العربية السعودية ، يخالفان مبدأ الحياد هذا ، لانهما يشجعان دين معين.

     

     تكون الحرية هي القيمة المهمة الأخرى لدى باري، والتي تعني عدم وجود قيود ابوية للسعي وراء  تصور المرء للخير.  هذا يعني ان يتمتع الافراد بكم كبير من الاستقلالية للسعي وراء تصورهم الخاص عن الخير.  يجب أن توفر للافراد، من وجهة نظر باري، كل الأدوات للوصول الى هذه الغاية. 

     

     

    أن الافراد مخولين، وبصورة عملية، من خلال مبدأ الحرية للوصول الى معاني الخيرالعامة، ونمط الحياة المفضل لديهم ؛ وهنا باري ، بوجه خاص ، أن حرية التنظيم والضمير يلعبان دورا جوهريًا في قدرة الافراد في السعي وراء ما يبغون.  ربما يختار الافراد العيش بطريقة قد لا تكون مرغوبة من قبل الليبراليين ؛ لكن باري (2001، p. 161) يعتبر هذه الخيارات السيئة أشياء يقوم بها الافراد في المجتمعات الليبرالية والتي يجب ان تحفظ.

     

    يترجم باري الالتزام الثالث، والمتعلق بالمساواة ، من خلال فكرتين اساسيتين. 

    الأولى ، وتعني معاملة الافراد بالتساوي ، وان يتزود الافراد بمجموعة متساوية من الأسس القانونية ، السياسية والحقوق المدنية.  يتطلب مبدأ المساواة التأكيد على وحدة مفهوم المواطنة.  

     

    الثانية ، ان الالتزام بالمساواة يعني ان للسلطة واجباً يتعلق بتشجيع المساواة في الفرص بين الافراد.  وطبقاً لباري ، فأن هنالك فرصًا متساوية عندما تعمل القواعد الموحدة على تكوين نفس المجموعة من الخيارات التي يقوم بها الافراد (Barry، 2005).   هذا يعني ان هناك فرص متساوية فقط ، وفقط في مواقف معينة يكون فيها للافراد المختلفين القدرة على صنع الاختيارات والتي يحتاجها الافراد للوصول لاهدافهم.

     

      يرغب كل من سام وجان، على سبيل المثال في الحصول على شهادة في الطب؛  تصور الان ، ان عائلة سام من الطبقة العاملة ، وجان من الطبقة الغنية.  أن سام لا يمتلك الإمكانات المالية للدراسة ، لكن جان يملك ذلك.  في هذا النوع من المواقف ، على افتراض ان العنصرالاقتصادي يكون فقط هو العامل المناسب لتحقيق مبدأ التساوي في الفرص، وحتى نصل لهذا المبدأ ، يجب ان يعطى سام نفس الفرص الاقتصادية التي يتمتع بها جان ، حتى تكون له نفس الفرصة في دراسة الطب.  أن تكافؤ الفرص على هذا الاساس يعني ، ان الافراد يعاملون طبقاً لاحتياجاتهم.  يجادل باري ايضا، بأن تكافؤ الفرص يتضمن،أن ما يندرج تحت مجموعة الفرص المتساوية، وليس المخرجات المتساوية والتي تنتج من القرارات التي يعملها الافراد في مجموعات الاختيار هذه.  يقترح باري، مع الاخذ في الحسبان هذه الأرضية المعيارية ، ستة حجج تقوم بالضد من إعطاء حقوق للمجموعات الثقافية.  أربعة من هذه الحجج هي نتاج نظريته في الليبرالية ؛ والحجتين الأخيرتين هما نتاج مستقل وغير مرتبط بنظريته الليبرالية.  

     

    تعتبرالحجة الأولى، التي قدمت بواسطة باري ضد سياسات الاختلاف الحساسة للمجموعات الثقافية مخالفة للحياد.  أن الحيادية، طبقا لباري، تتطلب ان لا يكون هناك أي احتمالية حتى وان كانت صغيرة في الصفة الثقافية للمجتمع ، اذا ما ساندت السلطة أي مجموعة كانت من خلال تشجيع ثقافة هذه المجموعة او تلك على حساب بقية المجموعات ، فهذا يعني انها تخالف مبدأ الحيادية.  يرى باري، أن الحيادية تستوجب عدم أو المشاركة القليلة في الصفة الثقافية للمجتمع، وعليه، أذا عملت الدولة على تشجيع ثقافة مجموعة ما، أو تقويتها من خلال اضفاء حقوق مختلفة لها دون غيره، عندها فان هذه الدولة تبتعد عن مبدأ الحيادية.  يعتقد باري، أن الليبراليين ينبنون سياسة عدم التدخل في الصفات الثقافية للمجتع، وكنتيجة لذلك، فان الليبرالية لا تتوافق مع سياسات الاختلاف الحساسة.   يرى باري، أن الدولة التي لا تعاقب الشذوذ الجنسي بينما تطالب بعض من الهيئات الإدارية لمجموعات دينية معينة من الأقليات بالاعتراف في مؤسساتها القضائية الدينية والتي تجرم الشذوذ الجنسي وتحاكم الفرد المثلي ، فان الدولة لا يجب ان تعترف بها وان فعلت، فهذا يعطي حقوق مختلفة لمجموعات مختلفة ، وعليه فان هذا الفعل يكون انتهاك للحيادية.

     

    تكون الحجة الثانية ، ضد حقوق المجموعة ، والتي تتعلق بتأثيرات السياسات غير المتساوية على الثقافة ولا تعتبر تدخلاً في حرية الفرد خلال سعيه للخير.  تهدف القوانين، من وجهة نظر باري،  لحماية مصالح بعض الافراد ضد البعض الاخر ؛ فحقيقة كون هذه القوانين لها تأثيرات مختلفة على ثقافة معينة لا يعتبرعلامة للغبن ؛ وعوضا عن ذلك ، فهي تكون اعراض جانبية لوجود القوانين (Barry، 2001، p.34).

     

     تتعلق الحجة الثالثة ، من وجهة نظر باري، بحقوق المجموعة المتنازل عنها ، بالاخص تلك التي تكون معفاة من القانون ، والتي تكون عبارة عن ممارسات ثقافية تتقاطع مع المصالح الإنسانية العالمية، بمعنى اخر ، أن  حقوق المجموعات ،  بالاخص تلك التي تكون معفاة من القانون ، واذا ما شجعت المصالح الإنسانية العالمية ، فهي تكون مقبولة ( Barry، 2001، pp. 48-50).  

     

    الحجة الرابعة ، يؤكد فيها باري ، على أن لا الثقافة ولا المتطلبات الثقافية تكون عالمية في مصالحها في حد ذاتها ، في حين تكون المعاملة غير المتساوية المقبولة لاجل المصالح العالمية غيرمنطبقة على أولئك ( Barry، 2001، pp. 12-13، 16). 

    أعتمدت هذه الحجج الأربعة على نظرية باري في الليبرالية ، وعلى مفهومه للحرية ، الحيادية والمساواة.  يضيف باري لهذه الحجج الأربعة، حجتين اخرتين. 

     

    الأولى ، تتعلق بحقوق الاختلافات الحساسة والتي ترمي لحماية المصادر الاقتصادية والتي تكون موقتة ، بينما الحقوق الثقافية تكون دائمية.  هذا يعني ان هولاء الذين يحتاجون المصادرالاقتصادية للوصول الى حالة المساواة في خياراتهم ، يكون أحتياجهم لها فقط بصورة موقتة (Barry، 2001، pp. 12-13).  على النقيض ، وطبقا لوجهة نظر باري فان حقوق المجموعة لحماية الثقافة تتطلب وجود دائمي.  أصدار قانون دائم يعفى بموجبه السيخي من وضع خوذة على رأسه، يكون ضروري جدا، من وجهة نظر باري في هذا الشان.

     

       الحجة الثانية ، ترتبط بعقلانية الحجة ذاتها ، فمن المفترض ان تطبق بدون استثناء.  اذا كانت هنآك مسالة استثنائية ، فالقاعدة بعد ذلك يجب ان تمنع.  طبقا لباري ، فأنه ليس من الاتساق الفلسفي ان تطرح تبريرات عالمية لقاعدة ، ثم بعد ذلك تطرح نسبية السبب المعطى  (Barry، 2001، pp. 32-50).

     

    • ليبرالية كوكاثس.

    تعتمد منهجية كوكاثس في التعددية الثقافية ، على فكرتين: وهاتين الفكرتين حسب ما يذهب اليه كوكاثس تمثل الوجود البشري في اكثر مصالحه الجوهرية ونظريته في حرية التنظيم. 

     

    يرى كوكاثس ان الوجود البشري يمتلك مصلحة جوهرية واحدة: وهذه المصلحة تتمثل في ان يعيش هذا الوجود البشري طبقًا لضميره.  كوكاثس يرى أن السبب في هذا ، يرجع في جزء منه الى كون الوجود البشري بالأساس وجود أخلاقي ، ولاحقًا ، يوجه هذا الوجود البشري حياته واغراضه كلها لما يعتبره جديرًا أخلاقيا. 

     

    يعتقد كوكاثس ، أن الافراد يجدون صعوبة في التصرف بالضد من ضمائرهم.  وهذه النزعة التي يحكم الفرد من خلالها سلوكياته ، بواسطة الضمير وصعوبة التصرف بالضد من فعل الفرد الأخلاقي ربما وحسب رأي كوكاثس ، يمكن ملاحظتها ، ويمكن كذلك اخضاعها للتجربة  (Kukathas، 2003b، p. 53). 

     

    يضيف كوكاثس سبباً أخر إضافي ، يشرح من خلاله  لماذا يرى بعض الافراد انه من المصلحة الجوهرية لهم ان يتصرفوا طبقاً لضمائرهم ، والسبب ان معنى الحياة يعطى ، من خلال الضمير طبقاً لكوكاثس  (Kukathas، 2003b، p. 55). 

     

    يرى كوكاثس ان الهوية ترتبط مع الاخلاق لان الافراد لا يكونون الا صدى لتفسيراتهم الذاتية ، والتي تنتج في النهاية بواسطة التقييم الذاتي.  من المهم ان نلاحظ هنا ، ان ما يقال في هذا الشأن يبين لنا الصورة الأخلاقية لكل فرد منا.

    أن الناشط الحقوقي والارهابي كليهما ربما يتصرفان طبقاً لما يمليه عليهما ضميرهما ، حتى وان قاما بفعل أشياء مختلفة ، واضعين بالحسبان حقيقة مفادها ان الضمير يمثل مصلحة جوهرية ، ويؤكد كوكاثس على ان الدولة تحت شعار المسؤولية مطالبة بحماية هذه المصلحة. 

     

    الجانب الثاني المهم في فلسفة كوكاثس يتمثل في  دفاعه عن حرية تكوين التجمعات.  أن حرية تكوين التجمعات، طبقاً لكاكوثس، عرف مبدئيا على انه الحق للخروج من المجموعات وان حرية تكوين التجمعات تتواجد عندما يكون للافراد الحرية في ترك او مغادرة المجموعة التي يكونون جزء منها. 

     

    بعبارة أخرى ، يكون مهما جداً للفكرة القائلة بهذا النوع من حرية التنظيم ، الفكرة الاخرى المقابلة لها والتي تؤكد على حرية الافراد بمغادرة الجمعيات او التنظيمات التي لا يرغبون في ان يكونوا جزء منها.  أن حرية التنظيم او حرية تكوين الجمعيات، طبقا لهذا الرأي، لا تعني الدخول في مجموعة معينة ؛ بدلاً عن ذلك ، فهي تعني حرية الفرد او الافراد في الخروج من المجموعات التي لا يرغبون في ان يكونوا جزء منها (Kukathas، 2003b، p. 95).

     

    يرى كوكاثس ، أن هناك شرطين مرتبطين معاً ليكون للافراد من خلالهما حرية الخروج من المجموعة ، وهذين الشرطين ، هما: ان لا يمنع الافراد جسدياً من مغادرة المجموعة ، وان هناك مكانا مشابها لمجتمع السوق ومن خلاله يمكن لهم المغادرة، ومن وجهة نظره، يكون وجود مكان يلجأ اليه الفرد مطلب ضروري للخروج لانه لا يمكن الاعتقاد بان الافراد لهم الحق بالخروج أذا تم تنظيم جميع المجتمعات على اساس الملكية، لان الخيارات سوف تكون اما متطابقة للقواعد او لا.  طبقاً لنظرية الحرية هذه ، فان فعالية الدولة تكون محدودة. 

     

    أن نمط كوكاثس في حرية تكوين التجمعات ، يشير الى ان واجب الدولة غير محدد بحماية او حفظ حصول الافراد على خدمات مثل النظام الصحي ، التعليم وهكذا دواليك.  هذه الاشكال من الحماية يجب ان توفر من خلال التنظيم ، اذا رغبت هذه التنظيمات بتوفيرهم.  تذهب نظرية كوكاثس هذه، للتصريح من ان تدخل الدولة يكون فقط لضمان حق المغادرة ، والحفاظ على النظام المستمر للمجتمع والذي يضمن امن الافراد وعدم حدوث حرب اهليه.

     

    يكون للدولة، ضمن هذا السياق، وظيفتان. 

     

    الأولى ، ان الدولة عليها ضمان عدم حدوث أي خرق لحرية تكوين التجمعات أو التنظيمات ، وهذا يعني ان الافراد لا يجوز منعهم جسدياً من المغادرة.

     

     الثاني ، ان الدولة يجب ان تنظم العمل ، حتى لا يكون هناك أي عداء بين التنظيمات.  حتى أذا تبنت  هذه التنظيمات ممارسات أكثرعداونية اتجاه أعضاءها ، لكن مطلب كوكاثس هنا، هو الابقاء على نوع من التسامح المتبادل بين التنظيمات. لا يمكن للمجتمعات ان تلتزم بأفعال عدائية ضد بعضها البعض الاخر ، واذا فعلت ، تكون الدولة في وجهة نظره قادرة على التدخل لايقاف هذه العدوانية. 

     

    عندما نأخذ بعين الاعتبار وظائف الدولة ، والبناء الداخلي للتنظيمات ، فأن المجتمع الذي ينشأ يُطلق عليه بمجتمع المجتمعات.   كل مجتمع او مجموعة يجب ان يكون لها قوانينها ، والتي يكون لهم فيها إستقلالية قضائية (Kukathas، 2003b، p. 97).  تتمتع صلاحية القوانين في المجتمعات، من وجهة نظر كوكاثس بأعتراف محلي فقط ، وان الدولة او السلطة تكون مخيرة هنا بأن تعترف بزواج المثليين أو لا تعترف ، وهكذا دواليك ؛ عوضًا عن ذلك  فان الدولة ستكون غير مبالية للطريقة التي ينتظم بها الافراد. 

     

    من وجهة نظر كوكاثس ، هذا النوع من حرية التنظيم يتوافق مع فرض الكلفة العالية للخروج او عدم الانتماء والعضوية طبقاً لحقيقة عظم الكلفة في الاختيار ، ولا تكون مرتبطة او عائدة للحرية (Kukathas، 2003b، pp. 107-109).  وهذا النوع من حرية التنظيم،من وجهة نظر كوكاثس، هوافضل طريقة لحماية حرية الافراد لانها تعطي محددات قليلة لما يريد الافراد فعله. 

     

    ٣-  الموجة الثانية من الكتابة في التعددية الثقافية

    تبنى فلاسفة الليبرالية السياسية المعاصرة موقفين مختلفين، أذا ما اخذنا بالاعتبار، نوعية النقاش في كتابات الموجة الأولى في التعددية الثقافية ، والذي دار حول عدالة سياسات الاختلاف الحساسة في سياق الحديث عن الليبرالية ؛ فقد دافع بعضهم عن مبدأ تبرير سياسات الاختلاف الحساسة ، بينما أحتج أخرون في كون هذه السياسات تبتعد عن القيم الاصلية لليبرالية.

     

     ظهرت الموجة الثانية في الكتابة عن التعددية الثقافية ، حديثًا.  لم يركز فلاسفة الليبرالية السياسية المعاصرة كثيرا على النقاش في مسألة العدالة بين المجموعات المختلفة ؛ عوضاً عن ذلك كان التركيز على مبدأ العدالة داخل المجموعات.  لذلك تغير النقاش الى تحليل الاثار المحتملة والمستمرة للسياسات التي تحمي المجموعات الثقافية فيما يتعلق بأعضاء هذه الاقليات وقيمها الثقافية.

     

     لقد غير فلاسفة الليبرالية السياسية المعاصرة نقاشهم لتشمل تلك التي صوبت نحو تصحيح المساواة بين المجموعات وما يمكن ان يحصل عليه الافراد في هذه المجموعات التي توجهت نحوها هذه السياسات. يعتقد فلاسفة السياسة الليبرالية المعاصرة ، ان القلق يكمن في كون السياسات التي تتبع لتمكين المجموعات الصغيرة للسعي خلف ثقافاتها ربما ينتج عنه تفضيل بعض المجموعات على الأخرى.

     

      لهذا فالنقاش الان ، يجب يدور حول الاخطار التي يمكن ان تبرزها هذه السياسات المتعلقة في حماية المجموعات الثقافية والتي يمكن ان ينتج عنها تقويض حالة الأعضاء الأضعف في هذه المجموعات.  السبب الذي يكمن خلف قلق الفلاسفة هذا هو ان سياسات التعددية الثقافية ربما تعطي قادة بعض المجموعات الثقافية القوة لصنع قرارات وتأسيس ممارسات والتي تبسط الملاحقة القانونية للاقليات الداخلية.  بمعنى اخر ، هذه السياسات ربما تعطي قادة المجموعات كل أنواع القوة التي تسهل كل الممارسات البشعة والتعنصر في داخل المجموعة (Phillips، 2007a، pp. 13-14; Reich، 2005، pp. 209-210; Shachar، 2001a، pp. 3،4،15-16). 

     

    ركزت كتابات فلاسفة السياسة المعاصرون على ثلاثة أنواع من الأقليات الداخلية ، وهذه الأقليات هي وعلى التوالي:

    • ثنائي الجنس.

    • المثليون.

    • النساء والأطفال.

     

     

    • المثليون وثنائي الجنس

    عني بعض الفلاسفة بالسياسات التي تتناول مسالة حماية مجموعات الاقليات الثقافية، ومن امكانية استخدام مثل هذه السياسات لا احداث تهديد جاد يؤثرعلى حقوق المثليين من كلا الجنسين وكذلك الافراد ثنائي الجنس.  يحرم المثليون وثنائي الجنس في بعض مجاميع الأقليات بسبب بعض العواقب غير المقصودة لسياسات التعدد الثقافي (Levy، 2005; Swaine، 2005، pp. 44-45). 

    يمثل المغايرون في الجنس ، موضوع متقاطعًا في داخل الأقليات والمجموعات الثقافية ، وفي المجتمع بشكل عام ، وتغطي مساحة مختلفة من الحياة ، تتمثل في المبادئ الأساسية للحريات ، العمالة ، التعليم ، الأمان ، وهكذا دواليك. 

     

    ويمكن التثبت وبشكل عام ، من ان المثلين وثنائي الجنس لديهم مصالح في طبيعة الاتحاد الجسدي والنفسي والحرية الجنسية ، والمشاركة في الحياة السياسية والثقافية ، والحياة العائلية ، ومبادئ أساسية سياسية ومدنية ، ومساواة في المسائل الاقتصادية والعمالة وهكذا دواليك.

     

    تكمن المصلحة العامة والمهمة للمثلين وثنائي الجنس في بعض مجاميع الأقليات في بقائهم أحراراً من القتل ، والتعذيب ، وممارسات أخرى وحشية تنقص من قيمة الانسان.  (European Union Agency for Fundamental Rights، 2009، pp. 13-16). يكون العديد من المثليين وثنائي الجنس ضحايا للعنف الجسدي والنفسي ، والقتل ، وخطاب الكراهية ، وجرائم الكراهية ، وعلاجات التحول الجنسي الوحشية وعمليات الاغتصاب التي تكون ضحاياه الافراد الذين لهم توجهات جنسية مختلفة عن الاخرين، بين كل الأنواع الأخرى قساوة للعنف الجسدي والنفسي.   بعض الجماعات الثقافية الأخرى تقوض فرص المثليين وثنائي الجنس في المجالات الاقتصادية وفي مجال الرعاية الاجتماعية الاخرى.

     

     في مجالات العمل، تكون الاشارة هنا للقوانين المتعنصرة ضد هذه الفئات ، في كل من مكانات العمل وفي التقديم للعمل.   يجب ان يكون للمثلين وثنائي الجنس، في بعض القضايا ، حق الدخول في وظائف الجيش وغيرها ، للعمل مع الأطفال ، لمنافع العمل والضمان الصحي كذلك.  وبما ان العديد من المجاميع الدينية لا تمتلك قوات عسكرية ، فهذا المثال يمكن ان ينطبق على الجيش السويسري الذي يحمي الفاتيكان.

     

    • النساء

    كان لدى بعض الفلاسفة ، لا سيما الفلاسفة النسويات الليبراليات بعض القلق عن ما يترتب من إعطاء حقوق خاصة للمجاميع النسوية.  أكد اوكن (Okin) على ان غالبية الثقافات في العالم تكون ابوية وتقوم على الهوية الجنسية ، يتبعه ، توفير حقوق لمجموعات ربما تساعد في إعادة تقوية الممارسات الابوية  التعسفية.  بعض الممارسات التي يمكن ان تهدد حقوق النساء هو ما يطلق عليه بمصطلح ‘تشويه الاعضاء التناسلية للنساء’، وتعدد الزوجات ، واستخدام الحجاب ، وأخيرا تقليل فرص العمل والتعليم للنساء. 

     

    تعتبر بعض الناشطات النسويات، تشويه الأعضاء التناسلية للمرأة ، الذي تمارسه بعض المجتمعات ممارسة بشعة تهدد الصحة الجنسية للنساء وتشير الى عملية سيطرة الرجل على جسد وحياة المرأة. تعدد  الزوجات، هو الاخر يعتبر وبعمق ممارسة غير محترمة للمرأة ، وطريقة واضحة لعدم المساواة في معاملة المرأة.  استخدام الحجاب يعتبر هو الاخر بنظر بعض الناشطات كوسيلة لممارسة السيطرة من قبل الرجل على المرأة.

     

     هذه السلوكيات كلها مجتمعة ، أدت ببعض الناشطات النسويات الى التعبير عن قلقهن من ان تقوية بعض المجموعات بحقوق خاصة يمكن ان تودي الى اضطهاد المرأة.  على سبيل المثال ، اذا اعفيت بعض التجمعات من الممارسات الصحية للاغلبية في المجتمع ، هذا ربما يساعد ويسرع في مثل هذه الممارسات البشعة بحق النساء كتلك التي تتعلق بتشويه الأعضاء التناسلية للمراة.

     

    لكن علينا الاعتراف، ان اعتبارالثقافات بالضرورة ذات طابع ذكوري يضطهد المرأة ، هو موقف ليس متفق عليه بين كل الناشطات.  (Volpp، 2001، and Phillips، 2007a) ،  دافع فلوب، عن فكرة كون معظم الناشطات قد اتخذن موقفاً يتمركز حول الاثنية عندما حللن ممارسات الأقليات ، ومن ثم أسأن فهم المعنى الحقيقي لهذه الممارسات.  ابعد من ذلك،  فأن فلوب وفيلبس قررا ، ان العديد من النساء في الأقليات الثقافية عبارة عن أعضاء قادرة على صنع اختياراتهم  ؛ وهذه الممارسات التي تعتبر بنظر البعض في المجتمعات الغربية ممارسات بشعة ، يجب ان تمنع.

     

    • الأطفال

    أخذت موضوعة الاثار المترتبة على الحقوق الخاصة للأطفال، الذين هم جزء من الأقليات الثقافية، بعض الانتباه من قبل فلاسفة السياسة المعاصرين (Reich، 2005).  يتعلق الاهتمام هنا، بالاساءة الجسدية والنفسية وانعدام التعليم.   فيما يتعلق بالاساءة الجسدية والنفسية ، تقوم بعض المجموعات بممارسات ربما تكون مؤذية للأطفال.  تمارس بعض المجموعات، على سبيل المثال، ما يسمى بالتهرب او الاجتناب ، وهو ممارسة تتضمن النبذ لهولاء الذين لا يتبعون عادات وتقاليد المجموعة او فعل شيء ما يكون مرفوض من قبل المجموعة. 

     

    ممارسة عادة التضحية بالأطفال في بعض المجتمعات الافريقية ، هي أيضا ممارسة يمكن اعتبارها تنطوي على إساءة جسدية للأطفال.

     

    في جانب التعليم ، تبدو ممارسة أخراج بعض المجموعات لاطفالها خارج المدرسة في عمر مبكر يقود بالنهاية الى تعريض هولاء الأطفال الى حالة من عدم المساواة مع اقرانهم في تحصيل الخبرات اللازمة لايجاد العمل ، وربما يقود أيضًا الى فشلهم في تكوين قرارات مستقلة.  هناك مجموعات أخرى ترى ان التعليم يجب ان يركز خصوصاً على المسائل الدينية ، وفي بعض الأحيان ينعدم لديها الاهتمام بكل أنواع التعليم الأخرى.

     

    ونظراً لاعتبار المدارس المحرك المركزي للاستقلال والتطور الثقافي ، ولان الأطفال يكونون في سن التكوين اكثر تأثراً بالطريقة التي جلبوا بها فقد أظهر فلاسفة السياسة بعض الاهتمام حول تأثير إعطاء بعض الحقوق الخاصة لمجموعات ربما تعامل الأطفال بصورة غير صحيحة ، تلقينهم ، وربما حرمانهم بالمقارنة مع أطفال من مجموعات أخرى.

     

    اكد العديد من فلاسفة حقبة مابعد الاستعمار ، مثل موخيرجي (Mookherjee، 2005) ، على انه بالرغم من وجود بعض القلق نتيجة وجود تعسف داخلي ، فأن القلق هذا في بعض الأحيان لا يبدو في محله.  يجد بعض أعضاء الأقليات الثقافية ، وبشكل روتيني قيماً في ممارساتهم الثقافية ، ويرغبون في تأكيد هذه الممارسات ، على الرغم من كون حقيقة هذه الممارسات ربما تبدو عدوانية للأشخاص من خارج المجموعة.  اكثر من ذلك ، بعض الأحيان تبدو الممارسات غير ليبرالية للشخص الخارجي ، لكن بسبب ان معناهم الاجتماعي يختلف من ذلك المعطى بواسطة الشخص الخارجي ، فان الممارسة لا تكون غير ليبرالية (Horton، 2003).

     

    • الحيوانات و التعددية الثقافية

    موضوع اخر لم يتم البحث فيه كثيراً هو ، ذلك الذي يتعلق بسياسات التعددية الثقافية التي يمكن ان تترك آثارًا ضارة على الحيوانات غير البشرية.  اذا ثبت المفهوم البسيط لمصالح الحيوانات غير البشرية ، يمكن ان نفهم كيف ان مصالح الحيوانات ربما تتعرض للانتهاك بواسطة سياسات التعدد الثقافي.

     

    لنفترض ان الحيوانات لديها ثلاثة أنواع من المصالح.  

     

    الأولى ، تلك المصالح المرتبطة في ابعادهم عن أي معاناة جسيمة الحقت بهم (Casal، 3003; Cochran’s، 2007).

     

    الثاني ، الحيونات غير البشرية لديها مصالح لدرجة ما من الحرية السلبية: لديها مصالح في ان لا تكون جسديًا عرضة للقهر، او وضعها في اقفاص، او ان تودي اعمال شاقة.   

     

    الثالث ، الحيوانات غير البشرية  لديها مصالح للولوج الى بعض المصادر من اجل رفاهيتهم ؛ على وجه الخصوص  ، ان الحيوانات غير البشرية لها مصلحة في الحصول على العناية الصحية وان لا تحرم من الطعام.

     

      مع هذا الافتراض المتواضع القائل بان للحيوانات مصالح في ان لا تعامل بقساوة وبالمقابل ترغب في السعي لحياة صحية ، بعض الفلاسفة اقتنعوا ان مصالح الحيوانات تكون في خطر عندما تعطى بعض المجموعات حقوق خاصة.  هناك بعض المجموعات الثقافية والتي لديها ممارسات تتقاطع مع مصالح الحيوانات غير البشرية وفي شروط التعددية الثقافية هذه السياسات ربما تعطي بعض المجموعات الثقافية قوة ربما تسهل من استخدام القسوة ضد الحيوانات.  بعض المجموعات الثقافية تنخرط في ممارسات مثل ذبح الحيوانات بسبب ما تمليه عليهم دياناتهم قبل ان تأكل هذه الحيوانات.  أن سياسات التعددية الثقافية ، ربما تكون مدمرة للحيوانات غير البشرية، اذا كان الاعفاء لمجموعة معينة من قوانين الدولة المتعلقة في مسألة القسوة ضد الحيوان ربما تقود لتسهيل مثل هذه الممارسات المؤذية ضد الحيوانات، وعلى وجه الخصوص، اذا كانت هذه مجموعات تمارس أنواع معينة من ذبح الحيوانات وتكون معفاة من القوانين التي تتعلق بالقسوة ضد الحيوانات. هذا الموضوع ربما يثير مسألة تتعلق بشرعية المشكلة.  تفشل غالبية المجتمعات في معاملة الحيوانات بأحترام ولا تحمي بالعادة مصالح الحيوانات غير البشرية.

     

    المصدر


    الفهرست (التعددية الثقافية)

    • Appiah، (1996). Colour conscious : the political of race. Princeton: Princeton University Press.
    • Barry، (1995). Justice as impartiality. New York: Oxford University Press.
    • Barry، (1996). Real freedom and basic income. Journal of political philosophy، 266 4(3)، 242-276.
    • Barry، (1999). Statism and nationalism: a cosmopolitan critique. In I. Shapiro، and L، Brilmayer، (Eds). Global Justice. New York: New York University Press، pp. 12-26.
    • Barry، (2001). Culture and equality: an egalitarian critique of multiculturalism. Cambridge: Polity Press.

    التعددية الثقافية 

    • Barry، (2002). Second thoughts-and some first thoughts revived. In. P. Kelly، (Ed). Multiculturalism reconsidered: culture and equality and its critics. Cambridge: Polity Press، pp. 204-238.
    • Barry، (2005). Why social matter. Cambridge: Polity Press.
    • Benhabib، (2002). The claims of culture: equality and diversity in the global era. Princeton: Princeton University Press.
    • Casal، (2003). Is multiculturalism bad for animals? Journal of political philosophy، 11(1)، 1-22.
    • التعددية الثقافية 
    • Cochrane، (2007). Animals rights and animals experiments. An interest-based approach. Red publica، 13(3)، 293-318.
    • Cochrane، (2010). An introduction to animals and political theory. Hampshire: palgarve Macmillan European Union Agency for Fundamental Rights (2009). Homophobia and discrimination on grounds of sexual orientation and gender identity in the EU member states: part ii- the social situation.
    • Festenstein، (2005). Negotiating diversity: culture، deliberation، trust. Cambridge: Polity Press.
    • Fraser، (2005). Recognition without ethics? Theory، culture & society، 18(2-3)، 21-42.

    التعددية الثقافية 

    • Gurr،R. (1993). Minorities at risk: a global view of ethnopolitical conflicts: United States Institute of Peace Press.
    • Han، (2013). Contestation and adaptation: The politics of national identity in China. New York: Oxford University Press.
    • He، (2006). Minority rights with Chinese characteristics. In He، B. and Kymlicka، W. (Ed). Multiculturalism in Asia. Oxford University Press.
    • Horton، (2003). Liberalism and multiculturalism: once more unto the breach. In B. Haddock، and P . Dutch، (Eds). Multiculturalism، identity، and rights. Routledge innovations in political theory. London and New York: Routledge، pp. 25-41.
    • Kukathas، (2001). Can a Liberal society tolerate illiberal elements? Policy، 17(2)، 39-44

    التعددية الثقافية 

    • Kukathas، (2002a). Equality and diversity. Politics، Philosophy & Economics، 1(2)، 185-212.
    • Kukathas، (2002b). The life of Brian، or now something completely different-blind. In P . Kelly، (Ed). Multiculturalism reconsidered: culture and equality and its critics. Cambridge: Polity Press، pp. 184-203.
    • Kukathas، (2003a). Responsibility for past justice: how to shift the burden. I politics، Philosophy & Economics، 2(2)، 165-190.
    • Kukathas، (2003b). The Liberal arachipelago: a theory of diversity and freedom. Oxford: Oxford University Press.
    • Kymlicka، (1995). Multicultural citizenship: a liberal theory of minority rights. Oxford: Oxford University Press.
    • Kymlicka، (1999a). Comments on Shachar and Spinner-Halev: an update from the multiculturalism wars. In C. Joppke، and S. Lukes، (Eds). Multicultural questions. Oxford: Oxford University Press، pp. 112-232.

    التعددية الثقافية 

    • Kymlicka، (1999b). Liberal complacencies. In J. Cohen، M. Howard، and M.C. Nussbaum، (Eds). Is multiculturalism bad for women? Princeton: Princeton University Press، pp. 31-34.
    • Kymlicka، (2001). Politics in the vernacular:،nationalism، multiculturalism، and citizenship. Oxford: Oxford University Press.
    • Kymlicka، (2002). Contemporary political philosophy: an introduction، 2nd Ed. Oxford: Oxford University Press.
    • Laitin، (2007). Nations، states and violence، Oxford: Oxford University Press.

    التعددية الثقافية 

    • Levy،T. (2000). The multiculturalism of fear. Oxford: Oxford University Press.
    • Levy،T. (2005). Sexual orientation، exit and refugee. In A. Eisenberg، and J. Spinner-Halev، (Eds). Minorities within minorities: equality، rights and diversity. Cambridge:،Cambridge University Press، pp. 172-188.
    • Masters، (2004). Christians and Jews in the Ottoman Arab World. The roots of sectarianism. Cambridge: Cambridge University Press.
    • Mookherjee، (2005). Affective citizenship: feminism، post-colonialism and the politics of recognition. Critical Review of International Social and Political Philosophy، 8(1)، 31-50.
    • Narayan، (1998). Essence of culture and a sense of history: a feminist critique of cultural essentialism. Hypatia، 13(2)، 86-106.
    • Okin،M..(1999a). Is multiculturalism bad for women? In J. Cohen، M. Howard، and M.C. Nussbaum، (Eds). Is multiculturalism bad for women? Princeton: Princeton University Press، pp. 7-24.

    التعددية الثقافية 

    • Okin،M. (1999b). Reply. In J. Cohen، M. Howard، and M.C. Nussbaum، (Eds). Is multiculturalism bad for women? Princeton: Princeton University Press، pp. 115-132.
    • Okin،M. (2002). Mistress of their own destiny: group rights، gender and realistic rights to exit. Ethics، 112(2)، 205-230.
    • Pareckh، (1999b). The Logic of intercultural evaluation. In J. P. Horton، and S. Mendus، (Eds). Toleration، identity and difference. London: Macmillan Publishers، pp. 163-197.
    • Parekh، (2001a). A response. Ethnicities، 1(1)، 137-140.
    • Parekh، (2001b). Rethinking multiculturalism: cultural diversity and political theory. Ethnicities، 1(1)، 109-115.

    التعددية الثقافية 

    • Parekh، (2002). Barry and dangers of liberalism. In P. Kelly، (Ed). Multiculturalism reconsidered: culture and equality and its critics. Cambridge: Polity Press، pp. 123-150.
    • Parekh، (2003). A response. The Good Society، 12(2)، 55-57.
    • Parekh، (2004). Redistribution or recognition? A misguided debate. In S. May، T. Modood، and J. Squires، (Eds). Ethnicity، nationalism، and minority rights. Cambridge: Cambridge University Press، pp. 199-213.
    • Parekh، (2005). Rethinking multiculturalism: cultural diversity and political theory، 2nd Ed. Basingstoke: Palgrave Macmillan.
    • Phillips، (2007a). Multicultural without culture. Princeton: Princeton University Press.

    التعددية الثقافية 

    • Phillips، (2007b). What is “culture”? In B. Arneil، and others ( Eds). Sexual justice/cultural justice: critical perspectives in political theory and practice. Routledge innovations in political theory. London and New York: Routledge، pp. 15-29.
    • Phillips، (2010). Gender and culture. Cambridge: Polity Press.
    • Quine، V. I.، (1960). World and Object. Cambridge. Mass: MIT Press.
    • Reich، (2005). Minors within minorities: a problem for liberal multiculturalism. In A. Eisenberg، and J. Spinner-Halev، (Eds). Minorities within minorities: equality، rights and diversity. Cambridge: Cambridge University Press، pp. 209-226.
    • Shachar، (2002a). On citizenship and multiculturalism vulnerability. Political Theory، 28(1)، 64-89.
    • Shachar، (2002b). Should church and state be joined at the altar? Women’s rights and the multicultural dilemma. In W. Kymlicka، and W. Norman، (Eds). Citizenship in diverse societies. Oxford: Oxford and New York: Oxford University Press، pp. 199-223.
    • Shachar، (2001a). Multicultural jurisdictions: cultural differences and womens rights، Contemporary Political Theory. Cambridge: Cambridge University Press.

    التعددية الثقافية 

    • Shachar، (2001b). Two critiques of multiculturalism. Cardozo Law Review، 23، 253-298.
    • Swaine، (2005). A liberalism of conscience. In A. Eisenberg، and J. Spinner، (Eds). Minorities within minorities: equality،،rights and diversity. Cambridge: Cambridge University Press.
    • Taylor، (1974). Interpretation and the science of man. In D. Carr، and E. S. Casey، (Eds). Explorations in phenomenology. Selected studies in phenomenology and existential philosophy. The Hague: Springer Netherlands، pp. 47-101.
    • Taylor، (1994b). Reply and re-articulation: Charles Taylor replies. In J. Tully، and D. M. Weinstock، (Eds). Philosophy in an age of Pluralism: the philosophy of Charles Taylor in question. Cambridge: Cambridge University Press، pp. 213-257.
    • Taylor، (1994b). The politics of recognition. In A. Gutmann، (Ed). Multiculturalism: examining the politics of recognition. Princeton: Princeton University Press، pp. 25-73.
    • Volpp، (2000). Blaming culture for bad behavior. Yale Journal of Law & the Humanities، 12-89-116.
    • Volpp، (2001). Feminism versus multiculturalism. Columbia Law Review، 101(5)، 1181-1218.

    التعددية الثقافية 

    • Waldron، (1991). Minority cultures and the cosmopolitan alternative. University of Michigan Journal of Law Reform، 25، 751-794.
    • Waldron، (1993). Liberal Rights: collected papers 1981-1991، Cambridge Studies in Philosophy and Public Policy: Cambridge: Cambridge University press.
    • Waldron، (1996). Multiculturalism and melange. In R. K. Fullinwider، (Ed). Public education in a multicultural society: policy، theory، critique. Cambridge: studies in Philosophy and public policy. Cambridge: Cambridge and New York: Cambridge University Press، pp. 90-120.
    • Waldron، (2000). Cultural identity and civic responsibility. In W. Kymlicka، and W. Norman، (Eds)، Citizenship in diverse societies. Oxford and New York: Oxford University Press، pp. 155-174.
    • Waldron، (2002). One Law for all-the logic of cultural accommodation. Washington and Lee Law Review، 59، 3-36.

    التعددية الثقافية 

    • Weinstock، (2007). Liberalism، multiculturalism and the problem of internal minorities. In A. S. Laden، and D. Owen، (Eds). Multiculturalism and political theory. New York: Cambridge University Press، pp. 244-264.
    • Young، M. (2000a). Inclusion and democracy، Oxford Political Theory. Oxford and New York: Oxford University Press.
    • Young، M. (2000b). Self-determination and global democracy: a critique of liberal nationalism. In I. Shapiro، and S. Macedo، (Eds). Designing democratic institutions. New York: New York University Press، pp. 147-183.
  • التعددية الثقافية والتربية في القرن الواحد والعشرين – غاستون ميالاري / ترجمة: محمد بن الشيخ

    التعددية الثقافية والتربية في القرن الواحد والعشرين – غاستون ميالاري / ترجمة: محمد بن الشيخ


    القسم الأول: مقدمة وملاحظات أولية حول التعددية الثقافية والتربية

    لقد أضحى التسليم بـ التعـددية الثــقافية الراهنة من لدن كافة المجتمعات بمثابة تحصيل حاصل، بحيث إن هذا التسليم إنما يأتي استجابة لنوع من التأثير البيداغوجي الرائج، إلى درجة يحق معها للمرء أن يتساءل عن الجدوى من تدبيج مداخلة من هذا القبيل لإلقائها أمام جمهور معروف بحسن اطلاعه وتتبعه. غير أننا نعترف من خلال الحديث عن هذا الموضوع، أننا كنا مدفوعين بروح المغامرة، التي قد تؤدي بنا إلى أن ننعت، من لدن الجميع، بالإسفاف، لكن هذا لا يهم ما دام الأمر، يحتاج في رأينا، إلى إلقاء الضوء على ذلك التضخم اللغوي المعجمي (وهو التضخم الذي سنعمل على تحديده فيما بعد)، كما يحتاج إلى الكشف عن العديد من السفاسف والترهات العامة، التي أضحت مع الوقت بمثابة حقائق مطلقة. تلك السفاسف التي، وبحكم الزمن، لم يعد لها أي معنى، بالنظر لما تعرفه الأوضاع الحالية من تغير على المستوى التاريخي والجغرافي، كما أننا سنعمل بعد ذلك على إجراء تحاليل أكثر دقة لبعض المفاهيم من قبيل مفهوم الثقافة، ومفهوم التعددية الثقافية، والتبادل بين الثقافات interculture.. وذلك بهدف محاولة التوصل إلى حلول عملية لطالما ظل المدرسون والآباء والإداريون التربويون يترقبونها. إذ مهما كانت الخطابات الفارغة إلى حد ما، التي أثيرت حول المسألة، ومهما كانت التصريحات الساخنة حول الموضوع من لدن السياسيين، ومهما بدا لنا أن الحلول تتوارد على الورق، إلا أنه يجب علينا، ضدا على ذلك، أن نقر بالصعوبات الحقيقية المتعلقة بمعالجة موضوع كهذا انطلاقا من وجهات النظر الثلاث التي سوف نتبناها في دراسته(1):

    ـ وجهة نظر سايكولوجية

    ـ وجهة نظر الباحث

    ـ وجهة نظر بيداغوجية.

    صعوبات الموضوع: “علينا ألا ننخدع في أعدائنا كما يقول رجال السياسة عادة”.

    إن نفس هذه القولة قد تنطبق علينا في تعاملنا مع هذا الموضوع. فبحكم الميل إلى التقليد، فقد كنا نسقط بدون تفكير في البحث عن (كبش الفداء) مرددين على من يريد أن يسمع، بأن المدرسة عندنا في أزمة، وانطلاقا من استعراضنا لعدد مهم من أوجه الفشل الدراسي، سرعان ما نصل إلى خلاصة مباشرة مفادها أن (الخطأ يعود إلى الآخرين!)، أي إلى أولئك الأطفال الغرباء الذين يأتون من بلدانهم للإسهام في الإخلال بالنظام الهادئ تعرفه الحياة المدرسية. وهذا يبدو، حكم جازم، علينا مع ذلك أن نتأكد من صحته خصوصا من خلال النظر عن قرب في النجاحات الدراسية التي يحققها عدد من الأطفال الوافدين من ثقافات أخرى.

    والظاهر أن ما ينطبق على هذا الموضوع، ينطبق أيضا على ظواهر العنف حيث إننا “نعايش في الوقت الراهن نزعا إلى إضفاء طابع العرقية Ethnicialisation على ظاهرة العنف، من خلال ربطها بالتالي بسلالات بعينها”: دوباربيو Debarbieux.

    إذن علينا أن نحترس من الكمائن التي تختفي وراء الكلمات، وبين أيدينا، لهذا الغرض عدة طرق للتعامل مع مصطلحات: التعدد الثقافي والتعددية الثقافية Multiculturalite et Multiculturalisme، والتمثل والتمثلية: Assimilation et Assimulatinnisme، بحيث أن المصطلحين الأولين يشيران على المستوى اللغوي، إلى وضعية وحالة ونتيجة، بينما قد يعني المصطلحان المواليات موقفا سياسيا ذا طابع بيداغوجي، ذلك لأن التعددية الثقافية، من هذا المنطلق لا تعني فقط الإقرار بواقعية أو حدوث التعدد الثقافي multiculturel، بل تعني أكثر من ذلك، اتخاذ موقف من أجل الحفاظ على ذلك التعدد وصيانته، ومن ثمة تقوية الوضعية الناتجة عن ذلك التعدد (وسنرى فيما بعد العواقب والمخاطر الكامنة مثلا في الكمائن التي قد تنصبها لنا الكلمات على عواهنها).

    نفس الملاحظات يمكن إبداؤها فيما يتعلق بمصطلحات: متعدد الثقافات Multiculturel وبين الثقافات Interculturel، بحيث إننا قد نخلط هنا بين وضعية:

    1 ـ “التعددية الثقافية”، وبين سيرورة أو مشروع أو منهجية بيداغوجية تجمع بين عدة ثقافات ولعل هذا يفرض علينا، انطلاقا مما سبق القيام بمجهود أولي لتحديد المصطلحات التالية:

    Monoculturel أحادي الثقافة: يمكن أن نلمس وضعية الثقافة الأحادية عندما تكون هناك ثقافة مفروضة، بحيث أنها تلزم بالانتقال من نموذج ثقافي معين إلى نموذج آخر مغاير، كما يمكن ملاحظة ذلك عندما تحل ثقافة ما محل ثقافة أخرى تاريخيا، والأمثلة متوفرة لا سيما ببعض الدول الشرقية حيث سبق للثقافة الماركسية أن أزاحت الثقافة المسيحية وحلت محلها، كما سبق أن حدث أيضا مع غزو أمريكا اللاتينية من لدن المستوطنين الإسبان.

    2 ـ Poly-pluri ou multiculturel متعدد الثقافات(*):

    نعني بالتعددية في الثقافات أو متعدد الثقافات أو التعدد الثقافي تلك الوضعية التي تتعايش إزاءها النماذج الثقافية في نفس الفضاء، بحيث لا يبعد أن نجد أنفسنا في النهاية في مواجهة “جيتوهات” ثقافية، (مراكز منعزلة)، ونلمس هذه الوضعية في الغالب بالدول المستعمرة حيث يقوم المستعمر بفرض ثقافته متجاهلا الثقافات المحلية، التي تنغلق على نفسها، من جراء ذلك، داخل الجيتوهات من أجل مقاومة الثقافة الغازية.

    3 ـ Assimilationnisme التمثلية (الاستيعابية):

    “وتعني التيار الفكري والعملي الذي يقف في مواجهة المشاكل المتولدة عن التعددية الثقافية الاجتماعية، انطلاقا من موقف معين، لترجيح كفة التيار التمثلي أو الاستيعابي على كفة الثقافات الأخرى، أما من جهة أخرى، فإن التعارض بين الثقافات المرتكز على مفهوم الاختلاف يبدو بمثابة حاجز منغلق على نفسه بإحكام وكأنه على هامش التاريخ” (هانون Hannoun). وسنتحدث فيما بعد عن العواقب الناتجة عن أمثال هذا الموقف على المستوى البيداغوجي(2).

    4 ـ Intégration اندماج:

    لقد أكد عديد من الباحثين (بريطو وفاسكيز خصوصا) أن تعدد الدلالات، التي يحملها ويكتسيها هذا المصطلح، ترتبط بالمكانة الاجتماعية التي يحتلها الفاعل الاجتماعي الذي يتخذها مرجعية له.

    والاندماج هو بمثابة السيرورة التي تكمن في الرغبة في تزويد الشخص الغريب عن الثقافة، التي هو مدعو إلى العيش في كنفها، بالعناصر الأساسية (المعارف والمواقف وطرق التفكير..)، التي من شأنها أن تجعله يبدو بمثابة شخص “سوي Normal”، من منطلق قواعد السلوك، والعادات في المجتمع المضيف والمستقبل.

    ويجدر بنا أن نشير في هذا الصدد إلى الدلالتين اللتين يمكن أن يحملهما مصطلح اندماج: الأولى قد تكون سلبية، باعتبار أن الشخص المعني يكون خاضعا كلية إلى الثقافة المفروضة عليه إلى حد ما، أما الدلالة الثانية، فنجد أن الشخص المعني يبدي كامل الاستجابة للاندماج، ويسهم بالتالي بشكل طوعي في اندماجه الشخصي.

    ـ في العادة، إننا نتحدث عن الوضعية التثاقفية، (بين الثقافات Interculturelle) عندما يتعلق الأمر بحدوث تداخل وتلاق للنماذج الثقافية. وهي ظاهرة نلمسها في العديد من الدول، سواء كان ذلك التداخل فيها يتم عن قصد أم لا، ولعل أحسن مثال يمكن إيراده بالمناسبة، هو المرتبط بفعل الثقافة الأمريكية وتأثيرها في الثقافة الأوروبية، ثم وفي نفس السياق، ألم يقولوا في الماضي القديم، إن الغولْوَا من سكان فرنسا هم الذين ساهموا في إحياء الحضارة الرومانية؟

    أما عن المأزق الثاني الذي يمكن أن توقعنا في شراكه مثل هذه المصطلحات: فيرتبط بالواقعية اللفظية والواقعية الملموسة.

    وإذا كانت التعددية الثقافية بمثابة واقع معترف به من لدن الجميع، فإن السؤال الذي يجب طرحه يتعلق بما تعنيه هذه العبارة بالضبط، تبعا للأمكنة والأزمنة المختلفة؟ ذلك لأن ظاهرة التعددية الثقافية تبقى ظاهرة عامة، لكنها لا تكون متطابقة دائما مع نفسها من منظور الزمان والمكان. ومن هنا تبرز وكما سنرى فيما بعد، الصعوبات حتى لا نقول، استحالة تمرير بعض الحلول (البيداغوجية على الخصوص)، اللهم في حالة اتخاذ عدد كبير من الاحتياطات (من قبيل ما يقوم به بعض المتعاونين الذين يعملون جاهدين لتبرير بعض أوجه التكنولوجيا وطرق العمل أو التفكير في دول تختلف ثقافتها كثيرا عن ثقافتهم الخاصة).

    إن التعددية الثقافية إذن إما أن تكون:

    ـ تعددية داخل دولة تشمل عددا من الاثنيات والمناطق حسب تاريخها.

    ـ تعددية قائمة إلى جانب، أو مع وجود، ثقافة راجحة وما قد ينتج عن ذلك من مشاكل ذات الارتباط بالأقليات الثقافية.

    ـ تعددية ثقافية مفروضة نتيجة لظروف سياسية خاصة: هجرة جماعية مثلا.

    ـ تعددية ثقافية نتيجة لأوضاع سياسية معينة: لاجئون سياسيون مثلا.

    ـ تعددية ثقافية ناتجة عن متطلبات اقتصادية (حالة اليد العاملة المهاجرة من أجل كسب لقمة العيش بدولة أخرى).

    ـ تعددية ثقافية نتيجة لاختيار شخصي (سياحة مثلا أو استقرار في مناطق جديدة)

    ـ تعددية ثقافية في وطن أصلي، مع وجود أقلية قوية جدا، مثل ما هو الأمر بالنسبة للإسلام بفرنسا، حيث أصبح بمثابة الدين الثاني بهذا البلد.

    وهكذا يمكن أن نستمر في سرد أوجه الفرق بين الواقع الحقيقي والواقع المؤسساتي، انطلاقا من حالات عدة دول كفرنسا والولايات المتحدة وانجلترا التي تعتبر دولا متعددة الاثنيات إلى أبعد حد، وذلك على مستوى التركيبات السكانية، وليس على مستوى التحديدات المؤسساتية (مثال: الشعب الفرنسي).

    ومن البديهي ألا يأتي تحليل مختلف الأوضاع، ومختلف الحلول المتبعة لمعالجة الصعوبات والصراعات الناتجة عن التعددية الثقافية، على نفس النمط والشكل وفي جميع الحالات، لأن حالة التعددية الثقافية الباسكية بإسبانيا على سبيل المثال، لا تحمل نفس العناصر التي تتميز بها التعددية الثقافية الكاطالانية الإسبانية كما أن التعددية الثقافية البروطونية Bretonne الفرنسية لا تتميز بنفس الحدة والعدوانية التي اتسمت بها التعددية الثقافية اليوغسلافية (بين المسيحيين والمسلمين).

    أما النوع الثالث من الصعوبات، فيتعلق بتشعب المميزات المحددة الخاصة بكل ثقافة على حدة. فنحن وبصفة مستمرة، عندما نتحدث عن ثقافة ما، إنما نعني في غالب الأحيان، لغتنا، وبعضا من تقاليدها (كاللباس والمطبخ والتغذية..)، غير أننا كثيرا ما ننسى بأن (الثقافة) هي نتيجة لسيرورة تاريخية مديدة ظلت تنسج فيما بين الأفراد والبيئة المحيطة بهم (الجغرافية والاجتماعية والتقنية والاقتصادية)، مجموعة من الروابط الكاملة والمهيكلة التي تتولى تحديد الصورة العامة لتلك الثقافة. كما أنه لكل ثقافة جذورها الممتدة في الماضي. ولكل ثقافة حيويتها الخاصة بها، ومشاريعها المستقبلية وعلاقاتها مع المحيط وأيضا مع الأفراد الآخرين… والآخرين والواقع أن أي ثقافة لا يمكن أن توجد إلا عبر/ ومن خلال أوجه التعبير والإعلان عنها من لدن الأفراد، الذين عن وعي أو بغير وعي، يعيشون تلك الثقافة وينمونها ويعربون عنها، من خلال سلوكاتهم ومواقفهم سواء كانت فردية أو جماعية. وفي هذا الصدد غالبا ما نجد الفنانين والمبدعين يتولون القيام بدور المعبرين عن مستقبل تلك الثقافة من خلال ما ينتجونه عبر أعمالهم المتنوعة (الأدبية والتشكيلية والموسيقية والسينمائية) بحيث يرسمون الخطوط الكبرى للواقعية المستقبلية التي تعكس الخصائص الجديدة التي من المتوقع أن تتميز بها تلك الثقافة. بعبارة أخرى أننا من خلال طرح الصعوبات والمآزق، ننتقل بسرعة من الاهتمام بموضوع الثقافات إلى المشاكل السياسة المرتبطة به (باعتبار أن العامل السياسي يمثل أحد العوامل الأساس في كل ثقافة ثقافة)، كما أن الأمثلة عن الواقع الحالي لن تعوزنا قصد إدراجها بهذه المناسبة، وانطلاقا مما يعرفه العالم حولنا، من مظاهر تتعلق بعودة الروح إلى الوطنيات التي تتمحور حول ثقافات ذات جذور دينية أو تاريخية أو إثنية، ولا يخفى علينا للأسف كيف أن بعض الأحزاب السياسية تعتمد في تقبل التعامل مع المنتمين إلى الثقافات الأخرى المغايرة، أو رفض التعامل معهم، على عامل الاختلاف الثقافي وتستخدمه بالتالي كأحد المحاور الأساسية في برامجها السياسية، ومن هنا فلن نتعرض نحن لهذا الجانب من المسألة.

    الواقع والقوالب الجاهزة:

    عند الحديث عن ثقافة ما، كثيرا ما نقوم، وبشكل تلقائي، باستحضار بعض الخصائص التي نلاحظها لدى بعض الأفراد المعدودين، بحيث جرت العادة، بتعميم تلك الخصائص في قوالب جاهزة من قبيل ما يلي:

    ـ اليهودي هو..

    ـ العربي هو..

    ـ الفرنسي.. الانجليزي..

    بحيث يبدو كأن الإسلام مثلا ينحصر فقط في تلك الخاصية الوحيدة (الخاطئة بطبيعة الحال).

    الوضعية الراهنة مع بعض التعاليق والأرقام:

    لقد وجدت التعددية الثقافية على الدوام بالمدرسة وفي هذا الصدد نذكر بحالة المدرسة الفرنسية في إبان الجمهورية الثالثة، كما نشير أيضا إلى الأعمال الجارية حاليا من أجل إثبات أن الثقافة المدرسية الأكاديمية كانت، من قبل، تختلف عن الثقافة الأسرية، رغم أن مفهوم الثقافة لم يكن قد أخذ بعد مكانته في الفكر المعاصر.

    وعلى كل حال فإن بعض “التعدديات الثقافية” تعرف بكونها مسالمة، وبعضها الآخر ينزع نحو الصراع وكل ذلك باختلاف الأماكن والأزمان.

    ولقد كان هناك دوما أجانب هنا وهناك وفي مختلف الدول، وندرج هنا مثالا من سويسرا قبل عشرين سنة:

    الدولة الأصلية أو مجموعة الدول الأصلية

    العدد

    %

    فرنسا

    2167

    14

    اسبانيا، إيطاليا، البرتغال

    8283

    54

    باقي دول أوروبا الغربية

    2367

    15

    أمريكا الشمالية

    793

    5

    أوروبا الشرقية

    278

    2

    إفريقيا الشمالية

    241

    2

    باقي دول إفريقيا

    232

    1

    أمريكا الوسطى والجنوبية

    363

    2

    آسيا

    434

    3

    أوسيانيا

    76

    بدون جنسية

    15

    المجموع

    15612

    100

    توزيع الأطفال بين 6 و14 سنة حسب مختلف الجنسيات (جنيف) 31/12/1979(*)

    إن الوضعية الراهنة، المرتطبة بالتبادل، والتنقل والبحث عن اليد العاملة، والبحث عن سبل العيش، قد جعلت أوجه التبادل تتنوع وتتعدد، مبرزة إذن مشكلا جديدا لاسيما على مستوى المدرسة أي المؤسسة المدرسية التي سنتحدث عنها فيما بعد. مع العلم أن هناك أحداثا، غير بعيدة تاريخيا، قد أدت إلى تزايد النشاط على مستوى الحركات السكانية:

    ـ من الجنوب إلى الشمال.

    ـ من الشرق إلى الغرب.

    ـ الأحداث السياسية والحروب مثل ما هو الأمر بالنسبة لإيطاليا وألبانيا.

    ـ بروز وضعية ديمغرافية حديثة مثل ما هو الأمر بكندا، ومسألة ال 53 لغة مختلفة و المستعملة بمونتريال.

    القسم الثاني: الأبعاد السايكولوجية لـ التعددية الثقافية والتربية

    “إن شخصية كل فرد منا تأتي حصيلة لتأثير الثقافات المحيطة”

    الأبعاد السايكولوجية لمفهوم (ثقافة): يمكن حصر هذه الأبعاد انطلاقا من الفكرة الأساسية التي تفيد بأن تطور مفهوم (ثقافة) يأتي نتيجة لتأثير ثلاثة عوامل كبرى:

    ـ المعطيات الوراثية والبيولوجية الشخصية؛

    ـ معطيات الوسط المحيط؛

    ـ تجارب الشخص داخل الوسط المحيط.

    وعلاوة على هذا فإن النمو السايكولوجي وتكون الشخصية، يمكن أن يعتبرا بمثابة حاصل ينتج عن نوع من التوازن، يتميز بكونه، دينامي وجدلي في نفس الوقت، بحيث يجمع بين كل تلك العوالم الثلاثة طيلة الحياة، وهي عوامل لا تكتسي التأثير تبعا للفترات الزمنية. ونشير هنا على سبيل المثال إلى فترة المراهقة حيث أن العوامل البيولوجية (بداية عمل الغدد الجنسية)، والعوامل الاجتماعية ثم التجارب الشخصية لا تؤدي إلى اكتساب نفس التوازن _الدينامي والجدلي) إلا بحلول سن 8-10 أعوام حيث يبدو أن معطيات الوسط المحيط (والتربية خصوصا)، ثم التجارب الشخصية حول الوسط المحيط وداخله تكتسي أهمية كبرى أكثر مما تكتسيه العوامل البيولوجية.

    ويمكن أن نميز، والحالة هذه، بين عديد من الفترات المتعلقة بـ:

    ـ الدراسات حول علم النفس القياسي (جيشتل وبياجي)

    ـ “التحليلية النفسية” وتدور كما هو معلوم، حول الأنا والأنا الأ‎على والهو.

    ـ الاهتمام بدور الوسط المحيط (البيئة)، وظروف العيش (والون Wallon) وفي جميع الحالات فالبيئة تمثل كل ما هو مادي وجغرافي وبشري واجتماعي.

    ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الإطار، أن عصرنا الحديث يضيف، ويعطي، مفهوما جديدا للـ(الثقافة)، هو موضوع حديثنا في الفقرات الموالية، وهو مفهوم يثري تصورنا عن نمو الطفل ونمو الشخصية، كما يتيح لنا إمكانات أحسن للتعمق أكثر في إدراك المشاكل المرتبطة بتعددية الثقافات، أي بالمشاكل التي سنواجهها طيلة ما تبقى من عرضنا هذا.

    المفهوم الحديث للثقافة

    علاوة على ما تقدم، ومن خلال مواكبتنا لتطور مفهوم الثقافة نجد ما يلي:

    فقديما كانت الثقافة تعني كل ما هو قابل للتنمية لدى الفرد، كما تعني الثقافة العامة والثقافة الإنسية Humaniste. وهذا الحصر الضيق كان يمثل صعوبة في إدماج الثقافة العلمية مثلا ضمن هذا المفهوم، باعتبار أن هذا الأخير قد ظل محصورا على الخصوص في العلوم الإنسانية الكلاسيكية بحيث ظل أقرب إلى مجالات تكوين الفكر وتحويله في علاقاته مع الأعمال الإنسانية الكبرى لا سيما منها الأدبية والفنية. والثقافة من هذا المنظور ذات طابع شخصي بالأساس وهي كما قال هيريوت Herriot: “ما يتبقى لنا عندما ننسى كل شيء” ومن هنا فهي تعني “الصورة” التي يتشكل عليها الفكر.

    أما التيارات الحديثة في الانتروبولوجية، ثم لدى المدرسة الثقافوية الأمريكية Culturaliste(*) (روث Ruth وبينيديكت Benidict وأبرام كاردينير Kardiner..) قد أعطت مدلولا جديدا لمفهوم “ثقافة”. ويعني هذا المفهوم، بإيجاز أن الأمر يكمن في الفرق بين (الطبيعة) وبين (الثقافة)، بحيث تعتبر ذلك الفرق جوهريا في المسألة، لأنه إذا كان الحيوان يعيش في حضن الطبيعة، فإن الإنسان، بالمقابل يعيش في حضن الثقافة وفي حضن الطبيعة.

    إن للطبيعة قوانينها الخاصة، وهي تعني (الطبيعة) كل ما هو طيب. وشيئا فشيئا تتعرض للتحول بتدخل من الإنسان (التلوث مثلا، ثم الثقافات..)

    ولقد قامت المجتمعات بإضافة عدة مستجدات إلى الطبيعة، عبر سيرورة تحولها من الحالة الحيوانية إلى الحالة البشرية، وما طرأ من جراء ذلك من تنظيم اجتماعي (الذي نلمسه أيضا لدى عديد من التجمعات الحيوانية). ثم ظهور اللغة والمؤسسات، ونظم القيم (المتبعة من لدن أفراد المجتمع الواحد)، والتاريخ، ثم مفهوم الزمان (الماضي والحاضر والمستقبل) حيث نجد أن الماضي يرتبط بدفن الموتى والأماكن المقدسة والأجداد والأسلاف، والمستقبل يرتبط بمواسيم الزرع، بينما يرتبط الحاضر بالفن التصويري، وكل هذا يترجم عبر عملية تشكل ملموسة تتم من خلال أدوات وتجهيزات مادية (أكواخ ومساكن)، وعبر وسائل للوقاية (جلود الحيوانات مثلا، اللباس)، وكل أشكال البناء والتشييد مهما كانت بسيطة. هذا علاوة على شبكة كاملة وخفية من العلاقات والسلوكات المفروضة لاشعوريا على الأفراد من لدن المجتمع ما دامت الحياة قائمة على الأرض.

    ومما تجدر الإشارة إليه أيضا في هذا الإطار، أن الثقافة تنتج، في نفس الوقت، من خلال تطور تاريخي تتولى الجماعات إبداعه في عموميته، كما أن الثقافة تنتج أيضا عن النشاط الإبداعي المتوالي، الذي يقوم به كل فرد على حدة وذلك من خلال ابتكاراته المرتبطة بطرق العيش وأنماط السلوك.

    غير أن علينا أن نتوغل أبعد من هذا في تحليلنا لمسألة الثقافة، إذ أننا لم نتجاوز إلى حد الآن ما هو جمعي (Macro) وعام (Global)، يعني الجانب الشمولي. وبالفعل فداخل أي جماعة معينة نجد أن “ثقافة” المجموعة تتجلى وتعبر عن نفسها عبر عدد من أنماط (الثقافات التحتية sub-culture) الخاصة بكل جماعة على حدة، أو على الأخص بكل جماعة أسرية والجماعات التحتية، ومن هنا فإن ثقافة المزارعين والفلاحين ليست متطابقة مع ثقافة الصناع والحرفيين أو العمال الصناعيين.

    وبالعودة إلى المفهوم الذي أدرجناه حول النمو السايكولوجي للطفل، يمكننا أن نطبق على الرسم البياني، الذي سرنا على هديه، أحد العوامل الذي لا يمكن تجاهله هنا، وهو عامل يرتبط بكون الطفل يعيش داخل ثقافة، هي الثقافة الخاصة بأسرته، كما أن كل ما من شأنه أن يرتبط (بالثقافة) فمنذ بداية الحياة، تبدأ ثقافة الأسرة والبيئة المحيطة بالتدخل في نمو الفرد، وبالتالي في تكوين شخصيته وكذا بالتدخل في المكونات الخاصة بعقليته، وكل ذلك تبعا لسيرورة النمو لديه، مما يدل على أن الفرد يندمج داخل المجموعات المختلفة (الأسرة والمدرسة والمجموعة المهنية والطبقة الاجتماعية..)، بحيث إنه يحس بتأثير الثقافات التحتية لهذه المجموعات الفرعي sous-groupes وهكذا إذن تتشكل المظاهر البارزة الخاصة بشخصية الفرد.

    لقد سبق لعلماء النفس أن بينوا بأن تأثير الثقافة الأصلية يكون على قدر كبير من الأهمية، إلى درجة أنه يرتبط بكل الأبعاد المتعلقة بالشخصية، بما فيها تلك الأبعاد التي تبدو أنها الأقرب إلى الموضوعية، مثل البعد الإدراكي (كاميليري Kamilleri).

    والظاهر أن السايكولوجيين، لا يتفقون، بالفعل في النظر إلى هذا القطاع من الظواهر، بنفس الطريقة، لنأخذ مثلا على ذلك الأنشطة الإدراكية، فإدراك الثلوج مثلا من لدن الهنود الحمر، سكان الشمال، يجعلهم يعبرون عن تلك الثلوج من خلال خمس صيغ أو ست، بالمقارنة مع إحدى الفتيات الصغيرات في أوروبا،التي قد تكتفي بلفظة واحدة هي (الثلج). ولدينا عدة أمثلة حول التمييز مثلا بين اللون الغامق والفاتح، وحول خداع الحواس في مجال البصريات الهندسية، وندرج فيما يلي بعض الأمثلة:

    ـ الدلالات والانفعالات والتعابير المرتبطة بها: وندرج هنا مثالا عن النظر المباشر في العينين، حسب المجتمعات، فالنظرة المباشرة التي تعني “العين في العين” مستقبحة لدى الأفارقة خصوصا عندما يتعلق الأمر بالنظرة المباشرة في عيني الرئيس في العمل.

    ـ أنماط التفكير: مثل الحدس القياسي analogique في الفكر الصيني، والمنهج العقلاني لدى الأوروبيين.

    إذن فعندما (نتدخل) في ثقافة شخص ما انطلاقا من المفهوم الذي سبق أن حددناه للثقافة، فهذا يعني (ملامسة) شخصيته في أعمق أعماقها، أو كما يقول رجال التحليل النفسي: إننا نحمل في أعماق لاشعورنا، ثقافتنا الأصلية منذ بداية تكونها عبر التاريخ، ومن هنا يمكن فهم ردود الفعل العنيفة أحيانا، التي قد يبديها شخص ما، اعتقادا منه بأن هويته قد (كانت موضوعا للتعريض بها) وذلك عندما يجري الحديث سلبيا عن ثقافته.

    الصراع الباطني للثقافات لدى الأفراد

    ويمثل هذا الصراع بالفعل أحد أهم المشاكل الراهنة التي تواجهها نظمنا التعليمية نحن خلال رغبتنا في الإسهام في النشاط الفكري والأخلاقي العالمي، دون أن نخسر شيئا (أو بأقل خسارة ممكنة) من تراثنا الثقافي الوطني من خلال رغبتنا تلك، يبدو أن الهدف المسطر للتربية يرمي إلى تكوين الفرد بصفته في نفس الوقت كائنا ذا شخصية مستقلة، وكائنا اجتماعيا. كما يرمي إلى إدماج الفرد داخل (ثقافة) دون أن يعني ذلك طبعا حرمانه من خصوصياته أو حرمانه من قدراته الفردية. ومما لا جدال فيه أن عصرنا الحديث يعيش تضخما في الغايات التربوية Finalités العامة، غير أن المقصود طبعا يبقى مرتبطا بتنمية الفرد بكامل مؤهلاته المحتملة، بهدف إدماجه داخل المجتمع الذي يبني عليه بعض الآمال.

    بل وأيضا من أجل تهيء الفرد حتى يكون مستعدا للدخول في الآفاق الاجتماعية العالمية التي تعرف توسعا مضطردا وتفتحا مستمرا، وهذا يعني أن نجعل من ذلك الفرد عضوا قادرا على التفتح على الثقافات الأخرى المغايرة لثقافته، مما يفترض والحالة هذه، قيام بيداغوجية حديثه تكون مبنية على الانفتاح، كما تعمل على تزويد الشخص بأكبر عدد من الأشياء العامة المشتركة، دون أن تقتلعه، مع ذلك من ثقافته الخاصة. إذن يغدو من الضروري أن نجد الطريقة الفعالة (بالمفهوم التربوي) التي ننطلق فيها من كل الثقافات الموجودة، دون أن نحرم أي واحدة من تلك الثقافات من حقها في الوجود، وبالتالي دون أن نبخسها حقها في الوصول إلى جذع مشترك من القيم التي تستطيع إدماج كل الثقافات الوطنية دون إفقارها أو تشويهها. إلا أن هذه الثقافة الجديدة يجب ألا تكون مجرد انعكاس باهت لما هو مشترك بين جميع الثقافات الأخرى، مما يحتم علينا بذل مجهود للتخيل والإبداع، يشارك فيه بالضرورة، كل المربيين وفلاسفة التربية.

    فعلا لقد ألفنا أن نتحدث عن تعددية الثقافة عندما يتعلق الأمر بالجماعات والمجموعات الصغرى غير أن كل فرد على حدة، وكما قمنا بتبيانه، يحمل في دواخله ثقافته الخاصة، ويبقى المشكل البيداغوجي في هذه الحالة، مرتبط بتحديد الطريقة التي على رجل التربية أن يلجأ إليها ليتدبر مسألة التعددية الثقافية لدى تلاميذه، انطلاقا من ثقافته الخاصة هو في حد ذاته. إنها كما يبدو قضية لم تكن مطروحة بالأمس على المستوى التربوي، وها هي اليوم تفرض نفسها علينا بإلحاح، باعتبار أن هذه الظاهرة المتعلقة بالتعددية قد اكتسبت حجما أكبر، تبعا للتحولات والوقائع الاجتماعية الحديثة التي أبرزناها قبل قليل.

    إذن إن المشكل الذي نواجهه في هذا الصدد ذو طبيعة مزدوجة، يرتبط أولا بالكيفية التي ندخل من خلالها، في عملية تواصل مع الأفراد المنتمين إلى الثقافات الأخرى المغايرة لثقافتنا. وهذا المشكل مما لا شك فيه، يمثل حجر الزاوية في ربط العلاقات الإنسانية ما دامت ثقافاتنا بصفة عامة بما فيها التحتية والأسرية والشخصية تختلف اختلافا كبيرا عن بعضها البعض، بحيث يمكن اعتبارها بمثابة أصل المشاكل في الميدان التربوي، مادامت التربية في حد ذاتها ظاهرة تواصلية قبل كل شيء. كما ترتبط ثانيا بالمجال المفتوح أمامنا لاتخاذ المبادرة للعمل على تحويل المعطيات الأساسية لـ (ثقافة) (ثقافات فرد ما؟). بعبارة أخرى هل يوجد حل تربوي لتجاوز التعددية الثقافية، التي هي وكما تأكدنا من ذلك واقع إنساني له طابع مدرسي.

    وهل من الممكن ثالثا، الملاءمة والتوفيق بين جميع الثقافات الشخصية، ثم السير، انطلاقا من ذلك وبفضل التربية، نحو ثقافة واحدة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فنحو أي ثقافة نتوجه؟ ولا يخفى عليكم طبعا الخصائص ثم المخاطر الكامنة خلف هذه الأحادية الثقافية المدرسية.

    وهذا ما يتطلب منا تحليل سيرورات التواصل من أجل أن نفهم جيدا الصعوبات. وفي نفس الوقت، الإمكانيات المتاحة، وكذا الحدود التربوية المتوفرة، وذلك انطلاقا من أخذنا بعين الاعتبار لمجموع هذه العوامل “الثقافية”.

    مشاكل التواصل: تحليل المخطط البياني:

    ـ فيما يتعلق بالرموز، نشير إلى أنه لا يكفي فقط حفظها عن ظهر قلب (حالة اللغة مثلا)

    ـ أما المعاني المختلفة التي تحملها هذه الرموز:

    *بالنظر إلى موضوع الشخصية،

    *بالنظر إلى التجارب الشخصية،

    *بالنظر إلى الثقافة الراجحة: (مثال: ليس من اللائق النظر مباشرة

    في عينين الرئيس).

    الإدراك

    مصادر الخطابات الترميز البث الإرسال التلقي حل الرموز

    والتأويل

    ملاحظات موجزة حول بعض الفقرات من هذه الخطاطة:

    1 ـ إن مصادر الخطابات (الرسائل) متعددة بشكل كبير: تأتي من أوساط: مادية وجغرافية… وبيئية، ثم من أوساط اجتماعية (الأسرة وأوساط اجتماعية مقربة…) أما التعبير عن مختلف المواضيع البيئية فيتم بطرق إيمائية، ومواقف عامة، ومن خلال لغة الحديث اليومي.

    ـ بالفعل إن كل الأبعاد المتعلقة بالثقافة الراجحة تبعث بخطابات كل حسب طريقتها الخاصة.

    2 ـ إن كل الرسائل أو الخطابات، والتي يتم إرسالها، تخضع للترميز إما بطريقة عادية (حالة الإدراك مثلا وهو مثال يبقى قابلا للنقاش) وإما عن طريق الثقافة (مثلا الدلالات المتعلقة بالإيماءات والحركات في الثقافات المختلفة)، وإما عن طريق اللغة.

    وتجدر الإشارة إلى أن بعضا من هذه الرموز Codes تكتسب وفق نمطية الارتكاس الشرطي، بينما بعضها الآخر يتوقف اكتسابها (كاللغة مثلا) على التمرن والتدريب.

    3 ـ إن الفرد وهو منغمس كلية وسط كل تلك المحفزات الموجهة إليه، يتقبل شعوريا أو لا شعوريا) بعضا منها ويرفض أخرى وإذا أردنا أن نعلق على هذا الأمر نقول إننا نجد هنا مشاكل ذات علاقة بالحوافز (الحوافز المدرسية مثلا).

    4 ـ من أجل الرموز في الرسائل أو الخطابات المتوصل بها، يجب الاطلاع على طريقة الترميز، وإلا فإن التواصل يتعرض للانقطاع، أو أن عملية التواصل لن تتم على الوجه الأكمل، وهذا ما يمثل المشكل الأساس المرتبط بالتمرن على لغة التواصل بهدف اكتسابها، بل إنه يمثل أيضا المشكل المرتبط بالتمرن على المواقف الإيمائية، أي على الرموز ما بعد اللغوية Paralinguistique أو اللغوية الخاصة.

    5 ـ يؤدي الحل الأصوب للرموز إلى مستوى أعلى للإدراك (الأرض كروية الشكل).

    6 ـ إن حل الرموز الذي يؤدي إلى فهم جيد، يصاحب عادة بنوع من (التأويل) للخطاب الذي فكت رموزه وفهم مضمونه ومن هنا ندرك الأهمية الكبرى والحضور الراسخ للثقافة الراجحة المسيطرة.

    ومع ذلك، قد يحدث لدى البعض عدم الفهم والإدراك، رغما من امتلاك الرمز المشترك، كما قد نجد انعدام التفاهم لدى بعض الناس، حتى وإن كانوا يمتلكون نفس الرمز.

    القسم الثالث: مظاهر “البحث العلمي” و التعددية الثقافية والتربية

    البحوث العلمية في هذا الميدان

    ليس في نيتنا هنا رسم نظرة عامة على البحوث العلمية التي أجريت في مجال التعددية الثقافية، ويمكن أن يتصور القارئ مدى الصعوبة فيما يخص هذه النقطة. وسنقتصر هنا على الإشارة إلى بعض رؤوس الأقلام والخلاصات من قبيل ما كتب باييت Payet وفان زانتن Van Zanten(3)، وستكتفي بإبداء بعض الملاحظات حول المشاكل العلمية ذات الارتباط الخاص بموضوع التعددية الثقافية.

    تفتح تصور التعددية الثقافية المجال، وكما رأينا، لإثارة نقاشات مطولة، سواء على المستوى الفلسفي أو على المستوى السياسي. لكن كيف يمكننا ملامسة المشكل على المستوى العلمي؟ وإذا كان كل الكتاب يشيرون إلى وفرة النصوص ذات الارتباط بالموضوع (مواقف وبرامج سياسية، تصريحات بالمبادئ، تقارير حول بعض التجارب والتطبيقات التربوية) فإننا نلمس، رغم ذلك فقرا نسبيا في الأبحاث العلمية، خصوصا من زاوية المفهوم العلمي الذي نخصصه لهذا الموضوع، بحيث تتجلى بوضوح صعوبة الفصل بين النصوص ذات المرجعية السياسية، وبين الأعمال أو الدراسات العلمية الحقة، حتى ولو ظل الفصل في نطاق الممكن في هذا المجال.

    ويبدو من البديهي، منذ البداية، أن على الباحث أن يأخذ حذره عند مباشرة دراساته لهذا الموضوع، بحيث ينطلق من التعريفات والأوضاع الواضحة، ومن خلال الاعتماد على معايير أكثر دقة للتعريف بالقضايا ووصفها(4). ومن جهة أخرى إن المشكل، مثله في ذلك مثل سائر المشاكل العلمية، لا يمكن أن تجري ملامسته أبدا في شموليته وفي مجموعه وعلى تماميته sa globalité بالنظر إلى أن عدد المتغيرات يكون على درجة كبرى من التوسع إلى درجة أن حواسبنا، ومهما بلغت من القدرة، لا بد وأن تلزمنا بعزل قسط منها (المتغيرات) بهدف تحليله على حدة. ويبقى المشكل التكميلي عندئذ هو كيفية القيام بربط القسط المعزول سابقا بالأقساط الأخرى؟ أي أن هذا المجال، مثل ما هو الأمر بالنسبة لغالبية المجالات العلمية، يتطلب دوما أن نقوم بتأويل المعلومات الرقمية بالخصوص، على ضوء الوضعية العامة(5) بحيث يصبح الاختلاف في العدد وفي الكمية متطابقا مع الاختلاف في النوعية والصفة، وهذا ما يترتب عليه وجوب اتخاذ الاحتياطات المنهجية الابستملوجية من لدن الباحثين، إن الصعوبات والحالة هذه تكمن في كون اللوحة الاجتماعية هي لوحة متحركة، مما يجعل عقد المقارنة بين الأجيال صعبا جدا.

    لقد جرت العادة عند الحديث عن التعددية الثقافية أن نقارنها بأبسط التصورات الخاصة بالطفل المهاجر، لكن وهنا أيضا يجب التنبيه إلى أن مفهوم “مهاجر”) ينبغي ألا يخفي علينا التباين الداخلي الذي لا بد وأن يوجد بين مجموع الأطفال المهاجرين.

    كما نشير بهذا الصدد، إلى إحدى الدراسات الدقيقة التي توصلت إلى الكشف عن عدد من القوالب الجاهزة المستعملة عادة (كالتلميذ الآسيوي الجيد) وإذا كنا نأخذ بعين الاعتبار مختلف الدول التي وفد منها الأطفال المهاجرين، وكذا السنوات التي جاء فيها أولئك التلاميذ إلى فرنسا، فإنه يبقى على الباحث أيضا أن يدخل في اعتباره مختلف تيارات الهجرة تبعا للفترات التاريخية، مع أنه من البديهي ألا تكون حركات الهجرة التي تلت سقوط جدار برلين مثلا، قابلة للمقارنة مع حركات الهجرة التي جاءت مثلا نتيجة للحروب، أو نتيجة لما كان يعرف سابقا بيوغوسلافيا، لا سيما وأن حوافز الشعوب لا تأتي دوما على نفس الشكل، أو بعبارة أخرى إن علاقة تلك الشعوب مع الثقافة الأصلية لن تبقى هي هي بمجرد ما توضع الرحال بالدول المستقبلة، ولن تبقى على نفس الشكل تبعا لمختلف الوضعيات والحالات.

    إذن ومن خلال تطبيق هذه الاحتياطات فإن التحليل العلمي للأوضاع الخاصة “بالتعددية الثقافية”، يمكن أن يستعمل جميع المناهج والتقنيات المعروفة في العلوم الإنسانية(6).

    1 ـ المناهج المتبعة، وهي

    ـ المقابلات من النوع الاثنو/منهجي التي تستعمل عادة جميع أنواع الملاحظة، المباشرة منها أو التي تكون في شكل وثائق تسجيلية.

    ـ جميع مناهج المقابلات والتحقيقات؛

    (من أجل توضيح هذا النوع من المناهج واستعمالاتها، انظر أعمال أنا فاسكيز Anna Vasquez وبريطو Brito: دراسة نسقية للعلاقة بين الندين (Pairs) داخل المدرسة، حيث أن المعروف عن الندين أن علاقتهما تكون متناغمة في غالب الأحيان).

    ـ جميع أشكال التحليلات الإحصائية (انظر: المثال الإحصائي أسفله).

    2 ـ من البديهي في هذا الميدان التربوي، أن تكون الأسئلة المطروحة، أو التي نطرحها على الباحثين، متعلقة بالتدريس، وكذا بمقارنة مسار التدريس، لدى الأطفال أبناء البلد الأصليين والأطفال المهاجرين، ثم التأثيرات التي قد تبرز من جراء وجود أطفال ينتمون إلى ثقافات مغايرة، بحيث إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتم علينا العمل على القيام بتحليل المتغيرات ذات الصلة الوثيقة بالموضوع أي المتغيرات التي تدخل في صلب الموضوع، والتي على التحليل أن يأخذها بعين الاعتبار.

    3 ـ مثال عن بحث أجري بفرنسا حول والتحصيل المدرسي للأطفال الوافدين من بلدان أجنبية مع تأويل لنتائج البحث: اختيار مبني على معطيات فرنسية.

    ـ تعريف دقيق للمشكل المراد دراسته: “نعني بلفظة تحصيل مدرسي للأقليات الوافدة عن طريق الهجرة، تلك السيرورة التي يتم عبرها، ومن خلال تدرج التمدرس فيها، ذلك التعلم الذي يقطعه الأطفال، المنتمين إلى الأقليات المهاجرة، وما يطرأ عليه من تحسن وتقارب مع المسارات المدرسية التي يستطيع التلاميذ الآخرون تحقيقا في المتوسط”.

    وهذا ما يدفعنا إلى القول بلزوم تحديد ماهية الاختلافات التي تكمن بين مجموعة الأطفال المهاجرين، ومجموعة الأطفال الآخرين، وذلك طبعا على صعيد مسارهم الدراسي: بما في ذلك النتائج الدراسية والمجالات المفتوحة للتوجيه نحو مختلف المستويات التعليمية، ثم التكرار.

    ومن جهة أخرى، يلزم أيضا محاولة تمييز كل تلميذ على حدة، على ضوء عدد من المتغيرات ومن جملتها المتغيرات التي تتصف بقدر من الثبات (متغيرات مستقلة)، وذلك بهدف دراسة درجات الاختلاف في المتغيرات الملحقة بغيرها (تابعة): وهذا يعني دراسة الفوارق بين المجموعات.

    ـ أما عن المعايير المتبعة في التحديد، فقد اختار الدارسون منها ثمانية معايير ترتبط كلها، من وجهة نظر إحصائية، بهجرة الطفل أو والديه. وفي هذا الإطار، سنقوم فيما بعد، باستعمال التعبير التالي: (الانتماء إلى المجموعة السكانية الأجنبية والانتماء إلى مجموعة المهاجرين). وهذه المعايير هي كما يلي:

    *جنسية التلميذ (فرنسي أو أجنبي).

    *جنسية التلميذ انطلاقا من سبعة مناطق أو انطلاقا من مجموعة من الدول

    المختلفة.

    *مسقط رأس التلميذ.

    *عدد سنوات التمدرس خارج فرنسا.

    *أقدمية الوالدين بفرنسا.

    *لغة الحديث بالبيت.

    *الطبقة التي ينتمي إليها التلميذ، وهذا المتغير ذو الطابع التركيبي، جاء نتيجة

    عملية تنسيق جمعنا فيها بين عناصر الجنسية ومسقط الرأس ثم اللغة.

    *عدد المواصفات التي تتخذ صفة للأجنبي: لكي يعتبر فرد ما أجنبيا لا بد وأن تتوفر فيه إحدى الخصائص الخمس التالية: أن يكون المعني بالأمر من جنسية أجنبية، أن يكون قد ولد خارج دولة فرنسا (دون المستعمرات). أن يكون قد قضى على الأقل سنة دراسية خارج فرنسا، ألا يكون له قريب من الأسرة عاش حياته كلها بفرنسا، أن يكون له أقرباء يتحدثون بصفة مستمرة، لغة أخرى غير الفرنسية.

    وتبقى الإشارة إلى أن من شأن التحليل الإحصائي أن يفتح المجال للقيام بتحليل جميع المعطيات المحصل عليها. أما العينة التي بين أيدينا في الجدول الموالي فتشمل 18657 تلميذا، وسنكتفي، بعرض نتيجتين فقط على سبيل المثال:

     

     

    (18657 = N)

    (18538 = N)

     

     

    انعدام التكرار بالمدرسة

    انعدام التكرار بالإعدادي واقتراحات التوجيه بالثانوي

    جنسية التلميذ

    قبل

    فرنسي

    أجنبي

    3،76%

    22.0-

    5،48%

    15.6-

     

    يتحدثون لغة أخرى مع أبنائهم

    لا

    نعم

    3،76%

    13.0-

    5،48%

    10.4-

     

     

    عدد المواصفات التي نصدر على ضوئها صفة أجنبي

    لا أحد

    1.

    2.

    3.

    4.

    8،76%

    2.9-

    10.2-

    18.3-

    29.7-

    7،48%

    3.7-

    7.0-

    15.2-

    15.8-

     

     

     

    جنسية التلميذ عبر سبعة (7) مناطق

    فرنسي

    مغاربي

    أفريقي آخر

    أوربا الجنوبية

    آسيا الجنوبية الغربية

    تركي

    آخر

    3،76%

    25.1-

    *24.0-

    20.2-

    *7.9-

    31.4-

    8.4-

    3،48%

    17.1-

    *18.1-

    17.1-

    *9.6-

    19.2-

    0.6-

    تعليق مختصر: يتجلى من خلال الجدول أن الفوارق في النسب المأوية تميل إلى التناقص، غير أن تحليلا نقديا إضافيا يبقى ضروريا لتقديم تأويل ملائم لهذه الاختلافات، ومع ذلك يمكننا أن نتحدث عن هذه المعطيات، التي سمحت لنا بالقيام بتحليل إحصائي معمق.

    نتائج أخرى

    ـ بناء على عدد من البحوث المقارنة بين النتائج المدرسية للأطفال الفرنسيين، والأطفال الأجانب، توصلنا إلى الملاحظات التالية:

    حصول تأخر ملموس لدى الأطفال الأجانب، بينما ظلت منافذ التوجيه محددة في الغالب، وفي انحصارها في التعليم القصير. غير أن هذه النتيجة الشمولية يمكن أن تتعرض لبعض الاختلافات الدقيقة على ضوء جنسية التلميذ، وكذا على ضوء المستوى السوسيو اقتصادي للأسرة التي ينتمي إليها.

    مثلا: الفروق بين معدلات الانتقال إلى السنة الرابعة للتلاميذ الفرنسيين والتلاميذ الأجانب تتمثل في كوننا نجد 65.1% بالنسبة للفرنسيين(7) مقابل 51.7 لدى الأجانب (دراسة أجريت على 2500 تلميذ من أكاديمية ديجون بفرنسا).

    ـ كما نلمس نفس النتائج، المتعلقة بالفوراق، في الخصائص الدراسية بين الذكور والإناث، حيث يكون السبق من حظ الإناث.

    القسم الرابع: الأبعاد البيداغوجية في التعددية الثقافية والتربية

    الحلول البيداغوجية: تحليل نقدي(8)

    ملخص لتصوراتنا التربوية: من البديهي أن يعني التفكير في التعددية الثقافية في نفس الوقت طرح مجموع المشاكل التربوية على بساط البحث، ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري أن نضع خطاطة بل ومنذ البداية أن نرسم لوحة عامة لتصوراتنا التربوية، حتى ولو أدى بنا الأمر، بطبيعة الحال، إلى تبيان كيف دفعنا تأملنا في التعددية الثقافية، إلى إجراء بعض التعديلات على هذه التصورات.

    1 ـ لمحة موجزة عن تصورنا التربوي من خلال الذاتي.

    ـ على التربية أن تستعين بتجربة الطفل، ثم في ضوء هذه التجربة، الانطلاق معه في بناء السيرورة التربوية.

    ـ التربية تعني إعادة بناء المعرفة بشكل ذاتي.

    ـ تعني التربية تكوين الشخصية تكوينا تاما على جميع المستويات المادية والفكرية والأخلاقية والعاطفية والاجتماعية والفنية.

    ـ على التربية أن تضمن نوعا من الترابط الاجتماعي، من خلال تزويد جميع الأفراد بالحد الأدنى من التكوين المشترك، وهنا يكمن الدور التنشيئي للمدرسة.

    بالفعل إن الأمر، وحسب هذه التصورات، يتعلق بإيجاد قدر من التوازن، فيما بين المتطلبات الاجتماعية، ومتطلبات النماء الشخصي لدى الفرد، وهذا التوازن ليس من السهل إيجاده دوما.

    أما على صعيد المبادئ التربوية الكبرى:

    ـ الأحادية الثقافية Monoculturalisme والاستيعابية (التمثلية) Assimilationnisme وهما تصوران يكونان معا زوجا ثنائيا، بل وعلينا أن نضيف إليهما مفهوم “الثقافة الشمولية” Universelle. وهذا ما كان يعكس الوضع الثقافي في القرن الماضي، حيث كان الاعتراف ينحصر في ثقافة الرجل الأبيض الأوروبي المتحضر، مما جعل الحلول التربوية المتبعة في الدول المستعمرة، في أواخر القرن الماضي، تتطلب اللجوء إلى استعمال “الثقافة الرسمية” بحيث كان الأطفال الأفارقة يتلقون مثلا درسا تحت عنوان: أجدادنا الغاليون !! Goulois). كما تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة الاعتراف بالجميل للباحثين الانتروبولوجيين الذين توصلوا إلى إقناع العالم بوجود ثقافات أخرى غير الثقافات الأوروبية، من أمثال ليفي ستراوس ومارغريت ميد وما لينوفسكي،… لا سيما وأنه من الصعب في الوضعية الإنسانية الراهنة، تقبل الفكرة التي تدعى وجود ثقافة إنسانية وحيدة من النوع الكوني Universel، وبهذه المناسبة لا يفوتنا التنويه بالجهود المشكورة التي تقوم بها اليونسكو في هذا الإطار.

    ولكن هذا يلزمنا الإشارة إلى بعض الانحرافات الممكن حدوثها رغم النوايا الحسنة، فوجود غرباء مهاجرين ببلد مستقبل ما، قد يدفع مثلا بالمسؤولين، ومن بينهم بعض رجال التربية، إلى اعتبار أنه من الواجب، ومن مصلحة التلاميذ، إدماج هؤلاء القادمين الجدد في المجتمع، الذي عليهم أن يتهيأوا للعيش فيه، مما يعني، وكما أشرنا إليه من قبل، الاكتفاء من بين جملة العوامل المخولة للمدرسة، بعامل واحد ينحصر في المهمة التنشيئية.

    ونعتقد أنه لاداعي للإلحاح على هذا الموقف التربوي الملاحظ في الدول وفي الثقافات ذات الطابع السلطوي (حتى وإن كان الأمر لا يتعلق إلا بأحد أقصى حدود الرقعة السياسية).

    – التعددية الثقافية: Le multiculturalisme : تبعا لـ: د.هـ. هنون: Hannoun “تنبني الدعوة إلى التعددية الثقافية عبر ذلك الموقف الذي يميز جماعة بشرية ما، والتي تؤكد من خلاله، على أن ثقافتها تختلف جوهريا، وبدون جدال، عن الثقافات الأخرى، مع العلم أنها (الجماعة) لا تدعي مع ذلك، بأن ثقافتها الخاصة تستوعب بالضرورة الثقافات الأخرى. أي أن المشهد الثقافي، والحالة هذه، يتشكل في لوحة فسيفسائية من الثقافات المتعددة وذات الحدود المرسومة بدقة صارمة، تجعل لكل ثقافة على حدة مجالها الخاص بها، أي أننا نجد في ذلك المشهد: الأنا Le Moi في مقابل الآخرين Les autres أو ثقافات الآخرين الممتزجة كلها في القالب الوحيد للغيرية Altérité”.

    إذن فالهدف الأساسي كما يتبين من هذا التعريف، هو الاحتفاظ ما أمكن بخصوصية الجماعة. أما العواقب المباشرة لهذا الموقف، فتتجلى في نزوع الجماعات إلى الانعزال من أجل الدفاع عن أصالاتها، مما قد يؤدي بالتبعية إلى تكوين (غيتوهات Ghettos) ثقافية لا تستفيد من الثقافات الأخرى، ولا تفيدها بأي شيء. والجدير بالذكر هنا، تلك الصعوبة المتعلقة بالتطبيق الكلي للتعددية الثقافية، الذي توحي به تلك الفكرة التي تقول “إن لكل الثقافات مميزاتها الخاصة، التي لا تقل أهمية عن المميزات التي تتحلى بها الثقافات الأخرى”، إذن، فهذه المشكلة تطرح علينا صعوبات عويصة عند وضعها على بساط البحث، لا سيما وأننا لا يمكن أن نحكم على أية ثقافة إلا من خلال ما ترسخ لدينا من اقتناعات ثقافية خاصة، وليس هناك في الأخير أي مقياس مطلق وشمولي لعقد المقارنة.

    أما على المستوى المدرسي، فإن هذه الوضعية المتعلقة بالتعددية الثقافية تبرز في الواقع نسقين تربويين يوجدان معا في خطين متوازيين، ونعني بهما النسق التربوي الخاص بالمجتمع المستقبل الذي سيحاول فرض تصوره الثقافي الخاص، ثم النسق الخاص بالأقليات (لا سيما على مستوى التعليم الديني: كالتعليم الديني المسيحي بالنسبة للأطفال الفرنسيين، والتلمود بالنسبة للأطفال ذوي الأصل اليهودي، ثم القرآن بالنسبة للأطفال ذوي الأصل الإسلامي).

    من هنا، نرى وجوب الانطلاق في دراسة الإجراءات المتخذة في بعض الدول لإيجاد الحلول لمشاكل الأطفال المهاجرين: إذ قد تكون تلك الحلول في فتح فصل دراسي خاص، أو في برمجة بعض الدروس للتكيف والتوافق، من شأنها أن تفتح المجال لقدر من الاندماج الأولي، اندماج قد يهيئ الظروف للعودة إلى النظام المدرسي العادي: (دروس لتلقين لغة المجتمع المستقبل على الخصوص).

    وفي موازاة مع هذا قد نجد أيضا برمجة تعليم تكميلي ينصب على الاحتفاظ باللغة الأم لدى المهاجرين، كما يرتكز على أسس الثقافة الأصلية لدى هؤلاء وذلك بهدف تيسير عودتهم إلى وطنهم الأصلي عند الاقتضاء، والجدير بالذكر أن هذه الإجراءات البيداغوجية لا تأتي منفصلة عن المواقف السياسية للبلد المستقبل.

    مجمل القول يمكن الإشارة إلى أن وراء ذلك التوحيد الممركز Centraliste في الموقف الاستيعابي، ينعكس نوع من التفكك في بنية المدرسة في إطار البحث عن أكبر قدر من التنوع (هانون، ص 76)

    التبادلية بين الثقافات Interculturalisme

    من البديهي أن يكون المنطلق للبحث عن حلول للمشاكل التربوية من منظور التبادلية الثقافية الديناميكية، غير أن هذا لن يتم دون أن تبرز إلى السطح عدة مشاكل صعبة كما أشارت إلى ذلك كاميليري Camilleri في مؤلفها (الانتروبولوجية الثقافية والتربية)، حيث قالت: “من البديهي أننا لا يمكن أن نقتصر في الميدان التربوي، على حالة واحدة من أوجه التعددية الثقافية، لما قد يتسبب فيه ذلك من انعزال كل منا داخل الغيتو Ghetto الثقافي الخاص به”. ويبدو أن اللجوء إلى التبادلية الثقافية يمثل الحل الأنسب الملائم للعملية التربوية الإيجابية، غير أن أي تبادل للحديث أو النقاش حول مواضع كالثقافات المغايرة، والثقافة الخاصة وثقافة الآخر، لا يمكن أن يجري دون أن يكون سببا في إثارة نزعات عميقة وعاطفية، غالبا ما تتصف بالعدوانية والعنف، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إلا أننا نعتقد جازمين أن على المربي أن يبدأ، من المدرسة، بتعويد التلاميذ على الاعتراف بالآخر وتقبله وتبادل العلاقات الطيبة معه، مع ما يندرج في ذلك من قبول ثقافة الآخر وعاداته في الحياة وطرق التفكير. فالحوار يجب أن ينطلق من المدرسة وأن ينعقد بين الأطفال من أجل بناء أسس الحوار اللاحق بين الكبار الراشدين، ولا ريب أن هذه المسألة مسألة تربوية ليست سهلة على الحل أو المعالجة، بل تتطلب التعمق فيها بقدر الإمكان.

    وذلك ما سنسعى القيام به فيما يلي:

    يمكننا في البدء، أن نتساءل عن طبيعة الشكل الثقافي الذي على المربي أن يوصل إليه تلاميذه؟ وكيف يمكن إعداد برنامجين ثقافيين جديدين، في حاله ما إذا كان هذا ممكنا؟

    مهما يكن، فمما لا جدال فيه أن هذا الميدان يتطلب القيام بجهد كبير للتأمل والتفكير لأنه لا يمكننا الاكتفاء فقط بتناول ما هو مشترك بين جميع الثقافات من أجل أن نصنع من ذلك الحاصل رمزا للثقافة الأوروبية الجديدة.

    فهذا الحد الأدنى الفسيفسائي، سيأتي دون شك، فقيرا جدا إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية المفاهيم Conceptuellement، كما أنه لا يمكننا أيضا أن نكتفي فقط بتجميع العوامل (الخصائص) الأصيلة والمتميزة في كل ثقافة على حده من أجل أن نكون من تلك العوامل مزيجا يشمل كل ما هو جيد، لأن هذا الخليط لن يستطيع أن يجمع إلا عددا قليلا من النقط المشتركة بين جميع الثقافات الأخرى، بحيث لن يكون إلا بمثابة باقة بدون عطر أو أريج، وعلاوة على ما سبق، لا يمكننا من جهة أخرى أن نقصي كل الأبعاد المتناقضة التي يمكن أن تجملها تلك الثقافات من قبيل المقاصد التربوية لدى الدول الغربية مثلا. وفي هذه الحالة لا يبعد أن نسقط في مغبة ما يسمى بثقافة الإقصاء. من الضروري إذن البحث عن النماذج الثقافية المقبولة من لدن الجميع، أو العمل على ابتكارها، بحيث نجعل منها نماذج قادرة على إدماج جميع ما في الثقافات المحلية من كنوز في جذع مشترك مقبول من لدن الجميع. وفي نفس السياق هناك مسألة التوازن الذي علينا إيجاده بين المقاصد Finalités العامة والشمولية، والمقاصد الخاصة بكل جماعة سكانية، وهكذا يصبح على كل نظام من الأنظمة المسطرة لتحديد المقاصد، أن يدخل في حسبانه الواقع التاريخي، والعوامل الجغرافية والاجتماعية، والسياسية والتقنية للبلد، وهو ما يكاد يكون من قبيل المستحيل. هذا وقد يطرح البعض نفس السؤال المطروح آنفا لكن بصيغة أخرى: كأن يقول مثلا هل سيكون من الممكن استحداث لغة جامعة شمولية؟ ألن تتولد هذه اللغة، من جهتها، عن سيرورة تاريخية طويلة المدى تأتي نتيجة لعقد عديد من اللقاءات والحوارات والمواجهات وبرامج للتعاون بين مختلف الثقافات؟

    ومن هذا المنطلق لا يسعنا إلا العودة إلى التذكير بالأفكار التكميلية حول بيداغوجية التبادلية الثقافية التي أعربت عنها كاميليري/ “وراء هذه الحركة الثانية(المعارضة لما كان يعرف بتعدد الثقافات Polyculturalité) تكمن إحدى الإيديولوجيات، التي لا تدعو فقط إلى تراتبية الثقافات أو تدرجها، بل تتحدث إذن عنها باستعمال صيغ تدل على التنوع والاختلاف وليس على التفاوت، غير أنها، علاوة على ذلك، تثمن الاختلاف الثقافي، وتنظر إلى الاختلاف بين الثقافات باعتباره منبعا للإغناء والتفتح. وهذا ما يمثل المبرر الأول، لإطلاق اسم “التربية التثاقفية” حسب ما أشار إليه م.ريموند ألمين، ذلك لأن هذه التسمية “جاءت في محلها فعلا، لا سيما وهي توحي بأعمق ما في هذه التسمية من معنى من خلال صدر الكلمة (Inter) التي تحيل إلى التفاعلية Interaction والتبادل وتجاوز الحواجز والتعادلية والتضامن الموضوعي”. كما أنها توحي، أيضا، من خلال إضفاء معناها العميق على مصطلح “ثقافة”، بالاعتراف بالقيم، وبأنماط العيش والتمثلات الرمزية التي تتخذها الكائنات البشرية مرجعيات لها في علاقاتها مع الآخرين وفي إدراكها للعالم من حولها، وبالاعتراف بأهمية كل تلك المرجعيات في اشتغالها وتنوعها، ثم أخيرا بالاعتراف بتلك العلاقات التفاعلية التي تتدخل في آن واحد، في العديد من السجلات التي تمتلكها نفس الثقافة، كما تتدخل في مختلف الثقافات (ص 154)” وهذا من شأنه أن يبرز، من زاوية تربوية، المشكل الأهم والمرتبط بمسألة النظر في الاختلافات ومعالجتها على صعيد أنظمتنا التعليمية. ويبدو أننا قد غدونا مقبلين على مواجهة صعوبة من نوع جديد تتحدد على مستوى آخر، بحيث إنها ستنضاف إلى المشكل السابق، ويتعلق الأمر بكيفية التعامل مع الاختلافات الثقافية، في نفس الوقت الذي نأخذ فيه بعين الاعتبار الاختلافات ذات الطابع الفردي؟ وهنا تقترح علينا كاميليري وجهة نظرها التالية: “استنادا إلى المنظور الجديد الجاري به العمل حاليا: فإن اختيار التثاقفية Interculturel لا يتطابق مع البرامج الموجهة أصلا إلى بعض المجموعات المعزولة، بل إنه خيار لا يمكن أن يتحقق بجدية إلا بالارتكاز على نشاط تربوي يرتبط الجميع بفضله بما هو ثقافي، بحيث يضم النشاط التربوي أيضا الجماعات التي لا تنتمي إلى الأقلية، من خلال وجهة نظر تبادلية تجمع بين المنظورات جميعها. وهكذا يتحول ذلك النشاط التربوي إلى عمل بيداغوجي يهتم بالاختلافات الثقافية، أكثر مما هو تربوي ينحصر فقط في ما هو خاص ثقافيا” (ص 156).

    ومع ذلك فهذا الموقف، الذي يبدو معقولا من الناحية الفكرية، لا يعالج المشاكل التربوية التي تعترض طريقنا.

    تحليل دقيق للتثاقفية

    لإنجاز هذا التحليل يجب الانطلاق من موقف محدد ينبني على الوعي بأن هناك، ما بين الجماعات الثقافية، دائما علاقات تجمع بين التنافر من جهة والتكامل من جهة أخرى. كما يرتكز على أن أي ثقافة من الثقافات لا يمكن إدراكها إلا على ضوء البيئة التاريخية المتعلقة بها، وهكذا فإن الخطوة الأولى التي علينا أن نخطوها، في إطار التثاقفية، يجب أن تقوم على توضيح أوجه التجانس والتشابه، بل وأيضا توضيح أوجه الخلافات بين الثقافات المماثلة أمامها، وذلك دون التسرع طبعا في إصدار أحكام قيمه حول تلك الاختلافات.

    من البديهي أن توضيح الاختلافات الثقافية، يجب أن يستعمل بصفته وسيلة من جملة الوسائل المستعملة من أجل الإدراك الفعلي لخصوصيات الثقافة الذاتية Propreculture. ونشير في هذا السياق إلى الظاهرة الكلاسيكية التي سبق لـ دوكرولي Decroly أن بينها منذ زمن بعيد، حيث أشار أن القيام بدراسة مقارنة بين التفاحة والخوخة، سيفتح لنا المجال لتبيان الخصائص الأصلية لكل من التفاحة والخوخة، مما يعني أننا ننطلق، في ضوء المقارنة، من موقف نسبوي معد مسبقا بطريقة مضبوطة أحسن من مجرد القبول البسيط بنسبية الثقافات.

    “إن أي اختيار تثاقفي فعلي، لا يعني نفي هذه الثقافة أو تلك، بل إنه على العكس من ذلك، إقرار بالثقافة الذاتية الخصوصية في علاقاتها بالثقافات الأخرى (هنون: ص 103). وهكذا تصبح ثقافتي، بالنسبة إلي، بمثابة وسيلة للمضي نحو الثقافات الأخرى، فالاعتراف بالاختلاف إذن يجب ألا يقودنا نحو نوع جديد من الانغلاق أو إلى انغلاق ثقافتنا على نفسها. بل على العكس يجب أن يؤدي إلى نمط جديد من الانفتاح على الآخرين، انطلاقا من وعي جيد بخصوصيات الآخر.

    ويتعلق الأمر إذن ببذل جهد مستمر من لدن المدرسة لإقناع جميع التلاميذ بتقبل فكرة “الاختلاف أو التنوع المثري”، بحيث لا يكون ذلك الإقناع فقط من أجل أن يتقبلوا فكرة الاختلاف، بل من أجل أن يعترفوا به ويقدروه حق قدره ويعملوا على البحث عنه. ولا جدال في أن تنمية الوازع التثاقفي Interculturelle لا يتم من خلال إلقاء دروس، أو عبر تكوين خاص، بل إنه يمثل الموقف الذي ينبني على اجتهاد المدرس والتلاميذ ومثابرتهم، فيصبح هو الكفيل بتنمية هذا النزوع نحو الانفتاح والتفهم، ونحو بناء تربية تعنى بالاختلافات بين الثقافات.

    إن موقفا تثاقفيا من هذا القبيل يجب ألا يتطور فقط من خلال وجود أطفال أجانب، إذ وكما سبق أن بينا، فإن كل تلميذ يعتبر في الواقع، حاملا لثقافة ما، ومن هنا فإن التربية التي تهتم بالاختلاف يجب أن تظل بكل بساطة في صميم العملية التربوية من خلال الاهتمام بفردانية كل تلميذ على حدة، واعتبار ما يمكن أن يضيفه إلى المجموعة، وكذا ما يمكن أن يجنيه أيضا من فائدة من لدن المجموعة.

    إن هذا الموقف التحليلي، والموقف الذي يعترف بأوجه الاختلاف بين الثقافات التي يحملها مختلف التلاميذ، يجب أن ينطبق أيضا على تحليل الثقافة الرسمية لدى المدرسة، من منطلق أن للمدرسة دورا في التنشئة وإدماج مختلف الأفراد الوافدين، داخل المجموعة السوسيولوجية المستقبلة، فعلى هذا الصعيد إذن، يمكن للصراعات أن تنشأ بين المربي وبين ما تعبر عنه الجهات الرسمية من وجهات النظر. ويبقى السؤال الذي علينا طرحه هو هل يمكن أن تتوفر الظروف المواتية لقيام موقف انفتاحي داخل نظام وطني ما، تسيطر فيه مختلف أشكال التطرف الديني أو السياسي؟ وهنا تكمن جميع المشاكل التي تتولد عن العلاقة بين التربية والنظام السياسي القيادي.

    أما على مستوى التطبيقات التربية (سنكتفي بمجرد الإشارة إليها دون تحليلها بتفصيل).

    فيمكن الرجوع إلى الجهود المرتبطة بتدويل هذا النشاط التربوي، والجهود المذكورة في التقارير الوطنية والجهود التي تقوم بها المجموعة الأوروبية في إطار تبادل التلاميذ والطلبة والمدرسين، بخصوص:

    – تعليم اللغات الأجنبية؛

    – تدريس التاريخ.

    ثم وبطريقة عامة أكثر، هناك القضايا المتعلقة بالمقررات التعليمية والمضامين والمناهج الدراسية.

    خاتمة

    1 ـ لقد ساهمت أوضاع التعددية الثقافية، أي الأوضاع التي لاحظنا قيمها في جميع جهات العالم في تبيان أهمية العامل الثقافي، وكانت بالتالي بمثابة العدسات المجهرية المكبرة بالنسبة لبعض الأوضاع التربوية التي لم تأخذ بعد العامل الثقافي، بعين الاعتبار، وذلك على صعيد مجموع السيرورات التربوية. بالفعل إن الأمر يتعلق بانتشار المبدأ الذي يدعو التربية إلى أن تأخذ في اعتبارها جميع العوامل المكونة لشخصية الفرد الذي نرغب في تربيته.

    2 ـ لقد حاولنا في هذا العرض أن نوضح التساؤل أو نطرح عددا من الأسئلة باعتبارها وسيلة لتبيان التناقضات الأساسية في العملية التربوية:

    – كيف يمكن تحقيق الوحدة انطلاقا من التنوع؟

    – كيف الوصول إلى إحداث انسجام ثقافي نسبي انطلاقا من الثقافات المختلفة، دون أن ننسى بالطبع، الثقافات الأصلية؟

    – كيف يمكن الربط بين طرفي النظام التواصلي المزدوج الذي يقوم عادة بين المدرس والتلاميذ، ومجموعة الفصل الدراسي من جهة وبين تلاميذ نفس هذا الفصل الدراسي من جهة أخرى؟ وكل ذلك بالطبع داخل هذا الفضاء المزركش إلى أبعد الحدود بألوان قوامها الثقافات والشخصيات؟ فالبحث كما أسميناه سابقا في “تربية التحول” من أجل المرور من ذلك الوضع الخاص بكل تلميذ على حده، والانتقال بالتالي إلى ذلك الوضع الذي يصبو إليه المدرس، يعتبر عملا ضروريا، من منطلق أن التعمق في هذا التحليل سوف يؤدي بنا إلى الاهتداء إلى بعض المواقف التي سبق لباشلار Bachlard أن أشار إليها حول العوائق الابستمولوجية وهي عوائق لا تدخل في المجال المعرفي بل في المجال الثقافي.

    3 – طبعا إن هذا يدفعنا إلى طرح التساؤل حول تكوين المدرسين في مجال التربية التبادلية (بين الثقافات).

    إن التفكير في مسألة التعددية الثقافية، كما حاولنا تقديمه من خلال هذا العرض، لا يعتبر بالنسبة للتربية الراهنة، مجرد مسألة تقليدية، بل إنه في رأينا، يعد من بين أهم الأسئلة التي على التربية أن تجد لها الحلول مع بزوغ القرن الحادي والعشرين، وذلك بهدف الاهتداء إلى السبل المؤدية نحو حضارة شمولية تدفع الناس إلى أن يتفاهموا أحسن، ويتبادلوا من ثمة المحبة والود، وتجعلهم يتوقفون عن مظاهر الاقتتال. وكما تلاحظون لقد صغت هذه الجمل الأخيرة داخل سياق شرطي، لأن تحقيق مثل هذه الآمال، من جهته، قد يثير عددا كبيرا من المشاكل، لعل أهمها هو هل من الممكن فعلا تحقيق الحضارة الشمولية؟ وهل ذلك التحقيق مرغوب فيها حقا؟

    مجلة الجابري – العدد الثاني عشر


    هوامش

    1 – رغبة منا في الإنجاز، وليس بعدم الاهتمام، لن نتعرض للجوانب السوسيولوجية والانتربولوجية والتاريخية والسياسية.

    (*) ترجمنا plurisultirel: polycul و multiculturel بمتعدد الثقافات باعتبار أنها ذات مرجعيتين لاتينية وإغريقية، أما المعنى اللغوي فهو التعدد.

    2 – انظر أيضا: L’assimilation qu’est ce que c’est? A. Vasquez

    (*) مستخلص عن: “Etre migran”. P. 54

    (*) مدرسة اجتماعية أمريكية تؤكد تأثير الوسط الثقافي مقابل الوسط الطبيعي للفرد.

    3 – بايت، وفان زاتن: المدرسة وأطفال الهجرة والأقليات الاثنية: مجلة أدبية فرنسية أميركية بريطانية، المجلة الفرنسية للبيداغوجية.

    4 – مسألة المصطلحات أساسية في مناهج العلوم الاجتماعية وتحديدات العالم ضدا على الاستعمالات السياسية العادية، فهي تعتبر شرطا ضروريا لمهنة الباحث العلمي، وكذا لإجراء الحوار فيما بين الأسرة العلمية. إن الحاجز أو المانع على درجة كبرى من الأهمية على مستوى الهجرة والعلاقات ما بين الثقافات وما بين الاثنيات. وهذا ما يبين إلى اي مدى يمكن للألفاظ (المصطلحات أن تتدخل لتصبح مواضيع للاستعمالات الايديولوجية (ص 38 O.C)

    5 – في أحد النصوص حول حياة طالبة من أصل جزائري، يجري الحديث عن الوحدة العائلية في كامل تعقداتها التي تحيل على دينامية زمنية، فبين المولود البكر والمولود الموالي يتغير الزمن في سريانه ويتقدم الولدان في السن – ثم تكبر العائلة وتتقوى العلاقات الأخوية. أما خارج العائلة فالأيام تتغير، أما العلاقات بين العائلة ومسقط الرأس ودول الهجرة فتتطور… ويأتي دور الأبناء الآخرين في الأسرة لمعايشة تجربة أشقائهم السابقين في شكل معاناة أو في شكل استفادة سلبية،فيمكن أن يكون لها أيضا دور باعتبارها نموذجا لما كان منتظرا.

    6 – بايت Payet وفان زانتن Van Zanten، ص 91.

    7 – عن دورو منجاط Durun Mungat

    8 – نظرا لضيق المجال، لن نتعرض للأبعاد العامة كالسياسات التعليمية، وسنكتفي بالأبعاد الملموسة أكثر على مستوى الممارسة التربوية.

  • فشل التعددية الثقافية: الجماعة مقابل المجتمع في أوروبا

    فشل التعددية الثقافية: الجماعة مقابل المجتمع في أوروبا

    الكاتبكنان مالك
    ترجمةمحمد الرشودي
    فشل التعددية الثقافية
    كنان مالك كاتب ومحاضر ومقدم برامج متخصص في العلوم العصبية، وتاريخ العلوم، وكاتب مقالة “فشل التعددية الثقافية

    فشل التعددية الثقافية

    قبل ثلاثين سنة، رأى كثير من الأوروبيين في التعددية الثقافية [2] – بصفتها الاحتواء الشامل لمجتمع متنوع – استجابة لمشاكل أوروبا الاجتماعية. وأدّى هذا التصور ببعض السياسين البارزين، كرئيس الوزراء ديفيد كاميرون وأنجيلا ميركل، إلى الإفصاح علنًا عن خطر التعددية. وهذا ما دعم نجاح الأحزاب اليمينة والشعبوية المتطرفة في كل أوروبا، من حزب الحرية في هولندا إلى الجبهة الوطنية في فرنسا، وألهم في حالات متطرفة أعمال عنف مريعة، كالعمل الانتحاري الفظيع في تموز 2011، والذي قام به أندرس بريفيك[3] في جزيرة أوتويا في النرويج.

         كيف حصل هذا التحول؟ بناء على نقّاد التعددية، فإن أوروبا كانت قد منحت حق الهجرة لعدد مفرط من الأجانب دون مطالبة كافية بالاندماج. وعدم التطابق هذا أدّى بالتماسك الاجتماعي إلى التآكل، وبالهويات القومية إلى الانحسار، وبالثقة الشعبية إلى التدهور. وفي الجهة المقابلة، أجاب أنصار التعددية بأن المشكلة لا تكمن في ارتفاع معدل التنوع في المجتمع، بل في ارتفاع صوت العنصرية.

         لكن الحقيقة هي أن التعددية أكثر تعقيدًا مما يصف الطرفان، والجدل حولها يؤول في الغالب إلى سفسطة. أصبحت التعددية ممثِّلة لمختلف المسائل الاجتماعية والسياسية: كالهجرة، والهوية، والتعثر السياسي، وانحسار الطبقة العاملة. دولٌ متعددة كانت قد اتبعت مساراتٍ متمايزة. فالمملكة المتحدة سعت إلى منح حصة متساوية في النظام السياسي لمختلف الجماعات الإثنية. أما ألمانيا فقد شجعت المهاجرين على السعي إلى حياة منعزلة بدلاً من منحهم المواطنة. وفرنسا رفضت سياسات التعددية لصالح السياسيات الاستيعابية[4]، فكانت النتائج الدقيقة أيضًا متمايزة: فهنالك العنف الشعبي في المملكة المتحدة، كما أُزيحت الجماعات التركية في ألمانيا خارج التيار السائد في المجتمع، وأصبحت علاقة الجماعات الشمال أفريقية مشحونة مع السلطات الفرنسية. ولكن الحصيلة الشاملة في كل دولة هي نفسها: مجتمع هشّ، وأقليات نافرة، ومواطنون مستاؤون.

          كون التعددية الثقافية أداةً سياسيةً، فإن لها مهمة غير كونها استجابة للتنوع المجتمعي، فهي أيضًا أداة لتقييد هذا التنوع. وهذا التبصّر يظهر المفارقة. فسياسات التعددية الثقافية تقبل – كأمر مفروغ منه – أن المجتمعات متنوعة، ومع ذلك، يُظن ضمنًا أن هذا التنوع ينتهي عند حافة مجتمع الأقليات. ويسعى أنصار سياسة التعددية الثقافية إلى مأسسة هذا التنوع عن طريق تقسيم الشعب ووضعه في قوالب إثنية وثقافية – كجماعة مسلمة مفردة متجانسة على سبيل المثال – وتعريف حاجته وحقوقه بناء عليها. بمعنى آخر، هذه السياسيات ساعدت على إنشاء ذات الانقسامات التي أُريد معالجتها مسبقًا.

    خرافة التنوع المجتمعي

    إن حلّ كثير من خيوط جدالات التعددية الثقافية المتشابكة يتطلب إدراكًا لذات المفهوم. فمصطلح “التعددية الثقافية” أصبح معرِّفًا لكلٍ من المجتمع -المتنوع على وجه الخصوص والذي ينجم عادة من الهجرة – والسياسات الضرورية لإدارة هكذا مجتمع. فيجسّد بالتالي وصفًا للمجتمع، ووصفةً للتعامل معه. والخلط بين الأمرين – تصور المشكلة مع حل مفترض – جعل جوهر الجدال معقدًا أكثر، ولفضّ الختم عن هذه التعقيدات، فإننا مطالبون بتقييم كل حالة تقيممًا دقيقًا.

          اتفق كل من النقاد والمناصرين للتعددية بصورة عامة على أن الهجرة الجماعية جعلت أوروبا أكثر تنوعًا. وإلى حد ما، تبدو هذه حقيقة بديهية. فألمانيا اليوم هي ثاني أشهر وجهة للمهاجرين بعد الولايات المتحدة. ففي العام ٢٠١٣، أكثر من عشرة ملايين ألماني، أي ما يعادل ١٢٪ من السكان، وُلدوا خارجها؛ والرقم في النمسا ١٦٪؛ وفي السويد ١٥٪؛ وفي المملكة المتحدة وفرنسا قرابة ١٢٪. ومن

    2015_ma_cover
    غلاف مجلة الفورين أفيرز، عدد مارس/أبريل 2015 والذي يحتوي على مقالة “فشل التعددية الثقافية”

    وجهة نظرٍ تاريخية، فإن الزعم بأن مجتمعات هذه الدول أصبحت ذات عناصر متعددة أكثر من أي وقت مضى ليس بدقيق كما يبدو من الوهلة الأولى. وقد تبدو المجتمعات الأوروبية في القرن التاسع عشر وحدةً متجانسة من وجهة نظر هذا العصر، لكنها، في الواقع، لم تكن تحمل ذات التصور عن نفسها في ذلك الحين.

           فلنتأمل فرنسا. في سنوات الثورة الفرنسية، على سبيل المثال، نصف السكان فقط كانوا يتحدثون الفرنسية، و١٢٪ منهم فقط يتحدثونها على وجهها الصحيح. وكما أظهر المؤرخ يوجين ويبر، فإن تحديث وتوحيد فرنسا عقب آثار الثورة تطلب عملية جراحية طويلة من الاستعمار الذاتي في شتى النواحي الثقافية والتعليمية والسياسية والاقتصادية. وهذا الجهد شكل دولة فرنسا الحديثة، وصنع ميلادًا لأفكار التفوق والسمو الفرنسية (والأوروبية) على الثقافات غير الأوروبية. لكنه دعم في ذات الوقت الحس بالتفاوت ثقافيًا واجتماعيًا، والذي كان ولا يزال حاضرًا بين أكثر السكان. وفي خطاب للمجتمع الطبي النفسي في باريس[5] عام ١٨٥٧، تساءل الاشتراكي المسيحي فيليب بوتشز[6]: كيف يمكن “أن تتشكل أعراق –ليس مجرد عرق واحد، بل عدّة أعراق– مغلوبة على أمرها ومتدنية ومنحطة، والتي قد تُصنّف بأنها أكثر انحطاطًا من غالبية الأعراق المتوحشة، في داخل شعب كشعبنا؟ وبسبب تدنّيها، فهي أحيانًا بلا علاج”. لم تكن تلك “الأعراق” التي سببت بعض القلق لبوتشز من شمال أفريقيا أو آسيا، بل من الأرياف الفقيرة في فرنسا.

          كذلك رأى كثير من البريطانيين، في العصر الڤكتوري، في أنفسهم الطبقة المدنية العاملة، ولم يكن “الآخر” إلا القروي. وهناك مقالة قصيرة في نسخة العام ١٨٦٤ من المجلة الليبرالية ذائعة الصيت في ذلك العصر، ذا ساتورداي ريڤيو[7]، عن حياة الطبقة العاملة في بيثنال غرين، شرقي لندن، حيث تمثل مدينة بيثنال غرين النموذج السائد لمكانة الطبقة المتوسطة في العصر الڤيكتوري. وتشرح المقالة القصة كالتالي: “كان فقراء مدينة بينثال غرين طبقة اجتماعية منفصلة، وعرقًا لا نعلم عنه شيئًا، فحياة أهله مختلفة كليًا في مظهرها العام عنا، فهم أشخاص لا تربطنا معهم أية صلة”. وتشير المقالة إلى أن الحال ينطبق إلى حد كبير على “الجموع الحاشدة من المزراعين الفقراء”. ورغم أن الفوارق بين العبيد والأسياد كانت تعتبر أكثر “وضوحًا” من الفوارق بين الموسرين والمعسرين، إلا أن التشابه بينهما جدُّ كبير؛ وفي الواقع، كانت الفوارق متأصلة جدًا لدرجة منع حصول “أي شكلٍ من الترابط أو المصاحبة.”

         يمثل المجتمع البنغلاديشي اليوم ذاكرة بيثنال غرين في شرقي لندن. وكثير من البريطانيين البيض يعتبرون سكانها الحاليين فقراء بيثنال غرين الجدد، فهم متميزون ثقافيًا وعرقيًا عنهم. أولئك الذين على الهامش السياسي وحسب، هم وحدهم من سيقارنون الاختلافات بين البريطانيين البيض وجيرانهم البنغلاديشيين مع نموذج السادة والعبيد. والفروق الاجتماعية والثقافية بين السادة الڤكتوريين أو أصحاب المصانع، من ناحية، والمزارع أو الميكانيكي، من ناحية أخرى، كانت في الواقع أكبر بكثير من الفروق اليوم بين الساكن الأبيض والساكن من أصول بنغلاديشية. ورغم أن الكثيرين يرون أن الاختلاف لازال بذات الدرجة كما في الماضي، إلا أن الطفل ذو الـ ١٦ سنة من أصول بنغلاديشية في بيثنال غرين، والأبيض ذو ١٦ سنة، قد يلبسان ذات الملابس، ويستمعان لذات الموسيقى، ويتتبعان نفس نادي كرة القدم. إن الأسواق، وملاعب الرياضة، والأنترنت، تصنع مجموعة من التجارب والممارسات الثقافية المشتركة التي تربطهما ببعضهما البعض أكثر مما كان في الماضي.

          اعترى الجدالات حول الهجرة طاعون أشبه بفقدان الذاكرة التاريخي. فكثير من نقاد التعددية الثقافية يرون الهجرة الحالية لأوروبا غير التي كانت في أوقات مضت. وفي كتابه تأملات حول الثورة في أوروبا[8]، أشار الصحفي كريستفور كالدويل أنه قبل الحرب العالمية الثانية، قدم المهاجرون للدول الأوروبية حصرًا من داخل أوروبا نفسها، ولهذا كان اندماجهم سهلاً. ويقول كالدويل إن “استخدام مصطلح مهاجرين لوصف الحركات داخل أوروبا منطقي بدرجة أكثر بقليل من وصف النيويوركي بـ ’المهاجر’ إلى كاليفورنيا”. وبناءً على كالدويل، هجرة ما قبل الحرب بين الأمم الأوروبية اختلفت عن هجرة ما بعد الحرب لتصبح من خارج أوروبا، ولأن “الهجرة من دول جارة لا تستثير أكثر الأسئلة التي تدعو للقلق، مثل ‘إلى أي مدى سيتناغمون معنا؟’ و’هل الاندماج هو ما يريدون؟’ والسؤال الأكثر أهمية ‘لمن ولاؤهم الحقيقي؟’”

          بسبب هذه الأسئلة بالذات، رحبت أوروبا بالمهاجرين في سنين ما قبل الحرب. وبحسب ما كتب العالم ماكس سيلڤرمان[9]، فإن تصور أن فرنسا احتوت اللاجئين من أماكن متفرقة في أوروبا بسهولة قبيل الحرب العالمية الثانية هو “وهم بأثر رجعي”. وكثير منه ينطبق على المملكة المتحدة. ففي العام ١٩٠٣، صرح شهود من اللجنة الملكية للمهاجرين الأجانب [10] بمخاوفهم من القادمين الجدد إلى المملكة المتحدة، حيث أن هؤلاء سيميلون للعيش “بناءً على تقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم”. وقد ذكر محرر الجريدة جي. إلـ. سيلڤر[11] بأن هنالك أيضًا مخاوف من “الوهن السقيم، والمنتجات الخبيثة الأوروبية التي يمكن أن تتغلغل في السوق الإنجليزية.” فكان قانون الأجانب 1905 [12] “أول قانون أصدرته الدولة في شأن الهجرة، وقد صُمم خصيصًا لوقف تدفق اليهود الأوروبيين.” جادل رئيس الوزراء حينها، أرثر بلفور، أنه بدون هكذا قانون، فإن القومية البريطانية “لن تصبح ذاتها، ولن تصبح القومية التي يجب أن نرغب بها لتكون إرثًا تتوارثه الأجيال القادمة”. إنها، بلا لبس، الأصداء ذاتها للقلاقل المعاصرة.

    العرق إلى القمّة

    بقى إذًا سؤال (ما إذا كانت أوروبا اليوم حقًا أكثر تعددية من القرن التاسع عشر) خاضعًا للمناظرة، رغم أن الأوروبيين في الحقيقة يعتقدون أن ارتفاع معدل التنوع الاجتماعي أمر لا نزاع فيه. وجزء كبير من هذا يعود إلى التغيرات في الكيفية التي يعرّف بها الناس الاختلافات الاجتماعية. فقبل قرن ونصف، كانت الطبقة هي الإطار الأكثر أهمية لفهم التفاعلات الاجتماعية. وكم هو صعب أن تتصور الآن أن كثيرًا من الناس في ذاك الوقت لم يروا في الوسوم العرقية، كالاختلاف في لون البشرة، محددًا للتفاعلات الاجتماعية، بل كان الطبقة أو الوضع الاجتماعي. وأكثر مفكري القرن التاسع عشر لم يكونوا معنيين بالغرباء الذين تخطّوا حدود بلدانهم، بل كانوا معنيين بأولئك الذين سكنوا الفضائات المظلمة في دواخلهم.

           غير أن أهمية الطبقة في أوروبا، كفئة سياسية وكوصمة للهوية الاجتماعية، انحسرت خلال العقدين المنصرمين. وأصبحت الثقافة في ذات الوقت، وبشكل تصاعدي، المقياس المحوري الذي يعي الناس من خلاله الاختلافات الاجتماعية. وهذا التغير يعكس توجهاتٍ أوسع، فالانقسام الأيدولوجي الذي شكّل السياسة إلى حدٍ كبير للمئتي عام الماضية بدأ في التقهقر، وأصبحت التمايزات القديمة بين اليمين واليسار ذات معنى أقل. وأصبحت التجمعات العمّالية وأيدولوجيات سيطرة الدولة على الانتاج في انحسار، فخسرت الطبقات العاملة قوة اقتصادية وسياسية. وفي الوقت نفسه، أصبح سوق العمل يتمدد في كل ركن وزاوية من الحياة الاجتماعية. والمؤسسات التي جمعت، على نحو تقليدي، الأفراد المتفاوتين معًا، من النقابات العمالية إلى الكنيسة، بدأت تتلاشى. وبالتالي، بدأ الأوروبيون بالنظر إلى أنفسهم وإلى انتماءاتهم الاجتماعية بطريقة مختلفة. فحددوا الوحدة الاجتماعية، على نحوٍ متزايد، ليس من الناحية السياسية بل من الناحية الإثنية والثقافية، أو من ناحية المعتقد، وأصبحوا مشغولين بدرجة أقل بتقرير نوع المجتمع الذي يريدون تشكيله لانشغالهم بتحديد انتماء كل جماعة. وهاتان المسألتان بالطبع مرتبطتان بشكل وثيق، وينبغي لأي معنى للهوية الاجتماعية أن يضعهما بعين الاعتبار. لكن، ورغم أن الطيف الأيدولوجي قد صغُر، وأن ديناميكية التغيير قد تآكلت، فقد مهدت سياسة الإيدلوجيا السابقة الطريق إلى سياسة الهوية السياسية الحالية. وهي ضد الرؤية التي يرى بها الأوروبيون أوطانهم كونها على وجه الخصوص، بل الاستحالة، متنوعة، وقد صاغت سبلها للرد والمنازعة من الحياة العامة.

    تحت مظلّتي

    في حال وصفنا المجتمعات الأوروبية الحالية بالمتنوعة اجتماعيًا وبطريقةٍ استثنائية، فإن تعدديتها الثقافية معيبة بشكل بيّن. إذًا، ما وصفة التعددية العلاجية لهذا التنوع المجتمعي المفترض؟ خلال الثلاثة عقود الأخيرة، تبنى كثير من الأمم الأوروبية السياسات التعددية، لكنها تبنّتها بطرق متمايزة، ومقارنة تاريخية لأمتين فقط، كالمملكة المتحدة وألمانيا، وفهم القواسم المشتركة بينهما، يظهر كثيرًا من روح التعددية الثقافية.

          واحدة من أكثر الخرافات السائدة في السياسيات الأوروبية هي أن الحكومات تبنت سياسيات التعددية الثقافية لأن الأقليات أرادت أن تؤكد على اختلافها. ورغم أن السؤال عن الاندماج الثقافي بالتأكيد قد أنهك النخبة السياسية، فهي لم تُشْغِل بالها بالمهاجرين أنفسهم إلا مؤخرًا. وعندما وصل رقم ضخم من المهاجرين من الشريط الكاريبي والهند وباكستان إلى المملكة المتحدة، في أواخر الأربعينات والخمسينات في القرن العشرين، ليسدّ فراغ شحّ العمالة، خشي المسؤولون من أن هذا قد يقوّض مفهوم هوية البلاد. كما حذر تقرير حكومي، عام ١٩٥٤، قائلاً: “رقم ضخم من الجماعات الملونة، كملمح ملحوظ لحياتنا الاجتماعية، سيُضعف … مفهوم إنجلترا أو بريطانيا الذي يرتبط بكل المواطنين من السلالة البريطانية في الأمة.”

          حضر المهاجرون معهم أعراف أوطانهم وتقاليدها، والتي غالبًا ما يعتزّون بها. لكنهم كانوا نادرًا ما يُشغلون بالهم في مسألة الحفاظ على هذه الاختلافات الثقافية، فلم يخطر ببالهم أن الثقافة مسألة سياسية. لم تكن تتملكهم الرغبة في أن يُعاملوا بطريقة مختلفة، لكنهم كانوا في الواقع يُعاملون بطريقة مختلفة. فالعنصرية واللامساواة تشكلان محور الاهتمام، لا الدين ولا الإثنية. وفي العقود اللاحقة، شكّل جيل جديد من النشطاء السود والآسيوين مجموعات مثل حركات الشباب الآسيوي [13]، ومنظمة عِرْق اليوم [14]، وبدأ بالاحتجاج على مظالم التمييز في مقرّات العمل، والترحيل، ووحشية السياسات عن طريق تنظيم العصيان المدني والمظاهرات. وهذه الجهود بلغت أوجها في سلسة من الاضطرابات التي مزقت حواضر المملكة المتحدة في نهاية ١٩٧٠ وبداية ١٩٨٠.

           في هذا المرحلة، اتضح للسلطات البريطانية أنه ما لم تعط تلك الأقليات حصّتها السياسية في النظام، فإن الاضطرابات ستستمر بتهديد الاستقرار في المناطق الحضرية. وفي هذا السياق ظهرت سياسات التعددية الثقافية. وتصدرت الدولة استراتيجيةً جديدة في المجالين القومي والمحلي بتصوير المجتمعات الأفريقية والآسيوية داخل الاتجاه العام للعملية السياسية عن طريق تعيين مؤسسات محددة أو قادة للجماعة لتمثيل مصالحهم. وفي محور هذه المقاربة إعادة تعريف لمفاهيم العنصرية والمساواة، فالعنصرية الآن لا تعني ببساطة الحرمان من التساوي في الحقوق، بل تعني أيضًا الحرمان من حق أن تكون مختلفًا، والمساواة لم تعد تستلزم الحصول على الحقوق التي تتجاوز العرق والإثنية والثقافة والمعتقد؛ بل تعني التأكيد على اختلاف الحقوق بسبب تلك الفروق.

          فلنتأمل قضية برمنغهام، وهي ثاني أكثر مدينة مكتظة بالسكان في المملكة المتحدة. فقد اجتاحت الاضطرابات منطقة هاندروورث، والتي أشعلت بشرارها الاستياء العام جراء الفقر والبطالة، ومضايقة الشرطة على وجه الخصوص. شخصان قتلا وجُرح العشرات في أعمال العنف. وعلى إثر هذا الاضطراب، حاول المجلس البلدي أن يشرك الأقليات عن طريق إنشاء تسع مما يسمى بـ “مجموعات المظلة” [15]، وهي مؤسسات يفترض أن تحامي عن أعضائها في شؤون تتعلق بسياسات المدينة. قد قررت هذه اللجان احتياجات كل جماعة، وكيف ولمن يجب أن تُصرف له الموارد، وكيف يجب أن يكون توزيع القوة السياسية. لقد أصبحت الأصوات التي تنوب على نحو فعال عن الإقطاعيات المصنفة إثنيًا.

          كان مجلس البلدية يأمل في أن يجتذب الأقليات إلى العملية الديموقراطية، لكن الجماعات واجهت صعوبة في تعيين المندوبين على المستوى الفردي وعلى مستوى الجماعة. بعضهم مثّلوا جماعات إثنية، كالحركات الكاريبية والأفريقية، بينما آخرون مثّلوا جماعات دينية كـ “قنصلية الكنائس بقيادة السود”. تَنَاغمَ هذا التنوع بين الجماعات من خلال التنوع داخل الجماعة الواحدة؛ فلا يفترض أن كل من تمثّلهم اللجنة الإسلامية البنغلاديشية كانوا أتقياء بشكل متساوٍ على سبيل المثال. وعيّنت خطة المجلس البلدي حتى الآن وبفعالية كل عضو في أقلية إلى جماعة منفصلة، وحددت احتياجات الجماعة ككيان، ووضعت المؤسسات المتعددة في منافسة مع بعضها البعض لأجل موارد المدينة. ويتم إقصاء أي فرد يقع خارج هذه الجماعات المحددة من عملية التعددية الثقافية بالجملة.

          استقصى جوي وارمينغتون – مدير ما كان يُسمى في ذالك الوقت “برمنغهام رايس اكشن بارتنرشيب”، وهي مؤسسة خيرية تعمل على تقليل اللامساواة – مشكلة سياسات برمنغهام في العام ٢٠١٥، وهي أن الناس “يميلون إلى التأكيد على الإثنية كجوهر للاستحقاق. لقد أصبح مقبولاً كممارسة جيدة أن تخصص الموارد على حدود الإثنية أو المعتقد. فبالتالي عوضاً عن التفكير في تلبية احتياجات الناس أو التوزيع المنصف للموارد، أُجبرت المؤسسات على التفكير بالتوزيع حسب الإثنية”. العواقب كانت كارثية. فبعد عقدين من اضطرابات هاندروورث، في تشرين الأول عام ٢٠٠٥، انفجر العنف في الأحياء المجاورة للوزيلز (منطقة تقع غربي مدينة برمنغهام). ونذكر أنه في العام ١٩٨٥، نزل المتظاهرون الآسيويون والسود والبيض إلى الشوارع احتجاجًا على الفقر والبطالة ومضايقة الشرطة. أما في العام ٢٠٠٥، فقد كان العراك بين الآسيوين والسود. وكانت الشرارة مجرد إشاعة لم تثبت أبدًا، وهي أن مجموعة من الرجال الآسيوين اغتصبوا فتاة جمايكية. أما العراك بينهم فقد استمر طوال عطلة نهاية الأسبوع.

          لماذا تعاركت الجماعتان اللتان كافحتا جنبًا إلى جنب، عام ١٩٨٥، ضد بعضهما البعض في ٢٠٠٥؟ الإجابة تعتمد بشكل كبير على السياسات التعددية الثقافية لبرمنغهام. بناءً على استقراء أحد أكاديميي سياسات برمنغهام، فإن “نموذج الارتباط عن طريق الجماعات الإثنية يميل إلى إحداث منافسة بين جماعتي السود والأقليات الأثنية الأخرى على الموارد. فبدلاً من جعل الاحتياجات والعمل العابر للجماعة أولوية، أصبحت العادة أن تسعى مختلف الجماعات إلى زيادة حصة مصالحها.”

           بعبارة أخرى، فإن سياسات المجلس البلدي لم تعزز الشعور بالهويات الخاصة فحسب، بل قادتها إلى الخوف والاستياء من الجماعات الأخرى كونهم منافسين على القوة والنفوذ. ومن هنا يجب أن نعزز الهوية الفردية كهوية متميزة عن الهويات الجمعية، فكون الفرد بنغلاديشيًا في برمنغهام يعني أيضًا أنه ليس بإيرلندي، ولا سيخي، ولا أفريقي كاريبي. والعواقب تتمثل في تولّد ما وصفه الاقتصادي أمارتيا سن [16] بـ “الأحادية الجمعية” [17]، وهي سياسة تُقاد بأسطورة أن المجتمع يتكون من ثقافاتٍ متمايزة ومنتظمة تتراقص حول بعضها البعض. لقد رسّخت النتائج في برمنغهام الانقسامات بين المجتمعين الأسود والآسيوي لدرجة أن هذه الانقسامات برزت على شكل عنف شعبي.

    منعزل وغير متساوٍ

    رغم أن طريقة ألمانيا للتعددية مختلفة عن المملكة المتحدة، إلا أن النقاط المبدئية هي نفسها. واجهت ألمانيا – مثل دول أخرى في أوروبا الغربية – عجزاً كبيراً في اليد العاملة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستعارت العمّال الأجانب بشكل فعّال. وعكس المملكة المتحدة، فإن هؤلاء العمّال لم يأتوا من مستعمرات سابقة، بل من دول حول البحر الأبيض المتوسط: من اليونان أولاً، وإيطاليا، وأسبانيا، ثم من تركيا. ولم يأتوا كمهاجرين – رغم أنهم مازلوا أقل من أن يعتبروا مواطنين محتملين – بل كضيوف عاملين [18] يُتوقع عودتهم إلى وطنهم الأصلي بعد أن يكتفي الاقتصاد الألماني من خدمتهم. لكن مع مضي الوقت، تحول هؤلاء الضيوف، والذين يشكل الأتراك غالبيتهم، من ضرورة مؤقته إلى واقع دائم. وهذا يعود إلى اعتماد ألمانيا المستمر على العمال الأجانب، وجزئياً إلى أن المهاجرين، وأبناءهم بدرجةً أعلى، أصبحوا يرون في ألمانيا وطنًا لهم، ولكن الدولة الألمانية استمرت في معاملتهم كغرباء ورفضت منحهم المواطنة.

          كانت المواطنة الألمانية حتى وقت ليس ببعيد مبنية على مبدأ (حق الدم) [19]، بحيث لا تتحصل المواطنة إلا في حال كان أحد الأبوين مواطنًا. وهذا المبدأ لم يقص الجيل الأول من المهاجرين من المواطنة فحسب، بل أيضًا أبناءهم المولودين في ألمانيا. وفي العام ١٩٩٩، جعل قانون الجنسية الجديد تحصيل المواطنة أسهل على المهاجرين. ولكن ٨٠٠ ألف فقط تمكنوا من الحصول على المواطنة في ألمانيا من أصل ثلاثة ملايين شخص من أصول تركية.

          بدلاً من الترحيب بالمهاجرين على مبدأ المساواة، تعامل السياسيون الألمان مع ما يسمى بـ “المشلكة التركية” من خلال سياسة التعددية الثقافية. ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، شجعت الحكومة المهاجرين الأتراك على الاحتفاظ بثقافتهم ولغتهم ونمط حياتهم. وهذه السياسة لم تمثل احترامًا للتنوع بقدر ما هي وسيلة جيدة لتجنب مسألة كيف نصنع ثقافة مشتركة وشاملة، وعاقبتها الرئيسية كانت ظهور مجتمعات موازية.

          كان الجيل الأول من المهاجرين علمانيًا بشكل عام، ونادرًا ما كان المتدينون متعصبين في معتقداتهم وممارساتهم. أما اليوم فنجد أن ثلث البالغين من الأتراك في ألمانيا يحضرون للصلاة في المسجد بانتظام، وبمعدل أعلى من المجتمعات التركية الأخرى في أوروبا الغربية، بل وأكثر من كثير من بعض المناطق في تركيا. وعلى نحو مماثل، فإن الجيل الأول من النساء التركيات تقريبًا لم يسبق لهن أن ارتدين الحجاب؛ والآن كثير من بناتهن يلبسن الحجاب. وكثير من الأتراك لا يكلف نفسه عناء تعلم اللغة الألمانية لأنه بلا أي دافع يدفع إلى المشاركة في المجتمع الوطني.

          وفيما تشجع سياسات التعددية الثقافية في ألمانيا الأتراك على التقرب من المجتمع الألماني بلا حذر، أدى ذلك بالألمان إلى النظر للثقافة التركية بمزيدٍ من العداء. فقد أصبحت هنالك أفكار منتشرة تحدد معنى أن تكون ألمانيًا، ويعود هذا جزئيًا إلى معارضة قيم ومعتقدات جماعة المهاجرين المقصاة. وقد أجرت مؤسسة ايفوب [20] الفرنسية استطلاعًا، عام ٢٠١١، أظهر أن ٤٠٪ من الألمان يعتبرون حضور مجتمعات مسلمة “تهديدًا” لهويتهم القومية. وأشار استطلاع آخر أجرته جامعة بيلفيلد [21] في العام ٢٠٠٥، أن ثلاثة من كل أربعة ألمان يعتقدون أن الثقافة الإسلامية غير ملائمة للعالم الغربي. وبدأ صعود الجماعات المناهضة للمسلمين، مثل مجموعة “أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب” [22]. وكانت المظاهرات المناهضة للهجرة التي عُقدت في مدن حول البلد في كانون الثاني الماضي هي الأكبر في الذاكرة الحديثة. واتخذ كثير من السياسيين الألمان، بمن فيهم أنجيلا ميركل، موقفًا حازمًا ضد هذه الحركات، لكن الضرر كان قد وقع سلفًا.

    سياسات الباطن

    فشلت الحكومة في كلٍ من المملكة المتحدة وألمانيا باستيعاب التعقيدات والتضاد في الهوية. فالهويات الشخصية مستمدة من العلاقات – والتي هي ليست مجرد ارتباطات شخصية، بل ارتباطات اجتماعية كذلك – وهي في تغير مستمر.

         خذ الهوية الإسلامية كمثال، فكثيرًا ما يجري الحديث هذه الأيام عما يسمى بالمجتمع الإسلامي، وعن آرائه، واحتياجاته، وطموحاته. لكن هذا التصور جديد بالكلية. فحتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قلة من المهاجرين المسلمين رأت نفسها منتمية إلى كيان يسمى الإسلام. وهذا ليس لأنها كانت قليلة العدد. ففي فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، كمثال، كانت هنالك في الثمانينيات مجتمعات كبيرة ومعترف بها قانونياً من المهاجرين من جنوب آسيا وشمال أفريقيا وتركيا.

          الجيل الأول من المهاجرين من شمال أفريقيا كان علمانيًا بشكل عام، كذلك كان الجيل الأول من المهاجرين الأتراك في ألمانيا. بالمقابل، كانت الموجة الأولى من المهاجرين الجنوب آسيويين في المملكة المتحدة، بعد الحرب العالمية الثانية، أكثر تدينًا. ورغم ذلك، لم يعرِّفوا أنفسهم كمسلمين في المقام الأول، بل كبنجاب أو بنغلاديشيين أو سيلهيتيين. ورغم كونهم اتقياء، إلا أنهم لم يأخذوا معتقدهم بشكل جدّي. فالكثير من الرجال كانوا يشربون الكحول، وقليل من النساء يرتدين الحجاب، بصرف النظر عن البرقع أو النقاب. والأكثرية تحضر إلى المسجد في المناسبات. ولم يكن الإسلام في منظورهم فلسفة شاملة لكل مناحي الحياة. فمعتقدهم يحدد علاقتهم بالرب، ولم يكن هوية مقدّسة في الحياة العامة.

          كان الجيل الثاني من البريطانيين من خلفيات إسلامية أقل احتمالاً حتى من أن يعرِّف نفسه عن طريق ديانته. والشيء نفسه لمن كان ولداه هندوسيين أو سيخيين. كانت المؤسسات الدينية بالكاد تُرى داخل مجتمعات الأقلية، وكانت المؤسسات التي تجمع المهاجرين معاً علمانية بشكل رئيسي، وذات طابع سياسي في الأغلب؛ ففي المملكة المتحدة، كمثال، شملت جماعات كهذه حركات الشباب الآسيوي التي حاربت العنصرية، واتحاد العمال الهنود [23] الذي ركز على حقوق العمال.

          أصبح السؤال المتعلق بالاختلافات الثقافية مهماً في أواخر الثمانينيات فقط. وبأعجوبة، تحول ذاك الجيل المندمج المتغرّب أكثر بكثير من سابقه إلى متمسك بتميّزه المزعوم. وأسباب هذا التحول معقدة. فهي مبنيّة جزئيًا على شبكة معقدة من التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في نصف القرن المنصرم، مثل انهيار اليسار وصعود الهوية السياسية، وهي أيضًا مبنيةً جزئيًا على التطورات الدولية، مثل الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ وحرب البوسنة في بدايات التسعينيات، فكلا العاملين لعبا دورًا مهمًا في تزايد الاحساس المستعر ضد الهوية الإسلامية في أوروبا. وأخيرًا هي مبنية جزئيًا على سياسات التعددية الثقافية الأوروبية.

          هويات الجماعة ليست تصنيفات طبيعية؛ فهي تنبثق من التفاعل الاجتماعي. وهكذا حظيت التصنيفات الثقافية بإقرار رسمي، وجاءت التفرقة على الهوية، والتي تبدو راسخة، لفئات محددة. ففي حال تمرير الموارد المالية والقوة السياسية خلال المؤسسات القائمة على الأساس الأثني، فإن الحكومات تقدم دعمًا أصيلاً لهويات أثنية معينة، وتتجاهل البقية.

          تسعى سياسات التعددية الثقافية إلى بناء جسرٍ بين الدولة ومجتمعات الأقليات من خلال النظر إلى المؤسسات والقادة في المجتمع ليتصرفوا كوسطاء. وعادةً ما يحسب السياسيون أن ولاء الأقليات الحقيقي هو لمعتقداتها أو لجماعاتها الأثنية، فلا تجد معاملة للمسلمين والأقليات الأخرى على كونهم مواطنين، وهو ما أدى بالحكومات إلى تمرير مسؤولياتها السياسية إلى قادة الأقليات.

          وعلى صعيد آخر، فإن هؤلاء القادة نادرًا ما يمثّلون مجتمعاتهم. ولا يجدر بهذا أن يكون مفاجأة، فلا وجود لقائد أو قادة قادرين على تمثيل مجتمع أبيض واحد مثلاً. فبعض الأوروبيين البيض محافظون، وكثير منهم ليبراليون، وبعضهم لايزال شيوعياً أو فاشيًا جديدًا. وأكثر البيض لا يرون مصالحهم ممثلة بمصالح “البيض” على وجه الخصوص. فلعل للمسيحي الأبيض مصالح مشتركة مع المسيحي الأسود أكثر من الأبيض الملحد؛ ولعل للأبيض الاشتراكي منطق مثل الاشتراكي البنغلاديشي لا الأبيض المحافظ؛ وهكذا دواليك. والمسلمون والسيخ والأفريقيون الكاريبيون ليسوا بمعزل عن هذه القاعدة؛ وهنا بالتحديد يكمن الخطأ الجوهري للتعددية الثقافية.

    اندمج الآن!

    سياسات فرنسا الاستيعابية تعد بشكل عام القطب المضاد للتعددية الثقافية، والتي يفخر السياسيون الفرنسيون برفضها. وعلى عكس باقي دول أوروبا، فإن فرنسا تصرّ على أنها تعامل كل فرد على أساس المواطنة لا كونه عضوًا في جماعة عرقية، أو إثنية، أو ثقافية. لكن فرنسا في الواقع منقسمة اجتماعيًا كألمانيا أو المملكة المتحدة، وبطريقة مماثلة لافتة للنظر.

          أصبحت الأسئلة التي تحيط بالسياسات الاجتماعية الفرنسية، وبانقسامات البلد الاجتماعية، تحت المجهر في باريس، في كانون الثاني الماضي، عندما أطلق مسلحون مسلمون النار، ما أسفر عن مقتل ١٢ شخصًا في مكاتب مجلة تشارلي إيبدو، وأربعة يهود في سوبرماركت للمنتجات اليهودية. لقد حمّل السياسيون الفرنسيون سياسات التعددية الثقافية مسؤولية تهئية البيئة المناسبة لتغذية الجهاديين المحليين في المملكة المتحدة، وعليهم الآن الإجابة على: لماذا نشأ هؤلاء الإرهابيون أيضاً في فرنسا التي استوعبتهم؟

           يُزعم في الغالب أن هنالك قرابة ٥ ملايين مسلم في فرنسا، على اعتبار أنهم أكبر جماعة مسلمة في أوروبا الغربية. وهؤلاء الفرنسيون ذوو الأصول الشمال أفريقية، والذين وُضِعوا في سلّة واحدة، في الواقع، لم يشكّلوا مجتمعًا واحدًا قط، والذي مازال ليس بذلك المجتمع المتدين. فقد كان المهاجرون من شمال أفريقيا علمانيين بشكل عام، بل في الواقع هم غالباً معادون للدين. وأطهر تقرير نشره مركز بيو للبحوث [24] أن ٤٢٪ من مسلمي فرنسا يّعرفون أنفسهم كمواطنين فرنسيين في المقام الأول، هذا المعدل أكثر من ألمانيا، وأسبانيا، أو المملكة المتحدة. وأصبح عدد الذين انجذبوا للإسلام في تصاعد في السنوات الأخيرة. لكن حتى هذا اليوم، وبناءً على دراسة أجراها معهد ايفوب عام ٢٠١١، فإن هنالك ٤٠٪ عرّفوا أنفسهم كمسلمين مقيمين للشعائر الإسلامية، و٢٥٪ فقط يحضرون لصلاة الجمعة.

          وغالبًا ما يُوصف الفرنسيون من أصولٍ شمال أفريقية بالمهاجرين. والواقع فإن أكثريتهم من الجيل الثاني من المواطنيين الفرنسيين الذين ولدوا في فرنسا، وهم فرنسيون كأي مصوّتٍ للجبهة الوطنية. لكن استخدام مصطلحات “المسلم” و”المهاجر” كوصمات للمواطنين الفرنسيين من أصولٍ شمال أفريقية ليس مصادفة، بل هو جزء من عملية تحشد فيها الدولة أمثال هؤلاء المواطنين بطريقة تُشعرهم بأنهم ليسوا جزءاً حقيقًا من الأمة الفرنسية.

           في فرنسا – ومثله في المملكة المتحدة – واجه الجيل الأول من المهاجرين بعد الحرب العالمية الثانية مقدارًا لا بأس به من العنصرية، ثم أتى الجيل الثاني بمقدار قبول أقل بكثير للتمييز الاجتماعي والبطالة ووحشية الشرطة. فقد نظموا مظاهرات، اتسمت غالباً بالعنف، من خلال مؤسسات علمانية. والاضطراب الذي مرّ على المدن الفرنسية، في خريف ٢٠٠٥، أظهر تشظي المجتمع الفرنسي بوضوح، تماماً كما كانت المدن البريطانية في وقت مضى.

           خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، أخذت السلطات الفرنسية موقفًا متراخيًا من التعددية الثقافية التي تتسامح بشكل عام مع الاختلافات الثقافية والدينية في وقتٍ كان هنالك القليل ممن يعبرون عن هوياتهم بمصطلحات ثقافية أو دينية في مجتمعات الأقلية. وصك الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران [25] شعار حق الاختلاف [26]. لكن مع وضوح التوتر في المجتمعات الشمال أفريقية، ومع صعود الجبهة الوطنية كقوة سياسية، هجرت باريس هذا الشعار إلى موقف أشد تصلّبًا. كانت اضطرابات العام ٢٠٠٥، وعدم الرضا الذي عبرت عنه، ردًا على العنصرية بدرجة أقل من كونها صعودًا للتهديد الإسلامي في فرنسا. لقد رفضت السلطات الفرنسية مبدأ مقاربة المملكة المتحدة للتعددية. لكنها في الممارسة، عاملت المهاجرين الشمال أفريقيين ونسلهم بذات طريقة “التعددية” كجماعة واحدة، مسلمة بشكل رئيسي. وأصبح القلق تجاه الإسلام يعكس قلقاً أكبر حيال كارثة القيم والهوية في فرنسا حاليًا.

           وجد استطلاع أجراه مركز البحوث السياسية [27] وابسوس الفرنسيين [28]، العام ٢٠١٣، في مركز الدراسات السياسية في باريس [29] أن ٥٠٪ من الشعب الفرنسي يعتقد أن “السقوط” الاقتصادي والثقافي لبلدهم كان محتوماً. وأقل من الثلث ظنوا أن الديموقراطية الفرنسية تعمل بشكل جيد، و٦٢٪ اعتبروا “أكثر” السياسيين “فاسدين”. وفي تقرير للبولسترز [30]، وُصِفت فرنسا بالمتشظية التي انقسمت بحدود عشائرية معزولة عن التيار السياسي السائد، وفاقدة الثقة بالقادة الوطنيين، وحاقدة على المسلمين. وخلص البحث إلى أن الشعور الذي يقود المجتمع الفرنسي هو “الخوف.”

           كانت سياسات التعددية الثقافية في المملكة المتحدة وعيًا فوريًا عن مجتمع متشظ وذي مصدر واحد. والسياسات الاستيعابية في فرنسا انتهت بشكل متناقض إلى ذات النتيجة. وحاول السياسيون، في مواجهتهم لعدم الثقة والانعزال الشعبي، التأكيد على هوية فرنسية جامعة. لكنهم كانوا غير قادرين على تحديد الأفكار والقيم التي تشكّل البلد، فهاهم يفعلون ذلك بشكل رئيسي عن طريق وضع العداوات باتجاه الرموز الغريبة عليهم، كمنع البرقع في العام ٢٠١٠ على سبيل المثال. وبدلاً من قبول الشمال أفريقيين كمواطنين بأتم معنى للمواطنة، فإن السياسات الفرنسية تميل إلى تجاهل العنصرية والتمييز الذي يواجهونه. والكثيرون في فرنسا يعتبرون المواطنين ذوي الأصول الشمال أفريقية عربًا أو مسلمين لا فرنسيين. ورغم أن الجيل الثاني منهم غالبًا في حالة اغتراب عن ثقافة آبائه أو عاداتهم – ومن التيار السائد للإسلام – كما لو أنهم من مجتمع فرنسي فضفاض. هم ليسوا عالقين بين ثقافتين كما يزعم البعض غالبًا، بل هم بلا ثقافة. والعاقبة لبعضهم كانت التحول إلى الإسلاموية، وقليل منهم عبّروا عن غضبهم اللحظي عن طريق العنف الجهادي.

           السياسات الاستيعابية الفرنسية، في ذات الوقت، فاقمت من شعور العزلة في مجتمعات الطبقة العاملة التقليدية. واستخدم الجغرافي الاجتماعي كريستوفر غويلوي [31] مصطلح “فرنسا المهمّشة” [32] ليصف هؤلاء “المدفوعين للخارج عن طريق تحسين وتصفية الصناعات في المناطق الحضرية”، والذين “يعيشون بعيدًا عن المراكز الاقتصادية ومراكز صناعة القرار، وفي حالة من عدم الاندماج الاجتماعي”، وهم بالتالي “يشعرون بالتهميش”. كان ظهور فرنسا المهمشة أساسًا نتيجة للتطورات الاقتصادية والسياسية، لكن، ومثل كثير من المجتمعات الشمال أفريقية في البلاد، فقد أصبحوا يرون تهميشهم من خلال عدسة الهوية الثقافية والإثنية. وبناءً على استطلاع ابسوس ومركز البحوث السياسية، فإن ٧ من كل ١٠ أشخاص يعتقدون أن هناك “الكثير من الأجانب في فرنسا”، و٧٤٪ يعتبرون الإسلام غير متوافق مع المجتمع الفرنسي. إن تقديم الإسلام كتهديد للقيم الفرنسية لم يقوي الدور السياسي للثقافة فحسب، بل وشحذ خيبة الأمل الشعبية تجاه السياسة السائدة.

          في الماضي، كان عدم الرضا – سواء من الشمال أفريقيين أو من العمال البيض – سيؤدي إلى تدخل حكومي مباشر. لكن اليوم كلا المجموعتين أصبحتا تعبرّان عن مظالمهما من خلال الهوية السياسية. العنصريون الشعبويون والإسلاميون الرادكاليون يعبرون بطريقتهم الخاصة لنوع مشابه من الانفصال الاجتماعي في عصر الهويات السياسية.

    طريق آخر

    إن التعددية الثقافية والاستيعابية سياستان مختلفتان تستجيبان لذات المشكلة: تشظي المجتمع. وكلتاهما جعلتا الأمور حتى الآن أكثر سوءًا. ولقد حان الوقت للمضي إلى ما وراء الجدال العقيم بين هاتين المقاربتين. وهو ما يتطلب استيعاب ثلاثة أنواع من الفروقات.

          أولاً، على أوروبا الفصل بين التنوع الثقافي كتجربة معاشة عن التعددية الثقافية كعملية سياسية. إذ يجب أن نرحب بتجربة العيش في مجتمع متنوع بسبب الهجرات الجماعية، لكن يجب مقاومة أي محاولة لمأسسة هذا التنوع عن طريق الاعتراف بالاختلافات الثقافية.

          ثانيًا، يجب على أوروبا التفريق بين عمى الألوان والعمى تجاه العنصرية. فالاستيعابيون لجؤوا إلى معاملة الجميع كمواطنين أكفاء، وهذا أمر قيّم، بدلاً من معاملتهم كحاملي تواريخ ثقافية أو عرقية، لكن هذا يجب ألا يعني تغاضي الحكومة عن التمييز العنصري ضد جماعات معينة. فالمواطنة تصبح بلا معنى في حال عُوملت طبقات مختلفة من المواطنين بطرق متمايزة، سواء بسبب السياسات التعددية الثقافية أم العنصرية.

          أخيرًا، يجب على أوروبا التفريق بين الشعوب والقيم. متبنّو التعددية الثقافية يجادلون أن التنوع المجتمعي يدمر احتمالية القيم المشتركة. وبشكل مشابه، يقترح الاستيعابيون أن هذه القيم ممكنة فقط في مجتمع متجانس ثقافيًا، وإلى حد ما إثنيًا. وكلا الفريقين يعتقد أن مجتمعات الأقلية عبارة عن مجموعات متجانسة ومنجذبة لتشكيل معين من الصفات والمعتقدات والعقائد والقيم الثقافية، بدلاً من كونها جزءًا من الناخبين في الديموقراطية الحديثة.

          يجب ألا يكون الجدال الحقيقي بين التعددية الثقافية والاستيعابية، بل بين ميزتين من الأول، وميزتين من الأخير. فالسياسية المثالية ستتزاوج باحتضان التعددية الثقافية للتنوع الواقع – بدلاً من ميولها إلى مأسسة الاختلافات – وقرار الاستيعابية معاملة الجميع كمواطنين، بدلاً من ميولها إلى هيكلة الهوية الوطنية من خلال وصم جماعات محددة بالطارئة على الأمة. وفي الممارسة، الدول الأوروبية فعلت العكس. لقد قامت بإحدى اثنتين: سياسات تعددية تضع المجتمعات في قوالب صغيرة أو سياسيات استيعابية تُبعد الأقليات من التيار السائد.

          يجب على أوروبا أن تعيد استكشاف الحس التقدمي للقيم العليا، الأمر الذي هجره ليبراليو القارة بشكل كبير، ولو كان بطريقة مختلفة. فمن جهة، هنالك قسم من اليسار مازال يجمع بين النسبية والتعددية، ويجادل أصحابه أن أساس فكرة القيم العليا هي – بأحد المعاني – عنصرية. في الجهة الأخرى، هؤلاء المُمثّلون بالاستيعابيين الفرنسيين كالفيلسوف برنارد هنري لاڤي [33]، والذي يصرّ على نقل قيم التنوير التقليدي، لكن بصرعة عشائرية تفترض صراع الحضارات.

           كان الاتجاه السائد على سائر أوروبا هو وجوب إدارة الهجرة والاندماج من خلال سياسات الدولة ومؤسساتها. لكن الاندماج الحق، سواء كان للمهاجرين أم للسكان الأصليين، نادراً ما يجلب معه إجراءات من الدولة؛ إنه يصاغ بشكل رئيسي من المجتمع المدني، عن طريق الروابط التي يبنيها الأفراد مع بعضهم البعض، ومن خلال المؤسسات يبنون مصالحهم السياسية والاجتماعية المشتركة. إن المشكل الثابت هو هدم هذه الروابط والمؤسسات، وهذا يربط فشل السياسة الاستيعابية مع فشل السياسات التعددية الثقافية، ويشرح لماذا لم يكن الانعزال الاجتماعي مجرد سمة للمجتمعات المهاجرة، بل لمجتمع أكبر من ذلك أيضًا. ولإصلاح هذا الضرر الذي أحدثه الانعزال، ولنعيد بعث الكونية التقدمية، فإن أوروبا لا تحتاج لكثير من السياسات الجديدة، بل تحتاج إلى تجديد مجتمعها المدني.

    المصدر


    هوامش:

    [1] The Failure of Multiculturalism: Community Versus Society in Europe – Kenan Malik (Foregin Affairs).

    [2] Multiculturalism.

    [3] Anders Behring Breivik.

    [4] Assimilationist.

    [5] Medico-Psychological Society of Paris.

    [6] Philip Buchez.

    [7] The Saturday Review.

    [8] Reflections on Revolution in Europe – Christopher Caldwell.

    [9] Max Silverman.

    [10] Royal Commission on Alien Immigration.

    [11] J. L. Silver.

    [12] Aliens Act 1905.

    [13] Asian Youth Movements.

    [14] Race Today Collective.

    [15] Umbrella Groups.

    [16] Amartya Sen.

    [17] Plural Monoculturalism.

    [18] Gastarbeiter.

    [19] jus sanguinis.

    [20] Ifop.

    [21] Bielefeld University.

    [22] Patriotic Europeans Against the Islamization of the West.

    [23] Indian Workers’ Association.

    [24] Pew Research Center.

    [25] François Mitterrand.

    [26] Le droit à la difference.

    [27] Center de Researches Politiques.

    [28] Ipsos.

    [29] D’Etudes Politiques de Paris) science po(والمعروف بـ..

    [30] The Pollsters.

    [31] Christopher Guilluy.

    [32] The peripheral France.

    [33] Bernard-Henri Lévy. 30/12/2015