مجلة حكمة
نظرية سبينوزا النفسية الانفعالات

نظرية سبينوزا النفسية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الزهراء علي

مدخل فلسفي شامل حول نظرية سبينوزا النفسية، والانفعالات، والتي يرى فيها سبينوزا الإنسان وانفعالاته بصفته جزءًا من الطبيعة، والأساس النفسي لنظرية القيمة؛ نص مترجم لد. مايكل لي بوفيه، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.



الاخلاق عند سبينوزا

يتناول سبينوزا في الجزء الثالث من كتاب (الأخلاق) المعَنْون بـ “في أصل الانفعالات وطبيعتها” – وهو موضوع هذه المقالة – اثنين من أخطر التحديات التي تواجه طبعانيته الشاملة. يسعى سبينوزا في البداية لإظهار تبعية البشر لنظام الطبيعة؛ فالبشر لديهم – كما يرى سبينوزا – طبيعة سببية مشابهة في نوعها للأشياء المألوفة الأخرى، أي “الأحوال المتناهية” الأخرى باللغة الاصطلاحية لـ (الأخلاق)، وبالتالي يجب تحليل طبيعة البشر وفهمها على نحو مماثل لسائر الطبيعة. ثم يحاول سبينوزا إظهار أن المفاهيم الأخلاقية مثل مفاهيم: الخير والشر والفضيلة والكمال لها أساس في علم النفس البشري، وكما أن البشر لا يختلفون عن سائر الطبيعة فإن المفاهيم الأخلاقية لا تختلف عن المفاهيم الأخرى. إن وصف سبينوزا المفصَّل للتأثيرات البشرية – أفعال وعواطف العقل البشري – هو أمر حيوي لكِلا الأمرين، ومن أجل أن يفوز بمرافعته هذه فيجب أن تكون نظرية الانفعالات تفسيرا وجيها لعلم النفس البشري وأيضا أساسا وجيها للأخلاق.


1. الإنسان باعتباره جزءا من الطبيعة

يوضح سبينوزا في مقدمة الجزء الثالث [من كتاب الأخلاق] وجهة نظره القائلة بأن جميع الكائنات ينبغي أن تفهَم في إطار امتثالها لقوانين الطبيعة:

"قوانين الطبيعة وقواعدها التي تحدث بمقتضاها الأشياء وتنتقل من شكل لآخر هي نفسها دائما وفي كل مكان. وتبعا لذلك؛ ينبغي أن يكون المنهج السليم لمعرفة طبيعة الأشياء، مهما كانت هذه الأشياء، نفس المنهج، أعني منهجا ينطلق دائما من قوانين الطبيعة وقواعدها الكلية".

تعامل العديد من الفلاسفة مع العقل البشري كاستثناء من قوانين الطبيعة الكلية، باعتباره شيئا واعيا وقادرا على فعل الخير أو الشر، أو بإمكانه – على سبيل المثال – أن يكون عِلَّة غير معلولة للفعل، لكن سبينوزا يصِرّ على أن البشر ليسوا “خارج نطاق الطبيعة”، وأيّ سِماتٍ أو أفعالٍ بشرية قد تبدو استثنائية فيجب إذن – بالنسبة لسبينوزا – أن تحمل نوعا من التفسير في إطار القوانين الكلية للطبيعة. هذا يعني أنه إن كان هناك على الإطلاق أي مغزى وراء مقولة أن الإنسان كائن واع، يتمتع بالحرية، وبإمكانه فعل الخير، فإنه لا بد من وجود قوانين كلية وطبيعانية تبرِّر وتشرح تلك الدلالات.

أطروحة سبينوزا التي تنصّ على أن جوهر أي نمط متناهٍ بما في ذلك أيّ عقل بشري هو سعي conatus [نزوع طبيعي] للالتزام بالكينونة، ومحاولة لمنح الطبيعة اعتبارا يكون في ظلها البشر – بخصائصهم الظاهرة – طبيعانيين. يجادل سبينوزا بأن جميع الأحوال المتناهية/المحدودة تسعى إلى المحافظة على الكينونة، ويستخدم تحليلا لنزوع الإنسان كي يشرح الخبرة الواعية للرغبة، حرية الإنسان، والخير والشر بشروط قد تنطبق على أيَّة أحوال متناهية. الرغبة – كما يفهمها سبينوزا – ليست سوى النزوع جنبا إلى جنب مع الوعي بالنزوع. بالنسبة لـ سبينوزا؛ فلا يمكن لنشاط العقل البشري أن يكون حراً لو حصِر بملكة الإرادة التي ليست قابلة للتحديد بحد ذاتها. وعلى الرغم من ذلك؛ فثمة حرية بشرية يعتقد بها سبينوزا بمعنى التحرر من التدخلات الخارجية: أنا أمتلك الحرية لخلق بعض التأثير (أي القيام بشيء ما) إلى الحد الذي يكون فيه التأثير نابعا من جوهري، أو بعبارة أخرى؛ إلى الحد الذي يكون فيه انعكاسا لنزوعي. “الخير” و”الشر” تسميات تصف خصائص طبيعانية بمعنى أنها تصف التغييرات التي قد تحدث في أيَّة أشياء بعينها على وجه العموم (بالرغم من أننا نتحفظ على تسميات هذه التغييرات عندما تحدث لدى البشر). وبغض النظر عن جدل الباحثين حول المعنى الدقيق لتلك التسميات؛ فإن ازدياد القوة التي يسعى العقل لامتلاكها تمثل الخير وتمثل أيضا تقليصا للشر في نظر سبينوزا. بسبب الإسهامات المحورية التي أضفتها أطروحة النزوع على تفسيرات سبينوزا للوعي، حرية الإنسان، والخير والشر؛ فإن هذه الأطروحة ذات أهمية كبيرة [لنظرية] سبينوزا في علم النفس والأخلاق. قد يطرح المرء تساؤلات حول صحة حجة سبينوزا فيما ذهب إليه، حول معقولية حجته باعتبارها تفسيرا لطبيعة الأشياء أو باعتبارها تفسيرا لطبيعة البشر. تتناول الفقرات الفرعية التالية بدورها هذه المسائل.

1.1 حجَّة مبدأ النزوع في نظرية سبينوزا النفسية

حجة سبينوزا للقضية السادسة بالجزء الثالث[1] من كتاب (الأخلاق) معزولة على نحو غير معهود عن سائر أجزاء الكتاب، بينما يقدم الحجة في القضية السادسة بالجزء الثالث فإنه يعتمد بشكل أساسي على القضية الرابعة بالجزء الثالث[2] – وهي قضية يعتبرها سبينوزا بديهية – وعلى القضية الخامسة بالجزء الثالث[3] والمستنبطة حصراً من القضية الرابعة بالجزء الثالث. تتضمن الحجة أيضا بصورة غير مباشرة في لازمة[4] القضية الخامسة والعشرين بالجزء الأول[5] وفي شرح[6] القضية الرابعة والثلاثين بالجزء الأول[7].

لازمة القضية الخامسة والعشرين بالجزء الأول: ليست الأشياء الجزئية سوى انعكاسات لصفات الإله، أو أحوال يتم من خلالها التعبير عن صفات الإله بطريقة معينة ومحددة.

القضية الرابعة والثلاثين بالجزء الأول: قدرة الإله هي جوهر ماهيته.

الـقضية الرابعة بالجزء الثالث: لا يمكن تدمير شيء إلا بسبب خارجي.

القضية الخامسة بالجزء الثالث: تكون طبائع الأشياء متناقضة، أي يتعذَّر أن يحتويها موضوع واحد حين يكون بوسع بعضها تدمير بعضها الآخر.

ولذا؛ ففي القضية السادسة بالجزء الثالث ينزع كل شيء، بقدر قوته الخاصة إلى المثابرة في الاستمرار بوجوده.

بالنسبة لـ سبينوزا؛ قد لا يكون جوهر الشيء مكافئا تماما لطبيعته، نظرا لأن شيئا مثل الدائرة المربعة لديه طبيعة لكن وجوده مستحيل (برهان القضية الحادية عشرة بالجزء الأول[8])، ويمكن للمرء أن يفسِّر الأمر بأن سبينوزا كان يعتقد بأن أي شيء ذا جوهر قد يكون موجودا (برهان القضية الثانية في الجزء الثاني[9]). وبالرغم من ذلك؛ فإنه من الممكن استبدال أحد المصطلحين بالآخر إذ أن سبينوزا يصف الوجود فحسب. إن كان هذا الافتراض صحيحا، فربما يكون منطق سبينوزا كالتالي:

الأشياء المتعينة هي تعبير عن القوة من حيث أنها تمظهرات لصفات الإله، وجوهر الإله يتشكل من صفاته، وقوة الإله هي جوهره. ومن البديهي أنه لا يمكن تدمير أي شيء إلا عبر عامل خارجي، لذا فإن الشيء المتعين ظاهريا الذي يكون مدمرا للذات هو في حقيقته شيئان. وبالتالي؛ فإن القوة التي يعبِّر عنها شيء متعيَّن أصيل يجب أن تكون موجَّهة صوب المثابرة للحفاظ على وجوده.

بغض النظر عن رأي سبينوزا؛ فإن القول بأنه لا يمكن تدمير أي شيء إلا عبر عامل خارجي ليس أمرا بديهيا. حتى مع افتراض صحة هذه المقولة، فبإمكان المرء أن يثير أسئلة حول حجة سبينوزا؛ لمجرد أن الشيء لا يسعى لتدمير ذاته لماذا عليه أن يثابر من أجل وجوده؟ من الممكن على ما يبدو ألا ينزع الشيء صوب أي أمر، أو ربما ينزع للقيام بأمر لا يعتبر مثابرة من أجل وجوده أو تدميرا للذات. يبدو أن استخدام سبينوزا للقضية الرابعة والثلاثين بالجزء الأول ولازمة القضية الخامسة والعشرين بالجزء الأول استهدف استبعاد أولى هذه الاحتمالات. بالرغم من عدم وضوح مصطلح سبينوزا الشهير “التعبير” exprimere، إلا أنه ربما يعني شيئا من قبيل “شكل معين مِن..”. بناءً على ذلك؛ نظرا لأن الأشياء المتعينة هي انعكاسات لجوهر الإله وقوته، فيجب أن تكون تلك الأشياء شكلا معينا من أشكال القوة. لذلك فلا يوجد شيء لا ينزع / يسعى على الإطلاق، بعبارة أخرى، لا يمكن أن يوجد شيء لا يمثل أي تعبير عن القوة على الإطلاق.

الصيغة الثانية من الاعتراض والتي تشير إلى أن إمكانية سعي شيء معين إلى أمر آخر غير تدمير الذات أو المثابرة من أجل وجوده كما ورد في القضية الرابعة بالجزء الثالث ستظل – على أية حال – تمثل تحديا للقرَّاء الشغوفين بكتاب (الأخلاق). إن رفض القضية السادسة بالجزء الثالث والإصرار على أن شيئا ما – على الأقل – لا ينزع للاستمرار في وجوده يتوافق تماما مع حقيقة القضية الرابعة في الجزء الثالث حيث تفهَم المثابرة في الوجود كغاية معينة ضمن العديد من الخيارات الممكنة. عدم النزوع للمثابرة في الوجود والذي تستبعده القضية السادسة بالجزء الثالث – بالرغم من كل شيء – ليس كالنزوع لعدم المثابرة في الوجود وهو ما تستبعده القضية الرابعة بالجزء الثالث. قد يحاول القارئ المتعاطف مع سبينوزا حل هذه الإشكالية من خلال فهم ما يعنيه النزوع للاستمرار في الوجود، والذي بموجبه يصبح النزوع للاستمرار في الوجود يعني النزوع لفعل شيء آخر غير تدمير الذات، وبعبارة أوضح؛ الحفاظ على الحالة الراهنة. تكاد هذه القراءة أن تجعل حجة القضية الرابعة والقضية السادسة بالجزء الثالث تبدو سليمة، بيد أنها تثير إشكالية جديدة متعلقة بالتوفيق بين هذا التأويل للنزوع / السعي وتفسير سبينوزا للدوافع البشرية والذي ترتَّب عن القضية السادسة بالجزء الثالث. لطالما اعتبر سبينوزا البشر العاقلين أحوالاً محدودة يحاولون بنشاطٍ – باستثناء عدم محاولتهم قتل أنفسهم – الحفاظ على أنفسهم. لا يقوم الناس بمجرد مقاومة التغييرات التي تحدث لأية حالة يكونون فيها، بل يسعون جاهدين لتغيير أحوالهم من أجل أن يتسنى لهم معرفة المزيد والعيش بقوة أكبر. وبالتالي؛ فإن إحدى الإشكالات الرئيسة التي يواجهها سبينوزا هي التوفيق بين صيغتين منطقيتين للقضية السادسة بالجزء الثالث، إحداهما تنصرف لتفسير طبيعة الأشياء العادية (والتي بموجبها ستعني مبدأ القصور الذاتي inertia) والأخرى تنصرف لتفسير الطبيعة البشرية (والتي بموجبها ستصبح صيغة من الأنانوية النفسية  psychological egoism).

2.1 مبدأ النزوع كتفسير لطبيعة الكائنات المتناهية

بغض النظر عن المخاوف التي قد تنتاب المرء بشأن حجة سبينوزا فإنها تتمتع ببعض المعقولية باعتبارها تفسيرا لطبيعة الأشياء المتناهية. مهما يكن؛ فإن كتاب (الأخلاق) يبدو بحاجة ماسة لنوع من التأويل لماهية الأحوال المحدودة، والقضية الرابعة بالجزء الثالث توفر طريقة واحدة – على الأقل – للتمييز بين الأشياء الأصيلة وتلك التي تعتبر مجرد بنْياتٍ: إذا كان الشيء يدمر نفسه فلا يمكن اعتباره شيئا أصيلا. وعليه فما يتولد عن القضية الرابعة بالجزء الثالث يمثل أطروحة فلسفية مثيرة للجدل؛ فالشيء الذي يدمر نفسه – قد يستحضر المرء في هذا السياق شيئاً شبيهاً بالشمعة المضيئة أو القنبلة الموقوتة – ليس شيئا أصيلا، هنا توثيق لمنظور مألوف يتمثل في أن الشيء الذي لا يدمر نفسه هو الأصيل إلى حد يجعل معظم الأشياء التي نعتبرها أصيلة بصورة بديهية أشياء أصيلة. [ومن جهة أخرى] ثمة استبعاد لفئات واضحة من الأشياء التي نعتبرها أصيلة بصورة بديهية (الشموع المضيئة والقنابل الموقوتة). تعتمد معقولية مبدأ النزوع على ما إذا كنا سنجد بالفعل سببا لإيجاد اختلافات ميتافيزيقية أساسية في النوع بين “الأشياء” التي تميل لتدمير نفسها وتلك التي لا تميل لذلك.

قد تكون إحدى استراتيجيات الدفاع عن معقولية القضية الرابعة بالجزء الثالث هي التحقق مما يعنيه سبينوزا بـ “السبب الخارجي”. تشير مزاعم سبينوزا العديدة حول الجوهر والممتلكات والحوادث إلى بعض حالات التدمير التي قد نعتبرها تدميرا ذاتيا هي تدمير – بالنسبة لسبينوزا – بفعل أسباب خارجية، وهذا المقترح يدعمه تعليل سبينوزا للانتحار في القضية العشرين وما يليها من قضايا بالجزء الرابع من كتاب (الأخلاق)[10]. إن زمرة الأشياء التي تميل لتدمير ذاتها قد تكون أكثر دقة واختلافا عن الصورة التي قد يعتقدها المرء من القراءة الأولى للقضية الرابعة بالجزء الثالث.

ربما تقدم القضية السادسة بالجزء الثالث أطروحة مختلفة قليلا حول معنى أن تكون شيئا بعينه: الشيء المتعين هو الشيء الذي ينزع للاستمرار في كيانه. يشير اعتماد القضية السادسة بالجزء الثالث على القضية الرابعة بالجزء الثالث إلى أن هذه الأطروحة تعني أن أي كائن سيبقى في نفس الحالة ما لم تؤثر عليه أسباب خارجية. يبدو أن هذه الأطروحة هي مبدأ القصور الذاتي، وفي الواقع يبدو أن سبينوزا توسل بمبدأ القصور الذاتي في المصطلحات التي يستخدمها في القضية السادسة بالجزء الثالث. مصطلح “Conatus” في الأصل مصطلح تقني للفيزياء الديكارتية، ويشير إلى حركة الجسم. يستخدم سبينوزا المصطلح بهذه الطريقة في تبيانه لمبادئ ديكارت الفلسفية (قارن على التوالي – مثلا – الفقرة السابعة والثلاثين بالجزء الثاني[11]، والفقرة السادسة والخمسين[12]، والثامنة والخمسين بالجزء الثالث[13] من كتاب (مبادئ الفلسفة) لـ ديكارت بشروحات سبينوزا في القضية الرابعة عشرة بالجزء الثاني[14]، وبرهان القضية الثالثة بالجزء الثالث[15]، والقضية السابعة عشرة بالجزء الثاني[16] على التوالي من كتاب الأخلاق). علاوة على ذلك؛ في القضية السادسة بالجزء الثالث، بالإضافة لاستخدام مصطلح “conatus” مرة أخرى، فإن سبينوزا يستخدم أيضا ذات العبارة التي استخدمها في تأطير مبدأ مختلف للقصور الذاتي في القضية الرابعة عشرة بالجزء الثاني لعرضه فيزياء ديكارت: “اعتمادا على قوته الخاصة” quantum in se est، يوظف ديكارت هذه العبارة في الفقرة السابعة والثلاثين بالجزء الثاني من كتابه (مبادئ الفلسفة)، ولذا فثمة أساس نصيّ جيد للاستنتاج القائل بأن القضية السادسة بالجزء الثالث من كتاب (الأخلاق) تحمل هذا المعنى بالفعل.

بصرف النظر عن سؤال: كيف يمكن لمبدأ القصور الذاتي أن يمنحنا فهماً للطبيعة البشرية، فإن هذا التأويل للقضية السادسة بالجزء الثالث من كتاب (الأخلاق) يثير إشكالاً عسيراً حول استخدام سبينوزا لمبدأ النزوع. قد يحتجّ المرء بأن القضية السادسة بالجزء الثالث – والتي تفهَم على أنها إعادة صياغة لمبدأ القصور الذاتي – توسَّع نطاق مبدءٍ فيزيائي ليشمل النفس البشرية دون إيضاحٍ كافٍ. في طرحهما لصيغتهما من مبدأ القصور الذاتي الفيزيائي؛ كان كل من ديكارت وسبينوزا حريصين على حصر حجَّتهما بالأجساد. كتب سبينوزا – على سبيل المثال – في تعريفه لـ  conatus ad motum [النزوع للحركة] في معرض تأويله لديكارت:

الفكرة الوحيدة التي نفهمها من خلال النزوع للحركة تتجلى في أن جزءا من المادة تم وضعه وتوجيهه صوب الحركة، بحيث سيذهب إلى مكان ما، ما لم يتم منعه بفعل أي سبب.

إن القضية السادسة بالجزء الثالث – بالإضافة إلى توصيف معنى المادة – هي حجة أساسية بشأن طبيعة النفس، وتحديدا بشأن علم النفس البشري. في ميتافيزيقيا سبينوزا ثمة أساس للاعتقاد بأن كل ما ينطبق على الجسد فإنه ينطبق أيضا على النفس بمعنى ما. ومع ذلك؛ فإن النزوع في الفيزياء يفهَم منه أنه ميل نحو نوع معين من الحركة، ويبدو أن الحركة – أيا كان الكائن الذي يقوم بها – تنتمي إلى الأجساد وحدها. لذا يحتاج سبينوزا لتقديم تفسير لارتباط النفس بـ “النزوع للحركة”، لكن القضية السادسة بالجزء الثالث من (الأخلاق) تترك سؤال معنى أن “تسعى النفس” مفتوحا. في هذه المحاججة؛ يستخدم مبدأ النزوع نوعا من اللغة المجازية – مصطلح “النزوع” أو “السعي” – في مقام يتطلب سردا دقيقا وحرفيا لما يميز النفس.

3.1 مبدأ النزوع كتفسير لـ الطبيعة البشرية عند سبينوزا

يستفيد مذهب سبينوزا الطبيعاني بلاغيا من استخدامه لمصطلح النزوع ” conatus” لوصف جوهر الكائن البشري وظواهر أخرى متناهية على حد سواء، فالمصطلح ليس مصطلحا تقنيا للفيزياء الديكارتية فحسب فقد استخدم شيشرون (كما استخدم رواقيون رومانيون ويونانيون آخرون مصطلحات مشابهة) المصطلح في كتابه (طبيعة الآلهة) De Natura Deorum بالمعنى النفسي في إشارة إلى الرغبة البشرية، ويستخدم هوبز المصطلح في إطار علم النفس للإشارة إلى الأسباب الفيزيائية للرغبة البشرية. لذا فإن مصطلح “conatus” ذو دلالات فيزيائية ونفسية بشرية واسعة تساعد على تضييق الفجوة بين الطبيعة والنفس البشرية.

مهما يكن؛ فإن استفادة سبينوزا من مهارته البلاغية وقدرته على استخلاص تفسير معقول لطبيعة النفس البشرية من خلال تأويله العام لجوهر الأحوال المحدودة هو أمر يعتمد على القضية التاسعة بالجزء الثالث من (الأخلاق):

تمتلك النفس أفكارا واضحة متميزة، بقدر ما تمتلك أيضا أفكارا مرتبكة، وفي كلتا الحالتين تنزع النفس لأجل غير ما مسمى إلى الاستمرار في وجودها، وهي تعي سعيها لذلك.

ربما توحي هذه القضية بأن سبينوزا يتبنى نوعا من الأنانوية النفسية، وهذا يعني أنه يعتقد أن ما يرغب به البشر هو تأمين مصالحهم الخاصة؛ التي تفسَّر هنا على أنها المثابرة في الوجود. يستمر سبينوزا هنا في تعريف الرغبة على أنها سعي بشري (أو اشتهاء) جنباً إلى جنب مع الوعي بهذا السعي. لذا من الجليّ أن رغبة الإنسان لدى سبينوزا هي جزء من النزوع إلى المثابرة في الوجود، وبالتالي مشاركة الوجود خصائصه.

بالرغم مما سبق، يوجد تساؤلا حول تعددية الأنانوية النفسية التي يحملها سبينوزا. قد تكون الرغبة جزءا من السعي للمثابرة – على أية حال – دون أن تصبح كل الرغبات محصورة في كونها رغبات من أجل المثابرة. وقد تكون لدى المرء – مثلا – رغبة غريزية قوية في الأشياء التي تعين على المثابرة في الوجود دون أن يرغب في ذات المثابرة، كما قد يرغب المرء في أشياء أخرى إلى جانب رغبته في المثابرة في الوجود.

ربما من المفترض أن تدعم القضية التاسعة بالجزء الثالث صيغة قوية جدا من الأنانوية النفسية: الأنانوية الأصيلة، وهي الرأي القائل بأن البشر أنانيون دائما بوعي. في ظل هذا الرأي؛ لا يرغب “س” بوعي إلا بالأشياء التي تفيده، ولا يرغب “ص” بوعي إلا بالأشياء التي تفيده..وهكذا دواليك بالنسبة لجميع البشر. يكتب سبينوزا أن النفس البشرية تنزع للمثابرة في الوجود في حال كانت أفكارها جليَّة متميزة أو كانت مرتبكة، ومن الطبيعي أن نفهم أن هذا الإدِّعاء يحمل معنى كالتالي: 

في بعض الأحيان يقوم الناس بأشياء تفضي إلى مثابرتهم، وفي أحيان أخرى يفعل الناس أشياء لا تفضي إلى ذلك. وفي كلتا الحالتين ما يرغب به الناس هو المثابرة. عندما أقوم بشيء لا يساعدني على المثابرة، فذلك لأن الأفكار التي بنيت عليها أفعالي كانت مرتبكة، أي أنني ظننت أنني أعرف ما الذي سيساعدني على المثابرة، بيد أنني كنت مخطئا. لكن حين أقوم بشيء يساعدني على المثابرة (إلا إذا كنت ببساطة محظوظا رغم أنني انطلقت من فكرة رديئة) فذلك لأنني تصرفت بناءا على أفكار جلية ومميزة، أو بعبارة أخرى: بناءا على معرفة أصيلة بما قد يساعدني على المثابرة.

اللغة القطعية التي يستخدمها سبينوزا في ملحق الجزء الأول من كتاب (الأخلاق) تقدم تعزيزا جليّا لهذا التأويل: “يتصرف البشر دوما لغاية معينة وهي ما يرغبون فيه بدافع مصلحة شخصية”. علاوة على ذلك، فثمة فقرات أخرى مهمة في أعمال سبينوزا تتوافق بشدة مع فكرة تبني سبينوزا للأنانوية الأصيلة، وهذا يشمل أطروحاته وكتاباته عن الأخلاق والسياسة.

على أيَّة حال؛ فهناك أدلة أخرى تشير إلى أن سبينوزا لا يتبنى الأنانوية الأصيلة، وثمة تساؤل على وجه التحديد عما إذا كانت حجة كتاب (الأخلاق) تلزِم سبينوزا بتفسير الأفعال التي تنبع من الأفكار المرتبكة وفق تأويل القضية التاسعة بالجزء الثالث المذكور أعلاه. يتعلق جزء من حاشية القضية الرابعة والأربعين بالجزء الرابع من كتاب (الأخلاق) ببعض تلك الأفكار الأكثر إرباكا. هنا مقطع مفيد لأنه يصف بجلاء عمليات التفكير الواعي التي تسبق الفعل:

على الرغم من أن البشر معرضون لانفعالات عديدة، ويندر أن تجد من يقهره انفعال واحد على الدوام، لا يزال هناك من يستولي عليه انفعال واحد بلا هوادة. وقد نرى بالفعل أشخاصا يتأثرون بشدة بشيء واحد لدرجة أنهم يتوهمون مثوله أمام أعينهم رغم غيابه. وعندما يحدث ذلك لإنسان خارج حالة النوم فإننا نقول إنه يهذي أو إنه أخبل. ولا يقِلّ عنه خبلا أولئك الذين يحترقون حبّا ولا ينفكون يحلمون ليلا ونهارا بعشيقتهم أو بمومس، لأنهم يبعثون عادة على السخرية. أما الشخص الجشع الذي لا يفكر بشيء سوى المال والكسب، والشخص الطموح الذي لا يشغل باله سوى المجد، فلا يعتقَد أن هؤلاء مجانين لأنهم عادة ما يتسببون بالإزعاج لغيرهم ويعتبَرون جديرين بالكراهية. بيد أن الجشع والطموح والشهوة هي ضروب من الجنون، رغم أنها لا تعتبر في عداد الأمراض.

يصف سبينوزا في تلك الحاشية مجموعة متنوعة من الغايات المحتمَلة للفعل البشري، وليست المثابرة في الوجود أيا منها. علاوة على ذلك، لئلا يعتقد المرء أن الشخص الجشع يسعى للربح لاعتقاده مخطئا أن هذا سيقوده للمثابرة في الوجود، فإن سبينوزا يشدد هنا على نقطة فردانية الشيء الذي يستحوذ على اهتمام الأشخاص الذين يسعون للمثابرة، في حين أن الشخص الذي يسعى للربح لاعتقاده أنه يؤدي للمثابرة قد يكون مهووسا بأمرين: الربح والمثابرة، وليس بأمر واحد.

تشير حاشية القضية الرابعة والأربعين بالجزء الرابع من (الأخلاق) إلى أن سبينوزا يتبنى نظرة مختلفة: الأنانوية المهيمنة، أي الرأي القائل بأن معظم الناس في معظم الأوقات يرغبون بالمثابرة في وجودهم. يطرح هذا النوع الخاص من الأنانوية المهيمنة جوانب مهمة من نظرية سبينوزا الأخلاقية: إذا كان أكثر الأشخاص ارتباكا والذين أفسدهم الجشع أو الشهوة أو الطموح يبحثون دائما عن شيء آخر غير المثابرة في الوجود، فقد يعني ذلك أننا جميعا – حين نتصرف بناءً على عواطف مماثلة من حين لآخر – نفعل ذلك فقط إلى الحد الذي تكون فيه أفكارنا مشوَّشة. وبالتالي؛ فإن البشر تهيمن عليهم الأنانية لأنهم – على وجه العموم – يتصرفون بعقلانية. في نظر اسبينوزا؛ من المنطقي السعي للاستمرار في الوجود. لذا إن كنا عقلانيين على الدوام فسنسعى باستمرار للحفاظ على أنفسنا وستكون الأنانوية الأصيلة محقَّقة، إلا أننا لسنا أنانيين على نحو أصيل. في هذا التأويل لرأي لاسبينوزا على افتراض أنه يتبنى الأنانوية المهيمنة انطلاقا من أننا لسنا عقلانيين بما يكفي إلى الحد الذي تكون فيه أفكارنا مرتبكة فقد نسعى فعلا بوعي لغايات أخرى غير المثابرة في الوجود، هنا تكمن غاية صحيحة (عقلانية على الأقل) جديرة بالسعي، تتمثل في المثابرة في الوجود، والغايات الأخرى خاطئة (أو غير عقلانية على الأقل).

تمثل القضية العشرين بالجزء الرابع من (الأخلاق) ركيزة لهذا التأويل لفكرة الأنانوية المهيمنة عند سبينوزا:

كلما استطاع فرد أن يسعى وراء مصلحته الخاصة - أي أن يحافظ على كيانه - كلما وهِبتْ له فضائل أكثر. وعلى النقيض من ذلك، بقدر ما يهمل كل فرد مصلحته الخاصة -  أي يهمل الحفاظ على كيانه - فسيصبح عاجزا.

يقِرّ سبينوزا هنا على نحو بَيِّن أن الشخص قد “يهمل مصلحته الخاصة”. لذا تبدو هذه الفقرة متعارضة مع فكرة الأنانوية الأصيلة. أضف إلى ذلك، أن هذه الفقرة تنصّ على أن المرء فاضل بقدر سعيه إلى المثابرة في الوجود. للفضيلة دلالات ميتافيزيقية في كتاب (الأخلاق)، فضيلة شيء ما تعني قوته في ذات الوقت[17]. لكن لا يمكن إنكار أن للمصطلح دلالات أخلاقية أيضا، ولذا تشير القضية العشرون وحاشية القضية الرابعة والأربعون بالجزء الرابع إلى أن محاولة الحفاظ على الذات عن وعي يعتبر أمرا صائبا، في حين أن إهمال الحفاظ على الذات يعتبر أمرا خاطئا.

بالرغم من أن القضية التاسعة بالجزء الثالث تقبل تفسيرات مختلفة؛ إلا أن حمولة الأدلة النصيِّة تدعم الرأي القائل بأنها أنانوية مهيمنة، لا أصيلة. حسب وجهة نظر سبينوزا؛ فإن أي رغبة إنسانية محددة، بما في ذلك الرغبة التي لا ترغب في الاستمرار في الكينونة أو في وسائطها، فإنها يجب أن تكون مرتبطة بصورة ما بالاستمرار في الكينونة. كذلك يشير نقاش سبينوزا للرغبات في أمور أخرى غير المثابرة في الوجود – علاوة على ما سبق – إلى أن هذه الرغبات هي جزء أو نتاج للارتباك. بالنسبة لاسبينوزا؛ فإن الرغبات العاطفية غالبا ما تكون رغبات في أمور أخرى غير المثابرة في الوجود، على الرغم من أنها قد تكون أيضا رغبات مشوَّشة في المثابرة في الوجود. من المرجَّح أن تقدم النقاشات الحديثة حول ما إذا كانت غايات الرغبة البشرية مهمة لنظرية سبينوزا النفسية وحول فهمه للوعي البشري مزيدا من الدعم لهذا الرأي من خلال إظهار كيف يمكن التوفيق بين مثل هذه الفقرات وإحالات سبينوزا الأساسية في الميتافيزيقيا والنفس.

2. الانفعالات في نظرية سبينوزا النفسية

تفسير سبينوزا لانفعالات ” affectus” النفس البشرية هو استجابة لإحدى الإشكاليات المركزية في فكرته الطبيعانية. إنها محاولة لإظهار كيف يمكن إنتاج هذه المجموعة الواسعة من رغبات وعواطف النفس البشرية من قِبل شيء يتبع نظام الطبيعة. يلاحظ سبينوزا في بداية الجزء الثالث من (الأخلاق) أن السرديات التقليدية للانفعالات، باستثناء تلك التي قدمها ديكارت، استندت إلى افتراض لا أساس له من الصحة – حسب رأي سبينوزا – مفاده أن الإنسان ذو “سيادة” ومقومات منفصلة داخل سيادة الطبيعة، وتحكمه قوانين مختلفة عن قوانين الطبيعة. يكمل مشروع سبينوزا ما يعتبره ابتكارا مهما لديكارت: “السعي لشرح الانفعالات البشرية من خلال عِلَّتها الأولى”. لذا فإن سردية سبينوزا عن الانفعالات قد تكون مفيدة أكثر إذا ما قورنت بأطروحة ديكارت (انفعالات النفس)، وكذلك بالسردية الواردة في كتابات هوبز (وخاصة في الليفياثان) الذي عاصر سبينوزا وشاركه في الكثير من الإحالات الفلسفية، أو في انتقاد سبينوزا لبعض “السرديات التقليدية” مثل كتاب الأكويني (الخلاصة اللاهوتية).

ومع ذلك؛ فإن سبينوزا أكثر شمولية من ديكارت في التزامه بالمذهب الطبيعاني لإنكاره حرية الإرادة. يجعل هذا الالتزام المهمة التي يضطلع بها سبينوزا في (الأخلاق) مراجعة أكثر درامية للمفاهيم التقليدية عن العواطف من تلك المراجعة التي أنتجها ديكارت. لذا فإن سبينوزا منفتح – أكثر من ديكارت – على نوع الاعتراض الذي قد يبديه الكتَّاب التقليديون، أولئك الذين لا يساورهم الشك في أن البشر لا يخضعون لنظام الطبيعة: كيف يمكن إنتاج أبعاد كاملة من الظواهر النفسية البشرية من خلال الأسباب الطبيعية؟ يجب أن ينتج سبينوزا أولا – كي تنجح حجَّته في (الأخلاق) – تفسيرا لكيف تكون الرغبات والعواطف البشرية جزءا من الطبيعة كما صرَّح في الكتاب، وثانيا عليه أن ينتج وصفا مركَّبا بصورة معقولة لتلك الرغبات والعواطف البشرية، أي متسقا بصورة معقولة مع تجربتنا مع أنفسنا. تتناول الفقرات الفرعية التالية بدورها هذه المسائل.

1.2 الانفعالات النزوع في نظرية سبينوزا النفسية

بالنسبة لـ سبينوزا؛ فإن الانفعالات البشرية هي جزء من الطبيعة بقدر ما يمكن إعادة وصف كل منها وفقا للنزوع الذي يعتبر خاصية تشترك فيها كل الأشياء المتناهية في الطبيعة. تقوم الرغبة وضروبها بالنزوع بمقتضى مواصفات معينة، ويعتقد سبينوزا أن العواطف البشرية تتغير، أي أنها قوتها تزيد وتنقص، تلك القوة التي ننزع – أو ينزع بعض منا على أقل تقدير – إليها. الانفعالات الإيجابية كلها زيادة في القوة التي نسعى إليها.

يقدم سبينوزا أولى انفعالاته الأساسية – الرغبة – في حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث مباشرة بعد طرحه مبدأ النزوع البشري، ويسميها في صيغتها الأكثر عمومية بالشهوة:

لا يوجد فرق بين الشهوة Appetitum والرغبةCupiditatem ، عدا أن الرغبة تتعلق عموما بالإنسان الواعي بشهوته. لذلك يمكن تعريف الرغبة على أنها شهوة مصحوبة بالوعي بذاتها.

هكذا يعرِّف سبينوزا الرغبة الإنسانية والجوهر الإنساني، وتحديدا وعي المرء بجوهره، بالنزوع للحفاظ على الكينونة. نظرية سبينوزا عن الوعي مشهورة بإشكاليتها، وليس من الواضح أي الأفكار التي لدى النفس البشرية يصحّ اعتبارها واعية، أو المدى الذي يمكن أن تكون فيه الكائنات الأخرى غير البشرية واعية. حسب وجهة نظر سبينوزا؛ وبالنسبة للبشر – على الأقل – فإن ما يبدو أنه يجعلنا نقوم بالفعل هي رغبتنا. إذا سئلت عن السبب المباشر لقيامي بشراء فنجان قهوة – مثلا – فسأجيب: بأنه يكمن في رغبتي بالقهوة. إذن؛ فإن القضية التاسعة بالجزء الثالث من (الأخلاق) تدافع عن إدراك سليم إلى حد ما في تحديدها سبب الفعل البشري بالنزوع أو السعي مع الرغبة الواعية. لو عرَّف سبينوزا الرغبة بشيء آخر غير النزوع لكان قد ألزم نفسه بوجهة النظر القائلة بأن: رغبتي في الواقع ليست سبب شرائي القهوة. (الرغبة عند سبينوزا، بتعريفها الضيق الوارد في حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث هي نفسية وجسدية، وبتعريفها الأوسع بالجزء الثالث بتعريف الانفعالات، فإنها قد تكون إحداها[18]. لذا؛ فإن هذا المثال، على الرغم مما يدل ظاهره عليه، لا يجب أن يتعارض مع إنكار سبينوزا للتفاعل بين النفس والجسد).

تقطع حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث – إذن – شوطا طويلا في إظهار كيف يمكن أن يكون مبدأ النزوع أساسا لتفسير الرغبة البشرية. وبالرغم من ذلك؛ لا تزال هناك إشكالية حرجة. مع أننا نميل إلى تصور أن الرغبة هي السبب/ الدافع المباشر في الفعل، فإننا نميل أيضا إلى استشعار أن الرغبة تنطوي على الغائية أو العِلل النهائية. إذا كانت الرغبة تدفعني لالتقاط الفنجان، فكيف تقوم بذلك؟ الجواب المنطقي غائيٌّ: لدي غاية تتمثل في القهوة، وأنا – بمعنى ما -منجذب إليها. يدرك سبينوزا جيدا حقيقة أننا عادة ما نفترض أسبابا غائية لأفعالنا، وبعض تفسيرات “الشهوة” في (الأخلاق) تتضمن مفاهيم غائية، لا سيما في التعريف السابع في مقدمة الجزء الرابع[19]. ومع ذلك؛ فإن سبينوزا ينكر بوضوح اعتبار الشهوة أي شيء سوى دافع فعَّال. يقول في هذه الفقرة المأخوذة من مقدمة الجزء الرابع:

ثمَّ إن ما نطلق عليه العلة الغائية ليست سوى شهوة بشرية بحيث تعتبر المبدأ الأول أو العلة الأولى لشيء ما. عندما نقول - مثلا - أن السكن هو العلة الغائية لهذا المنزل فإننا في الحقيقة لا نستنتج شيئا سوى ذلك المرء الذي بسبب تصوره مزايا الحياة المنزلية بات يشتهي بناء منزل. لذا فإن السكن من حيث هو علة غائية ليس إلا هذه الشهوة الفردية، وهذه الشهوة هي في الواقع علة فعَّالة، والتي تعتبر العلة الأولى، نظرا لجهل البشر بصورة عامة عِلل شهواتهم.

مع أن سبينوزا لا ينكر بوضوح هنا وجود علل غائية للفعل، لكنه يعرِّف هذه العلل بعلل فعَّالة. وبالتالي؛ فهو يحتاج إلى إظهار كيفية ارتباط غايات الفعل البشري بالعمليات السببية الفعالة. يعرض سبينوزا من أجل هذه المهمة الانفعالات الأولية الأخرى وعددا من القوانين النفسية المرتبطة بها، إنه يقدم المشاعر الأولية في حاشية القضية الحادية عشرة بالجزء الثالث:

لقد تبيَّن لنا إذن أن النفس يمكن أن تخضع لتغييرات كبيرة، وأنها تنتقل تارة إلى كمال أعظم وتارة أخرى إلى كمال أقل. هذه المشاعر في الواقع تشرح لنا تأثيرات الفرح "laetitia" والحزن "tristitia". أعني بالفرح الانفعال الذي تنتقل به النفس إلى كمال أعظم، وأعني بالحزن الانفعال الذي تنتقل به النفس إلى كمال أقل.

اللغة المثالية التي يستخدمها سبينوزا مهمة لفهم أساس الأخلاق التي يجدها في علم النفس، بيد أنه يمكن فهم فكرته هنا في إطار مبدأ النزوع. بالنسبة لسبينوزا؛ فإن تزايد القدرة على المثابرة في الوجود يعدّ انتقالا إلى الكمال الأعظم، وتضاءل تلك القدرة هو انتقال إلى كمال أقل. لذلك؛ وبالرغم من تعقيد تعريفات سبينوزا التي تشير إلى المشاعر باعتبارها إما أجزاءً من الجسد أو الجسد ككل، فإن الفرح هو الانفعال الذي يختبره المرء في الانتقال صوب قوة متزايدة للنزوع، والحزن هو الانفعال الذي يختبره المرء في الانتقال المضاد. وهكذا يقدم سبينوزا في تفسيره للتأثيرات أساسا لتأويل كيف أن الاستبطان في تجربتنا الواعية للرغبة قد يفشل في تزويدنا بمعرفة دقيقة بشأن نشاطاتنا النفسية. لتجربتنا الواعية في تكوين رغباتنا عنصر عاطفي: نشعر بالفرح والحزن وبأنواع مختلفة من هذين الانفعالين، لكننا قد لا ندرك سبب شعورنا بالحزن أو الفرح، ولا ندرك بالفعل لماذا نرغب فيما نرغب فيه. ولذا فإن سبينوزا يكتب في حاشية القضية الثانية بالجزء الثالث – وفي مواضع أخرى كثيرة – في سياق انتقاداته للتفكير الغائي والتجارب الاستبطانية للإرادة الحرة أو سببية النفس / الجسد:

يدرك الناس أفعالهم بينما يجهلون الأسباب التي جعلتهم يعقدون العزم على فعلها.

يصف سبينوزا في القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث الغائية التي تتبدى في الرغبة:

نحن نسعى جاهدين لمعاظمة فرص حدوث كل ما نتخيل أنه يؤدي إلى الفرح، ونسعى لتجنب أو تدمير كل ما نتخيل أنه مناقض لذلك أو سيؤدي إلى الحزن.

يحتفظ سبينوزا بمصطلح “التَّخيّل” imaginor لوصف الحالات الواعية، لذلك فإن القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث تصف – على الأقل جزئيا – موضوعات الرغبة. إذا تخيَّلت أن القهوة ستؤدي إلى الفرح، فسأرغب في ذلك الفرح وتلك القهوة، هذه القضية ليست وصفا تفصيليا لموضوعات الرغبة بالمعنى الدقيق للكلمة وإنما تلَمِّح فحسب إلى أننا نرغب في أي شيء نتخيل أنه سيؤدي إلى الفرح ونعزف عن أي شيء نتخيل أنه سيؤدي إلى الحزن، ولا تعني هذه القضية أننا قد لا نملك أنواعا أخرى من الرغبات أيضا، رغبات لا علاقة لها بالفرح أو بالحزن. إلا أن معاينة أشكال الرغبة حسب بيان سبينوزا بالجزء الثالث تشير إلى أن ذلك الرأي لا يزال أقوى من الإدِّعاء المحدَّد للقضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث: يظهر أن سبينوزا يعتقد أن أي شيء أرغب فيه سيكون شيئا أتخيل أنه سيؤدي إلى الفرح، وأي شيء أعزف عنه سيكون شيئا أتخيل أنه سيؤدي إلى الحزن.

إذن ما قد يبدو عند الاستبطان أنه علة غائية كلية للفعل – الغاية ممثَّلة في موضوع الرغبة – هي حسب سبينوزا تجلٍّ نوعي في وعي النزوع، والذي بدوره هو علة فعَّالة للفعل. قد أفكر في تناول فنجان القهوة لمجرد أن الفرح الذي أتوقعه في القهوة “جذبني” إليها، بينما في الواقع تناولت فنجان القهوة بدافع من تأثير نزوعي الخاص الذي “يدفعني” نحو الفنجان (ربما باعتبارها علة جزئية بالتشارك مع علة جزئية أخرى مثل ذكرى فناجين قهوة تناولتها في الماضي).

2.2 تنوع الانفعالات

ربما تكون وجهة النظر النفسية التي يقدمها سبينوزا في القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث عرضة لنوع من الاعتراض الذي قد يثيره المرء ضد مذهب المتعة النفسية، أي المبدأ القائل أن البشر لا يرغبون إلا في المتعة وتجنب الألم وكل ما يمكن استخدامه ذرائعيا لتحقيق ذلك. قد يبدو للبعض أن القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث لا تتوافق مع تجربتهم الخاصة فيما يتعلق بدوافع أفعالهم، وقد يقول شخص يتمتع بحس قوي بالعدالة:

ليس الأمر لأنني أحب جونز أو سأحصل على أية متعة من كونه طليقا، بل أعتقد أن الرجل أحمق وأكره أن أفكر برؤيته في الشارع، لكنني مع ذلك أرغب في إطلاق سراحه من السجن، لأنه ببساطة لم يرتكب ما أدين به، لذا يجب أن يتم إطلاق سراحه.

على ضوء ملاحظات استبطانية مثل هذه؛ وبالرغم من إمكانية إثبات اتساق تفسير سبينوزا للانفعالات مع النظرية العامة للنزوع كما تمَّ تقديمها في القضية السادسة بالجزء الثالث؛ فإن المرء قد يشتكي بأن نظرية الانفعالات ليست بحد ذاتها تفسيرا معقَّدا للرغبة البشرية من الناحية الواقعية لكونها لا تستطيع تأويل رغبات كتلك التي – بإحدى وجوهها – يتوقع المرء الحزن في غايتها المنشودة. تعتمد معقولية وجهة نظر سبينوزا على المدى الذي يمكن أن يعيد فيه بصورة منطقية وصف هذه الرغبة والرغبات الأخرى المقلقة على نحو مماثل وبطرق تتفق مع القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث.

يحاول سبينوزا إظهار أن هناك أنواعا عديدة من الفرح والحزن والرغبة. وبالتالي، قد يحاول معالجة الشكوى بإيضاح أن كاتبها يقدم وصفا غير دقيق بعض الشيء للموقف:

ينفي الكاتب حبه لجونز، بل دعونا نفترض أنه يكره جونز. ومع ذلك، فهذا لا يعني أنه لا يتوقع أي فرح على الإطلاق بسبب إطلاق سراح جونز. معرفة أن مجتمعه عادل في قضية واحدة على الأقل قد يبعث الطمأنينه لديه، كما تعطيه هذه المعرفة سببا للاعتقاد بأنه نفسه قد يعامَل معاملة عادلة. بمعنى أنه قد يكون هناك نوع من الأمل الذي يحفِّز تلك الرغبة. وربما قد يكون هناك أشخاص يحبهم الكاتب، أو عموم أبناء شعبه، والذين يتمنى لهم راحة بالٍ مماثلة. قد يرغب الكاتب في إطلاق السراح من أجل العثور على نوع من الفرح، سواء أكان ذلك ناجما عن تطلعه لإسعاد ذاته، أو بدافع لطفه الإنساني - ببساطة - أو نبْله أو لاهتمامه برفاهية الأشخاص الآخرين.

بعيدا عن الإصرار بأن هناك نوعا معينا من المشاعر التي تحرك الناس، يكتب سبينوزا أن هناك انفعالات متنوعة لا حصر لها في القضية السادسة والخمسين بالجزء الثالث:

هناك العديد من أنواع الفرح والحزن والرغبة، وعليه فإن الانفعالات التي تتشكل منها (مثل  تقلّب النفس) أو تتفرَّع عنها (مثل الحب والكراهية والأمل والخوف وما إلى ذلك) هي كحال الأشياء التي نتأثر بها.

علاوة على ذلك؛ تؤكد لنا القضية الحادية والخمسين بالجزء الثالث “أن الشيء ذاته قد يؤثر على أشخاص مختلفين، أو حتى على ذات الشخص في أوقات مختلفة بطرق مختلفة”. لذا فإن سبينوزا يحمي نفسه من الاتهام القائل بأن القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث خاطئة بوضوح (ولو بالإحالة على سبيل المجازفة إلى إدِّعاء نفسي غير قابل للدحض) عبر المحاججة بأنه بالرغم من بساطة تلك القضية فلا يمكن دحضها اتكاءً على التنوع الهائل للدوافع البشرية. ومع إصرار سبينوزا الدائم على تنوع الانفعالات بيد أنه يميِّز بمصطلحاته الخاصة العديد من المشاعر التقليدية، وكل واحد منها نوع من الفرح أو الحزن أو الرغبة، وبعض تفسيرات سبينوزا الخاصة جديرة بالنظر.

الشفقة (commiseratio) بالنسبة لسبينوزا ضرب من الحزن النابع من مصاب شخص آخر. وبالتالي؛ فالشعور بالشفقة – كما يرى سبينوزا – هو خبرة تضاءل قدرة المرء على المثابرة في الوجود. إذا كانت أفعال الفضيلة في جوهرها تتغيا المثابرة في الوجود فإن سبينوزا سيظل ملتزما بالرأي القائل بأن الشفقة ليست فضيلة. يكتب سبينوزا في لازمة القضية الخمسين بالجزء الرابع:

إن الإنسان الذي يعيش وفقاً لما يمليه العقل، يحاول قدر الإمكان ألا تمسَّه الشفقة.

لذلك فإن سبينوزا يقف بعيدا عن الآراء المسيحية التقليدية حول هذا الموضوع (وأيضا حول موضوعات التواضع والتوبة) في حين يقف مع هوبز الذي يتصور الشفقة في كتابه (الليفياثان) كنوع من الحزن، وبالتالي تضاؤلا في الكمال البشري. وبالرغم من ذلك؛ فقد قام سبينوزا بتخفيف حِدَّة هذا الميل التنقيحي في فكره من خلال حاشية القضية الرابعة والخمسين بالجزء الرابع[20]، حيث يقدم الشفقة وغيرها من الفضائل المسيحية التقليدية الأخرى المتمثلة في التواضع والتوبة – ولو أنها ليست فضائل أصيلة بحد ذاتها – على أنها وسائل للوصول للفضيلة، ويصبح الناس بواسطتها أكثر قدرة على اتِّباع املاءات العقل.

تقدير الذات (acquiescentia in se ipso) الذي يقدمه سبينوزا في القضية الثلاثين بالجزء الثالث باعتباره فرحا مصحوبا بفكرة الذات كعِلَّة باطنية يعتبر جزءا مهما من نظريته الأخلاقية، وهو نوع من النعمة: أعلى شكل من أشكال السعادة البشرية. البشر باعتبارهم أحوالا محدودة، لا يمكنهم – كما يرى سبينوزا – تجنب التأثير والتأثر بالأشياء الخارجية، ومع ذلك، فإن تركيزه على تقدير ومعرفة الذات في نظريته الأخلاقية يوحي بأننا سنكون أكثر حرية وأفضل حالا كلما تمكنا من إحداث تأثيرات – ويشمل ذلك عواطفنا – بشكل كلي أو كاف. ملاحظات سبينوزا بشأن استحالة السيطرة على المشاعر مع استحسان السيطرة عليها في مقدمة الجزء الخامس تدفعنا بالمثل للتأكيد على الأهمية الأخلاقية لمعرفة الذات والتحرر من التأثيرات الخارجية.

الخوف (metus) والإعجاب (admiratio) – إلى جانب نظرية محاكاة الانفعالات – يشكِّلان مفاهيم أساسية لرؤية سبينوزا بشأن المجتمع البشري. المواطنون العقلاء (أو جميع المواطنين بقدر ما هم عقلاء) سيلتزمون عن طيب خاطر بقوانين الدولة. يبدو الخوف في (الأخلاق) الوسيلة الأكثر قيمة للحكومة كي تجذب المواطنين المتحمِّسين للتعاون والطاعة؛ في البرهان الثاني من القضية السابعة والثلاثين بالجزء الرابع يقترح سبينوزا ضرورة اعتماد الدول التهديد.[21] ومع ذلك؛ ففي (رسالة في اللاهوت والسياسة) تشير تفسيرات سبينوزا للدين وخاصة المعجزات والنصوص المقدسة إلى أن التفاني devotio – عاطفة مرتبطة بالإعجاب في حاشية القضية الثانية والخمسين بالجزء الثالث من (الأخلاق)[22] – محفز سياسي أفضل من الخوف. في الفصل الخامس من (رسالة في اللاهوت والسياسة)، على سبيل المثال، يكتب سبينوزا عن إدخال موسى الدين إلى الدولة العبرانية:

وقد اضطر إلى ذلك لسببين على وجه الخصوص: أولا؛ عقلية الشعب المتصلِّبة (الذي لم يكن يسمح بأن يخضع لسيطرة القوة وحدها)، وثانيا؛ خطر الحرب، وما يتطلبه النصر من خروج الجنود للحرب عن اقتناع لا بالتهديد والعقاب. بهذه الطريقة سيحرصون على التميز ببراعتهم ونبْل أرواحهم عوضا عن مجرد تحاشي العقاب.

هذا ما تعَلِّمنا إياه نظرية محاكاة الانفعالات وغيرها من التفسيرات حول الديناميكا الاجتماعية لدى سبينوزا الذي يجادل أننا كبشر نميل إلى محاكاة انفعالات أولئك الذين يشبهوننا، كما أننا نميل حين نشعر بانفعال محدد إزاء شخص نعتقد أنه يختلف عنا إلى إسقاط شعورنا إزاءه على كامل الطبقة التي ينحدر منها أو الأمة التي ينتمي إليها. أَسَّسَ سبينوزا هذه المبادئ بناءً على سلسلة من الإدعاءات حول ميولنا الترابطية بدءاً من القضية الرابعة عشرة وحتى القضية الرابعة والعشرين بالجزء الثالث من (الأخلاق).

وأخيراً؛ يمثِّل الفرح الفعَّال والرغبة الفعَّالة اللذان يقدمهما سبينوزا في القضية الثامنة والخمسين بالجزء الثالث فئة منفصلة عن الانفعالات البارزة نظرا لحداثتهما مقابل خلفية السرديات التقليدية للعواطف، وأيضا لأهميتهما في الحجَج الأخلاقية عند سبينوزا في الجزئين الرابع والخامس من (الأخلاق). في السرديات التقليدية للعواطف حتى عند ديكارت – في كتابه (انفعالات النفس) – فإن الأفعال والعواطف هي نفس الشيء، من منظور مختلف نستطيع القول أنه حين يقوم “س” بممارسة فعل ما إزاء “ص”، فذلك الفعل يعتبر “فعلا” بالنسبة لـ “س” لكنه “عاطفة” بالنسبة لـ “ص”. لكن بالنسبة لسبينوزا فإن أي شيء يزاوله شخص ما، ويكون هذا الشخص علة “جزئية” أو “غير كافية” لذلك الشيء، فهو عاطفة. وأي شيء يزاوله شخص ما، ويكون هذا الشخص علة “كليَّة” أو “كافية” لذلك الشيء، فهو فعل. وبالتالي؛ فإن تصنيف سبينوزا للانفعالات الفاعلة يؤكد بشدة على أدوار البشر كعِلل كليَّة لما يقومون بفعله؛ إذ أنه من المهم أخلاقيا بالنسبة له أن يكون البشر فاعلين لا خاملين، هذا التوكيد يطرح مجموعة من الأسئلة حول المدى الذي يمكن فيه للشخص – باعتباره شيئا محددا يتفاعل باستمرار مع أشياء أخرى بعضها يتطلب الإسناد – مقاومة العاطفة وتوجيه ذاته صوب الفرح والرغبات الفاعلة.

تعتبر جميع الرغبات الناشئة عن الفرح والحزن وجميع أنواعهما سلبيةً، لأن الفرح والحزن كما تمَّ تقديمهما في حاشية القضية الحادية عشرة بالجزء الثالث هي عواطف، أي أنها ليست رغبات تنبثق فحسب من نزوع المرء، بل إن النزوع هنا هو سبب جزئي إلى جانب أسباب خارجية أخرى. الفرح الفعَّال – الذي يجب أن يتضمن على الأقل بعض أنواع تقدير الذات – والرغبات الفعَّالة هي التي تكون تامة الفاعلية، ويذكر سبينوزا من بينها في حاشية القضية التاسعة والخمسين بالجزء الثالث من (الأخلاق): رباطة الجأش (animositas) والنبْل (generositas)، بمعنى أنهما [أي الفرح الفعَّال والرغبات الفعَّالة] عواطف ورغبات لا يمتلكها الناس إلا بقدر ما يكونون عِللاً كاملة، أو ذواتٍ فاعلة على نحو أصيل. (لاحظ أن الحزن لا يمكن أن يصبح على الإطلاق عاطفة فعَّالة، فالناس لا يستطيعون – طالما أنهم فعَّالون – التسبّب في انخفاض قدرتهم على الفعل، لذا فإن الحزن السلبي، على النقيض من الفرح السلبي والرغبة السلبية، ليس له نظير إيجابي).

من بين تلك الانفعالات؛ من المحتمل أن يكون النّبْل هو الأهم لتفسير كتاب (الأخلاق) وفلسفة سبينوزا السياسية. تشير الأنانوية المهيمنة عند سبينوزا – إلى جانب بعض مقولاته القوية عن الأنانوية النفسية مثل تلك الواردة في القسم الأول من هذا المدخل – إلى أن الأفراد ليسوا، أو ليسوا في أغلب الأحيان، متَّصفين بالإيثار. علاوة على ذلك؛ فتأكيده على تقدير ومعرفة الذات في (الأخلاق) يبدو بصور فردية: إدراك الخير يعني امتيازا ذاتيا، وليس امتيازا للمجتمع أو للعالم. وبالرغم من ذلك؛ فإن سبينوزا يقدم مرافعة في القضية السابعة والثلاثين بالجزء الرابع من (الأخلاق)[23] عن الرأي القائل بأن أي خير أرغب به لنفسي سأجد سببا كي أرغب به للآخرين أيضا، وتشكل هذه الحجَّة أساس أخلاق الدولة، وهي أيضا موضوع افتتاحية أطروحته (انبعاث الفكر). النّبْل هو الانفعال الأكثر ارتباطاً بآراء سبينوزا حول الدولة والأخلاق، إنه – كما يعرِّفه سبينوزا – رغبة فعَّالة بصورة تامَّة في الالتحام بالآخرين من أجل مصادقتهم ومساعدتهم، ويقدِّم النبْل – في نظرية سبينوزا عن الانفعالات – أساس الرأي القائل أن مساعدة الآخرين أمر فاضل وعقلاني.

3. الأساس النفسي لنظرية القيمة عند سبينوزا

يتضمن إصرار سبينوزا على عدم معاملة البشر كما لو أنهم دولة داخل دولة التزاما بالمذهب الأخلاقي الطبيعاني أيضا. وكما يصرّ على أن النفس البشرية يجب أن تكون قابلة للتعليل من خلال القوانين التي تحكم الطبيعة، فإنه يصرّ كذلك على أن الخصائص الأخلاقية – التي يصفها أحيانا بأنها “أحوال تفكير” – يمكن تفسيرها من خلال خصائص الطبيعة. تخدم نظرية الانفعالات المذهب الطبيعاني الأخلاقي لدى سبينوزا عبر تقديم تفسيرات للمفاهيم الأخلاقية، وبالأخص مفاهيم الخير، والشر، والكمال من منظور نفسي. يقوم سبينوزا على نحو ما في (الأخلاق) “بتقييد هذه الكلمات”، رغم أنه قد يبدو أن قيامه بذلك يأتي في سياق الصقل والتنقيح الاصطلاحي كما يظهر في مقدمة الجزء الرابع. لذا فإن معالجته للخير والشر والكمال الإنساني في الجزء الثالث توفِّر أساس الحجَّة الأخلاقية المنهجية التي طرحها في الجزءين التاليين؛ الرابع والخامس.

1.3 الخير والشر كأحوال تفكير في نظرية سبينوزا النفسية

يعتبر سبينوزا في مقدمة الجزء الرابع وقبل تعريفه “الخير” و”الشر” بصورة منهجية بأنهما تسميات لـ “أحوال تفكير” يستخدمها البشر لوصف أشياء بيد أنها في الحقيقة لا تكشف سوى نزر يسير عن تلك الأشياء:

وفيما يتعلق بالخير والشر؛ فالمصطلحان يشيران أيضا إلى عدم وجود شيء إيجابي في الأشياء بحد ذاتها، ولا يعدو أن يكون كلاهما سوى نمطٍ من التفكير أو مفاهيم نشكلها حين نقارن الأشياء ببعضها. إذ أن الشيء ذاته قد يكون في الوقت نفسه خيِّراً أو شريراً، وأحيانا لا هذا ولا ذاك. فقد تبدو الموسيقى - مثلا - حسنة في نظر المكتئب، وسيئة في نظر الحزين، كما لا تكون حسنة ولا سيئة عند الأصم.

ربما ترمي عبارة “عدم وجود شيء إيجابي في الأشياء” إلى أن من يتفحَّص أحوال الناس سيجد أن “الخير” و”الشر” – حسب استخدامات الناس لهما – محمولات ثنائية وليست محمولات احادية. إذا وصفت مارثا – مثلا – الموسيقى بأنها “شر”، فإن ما يشير إليه ذلك بالنسبة لشخص على دراية بالإستخدام البشري لهذه المصطلحات أن الموسيقى شر بالنسبة لمارثا. أضف إلى ذلك؛ نظرا لأن ذات الموسيقى يمكن أن تكون شرا أو خيرا لأشخاص مختلفين، أو لأشخاص في حالات مختلفة، فإن المحمولات الثنائية تكشف عن حالة مارثا أكثر مما تكشف عن الموسيقى. ما هو مهم بشكل جوهري لفهم هذه التسميات هو أنه ينبغي أن تميط اللثام عن بعض الحقائق المتعلقة بالشخص، لا عن حقيقة الشيء المنعوت بالخير أو بالشر.

يرى سبينوزا في حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث أن حقيقة الشخص التي تكشف عنها التسميات تمثل حالة نزوعه:

يبدو جليّاً أننا لا نسعى إلى شيء، ولا نريده، ولا نرغب فيه، ولا نشتهيه لكوننا نعتقده خيراً، بل على النقيض من ذلك، نعتبره خيرا لكوننا نسعى إليه ونريده ونرغب فيه ونشتهيه.

يجد سبينوزا أن نعت شيء ما بالخير ينبع من حالة نزوع الشخص: مارثا تبغِض الموسيقى وبالتالي تنعتها بالشر، وإن أصبحت الموسيقى خيرا لشخص آخر، أو ربما لمارثا في ظروف مختلفة، فلن يكون ذلك بسبب تغير الموسيقى، ولكن بسبب تغير حالة نزوع الشخص؛ أي لرغبتها في الموسيقى.

تبني حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث [منطقها] على [حجَّة] حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث. يكتب سبينوزا هناك:

وهكذا يحكم كل امرئ على الأشياء وفقاً لانفعاله الخاص مقدِّرا أيها خير وأيها شر، لذا فإن الرجل الجشع يرى أن وفرة المال أفضل شيء، وأن الفقر أسوأ شيء. أما الإنسان الطموح فلا يرغب في شيء أكثر من المجد، ولا يخشى شيئا مثل العار.

ومع ذلك؛ فقد وظَّفتْ – إلى جانب ما سبق – حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث نظرية سبينوزا للانفعالات من أجل تقديم تعريفات جديدة للخير والشر:

أعني بالخير كل أنواع الفرح، وكل ما يؤدي إليه، وخاصة ما يرضي أي نوعٍ من التوق، أيّاً كان. وأعني بالشر كل أنواع الحزن، وخاصة كل ما يحبط التوق.

تؤسس القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث لمبدأ سبينوزا القائل بأن البشر يرغبون في كل ما يجلب الفرح، ويبغضون كل ما قد يؤدي إلى الحزن، ويتيح هذا المبدأ لاسبينوزا ربط أي أشياء مرغوبة إنسانيا بالفرح أو بتحاشي الحزن. وبالتالي؛ إن كان صحيحا أننا ننعت الأشياء بالخير فقط لأننا نرغب فيها، فسيكون صحيحا أيضا أن أي شيء نسميه خيراً فسيكون فرحاً أو ما يؤدي إلى الفرح. وبناءً على هذا الفهم؛ فحاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث تعيد ببساطة صياغة المبدأ المطروح في حاشية القضية التاسعة بالجزء الثالث وعلى ضوء حاشية القضية الثامنة والعشرين بالجزء الثالث.

على أية حال؛ ربما يكون سبينوزا توسَّع [في تفسيراته] بدلاً من مجرد إعادة صياغة رأيه المذكور في حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث. فعلى ما يبدو، ليس كل فرح نختبره رغبة واعية، ويسوِّغ سبينوزا في تلك الحاشية وصف حالات الفرح تلك (أي التي لا تشبِع أي نوع من التوق) بالخير أيضا. حسب وجهة النظر هذه؛ ليس الخير محصورا في كل ما تشتهيه مارثا، بل وبالإضافة إلى ذلك، فإن أي شيء لا ترغب فيه لكنه قد يجلب لها الفرح يعتبر خيرا أيضا بالنسبة لها. ربما ستفرح مارثا – على سبيل المثال – برأي لم تتوقعه أبداً، وهو خير عرَضيٌّ. كما يفهم مما سبق؛ فإن حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث تعرِّف الخير والشر لشخص لديه تنويعات أوسع من الأشياء، وتجعل من الممكن تحليل الخير والشر من خلال شيء آخر غير الرغبات الراهنة للفرد. استنادا إلى الأسلوب الأمثل للعيش الذي عرضه سبينوزا في الجزءين الرابع والخامس في (الأخلاق) فمن المحتَمل أنه يحثّ الناس على الرغبة والقيام بالأشياء بطريقة مختلفة عما يفعلونه ويرغبون فيه بالفعل، هذا التوسّع في استخدام مصطلحي “الخير” و”الشر” (حيث استخدِما لأشياء أخرى غير ما يرغب فيه الناس أو ما ينفرون منه في الحاضر) يساهم في تعزيز معقولية طبيعانيته الأخلاقية.

2.3 الأساس النفسي لـ مذهب الكمال عند سبينوزا

إن معنى مفردة “الكمال” (perfectio) يكتنفها الغموض في فقرات مختلفة من (الأخلاق) بفعل استخدام سبينوزا المزدوج لها في سياقات تحتمل المعنى المألوف، إلى جانب استخدامه لها بمعنى ضيق اصطلاحي. يتعامل سبينوزا مع الكمال في بعض الفقرات، كما هو الحال في مقدمة الجزء الرابع، كما يتعامل مع الخير والشر، ليكون بمثابة تسمية يطلقها البشر على الأشياء، ويتمّ شرح الكمال من حيث استخدام البشر للتسمية: يصف الناس الشيء بأنه كامل “مثالي” حين يتناغم مع النموذج الذي صنعوه لأنفسهم. ومع ذلك؛ يتعامل سبينوزا مع الكمال في فقرات أخرى باعتباره سمة أصيلة تمثل كل ما هو “إيجابي” و”حقيقي” في شيء ما، وهذا المفهوم يشكل جزءاً من أدواته المنهجية.

كِلا المعنَيَيْن للمصطلح يظهران في تحليل سبينوزا للكمال البشري. في مقدمة الجزء الرابع يستدعي سبينوزا مفهوم الكمال القائم على نموذج الطبيعة البشرية الذي نضعه نصب أعيننا. ويصف سبينوزا كمال النفس البشرية من حيث قدرتها على التفكير أيضا كما سبق وأن رأينا:

"يكمن كمال النفس في قدرتها على التفكير، الفرح هو زيادة في تلك القدرة أو انتقال إلى كمال أعظم، والحزن هو انخفاض في تلك القدرة أو انتقال إلى كمال أدنى".

وهكذا فإن لدى سبينوزا رؤيتان مختلفتان عن الكمال البشري ويمكن أن تساهما في الحجَّة الأخلاقية التي قام بتطويرها بأساليب متعددة في الجزءين الرابع والخامس. بالرغم من أن التفسير الأول يساهم في كل من تعريفات سبينوزا الاصطلاحية للخير والشر، وأيضا – على الأرجح – في قضية “الإنسان الحر” بالجزء الرابع، إلا أنه يبدو أن التفسير الثاني هو الأكثر أهمية، إذ أن صداه يتردَّد مع وصف سبينوزا للخير في حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث. وبالتالي؛ فهذا التفسير يعتبر جزءاً من رؤية أخلاقية متسقة: إذا كان الخير هو أي شكل من أشكال الفرح، والفرح هو ممرٌّ لكمال أعظم، فالخير هو ما يجعلنا إذن أكثر كمالا. من ناحية أخرى؛ قد يتضمن التفسير الأول مجموعة مختلفة من المعايير الواردة في حاشية القضية التاسعة والثلاثين بالجزء الثالث: يبدو أنه قد يكون لدينا في حسباننا نماذج متعددة من الطبيعة البشرية، وأنها قد تتضمن أو لا تتضمن الأشياء المختلفة التي تجلب لنا الفرح. ربما يمنح الطرح الاصطلاحي للكمال في مقدمة القضية السادسة بالجزء الثاني[24] ولاحقا في القضية الحادية عشرة بالجزء الثالث سبينوزا وسيلة لإعادة صياغة فكرة الكمال كنموذج للطبيعة البشرية بطريقة توائم بين دلالتَي العبارة: المثال الذي نضعه نصب أعيننا سيكون شخصا يمتلك أعظم قدرة ممكنة على الفعل. وهذا في حقيقة الأمر سيكون ربطاً لطرائقنا الملتوية بشكل منهجي من أجل إدراك أنفسنا عبر العِلل التي تحدد أفعالنا بصورة حتمية، باعتبارنا فاعلين أحرار يسعون في النهاية للطبيعة البشرية المثال.

بطبيعة الحال؛ فإن السؤال الذي قد يستشفّه مراقب خارجي من استخدام شخص آخر للغة أخلاقية – مثل اعتبار الخير شيئا يتوقع فيه المرء المتعة أو زيادة في القوة – يختلف عن الأسئلة المتعلقة بماهية المعنى الذي يجده الشخص الذي يستخدم اللغة الأخلاقية أو المعنى الذي يجده سبينوزا في اللغة الأخلاقية. تدعو التحليلات التي تمَّت مناقشتها في هذا المدخل إلى تفسيرات اختزالية، فـ “الخير” – مثلا – يعني أمراً مفرحا فحسب، لكن أطروحة أن البشر يَعتبِرون باستمرار الأشياء المفرحة خيراً تتفق تماما مع أطروحات مختلفة لا حصر لها حول ما يقصدونه بهذا التعريف وحول ما يعنيه الخير في حقيقة الأمر. إنَّ من أكبر التحديات التي تواجه مفسِّري مؤلفات سبينوزا التوفيق بين أطروحاته النفسية بشأن استخدام اللغة الأخلاقية في الجزء الثالث من (الأخلاق) مع ما يبدو أنها أطروحات واضحة، وأكثر ثراءً، وغير مختزلة بشأن الأخلاق في الجزءين الرابع والخامس.

ببليوغرافيا

Primary Sources

Spinoza’s Work

  • Spinoza Opera, Carl Gebhart (ed.), 4 volumes, Heidelberg: Carl Winter, 1925.
  • The Collected Works of Spinoza, 2 Vols., Edwin Curley (ed. and trans.), Princeton: Princeton University Press, 1985, 2016.
  • Aquinas, Saint Thomas, 1964, Summa Theologiae. New York: McGraw-Hill.
  • Cicero, 1933, De Natura Deorum, Cambridge: Loeb Classical Library.
  • Descartes, R., 1985, The Philosophical Writings of Descartes, vol 1, John Cottingham, Robert Stoothoff and Dugald Murdoch (trans.), Cambridge: Cambridge University Press. [This book includes both the Principles of Philosophy, and The Passions of the Soul.]
  • Hobbes, T., (1839–1845), Thomae Hobbes Malmesburiensis — Opera Philosophica quae Latine scripsit Omnia, Sir William Molesworth (ed.), 5 Volumes. London: John Bohn.
  • Hobbes, T., 1839–1845, The English Works of Thomas Hobbes, Sir William Molesworth (ed.), 11 Volumes. London: John Bohn.
  • Maimonides, M., 1963, the Guide of the Perplexed, Shlomo Pines (trans.), and Chicago: University of Chicago Press.

Secondary Literature

  • Alanen, L., 2011, “Spinoza on the Human Mind, ” Midwest Studies in Philosophy, 35(1): 4–25.
  • Allison, H., 1987, Benedict de Spinoza: An Introduction, New Haven: Yale University Press.
  • Bennett, J., 1984, A Study of Spinoza’s Ethics, Indianapolis: Hackett.
  • –––, 1990, “Spinoza and Teleology: A Reply to Curley, ” in Spinoza: Issues and Directions, Edwin Curley and Pierre-Francois Moreau (eds.), Leiden: Brill, pp. 53–57.
  • Carlisle, C., 2017, “Spinoza’s Acquiescentia,”Journal of the History of Philosophy 55(2): 209–236.
  • Carriero, J., 2005, “Spinoza on Final Causality,” in Oxford Studies in Early Modern Philosophy, Volume 2, Daniel Garber and Steven Nadler (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 105–147.
  • –––, 2011, “Conatus and Perfection in Spinoza, ” Midwest Studies in Philosophy, 35(1): 69–92.
  • Curley, E., 1988, Behind the Geometrical Method, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1990, “On Bennett’s Spinoza: The Issue of Teleology,” in Spinoza: Issues and Directions, Edwin Curley and Pierre-Francois Moreau (eds.), Leiden: Brill, 39–52.
  • Delahunty, R., 1985, Spinoza, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Davidson, D., 1999, “Spinoza’s Causal Theory of the Affects,” in Desire and Affect: Spinoza as Psychologist, Yirmiyaho Yovel (ed.), New York: Little Room Press, pp. 95–111.
  • Della Rocca, M., 1996, “Spinoza’s Metaphysical Psychology,” in The Cambridge Companion to Spinoza, Don Garrett (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 192–266.
  • –––, 2003, “The Power of an Idea: Spinoza’s Critique of Pure Will,” Noûs, 37(2): 200–231.
  • –––, 2008a, “Rationalism Run Amok: Representation and the Reality of the Emotions in Spinoza,” in Interpreting Spinoza: Critical Essays, Charles Huenemann (ed.) Cambridge: Cambridge University Press, pp. 26–52.
  • –––, 2008b, Spinoza, New York: Routledge.
  • Garrett, D., 1996, “Spinoza’s Ethical Theory,” in The Cambridge Companion to Spinoza, Don Garrett (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 267–314.
  • –––, 1999, “Teleology in Spinoza and Early Modern Rationalism,” in New Essays on the Rationalists, Rocco Gennaro and Charles Huenemann (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 310–335.
  • –––, 2002, “Spinoza’s Conatus Argument,” in Spinoza: Metaphysical Themes, Olli Koistinen and John Biro (eds.), Oxford: Oxford University Press, pp. 127–158.
  • –––, 2008, “Representation and Consciousness in Spinoza’s Naturalistic Theory of the Mind and Imagination,” in Interpreting Spinoza: Critical Essays, Charles Huenemann (ed.). Cambridge: Cambridge University Press, pp. 4–25.
  • Hampton, J., 1986, Hobbes and the Social Contract Tradition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hoffman, P., 1991, “Three Dualist Theories of the Passions,” Philosophical Topics, 19(1): 153–200.
  • James, S., 1993, “Spinoza the Stoic,” in the Rise of Modern Philosophy, Tom Sorell (ed.), and Oxford: Clarendon Press, pp. 289–316.
  • –––, 1997, Passion and Action: The Emotions in Seventeenth-Century Philosophy, New York: Oxford University Press.
  • Jarrett, C., 1991, “Spinoza’s Denial of Mind-Body Interaction and the Explanation of Human Action,” The Southern Journal of Philosophy, 29(4): 465–485.
  • Kavka, G., 1986, Hobbesian Moral and Political Theory, Princeton: Princeton University Press.
  • Kisner, M., 2010, “Perfection and Desire: Spinoza on the Good,” Pacific Philosophical Quarterly, 91(1): 97–117.
  • Lachterman, D., 1978, “The Physics of Spinoza’s Ethics,” in Spinoza: New Perspectives, Robert Shahan and J.I. Biro (eds.), Norman: University of Oklahoma Press, pp. 71–111.
  • LeBuffe, M., 2004, “Why Spinoza Tells People to Try to Preserve Their Being,” Archiv fur Geschichte der Philosophie 86: 119–145.
  • –––, 2009, “The Anatomy of the Passions,” in The Cambridge Companion to Spinoza’s, Ethics, Olli Koistinen (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 188–222.
  • –––, 2010a, From Bondage to Freedom: Spinoza on Human Excellence, New York: Oxford University Press.
  • –––, 2010b, “Theories about Consciousness in Spinoza’s Ethics,” Philosophical Review, 119(4): 531–563.
  • –––, 2010c, “Spinozistic Perfectionism,” History of Philosophy Quarterly, 27(4): 317–333.
  • –––, 2015, “The Doctrine of the Two Kingdoms: Miracles, Monotheism, and Reason in Spinoza,” British Journal for the History of Philosophy, 23(2): 318–332.
  • –––, 2018, Spinoza on Reason, New York: Oxford University Press.
  • Lin, M., 2004, “Spinoza’s Metaphysics of Desire: The Demonstration of IIIp6,” Archiv fur Geschichte der Philosophie, 86: 21–55.
  • –––, 2006, “Teleology and Human Action in Spinoza,” Philosophical Review, 115(3): 317–354.
  • Lloyd, G., 1994, Self-Knowledge in Spinoza’s ‘Ethics’, Ithaca: Cornell University Press.
  • Marshall, E., 2008, “Spinoza’s Cognitive Affects and Their Feel, ” British Journal for the History of Philosophy, 16(1): 1–23.
  • –––, 2014, The Spiritual Automaton: Spinoza’s Science of the Mind, Oxford: Oxford University Press.
  • Matson, W., 1977, “Death and Destruction in Spinoza’s Ethics,” Inquiry, 20: 403–417.
  • Miller, J., 2007, “The Status of Consciousness in Spinoza’s Concept of Mind,” in Consciousness: From Perception to Reflection in the History of Philosophy, Dordrecht: Springer, pp. 203–222.
  • Nadler, S., 2008, “Spinoza and Consciousness,” Mind, 117: 575–601.
  • Peterman, A. 2015, “Spinoza on Extension,” Philosophers’ Imprint, 15(14): 1–23.
  • –––, 2017, “The ‘Physical’ Interlude,” in Spinoza’s Ethics: A Critical Guide, Yitzhak Melamed (Ed), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 102–120.
  • Rutherford, D., 1999, “Salvation as a State of Mind: The Place of Acquiescientia in Spinoza’s Ethics,” British Journal for the History of Philosophy, 7(3): 447–473.
  • Schliesser, E., 2017, “Spinoza and the Philosophy of Science: Mathematics, Motion, and Being,” in the Oxford Handbook of Spinoza, Michael Della Rocca (ed.), New York: Oxford University Press, pp. 155–189.
  • Schrijvers, M., 1999, “The Conatus and the Mutual Relationship between Active and Passive Affects in Spinoza,” in Desire and Affect: Spinoza as Psychologist, Yirmiyaho Yovel (ed.), New York: Little Room Press, pp. 63–80.
  • Shapiro, L., 2012, “Spinoza on Imagination and the Affects, “in Emotional Minds, Sabrina Ebbersmeyer (ed.), Berlin: De Gruyter, pp. 89–104.
  • –––, 2017, “Spinoza on the Association of the Affects and the Workings of the Human Mind,” in Spinoza’s Ethics: A Critical Guide, Yitzhak Melamed (Ed), Cambridge: Cambridge University Press, pp. 102–120.
  • Voss, S., 1981, “How Spinoza Enumerated the Affects,” Archiv fur Geschichte der Philosophie, 63: 167–179.
  • –––, 1993, “On the Authority of the Passiones Animae,” Archiv fur Geschichte der Philosophie, 75: 160–178.
  • Wolfson, H.A., 1934, the Philosophy of Spinoza, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Youpa, A., 1999, “Transcending Mere Survival,” in Desire and Affect: Spinoza as Psychologist, Yirmiyaho Yovel (ed.), New York: Little Room Press, pp. 45–61.
  • –––, 2003, “Spinozistic Self-Preservation,” The Southern Journal of Philosophy, 41(3): 477–490.
  • –––, 2007, “Spinoza’s Theory of Motivation,” Pacific Philosophical Quarterly, 88(3): 375–390.
  • –––, 2020, the Ethics of Joy, New York: Oxford University Press.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مداخل ذات صلة

Descartes, René |رينيه ديكارت  | emotion: 17th and 18th century theories of | Hobbes, Thomas |   فلسفة  هوبز الأخلاقية والسياسية| Spinoza, Baruch | باروخ سبينوزا


هوامش المترجمة

[1]  “يسعى / ينزع (Conatur) كل شيء – بقدر ما له من قوة – إلى الاستمرار في كيانه (in suo ese perseverare)”.

[2]  “لا شيء يمكنه أن يتقوض إلا بسبب خارجي”.

[3]  “تكون طبائع الأشياء متناقضة، أعني أنه لا يمكن لهذه الأشياء أن توجد في موضوع واحد، عندما يكون بوسع بعضها تقويض بعضها الآخر”.

[4]  “ليست الأشياء الجزئية (Res Particulares) غير أعراض لصفات الإله، وبعبارة أخرى؛ إنها أحوال يعبَّر من خلالها عن صفات الإله بطريقة معينة ومحددة”.

[5]  “ليس الإله العلة لوجود الأشياء فحسب، بل هو العلة الفاعلة لماهيتها أيضا”.

[6]  “يترتب عن وجوب ماهية الإله فحسب أن الإله علة ذاته، وأنه علة الأشياء جميعا. إذن فقدرة الإله التي بمقتضاها يوجد ويتصرف وتوجد الأشياء وتنصرف هي عين ماهيته”.

[7]  “إن قدرة الإله عين ماهيته”.

[8]  “والعلة التي تفسر – مثلا – عدم وجود دائرة مربعة إنما تشير إليها طبيعة الدائرة المربعة نفسها من جهة انطوائها على تناقض. وعلى العكس؛ فما يفسر وجود جوهر ما ينتج عن طبيعة هذا الجوهر وحده من جهة انطوائه على الوجود الضروري”.

[9]  “الامتداد صفة من صفات الإله، أي أن الإله شيء ممتد. الأفكار الجزئية هي أحوال تعبِّر عن طبيعة الإله بطريقة معينة ومحددة، والإله يملك صفة تشتمل جميع أفكارها الجزئية على مفهومها، كما تسمح هذه الصفة أيضا بتصور هذه الأفكار التي تعبر عن ماهية الإله الأزلية اللامتناهية، وبعبارة أخرى فالإله شيء مفكر”.

[10]  “كلما سعى المرء في البحث عما ينفعه  – أي بقدر ما يَجِدّ في الحفاظ على كيانه – كلما امتلك المزيد من الفضيلة. وعلى العكس، كلما أهمل ما ينفعه – أعني أهمل الحفاظ على كيانه – فسيصبح عاجزا”.

[11]  “أول قانون في الطبيعة: عندما يترَك كل شيء لوحده فإنه يستمر على نفس الحالة؛ لذلك يستمر أي جسم متحرك في الحركة حتى يوقفه شيء”.

[12]  “كيف نفهم أن الجمادات “تحاول” التحرك؟ عندما أقول أن كريات العنصر الثاني “تحاول” الابتعاد عن المراكز التي تدور حولها، لا تعتقد أنني أعني أنها تحاول بناءا على أفكار تمتلكها! كل ما عنيته أن مجالها وحالتها من التحفيز [incitatos] بحد ذاتها تؤهلها للابتعاد صوب هذا الاتجاه ما لم يمنعها سبب ما من القيام بذلك”.

[13]  “كيف لأجساد تتحرك بشكل دائري أن تحاول الابتعاد عن مركز حركتها”.

[14]  “يتأثر الجسم البشري بالأجسام الخارجية بطرق كثيرة جدا، كما أنه على هيئة تجعله يؤثر في الأجسام الخارجية بطرق كثيرة جدا، ولكن النفس البشرية تدرك بالتأكيد كل ما يحدث في الجسم البشري، فالنفس قادرة على إدراك عدد كبير من الأشياء”.

[15]  “تتولد أفعال النفس البشرية من الأفكار الكاملة فحسب، والنفس تنفعل بوصفها تملك أفكارا غير كاملة، وما يولد الانفعالات هي الأفكار غير الكاملة فحسب”.

[16]  “إذا تأثر الجسم البشري بطريقة تنطوي على طبيعة جسم خارجي، فإن العقل البشري سوف يفكر بهذا الجسم الخارجي على أنه حاضر بالفعل، إلى أن يتأثر الجسم بتأثير فعَّال يلغي وجود هذا الجسم الخارجي”.  

[17]  “أعني بالفضيلة virtutem والقوة potentiam ذات الشيء، أي أن الفضيلة، من حيث علاقتها بالإنسان، هي عين ماهيته أو طبيعته، بوصفه قادرا على القيام ببعض الأمور التي يمكن معرفتها بقوانين طبيعته وحدها”.

[18]  “أعني بالانفعالات (affectus) تأثرات الجسد (corporis affectiones) التي بها تزداد قوة فعله أو تتضاءل، أو تساعد أو تعيق، وكذلك أفكار هذه الانفعالات. عندما نستطيع أن نكون علة تامة لأي من هذه الانفعالات فإن ما أعنيه آنذاك بالانفعال هو الفعل actionem، وأعني به في الحالات الأخرى الهوى passionem “.

[19]  “أعني بالغاية finem التي من أجلها نقوم بشيء ما: الشهوة appetitum”.

[20]  “لما كان من النادر أن يعيش الناس بمقتضى العقل، فإن هذين الانفعالين، وأعني: التواضع والتوبة، وكذلك الأمل والخوف، إنما هي انفعالات تنفع أكثر مما تضر، وبالتالي فإن كان لا بد للمرء أن يخطيء فليخطىء بهذا المعنى. ذلك لو كان أصحاب النفوس العاجزة على نفس الدرجة من الغطرسة، لا شيء يخجلهم ولا شيء يردعهم، فما الذي سيردعهم؟”.

[21]  “لا يمكن كبح أي انفعال إلا بانفعال آخر مناقض له وأشد، ويعدل كل شخص عن الإساءة إلى غيره خوفا من سوءٍ أعظم.”

[22]  “إذا كان إعجابنا بحصافة وحزم إنسان نحبه، فإن حبنا بمقتضى ذلك سيكون أعظم، وسنسمي هذا الحب المقترن بالإعجاب والإجلال Devotionem تفانياً”.

[23]  “الخير الذي يرغبه لنفسه كل من يتبع الفضيلة إنما يرغبه لغيره أيضا، وتقوى رغبته هذه بقدر ما تزداد معرفته بالإله”.

[24]  “أعني بالواقع والكمال نفس الشيء”.