باروخ سبينوزا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي

باروخ سبينوزا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي


مدخل شامل حول حياة الفيلسوف الهولندي اليهودي باروخ سبينوزا وفلسفته في الأخلاق، واللاهوت والدين، والدولة؛ نص مترجم للـد. ستيفين نادلر، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


بينتو (بالبرتغالية، وبالعبرية: باروخ؛ وباللاتينية: بندكتوس، وجميعها تعني “المُبارك”) باروخ سبينوزا، هو أحد أهم فلاسفة العصر الحديث (وأكثرهم راديكالية دون شك)، تمتزج في فكره بعض مبادئ الميتافيزيقا والإبستمولوجيا الديكارتية، مع عناصر من الرواقية القديمة، وفلسفة هوبز، والعقلانية اليهودية القروسطوية. مُكونة نظامًا فريدًا من نوعه. وتُشكّل تصوراته الطبيعية (إلى أقصى حد) عن الله، والعالم، والإنسان؛ أساسًا لفلسفة أخلاقية مُتمركزة حول التحكم في العواطف لتحقيق الفضيلة والسعادة. كما أنها تضع أُسس فكر سياسي ديمقراطي متين، ونقد عميق لادعاءات الكتاب المُقدس والدين المُنظَّم. وربما لا يُوجَد بين فلاسفة القرن السابع عشر، من يفوق أهمية باروخ سبينوزا لوقتنا الحاضر.  

 

  1. حياته

  2. الأخلاق

2.1 الله أو الطبيعة

2.2 الإنسان

2.3 المعرفة

2.4 الفاعلية والنزوع

2.5 الفضيلة والسعادة

  1. رسالة لاهوتية – فلسفية

3.1 حول الدين والكُتاب المُقدس

3.2 الدولة

  • مراجع

  • أعمال باروخ سبينوزا

  • مراجع مُرشحة بالإنجليزية

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الانترنت

  • مداخل ذات صلة

 

 

  1. حياته

وُلِد باروخ سبينوزا عام 1632 في أمستردام. وكان الابن الأوسط لعائلة متوسطة بارزة في أوساط الجالية اليهودية -البرتغالية بالمدينة. في طفولته، كان أحد التلامذة اللامعين في مدرسة “التلمود توراة” الخاصة بالجالية. لقد كان نابغًا بالفطرة، ولم يكن ذلك ليخفى عن حاخامات الجالية. ومن المرجح أنه كان يُعد ليصير أحدهم. لكنه لم يصل مُطلقًا إلى المستويات العليا من المقرر الدراسي، تلك التي احتوت على دراسات متقدمة في التلمود. وذلك إذ أُجبِر على ترك دروسه في سن السابعة عشر، للمساعدة في إدارة أعمال الاستيراد الخاصة بعائلته. 

في 27 يوليو 1656، فُرِض على باروخ سبينوزا أقسى أنواع الحرمان Herem اليهودي (النبذ أو الطرد) الذي صَدر يومًا من قبل المجتمع السفاردي بأمستردام، والذي لم يُلّغ مُطلقًا بعد ذلك. ولا ندري على وجه اليقين، مضمون “الأعمال الشائنة” و”الهرطقات الشنيعة” المزعومة بحقه، لكن من السهل تخمين ذلك، فلا شك أنه قد صَرّح بالأفكار التي سرعان ما سوف تظهر في أطروحاته الفلسفية. ففي تلك الأعمال، أَنكر باروخ سبينوزا خلود الروح، ورَفض بحزم فكرة الإله المُفارِق الذي يعتني بالعالم: إله إبراهيم، وإسحق، ويعقوب. كما أنكر أن الشريعة قد فُرِضّت حرفيًا من قبل الله، أو أنها لا تزال مُلزِمة لليهود. ومن هنا، يزول كل غموض بشأن الداعي لمعاقبة أحد أجرأ وأكثر المفكرين راديكالية على مر التاريخ؛ من قبل المجتمع الأرثوذكسي اليهودي.      

ومثلما يبدو جليًا، فقد اطمئن باروخ سبينوزا أخيرًا بما لديه من أسباب لمفارقة الطائفة وترك اليهودية وراءه، وببلوغه هذه المرحلة، كان إيمانه والتزامه الديني قد ذهبا أدراج الرياح. وفي غضون سنوات قليلة غادر أمستردام. حيث أقام في راينسبورج عام 1661 حيث كتب رسالة في تهذيب العقل، وهو مقال عن المنهج الفلسفي، بالإضافة إلى رسالة قصيرة عن الله، والإنسان، وصلاحه في الحياة. وهي محاولة أوّلية وغير مُكتملة لرسم معالم رؤاه الميتافيزيقية، والإبستمولوجية، والأخلاقية. فيما أتم عرضه النقدي لـ مبادئ فلسفة ديكارت عام 1663، عقب انتقاله إلى فوربورج خارج لاهاي، وهو العمل الوحيد الذي نُشِر باسمه أثناء حياته. وفي تلك الأثناء أيضًا، كان يعمل على تحفته الفلسفية الأخلاق. وقد وضعها جانبًا، حينما رأى أن مبادئ التسامح الهولندية مُهددة من قبل القوى الرجعية، حتى يعمل على رسالته اللاهوتية-الفلسفية Theological-Political Treatise “الفاضحة”، والتي نُشرِت عام 1670 دون ذكر المُؤلِف، وأحدثت ذُعرًا هائلًا. (أحد النُقاد المُثارين قال بأن “الشيطان نفسه قد صاغها في جهنم”). وعندما مات باروخ سبينوزا عام 1677 في لاهاي، كان لم يزل عاكفًا على الرسالة السياسية Political Treatise، والتي سرعان ما نشرها أحد أصدقائه رفقة أعماله الأخرى غير المنشورة، بما في ذلك خُلاصة النحو العبري.

 

  1. الأخلاق

الأخلاق عمل طموح متعدد الأوجه. بالإضافة لكونه جريئًا إلى أقصى حد، كما يُتوقَع من نقد منهجي صارم للتصورات التقليدية عن الله، والإنسان، والكون، ولا سيما، للاعتقادات الدينية واللاهوتية والأخلاقية المُؤسَسة عليها. يطمح باروخ سبينوزا للبرهنة (بكل ما تحمله الكلمة من معنى) على حقيقة الله، والطبيعة، وبالأخص حقيقتنا كبشر، وعلى المبادئ العليا للمجتمع، والدين، والحياة الطيبة. وبالرغم من القدر العظيم من الميتافيزيقا، والفيزياء، والأنثروبولوجيا، والسيكولوجيا، المُستعرَض عبر الفصول الثلاث الأولى، يَنظُر باروخ سبينوزا للجانب الأخلاقي بوصفه المغزى الرئيسي للكتاب. والذي يتمثل في البرهنة على أن سعادتنا وصلاحنا مشروطان؛ لا بالحياة التي تستعبدها العواطف والخيرات المؤقتة التي نُطاردها عادة، ولا التعلق البليد بالخرافات التي نحسبها دينًا، وإنما بالحياة وفقًا للعقل. وفي سبيل بلورة وتدعيم استنتاجاته الأخلاقية العامة تلك، فقد وَجَب على باروخ سبينوزا بدايةً تبديد الغموض الذي يشوب العالم، واستعراض حقيقته الجوهرية، ما استلزم بدوره تأسيسًا ميتافيزيقيًا يتناوله الجزء الأول.

 

2.1 الله أو الطبيعة

يبدأ باب “عن الله” ببعض التعريفات البسيطة للمصطلحات المألوفة لأي من فلاسفة القرن السابع عشر. “أعني بالجوهر ما يُوجد في ذاته، ويُتصور بذاته”؛ و”أعني بالصفة ما يُدرِكه الذهن في الجوهر، باعتباره مُؤسِسًا لماهية الأخير”؛ و”أعني بالله كائنًا لانهائيًا بالمطلق، أي جوهرًا قائمًا بعدد لا متناهي من الصفات، تُعبّر كل واحدة منها عن ماهية أزلية لا متناهية”.

 إن تعريفات الباب الأول، هي تصورات بسيطة واضحة تُؤسِس ما تبقى من نظامه الفلسفي، متبوعة بعدد من البديهيات، التي كما يَفترض باروخ سبينوزا، سوف تبدو واضحة وبسيطة كفاية لأي مُطّلع على الفلسفة (“كل ما يُوجَد، إنما يُوجد في ذاته، أو في شيء آخر”؛ و “مِن علة معينة، ينتج بالضرورة معلول ]أثر[ ما”) ومن هذه البديهيات، تصدر بالضرورة القضية الأولى، وكذلك، فإن كل قضية لاحقة، يمكن استنباطها، فقط، بناءً على ما يسبقها.

(ستتم الإشارة إلى أبواب الأخلاق الخمسة بحرف (ب)، وإلى القضية (ق)، والتعريف (ت)، والحاشية (ح)، واللازمة (ل))

في القضايا الخمس عشرة الأولى من الباب الأول، يستعرض باروخ سبينوزا العناصر الرئيسية لتصوره عن الله. حيث الله لا متناهي، وواجب الوجود (أي، غير حادث)، ولا جوهر في الكون سواه، وكل ما يُوجَد، إنما يُوجَد فيه

ق1: الجوهر سابق بالطبع لأعراضه ]والأعراض هي الأحوال التي يمر بها الجوهر، أي كل ما يَصدر عنه، ولا يُمكن تصوّر تلك الأعراض دون تصوّره[

ق2: الجوهران اللذان يمتلكان صفات متباينة، لا يشتركان في شيء. (بعبارة أدق، إذا افترضنا وجود جوهرين مختلفين، فيستحيل أن يكون بينهما شيء مشترك)

ق3: إذا لم يتفق شيئان أو أكثر في صفة واحدة على الأقل، فإنه يستحيل أن يكون أحد تلك الأشياء علة للآخر. 

ق4: يتميز شيئان مختلفان أحدهما عن الآخر، أو عدة أشياء مختلفة عن بعضها البعض، إما بتباين صفاتها الجوهرية ]أي طبائعها أو ماهياتها[ ، أو بتباين الأعراض الصادرة عنها ]أي الأحوال التي تطرأ عليها[

ق5: من المستحيل في الطبيعة، وجود جوهرين أو عدة جواهر، تتفق في ماهيتها، أو لها نفس الصفة. 

ق6: لا يمكن لجوهر ما أن يَصدر عن جوهر آخر.

ق7: من طبيعة الجوهر أنه موجود. ]إذ لا يُمكن القول بأن شيئًا ما يحوز عددًا من الصفات دون أن يحوز صفة الوجود بدايةً[

ق8: كل جوهر يكون لا متناهيًا بالضرورة.

 ]يُوصَف الشيء بأنه متناه عندما يُمكن حدّه أو إحاطته بشيء آخر من نفس طبيعته،  وبالتالي فإن اللامتناه هو ما يستحيل أن يَحده أو يحتويه شيء خارجه[

ق9: كلما كان الشيء أكثر واقعية أو أرسخ وجودًا، كلما امتلك صفات أكثر.

ق10: يجب تصور كل صفة من صفات الجوهر الواحد بذاتها. ]أي بمعزل عن غيرها من صفات الجوهر[

ق11: الله، هو جوهر قائم بعدد لا متناهي من الصفات، كل منها يُعبّر عن ماهية أزلية لامتناهية، وهو واجب الوجود.

 (يتمثل برهان باروخ سبينوزا على هذه القضية ببساطة في البرهان “الأنطولوجي” الكلاسيكي على وجود الله. فيكتب: إذا أنكرتَ ذلك، فتصور إذا شئت، أن الله لا يُوجَد. وبالتالي، بناء على البديهية 7 القائلة بأن كل ما يُمكن تصور أنه غير موجود، لا تنطوي ماهيته على وجوده. فإن ماهية الله لا تنطوي على وجوده، ولكن ذلك مناف للعقل بالنظر إلى القضية  7 القائلة بأن من طبيعة الجوهر أنه موجود، ولذا فإن الله واجب الوجود”)

ق12: لا يُمكن بحق أن نتصور جوهرًا ما، ويترتب على تصورنا ذلك أن الجوهر قابل للانقسام.

ق13: الجوهر اللامتناهي لا يتجزأ.

]إذا افترضنا أن الجوهر قد انقسم، فإما أن تُحافظ الأجزاء الناتجة عن انقسامه على طبيعة الجوهر اللامتناهي، فيصبح لدينا أكثر من جوهر واحد على النقيض من ق 5، وإما أنها لن تُحافظ على طبيعة الجوهر ، فيَكفّ الجوهر عن الوجود وهو مُحال بحكم ق11[

ق14: لا يمكن أن يُوجَد أو أن يُتصَور جوهر سوى الله.

هذا البرهان على أن الله (اللامتناهي، والواجب الوجوب، وغير الحادث، وغير المُنقسم) هو جوهر العالم، يتقدم عبر ثلاث مراحل بسيطة.

أولًا: الإقرار بأنه لا يُمكن لجوهرين الاشتراك ولو في صفة أو ماهية واحدة (ب1، ق 5). ومن ثَم، البرهنة على وجود جوهر يمتلك عددًا لا نهائيًا من الصفات (أي: الله) (ب1، ق11). ويتبع ذلك، كاستنتاج، أن وجود جوهر واحد لامتناه، ينفي إمكانية وجود أي جوهر آخر. إذ لو وُجِد جوهر آخر، فلابد أنه سيملك صفة أو ماهية واحدة على الأقل لا يملكها غيره، لكن بما أن الله يحوز جميع الصفات الممكنة، فلابد أن الصفة التي يحوزها الجوهر الثاني المُفترَض، هي إحدى الصفات التي يحوزها الله بالفعل. وبناء على نفي إمكانية اشتراك جوهرين في صفة واحدة. يلزم عن ذلك استحالة أن يُوجَد جوهر آخر سوى الله. 

إذا كان الله هو الجوهر الوحيد، وطالما أن كل شيء يُوجَد، إما أن يُوجَد كجوهر أو في جوهر. (حسب البديهية 1)، فإن كل شيء آخر بخلاف الله لابد أنه يُوجَد في الله. ” كل ما يُوجَد إنما يُوجَد في الله، ولا شيء يُمكن أن يُوجَد أو يُتصَور بدون الله” (ب1، ق15). وتلك الأشياء التي تُوجَد في الله (أو، على وجه التحديد، في صفات الله) تمثل ما يدعوه باروخ سبينوزا بالأحوال modes

وبمجرد إقرار الاستنتاج الافتتاحي، يكشف باروخ سبينوزا على الفور عن مرمى هجومه. فتعريفه لله على أنه “موجود فقط بالمعنى الفلسفي” يهدف إلى إنكار أية أنسنة anthropomorphizing قد تُضفى على الله  ]نسبة صفات إنسانية لله[  ففي حاشية القضية 15 ، يكتب باروخ سبينوزا ضد أولئك الذين “يختلقون إلهًا شبيهًا بالإنسان، يتكوّن من جسد وعقل، ويَخضع للأهواء. كم أنهم بعيدون عن المعرفة الصحيحة بالله، كما سَبَق بيانها بالفعل.”  ولا يكفي كون ذلك التصور عن الله باطلًا، فإن حلوله كقاضٍ على رقابنا، لا يحمل سوى أشد الأضرار على الحرية والنشاط الإنسانيين، بقدر ما يتسبب في حياة خاضعة للأمل والخوف؛ وللخرافات التي تُعززها أمثال تلك العواطف.

  إن الجزء الأكبر من اللغة المُستعملة في الباب الأول، تنبع كما هو جلي من ديكارت، لكن حتى أكثر الديكارتيين إخلاصًا سيجد صعوبة في إدراك مغزى كل واحدة من القضايا ال15 . فما معنى القول بأن الله جوهر، وأن كل شيء إنما يُوجد “في” الله؟ هل يعني باروخ سبينوزا أن الصخور، والطاولات، والكراسي، والطيور، والجبال، والأنهار، والبشر، جميعها أحوال لله؟ ومن ثم، يُمكن حملها على]أي نسبتها[ الله (تمامًا مثلما يَحمل المرء على الطاولة صفة “الاحمرار”)؟ كم يبدو غريبًا التفكير بأن الأشياء والأشخاص (الذين نظنهم عادة “كيانات” مُستقلة) هم مُجرد أحوال لكيان واحد ما. وقد كان باروخ سبينوزا منتبهًا لغرابة هذه الفكرة، ناهيك عن المعضلات الفلسفية التي تَطرحها. فعندما يشعر أحدهم بالألم، هل يَلزم عن ذلك أن الألم ليس أكثر من محمول ]خاصية أو حال[ لله بالإطلاق، وأنه بناء على ذلك، فإن الله يشعر بالألم؟  إن ألغازًا كتلك هي التي تُفسِر التحول الخافت، لكن الحاسم، في لغة باروخ سبينوزا بداية من القضية 16. حيث يُوصَف الله، لا باعتباره الجوهر الكامن في صلب جميع الأشياء فقط، وإنما باعتباره العلة الكونية، والمُحايثة، والدائمة لجميع ما يُوجَد: “ينتج حتمًا عن لزوم الطبيعة الإلهية، عددٌ لا محدود من الأشياء بعددٍ لا محدود من الأحوال، أي كل ما يُمكن أن يُدركه عقل لامتناهي”.

في التصور اليهو-مسيحي للألوهية، الله هو خالق العالم المُفارِق له، فهو من أَحَدَث العالم بأن أخرجه إلى الوجود من العدم. هكذا، اختار الله خلقْ العالم بكامل إرادته الحرة، وقد كان بمقدوره ألا يخلق شيئًا مُطلقًا. لكن، في المقابل، فإن إله باروخ سبينوزا، هو علة كل شيء، نظرًا لأن كل الأشياء تنشأ عن الضرورة المُلازمة لطبيعته ]الصادرة عنها والحاكمة لها على السواء[.  أو على حد تعبير باروخ سبينوزا، فإنه من القُدرة-الطبيعية اللامحدودة لله “نَبَع عدد لا محدود من الأشياء بعدد لا محدود من الأحوال، مثلما ينتج منذ الأزل، وإلى الأبد، عن طبيعة المثلث أن زواياه الثلاث مساوية لزاويتين قائمتين” (ب1، ق17، ح1). ومن ثم، فإن وجود العالم، هو ضرورة منطقية. ومن المستحيل أن يُوجَد الله ولا يُوجَد العالم. ولا يعني ذلك أن الله لم يَخلِق العالم بملء إرادته، طالما أنه لم يُوجَد خارجه ما يَقدر على منعه من ذلك. لكن باروخ سبينوزا يرفض أن يكون الله قد خَلق العالم بناء على قرار اعتباطي لإرادته الحرة. لم يكن لله أن يفعل بخلاف ذلك ]أي أن يخلق العالم، فهكذا قضت الضرورة الصادرة عنه والحاكمة له، فهي طبيعته ولا يَتفق أن يُخالِف الله طبيعته[ . ومن المستحيل وجود بدائل للعالم الحاصل ]بالفعل[، وبالطبع، فلا مجال للاعتباطية أو الصدفة ضمن هذا العالم، فكل الأشياء حاصلة وفق نفس الضرورة الصادرة عن الله. 

ق29: ما من شيء في الطبيعة اعتباطي، بل كل ما فيها مُحدَد بضرورة الطبيعة الإلهية، وذلك إذ يُوجَد ويُنتِج معلولًا ما بصورة مُحددة. 

ق33: لم يكن ممكنًا أن تَنتج الأشياء عن الله بطريقة أخرى أو بنظام آخر غير الطريقة أو النظام التي هي عليه بالفعل.

ومع ذلك، تختلف الأشياء في طريقة اعتمادها على الله، إذ تصدر بعض خصائص العالم عنه مباشرة (أو بصورة أدق، عن الطبيعة اللامتناهية لإحدى صفات الله) دون وساطة. وتُمثّلها الجوانب الكلية والخالدة من العالم، والتي لا تأتي إلى الوجود ]أي أنها غير حادثة[ كما أنها لا تزول من الوجود على حد السواء، ويدعوها باروخ سبينوزا بـ”الأحوال اللانهائية”، والتي تَشمل القوانين العامة للطبيعة، التي تَحكم جميع الأشياء في جميع النواحي. فعن صفة الامتداد، تَصدر المبادئ التي تحكم جميع الأشياء الممُتدة (تمثلها الحقائق الهندسية) وكذلك القوانين التي تَحكم حركة وسكون الأجسام (تمثلها قوانين الفيزياء)؛ بينما عن صفة الفكر، تَصدر قوانين الفكر (والتي فَهمها المعلقون على باروخ سبينوزا باعتبارها قواعد المنطق وقوانين السيكولوجيا). أمّا الأشياء الجُزئية ]المُشخّصة[  أو الفردية، فليست أكثر من أعراض لصفات لله، أو أحوال مُعبرة عن صفات الله بطريقة لازمة ومُحدِدة.” (ب1، ق25، ل) وبصورة أدق، فهي أحوال زائلة.

هنالك صورتان من العِلّية أو بُعدان يحَكمان سلوك الأشياء الجزئية. فمن ناحية، يتحدد هذا السلوك بالقوانين العامة للطبيعة الصادرة عن الله مباشرة. ومن الناحية الأخرى، فإن كل شيء جزئي مُقدّر له أن يُؤثر في؛ ويتأثر بالأشياء الجزئية الأخرى. ومن ثم، فإن كل سلوك للجسم في صيرورته يتحدد بـ:

  1. قوانين الطبيعة.

2.حركة وسكون الأجسام الأخرى المُحيطة به، والتي يؤثر فيها، ويتأثر بها. 

تتلخص ميتافيزيقا باروخ سبينوزا بدقة في عبارة واردة بالنسخة اللاتينية (لا الهولندية) من الأخلاق، والتي تقول: “إن ذلك الكائن الأزلي واللامتناهي، الذي نُسميه الله، أو الطبيعة، يفعل وفق نفس الضرورة التي بها يُوجَد.” (ب4، مقدمة). وهي عبارة مُلتبسة، فإما أن باروخ سبينوزا يُؤلّه الطبيعة، أو أنه يطُبْعِن naturalize الله. لكن بالنسبة للقارئ اليقظ، فلا غبار على نية باروخ سبينوزا. إذ لابد من أن صديقه الذي نَشر أعماله بعد وفاته، قد استبعد عبارة “أو الطبيعة” من النسخة الهولندية واسعة الانتشار، خشية أن يثير جمهور العامة. 

يُصر باروخ سبينوزا على أن للطبيعة وجهين. فمن ناحية، هنالك الوجه الخلّاق والفاعل في العالم؛ أي الجوهر وصفاته، والذي تصدر عنه جميع الأشياء. ويدعو باروخ سبينوزا هذا الوجه بالطبيعة الطابعة Natura naturans (مستعملًا نفس مصطلحات الرسالة القصيرة)، وبعبارة أدق، فإن الطبيعة الطابعة هي الله ذاته. أمّا الوجه الآخر للعالم، الصادر عن؛ والمشروط ب أو القائم بفعل الوجه الأول، فيدعوه الطبيعة المطبوعة Natura naturata ]أي الأحوال [    

“أعني بالطبيعة المَطبوعة كل ما ينتج وفق ضرورة الطبيعة الإلهية، أو وفق ضرورة كل صفة من صفات الله. بمعنى آخر، فإنها ]أي الطبيعة المطبوعة [كل ما يصدر عن صفات الله من أحوال، باعتبارها ]أي الأحوال[ أشياء موجودة في الله، ولا يمكن أن تُوجَد أو تُتصَور بدونه.” (ب1، ق 29، ح 1)

 يُوجَد خلاف حول مماثلة باروخ سبينوزا بين الله والطبيعة الطابعة. والتي يُقرّها التفسير الأقرب للصواب، والقائل بأن كل من الأحوال اللامتناهية والمتناهية، ليست أعراضًا لله أو للطبيعة فحسب، بل أنها مُلازِمة لهذا الجوهر اللامتناهي. وأيا ما يكن الأمر، تظل الأطروحة الرئيسية لباروخ سبينوزا في الباب الأول، هي أن الطبيعة كلٌ لا يتجزأ، غير حادث، وأنها كل ما هنالك. وأنه ليس ثمة شيء خارجها. فكل ما يُوجَد، إنما يُوجَد في الطبيعة، ويأتي إلى الوجود بفعل الطبيعة وفق ضرورة مُحددة. هذا الجوهر، الفريد، والنشط، والضروري، هو ما يُطلق عليه باروخ سبينوزا اسم “الله”.  فليس ثمة غائية teleology تَحكم الكون. إذ أن الله / الطبيعة لا يفعل / تفعل لأجل غايات مُعينة، كما أن الأشياء لا تُوجَد لأجل أغراض أو مقاصد بعينها. فليس ثمة “علل غائية” (إذا استعملنا القاموس الأرسطي). والله لا “يفعل” لأي غرضٍ كان. وإنما تصدر الأشياء عن ماهيته وفق ضرورة ]متمثلة في القوانين الصادرة عنه والحاكمة لوجوده[، وأي حديث عن مَقاصد، أو نوايا، أو أهداف، أو تفضيلات، أو أغراض، هو مُجرد خيال مُؤنسِن ]لله[.

“كل الأحكام المُسبقة التي قصدت الإشارة إليها، تستند إلى حُكم واحد مُسبَق هو: أن الناس يفترضون عمومًا أن كل الأشياء الطبيعية تتصرف مثلهم لأجل غاية ما؛ بل إنهم على يقين من أن الله نفسه يُوجّه الأشياء نحو غايات بعينها، وهكذا، يقولون بأن الله قد خَلق العالم لأجل الإنسان، وأنه خَلق الإنسان كي يَعبده.” (ب1، تذييل)

إن الله ليس مُصمِمًا يمتلك أهدافًا مُحددة، يُحاكِم على أساسها الأشياء بحسب نجاحها في تحقيق مقاصده. بل تَحدث الأشياء وفق نفس القوانين الضرورية الصادرة عنه / عن الطبيعة فحسب. “فليس لدى الطبيعة غايات مُقرَرة سلفًا …وكل الأشياء مسبوقة بضرورة أزلية مُعينة مصدرها الطبيعة.” ولا يعني الاعتقاد بغير ذلك، سوى وقوع المرء تحت سطوة الخرافات نفسها المُؤسِسة للديانات المُنظَمة.

“يجد الناس (داخل ذواتهم، وخارجها) الكثير من الوسائل المفيدة للغاية في مُطاردة منافع مُعينة. على سبيل المثال، الأعين التي يُبصرون بها، والأسنان التي يمضغون بها، والنباتات والحيوانات التي يتغذون عليها، والشمس التي يستضيئون بها… ومن ثم، فإنهم ينظرون إلى كل الأشياء في الطبيعة باعتبارها وسائل لغاياتهم. وليقينهم من أنهم لم يُوجِدوا تلك الوسائل، وإنما عَثروا عليها فحسب، فقد وجودا مُبررًا للاعتقاد بأن كائنًا آخر قد سَخّر تلك الوسائل لخدمتهم. وإذ نظروا إلى الأشياء بوصفها وسائل فحسب، لم يستطيعوا تَخيّل أن تكون نفس الأشياء قد وُجدِت كنتيجة لعلّة ما، لا كوسيلة لغاية ما، ومُستدلّين بالأشياء التي اعتادوا تدبيرها لأنفسهم، اعتقدوا بوجود مُدبّر، أو عدة مُدبّرين للطبيعة، يتمتعون بحرية كتلك التي للبشر، قد دبّروا كل الأشياء لصالحهم، وسخّروا كل الأشياء لخدمتهم.

ونظرًا لافتقارهم لأية فكرة عن طبع أولئك المُدبّرين، فقد قارنوها بطباعهم الشخصية. ومن ثم، أقرّوا بأن الآلهة تُوجّه جميع الأشياء في خدمة البشر حتى يتعلقوا بها، ويُمجّدوها أعظم تمجيد. وبالتالي، ابتكر كل واحد، بحسب طَبعه ومِزاجه الشخصيين، طُرقًا مُختلفة لعبادة واسترضاء الله، وذلك حتى يُحبه الله أكثر من غيره من البشر، فيُوجّه الطبيعة لتلبية رغباته العمياء ونهمه الجشع قبل رغبات غيره من البشر. ومن هنا، استحال هذا التَحيز المُسبَق إلى خرافة، ضربت بجذورها عميقًا في أذهان أصحابها. (ب1، تذييل)”  

إن إلهًا قاضيًا، صاحب خطط، وله أهداف، لابد من استرضائه وطاعته. ومن هنا، بإمكان الدُعاة الانتهازيين التلاعب بآمال ومخاوف الناس بالاعتماد على ذلك. فهم يصفون أشكال السلوك التي تقي عقابه، وتنال مكافآته. لكن باروخ سبينوزا يُصر، على أن مَن ينظرون لله أو الطبيعة على السواء كفاعليّن لأجل غايات (البحث عن غاية في الطبيعة) يسيئون فهم الطبيعة و”يقلبونها رأسًا على عقب”، وذلك إذ يضعون المَعلول (النتيجة) قبل عِلته (السبب).

“كما أن الله لا يفعل المعجزات، لأنه لَم ولَن تُوجَد انحرافات عن المسار الضروري للطبيعة، وحدوث ذلك يعني أن الله / الطبيعة يتصرف / تتصرف ضد نفسها، وذلك مُناف للعقل. أما الإيمان بالمعجزات فإن مصدره الأوحد هو الجهل بالأسباب الحقيقية ]الطبيعية [للظواهر. 

“فإذا ما سَقَط حجر من نافذة غرفة على رأس أحدهم فأرداه قتيلًا، سيقول أنصار المعجزة بأن الحجر قد سَقَط خصيصًا لقتل الرجل، وحجتهم أنه لو لم يكن الله قد شاء تحقيق هذه الغاية، فكيف اجتمعت هذه التركيبة المعقدة من الظروف بمحض الصدفة (وهل تتفق جميعها هكذا دفعة واحدة؟) وربما يَرد أحدهم على ذلك قائلًا بأن الرياح كانت تعصف بشدة، في الوقت الذي كان خلاله الرجل يسير بذلك الاتجاه. لكنهم سوف يصرّون: لِمَ كانت الرياح عاصفة في ذلك الوقت بالتحديد؟ ولِمَ كان الرجل سائرًا بذلك الاتجاه في ذات الوقت؟ فإذا رد أحدهم ثانية بأن الرياح كانت تعصف في ذلك الحين، لأن المَد قد بدأ في اليوم السابق، وأن صَديق الرجل قد دعاه لزيارته، فإنهم سوف يُلّحون (حيث يمكن طرح الأسئلة بلا نهاية) لمَ حدث المد؟ ولِمَ دُعي الرجل في ذلك الوقت تحديدًا؟ وهكذا، فلن يُوقفوا استجوابهم عن أسباب الأسباب، حتى يلجأ الآخرون إلى مشيئة الرب. أو بمعنى أصح، إلى الملاذ الآمن للجهل.” (ب1، تذييل)

بتوظيفه لتلك النبرة القوية، فقد كان باروخ سبينوزا على دراية كافية بخطورة موقفه. فالدُعاة أنفسهم الذين يقتاتون على سذاجتنا، سيثورون ضد كل من يُحاول إزاحة الستار عن حقائق الطبيعة. “ذلك الذي يَسعى لفهم الأسباب الحقيقية للمعجزات، ويحرص كشخص مُتعلِم، على أن يَفهم ظواهر الطبيعة، لا أن يَذهل أمامها كالأبله، يُحتقَر عمومًا بصفته مُهرِطقًا أثيمًا من جانب أولئك الذين يُمجّدهم الناس بوصفهم مُفسري الطبيعة والآلهة. إنهم يُدركون تمامًا أنه بإزاحة الجهل، فإن الحيرة الحمقاء، التي هي مَصدر سُلطتهم الوحيد سوف تنزاح معه.”

طيلة قرون، اعتُبِر باروخ سبينوزا (في عيون أعدائه وأنصاره على السواء، في الأكاديمية، وفي الخيال الجمعي) من القائلين بوحدة الوجود. ومع ذلك، فليس واضحًا، ما إذا كانت هذه الطريقة الصحيحة لوصف تصوره عن الله. من المؤكد، أن باروخ سبينوزا ليس أحد المُؤلِهة التقليدين القائلين بإله مفارِق للعالم. لكن هل تعني مُطابقة باروخ سبينوزا بين الله والطبيعة، أنه مثلما أكدّ كثيرون (منذ القرن الثامن عشر وحتى النسخة الأحدث من قاموس كامبريدج للفلسفة) وِحدوي  pantheist؟

 يرفض الوِحدوي في العموم تَصوّر إله مُفارِق للعالم. وفي المقابل، يكون الإله بالنسبة له مُكافِئًا للعالم. صحيح، أنه قد تُوجَد بعض الجوانب الإلهية: الأنطولوجية أو الإبستمولوجية المُنفصلة عن العالم، لكن لا يعني ذلك أن الله مُفارِق للعالم بصورة جوهرية. كما يرفض الوِحدوي أيضًا أي شكل من أشكال تشخيص الإله، أو حَمل الصفات النفسية والأخلاقية الإنسانية عليه. فالإله الوِحدوي (عادة) ليس إلهًا مُشخَصًا.  

داخل هذا الإطار العام، بالإمكان تمييز نمطين من وحدة الوجود، الأول: حيث يُمكن اعتبارها إنكارًا تامًا لكافة أشكال التمييز بين الله والعالم الطبيعي، والتأكيد بالمقابل على أن الله مُتطابق تمامًا مع كل شيء يُوجَد. “الله هو كل ما هنالك، وكل ما هنالك هو الله.” وهكذا، يكون الله هو العالم بجميع ما يحتويه من موجودات طبيعية دون أدنى استثناء. وهذا ما يُدعى: وحدة الوجود الاختزالية. أمّا النمط الثاني فيقضي بأن: الله مُتمايز عن العالم وعن موجوداته الطبيعية، لكنه مُحايِث وكامن داخلها، مثلما تتواجد المياه داخل اسفنجة مُشبعة. ولذا، يكون الله في كل شيء، وفي كل مكان. وهذا ما يُدعى: وحدة الوجود المُحايثة؛ القائلة بأن الطبيعة تحتوي عنصرًا إلهيًا خارقًا للطبيعة نفسها. 

 إن أي تحليل كافي لمماثلة باروخ سبينوزا بين الله والطبيعة، سوف يكفي لبيان أنه لم يكن وِحدويًا وفق النمط الثاني المُحايِث. لأنه في نظر باروخ سبينوزا، فلا شيء يُوجَد سوى الطبيعة وصفاتها وأحوالها. ومن المستحيل يقينًا أن تتضمن الطبيعة ما قد يخرقها. ومن ثم، وبناء على استبعاده لأي شيء يُجاوِز الطبيعة أو لا تنطبق عليه قوانينها وصيروراتها. هل يعني ذلك أن باروخ سبينوزا هو وِحدوي وفق النمط الأول الاختزالي؟

إن المُعضلة المُتمثلة في مماثلة الله بكامل الطبيعة (مماثلة الطبيعة الطابعة بالمطبوعة) أو مماثلته بجزء منها (الطبيعة الطابعة وحدها)، ربما تكون حاسمة في الإجابة عن التساؤل بشأن وِحدوية باروخ سبينوزا المزعومة. لأنه بنهاية المطاف، إذا صَحّت الفرضية الأولى كتعريف لوحدة الوجود، فإن باروخ سبينوزا سيصير وِحدويًا في حال مماثلته بين الله وكامل الطبيعة. وبالفعل، فإن كلا الطرفين: الذين يعتقدون بوِحدوية باروخ سبينوزا والذين يخالفونهم؛ يُركزون على مسألة ما إذا كان الله = الطبيعة ككل، بما تتضمنه من أحوال متناهية ولامتناهية.  أم أنه = الجوهر وأعراضه فحسب، أي الطبيعة الطابعة دون الأحوال؟ ومن هنا، نَفى فريق أن يكون باروخ سبينوزا وِحدويًا، نظرًا لأنه قد مَاثَل الله بالجوهر وأعراضه، أي بين الله، وبين المبادئ الأكثر عمومية وفعالية للطبيعة، بينما جادل فريق آخر بأن باروخ سبينوزا وِحدوي، بناء على كونه قد مَاثَل الله بالطبيعة ككل.

رغم ذلك، يظل الجدال حول مماثلة باروخ سبينوزا بين الله والطبيعة، بعيدًا عن لُب وحدة الوجود المُفترضة لديه. فلا ريب، أنه لو فَهم المرء إله باروخ سبينوزا بوصفه الطبيعة الطابعة فحسب، وفَهم وحدة الوجود بوصفها إقرارًا بأن الله هو كل ما هنالك، عندها، ستنتفي صفة الوِحدوية عن باروخ سبينوزا، بالمعنى المألوف على الأقل. فبينما تصدر الموجودات المتناهية، عن الجوانب الأزلية، والضرورية، والفاعلة للطبيعة، فهي ليست متطابقة مع الله أو الجوهر، بل هي بالأحرى مُجرد آثار له. لكن ليس ذلك بالعامل الحاسم في نفي وِحدوية باروخ سبينوزا. لأنه حتى إذا ماثَل باروخ سبينوزا الله بالطبيعة ككل، فلا يعني ذلك أنه وِحدوي حقًا.

 إن المعضلة الحقيقية هنا، ليست في اختيار التفسير الأصح لتصور باروخ سبينوزا عن الله وعلاقته بالأحوال المتناهية. ففي أية تفسير، سيظل موقفه طبيعيًا خالصًا واختزاليًا. وسواء كان إلهه مُكافئًا للطبيعة ككل، أو لجزء منها فحسب. فإن بإمكان المُلحد التسليم معه (وهذه النقطة الأهم)، دون مشقة كبيرة، بأن الله ليس سوى الطبيعة. وهكذا، يتضح أن كل من أنطولوجيا وحدة الوجود الاختزالية، وأنطولوجيا الإلحاد، متماثلتين من حيث المبدأ. 

وبدلًا من ذلك، فإنه يُمكن بالفعل، حل مسألة وِحدة الوجود لدى باروخ سبينوزا، عبر مُناقشة الجوانب السيكولوجية المتعلقة بها. وعلى أي حال، فإنه يَتعذر تصنيف باروخ سبينوزا في خانة وحدة الوجود، طالما أن الأخيرة هي أحد أشكال التأليهية الدينية. وطالما أن ما يُميّز الوِحدوي عن المُلحد حقًا، هو أن الأول لا يَرفض المواقف النفسية التي يُحتّمها الإيمان بإله مُفارِق. وبدلًا من ذلك، يُشدِد الوِحدوي ببساطة على أن الله (مُدرَكًا بصفته كائنًا يستحق الخشوع في حضرته) في الطبيعة أو هو الطبيعة ذاتها. لكن باروخ سبينوزا لا يعتقد بأن أية رهبة تعبدية أو خشوع ديني، تُمثّل الموقف الصحيح حيال الله أو الطبيعة. إذ لا شيء مُقدس أو باطني بشأن الطبيعة، فهي ليست موضوعًا للتجربة الدينية. وهو يرى في المقابل، أن على المرء السعي إلى فهم الله أو الطبيعة، مُتكئًا على نوع من المعرفة العقلية الكافية أو المتميزة والواضحة، والتي تكشف أهم حقائق الطبيعة وتُظهِر كيف أن كل شيء يعتمد جوهريًا ومبدأيًا على العلل الطبيعية الأرقى.

بالنسبة لباروخ سبينوزا، فإن وسيلة معرفة ومُعايشة الله، هي الفلسفة والعلم، لا الرهبة الدينية وتسليم المُتعبِد. فلا تؤدي الأخيرة سوى لتعزيز السلوك الخُرافي والرضوخ للسلطات الدينية؛ أما الأولى فإنها تؤدي إلى التنوّر، والحرية، والنعمة الحقيقية؛ أي: السلام الداخلي.  

 

2.2 الإنسان 

في الجزء الثاني، يتحول باروخ سبينوزا لمناقشة أصل وطبيعة الوجود الإنساني. إننا لا نعرف من صفات الله سوى الفكر والامتداد. وهنا، تواجهنا الأطروحة التي صَعقت مُعاصريه، والتي غالبًا ما أسيء فهمها، واحتُقرِت على الدوام. حيث يَدّعي باروخ سبينوزا في القضية الثانية أن “الامتداد هو صفة من صفات الله، أو بعبارة أخرى، فإن الله شيء ممتد”، وقد تم تفسيره عمومًا (لكن خطأ) وكأنه يَقضي بأن الله هو كيان مُتجسّد بالمعنى الحرفي للكلمة. وللسبب ذاته، اعتُبِرَت “السبينوزية” في عيون نُقادها، مُرادفًا للمادية الإلحادية.

بحسب أحد التأويلات، فإن الله مادي، وبالأحرى هو المَادة ذاتها، دون أن يُحتّم ذلك القول بأن الله جسم، أو أن لديه جسم. لكن بحسب تأويل آخر (وهو الذي سنتبناه هنا) فإن ما نَجده في الله ليس المادة بحد ذاتها، بل هو الامتداد كماهية] أي الله مَنظورًا إليه كجوهر ممتد[. إن أحوال أو صور الامتداد هي الأجسام الفيزيائية، أمّا أحوال الفكر فهي الأفكار. ونظرًا لأنه ليس ثمة شيء واحد مشترك بين الامتداد والفكر، فإن كلا من عالمي المادة والذهن، هو نظام سببي ]عِلّي[ مُنغلق ]مُنعزل[ تمامًا. فكل ما هو مُمتد، صادر عن صفة الامتداد وحدها، وكل واقعة مادية تصدر عن سلسلة لا نهائية من الوقائع المادية الأخرى، وتتحدد وفقًا لطبيعة الامتداد وقوانينه فحسب، في الصلات القائمة بين الجسم والأجسام الأخرى. وبالمثل، تَصدر كل فكرة عن صفة الفكر وحدها. وكل فكرة هي جزء لا يتجزأ من سلسلة لا نهائية من الأفكار، كما تتحدد وفق طبيعة الفكر وقوانينه فحسب، في الصلات القائمة بينها وبين الأفكار الأخرى.

بعبارة أخرى، ليس ثمة تفاعل سببي متبادل بين الأجسام والأفكار، بين الفيزيائي والعقلي. ومع ذلك، ثمة تلازم وتوازي تام بين كلا السلسلتين ]النظامين[. ففي مقابل كل حال من أحوال الامتداد، حيث تنتظم ]تتآلف[ المادة بصورة مُعينة، تُوجَد حال مُعينة للفكر. وفي الواقع، يُصرّ باروخ سبينوزا على أن “الحال المنسوبة لصفة الامتداد، وفكرة هذه الحال، هما الشيء نفسه، مُعبَّرا عنه بطريقتين مختلفتين” (ب2، ق7، ح). وبسبب الطبيعة الراسخة والأوّلية للطبيعة أو الجوهر، فإن الفكر والامتداد ليسا أكثر من طريقتين مختلفتين لإدراك الشيء نفسه. ومن ثم، يكون لكل موجود مادي فكرته المُميزة الخاصة به (وهي فكرة كافية أزلية) تُعبِر عنه، أو تُمثِله في الذهن. وبما أن هذه الفكرة ليست غير حال لأحد صفتي الله (أي الفكر) فإنها تُوجَد في الله، والسلسلة اللامتناهية من الأفكار هي ما تؤسس فكرة الله أو هي العقل اللامتناهي بذاته. أو كما يشرح باروخ سبينوزا: 

“الدائرة الموجودة في الطبيعة، وفكرة الدائرة، الموجود أيضًا في الله، هما الشيء نفسه، مَنظورًا إليه من جهات مُختلفة. ومن ثم، سواء تصوّرنا الطبيعة من جهة الامتداد، أو من جهة الفكر، أو من جهة أي صفة أخرى  ]خاصة بالجوهر[ فإننا سنجد نظامًا واحدًا لا غير، وترابطًا واحدًا للأسباب لا غير. بعبارة أخرى، فإننا سنجد نفس الأشياء الناتجة عن بعضها البعض.” (ب2، ق7، ح)

ويلزم عن ذلك، كما يجادل باروخ سبينوزا، أن العلاقات السببية بين الأجسام تنعكس في العلاقات المنطقية بين الأفكار كما تُوجَد في الله. أو كما يُلاحظ في القضية السابعة” إن نظام الأفكار وترابطها، هو عينه نظام الأشياء وترابطها.”

ومع ذلك، فإن صنفًا /نمطًا من الأجسام الممتدة، يَكون أكثر تعقيدًا بكثير من غيره، وذلك في تركيبه والآليات التي يؤثر بها على الأجسام الأخرى ويتأثر بها. ويَنعكس هذا التعقيد في الفكرة المُقابلة للجسم. والجسم محل النقاش، هو الجسم البشري، والفكرة المقابلة له هي النفس أو الروح. والتي مَثلها كمثل أي فكرة أخرى، عبارة عن حال مُعينة لصفة الفكر، وأيا كان ما يحدث في ذلك الجسم، فإنه ينعكس أو يتم تمثّله في الذهن. وهكذا، يُدرِك الأخير، بطرق متفاوتة في وضوحها، ما يَحدث للجسم ]ما يطرأ عليه من تغيرات[. ومن خلال تفاعلاته مع الأجسام الأخرى، يصبح الذهن واعيًا بما يحدث حوله في العالم الفيزيائي. لكن يظل الذهن البشري غير متفاعل مع الجسم المُقابل له، مثلما لا تتفاعل أي حال أخرى للفكر مع أي حال أخرى للامتداد.

أحد الأسئلة المُلّحة على تركة القرن السابع عشر الفلسفية، الموروثة من ثنائية ديكارت، هو كيف بإمكان جوهرين متمايزين جذريًا مثل العقل والجسد؛ أن يندمجا في وحدة يمثلها الإنسان، حيث يؤثر أحدهما في الآخر.  فكيف للجسم الممتد الاتحاد في رابطة سببية مع الذهن غير الممتد العاجز عن الاحتواء أو الملامسة أو الحركة. وأن “يُثيره”، أي يخلق آثارًا شعورية كالألم، والإحساسات، والتصورات؟ هنا، أنكر باروخ سبينوزا ]ضد ديكارت[ أن يكون الإنسان وحدة مكونة من جوهرين. مُؤكِدًا في المقابل، أن كلا من العقل والجسم (من جهة الصفة والامتداد على الترتيب) هما تعبيران مختلفان عن شيء واحد هو الفرد، ونظرًا لانعدام التفاعل بين العقل والجسد، تَفقد المشكلة المعروفة بمشكلة العقل-الجسد مبررها.

 

2.3 المعرفة

يحتوي العقل الإنساني الأفكار كما يحتويها الله. بعض هذه الأفكار: التمثّلات الحسية، وخصائص المحسوسات، والإحساسات النوعية (كالألم واللذة)، هي ظواهر نوعية، تُعَد بمثابة التعبير العقلي عن أحوال الجسم في تأثره بالأجسام الأخرى من حوله. ولا تَعكس هذه الأفكار معرفة كافية وصحيحة عن العالم، وإنما صورًا نسبية وجزئية وذاتية لِما تبدو عليه الأشياء بالنسبة لمن يُدركها ]الأفكار التي لدينا عن الأجسام الخارجية تُشير إلى حالة جسمنا الخاص أكثر مما تُشير إلى طبيعة الأجسام الخارجية (ب2، ق16، ل2)[ وليس ثمة نظام منهجي لتلك الإدراكات، أو أي إشراف عقلي عليها. “كُلما أدركت النفس البشرية الأشياء وفق التيار العام للطبيعة، فإنها لا تعرف نفسها أو جسمها الخاص أو الأجسام الخارجية معرفة تامة، بل معرفة مشوشة ومبتورة” (ب2، ق29، ل). وتبعًا لذلك، فإن أفكارنا مُقيدة بمواجهاتنا التصادفية والعشوائية مع الأشياء من حولنا. ويستحيل على هذا النوع من الإدراك أن يُمكّننا من معرفة ماهيات الأشياء. وحقيقة الأمر هي أنه مصدر للضلال والخطأ. تلك “المعرفة المبنية على الخبرة العشوائية” هي مصدر للأوهام الكبرى، نظرًا لأننا (معتقدين بكوننا أحرارًا) نظل في جهالة، غير واعين بالعلل الضرورية التي تَحكمنا. 

وفي المقابل، فإن الأفكار الكافية، هي التي تتشكل وفقًا لاستدلال عقلي مُرتَب، لازِم، وكاشف عن الماهيات الصُورية للأشياء. إن النوع الثاني من المعرفة، وهي معرفة “العقل” (في مقابل الأول: المعرفة العشوائية)، هي استنباط ماهيات الأشياء عبر الاستدلال المنطقي ]جعل الرابطة بين كل قضية والتي تليها واضحة بذاتها.[ “أن تكون لديك فكرة صحيحة، لا يعني غير أن معرفتك للشيء هي معرفة كاملة، أو أنها على أفضل ما يُرام”. (ب2، ق43، ح). إنها تعني التقاط الروابط السببية المُتحِكمة في الموضوع، والقائمة بينه وبين الموضوعات الأخرى. والأهم من ذلك؛ الصادرة عن صفات الله والأحوال اللامتناهية (قوانين الطبيعة) مُباشرة. إن من شأن الفكرة الكافية أن تُحيط بجلاء ووضوح بجميع الروابط السببية التي تحكم موضوعها، وأن تُجيب عن كيف ولماذا تنشأ تلك الروابط. إن الذي يعرف شيئًا ما حقًا هو الذي يعرف الأسباب التي حَتّمت أن يكون الشيء على ما هو عليه، ولم تُتح له أن يصير بخلاف ذلك. “إن من طبيعة العقل أن ينظر للأشياء على أنها ضرورية، لا على أنها جائزة” (ب، ق44). فالاعتقاد بأن شيئًا ما يحدث عرضيًا أو تصادفيًا، ليس له مبرر سوى المعرفة غير الكافية بالسلسلة السببية التي تحكمه. تلك المعرفة المبنية على خبرتنا الجزئية، و”المُشوشة” بالشيء وأُلفتنا به. فأن نُحقق معرفة كافية، يعني أن نُدرك الضرورة المُتجذّرة في الطبيعة. 

من المستحيل على الخبرة الحسية، أن تمدنا بالمعلومات التي نكتسبها عبر المعرفة الكافية. وذلك لأن الحواس تَتَمثل الأشياء حسب ما تظهر في لحظة معينة من الزمن، ومن منظور مكاني مُعين. وفي المقابل، فإن الفكرة الكافية، إذ تَكشف عن كيف يَنتج شيء ما بالضرورة عن هذه الصفة أو تلك من صفات الله، فإنها تتمثل الأشياء في جوانبها الأزلية دون أي صلة زمنية. “إن من طبيعة العقل أن يُدرك الأشياء على أنها ضرورية، لا جائزة. وهو يُدرك ضرورة هذه الأشياء بصفته الحقيقة. أي كما هي في ذاتها. ولكن ضرورة هذه الأشياء ليست غير الضرورة الصادرة عن طبيعة الله الأزلية. ومن طبيعة العقل إذًا أن ينظر إلى الأشياء على أنها تملك هذا النوع من الأزل.” (ب2، ق44) أما النوع من الثالث من المعرفة، أي المعرفة الحدسية، فإنه يلتقط الماهية ]التي تتضمن في ذاتها علامة صحتها ووضوحها [دُفعة واحدة عبر إلْمَاعَة عقلية خالصة ]إدراك الروابط بين أفكار النسق دفعة واحدة دون التدرج في خطوات الاستدلال كما في النوع الثاني، أو تَدخل من الحواس كما في النوع الأول[.

يظُهِر تصور باروخ سبينوزا للمعرفة الكافية تفاؤلًا منقطع النظير حيال قدرات الذهن البشري الإدراكية. فحتى ديكارت، لم يعتقد أن بمقدورنا معرفة الطبيعة وأسرارها الأكثر استغلاقًا، بهذا القدر من اليقين والعمق الذي رأى باروخ سبينوزا أنه مُمكن. اللافت للنظر أكثر، أنه كنتيجة لاعتقاد باروخ سبينوزا بأن المعرفة الكافية بالموضوعات وبالطبيعة ككل، تتضمن معرفة شاملة بالله وبالأشياء في علاقاتها معه ومع صفاته، لم يكن لديه حرج، في الادعاء أن بمقدورنا (على الأقل من حيث المبدأ) أن نَعرف الله معرفة تامة وكافية. “إن معرفة ماهية الله الأزلية واللامتناهية، هذه الماهية التي نجدها في كل فكرة مُمكنة، هي معرفة تامة وكافية” (ب2، ق46) “إن لدى العقل البشري معرفة كافية بماهية الله الأزلية واللامتناهية”(ب2، ق47). على مر التاريخ، لم يقدر فيلسوف آخر على تقديم مثل هذا الادعاء. لكن، مرة أخرى، لم يَقدر فيلسوف آخر على مماثلة الله بالطبيعة بمثل هذه الصراحة.

 

2.4 الفاعلية والنزوع

لقد شَرع باروخ سبينوزا في هذا التحليل المُفصّل لتكوين الإنسان، نظرًا لأهميته في تحقيق مراده: إظهار أن الإنسان هو جزء من الطبيعة؛ وأنه يُوجَد ضمن إطار الروابط السببية نفسها التي تَحكم الموجودات الممتدة والعقلية. بما يترتب على ذلك من نتائج أخلاقية خطيرة. فأولًا: يقضي ذلك بأن الإنسان ليس مَفطورًا على الحرية بالمعنى المألوف للكلمة، وذلك ببساطة لأن كلا من عقولنا والأفكار التي تحتويها عقولنا، تُوجَد ضمن سلسلة علِّية من الأفكار الصادرة عن صفة الفكر الخاصة بالجوهر، وكذلك فإن أفعالنا وقراراتنا مُحددة وفقًا لضرورة سببية ]أي كحلقة داخل سلسلة لا نهائية من العلل والمعلولات[، كغيرها من الوقائع الطبيعية. “ليس في النفس أي إرادة مطلقة أو حرة، بل يَتحتم على النفس أن تريد هذا أو ذاك بمقتضى سبب يُحدده بدوره سبب آخر ، وهذا السبب يُحدده بدوره سبب آخر، وهكذا إلى ما لانهاية.” (ب2، ق48)

وما يَصح على الإرادة (وبالطبع على الأجساد) يَصح أيًا على كافة الظواهر النفسية. والتي يُصر باروخ سبينوزا على أنه لم يَتم فهمها بالشكل المُلائم من قبل المُفكرين السابقين عليه، والذين أرادوا تفسير الإنسان كسُلطة خارجة عن (أو فوق) الطبيعة.

“إن غالبية الذين كتبوا عن الانفعالات، وعن سلوك الإنسان في الحياة. بدا وكأنهم يُعالجون موجودات غير طبيعية، لا موجودات تسير وفق القوانين العامة للطبيعة، وفي الواقع، لقد بدا وكأنهم يضعون الإنسان دولة داخل الدولة. وهكذا اعتقدوا بأن الإنسان يُخلّ بنظام الطبيعة بدلًا من أن يكون تابعًا له. وأن لديه سلطة مُطلقة على أفعاله، وأنه مُقيَّد فقط بما تُمليه عليه نفسه.” (ب3، تمهيد)

على سبيل المثال، اعتقد ديكارت بأن الإقرار بالحرية الإنسانية، يقضي باستثناء النفس من سلطة القوانين الحتمية التي تَحكم العالم المادي.

أما باروخ سبينوزا، فيَهدف، من خلال الجزأين الثالث والرابع (حسبما يقول) إلى إعادة الإنسان وحياته الإرادية والعاطفية إلى مكانها الصحيح ضمن الطبيعة، إذ لا شيء يُوجَد خارج الطبيعة، ولا حتى العقل الإنساني.

“إن الطبيعة هي نفسها على الدوام. وصرامتها وقُدرتها على الفعل واحدة، وهي ذاتها في كل مكان. بمعنى آخر، فإن قواعد وقوانين الطبيعة، والتي تحدث بمقتضاها جميع الأشياء وتتحول من نوع لآخر، هي نفسها دائمًا في كل مكان. ولذلك، فإن المنهج المُلائِم لفهم طبيعة الأشياء، مهما اختلفت هذه الأشياء، هو نفسه، أي من خلال القوانين والقواعد العامة للطبيعة. إن انفعالات الحب، والكراهية، والغضب، والحسد، والفخر، والغيرة. جميعها تصدر عن نفس الضرورة والصرامة الطبيعية التي تسير عليها الموجودات الجزئية الأخرى.” أي أن باروخ سبينوزا يُفسّر تلك العواطف كما يُفسّر حركة الجسم أو خصائص الشكل الهندسي، مثلما سيفسر أي شيء آخر في الطبيعة. “سأعالج طبيعة الانفعالات وآثارها، وما للنفس من سلطة عليها، وفقًا لنفس المنهج الذي اتبعته في دراسة الله والنفس. هكذا، سأنظر لأفعال الإنسان وشهواته كما لو كان الأمر مُتعلقًا بخطوط، وأسطح، وأجسام.”

 تنقسم انفعالاتنا  [affectibus]إلى فاعليات [actiones]ونزعات [passiones]، فعندما يكون سبب الحوادث نابعًا من ذواتنا (أو بشكل أدق من معرفتنا أو أفكارنا الكافية) فتلك هي الفاعلية. وفي المقابل، عندما يكون سبب الحادثة خارجًا عن ذواتنا، فتلك هي النَزعة، ومعناها أن شيئًا ما خارجنا قد انتزعنا من حال لأخرى رغمًا عنا. ]يحدث داخلنا أو خارجنا شيء، لسنا سوى علته الجزئية [. وسواء كنا فاعلين أو مُنتزَعين، فإنه يحدث تغيرٌ ما في حالاتنا الذهنية أو الفيزيائية، والذي يدعوه باروخ سبينوزا ب “الزيادة أو النقص في قدرتنا على الفعل”، أو في “قدرتنا على حفظ كياننا”. فجميع الكائنات مفطورة على تلك القدرة أو المُثابرة [conatus] وهي شكل من أشكال القصور الذاتي ]الجُهد[الوجودي، والذي يؤسس ماهية أي كائن.  “يسعى كل شيء بجميع ما له من قوة، إلى حفظ كيانه” والانفعال هو أي تغير يطرأ على هذه القوة، سواء بالزيادة أو النقص. فالفاعلية هي أي تغير في قوتنا مصدره (أو علته الكافية) الذات وحدها ]نابعًا من داخلنا[، أما النزعة فهي أي تغير في قوتنا يقع مصدره خارجنا.

ويجب علينا السعي للتحرر من النزعات، أو نظرًا لأن ذلك غير ممكن بالإطلاق، فإن علينا التَدرب على تهدئتها وكبحها، وأن نُصبح كائنات فاعلة ومُستقلة. فإذا ما حققنا ذلك، نصير “أحرارًا” بقدر ما تصير انفعالاتنا نتاجًا لطبيعتنا الخاصة، وليس نتيجة للعلاقات التي تربطنا بالأشياء الخارجة عنا (الصادرة عن؛ والمُحدَدة بأحوال الله-الطبيعة المتمثلة في أجساد وعقول الآخرين). وبالتالي، فإننا نتحرر حقًا من التقلبات والإحباطات العاطفية. ووسيلة تحقيق ذلك هي اكتساب المعرفة]معرفة الضرورة؛ أي شبكة العلاقات السببية التي تحكم النظام الذي ننتمي له [، وتدعيم حصيلتنا من الأفكار الكافية]الصادرة عن عقولنا وحدها[، والتخلص قدر الإمكان من الأفكار غير الكافية، والتي هي تعبير عن تأثر جسمنا بالأجسام الأخرى ]لا شيء يمكن أن يَتقوض إلا بفعل سبب خارجي (ب3، ق4) [. بمعنى آخر، فإننا بحاجة لتقليل اتكالنا على الحواس والخيال، نظرًا لأن حياة مُعتمِدة على الحس والخيال، هي حياة مَحكومة بالأشياء المحيطة بها. وإنما علينا الاعتماد على ملكاتنا العقلية وحدها.

إن غريزة السعي لحفظ الكيان؛ المَدعوّة لدى البشر بالإرادة voluntas أو الشهوة appetitus، تَدفعنا بشكل طبيعي لمطاردة تلك الأشياء التي نعتقد بفائدتها في زيادة قدرتنا على الفعل، واجتناب أو الهرب من الأشياء التي نعتقد بأنها سوف تؤذينا بأن تُقلل من قدرتنا على الفعل. ]يَعتبر باروخ سبينوزا أن الشهوة appetitus أو الرغبة cupiditas هما وجهان لماهية الإنسان بالذات، وأن الرغبة ليست سوى الشهوة يُصاحبها وعي الشخص بها [. تلك هي القاعدة التي يُقسّم على أساسها باروخ سبينوزا الانفعالات البشرية ]إلى 3 انفعالات رئيسية هي الفرح والحزن والرغبة[. على سبيل المثال، فإن الفرح Laetitiae) وتترجم أحيانًا باللذة) هو ببساطة الانفعال الذي تنتقل به النفس إلى كمال]حالة[ أعظم” (ب3، ق11، ح). وعندما تكون علة الفرح خارج ذواتنا، يكون الفرح نَزعة. وفي المقابل، فإن الحزن (Tristitiae وُتترجم أيضًا الألم) هو الانفعال الذي تتنقل به النفس إلى حالة أقل، وعندما تقع علة الحزن خارجنا، يكون الحزن نزعة.

إن الحُب ببساطة هو فرحة Laetitiae يصحبها إدراك واعي (فكرة) للعِلة الخارجية التي تسببت في انتقالنا لحالة أفضل. ]على سبيل المثال: قد تكون هذه العِلة لوحة جميلة، جَعلتك رؤيتها في حالة أفضل، وأنت مُدرك لأنها سبب ذلك، وهكذا تشعر بحُب تلك اللوحة[  أمّا الكراهية، فليست سوى “الحزن  Tristitiae يصحبه إدراك واعي للعِلة الخارجية التي تسببت في انتقالنا لحالة أقل”. ] قد تكون هذه العِلة رائحة سيئة انتقلتَ بشمها لحالة أسوء، وأنت مُدرك لأنها سبب ذلك، وهكذا تشعر بكره تلك الرائحة[. ومن ثم يكون الأمل ببساطة “فرحًا مُتذبذبًا نابعًا من تَخيّل صورة شيء في الماضي أو المستقبل لا زلنا نشك في حدوثه من عدمه”. فنحن نأمل في الأشياء التي برغم أن حضورها غير مؤكد بعد، سوف تمنحنا الفرحة. في حين نيأس من الأشياء التي برغم أن حضورها غير مؤكد بعد، سوف تمنحنا الحزن.  وعندما يتحول هذا الشيء من مُمكن الحدوث إلى حادثٍ بالفعل، يَتحول الأمل إلى انشراح، واليأس إلى حَسرة.  ] يُسمي باروخ سبينوزا الفرح المتعلق بالنفس والجسم معًا دغدغة titillio و بهجة hilaritas، أمّا الحزن المتعلق بالنفس والجسم معًا فيُسميه الأسى dolor و الكآبة melancholia. وكل من الدغدغة والأسى يتعلقان بالإنسان حين تتأثر بعض أجزائه أكثر من غيرها، والبهجة والكآبة حين تتأثر كل أجزائه على حد السواء. وعلى مدار الباب الثاني يُقدِم باروخ سبينوزا شرحًا تفصيليًا للآليات والاستجابات السيكولوجية التي تَحكم الذات البشرية، وبنهايته يضع قائمة تفصيلية مُبهرة تحتوي تعريفات وشروحًا ل48 انفعالًا جامعًا للعواطف البشرية [

إن جميع الانفعالات البشرية، طالما أنها مُوجَهة بقُدرة خارجية. تُعد نزعات. وطالما كنا مدفوعين بنزعاتنا ورغباتنا، فإننا نسعى إلى أو نتجنب الأشياء التي نعتقد بكونها تُسبب لنا الفرح أو الحزن. وتتأرجح مستويات أملنا ويأسنا قياسًا على الدرجة التي تكون بها موضوعات رغبتنا أو هروبنا: بعيدة، أو قريبة. حتمية، أو ممكنة، أو مستحيلة. لكن بما أن موضوعات نزعتنا، تقع خارجنا، فإنها خارجة عن سيطرتنا. وبالتالي، كلما خضعنا لسلطتها علينا، كلما صِرنا أقل فاعلية وحرية. والمُحصلة هي حياة مُثيرة للشفقة غارقة في النزعات، ومُطاردَة أو تَجنّب موضوعاتها العابرة والمُتقلّبة. “ومدفوعين بالعلل الخارجية التي تتقاذفنا، نكون كأمواج البحر التي تتقاذفها الرياح المتعارضة، جاهلين بمصائرنا ومآلاتنا” (ب2، ق59، ح). يكشف عنوان الباب الرابع بوضوح، عن تقييم باروخ سبينوزا لمثل هذه الحياة “في عبودية الإنسان، أو في قوى الانفعالات“. حيث يُعرّف العبودية بأنها “نقص قدرة الإنسان على كبح وتهدئة انفعالاته. والإنسان الخاضع لانفعالاته، لا يكون سَيد نفسه، بقدر ما يكون عبدًا لسلطة الحظ، ورغم أنه كثيرًا ما يرى الأفضل لنفسه، فإنه ينقاد نحو الأسوأ”. إنها كما يضيف باروخ سبينوزا” آفة في النفس” أن يعاني المرء جراء حبه لشيء “عُرضة للكثير من التقلبات، والذي يَستحيل أن يمتلكه كليًا.”

 

2.5 الفضيلة والسعادة

هنالك حل قديم لتلك المعضلة. فنظرًا لعجزنا عن السيطرة على الموضوعات التي نَنزع إلى تثمينها ونخضع لتأثيرها على كياننا. فإن علينا بالمقابل أن نتدرب على التحكم في تقييمنا لها ]انبهارنا بها[، وبالتالي، الحد من سطوة الموضوعات الخارجية علينا. أبدًا، لن نستطيع محو انفعالاتنا السلبية كليًا، وذلك لأننا جزء من الطبيعة، ولا يُمكننا عزل أنفسنا كُليًا عن السلسلة السببية التي تربطنا بالموجودات الأخرى. لكن ما زال بمقدورنا تحييد النزعات، والتحكم بها، وتحقيق درجة معينة من الارتياح من اضطراباتها. ووسيلة ذلك هي الفضيلة.

إن باروخ سبينوزا أنَويّ egoist سيكولوجيًا وأخلاقيًا. فبالنسبة له، تسعى جميع الكائنات لتحقيق خيرها الخاص، أي حفظ كيانها، ومن المُحبذ أن تفعل ذلك. لأن هذا بالضبط ما يؤسس للفضيلة. فنظرًا لأننا كائنات عاقلة، وُهبِت البرهان والفهم، فإن المعرفة هي أعظم خير يُمكن أن نسعى إليه. ولذا، فإن فضيلتنا تتأسس على التعقّل ومعرفة الأفكار الكافية. وأرقى أنواع المعرفة هو الحدس بماهيات الأشياء. وهو النوع الثالث للمعرفة، والذي نُدرك من خلاله الأشياء، لا في حالاتها الزائلة، ولا في تتابعها أو ارتباطاتها بغيرها من الأشياء الجزئية. ولكن من منظور الأبدية sub specie aeternitatis أي مُجردةً من كافة الاعتبارات والشروط الزمنية والمكانية، وفي علاقتها بالله وصفاته. إنها تُلتقَط في صورتها المفهومية conceptual وروابطها السببية بالماهيات العامة (الفكر والامتداد) والقوانين العامة للطبيعة.

إننا ننظر إلى الأشياء على أنها فعلية من منظورين، إما بوصفها تُوجَد في زمان ومكان مُحدَدين، وإما بوصفها تقوم في الله وتَنتج عن ضرورة الطبيعة الإلهية. ولكن الأشياء التي نتصورها من هذا المنظور الثاني بوصفها حقيقة، أو واقعة، إنما نتصورها من منظور الأزل، إذ تكون أفكارها متضمنة لماهية الله الأزلية واللامتناهية. (ب5، ق29،ح) ما يعني ببساطة أننا إذ نسعى للمعرفة، فإننا نسعى بالمُحصلة لمعرفة الله. وذلك طالما أننا نتصور أي جسد ككيان ممتد، وأية فكرة ككيان عقلي، وطالما أن كلا من الامتداد والفكر مُجرد صفات لله. ولذا، فإن تصوّرًا ]مفهومًا[كاف سواء لجسم أو لعقل، لابد أن يحتوي على تصور الله. “ينتقل النوع الثالث للمعرفة من الأفكار الكافية لبعض صفات الله إلى الأفكار الكافية عن ماهيات الأشياء، وكلما فهمنا الأشياء بتلك الطريقة، كلما فهمنا الله أكثر” (ب5، ق52، برهان) وهكذا، تكون معرفة الله بمثابة الخير الأعظم والفضيلة الأعظم للنفس.

إن ما نُدركه من خلال المعرفة الحدسية، هو الضرورة الحاكمة لجميع الموجودات. حيث نُدرك بأن جميع الأجسام بجميع ما يطرأ عليها من أحوال؛ تَصدر بالضرورة عن ماهية المادة وعن القوانين العامة للفيزياء؛ كما نُدرك بأن جميع الأفكار، بما في ذلك خصائص الأذهان، تصدر بالضرورة عن ماهية الفكر وقوانينه العامة. هذا الإدراك كفيل بإضعاف سلطة النزعات علينا. فلا نعد آملين في؛ أو خائفين مما سيحدث، كما لا نعود قَلقِين أو جَزِعين حيال ممتلكاتنا. لأننا نرى كل الأشياء سواسية. ولا ننفعل بالأحداث الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية. ]إذ نراها ضرورية الحدوث، بصفتها نتيجة لسلسة من الأسباب، ولا يمكن تغيير هذه النتيجة، إلاّ بالفهم الكافي للآلية التي تعمل وفقًا لها تلك السلسلة، وهكذا يُمكننا التدخل لتعديل هذه السلسلة كي تعمل لصالحنا: بشرط إدراكها أولًا[  ومُحصلة ذلك هي: رباطة الجأش، والسلام الداخلي.

“كُلما تعلقت معرفتنا عن الضرورة بأشياء جزئية، وكلما كان تخيلنا لهذه الأشياء واضحًا ومميزًا، كلما زادت سلطة النفس على الانفعالات، والتجربة تُثبت ذلك، إذ نرى بالفعل أن الحزن على هلاك خير ما، سرعان ما يُخفِف من حدته، إدراك الشخص الحزين أنه لم يكن بمقدوره الاحتفاظ بذلك الخير للأبد. وبالمثل، فإن أحدًا لا يُشفق على الطفل الرضيع لعجزه عن الكلام والمشي والتفكير، ولا لكونه يعيش سنوات لا يعي خلالها ذاته. ]لأننا نعتبر الطفولة أمرًا طبيعيًا وضروريًا[.لكن بفرض أن الطبيعة قضت على معظم الناس بأن يُولدوا راشدين، بينما يُولد هذا الطفل أو ذاك رضيعًا، إذًا لجاز الإشفاق على الأخير، لأنه سوف يُرى كأمر مُناف للطبيعة والضرورة. (ب 5، ق6، ح)

وبالمثل، يُمكن إدراك انفعالاتنا ونزعاتنا بنفس الطريقة، فنمحو سطوتها المفروضة علينا.  إن نظرية باروخ سبينوزا الأخلاقية، رواقية إلى حد كبير. إذ تستدعي عقائد المُفكرين أمثال شيشرون وسينكا:

 “لا نملك السلطة المطلقة لتكييف الموجودات الأخرى لصالحنا. ومع ذلك، فإن علينا أن نحتمل في هدوء تلك الحوادث التي تُعاكِس مُقتضيات مصالحنا، بشرط أن نكون واعين بأننا بَذلنا كل ما بوسعنا، وأن قُدرتنا بلغت مداها في دَفع تلك الحوادث بعيدًا قبل أن تُصيبنا، وبأننا جزء من نظام الطبيعة، ونخضع له. فإذا أدركنا ذلك بوضوح وتميّز، فإن جانبنا العاقل يُصبح راضيًا تمامًا بذلك، وسيسعى للاستمرار راضيًا هكذا. فطالما فَهِمنا أنه لم يحدث إلاّ ما هو ضروري، فإننا سنرضى به مهما كان طالما أنه موافق للضرورة” (ب4، تذييل) 

بالمحصلة، فإن ما يَستبدل نزوعنا إلى “الخيرات” الزائلة، هو ذلك الحب العقلي للخير الأزلي، العصيّ على التغير، والذي يُمكن حيازته بشكل كُليّ ودائم، ذلك الخير هو الله. وهكذا، تُولّد فينا المعرفة الثالثة محبة الله، وهي المحبة الوحيدة المُؤسَسة، لا على الفرح أو النزعة، بل على الغبطة blessedness، ومُستِمدًا هذه الإلماعة من تصور ابن ميمون عن ال يودايمونيا eudaimonia، يُجادِل باروخ سبينوزا بأن الحب العقلي لله هو مُحصلة فهمنا للكون، وهو فضيلتنا، وسعادتنا، ورخائنا، و”خلاصنا”. بالإضافة إلى أن فيه حريتنا، واستقلاليتنا، وذلك إذ نُقارِب الحالة حيث تكون جميع الحوادث الحاصلة لنا نابعة من طبيعتنا وحدها (بوصفها حالًا mode قائمة ومَحدودةً بإحدى صفات الله ) وليس كنتيجة للكيفيات التي تؤثر بها الموجودات الأخرى علينا. إن “الإنسان الحر” لدى باروخ سبينوزا هو مَن يَستقبل مَحاسن ومَساوئ القدر على السواء، ويفعل الأشياء التي يَعتقِد بأنها “الأكثر أهمية في الحياة”. وهو أيضًا، بالرغم من تلك الأنويّة الجذرية  fundamental egoism، من يَسلك تجاه الآخرين بطريقة “أخلاقية”، بل “غيرية” altruistic. إنه يرعى رخاء غيره من البشر، ونُموهم الفعّال. وهو يفعل ما بوسعه انطلاقًا من خيريّة عقلانية rational benevolence (وذلك بخلاف الرثاء أو غيره من النزعات) وذلك حتى يطمئن على تحررهم من الاضطرابات عبر الفهم، فيصيروا مثله (وهكذا، يصيرون أكثر نفعًا حتى له). علاوة على ذلك، فإن الإنسان الحر لا يقلق حيال الموت، كما لا يأمل في الخلود، أو أية مكافآت أخروية أو عقوبات أبدية، إذ يعرف أن النفس ]بوصفها حالًا من الأحوال اللامتناهية للجوهر الواحد[ ليست خالدةً بأي معنى شخصي، ولكنها محتومة بشكل واحد يقيني للخلود ]الخلود في الله [. وأنه كلما احتوى العقل أفكارًا كافية حقيقية (أي خالدة)، كلما خَلَد من النفس جزء أكبر (كأفكار داخل الفكر اللانهائي الذي هو الله) بعد فناء الجسد صحبة ذلك الجزء من النفس الذي يُلازِم ديمومة الجسد. وهذا الفهم لمَوضِع الإنسان في الخريطة الطبيعية للموجودات، كفيل بأن يحقق للمرء سلامًا داخليًا كافيًا. 

هنالك عدد من النتائج الاجتماعية والسياسية المترتبة على أطروحات باروخ سبينوزا الأخلاقية عن الفعل والرخاء والإنسانيين. فنظرًا لكون الخِلاف والتنازع عواقب دائمة لنزعاتنا المتباينة. فإن الأفراد “الأحرار” (الذين يتشاركون نفس الطبيعة ويتصرفون وفقًا لنفس المبادئ) سوف يُشكّلون من تلقاء نفسهم وبصورة طبيعية: مجتمعًا متناغمًا. “بقدر ما تتنازع الانفعالات البشر، فسوف يُناوىء بعضهم بعضًا… لكن بقدر ما يعيشون وفق هداية العقل، فلابد من أنهم سيتفقون على الأشياء التي تُشكّل خيرًا للطبيعة الإنسانية بالضرورة، وهي نفس الأشياء التي توافق طبيعة كل فرد منهم على حدا. ومن ثم، فإنهم بهداية العقل، سيتوافقون دائمًا فيما بينهم.” (ب4، ق34-35)

إن أناسًا أحرارًا سيتبادلون المساعدة والنفع ]سوف يجد الناس…أن بوسعهم أن يفوا بحاجاتهم بسهولة أكبر متى تعاونوا وتبادلوا المساعدة وأن الوسيلة الوحيدة للنجاة من الأخطار المُحيطة بهم من كل جانب هي توحيد قُواهم (ب4، ق35ح) [ مثلما سيتسامحون مع آراء وعثرات الآخرين. ومع ذلك، فنظرًا لأن البشر في العموم لا يعيشون وفقًا لهُدى عقولهم. تصبح الدولة أو السيادة أمرًا مرغوبًا حتى تكفل للأفراد (عبر القوة لا العقل) الحماية من جموح الآخرين غير المُقيَّد في سعيهم وراء مصالحهم.  إن التحوّل من حالة الطبيعة؛ حيث يُطارِد كل فرد مصلحته الخاصة دون قيد، إلى حالة المدنيّة، يعني التخليّ عن ثُلة مُحددة من الحقوق الطبيعية ( كحق المرء في الثأر لنفسه، والفصل في الخير والشر)  وتوظيف مُوكلي السلطة المركزية. فطالما كان البشر مُنقادين بنزعاتهم، تظل الدولة ضرورية لضمان “حياة متناغمة، حيث يعاون أحدهم الآخر”.

 

  1. رسالة لاهوتية فلسفية

إن الغاية المُعلنة للرسالة اللاهوتية-الفلسفية (سنرمز لها ب TTP) والتي نالت تقبيحًا صارخًا في عصرها، هو البرهنة على أن حرية التفلسف لا تضر بالصَلاح وسلامة الدولة، بل أن سلامة الدولة والصَلاح يُصبحان في خطر إذا ما قُمعِت تلك الحرية. أمّا غاية باروخ سبينوزا القصوى فهي تعرية حقائق الدين والنص المُقدس، وبالتالي، تحييد القوة السياسية التي تُمارسها السلطات الدينية في الدول الحديثة. كما أنه يُدافع عن (على الأقل كمثال سياسي) الدولة الديمقراطية، العلمانية، والمتسامحة.

3.1 حول الدين والنص المقدس

يبدأ باروخ سبينوزا الرسالة بتنبيه قرائه، من خلال أحد أشكال “التاريخ الطبيعي للدين” إلى المعتقدات الخرافية والسلوكيات التي ينميها داخلهم رجال الدين عبر التلاعب بعواطفهم.  إن إنسانًا مُقادًا بواسطة الأمل والخوف، بصفتها النزعات الأساسية لحياة مُكرّسة لمطاردة الخيرات الزائلة، يتبنى سلوكيات مفتعلة لتأمين رغباته في مواجهة تقلبات القدر. ولذا، تراه يُصلّي، ويتعبد، ويُقدِم العطايا والتضحيات، ويَنخرط في جميع أشكال طقوس الديانة الشعبية. ونظرًا لأن النزعات-الرغبات عابرة تمامًا كالأشياء التي ينزع إليها. فإن الخرافات المؤسسة عليها تظل عُرضة للتقلبات.  ولذا، يبذل رجال الدين الطموحين والانتهازيين كل ما بوسعهم للحفاظ على هذه الحالة ]من الاحتياج والقلق الدائمين حيال موضوعات الرغبة[، والاعتقادات والسلوكيات المُرتبطة بها. “إن جهودًا هائلة قد بُذلِت في تغليف الدين، بتلك الأُبهة والطقوس، التي من شأنها استيعاب أية صدمة، و التي يُمكنها دائمًا، استحضار أعمق أشكال الخشوع في نفوس مُمارسيها” (TTP ، المقدمة). وفي العموم، يَستغل الزعماء الدينيون السلطة المدنية، لتهديد وعقاب كل الانحرافات عن الأرثوذكسية اللاهوتية بوصفها “فتنة”. والمُحصلة هي دولة دينية بلا أسس عقلانية، حيث التقديس الخالص “للكهنوت الديني”، بما تتضمنه من نفاق وخرافات، وليس عبادة حقيقة لله.

 وعلاج تلك الحالة، كما يعتقد باروخ سبينوزا، هو فحص الكتاب المُقدس مُجددًا، لاستخراج عقائد “الإيمان الحقيقي”. وعندئذ فقط، يُمكننا تعيين ما نحتاجه بالضبط حتى نُظهر احترامًا حقيقيًا لله، وحتى نحظى بالغبطة الإلهية. والذي من شأنه إضعاف هيمنة السلطات الدينية على حيواتنا العاطفية، والجسدية، والعقلية، وأيضًا على إقامة علاقة سوية ومُلائمة بين الدولة والدين. إن تحليلًا عميقًا للكتاب المقدس، مُهم بالذات في الدفاع عن أن حرية التفلسف (وخاصة، حرية الفكر والتعبير) ليست مُنافية للصلاح. فإذا تمكنّا من البرهنة على أن النص المُقدس ليس مصدرًا ل”الحقيقة الطبيعية”، بل هو ناقل لرسالة أخلاقية غاية في البساطة هي “أَحِب جارك”، عندها سيدرك الناس أن “الإيمان شيء والفلسفة شيء آخر”.  يَهدف باروخ سبينوزا للبرهنة على أن القُدسية تكمن في الرسالة الأخلاقية وحدها، وليس في محتوى أو تاريخ الكتاب المقدس نفسه، والذي يظل مُجرد وثيقة بشرية. يُعلِم الكتاب المقدس “الطاعة” لا المعرفة. ومن ثم، فإن كلا من الفلسفة والدين، والعقل والإيمان، يحتلاّن مجالان حصريان ومنفصلان تمامًا، حيث لا ينبغي لأحدهما السير داخل حدود الآخر.

ومن ثم، يُمكن ضمان حرية التفلسف والبحث، دون الإضرار بالإيمان. وفي واقع الأمر، تظل هذه الحرية جوهرية لأجل ضمان الصلاح والسلام العام، وذلك لأن معظم الاضطرابات الأهلية مصدرها النزاعات الطائفية. إن الخطر الحقيقي على الجمهورية، يُمثله أولئك الذين يَعبدون بضع كلمات منقوشة على ورق بدلًا من الله.

“وقد يُعتَرض عليّ بالقول؛ أنه بالرغم من كون القانون الإلهي مَسطورًا في القلوب، فإنه هذا لا يمنع من أن يظل الكتاب كلام الله، ومن ثم فلا يحق لأحد القول بأنه مُشوَّه أو مُلوَّث بالعيوب، تمامًا كما لا يحق لأحد أن يقول ذلك عن كلام الله بوصفه كذلك. ولكنّي على النقيض من ذلك، أقول بأن هذا الصنف من المعترضين، يُحمّلِون إيمانهم فوق طاقته بتحويلهم الدين إلى خرافة، فيتدرجون من عبادة كلمات الله إلى عبادة الأشكال والصور، أو عبادة حبر على ورق” (TTP، باب 12)

تكشف القراءة الحصيفة والمُدققة للكتاب المُقدس، عدة أشياء بوضوح. وهي؛ أولًا: أنه ليس لدى الأنبياء مواهب معرفية استثنائية (فلم يكونوا مُفكرين موهوبين بالفطرة)، بل كانوا ببساطة، أفرادًا أتقياء؛ بل متفوقين أخلاقيًا، وُهبوِا مُخيلات قوية. فكان باستطاعتهم استبصار إلهامات الرب عبر مَلكَاتهم التخيّلية، في هيئة كلمات أو مظاهر حِسّية. وهذا ما سمح لهم بالقبض على ما يقع وراء حدود العقل. ولذا، فقد اختلف محتوى النبوة حسب التكوين النفس-جسماني، وقُدرات المُخيلة، والآراء والانحيازات المُسبقة الخاصة بكل نبي.  وبينما تَجد النبوة مصدرها في قدرة الله (وهي لا تختلف في هذا الصدد عن أي حادثة طبيعية أخرى؛ بحسب ميتافيزيقا باروخ سبينوزا)، فإنها لا تُقدّم أي معرفة استثنائية، سواء عن الظواهر الطبيعية، أو الروحية. وليس من الواجب الثقة بالأنبياء، حين يتعلق الأمر بالمعرفة، كمسائل الفلسفة، أو التاريخ، أو العلوم، فحديثهم ليس معيارًا لما يجب علينا اعتماده في تلك المسائل، ومجالها العقل.

يُقدِم باروخ سبينوزا مُخططًا استرجاعيًا لاصطفاء الرب بني إسرائيل على العالمين، أو “هِبتهم”. إنه لسلوك “صبياني” (كما يُصر باروخ سبينوزا) أن يؤسس المرء سعادته على الإحساس بأنه أسمى من الآخرين. وإذا كان الله قد اصطفى اليهود الأوائل من العالمين. فإنهم، كما يؤكد باروخ سبينوزا، لم يَفوقوا غيرهم من الأمم سواء في الحكمة أو القُرب من الله، ولم يمتازوا على غيرهم لا في الأخلاق ولا في الذهن. وإنما كان “اصطفاءهم” مُتعلقًا بالنظام الاجتماعي وحسن الحظ السياسي الذي جلب لهم دولة وحَفظها سنين طويلة. لقد أقرّ لهم الله (أو الطبيعة) مجموعة من القوانين التي التزموا بها، وكنتيجة طبيعية لذلك، استمر مجتمعهم المُنظَم جيدًا وحكومتهم المستقلة لفترة طويلة من الزمن. ومن ثم، فقد كان اصطفاءً مؤقتًا ومشروطًا، والدليل أن مملكتهم انتهت منذ زمن بعيد. وهكذا “ليس لدى اليهود في الوقت الحاضر ما يدّعونه لأنفسهم فوق الأمم الأخرى” (TTP، باب 3)، وبذلك، يرَفض باروخ سبينوزا تلك الخصوصية التي أصر كثيرون على جوهريتها لليهودية (ومنهم حاخامات أمستردام السفادريم المُعاصرين له). مُؤكِدًا في المقابل على كونية الصلاح والنعمة، وعلى أن بمقدور جميع البشر إدراكهما وحيازتهما، بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية.

 أحد مُرتكزات تحليل باروخ سبينوزا لليهودية (والقابلة للتطبيق على أي ديانة أخرى)، هو الفصل بين الناموس الإلهي وبين الشريعة. إذ يقتضي الناموس معرفة ومحبة الله فحسب، وإتيان الأفعال التي تخدم هذه الغاية. محبته لذِاته، لا خوفًا من عقابه ولا طمعًا في مكافآته. فالناموس لا يفترض الالتزام بأية طقوس أو شعائر شَكلية؛ كتقديم الأضاحي أو الامتناع عن أطعمة مُعينة. فلا شأن للقواعد الستمائة وثلاثين للتوراة بتحقيق النعمة أو الفضيلة. فقد وُجهِت بالأساس إلى العبرانيين، بوصفها دستور حُكم لدولتهم المُستقلة. وقد ساهمت تلك القواعد في استمرار مملكتهم وضمان ازدهارها، فظلت سارية بسريان ذلك الكيان السياسي. ولم تكن مُلزِمة لليهود في جميع الأحوال. والواقع، أن موسى قد صاغها وفقًا لاعتبارات عقلية وعملية ]سياسية[خالصة: حتى يؤدي أفراد الشعب واجباتهم، ولا يسلك كل فرد بحسب مزاجه]فيختل الكيان السياسي [. ويَنطبق ذلك لا على الشعائر والطقوس اليهودية فحسب، ولكن على شعائر كل ديانة أخرى. فلا شأن لأي من تلك النشاطات بالتقوى أو السعادة الحقيقية. وإنما هي مُجرد وسيلة لتنظيم الشعب بغرض تثبيت نظام اجتماعي مُعين.

تَخدِم المُعجزات غاية عملية مُشابهة. فقد صِيغت لغة الكتاب المقدس بهدف التأثير على مُخيلة العامة، وضمان امتثالهم ]ببث الخشوع فيهم[ لا بغرض استشفاف الحقائق والعلل الطبيعية للحوادث. فقد حاول مُؤلفوها سرد الأحداث بطريقة تهدف إلى إثارة حماس الجمهور (خاصة غير المُثقفين منهم) تجاه العبادة. “إذا وَصَف الكُتاب المُقدس سقوط امبراطورية ما، بنفس أسلوب المؤرخين السياسيين، فلن يَهز في العامة شعرة” ( TTP، باب 6 ) بعبارة أدق، فإن المعجزات (بوصفها انحرافات في مسار الطبيعة يَخلقها الرب) مستحيلة. فكل حدث، مهما بدا استثنائيًا، له عِلة وتفسير طبيعيين. “لا حدث في الطبيعة يُناقِض قوانينها” (TTP، باب 6) هذه نتيجة منطقية لميتافيزيقا باروخ سبينوزا. فالمعجزات كما تُفهَم غالبًا تتطلب فصلًا بين الله والطبيعة، هو يَرفضه، إن للطبيعة نظامًا صارمًا لا يُمكن انتهاكه. وطالما أن سلسلة الأحداث الطبيعية صادرة بالضرورة عن ماهية الله، فإنه تُوجَد “معجزات” أي أحداث لا زلنا جاهلين بأسبابها الطبيعية، ولذا، فإننا ننسبها إلى إله خارق للطبيعة. ]الله ظَل كما هو في جميع العصور التي نعرفها والتي نجهلها، وقوانين الطبيعة تامة وخصبة إلى حد لا يمكن معه إضافة شيء إليها أو استثناء شيء منها (TTP، ب 6) [  والقول بإله خارق للطبيعة ]أي ل طبيعتهقوانينه الضرورية هو بالذات[ هو” أشرس أعداء المعرفة الصحيحة والفضيلة الحقة”.

عبر تفسيره النبوة بخصوبة الخيال، والاصطفاء اليهودي بالمُوائمة السياسية، والشريعة بأحد أشكال النفعية السياسية والاجتماعية، والمُعجزات بجهل آليات السببية الضرورية للطبيعة.  فإن باروخ سبينوزا يُطبعن naturalizes (وبالضرورة، ينتزع غموض) بعض العناصر الرئيسية في اليهودية والديانات الأخرى، مُقوِضًا أسس الشعائر الخُرافية والشكلية الخاصة بها. وبذلك، فإنه يختصر العقيدة الأساسية للتقوى إلى علاقة بسيطة وكونية، طبيعية في جوهرها، تنطوي على الحب والمعرفة.  وتُحقِق عملية الطبعنة تلك ذروتها المُذهلة؛ عندما يُناقش باروخ سبينوزا كلا من سلطة وتفسير الكتاب المقدس.  فأطروحاته حول الأخير، هي أكثر أطروحات الرسالة راديكالية دون شك، وهي التي تفسر الهجوم الشرس من قبل مُعاصريه.  لقد اقترح آخرون قبل باروخ سبينوزا، ألّا يكون موسى هو من ألّف كامل التناخ ]الكتاب المُقدس اليهودي ويتكون من 3 أجزاء: توراة، نيبايم، وكتوبيم[، منهم على سبيل المثال: إبراهيم بن عزرا في القرن 12، وتوماس هوبز في القرن 17. لكن لم يسبقه أحد في توسيع الاقتراح لأقصى مداه، والمجادلة بمثل تلك الجرأة وذلك التفصيل. وكذلك لم يَسبقه أحد في توظيف استنتاجات نفس المقترح في تأطير الكتاب المقدس، وتفسيره واستخراج مدلولاته.

أنكر باروخ سبينوزا أن يكون موسى قد ألّف التناخ بأكمله، أو حتى معظم التوراة ]الأسفار الخمسة الأولى والمعروفة بأسفار موسى[. فالإشارات إلى موسى عبر التناخ، مُصاغة من منظور الشخص الثالث ]بصيغة الغائب[ كما أن رواية الأحداث التالية لوفاته؛ وأسماء الأماكن الُمخالِفة لما كانت عليه أثناء حياته “تُظهِر بوضوح دون طيفٍ لشك” أن الأسفار المعروفة عمومًا ب”أسفار موسى الخمسة” كتبها أحد الذين عاشوا بعد موسى بأجيال. من المُرجّح أن موسى قد ألّف بعض الكُتب في التاريخ والقانون، وأن آثارًا منها موجودة قد تُوجَد في التناخ. أمّا التوراة التي نعرفها، وكغيرها من أسفار الكتاب الأخرى التي نعرفها(مثل يوشع، والقضاة، وصموئيل، والملوك) قد كتبها أفراد آخرون. وقد رَجّح باروخ سبينوزا أن تكون جميعها قد أُلِفت ]أو جُمّعت[ بواسطة مُؤرِخ واحد عاش عقب أجيال كثيرة من الأحداث الواردة في النص، وأن ذلك المؤلف على الأرجح هو عزرا الكاتب. Ezra the Scribe وهو ذلك الزعيم من حقبة ما بعد الأسر البابلي، والذي شَرع في نسج الكتابات المُتاحة بمتناول يده داخل سردية واحدة (لكنها غير مُتسقة). وأن روايته قد استُكمِلت ودُعّمِت عقب وفاته بواسطة مُحررين آخرين. وبالتالي، فإننا لا نملك غير تصنيف، علاوة على كونه تصنيفًا مُتضاربًا، وعشوائيًا، و”مُحرّفًا”.

أمّا أسفار الأنبياء ]نيبايم[ فقد وُضعِت لاحقًا، حيث صُنِفت (أو “رُصت” معًا بحسب باروخ سبينوزا) بواسطة راوي أو كاتب، في أواخر حقبة الهيكل الثاني. وقد صُبِغ الكتاب ككل بالقداسة فقط بحلول القرن الثاني قبل الميلاد، حينما صَدَّق الفريسيون على عدد من النصوص دون كثرة من النصوص الأخرى. ولِكونها عملية تاريخية، تنطوي على تناقل نصوص بشرية على مدار فترة طويلة من الزمن، وعبر عدد من الكتبة والرواة، ونظرًا لأن قرار تضمين بعض النصوص واستبعاد أخرى قد صنعه بشر ليسوا مُنزّهين عن الخطأ، تتوافر مبررات الاعتقاد بفساد قسط مهم من “العهد القديم”.  وبينما لم يُعدَ إنكار تأليف موسى التوراة بأكملها اختراعًا جديدًا في عام 1670، فإن أكثر أطروحات باروخ سبينوزا راديكالية، كانت الجدال بأهمية هذه الحقيقة بالنسبة لتفسير وقراءة الكتاب المقدس. لقد كان جَزعًا من ظاهرة تقديس الكتاب لذاته، ومن تبجيل الكلمات المنقوشة على صفحاته أكثر من مضمون الرسالة التي يحتويها. فطالما أن الكتاب المُقدس هو وثيقة تاريخية (أي طبيعية)، فلابد أن يُدرس كأية وثيقة طبيعية أخرى. ومن ثم، فلابد من أن تشتغل هيرمينوطيقا الكتاب المقدس: كأي علم طبيعي آخر، بجمع وتفنيد المُعطيات الإمبريقية، أي بفحص “الكتاب” ذاته (بالإضافة للظروف السياقية المُحيطة بتأليفه) بالمقارنة مع مبادئه العامة.

“إن منهج تفسير الكتاب المُقدس لا يختلف عن منهج تفسير الطبيعة، بل يتفق معه من كل النواحي. فكما أن منهج تفسير الطبيعة يقوم أساسًا على المُلاحظة الدقيقة لها، بجمع معطياتها اليقينية، واستخلاص تعريفات الظواهر الطبيعية منها.   فكذلك يتحتم علينا عند تفسير الكتاب المُقدس، أن نَدرسه كمصدر للمُعطيات، فَنُدقق مصطلحاته، ونُحقِق معرفة تاريخية مضبوطة به، ثم نَخلُص عبر الاستنتاج المنطقي إلى مَقاصد مُؤلفيه. وهكذا، يُمكِن تحقيق تقدم مُطرَد في دراسته دون تهديد الوقوع في خطأ، كما يستطيع المرء إحراز فهم على نفس درجة يقيننا في المسائل التي نعرفها بواسطة النور الطبيعي للعقل” (TTP ب7)

فكما أن معرفة الطبيعة تُشتَق من الطبيعة وحدها، فلابد أن تُشتَق معرفة النص المُقدس (مُقاربة مقاصد مُؤلفيه) من النص وحده، عبر الاستعمال الصحيح للتحقيق العقلاني.

وحينما يُفسَّر الكتاب المقدس بطريقة مُلائمة، عندئذ تَظهر الرسالة الكونية التي يحملها ببساطة وجلاء: “تُحب الرب بقلبك وعقلك، وتُحب جارك كنفسك”. تلك هي كلمة الله الحقّة وأساس التقوى، والتي ظَلت بمنأى عن اختلال وزور وفساد النص. فلا تتضمن هذه الوصية أية عقائد ميتافيزيقية عن الله أو الطبيعة، ولا تَشترط أي تدريب فلسفي مُعقد لاستيعابها. فليست غاية الكتاب نقل المعرفة، لكن فرض الطاعة، وتنظيم سلوكنا. “لا تحتوي دعاوى الكتاب المُقدس أي تَفكّر أو تعقّل فلسفي مُعقد، بل أمورًا في غاية البساطة، تفهمها أكثر العقول بلادة” (TTP، ب13). إلى هذا الحد (إليه فقط) يُساهِم الكتاب المقدس في تنوير وإلهام قرائه لاتباع كلمة الرب ومُعاملة الآخرين بإحسان وعدل، أي بما هو إلهي حقًا. يَدّعي باروخ سبينوزا أن معرفة الكتاب المُقدس ليست ضرورية سواء للصلاح أو الغبطة، لأنه بمقدورنا تحقيق ذلك عبر ملكاتنا العقلية وحدها، ومع أن ذلك صعب على غالبية الناس. “إن شخصًا غير مُطّلع على تلك الكتابات، يَعرِف بالنور الطبيعي أن ثمة إلهًا بتلك الصفات التي ذكرناها، ويتبع مسارًا صالحًا، هو في نعمة تامة.”

]”لمّا كان الناموس الإلهي الطبيعي يُعرَف بتأمل الطبيعة البشرية وحدها، فمن المُؤكد أن بمقدورنا رؤيته في آدم أو في أي إنسان آخر، سواء كان يعيش بين الناس، أو يعيش منعزلًا، ولا تستطيع الروايات التاريخية، حتى ولو كانت تنطوي على يقين، أن تَمنحنا معرفة الله، وبالتالي لا تستطيع أن تمنحنا محبته، إذ تنشأ محبتنا لله من معرفته، ومعرفة الله تنشأ من أفكار هي بالضرورة مُشتركة، وكافية بذاتها.” (TTP، ب 4)[

ويَلزم عن ذلك أن الوصايا العملية الوحيدة المُوافقة لصحيح الدين، هي الوصايا الضرورية لضمان الوصية الأخلاقية “تثبيت محبة الجار في قلوبنا”. وبالتالي” على الإيمان الكاثوليكي أن يَحتضن المعتقدات التي يتطلبها الإخلاص لله، والتي من دونها يُصبح مثل هذا الإخلاص مُستحيلًا… ويجب أن تصبو جميع هذه المعتقدات إلى تلك الغاية فحسب: الإيمان بإله مُحِب للإحسان والعدل، والذي يُبغَى الإخلاص له لنيل الخلاص، ذلك الإخلاص المتمثل في ممارسة الإحسان والعدل.” (TTP، ف 14) أمّا بالنسبة لغير ذلك من المعتقدات “فإن من حق كل فرد اعتناق ما يختار لنفسه، ما دامت تُنمّي محبة العدل داخله”.

ذلك جوهر دفاع باروخ سبينوزا عن التسامح، وعن حرية التفلسف والاعتقاد. وباختصاره الرسالة المركزية للكتاب المقدس (ومحتواها الجوهري من التقوى) إلى مثال أخلاقي بسيط، مُنزَّه عن أية معتقدات فكرية أو شعائرية؛ وبتخليص النص مِن قيود مَن يعتبرونه تقريرًا لحقائق فلسفية مُعينة أو مُدونة سلوكية. فقد بَرهن باروخ سبينوزا على استقلالية الفلسفة عن الإيمان، مثلما برهن على أن بمقدور كل فرد تفسير النص المُقدس بحرية، دون أن يضر ذلك التقوى في شيء.

 

“أمّا معرفة ما يَكونه الله، مثال الحياة الحقة، فإن كونه نارًا، أو روحًا، أو نورًا، أو فكرًا…إلخ، لا تمس الإيمان في شيء. وكذلك، لا يمس الإيمان تحديد معنى كونه ]أي الله[ مثال الحياة الحقة، أو تعليل ذلك بطبيعته الرحيمة، أو بأننا نرى ونفهم الحق، والعدل، والخير من خلاله. فجميع الأشياء تُوجَد فيه وتفعل من خلاله. ومهما تكن معتقدات المرء في تلك الأمور، فإنها تتساوى في قيمتها. ومن ناحية أخرى، لا يمس الإيمان معرفة ما إذا كان الله عالمًا بالكليّات أم بالجزئيات. أو ما إذا كان يدُبّر العالم بحسب إرادته الحرة، أم بحسب الضرورة الصادرة عن طبيعته. أو ما إذا كان المرء يخضع لقوانين الله باختياره الحر أم بالمشيئة الإلهية. أو ما إذا كان عقاب الأشرار وثواب الأبرار أمورًا طبيعية، أم خارقة للطبيعة. فمهما اختلفت إجابات المرء عن تلك الأسئلة، فإنها لا تمس الإيمان مُطلقًا، بشرط ألّا تكون إجاباته ذريعة للفساد أو أن تُلوّث إخلاصه لله… إن كل فرد مُلزَّم بتهيئة معتقداته الدينية بحسب فهمه الخاص، وأن يُفسرها لنفسه بطريقة تجعله يشعر بأنه مُستعد لاعتناقها عن ثقة وقناعة تامتين” (TTP، ب14) ]يُبرر باروخ سبينوزا ذلك في نفس الفقرة قائلًأ:  “مثلما أُوحي بالإيمان قديمًا، مُصاغًا على قدر فهم الأنبياء والعامة في زمانهم، ومُكيَّفًا مع معتقداتهم، فكذلك يتعين على كل فرد أن يُهيئ الإيمان وفقًا لآرائه، فيعتنقه دون تردد[

فليس الإيمان مِلكًا لصاحب الحجة العقلانية على وجود الله، أو للمُتعمق في الفهم الفلسفي لصفاته، وإنما لذلك “الذي يسلك بالعدل والإحسان”.

 

3.2 الدولة

إن أطروحات باروخ سبينوزا حول الدين، لها مآلات سياسية واضحة. فقد أضمر قراره بالشروع في كتابة الرسالة أجندة شبه–سياسية، مع الأخذ بالاعتبار هجومه ضد تَطفّل السلطات الدينية على السياسة. وعلاوة على ذلك، انتهز باروخ سبينوزا الفرصة للتعمق في نظرية عامة عن الدولة؛ كان قد رَسم خطوطها الرئيسية في الأخلاق. إن فحص الطبيعة الحقيقية للمجتمع السياسي مُهم للغاية في دفاعه عن حرية الفكر والاعتقاد، فقد كان عليه إظهار كيف أن تلك الحرية لا تتوافق مع الصالح العام وحسب، بل أنها جوهرية بالنسبة له.

استنفذَت الأنويّة الفردية للأخلاق نفسها في الإطار ما-قبل السياسي (ما يُدعى ب “حالة الطبيعة”، وهي حالة عامة من غياب القانون، والصواب والخطأ)، وحيث من حق كل فرد فعل ما يشاء كي يحفظ كيانه. “إن كل ما يراه الفرد الخاضع لسطوة الطبيعة وحدها نافعًا، أكان مدفوعًا لذلك بالعقل السليم أم بتأثير انفعالاته، فإن من حقه أن يشتهيه وفقًا لحق طبيعي مُطلق، وأن يسعى لاكتسابه بأية وسيلة، سواء بالقوة، أو الخداع، أو التَضرّع، أو بأية وسيلة أخرى يراها مُناسبة، كما يحق له أن يعد كل من يعوقه عن تحقيق مُراده عدوًا له” (TTP، ب 16) وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه الظروف خطيرة بما فيه الكفاية، حتى يعيش المرء تحتها. أو كما نجد في عبارة هوبز الشهيرة (تَأثَر باروخ سبينوزا كثيرًا بقراءته للمُفكر الإنجليزي) فإن الحياة في حالة الطبيعة “وحيدة، فقيرة، مُقرفة، وحشية، وقصيرة”.

وبصفتنا كائنات عاقلة، سرعان ما ندرك بأنه من الأفضل لنا (من وجهة نظر أنويّة كذلك) الاتفاق على تقييد رغباتنا المتعارضة ومُطارداتنا المفتوحة لمصالحنا الخاصة، وأن مصلحتنا الأعظم تُحتّم علينا العيش تحت قانون العقل، بدلًا من قانون الطبيعة. ومن ثم، فإننا نتفق على التخلي عن حقنا الطبيعي وعن قدرتنا على مطاردة رغباتنا كما يحلو لنا لصالح سلطة سيادية. هذه السلطة، سواء تَمثّلت في فرد (حيث تتخذ الدولة شكل المملكة)، أو في مجموعة صغيرة من الأفراد(أوليغاركية) أو في الجسم السياسي للمجتمع ككل (ديمقراطية)، ستكون مُطلقة القوة. وستتمثل وظيفتها في ضمان توافق جميع أعضاء المجتمع، على الأرجح بتخويفهم من عواقب خرق “العقد الاجتماعي”.

ولا يعني الخضوع لسلطة الدولة، انتهاك استقلاليتنا، طالما أننا ارتضينا بها واخترناها بإرادتنا، وطالما أن أوامرها لا تخدم شيئًا آخر غير مصالحنا الخاصة العقلانية. وحكومة الديمقراطية، هي أقدر الحكومات على ضمان تلك الاستقلالية، وإقرار القوانين على أساس العقل السليم، وخدمة الغايات التي أُسسِت من أجلها. إنها الحكومة “الأكثر موافقة للطبيعة” بين الحكومات المُؤسَسة على العقد الاجتماعي (لأن الناس في الديمقراطية يخضعون فقط للقوانين الصادرة عن إرادة الجسم السياسي) كما أنها أقلهم عُرضة لإساءة استخدام السلطة بصورها المتعددة. وعمليًا، تضمن الديمقراطية أن تكون قرارات السلطة عقلانية، نظرًا لأنه من غير المرجح أن يتفق عدد غفير من الناس على مُخطط غير عقلاني. وفي المقابل، فإن الملكية هي أقل هذه الحكومات استقرارًا، وهي الأكثر عُرضة للتحوّل إلى الاستبداد. 

ونظرًا لأن الممارسات الخارجية للدين ]الاجتماعية أو الشكلية، والواقعة بالضرورة داخل المجال العام[ تتعدى على السلوك والعلاقات المتبادلة بين المواطنين ]من حيث أنهم ذوات مدنية[، فإنها تُدرَج في لائحة “أعمال الدولة”، أي أنها في مجال صلاحيات الدولة، والتي لابد من أن تَفرض هيمنتها على كافة المسائل العامة: الدنيوية والروحية. وتزول الحاجة إلى الكنيسة في حضور الدين المُدار بواسطة الدولة. ومن شأن ذلك، الحد من الطائفية والنزاعات الدينية. ومما يصب في مصلحة الجميع، أن تحتكر الدولة المسائل المُتعلقة بالاحتفالات والشعائر الدينية، طالما أنها (بوصفها ممثل الإرادة العامة) تقوم بواجبها “التعاقدي” والمتمثل في ضمان أن تلك الممارسات تتفق مع السلم والأمان الأهليين، والرفاه الاجتماعي. وهكذا، يكون تحقيق العدل والإحسان، في حاجة إلى سلطة القانون المدني، المدعوم بقوة الدولة.

في المقابل، فإن الهيمنة على “العبادة الداخلية لله” ]أي في المجال الخاص[ والمعتقدات المُصاحبة لها (بمعنى أصح، التقوى الداخلية) فإنها تَخص صاحبها حصرًا. بصفتها حقًا خاصًا، غير قابل للمصادرة، أو التقنين، ولا حتى بواسطة الحاكم. فلا ينبغي لأحد تقييد أو التحكم في أفكار شخص آخر، وتُعَد محاولة الحاكم القيام بذلك، حُمقًا وتدميرًا للجسد السياسي. خاصة مع استحالة السيطرة التامة على خطاب مُعين، نظرًا لأن الناس سيجدون دومًا طريقة لقول ما يريدونه، على الأقل فيما بينهم. “كل فرد هو سَيد أفكاره بناء على حق طبيعي مُطلق، والفشل المُطبق؛ هو مصير أية مُحاولة من جانب الدولة لإجبار الناس على الكلام فقط بحسب ما تُريد منهم، على الرغم من آرائهم المختلفة والمُتعارضة” (TTP، ب 20). ومع ذلك، يُسلّم باروخ سبينوزا بأهمية وجود بعض القيود على الكلام والتعليم، إذ لا يُمكن التسامح مع الخطاب الذي يُحرِض الأفراد على خرق العقد الاجتماعي. والحكومة الفُضلى هي التي ستسمح بحرية التفلسف والاعتقاد الديني. دون شك، ستنتج بعض “المتاعب” عن مثل تلك الحرية الواسعة، لكن محاولة تنظيم كل شيء عبر القانون “أقرب إلى تعزيز الرذائل منها إلى إصلاحها”. وفي الفقرة التي تؤذِن بدفاع جون ستيوارت مل النفعي عن الحرية بعد حوالي قرنين من الزمن، يُضيف باروخ سبينوزا أن “للحرية الأولوية في تعزيز العلوم والفنون، لأن أصحاب الأحكام الحرة وغير المُتحيزة وحدهم، من يمتلكون ناصية تلك الحقول” (TTP، ب20)

من الصعب تصوّر دفاع أكثر حيوية ومنطقية عن الحرية والتسامح، من ذلك الذي يُقدمه باروخ سبينوزا.  


المراجع

أعمال باروخ سبينوزا

Spinoza Opera, edited by Carl Gebhardt, 5 volumes (Heidelberg: Carl Winters, 1925, 1972 [volume 5, 1987]). Abbreviated in SEP entry as G. Note: A new critical edition of Spinoza’s writings is now being prepared by the Groupe de recherches spinoziste; this will eventually replace Gebhardt. As of July 2012, three volumes have appeared: Tractatus Theologico-Politicus, Tractatus Politicus, and Premiers écrits, all published by Presses Universitaires de France.

    Spinoza, Benedictus, The Collected Writings of Spinoza, 2 vols., Edwin Curley, translator (Princeton: Princeton University Press, vol. 1: 1985; vol. 2: 2016). The Ethics is in vol. 1; the Theological Political Treatise is in vol. 2.

    Spinoza, Theological-Political Treatise, Samuel Shirley, translator, second edition (Indianapolis: Hackett Publishing, 2001). Abbreviated in SEP entry as S.

    Spinoza, The Letters, Samuel Shirley, translator (Indianapolis: Hackett Publishing, 1995).

مراجع مُرشحة بالإنجليزية

Note: There is an enormous body of literature on Spinoza in many languages, especially French, Italian, Dutch and German. This is a highly selective list of books in English that are especially helpful for the study of Spinoza’s philosophy in general, as well as for learning more about particular dimensions of his thought. There is also the irregularly published series Studia Spinozana, each volume of which contains essays by scholars devoted to a particular theme.

  • Allison, Henry, 1987. Benedict de Spinoza: An Introduction, New Haven: Yale University Press.
  • Balibar, Etienne, 1998. Spinoza and Politics, London: Verso.
  • Bennett, Jonathan, 1984. A Study of Spinoza’s Ethics, Indianapolis: Hackett Publishing.
  • Curley, Edwin, 1969. Spinoza’s Metaphysics: An Essay in Interpretation, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1988. Behind the Geometric Method, Princeton: Princeton University Press.
  • Della Rocca, Michael, 2008. Spinoza, London and New York: Routledge.
  • Donagan, Alan, 1988. Spinoza, Chicago: University of Chicago Press.
  • Garrett, Don (ed.), 1996. The Cambridge Companion to Spinoza, Cambridge and New York: Cambridge University Press.
  • Goff, Philip (ed.), 2012. Spinoza on Monism, Hampshire and New York: Palgrave Macmillan.
  • Huenemann, Charlie (ed.), 2008. Interpreting Spinoza: Critical Essays, Cambridge: Cambridge University Press.
  • James, Susan, 2012. Spinoza on Philosophy, Religion, and Politics: The Theological-Political Treatise, Oxford: Oxford University Press.
  • Kisner, Matthew J., 2011. Spinoza on Human Freedom: Reason, Autonomy and the Good Life, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kisner, Matthew J. and Andrew Youpa (eds.), 2014. Essays on Spinoza’s Ethical Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Koistinen, Olli (ed.), 2009. The Cambridge Companion to Spinoza’s Ethics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Koistinen, Olli and John Biro (eds.), 2002. Spinoza: Metaphysical Themes, Oxford: Oxford University Press.
  • LeBuffe, Michael, 2010. From Bondage to Freedom: Spinoza on Human Excellence, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2017. Spinoza on Reason, Oxford: Oxford University Press.
  • Lin, Martin, 2019. Being and Reason: An Essay on Spinoza’s Metaphysics, Oxford: Oxford University Press.
  • Lord, Beth, 2010. Spinoza’s Ethics: An Edinburgh Philosophical Guide, Edinburgh: Edinburgh University Press.
  • Marshall, Eugene, 2013. The Spiritual Automaton: Spinoza’s Science of the Mind, Oxford: Oxford University Press.
  • Melamed, Yitzhak, 2013. Spinoza’s Metaphysics: Substance and Thought, Oxford: Oxford University Press.
  • Melamed, Yitzhak and Michael A. Rosenthal (eds.), 2010. Spinoza’s Theological-Political Treatise: A Critical Guide, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Nadler, Steven, 1999 [2018]. Spinoza: A Life, Cambridge and New York: Cambridge University Press; 2nd edition, 2018.
  • –––, 2002. Spinoza’s Heresy, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2006. Spinoza’s Ethics: An Introduction, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2011. A Book Forged in Hell: Spinoza’s Scandalous Treatise and the Birth of the Secular Age, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2020. Think Least of Death: Spinoza on How to Live and How to Die, Princeton: Princeton University Press.
  • Newlands, Sam, 2018. Reconceiving Spinoza, Oxford: Oxford University Press.
  • Popkin, Richard, 2004. Spinoza, Oxford: One World.
  • Preus, J. Samuel, 2001. Spinoza and the Irrelevance of Biblical Authority, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Ravven, Heidi and Leonard E. Goodman (eds.), 2002. Jewish Themes in Spinoza’s Philosophy, Albany, NY: SUNY Press.
  • Renz, Ursula, 2018, The Explainability of Experience: Realism and Subjectivity in Spinoza’s Theory of the Human Mind, Oxford: Oxford University Press.
  • Sangiacomo, Andrea, 2020. Spinoza on Reason, Passions and the Supreme Good, Oxford: Oxford University Press.
  • Smith, Steven B., 1997. Spinoza, Liberalism and the Question of Jewish Identity, New Haven: Yale University Press.
  • –––, 2003. Spinoza’s Book of Life, New Haven: Yale University Press.
  • Van Bunge, Wiep, Henri Krop, Piet Steenbakkers and Jeroen van de Ven (eds.), 2011. The Bloomsbury Companion to Spinoza, London: Bloomsbury.
  • Viljanen, Valtteri, 2011. Spinoza’s Geometry of Power, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Verbeek, Theo, 2003. Spinoza’s Theologico-Political Treatise: Exploring ‘the Will of God’, London: Ashgate.
  • Wolfson, Harry, 1934. The Philosophy of Spinoza, 2 vols., Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Youpa, Andrew, 2020. The Ethics of Joy: Spinoza on the Empowered Life, Oxford: Oxford University Press.
  • Yovel, Yirmiyahu, 1989. Spinoza and Other Heretics, 2 vols., Princeton: Princeton University Press.
  • ––– (ed.), 1991. God and Nature: Spinoza’s Metaphysics, Leiden: Brill.
  • ––– (ed.), 1994. Spinoza on Knowledge and the Human Mind, Leiden: Brill.
  • ––– (ed.), 1999. Desire and Affect: Spinoza as Psychologist, New York: Little Room Press.
  • Yovel, Yirmiyahu and Gideon Segal (eds.), 2004. Spinoza on Reason and the “Free Man”, New York: Little Room Press.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذات صلة

Descartes, René | emotion: 17th and 18th century theories of | Leibniz, Gottfried Wilhelm | Spinoza, Baruch: modal metaphysics | Spinoza, Baruch: physical theory | Spinoza, Baruch: political philosophy | Spinoza, Baruch: psychological theory | Spinoza, Baruch: theory of attributes


[1] Nadler, Steven, “Baruch Spinoza”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2020/entries/spinoza/>.