في هذا الفصل، سأعرضُ أفضل حُجّة أستطيعُ تقديمها لصالح الإلحاد. ولا أدّعي أنّ هذه الحُجّة قاطعةٌ؛ غير أنني أزعمُ أنها أفضلُ حُجّة يمكنُ لأيّ من طرفي النّزاع حول وجود الإله أن يتقدّم بها.

يُنكرُ المُلحدُون (atheists) وجود الآلهة. أمّا المُؤلّهُون (theists) ، فيذهبون إلى أنّ ثمّة إلهًا واحدًا على الأقل. ومعظمُ المُؤلّهين في العصر الحاضر من المُوحّدين (monotheists) ؛ إذ يذهبون إلى أنّه لا يوجد إلا إلهٌ واحد. وكثيرٌ من المُوحّدين، وإن لم يكونوا جميعًا، يدينون بإحدى الديانات التوحيدية ويمارسون شعائرها. وتشمل الدياناتُ التوحيديةُ الأديان الإبراهيمية، وهي اليهودية، والمسيحية، والإسلام، فضلًا عن بعض التقاليد الدينية الشرقية، بما في ذلك بعضُ صور الهندوسية. وكثيرٌ من المُلحدين أيضًا يدينون بأديان غير تأليهية، مثل بعض صور البوذية والطاوية، غير أنّ كثيرًا منهم لا يدينون بأيّ دين، بل إنّ بعضهم يتخذ موقفًا معارضًا بشدة لجميع الأديان.

الكاتبغراهام أوبي
ترجمةوسيم التهامي

حين يتحاورُ المُلحدُون والمُؤلّهُون، يجدون، حتمًا، أنّهم يختلفون في كثير من المسائل، فضلًا عن مسألة وجود الآلهة. وعلاوةً على ذلك، حين يتجادلون حول وجود الآلهة، يجدون، بالضرورة، أنّهم يختلفون في كثير من المسائل المتصلة بهذه القضية. وبطبيعة الحال، لا يقتصرُ هذا الاختلافُ على المُلحدين والمُؤلّهين وحدهم؛ فمن جهة، يختلفُ المُؤلّهُون فيما بينهم حول كثير من المسائل ذات الصلة بوجود الآلهة، ومن جهة أخرى، يختلفُ المُلحدُون فيما بينهم حول كثير من هذه المسائل أيضًا. وإذا أردنا أن نفصل في نزاع بين مُلحد ومُؤلّه بشأن وجود الإله، فلا بدّ أن ننظر في مختلف المسائل التي يختلفان فيها، ممّا له صلةٌ بوجود الآلهة. ويتوقفُ ما إذا كان أحدُهما يتبنّى تصوُّرًا أفضل من الآخر بشأن الآلهة على ما إذا كان يمتلكُ رؤيةً شاملةً أقدر على تفسير جميع الاعتبارات ذات الصلة بوجود الآلهة.

تخيّل أنّنا نختارُ، مرارًا وتكرارًا، وبطريقة عشوائية متساوية الاحتمال، مُلحدًا من بين جميع المُلحدين في العالم، ومُؤلّهًا من بين جميع المُؤلّهين في العالم. ومن غير المعقول، على الإطلاق، أن يكون المُلحدُ، في كلّ مرّة، هو صاحب الرؤية الشاملة الأفضل؛ ومن غير المعقول، بالقدر نفسه، أن يكون المُؤلّهُ، في كلّ مرّة، هو صاحب الرؤية الشاملة الأفضل. ومع أنّ الرؤية الشاملة التي يتبنّاها بعضُ المُؤلّهين قد تكونُ أفضل من تلك التي يتبنّاها بعضُ المُلحدين، فإنني سأدافعُ عن الرأي القائل إنّ أفضل الرؤى الشاملة هي رؤًى إلحادية. وفيما يلي الفكرةُ العامةُ لهذه الحُجّة.

تأمّل الكون الذي نقطُنُه. فهو ساحةٌ زمكانيةٌ شاسعة، يعود تاريخُها إلى نحو 13.8 مليار سنة. وعلى المقاييس الأصغر، يشتملُ على المكوّنات التي تتألّفُ منها جميعُ الأشياء الأخرى في الكون: الفوتونات، والكواركات، والإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات، والذرّات، والجزيئات، والخلايا، وما إلى ذلك. وعلى مقاييس أكبر قليلًا، يشتملُ على الكائنات الحية التي تعمرُ الأرض: الفيروسات، والبكتيريا، والعوالق، والبرمائيات، والحشرات، والأسماك، والطيور، والزواحف، والثدييات، والبشر، وغيرها. وعلى مقاييس أكبر، يشتملُ على الكيانات التي تهمُّ علماء الفلك: كوكب الأرض، ومجموعتنا الشمسية، ومجرّتنا، وعنقودنا المجرّي، وعنقودنا المجرّي الفائق، وما إلى ذلك. ورغم أنّ ثمّة كثيرًا ممّا لا نزالُ نجهلُه، فإنّ علومنا، الطبيعية منها والإنسانية، تُقدّمُ لنا تفسيرًا يزدادُ شمولًا ودقّةً لكوننا وتاريخه.

يرى بعضُ المُلحدين، وهم الطّبيعانيُّون (naturalists)، أنّ كوننا، بمعنًى مهم، هو كلُّ ما يوجد. وعلى وجه الخصوص، يذهبُ الطّبيعانيُّون إلى أنّ جميع الكيانات السّببيّة ذاتُ تكوين طبيعيّ خالص؛ أي إنّها لا تتألّفُ إلا من الكواركات، والإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات، وما إلى ذلك. كما يذهبون إلى أنّ جميع الفاعلين العقلاء ليسوا سوى كائنات حيّة طبيعية خالصة، أو فاعلين عقلاء اصطناعيين يكونون، في نهاية المطاف، نتاج كائنات حيّة طبيعية خالصة. ووفقًا للطّبيعانيّين، لا توجد كياناتٌ فوق طبيعية سبقت الكون وكانت مسؤولةً عن إيجاده، ولا كياناتٌ فوق طبيعية توجد مع الكون وتكون مسؤولةً عن إبقائه موجودًا، ولا كياناتٌ فوق طبيعية تتفاعلُ مع كوننا، مع أنّها تقطنُ، على نحو ما، مجالًا منفصلًا عنه، كما لا يوجد فاعلون عقلاءُ سوى الكائنات الحيّة الطبيعية الخالصة والفاعلين العقلاء الذين هم، في نهاية المطاف، نتاجُ تلك الكائنات الحيّة الطبيعية الخالصة. وعلاوةً على ذلك، يرى الطّبيعانيُّون أنّه لا توجد سوى القوى السّببيّة الطبيعية والقدرات السّببيّة الطبيعية؛ فلا توجد قوى أو قدراتٌ فوق طبيعية تؤثّرُ في كوننا.

يختلفُ المُؤلّهُون في الوجوه التي يفارقون بها الطّبيعانيّة. فبعضُهم يؤمنُ بإله خلق كوننا من العدم (ex nihilo)، وبعضُهم يؤمنُ بإله يُبقي بأفعاله كوننا في الوجود، وبعضُهم يؤمنُ بإله يقطنُ عالمًا أزليًّا لا تربطُه بكوننا أيُّ علاقة زمكانية، وبعضُهم يؤمنُ بإله عاقل وفاعل، ليس كائنًا طبيعيًّا ولا ذكاءً اصطناعيًّا أوجدته كائناتٌ حيّةٌ طبيعية، وبعضُهم يؤمنُ بإله هو قوةٌ فوق طبيعية غيرُ شخصية، أو قوةٌ فوق طبيعية تؤثّرُ في كوننا، وبعضُهم يؤمنُ بأنّ الكون يتصفُ بخاصية غير طبيعية، هي الألوهية، أو بأنّ الألوهية تتخلّلُ الكون. وإلى غير ذلك.

وعلى الرغم من أنّ المُؤلّهين يختلفون في الوجوه التي يفارقون بها الطّبيعانيّة، فإنّ ثمّة سمةً مشتركةً تجمعُ جميع صور هذه المفارقة. ففي كلّ حالة، يفارقُ المُؤلّهُون الطّبيعانيّين باعتقادهم بوجود شيء إضافي: إمّا فاعل عاقل إضافي واحد أو أكثر، أو قوّة أو قدرة إضافية واحدة أو أكثر، أو خاصية غير طبيعية إضافية واحدة أو أكثر يتّصفُ بها الكون.

لنفترض أنّنا نقارنُ بين تصوُّر معيّن للتّأليهيّة وتصوُّر معيّن للطّبيعانيّة. ولنفترض أيضًا أنّ هذين التصوُّرين يشتركان في الاعتقاد بوجود الكيانات الطبيعية، والقدرات الطبيعية، والقوى الطبيعية، والخصائص الطبيعية، والقوانين الطبيعية. ففي هذه الحالة، لا يقتصرُ الأمرُ على أنّ المُؤلّه يعتقدُ بوجود موجودات إضافية لا يعتقدُ الطّبيعانيّ بوجودها، بل إنّ الطّبيعانيّ، في المقابل، لا يعتقدُ بوجود أيّ موجود إضافيّ لا يعتقدُ المُؤلّه بوجوده. فمن منظور الطّبيعانيّ، لا تعدو المعتقداتُ التّأليهيّة أن تكون إضافةً محضة؛ ومن منظور المُؤلّه، لا تعدو المعتقداتُ الطّبيعانيّة أن تكون حذفًا محضًا.

في هذه الحالة، إذا كانت سائرُ الاعتبارات الأخرى متكافئةً، فإنّ ثمّة سببًا واضحًا لتفضيل الطّبيعانيّة على التّأليهيّة. ذلك أنّه، إذا كانت سائرُ الاعتبارات الأخرى متكافئةً، فلا يوجد ما يدعو إلى تبنّي المعتقدات التّأليهيّة الإضافية. وعليه، فإنّ الفصل بين التّأليهيّة والطّبيعانيّة يتوقفُ على تحديد ما إذا كانت سائرُ الاعتبارات الأخرى متكافئةً أم لا.[1]

أيمكن، على سبيل المثال، أن تكون التّأليهيّة متّسقةً منطقيًّا، في حين تكون الطّبيعانيّة متناقضة؟ كلا، بكلّ تأكيد. يمكنُنا أن ننظر إلى الطّبيعانيّة بوصفها تتألّفُ من قضيتين: (1) القضية N، وهي وصفٌ للكون الطبيعي؛ و(2) الدعوى القائلة بأنّ الكون الطبيعيّ هو كلُّ ما يوجد في المجال السّببي. وبالمثل، يمكنُنا أن ننظر إلى التّأليهيّة بوصفها تتألّفُ من ثلاث قضايا: (1) القضية N نفسها التي يلتزمُ بها الطّبيعانيّ؛ و(2) القضية T، وهي وصفٌ للمجال التّأليهي؛ و(3) الدعوى القائلة بأنّ المجال الطبيعيّ والمجال التّأليهيّ هما كلُّ ما يوجد في المجال السّببي. فإذا لم تكن N متّسقةً منطقيًّا، فلن تكون لا التّأليهيّة ولا الطّبيعانيّة متّسقتين منطقيًّا. أمّا إذا كانت N متّسقةً، فمن العسير أن نرى كيف يمكنُ أن تكون الطّبيعانيّة غير متّسقة. وعلاوةً على ذلك، إذا كانت N متّسقةً، فمن المغري جدًّا أن نرى أنّ احتمال كون التّأليهيّة غير متّسقة أكبرُ بكثير من احتمال كون الطّبيعانيّة غير متّسقة؛ ذلك أنّ T قد تكونُ هي نفسها غير متّسقة. وحتى إذا كانت T متّسقةً، فقد يكونُ اقترانُ T وN غير متّسق.[2]

فلنفترض، إذن، أنّ التّأليهيّة والطّبيعانيّة كلتيهما متّسقتان منطقيًّا. فما الوجهُ الآخرُ الذي قد يجعلُ ثمّة سببًا يدعو إلى تبنّي المعتقدات التّأليهيّة؟ يبدو أنّ الجواب البديهيّ هو وجودُ أدلّة تُرجّحُ التّأليهيّة على الطّبيعانيّة. فقد يكون، على سبيل المثال، أنّ ثمّة سمات في الكون الطبيعي لا تجدُ لها تفسيرًا في إطار الطّبيعانيّة، في حين تُفسّرها التّأليهيّة. وقد يكون أيضًا أنّ ثمّة سمات في الكون الطبيعي تجدُ لها تفسيرًا في إطار الطّبيعانيّة، غير أنّ التّأليهيّة تُقدّمُ لها تفسيرًا أفضل بكثير. فإذا كانت التّأليهيّة تُقدّمُ تفسيرات تتفوّقُ على التفسيرات المناظرة التي تُقدّمُها الطّبيعانيّة، فعلى أقلّ تقدير، لن يعود لدينا سببٌ مباشرٌ لتفضيل الطّبيعانيّة على التّأليهيّة. أمّا إذا اتّضح أنّه لا توجدُ أيُّ سمة من سمات الكون الطبيعي تحظى بتفسير أفضل في إطار التّأليهيّة ممّا تحظى به في إطار الطّبيعانيّة، فأرى أنّ لدينا سببًا قويًّا جدًّا للاعتقاد بأنّ الطّبيعانيّة تتفوّقُ على التّأليهيّة.

وسيُكرّسُ ما تبقّى من هذا الفصل لإقامة الحُجّة على أنّه لا توجدُ أيُّ سمة من سمات الكون الطبيعي تحظى بتفسير أفضل في إطار التّأليهيّة ممّا تحظى به في إطار الطّبيعانيّة. وبطبيعة الحال، لن أتمكّن من فحص كلّ سمة من سمات الكون الطبيعي قد يُظنُّ أنّ التّأليهيّة تُقدّمُ لها تفسيرًا أفضل من الطّبيعانيّة. غير أنّني سأحاولُ تناول جميع السمات البارزة في الكون الطبيعي التي شاع الاعتقادُ بأنّها تحظى بتفسير أفضل في إطار التّأليهيّة منه في إطارالطّبيعانيّة. وفي ضوء معالجتي للحالات التي سأناقشها، ينبغي أن يتّضح كيف يمكنُ توسيعُ نطاق هذا النقاش ليشمل سمات أخرى من سمات الكون الطبيعي لم أتناولها هنا.


1. الوجود

قد يميلُ بعضُ المُؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطّبيعانيُّون تقديم تفسير لوجود الكون، في حين يستطيعُ المُؤلّهُون تفسير وجوده بردّه إلى الأفعال الخالقة للإله. ومن ثمّ، تكونُ التّأليهيّة، من هذه الناحية، متقدّمةً على الطّبيعانيّة.

ولكي يتّضح موطنُ الخلل في هذه الحُجّة، فلنقارنها بالحُجّة الآتية الداعمة للقول بأنّ الأرض تستقرُّ على ظهر فيل عملاق. فأنتم، الذين لا تعتقدون بوجود هذا الفيل، لا تملكون تفسيرًا لعدم سقوط الأرض، مع أنّها مُعلّقةٌ في الفضاء الخالي. أمّا أنا، فأُفسّرُ ذلك بالاستناد إلى هذا الفيل، الذي يحولُ دون سقوطها. ومن ثمّ، فمن هذه الناحية، نكونُ نحن المؤمنين بوجود هذا الفيل متفوّقين عليكم، أنتم الذين لا تؤمنون بوجوده.

إنّ أول ما يتعيّنُ التنبيهُ إليه هو أنّ فرضية الفيل تعاني القصور التفسيريّ المزعوم نفسه الذي تعانيه فرضيةُ الأرض غير المستندة إلى شيء. فإذا كانت الأرضُ تحتاجُ إلى ما يمنعُها من السقوط، فإنّ الفيل سيكون، بالقدر نفسه، في حاجة إلى ما يمنعُه من السقوط. ومن ثمّ، فمن الواضح أنّ افتراض وجود الفيل لا يضيفُ أيّ ميزة تفسيرية.

وينطبقُ الاعتبارُ ذاته على تفسير وجود الكون. فأيُّ خيار يكونُ متاحًا للمُؤلّه في تفسير وجود الإله، يكونُ الخيارُ نفسه متاحًا للطّبيعانيّ في تفسير وجود الكون. فإذا كان للمُؤلّه أن يقول إنّ الإله موجودٌ بالضرورة، كان للطّبيعانيّ، بالقدر نفسه، أن يقول إنّ الكون موجودٌ بالضرورة. وإذا كان للمُؤلّه أن يقول إنّ وجود الإله ينطوي على تسلسل لا نهائي، كان للطّبيعانيّ، بالقدر نفسه، أن يقول إنّ وجود الكون ينطوي على تسلسل لا نهائي. وإذا كان للمُؤلّه أن يقول إنّ وجود الإله لا تفسير له، كان للطّبيعانيّ، بالقدر نفسه، أن يقول إنّ وجود الكون لا تفسير له. فإذا كان محلُّ اهتمامنا هو تفسير وجود الكون، فإنّ افتراض وجود إله خالق للكون لا يمنحُنا أيّ ميزة تفسيرية.

2. السببية

قد يميلُ بعضُ المُؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطّبيعانيُّون أن يُقدّموا تفسيرًا للعلاقات السّببيّة في كوننا، في حين يستطيعُ المُؤلّهُون تفسير هذه العلاقات بردّها إلى الإله بوصفه مصدرها. ومن ثمّ، تكونُ التّأليهيّة، من هذه الناحية، متقدّمةً على الطّبيعانيّة.[3]

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، لا نحتاج إلا إلى التأمل في البنية الكلية للواقع السببي؛ أي في بنية مجموع الوقائع السببية بأسرها. ولنفترض، لأنه الفرضُ الأكثر مواتاةً للمؤلّه، أن الواقع السببي الكلي ينطوي على أول علاقة سببية؛ أي على علاقة سببية لا يكون سببُها أثرًا لعلاقة سببية سابقة.

فإذا كنا نتأمل الوقائع السببية الأولى في الواقع السببي، فإنّ الطبيعاني يفترض أن أول علاقة سببية تتمثل في انتقال من الحالة الابتدائية غير المسبّبة للكون، في حين يفترض المؤلّه أن أول علاقة سببية تتمثل في انتقال من الحالة الابتدائية غير المسبّبة للإله. ولما كان المؤلّهون والطبيعانيون، كما رأينا، يمتلكون النطاق نفسه من الخيارات فيما يتعلق بتفسير وجود تلك الحالة الابتدائية غير المسبّبة، فمن الواضح أنهم يمتلكون أيضًا النطاق نفسه من الخيارات فيما يتعلق بتفسير الوقائع السببية الأولى في الواقع السببي الكلي. فإذا كان محلُّ اهتمامنا هو تفسير الأصول السببية، فإنّ افتراض وجود إله خالق للكون لا يمنحنا أيّ ميزة تفسيرية.

أمّا إذا كنا نتأمل ما الذي يُفعّل العلاقات السببية في الواقع السببي، فإنّ الطبيعاني يفترض أنه لا يوجد شيءٌ آخر يُفعّل انتقالات حالات الكون، في حين يفترض المؤلّه أنه لا يوجد شيءٌ آخر يُفعّل انتقالات حالات الواقع السببي الكلي الذي يضم الإله والكون معًا. ومع أن المؤلّه والطبيعاني قد يختلفان، في هذه الحالة، حول ما إذا كانت القدرةُ السببيةُ المستقلة قائمةً بالواقع السببي الكلي أم بجزء منه، فمن الواضح أن افتراض الإله بوصفه محلّ القدرة السببية المستقلة لا يمنح التأليهية أيّ ميزة تفسيرية على الطبيعانية.

3.الضبط الدقيق

قد يميل بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيع الطبيعانيون أن يقدموا تفسيرًا للضبط الدقيق في كوننا، في حين يستطيع المؤلّهون أن يفسروا هذا الضبط الدقيق بردّه إلى الإله بوصفه مصدره. (والمقصود بالقول إن كوننا مضبوطٌ ضبطًا دقيقًا من أجل الحياة هو أنه لو اتخذ أيٌّ من عدد من الثوابت الفيزيائية الأساسية قيمةً تختلف اختلافًا طفيفًا جدًا عن قيمتها الفعلية، لما نشأت الحياة في كوننا. ولأغراض المناقشة الراهنة، سأفترض ببساطة أن كوننا مضبوطٌ ضبطًا دقيقًا من أجل الحياة).

ولكي يتضح موطن الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل أنفسنا: أين يظهر الضبط الدقيق أول مرة في الواقع السببي الكلي؟ وليس ثمة، في الحقيقة، سوى احتمالين.

فمن جهة أولى، قد يكون ثمة موضعٌ غيرُ ابتدائي في الواقع السببي الكلي يظهر فيه الضبط الدقيق لأول مرة. فقبل هذه المرحلة، لا يكون الضبط الدقيق لكوننا قد حُسم بعد؛ أما بعدها، فيغدو الضبط الدقيق لكوننا محسومًا على نحو نهائي. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الواضح أن الضبط الدقيق لكوننا يكون مسألة صدفة؛ إذ إن كل انتقال من حالة لم يُحسم فيها الضبط الدقيق إلى حالة حُسم فيها نهائيًا لا بد أن يكون راجعًا إلى الصدفة. وإذا صح ذلك، فإن الضبط الدقيق لكوننا يكون، في نهاية المطاف، مسألة صدفة. ومن ثم، ففي هذه الحالة، لا تتمتع التأليهية بأيّ ميزة تفسيرية.

ومن جهة أخرى، قد تكون هناك حالةٌ ابتدائيةٌ للواقع السببي الكلي يكون فيها الضبط الدقيق لكوننا قد حُسم بالفعل. ووفقًا للطبيعانية، تكون تلك الحالة الابتدائية هي الحالة الابتدائية للكون؛ أما وفقًا للتأليهية، فتكون تلك الحالة الابتدائية هي الحالة الابتدائية للإله، التي تتضمن النيات التفصيلية للإله المتعلقة بخلق كوننا. وفي هذه الحالة، من الواضح أن الطبيعانية والتأليهية تمتلكان النطاق نفسه من الخيارات فيما يتعلق بتفسير الضبط الدقيق لكوننا. ففي كلتا الرؤيتين، يمكن القول إن الحالة الابتدائية ضرورية (necessary) ، وفي هذه الحالة يكون الضبط الدقيق ضروريًا أيضًا. كما يمكن، في كلتا الرؤيتين، القول إن الحالة الابتدائية ممكنة (contingent)، وإن ثمة حالات ابتدائيةً ممكنةً أخرى لا تُفضي إلى كوننا المضبوط ضبطًا دقيقًا؛ وفي هذه الحالة، يتبين أن الضبط الدقيق لكوننا ممكنٌ على نحو غاشم (brutely contingent). وأيًّا يكن الأمر، فلا تكتسب التأليهية أيّ ميزة تفسيرية.

4.الأخلاق

قد يميلُ بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطبيعانيون أن يُقدّموا تفسيرًا لتحقُّق (instantiation) القيم الأخلاقية الموضوعية في كوننا، في حين يستطيعُ المؤلّهون أن يُفسّروا تحقُّق القيم الأخلاقية الموضوعية في كوننا بردّه إلى الإله بوصفه مصدره. (ويتّفقُ كثيرٌ من الناس — من المؤلّهين والطبيعانيين على السواء — على أنّ تعذيب الرُّضّع من البشر لمجرّد التسلية أمرٌ خاطئٌ أخلاقيًّا. ويكفي أن يكون تعذيبُ الرُّضّع من البشر لمجرّد التسلية خاطئًا أخلاقيًّا لكي تتحقّق، على الأقلّ، قيمةٌ أخلاقيةٌ موضوعيةٌ واحدة).

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نقول عن تحقُّق (instantiation) القيم الأخلاقية الموضوعية في الواقع السببيّ الكُلّي (global causal reality)؟ وفي مناقشتنا، سنستبعدُ ابتداءً القول بعدم تحقُّق أيّ قيم أخلاقية موضوعية في الواقع السببيّ الكُلّي؛ إذ من الواضح أن هذه الحالة لا تمنحُ التأليهية أيّ أيّ ميزة تفسيرية.

في الواقع السببيّ الكُلّي (global causal reality)، قد يكون تحقُّقُ (instantiation) القيم الأخلاقية الموضوعية في بعض الأشياء تحقُّقًا اشتقاقيًّا (derivative)؛ أي إن تلك الأشياء لا تتحقق فيها القيمُ الأخلاقيةُ الموضوعيةُ إلا لأنّها متحققةٌ أصلًا في أشياء أخرى. ولما كان التسلسلُ اللانهائيُّ للتحققات الاشتقاقية للقيم الأخلاقية الموضوعية لا يمنحُ التأليهية أيّ أفضلية على الطبيعانية، أمكننا استبعادُ هذه الحالة. وعندئذ لا يبقى إلا احتمالُ وجود تحققات غير اشتقاقية (non-derivative) للقيم الأخلاقية الموضوعية في الواقع السببيّ الكُلّي. غير أنه من الواضح أنّ الطبيعانية والتأليهية على قدم المساواة فيما يتعلق بتفسير التحققات غير الاشتقاقية للقيم الأخلاقية الموضوعية في الواقع السببيّ الكُلّي.

إذا كانت هناك تحقُّقاتٌ غيرُ اشتقاقية (non-derivative instantiations) للقيم الأخلاقية الموضوعية في الواقع السببيّ الكُلّي (global causal reality)، فإنّ القيمة الأخلاقية الموضوعية تكون أوليةً نظريًا (theoretically primitive)؛ أي إنّ التحققات غير الاشتقاقية للقيم الأخلاقية الموضوعية لا تُفسّرُ بردّها إلى أيّ شيء آخر. وعادةً ما يفترض المؤلّهون أنّ الإله خيّرٌ، على أنّ خيريّة الإله تُفهم على أنها أوليةٌ نظريًا؛ أي إنه لا يوجد شيءٌ آخر تكون خيريّةُ الإله قائمةً عليه أو مستندةً إليه. كما يفترض الطبيعانيون والمؤلّهون، في الغالب، أنّ اللذة خيرٌ، على أنّ خيريّة اللذة تُفهم على أنها أوليةٌ نظريًا؛ أي إنه لا يوجد شيءٌ آخر تكون خيريّةُ اللذة قائمةً عليه أو مستندةً إليه. ولكن، إذا كانت القيمةُ الأخلاقيةُ الموضوعية أوليةً نظريًا، فإنّ مجرد وجود تحقُّق للقيم الأخلاقية الموضوعية في كوننا لا يمنحُ التأليهية أيّ أيّ ميزة تفسيرية.

5. الوعي

قد يميلُ بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطبيعانيون أن يُقدّموا تفسيرًا لتحقُّق (instantiation)[4] الوعي في كوننا، في حين يستطيعُ المؤلّهون أن يُفسّروا تحقُّق الوعي في كوننا بردّه إلى الإله بوصفه مصدره. (ويتحقّقُ الوعي في الكون في حياة جميع البشر الأسوياء عادةً، وكذلك في حياة الأفراد الأسوياء من أنواع كثيرة أخرى من الحيوانات. ومع أنّ الأفراد الأسوياء في هذه المجموعة الواسعة من الأنواع الحيوانية يمرُّون بفترات من حياتهم لا يكونون فيها واعين — كحالة النوم العميق مثلًا — فإنهم يمرُّون أيضًا بفترات أخرى يكونون فيها واعين، ومدركين لما يحيطُ بهم، إلى غير ذلك.)

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نقول عن تحقُّق (instantiation) الوعي في الواقع السببيّ الطبيعي (natural causal reality)؟ وعلى وجه الخصوص، ينبغي أن نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن نقول عن العلاقة بين تحقُّق (instantiation) الوعي وتحقُّق الخواصّ الطبيعية (natural properties) الأخرى في الواقع السببيّ الطبيعي؟

وفقًا لأيّ تصوُّر معقول، ثمة ارتباطٌ وثيقٌ للغاية بين تحقُّقات (instantiations) الوعي لدى البشر وتحقُّقات الخصائص العصبية (neural properties) لديهم. غير أن الآراء تختلف بشأن الطبيعة الدقيقة لهذا الارتباط؛ فبعضهم يرى أن الوعي لدى البشر ليس سوى خاصية عصبية من خصائصهم[5]، في حين يرى آخرون أن العلاقة بين الوعي لدى البشر وإحدى خصائصهم العصبية ليست إلا مجرد اقتران. فإذا كان الوعي لدى البشر ليس سوى خاصية عصبية من خصائصهم، فلن يكون ثمة أيُّ اختلاف بين التفسير الذي تقدمه الطبيعانية والتفسير الذي تقدمه التأليهية للعلاقة بين تحقُّقات الوعي لدى البشر وتحقُّقات الخصائص العصبية لديهم. أما إذا كانت العلاقة بين الوعي لدى البشر وإحدى خصائصهم العصبية مجرد اقتران، فإن الطبيعانيين سيستندون إلى النشوء (emergence) [6]لتفسير العلاقة بين تحقُّقات الوعي لدى البشر وتحقُّقات الخصائص العصبية لديهم، في حين سيستند المؤلّهون إلى النيات الخلّاقة للإله لتفسير تلك العلاقة. ويبدو، في هذه الحالة، أن الطبيعانية والتأليهية تقفان على قدم المساواة من الناحية التفسيرية؛ إذ يقدم كلٌّ منهما تفسيرًا للعلاقة بين تحقُّقات الوعي لدى البشر وتحقُّقات الخصائص العصبية لديهم، غير أن هذا التفسير لا يُلقي أيّ ضوء على طبيعة تلك العلاقة. وإذا صحّ ذلك، فإن الاعتبارات المتعلقة بتحقُّق الوعي في كوننا لا تمنحُ التأليهية أيّ ميزة تفسيرية.

6.المُعجزات

قد يميلُ بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطبيعانيون أن يُقدّموا تفسيرًا لمختلف المعجزات التي وقعت في مجرى تاريخ كوننا، في حين يستطيعُ المؤلّهون أن يُفسّروا وقوع تلك المعجزات بردّها إلى الفعل الإلهيّ الخاص (special divine action).

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل أنفسنا: كيف نقترح أن نُفسّر جميع التقارير الواردة عن المعجزات في مجرى تاريخ كوننا؟ وعلى وجه الخصوص، ينبغي أن نحرص على أن نأخذ في الحسبان النطاق الكامل للتقارير التي تتحدث عن تدخُّلات، ووقائع، وأنشطة، وظواهر تُعدُّ شاذةً من منظور العلم الراسخ حاليًا (well-established science).

وفقًا لأيّ تصوُّر معقول، لا خلاف في أنّ الغالبية الساحقة من التقارير التي تتحدث عن تدخُّلات، ووقائع، وأنشطةً، وظواهر تُعدُّ شاذةً من منظور العلم المستقرّ حاليًا (currently well-established science) لا تستحقُّ أيّ قدر من التصديق. وكما قال ديفيد هيوم في مناقشته الشهيرة للمعجزات، فإن الجميع يستطيعون الاتفاق على أن جميع هذه التقارير تقريبًا تندرج صراحةً ضمن نطاق “الخداع والحماقة” (knavery and folly). وفي حين يستطيع الطبيعانيون أن يقدموا تفسيرًا موحّدًا لجميع تقارير المعجزات، بردّها جميعًا إلى الخداع والحماقة البشريين، فإن المؤلّهين الذين يرغبون في تشييد حجة انطلاقًا من المعجزات مُلزمون بالقول إن ثمة عددًا قليلًا من تقارير المعجزات لا تعتريه أوجهُ القصور القادحة التي تشوب سائر التقارير المتعلقة بالتدخُّلات، والوقائع، والأنشطة، والظواهر التي تُعدُّ شاذةً من منظور العلم الراسخ حاليًا.

إنّ قدرة الطبيعانيين على تقديم تفسير موحّد لتقارير المعجزات، في مقابل اضطرار المؤلّهين الذين يرومون إقامة حجة انطلاقًا من المعجزات إلى تقديم تفسير غير موحّد إلى حدّ بعيد لهذه التقارير، تمنحُ الطبيعانية أفضليةً واضحةً فيما يتعلق بتفسير تقارير المعجزات. ولما كان المؤلّهون يوافقون الطبيعانيين في تفسير الغالبية العظمى من تقارير المعجزات، لكنهم يختلفون فيما بينهم بشأن تحديد التقارير التي يُزعم أن التفسير الطبيعانيّ يعجز عن تفسيرها تفسيرًا صحيحًا، فإنّ لدينا كلّ الأسباب التي تدعونا إلى الاعتقاد بأنّ موقف المؤلّهين ليس أقوى من موقف الطبيعانيين فيما يتعلق بتفسير تقارير المعجزات.

7.التّجربةُ الدّينيّة

قد يميلُ بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: لا يستطيعُ الطبيعانيون أن يُقدّموا تفسيرًا للتجارب الدينية (religious experiences) لدى البشر —بما في ذلك من تجارب صوفية، وروحية، وقدسية — كاختبار الحضور الإلهي، أو الحلول الإلهي، أو الإحساس بالوحدة مع الإله. غير أنّ المؤلّهين يستطيعون أن يفسّروا جميع هذه التجارب الدينية بردّها إلى إدراكات للإله (perceptions of God).

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل أنفسنا: كيف نقترح أن نُفسّر جميع التقارير الواردة عن الخبرات عسيرة التأويل (hard-to-interpret experiences) التي نجدها في مجرى تاريخ الكون؟ وعلى وجه الخصوص، ينبغي أن نحرص على أن نولي عنايةً وثيقةً، من جهة، للتقارير التي يقدّمها جميعُنا عن خبرات عسيرة التأويل (hard-to-interpret experiences) لا نعدُّها في العادة إدراكات للإله (perceptions of God)، كالقشعريرة التي تسري في البدن، وتقلبات المزاج والانفعال، وبعض أنماط الشعور بأن المرء مراقب، وما إلى ذلك؛ ومن جهة أخرى، للتفسيرات التي يقدّمها الطبيعانيون لخبراتهم “الصوفية” (mystical experiences)، كالإحساس العميق بالنظر إلى أشياء مألوفة من منظور جديد، والشعور بأن المرء في موطنه تمامًا داخل الكون، ونحو ذلك.

إنّ أوّل ما يلفتُ النّظر فيما يتعلّق بالتقارير الواردة عن الخبرات عسيرة التأويل (hard-to-interpret experiences) هو التنوُّعُ الهائلُ في التأويلات الدينية وغير الدينية التي تُسندُ إلى تلك الخبرات. وعلى وجه الخصوص، يجدرُ التنبيهُ إلى أن تكاد كلُّ فرقة دينية في العالم تعُدُّ خبراتها عسيرة التأويل دليلًا مؤيّدًا لصدق تعاليمها، مع أنّ تعاليم الفرق الدينية في العالم تتعارضُ تعارضًا واسعًا بعضُها مع بعض. ونظرًا إلى هذا الميل شبه العامّ إلى اعتبار الخبرات عسيرة التأويل دليلًا مؤيّدًا لصدق تعاليم تتعارضُ على أنحاء متعدّدة مع تعاليم الفرق المنافسة، يتّضحُ أنّ جميع الفرق الدينية في العالم تُؤوّلُ خبراتها عسيرة التأويل تأويلًا يختلفُ اختلافًا كبيرًا عن التأويل الذي تُضفيه على الخبرات عسيرة التأويل لدى المنتمين إلى الفرق الدينية الأخرى. غير أنّه إذا وضعنا هذه التأويلات المتعارضة جانبًا، بدا أنّ محتوى (content) تلك الخبرات عسيرة التأويل واحدٌ لدى الجميع؛ فالجميعُ يمرُّون، إلى حدّ كبير، بالخبرات نفسها.

ونظرًا إلى أوجه التشابه بين الخبرات عسيرة التأويل (hard-to-interpret experiences) عبر الثقافات المتنوعة، فإنّ ثمة سببًا واضحًا لتفضيل التفسيرات الموحّدة لهذه الخبرات على التفسيرات غير الموحّدة التي تقدمها الفرقُ الدينيةُ المختلفةُ في العالم. والاقتراحُ الأوضح، الذي يتبناه كثيرٌ من الطبيعانيين، هو البحثُ عن تفسيرات موحّدة بالاستناد إلى العلوم المعرفية (cognitive science)[7] والنظرية التطورية (evolutionary theory)[8]. فقد يكون، على سبيل المثال، أنّ هذا التنوُّع في التأويلات ينبع، في نهاية المطاف، من ميلنا الفطريّ إلى افتراض وجود فاعلين (agents) حتى في الأحوال التي نكون فيها، في الواقع، بمفردنا. ومن المرجح جدًا أن تكون فرطُ الحساسية إزاء وجود الفاعلين (hypersensitivity to the presence of agents) [9]استراتيجيةً ناجحةً من منظور التطور؛ إذ إنّ الخطأ في افتراض وجود فاعلين عدائيين أقلُّ كلفةً بكثير من الخطأ في افتراض عدم وجودهم. ومن السهل أن نرى كيف يمكن للميل إلى افتراض وجود فاعلين، حين لا يكون ثمة فاعلون في الواقع، أن يُسند التأويلات التي تُضفى على الخبرات المصاحبة لعمليات الكشف الخاطئة (misfiring detections)، وذلك بردّها إلى أنواع الكيانات التي تفترضها الفرقُ الدينيةُ في العالم. (تأمل ذلك الشعور بالقلق الذي ينتابك أحيانًا عندما تسمع أصواتًا وأنت مستلق مستيقظًا في وقت متأخر من الليل. فمن المؤكد أن أحدًا لا يحاول اقتحام باب منزلك!)

ولعلّ فرضية فرط الحساسية إزاء وجود الفاعلين (the hypothesis of hypersensitive agency detection) لا تُفسّر جميع المعطيات المتعلقة بتأويل الخبرات عسيرة التأويل (hard-to-interpret experiences). غير أنه، في ضوء ما نعرفه حاليًا، لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ المؤلّهين يمتلكون، أو سيملكون يومًا، تفسيرات أفضل من تلك التي يقدمها الطبيعانيون للمعطيات المتعلقة بالتقارير الواردة عن الخبرات عسيرة التأويل.

8. المعنى والغاية

قد يميلُ بعضُ المؤلّهين إلى الاحتجاج على النحو الآتي: تقتضي الطبيعانية، بخلاف التأليهية، أن تكون حياتُنا خاليةً من المعنى والغاية (meaning and purpose). فالطبيعانيون، بخلاف المؤلّهين، يحيون حياةً لا معنى لها ولا غاية، ويعتقدون أن حياتهم لا معنى لها ولا غاية. ووفقًا للطبيعانية، وعلى خلاف التأليهية، لا توجد إمكانيةٌ للحياة بعد الموت، ولا توجد ميلودراما كونية ملحمية (epic cosmic melodrama) يكون فيها البشرُ الشخصيات المحورية.

ولكي يتضح موطنُ الخلل في هذه الحجة، ينبغي أن نسأل: ما منشأُ المعنى والغاية (meaning and purpose)، على نحو معقول؟ كما ينبغي أن نسأل: ما الصلةُ التي تربط منشأ المعنى والغاية بالحياة بعد الموت، وبالسياق الذي توفّره الميلودراما الكونية الملحمية (epic cosmic melodrama[10]

ذهب أرسطو إلى أنّ الإنسان يحيا حياةً ذات معنى وغاية، ويبلغ الازدهار(flourishing)[11]، إذا عاش في مجتمع مزدهر، وكان هو نفسه إنسانًا مزدهرًا، تربطه بالآخرين صداقاتٌ حقيقية، ويمارس الحكمة النظرية والعملية، ويتحلّى بطائفة من الفضائل الأخلاقية والعقلية، ويسعى إلى تحقيق غايات فردية وجماعية ذات قيمة، مع انتفاء بعض العوامل المعيقة، كاعتلال الصحة، والضائقة المالية، وفقدان الأحبة، وما إلى ذلك. وإذا سلّمنا بأنّ هذا التصور للحياة ذات المعنى والغاية صحيحٌ، على وجه التقريب، فمن الواضح أنّ الطبيعانيين لا يقلون قدرةً عن المؤلّهين على أن يحيوا حياةً ذات معنى وغاية. ومن الواضح أيضًا أنّ الحياة بعد الموت، والمشاركة في الميلودراما الكونية الملحمية، ليستا شرطًا لقيام حياة ذات معنى وغاية؛ إذ يمكن لحياتنا أن تستوفي جميع مقتضيات المعنى والغاية، حتى لو كان الموت نهايةً مطلقة، وحتى لو انتهى الكون، في نهاية المطاف، إلى فراغ بارد وخاو.

وحتى لو رأيت أنّ تصور أرسطو للمعنى والغاية قد أخطأ في بعض تفاصيله — كأن يكون، على سبيل المثال، قد أخطأ فيما عدّه من العوامل التي تُقوّض المعنى — فمن المعقول أن نفترض أنّ هذا التصور، في مجمله، يقترب من التصور الصحيح. وعلى وجه الخصوص، يبدو من المعقول القول إنّ حياةً بشريةً تخلو في ذاتها من المعنى والغاية لن تصبح ذات معنى أو غاية لمجرد استمرارها بعد الموت، أو لمجرد إدراجها ضمن قصة ميلودرامية كونية ملحمية. فإن لم يجد المرءُ المعنى والغاية في الحب، والأسرة، والصداقة، والسعي إلى مشروعات ذات قيمة في ذاتها، فلا أرى أنّ ثمة سبيلًا إلى العثور عليهما في أي موضع آخر. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ التأليهية لا تتمتع بأيّ ميزة تفسيرية على الطبيعانية فيما يتعلق

بالاعتبارات الخاصة بالمعنى والغاية.

9.الخاتمة

كما ذكرتُ في مستهلّ هذا الفصل، لا أستطيع أن أدّعي أنني تناولتُ جميع المعطيات ذات الصلة بالمفاضلة بين التأليهية والطبيعانية، كما لا أستطيع أن أدّعي أنني قدّمتُ تقييمًا وافيًا تمامًا لأيّ من المعطيات التي تناولتُها. غير أنني آمل أن أكون قد عرضتُ ما يكفي لإيضاح الكيفية التي ستبدو عليها حجتي المؤيدة للطبيعانية لو بُسطت بجميع تفاصيلها وعلى نحو كامل. (وقد عرضتُ صياغةً أكثر تفصيلًا — وإن كانت لا تزال غير مكتملة — لهذه الحجة في كتابي The Best Argument against God، الصادر عن دار Palgrave Macmillan سنة 2013.)

10. مُلاحظة بشأن الشّر

وبطبيعة الحال، ثمّة معطياتٌ يرى بعضُ المؤلّهين أنها تُرجّح الطبيعانية على التأليهية، منها المعطياتُ المتعلقة بالمعاناة المروّعة (horrendous suffering)، والمعطياتُ المتعلقة بعدم الإيمان (non-belief)، والمعطياتُ المتعلقة بضخامة الكون. ويرى بعضُ الطبيعانيين أنّ المعطيات المتعلقة بالمعاناة المروّعة لا تتسق منطقيًا مع التأليهية. وقد صاغ أبيقور هذه الفكرة منذ زمن بعيد بقوله:

     أيريدُ الإلهُ أن يمنع الشرّ، ولكنه لا يقدر؟ إذن فهو ليس كليّ القدرة. أم يقدر على منعه، ولكنه لا يريد؟   

     فهو ليس كليّ الخير. أم هو قادرٌ ويريد معًا؟ فمن أين يأتي الشر؟ أم هو لا يقدر ولا يريد؟ فلماذا نسمّيه   

     إلهًا؟       

ويرى طبيعانيون آخرون أنّ المعطيات المتعلقة بالمعاناة المروّعة (horrendous suffering) تجعل التأليهية شديدة الاستبعاد؛ فبالنظر إلى الفظائع الكبرى التي شهدها القرن العشرون وحده، أليس من غير المعقول أن نفترض أنّ كوننا هو من صنع كائن كليّ القدرة، وكليّ العلم، وكامل الخير؟

لقد ركّزتُ على المعطيات التي يرى كثيرٌ من المؤلّهين أنها تُرجّح التأليهية على الطبيعانية؛ لأنّ الحجة التي أدافع عنها لا تتطلب أكثر من أن تكون الطبيعانية، إزاء كلّ معطًى من هذه المعطيات، قادرةً على تفسيره بالقدر نفسه الذي تفسّره به التأليهية، أو تفسيرًا لا يقلُّ عنه كفايةً. وحتى لو صحّ، على سبيل المثال، أنّ الطبيعانية تقدم تفسيرًا أفضل للمعاناة المروّعة (horrendous suffering) في كوننا من التفسير الذي تقدمه التأليهية، فإنّ هذه الحقيقة لا تُسهم بشيء في الحجة التي سعيتُ إلى الدفاع عنها في هذه المقالة.

المربع الأول: الإلحاد

تذهب التأليهية (Theism) إلى أنّ ثمّة إلهًا واحدًا على الأقل؛ أي فاعلًا سببيًا أو قوةً خارقةً للطبيعة.

ويذهب الإلحاد (Atheism) إلى أنّه لا توجد آلهة.

أما اللاأدرية (Agnosticism)، فهي تعليقُ الحكم بين التأليهية والإلحاد؛ أي تعليقُ الحكم بشأن ما إذا كان يوجد إلهٌ واحدٌ على الأقل.

المربع الثاني: التوحيد

يذهب التوحيد(Monotheism) إلى أنّ ثمّة إلهًا واحدًا لا غير.

وتذهب تعددية الآلهة(Polytheism) إلى أنّ ثمّة أكثر من إله واحد.

المربع الثالث: الطبيعانية

تذهب الطبيعانية(Naturalism) إلى أنّه لا توجد إلا عللٌ وكياناتٌ طبيعية.

والطبيعاني(naturalist) هو من يعتنق هذا المذهب.

وتذهب ما فوق الطبيعانية(Supernaturalism) إلى أنّ ثمّة عللًا وكيانات فوق طبيعية.

ويلاحظ أنّ الطبيعانية تستلزم الإلحاد، وأنّ التأليهية تستلزم ما فوق الطبيعانية.

المربع الرابع: ديفيد هيوم

كان ديفيد هيوم (1711–1776) أحد أبرز مهندسي عصر التنوير الاسكتلندي، ويُعدُّ، بحقّ، أعظم فيلسوف طبيعاني في التاريخ. ومن أشهر مؤلفاته: رسالة في الطبيعة البشرية (1739)، وبحث في الفاهمة البشرية (1748)، وبحث في مبادئ الأخلاق (1751)، ومحاورات في الدين الطبيعي (1778).

لمربع الخامس: أرسطو

لعلّ أرسطو (384–322 ق.م.) أكثرُ الفلاسفة تأثيرًا في التاريخ. وعلى الرغم من ضياع جانب كبير من مؤلفاته، فقد وصل إلينا قدرٌ وافرٌ من أعماله في المنطق، والفيزياء، وعلم النفس، وعلم الأحياء، والأخلاق، والسياسة، والميتافيزيقا. وكان أرسطو تلميذًا لـ أفلاطون، ومعلّمًا للإسكندر الأكبر.

عن المؤلف

غراهام روبرت أوبي (Graham Robert Oppy) (مواليد 6 أكتوبر 1960) فيلسوفٌ أسترالي معاصر، وأستاذٌ للفلسفة بجامعة موناش .(Monash University) ويُعدُّ أحد أبرز فلاسفة الدين التحليليين في العصر الحاضر، ومن أشهر المدافعين عن الطبيعانية (naturalism) والإلحاد (atheism) في الفلسفة المعاصرة.

وُلد أوبي في مدينة بينالا (Benalla)، بولاية فيكتوريا الأسترالية، ونشأ في أسرة ميثودية (Methodist)، ثم نبذ الاعتقاد الديني في مرحلة مبكرة من حياته. تلقّى تعليمه الجامعي في جامعة ملبورن (The University of Melbourne)، حيث درس الفلسفة والرياضيات، ونال درجة البكالوريوس في الفلسفة مع مرتبة الشرف، إلى جانب درجة البكالوريوس في الرياضيات. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة دراساته العليا في جامعة برينستون  (Princeton University)، فحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة سنة 1990، بإشراف الفيلسوف الأمريكي جيلبرت هارمان (Gilbert Harman).

استهل أوبي مسيرته الأكاديمية في جامعة ولونغونغ  (University of Wollongong)، ثم عمل باحثًا في الجامعة الوطنية الأسترالية  (Australian National University)، قبل أن يلتحق سنة 1996 بجامعة موناش، حيث تدرج في السلك الأكاديمي حتى شغل منصب أستاذ الفلسفة. كما انتُخب زميلًا في الأكاديمية الأسترالية للعلوم الإنسانية  (Australian Academy of the Humanities)، وتولى رئاسة تحرير المجلة الأسترالية للمراجعات الفلسفية  (Australasian Philosophical Review)، فضلًا عن عضويته في هيئات تحرير عدد من أبرز الدوريات الفلسفية المتخصصة.

تنصبُّ أبحاث أوبي على فلسفة الدين، والميتافيزيقا، ونظرية المعرفة، والمنطق، وفلسفة العلم، غير أن ذيوع صيته يعود، في المقام الأول، إلى أعماله في تحليل الحجج المؤيدة لوجود الإله وتقويمها. وتمتاز كتاباته بمنهج تحليلي صارم، يقوم على إعادة بناء الحجج في أقوى صورها الممكنة، ثم إخضاعها للتقويم في ضوء معايير الاتساق المنطقي، والوضوح المفاهيمي، والقوة التفسيرية، مع تجنب الجدل الخطابي والانحياز المسبق. ويرى أوبي أن المفاضلة بين التأليهية والطبيعانية ينبغي أن تُبنى على معيار القوة التفسيرية؛ فإذا استطاعت الطبيعانية أن تفسر جميع المعطيات ذات الصلة بوجود الإله بالكفاية نفسها، أو بكفاية أكبر، مع افتراض عدد أقل من الفروض، كانت النظرية الأرجح.

وقد تناول أوبي بالنقد والتحليل معظم الحجج الرئيسة في فلسفة الدين، من قبيل الحجة الكونية، والحجة الغائية، والحجة الأنطولوجية، والحجة الأخلاقية، والحجة المستمدة من المعجزات، وحجة الخبرة الدينية، والحجة المنطقية للشر، والحجة الدليلية للشر، فضلًا عن أبحاثه في الصفات الإلهية، وغيرها من القضايا المحورية في فلسفة الدين. ومن أبرز مؤلفاته: المحاججة حول الآلهة (Arguing about Gods) (2006)، وأفضل حجة ضد الإله  (The Best Argument against God) (2013)، والطبيعانية والدين: تحقيق فلسفي معاصر (Naturalism and Religion: A Contemporary Philosophical Investigation) (2014)، والإلحاد واللاأدرية (Atheism and Agnosticism) (2018)، والإلحاد: الأساسيات (Atheism: The Basics) (2019).

العنوان الأصلي: Graham Oppy, An Argument for Atheism from Naturalism, (Philosophy for Us. Cognella. pp. 3-14 (2017))

الهوامش

[1] هامشُ المُترجم: يستندُ غراهام أوبي هنا، ضمنًا، إلى مبدأ شفرة أوكام (Occam’s Razor) ، وهو مبدأٌ منهجيٌّ في الفلسفة والعلوم يُقرّر، في صيغته العامة، أنه لا ينبغي الإكثارُ من الفروض أو الكيانات دون مسوّغ كاف. ومن ثمّ، إذا تكافأت نظريتان في قدرتهما على تفسير الوقائع، فإنّ النظرية الأقلّ التزامًا بكيانات أو افتراضات إضافية تكونُ أولى بالتفضيل. ويُعبّر عن هذه الفكرة، في الفلسفة التحليلية، بأنها تفضيلُ النظرية الأقلّ التزامًا أنطولوجيًّا (ontological commitment)، متى تساوت النظرياتُ في قدرتها التفسيرية.

[2] هامش المترجم: يستعمل غراهام أوبي الرمزين N وT بوصفهما رمزين منطقيين؛ إذ ترمزN إلى مجموع القضايا التي تصف المجال الطبيعي، في حين ترمز T إلى مجموع القضايا التي تصف المجال التأليهي. والغرض من هذا الترميز هو إبراز البنية المنطقية للمقارنة بين الطبيعانية والتأليهية.

[3] هامش المترجم: لا يناقش أوبي هنا ما إذا كانت العلاقات السببية موجودة؛ فوجودها محل اتفاق بين الطرفين. وإنما يدور الخلاف حول ما الذي يفسر وجودها في نهاية المطاف. فالمؤلّه يرى أن العلاقات السببية تستند في أصلها إلى الإله بوصفه مصدرها، في حين يرى الطبيعاني أنها جزء من النظام الطبيعي نفسه، ولا تحتاج إلى مصدر فوق طبيعي يفسر وجودها.

[4] هامش المترجم: يُراد بـ التحقُّق (instantiation) أن تكون الخاصية موجودةً فعلًا في شيء معيّن؛ فقولنا إن الوعي متحقّق في الإنسان يعني أن الإنسان يتصف بالفعل بخاصية الوعي. ويُستعمل هذا المصطلح في الميتافيزيقا للدلالة على قيام الخاصية بأفرادها أو موضوعاتها.

[5] هامش المترجم: يشير أوبي هنا إلى نظرية الهوية (Identity Theory) في فلسفة العقل، وهي النظرية القائلة إن الحالات أو الخصائص العقلية ليست شيئًا مغايرًا للحالات أو الخصائص العصبية، بل هي عينها؛ فالإحساس بالألم، مثلًا، ليس مجرد ظاهرة تقترن بحالة عصبية معينة، وإنما هو تلك الحالة العصبية نفسها، وإن وُصفت من منظور مختلف.

[6]هامش المترجم: يُقصد بـ النشوء(Emergence) الطرح القائل إن بعض الخصائص، كالوعي، تظهر عند بلوغ الأنظمة الفيزيائية أو العصبية درجةً معينةً من التعقيد، مع أنها لا تُختزل ببساطة إلى خصائص مكوّناتها الفيزيائية.

[7] هامش المترجم: العلوم المعرفية (Cognitive Science) وهو حقلٌ متعدد التخصصات يدرس طبيعة الإدراك والذهن، مستفيدًا من علم النفس، وعلوم الأعصاب، والذكاء الاصطناعي، واللسانيات، والفلسفة، وغيرها من العلوم.

[8] هامش المترجم: يقصد أوبي هنا نظرية التطور البيولوجي، ولا سيما توظيفها في تفسير كيفية نشوء بعض الآليات المعرفية والسلوكية لدى الإنسان عبر الانتخاب الطبيعي.

[9] هامش المترجم: يشير أوبي هنا إلى ما يُعرف في العلوم المعرفية للدين بـ “فرط الحساسية لاكتشاف الفاعلين” ((hypersensitivity to the presence of agents، وهي الفرضية القائلة إن العقل البشري يميل، لأسباب تطورية، إلى افتراض وجود فاعل وراء بعض الأحداث أو الأصوات أو الحركات، حتى في الحالات التي لا يكون فيها ثمة فاعل بالفعل. ويرى بعض الباحثين أن هذه الآلية تسهم في تفسير نشوء كثير من المعتقدات الدينية والخبرات المنسوبة إلى كائنات فوق طبيعية.

[10]  هامش المترجم: يقصد أوبي بالميلودراما الكونية الملحمية ذلك التصور الديني الذي يرى أن الكون مسرحٌ لصراع كونيّ عظيم بين قوى الخير والشر، وأن لحياة الإنسان معنىً أساسه مشاركته في هذا الصراع وفي الخطة الإلهية الشاملة.

[11] هامش المترجم: يُراد بـ “الازدهار(flourishing)، وهو المقابل الإنجليزي الشائع للمفهوم الأرسطي (eudaimonia)، الحالةُ التي يحقق فيها الإنسانُ خيره الأسمى من خلال العيش وفق الفضيلة، وتنمية قدراته العقلية والأخلاقية، وأداء وظيفته الإنسانية على الوجه الأمثل. ولا يُقصد به مجرد الشعور بالسعادة أو اللذة.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

7 تعليقات

  1. يقول احمد محمود خليل عبود:

    الجزء ما قبل الأخير من تعليقى على مقال الاستاذ جراهام اوبى ٠ هل عمى البشر عن رؤية ما يحدث تحت اقدامهم ٠ فالصراع ، او لنقل المحاجاة ، بين الطبيعانية والتأليهية عبثى وشكلى وغير موضوعى ويعود ذلك كليا إلى أطروحات كلا الطرفين الجزئية فلا صواب فى التجزيئ على الإطلاق ٠
    انى استغرب ، ولا يدهشنى ذلك ، قدرة الإنسان فى إلباس الباطل بالحق والعكس لأن ارادة الكمال (سبب) من ناحية ، و(نتيجة) من ناحية اخرى ، توفر ملاذا آمنا وإمكانية لا محدودة لهذا التحايل او التضليل ٠ ضع اى هدف امام اى انسان وسوف يحققه إذا وفرت له المكافأة المجزية والوقت الخ وبالأحرى ، إذا مثل له ذلك الموضوع ، موضوع ارادة كمال له (نتيجة ) ٠ اؤكد لكم سوف يفعل ٠ وهذا ما يفعله العلم عموما ٠ هو ، اى العلم ، لا ينطلق من قوانين طبيعية بل يفرض عليها قانون ذهنى ويستمر فى ملاحقته حتى يرضخ له ويقيده ويستخدمه ، لاحظ ان القوانين العلمية لا تحقق نفسها فى الواقع أبدا انما هى مقيدة ومشروطة طول الوقت ٠ ربما تكون الكواركات والالكترونات والذرة صحيحة لكن لا يسعنى إلا انكار تحققها بذاتها ٠ فإذا حققتها بذاتها فهذه ارادتى ولا يعنى ذلك انها كانت متحققة ٠ مثل القوة التدميرية فى عنصر البلاتنيوم ٠ البلاتينيوم الخام لا يدمر انما أنا اردته هكذا ، فرضت عليه ارادتى ، صحيح انه فى وقت معين لا يمكننى القفز عشرة أمتار لكن يمكننى ان اؤكد لكم ان الانسان سوف يستطيع لاحقا ما لا يستطيعه حالا ٠ فالقوة التفجيرية الهائلة يمكننى ان استخرجها من الماء ومن الهواء إذا اردت ذلك ٠ إذا مثل ذلك ارادة كمال لى كإنسان ٠
    اهم النقاط التى ارى وجوب التأكيد عليها فى مقال الاستاذ ٠ افتراض ان الكون ساحة زمكانية شاسعة افتراض خاطئ ٠ فالكون هو كون فردى بامتياز ٠ والتاريخ هو تاريخ انسانى بامتياز فالزمن لا وجود موضوعى له خارج نفس الانسان ٠ الانسان كتلة زمنية تشظت إلى مليارات البشر وهى تستهلك نفسها من ناحية انقسامها ومن ناحية استهلاك البشر لها فيما اصطلحنا على تسميته بالزمن ٠ وادعاء الكاتب ان علومنا الطبيعية منها والإنسانية تقدم تفسيرا يزداد شمولا ودقة لكوننا وتاريخه ادعاء خاطئ فعلومنا انتهت إلى اللا حتمية كما يقولون ٠ بينما اقول ان العلم صناعى يعبر عن ارادة كمال الانسان (سبب ونتيجة ) ٠ وبالتالى فهو ، اى العلم ، مثله مثل كل منتج آخر ينتجه الانسان هو ايضا ذو ارادة كمال (سبب ونتيجة ) استمدّها من ارادة كمال خالقه ، الانسان ٠ وفى كل الاحوال لا كمال له ، لكليهما ، الانسان ومنتجاته ، لأنهما فى الأصل ذوا ارادة كمال ٠
    خطأ الكاتب انه يرجع الخلق ، كل الخلق ، إلى خالق واحد ٠ وهذا ليس خطأه وحده بل خطأ الفلسفة مذ كانت ٠ فالخلق بما فيه الجسم الانسانى فى جانب ، والنفس الإنسانية التى هى جزء من نفس الاله فى جانب آخر وهذا سر تميزها ٠ سر تميز نفس الإنسان ليس العقل فلا موجود بلا عقل طالما كان موجودا بل فى طبيعة الخلق ٠ فبينما الحيوان وكافة المخلوقات مخلوقات كاملة تجد نفس الإنسان ذات ارادة كمال لوجودها المشروط فى جسم كامل ، ومن خلال هذا الجسد الكامل تجد تحققها ، هذا الجسم الكامل خلقه الارباب المحدثون بهندسة كمالهم ٠
    واخيراً، قوله بوجود القوى السببية خاطئ ٠ فلا سببية لأى شئ ، لا شئ منفردا سبب شئ ٠ اللهم فى علومنا الجزئية المصطنعة ٠ فى الطبيعة لا توجد سببية ولكن فى الصناعة والعلوم الإنسانية تنوجد السببية ٠ انما تتحرك الكائنات بدوائر كمالها ويتحرك الانسان وحده وسطها بإرادة كمال ٠ وعلى هذا فالانسان هو المحرك الاول الذى لا يتحرك وليس الخالق الذى هو فوق الكمال ٠
    “بالنسبة لنظرية الهوية باعتبار ان الخصائص العقلية ليست شيئا مغايرا للخصائص العصبية بل هى عينها فالإحساس بالألم ليس ظاهرة تقترن بحالة عصبية وإنما هو تلك الحالة العصبية نفسها ” وتعليقا على ذلك اقول ان الإدراك لا يدرس بل هو انت ٠ وإذا كنت كاملا – كالحيوان – فسترى ما تراه كما تراه لأف سنة ماضية وألف سنة سنة اخرى قادمة ٠:ستراه كيفما تراه كاملا ٠ وإذا كنت ذو ارادة كمال (سبب ونتيجة ) فستراه امس غير اليوم ، وربما تراه بعد دقيقة غير ما كان قبل هذه الدقيقة ، إما بسبب ارادة كمالك (سبب ) نفسها او ان تجبرك ارادة كمالك (نتيجة ) على رؤية معينة مقصودة ، مبتغاة ٠ ولا علاقة لها بالأصل الذى تراه ٠ ما اريد قوله ، ان الخصائص العقلية لا شأن لها بالخصائص العصبية فالخصائص العقلية موجودة فى مخلوقات شتى لا يشمل جسمها اية خلايا عصبية ٠ وهى مدركة وعاقلة ٠ العقل يا سادة من حيث هو خلايا ودماغ الخ ليس هو العقل الذى هو تفكير ٠ ويكفى ذلك والإ غمض على القارئ قولنا ٠ وهذا ما أتحاشى الوقوع فى فخه قدر الاستطاعة ٠

  2. يقول احمد محمود خليل عبود:

    الجزء ما قبل الأخير من تعليقى على مقال الاستاذ جراهام اوبى ٠ هل عمى البشر عن رؤية ما يحدث تحت اقدامهم ٠ فالصراع ، او لنقل المحاجاة ، بين الطبيعانية والتأليهية عبثى وشكلى وغير موضوعى ويعود ذلك كليا إلى أطروحات كلا الطرفين الجزئية فلا صواب فى التجزيئ على الإطلاق ٠
    انى استغرب ، ولا يدهشنى ذلك ، قدرة الإنسان فى إلباس الحق بالباطل والباطل بالحق لأن ارادة الكمال (سبب) من ناحية ، و(نتيجة) من ناحية اخرى ، توفر ملاذا آمنا وإمكانية لا محدودة لهذا التحايل او التضليل ٠ ضع اى هدف امام اى انسان وسوف يحققه إذا وفرت له المكافأة المجزية والوقت الخ وبالأحرى ، إذا مثل له ذلك الموضوع ، موضوع ارادة كمال له (نتيجة ) ٠ اؤكد لكم سوف يفعل ٠ وهذا ما يفعله العلم عموما ٠ هو ، اى العلم ، لا ينطلق من قوانين طبيعية بل يفرض عليها قانون ذهنى ويستمر فى ملاحقته حتى يرضخ له ويقيده ويستخدمه ، لاحظ ان القوانين العلمية لا تحقق نفسها فى الواقع أبدا انما هى مقيدة ومشروطة طول الوقت ٠ ربما تكون الكواركات والالكترونات والذرة صحيحة لكن لا يسعنى إلا انكار تحققها بذاتها ٠ فإذا حققتها بذاتها فهذه ارادتى ولا يعنى ذلك انها كانت متحققة ٠ مثل القوة التدميرية فى عنصر البلاتنيوم ٠ البلاتينيوم الخام لا يدمر انما أنا اردته هكذا ، فرضت عليه ارادتى ، صحيح انه فى وقت معين لا يمكننى القفز عشرة أمتار لكن يمكننى ان اؤكد لكم ان الانسان سوف يستطيع لاحقا ما لا يستطيعه حالا ٠ فالقوة التفجيرية الهائلة يمكننى ان استخرجها من الماء ومن الهواء إذا اردت ذلك ٠ إذا مثل ذلك ارادة كمال لى كإنسان ٠
    اهم النقاط التى ارى وجوب التأكيد عليها فى مقال الاستاذ ٠ افتراض ان الكون ساحة زمكانية شاسعة افتراض خاطئ ٠ فالكون هو كون فردى بامتياز ٠ والتاريخ هو تاريخ انسانى بامتياز فالزمن لا وجود موضوعى له خارج نفس الانسان ٠ الانسان كتلة زمنية تشظت إلى مليارات البشر وهى تستهلك نفسها من ناحية انقسامها ومن ناحية استهلاك البشر لها فيما اصطلحنا على تسميته بالزمن ٠ وادعاء الكاتب ان علومنا الطبيعية منها والإنسانية تقدم تفسيرا يزداد شمولا ودقة لكوننا وتاريخه ادعاء خاطئ فعلومنا انتهت إلى اللا حتمية كما يقولون ٠ بينما اقول ان العلم صناعى يعبر عن ارادة كمال الانسان (سبب ونتيجة ) ٠ وبالتالى فهو ، اى العلم ، مثله مثل كل منتج آخر ينتجه الانسان هو ايضا ذو ارادة كمال (سبب ونتيجة ) استمدّها من ارادة كمال خالقه ، الانسان ٠ وفى كل الاحوال لا كمال له ، لكليهما ، الانسان ومنتجاته ، لأنهما فى الأصل ذوا ارادة كمال ٠
    خطأ الكاتب انه يرجع الخلق ، كل الخلق ، إلى خالق واحد ٠ وهذا ليس خطأه وحده بل خطأ الفلسفة مذ كانت ٠ فالخلق بما فيه الجسم الانسانى فى جانب ، والنفس الإنسانية التى هى جزء من نفس الاله فى جانب آخر وهذا سر تميزها ٠ سر تميز نفس الإنسان ليس العقل فلا موجود بلا عقل طالما كان موجودا بل فى طبيعة الخلق ٠ فبينما الحيوان وكافة المخلوقات مخلوقات كاملة تجد نفس الإنسان ذات ارادة كمال لوجودها المشروط فى جسم كامل ، ومن خلال هذا الجسد الكامل تجد تحققها ، هذا الجسم الكامل خلقه الارباب المحدثون بهندسة كمالهم ٠
    واخيراً، قوله بوجود القوى السببية خاطئ ٠ فلا سببية لأى شئ ، لا شئ منفردا سبب شئ ٠ اللهم فى علومنا الجزئية المصطنعة ٠ فى الطبيعة لا توجد سببية ولكن فى الصناعة والعلوم الإنسانية تنوجد السببية ٠ انما تتحرك الكائنات بدوائر كمالها ويتحرك الانسان وحده وسطها بإرادة كمال ٠ وعلى هذا فالانسان هو المحرك الاول الذى لا يتحرك وليس الخالق الذى هو فوق الكمال ٠
    “بالنسبة لنظرية الهوية باعتبار ان الخصائص العقلية ليست شيئا مغايرا للخصائص العصبية بل هى عينها فالإحساس بالألم ليس ظاهرة تقترن بحالة عصبية وإنما هو تلك الحالة العصبية نفسها ” وتعليقا على ذلك اقول ان الإدراك لا يدرس بل هو انت ٠ وإذا كنت كاملا – كالحيوان – فسترى ما تراه كما تراه لأف سنة ماضية وألف سنة سنة اخرى قادمة ٠:ستراه كيفما تراه كاملا ٠ وإذا كنت ذو ارادة كمال (سبب ونتيجة ) فستراه امس غير اليوم ، وربما تراه بعد دقيقة غير ما كان قبل هذه الدقيقة ، إما بسبب ارادة كمالك (سبب ) نفسها او ان تجبرك ارادة كمالك (نتيجة ) على رؤية معينة مقصودة ، مبتغاة ٠ ولا علاقة لها بالأصل الذى تراه ٠ ما اريد قوله ، ان الخصائص العقلية لا شأن لها بالخصائص العصبية فالخصائص العقلية موجودة فى مخلوقات شتى لا يشمل جسمها اية خلايا عصبية ٠ وهى مدركة وعاقلة ٠ العقل يا سادة من حيث هو خلايا ودماغ الخ ليس هو العقل الذى هو تفكير ٠ ويكفى ذلك والإ غمض على القارئ قولنا ٠ وهذا ما أتحاشى الوقوع فى فخه قدر الاستطاعة ٠

  3. يقول احمد محمود خليل عبود:

    كنت سأحزن كثيرا لو لم استطع مواصلة الرد والتعليق على مقال الاستاذ جراهام ٠ لأن ما دونته حتى الان دون تكملته سيجعله مشوها ومن ثم لا معنى له ٠ من المهم الإشارة إلى ان كل التقدم العلمى الحاصل هو دليل تخلفنا ٠ الذكاء الصناعى دليل غبائنا ٠ هذه ليست مجرد جمل انشائية خالية من المعنى ٠ أنا فى حيرة من امرى ، فالبشرية تبدو كثور ضل الطريق ، ولم يكن الإنسان فى اى وقت خارج عن زريبة المملكة الحيوانية كما هو اليوم ٠ رغم ان ، اليوم ، لم تكن طبيعة الانسان (نفسه) كمخلوق ذو ارادة كمال اوضح مما هى عليه الآن ٠
    اجل ، تبدو البشرية كقطيع من الحيوانات ضل الطريق إلى الحظيرة ٠ وفيما هو يسعى جاهدا للعودة يفعل كل شئ إلا العودة إلى الحظيرة (ارادة كمال – سبب ) ٠ ومن ذلك ، فهمنا البائس والمريض والخيالى عن الايمان بوجود إله او رفض وانكار وجود إله ٠ فلا التأليهية ولا الطبيعانية على صواب لأن كلاهما لم يفهم عمن وعما يتكلم ٠ الطبيعانيون لا يفهمون الطبيعة وهى كائن كامل لا يتطور ثابت ذو عقل ونفس مثله مثل الانسان ٠ والتأليهيون لا يعرفون الإله إلا من خلال ما قرأوه كإثباتات او براهين عقلية تكذبها بالضرورة واقع الحال ٠ فالله او الاله الواحد فوق الكمال وهو ليس بداية الوجود بحكم المنطق والضرورة العقلية لكن المؤكد انه اول الوجود فيما تعلق الأمر بالوجود كموجود مادى وايضا كموجود عقلى ، اى كفكرة ٠
    وحتى لا يصبح الكلام غامضا دعونا نسير خطوة خطوة ٠ ادع اى انسان متوسط الذكاء ليستقرئ العالم وسوف يصل بالضرورة إلى ان الانسان من ناحية نفسه مختلف عن كل الخلائق الاخرى وبالتالى فلابد ان خالقه غير خالق الخلق الآخرين من حيوان ونبات وكافة شئ ٠ وسوف يجد ، متوسط الذكاء هذا ، ان جسم الانسان لا يختلف قيد شعرة عن اى جسم حيوانى آخر وهذا يعنى ان خالق الجسم البشرى هو نفسه خالق اجسام الحيوانات ٠ ومن يقول بوجود اختلاف فهو اختلاف فى كمال كل جسم ، كمال جسم النمر غير كمال جسم الأرنب غير كمال جسم الفيل وهكذا ٠ لا افضلية لكائن على كائن إلا فى خيالنا ٠ واذا كانت الخلائق بما فيها جسم الإنسان كاملة فلابد ان خالقها كامل ايضا بينما الاله الواحد خالق النفس الانسانية خلقها من فوقية كماله فالله فوق الكمال بحيث يمكن تصوره هنا وهناك فوق وتحت اى متجاوز للمنطق والعقل ٠ ولابد ان يعود اليه خلق هؤلاء الخالقين (اسميهم الارباب المحدثون ، اى الذين تحدثوا بالكتب المقدسة وبالوحى والإلهام والعبقرية ) ٠
    لكن لماذا نجد وحدة فى الجسم بين الحيوان والإنسان واختلاف فى النفس لأن نفوسنا ذات ارادة كمال (سبب ونتيجة) انوجدت فى جسم كامل ٠ وهذا سبب ما نراه وما لا نراه فى كل امر تعلق بالانسان ٠
    ما الذى اغرى الانسان على تبنى حتمية وجود إله تنتهى عنده الوجود او الحركة ٠ لو كان المقصود وجودنا ووجود الارباب المحدثون فهذا صحيح لكن من ناحية فيما وراء الوجود فثمة ذات لا يمكن بأى حال الحديث عنها ولا يفيدنا الكلام عنها لأن المسئول عن خلقنا هو الاله الواحد الذى خلق نفس الانسان من نفسه مباشرة وخلق الارباب المحدثون الذين قاموا بخلق الكون كافة ويشمل ذلك جسم الانسان ٠ هؤلاء الارباب هم مهندسى المادة كما نفعل نحن الان فى المادة التى خلقوها ٠ فمن المنطقى ان الله الخالق الواحد لا يخلق فانيا ، واذا فعل ، افتراضا ، لا يمكن تبديل خلقه بينما نحن نفعل ذلك على قدم وساق بعلومنا الحديثة ٠
    ننتهى من كل ذلك إلى التفرقة بين صنفين من الخلق نفس الانسان وهى ذات ارادة كمال (سبب ونتيجة ) انوجدت لمن وجودها الشرطى فى جسم كامل خلقه الارباب المحدثون والذين هم من خلق الله بإرادته وليس من نفسه مثل نفس الانسان ولذلك ومن هنا تأتى قدرتنا على ركوب ما خلق الارباب المحدثون إبدالا وإحلالا وتطويرا ٠
    اما البعث والحساب فهو مستحيل عقلا لسبب بسيط انتفاء الحاجة اليه وايضا لأنه لم يوفر لنا ما يوجب على اساسه الحساب ٠ لم يوفر الصحة والغذاء والجمال بشكل متساو للجميع ٠ ثم انه لا حاجة به ، اى الاله الواحد ، لخلق خلق يطلب منهم بإلحاح وتوسل مثير للشفقة ان يعبدوه ٠ كل ذلك سنبينه تباعا ٠ ولعل الحديث جرفنا فيما بدأ انه بعيد عن فلسفة الالحاد والتدين لكنه فى الحقيقة يعلق عليه بطريق غير مباشر ٠ فإلى الجزء الخامس بعد قليل ٠

  4. يقول احمد محمود خليل عبود:

    اين الجزء الثالث من تعليقى على مقال فلسفة الالحاد والتدين الذى أرسلته لكم ٠ وأنى لى ان ارسل الجزء الرابع بينما الثالث لا اثر له ٠ كل ما استطيع قوله يا خسارة ٠

  5. يقول احمد محمود خليل:

    كما ذكرت فى التعليق الثانى ، لما كنت غير متفرغ ، والوقت حرج ، فسوف اواصل تعليقى على مقال الالحاد والتدين لأبين تهافته ٠ اعتقد انه لا يتساوى القول بضرورة وجود اله بضرورة وجود الكون كما ذكر الكاتب لأن الاله قد يوجد بلا كون والكون لا يوجد بلا اله فالاستنتاج هنا خاطئ ٠ من ناحية اخرى لم يقل المؤلهون بالتسلسل اللانهائي ولو كان ممكنا نظريا وأما الطبيعة فلا وجود لتسلسل لانهائي لأنها مخلوقة مرة واحدة دفعة واحدة ، وهو ما كانت عليه وسوف تكون ٠ اما قوله وجود الاله يفسر … ولا تستطيع ان تقول ذلك على وجود الكون ٠ ونهاية الفقرة كان لى عنق الحقيقة او بالأحرى لى عنق المقدمة التى تناولت كيفية قيام الكون على ظهر فيل او ايا كان فهو الان يعود فيقول ان افتراض وجود اله خالق للكون لا يمنحنا ميزة تفسيرية … وذلك لأنه ، اى الاستاذ جراهام ، تلاعب فى الموضوع وحوله من موضوع إلى شكل ومن كل إلى جزء ٠ وكأننا نحن القراء نغط فى سبات عميق فيما يروى لنا هو قصة ما قبل النوم ٠
    اما ادعائه ان باستطاعة الطبيعيين او التأليهيين تفسير الأصول السببية ٠ فاعلم ايها القارئ انه لا سببية فى الطبيعة بين أجزائها الطبيعية ٠ واذا كانت الطبيعة فى ذاتها لم يعوزها فى اى لحظة من عمرها المحدود والمحدد سلفا وجود سبب لوجودها ، مع إقرار انها مخلوقة لخالق او خالقين آخر ، فمن أوهم بنى البشر بضرورة وجود سبب لوجودهم ٠ وكأنه بدون وجود سبب يستحيل علينا الحياة ، والحقيقة اننا بالفعل نحيى رغم افتقادنا ، حتى اللحظة ، لمعرفة سبب وجودنا ٠
    اما فى مسألة الضبط الدقيق ، فهى خرافة ولعل الاستاذ جراهام استلهمها من عوار علومنا التى فى احسن الاحوال توشك على ملامسة الكمال لكنها لا ولن تبلغه فلدينا قدرة عجيبة (مبررة بإرادة كمالنا سبب ونتيجة ) على بلوغ القمة ثم الارتداد إلى الحالة البدائية ، إلى السفح ٠ ان الحالة الابتدائية للواقع السببى الكلى موجودة وطالما كانت كذلك فالانسان من ناحية جسمه ومعه سائر الخلق لديهم ضبط دقيق منذ البداية ، منذ بداية خلقهم ، لأنهم كاملين ٠ الحيوان كامل ، الشجرة ، النبات ، وحتى الجماد ٠ بينما الانسان ، نفسه دون جسمه ، ذو ارادة كمال (سبب ) وعدم استطاعتنا التوصل لضبط دقيق لكل امر ، امس واليوم والى الابد ، يعود إلى اننا ذو ارادة كمال (نتيجة ) ٠ نعم ، لا توجد لدى الانسان اخلاق اصلية بل تم صناعتها واعتمادها وهذا واضح فى تطورها ٠ وواضح ان السماء شغلت نفسها بهدايتنا اليها مرارا وتكرارا فالأخلاق الحميدة كان هدفها طول الوقت ، فلم نسمع عن رسول أتى يعلمنا النجارة او الحدادة او بناء المساكن او الانترنت ٠ والمثال الذى أورده الاستاذ جراهام عن تعذيب رضيع مردود عليه لأنه إذا مثل لشخص ما ان التسلية بذاك الرضيع ، بتقطيعه مثلا (واعتذر عن بشاعة الصورة ) موضوع ارادة كمال له فسوف يفعل ونحن نفعل ذلك بالفعل ولدينا فى مآسى الحروب ما هو أبشع ٠ نحن نستنكر على الشاطئ ما نتصور حصوله فى الماء فإذا نزلنا البحر اختلف تقييمنا للأمر بزاوية حادة ولأننا تعلمنا استنكار التسلية برضيع ، اى الاخلاق ، فى المدارس ولكن لا شئ يثبت عدم حصوله ليجمع عليه كلا طرفى النزاع ، التأليهيين والطبيعانيين رغم تقززنا من امكان حدوثه ٠
    وفى اطار تفصيل الكاتب لإقامة الحجة على انه لا توجد اى سمة من سمات الكون تحظى بتفسير افضل فى اطار التأليهية مما تحظى به الطبيعانية ٠ فإذا أخذنا سمة الوعى ، فالوعى مكتسب اى هو صناعى ، الوعى تمنحه القراءة والتجربة والخبرة فالوعى كما يتداوله العلماء ليس امرا سحريا او فريدا ٠ الوعى بئر ماء متاح للجميع الشرب منه طالما امتلكت اداة الشرب وكانت سليمة ٠ لو ان فلاحا فى قرية إفريقية او كان من قبيلة بدائية فهو لا يعرف البارود ولا الانترنت ولا ايا من منتجاتنا العلمية التى تمنح الانسان وعيا وهذا هو الوعى كما يستخدمه العالم لكنه ليس وياللمفارقة ما يريدونه ٠ يستخدمون الوعى باعتباره منتجا علميا ولذلك لم يستطيعوا فهمه أبدا ٠ لأنه طالما ظل كذلك ، اى منتج معرفى ، فهو متغير ومتطور إلى ما لا نهاية ٠ بينما الوعى الذى يميزنا عن كل الكائنات الأخرى فهو نفوسنا فى ذاتها التى تختلف عن نفوس الخلق كافة لاختلاف مصدر الخلق بين من خلق النفس الذى هو الاله الواحد بينما خلق الكون بما فيه الجسم الانسانى الهة آخر هم بدورهم خلقهم الخالق الواحد ٠ الوعى فى حقيقته بسيط وكلى ما ان تجزئه يصبح وعيا صناعيا معرفيا ٠ يكفى ان تعى ان تلك شجرة وهذا خبز وتلك امى وهذا بيتى ٠ الوعى لا يرد إلى العلم بل إلى النفس وانه هو هو النفس ٠ ولولا ارادة كمالنا (سبب ونتيجة ) ما شعرنا بحاجة للوعى ولا بالوعى كموضوع وحتى فى النوم انت تعى بكل شئ إلا شئ واحد انك تلك اللحظة نائم او فى خضم حلم ٠ فالوعى وعى بالذات ، بالحياة ، بأنك هنا والآن حى ، فأنت تعى إنسانيتك وانك لست ظرافة مثلا او خنزير ٠ انت هو انت ٠ باختصار الوعى وعى بالذات وليس بما تفعله او بما يحيط بالذات ٠ والى الجزء التالى ٠

  6. يقول احمد محمود خليل عبود:

    الكاتب الاستاذ جراهام أوبى ، انتقائى وأحيانا مراوغ ، كما سنبين ، وهذا لا يدهشنى ، فمعظم الكتاب ، لا الفلاسفة ، من اجل اثبات رؤيتهم يأتون بالأعاجيب وتطغى ذاتيّتهم على الموضوعية ، واذا كنت اقبل ذلك من العلماء الذين يأسرون المادة فى معاملهم ولا يدعونها حتى يستنطقوها بما أرادوه منها إن لم يكن بنسبة ١٠٠٪؜ فلا بأس ب ٩٩٪؜ ٠ فإنى لا اقبل بهكذا ذاتية من كاتب وصفه المترجم بالفيلسوف ٠ ذلك انه لا فلسفة بلا عدل ٠ واعتقد ان هذه طبيعة بنى الانسان ما ان يرى فى موضوع ما ارادة كمال له حتى يهرول وراءها طلبا لإمتلاكها ٠ ولو انه تحمد للأستاذ اوبى صراحته ، حين يبدأ بالقول دون مبرر عقلى كاف انه سيدافع عن الرأى القائل ان افضل الرؤى الشاملة هى رؤى إلحادية ٠ وكأنه مطلوب منى ان اصدق هذا وأسايره فيما لم يخبرنا بمصدر هذا الرأى ٠ وحين ذهب يوضح الفكرة العامة لهذه الحجة : وهو – وليس أنا – او انت – كقراء – هو من تبناها باعتبارها حجة ٠ تقول الحجة ، تأمل الكون الذى نقطنه فهو ساحة زمكانية شاسعة يعود تاريخها إلى ١٣ مليار سنة ، ويفترض الكاتب ان أشاركه صحة هذه المعلومة بينما نحن اولا لا نسكن الكون الزمكانى ، نحن نسكن الارض ، وليس كل الارض ، بل بيت فى شارع من حى ٠ كما ان العلم متغير كما يخبرنا تاريخه نفسه ، ونعلم جميعا ان علوم الفضاء والفلك متغيرة ، كل ما يتعلق بالفضاء هو فى طور التشكل وطور النظريات ، الاحتمالية ، والظنية ٠ وهذا لا أقرره أنا بل ما قرره العلم ، انه احتمالى وتبنى نظرية عدم اليقين ٠ وبينما يقرر الاستاذ ان ثمة كثيرا مانزال نجهله فإن علومنا الطبيعية منها والإنسانية تقدم تفسيرا يزداد شولا ودقة لكوننا وتاريخه ٠ وهذه مغالطة ، وتجاوز واضحة، اضافة إلى ما أثبته العلم عن اللاحتمية فإن مجرد جمع العلوم الانسانية والطبيعية فى جرة واحدة او لنقل بوتقة واحدة متجاوز ومتعدى على الحقيقة والواقع ٠:فشتان ما بين العلوم الإنسانية والطبيعية كما سنوضح لاحقا ٠ اول الخلط هو قصر العقلانية على الكائنات الحية الطبيعية ٠ وذلك يتبين فى قوله ان الطبيعانيين يرون انه لا توجد سوى القوى السببية الطبيعية والقدرات السببية الطبيعية فلا توجد قوى او قدرات فوق طبيعية تؤثر فى كوننا ٠ انتهى قوله وهنا يبدأ قولى ، لما كان ثمة تمايز واضح وملموس بين جميع الكائنات فهذا التمايز فى حد ذاته دليل على وجود قوى وقدرات فوق طبيعية والا ما تنوعت الأحياء ٠ وأثر تلك القوى فوق طبيعية واضح بداية من التنوع الذى يستحيل ان تنتجه المادة من تلقاء نفسها والا كانت مادة واحدة وكنا نحن الأحياء جنس واحد ٠
    السببية سواء كانت جزءا من النظام الطبيعى او تستند فى أصلها إلى اله واحد بوصفه مصدرها حسب قول الاستاذ جراهام كلاهما خطأ ٠ فلا وجود للسببية فى الطبيعة بقدر ما هى موجودة ومتحققه فى الانتاج العلمى الصناعى ٠ تجد ذلك فى التحاليل الطبية وفى الكيمياء والميكانيكا وكافة شئ انتجه الانسان بوصفه علما ٠
    ولأنى غير متفرغ اسمحوا لى بكتابة ما يعن لى دون تنسيق ٠ حجة حمل الكون على ظهر فيل تلاعب واضح من قبل الكاتب فلا اعتقد ان معظم التأليهيين بهذه السذاجة ، على الاقل فى عصرنا الحالى ، فحمل الكون على ظهر فيل هى أسطورة اعتقد ان التأليهيين ينكروها قبل سواهم ٠ أورد الاستاذ تلك الحجة فيما كان السؤال يتعلق بتفسير وجود الكون ، نشأته او ميلاده ولم يكن السؤال فيزيائيا وهو كيف تدور الكواكب فى الفضاء ولا تسقط وكأن ثمة تحت وفوق كما يوحى لنا الاستاذ فالمكان من وجهة نظرى لا وجود له ٠ المكان من وجهة نظرى ليس اكثر من حياة لغاية تبرر وجودها ارادة كمال الانسان سبب ونتيجة ٠ والى الجزء التالى ٠

  7. يقول احمد محمود خليل عبود:

    تعليق او نقد مقال جراهام اوبى فلسفة الالحاد والتدين ، الاختيار لك ٠ المهم ان تستمتع كقارئ ، او يستفيد ٠ وبما ان تعليقى سيكون طويلا ، وبما انى جاهل تماما بعمل تلك الأجهزة الذكية (اللعينة ) فسأورد تعليقى على جزئين لتقبل سيرفرات التحميل او ايا كان إرساله اليكم ٠ اولا ، وهو امر احسبه تافه لكنه اغاظنى لدرجة عدم استطاعتى الهروب دون التعليق عليه وكنت فى غنى عن استقبال او كلمة ساقها المترجم الاستاذ بتوتر ٠ اولا ، من ناحية الشكل وأظن ذلك تكرر اكثر من مرة بدأ المترجم ترجمته بالقول “فى هذا الفصل ” ونحن نعلم ان الفصل عادة هو فصل فى كتاب فما هو الكتاب واذا كان مقالا فكيف هو فصل فى مقال ٠ من ناحية الشكل ايضا لم يكن المترجم موفقا فى إيراده هوامش الفصل / المقال فى نهاية المقال لأنه فى الكتب الورقية بوسعى ان انتقل بطرف عينى فى خلال ثانية إلى الهامش اسفل الصفحة دون ان افقد استغراقى فى الموضوع بينما فى المقال الالكترونى يجب ان اتوقف عن الاسترسال فى مطالعتى والذهاب إلى نهاية المقال لمعرفة الموضوع الذى يعالجه الهامش وربما تهت فى اثناء العودة ٠ وهذا يفقدنى التركيز ويسبب لى ما يشبه القطع السينمائى ، الغير مهنى ٠ وأغلب الظن ان الاستاذ المترجم فى بعض مما ذكره كانت ترجمته حرفية فى تعبيرات مثل :” جميع الفرق الدينية فى العالم تؤول خبراتها عسيرة التأويل تأويلا يختلف اختلافاً كبيرا عن التأويل الذى تضفيه على الخبرات عسيرة التأويل “٠ يا الهى ، ليعذرنى الاستاذ وسيم ومشكور جهده لكن هذا لا يسوغ له معاقبتنا بهكذا مقال ٠ او مثل قوله :” إذا كانت هناك تحققات غير اشتقاقية للقيم الأخلاقية الموضوعية فى الواقع السببى الكلى فإن القيمة الموضوعية تكون أولية نظريا “٠ لا ادرى من قال او أوهم الكتاب وفى معيتهم المترجمين ان الفلسفة تعنى الغموض وحرق الدم فى سبيل الفهم ٠ ان موضوع الفلسفة الرئيسى والأصلي هو الحياة ، انظر حولك وتفلسف ٠ نحن لا نتفلسف ارضاء لسكان كوكب زحل او المريخ بل من اجل حياة افضل للبسطاء من الناس فى الشارع والحارات والأزقة ومن اجل حياة افضل للخاصة ساكنى القصور الذين مافتئوا يركبون على ظهور العامة ٠ ومن ناحية الشكل ايضا ، كان المقال يدور حول الطبيعة وما وراء الطبيعة ، فما علاقة الالحاد بالتدين فى هذا المقال (وهو عنوان المقال ) ٠ والى الجزء التالى ٠

شاركنا رأيك