ملخص
تشهد الإبستمولوجيا التاريخية اليوم انبعاثا جديدا. وقد أعاد هذا التجدد طرح مسألة أصولها وتكوّنها التاريخي. غير أن هذا التعبير لم يُصَغ في ستينيات القرن العشرين، كما كان يُعتقد، بل ظهر منذ سنة 1907 لدى أبيل ري. ويتمثل الغرض من هذا المقال في تقديم دراسة معمقة للمنهج الذي دعا إليه أبيل ري، مع إيلاء الاهتمام لما ترتب عليه من آثار متعددة.
مقدمة الترجمة
تأتي ترجمة هذا المقال في سياق الحاجة إلى توسيع مجال التداول العربي، والمغربي على وجه الخصوص، في تاريخ الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم، بما يتجاوز الأسماء التي استقرت طويلا في مركز الدرس الإبستمولوجي. فقد رسخت أسماء من قبيل غاستون باشلار، وتوماس كون، وكارل بوبر، وألكسندر كويريه حضورها في الكتابات والدراسات التي تتناول تاريخ العلم وفلسفته، حتى غدا استحضارها جزءا شبه ثابت من المدخل إلى الإبستمولوجيا. وليس المقصود التقليل من شأن هذا الحضور أو التشكيك في مشروعيته، وإنما لفت الانتباه إلى أن تاريخ النظر الإبستيمولوجي أكثر اتساعا وتنوعا من أن يُختزل في هذه الأسماء وحدها.
في هذا السياق يبرز اسم أبيل ري، الذي يكاد يغيب عن الدرس الإبستمولوجي المغربي، رغم أن أعماله تنتمي إلى لحظة حاسمة من تاريخ تشكل فلسفة العلوم في فرنسا، وأن مفهوم «الإبستمولوجيا التاريخية» يظهر في كتاباته منذ سنة 1907، أي قبل أن يستقر هذا التعبير في التداول الفلسفي في النصف الثاني من القرن العشرين. وتكتسب العودة إلى أبيل ري أهمية خاصة لأنها تتيح إعادة النظر في بعض التصورات الشائعة حول نشأة الإبستمولوجيا التاريخية، وتكشف أن الاهتمام بالتاريخ بوصفه مكوّنًا من مكونات التفكير في العلم لم يكن ابتكارا متأخرا، بل كان حاضرا في النقاشات التي رافقت إعادة بناء العلاقة بين العلم والفلسفة عند مطلع القرن العشرين.
ولا يتعلق الأمر بري وحده؛ فغياب اسمه يتجاور مع حضور محدود لأسماء أخرى أسهمت في بناء التقليد الفرنسي في فلسفة العلوم، من قبيل غاستون ميلو، وبيير كوستابل، وبول تانييري، وغيرهم من المفكرين الذين لا يحظون في الدرس الإبستمولوجي المغربي بما يتناسب مع موقعهم في تاريخ هذا التقليد. ومن ثم، فإن ترجمة هذا المقال لا تستهدف مجرد نقل نص من الفرنسية إلى العربية، بل تسعى أيضا إلى إتاحة مدخل إلى طبقة أقل تداولا في الدرس الإبستمولوجي العربي عامة والمغربي خاصة، وإلى استعادة بعض الحلقات التي تصل بين فلسفة العلوم في مطلع القرن العشرين وبين أشكالها التاريخية اللاحقة.
تنبع أهمية مقال أناستاسيوس برينر، «الإبستمولوجيا التاريخية عند أبيل ري»، من كونه لا يكتفي بالتعريف أبيل بري أو بإعادة بناء مساره الفكري، بل يتتبع تشكل مشروعه الإبستمولوجي وصلاته بالتقاليد التي سبقته وعاصرته، ولا سيما بوانكاريه، ودوهيم، وميلو، وتانييري، ثم يضيء علاقته اللاحقة بالوضعية المنطقية ودائرة فيينا وبالتقليد الذي سيتبلور، في فرنسا، مع باشلار وكانغيلام وتلامذتهما. ومن خلال هذا المسار تظهر الإبستمولوجيا التاريخية لا باعتبارها اتجاها نشأ فجأة في مرحلة متأخرة، وإنما باعتبارها نتيجة لمسار طويل تداخل فيه تاريخ العلوم مع تحليل مفاهيمها ومناهجها ومع التفكير الفلسفي في شروط المعرفة العلمية.
ولعل القيمة الأهم في إتاحة هذا النص للقارئ العربي تكمن في أنه يفتح نافذة على تاريخ غير مكتمل الحضور في دراساتنا الإبستمولوجية؛ تاريخ تتجاور فيه أسماء معروفة وأخرى ظلت بعيدة عن التداول، وتتشابك فيه مسارات فرنسية وألمانية وأنجلوسكسونية، بحيث لا يعود تاريخ الإبستمولوجيا خطا مستقيما يبدأ من أسماء محددة وينتهي عند اتجاهات معاصرة، بل شبكة من المشاريع والمناقشات والتقاطعات التي أسهمت، كلٌّ بطريقته، في إعادة صياغة السؤال عن العلم وتاريخه وشروطه ومفاهيمه.
جدول المحتويات
| الكاتب | أناستاسيوس برينر |
| ترجمة | يونس نحيب |
تقديم: أبيل ري
إن الحديث عن الإبستمولوجيا التاريخية عند أبيل ري لا يعني أن ننسب إلى فكره تعبيرا غريبا عن مؤلفاته أو أن نستعير له تسمية لم يستخدمها هو نفسه؛ فعبارة «الإبستمولوجيا التاريخية» ترد بالفعل في كتابات هذا المفكر منذ مطلع القرن العشرين، وقد استخدمها ري نفسه في وصف المنهج الذي اتبعه في عمله، كما أشار إلى ذلك حديثا جان-فرانسوا براونشتاين[1].
ولقد ظل هذا الأمر غائبا عن فلاسفة العلوم زمنا طويلا؛ إذ دأبوا، في الغالب، على ربط هذا النمط من الإبستمولوجيا بجورج كانغيلام والمدرسة التي نشأت حوله، وقصره عليهما. غير أن لهذا المعطى دلالة بالغة الأهمية؛ إذ يتضح منه أن الإبستمولوجيا التاريخية لم تظهر بوصفها استجابة متأخرة لفلسفة العلوم التحليلية، وإنما نشأت في الوقت نفسه الذي كانت فيه هذه الأخيرة تتشكل. وإذا كانت المناهج التي اتبعها التقليدان قد اختلفت، فإن كليهما نشأ في سياق تاريخي واحد، هو سياق أزمة العلوم التي شهدها أواخر القرن التاسع عشر. بل يمكن القول إن هذين التقليدين الكبيرين قد تشكّل كل واحد منهما في مواجهة الآخر، بحيث تحددت ملامح كل منهما من خلال علاقته بالتقليد المقابل.
بيد أن الإبستمولوجيا التاريخية تشهد اليوم انبعاثا جديدا. فهي تمثل تيارا فكريا يجسّده مفكرون مجددون غزيرو الإنتاج، من أمثال لورين داستون، وإيان هاكينغ، وهانس-يورغ راينبرغر. والأكثر إثارة للاهتمام أن هذا التيار لا يرتبط بتقليد وطني بعينه؛ فقد تطور في بلدان متعددة، وليس في فرنسا وحدها، ليتخذ شكل مشروع ذي طابع دولي: الإبستمولوجيا التاريخية.
ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن «الأسلوب الفرنسي» في مجال الإبستمولوجيا، وإنما بتحديد منهج يقوم على التاريخ. وأنصار هذا الاتجاه، الذين تلقى كثير منهم تكوينهم في التقليد التحليلي، يشعرون بالحاجة إلى تعديل مسار مقاربتهم. فمنهم من يسعى إلى التوفيق بين التحليل المنطقي والدراسة التاريخية، في حين يحاول آخرون بلورة مقاربة جديدة تصبح فيها للتاريخ الأولوية على المنطق.
من هنا تبرز عدة أسئلة: ما العلاقة بين الإبستمولوجيا التاريخية المعاصرة وتلك التي صاغها أبيل ري في بداياتها؟ وهل نحن على أعتاب تحول في فلسفة العلوم، أم أمام تراجع الانقسام بين الإبستمولوجيا التاريخية وفلسفة العلوم التحليلية، أم على العكس من ذلك أمام تصعيد حدة الجدل بينهما؟
غير أن المسألة لا تتعلق، في المقام الأول، بأولوية أحد التقليدين على الآخر؛ فري صاغ إبستمولوجيا تاريخية تختلف عن تلك التي بلورها كانغيلام. وللتعبير عن ذلك في كلمة واحدة: لقد كان ري محاورا متميزا لدائرة فيينا، وهي حركة فكرية تحتل موقعا محوريا في فلسفة العلوم التحليلية. وتُظهر حالته أن العلاقة بين التقليدين ليست بالضرورة علاقة تعارض يستحيل تجاوزه.
أولا: ظهور عبارة الإبستمولوجيا التاريخية
كتب أبيل ري في أطروحته الأساسية الصادرة سنة 1907، “نظرية الفيزياء عند الفيزيائيين المعاصرين”:
» لقد أطلقت الفلسفة، ولا سيما الفلسفة الأمريكية، اسم الإبستمولوجيا على أبحاث تتناول، على نحو يتجاوز البحث الوضعي المباشر، مبادئ العلوم وشروطها العامة. ولو أُخذ هذا اللفظ في معناه الوضعي، لأمكن أن يدل، على نحو ملائم، على البحث الوثائقي، وعلى مجموع الملاحظات التاريخية اللازمة لتكوين رؤية شاملة ودقيقة لمختلف العلوم، أي على علم وضعي للعلوم. وعندئذ، سيكون البحث التاريخي المتعلق بالطابع العام لكل علم أحد الأقسام الكبرى لهذه الإبستمولوجيا التاريخية.[2]«
لنستحضر أولا السياق، على أن نعود بعد ذلك إلى صياغة العبارة. تتناول أطروحة ري، في بحث دقيق ومستفيض، التصورات الفلسفية لدى الفيزيائيين. وميّز في موقفهم من النظريات الميكانيكية للمادة بين ثلاثة اتجاهات: اتجاها معاديا تمثله أنصار النزعة الطاقية، واتجاها نقديا يتجسد أساسا في موقف هنري بوانكاريه، واتجاها مؤيدا تتبناه أنصار النظرية الإلكترونية للمادة، وهي النظرية التي يدافع عنها ري.
وهكذا عاد أبيل ري إلى الجدل حول قيمة العلم، وهو الجدل الذي كان قد أطلقه بوانكاريه وبيير دوهيم في مطلع تسعينيات القرن التاسع عشر.
المقطع المقتبس مأخوذ من المقدمة، التي يسعى فيها أبيل ري إلى تحديد موضوعه ومنهجه. ويتمثل مقصده في تحديد “العلاقات بين منطق العلوم وتاريخ الفكر العلمي”، وفقا لعنوان الفقرة التي اقتُبس منها النص الذي نستشهد به. وعلى نحو أوسع، تهدف المقدمة إلى إرساء “تاريخ للفكر العلمي” انطلاقا من دراسة ملموسة لـ “الطابع العام لعلم الفيزياء.”
وهكذا يميز أبيل ري موقفه عن “منطق العلوم”. ورغم أنه لا يذكر أسماء مؤلفين، فإنه يحيل إلى مقال سابق تناول فيه، فيما يخص المقاربة المنطقية، جون ستيوارت ميل، وألكسندر باين، وتشارلز رينوفييه[3]. أما ري، فيدافع عن المقاربة التاريخية، مستندا إلى أعمال بول تانييري، وغاستون ميلو، وبيير دوهيم.
وبعد سنوات قليلة، سيوسّع اهتمامه ليشمل المذاهب الفلسفية القائمة على المنطق الرياضي الجديد[4]. وسيرى فيها امتدادا للاتجاه المنطقي الذي مثّله ميل، لكنه لن يسلك الطريق الذي فتحه لويس كوتورا وبرتراند راسل.
من المدهش أن يكون هذا الظهور المبكر لمصطلح “الإبستمولوجيا التاريخية” قد أفلت من انتباه الشُّرّاح طيلة هذه المدة. صحيح أن أبيل ري لم يكن مهتما بالحفاظ على هذه العبارة وتكريسها في مؤلفاته؛ إذ لم نعثر، بعد استقراء كتاباته الأساسية، على أي موضع آخر استخدم فيه هذا التعبير. بل إن ري حذف، في الطبعة الثانية من أطروحته، المقدمة التي يرد فيها المقطع الذي استرعى انتباهنا؛ ذلك أن هذه المقدمة كانت تتصل، في المقام الأول، بالجزء الثاني الذي حذفه.
غير أنه ينبغي، مع ذلك، فهم الأسباب التي دفعته إلى ذلك. فهو يقول:
»إذا كنا قد حذفنا الجزء الثاني الذي كان يتناول “العواقب الفلسفية”، فليس ذلك لأننا تخلّينا عن استنتاجاتنا آنذاك. فالتطور الراهن للفيزياء يبدو أنه قد أعطانا، إلى حد كبير، ما يبرر موقفنا. ولكن، لهذا السبب تحديدا، فإننا نؤجل العودة إلى هذه الاستنتاجات إلى وقت لاحق، بعد أن نكون قد واصلنا تاريخ هذا التطور حتى يومنا هذا؛ الأمر الذي سيسمح لنا بأن ندقق البرهان، ونستكمله، ونعززه «.[5]
وحسب علمنا، لم يحقق أبيل ري هذا المشروع قط. فبعد تطور النظريات الجديدة — النسبية والكمومات — هل تبيّن أن المهمة كانت شاقة أكثر مما ينبغي؟ أم أن ضرورات أكثر إلحاحا حالت دون إنجازها؟ ومهما يكن من أمر، فقد اكتفى ري، في الطبعة الثانية، بإضافة “لمحة عن التطور الراهن للفيزياء”.
وفي المقابل، يستخدم أبيل ري صيغا أخرى لوصف منهجه، من قبيل: تاريخ العلوم وفلسفتها، وتاريخ الفلسفة في علاقتها بالعلوم، أو كذلك تاريخ الفكر العلمي. ومع ذلك، ظلت كتاباته اللاحقة تجسّد فلسفة تاريخية للعلوم.
يبدو أن تعبير “الإبستمولوجيا التاريخية” لم يعاود الظهور إلا في ستينيات القرن العشرين. غير أنه ينبغي الانتباه إلى أن هذا التعبير قد يبدو، في اللغة الفرنسية، تكرارا دلاليا. فقد أُدخل مصطلح «الإبستمولوجيا» إلى اللغة الفرنسية منذ سنة 1900، وسرعان ما شاع استخدامه للدلالة على فلسفة العلوم في صورتها التي كانت تتبلور آنذاك، وهي فلسفة كانت تستمد جانبا كبيرا من مادتها من تاريخ العلوم. وكان المصطلح يدل كذلك على محاولة تطوير خطاب فلسفي يُعنى، على وجه الخصوص، بالمعرفة العلمية، ويقطع مع التأملات الشمولية التي كانت سائدة في الماضي.
وهكذا دعا دوهيم، اقتداء بتانييري، إلى “إبستمولوجيا تقوم على معرفة المناهج التي وجّهت بالفعل مسار التقدم العلمي”[6]. وكان يقصد بذلك تفكيرا في العلوم يستند، في آن واحد، على الإحاطة بالاكتشافات الحديثة وإلى ما يتيحه تاريخ العلوم من موارد.
ويبدو أن النزعة التاريخية التي أخذت تتشكل آنذاك كانت، إلى حد ما، تفرض نفسها انطلاقا من التصورين الكبيرين اللذين شكّلا نقطة انطلاق الجدل حول قيمة العلم: اتفاقية بوانكاريه والشمولية عند دوهيم. فبحسب بوانكاريه، إذا كانت الفرضيات تُختار بحرية، أمكن تقديم تبرير معقول لها استنادا على تطور العلم. أما عند دوهيم، فإن التقدم العلمي يُحدث فرقا بين المعرفة العلمية والمعرفة العامة. وفي كلتا الحالتين، تحتل الاعتبارات التاريخية مكانا مشروعا لا غنى عنه لجعل النشاط العلمي مفهوما.
ثانيا: مسار أبيل ري
لفهم الإبستمولوجيا التاريخية عند أبيل ري فهما دقيقا، وقد غدا عمله في طيّ النسيان، يجدر بنا أن نستعيد، ولو بإيجاز، مساره الفكري. وُلد ري سنة 1873، أي بعد بوانكاريه بنحو عشرين عاما، وتأثر به فيما بعد. وينتمي إلى الجيل نفسه الذي ينتمي إليه كوتورا وراسل، مؤسسا المنطق الرياضي، كما يسبق بنحو عشر سنوات الجيل الأول من أعضاء دائرة فيينا، موريتس شليك، وأوتو نويرات، وفيليب فرانك.
بعد أن درس الفلسفة في السوربون، حصل ري على شهادة التبريز (agrégation) سنة 1896، بالتوازي مع انخراطه في دراسة العلوم. وسينتهي به الأمر إلى جعل هذا التكوين المتعدد مطلبا أساسيا ينبغي أن يتوفر في الفيلسوف. ثم درّس ري في عدد من ثانويات الأقاليم، وناقش أطروحته لنيل الدكتوراه سنة 1907 تحت إشراف إميل بوترو. وفي السنة التالية، التحق بكلية الآداب في ديجون، حيث أسس مختبرا لعلم النفس التجريبي.
بدأت مرحلة جديدة في مساره المهني بعد الحرب العالمية الأولى، التي جُنّد خلالها. وفي سنة 1919، خَلَفَ أبيل ري ميلو في السوربون، وطلب أن يصبح اسم كرسيه منذ ذلك الحين “تاريخ العلوم وفلسفتها”. وكان ناشطا بقوة في سياسة البحث العلمي؛ إذ نجح سنة 1932 في استحداث معهد تاريخ العلوم، وسرعان ما اتسع مجال اختصاصه ليشمل التقنيات أيضا.[7]
وكان هدف هذا المعهد تشجيع التعاون بين التخصصات المختلفة، بين العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، على أن تضطلع الفلسفة فيه بدور جامع ومنظّم. وكان المعهد آنذاك فضاء فريدا من نوعه للتبادل بين التخصصات وعلى المستوى الدولي، وكان تابعا للكليات الخمس لجامعة باريس.
توفي أبيل ري سنة 1940؛ ولم يكن خلفه سوى غاستون باشلار، الذي كان ري قد أشرف، بالاشتراك مع ليون برونشفيك، على أطروحتيه لنيل الدكتوراه.
خلال سنة 1903، نشر ري كتابين تعليميين، “دروس أولية في علم النفس والفلسفة[8]“ (Leçons élémentaires de psychologie et de philosophie) و”عناصر الفلسفة العلمية والأخلاقية[9]” (Éléments de philosophie scientifique et morale)، وكان هذان الكتابان يهدفان إلى تجديد برنامج قسم الفلسفة، بإتاحة مكان للاتجاهات الجديدة، ولا سيما فيما يتعلق بعلاقة الفلسفة بالعلوم.
وفي تلك الفترة نفسها، ألّف مقالا بعنوان “الفلسفة العلمية للسيد دوهيم” [10](La philosophie scientifique de M. Duhem)، وقد دفع هذا المقال دوهيم إلى الرد عليه، وأفضى إلى نقاش متواصل بين الفيلسوف والعالِم حول قيمة النظريات الفيزيائية.
وفي كتابه “الفلسفة الحديثة[11]“ (La Philosophie moderne) الذي صدر بعد أطروحته بفترة وجيزة، قدّم أبيل ري عرضا أكثر اتساعا وأكثر شخصية لآرائه. فقد تناول دراسة المشكلات الكبرى للفلسفة كما أعادت العلوم صياغتها، فلم يقتصر على العدد والمادة، بل تناول أيضا الحياة، والعقل، والأخلاق، والحقيقة. وأعاد صياغة المذهب الذي كان أوغست كونت قد أسّسه إعادة عميقة، في اتجاه الواقعية، وطرح ما سمّاه “الوضعية المطلقة”.
ومن مؤلفاته التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى كتاب “العود الأبدي وفلسفة الفيزياء”[12] ( Le Retour éternel et la philosophie de la physique) ، ويتناول فيه ما تترتب على الديناميكا الحرارية من نتائج وإشكالات فلسفية.
أما السنوات الأخيرة من حياته، فقد انشغل فيها بتأليف “العلم في العصور القديمة” (La Science dans l’Antiquité ). ويهدف هذا العمل، الذي يتألف من عدة مجلدات، إلى جمع نتائج الدراسات التاريخية منذ أعمال تانييري الرائدة، وإلى توفير أساس لرؤية فلسفية تفسح للعلم مكانه فيها[13].
ثالثا: تلقي أعمال أبيل راي.
لا ينبغي الاعتقاد بأن مقاربة أبيل ري قد مرّت من دون أن تحظى بالانتباه في عصرها. فقد لقت أطروحاته اهتماما ملحوظا، كما يشهد على ذلك التقرير الإيجابي الذي نُشر عن مناقشة أطروحته في “مجلة الميتافيزيقا والأخلاق” (Revue de métaphysique et de morale). كما أن تعيين ري، بعد وقت قصير، في منصب جامعي يشكل مؤشرا آخر على ما حظيت به أعماله من تقدير.
ويرى دوهيم، الذي خصّ أطروحة ري بعرض مطوّل، أن هذه الأطروحة، في أعقاب ما بدأه كوتورا، تؤشر إلى ما لا يقل عن تحوّل في طبيعة العلاقة بين العلم والفلسفة، بعد قرن من القطيعة بينهما:
«إن السيد أبيل ري يعيد توثيق الصلة التي كان السيد كوتورا قد أعاد وصلها. ولو لم يكن قد أنجز سوى ذلك، لكان جديرا بالفعل بامتنان جميع الذين يشغلهم مستقبل الفلسفة. غير أن قيمة عمله لا تكمن في هذا وحده؛ فهو يكتسب قيمته أيضا من أهمية المشكلة التي تناولها المؤلف، ومن العناية التي أولاها لإعداد الحل الذي يقترحه.»[14]
وفي الواقع، يقترح أبيل ري تحليلا معمقا لأزمة الفيزياء وللتأمل الفلسفي الذي أثارته هذه الأزمة. وعلى الصعيد الدولي، قدّم عالم الرياضيات والفيلسوف الإيطالي فيديريغو إنريكيز عرضا نقديا لأطروحة ري، عبّر فيه عن اتفاقه مع الأهداف التي يتوخاها صاحبها:
«يبدو لي أن المنظور الفكري الذي يهيمن على عمل السيد ري سليمٌ إلى حد كبير. وأنا أشاطره الرأي في أن نظرية الفيزياء قد شابها شيء من التشويه بفعل ميل علماء الرياضيات إلى الاسمية، كما يسرّني أن ألاحظ تفضيله للتمثلات الميكانيكية على النظريات المجردة الخالصة للظواهر الفيزيائية. إنها ثأر الحدس الخلّاق من المنطق العقيم.»[15]
ويعد إنريكيز، الذي طوّر بدوره فلسفة تاريخية للعلوم، أحد المفكرين الذين ورد ذكرهم في «بيان دائرة فيينا» بوصفهم مصدرا من مصادر الإلهام[16].
لكن الحالة الأكثر لفتا للانتباه تتمثل في كيفية تلقّي أعمال أبيل ري في النمسا. فقد أعدّ رودولف آيسلر، وهو فيلسوف فييني ذائع الصيت، ترجمة ألمانية لعمله. وتجدر الإشارة إلى أنه اختار أن يترجم التعبير الذي نعالجه هنا بـ«historische Epistemologie» ــ أي «الإبستمولوجيا التاريخية» ــ بدلا من المصطلحين الأكثر شيوعا في الألمانية “نظرية المعرفة” «Erkenntnistheorie» أو “نظرية العلوم”«Wissenschaftstheorie»[17].
وهكذا أصبح هذا التعبير متاحا في اللغة الألمانية منذ مطلع القرن العشرين. ولم يثر استخدامه للدلالة على فلسفة تاريخية للعلوم أي إشكال في اللغة الإيطالية. أما الأمر فمختلف لدى الفلاسفة الناطقين بالإنجليزية، الذين أخذوا مصطلح «الإبستمولوجيا» بمعنى «نظرية المعرفة».
إبّان سنة 1910، خصّ فيليب فرانك الترجمة الألمانية لأطروحة أبيل ري بعرض نقدي، وذهب إلى حد التصريح بأن «الأمر يتعلق بأول كتاب باللغة الألمانية يقدّم تركيبا منهجيا للبحث الحديث عند الحد الفاصل بين الفيزياء والفلسفة»[18].
وفي الواقع، يعرض ري تطور الديناميكا الحرارية وما تثيره من قضايا فلسفية، جامعا بين أعمال ماكورن رانكين، وإرنست ماخ، وفيلهلم أوستفالد، ودوهيم، على نحو يضيء للقارئ الناطق بالألمانية أوجه الصلة بينها. وإضافة إلى ذلك، يساعد أبيل ري قارئه على استخلاص النتائج المترتبة على أبحاث علماء كانوا يولون اهتماما للمشكلات الفلسفية.
وعلى وجه الخصوص، يقدّم تركيبا لـ«الملاحظات الحكمية» لبوانكاريه. كما يبيّن أن دوهيم، وإن لم يستخدم هذا المصطلح، كان يتجه نحو أكسمة الفيزياء، أي نحو صياغتها في نسق من المبادئ والمسلمات التي تُبنى عليها قوانينها ونظرياتها.
ينبغي وضع هذا العرض النقدي في سياق حلقة من النقاش الفكري كان فرانك أحد أعضائها. وكانت تضم أيضا أوتو نويرات، وهانس هان، وريتشارد فون ميزس. ويرى المؤرخون في هذه الحلقة محطة مهمة في تشكّل الوضعية المنطقية، ويطلقون عليها اسم “دائرة فيينا الأولى”.
ونجد فيها، منذ ذلك الوقت، عددا من الأطروحات التي ستصبح من السمات المميزة لهذا الاتجاه، بما يزوّدنا بمؤشرات ثمينة على الكيفية التي تبلور بها هذا التيار الفكري. فمنذ سنة 1907، أبدى كل من هان وفرانك اهتماما بفكر بوانكاريه: فقد كتب الأول عرضا نقديا للترجمة الألمانية لكتاب «قيمة العلم»[19]؛ أما الثاني، ففي مقال له صدر سنة [20]1907، سعى إلى تطبيق أطروحة الطابع الاصطلاحي لفرضيات الفيزياء على مبدأ السببية.
ومن اللافت أن الكتابات الفرنسية كانت تنتشر بسرعة في البلدان الناطقة بالألمانية. فإلى جانب كتابَي دوهيم «النظرية الفيزيائية» و«تطور الميكانيكا»[21]، كانت كتبه الأربعة الرئيسية لبوانكاريه قد تُرجمت قبل الحرب العالمية الأولى. ولم يتأخر المفكرون الفيينيون الذين أشرنا إليهم في إدراك وجود تيار فكري في هذه الكتابات، سرعان ما أطلقوا عليه اسم “الاصطلاحية” (conventionnalisme).
وهكذا تندرج دراسة ري، “نظرية الفيزياء عند الفيزيائيين المعاصرين” (La Théorie de la physique chez les physiciens contemporains)، ضمن المصادر الفرنسية للوضعية المنطقية[22]. ويشير فرانك، على وجه الخصوص، إلى المناقشات المتكررة التي دارت بينهم حول هذا الكتاب[23].
يقدّم أبيل ري عرضا دقيقا لتطور المذهب الاصطلاحي. فالتفسير العلمي لا يختزل في التفسير الميكانيكي. وهذا التحرر من الغاية التي تُنسب إلى النظريات العلمية لا يعني أن العلم يفتقر إلى قيمة معرفية. وهكذا يقدّم ري جوابا عن الأزمة التي كانت تمر بها العلوم عند منعطف القرن العشرين.
ويؤكد نويرات بدوره شهادة فرانك. فعند استعادته لمساره الفكري، كتب:
«سأحاول أن أصف كيف طوّرتُ أنا نفسي، بوصفـي تجريبيًا منطقيًا، موقفي من العلوم ومن وحدتها. فقد نشأ عددٌ منا، إلى جانبي، في إطار تقليد ماخي [نسبة إلى إرنست ماخ]، ومن بينهم، على سبيل المثال، فرانك، وهان، وفون ميزس. ولهذا السبب، حاولنا الانتقال من الكيمياء إلى البيولوجيا، ومن الميكانيكا إلى علم الاجتماع، من دون تغيير اللغة المستخدمة في هذه التخصصات. وقد تأثرنا بعلماء من أمثال بوانكاريه، ودوهيم، وأبيل ري، وويليام جيمس، وبرتراند راسل.»[24]
سيعود فرانك إلى أبيل ري سنة 1917، في مقال له حول فلسفة العلوم عند إرنست ماخ. وقد استشهد بمقطع مأخوذ من مستهل أطروحة ري، ثم أضاف، في معرض حديثه عن المفاهيم النظرية للفضاء والزمن والمادة:
«نجد هنا عرضا بالغ الوضوح للمخاطر التي يمكن أن تترتب، بالنسبة إلى التصور العام للعالم برمته، على فيزياء لا تستند، من الناحية الإبستمولوجية، إلى أسس أخرى غير هذه المفاهيم المساعدة التي كانت موضع نقد شديد.»[25]
وسيؤدي هذا الاتصال الأول بعمل أبيل ري إلى إقامة روابط أوثق، بعد تأسيس دائرة فيينا، ومع انطلاق الوضعية المنطقية بوصفها حركة فلسفية واكتسابها زخما متزايدا.
وفي سنة 1935، نظمت دائرة فيينا مؤتمرها الدولي الأول للفلسفة العلمية في باريس. وكان ري، بعتباره أستاذا في السوربون آنذاك، عضوا في لجنته التنظيمية. وقد اجتمع في هذا المؤتمر نحو مئة وسبعين فيلسوفا وعالما من نحو عشرين بلدا. وكانت الوضعية المنطقية ممثلة فيه على نطاق واسع، إلى جانب العديد من المفكرين الآخرين المنفتحين على العلوم.
شهدت هذه المرحلة إقامة عدة أشكال من التعاون. فقد تُرجمت إلى الفرنسية مقالات تتناول برنامج دائرة فيينا، ولا سيما مقالات فرانك ونويرات وشليك. ونُشر عدد منها في “مجلة تركيب” (Revue de synthèse)، التي كان أبيل ري يشغل فيها منصب المدير المشارك.
ومع ذلك، فإن هذا اللقاء لم يستجب بصورة كاملة للتوقعات التي كان الوضعيون المنطقيون يأملون أن يحققها. فقد وافق ري على الانضمام إلى اللجنة العلمية لـ”الموسوعة الدولية للعلم الموحّد” (Encyclopédie internationale de la science unitaire)، التي كان نويرات يتولى تحريرها، لكنه لم ينضم إلى برنامج دائرة فيينا، وأبدى انتقادات تجاه منهج يتمحور حول المنطق.
غير أن ذلك لم يمنع فرانك من أن يمنح أبيل ري مكانة بارزة عندما عاد، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الحديث عن نشأة الوضعية المنطقية. وكان فرانك، في تلك المرحلة، يعمل على تطوير سوسيولوجيا للعلوم تولي التاريخ اهتماما خاصا. ووفقا لفرانك، لم يقدّم ري رؤية شاملة للتفكير في العلوم عند منعطف القرن العشرين فحسب، بل أظهر أيضا الطريق إلى إعادة صياغة الوضعية.
ويتناول فرانك بالتعليق عدة مقاطع من مقدمة أطروحة ري ومن جزئها الثاني. وإذا كان لم يتوقف عند عبارة «الإبستمولوجيا التاريخية»، فإن ما استرعى انتباهه بالفعل هو هذان الجزءان من الكتاب، لأنهما يتناولان تاريخ الفكر العلمي.
ثم يواصل فرانك، فيقتبس بشكب مطول مقطعا من الجزء الثاني من أطروحة أبيل ري حول العواقب الفلسفية:
«إن ما ينقص وضعية كونت، وما ينقص حتى مذهب ستيوارت ميل، حتى يكون موافقا للنتائج الراهنة للنقد الذي أخضع العلماءُ الفيزياءَ له […]، هو أنه لم يحاول أن يستعيد، في صورة أخرى، نظرية للمقولات. فالتجربة الموضوعية ليست شيئا خارجيا ومستقلا عن الفكر. إن التجربة الموضوعية والفكر مرتبطان أحدهما بالآخر ارتباطا وظيفيا […] إن التجربة نسق، وعلاقةُ علاقات. فالعلاقة، إذن، هي المعطى»[26]
يكاد المرء يظن أنه يقرأ نصا لدائرة فيينا. غير أن غاية ري، كما يشرح ذلك قبل بضعة أسطر، تتمثل في الكشف عن الفكر العلمي الكامن في العلم الراهن، من خلال دراسة تطوره الحديث.
ثالثا: الإبستمولوجيا التاريخية عند كانغيلام وتلامذته
قبل التعمق في تصور أبيل ري، ينبغي أن نستعيد الطريقة التي عثر بها كانغيلام من جديد على تعبير «الإبستمولوجيا التاريخية».
ففي مقال له صدر سنة 1963 بعنوان “تاريخ العلوم في العمل الإبستمولوجي لغاستون باشلار” (L’histoire des sciences dans l’œuvre épistémologique de Gaston Bachelard)، يكتب:
«إذا كان تاريخ العلوم يتمثل في جعل عملية تشييد المعرفة، بما تنطوي عليه من صعوبة وتعثر واستئناف وتصحيح، محسوسة ومفهومة في آن واحد، فإن إبستمولوجيا باشلار هي تاريخ للعلوم يظل قائما على الدوام وفي طور التحقق. ومن هنا اهتمامه بالأخطاء، وبالأهوال، وبالاضطرابات، وبكل ما يمثل ذلك الهامش من التاريخ التاريخي الذي لم تغطّه الإبستمولوجيا التاريخية.»[27]
من المرجح أن يكون كانغيلام قد استعار هذا التعبير من أبيل ري عن وعي وقصد. فالمقال، في الواقع، يستهل بالإشارة إلى ري بوصفه سلفا لباشلار. ولنتذكر أن ري أشرف على أطروحة باشلار، وأنه سبقه في السوربون، كما سبقه في إدارة معهد تاريخ العلوم والتقنيات. ويستشهد كانغيلام به في معرض حديثه عن تاريخ هذا التخصص، كما يحلل، على نحو مفصل، الأطروحة التكميلية التي أهداها باشلار إلى ري.
وكما لاحظنا، فإن كانغيلام لا يتبنى هذا النمط من الإبستمولوجيا. وقد يثير ذلك شيئا من الدهشة، إذ تبدو نقاط عديدة كفيلة بالتقريب بين باشلار وسلفه؛ من ذلك، مثلا، رفض التحليل المنطقي المحض، وتفضيل المنهج التاريخي، والاهتمام بالفيزياء، ونقد النزعة الشكية.
ولعل كانغيلام، في هذا المقال التكريمي الذي نُشر في السنة التالية لوفاة باشلار، يميل إلى إبراز أصالة هذا المفكر. ذلك أن الأهمية التي أُسندت إلى الخطأ، وإلى الطرق المسدودة، وإلى العوائق، كانت حاضرة بالفعل في تجديد تاريخ العلوم لدى تانييري ودوهيم وري.
غير أن لدى كانغيلام أسبابه في ذلك. فقد رأينا أن أبيل ري لم يتمكن من تحديث تفكيره الإبستمولوجي بما يراعي النظريات الجديدة، أي النسبية وميكانيكا الكم. وإذا كنا نجد لدى ري استباقا لمفهوم القطيعة الإبستمولوجية، بمعنى وجود انقطاع بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية، فإنه ظل، مع ذلك، متمسكا برؤية للتاريخ من منظور التطور والاستمرارية والتراكم.
أما باشلار، فقد اختار تصورا لا استمراريًا [قطائعيا] على المستويين الإبستمولوجي والتاريخي معا. وإضافة إلى ذلك، يسعى كانغيلام إلى تطوير فلسفة للبيولوجيا؛ ولذلك يرفض النزعة الفيزيائية (physicalisme). وأخيرا، فإن الوضعية المنطقية، في صورتها التي كانت عليها خلال ستينيات القرن العشرين، بعد عودتها من أمريكا الشمالية، لم تعد هي نفسها الوضعية التي كانت عليها في زمن دائرة فيينا؛ فقد تراجعت الدوافع السياسية والاهتمام الموسوعي إلى الظل، وحلّ محلّهما التحليل المنطقي.
ومع ذلك، وبعد نحو ست سنوات، سيكتب كانغيلام مقدمة لكتاب ألّفه أحد طلابه في ذلك الوقت، دومينيك لوكور، وقد حمل الكتاب عنوان: “الإبستمولوجيا التاريخية لغاستون باشلار“ (L’Épistémologie historique de Gaston Bachelard).[28]
فهل كان لوكور هو الذي أقنعه بتبني هذا التعبير؟ ومهما يكن من أمر، فمنذ تلك اللحظة أخذ هذا التعبير يلقى رواجا واسعا، وأصبح يُستخدم للدلالة على هذه المقاربة التي كان كانغيلام يسعى إلى ترسيخها مستندا إلى باشلار، والتي كان يطلق عليها “الأسلوب الفرنسي في تاريخ العلوم”. وهكذا يكتب، متحدثا عن كونت:
» وليسمح لنا بأن نرى في مثل هذا التصور الفلسفي لتاريخ العلوم مصدرَ ما كان، وما ينبغي أن يظل، في نظرنا، سمةَ الأصالة التي تميز الأسلوب الفرنسي في تاريخ العلوم.»[29]
لم يكرّس كانغيلام قط دراسةً للوضعية المنطقية، غير أن نصوصا متفرقة كتبها على امتداد السنين ترسم بوضوح موقفه منها، وهو موقف يقوم على معارضة صريحة.[30]
وقد فرض تعبير “الإبستمولوجيا التاريخية” نفسه للدلالة على مختلف أشكال فلسفات العلوم التاريخية التي تبلورت على امتداد الزمن. فقد وسّع لوكور، مثلا، نطاق هذا التعبير في وقت لاحق ليشمل مذاهب أخرى غير مذاهب المدرسة الباشلارية. وهو يستخدمه صراحة لوصف تصورات إميل مَيِرسون وبرونشفيك، مع تأكيده في الوقت نفسه وجود تقارب بينها وبين التاريخ الإبستمولوجي لألكسندر كويري.[31]
كان من المنتظر أن يحدث تقارب بين المدرسة الباشلارية والنقد الموجَّه إلى الوضعية المنطقية، الذي ظهر في الولايات المتحدة خلال ستينيات القرن العشرين على يد مفكرين من أمثال توماس كون، وإيمري لاكاتوش، وبول فايرابند، وكذلك هيلاري بوتنام. فهاتان المدرستان تدافعان، في الواقع، عن أهمية تاريخ العلوم بالنسبة إلى فلسفة العلوم. كما أنهما تعيدان الاعتبار إلى سياق الاكتشاف في مقابل سياق التبرير، وترفضان تصورا استمراريا لتطور العلم.
ومع ذلك، لم يحدث بينهما لقاء حقيقي. فعند استقراء مؤلفات هؤلاء المفكرين الناطقين بالإنجليزية، لا نعثر إلا على عدد قليل جدا من الإحالات على الإبستمولوجيا الفرنسية. وقد انتهى بوتنام، في أحد مؤلفاته المتأخرة، إلى التطرق إلى ميشيل فوكو. وإذا كان يعترف بوجود أوجه تشابه مع فلسفة العلوم عند كون، فإنه سرعان ما ينتقص من قيمة فوكو، متهما إياه باستخدام لغة غامضة والانزلاق إلى النسبية. ولا تعكس قراءته اهتماما جادا بأعمال فوكو بقدر ما تكشف عن صعوبة في الفهم نشأت بين تقليدين فكريين.
أما راينبرغر، الذي يقترح اليوم استئناف مشروع الإبستمولوجيا التاريخية، فيعود إلى تاريخ هذا التقليد في مقالته “نحو تأريخ الإبستمولوجيا” ( (On Historicizing Epistemology . ويقيم فيها عدة تقاطعات مع ما بعد الوضعية؛ إذ يدافع فايرابند عن تصور للعلوم التجريبية وللطريقة التي تُنتَج بها المعرفة فيها، وهو تصور سبق أن وجدناه، لا عند تولمين فحسب، بل لدى فليك أيضا، وبوجه خاص لدى باشلار في إبستمولوجيته اللادِّيكارتية[32].
ويمكن أن نرى في تطور ما بعد الوضعية تقاربا مع الإبستمولوجيا التاريخية. فعلى سبيل المثال، تكشف تاريخية المعرفة، التي رسم فايرابند معالمها في أحد مؤلفاته الأخيرة، “غزو الوفرة” (Conquest of Abundance)[33]، عن تماثل لافت مع الأنطولوجيا التاريخية لدى فوكو. ولذلك لا يتردد إيان هاكينغ في الجمع بين هذين المفكرين، انتصارا لمنظوره التاريخي الخاص.[34]
رابعا: النقاشات حول مكانة الفلسفة
لنعد الآن إلى المصطلحات التي يستخدمها أبيل ري عندما يقدّم مفهومه لـ«الإبستمولوجيا التاريخية». فعندما يتحدث ري عن «الطابع العام لكل علم»، فإنه يحيل بوضوح إلى كونت. ففي مستهل «دروس في الفلسفة الوضعية»، يحدّد كونت مقصده على النحو الآتي:
«إن الأمر هنا يقتصر على النظر في كل علم أساسي من حيث علاقاته بالنسق الوضعي بأسره، ومن حيث الفكر الذي يميّزه، أي من زاويتين اثنتين: مناهجه الأساسية ونتائجه الرئيسية.»[35]
غير أن ري لا يكتفي بالعرض العام الذي يقدمه كونت، ومن هنا إصراره على «البحث الوثائقي»، الذي يجد تطبيقا له عند تانييري. أما عبارة «علم وضعي للعلوم»، فليست سوى طريقة لتعريف الإبستمولوجيا. ومن خلال ذلك، ينخرط أبيل ري في النقاشات الفكرية التي كانت دائرة في عصره. ويمكن أن نستحضر في هذا الصدد مقطعا لبوترو:
«ألا يمكن للفلسفة أن تكون هي نفسها، إن لم تكن علمَ العلوم، فعلى الأقل علما مماثلا للعلوم الأخرى ومتناسقا معها؟ […] لقد جرى، في عصرنا، تطبيق فكرة التعامل مع الفلسفة فعلا بوصفها علما وضعيا على نحو بارع من جانب عدد كبير من المفكرين. غير أن نتيجة أبحاثهم تبدو وكأنها لم تكن سوى تفكيك الفلسفة تفكيكا كاملا إلى تعدد من العلوم المتمايزة.»[36]
لقد كان لتَكَوُّنِ علوم جديدة خلال القرن التاسع عشر — البيولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع — أثرٌ تمثل في تجريد الفلسفة من موضوعات الدراسة التي اعتادت أن تتناولها: الحياة، والوعي، والمجتمع. وأصبحت الفلسفة، منذ ذلك الحين، أمام معضلة: فإما أن تجعل من مهمتها تركيب العلوم، لكنها تخاطر عندئذ بالدخول في تعارض مع العلم؛ وإما أن تنكبّ على كل تخصص على حدة، فيكون الخطر هذه المرة أن تستوعبها العلوم وتبتلعها.
كيف يتصور أبيل ري علاقة الفلسفة بالعلوم؟ في مقال له صدر سنة 1909 بعنوان “نحو وضعية مطلقة” [37](Vers un positivisme absolu)، يعالج ري المسألة في منظور تاريخي. فقد بدأ القرن التاسع عشر بانفصال بين الفلسفة والعلم، كان نتيجةً في آن واحد للروحانية الفرنسية والمثالية الألمانية. ولم تتمكن ردود فعل كونت والماديين من تجاوز هذا الانفصال. غير أنه خلال سبعينيات القرن التاسع عشر، تزامن ازدهار العلوم الإنسانية مع إعادة النظر في شروط الموضوعية العلمية، فاستأنف ري مهمة التقريب بين العلم والفلسفة، واتخذها على عاتقه.
واستند في ذلك إلى سلسلة من الاكتشافات العلمية، في الرياضيات والفيزياء كما في علم النفس. وتتمثل إجابته في تصور الفلسفة بوصفها نسقَ العلوم الوضعية[38]. وليس المقصود بذلك اقتراح تنظيم نسقي للمعارف العلمية على غرار ما فعل كونت؛ إذ إن الخطر في ذلك يكمن في الانزلاق إلى تصور دوغمائي وجامد. وإنما يقترح ري رؤية منفتحة: مؤقتة ونسبية.
ويوضح، في ختام مقاله، الكيفية التي يتصور بها مهمة الفلسفة، فيقول:
«ينبغي للوضعية المطلقة […] أن تهدف إلى استخلاص هذه الفلسفة من العلم، وذلك بتطبيق المنهج والنقد التاريخيين على دراسة الفكر العلمي المعاصر، وهما، في جوهرهما، منهجها الخاص.»[39]
لا يصح أن نختزل وضعية أبيل ري في مجرد الدفاع عن الاتجاهات الفلسفية السائدة في فرنسا. فهي، من حيث كونها وضعية، تمثل سعيًا إلى تجاوز التعارضات الميتافيزيقية القديمة. ولهذا يوضح ري، في خاتمة كتابه “الفلسفة الحديثة”، ما يلي:
«يمكن أن نطلق على الموقف الفلسفي الذي جرى رسم معالمه في أثناء هذه الدراسات الموجزة اسم الوضعية العقلانية، أو الوضعية المطلقة، أو النزعة العلمية. ولتجنب كل التباس، قد يكون من الأفضل أن نسميه: التجريبية؛ إذ إن هذا الاسم يدل، في الوقت نفسه، على أنه يقوم برمته على التجربة — ولكن، خلافا للتجريبية القديمة، على التجربة المضبوطة، التي هي ثمرة التجريب العلمي —، وعلى أنه، في واقعيته المطلقة، وفي أحاديته التجريبية، يرفض أن يتجاوز التجربة إلى ما هو أبعد منها.»[40]
اختلاف في المنهج: الدراسة التاريخية في مقابل التحليل المنطقي
سنة 1937، أي بعد عامين من مؤتمر باريس حول الفلسفة العلمية، نشر أبيل ري مقالا يحدد فيه موقفه إزاء الوضعية المنطقية. وقد جاء مقال “من الفكر البدائي إلى الفكر الراهن” (De la pensée primitive à la pensée actuelle) في مستهل المجلد الأول من “الموسوعة الفرنسية “. يتناول هذا المجلد، الذي يندرج ضمن موسوعة منظمة بحسب الموضوعات، مسألة «الأدوات الذهنية»، وهو مفهوم يبدو أن أبيل ري هو الذي صاغه، والذي سيؤدي دورا مهما في المدرسة التاريخية الفرنسية.
وفي القسم الثاني من مقاله، يتناول ري التفكير المنطقي. فيقدم وصفا لتطور المنطق الرياضي الحديث، مستحضرا، من بين آخرين، بوانكاريه وهيلبرت. وفي معرض حديثه عن المنطق الصوري، يكتب ري:
«ومن ثم، فإن نعت «الصوري»، حين يُطلق على المنطق القديم، ليس في غير موضعه هنا. فنحن بالفعل أمام مجموعة من الصيغ التي تُبنى بعضها انطلاقا من بعض، انطلاقا من النفي وحده، مثلا، في أحد أكثر الأنساق نجاحا، وهو نسق راسل. أما طبيعة الأشياء فتبقى x لا تثير أي اهتمام بالنسبة إلى ملكتنا النظرية، كما لا تهم احتياجاتنا العملية.»[41]
يتجه أبيل ري بعد ذلك إلى مدرسة فيينا، ويقيّم تقييما إيجابيا التوجه العام للوضعية المنطقية، التي ينحدر برنامجها من كونت، وقد تعزز بتأثير ماخ، وهو يمثل وضعية جديدة. بل إن ري يذهب إلى حد وصفه بأنه «وضعية مطلقة»، وهو المصطلح نفسه الذي كان قد استخدمه، كما رأينا، للدلالة على فلسفته الخاصة. وهكذا تفضي هذه النزعة إلى «جهل مطلق بالواقع في ذاته ضمن وضعية مطلقة. فما دمنا لا نستطيع أن نعرف شيئا عن طبيعة الأشياء — وهو ما من شأنه أن يكون تدخّلًا للميتافيزيقا —، وما دامت كل معرفة ليست سوى علاقة، فإن من المتصور أن تنتظم هذه العلاقات في صورة قضايا تحصيل حاصل.»[42]
كما أن أبيل ري مستعد أيضا لتبنّي النزعة الفيزيائية (physicalisme)، التي جرى إبرازها في المذهب الثاني لدائرة فيينا: فالفيزياء تقدم نموذجا للمنهج العلمي.
لكن ري، حين يعمّق فحصه، لا يفوّت الإشارة إلى وجود تنوع في الأنساق المنطقية، مستندا إلى أعمال بروير، ولوكاشيفيتش، وتارسكي… وهو ما يبيّن أن المنطق الكلاسيكي من الرتبة الأولى لا يمكن أن يكون الأساس الوحيد لتحليل فلسفي. وإضافة إلى ذلك، يشدد على أن المنطق أداة في المقام الأول؛ إذ يتمثل غرضه في مساعدتنا على بناء خطاب متسق حول العالم.
ويمضي أبيل ري إلى صياغة اعتراضات دقيقة. أولا:
«إن المسألة كلها، إذن، هي معرفة ما إذا كان يمكن اعتبار التجربة والإطار مستقلين استقلالًا مطلقًا أحدهما عن الآخر. أفلا يتفاعلان، بطبيعتهما، على نحو متواصل، وربما على نحو يتعذر تمييزه؟ أليس من غير المفهوم أن يكونا منفصلين أحدهما عن الآخر إلى هذا الحد الكامل؟»[43]
ويستبق هذا الاعتراض، بمعنى ما، رفض كواين للثنائية بين التحليلي والتركيبي.
يتابع ري:
«إنها آلية آسرة ببساطتها وصرامتها. ولا شك في أنها ضرورية بوصفها وسيلة منطقية صارمة للتعبير، وللتخلص، إن شئنا، من المشكلات الزائفة؛ ولكن هل يمكن لها، من وجهة نظر تكوّن المعرفة والفعل النفسي للمعرفة، أن تدّعي أنها كافية؟ وهل تقدم لنا التأويل الحقيقي والبنية الفعلية للمعرفة؟»[44]
ما يبرز هنا هو أهمية بناء المعرفة وتشكيلها بوصفه عملية فردية وجماعية في آن واحد. ومن ثم يستطيع أبيل ري أن يقترح توجهاته الخاصة في البحث. والمقصود تحديدا هو «الأدوات الذهنية» التي تشكل الموضوع الأساسي للمقال. أما عرض النظريات المنطقية فلا يعدو أن يكون جانبا من جوانب التطور العام للفكر. ولنستحضر هذا المقطع من خاتمة المقال:
«لقد كانت أدوات التفكير، طوال هذا المسار الطويل الذي سعى فيه الفكر إلى توضيح نفسه، مرتبطة دائما بتصور معين للكون. ولا شك أن العلاقة تسير في الاتجاه المعاكس أيضا. غير أن أدوات التفكير لا تتحدد إلا عندما يفرضها التصور الذي تعبر عنه وتنسجم معه. فلا توجد صورة منطقية جاهزة قبل العمل الذي تُستخدم فيه؛ بل تنبثق هذه الصورة من ذلك العمل نفسه، من خلال تحليل داخلي له. وهذا التحليل، خلافا لكونه عقيما ومصطنعا […]، أسهم دائما، من خلال تحديد أدوات التفكير وتدقيقها، في استكمال التصور نفسه الذي نشأ معها والذي كان قد أدى، في البداية، إلى ظهورها.»[45]
لنتذكر أن أبيل ري كان بعيدا كل البعد عن مناهضة السيكولوجية التي طبعت بدايات المنطق الحديث. ومن المعروف أنه أسس، في بداية مسيرته، مختبرا لعلم النفس التجريبي. ثم واصل بعد ذلك التعاون مع علماء النفس. وهكذا، أسهم ري سنة 1924 في إعداد عمل أصبح لاحقا مرجعا معتمدا في هذا التخصص، هو “رسالة في علم النفس” (Traité de psychologie)[46] ، الذي أشرف على تحريره جورج دوما. وتمثلت مساهمته في دراسة ظاهرة الابتكار، في المجال الفني كما في المجال العلمي.
وبعد أن أشاد بثيودول ريبو، عرض ري نتائج الأبحاث اللاحقة في هذا المجال. وكان اهتمامه منصبا، قبل كل شيء، على استخلاص مضامينها الفلسفية. فقد سعى ري إلى تجاوز المنطق الصوري، بغية الوقوف، قدر الإمكان، على العمليات التي تدخل في صميم منطق الاكتشاف والابتكار. ومن اللافت أنه تلقى بإيجابية بعض أفكار برغسون، ولا سيما نظريته في “المخطط[47]” (schème).
وهذا، بطبيعة الحال، يضع أبيل ري في مواجهة فلاسفة فيينا، الذين لم يخفوا خلافهم مع ميتافيزيقا برغسون، والذين أخذوا، في أعقاب رايشنباخ، بسياق التبرير على حساب سياق الاكتشاف.
غير أن ما يكتسب دلالة أكبر، ولعله أكثر بروزا من ذلك، هو كتاب أبيل ري “العلم في العصور القديمة”. فهذا العمل الضخم، الواقع في خمسة مجلدات، يقدم نموذجا لتاريخ فلسفي للعلوم، ويجرد فيه ري مختلف المناهج العلمية: المنهج التجريبي، والمنهج الرياضي، والمنهج الاستقرائي-الرياضي، والمنهج الاستدلالي-المنطقي. وعند إعادة قراءة هذا العمل اليوم، لا يستطيع القارئ أن يمنع نفسه من التفكير في «أساليب التفكير» لدى أليستير كرومبي.
ولنستحضر بعض الملاحظات التي تبيّن موقع ري داخل التقليد الفرنسي:
«إنها لحالة لا مجال فيها، أو لعلها الحالة الأنسب، للتذكير بقاعدة المنهج التاريخي التي وضعها بول تانييري في هذه المسائل: لا ينبغي أبدا أن ننسب إلى القدماء مبادئ مذاهبهم، ولا أن ننسب إلى مبادئهم مذاهبهم. وأضيف إلى ذلك: لا ينبغي أبدا أن نحاول تفسيرهم بالطريقة التي نفسر بها نحن أنفسنا النظريات القريبة منها[48].»
وبعبارة أخرى، لا ينبغي إخضاع الماضي لمجرد إعادة بناء عقلانية، بل ينبغي أن يستند فهمه إلى بحث تاريخي حقيقي. ويدعونا أبيل ري إلى تجنب كل إسقاط أنكروني. ويؤكد مرة أخرى أهمية التاريخ بالنسبة إلى فلسفة العلوم، مُحيلًا على سلفه في السوربون:
«ويمكننا أن نقول الشيء نفسه عن غاستون ميلو، الذي كان له الغرض نفسه الذي كان لنا: تاريخ العلاقات بين الفلسفة والعلوم[49].».
ولم يتوقف ري عن الجمع بين العلم والفلسفة.
خاتمة
في ختام هذا البحث في فكر أبيل ري، يمكن استخلاص عدة نتائج. ففضل أبيل ري لا يتمثل في أنه صاغ تعبيرا جديدا فحسب، وإنما في أنه وضع، تحت تسمية «الإبستمولوجيا التاريخية»، برنامجا فكريا متكاملا ذا مضمون محدد. وقد استند هذا البرنامج إلى أبحاث بوانكاريه، ودوهيم، وميلو، وتانييري، وكان حصيلة تفكير بالغ القوة تبلور عند منعطف القرن العشرين. وقدّم ري، بطريقته الخاصة، تركيبا لهذا التراث الفكري.
يحتل التاريخ، في هذا التصور، وظائف متعددة: دراسة تطور العلم، وإدماج تاريخ العلوم في فلسفة العلوم، والتحليل النقدي للمفاهيم العلمية. فالتاريخ لا يقتصر هنا على تسجيل مراحل تطور المعرفة العلمية، بل يدخل في صميم التفكير الفلسفي في العلم، سواء من خلال تتبع تحولاته أو من خلال الكشف النقدي عن المفاهيم التي يقوم عليها.
لكن الإبستمولوجيا التاريخية عند أبيل ري لا تخلو، مع ذلك، من حدود. ويمكن الأخذ ببعض انتقادات كانغيلام في هذا الصدد، ومنها وضعيته أو نزوعه العلمي، ونزعته الفيزيائية، وغياب فلسفة حقيقية للبيولوجيا، مع أنه يذهب إلى أن مشروعه يتضمن تأملا فلسفيا في علم النفس وعلم الاجتماع. تكشف هذه الملاحظات عن حدود مشروع أراد أن يصل بين مختلف فروع المعرفة العلمية ضمن تصور فلسفي واحد.
وتتضح حدود أخرى إذا قارنا الإبستمولوجيا التاريخية عند ري بما تُعرف به اليوم. فسياق مطلع القرن العشرين لا يماثل سياقنا الراهن؛ إذ اتخذت البين-تخصصية شكلا مختلفا، ولا سيما مع العلوم المعرفية وتكنولوجيات النانو. وإلى جانب ذلك، لم يُجرِ ري تحليلا معمقا بما يكفي للمفاهيم التي تتكون منها العقلانية العلمية.
ومع ذلك، يظل لـ أبيل ري فضل طرح فكرة منهج، هو «الإبستمولوجيا التاريخية»، وهي فكرة لم تنقطع عن العودة إلى المشهد الفلسفي. وتكشف هذه العودة المتكررة عن أن النشاط العلمي لا يمكن فهمه من خلال تحليل منطقي صرف؛ إذ إن تاريخه، وتحول مفاهيمه، والشروط التي تتشكل فيها معرفته، تظل عناصر لا غنى عنها لفهمه.
أناستاسيوس برينر (Anastasios Brenner): فيلسوف ومؤرخ لفلسفة العلوم، وأستاذ الفلسفة بجامعة بول فاليري مونبلييه. تتركز أبحاثه في الإبستمولوجيا التاريخية وتاريخ فلسفة العلوم، ومن أبرز مؤلفاته:
Duhem : science, réalité et apparence, Paris, Vrin, 1990 – Les origines françaises de la philosophie des sciences, Paris, Presses Universitaires de France (PUF), 2003.
باحث مغربي في الإبستيمولوجيا وتاريخ العلوم، من كتاباته: “الفلك الكوبرنيكي ومبدأ العناية الإلهية: مسارات ومآلات” – “الحقيقة وأنوعها عند كارل بوبر”
[1] Jean-Francois BRAUNSTEIN, « Historical Epistemology Old and New », prépublication des actes du colloque « Epistemology and History from Bachelard and Canguilhem to Today’s History of Science », Max Plank Intitute for the History of Science, 2012.
[2] Abel REY, La Théorie de la physique chez les physiciens contemporains, Paris, Alcan, 1907, p. 13.
[3] A. REY, « Ce que devient la logique », Revue philosophique de la France et de l’étranger, t. 57, 1904, p. 615.
[4] A. REY, La Philosophie moderne, Paris, Flammarion, 1908, p. 67.
[5] A. REY, La Théorie de la physique chez les physiciens contemporains,2e édition remaniée, Paris, Alcan, 1923, p. V.
[6] Pierre DUHEM, « Paul Tannery », Revue de philosophie, t. 6, 1905, p. 225.
[7] أصبح يُعرف اليوم باسم معهد تاريخ العلوم وفلسفتها والتقنيات، وهو تابع حاليً لجامعة باريس الأولى بانتيون-سوربون.
[8] A. REY, Leçons élémentaires de psychologie et de philosophie, Paris, Cornély, 1903.
[9] A. REY, Éléments de philosophie scientifique et de morale, Paris, Cornély, 1903.
[10] A. REY, « La philosophie scientifique de M. Duhem », Revue de métaphysique et de morale, t. 12, 1904, pp. 699-744.
[11] A. REY, La Philosophie moderne, Paris, Flammarion, 1908.
[12] A. REY, Le Retour éternel et la philosophie de la physique, Paris, Flammarion, 1927.
[13] A. REY, La Science dans l’Antiquité, vol. 1-2, Paris, La Renaissance du livre, 1930-1933 ; vol. 3-5, Paris, Albin Michel, 1939-1948 ; les volumes 4 et 5 étant parus de façon posthume.
[14] P. DUHEM, « La valeur de la théorie physique, à propos d’un livre récent », Revue générale des sciences pures et appliquées, 19, 1908, p. 7-19. Repris dans La Théorie physique, son objet et sa structure (1906), 2e édition (1914), Paris, Vrin, 1980, p. 475.
[15] Federigo ENRIQUES, « Recension d’Abel Rey, La Théorie de la physique chez les physiciens contemporains », Scientia, 2, 1907, p. 377.
[16] انظر:
Otto NEURATH et al., « La conception scientifique du monde : le Cercle de Vienne (1929), dans Antonia SOULEZ (éd.), Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits, Paris, Vrin, 2010, p. 113.
[17] A. REY, Die Theorie der Physik bei den modernen Physikern, trad. Rudolf Eisler, Leipzig, Verlag von Werner Klinkhardt, 1908, p. 12
[18] Philipp FRANK, « Abel Rey, Die Theorie der Physik bei den modernen Physikern », Monatshefte für Mathematik und Physik, 21, 1910, pp. 43-45.
[19] H. POINCARÉ, La Valeur de la science (1905), Paris, Flammarion, 1997.
[20] P. FRANK, « Kausalgesetz und Erfahrung » (1907), repris en anglais dans Modern Science and its Philosophy, Cambridge, Mass., Harvard University Press, 1949, chap. 1.
[21] P. DUHEM, L’Évolution de la mécanique (1903), Paris, Vrin, 1992.
[22] انظر:
Anastasios BRENNER, Les Origines françaises de la philosophie des sciences, Paris, Puf, 2003, chap. 4-5.
[23] P. FRANK, Modern Science, op. cit., p. 3.
[24] O. NEURATH, « The Orchestration of the Sciences by the Encyclopedia of Logical Empiricism » (1946), repris dans Philosophical Papers, Dordrecht, Reidel, 1983.
[25] P. FRANK, « The Importance for Our Times of Ernst Mach’s Philosophy of Science » (1917), repris dans Modern Science, op. cit., p. 69. Je traduis.
[26] A. REY, La Théorie de la physique, op. cit., p. 392. Voir P. FRANK, Modern Science, op. cit., pp. 9-10. On notera que Frank cite la thèse de Rey d’après la première édition en français.
[27] Georges CANGUILHEM, « L’histoire des sciences dans l’œuvre épistémologique de Gaston Bachelard », Extrait des Annales de l’Université de Paris, t. 1, 1963, p. 30. Je souligne. Ce passage est repris dans Études d’histoire et de philosophie des sciences, Paris, Vrin, 1968, p. 178.
[28] Dominique LECOURT, L’Épistémologie historique de Gaston Bachelard (1969), Paris, Vrin, 11e édition augmentée, 2002.
[29] G. CANGUILHEM, « La philosophie biologique d’Auguste Comte et son influence en France au XIXe siècle », Bulletin de la Société française de philosophie, 52, 1958, pp. 13-26, p. 15. Repris dans Étude d’histoire et de philosophie des sciences, Paris, Vrin, 1968, p. 63.
[30] انظر على سبيل المثال:
G. CANGUILHEM, « Le rôle de l’épistémologie dans l’historiographie scientifique contemporaine », dans Idéologie et rationalité, Paris, Vrin, 1977.
[31] D. LECOURT (dir.), Dictionnaire d’histoire et philosophie des sciences (1999), Paris, Puf, 2006, Entrée « Épistémologie », p. 366
[32] H.-J. RHEINBERGER, On Historicizing Epistemology, Stanford, Stanford University Press, 2010, p. 63.
[33] Paul FEYERABEND, Conquest of Abundance, Chicago, Chicago University Press, 1999.
[34] انظر:
Ian HACKING, Historical Ontology, Cambrige, Mass., Harvard University Press, 2002.
[35] A. COMTE, Cours de philosophie positive (1830-1842), 2 vol., Paris, Hermann, 1975, 1re leçon, t. 1, p. 30.
[36] Émile BOUTROUX, « Du rapport de la philosophie aux sciences », Revue de métaphysique et de morale, t. 19, 4, 1908, pp. 417-435, p. 420.
[37] A. REY, « Vers un positivisme absolu », Revue philosophique, 1909, 67, pp. 461-479.
[38] المصدر نفسه. ص:496-461.
[39] A. REY, « Vers un positivisme absolu », Revue philosophique, 1909, 67, p : 478.
[40] A. REY, La Philosophie moderne, p. 367.
[41] A. REY, « De la pensée primitive à la pensée actuelle », Encyclopédie française, t. 1, L’Outillage mental, Paris, 1937, 1.10-3 à 1.20-11, 1.18-7.
وبطبيعة الحال، لا بدّ، إلى جانب النفي، من الفصل المنطقي لتوليد مجموعة المؤثرات القضوية بأكملها.
[42] المصدر السابق، 1. ص: 18-8.
[43] المصدر السابق.
[44] المصدر السابق.
[45] الصدر السابق، 1. 20-11.
[46] A. REY, « L’invention artistique, scientifique, pratique », in Georges DUMAS (dir.), Traité de psychologie, 2 vol., Paris, Alcan, 1924, t. 2, pp. 426-476.
[47] انظر:
H. BERGSON, Matière et mémoire, dans Œuvres, Paris, Puf, 1970, chap. 2.
[48] A. REY, La Science dans l’Antiquité, t. 3, op. cit., p. 41.
[49] المصدر السابق، المجلد الثالث. ص: 41.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
