حنة أرنت – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سارة اللحيدان

حنة أرنت – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: سارة اللحيدان


حول سيرة وحياة  حنة أرنت وفلسفتها، من مفهومها للحداثة والمواطنة؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.

 


تعدّ حنة أرنت (ولدت عام 1906- وتوفيت عام 1975) واحدة من أكثر الفلاسفة السياسيين تأثيرا في القرن العشرين. وُلدت لعائلة يهودية ألمانية، وأرغمت على الهرب من ألمانيا عام 1933 لتعيش ثمانية أعوام في باريس، تزاول عملها مع عدد من منظمات اللاجئين اليهود. هاجرت أرنت إلى الولايات المتحدة عام 1941، وسرعان ما أصبحت جزءا من دائرة ثقافية حية في نيويورك. وقد شغلت عدة مناصب أكاديمية في جامعات أمريكية مختلفة حتى وفاتها عام 1975. اُشتهرت حنة بعملين كان لهم الأثر الأكبر داخل وخارج المجتمع الأكاديمي. الأول (أصول الشمولية) والذي نُشر عام 1951، وقد كان دراسة عن النظام الستاليني والنازي، الذي أثار جدلا واسع النطاق حول طبيعة الظاهرة الشمولية وتسلسلها التاريخي. أما الكتاب الثاني وهو (الوضع البشري) والذي نُشر عام 1958، فقد كان دراسة فلسفية أصيلة تبحث في التصنيفات الأساسية للحياة العملية (الكدح، العمل، الفعل). وبالإضافة إلى هذين العملين، نشرت أرنت عددا من المقالات المؤثرة حول مواضيع مثل: طبيعة الثورة، الحرية، السلطة، العرف، والعصر الحديث. حينما قرُبت وفاتها، كانت حنة قد أكملت أول مجلدين لآخر أعمالها الفلسفية الكبرى، (حياة العقل) والذي يدرس السمات الأساسية الثلاث للحياة التأملية (التفكير، الإرادة، الحكم.)

 

  1. موجز لسيرة حياتها

  2. المقدمة

  3. مفهوم أرنت للحداثة

  4. نظرية أرنت للفعل

    • الفعل، الحرية، والتعددية

    • الفعل، والحديث بوصفه انكشافا

    • الفعل، السرد، والتذكر

    • الفعل، السلطة، وفضاء الظهور

    • الفعل، ما يتعذر التنبؤ به، اللامقلوبية

  5. نظرية أرنت للحكم

    • الحكم: نموذجان

    • الحكم والحياة التأملية

    • الحكم ورياح الفكر

    • الحكم وجماليات كانط

    • الحكم والحياة العملية

    • الحكم والصلاحية

  6. مفهوم أرنت للمواطنة

    • المواطنة والمجال العام

    • المواطنة، القوة، والهوية الجمعية

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة


 

 

1- موجز لسيرة حياتها

ولدت حنة أرنت عام 1906 في هانوفر، وتوفيت في نيويورك عام 1975، وتعدّ من أبرز المفكرين السياسيين في القرن العشرين. ذهبت عام 1924، بعدما أكملت دراستها الثانوية إلى جامعة ماربورغ لتدرس مع مارتن هيدغر. وقد كان للقائها مع هيدغر الأثر البالغ على فكرها، والذي أثمر عن علاقة غرامية قصيرة ولكنها عنيفة. بعد عام من الدراسة في ماربورغ، انتقلت إلى جامعة فرايبورغ، حيث أمضت فصلا دراسيا كاملا في حضور محاضرات إدموند هوسرل. وفي ربيع عام 1926 ذهبت إلى جامعة هايدلبرغ للدراسة مع كارل ياسبرز، الفيلسوف الذي كوّنت معه صداقة فكرية وشخصية طويلة الأمد. أكملت أطروحة الدكتوراه عام 1929 تحت إشراف ياسبرز، والتي حملت عنوان (الحب والقديس أغسطين-Der Liebesbegriff bei Augustin). أرغمت على الهرب من ألمانيا عام 1933 بعد صعود هتلر للسلطة، وبعدما قضت فترة قصيرة في براغ وجنيف، انتقلت حنة إلى باريس (1933-39) وعملت لست سنوات مع منظمات اللاجئين اليهودية. انفصلت عام 1936 عن زوجها الأول غونتر شتيرن، وذهبت للعيش مع هينريك بلوخر لتتزوجه أخيرا عام 1940. خلال بقائها في باريس، واصلت العمل على سيرة ذاتية لراحيل فارنهاغن، والتي لم تنشر لغاية عام 1957. أرغمت عام 1941 على مغادرة فرنسا والانتقال إلى نيويورك مع زوجها ووالدتها. وسرعان ما أصبحت جزءا من دائرة كتّاب ومثقفين في نيويورك، ممن كانوا يجتمعون لصالح مجلة Partisan Review. خلال الفترة التي تلت الحرب، قامت أرنت بإلقاء عدة محاضرات في عدد من الجامعات الامريكية، من ضمنها برينستون، بيركلي، وشيكاغو، لكنها كانت مرتبطة بشكل أكبر مع المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية، حيث كانت أستاذة للفلسفة السياسة هناك حتى وفاتها عام 1975. قامت عام 1951 بنشر كتابها (أصول الشمولية) وهي دراسة رائدة للأنظمة الستالينية والنازية، وسرعان ما أصبحت هذه الدراسة دراسة كلاسيكية، ثم أتبعتها بكتاب (الوضع البشري) عام 1958، ويعدّ من أهم أعمالها الفلسفية. حضرت عام 1961 محاكمة أدولف آيخمان في القدس كصحفية لمجلة نيويوركر، لتنشر بعد عامين كتاب (آيخمان في القدس)، والذي أحدث جدلا عميقا في الدوائر اليهودية. شهد ذلك العام أيضا نشر مقالها (في الثورة) وهو تحليل مقارن للثورتين الأمريكية والفرنسية. كما نشرت أيضا عدة مقالات لها في فترة الستينات وأوائل السبعينات: أولها مجموعة عنونتها (بين الماضي والمستقبل) أما الثانية فكان عنوانها (الرجال في الأزمنة المظلمة)، والثالثة (أزمة الجمهورية). وفي وقت وفاتها كانت قد أكملت أول مجلدين حول (التفكير والإرادة) لآخر أعمالها الفلسفية (حياة العقل)، ونشر بعد وفاتها عام 1978. أما المجلد الثالث (الحكم) فقد تُرك بلا إنهاء، ولكن نشرت عام 1982 بعض المواد الإضافية، وملاحظات من محاضرات تحت عنوان (محاضرات حول فلسفة كانط السياسية.)

 

2- المقدمة

كانت حنة أرنت واحدة من أبرز المفكرين السياسيين في القرن العشرين. وقد اتضحت قوة تفكيرها واصالته في أعمالها مثل (أصول الشمولية)، (الوضع البشري)، (في الثورة)، و (حياة العقل). قامت في هذه الأعمال، وفي مقالات أخرى، بالتركيز على العديد من الأحداث السياسية المصيرية في زمانها، وذلك في محاولة منها لفهم معانيها وأهميتها التاريخية، ولإظهار مدى تأثيرها على تصنيفاتنا الأخلاقية للحكم الأخلاقي والسياسي. وقد كان المتطلب، من وجهة نظرها، أن يكون هناك هيكل جديد يُمكّننا من التصالح مع الرعب المزدوج للقرن العشرين، النازية والستالينية. وقامت بتقديم هذا الهيكل في كتابها حول الشمولية، ومضت في تطوير مجموعة جديدة من التصنيفات الفلسفية التي يمكن أن تنير الوضع البشري وتمدّنا بمنظور جديد حول طبيعة الحياة السياسية.

على الرغم من أن بعض أعمالها تنتمي الآن إلى كلاسيكيات التقليد الغربي للفكر السياسي، إلا انها بقيت دوما صعبة التصنيف. فلا يمكن وصف سياستها من ناحية التصنيفات التقليدية للمحافظة، الليبرالية، والاشتراكية. ولا يمكن لفكرها استيعاب النهضة السياسية المجتمعية الحديثة، والذي يمكن أن نجده، على سبيل المثال، في كتابات أ. ماكنتاير، م. ساندل، سي. تايلور، م. والتزر. لقد أصبح اسم حنة أرنت حجة من قِبل عدد من نقاد التقاليد الليبرالية، وذلك لأنها قدمت رؤية للسياسة التي وقفت وعارضت بعضا من المبادئ الرئيسة لليبرالية. هناك الكثير من الدلالات التي يمكن أن تبرر هذا مثل هذا الزعم، وبالتحديد، نقدها للتمثيلية الديمقراطية، وتأكيدها على إشراك المجتمعات المدنية والتشاور السياسي، فصلها الأخلاق عن السياسة، وإشادتها بالتقليد الثوري. مع ذلك، سيكون من الخطأ أن نصنف أرنت كمعادية لليبرالية. لقد كانت في الواقع مدافعة بشدة عن الدستورية، حكم القانون، ومدافعة عن حقوق الإنسان الرئيسة (والتي تضمنت إلى جانب الحياة، الحرية، حرية التعبير، حريات أخرى وهي حرية العمل والرأي)، وكانت ناقدة لجميع أشكال المجتمع السياسي القائم على أساس الأعراف والروابط التقليدية، بالإضافة إلى تلك القائمة على الهوية الدينية، العرقية، أو العنصرية.

على ضوء ذلك، لا يمكن تحديد الفكر السياسي لأرنـت، فيما إذا كان مع التقليد الليبرالي، أو مع المزاعم المقدمة من منتقديه. لم تُصور أرنت السياسة كأداة لإرضاء التفضيلات الفردية ولا كوسيلة لتوحيد الأفراد حول مفهوم مشترك للخير. بل ارتكز مفهومها، بدلا من ذلك، على فكرة المواطَنة الفعالة، أي على قيمة وأهمية الإشراك المدني والتشاورات الجماعية حول كافة المسائل التي تؤثر على المجتمع السياسي. إذا كان هناك تقليد فكري يمكن أن نصنف به أرنت ، فسوف يكون التقليد الكلاسيكي للجمهورية المدنية التي نشأت لدى أرسطو وتجسدت في كتابات، مكيافيللي، مونتسيكو، جيفرسون، وتوكفيل. ووفقا لهذا التقليد، تحقق السياسة معناها الأصيل متى ما اجتمع المواطنون معا في مكان عام للتشاور والتقرير بشأن أمور تهمهم جميعا. إن تقدير النشاط السياسي ليس بسبب أنه قد يؤدي إلى اتفاق أو إلى مفهوم مشترك للخير، بل لإنه يمكّن كل مواطن من ممارسة قوته أو قوتها، وينمّي قدرات للحكم، كما أنه يحقق بعضا من الفعالية السياسية من خلال العمل المشترك.

فيما يلي: سنقوم بإعادة بناء فلسفة أرنت السياسية عبر أربعة محاور رئيسة: 1- مفهومها للحداثة. 2- نظريتها حول الفعل. 3- نظريتها حول الحكم. 4- مفهومها للمواطَنة.

 

3-مفهوم أرنت للحداثة

قامت حنة أرنت بإيضاح مفهوم سلبي، إلى حد ما، عن الحداثة وذلك في عملها الفلسفي الرئيس (الوضع البشري)، وفي مجموعة بعض من المقالات التي نشرت تحت اسم (بين الماضي والمستقبل.) في هذه الكتابات، سلطت أرنت اهتمامها بشكل أساسي على الخسائر التي وقعت نتيجة تفوق التقاليد، الدين، والسلطة، لكنها قدمت عددا من الاقتراحات التنويرية فيما يتعلق بالمصادر التي لا يزال بإمكان العصر الحديث توفيرها لمعالجة أسئلة المعنى، الهوية، والقيمة.

ترى أرنت أن الحداثة تتسم بخسارة العالم، وتعني بذلك أنها تقيّد أو تحصر مجال الفعل والخطاب العام لصالح العالم الخاص للتأمل والسعي الخاص للمصالح الاقتصادية. إن الحداثة هي عصر المجتمع الجماهيري، وصعود الاشتراكية جراء التمييز السابق بين الخاصة والعامة، وانتصار الإنسان العامل على الإنسان الخلاق[i] والمفهوم الكلاسيكي للإنسان باعتباره كائن سياسي. إن الحداثة هي عصر الإدارة البيروقراطية والعامل المجهول، بدلا من الفعل والسياسة، وهيمنة النخبة والتلاعب بالرأي العام. إنه العصر الذي تبرز فيه أشكال شمولية السلطة مثل النازية والستالينية كنتيجة على مأسسة العنف والإرهاب. وهو العصر الذي يحلّ فيه التاريخ كـ “عملية طبيعية” بديلا للتاريخ الذي تُنسج فيه الأحداث والأعمال، حيث يحلّ التجانس والانسجام بديلا للتعدية والحرية، وحيث يتآكل التكافل الإنساني وكافة أشكال الحياة العفوية جرّاء العزلة والوحدة. إن الحداثة هي العصر الذي لا يعود الماضي يحمل أي يقين للتقدير، ويفقد فيه الأفراد المعايير والقيم التقليدية ليبحثوا عن أسس جديدة لمجتمع بشري مثله.

هذه هي رؤية أرنت للحداثة، وهي رؤية تبدو للوهلة الأولى صارمة وغير قابلة للاستهلاك. ومن الجدير أن نشير إلى أن تقييم أرنت السلبي للحداثة قد تشكل عبر تجربتها للشمولية في القرن العشرين، وأن عملها يوفر عددا من الرؤى المهمة التي من الممكن أن تساعد في معالجة بعض السمات المُشكلة في العصر الحديث. تزعم في كتاباتها السياسية، خاصة في كتابها (أصول الشمولية) أن ظاهرة الشمولية قد كسرت استمرارية تاريخ الغرب، وجعلت تصنيفاتنا الأخلاقية والسياسية بلا معنى. أصبح إفلاس التقاليد أمرا يتعذر إلغاءه بعد الأحداث المأساوية في القرن العشرين وانتصار الحركات الشمولية شرقا وغربا. لقد فجرت الشمولية في شكل الستالينية والنازية التصنيفات الراسخة للفكر السياسي، والمعايير المقبولة للحكم الأخلاقي، وبالتالي، كسرت استمرارية تاريخنا. في مواجهتنا الأحداث المأساوية للهولوكوست والغولاغ، لم يعد بإمكاننا العودة إلى المفاهيم والقيم التقليدية لشرح الجديد عن طريق السابق أو فهم الوحشية عبر المألوف. يجب أن نواجه عبء زماننا دون استعانة بالتقاليد، أو كما صاغته أرنت مرة: “دون درابزين”. إن المفاهيم ومعايير الحكم الموروثة لدينا قد حُلّت تحت تأثير الأحداث السياسية الحديثة، والمهمة الآن هي إعادة بناء الماضي خارج إطار أي تقليد، مادام أن أي منها لم يحتفظ بشرعيته الأصيلة. وعلى ذلك، ترمي أرنت إلى الحفاظ على الماضي إذن، وليس التقليد، من التمزق في وعي العصر الحديث. ويمكننا عن طريق استعادة الماضي بواسطة ما سمته أرنت “التأثير المميت للأفكار الجديدة”، أن نستعيد المعنى للحاضر، ونلقي الضوء على الوضع المعاصر.

يعود فضل الاستراتيجية التأويلية التي وظفتها أرنت لإعادة بناء رابط مع الماضي إلى والتر بينجامين ومارتن هيدغر. فقد أخذت من بينجامين فكرة تاريخية مجزأة، تلك التي تسعى إلى تحديد لحظات التمزق، العزل، والاقتلاع في التاريخ. وإن مثل هذه الأجزاء التاريخية يمكن أن تمكّن المرء من استعادة إمكانات الماضي المفقودة على أمل أن يجد الإدراك في الحاضر. وقد أخذت من هيدغر فكرة القراءة التفكيكية للتقاليد الفلسفية الغربية، التي تسعى إلى كشف المعنى الأصلي لتصنيفاتنا وتحررها من التشوه عن طريق إلباسها اللباس التقليدي. إن هذه التأويلات التفكيكية تمكّن من استعادة التجارب البدائية (Urphaenomene) التي أهملت من قبل التقاليد الفلسفية، وبالتالي استعادة الأصول المفقودة لمفاهيمنا وتصنيفاتنا الفلسفية.

تأمل أرنت ، بالاعتماد على هاتين الاستراتيجيتين التأمليتين، استعادة “كنزها المفقود” أو المنسي من الماضي، أي تلك الأجزاء من الماضي التي ربما لا يزال لها أهمية بيننا. وترى أرنت ، أنه لم يعد بالإمكان إنقاذ الماضي كليّةً بعد انهيار التقاليد، وسوف تكون المهمة بدلا من ذلك استعادة عناصر الماضي والتي باستطاعتها إلقاء الضوء على وضعنا الحاضر. إن إعادة بناء الصلة بالماضي ليست ممارسة قديمة، بل على العكس من ذلك، فمن دون إصلاح نقدي للماضي فإن الأفق الزمني لدينا سيصبح ممزقا، وسوف تكون تجربتنا متزعزعة، وتصبح هويتنا أكثر هشاشة. فمن وجهة نظر أرنت ، من الضروري أن نستعيد تلك اللحظات الثمينة من الماضي، لإنقاذ تلك الأجزاء من كنز الماضي المهم لنا. ويمكن أن نكتشف الماضي من جديد ونمنحه ارتباطا ومعنى للحاضر، ونجعله مصدر إلهام للمستقبل، عن طريق وسائل الإصلاح النقدي فقط.

إن هذا الإصلاح النقدي سهل جزئيا، عبر الحقيقة القائلة بأنه بعد انشقاق الوعي الزمني الحديث، ربما ينفتح الماضي لنا بعذوبة غير متوقعة، ويخبرنا بأشياء لم يكن لأحدنا أن يسمعها من قبل. في الواقع، قد يوفر انهيار التقاليد فرصة عظيمة للنظر في الماضي “بعيون غير مشوهة بأي تقليد، وبتوجّه متلاش من سمع وقراءة الغربي وذلك منذ أن خضعت الحضارة الرومانية إلى سلطة الفكر اليوناني.”

بهذا المعنى، تمثل عودة أرنت للتجربة الأصلية لمدينة بوليس اليونانية، محاولة لكسر تقييد التقاليد القديمة، وإعادة استكشاف الماضي، والذي من خلاله لا يعود للتقليد أي مطلب. بعكس التقاليد، تضع أرنت معيار الأصالة ضد التقاليد، وضد السلطة التي تُنسى وتُخفى على هامش التاريخ. من خلال العمل ضد التقليدية ومزاعم التأريخ التقليدي، وتوفير مصادر تنويرية للحاضر وتحصيل كنوزها لأولئك الذين يبحثون عنها “بأفكار جديدة” وينقذون إحياء الذكرى، عندها فقط يمكن أن يكون للماضي معنى من جديد.

تبين أرنت مفهومها للحداثة باعتبار لعدد من السمات الرئيسة: ألا وهي، الاغتراب في العالم، اغتراب الأرض، صعود الاشتراكية، وانتصار الإنسان العامل. يشير اغتراب العالم إلى خسارة عالم من الخبرة والنشاط الذي يتشكل فيه تفاعل مشترك عبر وسائل تمكننا من بناء هويتنا الشخصية، وحسّا كافيا بالواقع. ويشير اغتراب الأرض إلى محاولة الهرب من حدود الأرض مدفوعا بالتكنولوجيا والعلم الحديث، وقد بحثنا عن طرق للتغلب على وضعنا المرتبط بالأرض عن طريق البدء في استكشاف الفضاء، ومحاولة إعادة خلق الحياة عن طريق شروط مخبرية، وعبر محاولة تمديد فترة حياتنا التي وهبت لنا. أما صعود الاشتراكية فيشير إلى توسع اقتصاد السوق من الفترة المبكرة الحديثة والتكدس المتزايد للثروة الرأسمالية والاشتراكية. وبصعود الاشتراكية غدا كل شيء مادة للإنتاج والاستهلاك، الاكتساب والاستبدال، وزيادة على ذلك، أدى توسعها المستمر إلى وجود ضبابية في التمييز بين الخاصة والعامة. يشير انتصار العمالة الوحشية إلى انتصار قيم العمل على الإنسان الخلاق، والإنسان باعتباره كائن سياسي. وقد ضُحّي بكل السمات القيمة للتصنيع، والدوام، الاستقرار، والصمود، إضافة إلى سمات عالم الحرية، العمل، الخطاب، التعددية، والتكافل لصالح قيم الحياة، الوفرة والإنتاجية.

تُميّز أرنت ظهور الحداثة بمرحلتين، الأولى من القرن السادس عشر والتاسع عشر، والتي تنسجم مع اغتراب العالم وصعود العالم، أما الثانية، فمنذ بداية القرن العشرين، والتي تنسجم مع اغتراب الأرض وانتصار الإنسان العامل، وتحدد أيضا عددا من الأسباب مثل: اكتشاف أمريكا والتقلص الملائم للأرض، وموجات مصادرة الملكية التي بدأت مع حركات الإصلاح، اختراع التلسكوب والذي يتحدى كفاءة الحواس، صعود العلم الحديث والفلسفة، وبالتالي صعود الإنسان كجزء من عملية التاريخ والطبيعة، اتساع النطاق الاقتصادي، إضافة للتوسع في الإنتاج وتكدس الثروة الاجتماعية.

بإمكاننا أن نستند في نقدنا لمفهوم أرنت للحداثة على عدة أسباب. لكننا سنركز انتباهنا هنا على فئتين، وهما الطبيعة والمجتمع. ففيما يتعلق بالطبيعة، تقلبت أرنت بين تفسيرين متناقضين. فوفقا للتفسير الأول للعصر الحديث، عند رفع مستوى العمل لأكثر أنشطة طبيعية للإنسان إلى أعلى مركز في الحياة العملية، فإن ذلك يقربنا جدا إلى الطبيعة. بدلا من الحفاظ على مهارة الإنسان أو بناءها، وخلق مساحات عامة للعمل والتشاور، نجد أننا نتقلص لنشارك في نشاط البقاء المطلق، وفي إنتاج أشياء يمكن أن نقرّ بأنها هالكة وفانية. أما بالنسبة للتفسير الثاني، فيتميز العصر الحديث على أي حال بتزايد التكلف، وبرفض أي شيء ليس من صنع الإنسان. تنوّه أرنت بحقيقة أن العمليات الطبيعية، بما فيها الحياة بنفسها قد أعيد تكوينها من جديد وبشكل مصطنع عبر التجارب العلمية، وأن بيئتنا الطبيعية قد تبدلت على نحو واسع، وفي بعض الحالات بُدّلت تماما من قبل التكنولوجيا، وأننا نبحث عن طرق للتغلب على وضعنا الطبيعي كمخلوقات مرتبطة بالأرض عبر القيام باستكشاف الفضاء وتصور إمكانية الإقامة بكواكب أخرى.  سيقودنا ذلك إلى التحوّل لوضع لا يوجد فيه حدث، أو كائن، أو عملية تتم بشكل طبيعي، وبدلا من ذلك سيكون من إنتاج أدواتنا وسيعيد تشكيل العالم بصورتنا.

يصعب التوفيق بين هذين التفسيرين، لأن لدينا في السابق تدخل طبيعي يدمر صناعة الإنسان، بينما أصبح لدينا لاحقا الفن (التقني) الذي يتوسع ويستبدل كل شيء موهوب أو طبيعي. والنتيجة أن مُنحت الطبيعة مكانة غامضة، لأن الحالة السابقة تشير إلى خضوعنا إلى العمليات الطبيعية، بينما تشير الحالة التالية من التوسع في المعرفة العلمية والسيطرة التكنولوجية إلى قهر كافة الحدود الطبيعية. بالتالي، يظهر العالم الحديث طبيعيا ومصطنعا للغاية، خاضعا بقوة لهيمنة العمل والعملية الحياتية للجنس البشري، وسوف يظهر أيضا خاضعا تحت سيطرة التقنية.

فيما يتعلق بالفئة الثانية، وهي الاجتماعية، لم تكن أرنت قادرة على تشكيل بعض السمات المهمة للعالم الحديث. إذ تحدد أرنت الاجتماعية بكافة تلك الأنشطة التي كانت في السابق مقتصرة على النطاق الخاص للمألوف، الضرورية في الحياة. وتزعم أن هذه الأنشطة العامة قد استولت، مع التوسع الهائل للاقتصاد نهاية القرن التاسع عشر، على المجال العام وحولته إلى مجال يلبي احتياجاتنا المادية. وهكذا قام المجتمع باقتحام واحتلال المجال العام، ليحوّله إلى توظيف لما كان احتياجات واهتمامات خاصة في السابق، وبالتالي دُمرت الحدود التي تفصل بين الخاص والعام. تزعم أرنت أيضا أن توسع المجال الاجتماعي، قد قوّض التقسيم الثلاثي للأنشطة البشرية إلى درجة أنها أصبحت بلا معنى. فمن وجهة نظرها، عندما يبني المجال الاجتماعي احتكاره، يضيع التمييز بين العامل، العمل، والفعل، مادام أن كل جهد يتوسع لإعادة إنتاج الأوضاع المادية للوجود. إن هوسنا بالحياة، الإنتاجية، والاستهلاك، قد حولنا إلى مجتمع عمّال وموظفين، لا يملكون قدرة لتقدير القيم المرتبطة بالعمل، ولا تلك المرتبطة بالفعل.

يتضح لنا في هذا التفسير الموجز أن مفهوم أرنت للاشتراكية يلعب دورا حاسما في تقييمها للحداثة. مع ذلك، بودّي أن أجادل أن هذ المفهوم قد أعماها عن العديد من المسائل المهمة، وقادها إلى سلسلة من الأحكام المريبة. ففي المقام الأول، وصفت أرنت الاشتراكية بأنها مقيدة للغاية. وزعمت أن الاشتراكية هي مجال العمل الضروري المادي والحيوي لإعادة إنتاج أوضاعنا المادية للوجود. كما زعمت أيضا أن صعود الاشتراكية قد تزامن مع التوسع الاقتصادي منذ نهاية القرن الثامن عشر. مع ذلك، لا تستطيع أرنت وصف تحديدها الاشتراكية مع النمو الاقتصادي في القرنيين الماضيين، وفقا لنموذج استمراري لإعادة الإنتاج البسيط. (Benhabib 2003, Ch. 6; Bernstein 1986, Ch. 9; Hansen 1993, Ch. 3; Parekh 1981, Ch. 8). ثانيا، تحديدها الاشتراكية مع الأنشطة المألوفة هو المسؤول عن عيب ضخم في تحليلها للاقتصاد. في الواقع، هي قادرة على الاعتراف بأن الاقتصاد الرأسمالي الحديث يشكل هيكل قوة مع توزيع غير متماثل للتكاليف والحوافز. ومن خلال الاعتماد على التشابه المضلل للمألوف، تبقي أرنت على أن كافة المسائل المتعلقة بالاقتصاد هي قضايا ما قبل-سياسية، بالتالي تتجاهل المسألة الحاسمة للقوة الاقتصادية والاستثمار. (Bernstein 1986, Ch. 9; Hansen 1993, Ch. 3; Parekh 1981, Ch. 8; Pitkin 1998; Pitkin 1994, Ch. 10, Hinchman and Hinchman; Wolin 1994, Ch. 11, Hinchman and Hinchman). في نهاية الأمر، هي غير قادرة على تشكيل العلاقة الأساسية بين هذه المجالات والكفاح من أجل إعادة رسم حدودها، عبر الإصرار على الفصل الصارم بين الخاص والعام، وبين الاشتراكية والسياسة. لقد أصبحت العديد من المسائل الخاصة اليوم مسائل عامة، وامتد الصراع من أجل العدالة والحقوق المتساوية لعدة مجالات. ليس بمقدور أرنت ، من خلال عزل المجال السياسي من اهتمامات الاشتراكية، وعن طريق الحفاظ على التمييز الصارم بين الخاص والعام، أن تشكل بعضا من أهم إنجازات الحداثة- توسيع العدالة والحقوق المتساوية، وإعادة رسم الحدود بين الخاص والعام. (Benhabib 2003, Ch. 6; Bernstein 1986, Ch. 9; Dietz 2002, Ch. 5; Pitkin 1998; Pitkin 1995, Ch. 3, Honig; Zaretsky 1997, Ch. 8, Calhoun and McGowan).

 

4- نظرية أرنت للفعل

تمثل نظرية أرنت للفعل وإحياءها لمفهوم الممارسة القديم، أحد أكثر المساهمات الأصيلة للفكر السياسي في القرن العشرين. فهي قادرة على تبيان مفهوم للسياسة يمكن من خلاله معالجة مسائل المعنى والهوية، وذلك من خلال تمييز الفعل و (الممارسة) عن الصناعة (الصنعة) عبر ربطها بالحرية والتعددية، وإظهار اتصالها بالحديث والتذكر. إضافة لذلك، من خلال عرض الفعل كطريقة للتجمع البشري، باستطاعة أرنت تطوير مفهوم للديمقراطية التشاركية والتي تتباين بشكل مباشر مع أشكال البيروقراطية النخبوية للسياسة، كميزة للعصر الحديث.

فيما يلي، سوف نركز على بعض المكونات الرئيسة لنظرية الفعل لدى أرنت ، كالحرية، التعددية، والكشف. بعد ذلك سنقوم بفحص الروابط بين الفعل والسرد، أهمية التذكر، وما نطلق عليه “مجتمعات الذاكرة”. ثم نُظهر الرابط بين الفعل، القوة، وفضاء الظهور. وأخيرا، سننظر إلى علاج لما يتعذر التنبؤ به، واللامقلوبية[ii]، أي قوة الوعد والغفران.

 

4،1- الفعل، الحرية، والتعددية

الفعل، هو النشاط الوحيد الذي يحدث مباشرة بين البشر من دون وسيط للأشياء أو المادة، يتوافق بذلك مع الوضع البشري للتعددية… هذه التعددية هي الوضع بالتحديد للحياة السياسية بأكملها. (HC, 7)

بالنسبة لأرنـت، يعدّ الفعل أحد الفئات الأساسية للوضع البشري ويشكّل أعلى تحقيق للحياة العملية. وتحلل أرنت الحياة العملية عبر ثلاث فئات تتوافق مع الأنشطة السياسية للحياة في العالم: وهي الكدح، العمل، والفعل. فالكدح هو النشاط المرتبط بالوضع البشري للحياة، أما العمل فهو النشاط المرتبط بالوضع الدنيوي، والفعل هو النشاط المرتبط بالوضع التعددي. وبالنسبة إلى أرنت ، كل نشاط يعد مستقلا، بمعنى أن يكون له مبادئه الخاصة والمميزة، وأن يخضع للحكم وفق معايير مختلفة. يحكم على الكدح من خلال قدرته على الإبقاء على حياة الإنسان، وتلبية احتياجاتنا البيولوجية للاستهلاك والتكاثر، ويحكم على العمل عبر قدرته على بناء عالم صالح للبشر والحفاظ عليه، أما الفعل فيُحكم عليه من قدرته على كشف هوية الفاعل لإثبات واقع العالم، وتحقيق مقدرتنا على الحرية.

رغم أن أرنت ترى أن الأنشطة الثلاثة الكدح، العمل، والفعل ضرورية بشكل متساو لحياة إنسانية كاملة، بمعنى أن كل منهما يسهم بطريقة مميزة في إدراك قدراتنا البشرية، إلا أنه يتضح من كتاباتها أنها تأخذ الفعل كاختلاف محدد للبشر، والذي يميزهم عن حياة الحيوانات (التي تشبه حياتنا بقدر ما، لحاجتهم للكدح، البناء، والتكاثر) وحياة الآلهات (التي نتشارك معها بالنشاط التأملي بصورة متقطعة). ويمكن القول في هذا الصدد، أن من الواجب النظر إلى فئات الكدح والعمل، رغم أهميتها، على أنها مطابقة لفئة الفعل، إذ تساعد على إلقاء الضوء وتمييز مكان الفعل ضمن ترتيب الحياة العملية.

إن السمتين الرئيستين للفعل هما الحرية والتعددية. ولا تعني أرنت بالحرية أي القدرة على الاختيار من بين عدة بدائل ممكنة (حرية الاختيار العزيزة على التقليد الليبرالي) أو امتلاك حرية الإرادة التي وهبنا الإله كما تقول عقيدة المسيح. بل تعني بالحرية، القدرة على البدء، البدء بشيء جديد، والقيام بغير المتوقع، والتي وهبت لجميع البشر بمجرد ولادتهم. يتجذر في المواليد أن الفعل إدراك للحرية، وفي الواقع كل ولادة تمثل بداية جديدة وفاتحة لتجدد في العالم.

ومن المؤكد أن أرنت قد أدركت أن جميع الأنشطة مرتبطة، بطريقة ما، بظاهرة الولادة، مادام أن كلا من الكدح والعمل ضروريان لخلق عالم والحفاظ عليه، عالم يولد فيه الإنسان باستمرار. مع ذلك، ومن بين الأنشطة الثلاثة، يعد الفعل أكثر ارتباطا بالولادة، لأنه من خلال فعل الأفراد يُعاد تفعيل معجزة البداية عبر ولادتهم. بالنسبة إلى أرنت ، فإن البداية التي يمثلها كل واحد منا بفضل ولادته تتحقق في كل مرة نؤدي فيها فعلا، وهي تعد في كل مرة بداية لشيء جديد. كما صاغتها: ” إن البداية الجديدة المتأصلة في الولادة يمكن استشعارها في العالم، ذلك لأن المولود الجديد قد امتلك قدرة على بدء شيء من جديد، وهو الفعل.” (HC, 9).

تشدد أرنت أيضا على حقيقة أنه مادام الفعل كبداية جديدة متجذر في الولادة، ومادام أنه إدراك للحرية، فإنه يحمل معه القدرة على أداء المعجزات وهي تقديم ما هو غير متوقع على الإطلاق. تزعم أرنت “أن ذلك في طبيعة البداية” و “أن شيئا جديدا قد ابتدأ ولا يمكن توقعه بناء على ما حدث في السابق. هذه الشخصية المذهلة، غير المتوقعة متأصلة في جميع البدايات… وحقيقة أن الإنسان قادر على الفعل يعني أن نتوقع ما هو غير متوقع منه، وأنه قادر على أداء ما هو غير مرجح، دون وجود حد لذلك. وهذا ممكن فقط لأن كل إنسان فريد من نوعه، وأنه مع كل ولادة يأتي شيء فريد في العالم.” (HC, 177–8).

بالتالي، كل ميلاد فرد هو وعد ببداية جديدة، أن تفعل يعني أن تكون قادرا على كشف ذاتك والقيام بما هو غير متوقع؛ وهو يتماشى تماما مع المفهوم القائل بأن معظم الأمثلة المتماسكة للفعل في العصر الحديث التي ناقشتها أرنت ، هي حالات ثورات وانتفاضات شعبية. وهي تدّعي بأن “الثورات هي الأحداث السياسية الوحيدة التي تواجهنا مباشرة وبصورة حتمية مع مشكلة البداية،” (OR, 21) مادام أنها تمثل محاولة إيجاد فضاء سياسي جديد، فضاء يمكن أن تظهر فيه الحرية كواقع دنيوي. وتعدّ الثورة الأمريكية المثال المفضل لدى أرنت ، وذلك لأن قانون التأسيس قد اتخذ شكل دستور للحرية. وهناك أمثلة أخرى لديها، وهي الأندية الثورية للثورة الفرنسية، ثورة بلدية باريس عام 1871، إنشاء السوفييت إبان الثورة الروسية، المقاومة الفرنسية لهتلر خلال الحرب العالمية الثانية، والتمرد الهنغاري عام 1956. في كافة تلك الحالات السابقة، كان لدى كل رجل وامرأة الشجاعة لئن يقطع أنشطته الروتينية وأن يخرج من دائرة حياته الخاصة من أجل أن يخلق فضاءا عاما يمكن أن تظهر فيه الحرية، ويؤدى فيه الفعل بطريقة يمكن أن تصبح فيها ذاكرة أفعالهم مصدر إلهام للمستقبل. ترى أرنت أن حدوث ذلك يجعلهم يعيدون اكتشاف الحقيقة المعروفة لدى قدماء الإغريق، وهو أن الفعل هو البركة العليا للحياة الإنسانية، وهي التي تمنح أهمية لحياة الأفراد.

 في كتابها (في الثورة)، أولت أرنت اهتماما كبيرا لإعادة اكتشاف تلك الحقيقة عبر أولئك الذين شاركوا في الثورة الأمريكية. إذ ترى أن الآباء المؤسسين قد انخرطوا في السياسة فقط أداءً للواجب، رغم تظاهرهم بالتوق إلى حياة خاصة، وقد أوضحت في رسائلهم وذكرياتهم أنهم قد اكتشفوا سرورا غير متوقعا في الفعل واكتسبوا تذوق الحرية العامة، والتميز بين أندادهم.

إن التعددية، التي ربما نتحول إليها الآن، هي السمة المركزية الأخرى للفعل. فإذا كان قيامك بالفعل يعني أن تأخذ زمام المبادرة، وإدخال جديد غير متوقع إلى داخل العالم، مما يعني أنه أمر لا يمكن أن تقوم به بمعزل عن الآخرين، أي بمعزل عن حضور تعددية الفاعلين القادرين، عبر وجهات نظرهم المختلفة، أن يحكموا على جودة ما يحدث. في هذا الصدد، يحتاج الفعل إلى التعددية بنفس الطريقة التي يحتاج بها الفنان إلى الجمهور؛ فمن دون حضور واعتراف الآخر فإن الفعل سيكف عن كونه نشاط ذي معنى. وبقدر ما يتطلب الفعل الظهور في الأماكن العامة، إلا أنه هو من يجعل المرء معروفا من خلال أقواله وأفعاله ويستهدف قبول الأخرين، ولا يمكن أن يوجد إلا في سياق يعرف بالتعددية.

قامت أرنت ببناء رابط بين الفعل والتعددية عبر حجة أنثروبولوجية. فهي ترى أنه مادام أن الحياة هي الوضع الذي يتلاءم مع نشاط الكدح، وأن الدنيوية هي الوضع الذي يتلاءم مع نشاط العمل، فإن التعددية هي الوضع الذي يتلاءم مع الفعل. وتعرّف التعددية كالتالي: “حقيقة أن البشر، وليس الإنسان، يعيشون على الأرض ويقطنون العالم”، وتقول أن ذلك هو وضع الفعل البشري “لأننا متشابهون جميعا في بشريتنا، بطريقة تجعل كل واحد منا لا يشبه آخر عاش قبله، أو يعيش حاليا، أو سيعيش مستقبلا.” (HC, 7–8) بالتالي، تشير التعددية إلى المساواة والتمييز، إلى حقيقة أن البشر جميعهم ينتمون إلى نفس النوع، ومتشابهين بما يكفي لفهم بعضهم البعض، مع ذلك لا يوجد اثنان منهما قابلان للتبدل، مادام أن كل واحد منهما يتمتع بسيرة ذاتية فريدة ومنظور شخصي تجاه العالم.

بفضل التعددية، يستطيع كل واحد منا القيام بفعل ما، والتواصل مع الآخرين بطرق فريدة ومميزة، وبذلك يسهم في شبكة من الأفعال والعلاقات المعقدة بشكل لا يمكن التنبؤ به. هذه الشبكة من الأفعال هي ما يشكل مجال الشؤون الإنسانية، وهو الفضاء الذي يرتبط فيه الأفراد مباشرة دون وسيط للأشياء والمادة- أي عبر اللغة. دعونا ندرس بإيجاز هذه العلاقة بين الفعل واللغة.

تؤكد أرنت ، مرارا، في كتاب (الوضع البشري) أن الفعل يملك سمة رمزية في المقام الأول، وأن شبكة العلاقات الإنسانية تُدعم بالتفاعل التواصلي.  (HC, 178–9, 184–6, 199–200). ربما يمكن صياغتها على النحو الآتي، يتضمن الفعل حديثا، وعبر اللغة نستطيع أن نبيّن المعنى من أفعالنا، وتنسيق أفعال تعددية الفاعلين. على العكس من ذلك، فالحديث يتطلب فعلا، ليس فقط بمعنى أن الحديث بذاته شكل من الفعل، أو أن معظم الأفعال تؤدى بأسلوب حديث، بل بمعنى أن الفعل هو غالبا وسيلة نتحقق بواسطتها من صدق المتحدث. بالتالي، فما دام أن الفعل دون حديث ربما يخاطر بكونه بلا معنى، وسيكون من المستحيل التنسيق مع أفعال الآخرين، لذلك فإن الحديث بلا فعل سيفتقر إلى إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها أن نؤكد على صحة المتحدث. وسوف نرى أن الرابط بين الفعل والحديث مركزي لوصف أرنت للقوة، وهذا الاحتمال الذي ينشأ بين الناس عندما يتصرفون “بتناغم” والذي يتحقق فقط “حينما لا تنفصل شراكة الفعل مع الكلمة، حينما تكون الكلمات ليست فارغة، وتكون الأفعال ليست وحشية، وحينما لا تستخدم الكلمات لحجب المقاصد بل للكشف عن الحقائق، ولا تستخدم الأفعال للعنف والتدمير بل لبناء وخلق حقائق جديدة.” (HC, 200).

 

2،4- الفعل، والحديث بوصفه انكشافا

دعونا نتحول الآن إلى فحص قوة الانكشاف للفعل والحديث. تناقش أرنت في كتاب (الوضع البشري) وفي المقطع الافتتاحي في الفصل الخاص بالفعل، أحد وظائفه المركزية ألا وهي الكشف عن هوية الفاعل. وتتمسك أرنت بأن الأفراد في فعلهم وقولهم يكشفون عن أنفسهم كأفراد فريدين، وهم بذلك يكشفون للعالم شخصياتهم المميزة. وفيما يتعلق بتمييز أرنت ، هم يكشفون “عمّن” هم، و “ماهية” تميزهم- وتشير الأخيرة إلى القدرات الفردية والمواهب، بالإضافة إلى العيوب والنقائص، وهي السمات التي يتقاسمها جميع البشر. لا يُمكّن الكدح ولا العمل الأفراد من الإفصاح عن هوياتهم، ليكشفوا عمّن هم. ففي الكدح، تُغرق فردانية كل شخص عبر ربطها بسلسلة من الضروريات الطبيعية، وبقيود يفرضها البقاء البيولوجي. عندما ننخرط في الكدح، لا يمكن إظهار شيء غير تشابهنا، وحقيقة أننا ننتمي جميعا إلى الجنس البشري، ومن الواجب أن نلبي احتياجات أجسادنا. وفي هذا النطاق، نقوم “بإحسان التصرف”، “القيام بأدوارنا” و “إتمام مهامنا”، ما دمنا نخضع جميعا لنفس الملحّات. وفي العمل، يوجد إمكانية أكبر للفردية، حيث أن كل عمل فني أو إنتاجي يحمل علامة صانعه، لكن الصانع ليس إلا تابعا للمنتج النهائي، سواء في إرفاقه بنموذج، أو بمعنى أن المنتج سيفوق صانعه بشكل عام. علاوة على ذلك، لا يكشف المنتج عن صانعه إلا بشكل قليل، باستثناء حقيقة أنه أو أنها كانت قادرة على صناعته. ولا يخبرنا عمن صنعه، بل عن أنه هو أو هي لديه بعض القدرات والمواهب. بالتالي، ففي الفعل والحديث، وفي التفاعل مع الآخرين من خلال الكلمات والأفعال يكشف الأفراد عن حقيقتهم شخصيا، ويستطيعون تأكيد هويتهم الفريدة. وبهذا المعنى، يرتبط الفعل مع الحديث بشكل وثيق، لأن كلاهما يحتويان على إجابة للسؤال الذي يطرح على كل مولود جديد “من أنت؟”. لقد أصبح الإفصاح عن “الهوية” ممكنا بالكلمات والأفعال على حد سواء، لكن ما بين الاثنين، نجد أن الحديث هو الأقرب إلى الإفصاح. وبدون مصاحبة الحديث يفقد الفعل نوعية الإفصاح، ولا يعود بالإمكان تحديد هوية الفاعل. وربما يفتقر إلى شروط إسناده إليه.

 

3،4- الفعل، السرد، والتذكر

لقد رأينا كيف يمكن للأفراد أن يفصحوا عن هوياتهم من خلال الفعل والحديث، ويكشف عن تفردهم الخاص- عمّن هم- كمتميزين عن قدراتهم الشخصية ومواهبهم أي -ماهيتهم-. مع ذلك، بينما ينخرط الأفراد في الفعل والقول، إلا أنهم لا يستطيعون التأكد من نوع الذات التي سيفصحون عنها. وسوف تكون هويتهم واضحة بأثر رجعي، أي فقط من خلال القصص التي ستنشأ من أفعالهم وأدائهم. بالتالي، فإن دور القصاصين يعد مهما ليس لأنه يحفظ أفعال وأقوال الفاعلين وحسب، بل لأنه يكشف عن هوية الفاعل بالكامل. تزعم أرنت أن سرد القصاصين “يخبرنا المزيد عن الفاعلين، أي “البطل” في وسط كل قصة، أكثر مما يخبرنا أي منتج من أيد بشرية عمّن أتقن إنتاجه.” (HC, 184). فمن دون أفلاطون ليخبرنا عن هوية سقراط، كيف ستكون محادثاته مع المواطنين الأثينيين، ومن دون ثوسايديس لإلقاء خطاب جنازة بيركليس وإعادة تشكيله بأسلوبه القوي والمأساوي، لم نكن لنعلم من الذي صنع من سقراط وبركليس شخصيات بارزة، ولن يكون سبب تفردهما واضحا وجليّا. وهذه، في الواقع، من أهم ما ادعته أرنت ، أي أن معنى الفعل نفسه يعتمد على الأثر الرجعي المعطى له من قبل الرواة والمؤرخين.

إن رواية القصص أو حياكتها بعيدا عن أفعال وتصريحات الأفراد، هو جزء لا يتجزأ من معناها، لأنه يمكّن التعبير الرجعي لأهميتها ومغزاها، سواء للفاعلين أنفسهم أو المتفرجين. ومن خلال استيعاب أهدافهم واهتماماتهم المباشرة وعدم إدراك الآثار الكاملة لأفعالهم، يحرم الفاعلون غالبا من إمكانية تقييم الأهمية الحقيقية لأفعالهم، أو إمكانية إدراكهم التام لدوافعهم ونواياهم الشخصية. يمكن أن تصبح أهمية الفعل واضحة تماما وتُجسد في سردية لشعراء أو مؤرخين، فقط عندما يُتمّ الفعل دورة محددة، وتنكشف علاقته بأفعال أخرى. حقيقة أن هذا السرد مرجأ مؤقتا، وأنه على مسافة من الأحداث التي يصفها، هو أحد الأسباب التي تجعله قادرا على تقديم مزيد من الفهم لدوافع وأهداف الفاعلين.

بالتالي يمكن أن يوفر السرد معيارا من الصدق، ودرجة بالغة الأهمية لأفعال الأفراد. الذين يحافظون أيضا على ذكرى الأفعال بمرور الزمن، وبفعلهم هذا، سيجعلون من الأفعال مصدر إلهام للمستقبل، أي نماذج للتقليد، أو التفوق. تؤكد أرنت ، أن أحد العيوب الرئيسة للفعل هو أن يكون هشّا للغاية وأن يكون عرضة لتآكل الزمن والنسيان؛ على العكس من منتج النشاط العملي الذي يكتسب مقدارا من الاستمرارية بفضل الواقعية المطلقة، فالأفعال والكلمات لا تنجو من تشريعها إلا إذا عُرضت للتذكر. من شأن تذكر سرد الأفعال كقصص، أن تحفظ حياة الفاعلين وأفعالهم من العبث والنسيان. تشير أرنت إلى هذا السبب بالتحديد، بالإشارة إلى أن الإغريق كانوا يقدرون الشعر والتاريخ بصورة عالية، لأنهم أنقذوا أفعال الماضي المجيدة ( وأقلها مجدا) لصالح أجيال المستقبل. (HC, 192 ff; BPF, 63–75) كانت الوظيفة السياسية للشاعر والمؤرخ هي الحفاظ على أفعال الماضي وجعلها مصدر تعليمات للمستقبل. كان هوميروس يُعرف باسم “مربّ هيلاس” لأنه قام بتخليد أحداث حرب طروادة لكل أولئك الذين أتوا من بعده، وقد روي عن تيوسايدس في تأريخه للحرب البيلوبونية قصة طموح إنسان وحمقه، شجاعته وجشعه، نضال عنيف وهزيمة لم يكن هناك مفرّ منها. وفي عملهم هذا، أصبح الماضي مستودع تعليماات وأفعال يجب الاقتداء بها، وأخرى يلزم تجنبها. ومن خلال سردهم، تُغلّب على هشاشة الفعل البشري، لتتجاوز حياة الفاعلين ومدى الحياة المحدود لمعاصريهم.

مع ذلك، نجن بحاجة لجمهور من أجل الحفاظ على هذه السرديات، أي مجتمع من المستمعين ليكونوا مرسالا لتخليد تلك الأفعال. مثلما صاغها شيلدون وولين على نحو ملائم: “إن الجمهور هو استعارة للمجتمع السياسي الذي تكون طبيعته مجتمعا للتذكر.” (Wolin 1977, 97) بعبارة أخرى، يقف القاصّ خلف الفاعل، ولكن هناك مجتمع من الذكرى يقف خلف القاصّ.

 

لقد كانت أحد الوظائف الأساسية لمدينة بوليس أن تكون تحديدا مثل هذا المجتمع، للحفاظ على أقوال وأفعال مواطنيها من النسيان وتلف الزمان، وبالتالي، تكون شاهدا للأجيال القادمة. كان هدف مدينة بوليس الإغريقية، إلى جانب إمكانية تبادل الكلمات والأفعال وكثرة المناسبات للفوز بالشهرة الخالدة، هو معالجة هشاشة الشؤون البشرية. وقد فعلت ذلك عبر إنشاء إطار حيث يمكن للأفعال والأقوال ان تحفظ وتسجل وتحوّل إلى قصص، وحيث يمكن لكل مواطن أن يكون شاهدا وبالتالي يكون راويا محتملا. بالتالي، فإن ما أنشأته بوليس كان فضاءا يمكن أن يحدث فيه التذكر بشكل منتظم، وعلى ذلك يمكن التغلب على هلاك الفاعلين وهشاشة الفعل البشري بشكل جزئي.

 

4،4- الفعل، السلطة، وفضاء الظهور

ترِد استعارة مدينة بوليس في كتابات أرنت بشكل مستمر. هي في الواقع “استعارة” لأنها حينما توظف هذا المصطلح فهي لا تشير ببساطة إلى المؤسسات السياسية للدولة-المدينة اليونانية التي كانت مرتبطة بظروفها وزمانها، بل لكل تلك الأمثلة في التاريخ، حيث يكون فيها المجال العام للفعل والحديث مبنيا بين مجتمع من المواطنين الأحرار المتساوين. “في موقعها الفعلي، لا تعدّ بوليس دولة-مدينة بالمعنى الملائم، إنها تنظيم نشأ من قيام الأفراد بالفعل والحديث بشكل جماعي، وإنه لفضاء حقيقي، ذلك الذي يكون بين أناس يعيشون مع بعضهم لهذا الغرض، بصرف النظر عن موقعهم.” (HC, 198). بالتالي، فإن الشعار الشهير “أينما ذهبت، ستلقى بوليس” يعبر عن قناعة المستعمرين الإغريق بأن نوع الترابط السياسي الذي كان لديهم يمكن أن يتوالد في مستوطناتهم الجديدة، وأن الفضاء الذي أوجده “مشاركة الأفعال والكلمات” يمكن أن يجد موقعه الملائم في أي مكان تقريبا.

بالتالي، فإن بوليس هي فضاء الظهور الذي قصدته أرنت ، وذلك الفضاء “حيث أظهر للآخرين كآخرين، وحيث يوجد البشر ليس كمثل الكائنات الحية الأخرى أو الجمادات، بل هو وجود لجعل ظهورهم ظهورا صريحا.” يمكن إعادة خلق هذا الفضاء من جديد متى ما اجتمع الأفراد مع بعضهم سياسيا، أي “أينما كان البشر معا في طريقة حديثهم وأفعالهم.” (HC, 198–9). مع ذلك، ففضاء الظهور هذا هش للغاية، لأنه لا يشكل فعلا، ولا يوجد إلا عند تحقيقه من خلال أداء الأفعال أو نطق الكلمات. وتلك هي خصوصيته كما قالت أرنت ، أي أنه: “على عكس الفضاءات التي تصنعها أيدينا، فإنها لا تنجو من واقعية حركتها التي أوصلتها إلى حيز الوجود، لكنها تختفي ليس فقط بانتشار البشر- كما في حالة الكوارث الكبرى عندما يُدَمَّر الجسد السياسي للشعب- بل حتى مع اختفاء أو كبح الأنشطة بذاتها. وأينما اجتمع البشر فمن المحتمل أن يكون هناك هذا الفضاء، فقط محتمل، ليس بالضرورة وليس أبديا.” (HC, 199).

يجب إعادة خلق فضاء الظهور بشكل مستمر من خلال الفعل؛ حيث يُؤمّن وجوده متى ما اجتمع الفاعلون معا بغرض مناقشة وتداول أمور الشأن العام، ويختفي بمجرد ما تتوقف تلك الأنشطة. إنه دائما فضاء محتمل يجد تحققه عبر أفعال وأقوال الأفراد الذين يجتمعون معا لتنفيذ مشروع مشترك. وربما يظهر فجأة، كما في حالة الثورات، أو ربما يتطور ببطء بفضل جهود تغيير بعض السياسات والتشريعات المحددة. وقد أُعيد خلقه، تاريخيا، متى ما أُعدّت فضاءات للفعل والتشاور، من الاجتماعات البلدية إلى مجالس العمال، ومن المظاهرات والاعتصامات إلى النضال من أجل العدالة ومساواة الحقوق.

إن القدرة على الأداء بصورة متناغمة لغرض سياسي-عام، هو ما تسميه أرنت السلطة. والسلطة هنا بحاجة لتمييزها عن القوة، الإكراه، والعنف. فالسلطة ليست ملكا للفرد بعكس القوة، بل هي ملك للعديد من الفاعلين المتّحدين مع بعضهم لغرض سياسي مشترك. وهي لا تشبه الإكراه، أي ليست ظاهرة طبيعية بل خليقة بشرية، وهي نتاج مشاركة جماعية. كما أنها تختلف عن العنف، فهي ليست مبنية على الإكراه، بل على الموافقة والإقناع العقلاني.

بحسب رؤية أرنت ، فإن السلطة ظاهرة فريدة مادام أنها نتاج فعل، وتستند بشكل كلي على الإقناع. وهي نتاج فعل لأنها تنشأ نتيجة لأنشطة مشتركة من تعددية الفاعلين، وتستند على الإقناع لأنها تتوقف على القدرة على تأمين موافقة الآخرين عبر نقاش وحوار خال من الإكراه. إن كل ما تفعله السلطة هو تقييد وجود الآخرين فقط، لكن هذا التقييد كما نوّهت به أرنت: “ليس من قبيل الصدفة، لأن السلطة البشرية تتلاءم من البداية مع الوضع التعددي.” هي متحققة في كل الحالات التي يشرع فيها الفعل لغرض تواصلي (بدلا من استراتيجي أو ذرائعي)، في حين أن الحديث يستخدم للكشف عن نوايانا وتبيان دوافعنا للآخرين.

تؤكد أرنت على أن شرعية السلطة مستمدة من التجمع الأولي للناس، أي من الميثاق الأصيل للترابط الذي بنى مجتمعا سياسيا، والذي يُؤكد مرة أخرى متى ما تصرف الأفراد بشكل متناغم عبر الحديث والإقناع. بالنسبة لأرنـت: “لا تحتاج السلطة إلى مبرر، لكونها متأصلة في ذات المجتمعات السياسية، لكن ما تحتاجه هو الشرعية…إذ تنبثق السلطة متى ما اجتمع الناس مع بعضهم وتصرفوا بشكل متناغم، لكنها تستمد شرعيتها من التجمع الأولي بدلا من أي فعل قد يتبعه لاحقا.” (CR, 151).

تستند السلطة، إلى جانب انجذابها للماضي، على شرعيتها المتواصلة فيما يتعلق بالالتزامات الملزمة عقلانيا، والتي تنبثق من عملية تواصل حر وغير مشوّه. ولهذا السبب، السلطة مستقلة تماما عن العوامل المادية فهي لا تُدعم من قبل الوسائل الاقتصادية، البيروقراطية، أو العسكرية، بل من سلطة القناعات المشتركة التي تنتج من مشاورات عادلة لا إكراه فيها.

إن السلطة أمر لا يمكن الاعتماد عليه أيضا في كل الأوقات، وليس هناك إمكانية لتكديس السلطة وحفظها للاستخدام مستقبلا. بدلا من ذلك، هي توجد فقط كاحتمالية يمكن تحقيقها عندما يجتمع الفاعلون مع بعضهم لأجل فعل سياسي ومشاورات عامة. بالتالي، ترتبط ارتباطا وثيقا بفضاء الظهور، تلك المساحة التي تنشأ من أفعال وأحاديث الأفراد. في الواقع، ترى أرنت : “أن السلطة هي ما يحفظ المجال العام، فضاء الظهور المحتمل بين تصرف وحديث الأفراد المتواجدين.” فالسلطة مثل فضاء الظهور “سلطة كامنة لكن تغييرها ممكن، وتعدّ كينونة موثوقة وقابلة للقياس مثل القوة، والإكراه. وهي تنبثق بين الرجال عندما يتصرفون مع بعضهم البعض وتتلاشى لحظة انصرافهم.”  (HC, 200).

تكمن السلطة إذن في أساس كل مجتمع سياسي، وهي تعبير عن إمكانية متاحة بشكل دائم للفاعلين. كما أنها مصدر شرعية للمؤسسات السياسية والحكومية، وهي الوسيلة التي ينقلون بها ويتكيفون مع ظروف جديدة ويجعلونها تستجيب لآراء واحتياجات المواطنين. “إن دعم الشعب هو الذي يمنح السلطة لمؤسسات البلد، وهذا الدعم ليس إلا استمرار للموافقة التي بعثت بالقوانين من البداية…إن جميع المؤسسات الدينية ماهي إلا تجليات وتجسيد للسلطة؛ فهم يتسمّرون في أماكنهم ويتضاءلون بمجرد ما تتوقف السلطة الحية من البشر عن التمسك بهم.” (CR, 140).

تعتمد شرعية المؤسسات السياسية على السلطة، أي الموافقة النشطة للشعب، وبقدر ما تسعى الحكومات للحفاظ على السلطة للأجيال القادمة عن طريق مأسستها، إلا أنهم يطالبون بحيوية استمرار الدعم والمشاركة النشطة لكافة المواطنين.

 

5،4 الفعل، ما يتعذر التنبؤ به، اللامقلوبية

حتى الآن، تؤكد مناقشة نظرية الفعل لـ أرنت على عدد من الميزات، من بين أهم هذه الميزات، قدرة الفعل على كشف هوية الفاعل لتمكين الحرية من الظهور والتحقق كواقع دنيوي، يخلق ويبقي على فضاء الظهور، ويجعل توليد السلطة أمرا ممكنا. وأكدنا أيضا على أهمية السرد والتذكر والتعبير بأثر رجعي عن معنى الفعل عن طريق سرد القصص وحفظها بواسطة ذاكرة المجتمع. ختاما، سنقوم بفحص سمتين للفعل، تعذر التنبؤ واللا مقلوبية، وعلاجهما المختص قوة الوعد وقوة الغفران.

لا يمكن التنبؤ بالفعل لأنه مظهر من مظاهر الحرية، القدرة على الابتكار، وتبدل المواقف عبر الانخراط فيها؛ ذلك لأنه يحدث في المقام الأول داخل شبكة علاقات إنسانية ضمن سياق تعرّفه التعددية، بحيث لا يستطيع أي فاعل أن يتحكم بنتيجته النهائية. يقوم كل فاعل بتجهيز العمليات والدخول لشبكة معقدة من الأفعال والأحداث التي يساهم فيها كل الفاعلون الآخرون، مما يؤدي إلى تعذر التنبؤ بالنتيجة بواسطة نوايا أي فاعل معين. إن طبيعة الفعل المكشوفة التي يتعذر التنبؤ بها هي عاقبة للحرية الإنسانية والتعددية، فعندما نتصرف نحن أحرار ببدء عمليات والقيام بأحداث جديدة، لكن لا يوجد أي فاعل يملك القوة للتحكم بعواقب أفعاله أو أفعالها.

السبب الآخر المتعلق بتعذر التنبؤ بالأفعال هو لا محدودية عواقبها: فكلٌ يسيّر عددا لا محدودا من الأفعال وردود فعل لا غاية لها. كما صاغتها أرنت : “إن السبب في عدم تمكننا من التكهن على وجه اليقين بنتيجة وغاية كل فعل هو ببساطة لأن الفعل لا غاية له. وذلك لأن الفعل “ربما يحدث من أي مكان إن جاز التعبير، يعمل في بيئة حيث يكون كل فعل ردة فعل متسلسلة وحيث تكون كل عملية سبب لعمليات جديدة، أصغر فعل في أكثر الظروف محدودية يحمل بذور اللا محدودية نفسها، لأن فعلا واحدا وأحيانا كلمة واحدة تكفي لتغيير كافة المجموعة.” (HC, 190).

ترتبط اللامقلوبية بشكل وثيق باللا محدودية، وتعذر التنبؤ بالفعل. فكل فعل يعدّ العمليات التي لا تراجع فيها أو استرجاع، كما لو أننا نقول، نحن قادرون على التراجع عن منتج معيب من صنع أيدينا. فلو أن الشخص يصنع صناعة يدوية وغير راض عنها، فبإمكانه دوما تدميرها وإعادة صنعها من جديد. لكن هذا يبدو مستحيلا عندما يتعلق الأمر بالفعل، لأن الفعل يحدث دوما في شبكة علاقة إنسانية موجودة فعليا، حيث يصبح كل فعل ردة لفعل، وكل فعل مصدرا لفعل مستقبلي. حيث لا يمكن إيقاف أي واحد منها أو التراجع عنه. بالتالي، لا يمكن التنبؤ بعواقب كل فعل، ولا يمكن التراجع فيه أيضا، فالعمليات التي ابتدأت من الفعل لا يمكن التحكم بها أو الرجعة عنها.

إن العلاج الذي يقترحه الفكر الغربي لتعذر التنبؤ وتعذر التراجع عن الفعل، يكون في الامتناع عن الفعل تماما، أي الانسحاب من مجال التفاعل مع الآخرين على أمل الحفاظ على حرية وسلامة الفرد. لقد قامت الأفلاطونية، الرواقية، والمسيحية برفع مجال التأمل فوق مجال الفعل، لأن المرء قادر على أن يكون حرّا من تعقيد وإحباط الفعل في المجال الأول على وجه التحديد. على النقيض، لا يصرف اقتراح أرنت النظر عن مجال الشؤون الإنسانية، بل يعتمد على سمتين متأصلتين في الفعل نفسه، سمة الغفران والوعد. ترتبط هاتان السمتان ارتباطا وثيقا، فالأولى تلطف من تعذر التراجع عن الفعل بالعفو عن الفاعل والعواقب غير المقصودة لأخلاقه، أما الثانية فهي تخفف من الشك بنتائج الفعل عبر التزام الفاعلين بمسارات فعل محددة، وبالتالي تضع بعض الحدود لعدم القدرة على التنبؤ. وفي هذا الصدد نقول بأن كلا السمتين مرتبطتين بالزمنية: فمن وجهة نظر الحاضر، يبدو الغفران متأخرا عما حدث بالعفو عن الفاعل وما بدر منه دون قصد، بينما يبدو الوعد متطلعا للأمام حيث يسعى لتأسيس حماية بصورة مختلفة لمستقبل غير مؤكد وغير متوقع.

يُمكّننا التسامح من التصالح مع الماضي وتحرير ذواتنا من عبء اللا عودة؛ ويسمح لنا الوعد بمواجهة المستقبل ووضع بعض الحدود لعدم مقدرتنا على التنبؤ. كما صاغتها أرنت : “من دون التسامح، والتحرر من عواقب ما بدر منا، فإن قدرتنا على التصرف سوف تنحصر، كما كانت، على فعل واحد لا يمكننا التعافي منه، ولربما نبقى ضحايا لعواقبه إلى الأبد.” ومن جانب آخر، “إذا لم نتقيد بالإيفاء بوعودنا، لن نستطيع أبدا الحفاظ على هوياتنا؛ وسوف نهيم على وجوهنا بلا أمل، ومن دون أن تكون هناك وجهة في ظلمة القلب البشري” (HC, 237). بهذا المعنى، تعتمد كلتا السمتان على التعددية وحضور الآخرين وتصرفهم، لأنه لا يمكن لأحد أن يغفر لنفسه، ولا يمكن أن يشعر المرء بالالتزام بوعد قطعه على نفسه. وتعبر كلتا السمتان، في الوقت نفسه، عن حرية الإنسان، ذلك لأنه من دون سمة تتيح لنا التراجع عما فعلناه في الماضي، ومن دون القدرة على التحكم جزئيا بالعمليات التي بدأناها، سنكون ضحايا “لضرورة تلقائية تجدد كل علامات القوانين المتصلبة.” (HC, 237).

 

5- نظرية أرنت للحكم

نجد أحد أكثر إسهامات أرنت الباقية في الفكر السياسي في تأملاتها حول الحكم، والذي شغل تفكيرها في السنوات الأخيرة من حياتها. فإلى جانب نظرية الفعل، تمثل نظرية الحكم، النظرية غير المكتملة، إرثها المركزي للفكر السياسي في القرن العشرين. وسوف نستكشف الآن بعض الجوانب الرئيسة لنظريتها هذه، نظرية الحكم، كما سنقوم بفحص مكانها في تخطيط النظرية السياسية لأرنـت.

 

5.1- الحكم: نموذجان

لم تُطور نظرية أرنت بشكل منهجي أو واسع النطاق مثلما حدث في نظرية الفعل. لقد كانت تنوي إكمال دراستها لحياة العقل بتخصيص المجلد الثالث لسمة الحكم، لكنها لم تأتِ على فعل ذلك بسبب وفاتها المفاجئة عام 1975. ولم تترك إلا عددا من التأملات المبعثرة في المجلدين الأوليين عن (التفكير والإرادة) (LM, vol. I; vol. II)، وهي سلسلة من المحاضرات حول فلسفة كانط السياسية التي ألقيت في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية خريف عام 1970. ، مقال بعنوان “التفكير والاعتبارات الأخلاقية” الذي كتبته في الوقت الذي ألفت (حياة العقل) (TMC, 417–46) ومقالان مدرجان في كتاب (بين الماضي والمستقبل) حيث يُتعامل مع الرأي والحكم كمتعلقات بالثقافة والذوق بعنوان (أزمة في الثقافة- BPF, 197–226) وما يتعلق بمسألة الحقيقة وعنونته (“الحقيقة والسياسية”- BPF, 227–64). مع ذلك، لا تمثل هذه الكتابات نظرية موحدة للحكم، بل نموذجين متميزين، أحدهما قائم على وجهة نظر الفاعل والآخر على وجهة نظر المتفرج، وهما يتعارضان إلى حد ما، مع بعضهما البعض. يمكن تقسيم كتابات أرنت حول موضوع الحكم إلى مرحلتين متميزتين، مرحلة مبكرة كان الحكم فيها سمة للفاعلين السياسيين الذين يتصرفون في المجال العام، أما المرحلة الثانية حينما كان الحكم امتيازا لغير الفاعلين، خاصة الشعراء والمؤرخين الذين يسعون لفهم الماضي، ومصالحتنا حول ما حدث فيه. في الصيغة الأخيرة، لم تكن أرنت معنية بالحكم بوصفه سمة للحياة السياسية مثل السمة التي يمارسها الفاعلون لأجل إقرار تصرفهم في المجال العام، بل بوصفه مكوّنا لحياة العقل، فهي السمة التي يمكن من خلالها أن يستعيد غير الفاعلين، أصحاب الامتيازات، المعنى من الماضي وبالتالي يتصالحون مع الزمن، ومع المآسي بأثر رجعي.

بالإضافة إلى تزويدنا بنموذجين للحكم، اللذان يقفان على خلاف مع بعضهما البعض، لم توضح أرنت حالة الحكم فيما يتعلق بنموذجين من مصادره الفلسفية، أرسطو وكانط. وبدا أن المفهومين يسيران باتجاهين متناقضين، الأرسطي نحو اهتمام بالخاص، والكانطي نحو اهتمام بالعموم والنزاهة.

بالتالي، يبدو أن نظرية أرنت للحكم لا تتبع نموذجين فقط، الفاعل -يحكم لأجل التصرف- وغير الفاعل-يحكم من أجل انتخاب معنى من الماضي، لكن المصادر الفلسفية التي تستقي منها هي إلى حد ما، على خلاف مع بعضها البعض.

 

5،2 الحكم والحياة التأملية

نشأ اهتمام أرنت بالحكم بوصفها سمة تقييم بأثر رجعي تسمح باسترداد المعنى من الماضي، وقد تولّد من محاولتها التصالح مع المآسي المزدوجة للقرن العشرين، وهي النازية والستالينية. سعت أرنت ، في مواجهتها أهوال معسكرات الإبادة وما يعرف الآن باسم غولاغ، لفهم هذه الظواهر بمصطلحاتها الخاصة، ولم تستنتجها مما سبق، أو تضعها في مخطط شامل للضرورة التاريخية. إن هذه الحاجة للتصالح مع الأحداث الصادمة للقرن العشرين، وفهمها بطريقة لا تبيح الأعذار، بل مواجهتها بكل قوة وإقدام، هو أمر تعاود أرنت الرجوع له مرة تلو الأخرى. يخوننا الإطار الموروث للحكم “بمجرد أن نحاول تطبيقه بصدق على التجارب السياسية المركزية لعصرنا.” (UP, 379). حتى حكمنا الفطري الاعتيادي يعود لكونه غير فعال، ما دام أننا “نعيش في عالم مضطرب، عالم لا يمكن لنا أن نجد طريقنا عبر الثبات على قواعد كانت يوما من قبيل الفطرة السليمة.”

بالتالي، فإن أزمة الفهم تترافق مع أزمة الحكم، بقدر ما أن “الفهم يرتبط عند أرنت ارتباطا وثيقا ومتداخلا مع الحكم، بحيث أن المرء يلزمه أن يصفهما معا على أنهما مصنّف لشيء معين تحت قاعدة عالمية.” (UP, 383). بمجرد أن تفقد هذه القواعد صلاحيتها، لن نكون قادرين على الفهم والحكم على أشياء معينة، أي أننا لا نعود قادرين على تصنيفه تحت تصنيفاتنا المقبولة للأخلاق والفكر السياسي. مع ذلك، لا تؤمن أرنت بأن فقدان هذه التصنيفات قد وضع حدا لقدرتنا على الحكم، بل على العكس من ذلك، فمادام أن البشر يتميزون بقدرتهم على البدء من جديد، فهم قادرين على تشكيل تصنيفات جديدة وصياغة معايير جديدة للحكم على الأحداث التي انتهت والتي قد تظهر في المستقبل.

لم تدمر ضخامة ظواهر الشمولية، بالمعنى الدقيق، قدرتنا على الحكم بالنسبة لأرنت، بل دمرت بدلا عنه معاييرنا المقبولة للحكم وتصنيفاتنا التقليدية للتفسير والتقييم، سواء كانت أخلاقية أو سياسية. وفي هذه الحالة فالملاذ الوحيد هو اللجوء إلى الخيال، والذي يسمح لنا برؤية الأشياء بمنظورها الملائم والحكم عليها دون استفادة من قاعدة معطاة مسبقا أو عالمية. ترى أرنت أن الخيال يُمكّننا من خلق مسافة ضرورية لحكم نزيه، بينما تسمح في الوقت نفسه بالتقارب الذي يجعل الفهم أمرا ممكنا. بهذه الطريقة، تجعل تصالحنا مع الواقع ممكنا، حتى مع الواقع المأساوي للقرن العشرين.

إن مشاركة أرنت في محاكمة آيخمان في أوائل الستينات، جعلها تدرك مرة أخرى الحاجة للتصالح مع واقع يتحدى، بشكل مبدئي، الفهم الإنساني. إذ كيف يمكن لهذا الفرد العادي الخاضع للقانون وكافة البشر أن يقوموا بارتكاب هذه الجرائم الوحشية؟ لقد أجبرها أثر المحاكمة على إثارة مشكلة أخرى تتعلق بالحكم، وهي ما إذا كان يحق لنا أن نفترض بشكل مسبق “سمة إنسانية مستقلة، لا يدعمها قانون أو رأي عام تحكم من جديد، وبعفوية تامة، على كل عمل ونية كلما حدثت مناسبة.”

 

5،3- الحكم ورياح الفكر

عادت أرنت إلى هذه المسألة في كتاب (حياة العقل)، وهو عمل كان من المفترض أن يشمل سمات التفكير الثلاث وهي: التفكير، الحكم، والإرادة. في مقدمة المجلد الأول، أعلنت ان الدافع الفوري لكتابته هو حضورها محاكمة آيخمان في القدس، أما الدافع الثاني، وهو لا يقل أهمية عن الأول، فهو لتقديم تفسير لأنشطتنا العقلية التي كانت مفقودة في عملها السابق حول الحياة العملية. لقد كان غياب فكر آيخمان “انعدام تفكيره” أكثر أمر أثار دهشتها، لأن ذلك كان سببا، من وجهة نظرها، في انعدام قدرته على الحكم في تلك الظروف، وقد كان أحوج ما يكون له. وكتبت: “لقد كان غياب تفكيره هو ما أيقظ اهتمامي، هل العمل الشرير ممكن افتراضيا، ليس على “دوافع أساسية”، ولكن لأي دوافع ممكنة… هل مشكلة الخير والشر… وأن مقدرتنا على الجزم بالصواب والخطأ، مرتبطة بمقدرتنا على التفكير؟ (LM, vol. I, 4–5).

حاولت أرنت الرد عن طريق ربط نشاط التفكير بنشاط الحكم بطريقة مضاعفة.  أولا، التفكير،-وهو الحوار الصامت بيني وبين نفسي- يقوم بإنهاء وحلّ عاداتنا الثابتة للتفكير وقواعد التصرف المقبولة وبالتالي، يمهد الطريق لتنشيط حكم مفصل دون عون من المسلّمات المحددة مسبقا. ولا يعني ذلك أن التفكير يقدم قواعدا جديدة للحكم ليصنف الخاص ضمن العام. بل يخفف من قوة تأثير العام على الخاص، وبالتالي، يحرر الحكم من السمات الفكرية المتصلبة والمعايير التقليدية للتقييم. يحدث في وقت الأزمات التاريخية أن يميل التفكير لئن يكون شأنا هامشيا من خلال تقويض كافة المعايير والقيم المحددة، ليعدّ الفرد للحكم عليه أو عليها بدلا من إثارته عبر أفعال وآراء الأغلبية.

الطريقة الثانية التي ربطت فيها أرنت نشاط التفكير بنشاط الحكم، كانت عبر إظهار ذلك التفكير من خلال تحقيق حوار داخل وعيي يحدث بيني وبين نفسي، وتقديم الضمير على أنه حصيلة ثانوية. هذا الضمير، لا يشبه صوت الإله أو ما أطلق عليه المفكرون اسم  lumen naturaleفهو لا يعطي وصفات إيجابية؛ بل يخبرنا فقط بما يجب ألا نفعله، وما نتجنبه من أفعال وتعاملات مع الآخرين، إضافة إلى ما نندم عليه. تلحظ أرنت في هذا السياق أن القول الفصل لسقراط: “من الأفضل أن نعاني من الخطأ على أن نفعل الخطأ”، و اقتراحه القائل: “سيكون من الأفضل لي أن تخرج قيثارتي عن نغمتي المألوفة وتعلو بالتنافر، وهؤلاء الكثرة من الرجال يجب أن يختلفوا معي، بدلا من أن أكون وحيدا، عليّ أن أخرج عن التناغم مع ذاتي وأعارض نفسي،” وتستمد صحة هذه الأقوال من فكرة أن هناك طرف صامت في داخلنا، نقدم من خلاله تفسيرا لأفعالنا. (TMC, 29–30; 35). وإن أكثر ما نخافه هو التنبؤ بحضور هذا الطرف (أعني الضمير) الذي ينتظرنا نهاية اليوم.

تلحظ أرنت أيضا أن التفكير باعتباره تحقيق الفرق المعطى في الوعي “ليس امتيازا للأقلية بل سمة حاضرة لدى الجميع، وعلى هذا الأساس، فإن غياب التفكير ليس فشلا لدى كثير ممن يفتقرون إلى قوة العقل بل احتمالية حاضرة دوما للجميع.” بالنسبة لأولئك الذين ينخرطون في التفكير، فإن الضمير يبرز كمنتج ثانوي حتمي. كظاهرة مرافقة للتفكير، فإن للضمير نظيره في الحكم كمنتج ثانوي للنشاط التحرري للفكر. وإذا كان الضمير يقدم فحصا داخليا نقيّم به أفعالنا، فإن الضمير يقدم الظهور الخارجي لقدرتنا على التفكير بشكل نقدي. كلتا السمتين تتعلقان بمسألة الصواب والخطأ، وبينما يوجّه الضمير الانتباه للذات، فالحكم يوجّه الانتباه للعالم. وفي هذا الشأن، نقول إن الحكم يجعل ما سمّته أرنت ” تجلّي رياح الفكر” في مجال الظهور، أمرا ممكنا.

 

5،3- الحكم وجماليات كانط

لقد كشف التفسير السابق الطريقة التي حاولت بها أرنت ربط نشاط التفكير بقدرتنا على الحكم. وللتأكيد، يبدو أن ارتباط التفكير والحكم لا يعمل إلا في الحالات الطارئة، في تلك اللحظات الاستثنائية، حينما يكون الأفراد في مواجهة مع انهيار المعايير التقليدية بحيث يتعين عليهم الإتيان بأخرى جديدة والحكم وفقا لقيمهم المستقلة. مع ذلك، هناك رؤية أخرى متوسعة عن الحكم والتي لا تقصره على أوقات الأزمات بل ترتبط بالقدرة على التفكير بصورة تمثيلية، أي من وجهة نظر الجميع. تصف أرنت هذه القدرة على التفكير بصورة تمثيلية بأنها “ذهنية متوسعة”، حيث أقرّت بنفس المصطلحات التي استخدمها كانط في كتابه (النقد الثالث) لوصف الحكم الجمالي. وعلينا أن نبدل انتباهنا في هذا العمل الآن، ذلك لأن أرنت اعتمدت نظريتها للحكم السياسي على جماليات كانط بدلا من فلسفته الأخلاقية.

منذ الوهلة الأولى قد يبدو ذلك اختيارا محيرا، لأن كانط بنفسه بنى فلسفته الأخلاقية والسياسية على سبب عملي وليس على سماتنا الجمالية. رغم أن أرنت زعمت أن (نقد الحكم) قد احتوى على فلسفة كانط السياسية غير المكتوبة، وأن الجزء الأول منه “نقد الحكم الجمالي” كان أكثر الأسس المثمرة التي استندت عليها لبناء نظرية للحكم السياسي، بما أنها تعاملت مع عالم المظاهر من وجهة نظر المتفرج الحاكم واتخذته كنقطة انطلاق لها بوصفها سمة للذوق، فهمت على أنها سمة لموضوعات متماسكة ومتجسدة. (BPF, 219–20).

إن القدرة على الحكم عند أرنت ، هي قدرة سياسية على وجه التحديد، بقدر ما تُمكّن الأفراد من توجيه أنفسهم في المجال العام والحكم على الظاهر الذي يكشف عن داخله من وجهة نظر مستقلة ونزيهة. تنسب أرنت إلى كانط إلغاءه للتحيز حول أحكام الذوق بكونها تكمن خارج المجال السياسي، بما أنها تتعلق فقط بالمسائل الجمالية. فهي تؤمن، في الحقيقة، بأنه من خلال ربط الذوق بتلك الطريقة الواسعة من التفكير التي أطلق عليها كانط “الذهنية المتوسعة” يكون الطريق مفتوحا لإعادة تقييم للحكم باعتباره قدرة تحكيمية سياسية خاصة، أي القدرة على التفكير في مكان أي شخص آخر. نجد في (نقد الحكم) لكانط فقط، أن مفهوم الحكم قد أتى بمعنى القدرة على التعامل مع التفاصيل بخصوصيتها، أي دون تصنيفها ضمن عالمية معطاة، بل البحث عن العالمي خارج الخاص. لقد قام كانط بصياغة هذا التمييز على أنه بين الأحكام الحاسمة والتأملية. فبالنسبة له، فإن الحكم بشكل عام هو سمة التفكير بالخاص على أنه تضمين تحت العالمي. وإذا كان العالمي (قاعدة، مبدأ، أو قانون) معطى، فإن الحكم الذي يصنف الخاص يكون تحت الحسم. مع ذلك، لو أن الخاص كان معطى، ويستلزم العثور على العالمي فالحكم هنا تأملي. بالنسبة لكانط، تكون الأحكام الحاسمة إدراكية، في حين أن الأحكام التأملية غير إدراكية. وتُرى الأحكام التأملية على أنها القدرة على الاعتلاء من الخاص للعام دون وساطة تحديد المفاهيم المعطاة مسبقا، وهو استنتاج حول الخاص وارتباطه بالعام بدلا من التفكير بالعالمي وارتباطه بالخاص في حالة الحكم الجمالي، يعني ذلك أنه لا يمكن للمرء تطبيق المسند العالمي للجمال إلا من خلال كائن معين يمثله. بالتالي، عند مواجهة زهرة، طبيعة خلابة، أو لوحة معينة، فيمكن للمرء اعتبارها مثالا على الجمال الذي يمتلك “صلاحية نموذجية.”

إن مفهوم الصلاحية النموذجية، بالنسبة لـ أرنت ، ليس مقتصرا على الأشياء الجمالية، أو الأفراد الذين يجسدون بعض المزايا. بل تريد بدلا من ذلك، أن توسع هذا المفهوم ليشمل الأحداث الماضية التي تحمل معنى يتجاوز تشريعها المطلق، أي الأحداث التي يمكن اعتبارها نموذجية لمن يأتون بعدنا. وهنا ينضم الحكم الجمالي إلى الحكم بأثر رجعي للمؤرخ. إن الثورة الفرنسية والأمريكية، ثورة بلدية باريس، السوفييت الروسية، المجالس الثورية الألمانية لعام 1918، 19- والانتفاضة الهنغارية عام 1956 كل هذه الأحداث تتمتع بنوع من الصلاحية النموذجية التي تجعل لها أهمية عالمية، بينما تبقي مع ذلك على خصوصيتها وفرادتها. بالتالي، يمكن للمؤرخ والمتفرج الحاكم، من خلال حضور هذه الأحداث، أن يسلط الضوء على أهميتها العالمية، وبالتالي الحفاظ عليها كـ “امثلة” للأجيال القادمة.

بالنسبة لـ أرنت ، فالمتفرجين هم من يملكون امتياز الحكم بطريقة نزيهة ومنصفة، وهم بذلك يقومون بتجربة سمتين عصيبتين، وهما الخيال والحس السليم. فالخيال هو السمة التي تتمثل في عقل المرء، التي ظهرت بالفعل لحواسه. ومن خلال الخيال يمكن للمرء أن يوضح الأشياء التي لم تعد موجودة وبالتالي، يضع مسافة ضرورية للحكم النزيه. بمجرد حدوث هذا التباعد يكون المرء في حالة تسمح له بالتفكير في هذه التمثيلات من عدة أوجه نظر مختلفة، وبالتالي الوصول لحكم بشأن القيمة المناسبة للشيء.

أما السمة الأخرى التي يلزم المتفرجين الميل لها، فهي الحس السليم أو الحس المشترك، فبدونها لا يمكن مشاركة الأحكام أو الخصوصيات الفردية. لقد اعتقد كانط أنه من أجل أن تكون أحكامنا صالحة، علينا أن نسمو فوق ظروفنا الخاصة والذاتية لصالح الظروف العامة والذاتية المشتركة، ونحن قادرون على فعل ذلك من خلال الميل للحس المجتمعي لدينا، والحسّ المشترك.

فإذن، معيار الحكم هو القابلية للتواصل، والمقياس الذي يقرر ما إذا كانت أحكامنا قابلة للنقل هو رؤية ما إذا كانت تتلاءم مع الحس المشترك للآخرين. تشير أرنت إلى أن التركيز على قابلية الحكم على الذوق والمفهوم المترابط للذهنية المتوسعة يرتبط دون جهد بفكرة كانط حول الإنسان المتوحد الذي يعيش في سلام أبدي. وتجادل أرنت بأنه: “بحكم فكرة الإنسانية الموجودة في كل كائن منا، بأنه إنساني، يمكن القول بأننا متحضرون أو إنسانيون إلى الحد الذي تصبح فيه فكرة الإنسانية مبدأ ليس فقط لأحكامهم بل حتى لأفعالهم. وفي هذه المرحلة يصبح الفاعل والمتفرج متحدين، ويصبح حكم كل واحد منهما على مشهد العالم حكما واحدا.” (LKPP, 75).

في تأملاتها حول كتاب كانط (النقد الثالث) تعترف أرنت بالروابط بين وجهة نظر الفاعل والمتفرج. ودعونا الآن نقوم بدراسة للطريقة التي يعمل بها الحكم من وجهة نظر الفاعل.

 

5،5- الحكم والحياة العملية

قدمت أرنت نموذجا للحكم في مقالتين “الأزمة في الثقافة” و “الحقيقة والسياسة” والتي يمكن وصفها بأنها سياسة أكثر مما قدّم حتى الآن. في الواقع، عاملت أرنت الحكم في هذه المقالتين على انه سمة تمكّن ممثلي السياسة أن يقرروا ماهي مسارات الفعل التي يجب القيام بها في المجال العام، وماهي الأهداف الملائمة للسعي خلفها، إضافة إلى من يُمدح أو يُلام على أفعال الماضي أو عواقب قرارات الماضي. وفي هذا النموذج للحكم ينظر له على أنه قدرة سياسية على وجه الخصوص، أي “القدرة على رؤية الأشياء ليس فقط من وجهة نظر المرء الخاصة، بل من وجهة نظر كل من كان حاضرا بالمصادفة”، ولكونها “أحد القدرات الأساسية للإنسان كحيوان سياسي بقدر ما تمكّنه من توجيه نفسه في المجال العام، في العالم المشترك.” تزعم أرنت أن “الإغريق هم من أطلقوا على هذه القدرة [الحكم على] الحكمة العملية، أو الرؤية الثاقبة، واعتبروها الفضيلة الرئيسة، أو امتياز رجل الدولة في تمييزها عن حكمة الفيلسوف. يكمن الاختلاف بين هذه الرؤية الحاكمة والتفكير التأملي في أن الأول له جذوره فيما اعتدنا على تسميته بالحس السليم. حيث يكشف لنا الحس السليم طبيعة العالم بقدر ما هو عالم مشترك؛ ونحن مدينون له بحقيقة أن حواسنا الخمس الخاصة ومعطياتها الحسية يمكن أن تكيف نفسها لعالم غير ذاتي وموضوعي، نشترك ونتشارك فيه مع الآخرين، إن الحكم هو أحد الأنشطة إن لم يكن أهمها التي يحضر فيها تقاسم الحياة مع الآخرين.” (BPF, 221).

علاوة على ذلك، عند مناقشة السمة غير القهرية للحكم، وحقيقة أنه لا يمكنها إلا أن تميل، لكنها لا تفرض الموافقة على الآخرين، تزعم أن “هذا “الصوت الخفيض” أو الإقناع ينسجم بشكل وثيق مع ما سماه الإغريق peithein، الخطاب المقنع الذي يعتبرونه الشكل السياسي المعتاد للأشخاص الذين يتحدثون مع بعضهم البعض.” (BPF, 222). زعم أحد المعلقين بأن هناك تناقض في توظيف أرنت لمفهوم أرسطو للحكمة العملية إلى جانب فكرة كانط حول “الذهنية المتوسعة” ما دام أن من المفترض أن يُدفعوا في اتجاهات مختلفة، الأول نحو اتجاه يعنى بالخاص، والثاني نحو اتجاه يعنى بالعام والنزاهة. مع ذلك، هذا التناقض يبدو أكثر وضوحا من الواقع، مادام أن نظرية كانط الجمالي للحكم هي نظرية للحكم الانعكاسي، أي تلك الأحكام التي لا يعطى فيها العام بل يجب البحث عنه بشكل خاص. وفي هذا الصدد، تميل نظرية الحكم الجمالي التي تتمتع بعلاقات وثيقة بمفهوم أرسطو للحكمة العملية؛ فكلاهما معنيان بالحكم على التفاصيل الدقيقة. وليس على افتراضهما بشأن القواعد العالمية. وإذا كان هناك داع للتمييز، فالأمر يتعلق بنموذج تأكيد الصلاحية: في حكمة أرسطو العملية هناك امتياز للقلة من أفراد الخبرة (the phronimoi) الذين أظهروا بمرور الوقت أنهم حكيمون في الأمور العملية، فمعيار الصلاحية الوحيد، هو خبرتهم وسجل ماضيهم في إجراءات القضاء. من جانب آخر، في حالة أحكام الذوق، يتعين على الأفراد الانجذاب إلى أحكام وآراء الآخرين، وبالتالي فإن صلاحية حكمهم تستند إلى موافقة يستطيعون إخراجها من مجتمع ذي مواضيع مختلفة.

تعتمد صلاحية الحكم السياسي عند أرنت على مقدرتنا على التفكير “بشكل تمثيلي” أي من وجهة نظر أي شخص آخر، حتى نكون قادرين على النظر إلى العالم من عدة أوجه نظر مختلفة. وهذه القدرة، بدورها، لا يمكن اختبارها إلا في ميدان عام، حيث تسنح للأفراد فرصة تبادل آرائهم بشأن مسائل معينة، ومعرفة ما إذا كانوا يتفقون مع آراء الآخرين. في هذا الصدد، لا تشكل عملية تكوين الرأي نشاطا انفراديا، بل تتطلب بدلا من ذلك مواجهة حقيقية مع آراء مختلفة بحيث يمكن دراسة مسألة معينة من كافة الجوانب الممكنة إلى أن، كما صاغتها أرنت ، “تطفو وتصبح شفافة من خلال ضوء الفهم البشري التام” إن المناظرة والنقاش والقدرة على توسيع منظور الفرد هي في الواقع مصيرية في تكوين آراء يمكن أن تزعم بشيء أكثر من الصلاحية الذاتية وقد يتمسك الأفراد بآراء شخصية حول العديد من الموضوعات، لكن بإمكانهم تكوين آراء تمثيلية فقط من خلال توسيع وجهة نظرهم لتشمل آراء الآخرين. تقول أرنت :

إن الفكر السياسي فكر تمثيلي. فمن خلال قضية معطاة أقوم بتكوين رأيي من وجهات نظر مختلفة، وعندما أقدم وجهات نظر أولئك الغائبين؛ فأنا هنا أقوم بتمثيلهم … وكلما تعددت وجهات النظر الموجود في ذهني خلال طرح قضية معينة، أصبح أفضل في التخيل والشعور والتفكير فيما إذا كنت في مكانهم، وتصبح قدرتي على التفكير التمثيلي أقوى، وبالتالي يكون رأيي واستنتاجاتي النهائية أقرب إلى الصواب. (BPF, 241)

 

إن الآراء، في الواقع، لم تكن بديهية أبدا. وهي مسائل رأي، وليست مسائل حقيقة، “تفكيرنا استطرادي بالفعل، ينطلق من مكان لآخر، ومن جزء من العالم إلى آخر، من خلال جمع من الآراء المتضاربة، حتى يتجاوز في النهاية عن هذه الخصوصية إلى بعض من العمومية المحايدة” ولن يكون المرء وحيدا حينما يكوّن رأيه؛ إذ تشير أرنت لذلك بقولها: “حتى لو تجنبت الصحبة بأكملها، أو كنت معزولا تماما حينما كوّنت رأيي، فأنا لست مجتمعا بأحد بل في عزلة مع نفسي في الفكر الفلسفي؛ ومع هذا أنا باق في عالم الترابط العالمي، حيث يمكنني تمثيل الجميع”(BPF, 242).

 

5،6- الحكم والصلاحية

إن الطابع التمثيلي للرأي والحكم له تداعيات مهمة على مسألة الصلاحية. إذ تشدد أرنت بشكل دائم على أن تكوين آراء ذات صلاحية يتطلب فضاءا عاما، حيث يمكن للأفراد اختبار وتنقية آرائهم من خلال عملية نقاش وتنوير متبادل. مع ذلك، عارضت تماما فكرة قياس الآراء بمعايير الحقيقة، أو أن النقاش يجب أن يُدار وفقا لمعايير صلاحية علمية صارمة. وترى أرنت أن الحقيقة تنتمي إلى حقل الإدراك، حقل المنطق، والرياضيات والعلوم الصارمة، وهي تحمل دوما عنصر الإكراه، لأنه يحول دون النقاش، ويجب أن تقبل من كل فرد يمتلك سماتها المنطقية. وفي مواجهة لتعددية الآراء، تبدو الحقيقة بطابع مستبد: فهي تفرض القبول العالمي، تترك العقل أقل حرية للتحرك، تحدّ من تنوع الآراء، وتقلص من ثراء الخطاب البشري. في هذا الصدد، تكون الحقيقة معادية للسياسة، حيث أن بإلغاءها النقاش والتنوع، تلغي بذلك المبادئ السياسية بذاتها. مثلما كتبت أرنت : “المشكلة أن الحقيقة الواقعية، مثل الحقائق الأخرى، تزعم بشكل قاطع أنها من المسلمات وتلغي النقاش، والنقاش يشكل جوهر الحياة السياسية. إن أساليب التواصل والتفكير التي تتعامل مع الحقيقة، هي استبدادية بالضرورة، إذا نظرنا إليها من منظور سياسي، فهي لا تأخذ بالحسبان آراء الآخرين، وإن أخذ ذلك بعين الاعتبار ليس إلا سمة مميزة لكل تفكير سياسي صارم.” (BPF, 241).

إن دفاع أرنت عن الرأي لم يكن مدفوعا بإيمانها بأن الحقيقة لا تترك مجالا للنقاش أو المعارضة، أو الاعتراف بالفارق، بل أيضا باقتناعها بأن سمات المنطق لدينا لا يمكن أن تزهر إلا في سياق حواري. تستشهد أرنت بملاحظة كانط ” أن القوة الخارجية التي تحرم الإنسان من حرية التواصل الفكري بشكل عام، تحرمه في نفس الوقت من حريته في التفكير، وتؤكد على حقيقة أنه بالنسبة لكانط فإن الضمان الوحيد لصحة تفكيرنا هو أننا “نفكر، كما لو أننا، في تواصل مع الآخرين الذين ننقل إليهم أفكارنا كما أنهم ينقلون أفكارهم إلينا. تقتبس أيضا تصريح ماديسون، “أن منطق الإنسان، مثل الإنسان نفسه، خجول وحذر عندما يترك لوحده، ويكتسب الثبات والثقة بشكل متناسب مع عدد من يرتبط معهم.” (BPF, 234).

إن الهدف من الإشارة لكانط وماديسون هو إثبات قوة وكرامة الرأي ضد هؤلاء المفكرين، من أفلاطون إلى هويز. الذين رأوا بأن الرأي مجرد وهم، كإدراك مشوش وغير كاف للحقيقة. بالنسبة لـ أرنت، لا يعدّ الرأي شكلا معيبا للمعرفة التي يجب السمو بها أو تركها بمجرد ما يمتلك المرء الحقيقة. بدلا من ذلك، هي شكل متميز من المعرفة تنشأ من التشاورات المجتمعة للمواطنين، والتي تتطلب استخدام الخيال والقدرة على التفكير “بشكل تمثيلي.” فمن خلال التشاور والانخراط في “تفكير تمثيلي” يصبح المواطنون قادرون على تكوين آراء يمكن أن تزعم بصلاحية ذاتية مشتركة. من المهم التأكيد على أن أرنت لا ترغب باستبعاد محاولة الفلاسفة لإيجاد معايير عالمية أو مطلقة للمعرفة والإدراك، بل التحقق من رغباتهم في فرض تلك المعايير على مجال الشؤون الإنسانية، مادام أنهم سيحدّون من تعدديتها ونسبيتها الأساسية. إن فرض معيار واحد أو مطلق داخل مجال التطبيق العملي يمكن أن يلغي الحاجة إلى إقناع الآخرين بالمزايا النسبية لأي رأي لاستنباط موافقتهم على اقتراح محدد، أو للحصول على موافقتهم فيما يتعلق بسياسة محددة. إن فرض مثل هذا المعيار يعني أن الأفراد لن يكونوا مطالبين بممارسة حكمهم، تطوير خيالهم، أو صقل “ذهنية متوسعة” مادام أنهم ليسوا بحاجة للتشاور المشترك بعد الآن. حينها سيصبح الإثبات الصارم بدلا من الجدال المقنع، هو الشكل الشرعي الوحيد للخطاب.

يجب أن نحرص على ألا ننسب لأرنـت وجهة النظر القائلة بأن الحقيقة ليس لها دور مشروع لتلعبه في السياسة أو في مجال الشؤون الإنسانية. فهي تؤكد بالفعل على أن “كل الحقائق، ليس فقط الأنواع المختلفة من الحقيقة العقلانية بل حتى الحقيقة الواقعية- تعارض الرأي في أسلوب تأكيد صحتها”، مادام أن جميعها تحمل عنصر الإكراه. مع ذلك، تنشغل أرنت فقط بالنتائج السلبية للحقيقة العقلانية عند تطبيقها على السياسة والتشاورات الجماعية، بينما تدافع عن أهمية الحقيقة الواقعية للحفاظ على تفسير دقيق للماضي والمجتمعات السياسية الموجودة. وكتبت أن “الحقيقة الواقعية مرتبطة دوما بأشخاص آخرين: فهي تهتم بالأحداث والظروف التي ينخرط فيها الكثير، وهي تبنى من قبل شهود وتعتمد على الشهادة…وهي سياسية بطبيعتها.” بالتالي، هي تقول: “أن الحقائق والآراء، رغم وجوب فصل بعضها البعض، إلا أنها ليست مضادة لبعضها البعض؛ وتنتمي إلى نفس المجال. فالحقائق تقدم آراءً، والآراء تُستلهم من اهتمامات وعواطف مختلفة، يمكن أن تختلف بشكل واسع وتبقى مشروعة طالما أنها تحترم الحقيقة الواقعية. تعد حرية الرأي مهزلة حتى تُضمن المعلومات الواقعية، دون تنازع بين الحقائق نفسها. بمعنى آخر الحقيقة الواقعية تزوّد التفكير السياسي مثلما أن الحقيقة العقلانية تزوّد التفكير الفلسفي.” (BPF, 238).

بالتالي، فإن العلاقة بين الحقائق والآراء هي علاقة مشتركة؛ إذا لم تستند هذه الآراء إلى معلومات صحيحة، وحرية وصول إلى جميع الحقائق المتعلقة، فمن النادر الجزم بأي صلاحية لها. وإن كانت تستند إلى الخيال، خداع الذات، باطل متعمد، فإذن ليس هناك إمكانية لاستمرار جدال أو نقاش حقيقي. بالتالي، كلا من الحقيقة الواقعية والسلوك العام لإخبار الحقيقة هما أمران أساسيان لتشكيل آراء سليمة وازدهار للنقاش السياسي. علاوة على ذلك، إذا دُمر سجل الماضي بكذب منظم، أو تشويهه بمحاولة لإعادة كتابة التاريخ، فسوف تحرم الحياة السياسية من أحد عناصرها الأساسية المستقرة. باختصار، الحقيقة الواقعية وممارسة سرد الحقيقة كلاهما ضروريان للحياة السياسية. تعادي أرنت بين الحقيقة العقلانية والرأي المتين، بما أن الأول لا يسمح بالنقاش والمعارضة، في حين أن الأخير يزدهر فيها. لذلك يجب فهم دفاع أرنت على أنه دفاع عن التشاورات السياسية، وعن الدور الذي يلعبه الإقناع والنقاش في جميع الأمور التي تؤثر على المجتمع السياسي. وفي تضاد مع أفلاطون وهوبز، الذين شوهوا دور الرأي في المسائل السياسية، تؤكد أرنت على أهمية وقيمة الخطاب السياسي. التشاور والإقناع، وبالتالي السياسات التي تعترف بالاختلاف وتعدد الآراء.

 

6- مفهوم أرنت للمواطنة

في هذا المقطع الأخير، سنقوم بإعادة بناء مفهوم أرنت للمواطنة من خلال موضوعين: 1) المجال العام 2) القوة السياسية والهوية الجمعية، كما سنلقي الضوء على إسهام مفهوم أرنت في نظرية المواطنة الديمقراطية.

 

6،1- المواطنة والمجال العام

بالنسبة لأرنـت يشتمل المجال العام على بعدين متميزين ولكنهما مترابطين. فأما الأول فهو فضاء الظهور، فضاء من الحرية السياسية والمساواة، ينشأ عندما يتصرف المواطنون بشكل منسجم من خلال وسيلة التعبير والإقناع. وأما الثاني فهو عالم مشترك، عالم عام ومشترك من تحف بشرية ومؤسسات وبيئات تفصلنا عن الطبيعة، والتي توفر حالة دائمة ومتينة لأنشطتنا. كلا البعدين أساس لممارسة المواطنة، فالأول يوفر مساحات يمكن أن تزدهر فيها، أما الآخر فيوفر خلفية مستقرة يمكن أن تنشأ منها مساحات عاملة للعمل والتشاور. بالنسبة لـ أرنت، إعادة تنشيط المواطنة في العالم الحديث يعتمد على استعادة عالم مشترك، وخلق العديد من فضاءات الظهور التي يمكن للأفراد فيها كشف هوياتهم وإقامة علاقات تبادلية وتضامنية.

هناك ثلاث سمات للمجال العام ومجال السياسة بشكل عام، وهي تعتبر أساسية لمفهوم أرنت للمواطنة. وهي، أولا: جودة تصنيعها أو بناءها، ثانيا: جودتها المكانية، ثالثا: التمييز بين المصالح العامة والخاصة.

فيما يتعلق بالسمة الأولى، شددت أرنت بشكل مستمر على صناعية الحياة العامة والأنشطة السياسية بشكل عام، ذلك لأنها من صنع الإنسان ليست هبة أو طبيعية. واعتبرت الصنعة أمر يوجب الاحتفاء به بدلا من الاستياء منه. ولم تكن السياسة بالنسبة لها نتيجة استعداد طبيعي، او إدراك لصفات موروثة في الطبيعة البشرية. بل كانت إنجازا ثقافيا من الدرجة الأولى، إذ مكّنت الأفراد من تجاوز ضروريات الحياة وتشكيل عالم يزدهر فيه الفعل والخطاب السياسي الحر.

إن للضغط الذي يواجه تصنيع السياسة عدة عواقب مهمة: على سبيل المثال، تؤكد أرنت على أن مبدأ المساواة السياسية لا يتكئ على نظرية الحقوق الطبيعية أو على بعض الأحوال الطبيعية التي تسبق دستور المجال السياسي. بدلا من ذلك، هي سمة المواطنة التي يكتسبها الأفراد عند الدخول في المجال العام والتي يمكن تأمينها فقط عن طريق المؤسسات السياسية الديمقراطية.

تظهر عاقبة الأخرى لتأكيد أرنت على صناعية الحياة السياسية في رفضها لجميع المغريات الرومانسية الجديدة للهوية العرقية والشعبية كأساس للمجتمع السياسي. وأكدت أن هوية الفرد العرقية، الدينية، أو العنصرية غير متعلقة بهوية المرء كمواطن، وأنها لا ينبغي أن تكون أساسا للعضوية في المجتمع السياسي.

إن تركيز أرنت على الصفات الرسمية للمواطنة قد جعل موقفها أكثر بعدا عن مناصري المشاركة في الستينات الذين رأوها من جانب استعادة حس من المودة. فوفقا لها، تعدّ المشاركة السياسية مهمة لأنها سمحت بإنشاء علاقات مدنية وتضامنية بين المواطنين. وتزعم أن علاقات المودة والدفء لا يمكن أن تكون سياسية، مادام أنها بمثابة بدائل نفسية لخسارة عالم مشترك. أما العلاقات السياسية الحقيقية الوحيدة، فهي الصداقة المدنية والتضامن، بما أنها تكوّن المطالب السياسية وتحافظ على مرجعية للعالم. بالتالي، ترى أرنت أن خطر محاولة استرداد شعور المودة ودفء الأصالة والمشاعر المجتمعية، في خسارة المرء القيم العامة للنزاهة، الصداقة والتضامن المدني.

وتتعلق السمة الثانية التي ركزت عليها أرنت بالجودة المكانية للحياة العامة، إلى جانب حقيقة أن الأنشطة السياسية موجودة في فضاء عام، حيث يمكن للمواطنين أن يلتقوا ببعضهم، ويتبادلون الآراء، يناقشون اختلافاتهم، يبحثون عن حل جماعي لمشاكلهم. إن السياسة بالنسبة لأرنـت مسألة مشاركة الأشخاص عالما مشتركا وفضاء مظهر مشترك بحيث يمكن للاهتمامات العامة أن تبرز وتُوضح من وجهات نظر مختلفة. فمن وجهة نظر أرنت ، لا يكفي أن يكون هناك مجموعة من الأفراد يصوتون بشكل منفصل ومجهول وفقا لآرائهم الخاصة. بل يجب بدلا من ذلك، أن يكون هؤلاء الأفراد قادرون على رؤية بعضهم البعض بمكان عام، إن الالتقاء في فضاء سياسي عام يبرز خلافاتهم وقواسمهم المشتركة، لتصبح موضوع نقاش ديمقراطي.

تساعدنا فكرة الفضاء العام المشترك في فهم كيفية إمكانية تشكيل الآراء السياسية، والتي لا يمكن اختزالها لتفضيلات خاصة أو خصوصية من ناحية، ولا لرأي جمعي متفق عليه من ناحية أخرى. أرنت بنفسها لم تثق في مصطلح “الرأي العام”، لأنه يشير إلى إجماع طائش من مجتمع جماهيري. وترى أن الآراء التمثيلية لا يمكن أن تنشأ إلا عندما يواجه المواطنون بعضهم بعضا بشكل فعلي، وذلك من أجل دراسة المشكلة من عدة أوجه مختلفة، وتعديل وجهات نظرهم، إضافة لتوسيع وجهات نظرهم لمزج الأخريات. زعمت أرنت أن الآراء السياسية، لا يمكن أن تتشكل على انفراد، وبدلا من ذلك، تتشكل وتختبر وتتوسع فقط في سياق عام من الجدال والنقاش.

هناك تأثير آخر على تأكيد أرنت على الجودة المكانية للسياسة التي تتعلق بمسألة كيفية توحيد مجموعة من الأفراد المميزين لتشكيل مجتمع سياسي. بالنسبة لأرنـت، فإن الوحدة التي يمكن تحقيقها في مجتمع سياسي، ليست نتيجة تقارب عرقي أو ديني، ولا تعبيرا عن بعض أنظمة القيمة المشتركة. وبدلا من ذلك، يمكن تحقيق الوحدة المعنية من خلال المشاركة بفضاء عام، ومجموعة من المؤسسات السياسية، والانخراط في الممارسات والأنشطة التي تكون سمة لذلك الفضاء وتلك المؤسسات.

هناك أثر لمفهوم أرنت للجودة المكانية للسياسة، وهو أنه مادام أن السياسة نشاط عام، فلا يمكن للمرء أن يكون جزء منه، دون أن يكون حاضرا بجزء منه في الفضاء العام. إن الانخراط في السياسة يعني المشاركة بنشاط في مختلف الميادين العامة، حيث تتخذ القرارات التي تؤثر على مجتمع المرء. بالتالي، إصرار أرنت على أهمية المشاركة المباشرة في السياسة مبني على فكرة أنه مادام أن السياسة تحتاج إلى مكان في العالم، فإن ذلك يحدث فقط في الفضاء العام، وإن لم يكن المرء حاضرا، فهو ليس منخرطا في السياسة بكل بساطة.

يكمن هذا المفهوم المتمركز عالميا حول السياسة أيضا في أساس السمة الثالثة التي أكدت عليها أرنت ، ألا وهي التمييز بين المصالح العامة والخاصة. وفقا لأرنـت، فإن النشاط السياسي ليس وسيلة لغاية، بل هو غاية في حد ذاته، فالمرء لا ينخرط في النشاط السياسي لتعزيز رفاهية الفرد، بل لإدراك المبادئ الجوهرية في الحياة السياسية، مثل الحرية، المساواة، العدالة، والتكافل. في مقال لاحق عنوانه “الحقوق العامة والمصالح الخاصة”، ناقشت أرنت الاختلاف بين حياة المرء كفرد وحياته كمواطن، وبين حياة المرء التي يقضيها لنفسها وتلك التي يقضيها لأجل الجماعة مع الآخرين. إذ تزعم أن مصلحتنا العامة كمواطنين، مختلفة تماما عن مصلحتنا الخاصة كأفراد. إن المصلحة العامة ليست مجموع المصالح الخاصة، ولا أعلى قواسمها المشتركة، ولا حتى مجموع المصالح الشخصية المنيرة. بل إن المصلحة العامة، في الواقع، لا تتعلق بمصالحنا الخاصة إلا بشكل قليل، لكونها تتعلق بالعالم الذي يتجاوز الذات، الذي كان موجودا قبل ولادتنا، والذي سيكون موجودا بعد وفاتنا، عالم يجد تجسده في الأنشطة والمؤسسات مع أهدافها الشخصية، والذي ربما تكون في بعض الأحيان متعارضة مع مصالحنا الخاصة، قصيرة الأجل. بالتالي، تشير المصلحة العامة إلى مصالح العام الذي نتشاركه كمواطنين، والتي يمكن أن نتبعها ونستمتع بها كمواطنين، فقط من خلال تجاوز مصلحتنا الذاتية الخاصة.

 

2،6- المواطنة، القوة، الهوية الجمعية

يوفر مفهوم أرنت التشاركي للمواطنة أفضل نقطة بداية لمعالجة كلا من مسألة تكوين الهوية الجمعية والمتعلقة بشروط ممارسة القوة السياسية النشطة.

فيما يتعلق بالادعاء الأول، من المهم الإشارة إلى أن مسألة إنشاء هوية جمعية من المسائل الحاسمة في الخطاب السياسي وهي على المحك، هذه “نحن” ايمكن أن نميل لها عندما نواجه مشكلة اتخاذ القرارات بين الخطابات البديلة للفعل. ومادام أن هناك خلاف دائم في الخطاب السياسي حول مسارات الفعل الممكنة، فإن هوية “نحن” التي ستُنشأ من خلال شكل معين من أشكال العمل ستصبح مسألة مركزية. من خلال الانخراط في هذا المسار من الفعل أو ذاك، نحن في الحقيقة ندخل في مطالبة بالنيابة عن هذه “نحن” أي أننا نخلق شكلا محددا من الهوية الجمعية. إن الخطاب والفعل السياسي ضروريان، في هذا الصدد، لتكوين هويات جمعية.

مع ذلك، لا توهب هذه العملية لبناء الهوية مرة واحدة وبشكل أبدي، ولم تكن أيدا يسيرة. عوضا عن ذلك، هي عملية كفاح وإعادة تفاوض مستمرة، وهي عملية يعبر ويدافع الفاعلون فيها عن مفاهيم الهوية الثقافية السياسية المتنافسة. ويعدّ مفهوم أرنت التشاركي للمواطنة ذي أهمية خاصة في هذا السياق، بما أنه يوضح شروط تأسيس الهويات الجمعية. حينما يُنظر إلى المواطنة على أنها عملية تشاورات نشطة حول الهويات المتنافسة، فإن قيمتها تكمن في إمكانية تأسيس أشكال للهويات الجمعية يمكن الاعتراف بها، اختبارها، وتحويلها بأسلوب استطرادي، ديمقراطي.

فيما يتعلق بالادعاء الثاني، المتعلق بمسألة القوة السياسية، من المهم التأكيد على العلاقة التي أسستها أرنت بين الفعل السياسي، الذي يتعارف على أنه المشاركة النشطة للمواطنين في المجال العام، وممارسة القوة السياسية الفعالة. هذه العلاقة بين الفعل والقوة هي واحدة من الإسهامات المركزية لمفهوم أرنـت التشاركي للمواطنة. وترى أرنـت أن الانخراط النشط للمواطنين في تحديد شؤون مجتمعهم، لا يوفر لهم تجربة الحرية والسعادة العامة وحسب، بل يوفر معنى للوكالة السياسية وفعاليتها، المعنى الذي سطرته عبارات توماس جيفرسون في كون المرء “مشاركا في الحكومة.” من وجهة نظر أرنـت، تقاسم السلطة الذي يأتي من المشاركة المدنية والتشاور المشترك، يمكن أن يمنح كل مواطن معنى لفعالية القوة السياسية. وعلى ضوء ذلك، يجب فهم تضييق أرنت للتمثيل السياسي. لقد رأت أرنت أن التمثيل يعدّ بديلا عن المشاركة المباشرة للمواطنين، ووسيلة يمكن من خلالها التمييز بين الحكام والمحكومين، ويمكن تجديده كبديل لنظام التمثيل القائم على الأحزاب البيروقراطية وهياكل الدول. واقترحت أرنت نظاما اتحاديا للمجالس يمكن للمواطنين من خلاله تحديد شؤونهم السياسية بفعالية. فبالنسبة لها، يمكن إعادة تأكيد المواطنة وممارسة القوة السياسية بفعالية، فقط من خلال المشاركة السياسية المباشرة، أي من خلال المشاركة السياسية في العمل المشترك والتشاورات الجمعية.

 


هامش المترجمة:

[1] d’Entreves, Maurizio Passerin, “Hannah Arendt”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/arendt/>.

[i] خالص الشكر للأستاذ عبدالله المطيري في نحته لمصطلح الإنسان العامل والإنسان الخلاق عن الترجمة اللاتينية

 animal laborans – homo faber

[ii] قمت بالاستعانة بمصطلحات أ. هادية العرقي في ترجمتها لكتاب (الوضع البشري)

المراجع:

Works by Arendt

[LA]

Der Liebesbegriff bei Augustin. Berlin: Julius Springer Verlag, 1929. Translation as Love and Saint Augustine, with an interpretive essay by Joanna V. Scott and Judith C. Stark. Chicago: University of Chicago Press, 1996.

[RV]

Rahel Varnhagen: The Life of a Jewish Woman. Revised edition translated into English by Richard and Clara Winston. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1974. Critical edition edited by Liliane Weissberg. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1997.

[OT]

The Origins of Totalitarianism. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1951. Third edition with new prefaces, 1973.

[HC]

The Human Condition. Chicago: University of Chicago Press, 1958.

[EJ]

Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil. New York: Viking Press, 1963. Revised and enlarged edition, 1965.

[OR]

On Revolution. New York: Viking Press, 1963. Revised second edition, 1965.

[BPF]

Between Past and Future. New York: Viking Press, 1961. Revised edition, 1968.

[MDT]

Men in Dark Times. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1968.

[OV]

On Violence. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1970.

[CR]

Crises of the Republic. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1972.

[JP]

The Jew as Pariah. Edited and with an introduction by Ron H. Feldman. New York: Grove Press, 1978.

[JW]

The Jewish Writings. Edited by Jerome Kohn and Ron H. Feldman. New York: Schocken Books, 2007.

[LM]

The Life of the Mind. New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1978.

[LKPP]

Lectures on Kants Political Philosophy. Edited and with an interpretive essay by Ronald Beiner. Chicago: University of Chicago Press, 1982.

[EU]

Essays in Understanding: 19301954. Edited and with an introduction by Jerome Kohn. New York: Harcourt Brace & Company, 1994.

[RJ]

Responsibility and Judgment. Edited and with an introduction by Jerome Kohn. New York: Schocken Books, 2003.

[PP]

The Promise of Politics. Edited and with an introduction by Jerome Kohn. New York: Schocken Books, 2005.

[RPW]

Hannah Arendt: The Recovery of the Public World. Edited by Melvyn A. Hill. New York: St. Martin’s Press, 1979.

[UP]

“Understanding and Politics.” Partisan Review, vol. 20, no. 4 (July–August 1953): 377–92. Reprinted in Essays in Understanding: 19301954.

[PRD]

“Personal Responsibility under Dictatorship.” The Listener, (6 August 1964): 185–205. Reprinted inResponsibility and Judgment.

[TMC]

“Thinking and Moral Considerations: A Lecture.” Social Research, 38(3) (Autumn 1971): 417–46. Reprinted in Social Research, 51(1) (Spring 1984): 7–37, and in Responsibility and Judgment.

[PRPI]

“Public Rights and Private Interests.” In M. Mooney and F. Stuber, eds., Small Comforts for Hard Times: Humanists on Public Policy. New York: Columbia University Press, 1977.

Secondary Literature

  • Aschheim, S. (ed.), 2001, Hannah Arendt in Jerusalem, Berkeley: University of California Press.
  • Baehr, P., 2010, Hannah Arendt, Totalitarianism, and the Social Sciences, Stanford: Stanford University Press.
  • Baluch, F., 2014, “Arendt’s Machiavellian Moment”, European Journal of Political Theory, 13 (2): 154–177.
  • Barnouw, D., 1990, Visible Spaces: Hannah Arendt and the German-Jewish Experience, Baltimore: Johns Hopkins University Press.
  • Benhabib, S., 1996, The Reluctant Modernism of Hannah Arendt, London: Sage Publications.
  • –––, 2003, The Reluctant Modernism of Hannah Arendt. New Edition with a New Preface and an Appendix, New York: Rowman and Littlefield Publishers.
  • ––– (ed.), 2010, Politics in Dark Times: Encounters with Hannah Arendt, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Berkowitz, R., Keenan, T. and Katz, J. (eds.), 2009, Thinking in Dark Times: Hannah Arendt on Ethics and Politics, New York: Fordham University Press.
  • Bernauer, J. (ed.), 1987, Amor Mundi: Explorations in the Faith and Thought of Hannah Arendt, Dordrecht: Martinus Nijhoff.
  • Bernstein, R., 1986, Philosophical Profiles, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 1996, Hannah Arendt and the Jewish Question, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 2018, Why Read Hannah Arendt Now?, Cambridge: Polity Press.
  • Birmingham, P., 2006, Hannah Arendt and Human Rights: The Predicament of Common Responsibility, Bloomington: Indiana University Press.
  • Bowen-Moore, P., 1989, Hannah Arendts Philosophy of Natality, London: Macmillan.
  • Bradshaw, L., 1989, Acting and Thinking: The Political Thought of Hannah Arendt, Toronto: University of Toronto Press.
  • Calhoun, C. and McGowan, J. (eds.), 1997, Hannah Arendt and the Meaning of Politics, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Canovan, M., 1974, The Political Thought of Hannah Arendt, London: J. M. Dent.
  • –––, 1992, Hannah Arendt: A Reinterpretation of Her Political Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Dietz, M., 2002, Turning Operations: Feminism, Arendt, and Politics, New York and London: Routledge.
  • Disch, L., 1994, Hannah Arendt and the Limits of Philosophy, Ithaca: Cornell University Press.
  • Dossa, S., 1988, The Public Realm and The Public Self: The Political Theory of Hannah Arendt, Waterloo, Ontario: Wilfred Laurier University Press.
  • Ettinger, E., 1995, Hannah Arendt/Martin Heidegger, New Haven, CT: Yale University Press.
  • Gottsegen, M., 1993, The Political Thought of Hannah Arendt, Albany, NY: State University of New York Press.
  • Hansen, P., 1993, Hannah Arendt: Politics, History and Citizenship, Cambridge: Polity Press.
  • Hill, M. (ed.), 1979, Hannah Arendt: The Recovery of the Public World, New York: St. Martin’s Press.
  • Hinchman, L. and Hinchman, S. (eds.), 1994, Hannah Arendt: Critical Essays, Albany, NY: State University of New York Press.
  • Honig, B. (ed.), 1995, Feminist Interpretations of Hannah Arendt, University Park, PA: Pennsylvania State University Press.
  • Isaac, J., 1992, Arendt, Camus, and Modern Rebellion, New Haven, CT: Yale University Press.
  • Kaplan, G. and Kessler, C. (eds.), 1989, Hannah Arendt: Thinking, Judging, Freedom, Sydney: Allen & Unwin.
  • Kateb. G., 1984, Hannah Arendt: Politics, Conscience, Evil, Oxford: Martin Robertson.
  • Kielmansegg, P., Mewes, H. and Glaser-Schmidt, E. (eds.), 1995, Hannah Arendt and Leo Strauss: German Emigrés and American Political Thought after World War II, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kohn, J. and May, L. (eds.), 1996, Hannah Arendt: Twenty Years Later, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Kristeva, J., 2001, Hannah Arendt, New York: Columbia University Press.
  • Lederman, S., 2016, “Philosophy, Politics and Participatory Democracy in Hannah Arendt’s Political Thought”, History of Political Thought, 37 (3): 480–508.
  • May, D., 1986, Hannah Arendt, Harmondsworth: Penguin Books.
  • McGowan, J., 1998, Hannah Arendt: An Introduction, Minneapolis: University of Minnesota Press.
  • Nedelsky, J., and Beiner, R. (eds.), 2001, Judgment, Imagination, and Politics: Themes from Kant and Arendt, New York: Rowman and Littlefield Publishers.
  • Parekh, B., 1981, Hannah Arendt and the Search for a New Political Philosophy, London: Macmillan.
  • Passerin d’Entrèves, M., 1994, The Political Philosophy of Hannah Arendt, New York and London: Routledge.
  • Pitkin, H., 1998, The Attack of the Blob: Hannah Arendts Concept of the Social, Chicago: University of Chicago Press.
  • Ring, J., 1997, The Political Consequences of Thinking, Albany, NY: State University of New York Press.
  • Taminiaux, J., 1997, The Thracian Maid and the Professional Thinker: Arendt and Heidegger, Albany, NY: State University of New York Press.
  • Villa, D., 1996, Arendt and Heidegger: The Fate of the Political, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1999, Politics, Philosophy, Terror: Essays on the Thought of Hannah Arendt, Princeton: Princeton University Press.
  • ––– (ed.), 2000, The Cambridge Companion to Hannah Arendt, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Watson, D., 1992, Hannah Arendt, London: Fontana Press.
  • Whitfield, S., 1980, Into the Dark: Hannah Arendt and Totalitarianism, Philadelphia: Temple University Press.
  • Wolin, S., 1977, “Hannah Arendt and the Ordinance of Time,” Social Research, 44(1): 91–105.
  • Young-Bruehl, E., 1982, Hannah Arendt: For Love of the World, New Haven: Yale University Press. Second edition, 2004.
  • –––, 2006, Why Arendt Matters, New Haven, CT: Yale University Press.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

  • Hannah Arendt”, entry by Majid Yar, in The Internet Encyclopedia of Philosophy
  • Hannah Arendt”, entry in the Wikipedia.

مقالات ذات صلة

Aristotle | Benjamin, Walter | existentialism | Heidegger, Martin | Hobbes, Thomas | Husserl, Edmund | Jaspers, Karl | Kant, Immanuel | Machiavelli, Niccolò | phenomenology | Plato

error: