الرواقية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني

الرواقية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: ناصر الحلواني


حول الفلسفة الرواقية وحياة فلافستها، ومصادر معلومتنا عنهم، وعن النظرية الطبيعية، والأخلاق، والمنطق؛ نص مترجم للـد. ديرك بارتسلي، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


الرواقية هي إحدى الحركات الفلسفية التي ظهرت في الحقبة الهلينستية. اشتُق اسمها من الرواق (stoa poikilê) الموجود في الساحة العامة في أثينا، والمزيَّن بلوحات جدارية، حيث كان أعضاء المدرسة يجتمعون ، وتُعقد محاضراتهم. وعلى خلاف الصفة “أبيقوري”، فإن معنى الصفة “رواقي” في الإنجليزية ليس مخادعا تماما، مع الأخذ في الاعتبار لأصوله الفلسفية. في الواقع، يرى الرواقيون أن المشاعر، مثل الخوف والحسد (أو الجاذبية الجسدية، أو الحب الجارف لأي شيء كان) كانت، أو نشأت عن أحكام زائفة، وأن الحكيم ـ الشخص الذي يبلغ الكمال العقلي والأخلاقي ـ  لن يخضع لمثل هذه المشاعر. يؤكد آخر الرواقيين في العصر الإمبراطوري الروماني: سينيكا وإبكتيتوس، على المعتقدات (التي تعتبر جوهرية بالفعل في تعاليم الرواقيين الأوائل) التي تذهب إلى أن الحكيم محصَّن بالكلية ضد سوء الحظ، وأن الفضيلة أمر كافي لتحقيق السعادة. وربما توجز عبارتنا “السَكِينة الرواقية” الميل العام لتلك الادعاءات. لكنها، بأي حال، لا تُلمح إلى تلك النزعات الأخلاقية الأكثر راديكالية، التي صانها الرواقيون، مثل: أن الحكيم وحده هو الحر، وما عداه من البشر عبيد، أو أن كل الفاسدين أخلاقيا متساوون أيضا. (لمزيد من الأمثلة، انظر: مقال شيشرو المختصر “المفارقات الرواقية Paradoxa Stoicorum”). رغم ما هو واضح من أن بعض الرواقيين قد انتهجوا نوعا من البهجة المنحرفة في تأييد الآراء التي تبدو غريبة بالنسبة للحس العام، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك لمجرد إحداث صدمة. فالأخلاق الرواقية ذات معقولية مؤكدة في سياق نظرياتهم المادية والسيكولوجية، وفي إطار النظرية الأخلاقية اليونانية، كتلك التي ورثوها عن أفلاطون وأرسطو. يبدو أنهم كانوا واعين تماما بطبيعة الاعتماد المتبادل لرؤاهم الفلسفية، فيشبهون الفلسفة نفسها بحيوان حي، حيث تمثل عظامه المنطق والأوتار هي المنطق، أما الأخلاق والطبيعة فهما اللحم والروح على التوالي (هناك نسخة أخرى تعكس هذا الترتيب، حيث تجعل الأخلاق هي الروح). إن آراءهم في المنطق والطبيعة لا تقل في تميزها وإثارتها عن تلك التي للأخلاق ذاتها.

 

  • مصادر معلوماتنا عن الرواقيين

  • الفلسفة والحياة

  • نظرية الطبيعة

  • المنطق

  • الأخلاق

  • التأثير

  • قائمة المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الشبكة

  • مدخلات ذات صلة

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. مصادر معلوماتنا عن الرواقيين

نظرا لتأكيد الرواقيين على أهمية الطبيعة المنهجية لفلسفتهم، فإن الطريقة المثلى لتقييم الآراء الأخلاقية الرواقية المتميزة، تكون من خلال دراستها في سياق عرض لمجمل فلسفتهم. هنا، على أية حال، نواجه مشكلة حول مصادر معرفتنا بالمذهب الرواقي. فليس لدينا ولو مجموعة واحدة من الأعمال الكاملة لأي من الرواد الثلاثة للمدرسة الرواقية: “المؤسس”: زينون، من كيتيوم في قبرص (334 ـ 262 ق.م.)، وكلينثس (توفي 232 ق.م.)، أو خريسيبوس (توفي حوالي 206 ق.م.). كان خريسيبوس، بنحو خاص، غزير الإنتاج، حيث صنَّف أكثر من 165 كتابا، لكن لم يتبق لدينا من أعماله غير شذرات. الأعمال الكاملة الوحيدة التي نحوزها، بواسطة فيلسوف رواقي، هي تلك التي صنفها كتَّاب العصر الإمبراطوري: سينيكا (4 ق.م. ـ 65 م.)، وإبكتيتوس (55 م ـ 135م)، والإمبراطور ماركوس أوريليوس (121 ـ 180)، وتهتم هذه الأعمال، بشكل أساسي، بالأخلاق. وتميل هذه الأعمال إلى الإطالة في جانب الإرشاد الأخلاقي، وإن كانت تبث بعض الإشارات للقواعد النظرية للنظام الأخلاقي. للحصول على مزيد من المعلومات التفصيلية حول الرواقيين القدامى (على سبيل المثال: الرواد الثلاثة الأوائل للمدرسة الرواقية، وتلاميذهم ورفاقهم) علينا الرجوع إلى المراجع القديمة التي تعرض الأفكار الفلسفية، مثل كتاب آراء الفلاسفة حول الطبيعة، المنسوب خطأ لبلوتارخ، وكتاب سير مشاهير الفلاسفة، لديوجين اللايرتي (القرن الثالث الميلادي)، ومقتطفات استوبياس (القرن الخامس الميلادي) ـ ومصدرهما: أتيوس (حوالي القرن الأول الميلادي)، وآريوس ديديموس (القرن الأول ق.م ـ القرن الأول الميلادي) ـ  أو فلاسفة آخرون (أو المدافعين بالحجة عن المسيحية) الذين ناقشوا الرواقيين في أبحاثهم.  ويغلب على المجموعة الأخيرة كونهم شهود معادون للرواقية. ومن ضمنهم الشارح الأرسطي الإسكندر الأفروديسي (أواخر القرن الثاني الميلادي) الذي وجه النقد إلى الرواقيين في مصنفيه في الخليط، وفي القَدَر، بالإضافة إلى أعمال أخرى، فالأفلاطوني بلوتارك الخيروني (القرن الأول _ القرن الثاني الميلادي) الذي صنَّف أعمالا مثل: في التناقض الذاتي للرواقية، وضد الرواقيين في المفاهيم العامة، وصاحب الكتابات الطبية جالين (القرن الثاني الميلادي)، التي تغلب على نظرته الأفلاطونية، والشكَّاك البيروني سكستوس إمبريكوس (القرن الثاني الميلادي)، وأفلوطين (القرن الثالث الميلادي)، والأسقف المسيحي يوسيبيوس (القرنين الثالث والرابع الميلادي)، ونيميسيوس (حوال 400 ميلادية)، وسيمبليكوس، شارح أرسطو في القرن السادس، الذي ينتمي إلى الأفلاطونية الجديدة. من المصادر المهمة الأخرى: شيشرو (القرن الأول ق. م.). فعلى الرغم من موقفه الفلسفي المستمد من موقف معلمه فيلو اللاريسي، والأكاديمية الجديدة، يظل متعاطفا مع ما يراه السمة الأخلاقية الراقية للمذهب الرواقي. في أعماله مثل: كتب أكاديمية، وفي طبيعة الآلهة، وفي النهايات، يقدم مختصرات في اللغة اللاتينية، مصحوبة بمناقشات نقدية، لآراء المدارس الفكرية الهيلينستية الكبرى.

استنادا إلى هذه المصادر، حاول الباحثون تكوين صورة شاملة عن المحتوى، وفي بعض الحالات، عن تطور المذهب الرواقي. كان هناك قدر وافر من الإجماع، في كثير من المناطق، حول طبيعة الفكر الرواقي، بما يمكِنُنا من ربط أسماء معينة بأفكار محددة. أما في المناطق الأخرى، فقد قوبل تفسيرنا الصحيح لدليلنا الضئيل بمعارضة شديدة. حتى وقت قريب، كان غير المتخصصين يتم إقصاؤهم عن المشاركة في النقاش، لأن كثير من المصادر لم تكن قد تُرجمت بعد إلى اللغات الحديثة. تم جمع شذرات من الأعمال الرواقية، وشهادات، مكتوبة بلغتها الأصلية؛ اليونانية واللاتينية، في كتاب من ثلاثة مجلدات عام 1903-5 بواسطة هانز فون أرنيم، الشذرات الرواقية المبكرة Stoicorum Veterum Fragmenta  . عند الكتابة عن الشذرات والشهادات الرواقية “القديمة”، فغالبا ما يتم الإشارة إليها بحسب رقم المجلد وترقيم النصوص في كتاب فون أرنيم، مثال ذلك: SVF 1.345  = ديوجين اللايرتيسي، عاش 4.40. في عام 1987، نشر أ. أ. لونج ودافيد سادلي كتاب الفلاسفة الهيلينيستيين (LS) الذي تضمن في مجلده الأول ترجمة إنجليزية وتعليقات على العديد من النصوص المهمة عن الرواقيين، والأبيقوريين، والشكَّاك. وأتبع لونج وسادلي ذلك، عام 1988، بمجموعة من النصوص الأولية، التي قام بتحريرها ب. إنوود، ولويد جيرسون، تحت عنوان الفلسفة الهيلينستية. ما لم يُذكر خلاف ذلك، فإني أشير إلى ما يلي من نصوص، مكتوبة بواسطة، أو عن رواقيين، مستخدما اسم المؤلف متبوعا بترميز لونج وسادلي للنص. على سبيل المثال: “إيتيوس، 26A” تشير إلى القسم 26 من أعمال إيتيوس، النص A (ما لم يُذكر خلاف ذلك، فإن أعتمد ترجمتهما، مع تعديلات طفيفة أحيانا). في مصنف إينوود وجيرسون ترجمات لنفس النصوص تقريبا، لكنهما، بخلاف ترجمات لونج وسادلي، لا يقوما بتقطيع النصوص إلى أجزاء صغيرة، ويصنفانها بحسب موضوعاتها. لكل من منهجهما مميزاته الخاصة، لكن مجموعة لونج وسادلي تفي بنحو أفضل متطلبات المدخلات الموسوعية. للاطلاع على الترجمة الفرنسية لكريسيبوس، انظر دوفور (2004)، وللترجمة الألمانية للرواقية المبكرة، انظر نيكل (2009).

لمزيد من المعلومات، انظر أيضا مُدخَل الآراء الخاصة بالفلاسفة القدامى doxography of ancient philosophy.

 

  1. الفلسفة والحياة

عند النظر في مذاهب الرواقيين، فمن المهم أن نتذكر أنهم لا ينظرون إلى الفلسفة باعتبارها تزجية مثيرة للوقت، ولا باعتبارها كيان معرفي محدد، وإنما ينظرون إليها باعتبارها طريقة حياة. هم يعينون الفلسفة كنوع من الممارسة أو التدريب (Askêsis) في إطار الخبرة المعنية بما هو نافع (إيتيوس، 26A). فما أن نصل إلى معرفة ما نحن، وما طبيعة العالم المحيط بنا، وخاصة طبيعة القيمة، فسيتحقق تحولنا التام. هذا المظهر العلاجي شائع كذلك عند منافسيهم؛ الأبيقوريين، وربما يساعد في تفسير السبب في تفوق المسيحية، في نهاية الأمر، عليهما. يقدم لنا كتاب التأملات لماركوس أوريليوس صورة مثيرة للغاية لما يجب أن يكون عليه الحكيم الرواقي في تهيئته لنفسه. والكتاب، الذي يُسمَّى أيضا إلى نفسه، هو يوميات الإمبراطور. في هذا الكتاب، لا يذكِّر نفسه فقط بمضمون التعاليم المهمة للرواقية، بل ويؤنب نفسه حين يدرك أنه أخفق في تطبيق تلك التعاليم في لحظات معينة من حياته. اليوم، ما زال هناك الكثيرون ممن يلجؤون إلى الرواقية بوصفها شكلا من أشكال التهذيب النفسي. لم يكن المذهب الرواقي “أكاديميا خالصا”، وتسعى الاتجاهات الحديثة للفكر الرواقي إلى تطبيق هذا التراث من التغيير الذاتي. أحد أكثر التفسيرات تأثيرا للوسائل التي يتمكن التفكير الفلسفي الرواقي من خلالها تحقيق هذا التحول، يقدم فكرة التدريبات الروحية. يزودنا هادوت (1998) بقراءة لتأملات ماركوس أوريليوس، كمجموعة من هذه التدريبات. للمزيد من المعالجات العامة، التي تغطي الفلسفة الرواقية بإجمال، انظر سيللرز (2013). للاطلاع على النقاش المعاصر لمجمل القضية الفلسفية كطريقة ـ أو بالأحرى كمجموعة طرق ـ للحياة في العصور القديمة، انظر كوبر 2012.

 

  1. النظرية الطبيعية

إن بحث علم الوجود الرواقي قد يكون مثمرا إذا ما بدأ عند فقرة من محاورة السفسطائي لأفلاطون (راجع برنشفيك 1994). في تلك الفقرة (247d-e) يطلب أفلاطون علامة أو إشارة لما هو كائن أو ما له وجود. إحدى الإجابات التي تم تقديمها: أن القدرة على الفعل أو الانفعال، هي العلامة المميزة للوجود الحقيقي، أو “ما هو كائن”. يقبل الرواقيون هذا المعيار، ويضيفون: إن الأجسام وحدها هي القادرة على الفعل والانفعال. بالتالي، فالأجسام وحدها هي الموجودة. وهذا مما يعطي الانطباع بأن الرواقيين ماديون، أو ـ بنحو أدق، باعتبار فهمهم للمادة كمبدأ منفعل (انظر ما يلي) ـ “جسميون”. على أية حال، هم يقولون أيضا أن هناك طرق أخرى للظهور في مجمل موجودات العالم، بأكثر مما تظهر بسبب الوجود. إن الأشياء اللاجسمية، مثل الزمان، والمكان أو المعبر عنه (lekta،انظر ما يلي) هي “أشياء حية” (huphestos، جالن 27g) ـ مثل الأشياء المتخيَّلة كالقُنطور. إن الفاصل بين ما هو حي وما هو موجود يزيد، إلى حد ما، من صعوبة استيعاب المادية الحديثة للمذهب الرواقي. ليس لخطأ القول إن الأشياء الموجودة جسمية عند الرواقيين، لكننا نحتاج إلى إضافة أن الأشياء الموجودة لا تستنزف علم الوجود خاصتهم. كل الأشياء الموجودة، إضافة إلى ذلك، هي كيانات مادية مفردة. يطلق الرواقيون على الأكوان “اختلاقات العقل”. وقد رفضوا المثل الأفلاطونية، بشكل خاص، لكونها “ليست أشياء”، مما يجعلها تفتقر إلى حالة الوجود على قيد الحياة، الخاصة بالأشياء اللاجسمية مثل الزمان، والمكان، أو المعبَّر عنها (إسكندر الأفروديسي، 30D ). إن بديل الرواقيين الاسمي الإيجابي أصعب في تفسيره. تشير بعض النصوص إلى أنهم قد اقترحوا معالجة مفاهيمية تماثل معالجة جون لوك، بمعالجة العبارة المنطقية الظاهرة مثل: “الإنسان حيوان أخلاقي عاقل”، باعتبار الشرط الباطن “إذا كان شيء ما إنسان، إذن، فهو حيوان أخلاقي عاقل” (سكستوس إمبيريكوس، 30I). لكن ربما كان هناك تطور داخل المدرسة يقوم على هذه النظرة المفاهيمية، تجاه شكل من أشكال المذهب الاسمِي الخالص. انظر كاستون (1999).

وفق تلك الأنطولوجيا، يعتبر الرواقيون، مثل الأبيقوريين؛ أن الإله كيان مادي جسمي، لكن مادته (كما هو رأي الأبيقوريين) ليست هي مادة الكائنات. لكن، بينما يرى الأبيقوريون أن الآلهة منشغلة للغاية، كونها مباركة ومغتبطة، عن أن يتم تكدير ما هي فيه من نعيم بعناء تدبير الكون (أبيقور، خطاب إلى مينيسي 123-4)، فإن الإله الرواقي باطن في جميع الخليقة، ويوجه تطورها مهما بلغت ضآلتها، حتى أدق التفاصيل. إن الاستعارة المعيارية لعلم الكون الرواقي بيولوجية الطابع، على النقيض من المفهوم الآلي الأساسي عند الأبيقوريين. الكون بأكمله كائن حي، والإله بالنسبة للكون مثلما هي قوة حياة الحيوان بالنسبة لجسده، تزوده بالحياة، والحركة، والتوجيه، بوجودها فيه. يصر الرواقيون على أن الأجسام وحدها هي القادرة على الفعل والتأثير في أي شيء، على أن يُنظر إلى قوى الحياة الكونية تلك، بنحو ما، ككيان جسمي.   

بنحو أكثر تحديدا، يتماثل الإله مع أحد المبدأين الأولين، غير المتولدين عن غيرهما، وغير القابلين للفناء (archai) للكون. أحد هذين المبدأين هو المادة، التي يعتبرونها غير محددة أو فعالة. وهي محل الفعل وموضع التأثير. و الإله هو العقل الكوني (Logos, Diog. Laert. 44B) أو النار التي تمنح الأشياء جوهرها وصورها، أو النَّفَس (pneuma) التي تشكل المادة بحسب خطتها (Aetius,46A). تلك النار تشبه النطفة، أو البذرة التي تحتوي على المبادئ الأولى أو التوجهات، الخاصة بكل الأشياء والتي ستتطور عنها لاحقا (Aristocles in Eusebius, 46G). إن مفهوم الإله كنار حية، أو بذرة، تنبثق منها الأشياء، يبدو أنه يحدث بمقتضى ضرورة لا اتفاقا. وربما ترجع أصول التعريف الآخر للإله؛ باعتباره نَفَسٌ حار، إلى النظريات الطبية في الحقبة الهلنستية. انظر بالتزلي (2003). وحول مجمل مسألة الإله وعلاقته بالكون في المذهب الرواقي، انظر مقالات سال في كتابه (2009).

مثلما أن للكائنات الحية دورة حياة، مثل ما نشهده في الآباء ثم مجددا في أبنائهم، كذلك للكون دورة حياة متكررة. تستدل دورة الحياة تلك بخطة تطور، أو معادل لها، تقترن بالإله. هناك دورة لا نهائية من التكرارات، تبدأ من حيث يكون الكل نار، وتمر عبر مرحلة تولُّد العناصر، وحتى مرحلة تخلُّق العالم الذي نعرفه، وأخيرا العودة إلى النار الخالصة في مرحلة “الاحتراق العام” (Nemesius, 52C). أثارت تلك الفكرة عن دورات العالم، والتي يفصل بينها الاحتراق العالم، العديد من المسائل. هل سيكون هناك أنت آخر يقرأ هذا المدخل في الموسوعة في دورة الحياة التالية؟ أو سيكون مجرد شخص ما يشبهك تماما؟ تقدم المصادر المختلفة إجابات مختلفة للرواقيين حول هذه المسائل. (عن القول بالشخص نفسه، انظر الإسكندر (52F). وعن القول بشخص غير مبهم، وغير متطابق، انظر أوريجين (52G)). كذلك يثير الاعتقاد بالعود الأبدي مسائل مثيرة، حول نظرة الرواقيين إلى الزمن. هل يفترضون أن اللحظة التي تقرأ فيها أنت هذا المُدخل (أو الشخص غير المتميز ) في دورة الحياة التالية، هي لحظة في المستقبل (بالتالي يكون الزمن ذا طابع خطي)، أم إنها اللحظة عينها (مع فكرة ما عن الزمن الدائري)؟ إن تعريف الرواقيين للزمن باعتباره “بعدا للحركة” أو “حركة العالم” (Simplicius, 51A) يصعب معه حل هذه المسألة. لأجل  نقاش واضح حول تلك المسألة، انظر لونج (1985) وهدسون (1990).

إن أول ما ينشأ عن الاحتراق العام هو العناصر. من بين العناصر الأربعة، يحدد الرواقيون اثنين كعنصرين فاعلين (النار والهواء) وعنصرين منفعلين (الماء والتراب). يندمج العنصران الفاعلان، أو على الأقل، مبدأي الحرارة والبرودة، لتشكيل النَفَس. وهذا النفس بدوره، هو “علة استدامة” (causa continens, synektikon aition) لكافة الأجسام الموجودة وتوجه نمو وتطور الأجسام الحية. ما هي علة الاستدامة؟ يعتقد الرواقيون أن الكون ملاء. ويرفضون، كما فعل أرسطو، وجود الخلاء، أو الفراغ (عدا أن العالم ككل محاط بالفراغ). بالتالي، يكون من المنطقي أن نسأل: “ما الذي يميز كل موجود فرد عن ما يحيط به من موجودات غيره؟” أو، “ما الذي يحفظ الشيء من التفكك حين يصطدم بالأشياء الأخرى في قلب هذا الملاء المزدحم؟”. الإجابة هي: النَفَس. فهذا النَفَس بطبيعته ذو حركة تردد متزامنة بين الانتشار والانقباض تؤسس “تماسكه” الأصيل. (ربما جاء ذلك استلهاما لحالات التمدد والانكماش الناتجين عن الحرارة والبرودة.) فالنَفَس يتخلل كل الأجسام (الأخرى)، وفي حركة انتشاره يمنحهم الصفات الخاصة بهم، وفي حركة انقباضه ينظمهم كأشياء موحدة (Nemesius, 47J). خلال هذا الفعل الأخير، يقوم النَفَس بدورٍ مثل أحد أدوار الشكل الجوهري عند أرسطو، لأن هذا، أيضا، يوجِد الشيء الذي هو شكل “بعض هذا”، أي: الفرد (الميتافيزيقا، 7، 17). لأن النَفَس فاعل، لابد أن يكون جسما، ويبدو أن الرواقيين يؤكدون على واقعة أن اندماجه مع العناصر المنفعلة “تام بكل معنى الكلمة” (Galen 47H, Alex. Aph. 48C ). ربما ينتج عن ذلك أن طوروا نظرية الخليط، بمقتضاها يمكن لجسمين أن يكونا في المكان نفسه في الوقت نفسه. يجب أن نلاحظ، بأية حال، أن بعض الباحثين (مثال: سورابجي، 1988) يرى أن القول بأن النَّفَس تمتزج بالمادة ككل، هو استنتاج بأن نقد الرواقيين قد توجه بنحو سلبي إلى بعض العبارات التي التزموا بها. ربما كان عليهم، بدلا من ذلك، مجرد الذهاب إلى أن النَّفَس هو مادة لجسم، في مستوى وصفي مغاير.

 يصدر النَّفَس في تعاقبات متدرجة، نتيجة لذلك، يهب الأجسام التي يتخللها سماتها المختلفة. النَّفَس الذي يحفظ الشيء الجامد (لونج وسيدلي) هو “فحوى” (hexis, lit. a holding). النَّفس في النباتات، إضافة إلى ذلك، (لونج وسيدلي) طبيعة (phusis, lit. ‘nature). وفي الحيوانات، فإن النَّفَس روح (psychê) وفي الإنسان، فإن النَّفَس، بجانب ذلك، هو العنصر المتحكم في حياته ونشاطه وأفكاره (hêgemonikon) (Diog. Laert. 47O, Philo 47P) ـ  فهو المسؤول عن عملية  التفكير، والتخطيط، والتقرير. حيث نسب الرواقيون إلى “المادة” أو “الطبيعة” كل الوظائف الحيوية الخالصة للإنسان (مثل عمليات الهضم، والتنفس، والنمو، إلخ.) ـ وترجع الحركة الذاتية، من مكان إلى آخر، إلى الروح.

إن مذهبهم في الروح الإنسانية (العقل) واحدي تماما، رغم أنهم يتحدثون عن قدرات الروح، التي تعتبر أجزاء القوة الفاعلة، وترتبط بأعضاء الحسّ المادية (Aetius, 53H). وعلى نحو مغاير للروح الأفلاطونية ثلاثية الأقسام، فكل الدوافع والرغبات وظائف تنشأ عن القوة الفاعلة العقلانية. كان لهذا التصور الأحادي التام، للروح الإنسانية، تأثيراته على نظريتي المعرفة والأخلاق الرواقيتين. في الحالة الأولى، فإن انطباعاتنا الحسية هي تأثيرات للقوة الفاعلة. في الحيوانات العاقلة البالغة، تصبح تلك الانطباعات أفكارا، أو تصورات ذات محتوى افتراضي. ورغم أن الشخص قد لا يكون له الخيار عما إذا كان لديه انطباع عقلاني معين، فإن هناك قوة أخرى للقوة الفاعلة يطلق عليها الرواقيون “القبول”، وما إذا كان قبول أحد الانطباعات العقلانية موضع اختياره ومشيئته. وقبول انطباع ما يعني اعتباره يقينا. والامتناع عن القبول يكون بكبح الحكم عما إذا كان صادقا. وحيث أن كلا من الانطباع والقبول يشكلان جزء من القوة الفاعلة ذاتها، فلا مجال لحصول تضارب بين العناصر العقلانية واللاعقلانية المنفصلة والمتمايزة في الذات الواحدة ـ وهو الصراع الذي قد يخسره العقل. قارن هذا الموقف بوصف أفلاطون للصراع بين النفس الدَّنيا فينا، والتي استولت عليها الأوهام الحسية، والجزء العقلاني الذي لا يحدث معه ذلك (الجمهورية، الكتاب العاشر، 602e). ليس هناك سبب للاعتقاد بأن جزء العقل يمكنه الفوز دائما في الحرب الأهلية المعرفية، التي يتخيل أفلاطون أنها تقع داخلنا. لكن، نظرا لأن الانطباع والقبول مظهران للقوة الفاعلة الواحدة ذاتها، بحسب الرواقيين، فإنهم يظنون أنه بمقدورنا دوما تجنب الوقوع في الخطأ إذا ما كان عقلنا منضبطا بنحو كاف. بنحو مماثل، فإن الدوافع أو الرغبات هي حركات للروح تجاه شيء ما. في الكائن العاقل، تعد تلك تدريبات للقوة العاقلة، التي لا تنشأ دون قبول. بالتالي، فإن حركة الروح تجاه الشيء س، ليست نتيجة تلقائية للانطباع بأن س شيء مرغوب فيه. وهذا ما يحاجج به خصوم الرواقية؛ الشكاك الأكاديميين، ضد إمكانية ذلك (Plutarch, 69A). يدعي الرواقيون، على أية حال، أن لن يكون هناك دافع تجاه الشيء س ـ وبنحو أقل لن تكون هناك حركة ـ إلا إذا قبل الشخص الانطباع (Plutarch, 53S). نتيجة ذلك أن جميع الرغبات قيد السيطرة (على الأقل بنحو محتمل) من جانب العقل، إذ هي أفعال للعقل. وهكذا، لن تكون هناك فجوة بين تكوين الحكم القاطع بأن على المرء القيام بفعل س، وبين الحافز المؤثر على فعل س.

حيث أن النَّفَس جسمي، فثمة شعور بأن لدى الرواقيين نظرية في العقل، والتي ستُوصف بأنها “مادية” بالمعنى المعاصر (راجع: Annas 2009). إن النَّفَس، الذي هو روح المرء، عُرضة للتوالد والهلاك (Plutarch 53 C, Eusebius 53W). على خلاف الأمر بالنسبة للأبيقوريين، فلا يتبع ذلك أن روحي ستهلك تماما حين يموت جسدي. زعم كريسيبوس أن أرواح الحكماء لن تفنى حتى يقع الاحتراق العام التالي (Diog. Laert. 7.157=SVF 2.811, not in LS). هل هذا ببساطة نفاد صبر من جانب فيلسوف مادي متعمق؟ لنتذكر أن الحركة المميِّزة للنَّفَس هي تزامن حركتي الانقباض والامتداد. وهذا ما يجعله متوترا، وقادرا على حفظ، وتنظيم، وفي بعض الحالات تحريك الأجسام التي يتخللها. ويساوي الرواقيون بين الفضيلة والحكمة، كما يساوون بينهما معا وبين نوع من الثبات أو التوتر داخل القوة الفاعلة للروح (Arius Didymus 41H, Plutarch 61B, Galen 65T). ربما كان تفكيرهم أن أرواح الحكماء تتحلى بقدر كاف من قوى التوتر، تمكنهم من الاستمرار على قيد الحياة كأجسام مستقلة بذاتها. نبذ الرواقيون المتأخرون مثل بانيتياس (القرن الثاني ق.م.) وبوزيدون (النصف الأول من القرن الأول ق.م.) تلك الفكرة الخاصة بكريسيبوس.

لنختم هذه النظرة العامة للجانب المادي للفلسفة الرواقية بمسألة الحتمية، رغم أن هذه المسألة ستأتي معنا مجددا في القسم التالي حول المنطق. إن الانطباع الجلي الأول عن الفلسفة الرواقية أن أصحابها يعتقدون بالحتمية فيما يتعلق بمسألة السببية، حيث يعتبرون أن الحاضر نتيجة حتمية لأحداث الماضي، ولكنهم، مع ذلك، يرغبون في الحفاظ على مجال للمسئولية الأخلاقية بالدفاع عن نسخة للتوافقية بين الحتمية والإرادة الحرة. وهذا ليس بالتوصيف الخطأ على الإطلاق، ولكنه يجعل الأمر يبدو أكثر بساطة مما هو عليه فعلا؛ حيث إنه يطمس بعض الاختلافات المهمة بين إطار عملنا لبحث هذه الأمور، وبين إطار عمل الفلاسفة القدماء. أحد الاختلافات المهمة هي أن معظم اتجاهات التفكير المعاصر حول السببية تتعامل معها كعلاقة بين الأحداث. لكن المناقشات القديمة حول السببية تدور في سياق لا يتضمن مفردات حاضرة للتعبير عن الأحداث. لا يعني ذلك أنهم أنكروا وجود الأحداث، أو أخفقوا في ملاحظة أن الأمور تحدث. وإنما يعني ذلك أنه لم يكن هناك اصطلاحات فلسفية مخصصة لتقارن بين ما يجري للأشياء التي تحدث للحقائق أو معها حول ما حدث. حينما نتحدث عن الأحداث، فإنما نتحدث عن الأشياء التي تملأ بنحو جيد الفجوة بين الأشياء والتقريرات. نظرا لأنها تحدث في وقت محدد، وتتضمن بعض الأشياء دون غيرها، فالأحداث، بشكل ما، تشبه الأشياء. (فحتى نظريات الأحداث التي لا تتعامل معها كمفردات متعينة، يجب عليها، بنحو ما، أن تنصف هذا الجانب من  الحديث عن الحدث). من جهة أخرى، فإن لديهم هيكلا افتراضيا من هذا النوع. إن حدث جلوس سينيكا في حوض الاستحمام مفكرا في كتاب، يتضمن أشياء مثل: سينيكا، وكتابه، وحوض الاستحمام، ولكن الحدث يتضمنهم على نحو كما لو كانوا ضمن بنية ما. ورغم أن حدثا آخر يتضمن نفس الأشياء، وفيه يجلس سينيكا على كتابه، ويفكر في حوض الاستحمام، إلا أنه مختلف تماما عن الحدث الأول. مع غياب مفهوم قوي للسببية، كعلاقة فيما بين الأحداث، فإن التحليل الرواقي للسببية يبدو غريبا جدا في العصر الحديث.

يقول الرواقيون إن كل سبب هو جسم، يصبح بدوره سببا لحصول شيء لا مادي لجسم آخر . على سبيل المثال، فإن المبضع، وهو جسم، يصبح سببا بالنسبة لجسد الإنسان، وهو جسم، بالمعبَّر عنه اللاجسمي “القطع”. (Sextus, 55B; cf. Stobaeus, 55A).

إن البنية البرهانية الشبيهة بالحدث للتأثير، في مذهب الرواقية عن السببية، أنشأها الإلحاح على أن السبب ينتج للجسم محمولا حقيقيا له. لكن إذا أعدنا النظر في مثال سيكستوس، فالمبضع ليس هو السبب في قطع الجسد، لأنه لا يسبب ذلك وهو محفوظ في خزانة. لذلك، فهناك بنية تشبه الحدث (حصول القطع في الجسد) في الأثر، إلى جانب التفاعل السببي في التحليل الرواقي، ولكنها ليست في جهة السبب. فليس لدينا هنا غير الجسم، المبضع. إن دور البنية الشبيهة بالحدث للسبب في المخطط الرواقي، يتم بالحديث عن نطاق كامل من أنماط الأسباب المختلفة. إن المصادر الخاصة بالتصنيفات الرواقية للأسباب معقدة ومتشابكة، لذا فسوف نقصر اهتمامنا على القليل من الأنواع ذات الأهمية الأكبر:  العلل المقدمة، وعلل الاستدامة، والعلل المباشرة. في هذا الصدد، فإن نظرة الرواقيين ليست كلية، بخلاف نظرة أرسطو، المعروف عنها تضمنها لفكرة “العلل الأربعة”. وبنحو أكثر دقة، نذكر أن علل أرسطو الأربعة هي أربعة أنماط من العناصر التفسيرية.  ما لم يقله أرسطو، على أية حال، إن حضور العناصر التفسيرية تلك يستلزم ما تفسره. وتضمن العملية العلية نوعا من العمومية عند أرسطو، فهي تؤدي إلى حدوث تلك الأشياء “دوما، أو في معظمها”، لكن هذا يختلف تماما عن إصرار الرواقية على أن العلل حتمية. إن تحقق الخطة الإلهية، أو النَّفَس الكوني، يسمونه “قدرا”، ويصفونه كسلسلة من العلل “المحتومة” (aparabatos Aetius, 55J; cf. Gellius, 55K). في مصنفه “في القدر” سعى شيشرو إلى شرح كيف أن كريسيبوس حاول تجنب النتيجة التي مؤداها أنه طالما أن أفعالنا تحدث بفعل العلل المقدمة، فهي ليست متوقفة على قدرتنا.  تستند إجابة كريسيبوس على الأنواع المختلفة للعلة، التي سعى الرواقيون إلى تحديدها، وهو مقطع يستحق أن نقتبسه بأكمله:

لكن كريسيبوس، رافضا لمبدأ الضرورة، وفي الوقت نفسه، لا يريد لشيء أن يحدث دون علة سابقة، يميز بين أنواع العلل، ليتمكن من تجنب الضرورة، فيما يحافظ على فكرة القدر. “بالنسبة للعلل”، يشرح، “فبعضها مكتمل وأوَّلي، وبعضها ثانوي ومباشر. وبالتالي، عندما نقول إن الأشياء جميعها تحدث خلال القدر بواسطة علل مسبقة، فإننا لا نعني أن يُفهم ذلك على أنه يحدث بفعل “علل أولية مكتملة”،  “وإنما بفعل علل ثانوية مباشرة”. (Cicero, 62C)

إن الفهم التام لمحاولة التسوية التي قام بها كريسيبوس لمشكلة الكيفية التي يرجع بها كل شيء إلينا، عندما يكون تاريخ العالم هو أن الفصل الحالي في السرد لا مفر منه، وباعتبار أن ما حدث آنفا يصبح صعبا لافتقار الوضوح حول الأنواع المختلفة للعلة. يبدو واضحا، على الأقل بشكل عام، ما يرمي كريسيبوس إلى تحقيقه، فيما يتعلق بالفعل الإنساني. في تشبيهه الشهير، ينظر إلى شخصية المرء كمماثل للشكل الأسطواني. حقا، إن العالم يمنحنا أشياء نتفاعل معها، بمثل ما يعطي الشخص دفعة للأسطوانة. وما يحدث أن الأسطوانة تدور لا تنزلق، بسبب من شكلها الخاص (أي: طبيعتها). كذلك أيضا فإن قراراتك تكون هي قراراتك بقدر ما تتفق مع طبيعة الشخص الذي تُحدث معه الفرق الذي قررت إحداثه. بالتأكيد ـ  أنك ذلك النوع من الأشخاص الذي تكونه إلى حد كبير، بسبب ما حدث لك من قبل. لكن، حين تلعب قراراتك دورا في إحداث ما تفعله، يقول الرواقيون إن ما يحدث خلال القَدَر يحدث خلالك، وهذه الأفعال “من خلالك” وهذا يتلاءم، بمعنى من المعاني، مع فكرة المسؤولية. يُزعم أن ما يدعم هذا المعنى هو التمييز بين أنواع العلة التي ذكرناها آنفا. يسعى البحث العلمي المفصل، حول مسألة الإرادة الحرة والحتمية في المذهب الرواقي، في التعامل مع مصادرنا ومحاولاتنا المختلفة، لوضع ذلك الإطار المختلف تماما للتفكير في العلل والعلية، في مقابل إطار عملنا. هناك دليل جيد لهذا الحقل المعرفي، قدمه هانكينسون، في الفصلين 14 و 15 والمنشور في دار Algra, Barnes, Mansfeld & Schofield (1999). وكتاب بوبزين (1998) وهو أطول وأكثر صعوبة بالنسبة للمبتدئين في الفلسفة، ولكنه موثوق للغاية.

ناقش الرواقيون كذلك فكرة عن الحرية، تعد أخلاقية بأكثر منها ميتافيزيقية. إن معنى الحرية يتضمن “القدرة على أن تعيش كما تشاء” (Cicero, Stoic Paradoxes 5, 34). لقد اتضح، لأسباب ستُناقش لاحقا، في القسم الخاص بالأخلاق، أن الحكيم الرواقي وحده هو من يتمتع بالحرية. أما غيره فمجرد عبيد. تم بحث هذه الفكرة عن الحرية، وعلاقتها بفكرة الاستقلال الكانطي، في كتاب كوبر (2004).

 

  1. المنطق

كان نطاق ما أسماه الرواقيون “منطق” (logikê, أي: معرفة وظائف اللوجوس، أو العقل) واسعا للغاية، ولا يشتمل على تحليل أشكال الجدل فحسب، بل أيضا على قواعد الخطابة، ونظريات المفاهيم، والقضايا المنطقية، والفهم، والفكر. بالتالي، فإن المنطق الرواقي لا يتضمن، فحسب، ما نسميه منطقا، ولكن يتضمن أيضا فلسفة في اللغة ونظرية في المعرفة.

في فلسفة اللغة، نجد أن أميز ابتكاراتهم كان نظريتهم في “المعبَّر عنه” أو اللِكتا lekta. حيث يميز الرواقيون بين الدلالة أو مفهوم الكلام، والدَّال أو الكلام، وموضوع الكلام وهو الشيء المادي الخارجي. اثنين من هؤلاء الثلاثة هما أجسام: الدَّال، وهو المنطوق من القول، والحامل للاسم، وهو الموضوع الذي يدل عليه الكلام. أما الدلالة، فهي شيء لا جسمي يسمَّى اللِكتون، أو المعبَّر عنه، وهو ، وكذلك الاثنين الآخرين، ليس ما يعد صوابا أو خطأ (Sextus Empiricus, 33B). ويعرفون المعبَّر عنه بأنه “الذي يقوم وفق الانطباع العقلي”. الانطباعات العقلية هي تلك التعديلات التي تقوم بها القوة الفاعلة، أو العقل الرشيد، الذي يمكن لمحتواه التعبير عنه في اللغة. من المفترض أن عبارتي “Socrates writes” و”كتابات سقراط” تعرضان محتوى نفس الانطباع الواحد في لغتين مختلفتين.

للوهلة الأولى، يبدو ذلك أشبه بنظرية حديثة في القضايا، والواقع أن القضايا (axiômata) هي أحد تنويعات المعبَّر عنه الرواقي. لكن قد يكون من الخطأ أن ننظر إلى تلك الفئة الفرعية للمعبَّر عنه باعتبارها قريبة من النظريات الحديثة في القضايا. إذ تميل النظريات الحديثة إلى التعامل مع القضايا باعتبارها: غير دالة على زمن، ودالة على زمن. فحينما أنطق الكلمات التالية: “الجو حار في هوبارت اليوم”، أعبِّر عن القضية التي تقول إن الجو حار في هوبارت يوم 25 من شهر فبراير عام 2018. تلك قضية مختلفة عن القضية التي سأقولها باستخدام تلك الكلمات نفسها غدا. إذا حدث، كما هو الحال في غالب الأحيان، أن كان الجو باردا في الغد، وأن ما أقوله بواسطة العبارة: “الجو حار في هوبارت اليوم” غير حقيقي، فإن القضية لا تغير قيمة صدقها. إن القضايا غير الدالة على زمن والدالة على زمن، والتي نعبر عنها بكلماتنا تملك قيم صدقها الدائمة. تختلف القضايا الرواقية، بشكل حاسم، من هذه الوجهة. ترى النظرية الرواقية بنحو ثابت أن المعبَّر عنه يتطابق مع ما أنطق به في المناسبات المختلفة، ولكنه يسمح بتغير قيمة صدقه (Diog. Laert., 34E). بالإضافة إلى تلك القضايا المنطقية axiômata، فإن فئة ما يُسمَّى “المعبَّر عنه التام” تتضمن الأسئلة، والأوامر، وكذلك القياس المنطقي (Diog. Laert., 33F).

ضمن فئة المعبَّر عنه “غير التام” يضع الرواقيون: المحمولات predicates، وكما في حالة القضايا المنطقية، هي المعاني التي يمكننا التعبير عنها بواسطة استخدامنا للغات المختلفة. هكذا، فإن لفظ “graphei” في اللاتينية، يتطابق مع المعبَّر عنه الناقص “___ writes” في اللغة الإنجليزية. وكما في بعض النظريات الحديثة الخاصة بالمحمولات، فإن المعبَّر عنه غير التام في مسيس الحاجة إلى براهين، أو إلى ما يطلق عليه الرواقيون حالة اسمية (ptôsis, Diog. Laert., 33G) ما يثير الغرابة أن الرواقيين يميزون بين أمثلة ما يملأ فيها الفاعل/الموضوع الذي يثمر معنى تام، يحدث بواسطة حدٍّ مرجعي (كما في: “سقراط يكتب”، وحالات تتضمن مرجعا واضحا مثل: “هذا الشخص يكتب”، وتوصف عبارة “هذا الشخص يكتب” بأنها: “شخصية”، أما عبارة “سقراط يكتب” فيطلق عليها: حملية أو وسيطة ـ والأخيرة من أجل تمييزها عن القضية الحملية المهملة، مثل: “شخص ما يكتب”. إن استبعاد المرجع الواضح كحالة خاصة، يؤدي إلى ملمح غريب آخر للموقف الرواقي من المعاني والقضايا. إذا كنت حاضرا أمام جثة سقراط، فيمكنك قول: “سقراط ميت” وستكون كلماتك متوافقة مع معبَّر عنه تام (ويكون صادقا في هذا الوقت). لكن أن تشير إلى الجثة، وتقول: “هذا الشخص ميت”، فإن الرواقيين، كما يبدو، يفترضون فشل المرجع في هذه الحالة، بحيث أن المعبَّر عنه قد “دُمِّر” (Alexander, 38F). يبدو هذا الملمح الغريب للمعبَّر عنه فضفاضا في استجابة الرواقية لتفسيرات كيفية منافسة.

الأمثلة التي تناولناها حتى الآن، هي أمثلة للمعبَّر عنه البسيط والتام، أو القضايا. طور الرواقيون أيضا نوعا من القضايا البسيطة. وقد شارك الرواقيون هذا الاهتمام بالقضايا المركبة، وعلاقاتها المنطقية مع الفلاسفة الميجاريين، أو المدرسة الجدلية. وهو ما وجه فلاسفة الحقبة الهلنستية إلى الطريق لتجاوز ما حققه أرسطو في المنطق. وكان منطقه “منطق الحدود”. ولوضع المسألة بإيجاز شديد وفج جدا، وضع أرسطو مجموعة محدودة من الصياغات المنطقية (على سبيل المثال: كل A هي B ، أو: بعض A هو B ، أولا A هي B ). وقد سعت نظريته في القياس المنطقي إلى إجراء استقصاء منهجي لجميع طرق الجمع بين أزواج من هذه الصياغات، وتحديد التوافيق التي يستتبع فيها الاثنان الأولان (المقدمات) صيغة ثالثة (نتيجة)، من نفس النوع، بسيطة كنتيجة لشكل المقدمات وليس محتواها. ركزت على الروابط بين المحمول والموضوع في مثل هذه الصياغات، ولم يكن لديها الكثير مما يمكن قوله عن الصياغات المركبة التي لها عبارات كاملة كأجزاء. وعلى النقيض من ذلك، أحرز الرواقيون تقدما فيما نسميه الأن منطق القضايا. فقد طوروا ما هو قضايا النفي (“ليس صادقا أن p”)، والترابط (p”  وq”) والتفكك (p”  أو q”)، وشاركوا في المناقشة الدائرة حول الفهم الصحيح للقضايا الشرطية (“إذا p إذن q”). كما أدى موقفهم من الروابط بين القضايا البسيطة، داخل القضايا المركبة، إلى طرح أسئلة حول مفاهيم شكلية (الاحتمال، الاستحالة، الضرورة، الطارئ). أحد تقريراتهم،  التي يقدمونها عن صحة الحجج؛ هو أن الحجة تكون صحيحة إذا كان من الممكن، خلال استخدام قواعد أساسية معينة (themata)، اختزالها إلى أحد أشكال الخمسة التي لا يمكن إقامة الدليل على صحتها (Diog. Laert., 36A). وهذه الأشكال الخمسة هي نماذج للحجج التي ينبغي أن تكون مألوفة لأي شخص التحق بفصل لدراسة تمهيدية للمنطق:

إذا كان p  إذن q ، p بالتالي q (قياس استثنائي)؛

إذا كان  p إذن q ، لا p بالتالي لا q (قياس النفي)؛

ليس صحيحا أن كلا من  p و q ،بالتالي p ليست q ؛

إما  p أو q ، p بالتالي ليست q؛

إما  p أو q ، ليست p بالتالي q؛

تم إنجاز مسح شامل للإسهامات الرواقية في مجال المنطق وفلسفة اللغة، بالإضافة إلى وجهات النظر الأرسطية والميجارية في الفترة الهلنستية في خلفية تلك الإسهامات، في مُدخل من 100 صفحة حول هذا الموضوع، من قبل بارنز، وبوبزاين، وميجنوشي، في تاريخ كامبريدج للفلسفة الهلنستية (Algra et al, 1999) .وهناك نسخة مختصرة وأيسر عرضا من هذه المادة، أنجزها بوبزاين،  في دار إنوود (2003(.

على الرغم من أن هذه التطورات وغيرها في مجال المنطق مثيرة للاهتمام في حد ذاتها، فإن المعالجة الرواقية لبعض المشاكل المتعلقة بمنطق الموجهات والتكافؤ الثنائي، أكثر أهمية بالنسبة لشكل المذهب الرواقي ككل. وكان كريسيبوس، على وجه الخصوص، مقتنعا بأن ثنائية التكافؤ وقانون الوسط المرفوع ينطبقان حتى على القضايا الممكنة الخاصة بحالات أو أحداث مستقبلية معينة. (ينص قانون الوسط المرفوع على أن القضية “p” ونقيضها  “Not-p”( p أو ليس p)، صحيح بالضرورة، في حين يصر التكافؤ الثنائي على أن قائمة الصدق التي تحدد رابط مثل “أو” تحتوي على قيمتين فقط، “صادق” و”كاذب”). إن مناقشة أرسطو في الفصل التاسع لتأويل معركة بحرية افتراضية، والتي إما أن تحدث غداً أو لن تحدث، تؤخذ تقليدياً على النحو الذي ينفي هذا. (في الواقع إن التأويل الصحيح لموقف أرسطو موضع خلاف بين الباحثين، ولكن هذا لا يقلقنا هنا). قدم أرسطو حجة مفادها أنه إذا كان صادقا أو كاذبا الآن، أنه ستكون هناك معركة بحرية غدا (ولنفترض من أجل الحجة أنه كاذب)، فإن مداولاتنا الحالية بشأن ما إذا كان ينبغي لنا أن نخرج ونخوض معركة الغد لن تكون ذات جدوى. فإذا كان صادقاً بالفعل الآن أن المعركة لن تكون معركة، فأي كان ما نقرره فلن نقاتل. يبدو أن هذا النوع من الاستنتاج يخلق تهديداً لمغزى المداولة، وهو الاستنتاج الذي ينبني ببساطة على اعتبارات تتعلق بطبيعة القضايا وصدقها أو كذبها. يبدو أن كريسيبوس الرواقي هو من ربط هذا المسار الذي تحركه دوافع منطقية إلى القدرية، مع مسألة الحتمية السببية (شيشرو، 38G) وقد ألحَّ على أنه إذا كان هناك حركة بدون سبب، فإن ذلك يعني أن بعض القضايا لن تكون صادقة أو كاذبة. ولكن الحقيقة أن كل قضية هي إما صادقة أو كاذبة. وهكذا خلص إلى أنه لا توجد حركة بدون سبب.

الأمر الأول أن تصبح خطتنا لمعركة الغد البحرية عديمة الجدوى، وذلك لأن الرياح المعاكسة، كما تبين لنا، سوف تمنعنا من التجديف لمحاربة العدو. ولا يهدد التماسك العقلاني للتخطيط حقيقة أن الظروف المسبقة والمرتبة لخططنا، لا يتأتى حصولها. هذا تماما الحياة كإنسان. وأمر آخر تماما، أن تكون مداولاتنا عديمة الجدوى؛ لأنه من المستحيل أن تكون هناك معركة بحرية غدا. الأشخاص الذين يضيِّعون أنفاسهم هباء في النقاش، ماذا يفعلون إذا كان 2+2=5 ، فإن أمر الغد سيبدو لا عقلاني. فمن المستحيل أن 2+2 تساوي 5 ـ غداً أو أي يوم آخر! إذن، ماذا سنقول، إذا كنا مقتنعين بأن كل البدائل لما قد يحدث بالفعل في المستقبل، تتساوى في استحالة حدوثها؟ ويبدو أن هذا يشكل تهديدا حقيقيا للتماسك المنطقي للتخطيط.

وقد واجهت الرواقية نظرية حول الوجهة (أي نظرية الاحتمال والضرورة)، التي ادعت ذلك على وجه التحديد. زعم ديودوروس الكرونوسي، من المدرسة الجدلية، أن ما هو محتمل يقتصر على ما هو، أو ما سيكون صادقا، في لحظة ما في المستقبل (بوئيسيوس، 38C). لذا، فإذا لم نتجه، في الواقع، إلى التجديف لمحاربة الميجاريين في معركة بحرية، إذن فإن المعركة البحرية مع الميجاريين ستكون مستحيلة دوما (وبطبيعة الحال، لن يكون من المنطقي أن نفكر في الكيفية التي ينبغي لنا أن نقوم بها بهذا، بأكثر من التفكير في كيف سنفعل في حال أن كان الأمر 2+2=5). الوسيلة التي وصل بها ديودوروس إلى هذا الموقف غير المرغوب فيه، للوجهة، تسمى الحجة الرئيسية. فقد أيَّد الزعم بأن: (1) الحقائق  بشأن الماضي حتمية: فهي ليست مجرد أنها ليست غير ما هي عليه ـ فلا يمكن أن تكون غير ما هي، إذ لا شيء يملك القدرة على تغيير الماضي (إبيكتيتوس، 38A). وذهب أيضا إلى أن: (2) لا ينتج المستحيل عما هو ممكن. وفي ما يسمى بالحجة الرئيسية، حاول أن يثبت أن هاتين الأطروحتين كانا غير متوافقين مع الادعاء بأن (3) هناك شيء ممكن، ولكن لم يحدث بعد. وتفاصيل الحجة الرئيسية موضوع خلاف كبير. ونحن نعلم أنها طُرحت لبيان أن هذه المقترحات الثلاثة شكلت ثالوثا غير متسق، ولكن كيف فعلت ذلك على وجه التحديد، يظل هذا أمر غير مؤكد. نحن نعلم أيضاً أن طريقة ديودوروس في حل هذا التضارب تأتي برفض (3) وتحديد الممكن بأنه، أو ما سيكون هو الحال.

شعر الرواقيين بالحاجة إلى الحفاظ على الفرضية التي تذهب إلى إن هناك أشياء ممكنة، ولكنها لا تحدث. المصدر نفسه، الذي يحفظ  يتضمن الادعاءات غير المتوافقة، الضالعة في الحجة الرئيسية، يخبرنا أن الرواقيِّين كلينثيس وكريسيبوس فعلا ذلك بطرق مختلفة. فبينما رفض  كلينثيس  الرأي (1) ، حتمية الماضي ، رفض كريسيبوس الرأي (2) ما هو مستحيل لا يصدر عن ما هو ممكن ، مستخدما المثال التالي: ضع في الاعتبار القضية الشرطية “إذا كان ديون ميتا ، إذن فهذا الشخص ميت” عندما تكون الإحالة التوضيحية تشير إلى ديون. إن فعل الشرط ممكن، لأن ديون سيموت في يوم ما. ومن ثم، فلنفترض أن ذلك صادق. بالتالي، باللزوم المنطقي ينتج عن ذلك أن “هذا الشخص ميت”. بأية حال، فإن الافتراض بأن “هذا الشخص ميت” أمر مستحيل (بالضرورة كاذب)، إذ لا يمكن للمرء أن يجعل المرجع التوضيحي الضروري يحيل إلى شخص ميت ليجعل صادقا أن “هذا الشخص [أي: الشيء (الحي) الذي أشير إليه] ميت”، لأن الشخص الميت ليس هو نفس المذكور سابقا. (Alex. Aph., 38F). وقد يبدو لنا هذا الأمر خاصا تماماً، ولكنه يتناسب بنحو جيد مع وجهات النظر الرواقية في القضايا المحددة أو الواضحة. وهو يبين مرة أخرى الطابع المنهجي للفلسفة الرواقية.

ربما كان الموضوع الأكثر شهرة، الذي تم الاهتمام به، تحت عنوان المنطق الرواقي؛ هو معيار الصدق وخلافات الرواقية مع شكاك الأكاديمية الجديدة، حول هذا الموضوع. ووفقاً لكريسيبوس، فإن معيار الصدق هو “الانطباع الإدراكي” (phanasia katalêptike, lit.، انطباع ذهني يحيط بموضوعه) (Diog.Laert., 40A). إن معيار أو قانون الصدق، هو أداة لتحديد ما إذا كان شيء ما صحيحاً، ولدى المدارس الهلنستية جميعها بعض الآراء حول كيفية قياس أو تقييم ما إذا كان شيء ما صحيحاً أم لا. إن الانطباع الإدراكي الرواقي، هو انطباع (حسب تعريف زينون، راجع: شيشرو SVF I.59): “ينشأ عن ما ترك انطباعاً ذهنيا يطابق الشيء نفسه؛ ومن النوع الذي ما كان لينشأ لو لم يكن الشيء نفسه” (سكستوس إمبيريكوس 40E). تذكر أن من بين قوى العنصر المتحكم: القدرة على قبول، أو الامتناع عن قبول الانطباعات الذهنية. وحقيقة أن من بين قدراتنا الامتناع عن القبول، هو دائما يعني أننا إذا كنا منضبطين بالقدر الكافي قادرون على تجنب الخطأ. وهذا، في حد ذاته، لا يعني أننا قادرون على اكتساب المعرفة، فقد لا تكون هناك أي انطباعات يمكن للمرء أن يكون واثقا في قبولها. وكان من المفترض أن يؤدي الانطباع المعرفي هذا الدور: فعندما تقابل شيئا من هذا، شريطة أن تدركه على هذا النحو، يمكنك، على أساس ذلك، التأكيد تماما على أن الموضوع المقصود صحيح. يفترض بدايةً أن مثل هذا الانطباع الذي قاد قبول المرء بسبب طبيعته وحدها: فهو ” يجرنا من شعرنا” ويدفعنا إلى القبول. ولكن يبدو أن هذا التقدير المتفائل كان كفأ في مواجهة انتقادات شُّكَّاك الأكاديمية ـ  ربما، حتى ولو كان هناك مثل هذه الانطباعات، فمن غير السهل أن نكون  على يقين بإزائها حين يعرِض للمرء إحداها.

على أية حال، فإن الرواقيين لا يتمسكون بأن مجرد امتلاك انطباع إدراكي يشكل معرفة (epistêmê). والحقيقة، إن مجرد القبول لمثل هذا الانطباع لا يرقى إلى المعرفة. وهذا القبول هو مجرد إدراك أو فهم (katalêpsis) لواقعة فردية. تتطلب المعرفة الحقيقية (epistêmê) إدراكا آمنا، وثابتا، وغير قابل للتغيير بتأثير العقل(Sextus Empiricus, 41C) وعلاوة على ذلك، أن تندمج في نسق كلي منهجي مع مثل هذه الإدراكات (Arius Didymus,41H). إن القبول الضعيف، والقابل للتغيير للانطباع الإدراكي ليس أكثر من فعل جهل. وليس من الواضح تماما أين يتموضع الرأي أو الاعتقاد (doxa)، عموما ، في هذا التصنيف. وتعرّفه معظم المصادر الرواقية بأنها “قبول لللامعرفي” (أي: قبول لانطباع لا يفهم موضوعه بنحو تام) (انظر Sextus Empiricus,41E)، لكن البعض يقترح أن القبول المتغير للانطباع الإدراكي يعتبر رأي. هناك احتمال لحدوث خلط خطير؛ عندما نحاول المماثلة بين وجهة النظر الرواقية ونظرية المعرفة المعاصرة. إن التعريفات الحديثة للمعرفة تجعل من اعتقاد العامل أن p شرط ضروري، ولكنه غير كاف للتعرف على هذه ال p . بالنسبة للرواقيين، فإن الرأي أو الاعتقاد doxa (المتضمن للقبول “الضعيف”) والمعرفة، غير متوافقين. على أية حال، هناك تمييز أساسي وتام بين الحكيم والجاهل. فوحده قبول الحكيم الرواقي للانطباع الإدراكي هو ما يُعد معرفة؛  إذ أن الحكيم وحده يتمتع دائما بالانضباط المناسب لتجنب التراجع عن القبول، أو قبول أمور لا ينبغي للمرء أن يقبلها. ويسمي الرواقيون هذا:  الفضيلة المعرفية “التَرَوِّي” (proptôsia) وهو أساس ادعائهم بأن الحكيم لا يخطئ أبدا (41D)

رد الشُّكَّاك على ذلك بإنكار وجود الانطباعات المعرفية. وطبقاً لرأي أركسيلاوس:”إن الانطباع الناتج عن شيء حقيقي يتساوى مع الانطباع الناتج عن شيء زائف” (شيشرو 40D). لذا فإن أركسيلاوس ينفي أن يكون الاقتران الثالث للتعريف الرواقي للانطباع الإدراكي كافيا على الإطلاق. وبوسعنا أن نميز بين تكتيكين محددين لإنكار ذلك: أولا: يشير الشُّكَّاك إلى حالات الجنون. فحين أصيب هرقل بالجنون، كان لديه انطباع بأن أطفاله كانوا، في الواقع، أطفال عدوه يوريسثيوس، فقتلهم. وبما أن الانطباع كان مقنعاً تماماً له في الوقت الذي أدركه فيه (استناداً إلى فعله اللاحق)، يتضح لنا من ذلك إمكانية نشوء انطباعات زائفة، يتعذر تمييزها عن الانطباعات التي يُزعم أنها “حدثت وانطبعت وفق هذا الشيء ذاته. (Sexstus Empiricus, 41H). وكان خط هجومهم الثاني: هو توجيه الانتباه إلى أشياء مماثلة، لدرجة يتعذر معها التمييز بينها (بحيث لا يمكن التمييز بين الانطباع الدقيق تماماً وآخر ملتبس، الواحد عن الآخر). الوقائع مترابطة. (Diog. Laert., 40F). حتى أن الفيلسوف الرواقي سفايروس (تلميذ زينون) قد خُدع بتصوره أن الرُّمَّان المصنوع من الشمع حقيقي. وكان من المفترض أن يثبت هذا، مرة أخرى، إمكانية نشوء انطباعات عن ما ليس هو ذاته [أعني: الرمان]، مما يتعذر تمييزه عن الانطباع المعرفي.

واجه الرواقيين هذه الحجج من خلال الإشارة أولاً: إلى أن عجز هرقل عن التمييز بين الانطباعات المعرفية والانطباعات غير المعرفية في حال جنونه، لا يدل بحال عن قدرات البشر العاديين. كما أن أطروحتهم لا تتضمن  إمكانية أي شخص  التمييز بين الانطباعات المعرفية وغير المعرفية. وكان ردهم الهجومي الثاني ذو شقين: الأول: إجابة ذات باعث ميتافيزيقي: أنه إذا تعذر التمييز بين شيئين فعلا، فهذا يعني أنهما متطابقان. وقد أصبح هذا معروفا بمبدأ تطابق الهوية. كما أجابوا أيضا بأن الحكيم الرواقي سيحجم عن الموافقة في الحالات التي تكون فيها الأمور متماثلة إلى درجة لا يمكن معها الثقة بأن المرء كان على حق (شيشرو، 40I) ـ كانت استجابة سفايروس لمأزقه تتلخص في القول: إنه وافق فقط على الاقتراح بأنه كان “معقولا” أن ما عرض له كان رمانا (وهذا صحيح حقا!)

بشكل ما، فقد كان الأمر أسهل بالنسبة للرواقيين مع مذهب الشكَّاك، حول مسألة المعرفة، مقارنة بما كان مع غير الشكَّاك المعاصرين. وفي النهاية، فإن ما تمسك به الرواقيون هو وجهة النظر ذات الشقين، وهي أنه بمقدورنا أن نتجنب الوقوع في الخطأ، وأن هناك نوعا من الانطباع الذي يكشف لنا العالم كما هو حقا، والذي يختلف عن الانطباعات التي قد لا تكشف العالم بوضوح. ومن الواضح أنهم لم يتمسكوا بالدفاع عن حدسنا العادي بشأن نطاق المعرفة: حيث أن أغلب الناس، في واقع الأمر، يعرفون الأشياء التي يظنون أنهم، والآخرين غيرهم، يعرفونها. ونسترجع ملاحظاتنا حول الاختلاف بين المعرفة، كنظام من القبول للانطباعات المعرفية، وتعتبر آمنة ولا تتزعزع بتأثير العقل والرأي  ـ والتي قد تجعل الأمور صحيحة، بل وربما قد تنطوي على قبول للانطباع الإدراكي، وإن ما تزال تفتقر إلى المعرفة. باختصار، حدد الرواقيون معيارا  عاليا للمعرفة، وكانوا على استعداد تام لقبول أن المعرفة هي الاستثناء لا القاعدة، في الشئون الإنسانية. الشخص الوحيد الذي يتأكد تحصيله لأي معرفة هو الحكيم الرواقي، ومثل هؤلاء الحكماء نادرون كالعنقاء (Alex. Aph., 61N). وكل من هم غيرهم يتساوون في الجهل. هذا التمييز الصارم، بين الحكيم والجاهل، جاء نتيجة للتعريف الرواقي للمعرفة بوصفها “الإدراك الآمن غير القابل للتغيير بتأثير العقل” (Arius Didymus, 41H). سواء كان إدراك المرء مثل ذلك أو لا. بجعل الرأي نوعا من الجهل (مقارنة بأفلاطون، محاورة الجمهورية، الكتاب الرابع، 474a ff)، فإنهم لا يتركون حيزا لحالة وسيطة بين الرجل الحكيم وسائر البشر.

لكن حتى لو نحينا جانباً مسألة ما إذا كنا في الواقع نعرف أي شيء، بالمعنى القوي الذي لا يُصدق والذي تتطلبه المعرفة بالمفهوم الرواقي، تبقى هناك بعض الألغاز المهمة حول الانطباع الإدراكي. يصر الرواقيون على أن الانطباع الإدراكي لا “ينشأ عما يكون، وما هو منطبع بما يتفق” مع الشيء الذي ينشأ عنه فحسب، ولكن أيضا، “على النحو الذي لم يكن لينشأ عن ذلك”. ولكن يبدو أننا نستطيع أن نتخيل كل أشكال المواقف التي قد نكون فيها في وضع تكون فيه انطباعاتنا الحسية غير متمايزة عن الانطباعات المحرَّفة عن العالم. هكذا، لنتأمل فرضية الشيطان عند ديكارت، أو نظيرتها الحديثة، سيناريو الدماغ في البرميل. في هذا المثال الأخير، يتطلب الأمر أن يتم التحفيز الكهربائي لمخك بواسطة علماء أذكياء مهرة، ولكنهم غير ملتزمين بالمبادئ، فينتجون انطباعات لا يمكن تمييزها عن تلك التي لدينا بالفعل. ومن المؤكد هنا أن لدينا إثبات على أنه لا يمكن أن يكون هناك انطباع حقيقي بحيث يمكن أن ينشأ عما هو غير حقيقي. لا يعتقد عاقل أن هذه الفرضيات المتشككة صحيحة بالفعل. الفكرة، بالأحرى، إن كانت إحداها صحيحة، فإن خبرتنا الحسية لا يمكن تمييزها من ما (نعتبره) انطباعاتنا الحقيقية والصحيحة, عن مناضد حقيقية، ومقاعد، ومدافئ. ألا يُظهِر هذا أنه لا يوجد ذلك الشيء الذي نسميه الانطباع الإدراكي؟

وإذا كان الأمر كذلك، فإن موقف الرواقيين سيكون أقرب إلى النظريات الخارجيانية externalist، في  المعرفة أو التبريرية. ويصر أصحاب النظرية الخارجيانية على أن العامل قد يعرف افتراضا، أو أن يكون لديه مبرر في الاعتقاد بوجود افتراض، حتى عندما لا تكون الأدلة على هذا الاعتقاد متاحة بذاتها للشخص. وعلى هذا، فقد اقتُرح، استناداً إلى نظرية معرفة خارجيانية مبكرة، أن العامل قد يعرف نوعاً معيناً من الافتراضات (مثل: وجود مدفأة هنا) إذا كان اعتقادهم بوجود مدفأة هنا ناتجاً عن عملية سببية يمكن التعويل عليها (مثل: نظام بصري عادي) ـ وليس على سبيل المثال، من خلال تدخلات العلماء الماكرين، الذين يعبثون بدماغ الشخص. يستكشف أناس Annas (1990) إمكانيات قراءة وجهة النظر الرواقية كوجهة نظر خارجيانية. ويأخذ بيرين (2005) في الاعتبار القيود المفروضة على هذه القراءة.

إذن، فإلام يذهب ذلك بالأمر؟ إذا كانت تلك هي الطريقة الصحيحة لفهم تعريف الانطباع المعرفي الرواقي، سيبدو أنهم يتفوقون في جدالهم مع مذهب الشكِّ. إن الانطباعات الخاطئة التي لا يمكن تمييزها ذاتيًا مقارنة بالانطباعات الواضحة، والمتميزة، والصادقة، لا تعني عدم وجود انطباعات معرفية. ومع ذلك، فإن الاعتراف بأن الانطباع المعرفي قد لا يمكن تمييزه في ذاته عن الانطباع الزائف، يغير من المعنى الذي بحسبه يكون الانطباع المعرفي معيارا للحقيقة. إن قبول الانطباع المعرفي سوف يضمن أن ما قبلته صحيح. لكن، لأن الانطباعات الإدراكية يمكن أن يتعذر تمييزها عن وجهة نظر الشخص عن الانطباعات الزائفة، فلا يعد في وسع الرواقية أن تذهب إلى إن الحكيم الرواقي نفسه، يمكن أن يكون واثقاً من أن ما يبدو كانطباع إدراكي هو كذلك فعلا. بالتالي، فبدلاً من توجيه القبول تلقائياً، فإن الانطباع الإدراكي (وفقاً لمتأخري الرواقية) يوجه القبول “إذا لم يكن هناك عائق” (Sextus Empiricus, 40K)، وكذلك إذا كان قد تم “اختباره” و”يتعذر إلغاءه” (راجع: Sextus Empiricus, 69E). يعني هذا أنه لا ينبغي أن أقبل إلا ما يبدو لي كانطباع إدراكي، إذا كان لدي من الأسباب ما قد يدعوني إلى الاعتقاد بأنني في سياق  تكون فيه الانطباعات ممكنة لا مضللة. لكن الحكيم الرواقي لا يخطئ أبدا. إذن، متى ستكون لدي أسباب مقنعة تماماً للاعتقاد بأن ما يُعرض عليّ هو انطباع مقنع لا مخادع؟ ولهذه الأسباب، يزعم المتشكك البيروني سكستوس إمبيريكوس أن الحكيم الرواقي لن يقبل أي انطباع أبدا. ففي أثناء تجربته العملية، سوف يتوقف عن الحُكم، مثلما يفعل الشَّاك تماماً (41C). هناك اقتراح آخر، وهو أن يتحفظ الحكيم الرواقي في موقفه، فلا يقبل غير الانطباع بأن من المعقول وجود مدفأة هنا (كما فعل سبيروس بخصوص وجود الرمان، 40F). وفي هذه الحالة، سيكون من الصعب أيضاً معرفة قدر اختلافه عن الشكَّاك الذي يتخذ “المعقول” معيارا له (Sextus Empiricus, 69B).

 

  1. الأخلاق

من نواح كثيرة، فإن الأخلاق الأرسطية توفر نموذجا لتخطيط التعليم الأخلاقي في المدارس الهلنستية. يجب على المرء أولا أن يعين الهدف أو الغاية (telos) من الحياة. وقد يماثل ذلك الوصف الوجيز على غلاف الكتاب، أو وصف لدورة دراسية عن المذاهب الفلسفية المتنافسة ـ والتي تتباين بنحو جذري حول تقديم الخصائص المطلوبة.

يخبرنا قليل من التفكر إن هدفنا جميعا هو السعادة، أو الرفاهية (eudaimonia). لكن، ما هي السعادة؟ كانت إجابة الأبيقوريين بسيطة بنحو مخادع: الحياة السعيدة هي التي تتصف بأنها الأكثر إمتاعا. (غير أن ما ذهبوا إليه عن ما تتحقق به المتعة القصوى لم يكن بسيطا على الإطلاق). جاءت إجابة زينون بأنها “التدفق الجيد للحياة” (Arius Didymus, 63A) أو “العيش في توافق” و يوضح كلينثيس هذا في عبارته بأن الغاية هي: “العيش في توافق مع الطبيعة” (Arius Didymus 63B). وتوسع كريسيبوس في هذا (من بين العديد من الصياغات) قائلا إنها: “العيش وفقا لخبرتك بما يحدث بفعل الطبيعة”. قام الرواقيون الجدد، بنحو يجانب الصواب، تحت ضغط الهجوم الأكاديمي، باستبدال الصيغ السابقة بأخرى مثل: “الاختيار العقلاني للأشياء الأولية وفقا للطبيعة”. لا يمكن فهم تحديد الرواقيين لطبيعة السعادة جيدا بمعزل عن آرائهم في القيمة وعلم النفس البشري.

أفضل طريقة للولوج إلى دغل الأخلاق الرواقية، يكون عن طريق السؤال: ما هو الخير، حيث تتفق جميع الأطراف على أن حيازة ما هو خير حقيقي يؤمِّن سعادة المرء. يدعي الرواقيون أن كل ما هو خير لابد وأن يفيد فاعله تحت كافة الظروف. غير أن هناك مواقف لا يكون من الخير لي فيها أن أكون بصحة جيدة، أو ثرياً. (يمكننا وضع ذلك في مثال: لو أني أمتلك مالا وأشتري به الهيروين، فلن يكون ذا نفع لي). هكذا، فإن أشياء مثل النقود، ببساطة، لا تكون خيرا، رغم ما يقول معظم الناس، ويطلق عليها الرواقيون: “محايدة” (Diog. Laert., 58A) ـ بمعنى: ليست خيرا أو شرا. الأشياء الخيرية الوحيدة هي خصائص التفوق، أو الفضائل البشرية (أو العقول الإنسانية): الحصافة أو الحكمة، والعدالة، والشجاعة والاعتدال، والصفات الأخرى الشبيهة بذلك. تلكما أول “مفارقتين رواقيتين” واللتين بحثهما شيشرو في عمله القصير بهذا العنوان: إن ما هو نبيل أو راقٍ أو خير أخلاقي (Kalon) هو خير مطلق، وأن امتلاك (وممارسة) الفضائل، كلاهما ضروري وكاف للسعادة. غير أن الرواقيون ليسوا ممن يهوون التناقض، بحيث أن يكون لديهم الاستعداد للقول إن تفضيلي للثراء على الفقر، في معظم الأحوال، لا أساس له من الصحة. إنهم يميزون بين ما هو خير وبين الأشياء ذات القيمة (axia). بعض الأشياء المحايدة، كالصحة أو الثروة، ذات قيمة، وبالتالي، يتم تفضيلها، حتى لو لم تكن خيرة، لأنها عادة ما تكون ملائمة، ومناسبة، أو متوافقة (oikeion) لنا.

الباعث، كما ذُكر آنفا، هو حركة الروح تجاه الموضوع. رغم أن هذه التحركات موضوع للقدرة على القبول لدى الكائنات العقلانية، فالباعث يتحقق في كل الأشياء المتحركة (حركة ذاتية) من لحظة ولادتها. الباعث لدى المخلوقات ذات الأرواح هو تجاه ما هو ملائم لها، أو يعينها في الحفاظ على نفسها، وليس تجاه ما هو ممتع، كما ادعى الأبيقوريون. وبما أن العالم بأسره متجانس مع العقل الكلي، الذي هو الله، فإن كل جزء منه ينشأ بشكل طبيعي، بحيث يسعى نحو ما هو مناسب أو ملائم له، مثلما هو الحال مع أجزاء أجسادنا؛ التي تتآلف لتحفظ نفسها، والكل الذي تُكوِّن أجزاءه. إن المذهب الرواقي في الارتباط الطبيعي بما هو ملائم (oikeiôsis) مما يوفر الأساس في الطبيعة لتنظيم موضوعي للتفضيلات، يقوم، على الأقل، على أساس واضح. الأشياء الأخرى تتساوى، فإن الصحة مفضلة بنحو موضوعي عن المرض. يسمي الرواقيون الأشياء التي يتم تجاوز تفضيلها في ظروف نادرة للغاية: “أشياء وفق الطبيعة”. مع نضوجنا، نكتشف أشياء هي وفق طبائعنا. ونحن أطفال، ربما ندرك فقط أن الطعام والدفء مناسبان لنا، ولكن مع نضج الإنسان العقلي، فإن هناك أشياء أكثر من تلك الضروريات الأولية تكون ملائمة لنا. إن المصطلح اليوناني “oikeion” لا يعني ما هو ملائم فحسب، ولكن ما هو مجانس للذات أيضا، ويقوم على علاقة طبيعية للميل النفسي. هكذا، فإن الأقرباء بالدم هم ـ أو على الأقل، يجب أن يكونوا ـ oikeioi . بحسب هذا المعنى، فإننا، إلى حد ما، نصل في نهاية الأمر إلى إدراك ـ أو عل الأقل، ينبغي لنا ذلك ـ أن الآخرين من البشر، هم ملائمون لنا، طالما أنهم عقلانيين. إن اقتباس شيشرو عبارة ترنتيوس:”ليس هناك إنسان غريب بالنسبة لي”، في كتابه On Duties 1.30 [عن الواجبات] يردد هذه الفكرة. ليس العقلاء من الناس هم وحدهم الملائمين لنا، لكن أيضا الكمال الخاص بطبائعنا العقلانية. ولأن الرواقيين يحددون الفضائل الأخلاقية بالمعرفة، وبالتالي، فإن طبائعنا العقلانية، التي هي خيرة بنحو أصيل، ملائمة لنا أيضا. إذن، فإذا مضت التطورات الأخلاقية والعقلية لنا، كما ينبغي، فسوف نتطور من مرحلة تقدير الطعام والدفء، إلى تقدير العلاقات الاجتماعية، وتقدير الفضائل الأخلاقية. سندرك بنحو مثالي، أن إدراك القيمة التي تحوزها الفضيلة الأخلاقية، ينتمي إلى نظام مختلف عن تلك الأشياء التي انجذبنا إليها بنحو طبيعي  في مرحلة سابقة. حينئذ، سنصل إلى حال نرى فيها أن الفضيلة هي الخير الوحيد.

هل هذا هو كل ما يتعلق بالأخلاق الرواقية؟ بعض الكتَّاب، مثل أنَّاس (1993)، يفترض أن الفلسفة الأخلاقية الرواقية تطفو متحررة، بنحو كبير، من الميتافيزيقا الرواقية، وبشكل خاص، من اللاهوت الرواقي. بينما يفترض كتَّاب آخرون، مثل كوبر (2996، و2012) أن فلسفة الأخلاق الرواقية تتشابك، بقدر كبير، بالميتافيزيقا الرواقية. تسترعي القراءة الأخير انتباهنا إلى حقيقة أن الكشف عن خطة العناية الإلهية عقلانية (وبالتالي ذات نفع) بكل معنى الكلمة، بالتالي، وبمعنى ما، فإن ما سيحدث لي بحسب تلك الخطة، يجب أن يكون ملائما لي، مثل الطعام، والدفء، وأولئك الذين تربطني بهم علاقات اجتماعية حميمة.

إذا ما أخذنا عقلانية النظام الكوني في الاعتبار، يمكننا فهم الصياغات الرواقية للهدف أو الغاية. “العيش في توافق مع الطبيعة” قُدِّر له العمل في مستويات متنوعة. حيث أن الطبيعة خاصتي أن تكون الصحة والثروة ملائمين لي (وفقا لطبيعتي)، فيما تتساوى الأمور الأخرى، فيلزمني أن أختارهما. من ثم، فإن صيغ الغاية، بحسب تأكيد متأخري الرواقية، هي فكرة أن السعادة تتمثل في الاختيار العقلاني للأشياء وفقا للطبيعة. لكن، علينا الأخذ في الاعتبار تحذيرا مهما؛ الصحة والثروة ليسا هما وحدهما ما يلائمني، بل كذلك موجودات عقلانية أخرى، ومن غير المنطقي اختيار شيء ملائم لي دون اعتبار لتأثير ذلك الاختيار على الأشياء الأخرى الملائمة لي كذلك. ذلك كان السبب وراء الصياغات المتأخرة، التي تؤكد على أن السعادة تتكون من الاختيار العقلاني للأشياء وفقا للطبيعة. لكن إذا ما واجهني خيار بين ازدياد ثروتي (وهو الأمر الملائم بديهة لطبيعتي) وبين الحفاظ على صحة شخص آخر (وهو الأمر الملائم لشيء ما يلائمني. أي: كائن عقلاني آخر) فأي اختيار يكون هو الاختيار العقلاني؟ يجيب الرواقية عن ذلك بأنه الاختيار الذي يتسم بكونه عقلاني وطبيعي، بمعنى: الاختيار، الذي أستطيع أن اخبر، من حيث خبرتي بمسار الطبيعة (انظر صيغة كريسيبوس للغاية، والمذكورة آنفا، 63B)، إنه الأكثر موافقة للكشف عن خطة الطبيعة العقلانية. العيش في توافق مع الطبيعة، بهذا المعنى، قد يتطلب الأمر أن أختار الأشياء التي لا تتلاءم تماما مع طبيعتي ـ حين تُعتبر تلك الطبيعة بمعزل عن تلك الظروف الخاصة. هنا يذكر كريسيبوس ملاحظة عما إذا كان ما ستريده قدماه، إذا كانتا تملكان وعيا، سيكون ملائما.

طالما أن المستقبل غير مؤكد بالنسبة لي، فدائما ما أتمسك بتلك الأشياء التي يسهل التكيف معها، من أجل الحصول على الأشياء المتوافقة مع الطبيعة، إذ أن الرب نفسه جعلني مهيأ لاختيارها. لكن إن علمت أني قٌدِّر عليَّ المرض الآن، فسيكون لدي الحافز على أن أكون مريضا. بالنسبة لقدميَّ أيضا، إذا ما ملكت إدراكا، فسيكون لديها الحافز على أن تتلطخ بالوحل. (إبكتيتوس، 58J)

 يتعين علينا، نحن أيضا، باعتبارنا أجزاء عقلانية من الطبيعة، أن نختار وفقا لما سيحدث فعلا (شريطة أن يكون بوسعنا معرفة ما الذي سيكون ـ وهو ما يندر تحقيقه، فنحن لسنا آلهة، والنتائج غير مؤكدة بالنسبة لنا) وبما أن ذلك كله خير وعقلاني: عندما لا نكون قادرين على معرفة النتيجة، يتعين علينا أن نختار وفقا لما هو مألوف، أو وفق المقصد المعتاد للطبيعة، كما يمكننا أن نرى من خبرتنا بما يحدث عادة في مسار الطبيعة. لكن في الظروف القصوى، على أية حال، يمكن، على سبيل المثال، أن يكون اختيار إنهاء حياتنا بالانتحار متوافقا مع الطبيعة.

وقد كان التركيز حتى الأن على عنصر واحد فقط من عناصر الصياغة الرواقية،  لهدف أو غاية الحياة: إنه “الاختيار العقلاني للأشياء، وفقا للطبيعة”. الشيء الآخر الذي يجب التأكيد عليه هو أن الاختيار العقلاني ـ وليس نيل ـ لهذه الأشياء هو ما يشكل السعادة. (إن الرواقية تمثل التمييز بين الطريقة التي ينبغي لنا بها أن نختار الصحة كمقابل للفضيلة، حين أقول: إنني أنتقي (eklegomai) المحايد المفضَّل،  لكنني أختار (hairoûmai) العمل الفاضل). على الرغم من أن الأشياء الموافقة للطبيعة تتضمن نوعا من القيمة (axia) التي تؤسس لعقلانية تفضيلها (كون الأشياء الأخرى متساوية) ، وهذا النوع من القيمة لا يشكل الخيرية. من وجهة نظر السعادة، فإن الأشياء، وفقاً للطبيعة، تظل محايدة. إن ما يهم بالنسبة لسعادتنا، هو إذا كنا نختارها بعقلانية، وكذلك، كما تبين لنا، فإن هذا يعني اختيارها وفقاً للطريقة الفاضلة المتعلقة بها (والعمل الفاضل نفسه). المؤكد أن أحد الدوافع لهذا هو رفض حتى الدور المحدود الذي تلعبه الخيرات والحظ في الأخلاق الأرسطية. ووفقاً لنظرية “بيريبتيكس”؛ فإن الحياة السعيدة هي الحياة التي يمارس فيها المرء الفضائل الأخلاقية والنظرية. ولكن لا يستطيع المرء ممارسة فضيلة العطاء(Nic.Eth.IV.I) دون أن يكون حائزا  لبعض، بل حتى الكثير من المال. تدعي الرواقية، على النقيض من ذلك، أنه طالما أنني أرتب (وأعبر عن) تفضيلاتي وفقاً لطبيعتي، وطبيعة العالم، فسوف أكون إنسانا صالحا وسعيدا، حتى لو لم أحصل بالفعل على الأشياء التي أفضلها. ورغم أن هذه الأمور تتلاءم عادة معي، فإن الاختيار العقلاني أكثر ملاءمة أو مجانسة لي، وطالما كان لدي ذلك، كانت طبيعتي تامة. إن كمال الطبيعة العقلانية للمرء هو شرط كونه فاضلا، وممارسة ذلك، وهذا وحده، وهو الخير. وحيث أن امتلاك ما هو خير كاف للسعادة، فإن الفضلاء يصبحون سعداء، حتى لو لم يتمكنوا من الحصول على الأشياء المحايدة المفضلة، التي يختارونها.

قد يذهب المرء إلى الاعتقاد أن هذا إساءة استخدام لكلمة “السعادة” (أو ستكون كذلك، إذا ما كان الرواقيون يتحدثون الإنجليزية). نحن نميل إلى الاعتقاد (ويمكن القول إن حديث اليونان عن eudaimonia سينحو إلى هذا الميل أيضا) بأن لا علاقة للسعادة بالحصول على ما تريد، كما أنها ليست مجرد ترتيب مطالب المرء عقلانيا، بغض النظر عما إذا كانت مُرضية أم لا. وكثيرا ما يستسلم الناس لإغراء مشابهة الموقف الرواقي بأحد تأويلات (يتصاعد النزاع حوله) فلسفة أخلاق كانط. في هذه القراءة، فإن العمل بحسب الدافع المناسب، هو الشيء الوحيد الخيِّر ـ لكن كونه خيرا، بهذا المعنى، فلا علاقة له البتة بالسعادة.

فيما يتعلق بالفكرة الأولى، فإن الحكمة الرواقية عادة تختار الأشياء المحايدة المفضلة، وتختارها على ضوء من معارفها بالكيفية التي يعمل بها العالم. وفي بعض الأحيان ستجعل الظروف الأمر عقلانيا باختيار شيء يتصف بأنه (بشكل عام) مناقض للطبيعة (مثل: أن يقطع المرء يده من أجل التصدي لطاغية). غير أنها ظروف نادرة، ولن تكون الحكمة مرهقة بالمعتقدات الزائفة الأخرى، التي ترى في فعل البتر الذاتي أمرا سيئا بنحو أصيل: الرذيلة فقط هي السيئة بنحو أصيل. في أغلب الأحوال، فإن معرفتها بالطبيعة وبالآخرين من الناس، وأنها ستنال الأشياء التي اختارتها. إن موقفها الإيجابي المشروط تجاه تلك الأشياء، سيعني أنها لن تبالي، حين تتآمر الظروف لجعلها تعتقد أن موضوع اختيارها ليس مضمونا. إنها ترغب في الثراء، إذا ما كان قدرها أن تكون ثرية. توضح هذه الأفكار الطريقة التي بها يكون الشخص الفاضل مكتفيا ذاتيا (autarkês) ويبدو أن هذا عنصر مهم في فكرتنا البديهية عن السعادة. فالشخص السعيد حقا، لا يشعر بالحاجة إلى شيء، ويتمتع بنوع من الاستقلال عن تقلبات الحظ. إلى هذا الحد، على الأقل، فإن الرواقي لا يستخدم كلمة “السعادة” لحالة لا علاقة لها البتة بما نقصده بها عادة. وفيما يتعلق بالفكرة الثانية، فلن تجد الحكمة الرواقية نفسها أبدا في موقف بحيث تفعل بنحو مضاد لما يطلق عليه كانط الهوى أو الرغبة. الشيء الوحيد الذي تريده، بلا قيد أو شرط، هو أن تحيا حياة فاضلة. كل ما تفضله بنحو مشروط خاضع لمفهومها عن الخير الأصيل. هكذا، فلا مكان للصراع بين الواجب والسعادة، حيث يُنظر إلى السعادة، فحسب، من حيث أنها إشباع لرغباتنا. يقدم شيشرو نقاشا ممتعا، وإن لم يكن دقيقا تماما، لمسألة ما إذا كانت الفضيلة كافية للسعادة في كتابه مناقشات توسكيولان، الكتاب الخامس.

كيف تترجم هذه الاعتبارات العامة، حول الغاية من الحياة، إلى تقييم للأفعال؟ عندما أقوم بتصرف  يتوافق مع طبيعتي، وهناك سبب وجيه له، عندئذ، فإني أقوم بما تسميه الرواقية (LS) “عمل ملائم” (kathêkon, Arius Didymus,59B) ـ شيء “يقع لي” أن أفعله. من المهم ملاحظة أن الحيوانات والنباتات غير العقلانية تقوم بوظائف مناسبة أيضا (Diog. Laert., 59C). يبين ذلك قدر الأهمية الموضوعة على فكرة ما يتوافق مع طبيعة المرء، بعبارة أخرى، “النشاط المترتب على طبيعة الشيء”. كما تبين الفجوة بين الوظائف الملائمة والأفعال الصحيحة أخلاقيا، وبالنسبة للرواقيين، مثل معظم الفلاسفة المعاصرين، فإنهم يرون أن الحيوانات لا تملك التصرف أخلاقيا أو لا أخلاقيا ـ وبالأحرى النباتات.

توجَّه معظم المهام الملائمة نحو تأمين الأحوال الموافقة للطبيعة. هكذا، إذا اعتنيت بجسدي، فتلك مهمة ملائمة. تقسم الرواقية المهام الملائمة إلى تلك التي لا تعتمد على الظروف ، وأخرى تعتمد عليها. إن رعاية المرء لصحته، يقع ضمن الأمور الأولى، بينما يقع تشويه المرء لنفسه ضمن الأمور الأخرى (Diog. Laert., 59E). ويبدو أن تلك محاولة لإيجاد مجموعة من الواجبات المقبولة بداهةً، والتي تقوم على أساس من طبيعتنا. إذا تساوت الأمور الأخرى، فإن رعاية صحة المرء تشكل مسار فعل يتوافق مع طبيعته، وبالتالي، فهذا مما يمكن إعطاء سبب وجيه له. مع ذلك، هناك ظروف يمكن فيها تقديم سبب أفضل لتشويه المرء نفسه ـ مثال ذلك:  إذا كانت تلك هي الوسيلة الوحيدة التي تمنع بها فاجين من إجبارك على السرقة من أجله.

بما أن كلا من الناس العاديين والحكماء الرواقيين يعتنون بصحتهم، إلا في بعض الظروف الاستثنائية، فإن كلاهما، يؤدي المهام الملائمة. تصبح المهمة الملائمة إجراء صحيحا (katorthôma) فقط حينما تؤدَّى بإتقان كفعل من نمط معين تنتمي إليه، وأن تؤدَّى بنحو صالح. في تراث النظرية الأخلاقية السقراطية، يعتبر الرواقيون الفضائل، مثل الشجاعة والعدالة، إلى آخره، كمعرفة أو علم تنطوي عليه الروح، يتعلق بالكيفية التي نحيا بها. وهكذا، فإن فضيلة معينة، مثل الاعتدال، يتم تعريفها بأنها “العلم (epistêmê) بما يجب اختياره، وبما يجب تجنبه، وبما لا يكون أي منهما” (Arius Didymus, 61H) بنطاق أوسع، الفضيلة هي: “مهارة (technê) تهتم بمجمل الحياة” (Arius Didymus, 61G). ومثل الأشكال المعرفية الأخرى، فإن الفضائل خصائص لقدرة قيادة الروح، والتي تتسم بالثبات وعدم التغير. التشابه الآخر مع الأخلاق السقراطية؛ أن الرواقيين يرون أن الفضائل مجرد حالة واحدة للروح (Plutarch, 61B, C, Arius Didymus, 61D). فلا يمكن لأمرئ أن يتحلى بالاعتدال دون أن يكون عادلا، وشجاعا ولبيبا في الآن ذاته ـ إضافة إلى ذلك، “كل من يقوم بفعل وفق فضيلة منها، فإنما يقوم به وفقها جميعا” (Plutarch, 61F). عندما يقوم الشخص الحائز لفضيلة ما، وبالتالي الحائز لجميع الفضائل، بأي فعل ملائم، فإنه يقوم بنحو متوافق مع الفضيلة، أو بنحو فاضل (أي: متوافق مع جميع الفضائل)، وهذا يجعل الفعل صحيحا، أو مهمة تامة. الرابط هنا، بين المهمة التامة، والمهمة الفاضلة يكاد يكون تحليليا في التنظير الأخلاقي اليوناني. الفضائل هي السمات التي تجعل من الشيء صالحا في نوعه، أو تسمح له بأداء مهمته على نحو تام. لذلك، فإن الأفعال التي تؤدَّى في توافق مع فضيلة ما، هي أفعال تمت بشكل جيد. يستنتج الرواقيون من ذلك أن الشخص الحكيم (وبالتالي الشخص الفاضل) يقوم بكل شيء في إطار العمل الأخلاقي بشكل جيد (Arius Didymus, 61G).هذا من شأنه أن يجعل الأمر يبدو أقل غرابة مما بدا عليه في البداية، حيث جاء أن الفضيلة كافية وحدها للسعادة. إضافة إلى ذلك، بما أن الفضيلة نوع من المعرفة، وليس هناك حالة إدراكية بين المعرفة والجهل، فإن هؤلاء الذين لا يملكون الحكمة يفعلون كل شيء بشكل سيء. بتعبير دقيق، ليس هناك ما يسمى بالتقدم الأخلاقي بالنسبة للرواقيين (إذا كان يعني التقدم في إطار الأخلاق)، وقد قدموا تصويرا رائعا بالغرق لتوضيح فكرتهم؛ فالشخص الغارق تحت الماء بمقدار ذراع، يغرق تماما كمن تحت الماء بمقدار خمس مائة قامة (Plutarch, 61T). بالطبع، وبالقياس، من الممكن أن يكون المرء أقرب أو أبعد من حال القدرة على أداء المهام الملائمة. بهذا المعنى، يكون التقدم ممكنا.

أخيراً، نحن في وضع يسمح لنا بفهم وتقييم وجهة النظر الرواقية حول العواطف، حيث أنها نتيجة لوجهات نظرهم حول الروح والخير. ربما كان من الأدق أن نسميها وجهة نظر الرواقية في العواطف، على الرغم من أن هذا المصطلح قديم بعض الشيء. والعواطف أو pathê ، هي حرفياً: “أشياء يمر بها المرء”، وينبغي أن تغاير الأفعال أو الأشياء التي يقوم بها. وعلى هذا فإن الفكرة بأن على المرء أن يكون “غير مبالٍ”، بمعناها الأصلي الهيليني ، ليست كالفكرة بألا تبالي بأي شيء، وإنما بالأحرى بأنه لا ينبغي لك أن تخضع نفسياً لأي شيء ــ حيث يتم التلاعب به وتحريكه، بدلاً من أن تكون على قدر كبير من النشاط والإيجابية في السيطرة على ردود أفعالك واستجاباتك للأشياء عند  حدوثها أو احتمال حدوثها. ويتضمن ذلك نوعا من الاكتفاء الذاتي الكامل. ويميز الرواقيون بين عاطفتين رئيسيتين: الشهوة والخوف. وتنشأ بحسب ما يبدو لنا كأمر جيد أو سيئ. وهي ترتبط بعاطفتين أخريين: المتعة والحزن. وهي تنتج عندما نحصل على، أو نفشل في تجنب موضوعات العاطفتين الأوليين. إن ما يميز حالات النفس هذه عن الدوافع الطبيعية؛ هو أنها “نزعات مفرطة لا تخضع للعقل” (Arius Didymus, 65A). جزء مما يعنيه ذلك: أن خوف المرء من الكلاب قد لا يزول مع الإدراك العقلي أن هذا الكلب الأعمى، ذي 16 عاما، و3 أرجل، من نوع كلاب الصيد يوركشاير، لا يشكل تهديدا لك. ولكن هذا ليس كل شيء. إذ يسمي الرواقيون شعورا مثل الحزن بأنه اعتقاد حالي مفاده أن شيئاً سيئاً موجود (Andronicus, 65B): ربما كنت مسروراً للغاية عندما رأيت في بداية الأمر أنك قد فزت بالسباق، ولكن بعد فترة من الوقت، عندما لا يكون انطباع النصر جديداً، قد يخبو هذا الشعور. ونتذكر أن الفكرة تطابق انطباعا زائفا. مع الأخذ في الاعتبار بوجهة نظر الرواقيين بشأن الخير والشر، باعتبارها مقابلة للأشياء المحايدة فحسب، فإن المرة الوحيدة التي يتعين علينا فيها أن نقبل بالانطباع بأن شيئاً سيئاً موجود؛ حين يكون هناك شيء قد يهدد فضيلة المرء، لأن هذا وحده أمر جيد. وبالتالي فإن كل المشاعر تنطوي على عنصر تقدير قيمة زائف. ولكن تلك أحكام خاطئة لا يمكن فصلها عن التغيرات الفسيولوجية في النَّفَس والذي يشكل عنصر المرء المتحكم. ويصف الرواقيون هذه التغيرات كانكماش (مثل الخوف) أو تضخم (مثل البهجة)، جزء من السبب الذي يجعلهم يموضعون العنصر المسيطر في القلب (بدلا من الرأس، كما فعل أفلاطون في محاورة طيماوس، والعديد من الكتاب الطبيين) لأنه يبدو موضع تبدِّي الإحساسات المادية، التي تصاحب المشاعر مثل الخوف. لا شك أن معرفة هذه الفكرة الفسيولوجية أمر ضروري لمنح نظريتهم المعقولية. ومن الداخل فإن حكم القيمة ـ حتى ولو كان مثل “هذه التهديد بعضة كلب وشيكة سيكون شرا” ــ قد لا يشعر في كثير من الأحيان بمثل هذه الحالة الشعورية كالخوف. ولكن عندما يكون الحكم قويا، وكذلك يمر العنصر المتحكم بمثل هذا التغيير، يستطيع المرء بسهولة أن يرى أن الأحاسيس المميزة قد تصاحب الحكم لا محالة.

هناك اعتراض واضح آخر على النظرية الرواقية، وهو أن الشخص الذي يشعر بالخوف، ولنقل من طيور الحمام، قد لا يرى أنها خطيرة. ونحن نقول إنه يدرك تماما أن طيور الحمام ليست ضارة، ولكن لديه خوف غير عقلاني. قد يُعتقد، في مثل هذه الحالة، أن الحكم الذي يعتقد الرواقيون أنه جوهري للمشاعر مفقود . وهنا يلجؤون إلى فكرة أن العاطفة عبارة عن اهتياج العنصر المتحكم. ففي لحظة واحدة، يحكم العنصر المتحكم لديَّ (بحق) أن طيور الحمام ليست خطيرة، ولكنه في لحظة تالية يقبل الانطباع بأنه خطر، ومن هذه القبول للحكم يتدفق الباعث المفرط مبتعدا عن طائر الحمام الذي هو مصدر خوفي. هذا التبديل في القبول يحدث مرارا وتكرارا، وبسرعة، بحيث يبدو أن الخوف يتملك المرء دون حصول  الحكم الضروري لذلك، ولكن في الواقع أنت تقوم بذلك، ثم تسحبه، وبمرور الوقت تنغمر في ذلك الشعور (Plutarch,65G).

من المهم أن نضع في اعتبارنا أن الرواقيين  لا يعتقدون أنه يجب التخلص من جميع البواعث. إن ما يميز البواعث الطبيعية أو الرغبات عن العواطف هو فكرة أن الأخيرة مغالية وغير عقلانية. يقدم لنا جالين توضيحا لطيفا للفرق (65J). نفترض أنني أريد أن أركض، أو، بحسب مصطلحات الرواقية، لدي الباعث على الركض. إذا ركضت على منحدر حاد، فقد لا أستطيع التوقف، أو تغيير اتجاهي استجابة لباعث جديد. يصبح الركض مفرطا بالنسبة إلى الباعث الأولي. وتتميز العواطف عن البواعث المعتادة، إلى حد كبير، بنفس الطريقة: فهي تتمتع بنوع من الزخم الذي يتجاوز به المرء سلطة العقل. إذا، على سبيل المثال، كنت منغمرا في الرغبة (شغف عاطفي يندرج تحت الشهوة)، فقد لا تفعل، ما قد تحكم عليه، في ظل ظروف أخرى، بأنه الشيء المعقول.

حتى في العصور القديمة كان الرواقيون موضع سخرية بسبب أفكارهم حول العواطف. ووصفهم بعض النقاد بأنهم  رجال من حجر. ولكن هذا ليس عادلاً تماماً، ذلك أن الرواقيين سمحوا للحكيم بتجربة ما يسمونه بالمشاعر الطيبة (eupatheiai, Diog. Laert. 65F). ومن بين هذه المشاعر: البهجة، واليقظة، والتمني، وهي تتميز عن نظيراتها السلبية (المتعة، والخوف، والشهوة) في أنها معقولة ولا تتسم بالمغالاة. بطبيعة الحال، لا يوجد نظير إيجابي للكرب. و الأنواع التي تندرج في التمني: اللطف، والكرم، والدفء. إن الشعور الطيب مثل الشفقة، هو امتداد أو توسع معتدل ومعقول للروح، يفترض أن يكون الدافع إليه هو الحكم الصحيح بأن الكائنات العقلانية الأخرى ملائمة للذات.

انصبت الانتقادات التي وجهت للنظرية الرواقية عن العاطفة، في العصور القديمة، على مسألتين: الأولى: ما إذا كانت العواطف، حقا، أنشطة للروح العقلانية. دافَعَ الكاتب الطبي والفيلسوف جالين عن الرواية الأفلاطونية للانفعالات باعتبارها نتاج جانب غير عقلاني من الروح.  وكذلك انتقد الفيلسوف الرواقي بوسيدونيوس، في القرن الأول قبل الميلاد، مذهب كريسيبوس في سيكولوجية الانفعالات، وطور موقفاً اعترف فيه بتأثير شيء مثل الأجزاء غير العقلانية عند أفلاطون. أما الاعتراض الآخر على المذهب الرواقي: فقد صدر عن فلاسفة ينتمون إلى التراث الأرسطي. الذين الحكم، كالرواقيين، مكونا من الانفعالات. ولكنهم زعموا أن الحياة السعيدة تتطلب الاعتدال في المشاعر، وليس إخمادها بالكلية. وتتناول مناقشات توسكولان، لشيشرو، الكتابان الثالث والرابع، التساؤل حول ما إذا كان ممكنا ومرغوبا أن يتخلص المرء من العواطف.

 

  1. التأثير

1.6 التأثير في الثقافة والسياسة اليونانية

قد لا يكون لدى رجل الشارع اليوناني أي فكرة عن أفكار أفلاطون أو أرسطو. غير أن مؤسس المدرسة الرواقية، بأية حال، قد نُصب له تمثال في أثينا، على نفقة الشعب، نقرأ بعضا مما كُتب عليه:

إذ كرَّس زينون من سيتيوم، ابن مناسياس، نفسه، لسنوات عديدة، للفلسفة في المدينة،  بالإضافة إلى قيمته في الجوانب الأخرى، يحض على الفضيلة والاعتدال، الشباب الذين جاءوا ليتعلموا على يديه، ووجههم إلى ما هو أفضل، وكان، في سلوكه الخاص، قدوة يتأسى بها الجميع، ومتسق تماما مع تعاليمه … Diog. Laert. 7.10-11,tr. Hicks))

بطبيعة الحال، لم يكن مواطنو أثينا ليكرِّموا زينون من أجل حياة أمضاها وفقاً لمبادئه الفلسفية ما لم تكن هذه المبادئ معروفة لعامة الناس. وبما أن الرواقيين قد اجتمعوا، وناقشوا وعلَّموا الفلسفة في الأماكن العامة، كان المضمون العام لفلسفته معروفاً على نطاق واسع. أصبحت الرواقية “فلسفة شعبية” بنحو لم تحققه الأفلاطونية ولا الأرسطية. ويرجع هذا جزئياً إلى أن الرواقية، مثل منافسها؛ المذهب الأبيقوري، طرحت المسائل التي يهتم بها أغلب الناس، بأسلوب مباشر وعملي للغاية. إنها تخبرك كيف ينبغي أن تنظر إلى الموت، والمعاناة، والثروة الضخمة، والفقر، والسلطة على الآخرين، والرِّق. وفي السياق السياسي والاجتماعي، للفترة الهلنستية (حيث يمكن للمرء أن ينتقل بين هذين النقيضين في وقت قصير للغاية) وفَّرت الرواقية حصنا نفسيا ضد الحظ السيئ.

وعلى الصعيد السياسي، كانت لأسرة أنتيجونيد (التي حكمت اليونان ومقدونيا بعد وفاة الإسكندر بقليل وحتى عام 168 ق.م.) صلات مع الفلاسفة الرواقيين. وزُعم أن أنتيجونوس جوناتاس كان تلميذا لزينون من سيتيوم. وطلب أن يعمل زينون كمعلم لابنه، ديمتريوس، ولكن زينون اعتذر عن ذلك؛ على أساس أنه كان كبيرا في السن، بما لا يحتمل معه أعباء وظيفة. وكان الرجل الذي أرسله بدلاً منه؛ بيرسيوس، متداخلا بشدة في شؤون  البلاط، وحسب بعض المصادر، مات في معركة في كورينثة، في خدمة أنتيجونوس. وكان هناك شخص هيلينستي آخر، قوي النفوذ، وهو كليومينيس الأسبرطي، كان قد اتخذ من الفيلسوف الرواقي سفايروس واحدا من مستشاريه. وكان البعض ينظر إلى الإصلاحات التي تم إدخالها في إسبرطة (بما في ذلك منح الجنسية للأجانب وإعادة توزيع الأراضي) باعتبارها إصلاحاً اجتماعياً رواقيا، رغم أنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإصلاحات تشكل أداة للسلطة التي يستخدمها كليومينيس. (للاطلاع على رأي واحد، انظر Erskine  1990، الفصل 6، وللاطلاع على وجهة نظر أكثر تهكما، انظر Green 1990، الصفحة 248 وما يليها).

 

2.6 في “الرواقية الوسطى”

الرواقية الوسطى، مصطلح يُستخدم ليشمل أعمال الفلاسفة الرواقيين المتأخرين، ومن بينهم أنتيباتروس من ترسوس (توفي 130/129 ق.م.)، وبانيتياس (توفي 110/109 ق.م.)، وبوسيدنيوس (توفي ~45 ق.م.) كانت النظام المدرسي الأول في الرواقية الوسطى يميل إلى التأكيد على درجة الانقطاع بينه وبين “الرواق القديم”. من المؤكد أن ثمة تطور في الأفكار الرواقية مع هؤلاء الفلاسفة، وخلافات مع الرواقية القديمة. وهكذا، على سبيل المثال، كان أنتيباتروس أكثر إيجابية بخصوص مسألة الزواج والأسرة من كريسيبوس. وبوسعنا، في العديد من الحالات، أن نعزو اختلاف الرواق الأوسط عن القديم، إلى الرغبة في دمج ما اعتبره هؤلاء الكُتَّاب صحيحا، مما ذهبت إليه مدارس فلسفية أخرى. وعلى نحو خاص، فإن هؤلاء الرواقيين تطلعوا إلى الأفلاطونية ، وبصورة خاصة إلى محاورة أفلاطون: “طيماوس“؛ راجع ريدامز شيلز (1999). وقد نفى بانيتياس فكرة وقوع الاحتراق الدوري من قبل فلاسفة الرواقية الأوائل (Van Staaten, fr. 65)، على الرغم من أن جالين قد ذكر خطأ أن بوسيدينيوس قد عاد إلى الروح ثلاثية الأجزاء لأفلاطون، وأنه رفض نظرية كريسيبوس العقلانية البحتة للعاطفة (في هذا التفسير، انظر سوروباجي 2000،  94وما يليها)،لكنه كان يعتقد بضرورة الاعتراف بالحركات غير العقلانية في الروح البشرية، التي تتناسب مع الشهوة والروح عند أفلاطون (انظر كوبر 1999، 449-84). وعلى الرغم من هذه الاختلافات, إلا أن بعض الأشياء الأخرى بقيت, رواقية تماما.

إن دليلنا على آراء فلاسفة الرواقية الوسطى يتألف من شذرات. وقد تم تضمين شهادة أنتيباتير في المجلد 3 من كتاب “شذرات رواقية قديمة” لمؤلفه فون أرنيم (1903-05). أما بالنسبة لبانيتياس، فانظر: فان ستاتن (1962) ولبوسيدونيوس، انظر: إدلشتاين وكيد (1972). ويحوِّم بانيتياس في خلفية واحد من أكثر الكتب تأثيرا في الفلسفة الأخلاقية، حتى أواخر القرن التاسع عشر: كتاب شيشرو في الواجبات On Duties ، أو في الالتزامات  De Officiis. في إحدى رسائله، إلى صديقه أتيكوس (XVI. 11.4) يقول شيشرو إنه أسس أول كتابين من أعماله على أطروحة بانيتياس التي تحمل الاسم نفسه. وربما كان هذا أساس اعتبار بعض المفسرين أن الفلسفة الأخلاقية للرواقية الوسطى أكثر “عملية” من فلسفة الرواقية القديمة، حيث يتم التركيز في كتاب في الواجبات على تحديد المهام الملائمة، في سياق بات من الواضح فيه أننا لا نتحدث عن حكيم رواقي معصوم. ولكن سيدلي (في إنوود، 2003) يلمح، بشكل صحيح، إلى أن أي عمل حول المهام الملائمة، سوف يكون له مثل هذا التركيز. وقد يكون دليلنا عينة غير تمثيلية من أعمال بانيتياس في الفلسفة الأخلاقية.

 

3.6 في الحياة السياسية الرومانية

في عام 155 ق.م. أرسلت أثينا وفدا من ثلاثة فلاسفة (رواقي، وشكَّاك أكاديمي، ومشَّائي) في سفارة إلى روما. تسببت تعاليمهم في إثارة ضجة بين المثقفين. ولقد خاطب الشكَّاك كارنياديس حشداً من الآلاف في يوم واحد، وذهب إلى أن العدالة خير حقيقي في ذاتها. وفي اليوم التالي اتخذ موقفا مضادا لافتراض أن من مصلحة العامل أن يكون راضيا بكل شيء بنفس القدر. أثار هذا العرض المبهر للمهارات الجدلية، بالإضافة إلى الشك المتأصل بعمق في الثقافة الفلسفية، ردة فعل متحفظة ضد جميع الفلاسفة اليونانيين، قاده كاتو الأكبر (234ـ 149 ق.م.) ومع ذلك، بحلول عام 86 ق.م. كانت روما مهيأة لاستقبال الفلسفة اليونانية بترحاب.

كان من الطبيعي أن يذهب رجل روماني طموح وثري مثل شيشرو (106 ـ 43 ق.م.) للدراسة في المدارس الفلسفية في أثينا، والعودة لنشر الفلسفة اليونانية بين مواطنيه الأقل في انفتاحهم على العالم. كان المذهب الأبيقوري الأكثر تفضيلا في صفوف المؤسسة العسكرية في روما، في حين كان المذهب الرواقي هو المفضل إلى أعضاء مجلس الشيوخ، وغيرهم من أصحاب النفوذ السياسي وجماعة المهتزين shakers. كان للعديد من الشخصيات السياسية الرومانية المرتبطة بيوليوس قيصر ونهاية الجمهورية الرومانية، روابط فلسفية متنوعة. ومن بين من ارتبطوا بالرواقية، كاتو الأصغر (95– 46 ق.م.( وماركوس جونيوس بروتوس (85–42). واعتنق تابع بروتوس القاتل، وأخيه غير الشقيق جايوس كاسيوس لونجينوس (85-42) الأبيقورية.(انظر سيدلي 1997 لدراسة أعمالهم في ضوء ولاءاتهم الفلسفية). كان بوسيدونيوس معروفا لحليف يوليوس قيصر أحيانا، وخصمه أحيانا، بومبي (106-48). زار بومبي بوسدونيوس في رودس أثناء حملاته في عامي 66 و62 ق.م. وكان لدى جايوس أوكتافيوس (الذي أصبح القيصر أوغسطس) معلم رواقي، هو أثينودوروس كالفوس.

 

4.6 في الفلاسفة الرومان

على النقيض من الدليل المؤلف من شذرات، والذي لدينا عن فلاسفة الرواقَين القديم والأوسط، فإن لدينا كتابات مهمة لعدد من الفلاسفة الرواقيين الرومانيين. كتب اثنان منهما باللغة اليونانية: إبيكتوس (حوالي 55 – 155 م)، والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس (121 – 180 م)، بينما كتب الثالث باللغة اللاتينية، وهو لوسيوس أنيوس سينيكا (4ق.م./65م). ومن بين الأعمال الأخرى للرواقيين الرومان، والتي لم يتم الحفاظ عليها بشكل جيد:  موسنيوس روفوس(25 ـ 90 م)،  وهيروكليس الرواقي (150 م. لا يجب الخلط بينه وبين فيلسوف الأفلاطونية الجديدة في القرن الخامس، الذي يحمل الاسم نفسه، وأنجز تعليقا على “أبيات فيثاغورس الذهبية”.

على الرغم من أن لدينا الكثير من الأدلة عن هؤلاء الرواقيين الرومان، إلا أن المدرسيين تعاملوا مع هؤلاء الفلاسفة ــ بخاصة سينيكا ــ باعتبارهم، في المقام الأول، مصادر دالَّة على الرواقية المبكرة. ومن حسن الحظ أن هذا الوضع قد تغير بشكل كبير خلال العقد الماضي، فاصبح ماركوس أوريليوس وسينييكا يقرآن كمفكرين مستقلين. (كان إبيكتيتوس يحظى دوماً باهتمام أكثر جدية). وفيما يلي، سوف أُلمح ببساطة إلى بعض الأعمال الممتازة، التي أُعتني فيها بالرواقية الرومانية. وقد أظهر العمل المفصل للمدرسيين مخاطر التعميم عن الرواقية الرومانية في مقابل الفلسفة الرواقية الأصلية لزينون، وكليانثس، وكريسيبوس. على الرغم من ذلك، قد لا يكون مجازفة بخصوص مُدخَل الموسوعة هذا، أن نقول ما يلي: (1) إن إبيكتيتوس، وسينيكا، وغيرهم من الرواقيين الرومان، أقل اهتماما بما يمكن أن نسميه النظرية الميتافيزيقية للعقل أو الروح، بالنسبة لعلاقتها بالجسد، وكانوا أكثر اهتماما بالجانب النفسي والأخلاقي للذات. لا يعني ذلك أن الرواقيين الرومان تراجعوا عن مادية الرواقية السابقة. بل كانوا أكثر اهتماماً بأفكار الفردية والهوية الذاتية. انظر جيل (2006)، وبنطاق أوسع: سورابجي (2006). (2) ربما، وربما لا، أن الرواقيين الرومان قد تراجعوا عن التمييز الأولي الصارم بين الحكماء (الذين يتصفون وحدهم بالحكمة، والفضيلة، والسعادة) وغيرهم من الناس (الذين يتساوون جميعا في اتصافهم بالجهل، والفساد، والتعاسة). لكن على أية حال، فإن الكتابات التي وصلتنا منهم تظهر اهتماماً أكبر بالمشاكل التي تواجه الشخص، في محاولته إحراز تقدم نحو الحكمة. إن الموضوع الرئيسي في برنامج البروفيسورة رايدم شيلز (2005) هو أن فكرتهم عن الذات توفر جسراً بين الحكيم الرواقي المثالي، والعالم الواقعي، الأقل مثالية، للمجتمعات والأُسَر. (3) في حين يبدو من غير المرجح أن يكون أي من الرواقيين الرومان قد تراجع عن الحتمية السببية، ومذهب التوافق بين الإرادة الحرة والحتمية في الرواقية القديمة، إلا أنهم كانوا أكثر اهتماماً بالفكرة النفسية للحرية. وهذا المفهوم المثالي للحرية يقف في موقف مناقض، ليس للسببية الكونية، بل للعبودية التي تفرضها الذات على نفسها، نتيجة لاعتبار الأشياء الخارجية كأشياء خيرية حقيقية. انظر ستيفنز (2007). (4) جزء كبير من كتابات الرواقيين الرومان يهتم بالكيفية التي يمكن بها للمرء أن ينتقل من الإدراك المجرَّد بأن الغضب، على سبيل المثال، خطأ، إلى حالة الحصانة من الغضب. وقد نظرت المدرسية المعاصرة في هذه التقنيات، غالباً تحت تسمية “التمارين الروحية”. مثال على ذلك: انظر القراءة المتأنية لتأملات ماركوس أوريليوس في كتاب هادوت (1998): “ضد تمثل أساليب “العلاج” العاطفي “للتمارين الروحية” المسيحية، انظر: كوبر 2012).

 

5.6 في المسيحية

من المؤكد أن الكتاب المسيحيين تقبلوا بعض عناصر المذهب الرواقي. هناك تشابه زائف بين القديس بول وسينيكا في الأناجيل الزائفة. هذا التزوير قديم جدا، لأنه أشير إليه في كل من كتاب جيروم (De viris illustribus 12)  وكتاب أوغسطين (الرسالة 153.4). ولكن حقيقة أن الخطابين لم يكتبا من قبل القديس بول أو سينيكا، لا تعني أن القديس بول لم يكن على علم بالفلسفة الرواقية، ولا أن فكره الخاص قد لا يكون مفهوماً في ارتباطه بالمذهب الطبيعي الرواقي. انظر: إنجبرج ـ بيدرسن 2000 . ويبدو أن تراث نظريات القانون الطبيعي في الأخلاق ينبع بشكل مباشر من المذهب الرواقي. (قارن شيشرو، دي ليجيبوس الأول، 18، مع كتاب متأخرين مثل: أكيناس في Summa Theologica II, 2, q. 94. ) ولكن من المؤسف أن أوغسطين اختار أن يتبع الرواقيين، بدلاً من الأفلاطونيين (حلفائه المعتادين بين الفلاسفة) فيما يتعلق بمسألة التحاق الحيوانات بالمجتمع الأخلاقي (مدينة الرب 120). سورابجي (2000)، في الجزء الرابع، يزعم أن الفكرة الرواقية عن التحرر من العواطف قد تم تبنيها وتحويلها إلى فكرة الخطايا السبع المميتة من قبل ايفاجريوس. بشكل عام، انظر: كوليش (1985)، للاطلاع على حضور الكتاب اللاتينيين خلال القرن السادس.

وقد نظر فيربيك (1983) في تأثير المذهب الرواقي على فكر العصور الوسطى. وبشكل عام، فإن التعامل مع الأفكار الرواقية، في سياق العقيدة الأرثوذكسية المسيحية، يتطلب الدقة. بينما تم الاتفاق، بين  الجميع تقريبا، على أن الله ليس وجودا ماديا، فإن حالة النفس البشرية كانت موضوعا أكثر إثارة للجدل. وبشكل عام، تطورت الأرثوذكسية بعيداً عن الأنثروبولوجيا المادية، بالشكل الذي نجده في كتابات ترتليان، إلى المفهوم اللامادي للروح، التي يعتبرها المسيحيون المعاصرون أمراً مفروغاً منه. لقد شعر مسيحيو القرون الوسطى بضرورة رفض ما أسموه القدرية الرواقية، أما مفاهيم مثل الضمير، والقانون الطبيعي، فكانت لها صلات واضحة بالفكر الرواقي.

 

6.6 في فلسفة عصر النهضة وبدايات العصر الحديث

شهدت أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر جهودا لتشكيل تركيبة منهجية للمسيحية والرواقية. وكان أهم شخصية في حركة الرواقية الجديدة هو جوستس ليبسيوس (1547-1606). هناك مُدخَل منفصل عن  ليبسيوس في موسوعة ستانفورد، لذا لن أناقشه أكثر. انظر أيضا كوبر (2004). إن تأثير المدارس الهلنستية عموما على الفلسفة الحديثة المبكرة، هو موضوع المقالات التي جمعت في كتابات ميلر وإنوود (2003). انظر أيضاً أوسلر (1991) وسترانج وزوبيك (2004(.

 

7.6 في التجارب الحديثة في الحياة

إن الاهتمام الأكاديمي بالمذهب الرواقي، في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، قابله الاهتمام بالجوانب العلاجية لطريقة الحياة الرواقية، من قبل غير المتخصصين في تاريخ الفلسفة. ويبدو أن هناك ارتباطات قوية بين الدور المركزي الذي منحه المذهب الرواقي للحكم وتقنيات علاج الإدراك السلوكي. ومن أبرز هذه الأحداث (ذات الأساس التاريخي) موقع الرواقية اليوم، الذي يدير أحداثاً مثل “أسبوع الحياة كرواقي”. وهناك تطبيق إلكتروني حديث آخر عن الرواقية، في مجال الأخلاق العسكرية. انظر شيرمان (2005).

 

 


قائمة المراجع

[ملاحظة خاصة بالاقتباسات: الاقتباس بين قوسين، مثل (Aetius,26A) يشير إلى نص لونج وسيدلي، وفي هذه الحالة، يشير إلى: القسم 26 من عمل آتيوس، النصA. ما لم يذكر خلاف ذلك، أستخدم ترجمتهما، وأحياناً ببعض التصرف].

مجموعة من النصوص الأولية

  • Long, A. A. and Sedley, D. N., 1987, The Hellenistic Philosophers2 vols. Cambridge: Cambridge University Press [Vol. 2 contains an extensive bibliography of scholarly books and articles.]
  • Inwood, B. and Gerson, L., 1997, Hellenistic Philosophy2nd ed. Indianapolis: Hackett Publishing 1997. [This volume is cheaper than Long and Sedley, but it lacks the valuable commentary that LS provide. On the other hand, Inwood and Gerson give you more texts on Pyrrhonism.]
  • Dufour, Richard, 2004,  Oeuvre philosophique, 2 volumes, Paris: Les Belles Lettres
  • Nickel, R., 2009, Stoa und Stoiker. Auswahl der Fragmente und Zeugnisse, 2 volumes, Dusseldorf: Artemis und Winkler
  • von Arnim, H., 1903–5 Stoicorum Veterum FragmentaLeipzig: Teubner (Volume 4 indexes, 1924).

نصوص أولية لكتاب محددين

  • Bowen, A. and Todd, R., 2004, Cleomedes’ Lectures on Astronomy, Berkeley: University of California Press. [A translation of the Stoic Cleomedes’ work on astronomy, together with introduction and commentary.]
  • Edelstein, L. and Kidd, I.G., 1972, Posidonius, 2 vols. Cambridge: Cambridge University Press. [Greek and Latin texts; introduction in English]
  • Inwood, B., 2007, Seneca: Selected Philosophical Letters translated with introduction and commentary. Oxford: Oxford University Press.
  • Pomeroy, A., 1999, Arius Didymus: Epitome of Stoic Ethics, Atlanta: Society of Biblical Literature. [Greek text with facing page translation and notes].
  • Ramelli, I. 2009, Hierocles the Stoic: Elements of Ethics, Fragments and Excerpts, Atlanta: Society of Biblical Literature. [Greek text with facing page translation. Extensive notes.]
  • Van Staaten, M., 1962, Panaetii Rhodii Fragmenta, Leiden: Brill.

أعمال مرجعية مفيدة

  • Algra, K., and J. Barnes, J. Mansfeld and M. Schofield (eds.), 1999, The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press. [A monumental work of scholarship.]
  • Inwood, B., 2003, The Cambridge Companion to the Stoics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sellars, J., (2016), The Routledge Companion to the Stoic Tradition, London: Routledge.

مدخل إلى الرواقية

  • Brennan, T., 2005, The Stoic Life, Oxford: Oxford University Press. [A clear and thought-provoking discussion.]
  • Cooper, J. M., 2012, Pursuits of Wisdom: Six Ways of Life in Ancient Philosophy, Princeton: Princeton University Press. [See especially pp. 144–225, Chapter 4, “Stoicism as a Way of Life.”]
  • Long, A. A., 2002, Epictetus: a Stoic and Socratic guide to life, Oxford: Oxford University Press.
  • Long, A. A., 1986, Hellenistic Philosophy: Stoics, Epicureans, Skeptics, 2nd edition, London: Duckworth.
  • Nussbaum, M., 1994, The Therapy of Desire, Princeton: Princeton University Press. [Not really an introduction, but a splendid book accessible to a wide readership. Considers the important therapeutic element in Hellenistic philosophy.]
  • Rist, J. M., 1969, Stoic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press. [Includes a discussion of the Stoic views on suicide.]
  • Sambursky, S., 1959, The Physics of the Stoics, London: Routledge. [An interesting book insofar as it attempts to connect aspects of the Stoics physical theory to many contemporary scientific notions. It might be best to read it alongside the review by Wasserstein in Journal of Hellenic Studies, 83 (1963): 186–190, before you make up your mind.]
  • Sandbach, F. H., 1994, The Stoics, 2nd edition, London: Duckworth.
  • Sellars, J., 2006, Stoicism, Berkeley and Durham: University of California Press and Acumen, UK.
  • Sharples, R. W., 1996, Stoics, Epicureans and Skeptics, London: Routledge. [A thematic treatment of the competing Hellenistic schools.]

بعض المجموعات، والرسائل العلمية، وبعض المقالات الفردية المشار إليها أعلاه

  • Annas, J., 1990, ‘Stoic Epistemology’, in S. Everson Companions to Ancient Thought I: Epistemology, Cambridge: CUP, 184–203.
  • Annas, J., 1992, Hellenistic Philosophy of Mind, Berkeley: University of California Press.
  • Annas, J., 1993, The Morality of Happiness, New York and Oxford: Oxford University Press. [A very influential book. See the review by B. Inwood in Ancient Philosophy, 15 (1995): 647–665, and Cooper 1996.]
  • Baltzly, D., 2003, ‘Stoic Pantheism’, Sophia, 34: 3–33.
  • Bobzien, S., 2001, Determinism and Freedom in Stoic Philosophy, Oxford: Clarendon.
  • Betegh, G., 2003, ‘Cosmological Ethics in the Timaeus and Early Stoicism’, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 24: 273–302.
  • Brunschwig, J., 1994, Papers in Hellenistic Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press. [See in particular ‘The Stoic theory of the supreme genus and Platonic ontology’, pp. 92–157.]
  • Caston, V., 1999, ‘Something or Nothing: The Stoics on Concepts and Universals’, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 17: 145–213.
  • Cooper, J.M., 1999, Reason and Emotion, Princeton: Princeton University Press.
  • Cooper, J. M., 1996, ‘Eudaimonism, the Appeal to Nature, and “Moral Duty” in Stoicism’, in Engstrom and Whiting 1996, pp. 261–84. Reprinted in Cooper 1999.
  • Cooper, J. M., 2004, ‘Stoic Autonomy’, in J. Cooper (ed.), Knowledge, Nature and the Good: Essays on Ancient Philosophy, Princeton: Princeton University Press.
  • Cooper, J.M., 2005, ‘The Emotional Life of the Wise,’ in Southern Journal of Philosophy, 43 (Supplement): 176–218.
  • Cooper, J.M., 2009 ‘Chrysippus on Physical Elements,’ in God and Cosmos in Stoicism, ed. Ricardo Salles, Oxford: Oxford University Press, 93–117.
  • Cooper, J.M., 2012, Pursuits of Wisdom: Six Ways of Life in Ancient Philosophy from Socrates to Plotinus, Princeton: Princeton University Press.
  • Erskine, A., 1990, The Hellenistic Stoa: political thought and action, Cornell: Cornell University Press.
  • Frede, M., 1987, Essays in Ancient Philosophy, Minneapolis: University of Minnesota Press. [Contains Frede’s influential paper on the cognitive impression, ‘Stoics and Skeptics on clear and distinct impressions’, pp. 151–76.]
  • Gill, C., 2006, The Structured Self in Hellenistic and Roman Thought, Oxford: Oxford University Press.
  • Green, P., 1990, Alexander to Actium: The Historical Evolution of the Hellenistic Age, Berkeley: University of California Press.
  • Hadot, P., 1998, The Inner Citadel: the Mediations of Marcus Aurelius, Harvard: Harvard University Press.
  • Hankinson, R. J., 1998, Cause and Explanation in Ancient Greek Thought, Oxford: Clarendon. [Includes an extensive treatment of the Stoics on causation.]
  • Hudson, H., 1990, ‘A Response to A. A. Long’s “The Stoics on World-Conflagration and Everlasting Recurrence”’, The Southern Journal of Philosophy28, 149–58.
  • Inwood, Brad, 2005, Reading Seneca: Stoic Philosophy at Rome, Oxford: Oxford University Press. [A collection of Inwood’s essays on Seneca as Stoic philosopher]
  • Long, A. A., 1985, ‘The Stoics on World-Conflagration and Everlasting Recurrence’, The Southern Journal of Philosophy23, 13–17.
  • Long, A. A., 1996, Stoic Studies, Berkeley: University of California Press. [Collected papers of one of the foremost scholars on Stoicism. see especially ‘The logical basis of Stoic ethics’ and ‘Stoic eudaimonism’.]
  • Long, A. A., 2002, Epictetus: A Stoic and Socratic Guide to Life, Oxford: Oxford University Press. [See also the discussion of this book by Margaret Garver, ‘Not Even Zeus’, Oxford Studies in Ancient Philosophy, 24 (2003): 343–59.]
  • Perin, C., 2005, ‘Stoic Epistemology and the Limits of Externalism’, Ancient Philosophy25, 383–401.
  • Reydams-Schils, Gretchen, Demiurge and Providence: Stoic and Platonist Readings of Plato’s Timaeus, Turnhout: Brepols.
  • Reydams-Schils, Gretchen, The Roman Stoics, Chicago: University of Chicago Press.
  • Rist, J. M., 1978, The Stoics, Berkeley: University of California Press. [Now somewhat dated, but an enjoyable read.]
  • Salles, R., 2005, The Stoics on Determinism and Compatibilism, Burlington VT: Ashgate.
  • Salles, R., 2009, God and Cosmos in Stoicism, Oxford: OUP.
  • Schofield, M., and M. Burnyeat and J. Barnes (eds.), 1980, Doubt and Dogmatism: Studies in Hellenistic Epistemology, Oxford: Clarendon.
  • Schofield, M. and G. Striker (eds.), 1986, The Norms of Nature, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Schofield, M., 1999, The Stoic Idea of the City, Chicago: Chicago University Press. (Reprint of Cambridge University Press 1991. A landmark book in the study of Stoic political thought.)
  • Sedley, D. N., 1997, ‘The Ethics of Brutus and Cassius’, Journal of Roman Studies, 87: 41–53.
  • Sellars, John, 2013, The Art of Living: The Stoics on the Nature and Function of Philosophy, London: Bloomsbury Publishing.
  • Sherman, N. 2005, Stoic Warriors: The Ancient Philosophy Behind the Military Mind, Oxford: Oxford University Press.
  • Sorabji, R., 1988, Matter, Space and Motion: theories in antiquity and their sequel, London: Duckworth. [Examines the view that the Stoics located bodies in the same place everywhere.]
  • Sorabji, R., 2000, Emotion and Peace of Mind: from Stoic agitation to Christian temptation, Oxford: Oxford University Press. [A clear and accessible book on the Stoic theory of the passions and its influence on Christian thought.]
  • Sorabji, R., 2006, Self: Ancient and Modern Insights about Individuality, Life and Death, Oxford: Oxford University Press.
  • Striker, G., 1996, Essays on Hellenistic Epistemology and Ethics, Cambridge: Cambridge University Press. [The collected papers of one of the most influential scholars in the field.]
  • Stephens, W. O., 2007, Epictetus and Happiness as Freedom, London: Continuum.
  • Taylor, R., 1974, Metaphysics, 2nd edition, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall.
  • Stockdale, James, 1984, In Love and War, New York: Harper and Row.

السياق التاريخي والتأثير اللاحق للمذهب الرواقي

  • Colish, M., 1985, The Stoic Tradition from Antiquity to the Early Middle Ages, 2 volumes, Leiden: E.J. Brill.
  • Cooper, J. M., 2004, ‘Justus Lipsius and the Revival of Stoicism in Late-Sixteenth-Century Europe’, in N. Brender and L. Krasnoff (eds.), New Essays on the History of Autonomy, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 7–29.
  • Engberg-Pedersen, T., 2000, Paul and the Stoics, Westminster: John Knox Press. [Specifically on the alleged correspondence between Paul and Seneca, see J. B. Lightfoot, The Letters of Paul and Seneca, London: Macmillan, 1890, and Aldo Moda, ‘Seneca e il Cristianesimo’, Henoch, 5 (1983): 93–109.
  • Engstrom S., and J. Whiting (eds.), 1996, Aristotle, Kant and the Stoics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Miller, F. and Inwood, B. 2003, Hellenistic and Early Modern Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Osler, M. J., 1991, Atoms, pneuma and tranquillity: Epicurean and Stoic themes in European thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Shifflett, A., 2004, Stoicism, Politics and Literature in the Age of Milton, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Strange, S. and J. Zupko (eds.), 2004, Stoicism: traditions and transformations, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Verbeke, G., 1983, The Presence of Stoicism in Medieval Thought, Washington: Catholic University of America Press.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الشبكة العنكبوتية


[1] Baltzly, Dirk, “Stoicism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2019/entries/stoicism/>.