الحب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: نايف بن فهد الزامل، مراجعة: سيرين الحاج حسين

الحب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: نايف بن فهد الزامل، مراجعة: سيرين الحاج حسين


حول الحب الشخصي (أو حب الأشخاص المعنيّين) وقيمته، وتبريره، وفلسفته، والمفارقات في الموقف،  والموقف الوسط بينها؛ نص مترجم لد. بينيت هيلم، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


يركّز هذا المقال على الحب الشخصي، أو حب الأشخاص المعيَّنين. جزءٌ من المهمَّة الفلسفيَّة في فهم الحب الشخصي هو لَحْظُ الفروقات بين أنواعه المتعددة. فعلى سبيل المثال: يبدو حبي لزوجتي مختلفًا جدًّا عن حبي لأمي أو طفلي أو صديقي. تسير هذه المهمَّة عادةً جنبًا إلى جنبٍ مع التحليلات الفلسفيَّة لهذه الأنواع من الحب الشخصي، وهي تحليلاتٌ تعرضُ أجوبةً جزئيَّة لأُحجيات مختلفة عن الحب. هل يمكن تبرير الحب؟ إن أمكن؛ فكيف؟ ما قيمة الحب الشخصي؟ وما أثر الحب على استقلالية الحبيب والمحبوب؟

 

  1. فوارق أولية

  2. الحبُّ اتحاد

  3. الحبُّ اهتمامٌ وثيق

  4. الحبُّ تقييم

4.1 الحبُّ تقديرٌ للقيمة

4.2 الحبُّ وهبٌ للقيمة

4.3 موقفٌ وَسَط؟

  1. مواقف العاطفة

5.1 الحبُّ عنصرٌ عاطفيٌّ متفرِّد

5.2 الحبُّ جزءُ مركَّبٍ عاطفي

  1. قيمة الحب وتبريره


 

 

 

1.   فوارق أولية

في المحادثات العادية، نقول كلامًا نحو:

  1. أحبُّ الشوكولاتة (أو التزحلق على الثلج skiing)

  2. أحبُّ التَّفَلسُف (أو الأبوَّة)

  3. أحبُّ كلبي (أو قِطَّتي)

  4. أحبُّ زوجتي (أو أمي أو طفلي أو صديقي)

إلَّا أنَّ ما نعنيه بالحب يختلف من حالةٍ إلى حالة. فمن (1)، قد يُفهَمُ أن هذا الشيء يروق لي، وتلك الفعالية تستهويني. أما في (2)، يوجدُ تضمينٌ لمعنى أن انغماسي بفعلٍ ما أو اتِّخاذي لدورٍ مُعيَّن من أجزاء هُوُيَّتي التي تجعل الحياة تستحق العيش. لعلي أقول إنني أُثَمِّنُ هذا الفعل، وذاك الدور. على وجهٍ مغاير، (3) و(4) يشيران إلى نوعٍ من الاهتمام الذي لا يمكن حصره بدقَّة في أي تعبير آخر. وبالتالي؛ قد يفهم نوع الحب في (4) ليكون نوعًا من الاهتمام بشخصٍ آخر كما هي، ولأجلها. (وفقًا لذلك، يمكن فهم (3) على أنه نوع اهتمامٍ منقوصٍ مقارنةً بالنوع الخاص بالأشخاص عادةً). تركَّزت الاعتبارات الفلسفية للحب على نوع الحب في (4)، وعليه؛ فهذا الحبُّ الشخصي سيكون محور حديثنا هنا.

حتى ضمن الحب الشخصي، قسَّم الفلاسفة منذ قدماء اليونان ثلاثة مفاهيم يمكن وصف كلٍّ منها بـ “الحب” تقليديًّا: إيروس eros وأغابي agape وفيليا philia. تمييز هذه المفاهيم الثلاثة عن بعضها سيعود علينا بالنفع، وكذا الحديث عن استعمالاتها في النقاشات المعاصرة، حيث تُبهَمُ الفروقات بينها (عمدًا في بعض الأحيان) وتستعملُ لمآربَ أخر.

إيروس بدايةً كانت تعني: الحب بمعنى الرغبة الشهوانية في غرضٍ ما، عادةً للرغبة الجنسية (ليدل وآخرون، 1940). نايغرين (1953a,b) يسمّي إيروس “حبَّ الرغبة” أو “حبَّ الاكتساب“، وبالتالي هو شعورٌ متمركزٌ حول الذات egocentric (1953b، ص. 89). وسوبل (1989b, 1990) بالمثل يسمّيه “أنانيَّةً” واستجابةً لخصائص المحبوب؛ خصوصًا صلاح المحبوب أو جماله. الواضح في وصف سوبل لإيروس هو النقلةُ عن معناه الجنسيّ: حبُّ شيءٍ ما بالمعنى الإيروسي erosic (مصطلحٌ صاغه سوبل) هو حبٌّ مُعتَمِدٌ على الأسباب في الاستجابة لخواص المحبوب. هذا الفهم لإيروس مدعومٌ في نقاش أفلاطون في “الندوة” Symposium، إذ أنَّ سقراط يُعرِبُ عن الرغبة الجنسيَّة بصفتها استجابةً ناقصةً للجمال الجسدي الواجب تطويرها لتصبح استجابةً لجمال روح الشخص، لتغدو في نهاية المطاف استجابةٌ للمثال المطلق form: الجمال.

غاية سوبل في فهم إيروس بصفته حبًّا معتمِدًا على السَّبب هي بيان الفرق بين إيروس وأغابي؛ لأن الأخير حبٌّ لا يستجيب لقيمة المحبوب. عبر التقليد المسيحي؛ أصبح أغابي رمزًا لنوع محبَّة الرب لنا وحبنا للرب، وهو حبُّ بعضنا بعضًا حبًّا أخويًّا بصورةٍ موسَّعة. في حالة نموذج حب الرب لنا، يكون أغابي “عفويًّا وغير محفَّز“؛ لا ليكشف استحقاقنا لحب الرب، ولكن ليظهر لنا أن الربَّ طبعهُ الحب (نايغرين، 1953b، ص. 85). عوضًا عن الاستجابة لقيمةٍ مسبقةٍ في الشيء المحبوب، يصنع أغابي القيمةَ في ذلك الشيء ويستهلُّ رفقتنا مع الرب (ص. 88-87). بناءً على ذلك، تُميِّز بادوار (2003، ص. 58) أغابي بوصفه “استقلالًا عن الخصال الجوهرية للمحبوبة من حيث كونها هي”، وسوبل (1990، ص. 5) يستنتج أن أغابي، على النقيض من إيروس، لا يتَّكئُ على الأسباب، وهو بذلك لا يُفهَم بطريقةٍ عقلانيَّة. ولذا، أقرب محاولةٍ لفهم أغابي تعتمد على إنشاء أسبابٍ بعديَّة (مثل تقديم تفسيراتٍ تاريخيَّة أو سببيَّة). [1]

أخيرًا فيليا، وأصل معناه: العطف والتقدير، أو شعورٌ وديٌّ تجاه الأصدقاء وأفراد العائلة وضمن زملاء العمل والوطن الواحد كُلًّا (ليدل وآخرون 1940، كووپر 1977). مثل إيروس، يُفهَم فيليا بشكلٍ عام على أنه شعورٌ مستجيبٌ للخصال الصالحة في المحبوب. هذه المماثلة بين إيروس وفيليا قادت توماس (1987) للتساؤل عمَّا إذا كان الفرق بين الحب الرومانسي وحب الصداقة منحصرًا على انطواءِ الجنس في الأول، وعمَّا إذا كان هذا الفرق وحده كافيًا لاستيعاب الفروقات الحقيقية التي نشعر بها. الفصل بين إيروس وفيليا يزداد صعوبةً عندما نسترجع محاولة سوبل في التقليل من أهميَّة الجنس في إيروس (1990).

يزداد التمييز بين إيروس وأغابي وفيليا تعقيدًا في مواجهة النظريات المعاصرة عن الحب (بالإضافة إلى الحب الرومانسي) والصداقة. كما سنوضّح أدناه؛ بعض نظريَّات الحب الرومانسي تقدمه في إطار أغابي التقليدي؛ أي أن الحب الرومانسي يصنع القيمة في المحبوب (انظر القسم 4.2)، وأخرُ تصوِّر النشاط الجنسي في الحب الرومانسي مجردَّ تعبيرٍ جسدي عمَّا يماثل الصداقة إلى حدٍّ كبير.

بما أن تركيزنا سيكون حول الحب الشخصي؛ سنهمل التصورات المسيحيَّة لحب الرب للناس وحبهم له، ولن نفصل بين إيروس وفيليا كما هو الحال في النقاشات المعاصرة. بدلًا عن ذلك؛ سنركِّز هنا على الفهم المعاصر للحب والحب الرومانسي من حيث كونه سلوكًا نتَّخذه إزاء الآخرين. [2]

عند الحديث عن الحب؛ يجب أن نُميّزه فلسفيًّا عن المشاعر الإيجابية الأخرى التي نتخذها تجاه الآخرين، مثل الإعجاب. يختلف الحب عن المشاعر الأخرى – كالإعجاب – من ناحية عمق الشُّعور بداهةً، وشرح هذا العمق البديهي مُشكِل. بعض التحليلات تحاول شرح هذا العمق جزئيًّا عبر طرح تقديٍر لما يرقى إليه شعور الإعجاب: سينغر (1991) وبراون (1987) يقدّمان الإعجاب بوصفه مسألةَ رغبة وسلوك يطرح في المُعجَبِ به قيمةً ذرائعيَّة، لا قيمةً ذاتيَّة؛ لكن هذا العرض غير كافٍ. توجد بالتأكيد سلوكيات نتخذها تجاه الآخرين تتوسَّط ما بين كون الرغبة غايةً وكون الآخر مُحبَّبًا، فمن الممكن أن أهتمَّ بشأن شخصٍ ما لأجله فقط، دون التذرّع به بغيةَ الحصول على غايةٍ ضمنيَّة، ومع ذلك؛ مثل هذا الاهتمام لا يرقى بالضرورة لحبِّه. وعلى نفس الوتيرة؛ أنا قادرٌ على الاهتمام بكلبي بنفس الطريقة اهتمامًا لا يرقى للحب الشخصي.

ثمَّةَ أطروحةٌ أخرى هي الأكثر شيوعًا: بالنظر إلى عمق الشعور، يمكننا تمييز الحب عن الإعجاب عبر النظر إلى الحب من خلال تأطيره هُوُيَّة الفرد ودمجها مع الآخر identification. أن تحب شخصًا ما هو أن تُعرِّف نفسكِ معه، ومثل هذا الاندماج غير ملموسٍ في شعور الإعجاب بالآخر. تقول نوسباوم في هذا الصدد: “الاختيار بين حُبَّين محتملي الوقوع أشبه بـاختيار أسلوب حياة- بل هو حقيقةً كذلك. وهو العزم على أن يكرّس الفردُ نفسه لهذهِ القيم عِوضًا عن تلك” (1990، ص. 328). ظاهرٌ لنا أن الإعجاب لا يتحلَّى بهذا النوع من العمق (انظر: هيلم 2010؛ بيجلي 2015). السؤال عمَّا إذا كان الحبُّ متضمنًا لشكلٍ من أشكال الانتماء، وإن تضمنه فكيف نفهمه؛ هو سؤالٌ يجسّد موضع الخلاف المركزي بين التحليلات المختلفة للحب. ترى وايتينق (2013) أن التوسُّل بمفهوم الانتماء يشوّه تصوُّرنا لنوعية الدافع الذي يقدمه الحب؛ فلو أخذنا مفهوم الانتماء بمعناه الحرفي، لانطوى عليه أن الحبَّ يحفزنا من خلال المنفعة الذاتيَّة لا من خلال ابتغاء منفعة المحبوب. وبالتالي؛ ترى وايتينق أن الحبَّ يتمحور حول إمكانيَّته في أخذ المُحِبَّة “خارج حدود نفسها” مع احتماليَّة نكران ذاتها في اندفاعها نَصْبَ منفعة المحبوب. (لا يلزمنا اتّخاذ مفهوم الانتماء بالمعنى الحرفي قطعًا؛ لأن الانتماء إلى المحبوب يحتمل شعور المُحِبَّةِ بأن الاهتمام الوثيق بمصلحتها ومصلحة محبوبها اهتمامٌ واحدٌ يصبُّ في ذات الغاية. انظر: هيلم 2010).

من الطُّرق المتعارف عليها أيضًا في التمييز بين الحب وبقية السلوكيات الشخصية هي أن يُنظَرَ فيه من زاويةٍ تقييميَّةٍ نوعيَّة، وهي في حد ذاتها متضمنة لعمق الحب. مجددًا، يوجد خلاف محتدم عمَّا إذا كان الحب يستلزم أساسًا تقييمًا نوعيًّا، وإن استلزمه فكيف نستوعب مثل هذا التقييم. أسئلةٌ أخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسئلة التقييم النوعي هي أسئلة التبرير: هل يمكننا تبرير الحب أو حب شخصٍ ما بعينه؟ إن كان كذلك، فكيف؟ من الشائع عند من يقول بإمكانية تبرير الحب فهمهم التبريرَ من خلال عدسة التقييم، والأجوبة هنا مؤثّرةٌ على محاولات الأطراف المختلفة لفهم نوع الثبات أو الالتزام الذي يلازم الحب، وكذا على معنى انتقاء الأعيان وتخصيصهم بالحب دون غيرهم.

فيما يلي نقسّم نظريات الحب مبدئيًّا (وعلى مضض) إلى أربعة أقسام: الحب بوصفه اتّحادًا union، والحب بوصفه اهتمامًا وثيقًا robust concern، والحب بوصفه تقييمًا valuing، والحب بوصفه موقفًا عاطفيًّا emotional view. هذا، وينبغي أن يتضح لنا أن بعض النظريات التي تُصَنَّفُ تحت أحد التقسيمات قد تتضمَّن أفكارًا رئيسيَّة نجدها في نظرياتٍ أخرى تحت تقسيمٍ مختلف، ولا يلزم من هذا تعارض؛ لأن الأنواع التي قسَّمناها هنا تتداخل إلى حدٍّ ما، وفي بعض الحالات التي سنتطرق إليها؛ يكون تقسيم النظريات محصورًا جدًّا. جزءٌ من المشكلة التصنيفيَّة يكمن في الاختزال الظاهري في بعض المقولات في الحب، حيث يُفهَمُ الحب من خلال مفاهيم متعددة مثل المودَّة والتقييم والتعلُّق هكذا دون تقديم حدودٍ شارحةٍ لمعاني تلك المفاهيم. على الرغم من تفادي اللهجة الاختزالية الصريحة عند من يفهم الحب بتلك المفاهيم، كثيرًا ما يُهمِلُ هؤلاء المحاولات الجديَّة في عرض كيفيَّة ارتباط جانبٍ معيَّن من الحب مع الجوانب الأخرى، وكيف يتّصل بعضها ببعضٍ مفاهيميًّا. ينتج عن ذلك التباسٌ في تقسيم النظريات، ناهيك عن تعيين التقسيمات الكبرى التي تندرج تلك النظريات تحتها.

2. الحبُّ اتحاد

عند من يقول بالاتحاد، يتمثَّل الحب في تكوين (أو الرغبة في تكوين) هويةٍ اتحاديَّة: نَحْن. تبعًا لذلك، شرح معنى النَّحنيَّة مهمَّة مركزية عند منظّري الاتحاد، عمَّا إذا كان المقصود معنًى مجازيًّا أو هُوُيَّةً مستحدثةً يكوّنها كل من المُحِبِّ والمحبوب. نجد لهذه النظرية أصولًا قد تعود إلى أرسطو (راجع شيرمان 1993) ومونتين ([E]) وهيغل (1997). ومن المعاصرين: سولومون (1981، 1988) وسكروتن (1986) ونوزيك (1989) وفيشر (1990) وديليني (1996).

يرى سكروتن في حديثه عن الحب الرومانسي أن الحبَّ يتجلَّى في الوجود “حالما تتحوَّل العلاقة التبادليَّة إلى اتحاد؛ أي مباشرةً عندما نتجاوز التفريق بين منفعتي ومنفعتك” (1986، ص. 230). المقصود هنا أن الاتحاد هو اتحاد منافع، فعندما أتصرَّف بدافع المنفعة، لا يكون ذلك لنفعٍ عائدٍ عليَّ وحدي أو عليك وحدك، بل لتعود المنفعة علينا نحن سويَّةً. لفيشر (1990) مفهومٌ مشابه؛ إلا أنه محافظٌ بعض الشيء، فهو يدَّعي أن الحبَّ انصهارٌ جزئيٌّ لهموم المحبين واهتماماتهم وتصرفاتهم وتجاوبهم العاطفي. اللافت للنظر عند سكروتن وفيشر قولهما بالاتحاد الفعلي في اهتمامات المحبين، فيبيتُ من الواضح أنهما ينظران للحب لا باعتباره سلوكًا نتَّخذه تجاه الآخر، بل علاقة ينعدم فيها التفريق بين مصالحي ومصالحك واقعًا فقط عندما نأتي معًا لمشاركة همومنا واهتماماتنا… إلى آخر ذلك. وإذًا؛ فاتخاذ مجرَّد سلوكياتٍ تجاه الآخر ليس كافيًا للحب. هذا العرض يتضمَّن جوهرَ النَّحنيَّة بالمعنى المجازي (كما يظهر) لتلك الهموم والاهتمامات المشتركة، وتلك الهويَّة التي نعمل لأجلها.

يقدّم سولومون (1988) جانبًا لنظرية الاتحاد يحاول فيه “إيجادَ معنًى جديدٍ للحب من خلال الفهم الحرفي لاجتماعِ روحين” (راجع سولومون 1981، ص. 24. إلا أنَّ معنى الروح غير واضحٍ عنده، وبذا كيف يكون الحبُّ اجتماعًا “حرفيًّا” لروحين؟). يتفكَّر سولومون في الكيفيَّة التي يُعيد بها المحبُّون تعريف أنفسهم عبر الحب أفرادًا في علاقة: “الحبُّ هو التركيز المكثَّف للتعريف المتبادل على فردٍ معين، وإخضاع كل جانبٍ شخصي من الذات لهذه العملية ]التعريفيَّة[” (1988، ص. 197). نتاج هذا أن يعمل الطرفان على مشاركة الاهتمامات والأدوار والخصال الحميدة وغير ذلك ممَّا كان يشكّل سابقًا هُوُيَّتان مختلفتان، لينتهيا إلى هويَّة مشتركة يكوّنها كلٌّ منهما ويسمح كلٌّ منهما للآخر باتخاذ دورٍ مهم في تعريف هويَّتهما معًا.

أما نوزيك (1989) فيقدّم طرحًا اتحاديًّا يختلف عن أطروحات سكروتن وفيشر وسولومون؛ فهو يرى أن جوهر الحب هو مُجرَّد الرغبة في تكوين تلك الـنَّحن من الطرفين، وأنَّ هذه النَّحنيَّة “كيانٌ جديد في العالم… بُعِثَ في الوجود عبر شبكةٍ جديدةٍ من العلاقات بين المحبَّيْن جاعلًا منهما طرفًا واحدًا لا طرفين مستقلَّين” (ص. 70). يحتكم نوزيك – في توضيح معنى تلك الشبكة – إلى أن الاتحاد بين المحبين لا يقتصر على سلامتهم الصحية فقط، بمعنى أن السلامة النفسيَّة والجسديَّة لكلٍّ منهما مرتبطةٌ بسلامة الآخر، بل واستقلالية autonomy كلٍّ منهما كذلك، حيث “يُسلّم كلٌّ منهما الآخرَ حقوقًا اختصَّ بها كلٌّ منهما بشكلٍ مستقلٍّ فيما سبق، متمثَّلةً في اتخاذ قرارات معيَّنة على نحوٍ انفرادي؛ ليكوِّنا معًا مجموعةً مشتركة” (ص. 71). إضافةً لما سبق، يرى نوزيك أن كلًّا من المحبين يكتسب هويَّةً جديدةً تكوّن جزءًا من الـنَّحن تتألف من: أ. رغبتهما في أن يُنظَرَ إليهما بوصفهما ثنائيًّا couple، ب. حرصهما على سلامة بعضهما بعضًا، ج. قبولهما “لنوعٍ من تقسيم العمل” (ص. 72): “الفرد في هذه النحنيَّة قد يصادف نصًّا مثيرًا للاهتمام ولكنه يتركه للآخر؛ ليس لأنه لا يجده نصًّا يستحقُّ القراءة، بل لأن الآخر سيكون أكثر انبهارًا بالنص، وقراءة واحدٍ منهما كفيلةٌ بتسجيلِ هذه التجربة في هويَّتهما الشاملة المشتركة، أي: النَّحْن“. [3]

يرى خصوم نظرية الاتحاد أن فيما سبق مغالاة شديدة؛ لأن الاتحاديين يُلزِمون برأيهم مفهومَ الـنَّحن التزاماتٍ وجوديَّة حرفيَّة. يقودنا هذا إلى انتقادين معيَّنين لنظريَّة الاتحاد: الأول أن الاتحاديين يتخلَّصون من استقلاليَّة الفرد، تلك الاستقلاليَّة التي تمكّن الشخص من التحكُّم بأفعاله وتكوين ماهيَّته المتمثلة باهتماماته وقيمه وهمومه… إلى آخر ذلك. فعندما لا يفرّق الاتحاديُّون بين اهتماماتك واهتماماتي، هم بذلك يقلّلون من قيمة استقلاليَّة المحبين. وإن كانت الاستقلاليَّة تُمثّل خصلةً جيدةً في الفرد؛ فالحبُّ عند الاتحاديين سيءٌ بهذا القدر، وأسوأ من ذلك هو المنظور الاتحادي (سينغر 1994؛ سوبل1997). كذلك يرى سينغر أن جزءًا مهمًّا في كون المحبوبة موضِعًا لحبّك هو احترامها من حيث هي هي، وهذا يستلزم احترام استقلاليَّتها ضرورةً.

استجاب الاتحاديُّون لهذا الاعتراض من عدة طرق. يرى نوزيك (1989) أن انعدام الاستقلاليَّة في الحب مرغوبٌ في نوع الوحدة التي يمكن تحقيقها بين المحبين. أما فيشر (1990)، وعلى مضض، يرى أن خسارة الاستقلاليَّة عاقبةٌ مقبولةٌ في الحب. لهذا الحد، وبلا استعراضٍ لحججٍ إضافية؛ تبدو هذه الاستجابات وكأنها محض مواقفَ دفاعيةٍ واهنة. يصف سولومون هذا التوتُّر بين مناصري نظرية الاتحاد والاستقلاليَّة بـ “مفارقة الحب“، بيد أن سوبل (1997) ينبذ هذا الوصف؛ فمجرَّد إلقاء اصطلاح المفارقة على الحب كما فعل سولومون لا ينجي من مواجهة الإشكال.

يتمحور الانتقاد الثاني حول النظرة الموضوعيَّة للحب. عند خصوم نظريَّة الاتحاد، جزءٌ مما نعنيه من حُبك شخصًا هو حمل همومه لأجله فقط. مثل هذا الاهتمام غير معقولٍ في الإطار الاتحادي، وتبعًا لذلك لا يمكن تصوُّر الأنانيَّة والتضحية عندهم. فهم عند إزالتهم التمييز بين مصالحي ومصالحك جعلوا مصالحك هي هي مصالحي والعكس بالعكس. (سوبل 1997؛ انظر أيضًا: بلوم 1980، 1993). قَلَبَ بعض منظّري الاتحاد هذا الانتقاد حُجَّةً لصالحهم: نحتاج استيعاب الكيفيَّة التي تمكننا من حمل هموم غيرنا، والمنظور الاتحادي يقوم بهذا عبر تصوُّر همومك أنت باعتبارها جزءًا من همومي أنا. يتصدَّى ديليني للتوتُّر الظاهر بين رغبتنا في أن نُحَبَّ بلا أنانيَّة (خطرَ أن نُستَغَلّ) ورغبتنا في أن نُحَبَّ لأسبابٍ فينا (تلك التي جذبت محبّينا لنا على الأرجح، وبالتالي فيها قدرٌ من الأنانيَّة) ويقول: “انطلاقًا من نظرتي أن الرومانسيَّة المثاليَّة تتمثَّل بالرغبة في تكوين وِحدةٍ عميقةٍ في الاحتياجات والاهتمامات من خلال تكوين الـنَّحن؛ لا أعتقد أن القدر اليسير من الأنانيَّة ممَّا ذكرنا يشكّل قلقًا لأيٍّ من الطرفين” (1996، ص. 346).

يقع الاعتراض تحديدًا في هذه المحاولة لشرح اهتمامي بالمحبوب بطريقة أنانيَّة egotistically. عند وايتينق (1991، ص. 10)، تبدو محاولةٌ كهذه تبدو “غير ضروريَّة، بل هي أشبه باستيلاءٍ غير لائق”، في الحب ينبغي عليَّ حملُ همِّ محبوبي لأجله، لا لأنني قد أخرج من هذا الاهتمام بنتيجةٍ ما، (وهذا متحققٌ سواءٌ أكان همي لمحبوبي مجرَّدَ وسيلةٍ لمنفعتي أم مُكوِّنًا أساسيًّا في تلك المنفعة).

رغم أن انتقادات وايتينق وسوبل تَردُّ مقالة الراديكاليين من مناصري نظريَّة الاتحاد، إلا أنها تفشل جزئيًّا في الإقرار بجزءِ الحقيقة الكامن في فكرة الاتحاد. أسلوب وايتينق في صياغة الانتقاد الثاني (حول الأنانيَّة) يشير إلى سبيلٍ للخلاص: نحن البشر مخلوقاتٌ اجتماعيَّة، والحبُّ هو أحد أعمق أشكال السلوك الاجتماعي. من غايات المنظور الاتحادي فهم هذا البُعد الاجتماعي وكيفيَّة تعريفه ذواتنا من خلال الآخرين أحيانًا؛ لا بمجرَّد التكافل فيما بيننا وبينهم – كما يفهمه سينغر (1994، ص. 165): التكافل ضربٌ من الإحسان والاحترام المتبادل -؛ بل هو أن نجعل من نحبُّ جزءًا لا يتجزَّأ من هُوُيَّاتنا (راجع رورتي 1986/1993، نوسباوم 1990).

وعلى هذا النَّسق تقول فريدمان (1998) – مُستَلهِمَةً جزئيًّا من ديليني (1996) – أنَّ الأجدر بنا تصوُّر هذا النوع من الاتحاد في الحب بصفته رابطةً فدراليَّة للأنفس federation of selves: “في النموذج الفدرالي؛ تنبثق في الوجود كينونةٌ ثالثةٌ تقوم على التفاعل بين المحبَّيْن، وهي كينونةٌ مبنيَّةٌ على تضافرهما معًا تحت نطاقٍ واسعٍ من الظروف والأهداف، من غير أن يمحي هذا التناغم وجود المحبَّيْن بصفتهما عنصرين مستقلَّين قادرين على ممارسة استقلاليتهما” (ص. 165).

بما أن المحبَّيْن من خلال هذا المنظور يتمتَّعان بهويَّاتهما الفرديَّة؛ لا يمتنع عند القائلين بالاتحاد تصوُّر حَمْلِ المُحِبَّةِ همَّ محبوبها لأجله فقط [4]. تؤكد فريدمان على أن المنظور الاتحادي (بالتصوُّر الفدرالي) يُمَكّننا من استيعاب الاستقلاليَّة في الحب لا مقايضةً بين رابحٍ وخاسر zero-sum game، بل أن الحبَّ قوَّةٌ تنهض باستقلالية الطرفين وتعزّز من مهارات النمو المتعددة التي تنمّي الاستقلاليَّة، مثل مهارة نقد الذات بشكلٍ واقعي.

لا يخلو هذا النموذج الفدرالي من العيوب التي تؤثر على بقية الاعتبارات في المنظور الاتحادي. فهم الفدرالية (أو الـنَّحن كما يسميها نوزيك) باعتبارها كينونةً ثالثةً يحوجنا إلى كشفٍ – أعمق ممَّا سبق – يبيَّنُ الحالة الأنطولوجية (الوجودية) لهذه الكينونة وكيفيَّة انبثاقها في الوجود. من الكتابات ذات الصلة هنا: الكتابات حول مجموع الطرفين plural subjects والنيَّة المشتركة. ترى جيلبرت (1989, 1996, 2000) أنَّ من الأحرى بنا اتخاذ الطَّرف الجمعي بوصفه كينونةً متجاوزةً لأفرادها بشكلٍ جدي. آخرون مثل توميلا (1984, 1995) وسيرل (1990) وبراتمان (1999) أكثر تحوُّطًا، إذ هم يفهمون الحديث عن النيَّة المشتركة في الـنَّحن فهمًا مجازيًّا.

3. الحبُّ اهتمامٌ وثيق

كما يؤشر هذا الانتقاد للمنظور الاتحادي، يرى العديد أن اهتمامك بمحبوبتك لأجلها يشكّل جزءًا من معنى حبك لها. يتخذ المنظور الذي نروم شرحه الاهتمامَ بكونه عنصرًا مركزيًّا معرِّفًا للحب (راجع: تايلور 1976، نيوتن-سميث 1989، سوبل 1990، 1997، لافوليت 1996، فرانكفرت 1999، وايت 2001). بحسب تايلور: “بشكلٍ موجز، إذا أحبَّ فلانٌ فلانةً فهو يروم الانتفاع بعشرتها… إلى آخره من المطالب، ولديه رغباتٌ (أو على الأقل قدرٌ يسيرٌ منها) لأنه يعتقد أن لفلانةٍ خصالًا معينة ψ تقتضي استحقاق المنفعة معها. وهو يعتبر أن تلبية تلك الرغبات لديه غايةٌ بذاتها، لا وسيلةً لبلوغ غايةٍ أخرى” (ص. 157).1

عندما نتصوَّر أن حبي لك مكوَّنٌ من اهتمامي بك لأجلك فقط؛ يتَّضح لنا أن المنظور الاهتمامي يرفض تصوُّر الحب باعتباره خلقًا مجازيًا أو حرفيًا للنَّحن، وهو مفهومٌ مركزيٌّ في المنظور الاتحادي. همُّك أساسًا همّي حتى لو كان هذا الهمُّ يعنيك أنت وحدك. [5]

تكمن في لُبّ المنظور الاهتمامي فكرة أن الحب “ليس بسلوكٍ عاطفيّ أو عقلي، بل هو سلوكٌ إرادي.” (فرانكفرت 1999, ص. 129). يكمل فرانكفرت: “اهتمام الفردِ بشيءٍ أو حبِّه إياه يرتبطُ بما يشعر به حياله أو بآرائه نحوه= ارتباطًا أقلَّ درجةً من ارتباطه بالمحفزات الذاتية المستقرة التي تصنعُ اهتماماته وتكون مبدأً يسترشد ويقيد سلوكه به.”

يَعرِض هذا الاعتبار الاهتمام بالآخر لأجله مسألةً محفَّزة بطرقٍ معينة، وجزئيًّا باعتباره استجابةً لما يقع بالمحبوب. بطبيعة الحال، فهم الحب من حيث الرغبات لا يعني ترك الانفعالات العاطفية الأخرى في العراء؛ لأن هذه المشاعر ينبغي أن تفهم باعتبارها ثمراتٍ لتلك الرغبات. بالتالي، مثلما يمكن أن أنهار عاطفيًّا إن لم أتحصَّل على رغبةٍ من رغباتي الشديدة؛ قد أنهار عاطفيًّا عندما يحدث أمرٌ مشابهٌ لمحبوبتي. بهذه الطريقة يقرُّ فرانكفرت (1999) ضمنيًّا، ووايت (2001) بصراحة أنَّ اهتمامي بمحبوبتي لأجلها مؤثّر في هويَّتي ما دمتُ عرضةً للنوائب التي تحلُّ بها.

بَيد أن هذا القول لا يجمع عليه كلُّ منظّري الاهتمام الوثيق، وبالأخص تايلور (1976) وسوبل (1990)؛ لأن مفهوم الأشخاص عندهم يحمل نزعةً فردانيَّةً شديدةً يمتنع معها ارتباط هويَّتي بمحبوبتي بتلك الطريقة، ممَّا قد يقلل من العمق البديهي في الحب (للاستزادة، انظر: رورتي 1986/1993). تتوسَّط هذا القول ستمپ (2006) – أسوةً بالأكويني – في تصوُّر الحب ليشتمل لا على الرغبة في سلامة المحبوب فقط، بل في استحداث علاقةٍ ذات نوعٍ فريد، كالأبوَّة أو الزواج أو الأخوَّة أو العلاقة بالقسّيس أو الصديق على سبيل المثال، وهي علاقةٌ تشارك بها نفسك مع المحبوب وتقرنها معه. [6]

أحد منابع الإشكال حول منظور الاهتمام الوثيق تضمُّنه لتصوُّرٍ متراخٍ للمحبوب (إيبيلز-دوغان 2008). يحاول المُحِبُّ في المنظور الاهتمامي اكتشاف مظانّ سلامة المحبوبة ويعمل لأجل تحقيقها، مع احتمالية إحباط جهود المحبوبة عندما يعتقد المُحِبُّ أن تلك الجهود قد تؤذي محبوبته. من شأن هذا أن يُفهَمَ مهانةً وقلَّة احترامٍ لا مكان لهما في الحب. يفتقر المنظور الاهتمامي – عند إيبيلز-دوغان – إلى اشتمال الحب على شبكةٍ تفاعليَّةٍ بين طرفين مستقلين، والحبُّ اعترافٌ بهذه الاستقلاليَّة وتفاعلٌ متواصلٌ معها. يتصدَّى مناصرو المنظور الاهتمامي لهذا عبر التأكيد على أنَّ تعزيز سلامة المحبوبة يتضمَّن عادةً دعمًا لاستقلاليَّتها (مع تحفُّظهم بأن هذا ليس بلازمٍ دومًا، وأن الأبوية paternalism مبرَّرة ومناسبة في التعبير عن الحب أحيانًا). فضلًا عن ذلك، يَسَعُنا القول بأنَّ ممارسة الاستقلاليَّة تمكّن الفرد من تحديد مظان سلامته، وبذا يكون عجز المُحِب عن احترام استقلاليَّة محبوبته عجزٌ عن تعزيز سلامتها، وبالتالي لا يكون مُعبّرًا عن حبه (على النقيض مما تطرحه إيبيلز-دوغان). كذا قد يبدو لنا أن المنظور الاهتمامي قادرٌ على ردّ هذا الاعتراض عبر طرحِ تصوُّرٍ أشد استحكامًا لمعنى أن تكون فردًا، وتبعًا لمعنى سلامة الأفراد.

نجدُ منبعًا آخرَ للاستشكال ضمن الإطار الاهتمامي، وهو التصوُّر المنقوص لمعنى الحب. عبر التشديد على الاهتمام الوثيق؛ تُفهم الجوانب الأخرى للحب – مثل الاستجابة العاطفية إزاء المحبوب -، بكونها تبعاتٍ ناتجةٍ عن الاهتمام، لا مكوّناتٍ أصيلةٍ فيه. وبالتالي، يورِدُ ڤيلمان (1999) أن المنظور الاهتمامي – عبر استيعابه للحب باعتباره التماسًا لغايةٍ معيَّنة (فيما يتعلق بسلامة المحبوب) – يَفهَمُ الحبَّ بطريقةٍ نزوعيَّةٍ محضة conative. أما هو (أي: ڤيلمان) فيزعم أن الحبَّ ممكنٌ بالرغم من غياب الرغبات، مدلّلًا بمثال حبنا لقريبٍ مثيرٍ للمشاكل؛ ذلك القريب الذي لا نودُّ قربه ولا نحرص على تعزيز سلامته… إلى غير ذلك. وعلى نحوٍ مماثل، تذهب بادوار (2003) إلى القول بأن مثل هذا المنظور الغائي teleological للحب يبهم كيفيَّة “استمرار حبنا لشخصٍ ما فترةً طويلةً بعد أن أخذه الموت خارج حيّز المضرَّة والمنفعة” (ص. 46). تؤكّدُ بادوار أيضًا أن الحبَّ لو كان رغبةً في الأساس، للزم منه تضمُّنًا واقعُ افتقارنا لشيءٍ ما؛ لكنَّ الحب لا يوحي بهذا، بل يكون أشدَّ وقعًا عندما نشعر باكتمال حياتنا وغِناها. إذًا يتوصَّل كلٌّ من ڤيلمان وبادوار إلى أنَّ الحبَّ لا يلزم منه ضرورةً رغبةٌ أو اهتمامٌ وثيقٌ بسلامة المحبوب.

لكن تبدو هذه النتيجة مستعجَلة؛ لأن الأمثلة المورَدة تُستَوْعَبُ ضمن المنظور الاهتمامي. ففي مثال ڤيلمان عن القريب؛ بإمكاننا تصوُّر وجود الاهتمام؛ إلا أنَّ هذا الاهتمام به تغمرهُ الرغبة الشديدة في البعد عنه. إبقاء فكرة الاهتمام بالقريب لغرض نفعه بدرجةٍ ما – وهو مرفوضٌ عند ڤيلمان – يبدو أساسيًّا في فهم التوتُّر المفاهيمي بين حب شخصٍ ما والعزوف عنه، وهو توتُّرٌ لا يقرُّ به ڤيلمان بشكلٍ كاف. كذلك نستطيع استيعاب استمراريَّة حبنا للمتوفَّى في الإطار الاهتمامي بالنَّظر إلى هذا الحب باعتباره امتدادًا متطفّلًا على حبنا للمتوفَّى قبل وفاته، وتستحيل رغباتنا في نفع المحبوب تَبَعًا – لاستحالة نفعه واقعًا – أُمنيات [7]. ختامًا، الاهتمام بسلامة المحبوب ليس يلزمُ منه النقصان في شيء؛ لأن هذا الاهتمام يُفهَمُ من خلال الرغبة في تبصُّر الحالات التي تتطلَّب منك مدَّ يد العون لمحبوبك، وبالتالي تُنَالُ الرغبات العرضيَّة. كل هذا يبدو متَّسقًا مع المنظور الاهتمامي.

قد يتساءل المرء عما إذا استعمل كلٌّ من ڤيلمان وبادوار أمثلةً مناسبةً لنموذج الحب الذي نحن بصدده، كما في حب القريب الثقيل أو في حب من قد مات. فبالرغم من أصالة الحب في كلتا الحالتين؛ إلا أنه نوعٌ ناقصٌ متطفّلٌ على الحالات القياسيَّة. وإذًا فمن اللَّبس إقحام مثل هذه الحالات الناقصة في التحليلات الفلسفية على قَدَم المساواة مع الحالات النموذجية من غير مبرر استثنائي.

وفوق ذا وذاك، يبدو منظور الاهتمام الوثيق بصيغته الحاليَّة عاجزًا عن تفسير العمق البديهي في الحب وعن التمييز بين الحب والإعجاب. إلا أن الاهتماميَّةَ – كما أسلفنا – أنشأت استيعابًا للطريقة التي تتغيَّر بها هويَّة المحبّ عبر محبوبته باعتباره أثرًا للحب لا مقوّمًا أساسيًّا فيه. [8]

4. الحبُّ تقييم

منظورٌ ثالثٌ للحب يقدّمُهُ بوصفه نمطًا معيَّنًا من التقييم حيال شخصٍ ما. كما يشير التمييز بين إيروس وأغابي في القسم 1، هناك على الأقل مسلكان في تصوُّر تقييم المحبوب: إما أنَّ المُحِبَّة تقدّر محبوبها لقيمةٍ في ذاته، أو أنَّ المحبوب يصبح ذا قيمةٍ للمُحِبَّة نتيجةَ حبّها له. المسلك الأول – الذي تكون المُحِبَّةُ فيه مقيّمةً للمحبوب إذ أحبَّتْه – هو موضوع القسم 4.1، بينما المسلك الثاني – الذي يخلق القيمة في المحبوب – سيكون موضوع القسم 4.2.

 

4.1 الحبُّ تقديرٌ للقيمة

يقدم ڤيلمان (1999, 2008) اعتبارًا للحب بوصفه تقديرًا للقيمة appraisal of value، وأنَّ أساس الحب تسليمٌ واستجابةٌ نوعيَّةٌ لقيمةٍ في المحبوب. (لمأخذٍ مختلفٍ تمامًا حول تقدير القيمة، انظر: كولودوني 2003). يتطلَّب استيعاب ما سبق إدراكُ نوعِ القيمة التي يستجيب لها المُحِبُّ في محبوبه ونوع الاستجابة بحبٍّ إزاء تلك القيمة. مع ذلك، يجب أن يتَّضح لنا أن الذي يجعل اعتبارنا للحب اعتبارًا تقديريًّا ليس مجرَّد انطواء هذا الاعتبار على التقييم؛ لأن هذا مفهومٌ مشتركٌ ضمن اعتباراتٍ أخرى، كما في المنظور الاهتمامي (راجع تايلور في القسم 3). وإنَّما يمتاز الاعتبار التقديري بفهمه التقديرَ أو التقييم مقوّمًا ذاتيًّا في الحب.

في الإعراب عن نوع التقييم في الحب، يميّز ڤيلمان – تأسّيًا بكانط – بين الكرامة2 والثمن. توحي الثمنيَّة في الاقتصاد بقابليَّةِ المقارنة بين قيمتين من خلال التَّسعير، وبذا يصبح من المعقول المقايضة بين قيمتين متساويتين دونما خسارة. من ناحيةٍ مغايرة، تحمل الكرامةُ قيمةً لا تصلح معها المقارنة. عادةً ما تحمل السلع الماديَّة أسعارًا؛ إلا أنَّ الإنسانَ مُثقَلٌ بالكرامة، فلا يمكن استبدال شخصٍ بآخر مع المحافظة على ذات القيمة؛ لأن في الناس أشياءَ لا تقبل القسمة، ولا بدَّ في الاستبدال من مفقودٍ وآخر مُكتَسَب.

من هذا المنظور الكانطي، كرامة الأشخاص متعلّقة بطبيعتهم العقلانيَّة التي تتمثَّل بتمكُّنِهم من التحرُّك لأسبابٍ – يعرفونها في أنفسهم – يَعبُرونَ بها إلى غاياتهم الخاصة، وتمكّنهم أيضًا من الاستجابة بشكل ملائمٍ لقيمٍ ذاتيَّة يكتشفونها في العالم الخارجي. بالتالي، أحد أهم النواحي التي نمارس فيها طبيعتنا العقلانيَّة هي في أن نستجيب باحترامٍ إزاء كرامة الآخرين، وهي كرامةٌ متعلقةٌ جزئيًّا بقدرتهم على الاحترام. الاحترام هو الحدُّ الاستجابيُّ الأدنى لكرامة الأشخاص. عند ڤيلمان – أسوةً بكانط -؛ الذي يجعل استجابتنا للأشخاص احترامًا هو ضبطها لحب الذات، مما يمنعنا من معاملة الآخر باعتباره وسيلةً لغاياتنا الخاصة (ص. 360).

وعلى ضوء ما سبق، يؤكد ڤيلمان أن الحبَّ استجابةٌ مشابهةٌ لكرامة الآخرين، وبه تصبح كرامة المحبوب مطيَّة تبريرٍ للحب. لكنَّ الحبَّ والاحترام استجابتان مختلفتان لذات القيمة؛ لأن الحبَّ لا يضبط حُبَّنا لذواتنا، بل “يُعِيقُ الحبُّ نزعتنا إلى حماية عواطفنا من الآخر، تلك النَّزعة التي تقوقعنا على ذواتنا لتحمينا من أثره. يقتلعنا الحبُّ خارج حصوننا العاطفية ويجعل مِنَّا عُرضَةً للآخر” (1999، ص. 361).

ولذا فالاهتمام والتجاذب والتعاطف وغيرها – ممَّا يرتبط عادةً بالحب – لسنَ إلا ثمراتٍ للحب لا مكوّناتٍ أصيلةٍ فيه، والحب باقٍ وإن لم تثمر بذوره (كما في حب القريب الذي لا يطاق). ما سبق يعطي ڤيلمان سردًا واضحًا للعمق البديهي في الحب، فهو في الأساس استجابةٌ للأشخاص يغدو فيها قولنا “أحب كلبي” مدعاةً للحيرة والاختلاط.

بطبيعة الحال، لا نستجيب بحبٍّ تجاه كل إنسانٍ نلاقيه، ولا يلزمنا هذا. الحبُّ سلطانٌ يسلب منَّا دروعنا العاطفيَّة ويعرِّضُنا للآخر، وهو أعلى مراتب الاستجابة الإراديَّة لكرامة الآخرين. إذًا ما الذي يفسّر اصطفائيَّة الحب؟ أو لِمَ أحبُّ جماعةً دون غيرهم؟ يقع الجواب في التناغم الاتفاقي بين الوتيرة التي يعبر الآخرون بها عن كرامتهم سلوكيًّا، وتأثُّري بهذا التعبير عاطفيًّا. النوع المناسب من التناغم يجعل الآخر مُحَبَّبًا عندي (1999، ص. 372)، واستجابتي بالحب في هذه الحالات مسألةُ “رؤيةٍ حقيقيَّة” للآخر بصورةٍ لا أُبصرها مع غيره. يبدو أن ڤيلمان – بقوله مُحبَّبًا lovable – يعني “مَقدورٌ على حُبِّه” لا “جديرٌ بالحب”؛ لأن ڤيلمان هنا لا يقدّمُ تبريرًا للسؤال: لِمَ أُحب هذهِ عوضًا عن غيرها؟ بل يستعرض مجرَّد شرحٍ لهذا الاصطفاء، والشرح هنا واقعًا يجعل من استجابتي استجابةَ حبٍّ لا مجرَّد احترام.

قد يُستَشكَلُ تفسير الاصطفائيَّة في الحب بمعزلٍ عن التبرير؛ لأننا عادةً ما نعتقد أن باستطاعتنا تبرير لا مجرَّد حبي لفلانٍ دون غيره، بل – والأهم من ذلك – تبرير ثبات حبنا واستقراره رغم تبدُّل المحبوب في نواحٍ جوهريَّةٍ معيَّنةٍ (باستثناء نواحٍ أُخَر) أيضًا. يستعرض ديليني (1996، ص. 347) هذا القلق حول الثبات قائلًا: “بينما تَوَدُّ أن يستمرَّ حُبُّ مُحِبَّتِك لك حتى لو غدوتَ أحمقًا، تَوَدُّ أيضًا ألَّا تقع مُحِبَّتُكَ في غرام أحمقٍ أبدًا.”

الإشكال هنا لا ينحصر في عرض تفسيراتٍ لاصطفائيَّة الحب – أو لِمَ لا أحبُّ الحمقى -، بل هو واقعٌ في تمييز الحب واستمراريَّته (والانقطاع عنه كذلك) لأسبابٍ مقبولة. تحصيل هذه الأسباب يبدو منطويًا على إسباغ قِيَمٍ مختلفة على المحبوب الآن بدلًا عن السابق أو بدلًا عن غيره، لكنَّ هذا عين ما يرفضه ڤيلمان عندما يميز بين الحب والاحترام بطريقته.

موضعٌ آخر للإشكال عند ڤيلمان هو في قدرته على شرح اصطفائيَّة الحب من خلال التناغم بين تعبيرات الآخر واستجابتي له؛ لأن الاستجابة المناسبة عندي استجابةٌ عاطفيَّةٌ تتمثَّل في خروجي بمحض إرادتي عن مناعة حصني العاطفي لأصبح مُعرَّضًا لك عاطفيًّا. أصيرُ، نتيجةً لذلك؛ عرضةً للأذى أو المنفعة التي تقع بك عبر تأثُّري بألمك أو فرحتك. مثل هذه المشاعر خاضعةٌ للتبرير، وبإمكاننا الآن إيراد السؤال: لماذا نجد تبريرًا لشعوري بالخيبة عندما تخسر أنت السباق، ولا نجد تبريرًا عندما أشعر بالخيبة بخسارة الغريب؟ الجواب البديهي هو أنني أحبُّكَ أنتَ لا هو، إلا أن هذه الإجابة غير متاحةٍ لڤيلمان؛ لأنه يعتقد أن ما يجعل استجابتي لكرامتك استجابةَ حبٍّ لا مجرَّد احترام هو محض تلك المشاعر الكامنة في خلدي، وبالتالي ينتج عن توسُّلي بالحب مبررًا للمشاعر الأخرى دورٌ منطقيٌّ3 ظاهر الفساد.

على أن الإشكالات المورَدة متعلّقة بطرح ڤيلمان، يُمكن تعميمها على الأطروحات الموازية؛ أي تلك التي تؤطّر الحبَّ في إطار تقدير القيمة (مثل ما عند كولودوني 2003). فإن كان الحبُّ تقديرًا لقيمةٍ ما، يجب لَحْظُ الفروقات بينه وبين الأشكال الأخرى للتقدير، بما في ذلك أحكامنا التقديرية. فمن جانبٍ تكون محاولة تمييز الحب بصفته تقديرًا يمتاز عن التقديرات الأخرى بتأثيره على عواطفنا ومحفزاتنا (كما عند ڤيلمان) غير مُرضيَة؛ لأنها تَغفل جزئيًّا عن إجابة السؤال: لِمَ امتاز الحبُّ بهذا التأثير عن غيره من التقديرات؟ هذا السؤال ضروريٌّ في فهم العمق البديهي في الحب، وغياب الجواب عنه يبهم فهم السبب خلف مكانة الحب المركزية في حياتنا، كما هو محسوس [9]. ومن جانبٍ آخر، التأليف بين العنصر العاطفي والتقدير يؤدي بنا إلى قَلبِ المنظور التقديري وتحويله إلى منظورٍ اهتماميٍّ وثيقٍ أو تفريعٍ على المنظور العاطفي (قسم 5.1).

 

4.2 الحبُّ وهبٌ للقيمة

خلافًا لڤيلمان، يقدّم سينغر (1991, 1994, 2009 (الحبَّ بوصفه وهبًا للقيمة bestowal of value في المحبوب بشكل أساسي. أن تَهِبَ قيمةً في الآخر هو أن تُسقِطَ عليه قيمةً ذاتيَّة، وهذا من شأنه التفريق بين الحب والإعجاب. “الحبُّ نزعةٌ دون غايةٍ واضحة” والإعجابُ ظاهر الغاية (1991، ص. 272). فإذًا لا وجود لمعاييرَ مُحكَمةٍ لوهب قيمةٍ كهذه، وكذا يمتاز الحب عن الميول الشخصية الأخرى كالامتنان والكرم والتكرُّم. “الحبُّ… يمنح الأهميَّة مهما كانت قيمة المحبوب” (ص. 273)، ومنه يعتقد سينغر أن الحبَّ سلوكٌ لا يمكن تبريره بحال.

على وجه التحديد، ما المعنيُّ بوهب القيمة في شخصٍ ما؟ يجيب سينغر أن المعنى هو نوع ارتباطٍ ووفاء إزاء المحبوبة تُعامَل فيه غايةً في ذاتها، وتبعًا لذلك يستجيب المحبُّ لأهدافها واهتماماتها وهمومها… إلى غير ذلك، بوصفها تحمل قيمةً ذاتية. يعني هذا أن وهب القيمة يتجلَّى “في الاعتناء بحوائج المحبوبة واهتماماتها، والتَّوق إلى نَفعِها والذَّودِ عنها، والابتهاج بإنجازاتها” (ص. 270). تبدو هذه النظرة مشابهةً جدًّا للمنظور الاهتمامي، إلا أن منظور وهب القيمة يفسّر الاهتمام بوصفه ناتجًا عن وهب القيمة، لا مقوّمًا ذاتيًّا في الحب، فوهب القيمة لمحبوبتي جَعْلٌ للقيمة فيها، وهذا يلزم منه استجابتي بالاهتمام الوثيق.

كي ندرك معنى وهب القيمة لشخصٍ ما، تجب الاستجابة المناسبة لقيمة المحبوب تبعًا. تلك الاستجابة تتطلَّب شيئًا من معرفة مظانّ منفعة المحبوب وما يؤثر على سلامته بالسلب أو الإيجاب. إدراكٌ كهذا يقتضي معرفة مناطق القوة والضعف عنده، وهذا شكلٌ من أشكال التقدير. الوهب إذًا يستلزم نوعًا من التقدير سبيلًا لـ “رؤية” المحبوب والاعتناء به. ومعه يرى سينغر أن الوهبَ أصلٌ في فهم الحب، وأن التقدير ذريعةٌ عمليَّةٌ للوفاء بالمحبوب وقيمته الموهوبة فيه، فلا يكون الوهب “طاعةً عمياء لكائنٍ مجهول” (1991، ص. 272. أيضًا راجع: سينغر 1994، ص. 139 فما بعد).

يخطو سينغر على حبلٍ مشدودٍ عندما يحاول إقحام التقدير في كلامه عن الحب. فبقدر ما يكون اعتباره وهبًا للقيمة في الأساس، يرى سينغر أن الحبَّ مستعصٍ على التبرير، وأننا نَهِبُ القيمة إذ نَهِبُها مِنحَةً هكذا دون مقابل. يومئُ هذا بعمى الحب، وأن خصال المحبوب لا أهميَّة لها، وهذا مُشكِل. يحاول سينغر تفادي هذه النتيجة عبر الاستعانة بدور التقدير في اعتباره، ويعلّل بأننا عندما نَهِبُ القيمة في شخصٍ ما فإننا نهبها بعد تقدير فضائل المحبوب ونواقصه. إلا أن البَعْدِيَّةَ هنا لا تبرر الوهب، بل هي أقرب للشرح العرضي في أفضل الأحوال [10]. في هذا السياق، عَرضُ سينغر لاصطفائيَّة الحب مشابهٌ للذي عند ڤيلمان، وهو بذا عُرضَةٌ لذات النقد: مثل هذه الاعتبارات لا تبرر لنا انتقائيَّة الحب. هذا العجز عن تبرير الحب واردٌ في أي شكلٍ من أشكال الوهب؛ لأن الوهب إنَّما هو 1) مستعصٍ على التبرير – كما عند سينغر – ويتبعه استحالة تبرير الحب، أو 2) مقدورٌ على تبريره، وفي هذه الحالة يصعب تصوُّر القيمة بوصفها شيئًا موهوبًا لا شيئًا سابق الحدوث في المحبوب نتجَ عنه هذا الوهب.

بصورةٍ أعم، يجب على مناصري منظور وهب القيمة أن يكونوا أبلغ من سينغر في التعبير عن ماهيَّة الوهب. ما القيمة التي تتجلَّى في الوهب؟ وكيف يكون الوهب صانعًا للقيمة؟ من منظورٍ هيوميٍّ صرف، قد يُجاب على هذه التساؤلات عبر تقديم القيمة باعتبارها أمرًا يُسلَّطُ على العالم من خلال السلوكيَّات القَبْليَّة مثل الرغبة. لكنَّ اعتبارًا كهذا غير كافٍ؛ لأن القيمة المُسَلَّطة – لكونها متعلّقةٌ بفردٍ معيَّن – لا تُولّد عملًا نظريًا، وبذا يصبح الاعتبار تفريعًا على المنظور الاهتمامي. ممَّا يَلزَمُنا أيضًا في تقديم اعتبارٍ للحب بوصفه وهبًا للقيمة تَبْيينُ الفرق بين الحب والسلوكيَّات الشخصيَّة الأخرى كالإعجاب والاحترام. هل تتضمَّن السلوكيَّات الأخرى وهبًا للقيمة؟ وإن تضمَّنت؛ كيف يختلف الوهب فيها عن الوهب في الحب؟ وإن لم تتضمَّن وهبًا؛ فَلِمَ لا؟ وما الذي يميز الحبَّ ليتطلَّبَ تقييمًا مغايرًا عن مجرَّد الإعجاب والاحترام؟

بالرغم مما أسلفنا، يوجد قدرٌ من الصواب خلف تصوُّرِ الحب وهبًا للقيمة. لا شك أن في الحبِّ فِعْلًا خلَّاقًا، لا مجرَّد انفعالٍ واستجابةٍ لقيمة مسبقة في المحبوب، إلا أنَّ الاعتبارات التقديريَّة للحب تبدو مفتقرةً إلى شيءٍ ما، وهو ما سنتطرق إليه في القسم 6.

 

4.3 موقفٌ وَسَط؟

قد يكون لدينا متَّسَعٌ لفهم الحب وعلاقته بالقيمة فهمًا يتوسَّط الاعتبارين: الحب بوصفه تقديرًا للقيمة والحب بوصفه وهبًا لها. فإن قلنا التقدير أشبه بالملاحظة [وبعبارةٍ أخرى: الانفعال]، أي: نوعٌ من الاستجابة للعالم من حولنا، بينما وهبُ القيمة أشبه بالفِعل، أي القيام بأمرٍ ما واستحداثه، لاحظنا أن الاستجابة تحت الاعتبار التقديري قد تقوم على أساس الفعل، أَيْ أساس اختياراتنا الخَلَّاقة. وبالتالي، كما تعتمد ملاحظاتنا العادية على الانتباه المُوَجَّه وإلقاء المفاهيم والتفسيرات، وإقامة الحُجَّة لإدراك ما نلحظه إدراكًا دقيقًا؛ تكون نظرتنا بحُبٍّ ناحيةَ خصائل المحبوب نظرةً معتمدةً على رعايتنا به وتفسير هُوُيَّته. نجد منحًى مشابهًا عند جوليمور (2011)، فالحبُّ عنده نظرٌ فاعلٌ في خصائل المحبوب القيِّمَة، ومزوّدٌ إيانا بأسباب معاملته معاملةً تفضيليَّة. بالرغم من توفر تلك الخصال في الآخرين – حتى بدرجةٍ أعلى مما قد نجده في محبوبنا -؛ لا نجد في صدورنا حاجةً لإكبارها في الآخرين كما نجدها في المحبوب؛ لأن انبهارنا بخصال محبوبنا يُطفئ وهج انبهارنا بخصال غيره (وهنا يجد جوليمور حلًّا لمشكلة قابلية الاستبدال fungibility، والتي نستعرضها في القسم 6). على نفس نمطِ إدراكنا لأفعال المحبوب وطبيعته، نُعمِلُ عدسة الانبهار التي من شأنها إخماد التفسيرات التي لا تتَّسق مع انبهارنا به. وبهذا ينطوي الحبُّ على إيجاد القيمة في المحبوب عبر عُنصُرَي التقدير والوهب؛ ففي التقدير نستجيب لقيمةٍ سابقة الوجود في المحبوب، وفي الوهب نضفي قيمةً متفرّدةً على محبوبنا من خلال توجيه انتباهنا له والتزامنا بتفضيله على غيره.

قد يَرِد اعتراضٌ على مفهوم الإخماد في الحب، أي عدم الانتباه لمزايا الآخرين وشوائب المحبوب، إذ تبدو فيه مخالفةٌ لما نلتمسه في الحب؛ لأن الإخماد يحتمل معنى الحجب عن حقيقة الأمر. يخبرنا جوليمور بأنَّه لا إشكال في عمى الحب هنا؛ إذ لا يزال بمقدورنا تمييز ما يُخمِدُه الحب، ولأننا بالأصل لا نقدر على النظر بتجرُّدٍ حيال قِيَم الأشياء، والحبُّ نوعٌ من تلك القيم، فإن نظرتنا تصبح جزئيًا مَحَطَّ تجلٍّ لقيمة الناس. ومع ذلك قد يتساءل الفرد عمَّا إذا كان هذا المفهوم للحب قابلًا للتشويه، وعن كيفيَّة استيعاب القواعد التي تمكننا من فهم التشويهات الطَّارئة على المفهوم. وبعدُ قد تبدو مقاربة جوليمور في مسألة التقدير والوهب قاصرةً عن التماس الصعوبة الميتافيزيقيَّة المُضمَرَة: التقدير استجابةٌ لقيمةٍ سابقة الوجود، بينما الوهب خلقٌ لقيمةٍ لم توجد من قبل، ومنه يتَّضح أن التقدير والوهب متعارضان، ولا يمكن الجمع بينهما بالطريقة التي يأملها جوليمور.

بينما يحاول جوليمور لَمَّ العناصر المتفرّقة في التقدير والوهب تحت اعتبارٍ واحد؛ يعترض كلٌّ من هيلم (2010) وبيغلي (2015) على الافتراض الميتافيزيقي المسبق للقِيَم في الحب، أي أنَّ القيمة إمَّا سابقةٌ للحب (كما في التقدير) أو لاحقة (كما في الوهب)، ويقدّمان تصورًا آخرًا: ينشأ الحبُّ مع التقييم تزامنًا. يسترسل هيلم في التنظير للقيمة من خلال المشاعر، فعندما نفهم المشاعر الفرديَّة بصفتها تقديراتٍ مستجيبةٍ لقيمٍ سابقة الوجود في المقدَّر ]أي: المحبوب[، تكون القِيَم موهوبةً فيه عبر نمطٍ مشاعريٍّ شموليّ (كيفيَّة ارتقاء هذا النمط لنظريَّةٍ مستقلّة نناقشها في القسم 5.2). عوضًا عن هيلم، يتوسَّل بيغلي (2015) بمجازيَّة الارتجال، فمثلما يُبدِعُ موسيقيُّو الجاز أغنياتهم من خلال عمليةٍ موسيقيَّةٍ تعبيريَّةٍ متواصلةٍ سؤالًا وجوابًا؛ يُبدِعُ المحبُّون حُبًّا عبر انكبابهم على ارتجالٍ عميقٍ تتجلَّى فيه قِيَمُهُم وهُوُيَّاتهم في عمليَّةٍ متواصلةٍ من العيش المشترك. فإذًا هذه القيم نتاج ما يُنشئه المحبُّون معًا أثناء استكشاف القيم والتجاوب معها. أن تُحِبَّ إذًا هو أن تشترك مع المحبوب في هذا الارتجال العميق. (هذا الاعتبار شبيهٌ بما يقدمه هيلم (2008, 2010) في الكلام عن الفاعلية الجَمعيَّة التي يستخدمها في عرض اعتبارٍ للصداقة والعلاقات الحميميَّة: للاستزادة عن الفاعلية المشتركة في الصداقة انظر: friendship).

 

5. مواقف العاطفة

نظرًا لاستشكال القيمة في الحب بالاعتبارات السابقة، لعلَّه يجمل بنا الالتفات إلى العواطف؛ لأن العاطفة استجابةٌ تجمع في طيَّاتها السمات المحوريَّة في الحب بوصفه سلوكًا: التقييم والتحفيز وشيءٌ من الظاهرية phenomenology. العديد من الاعتبارات حول الحب تقدمه بوصفه عاطفة، منها: وولهايم 1984، رورتي 1986\1993، براون 1987، هاملين 1989، باير 1991 وبادوار 2003 [11]. يقول هاملين (1989، ص. 219): “الحديث عن الحب والكراهية بمعزلٍ عن العاطفة ليس قولًا وجيهًا في الدفاع عن أي نظريةٍ للمشاعر. سمعتُ بهذا القول من قبل، إلا أنَّ هذا مسلكٌ يائسٌ كما يبدو لي؛ فإن لم يكن الحب والكراهية عواطفَ فما العواطف؟”

الإشكال في هذه الحُجَّة عند رورتي (1980) هو حول مُفرَدَة العاطفة؛ لأنها لا تحصر جمعًا متجانسًا من الحالات الذهنيَّة، وبالتالي يتعدَّد معنى العاطفة بشكلٍ كبيرٍ بتعدُّد النظريات التي تقدم الحبَّ بوصفه عاطفة. وعليه نقسّم مواقف العاطفة إلى قسمين: من يصوّر الحب باعتباره نوعًا معيَّنًا من الاستجابة التقييميَّة-التحفيزيَّة إزاء المحبوب، سواءٌ أكانت الاستجابة تَصادُفيَّةً أم تراتبيَّة (الحبُّ عنصرٌ عاطفيٌّ متفرّد، انظر قسم 5.1)، ومن يصوّر الحب باعتباره جزءًا من منظومةٍ مشاعريَّةٍ مترابطة (الحبُّ جزءُ مركَّبٍ عاطفي، انظر قسم 5.2).

 

5.1 الحبُّ عنصرٌ عاطفيٌّ متفرّد

العنصر العاطفي المتفرّد نوع “استجابةٍ تقييميَّة-تحفيزيَّة إزاء المحبوب”، ما معنى هذا؟ تُعنَى المشاعر عادةً بعدَّة أغراض. هدف العاطفة هي ما تُصَوَّبُ نحوه، فإن خِفتُ منك أو غضبت عليك؛ أنت إذًا هدف عاطفتي. يتخلَّل استجابتي لك بالخوف أو بالغضب تقييمٌ ضمنيٌّ لِما يسمَّى بالموضع الشكليّ لعاطفتي، يقيّمُ هدفًا تختصُّ به تلك العاطفة المعنيَّة. إذًا خوفي منك يتضمَّن تقييمًا ضمنيًّا بخطورتك، بينما يتضمَّن غضبي عليك تقييمٌ بكراهيتك. لا تنحصر المشاعر في تقديم تقييماتٍ تجاه أهدافها فقط؛ لأنها تحفزنا للتصرُّف بمناحٍ عقلانيةٍ معيَّنة (عبر تحفيز سلوك الابتعاد عن الخطر) ولا عقلانيَّة (عبر إظهار سلوكيَّاتٍ تقليديَّة، مثل إغلاق الباب بشدَّةٍ من الغضب). للعواطف عنصرٌ ظاهريٌّ phenomenological أيضًا، إلَّا أن سؤال العلاقة بين فهم العاطفة شعوريًّا والتقييم والتحفيز محلُّ جدلٍ وخلاف. ختامًا، تُفهَمُ العواطف عادةً بوصفها انفعالات، أي استجاباتٍ تبدو كأنَّما أُلقِيَت علينا من الخارج، لا كشيءٍ نفعله ابتداءً. (للاستزادة في فلسفة العواطف، انظر: مدخل emotions).

ما الذي نعنيه بقولنا: الحبُّ عنصرٌ عاطفيٌّ متفرّد emotion proper؟ حسب براون (1987، ص. 14)، العواطف بوصفها حالاتٍ ذهنيَّة عرضيَّة هي “تقلباتٌ جسديَّةٌ خارجة عن العادة، نتجت عن تقدير الفاعل أو تقييمه لأمرٍ ما يعتقد بوقوع أثره عليه”. يُعرِب عن هذا زيادةً قائلًا إننا في الحب نودّ محبوبنا لتحلّيه بـ “مركَّبٍ معيَّنٍ من الخصال الممثلة فيه”، واتساع هذا المركَّب يمكّن استمراريَّة الحب حتى مع تبدُّل طِباع المحبوب مع مرور الوقت (ص. 106-7). تحتوي هذه الخصال على العناصر التاريخيَّة والعلائقيَّة، وتُسبِغُ على الحب جدارةً واستحقاقًا لبذل الجهد في سبيل استمراريَّته [12]. يبدو أن ما سلف مُوجَّهٌ نَصبَ الإعراب عن ماهيَّة موضع الحب، وهي مهمَّة بالغة الأهميَّة في فهم الحب بوصفه عنصرًا عاطفيًّا متفرّدًا. وبالتالي يبدو أن براون ينظر لماهيَّة المحبوب في استحقاقه لبذل الجهد من أجله، ويتجنَّب التفصيل في المسألة ليوحي باتساع الحب ولا محدوديَّته. يقدم هاملين (1989) تصوُّرًا مشابهًا في قوله: “الأزمة في الحب تقع في إيجاد أيّ شيءٍ من هذا النوع (بعبارةٍ أخرى، أيّ موضعٍ شكليّ) يعبّر حصرًا عن الحب. أطروحتي أنَّه لا وجود لشيءٍ مثل هذا النوع ولا يلزم وجوده، وأنَّ هذا هو ما يميز الحب والكراهية عن المشاعر الأخرى.” يرى هاملين أن الحب والكراهية مشاعر أوليَّة بدائيَّة، أي أنواع شعورٍ إيجابي أو سلبي تجاه الآخر تستبق بقيَّة المشاعر الأخرى. [13]

تعرض الاعتبارات السابقة تصوّرًا هشًّا للحب بوصفه عنصرًا عاطفيًّا متفرّدًا. فعند هاملين، يُتَصوَّر الحب باعتباره سلوكًا قبْليًّا عامًّا، لا نوع سلوكٍ شخصي، والأخير موضوعنا هنا. وعند براون، الإعراب عن الموضع الشكلي للحب بوصفه استحقاقَ شخصٍ لبذل الجهد يُهمِل تمييز الحب عن غيره من الانفعالات التقييميَّة، كالإعجاب والاحترام. يكمن جزءٌ من الإشكال في تسطيح معنى العاطفة الذي يستعمله كلٌّ من براون وهاملين ابتداءً، فإن كان الحبُّ عاطفةً وجب إشباع معنى العاطفة ليحتوي الحبَّ ضمنيًّا. إلا أن الإسهاب في معنى العاطفة المتفرّدة قد لا يفي وحده بالغرض.

 

5.2 الحبُّ جزءُ مركَّبٍ عاطفي

قد يبدو الاعتبار التركيبي من أكمل النظريات حول الحب عبر فهمه للحب في إطارٍ سلوكي عاطفي متعدد الأوجه، ولسعته وتمكُّنه من رد الاعتراضات التي تَرِد على سابقيه. من خلال إظهار الروابط العاطفيَّة بين الناس، يمكن للاعتبار التركيبي التعبير عن العمق البديهي في الحب دون الحاجة لمغالاة المنظور الاتحادي، أو المحدوديَّة الغائيَّة عند من يقول بالاهتمام الوثيق. ولأن الروابط العاطفيَّة في ذاتها تقييمات، قد يعرض التركيب فهمًا تقييميًّا موازيًا للحب دون حاجةٍ لتحديد موضعٍ شكليٍّ للحب (أو لماهيَّة المحبوب). هذا، والجوهر كامنٌ في التفاصيل.

لا تروم رورتي (1986/1993) عرضًا محيطًا بالحب، لكنَّها تنصب ناظريها نحو فكرة “السلوكيَّات الارتباطيَّة النفسيَّة” التي تتمحور حول الانفعالات العاطفيَّة والرغبويَّة كما في الحب، وتتجلَّى فيها التاريخانية historicity: “تنبثق [أي: هذه السلوكيَّات] من التفاعلات الديناميكيَّة بين فردٍ وآخر وتتشكَّل عبرها” (ص. 73). بمعنى أن الذي يجعل من سلوكٍ ما حُبًّا ليس مجرَّد حالةٍ مع المحبوب نشير إليها في زمنٍ معيِّن، بل الحب “يُعرَّفُ روايةً تاريخيَّة نوعيَّة” (ص. 75). كذلك ترى رورتي أن تاريخانيَّة الحب تترك علامةً دائمةً في المُحِبّ تأثُّرًا بمن أَحَبّ.

تقتبس باير (1991) مفهوم التاريخانيَّة هنا وتقول: “الحبُّ ليس مجرَّد عاطفةٍ يشعر بها الناس تجاه بعضهم، الحبُّ أيضًا ارتباطٌ تراكبيٌّ للمشاعر يُقَيِّدُ اثنين أو نفرًا قليلًا ببعضهم بعضًا. الحبُّ اتّكالٌ عاطفيٌّ استثنائي” (ص. 444). تدور هذه الاتكاليَّة العاطفية – إلى حدٍّ ما – حول الشعور بالتَّعاطُف. فعلى سبيل المثال، أشعر بالخيبة والإحباط نيابةً عن محبوبتي عندما يعتريها الفشل، وتغمرني الفرحة حين نجاحها. إلا أن الحبَّ عند باير “أرحبُ من مجرّد استنساخٍ للمشاعر يُسمَعُ فيه صدى كل عاطفةٍ في جوف الآخر” (ص. 442)؛ لأن الاتّكال العاطفي المتبادل بين المحبين يتَّسع لانفعالاتٍ تعقيبيَّة للمآزق العاطفيَّة التي تقع بالمحبوب. تذكر باير مثالين (ص. 443-44) لوصفِ الشعور بالـ “البهجة اللَّعُوبة” عند ارتباك محبوبتك، والتندُّر بخجلها ولحظات إحراجها. الفكرة هنا أن المحبوبة تتيح لك التمتُّع بهذه المشاعر وحدك دون غيرك، وشرط السَّماح هو أن تبتهج بعطفٍ ورِقَّة. ينبغي أيضًا أن تستجيب عاطفيًّا لانفعالات محبوبتك تجاهك، كأن تشعر بالأسى عندما تتجاهلك. كلُّ هذا يقدّم لنوع الاتكاليَّة العاطفيَّة في العلاقة الحميميَّة مع المحبوب عند باير.

تسير بادوار (2003، ص. 46) على نهجٍ مماثل، فهي تفهم الحب بوصفه “مجموعةً عاطفيَّةً للفرد تدفعه نحو الآخر، متمثلةً بمركَّب الإدراك والفكر والمشاعر.” وبالتالي، الحبُّ حقلٌ لبُنيةٍ شخصيَّة، وأساسُ هذا الاندفاع العاطفي عندها هو ما تُسميه “سيماء الحب“، وهو “إقرارٌ عاطفيٌّ متواصلٌ بحق المحبوبة في الوجود لذاتها” (ص. 44) يحمل في طيَّاته طربًا بسلامة المحبوبة. ترى بادوار أيضًا أن سيماء الحب تزوِّد المحبوبة بشهادةٍ وافيةٍ إزاء أصالة طبعها وتصرفاتها. (ص. 57).

هناك حقيقةٌ تُلمح في تصوُّر الحب – وهو سلوكٌ مركزيٌّ في العلاقات الشخصيَّة الوطيدة – لا مجرَّد حالةٍ تُطلُّ وتأفلُ ببساطة، إنما الحبُّ – في الاعتبار التركيبي – تكوينٌ تأريخي لاستجابة المحبين لعواطف بعضهم، وهو تكوينٌ مُطَّردٌ في المستقبل. كما أشرنا سابقًا، هذا النوع من الاتّكال العاطفي الناتج عن النَّسق المركَّب قادرٌ على استيعاب العمق البديهي في الحب؛ لأن العمق هنا متوشّجٌ في الوعي العاطفي بالذات. كذلك نجد بعض التقدُّم في فهم الظاهريَّة التركيبيَّة phenomenology في الحب، فهو تارةً ينبوع انتشاءٍ وابتهاجٍ في حضور المحبوبة، وتارةً أخرى منبع أسًى وحُرقةٍ وألم، ومن هنا تتجلَّى تراكيبيَّة الحب وعمقه الموغل في العلاقات التي ينمّيها.

يتيح فهم الحب في إطار تاريخٍ من الاتكاليَّة العاطفيَّة لمن يعتبر الحبَّ جزءًا من مركَّبٍ عاطفي الإدلاء بقولٍ لافتٍ للنظر في أثر الحبِّ على هويَّة المُحِبّ، وهو ما تعنيه رورتي (1986/1993) جزئيًّا في حديثها عن تاريخانيَّة الحب أعلاه.

تورد رورتي في اعتبارها أن من العناصر المهمَّة في تأريخ الحب هو “المرونة الديناميكيَّة“، بمعنى أن المُحِبَّ “يتبدُّل بِحُبّه” ويشكّل التبدُّل “تشعُّبًا في شخصيَّته” (ص. 77). يبدل الحبُّ هويَّة المحبّ من خلال هذه المرونة الديناميكيَّة، وينشئُ تنميةً واستمراريَّةً كلَّما استمرَّ المحبون في التبدُّلِ استجابةً لتبدُّل الآخر [14]. تنتهي رورتي إلى أن الحبَّ يجب أن يُفهَم بوصفه “روايةً تاريخيَّة نوعيَّة” (ص. 75) تنتج عن تلك المرونة. لا بدَّ أن يكون من الواضح أنَّ محض وجود المرونة الديناميكيَّة في الحب لا يستلزم استمراريته؛ لأن ديناميكيَّة العلاقة لا تتطلَّب وجود روايةٍ تاريخيَّة نوعيَّة تطَّردُ في المستقبل، وعليه فإن هذه المرونة قد تكون سببًا في تبدُّد الحب. الحبُّ إذًا محفوفٌ بالمخاطر، وهو بلا شكٍّ أشدُّ خطورةً إن اشتبكت هُوُيَّة المحبوب بمحبوبته إبان حبّه لها. يُستَخلَصُ من هذا أن فقدان الحُبِّ قد يُشعِر باغترابٍ عن الذات وانسلاخٍ عنها بكيفيَّاتٍ تصفها نوسباوم (1990) بأسلوبٍ مؤثر.

يمتاز الاعتبار التركيبي العاطفي للحب عن الاعتبارات الأخرى بفحصه للتاريخ العاطفي المركَّب، بينما تقدِّم بقيَّة الاعتبارات الحبَّ بوصفه سلوكًا نتَّخذه تجاه من نُحِب، وهي حالةٌ يمكننا تحليلها آن حدوثها [15]. وعلى أثر إهمال البُعد التاريخي في الحب، تواجه الاعتبارات الأخرى مصاعبَ في الإعراب عن كيفيَّة تأثُّر هُوُيَّاتنا في الحب، وأيضًا في تقديمِ حلولٍ مُرضية لإشكاليَّة التبرير في الحب (انظر قسم 6، وبالأخص الحديث عن الاستبداليَّة fungibility).

بالرغم مما أسلفنا، يتبقَّى لنا بعض الأسئلة. فإن نحن فهمنا الحبَّ جزءًا من مركَّبٍ عاطفي، لاحتجنا إذًا إلى قدرٍ أكثر وضوحًا فيما يتعلَّق بالنَّسق هنا: ما الذي يربط جُلَّ هذه الانفعالات العاطفيَّة لتنتج لنا شيئًا واحدًا، أي الحب؟ يكتفي كلٌّ من بادوار وباير بتقديم أمثلةٍ تنبئُ عن تبصُّرٍ ونباهة، إلا أنَّها لا تبدو كافية. فعلى سبيل المثال، ما الرابط بين تندُّري بحرج محبوبتي وبقيَّة العواطف الأخرى مثل بهجتي بنجاحها؟ لِمَ لا يعدُّ تمتُّعي بإحراجها شماتةً schadenfreude وبه يغدو الشعور معاكسًا للحب ومنفصلًا عنه؟ لذا، كما نبَّه نار (2013)، لا بدَّ من اعتبارٍ منضبطٍ يبيُّن لنا حدود النمط التاريخي وكيفيَّة ارتباكه بطريقةٍ يلزم معها فقدان الحب. فعندما يعتريني اكتئابٌ حادٌّ يسلبُ مني القدرة على إبداء العاطفة، هل يفنى الحب؟

لعلَّ الإجابة تُلتَمس من تاريخانيَّة الحب، وأنَّ الجواب معتمدٌ على التفاصيل التاريخيَّة خلف اشتراكي مع محبوبتي في تشكيل العلاقة. بعض العلاقات تُبنى على أساسٍ حميميّ يتيح للآخر شيئًا من المضايقة اللعوبة، وبعضها الآخر لا يتيح لمثل هذا. التفاصيل التاريخيَّة جنبًا إلى جنبٍ مع فِهم المحبَّيْن لعلاقتهما يحددان الانفعالات العاطفيَّة التي تنتمي لفصيل الحب وتلك التي لا تنتمي له. إلا أنَّ هذه الإجابة تبدو ناقصةً إلى هنا؛ فلا تُعَدُّ كلُّ علاقةٍ تاريخيَّة يتخللها اتّكالية عاطفيَّة حُبًّا، وبالتالي نحن بحاجةٍ إلى منهجٍ يرسم لنا الفرق بين الحب والسلوكيَّات الترابطية التقييميَّة الأخرى. بالتحديد ما الرواية التاريخيَّة النوعيَّة التي يمتاز بها الحب؟

يحاول هيلم (2009, 2010) الإجابة عن بعض هذه التساؤلات عبر تقديم اعتبارٍ يؤطّر الحب في إطار التماثل الحميمي intimate identification. فعند هيلم، أن تُحِبَّ أحدًا هو أن تهتمَّ به من حيث هو هو، ومع تساوي الأمور، أن تُثَمِّنَ ما يُثَمِّنُ هو. وعلى قدر ما تُشَكِّلُ قِيمُ المحبوبِ هُوُيَّتَه – من خلال تصوُّره للحياة التي تستحقُّ أن يُعاشَ لأجلها -، مشاركة هذه القِيَم تُفضي إلى مشاركة هُويَّة المحبوب. يُسمَعُ صدى الاعتبار الاتحادي هنا، إلا أنَّ هيلم يفهمُ مشاركة القِيَم لتكون من أجل المحبوب بشكلٍ صرف (كما في منظور الاهتمام الوثيق)، ويعبّر عن فهمه باصطلاح العاطفة. كَذا يعتقد هيلم أن جميع المشاعر مشتملةٌ على المركز، لا مجرَّد الغاية والموضع الشكلي (كما سلف ذكره)، والمركز عنده موضِعٌ خلفيٌّ يعبأ به المُحِب بكيفيَّةٍ يُعقَلُ معها تقييم الغاية. فمثلًا، إن خشيتُ عاصفة البرد فقد قيَّمتُها خطرًا، والذي يبرر هذا التقييم هو البلاء المحيط ببستان الخضروات الذي يهمُّني شأنه، وبالتالي بُستاني هو مركز هذه العاطفة، أَيْ الخوف. تأتي المشاعر أيضًا على أنماطٍ بمركزٍ مشترك، فشعور خشية العاصفة مرتبطٌ عادةً بمشاعرَ أُخر، مثل الشعور بالارتياح عند مُضيّها أو الشعور بالخيبة والحزن عند نزولها بالبستان، وكذا الشعور بالغضب عندما تُفسِد الأرانبُ السبانخ، والشعور بالبهجة عندما تُثمر شتلة الطماطم… إلى آخره. كذلك يرى هيلم أن النمط المُسلَّط من المشاعر ذات المركز المشترك يصيغ الاهتمام بذات المركز. تبعًا لذلك يمكننا القول – على حذو القسم 4.3 – أنَّه بينما تقيِّم المشاعر المعيَّنة مجريات العالم وتُسبِغ عليها خاصيَّاتٍ تقييميَّة، هذا الإسباغ وهِبَ جزئيًّا من الأنماط العاطفية الكليَّة.

يُعرِّف هيلم بعض العواطف بوصفها عواطفَ متمركزةً حول الأشخاص person-focused emotions، مثل الاعتزاز والامتهان، وهي مشاعرُ تتَّخذ من الأشخاص مراكزَ لها؛ لأن في مثل هذه المشاعر تقييمٌ ضمنيّ لأثر الهدف على جودة معيشة الشخص التي تتمركز حوله تلك العاطفة. على سبيل المثال، أن تُظهر الأمُّ نمطًا من تلك المشاعر المركَّزة على الذات – وعلى كونها أُمًّا بدرجةٍ أخص – هو أن تهتمَّ بمكانة الأمومة في تشكيل هويَّتها وتصوُّرها للحياة التي تستحقُّ العيش. على نفس المنوال، إظهارها أنماطًا عاطفيَّة متمركزةً على الآخر – وعلى كونه أبًا بدرجةٍ أخص – هو أن تُثَمِّنَه وتهتمَّ به اهتمامها بهُوُيَّتِها، وأن تثمّنها من أجله هو. مثل هذه المشاركة القِيَميَّة لذات الشخص ترتقي لما يسميه هيلم بالتماثل الحميمي معه، ويتخلَّله الثقة والاحترام والود، وهو إذًا [أي: التماثل الحميمي] الحبُّ بعينه. بهذا يقدِّم هيلم اعتبارًا للحب يتأصَّل في الاهتمام الصريح والاهتمام بشأنٍ ما لأجل الآخر، مُعرِبًا عن العمق البديهي في الحب من خلال التماثل الحميمي.

 

6. قيمة الحب وتبريره

لماذا نُحِب؟ اقتُرِحَ فيما سبق أن أيَّ اعتبارٍ للحب لا بدَّ أن يقدّم جوابًا على سؤالٍ تعليليٍّ كهذا. مع أهميَّة مسألة التبرير في الحب لذاتها، تُستَمدُّ أهميَّة التبرير أيضًا فيما يترتَّب عليه من فهمٍ واضحٍ لغرض الحب. كيف نتمكَّن من عقلنة الميل للمحبوبة لذاتها لا لأجل خصالها؟ ومن ثمَّ كيف نبرهن على انعدام قابليَّة استبدال المحبوبة بغيرها، أي أنَّها لا تُبدَّلُ هكذا دون خسارة؟ عددٌ من النظريَّات المختلفة تتناول الإجابة على هذه الأسئلة من نواحٍ عدَّة، وكما سنوضِّحُ: سؤال التبرير سؤالٌ ابتدائيٌّ جوهري.

أحد سُبُل فهم التعليل في “لماذا نحب؟” هو في الاستعلام عن قيمة الحب: ما الذي نتحصَّل عليه إن أحببنا؟ يأتي نوع جوابٍ نجد جذوره عند أرسطو: تعزّز العلاقات الحميميَّة فهمنا لأنفسنا بحسب ما يتصرَّف المحبوب كمرآةٍ تعكس شخصنا لأنفسنا (بادوار، 2003، ص. 58). بطبيعة الحال، يوجد افتراضٌ مسبقٌ في هذه الإجابة، ألا وهو استحالة الكشف عن الذات بطرقٍ أخرى، أي أننا إن تُرِكنا لوحدِنا لن نُحسِن تصوَّر ذواتِنا، وسوف يشوبُ التصوُّر انحيازاتٍ ونواقص تَقِفُ دوننا ودون نموّنا ونضجنا. كذلك نجد إلماحةً في مجاز المرآة بأنَّ محبوبنا يُشبِهُنا، وبذا تصبح مجرَّدُ المشاهدة أداةً نافعةً تُمهّد لنا فهم ذواتنا بكيفيَّةٍ أكثر موضوعيَّة، وإن تخللها بعض الانحياز.

يُنبّه برينك (1999, ص. 264-65) على قصور قيمة انعكاس الذات عبر المحبوب؛ فإن كانت الغاية متعدّيةً لمجرّد الكشف عن الذات وسبر أغوارها إلى طلبٍ في التحسين والارتقاء لأصبح الأجدر بك التفاعل مع الآخر المختلف عنك. يتيح لك مثل هذا التفاعل مع الآخرين بشتَّى أشكالهم استكشاف الاحتمالات البديلة في كيفيَّة العَيش وفي تقييم صلاحية تلك الاحتمالات نسبةً إلى بعضها بعضًا. وكذا تؤكد وايتينق (2013) على أهميَّة استقلال المحبوب وتمكُّنِه من عكسِ لا مجرَّد ما نحن عليه اليوم، بل أيضًا عكسُ مثالٍ لما يمكننا أن نكون غدًا. ومع ذلك، حريٌّ بنا ألَّا نأخذ المجاز المرآتيَّ بصورةٍ حرفية، وإنما نرى المحبوب بصفتهِ عاكسًا لنا لا من خلال تشابهنا معه، بل عبر استبصاره وتأويله لشخصنا ضمنيًّا وصراحةً في تجاوبه معنا. هذا ما تسميه بادوار بالـ “الأهميَّة المعرفيَّة” للحب. [16]

إضافةً إلى الأهميَّة المعرفيَّة للحب، يقدّم لافوليت (1996, الفصل الخامس) عددًا من الأسباب لتبيين استحسان الحب، وهي أسبابٌ مستنبَطةٌ من الأبحاث النفسيَّة حوله. يعزز الحبُّ شعورنا بالعافية ويرفع من قيمتنا الذاتيَّة ويطوّر من شخوصنا، وكذا يخفض الحبُّ من معدلات ضغط الدم والضغوطات النفسيَّة، وينمّي صحتنا ويزيد من عمرنا. يتمتَّع الانحياز للمحبوب عند فريدمان (1993) بقيمةٍ أخلاقيَّة، لأنه عِمادُ العلاقات الحميميَّة التي تترك بذاتها أثرًا إيجابيًّا في “سلامة الإنسان ونزاهته وتحقيق مُناه في هذه الحياة” (ص. 61). أما سولومون فيقول (1988، ص. 155): “في نهاية المطاف يوجد سببٌ واحدٌ للحب. هذا السبب السامي هو أن الحبَّ يُظهِر أجمل ما فينا، وما يعدُّ الأجمل بطبيعة الحال خاضعٌ للاختلافات الفرديَّة.” لأن الحبَّ – كما ألمَح سولومون – يدفعنا لإصلاح ذواتنا دومًا لنحظى بحبّ الآخر.

كلٌّ من هذه الإجابات عن سؤال الحب تؤطّره في إطارٍ عامٍّ مجرَّدٍ عن تفاصيل العلاقات المعيَّنة. من الوارد أيضًا فهم السؤال ليقتضي استفسارًا عن نوعيَّات الحب، وهنا نأتي على ذكر ثلاثة أسئلةٍ متعلّقة بموضوعنا:

  1. ما الذي يبرّر حبي للمعيَّن من عدمه، إن وُجد التبرير؟

  2. ما الذي يبرّر حبي للمعيَّنِ دون غيره، إن وُجد التبرير؟

  3. ما الذي يبرّر استمرارية حبي للمعيَّن بالرغم من تَبَدُّلي وتَبَدُّله وبالرغم من تبدُّل الأحوال، إن وُجد التبرير؟

هذه الأسئلة مُحمَّلةٌ باختلافاتٍ مهمَّة. فمثلًا يرى ڤيلمان (1999) أنَّ الإجابة عن السؤال الأول ممكنة، ويستعين بحقيقة أن المحبوب شخصٌ وبالتالي هو ذو طبيعةٍ عقلانية، ويرى أن السؤالين الثاني والثالث مستعصيان على الإجابة، وأفضل ما يمكننا فعله إزاء الجواب هو تقديم شرحٍ سببي لانتقائيَّة الحب. كذا سيتيا (2014) يقدّم إجابةً على السؤال الأول، لكنَّه يميل للطبيعة البشرية في الآخر لا شخصيَّتهُ الاعتباريَّة التي يترتَّب عليها التعقُّل؛ لأن الطبيعة البشريَّة تمتاز عن الطبيعة الشخصيَّة من حيث لا يلزم تحقُّق متطلَّب الشخصيَّة الاعتباريَّة المتمثل بالعقلانيَّة في كل بشريّ، وكذا لا يلزم لكلّ ذي شخصيَّةٍ اعتباريَّةٍ أن يكون بشريًّا. كما سنبيّن أدناه، للتمييز بين السؤال الثاني والثالث أهميَّةٌ في حلّ العُقَد التي تدور حول قابليَّة استبدال المحبوب، إلا أنَّه لا بدَّ من الإيضاح بأن السؤال الثالث محمَّلٌ بمطالبَ تخصُّ الهوية الشخصية، وهو جانبٌ مُهمَلٌ في حديثنا هنا.

من المهم ألَّا يختلط علينا المعنى الكامن خلف هذه الأسئلة التعليليَّة. يرفض توماس (1991) مثلًا القول بقابليَّة التبرير في الحب: “لا وجود لاعتباراتٍ عقليَّةٍ تُمكّن أحدًا من المطالبة بحبّ الآخر أو من الإصرار على أن حبَّ فردٍ لآخر لا عقلانيٌّ ضرورةً” (ص. 474)؛ “لأنه مهما كان الآخر مُحَبَّبًا ومذهلًا في أي اعتبار وضمن كل الاعتبارات، من الخطأ ببساطة أن يُلزَمَ الفردُ الذي لا تُثقله الرومانسيَّة بحب الآخر خشية أن يغدو لا عقلانيًّا، أو أنه لا مخالفةً للمعقول في زوال حب الآخر الذي أحببناه حبًّا جمًّا في السابق، وإن لم يتغيَّر.” يستدرك لافوليت (1996، ص. 63) مشيرًا إلى أن “العقل ليس بقوةٍ خارجيَّةٍ تملي علينا سلوكيَّاتنا، بل هو قوةٌ داخلية تٌشكّل هوُيَّاتنا… لا يُحتّم العقل علينا حُبَّ أحد، لكنَّه عنصرٌ فاعلٌ في تحديد من نحب ولماذا نحبُّهم.”

أي إن أسباب الحب حدِّيَّة pro tanto، بمعنى أنها تُسهم في تشكيل الأسباب الإجماليَّة للتصرُّف بإطلاق، ويعود علينا إذًا ممارسة فاعليَّتنا لتحديد ما نقوم به بميزان العقل، أو بالتخلي عن هذا الميزان طوعًا والعمل بعكس مقتضاه. تأويل مفهوم العقل في الحب ليعني الإرغام على الحب – كما تأوَّله توماس – تأويلٌ يحرّف معنى العقل ومقامه ضمن فاعليَّتنا. [17]

تركّز جملة النقاشات الفلسفيَّة حول تبرير الحب على السؤال الأول؛ لظنهم أن الجواب عليه يمهّد للإجابة على السؤال الثاني الذي لا يُميَّز عادةً عن السؤال الثالث. تختلف الإجابات عن هذه الأسئلة باختلاف تصوُّر التقييم في الحب. فمن جانبِ من يفهم التقييم في إطار الوهب (كما عند تيلفر 1970-71 وفريدمان 1993 وسينغر 1994)، لا يمكن تقديم تبريرٍ للحب (انظر القسم 4.2). يبدو هذا المنظورُ مُشكِلًا، كما أشرنا سابقًا، وخصوصًا عندما نلتفت لقيمة الحب في حيواتنا وتكوين هُوُيَّاتنا. نبذُ تصوُّر الحب لأسبابٍ قد يفضي إلى التقليص من أثر فاعليَّتنا في تعريف أنفسنا. ومن جانبٍ آخر، من يَفهَم التقييم في الحب بصفته تقديرًا يقدّمون للإجابة عن السؤال الأول تلك الخصال التي قدَّروها في الآخر المحبوب. هذا التسليم بفكرة السببيَّة في الحب يقودنا لإشكالين متعلقين بموضِع الحب object of love.

يطرح ڤلاستوس (1981) الإشكال الأول في مناقشته لاعتبارات الحب عند أفلاطون وأرسطو. يُظهِر ڤلاستوس أن هذه الاعتبارات مركَّزةٌ على خصال المحبوب، أي أنَّنا نُحبُّ الآخر – حسب أفلاطون وأرسطو – بقدر ما يمثّل الآخر تجسُّدًا موضوعيًّا للكمال. وبالتالي يقرّر ڤلاستوس أن هذه النظرة تفشل في لَحْظِ الفرق بين “المَحبَّة المتجرّدة للمحبوب” و”تثمين ما يُظهره من صفات الكمال” (ص. 33). أي أن ڤلاستوس يرى أن اعتبار أرسطو وأفلاطون اعتبارُ حبٍّ للخصال حقيقةً لا للفردِ الذي يجسّدُها، وهو حبُّ نوعٍ من الناس لا حبّ فردٍ بعينه، وينتج عن هذا الاعتبار فقدان ما يمتاز به الحب بصفته سلوكًا شخصيًّا في المرتبة الأولى. هذا الإشكال الذي يوجَّه لأفلاطون وأرسطو يبدو واردًا على كل اعتبارٍ يبرّر الحبَّ من خلال التوسل بخصال المحبوب، فبحسب ما نُحِبُّ أحدًا من الناس لأجل خصاله، قد يبدو أن موضع الحب هو تلك الخصال لا الشخص الذي جسَّدَها. هنا إذًا يصبح من هزيل القول أن يحكى (كما فعل سولومون 1988، ص. 154): “إن كان للحب أسبابٌ إذًا لا يُحَبُّ الشخص كاملًا بل يُحَبُّ فيه بعض ما فيه، مع أنَّ الشخص يأتي كاملًا طبعًا.” وختام العبارة يهمل تحرير الإشكال المحوري حول ماهيَّة موضع الحب وحوله بوصفه سلوكًا شخصيًّا.

يتمحور الإشكال الثاني حول قابلية استبدال موضِع الحب. قابليَّة الاستبدال fungibility هي إمكانيَّة تبديل شيءٍ بآخر دون نقصانٍ في القيمة. بالتالي إذًا، المال قابلٌ للاستبدال؛ لأن بمقدوري استبدال ورقتين من فئة الخمسة دولارات مقابل ورقةٍ واحدة من فئة العشرة دونما خسارة. هل موضِع الحب قابلٌ للاستبدال؟ أي هل بإمكاني الانتقال ببساطةٍ من حب شخصٍ ما إلى آخرَ يشبهه دون نقصان؟ يصاغ إشكال الاستبداليَّة عادةً كالتالي: إذا سلَّمنا أن الحبَّ قابلٌ للتبرير من خلال التوسُّل بخصال المحبوب، فإذًا يبدو أن حبَّ فردٍ ما لأسبابٍ فيهِ ليس حبَّ الفرد بعينه، بل حبُّ خصالٍ جسَّدَها هو، مما يومئ بقابليَّةِ انتقال الحب إلى أي شخصٍ آخر يجسِّدُ مثل هذه الخصال، ويغدو محبوبي قابلًا للاستبدال. وفوق هذا، قد يُظهِرُ الآخر تلك الصفات التي بني على أساسها حُبّي لمحبوبي بصفةٍ أكمل، وهنا يصبح لديَّ سببٌ لاستبداله بالآخر الأكمل. إلا أنَّه من الواضح أن مَوضِع الحب مستعصٍ على الاستبداليَّة، ويبدو أن الحبَّ متضمّنٌ لنوعٍ ارتباطٍ موغلٍ في العمق، وهو ارتباطٌ يتنافر مع فكرة الاستبدال وانتخاب الأفضل كلَّما سنحت الفرصة. [18]

يقدّم نوزيك (1989) في الرد على هذه الإشكالات نظرته الاتحادية (انظر القسم 2): “النيَّة في الحب هي تكوين النَّحن [أي: نوع اتحادٍ مع الآخر وتكوين هُوُيَّةٍ ثالثةٍ تُستَمَدُّ من طرفي العلاقة] وتعريفها امتدادًا للذات، وأن يربط الفردُ مكاسبه بمكاسبها. القبول باستبدال هذه الذات الممتدَّة قَبولٌ بتدمير الذات.” (ص. 78).

فإذًا لأن الحب متضمّنٌ لتكوين النَّحن، لزم أنَّ موضع الحب كامنٌ في الأشخاص لا في خصالهم، ولأن هويَّتي معتمدةٌ بشكلٍ أساسي على تلك النَّحن فلا يمكن استبدالها دون خسارةٍ بحال. تأتي بادوار (2003) على نقدِ نوزيك بقولها إن ردًّا كردِّه يُلمح بأن الحبَّ لا يمكن حَلُّهُ مهما كان، ومهما أحلَّ بالمحبوب، وهذا “لا يمكن تصوُّره حُبًّا بأيّ حالٍ، بل هو عين الإدمان.” (ص. 61). [19]

عوضًا عما قدمه نوزيك، تنزع بادوار (1987) إلى فهم الحب بصفته اهتمامًا وثيقًا بالمحبوب لأجله هو لا لغايةٍ في النفس. على القدر الذي يكون حبّي فيه مجرَّدًا لا وسيلةً لغاياتٍ مسبقة، يصبح من غير المعقول تصوُّر استبدال المحبوب بآخرَ أجد فيه غاياتي بشكلٍ أكمل، وعليه فلا بديل لمحبوبي. هذا ردٌّ جزئي على إشكاليَّة الاستبدال بإقرار بادوار؛ لأن الإشكال نابعٌ من الحالات التي يُبرَّرُ الحبُّ فيها من خلال القيمة الذاتيَّة لخصال المحبوب، لا مجرَّد الحالات التي نبرّرُ الحبَّ فيها بالذرائع. في مواجهة الحالات الأولى، تُسلِّم بادوار أن موضع الحبِّ قابلٌ للاستبدال في نهاية الأمر نظريًّا، إلا أنَّها تصرّ على أن الاستبدال بعيد الوقوع واقعًا. (يصل سوبل (1990، الفصل 13) إلى نتيجةٍ مشابهة).

بالرغم من ذلك، ترى بادوار أن موضع الحب ]أي: المحبوب[ “غير قابلٍ للاستبدال ظاهريًّا” (2003، ص. 63؛ انظر أيضًا: 1987، ص. 14). تعني بهذا أننا نشعر بتفرُّد محبوبنا، “حبُّ فردٍ ما والأنسُ به لا يتعادلان كليًّا مع حب آخرٍ والأنس به” (1987، ص. 14).  الحبُّ شطرُ رغبةٍ في مجالسة شخصٍ بعينه دون غيره، وإن كنت أُحب هذا الآخر؛ لأن نوع الحب في الأول يختلفُ عن الثاني. لأي شيءٍ هذا؟ قد يبدو – مثلًا – أن السبب خلف رغبتي بمجالسة إيمي عوضًا عن بوب الآن هو واقعُ ظرافة إيمي التي لا أجدها في بوب. جزءٌ من حبي لإيمي يكمن في ظرافتها، وأحبُّ بوب لأسبابٍ أخرى، وهذا الاختلاف النوعي بينهما يستبعدُ احتماليَّة استبدالهما. لكنَّ هذا الرد لا يعالج الإشكال الاستبدالي، فلو أصبح بوب مثلًا على قدر ظرافة إيمي، لِمَ لا أنصرف عنها وأقضي جُلَّ وقتي معه؟

تتَّخذُ وايتينق (1991) مسلكًا مختلفًا نوعًا ما، ففي ردّها على الإشكال الأول حول موضع الحب، تحتجُّ على ڤلاستوس لتقديمه ثنائيَّةً مغلوطة: أن أشعر بمحبَّةٍ متجرّدةٍ لفردٍ ما لأجله يتضمَّن تقديرًا لكمالاته. وبذا تقدير تلك الكمالات يستبطنهُ التزامٌ بقيمته، وهو الالتزام الصّرف به؛ لأن هذه الكمالات تُشكّل هُوُيَّته الفرديَّة. الشخصُ إذًا هو موضع الحب بصورةٍ فعلية. يتخذ ديليني (1996) مسلكًا متمّمًا في تمييزه بين موضع الحب والأُسُس التي بني عليها وهي الخصال ليقول – كما قال سولومون – بأننا عندما نحبُّ فردًا لأسبابٍ لا يعني أننا نحبّه بسبب بعض ما فيه. وكذا قد يُقرأ رفض وايتينق لثنائيَّة ڤلاستوس كما لو قلنا أنَّ ما يجعل سلوكي حُبًّا مُجرَّدًا لفردٍ بعينه هو بالضبط استجابتي لكمالاته أسبابًا مُفضيةً للمحبَّة. [20]

بطبيعة الحال، نحن بحاجةٍ إلى مزيدٍ من التفصيل عمَّا يجعل من الشخص المعيَّن موضعًا للحب. تُستَشَفُّ ضمنيًّا من تنظير وايتينق فكرة أن موضع حُبّي يتشكل جزئيًّا من تاريخ تفاعلي مع محبوبتي. أريدُ أن أكون معها هيَ لا مجرَّد خصالها التي قد تكون عند غيرها، وأنَّها هي من أَحمِلُ هَمَّها وأسعى في التخفيف عنها إن حل بها ابتلاء… إلى آخر ذلك. يعالج هذا الإشكالَ الأولَ ويترك الثاني الذي يتعلق بقابليَّة الاستبدال؛ لأن السؤال عن موضع الحب لا يزال دون جواب؛ فهل الموضع كامنٌ في خصالها؟ وهل يمكن استبدالها بأخرى إن تجلَّت تلك الخصال بشكلٍ أكملَ عند غيرها؟

لمعالجة الإشكال الثاني حول الاستبداليَّة، يتوسل كلٌّ من ديليني ووايتينق بالتاريخ المشترك في العلاقة. ترى وايتينق أنه وإن وُجِدَت خصال المحبوب في جموعٍ من الملأ فلا سبيل إلى الإجابة عن السؤال الثاني “ما الذي يبرّر حبي للمعيَّنِ دون غيره؟” إلا أنني عندما كوَّنتُ علاقةً ومرَّ عليها الزمان غدت هذه التاريخيَّة مبرّرًا لاستمراريَّة حبي لمحبوبي دون غيره (1991، ص. 7). وكذا الحبُّ عند ديليني مؤسَّسٌ على “خصائص تاريخيَّةٍ ارتباطيَّة” (1996، ص. 346) تزوِّدني بتبريرٍ لاستمراريَّة حبي للمعيّن دون غيره. وفي الحالتين يعرِّجُ التوسُّل بالارتباطيَّة التاريخية على السؤال الثالث، وبه يتَّضح ارتفاع موضع الحب عن الاستبدال.

يُسمَعُ صدى الحقيقة في هذه الردود؛ لأن العلاقات الحميميَّة شخصيةٌ بالمرتبة الأولى، وبه يصبح من النقصان تبرير الحب بخصال المحبوب دون الرجوع إلى تاريخيَّة الارتباط. هذا وما زال يوجد بعض التباسٍ في كيفيَّة توظيف الارتباطيَّة التاريخيَّة لتقدّم تبريراتٍ إضافيَّة حيال الهموم اللاحقة التي تتجاوز التبريرات المسبقة (كما في الإجابة عن السؤال الأول) توسُّلًا بكمالات شخص المحبوب (راجع برينك 1999). كوني أحببتُ فلانةً في زمانٍ مضى لا يبدو مبرّرًا لاستمرارية حبي لها لاحقًا. عندما نتصوَّر أنها تمرُّ بوقتٍ صعبٍ يسلب منها تلك الخصال التي برَّرت حبي إياها ابتداءً، لِمَ لا أفارقها وأعاشر غيرها ممَّن تتحقق فيه تلك الخصال بشكلٍ أكمل؟ بداهةً (باستثناء أن يطرأ عليها تغيير جذريٌّ يبدلها بصورة مختلفة تمامًا) نعتقد أنني لا يجدر بي تركها، لكن التوسُّل بواقع حبي لها في وقتٍ سابق لا يبدو كافيًا. ما الذي يسعنا توظيفه من المنظور الارتباطي التاريخي؟ (للاستزادة بمحاولةٍ مثيرة في هذا الصدد، انظر: كولودوني 2003).

إن ظننَّا أن تبرير الحب ممكنٌ؛ فإذًا قد يبدو لنا أن التوسُّل بحقائق تاريخيَّة عن العلاقة الحميميَّة مسلكٌ ناقص؛ لأن هذه الخصائص الذاتيَّة قد تشرح الحب لكنها لا تبرّره. فضلًا عن ذلك، يبدو أن التبرير بشكلٍ عام يتطلب خصائصَ موضوعيَّةً كُليَّة، وخصائص كهذه يتشارك فيها الناس، مما يفضي بنا إلى إشكاليَّة الاستبدال. ونتيجةً لهذا، قد يبدو أن تبرير الحب مُمتَنِع. قد تعرض الاعتبارات التي ترى الحب بوصفه سلوكًا تقييميًّا يتوسَّط ما بين وهب القيمة وتقديرها مخرجًا من هذا المأزق (انظر القسم 4.3)؛ فإننا ما إن رفضنا ثنائيَّة القيمة، أي: إما أن تكون القيمة سابقة الوجود في المحبوب أو تابعةً لحُبِّنا له دون خيارٍ ثالث، جاز لنا تقرير طبيعة الحب الشخصيَّة العميقة التي تَستمدُّ من تاريخها أُسُسًا وتخلق في أثنائها قِيَمًا (فكرةٌ محوريةٌ في منظور وهب القيمة) وتستجيب للخصال الثَّمينة في المحبوب (فكرةٌ محوريةٌ في منظور تقدير القيمة) مُمَكِّنَةً إيَّانا من تبرير الحب أخيرًا. (هيلم 2010؛ بيغلي 2015).

 

 


الهوامش

  1. نشأت هذه الطريقة في الفصل ما بين أغابي وإيروس عند برينتلينجر (1970\1989) في طرحه للسؤال اليوثيفروَّي Euthyphro-like: “هل نُحِبُّ فردًا ما لأنَّه قَيِّمٌ في ذاته؟ أو هل المحبوبٌ قيّمٌ لأننا أحببناه؟” فالأوَّل هنا إيروس، والثاني أغابي. (يرفض سينغر هذا المسلك ويقدّم طرحًا يجمع إيروس وأغابي سويًّةً. انظر القسم 4). 
  2. للاستزادة بتاريخٍ مفصَّلٍ عن مفاهيم الحب، راجع سينغر (1984a,b, 1989). لاستعراض النقاشات حول الصداقة ونوع الحب فيها، راجع مدخل الصداقة.
  3. هناك غرابةٌ في فهم عبارة نوزيك فهمًا صريحًا هنا؛ لأن النَّحن التي كوَّنتُها أنا مع زوجتي لم تقرأ عن الحب بوصفه اتحادًا لأن زوجتي تركت كتاب نوزيك لي لأقرأه. يبدو أن نوزيك يسلّم بأن المحبين يناقشون الأمور التي تهمّ كل أحدٍ منهم، وبهذه الطريقة يُسَجَّلُ في النَّحن ما قد قرأتُ أنا وحدي.
  4. رفع الامتناع هكذا دون استفاضةٍ في دور الاهتمام تحت المنظور الاتحادي (أو أي منظورٍ آخر يستبطن مفهوم الاهتمام في الحب) غير كافٍ. انظر آناس (1977) للاسترسال في صعوبة الأمر هنا.
  5. على الرغم من اشتمال تايلور هنا ضمن الاعتبار الاهتمامي، لا بدَّ أن نوضّح أنها تعتقد الحبَّ عاطفةً، إلا أنها ليست عاطفةً عرضيَّةً كما عند غيرها (ص. 161)، ولهذا يمكن ضمُّ اعتبارها تحت الحب بوصفه عنصرًا عاطفيًّا متفرّدًا (انظر القسم 5.1).
  6. إضافةً إلى ستمپ، يقدّم توماس (1989، 1991، 1993) اعتبارًا اهتماميًّا للحب يتوسل فيه بأهميَّة العلاقات الحميميَّة، إلَّا أنه يفهمها فهمًا مغايرًا تمامًا: المرغوب في الحب “اهتمامٌ متبادلٌ وشراكة وتعبيراتٌ جسديَّةٌ مع المحبوب” (1991، ص. 470). عند توماس، يلزم عن هذا احتواء العلاقة الحميميَّة على “آصرة الوفاء” التي تترسَّخ عبر الشَّرِكَة في البوح بالذات. للاستزادة بالانتقادات الواردة على دور البوح بالذات في الصداقة، انظر: مدخل الصداقة، القسم 1.2.
  7. هذا إن سلَّمنا لبادوار جدلًا أن الموتى لا يمكن نفعهم ولا الإضرار بهم. فمثلًا، يرفض أرسطو هذا الإقرار، ولا يزال هذا محلَّ جدل.
  8. إقحام هذه الفكرة في المنظور الاهتمامي يودي بمركزيَّة الرغبة في الحب، ويلزم عنه إبهامٌ للحدّ بين منظورَي الاهتمام والاتحاد مما يؤدي إلى التساؤل مجدَّدًا عن ماهيَّة الاهتمام ودور الاستقلاليَّة في الحب.
  9. لاحظ كيف يتناسب الانتقاد الموجَّه لڤيلمان سابقًا مع هذا الانتقاد: في التفريق بين الحب والاحترام، يسوقُ ڤيلمان الآثار التي في الحب دون الاحترام، لكنَّه لا يقدر على تقديم شرحٍ لا يلزم منه دورٌ في كيفيَّة تمتُّع الحب بذاك الأثر.
  10. الظاهر أن سينغر يردُّ هذا بقوله: “يُسهِمُ التقدير في الحب مباشرةً، لا مجرَّدَ عنصرٍ سببي فيه” (1994، ص. 141). وفي إعرابه عن المعنى المقصود بالمساهمة المباشِرة، يبدو أنَّه لا يقول إلا بأن وهب القيمة في رغبات المحبوب ومُثُلِه العُليا ممكنٌ حال تعرُّفنا على تلك الرغبات والمُثُل، وهذه مسألةٌ تقديريَّة. مساهمةٌ معرفيَّةٌ كهذه ليست مجرَّد فاعلٍ سببي، إلا أنَّ دور هذا في فهم اصطفائيَّة الحب غير واضح.
  11. آخرون من غيرهم يدَّعون تقديم اعتبارٍ للحب بوصفه عاطفةً، منهم سولومون (1976، 1981، 1988) الذي صنَّفناه في الاعتبار الاتحادي، وتايلور (1976) التي صنَّفناها ضمن الاعتبار الاهتمامي.
  12. لا ينتبه براون إلى كون اعتباره في آخر كتابه ليس اعتبارًا للعاطفة بوصفها حالةً ذهنيَّةً عرضيَّة. قد يكون مبتغى براون في آخر المطاف عرضُ نوعٍ مستدامٍ للحب هو أشبه ما يكون بنزعةٍ نحو الشعور بعواطف حبٍّ عرضيَّة مرارًا وتكرارًا. لا يتَّضح السبب خلف تمسُّك براون بالعاطفة ليقرّر اتساع الحب في الزمن؛ كلُّ ما هو مطلوبٌ هنا أن يكون موضع الحب ذات الشخصِ لا مجرَّد خصاله. انظر القسم 6.
  13. هذا التصوُّر للحب بوصفه عاطفةً بدائيَّةً شبيهٌ بمقالة ديكارت في “انفعالات النفس” Passions of the Soul: “الحبُّ عاطِفةُ مُسَبَّبَةٌ بحِراك الأرواح الذي يبعث في نفس المُتحَرِّكِ ميلًا ناحية الأغراض التي تناسبها.”
  14. راجع كوكنق وكينيت (1998) لما يبدو تفريعًا على تنظير رورتي فيما يتعلَّق بأنواع الآثار التي تنبتُّ فينا عبر صُحبتنا من حيث الاتجاه والتأويل.
  15. يستثنى من هذا قِسمٌ من المنظور الاتحادي الذي يرى الحبَّ تحقُّقًا واقعيًّا (لا مجازيًّا) لاتحاد اثنين؛ لأن تشكيل اتحادٍ كهذا عمليَّةٌ تاريخيَّة. إلا أن هذا المنظور لا يعبّر بقدرٍ كافٍ عن دور التاريخ المشترك في الحب.
  16. الأخذ باستجابات أحبابِنا لنا مأخذًا معرفيًّا محضًا مُوقعٌ في التقليل من أثرهم علينا؛ لأننا قد نتبدَّل تأثُّرًا بصحبتنا عبر نوعِ تماثلٍ نجده معهم. (انظر كوكنق وكينيت 1998، مدخل الصداقة، القسم 1.2)
  17. تأسّيًا بفرانكفرت (1999)، يرى ويليغينبرق (2005) أن الحبَّ يزوّدنا باهتمامٍ ضروريّ يشكّل أساسًا للعقل موجّهًا إيَّاه ناحية الأمور التي تعنينا. إلا أن محض الحبِّ عنده لا يحتاج إلى أي تبرير، ولو شكَّكنا في حُبّنا وعرَّضناه للنقد. لتأمُّلاتٍ مشابهة على نظرية فرانكفرت في الحب (ينشئ الحبُّ أسبابًا في النفس)، انظر: برانسن 2006، أورتيز-ميلان 2007.
  18. لاحظ أنَّ الإشكال الثاني يمتاز عن الأول بحسب غياب مفهوم الخصال موضِعًا للحب دون ذات الشخص، فالإشكال هنا يدور حول كيفيَّة تبرير الحب واستمراره، فلو تُوُسِّلَ بكون المحبوب على هيئةٍ معيَّنةٍ من أنواع الناس لَعُقِلَ استبداله بمثيله، أما لو زُوِّدْنا بتبريرٍ يرفع المحبوب عن المماثلة بالآخر فلا استبدال. (راجع مقالة كراوت 1986 في معالجة الاستبداليَّة من خلال إبانة الحب إن كان متعلّقًا بالقول de dicto أو بالفعل de re).
  19. متى يحقُّ للمرء حلُّ علاقة عاطفيَّةٍ ما أو هجرها؟ يتعلَّق هذا بالسؤال الثالث أعلاه في اقتباس توماس (1991)، وهو سؤالٌ لم يؤتَ عليه في الأدبيَّات الفلسفيَّة. ربُّما يكمن السبب في اعتمادِ فهم الحلِّ على فهم ما يبرّر استمراريَّة الحب. وبالرغم من ذلك، ليس من الواضح اضطرارنا لمعالجة السؤالين في معزلٍ عن بعضهما.
  20. كذلك يميّز برينك (1999، ص. 272) بين موضع الحب وصورته، ويردُّ على مقالة ڤلاستوس قائلًا أنَّ الأشخاص المعيَّنين هم مواضع حبنا، وأنَّ “تثمين خصالهم الحميدة والتعزيز منها” في بعض الحالات على الأقل صورةٌ من صور حبنا لهم. وعلى خلاف وايتينق، يرى برينك أن الحب لا ينطوي على محبَّةٍ متجرّدة؛ لأن مؤدَّى هذا “عزو أهميَّةٍ خارجيَّةٍ لاهتمامٍ مميَّز، والميزان هو ما نفطنه بربطنا أهميَّةً ذاتيَّةً في العلاقات الحميميَّة” (1999، ص. 269).
    1. توظّف تايلور رموزًا في شرح عبارتها، منها x وy وψ، آثرتُ التعبير عنها باللفظ كيلا يلتبس المعنى. (المترجم)
    2. الكرامة عند كانط مبدأٌ أخلاقيٌّ يقرّر بأنَّ الإنسان ينبغي أن يُعامَلَ على أنَّهُ غايةٌ في ذاته لا وسيلة. (المترجم)
    3. الدَّور (تعريفات الجرجاني): “هو توقُّفُ الشيء على ما يتوقَّف عليه، ويسمَّى بالدور المصرَّح كما يتوقَّف (أ) على (ب) وبالعكس أو بمراتب ويسمَّى الدَّور المضمر كما يتوقَّف (أ) على (ب) و(ب) على (ج) و(ج) على (أ).” (المترجم)
  • ما بين هاتين [ ] تصرُّفٌ في النص لغرض التوضيح.
  • عرفان: أسهم يمان الدراوشة إسهامات جليلة في التحسين من الأسلوب العربي في النص المترجم.

 


قائمة المراجع

  • Annas, J., 1977, “Plato and Aristotle on Friendship and Altruism”, Mind, 86: 532–54.
  • Badhwar, N. K., 1987, “Friends as Ends in Themselves”, Philosophy &Phenomenological Research, 48: 1–23.
  • –––, 2003, “Love”, in H. LaFollette (ed.), Practical Ethics, Oxford: Oxford University Press, 42–69.
  • Badhwar, N. K. (ed.), 1993, Friendship: A Philosophical Reader, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • Bagley, B., 2015, “Loving Someone in Particular”, Ethics, 125: 477–507.
  • Baier, A. C., 1991, “Unsafe Loves”, in Solomon & Higgins (1991), 433–50.
  • Blum, L. A., 1980, Friendship, Altruism, and Morality, London: Routledge & Kegan Paul.
  • –––, 1993, “Friendship as a Moral Phenomenon”, in Badhwar (1993), 192–210.
  • Bransen, J., 2006, “Selfless Self-Love”, Ethical Theory and Moral Practice, 9: 3–25.
  • Bratman, M. E., 1999, “Shared Intention”, in Faces of Intention: Selected Essayson Intention and Agency, Cambridge: Cambridge University Press, 109–29.
  • Brentlinger, J., 1970/1989, “The Nature of Love”, in Soble (1989a), 136–48.
  • Brink, D. O., 1999, “Eudaimonism, Love and Friendship, and Political Community”, Social Philosophy & Policy, 16: 252–289.
  • Brown, R., 1987, Analyzing Love, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Cocking, D. & Kennett, J., 1998, “Friendship and the Self”, Ethics, 108: 502–27.
  • Cooper, J. M., 1977, “Aristotle on the Forms of Friendship”, Review ofMetaphysics, 30: 619–48.
  • Delaney, N., 1996, “Romantic Love and Loving Commitment: Articulating a Modern Ideal”, American Philosophical Quarterly, 33: 375–405.
  • Ebels-Duggan, K., 2008, “Against Beneficence: A Normative Account of Love”, Ethics, 119: 142–70.
  • Fisher, M., 1990, Personal Love, London: Duckworth.
  • Frankfurt, H., 1999, “Autonomy, Necessity, and Love”, in Necessity, Volition, andLove, Cambridge: Cambridge University Press, 129–41.
  • Friedman, M. A., 1993, What Are Friends For? Feminist Perspectives on PersonalRelationships and Moral Theory, Ithaca, NY: Cornell University Press.
  • –––, 1998, “Romantic Love and Personal Autonomy”, Midwest Studies in Philosophy, 22: 162–81.
  • Gilbert, M., 1989, On Social Facts, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • –––, 1996, Living Together: Rationality, Sociality, and Obligation, Rowman & Littlefield.
  • –––, 2000, Sociality and Responsibility: New Essays in Plural Subject Theory, Lanham, MD: Rowman & Littlefield.
  • Hamlyn, D. W., 1989, “The Phenomena of Love and Hate”, in Soble (1989a), 218–234.
  • Hegel, G. W. F., 1997, “A Fragment on Love”, in Solomon & Higgins (1991), 117–20.
  • Helm, B. W., 2008, “Plural Agents”, Noûs, 42: 17–49.
  • –––, 2009, “Love, Identification, and the Emotions”, American Philosophical Quarterly, 46: 39–59.
  • –––, 2010, Love, Friendship, and the Self: Intimacy, Identification, and the Social Nature of Persons, Oxford: Oxford University Press.
  • Jollimore, T, 2011, Love’s Vision, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • Kolodny, N., 2003, “Love as Valuing a Relationship”, The Philosophical Review, 112: 135–89.
  • Kraut, Robert, 1986 “Love De Re”, Midwest Studies in Philosophy, 10: 413–30.
  • LaFollette, H., 1996, Personal Relationships: Love, Identity, and Morality, Cambridge, MA: Blackwell Press.
  • Lamb, R. E., (ed.), 1997, Love Analyzed, Westview Press.
  • Liddell, H. G., Scott, R., Jones, H. S., & McKenzie, R., 1940, A Greek-EnglishLexicon, Oxford: Clarendon Press, 9th edition.
  • Montaigne, M., [E], Essays, in The Complete Essays of Montaigne, Donald Frame (trans.), Stanford: Stanford University Press, 1958.
  • Naar, H., 2013, “A Dispositional Theory of Love”, Pacific Philosophical Quarterly, 94(3): 342–357.
  • Newton-Smith, W., 1989, “A Conceptual Investigation of Love”, in Soble (1989a), 199–217.
  • Nozick, R., 1989, “Love’s Bond”, in The Examined Life: PhilosophicalMeditations, New York: Simon & Schuster, 68–86.
  • Nussbaum, M., 1990, “Love and the Individual: Romantic Rightness and Platonic Aspiration”, in Love’s Knowledge: Essays on Philosophy and Literature, Oxford: Oxford University Press, 314–34.
  • Nygren, A., 1953a, Agape and Eros, Philadelphia, PA: Westminster Press.
  • –––, 1953b, “Agapeand Eros”, in Soble (1989a), 85–95.
  • Ortiz-Millán, G., 2007, “Love and Rationality: On Some Possible Rational Effects of Love”, Kriterion, 48: 127–44.
  • Price, A. W., 1989, Love and Friendship in Plato and Arisotle, New York: Clarendon Press.
  • Rorty, A. O., 1980, “Introduction”, in A. O. Rorty (ed.), Explaining Emotions, Berkeley: University of California Press, 1–8.
  • –––, 1986/1993, “The Historicity of Psychological Attitudes: Love is Not Love Which Alters Not When It Alteration Finds”, in Badhwar (1993), 73–88.
  • Scruton, R., 1986, Sexual Desire: A Moral Philosophy of the Erotic, New York: Free Press.
  • Searle, J. R., 1990, “Collective Intentions and Actions”, in P. R. Cohen, M. E. Pollack, & J. L. Morgan (eds.), Intentions in Communication, Cambridge, MA: MIT Press, 401–15.
  • Setiya, K., 2014, “Love and the Value of a Life”, Philosophical Review, 123: 251–80.
  • Sherman, N., 1993, “Aristotle on the Shared Life”, in Badhwar (1993), 91–107.
  • Singer, I., 1984a, The Nature of Love, Volume 1: Plato to Luther, Chicago: University of Chicago Press, 2nd edition.
  • –––, 1984b, The Nature of Love, Volume 2: Courtly and Romantic, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1989, The Nature of Love, Volume 3: The Modern World, Chicago: University of Chicago Press, 2nd edn.
  • –––, 1991, “From The Nature of Love”, in Solomon & Higgins (1991), 259–78.
  • –––, 1994, The Pursuit of Love, Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.
  • –––, 2009, Philosophy of Love: A Partial Summing-up, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Soble, A. (ed.), 1989a, Eros, Agape, and Philia: Readings in the Philosophy of Love, New York, NY: Paragon House.
  • –––, 1989b, “An Introduction to the Philosophy of Love”, in Soble (1989a), xi-xxv.
  • –––, 1990, The Structure of Love, New Haven: Yale University Press.
  • –––, 1997, “Union, Autonomy, and Concern”, in Lamb (1997), 65–92.
  • Solomon, R. C., 1976, The Passions, New York: Anchor Press.
  • –––, 1981, Love: Emotion, Myth, and Metaphor, New York: Anchor Press.
  • –––, 1988, About Love: Reinventing Romance for Our Times, New York: Simon & Schuster.
  • Solomon, R. C. & Higgins, K. M. (eds.), 1991, The Philosophy of (Erotic) Love, Lawrence: Kansas University Press.
  • Stump, E., 2006, “Love by All Accounts”, Presidential Address to the Central APA, Proceedings and Addresses of the American Philosophical Association, 80: 25–43.
  • Taylor, G., 1976, “Love”, Proceedings of the Aristotelian Society, 76: 147–64.
  • Telfer, E., 1970–71, “Friendship”, Proceedings of the Aristotelian Society, 71: 223–41.
  • Thomas, L., 1987, “Friendship”, Synthese, 72: 217–36.
  • –––, 1989, “Friends and Lovers”, in G. Graham & H. La Follette (eds.), Person to Person, Philadelphia, PA: Temple University Press, 182–98.
  • –––, 1991, “Reasons for Loving”, in Solomon & Higgins (1991), 467–476.
  • –––, 1993, “Friendship and Other Loves”, in Badhwar (1993), 48–64.
  • Tuomela, R., 1984, A Theory of Social Action, Dordrecht: Reidel.
  • –––, 1995, The Importance of Us: A Philosophical Study of Basic Social Notions, Stanford, CA: Stanford University Press.
  • Velleman, J. D., 1999, “Love as a Moral Emotion”, Ethics, 109: 338–74.
  • –––, 2008, “Beyond Price”, Ethics, 118: 191–212.
  • Vlastos, G., 1981, “The Individual as Object of Love in Plato”, in Platonic Studies, 2nd edition, Princeton, NJ: Princeton University Press, 3–42.
  • White, R. J., 2001, Love’s Philosophy, Rowman & Littlefield.
  • Whiting, J. E., 1991, “Impersonal Friends”, Monist, 74: 3–29.
  • –––, 2013, “Love: Self-Propagation, Self-Preservation, or Ekstasis?”, Canadian Journal of Philosophy, 43: 403–29.
  • Willigenburg, T. Van, 2005, “Reason and Love: A Non-Reductive Analysis of the Normativity of Agent-Relative Reasons”, Ethical Theory and Moral Practice, 8: 45–62.
  • Wollheim, R., 1984, The Thread of Life, Cambridge, MA: Harvard University Press.

أدوات أكاديميَّة

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

  • AristotleNicomachean Ethics, translated by W.D. Ross.
  • Moseley, A., “Philosophy of Love,” in J. Fieser (ed.), Internet Encyclopedia of Philosophy

مداخل ذات صلة

character, moral | emotion | friendship | impartiality | obligations: special | personal identity | Plato: ethics | Plato: rhetoric and poetry | respect | value: intrinsic vs. extrinsic


[1] Helm, Bennett, “Love”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/love/>.