ميشيل فوكو – موسوعة ستانفورد للفلسفة

ميشيل فوكو – موسوعة ستانفورد للفلسفة

ترجمة: فريق حكمة –  نسخة PDF

غاري كوتينق

د. غاري غوتينق، برفيسور الفبسفة في جامعة نوتردام


مقدمة: هذا نص مترجم لد. غاري غوتينق، عن ميشيل فوكو، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

ميشيل فوكو (1926-1984) مؤرخ وفيلسوف فرنسي، ارتبط اسمه بالحركات البنيوية ومابعد البنيوية. تجاوز تأثيره الواسع مجال الفلسفة ليمتد أيضا على نطاق واسع في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

 

  1. سيرة ذاتية

  2. خلفية فكرية

  3. نقد فوكو للعقل التاريخي

  4. أعماله الرئيسية

               4.1 تاريخ الجنون والطب

               4.2 الكلمات والأشياء

               4.3 من الأركيولوجيا إلى الجينولوجيا

               4.4 المراقبة والمعاقبة

               4.5 تأريخ الجنسانية الحديثة

               4.6 الجنسانية في العالم القديم

    5. فوكو بعد فوكو

  • بيبلوجرافيا

  • إرشادات أكاديمية

  • مصادر أنترنتية إضافية

  •  مواد ذات صلة

 


 

  1. سيرة ذاتية 

ولد فوكو في بواتيه بفرنسا في 15 أكتوبر 1926، كانت فترة دراسته مضطربة نفسيا  غير أنه  أظهر تفوقا على المستوى الدراسي. بدأ دخول الحياة الأكاديمية في حقبة الستينات حيث شغل عدة مناصب في الجامعات الفرنسية قبل إنتخابه  عام 1969  للتدريس في الجامعة الفرنسية المرموقة “الكوليج دي فرانس” حيث عمل أستاذا لتاريخ نظم الفكر حتى وفاته. ومنذ العام 1970 أصبح فوكو ناشطا على المستوى السياسي حيث كان المؤسس لجمعية أخبار السجون وتظاهر دفاعا عن حقوق المثليين والمجموعات المهمشة الأخرى, حاضر فوكو كثيراً خارج فرنسا وخصوصا في الولايات المتحدة وفي 1983 وافق على أن يدرس بشكل سنوي في جامعة كالفورنيا بيركلي. كان  ضحية مبكرة لمرض الإيدزو توفي في 25 يونيو 1984. نشرت بعض أعماله أثناء حياته، تم نشرت  محاضراته في الكوليج دي فرانس بعد وفاته وهي تتضمن توضيحات وإمتدادات لأفكاره.

يصعب التفكير في فوكو كفيلسوف. فتكوينه الأكاديمي في مجال علم النفس وتاريخه بنفس القدر في الفلسفة . كتبه في الغالب هي تواريخ للعلوم الطبية والإجتماعية, كان شغوفا  بالأدب والسياسة   أديباً،  وأيا يكن، فأعمال فوكو يمكن أن تكون مثمرة فلسفيا إذا قرأت من خلال أحد البعدين التاليين أو كليهما:  الأول: كاضطلاع بالقيام بالمشروع الفلسفي النقدي التقليدي من خلال نمط (تاريخي) جديد، والثاني:  للتشابك النقدي مع أفكار الفلاسفة التقليديين. هذا المقال سوف يقدمه كفيلسوف من خلال هذين البعدين.

 

  1. خلفية فكرية

نبدأ برسم لوحة للمشهد الفلسفي الذي تلقى فيه فوكو تعليمه، إلتحق فوكو بالإيكول دي نورمال سوبيور  وهي نقطة الإنطلاق التقليدية لكل الفلاسفة الفرنسيين الكبار، في عام 1946 حينما كانت الوجودية الفينومينولوجية في ذروتها، حضر محاضرات لميرلوبوندي, وهيدجر الذي كان مهما له  بشكل خاص، كما كان   هيجل وماركس أهتمامين رئيسين لفوكو. عرف الأول “هيجل” من خلال شروح أعماله التي قدمها جان هيبوليت فيما عرف ماركس من خلال التوسيرالذي قدم قراءة بنيوية له، أثر  كلا  الأستاذين بقوة   على فوكو في  مرحلة “الإيكول نورمال ” لذلك  لم يكن مفاجئاً أن تكون أعمال فوكو المبكرة (مقدمته الطويلة لكتاب “الحلم والوجود ” للنفساني الهيدجري   لودفيج بنسفانجر. والأمراض العقلية والشخصية: كتاب مختصر في المرض النفسي) قد كتبا تحت تأثير وطأة  الوجودية والماركسية بالتتابع، وهما ماتحول عنه بشكل حاسم بعد فترة ليست ببعيدة.

ماكان لحياة سارتر الذي عاش وعمل خارج النظام الجامعي أي تاثير شخصي على فوكو، إلا أن فكرسارتر الذي سيطر على الفكر الفرنسي السابق على فوكو كان حاضرا  دوما  كسابقة فكرية. بدأ فوكو كما سارتر بكراهية شديدة للمجتمع البرجوازي وثقافته وبتعاطف عفوي مع الجماعات المهمشة على جوانب المجتمع البرجوازي مثل الفنانين و  الممثلين و السجناء والمثليين وأمثالهم. كما أن الإثنين متشابهان في إهتمامهما بالأدب وعلم النفس كما  الفلسفة، وكلاهما أيضا، تحولا إلي ناشطين  مؤثرين  بعد عزوف مبكر نسبيا  عن السياسة. ومع هذا التشابه، كان فوكو  مصراً -في النهاية- على تعريف نفسه بالتضاد  مع سارتر. فعلى الصعيد الفلسفي مثلا. رفض فوكو مركزية الذات عند سارتر (والتي هزأ بها بوصفها نرجسية ترانسندنتالية)، كما رفض فوكو  على صعيد  شخصي وسياسي دور سارتر “كمفكر عالمي” حيث يحكم  الأخير على المجتمعات من داخل “مباديء  كونية/متعالية”. ومع هذا كله، يبقى مسحة  تحتج  بشدة عل محاولة فوكو للتباعد عن سارتر، وليظل السؤال عن العلاقة بين  نتاجهما  سؤالا خصبا.

ثلاثة عوامل أخرى كانت أكثر أهمية وإيجابية بالنسبة لفوكو اليافع. الأول كان التراث الفرنسي في تاريخ وفلسفة العلم، ممثلة  بأعمال جورج كانجيلهام, أحد الرموز القوية والمؤثرة في المؤسسة  الجامعية الفرنسية , إذ قدمت كتاباته في تاريخ وفلسفة البيولوجيا، نموذجاً للكثير مما سيقوم به فوكو بعد ذلك في تاريخ العلوم الإنسانية. أشرف كانجيلهام على أطروحة فوكو للدكتوراة عن “تاريخ الجنون” وظل أحد أهم المؤيدين والمناصرين لفوكو طوال مسيرته،  كان  منظور كانجيلهام لتاريخ العلم (وهو منظور طوره من كتابات غاستون باشلار)  خير  عون لفوكو إذ أمده بحس قوي كوني  بالقطيعات في تاريخ العلم، وفوق هذا أمده  بفهم”عقلاني” للدور التاريخي للمفاهيم. هاتان القدرتان جعلتهما   متحررين من الوعي الفينومينولوجي المتعالي.

 فوق هذا، وجد فوكو مايدعم هذا الفهم في اللسانيات البنيوية وعلم النفس اللذين طورهما فريناند دي سوسيو وجاك لاكان وأيضا في عمل جورج دومزيل البنيوي الأول من نوعه في (الدين المقارن)، كل هذه المواقف المضادة للذاتية أوجدت السياق لتهميش فوكو للذات في “تواريخه البنيوية،  ميلاد العيادة (في أصول الطب الحديث) ، الكلمات والأشياء (في أصول العلوم الإنسانية الحديثة).

وجد فوكو نفسه ومن مشرب مختلف مفتونا بطلائع  الأدب الفرنسي سيما كتابات جورج باتاي وماريو بلانشو، وجد هناك  الواقعية التجريبية للوجودية الفينومينولوجية سالمة من التترس بسياجات  الأفتراضات الفلسفية المشبوهة عن الذاتية. وعلى جانب خاص من الأهمية كان الإستحضار الأدبي “للخبرات-المحدودة” ممايدفعننا إلى الأقاصي  حيث تبدأ الفئات التقليدية للفهم  تتهاوى ساقطة.

أنتجت هذه الوسط الفلسفي المواد اللازمة لنقد الذاتية ومثيلاتها  من الطرق الأركولوجية  والجينولوجية  التي أفادت فوكو  في مشروعه  في  النقد التاريخي . نعرج اليه  في الأسطر التالية .

 

  1. نقد فوكو للعقل التاريخي

 جرت العادة أن يقال أن  الفلسفة  بدأت مع سقراط، وأنخرطت من لحظتها الأولى في مشروع مساءلة المسلمات المقبولة عادة، وبعد قرون  قام لوك وهيوم وتحديدا  كانط بتطوير فكرة مميزة حديثة  وهي نقد المعرفة.  يتجلى الإبتكار الإيستمولوجي  العظيم لكانط في أنه يوضح   أن نفس النقد الذي كشف حدود قوانا المعرفية  هو قادر أيضا على أن يكشف عن الشروط الضرورية لاستعمالها، فما قد يبدو  على أنه سمات ممكنه للمعرفة والتفكير (على سبيل المثال الطابع الزماني والمكاني للأشياء) تنقلب لتصبح حقائق ضرورية .  في المقابل ,  يقترح فوكو  بأن نقوم بعملية قلب لتلك الخطوة الكانطية وبدلاً من أن نسأل ماهو الضروري فيما يبدو ممكناً, يقترح  أن نسأل ماهو الممكن فيما قد يكون ضروريا.   يروم  التساؤل الفوكوي المركز العلوم الإنسانية الحديثة(البيولوجية, السيكولوجية والإجتماعية)، إذ أن هذه العلوم تطمح  إلى أن تقدم حقائق علمية كونية عن الطبيعة البشرية, فيما   هي في الواقع لاتزيد عن كونها تعبيرات بسيطة عن الإلتزامات السياسية والأخلاقية لمجتمع معين. الفلسفة النقدية الفوكوية تقوض تلك المزاعم بأن تعرض   كيفية  تكون تلك المزاعم  والتي لاتعدوا كونها مجرد نتاج لقوى تاريخية ممكنة. وبذلك فهي  ليست حقائق مؤسسة علميا.

  1. أعماله الرئيسية

 

4.1   تاريخ الجنون والطب

 يٌبرز “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ” (1961)   النمط في فكر فوكو وهو أول أعماله الكبرى. نشأ هذا الكتاب في مرحلة دراسة فوكو الأكاديمية لعلم النفس (ليسانس علم النفس 1949 ثم دبلومه في علم الأمراض النفسية 1952) وكذلك أثناء عمله في مستشفى للأمراض النفسية بباريس، وفوق كل ذلك، معاناته الشخصية من مشاكل نفسيه.   غير أنه كتب الجزء الأكبر منه في مرحلة هجرته بعد التخرج (1955-1959) وتعاقبه على شغل وظائف دبلوماسية وتعليمية عديدة في السويد وألمانيا وبولندا. يستقصي الكتاب ظهور المفهوم الحديث “للمرض العقلي” في أوروبا,   تكوّن” تاريخ الجنون” من خلال عمل فوكو الأرشيفي الضخم إضافة إلى سخطه الشديد على ما رآه كنفاق أخلاقي للطب النفسي الحديث. التواريخ القياسية رأت المعالجة الطبية للجنون في القرن التاسع عشر(والتي تطورت من إصلاحات بينل في فرنسا والإخوان توك في إنجلترا) كتحرير مستنير للجنون من جهل ووحشية العصور السابقة, ولكن بحسب فوكو فالفكرة الجديدة القائلة بأن المجنون هو مريض فحسب (مريض”عقليا”) وفي احتياج لعلاج طبي لم تكون تطويراً واضحاً للمفاهيم السابقة على الإطلاق (على سبيل المثال, فكرة عصر النهضة عن أن المجنون على اتصال بالقوى الخفية للمأساة الكونية, أو وجهة نظر القرنين 17-18 للجنون على أنه نبذ للعقل) علاوة على ذلك، هو يجادل بأن الحياد العلمي المزعوم للمعالجة الطبية الحديثة للجنون، هو مجرد غطاء لتحديات حاسمة للأخلاق البرجوازية التقليدية. باختصار فوكو يجادل بأن ما تم تقديمه على أنه موضوعي، اكتشاف علمي لا جدال حوله (أن الجنون هو مرض عقلي) كان في الحقيقة نتاجا للشكوك البارزة حول الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية.

بعد “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي“، يؤرخ فوكو “مولد العيادة”  (1963)  الذي يمكن أن يُقرأ مثل سابقه كنقد للطب الإكلينيكي الحديث ولكن صوت النقد الإجتماعي – الأخلاقي هنا  مصمت (فيما عدا بعض المقاطع النارية )، قد  يعزى   ذلك إلى  وجود جوهر أساسي من الحقيقة الموضوعية في الطب (بعكس الطب النفسي ) ممايقلل من وجود قاعدة يستند عليها النقد, وكنتيجة لذلك فإن مولد العيادة هو أقرب مايكون إلى التاريخ القياسي للعلم, على نفس طريقة كانجليهام للمفاهيم.

 

4.2   الكلمات والأشياء

يعد الكتاب الذي جعل من فوكو مشهورا Les mots et les choses والذي ترجم الكتاب إلى الإنجليزية تحت عنوان (The Order of Things) إقحاما غريبا في تطور فكر فوكو بطرق عدة. إذ يشي العنوان الفرعي “حفريات العلوم الإنسانية” Une archéologie des sciences humaines بتوسع في التاريخ النقدي السابق للطب النفسي والطب العيادي ويتجاوزه إلى تخصصات حديثة أخرى كالاقتصاد والأحياء “البيولوجيا” وفقه اللغة ” الفيولوجيا “. وبالطبع هناك اهتمامات مستفيضة في “المعارف الأمبريقية التجريبية” المتعددة لعصر النهضة والعصر الكلاسيكي الذي سبق عصر العلوم البشرية الحديثة. بالكاد وجد نقد اجتماعي ضمني أو حتى انعدم في كتاب ” التاريخ الكلاسيكي للجنون ” أو حتى ” ولادة العيادة “. وعوضا عنه، يعرض فوكو تحليلا شاملا عما تعنيه المعرفة – وكيف تغير هذا المعنى – في الفكر الغربي من عصر النهضة إلى يومنا. إذ كان مفهوم “التمثيل” هو مركز اهتمام فوكو، ولذا سأركز هنا على معالجته لمفهوم “التمثيل” في الفكر الفلسفي، حيث نجد أكثر الاشتباكات المباشرة لفوكو مع الأسئلة الفلسفة التقليدية.

4.2.1    التمثيل الكلاسيكي

يجادل فوكو بأنه منذ ديكارت وحتى كانط (خلال ما يسميه الفرنسيون العصر الكلاسيكي) كان التمثيل مرتبطا بالفكر: التفكير مجرد توظيف الأفكار لتمثل موضوع الفكر. لكنه يقول يجب أن نكون واضحين عما يعني أن تمثل فكرة موضوعا. إذ لم يكن هذا، في المقام الأول، أي نوع من علاقات التماثل: لا توجد أي سمات(خصائص) للفكرة بحيث تشكل تلك السمات تمثيلا للموضوع. (لا يتطلب هذا القول بأن الفكرة بلا خصائص أو حتى أن تلك الخصائص ليست ذات علاقة لتمثيل الفكرة للموضوع.) على العكس، فُهمت المعرفة في عصر النهضة كمسألة تماثل بين العلامات.

الخريطة نموذج مفيد للتمثيل الكلاسيكي، إذ تتكون على سبيل المثال من مجموعة خطوط متباينة في الطول والعرض والألوان، وبالتالي تمثل طرق المدينة وما حولها. هذا ليس لأن الطرق لديها خصائص الخريطة (طول وعرض وألوان الخطوط) ولكن لأن البنية التجريدية الممنوحة في الخريطة (العلاقات بين الخطوط) تطابق البنية التجريدية للطرق. يكمن في قلب التفكير الكلاسيكي مبدأ أننا نعرف بمقتضى امتلاكنا لأفكار، إن صح التعبير، تمثل ما نعرفه. بالطبع، وعلى العكس من الخريطة، لا نحتاج لأن نعرف الخصائص الفعلية لأفكارنا بمقتضى ما هي قادرة على تمثيله (بمصطلحات ديكارت التعليمية، لا نحتاج لأن نعرف “حقيقتها الصورية”) نحتاج فقط لأن نعرف البنية التجريدية التي تتشاركها مع الأشياء التي تمثلها (البنية لما يسميه ديكارت “الواقع الموضوعي” لها). إلا أننا ومع هذا نملك مدخلا (استبطانيا) نحو البنيات التجريدية لأفكارنا: يمكننا أن “نرى” أي بنية تمثيلية تملكها. علاوة على أنه يمكننا تحوير بنية فكرة لجعلها تمثيلا أفضل لموضوع، بالطريقة التي نحور خريطة لتحسينها.

كيف يمكن، من المنظور الكلاسيكي، أن نعرف بأن فكرة ما هي تمثيل لموضوع وإنه تمثيل كاف؟ يجادل فوكو بأن ذلك لا يكون بمقارنة الفكرة بالموضوع كما لو أنها منفصلة عن تمثيله. هذا مستحيل، إذ أنه يتطلب معرفة الموضوع دون تمثيل (حين، في الفكر الكلاسيكي، أن تعرف هو أن تمثل). إن الامكانية الوحيدة هي في أن على الفكرة نفسها أن تبين بشكل واضح أنها تمثيل. الفكرة تمثل حقيقة أنها تمثيل. أما عن مسألة ما إذا كانت الفكرة تمثيل، فهذه الخاصية من “المرجعية الذاتية” هي كل ما هنالك. وأما بالنسبة للموائمة، يجب أن تكون هناك بعض الأفكار الفرعية التي تدلل على موائمتها- على سبيل المثال “الأفكار الواضحة والمتميزة” عند ديكارت أو الانطباعات البسيطة عند هيوم. وبهذا المعنى، على بدايات الفلسفة الحديثة أن تُبنى دائما على “الحدس” (عقلي أو حسي). لاحظ بأن “الحدس” بموائمة فكرة لا يؤسس في ذاته الوجود المستقل للموضوع الذي تمثله الفكرة. أما فيما يخص منظور البدايات الحديثة، قد لا يكون هناك مواضيع كهذه، ولو كان، فإنها تحتاج لأن تُحقق عبر وسائل أخرى (عبر الحجة أو نوع آخر ما من الحدس مثلا).

 نرى إذن، بالنسبة لفوكو، مفتاح المعرفة الكلاسيكية هو الفكرة؛ أي التمثيل الذهني. يمكن للمفكرين الكلاسيكيين أن يختلفوا على الوضع الأنطولوجي الفعلي للأفكار (واقعها الصوري)؛ لكنهم يتفقون جميعا على أنها (أبستمولوجيا إن لم تكن انطولوجيا) تمثيل “غير مادي” و”غير تاريخي”. أي أنهم في تمثيلهم لموضوعاتهم تحديدا، لا يمكن تصور أنهم يملكون أي دور في الاتصالات العرضية للعوالم الطبيعية أو الإنسانية. ومن هنا يتبع قدما أن اللغة -كواقع مادي و/أو تاريخي تحديدا-  لا يمكن أن يكون لها دور أساسي في المعرفة. لا يمكن للغة إلا أن تكون مجرد أداة نظام أعلى للفكر: تمثيل مادي للأفكار، لا معنى لها إلا من خلال علاقتها بهم.

 

 4.2.2   نقد كانط للتمثيل الكلاسيكي 

يؤكد فوكو أن “التحول” العظيم في الفلسفة الحديثة يحدث حين، مع كانط (على الرغم من أنه مجرد مثال لشيء أعرض وأعمق بكثير بلا شك) يصبح من الممكن إثارة السؤال عما إذا كانت الأفكار بالفعل تمثل مواضيعها، وإن كانت كذلك، كيف (بمقتضى ماذا) تفعل. أي بمعنى آخر، لم تعد تؤخذ الأفكار على أنها حمالات غير إشكالية للمعرفة؛ إذ من الممكن الآن أن نفكر بأنه يمكن للمعرفة يمكن أن تكون (أو لها جذور في) شيء آخر غير التمثيل. هذا لا يعني أن ليس للتمثيل أي ارتباط بالمعرفة على الإطلاق، فربما بعض (أو حتى كل) المعرفة مازالت بالأساس تشمل أفكار تمثل مواضيع. لكن يصر فوكو أن الفكر الذي الآن فقط (مع كانط) غدى ممكنا هو أن قد يكون للتمثيل ذاته (والأفكار التي مثلت) أصول في شيء آخر.

أدى هذا التفكير، بحسب فوكو، لبعض الامكانات الحديثة الهامة والفارقة. أولها تلك التي طورها كانط نفسه، الذي فكر بأن التمثيلات (تأملات أو أفكار) هن أنفسهن نتاج (“مُشّكلات” عبر) العقل. بيد أن العقل لم ينتجهن مع هذا كواقع طبيعي أو تاريخي، وإنما كانتماء إلى حقل معرفي مميز: ذاتية متجاوزة. لذا حافظ كانط على الإصرار الكلاسيكي بأنه لا يمكن فهم المعرفة كواقع مادي أو تاريخي، لكنه حدد أسس المعرفة في مجال (متجاوز) أكثر أولية من الأفكار التي يضمها. (يجب أن نضيف بالطبع أن كانط لم يفكر بهذا المجال على أن يحوي واقعا متجاوزا التاريخي والمادي؛ لم يكن ميتافيزيقيا. ولكن استكشف هذا البديل الميتافيزيقي عبر الميتافيزيقيا المثالية التي تبعت كانط). كان هناك منظور آخر -وبطبيعة أكثر حداثية- بأن الأفكار نفسها وقائع تاريخية. هذا كان يمكن أن يطور هذا بشكل أكثر معقولية عبر أن يعتبر الآن ربط الأفكار بشكل أساسي مع اللغة (كما عند هردر على سبيل المثال) الحامل الرئيسي (والمؤرخن) للمعرفة. ولكن هذا المنظور لم يكن قابلا للتطبيق في صيغته الأصلية، إذ سيحرم جعل المعرفة تاريخية بالكامل من أي صفة معيارية وبذا سيدمر صفتها كمعرفة. بمعنى آخر، حتى حين يجعل الفكر الحديث من المعرفة تاريخية بشكل رئيسي، فعليه أن يحتفظ بمعادل وظيفي لمجال كانط المتجاوز ليضمن الشرعية المعيارية للمعرفة.

 

 4.2.3     اللغة و”الإنسان”

في هذه النقطة يقدم لنا “الكلمات والأشياء” الخصيصتين المركزيتين للفكر بعد كانط: عودة اللغة و”ميلاد الإنسان” تفسر مناقشتنا السابقة بسهولة لم يتحدث فوكو عن عودة اللغة: لها الآن دور مستقل وأساسي لم تكن لتلعبه كمجرد أداة للأفكار الكلاسيكية. ولكن هذه العودة ليست ظاهرة وحدوية متراصة. فاللغة مرتبطة بالمعرفة بطرق مختلفة يقابل كل منها نوع متميز من “العودة”. لذا، على سبيل المثال، أنتج تاريخ اللغات الطبيعية ارتباكات وتشوهات يمكننا أن نستبعدها عبر آليات الصورنة. من جهة أخرى، ربما وضع نفس هذا التاريخ حقائق أساسية في لغتنا لا يمكننا تنقيبها إلا وسائل التفسير التأويلي. (لذا فهاذين المنظورين المتعاكسين ظاهريا- الكامنين تحت تفرقة الفلسفة التحليلية عن الاستعمارية – هما في الواقع، بحسب فوكو، مشروعين تكميلين للفكر الحديث.)  ولكن هناك إمكانية أخرى: يمكن أن تعامل اللغة بعد أن تحررت من تبعيتها للأفكار (كما كانت في عصر النهضة) كواقع مستقل بذاته- بل حتى باستقلال أعمق من لغة عصر النهضة، بما أنه لا يوجد نظام تماثل يربطها بالعالم. وبهذا المعنى، اللغة حقيقة نحو ذاتها، لا تتحدث عن شيء عدا معناها الخاص. هذا هو حقل “الأدب الخالص” الذي استحضره ملارمييه حين أجاب سؤال نيتشة (الأصيل) “من الذي يتكلم”؟ بـ “اللغة نفسها”. إلا أنه وعلى النقيض من عصر النهضة لا توجد كلمة خارقة كامنة وتمنح حقيقة فريدة لكلمات اللغة. الأدب حرفياً لا شيء سوى لغة – أو عدة لغات تتحدث عن نفسها ولنفسها.

حتى أكثر أهمية من اللغة هو هيئة الإنسان. وأهم نقطة عن “الإنسان” هو أنه مفهوم معرفي. يقول فوكو، لا يوجد الإنسان خلال العصر الكلاسيكي (أو قبل ذلك). ذلك ليس لانعدام فكرة البشر كنوع أو الطبيعة البشرية كاعتبار سيكولوجي أو أخلاقي أو سياسي، وإنما “لم يكن هناك وعي معرفي بالإنسان كهذا” (الكلمات والأشياء, 309) ولكن حتى “المعرفي” يحتاج تصورا. حتى في العصر الكلاسيكي بلا شك تم تصور البشر كموضع للمعرفة على أنه (أي أن البشر هم من حملوا الأفكار التي تمثل العالم). أما الإنسان فهو مفهوم معرفي بالمعنى الكانطي للذات المتجاوزة والتي في الوقت نفسه موضوع تجريبي. كان البشر، بالنسبة للعصر الكلاسيكي، ولكن ليس كما عند كانط مصدرها. إذ لم يكن هناك مكان في الفكر الكلاسيكي للاعتبار الحديث عن “التشكيل”.

يستعرض فوكو فكرته من خلال مناقشه كاشفة لكوجيتو ديكارت، مظهراً لماذا الكوجيتو يقينية غير قابل للشك ضمن المعرفة الكلاسيكية ولكن ليس ضمن المعرفة الحديثة. هناك طريقتان لمساءلة قوة الكوجيتو. الأولى هي اقتراح أن الذات (النفس المفكرة، الأنا) التي استنتج ديكارت وجودها هي أكثر من مجرد فعل لتمثيل المواضيع؛ لذا لا نستطيع الانتقال من تمثيل إلى مفكر. ولكن هذا ليس منطقيا بالنسبة للعصر الكلاسيكي بما أن التفكير هو التمثيل. سيكون النقد الثاني في أن يمكن الذات كممثل ألا تكون “واقعية بالفعل” ولكن مجرد “نتاج” (مُشّكلة عبر) عقل حقيقي بالمعنى الأكمل. لكن ليس لهذا الاعتراض وزن إلا إذا فكرنا في أن هذا العقل “أكثر واقعيا” يملك الذات كموضوع بمعنى ما عدا تمثيلها (وإلا، فلا أساس للقول بأن الذات كممثل هي “أقل واقعية”.) ولكن مرة أخرى، هذا تحديدا ما لا يمكن التفكير به بالمعطيات الكلاسيكية.

 

4.2.4    تحليل التناهي

يكمن في قلب الإنسان تناهيه: حقيقة أنه، كما هو موصوف في العلوم التجريبية الحديثة، محدود بقوى تاريخية متعددة (عضوية واقتصادية ولغوية) تعمل عليه. هذا التناهي معضلة فلسفية لأنه على هذا الكائن التجريبي المحدود تاريخيا أن يكون أيضا مصدر التمثيلات التي نعرف بها العالم التجريبي، بما فيها أنفسنا ككائنات تجريبية. متضمنا على الأنا (وعيي)، كما يضعه كانط، أن يكون موضوعا تجريبيا للتمثيل ومصدرا متجاوزا لها في الوقت ذاته. كيف يكون ذلك ممكناً؟ يرى فوكو بأنه ليس ممكنا في النهاية- وتعني تلك الاستحالة (المدركة تاريخيا) انهيار المعرفية الحديثة. يرسم ما يسميه فوكو ” تحليل التناهي” الحالة التاريخية لهذا الاستنتاج ويمحص الجهود الكبيرة (التي تصنع مجتمعة قلب الفلسفة الحديثة) للإجابة على السؤال.

طبعا، يعود السؤال -والاستراتيجية الأساسية لإجابته- إلى كانط، الذي يطرح الفكرة الحاسمة الآتية: أن العوامل ذاتها التي تجعل منا متناهين (خضوعنا للمكان، الزمان، السببية، …إلخ) هي أيضا شروط أساسية لإمكان المعرفة. وبذا تناهينا مؤسَس ومؤسِس في نفس الوقت (إيجابي وأساسي، كما يضعها فوكو). إن مشروع الفلسفة الحديثة (الكانطية ومابعد الكانطية) -تحليل التناهي- هو لإظهار كيف يمكن ذلك.

تحاول بعض الفلسفات الحديثة حل معضلة الإنسان من خلال اختزال المتجاوز إلى التجريبي في الواقع. إذ تحاول الوضعية على سبيل المثال أن تفسر المعرفة بمقتضيات العلم الطبيعي (الفيزياء والأحياء) بينما تنادي الماركسية بالعلوم الاجتماعية التاريخية. (الفارق هو أن الأولى تؤسس المعرفة في الماضي-على سبيل المثال التاريخ التطوري-في حين أن الثانية تؤسسها في المستقبل الثوري الذي سيتجاوز قيود الإيديولوجيا) يتجاهل كلا التوجهان ببساطة كلا المنظورين معطيات المشكلة: وهي أنه يجب اعتبار الإنسان بشكل غير قابل للاختزال تجريبيا ومتجاوزا.

قد يبدو أن الفينومينولوجيا الهوسرلية أنجزت المشروع الكانطي في التوفيق بين الإنسان كموضوع والإنسان كذات من خلال جعل المشروع الديكارتي راديكاليا؛ أي عبر تأسيس معرفتنا بالحقائق التجريبية في واقع الذات المتجاوزة. لكن المشكلة مع هذا أن المفهوم الحديث للإنسان يستبعد فكرة ديكارت عن الكوجيتو كـ (سيادة شفافة) للوعي الخالص. لم يعد الفكر تمثيلا خالصا ولذا لا يمكن فصله عن “اللا فكر” (أي الحقائق التجريبية والتاريخية المعطاة عما نكونه) لم يعد يمكنني أن أذهب من “أنا أفكر” إلى “أنا موجود” لأن مكون واقعي (ما أكون) أكثر دائما من مكون من مجرد أي ذات مفكرة (أنا موجود، على سبيل المثال، أعيش، أعمل، أتكلم-وكل هذا يأخذني وراء مجال مجرد الفكر) أو بوضع الفكرة بشكل معكوس، إذا ما استخدمنا “أنا” لدلالة على واقعي ككائن واعي ببساطة، إذن أنا “لا أكون” أكثر من أنا (كذات في العالم) موجود. كنتيجة، إلى المدى الذي أسس هوسرل فيه كل شيء على الذات المتجاوزة، هذه ليست ذات (كوجيتو) لديكارت ولكنها الكوجيتو الحديث والذي يتضمن (التجريبي) اللا مفكر الذي هو جزء من واقع الإنسان على الفيمينولوجيا، ككل الفكر الحديث، أن تقبل اللا مفكر “كالآخر” الذي لا يمكن استبعاده من الإنسان. حتى الوجوديين الفينومينولوجيين (سارتر وميرلوبونتي) لم يتمكنوا من حل تلك المعضلة. فعلى العكس من هوسرل، تجنبوا وضع “أنا” متجاوزة وركزوا بدلا عنه على الواقع الصلب للإنسان- في- العالم. ولكن يزعم فوكو بأنها مجرد وسيلة أكثر حذاقة لاختزال المتجاوز إلى التجريبي.

أخيرا، حاول بعض الفلاسفة (هيجل وماركس من ناحية ونيتشه وهيدجر من ناحية أخرى) أن يحلوا وضع الإنسان المزدوج بعاملته كواقع تاريخي. ولكن تواجه هذه الحركة صعوبة أن يجب على الإنسان يجب أن يكون نتاج عمليات تاريخية وأصل التاريخ كذلك. إذا عاملنا الإنسان كمنتج، سنجد أنفسنا نختزله إلى شيء لا إنساني (هذا ما يسميه فوكو “التقهقر” من أصل الإنسان.) ولكن إذا أصررنا على ” عودة” الإنسان إلى أصله الصحيح، فعندها لا يمكننا أن نفهم مكانه في العالم التجريبي.  يمكن لهذه المفارقة أن تشرح لنا الهوس اللا منتهي بالأصول في الفلسفة الحديثة، ولكن لا توجد طريقة للخروج من تناقض الإنسان كمنشِئ وناشئ. مع ذلك، يعتقد فوكو بأن السعي الحديث وراء مسألة الأصل وفرت حسا أعمق بالأهمية الأنطولوجية للزمان، خاصة في فكر نيتشه وهيدجر، اللذان يرفضان وجهة نظر هيجل وماركس عن العودة إلى أصلنا كتعويض ممتلئ للوجود، ويريانه بدلا عن ذلك كمواجهة مع عدمية وجودنا.

 

4.3   من الأركيولوجيا إلي الجينولوجيا

 قدم فوكو بوضوح “الكلمات والأشياء” على شكل مقاربة “أركيولوجية” لتاريخ الفكر، ونشر بعد ثلاث سنوات 1969 “حفريات المعرفة” يحدد الإنتقال إلى ما يصفه المعلقون بصفة عامة المرحلة “الجينالوجية” لفوكو بالمقابلة مع المرحلة السابقة ” الأركيولوجية”. في 1969 نشر فوكو حفريات المعرفة وهو دراسة منهجية تصوغ بوضوح المنظور التاريخي”الأركيولوجي” الذي طبق أدواته  -ولو ضمنيا- في أعمال سابقة، لا تقتصر على  ” الكلمات والأشياء”، إنما قبل ذلك في أعماله  في “تاريخ الجنون”، و “مولد العيادة”، تتلخص فرضية المنهج الأركيولوجي في أن نظم التفكير والمعرفة (الإبستميات، أو التشكيلات الخطابية بمصطلحات فوكو) محكومة بقواعد وراء قواعد النحو والمنطق، تعمل تحت وعي الذوات الفردية وتحدد نظام الممكنات المفاهيمية والذي يحدد حدود التفكير داخل مجال وفترة زمنية معطاة.

لذا، فعلى سبيل المثال يتوجب –كما يؤكد فوكو – أن يقرأ ” تاريخ الجنون” كحفر عقلي في جذور التشكيلات الخطابية التي حكمت الكلام والتفكير عن الجنون منذ القرن 17 الى القرن 19 .

الأركيولوجيا كانت منهجا أساسيا لفوكو حيث أنها دعمت وصفا  تاريخا لايرتكز على أولية وعي الذوات الفردية, فقد مكنت مؤرخ الفكر من العمل على مستوى –اللاوعي/اللاموعي- التي تعرض أولية الذات  في  الفينومينولوجيا والتاريخ التقليدي معا .   ومع ذلك  فالقوة النقدية الضاربة للأركيولوجيا تم حصرها في حدود المقارنة بين تشكيلات خطابية مختلفة لأزمنة مختلفة. تلك المقارنات توحي باحتمالية طريقة تفكير معطاه من خلال إظهارنا على أن العصور السابقة قد فكرت بشكل مختلف كثيراً (ومن الواضح, بفعالية أكبر). ولكن التحليل الأركيولوجي المجرد لايمكنه أن يقول أي شيء عن أسباب التحول من طريقة تفكير إلى أخرى وبالتالي ربما كان مجبراً على تجاهل الحالة الأكثر إلحاحاً وهي إمكان الأوضاع المعاصرة المترسخة. الجينالوجيا, المنهج الجديد المطبق في راقب وعاقب كان مقصوداً منه اصلاح هذا القصور.

أراد فوكو لمصطلح “جينالوجيا” أن يكون إستدعاء لجينالوجيا الأخلاق عند نيتشه خصوصا مع تلميحها إلى أن الأصول المعقدة والدنيوية و الشائنة  ليست بأي حال من الأحوال جزء من أي مخطط كبير للتارخ التقدمي. الهدف من التحليل الجينالوجي أن يبين أن نظام تفكير معطى (هو نفسه قد كشف بنياته الأساسية من خلال الأركيولوجيا، لذلك يظل جزءاً من تاريخ فوكو) كان نتاج لتحولات ممكنه للتاريخ، وليس نتيجة لاتجاهات عقلية محتومة.

 

 4.4   المراقبة والمعاقبة

هذا الكتاب الذي نشر عام (1975) هو دراسة جينالوجية لتطور الطريقة الحديثة “الألطف” لسجن المجرمين بدلا من تعذيبهم أو قتلهم. مع التسليم بوجود العنصر الإصلاحي الأصلي المستنير، فإن فوكو يؤكد بشكل خاص على الكيفية التي يصبح بها إصلاح كهذا وسيلة لتحكم أكثر فاعلية : “أن تعاقب أقل، ربما،  ولكن من المؤكد أنك تعاقب بشكل أفضل” يمضي فوكو لأبعد من من ذلك فيجادل بأن الأسلوب الجديد للمعاقبة يتحول إلى نموذج للسيطرة على المجتمع ككل بأن يتم بناء المصانع والمستشفيات والمدارس على غرار نموذج السجن الحديث. ولكن على الرغم من ذلك لايجب علينا أن نعتقد بأن تطبيق هذا النموذج يعود إلى قرارات صريحة من مؤسسة مركزية حاكمة. وبطريقة جينالوجية نموذجية، يظهرنا تحليل فوكو على كيفية تطور التقنيات والمؤسسات لأسباب مختلفة وأغراض بريئة في الغالب، لتتقارب مكونة النظام الحديث للسلطة الرقابية.

في قلب صورة فوكو عن المجتمع “الرقابي” الحديث هناك ثلاثة تقنيات رئيسية للتحكم: مراقبة هيراركية، تطبيع الأحكام، الفحص.

إلى حد بعيد فإن التحكم في الناس (السلطة) يمكن تحقيقة بمجرد مراقبتهم فحسب، لذا فعلى سبيل المثال صفوف المقاعد المتدرجة في إستاد ما لاتسهل الرؤية فقط للمشاهدين ولكنها تمكن الحراس وكاميرات المراقبة أيضا من القيام بمسح شامل للمتفرجين. إن نظاماً مثالياً من المراقبة قد يمكن حارساً واحداً فقط من رؤية كل شيئ (هي حالة يقترب منها , كما يمكننا أن نقول، نموذج جيريمي بنتام “البانوبتيكون”) ولكن بما أن ذلك غير ممكن عادة فهناك حاجة “لتناوب” المراقبين بشكل هيراركي حيث تمرر بيانات المراقبين من المستويات السفلى إلى المستويات العليا.

ً

سمة مميزة للسلطة الحديثة (التحكم الإنضباطي) وإهتمامها بما لم يفعله الناس (عدم التقيد بالقانون) وهو مايمكن أن يكون فشل شخص ما في الوصول للمعايير المطلوبة. هذا الإهتمام يجسد الهدف الرئيسي من النظام الرقابي الحديث: تقويم السلوك المنحرف، الهدف ليس الإنتقام (كما كان الحال مع التعذيب في النظام العقابي القديم) وإنما الإصلاح، وبالطبع هنا يعني العيش وفقاً لمعايير وقواعد المجتمع. التاديب من خلال فرض قواعد دقيقة (“التطبيع”) مختلف تماما عن النظام الأقدم للمعاقبة القضائية والذي يحكم فقط على كل فعل حسب مطابقته أو مخالفته للقانون ولا يقول إذا ماكان هؤلاء المحكومين “طبيعيين” أم غير “طبيعيين”، تلك الفكرة عن التطبيع متغلغلة في مجتمعنا: على سبيل المثال المعايير الوطنية للبرامج التعليمية، للممارسات الطبية، للعمليات الصناعية والمنتجات.

 الفحص (على سبيل المثال, للتلاميذ في المدرسة أو للمرضى في المستشفيات) هو طريقة في التحكم تجمع بين المراقبة الهيراركية وتطبيق الأحكام. الفحص هو مثال رئيسي على مايسميه فوكو المعرفة/السلطة، حيث انه يجمع في كل موحد “تطبيق السلطة وتأسيس الحقيقة” (184) فهو يستخرج الحقيقة من الأشخاص الذين يخضعون للفحص(يقولون مايعرفون, أو يدلون بمعلومات عن حالتهم الصحية) ويتحكم في تصرفاتهم (بإجبارهم على الدراسة أو توجيههم لبرنامج علاجي).

في حساب فوكو فإن العلاقة بين السلطة والمعرفة هي أقرب مماهي عليه في النموذج الهندسي البيكوني المألوف الذي يعتبر أن “المعرفة هي السلطة” بمايعني أن المعرفة هي أداة للسلطة في حين أن الإثنان يوجدان بشكل مستقل تماما. وجهة نظر فوكو مختلفة, فعلى الأقل بالنسبة لدراسة الموجود البشري فإن أهداف السلطة وأهداف المعرفة لايمكن فصلها: بالمعرفة نحن نتحكم وبالتحكم نحن نعرف .

الفحص أيضاً يضع الأفراد في “مجال التوثيق” فنتائج الفحص تسجل في وثائق تمدنا بمعلومات مفصلة عن الأشخاص المفحوصين وتمكن أنظمة السلطة من التحكم فيهم (على سبيل المثال, كشوف الغياب للتلاميذ, سجلات المرضى بالمستشفيات). على أساس هذه السجلات يشكل من هم في السلطة فئات ومتوسطات معايير تكون بدورها أساس المعرفة. الفحص يحول الشخص إلى “حالة” بالمعنيين الممكنيين للكلمة: نموذج علمي وموضوع للرعاية، الرعاية هي دائما فرصة للسيطرة.

نموذج جيرمي  بنتام بالنسبة لفوكو هو نموذج معماري مثالي للسلطة الرقابية الحديثة, هو تصميم لسجن بني بحيث يكون كل سجين معزول عن باقي السجناء وغير مرئي لهم (في “زنزانة” منفصلة) وكل نزيل هو دائماً مرئي لشاشة مراقبة موضوعة في برج مركزي، في الواقع فإن أجهزة المراقبة لن تتمكن من رصد كل سجين على حدة طوال الوقت، ولكن النقطة هنا هي أنها قد تفعل في أي وقت. منذ أن كان السجناء لايعرفون أبداً ما إذا كانوا مراقبين فيجب عليهم أن يتصرفوا وكأنهم تحت المراقبة دائماً. كنتيجة لذلك فالسيطرة تم إحرازها من خلال المراقب الداخلي لهؤلاء السجناء بشكل أكبر من هؤلاء الموضوعين في قيود حديدية ثقيلة.

 

 

مبدأ الباتوبيتيكون يمكن تطبيقه ليس فقط في السجون ولكن أيضاً في أي نظام من نظم المراقبة(مصنع، مستشفى، مدرسة) وفي الحقيقة فإنه على الرغم من أن بنتام نفسه لم يتمكن أبدا من بنائه فإن مبدأه قد غزا كل مناحي المجتمع الحديث, إنها الأداة التي استبدلها النظام الرقابي الحديث بسلطات ماقبل العصر الحديث (الملوك والقضاة) كعلاقة القوة الإساسية.

 

4.5   تأريخ الجنسانية الحديثة

تاريخ فوكو للجنسانية كان مخططاً له بوضوح أن يكون إمتداداً مباشراً للمنظور الجينالوجي لراقب وعاقب  إلى موضوع الجنسانية. فكرة فوكو هي أن  “المراقية والمعاقبة” إلى موضوع الجنسانية .  تتمركز فكرة فوكو  إلى أن الأشكال المعرفية الحديثة والمتنوعة عن الجنس (“علوم متعددة عن الجنسانية” تتضمن التحليل النفسي)  ترتبط حميميا  ببنية السلطة في المجتمع الحديث وبالتالي فهي مرشح أساسي للتحليل الجينالوجي.نشر  الجزء الأول من هذا المشروع   عام  1976 وقصد منه  أن يكون مقدمة لسلسلة من الدراسات لجوانب معينة من الجنسانية الحديثة (الأطفال، النساء، “المنحرفين”، السكان وغيرهم .)  فقد  حدد الخطوط العريضة لمشروع التاريخ كله، شارحا  فيه وجهة النظر الأساسية والطرق التي سيتم استخدامها.

في حساب فوكو، فإن الرقابة الحديثة المفروضة على الجنس توازي الرقابة والتحكم في الجريمة من خلال جعل الجنس (كالجريمة) موضوع للتخصصات العلمية المزعومة والتي تقوم بتوفير المعرفة والسيطرة أيضاً على موضوعاتها في وقت واحد. لذلك فإنه يصبح من الواضح أن هناك بعداً آخر للسلطة المرتبطة بعلوم الجنس فالأمر لايقتصر على تحكم يمارس من خلال معرفة الآخرين بالأفراد ولكن هناك أيضاً تحكم من خلال معرفة الأفراد لأنفسه. الأفراد يستدمجون المعايير المنصوص عليها من قبل علوم الجنس كمعايير داخلية ويقومون بمراقبة أنفسهم كمحاولة منهم للتطابق مع تلك المعايير, ولذلك فهم ليسوا فقط مراقبين بوصفهم موضوعات للرقابة/التأديب، بل أيضا بوصفهم ذوات خاضعة لتدقيق وتشكيل ذاتي.

 

4.6   الجنسانية في العالم القديم

اشتبك فوكو وللمرة الأخيرة بالفلسفة التقليدية نتاج انعطافه المفاجئ تجاه العالم القديم والتي أخذها في السنين القليلة الأخيرة من حياته. “تاريخ الجنسانية” كان مخططاً له أن يكون عملا من عدة مجلدات في موضوعات عديدة لدراسة الجنسانية الحديثة.  نوقش في الفقرة السابقة المجلد الأول الذي كان مقدمة عامة، كتب فوكو     المجلد الثاني ” اعترافات اللحم” والذي لم ينشره. تعامل في هذا المجلد مع أصول الفكر الحديث عن الذات في ممارسات الاعتراف المسيحي، كان اهتمامه أن فهماً جيداً للتطور المسيحي يتطلب مقارنة مع التصور القديم للذات الأخلاقية، وقد أنجز هذا في كتابيه الأخيرين (1984) عن الجنسانية عند الإغريق والرومان: استعمال المتع والاعتناء بالنفس.

حولت هذه المعالجات للجنسانية القديمة فوكو إلى العناية بقضايا أخلاقية كانت متضمنة في أعماله الأولى، وإن ندر تناولها بشكل صريح، كان هدفه المحدد هو مقارنة الوثنية القديمة بالأخلاق المسيحية من خلال حالة، اختبار الجنسانية وتتبع تطور الأفكار المسيحية عن الجنس من الأفكار المختلفة تماما عند الوثنين القدماء.  يرى فوكو أن التناقض العظيم بين وجهة النظر المسيحية بأن الأفعال الجنسية كانت كلها ذاتية الشر، فيما يعتقد الإغريق أنها كانت خيرا وطبيعية وضرورية، ولكنها على الرغم من ذلك موضوع وعرضة للإساءة. وكنتيجة لذلك، بدلاً من كون القانون الأخلاقي المسيحي يمنع معظم أشكال الممارسات الجنسية (ويحاصر الباقي بشدة)، شدد، في المقابل، قدماء الإغريق على الاستمتاع المناسب، يتضمن هذا مجالا واسعا من الأنشطة الجنسية (جنسية غيرية، وجنسية مثلية، داخل الزواج وخارجه) إنما باعتدال مناسب. وبهذا الفهم، فالجنس عند الإغريق كان جزءاً أساسياً مما سماه فوكو “جماليات النفس”: خلق الذات لعالم جميل ووجود ممتع.

قادت هذه الدراسات عن الجنسانية القديمة وعلى وجه الخصوص فكرة جماليات النفس، قادت فوكو إلى الفكرة القديمة عن الفلسفة كأسلوب للعيش وليست، بحثاً نظرياً عن الحقيقة. ومع أنه توجد مناقشة في “استعمال المتع” لتصور أفلاطون عن الفلسفة، إلا أن معالجة فوكو لهذا الموضوع كانت وبشكل أساسي في محاضراته الأخيرة في الكوليج دي فرانس وبيركلي في الثمانينات، لكن لم يكن لديه الوقت ليطورها للنشر. في محاضرات الكوليج دي فرانس، يناقش سقراط في “المحاورة الأولى والسيبياديس”  كنموذج وكمفسر للحياة الفلسفية المتركزة على “العناية بالنفس” ويتتبع مناقشات القدماء اللاحقين على سقراط في هذا الموضوع، على سبيل المثال إبكتيتوس، وسينيكا، وبلوتارخ. في محاضرات بيركلي، يتعامل مع المثال القديم “الكلام الصادق” (parrhesia) كمفهوم سياسي وكفضيلة مركزية. هنا يناقش فوكو أشكال لاحقة من المفهوم عند يوريبيدس وسقراط وتحولات لاحقة له لدى الأبيقوريين والرواقيين وسينيكا.

هاتين المجموعتين من المحاضرات تمدنا بمادة ثرية لما كان يمكن أن يكون أكثر اشتباكات فوكو مع الفلسفة التقليدية أهمية وإثماراً، ولكن موته المفاجئ سنة 1984 منعه من أن يكمل مشروعه.

 

  1. فوكو بعد فوكو

ترك فوكو تعليمات جلية بأن لا ينشر له شيء من أعمله عدا تلك التي نشرت أثناء حياته. ممتلكاته ورثت. نشرت محاضرات فوكو التي سجلت بعلمه، وشكل نشر الفصول الدراسية في كوليج دي فرانس -من عام 1970 وحتى 1984، باستثناء 1980/81 الذي كان عام تفرغ- مصادر اضافية هامة. بعضها يغطي -بطريقة مختلفة- موادً نشرت لاحقًا، إلا أن بعضها يقدم أفكارًا -عن الفلسفة القديمة على سبيل المثال- لا تظهر في موضع آخر.

 

 

 


Primary Sources

  • Maladie mentale et personnalité, Paris: Presses universitaires de France, 1954.
  • Maladie mentale et psychologie, Paris: Presses universitaires de France, 1962 (Mental Illness and Psychology, translated Alan Sheridan, New York: Harper and Row, 1976). Significantly revised version of the 1954 book.
  • L’histoire de la folie à l’âge classique, 1972, Paris: Gallimard (first published as Folieet déraison, Paris: Plon, 1961) (History of Madness, 2006, edited by Jean Khalfa, translated by Jonathan Murphy and Jean Khalfa, New York: Routledge).
  • Raymond Roussel, Paris: Gallimard, 1963 (Death and the Labyrinth: The World of Raymond Roussel, translated by Charles Ruas, Garden City, NY: Doubleday, 1986).
  • Naissance de la clinique, Paris: Presses universitaires de France, 1963 (The Birth of the Clinic, translated by Allan Sheridan, New York: Pantheon, 1973).
  • Les mots et les choses, Paris: Gallimard, 1966 (The Order of Things,translated by Alan Sheridan, New York: Vintage, 1973).
  • L’archéologie du savoir, Paris: Gallimard, 1969 (The Archaeology of Knowledge, translated by Allan Sheridan, New York: Harper and Row, 1972).
  • Surveiller et punir, Paris: Gallimard, 1975 (Discipline and Punish, translated by Alan Sheridan, New York: Pantheon, 1977).
  • Histoire de la sexualité, 3 volumes: La volonté de savoirL’usagedes plaisirs, and Le souci de soi, Paris: Gallimard, 1976 (History of Sexuality, 3 volumes: IntroductionThe Uses of Pleasure, and Care of the Self, translated by Robert Hurley, New York: Vintage Books, 1988–90).
  • Ditset écrits vol I-IV, 1980-1988. Paris : Gallimard, 1994, édités par D. Defert & F. Ewald. These include virtually all Foucault’s previously published shorter writings and interviews. (Some of the more important items are translated in Essential Works of Foucault, 1954–1984, 3 volumes, edited by Paul Rabinow, New York: The New Press, 1997–1999.)
  • Coursau Collège de France, 1970–1984, ed. François Ewald and Alessandro Fontana, Paris: Gallimard, 1997ff. (Lectures at the Collège de France, ed. Arnold Davidson, tr. Graham Burchell, 2003ff.

 

 

Secondary Sources

  • Bernauer, James, 1990, Michel Foucault’s Force of Flight, Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press.
  • Davidson, Arnold (ed.), 1997, Foucault and His Interlocutors, Chicago: University of Chicago Press.
  • Dreyfus, H. and P. Rabinow, 1983, Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, 2nd edition, Chicago: University of Chicago Press.
  • Eribon, Dider, 1992, Michel Foucault, Betsy Wing (trans.), Cambridge MA: Harvard University Press.
  • Falzon, C., O’Leary, T, and Sawicki, J. (eds.), 2013, A Companion to Foucault, Oxford: Blackwell.
  • Flynn, Thomas, 2003, Sartre, Foucault, and Historical Reason, volume 2: A post-structuralist mapping of history, Chicago: University of Chicago Press.
  • Gutting, Gary, 1989, Michel Foucault’s Archaeology of Scientific Reason, Cambridge: Cambridge University Press.
  • ––– (ed.), 2005, The Cambridge Companion to Foucault, Cambridge: Cambridge University Press, second edition.
  • Han, Béatrice, 2002, Foucault’s Critical Project, Stanford: Stanford University Press.
  • Hoy, David (ed.), 1986, Foucault: a Critical Reader, Oxford: Blackwell.
  • Koopman, Colin, 2013 Genealogy as Critique: Foucault and the Problems of Modernity, Stanford University Press.
  • Macey, David, 1994, The Lives of Michel Foucault, New York: Pantheon.
  • May, Todd, 2006, Philosophy of Foucault, Toronto: McGill-Queens University Press.
  • McNay, Lois, 1994, Foucault: a Critical Introduction, Cambridge: Continuum.
  • Oksala, Johanna, 2005, Foucault on Freedom. Cambridge University Press.
  • Rajchman, John, 1985 Michel Foucault and the Freedom of Philosophy, New York: Columbia University Press.

 

 

[1] Gutting, Gary, “Michel Foucault”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2014 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2014/entries/foucault/>.

error: المحتوى محمي