العقاب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مروان محمود، محمد رضا

العقاب – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مروان محمود، محمد رضا


حول مفهو العقاب ونظريته والتبرير العواقبي له، نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


 

خلال نصف قرن مضى ، شهد مفهوم العقاب تحولا ملحوظًا من جهود الإصلاح وإعادة التأهيل لمصلحة القصاص والحجز. حيث بات من المتعارف عليه الآن ان العقاب في حد ذاته ممارسة قصاص بغض النظر عن الدور الإضافى الذى من الممكن أن يؤديه  كمبرر او هدف للعقاب. بات تبريرا ليبراليًا يسعى لإظهار ان المجتمع في حاجة إلى التهديد وممارسة العقاب ،لأن هدف النظام الاجتماعى لا يمكن تحقيقه إلا بذلك ، بالإضافة إلى انه ليس من العدل ان يتحمل ضحايا الاعتداءات الإجرامية كلفة الأذى الذى لحق بهم. بالطبع يجب وضع قيود على العقوبات المهددة ( مثل ضرورة اتباع الأجراءات القانونية اللازمة ، باعتبار ان السلطة عرضة لإساءة الاستعمال يجمع هذا التبرير بين التبرير الأخلاقى والتبرير العواقبي [ العواقبية : نظرية نفعية تحكم على الافعال من عواقبها ـ المترجم ]

1. خلفية

ساعد التأمل الفلسلفى في مفهوم العقاب في التطور الذى حدث في فهم العقاب في العالم الواقعى للحياة السياسية خارج اسوار الجامعات ، والتأمل الفلسفى نفسه كان متأثر ا جزئيا بهذا التطور . منذ جيل مضى ، أصيب علماء اجتماع ، علماء إجرام و متخصصون في السجون بخيبة الأمل من نتائج إعادة التأهيل ( طبقًا لنسب انخفاض نكوص الجناة) لبرامج صممت في السجون لهذا الغرض. (Martinson 1974). قادت خبية الأمل تلك إلى شكوكية حول هدف اعادة التأهيل في حد ذاته في اطار فلسفة العقاب المطبقة. وامتدت الشكوكية كذلك إلى تأثيرات العقاب المتعلقة بالردع ( سواء كان ردع خاص بالجانى نفسه ، او ردع عام موجه إلى الجمهور ) وإلى اى هدف اخر متصور من ممارسة العقاب. لم يترك ذلك سوى هدفين متصورين لممارسة العقاب في ظل القانون ، الدفاع الاجتماعى عن طريق الإقصاء ، والقصاص. يصر المدافعون عن السياسة العامة ان افضل السبل للتعامل مع المجرمين المدانين هو حبسهم ، اعتقادا منهم ان الطريقة الأقل كلفة لتقليل الجريمة هو شل قدرة المجرمين المدانين عن طريق الحبس أو حتى الموت.  وبغض النظر عن صحة أى شىء آخر ، لقد تحقق هذا الهدف بشكل مدهش ، يدل على ذلك النمو الكبير في عدد المساجين في سجون الولايات الأمريكية او السجون الفيدرالية في الولايات المتحدة الأمريكية (٢.٣ مليون في العام ٢٠١٥ من ضمنهم ٣٠٠٠ حالة إعدام).

في نفس الوقت الذى تزايد فيه الحماس للحبس وشل القدرة على الفعل باعتبارهم الاسلوب الأفضل للعقاب ، كان هناك عدم رضا عن العقوبات غير محددة المدة ، التى تعتبر حيوية لاى برنامج إعادة تأهيل ، على اسس من العدالة ، لانها تمنح سلطات كبيرة للقائمين على عملية العقاب ، قاد كلا الأمرين المحللين السياسيين للبحث عن نهج بديل. فيبدو من  الأعدل ان تكون العقوبة الجنائية محددة المدة بدل من ان تكون لمدة غير محددة. (Allen 1981). وحتى مجرد تحديد المدة وحده غير كاف مالم تكن العقوبة التى يتلقاها الجناة المدانون مستحقة. هكذا ظهر مذهب ” الجزاء الأوفى/ الجزاء المستحق” في إصدار الاحكام والذى يجمع بشكل فعال بين الفكرتين.[١] هكذا هيمنت افكار القصاص والإقصاء ، وفي بعض الأوساط اقصت تماما اهداف الاصلاح واعادة التأهيل من أذهان المنظرين السياسيين.

بالتزامن من تلك التطورات الاجتماعية والقانونية الواسعة “التى  ربما عززها يأس منفذو العقوبات الذى بلغ ذروته في اعتداء الشرطة على المساجين المشاغبين في سجن اتيكا في نيو يورك في العام ١٩٧٢) ، صاغ الفلاسفة افكارهم ، عن طريق إعادة احياء افكار كلاسيكية تعود لأسماء مثل كانط وهيجل ، لتأسيسي فكرتين رئيسيتين تلائمتا بشكل مدهش مع ما سبق. أولا: جادل الفلاسفة بأن اصلاح المجرمين المدانين ( خصوصا في صورته المستلهمة من الممارسة الطبية ، تلك المقدمة بشكل خيالى في رواية انتونى بورجس البرتقالة الألية[1962]), ليس هدفا لعمل العقاب ولا حتى هدف من بين عدة أهداف.+ لأنه بجانب كونه غير عملى ، فهو لا أخلاقى لسببين ، انه لا يحترم خصوصية المجرمين المدانين ، وينتهك ’ حقهم في تلقى العقاب على افعال ارتكبوها عامدين (Morris 1968). وعلى الرغم من حماقة نظرية حق المجرمين المدانين في تلقى العقاب ، فإنها لم تذهب طى النسيان. ثانيًا: فان العدالة أو الإنصاف هى حجر الأساس لعملية اصدار الاحكام ، وتتحدد ملامح العقاب بحسب الجرم الذى ارتكبه الجانى والضرر الذى تسبب فيه للضحية والمجتمع. (Card 1973, von Hirsch 1985, Nozick 1981: 366–74). باختصار، العقاب العادل هو العقاب الذى يحقق القصاص. توصل الفلاسفة إلى هذا الاستنتاج لانهم جادلوا بان هناك جوانب لا يمكن اختزالها متعلقة بالقصاص في العقاب ، سواء لصيقة بالممارسة في حد ذاتها او في معايير العدالة التى تحكم عملية العقاب ، اوفي الغرض من الممارسة ذاتها.

نتيجة لذلك سحب البساط من تحت السياسية العقابية لمنتصف القرن العشرين ، وهى العقوبة غير محددة المدة لأحل عملية اعادة تأهيل مثالية للمدانين خلف القضبان. فتوسع دور الوضع تحت المراقبة كعقوبات بديلة وضرورية للحبس ولكن الافراج المشروط انتهى عمليا، فقط بقيت فلسفة الاحكام محددة المدةوالقابلة للتحقيق( ولكن من الناحية النظرية فقط كما اتضح فيما بعد) ، الذى كان يٌرجى ان تتجنب خطايا اهداف إعادة التأهيل غير القابلة للتحقيق ، و يحقق هدف شل قدرة المدانين والعدالة المتوازنة لهم . ( بالطبع كان ذلك قبل ان تشوه العملية السياسية هذه الاهداف. ، فلم يكن  كل مؤيدى العدالة العقابية يؤيدون العقوبات محددة المدة.) تُوج ذلك الإتجاه في قانون إصلاح الأحكام سنة ١٩٨٤ [ في الولايات المتحدة الامريكية- المترجم] الذى تمخص عن لجنة الولايات المتحدة لتنفيذ الاحكام، ونظامها لتطبيق الأحكام. ولم يخل الأمر من انتقادات سواء نظرية أو عملية. (Zimring 1977). ولكن حتى هذه اللحظة لم تبد اى اطروحة اى علامة على استكمال فلسفة ” الجزاء الاوفى/ الاستحقاق بجدارة” العقابية ، بغض النظر عن سخافة الادعاء بان الاحكام العقابية ” مستحقة بجدارة ” في معظم الحالات.

هناك اطروحة ثالثة تزامنت مع الاثنتان السابقين ، كانت اقل تأثيرا بكثير في سياسة العقوبات الفعلية ،ولكنها لا تقل اهمية من الناحية النظرية. (Harding 1989). وهى اعادة التفكير في ممارسة العقاب المستمدة من عمل ميشيل فوكو في منتصف سبعينات القرن العشرين. دعا فوكو للنظر للممارسة العقابية تحت حكم القانون بصفتها تخضع للقوى العامة في المجتمع والتى تعكس الاشكال المهيمنة للسلطة الاجتماعية والسياسية، القدرة على التهديد والإكراه والقمع والتدمير والتحويل التى تسود في حقبة معينة. أيضا بذر فوكو بذور شك عميق حول الادعاء بان المجتمع المعاصر نجح في انسنة اشكال العقاب عن طريق التخلى عن العقوبات البدنية المتوحشة والعنيفة التى كانت موجودة في الماضى المظلم لمصلحة ” نظام السجون المبنية من الخرسانة والفولاذ الخفى في الحقبة المعاصرة (Foucault 1977).

كانت رؤى فوكو نتيجة لتحليل تاريخى ، اجتماعى ، اقتصادى ، ديناميكى ونفسى للعقاب. ولو كان فوكو على حق ، فان الاهداف المعلنة للعقاب والمعايير المستخدمة لتقييد القوة في تنفيذ تلك الأهداف والطموح للعدالة في العقاب كل ذلك كان  بمثابة قناع يخفى اهداف اخرى (ليست بالضرورة واعية) لدى  الاصلاحيين والتى تناقض اهدافهم العقلانيةrationality (ناهيك عن التى تلبس رداء العقلانية / المعقلنة rationalization) ) المزعومة منذ التنوير [ العقلنة هنا هو وضع تسويغ عقلانى لما هو غير عقلانى عن وعى ، في حين ان عقلانية تعنى ان التناقض بين الاهداف الظاهرة والاهداف الحقيقية يتم عن غير وعى غالبا ـ المترجم]. وعلى ذلك فالحركة ضد الاعدام في اواخر القرن الثامن عشر لا يمكن تفسيرها ( او تبريرها) عن طريق الحسابات النفعية العقلانية الواعية التى اقنعت كل من بيكاريا وبنتام بالوقوف ضد عقوبة الإعدام. (Bedau 1983, Maestro 1973). بل يمكن تفسيرها بغياب الجوانب المسرحية والدرامية للإعدام العلنى واوهام انسانوية مخادعة لذاتها والتى بالكاد حولت محل وطبيعة السلطة الواقعة على المجرمين من قبل المجتمع ،يتجلى ذلك بوضوح في المخطط الخيالى الذى وضعه بنتام ، سجن بانوبتيكون الشهير. (Semple 1993).

هناك ملمحين على الاقل من استكشافات فوكو للممارسة العقاب في المجتمع الغربى المعاصر جديران بالذكر هنا. أولا انكر فوكو التمايزات التحليلية التى ألفها الفلاسفة في التقليد الانجلوـامريكى (سيتم مناقشتها فيما بعد). لا يبدو لأى منها دور فى  سرديته النظرية او العملية للعقاب. لا يقر بذلك بعض الشراح فحسب ، ولكنهم يذهبون أبعد من ذلك ، انهم يجادلون ان فوكو لم يقدم اى رؤية فلسفية للعقاب على الإطلاق ، بسبب ان التحليلات المفاهيمية والمعيارية  والبحث عن المبادىء التى تقوم عليها السياسة في افضل احوالها غامضة وغير واضحة في كتاباته. بدلا من ذلك يرى هؤلاء ان فوكو مجرد معلق اجتماعى ( او ناقد انسانى عند البعض ) (Garland 1990). ولكن هذه التأويلات لا تنصف فوكو. فرؤى فوكو على الأقل جزئيا فلسفية بشكل لا تخطئه عين. فكتابات فوكو لا تحتوى فقط على ادعاءات غير قابلة للاختبار تجريبيا بشكل واضح ، ولكن ايضا تحتوى على طيف واسع من التأملات واعادة التفسير للطبيعة البشرية ، والمؤسسات العامة وموضوعنا الحالى المتمثل في الممارسة العقابية.

ثانيًا: تتحدى فرضية فوكو الاساس المجرد لاى شكل لشرعنة للممارسة العقابية فهو ، بطريقته الخاصة ، مفكر ” نموذجى paradigmatic” يمكن اعتبار افكاره حول العقاب ضد-مؤسساتية. فما ينبثق عن افكاره ان ما يجرى تمريره لأجل شرعنة العقاب وتبريره ( مثله مثل اى اى ممارسة اجتماعية ) مرتبط بشكل لا انفصام له بافتراضات وعقائد – باختصار مع ايدلوجيا _ ليس لها اساس عقلانى مستقل. ان فكرة ان مؤسسات العقاب يمكن شرعنتها/ تبريرها  هى فكرة مشبوهة او بمثابة خداع ذاتى. تناول فوكو المؤسسات العقابية في المجتمع الغربى اكثر من اى مفكر آخر ، لقد جمع افكار تاريخية وضد تحليلية وضد مؤسساتية معا ، اثارت شكوك عميقة حول كيفية وحتى امكانية حل مشكلات تبرير العقاب أصلا.

في كل هذه الجوانب ، يجب النظر لفوكو على انه الخليفة المعاصرلفريدريك نيتشه، سلف فوكو العظيم ولكن غير المعترف به في فلسفة العقاب. فنيتشه، أكثر من أى مفكر قبله، تفهم ان العقاب ” محددة بالمصالح من كل نوع ” وهكذا يكتب لها الاستمرار ، ويمكن تفسير ذلك بان الرغبة في العقوبة ( وبالتالى الاخضاع و الاكراه والتحويل ) متجذرة بعمق في الطبيعة البشرية. (Nietzsche 1887).

ادى التأثير التراكمى لهذه القوى السياسية والفكرية ، لتقويض الثقة في رؤية التنوير الكلاسيكى او الرؤية الليبرالية لمؤسسة العقاب كما هى عند هوبز ولوك وبنتام ومل. وربما هناك مبالغة ، ففى ظل عدم وجود رؤية لبيرالية واضحة للعقاب ، فليس من الممكن تقويضها. صحيح ، ليس للنظرية الليبرالية في العقاب صيغ قانونية محددة ، لكن مجموعة من الصيغ المبهمة خلال تاريخها في ثلاث قرون مثل ااقتراحات بيكاريا الاصلاحية واسعة التأثير في ذروة التنوير(Beccaria 1764) ما نحتاجه إذن ، هو اعادة تدقيق وصياغة واعادة تنظيم افكار الليبرالية متفق عليها في نظرية العقاب.

2. نظرية العقاب

طور فلاسفة تحليليون السمات السائدة في نظرية العقوبة الحديثة  منذ نصف قرن. تستند النظرية في العالم الفلسفى الانجلوـ أمريكى ولا تزال على مجموعة أساسية وصغيرة من التمايزات المفاهيمية ، التى انتشرت عن وعى عن طريق كل المنظرين تقريبًا مهما عن ارائهم حول مسألة العقاب خصوصًا . مبتدا هذه الافكار ومنتهاها هو الكتابات المؤثرة لكل من H.L.A. هارت Hart (١٩٥٩) في انجلترا ، جون راولز John Rawls (١٩٥٥) في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من ان كلا منهما كان ليبراليا وسطيا ، الا انهما اعتقدا ان تمايزاتهم التحليلية محايدة ايدلوجيًا.

  • فيجب ان يظل مفهوم العقاب متمايزا عن شرعنته / تبريره. فتعريف العقاب محايد قيميا او على الاقل ينبغى ان يكون كذلك في حدود الا ينطوى بشكل خفى على مبادىء او معايير لشرعنه العقاب. بطريقة اخرى ، لا يجب تعريف العقاب بطريقة تضمن ان اى عقاب هو مبرر تلقائيا ولا حتى جزئيا.. (بالعكس ،يجب الا ينطوى تعريف العقاب على تبريره/ شرعنته).

  • ويجب ان نميز ممارسة العقاب او مؤسسته عن تبرير اى فعل عقابى معين. لسبب وحيد ، انه من الممكن ان يكون لدينا ممارسة عقابية ـ نظام تهديد قانونى ومشروع ـ جاهز وينتظر دون ان يجد طريقه للتطبيق (مثلا لا يوجد جرائم ولا مدانون) ومن ناحية أخرى ، يجب ان يكون ممكنا لنا تبرير او شرعنه ممارسة العقوبة حتى لو لم يكن تطبيقًا خاصًا لها غير مبرر .

  • يقوم تبرير فعل عقابى معين على معايير ( مقاييس وقواعد ومبادىء) تحكم الممارسة المؤسساتية. مثل قواعد القانون الرومانى ( nullum crimen sine lege and nulla poena sine lege لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. في حين يقوم تبرير ممارسة العقاب بشكل عام على اعتبارات اخرى ، تتعلق بالاغراض والاهداف والقيم الاجتماعية التى تُستمد منها الممارسة. فالقيم والاعتبارات المناسبة لشرعنه الافعال العقابية  مضمنة في تلك التى تحكم المسؤولية القضائية. في حين ان القواعد التى تشرعن/ تبرر المؤسسات العقابية شبيه بتلك التى تبرر او تشرعن/ تبرر عملية اصدار التشريعات نفسها.

  • يجب شرعنه العقاب عن طريق الإشارة إما الى المستقبل أو الماضى. في حالة النظر للمستقبل فمن المرجح ان تكون النظرية ” عواقبية” وربما نوع من النفعية ، حيث النقطة المفصلية هى زيادة الرفاه اللاجتماعى عن طريق تقليل الجريمة على العكس تكون النظرية ، اخلاقية ، في حالة النظر إلى الماضى ، حيث ينظر إلى العقوبة على انها جيدة في ذاتها أو تتطلبها العدالة مما يجعلنا ملزمين أخلاقيًا بممارستها. يميل التبرير الاخلاقى الى ان يكون تبرير قائم على القصاص.. ومن الممكن ان يكون هناك بديل ثالث عن طريق الجمع بين كل من الطرحين الاوليين . ولم تصادف المحاولات لتجاوز تلك الازدواجية لمصلحة اطروحة مختلفة جذريًا نجاحا يذكر بعد.(Goldman 1982, Hoekema 1986, Hampton 1984, Ten 1987, von Hirsch 1993, Tadros 2013).

ويبدو أن  الاقرار بهذه التمايزات لازمة  لاى شئ ليجوز اعتباره نظرية مناسبة للعقاب.

توصل غالبية الفلاسفة الى استنتاجين جوهريين تستند جزئيا الى تلك التمايزات. الاستنتاج الأول: انه على الرغم من امكانية انتقاد العديد من العقوبات الفردية ـ لاشك ان الكثير منها مفرط ووحشى وغير مستحق ، ـ ولكن ممارسة العقاب نفسه مبرر بشكل واضح ، وخصوصا طبقا لمعايير الديموقراطية الليبرالية الدستورية. الاستنتاج الثانى ـ ان عملية التبرير تحتاج إلى اعتبارات عواقبية بالقدر الذى تحتاج فيه إلى اعتبارات اخلاقية. ان نظرية مؤسسة على القصاص فقط ستكون غير مرضية ، بالقدر نفسه كنظرية مؤسسة على العوامل العواقبية فقط خصوصا مع النتائج غير المستحبة المناقضة للبديهة ( عندما يتعلق الامر بعقاب الابرياء). بشكل آخر ، تستند ممارسة العقاب على مجموعة من القيم وليس على قيمة واحدة تقصى القيم الأخرى.

هكذا استعرضنا الكثير من الماضى القريب تهيئة لما هو آت ، اى ما نعتبره افضل طرح عام لمشكلة تعريف وتبرير العقاب.

تطلب شرعنة/ تبريرات  العقاب كخطوة أولى تعريف العقاب في ضوء الاعتبارات السابقة. هل من الممكن ان يكون تعريفا للعقاب محايدا ، بمعنى انه لا يمهد لسياسة معينة ” يجب الوضع في الاعتبار ان العقاب سلطة مخولة لتوقيع حرمان ـ من الحرية او الخصوصية او اى شىء يكون للشخص الحق فيه ـاو توقيع بعض الاعباء الخاصة لمن ثبت ارتكابه فعل اجرامى يكون (عادة وليس دائما ) ينطوى على الاضرار بالابرياء،( يمكن اعتبار العقوبات الموقعة على الاطفال في المنازل او الطلبة في المدارس إلخ،  هامشية وليست نموذجية ويمكن اهمالها). في الصيغة الكلاسيكية مثلما هو واضح عند هوبز ، على سبيل المثال تعرف العقاب باعتباره توقيع الم بدلا من الحرمان ـهذا التعريف على الرغم من اقتضابه يسمح لنا بابراز بعض النقاط الضرورية. أولا: العقاب فعل معتمد و ليس ضرر عارض او غير متعمد. انه تصرف من قبل سلطة سياسية مخولة في المجتمع التى تحدث فيه الاخطاء الضارة.

ثانيا : يتشكل العقاب من  تحميل بعض الأعباء ، او الحرمان من  بعض المنافع. يذكرنا الحرمان باعتباره حرمانا من الحقوق ( كون الحقوق محل جدل لا يؤثر على نقطتنا الرئيسية هنا) بان الجريمة من بين اشياء اخرى انتهاك لحقوق الضحية ، فتشبه في ذلك الضرر الذى يحدثه العقاب. وليس للحرمان مرجعية خفية او ذاتيه ، العقاب حكم موضوعى بالخسارة أو العبء على المجرمين المدانين.

ثالثًا ، العقاب مؤسسة انسانية ، وليس ظاهرة طبيعية  منفصلة عن  الاغراض والنوايا والأفعال البشرية.. حيث يتطلب اشخاص في ادوار محددة اجتماعيا طبقا للقواعد العامة. قد تصيب اضرار شتى  مرتكبى الاخطاء ، ولكن ليس كل ضرر يصيب المخطئين  بمثابة  عقاب بمعنى عام إلا اذا كانت بواسطة فعل انسانى.

رابعًا ـ يوقع العقاب على الاشخاص الذين يُعتقد انهم تصرفوا بشكل خاطئ، ( حتى لو كان هذا الاعتقاد محل جدل أو شك في حالة معينة) تعتبر ادانة مجموعة مخولة باصدار الاحكام على شخص  ما ضرورية لشرعنة العقاب اما حقيقة كون الشخص مذنب ام لا فليست ضرورية (لهذا السيب من الممكن ان يحكم على أشخاص أبرياء وغير مستحقين للعقوبة دون ان يكون ذلك غير عادل .

خامساً: لا يوجد غرض واحد متضمن بالضرورة في في ممارسة العقاب.٤ قد يتوافق  ، ، مع عدة وظائف أو اغراض كما قال نيتشه (انها ليست منزهة عن الغرض على اية حال)

سادسًا: لا يمكن اعتبار كل حرمان موقع من المجتمع بمثابة عقاب، العقاب الوحيد هو الموقع كجزاء لارتكاب فعل اجرامى جنائى .(خلافًا لكون الشخص خالف عقد معين او مسؤول مسؤولية تقصيرية ، او خاضع لضرورة استخراج ترخيص  او لضريبة. ان ما يميز ظواهر الحرمان غير الجنائية ان الاخيرة لا تعبر عن  الاستنكار المجتمعى. (Feinberg 1965, Bedau 2001). هذا التعبير متضمن في كينونة الممارسة العقابية وليس خارجا عنها.

أخيرًا: يعتبر العقاب تحت طائلة القانون الصورة المثلى للعقاب في الخبرة الإنسانية ، يتعلم معظمنا حول العقاب قبل بدء علاقته بالقانون. لذلك لا يجب ان نتوسع في تفسير ” الحرمان المسموح به  ” حتى يشمل العقوبات المتعلقة بالأطفال ، لان الاخيرة ملتبسة بشكل ما لا يتوافر في العقاب تحت طائلة القانون.

من المفيد التفكير في الاسباب التى تدعونا لشرعنة العقاب ونحن نقيم التبريرات المختلفة للعقاب.

  • يعتبر العقاب خصوصا الموقع ـ تحت طائلة القانون بواسطة الضباط الحكومين ـ ، كما ذكرنا آنفا ظاهرة اجتماعية وليس حقيقة طبيعية. انها تمارس وتنظم عمدًا. ولكنها لا تعتبر مؤسسة ضرورية  لكل المجتمعات. انها دليل على هشاشة الانسان وليس على ظرف ضرورى للاجتماع البشرى. انها لا تقوم إلا على مقاربةتاريخية او بيولوجية مع الاضرار الانتقامية او الافعال العدوانية التى تنتشر في الانواع غير البشرية (على الرغم من اراء مفكرين عدة من الاسقف جوزيف بتلر حتى  سير بيتر ستراوسن المعارضة) ، او مع او الضغينة الطبيعية التى تحفز العدوان غير المبرر.

  • ان ممارسة او مؤسسة العقاب ليست ضرورية للمجتمع الانسانى سواء تجريبيا أو مفاهيميًا. انه من المعقول ان يتخلى المجتمع عن ممارسة العقاب حتى لو لم كان ذلك غير عملى ، انه من الممكن ان يتخلى المجتمع عن توقيع ممارسة العقاب بالنظر إلى الألم الذى تمثله العقوبة. وليس من المستغرب ان ينادى منظرين راديكاليين من آن لأخر وحتى اليوم بإلغائه(Skinner 1948, Bedau 1991, A. Davis, 2003).

  • يكلف العقاب تحت طائلة القانون خصوصًا في الديموقراطية الدستورية الليبرالية تكلفة معتبرة بالنسبة للأشخاص القائمين عليه بغض النظر عن الفائدة التى نجنيها من ورائه. ولابد من توافر اساس منطقى من قبل اى مجتمع يختار الاستمرار في تحمل تلك الكلفة. المشكلة ان الامر وصل إلى حد اختيار المجتمعات الاستمرار في تحمل كلفة تلك الممارسة ، دون البحث عن بدائل تحفظ الحرية الشخصية في المقام الأول وتمنع الجرائم وتضمد جراح ضحاياها في نفس الوقت.

بالنظر إلى تلك الاعتبارات ، لا يجب ان ننسى او نهمل اهمية حقيقة ان العقاب بطبيعته يعطى الاشخاص القائمين على تنفيذ العقاب سلطة مهيمنة قسرية على اولئك ال ذين يخضعون للعقاب. ان السعى نحو الخضوع للعقاب امر غير سوى ، انحراف عن الاستجابة الطبيعية ، التى تعنى تجنب العقوبة  او تحملها في ظل الاحساس بالالم والاعباء والحرمان والانزعاج. فقط بين اشخاص من نوعية  راسكولنيكوف [  الشخصية الرئيسية في رواية ” الجريمة والعقاب” للروائى الروسى من القرن التاسع عشر فيدور دستوفيسكى ـ المترجم] سيُرحب بالعقاب ككفارة، محاول عقاب احدهم دون وضع تحكم علىالعقوبات المحتملة أمر محكوم عليه بالفشل، ولكن السلطة لتوقيع العقاب ، كمظهر  من مظاهر  الحاق الاذى بالاخرين ، لا يمكن ان يترك على عواهنه ، لابد ان يصرح به ويتم مأسسته تحت النظام السياسى السائد

اخيرا لأن العقاب يستهدف او مصمم لكى يتسبب ، وهو يتسبب فعلا في بعض صور حرمان الشخص المعاقب ، فانه يقدم فرصة  نادرة لإساءة استعمال السلطة. ولكى نميز بين محض الانتهاكات ،وبين  كل مظاهر الحرمان القانونية الضروروية للعقاب ، و الافراط في الاحكام العقاببية التى تجسد العقوبات الوحشية والانسانية يجب ان نستند إلى الطريقة التى ترتبط بها المظاهر العقابية القانونية  ( وتنعدم في حالة الانتهاكات او الافراط ) مع ما يشكل الاحكام على هذا النحو و مايبررها.(Bedau 1972). و خصوصا عندما تكون العقوبة خطيرة  ،في ظل ان العقوبات القانوينة قاسية مثل الانتهاكات.

وتتضمن الصيغة العامة لاى تبرير ممكن للعقاب عدة خطوات. يدركون ان عقاب الناس لا يكون بشكل واضح لغرض لدى المشاركين مثل لعب الورق او الموسيقى او كتابة الشعر او الفلسفة ، او اى نشاط يرغب فيه المشاركين وسيكون نيتشه وفوكو من بين المعارضين لذلك الادعاء ،وللحق التاريخ في صفهم حيث يرون بالنسبةان ما نفعله يصبح اصيلا في طبيعتنا البشرية حتى لو كان ايقاع العقوبات على الآخرين ،بينما سيرى اخرون ان الرضا الناجم عن توقيع العقاب في نفس من يطبقه انحراف عن الطبيعة البشرية ، واننا لا زلنا نمارس العقاب لاننا نحتاجه في تحقيق اهدافنا.

على الرغم انه من الممكن تعريف العقاب دون إشارة لاية اغراض فانه  لا يمكن تبريره دون تلك الإشارة. لذلك لكى يمكن تبرير العقاب فلابد ان نصف اولا اهدافنا من العقاب أو استمراره. ثانيًا : ينبغى علينا ان نظهر اننا نحقق اهدافنا عندما نطبق العقاب. ثالثا: يجب اظهار اننا لن نحقق هذه الأهداف بدون العقاب ، ( والعقاب بطريقة معينة لا باى طريق اخر ) واننا لا نستطيع تحقيقها  بطرق اخرى تضاهى  او تتفوق على العقاب في الكفاءة والنزاهة . . رابعًا: لابد ان نظهر ان تحقيق هذه الاهداف المرجوة من العقاب  لها ما يبررها  في ذاتها. ويتوقف التبرير او الشرعنة على تلك الخطوات الأربع ، وهى ضرورية خصوصا  في الديموقراطية الليبرالية الدستورية.

وكما هو متوقع  انه لا يهم المجتمع الذى نجد انفسنا فيه ، فاننا يمكننا ان نطعن في اى من تلك  الخطوات الأربع خصوصًا الأخيرة. وكما  انه لا يوجد حدود نظرية للمتطلبات التى تنجم عن تلك الخطوات  فانه لا يوجد بالمثل اساس صارم لنقد انظمة العقوبات الحالية او تقديم بديل مثالى وهكذا تشبه عملية تأسيس العقاب ، طوبولوجيا شريط موبيوس [شريط موبيوس ـ المترجم]، لو سرنا في اى تجاه بشكل مبالغ فيه سنفقد السيطرة  على داخل وخارج عملية التبرير / الشرعنة كما في الشريط. وبغض النظر عن هذه الاستعارة ، فان عملية التبرير التى لا مفر منها تظهر عدم كفاية ما يمكن تسميته اشكال التأسيسية الخطية سواء من اسفل لأعلى أو من أعلى لأسفل.

  1. التبرير العواقبي أو الأخلاقي

أفرط الفلاسفة على مدى عدة عقوط في تبسيط صورة الأشكال الممكنة للتبرير المعياري في الأخلاقيات والصوغ السياسي والقانون إلى بديلين: عواقبي وأخلاقي. كما تعهدوا بتطبيق هذا التمييز على تبرير العقوبة. نعني بالنظرية العواقبية البحتية نظرية لا تفرض أي قيود على ما يعتبر الخطوة الرابعة في التبرير (انظر أعلاه). تعتبر وجهات النظر العواقبية البحتة العقوبة على أنها مبررة بالقدر الذي تحققه ممارستها (أو يُعتقد أنها تحققه بشكل معقول) مهما كانت الحالة النهائية التي يحددها المُنظِّر (مثل المصلحة العامة والرفاهية العامة والصالح العام). سرفض أغلب الفلاسفة هذا الرأي لصالح إدخال قيود مختلفة، سواء كان أم لم يكن يمكن لهم بدورهم تبريرهم من خلال عواقبهم. إذن، فإن الجزء الأكثر أهمية في نظرية العقوبة هو الصياغة الدقيقة للقواعد التي توفر هذه القيود على الممارسة ومبررها.

أما بالنسبة لأعمال العقاب الفردية – عادة، تصدر المحكمة العقوبة على الجاني المدان وإنزال تلك العقوبة على الجاني – يقع مبررها ضمن مبرر الممارسة نفسها. على أي حال، لا يمكن تبريرها تمامًا بشكل معقول على أسس عواقبية (كما قد يرغب القانون النفعي). يفتقر القضاه إلى معلومات كافية حول جميع الآثار الفعلية أو المحتملة لإلحاق العقاب بدلًا من العقوبة الأخرى على مرتكب الجريمة في وقت معين. كما أنهم يفتقرون إلى الفرصة والوقت لتأمين هذه المعلومات واستخدامها لإصدار أحكامهم. نتيجة لذلك، يجب على القضاه أن يقنعوا أنفسهم بأن يكتفوا بمبررات إجرائية إلى حد كبير لمعظم العقوبات التي يفرضونها. طالما أن نظام العقوبة الذي يعتمدون عليه عادل بالضرورة، فإن لا شيء من أفعال الحكم التي تبررها المؤسسة غير عادل (قد تكون غير حكيمة بالطبع).

أفضل تبرير للعقاب هو أيضًا ليس العقابية البحتة. يستند التبرير العقابي للعقوبة على اثنين من القواعد المبدئية (المذنب يستحق العقاب، وليس هناك اعتبار أخلاقي له علاقة بالعقوبة يفوق استحقاق للجاني لها) وادعاء معرفي (نعرف بيقين معقول ما هي العقوبة التي يستحقها المذنبون) (Primoratz 1989، M. Moore 1987). ومع ذلك، قابل للجدال ما إذا كان المذنبون يستحقون العقاب دائمًا ؛ كما يمكن الجدال أنهم متى ما اقترفوا شيئًا فإنه ينبغي عليم نيل ما يستحقونه؛ كما يمكن الجدال حول ما إذا كان ينبغي معاقبتهم عندما يستحقون ذلك ، فالمعاقب يعرف دائمًا ما يستحقونه (باستثناء المعنى الإجرائي المحض المشار إليه أعلاه ؛ انظر أيضًا أدناه) (Bedau 1978). لا يمكننا مواجهة هذه التحديات التي تعترض العقاب الأخلاقي عن طريق الإصرار على أن العقوبة ليست أكثر من مجرد نتيجة مفاهيمية ضرورية للعيش تحت حكم القانون (Fingarette 1978).

حتى بصرف النظر عن المشكلات المذكورة أعلاه ، لم يقم القائمون على العقاب بعد ببناء طريقة غير تعسفية لتحديد العقوبة التي يستحقها الجاني المذنب كعقاب. دائما ما يتم إغراء العواقبيين، القدامى والحديثين ، بشكل أو بآخر من أشكال العين بالعين lex talionis (ديفيس 1992) ، على الرغم من الاعتراضات التي يرجع تاريخها إلى ما بعد الكتاب المقدس حتى الآن (ووكر 1991). كما أنه لا يكفي التخلي عن انتقام المثل بالمثل في العقاب لصالح إعادة تأكيد مبدأ العقاب الأساسي في شكل غير قصاصي: يجب أن تكون شدة العقوبة متناسبة مع خطورة الجرم. قليلون سوف يناقشون هذا المبدأ ، لكن لا يزال يتركنا مع مجموعة من البدائل التي نختار فيما بينها ، والتي تتميز في أحدها بقانونية إيجابية (الجناة يستحقون ما ينص عليه قانون العقوبات كعقوبة لهم) وعلى الطرف الآخر من خلال أخلاقية ناقصة (الجناة يستحقون كل ما يتفق مع ذنبهم الأخلاقي والضرر الذي تسببوا فيه).

تفشل كل المحاولات العقابية لتحديد جدول العقوبات الذي يربط بين الجرائم وعقوباتها ، لأن مبدأ التكافؤ يحدد الجدول. لا توجد طريقة غير تعسفية لتحديد أي من نقاط النهاية بالحد الأقصى والحد الأدنى من الخطورة التي تحدد جدول العقوبات أو الفواصل الزمنية بين العقوبات المتقاربة (Pincoffs 1977). بدون مزيد من المعلومات، يكون من المستحيل عد أي الجرائم التي تستحق أي العقوبات؛ هناك عدد لا حصر له من جداول العقوبة المختلفة تتفق مع مبدأ التكافؤ للعقاب. ولا يمكن أن يوفر العقاب مزيدًا من المعلومات اللازمة. ونتيجة لذلك، يفشل كل جدول للعقوبة يدعى تضمين المبادئ العقابية حصريًا إلى الحد الذي لا يمكن تبرير أي عقوبة معينة من خلال هذه المبادئ وحدها.

لكن الأفكار الأساسية لمذهب العدالة العقابية لا يمكن تنحيتها جانبًا فحسب. هناك دور لاستحقاق العقوبة في النظرية الليبرالية للعقاب، لكن نطاقها يحتاج إلى قيود دقيقة. تعتمد العقابية على افتراض أن القوانين الجنائية التي يتم انتهاكاها تجعل المرء مؤهلاً لعقوبة تحمي الحقوق الفردية الأصلية.

إذا لم يكن الأمر كذلك ، فلن تستطيع العقابية أن تدعي أن العدالة تتطلب عقابًا على انتهاك القانون. كما لا يمكن للعقابية أن تدعي بأن الاستياء أو السخط الموجهين للجناة أمر مناسب ، وليس مجرد غضب مقنع. إن مذهب العدالة العقابية، سواء في القانون أو الأخلاق ، دون لجوء، ضمني أو صريح ، إلى العدالة العقابية، هو أمر لا يمكن تصوره – أو يختلف بشكل لا يمكن تصوره عن مجرد الانتقام أو الثأر (Nozick 1981، Henberg 1990).

بمجرد الإقرار بذلك ، تظهر نقطة تطلعية واضحة وغير عقابية لإدخال المسؤولية إلى العقوبة على انتهاك القانون، ونشر هذه المسؤولية بحيث تعمل كتهديد ، وتوقع زيادة الامتثال للقانون بسبب كره تهديد العقوبة المتصورة من خلال معظم الناس وعدم رغبتهم في المخاطرة بتكبد ما يُهدد به لعدم الامتثال. يوفر خطر العقاب حافزًا لأي شخص عادي للامتثال للقوانين العادلة التي تحمي الحقوق الفردية. لا يمكن لمفهوم العقوبة التقليدي البحت لممارسة العقوبة ، والذي يركز حصرياً على جزاء الجاني ، استيعاب أحكام هذا الحافز.

من وجهة النظر التي تم رسمها حتى الآن،  فإن نظام العقوبة بموجب القانون هو في الأساس أسلوب للسيطرة الاجتماعية (Gibbs 1975) ، وتوظيفه له ما يبرره إلى الحد الذي يحمي فيه بالفعل العدالة الاجتماعية مثل المجتمع من خلال قوانينه التي تحقق. هذه الغاية لممارسة العقوبة خارجية، وليست داخلية. قبول هذا المفهوم للعقاب يعني الاعتراف بالادعاء المركزي للعواقبية، وليس ذلك الادعاء عند العقابية. بناء على ذلك، فإن مؤسسة العقاب كما يتم تصورها لا يتم تبريرها على أسس أخلاقية أو عواقبية بحتة، لأن العقوبة تظهر بعض السمات لكل مسار من الاعتبارات، حتى وإن كانت المبادئ التي تبررها غير عقابية. ومع ذلك ، تحتفظ العقوبة ببعض العناصر العقابية ، من الناحية النظرية والمعيارية. قد يبدو أي فعل من أفعال العقاب على أنه عقابي على نحو صارخ للشخص الذي خضع له – الحكم المطبق هو حرمان يُلحق بشخص ما ثبتت إدانته، وليس على أي شخص آخر ، ويتم فرضه فقط بسبب هذا الاستنتاج.

على هذه الخلفية ، يمكننا الآن التفكير تدريجيًا في حجة  لتبرير الليبرالية للعقاب. تم تقديم الفكرة العامة بأشكال وأجزاء مختلفة خلال نصف القرن الماضي من قبل العديد من الكتاب. [2]

  1. التبرير الليبرالي

يمكننا أن نبدأ بتعميم تجريبي ذو مصداقية موثوقة: بعض أنواع السلوك الإنساني المتعمد ضارة بالآخرين ، ومن غير المناسب توقع (تعليم ، مطالبة) الأشخاص الذين وقعوا ضحية هذا الأذى إما أن يغفروا أولئك الذين ألحقوهم الأذى أو بالضرر أو معاناة الأذى في صمت. (يجب أيضًا استباق الانتقام الخاص من خلال الثقة العامة بأن الجناة سوف يتم اعتقالهم ومحاكمتهم وإدانتهم وحكمهم من قبل السلطات). في مجتمع عادل ، يُفهَم أن الإيذاء غير المستحق ينتهك الحقوق الفردية ، وبالتالي فهو محظور بموجب القانون وبالتالي يعاقب عليه. وبالتالي فإن لون وملمس أي تبرير محتمل للعقاب سوف يعتمد على نظرية سياسية وأخلاقية أكثر عمومية ، بما يتمشى مع مسؤوليات الحماية القانونية التي يتحملها مجتمع عادل. وهكذا يبرر تبرير العقوبة بموجب القانون كمسألة عرضية ، تعتمد بشكل لا مفر منه على اعتبارات معيارية أخرى أعمق لا يمكن أن توفرها إلا نظرية العدالة الاجتماعية. [3]

للتكرار ، في مجتمع يأخذ العدالة على محمل الجد ، سيتم حظر هذا السلوك الضار عمداً بموجب القانون ، وحيثما ومتى حدث يتم إدانته بموجب القانون. إن القيام بخلاف ذلك سيكون الفشل في حماية حقوق الأفراد التي ينص القانون الجنائي على حمايتها والدفاع عنها. الأداة الرئيسية لمثل هذا الإدانة هي العقوبة الجزائية المرفقة بالقانون والتي تعرف بعض الأفعال الضارة بأنها جرائم.

في مجتمع عادل والذي هو مجتمع عقلاني ، يُفضل منع السلوك الضار غير القانوني قبل وقوعه بدلاً من معاقبته بعد وقوعه. من وجهة نظر المجتمع ، من المفضل تفضيل الامتثال تحت التهديد على عدم الامتثال يليه الاعتقال والمحاكمة والإدانة والحكم والعقاب. (هناك استثناءات ، بالطبع ؛ العصيان المدني المبرر هو أحدها). لكن الالتزام ليس ذا قيمة كبيرة ، مما يستحق محاولة زيادته بأي ثمن ، لا سيما بثمن انتهاك الحرية الشخصية التي لا يمكن تداركها. وبالتالي ، فإن امتثال شخص ما للقانون على استعداد نتيجة لاستيعاب معايير المجتمع العادل هو الأفضل من امتثال الفرد أو عدم الامتثال المتعمد. ولكن إذا لم يكن التوافق الراغب وشيكًا ، فيجب على المجتمع أن يقرر الخيار الثاني – الامتثال غير الراغب – لأنه الأفضل لعدم الامتثال. يلعب الحظر بموجب القانون دورًا أساسيًا في ضمان الامتثال القسري، والأداة الرئيسية لهذا الحظر هي العقوبة الجزائية المرتبطة بانتهاك القانون الجنائي. لا شك أن الآثار غير الرادعة لنظام العقوبات، مثل التأكيد التعبيري للقيم المشتركة ، هي أكثر أهمية للامتثال العام من آثار الردع. ومع ذلك ، بمجرد فرض هذه العقوبات، فإنها تخلق مسؤولية عامة للعقوبة المصرح بها.

حتى في المجتمع العادل، لن يلتزم كل شخص بالقانون ، ولن يقوم كل من يمتثل بذلك بالاحترام لحقوق الآخرين ، وهذا يعني الاعتراف بالآخرين كأشخاص لهم حقوق تستحق الاحترام المتبادل. نواجه هنا في شكل آخر مبدأ حماية الحقوق الأساسي الذي يقوم عليه نظام العقوبة: من الأفضل زيادة الالتزام بالقانون من خلال الالتزام بالعقوبات المفروضة على أولئك الذين ينتهكون القانون بطريقة أو بأخرى عن أن يسمح لهم بالتصرف وفقًا لحكمهم الذاتي الضار دون أي تكلفة مفروضة اجتماعيًا على أنفسهم ، لأن ذلك سيتطلب منا أن نتحمل إيذاء البريء. مثل هذا التسامح يتعارض مع الضرورة الأخلاقية لحماية الحقوق. لذلك، فإن الأشخاص العقلانيين الأنانيين الذين يتصرفون وراء حجاب الجهل سيختارون فرض العقوبات الجنائية على أنفسهم وعلى الآخرين بسبب بعض انتهاكات القانون.

إذا كان الغرض من العقوبة الجزائية هو العمل بفعالية كوسيلة وقائية لعدم الامتثال ، فيجب ألا يُنظر إليها على أنها تهديد مشروع فحسب ، بل تهديد حقيقي. تتحقق شرعيتها من خلال حماية الحقوق الفردية ، وتفويضها من خلال الإجراءات الدستورية ، وإدارتها من خلال الإجراءات القانونية الواجبة والحماية العادلة للقانون. تتحقق مصداقيتها من خلال كونها يُنظر إليها عمومًا على أنه شديدة إلى حد معقول (وبالتالي مؤلمة) ويتم تنفيذها بشكل فعال (ومن ثم يُعقب الاعتقال وعواقبه على أي شخص لا يلتزم).

ومع ذلك ، هناك قيود في استخدام التهديدات العقابية والإكراه للحفاظ على نظام اجتماعي عادل. أربعة نقاط لها أهمية خاصة لنظرية العقاب الليبرالية.

  1. يجب ألا تكون العقوبات قاسية بحيث تكون غير إنسانية أو (باللغة المألوفة في وثيقة حقوق الولايات المتحدة) “قاسية وغير عادية”.

  2. لا يجوز فرض العقوبات بطرق تنتهك حقوق المتهمين والمجرمين المدانين (“الإجراءات القانونية الواجبة” و “الحماية العادلة للقوانين”).

  3. يجب أن تتفق الشدة العقابية مع الخطورة النسبية للجريمة: كلما كانت الجريمة أكثر خطورة ، كلما كانت العقوبة المستحقة أشد. إن خطورة الجريمة هي مهمة الأهمية النسبية للأسباب التي يجب أن نثني الناس عن ارتكابها ، والأسباب التي تشير إلى الأضرار التي لحقت بالضحايا ، والعلاقات الاجتماعية ، وأمن حقوقنا.

  4. تخضع العقوبة الشديدة أيضًا لمبدأ الحد الأدنى (أقل هو الأفضل) ، بمعنى، بالنظر إلى أي عقوبتين لا يستبعدهما أي من المبادئ السابقة ومتساوية تقريبًا في الآثار الجزائية والوقائية لجريمة معينة وطبقة من المجرمين ، فإن العقوبة الأقل شدة هي المفضلة على الأشد.

إن إدانة الجاني المتهم بموجب قوانين تفي بالمعايير السالفة الذكر تثبت أهلية الفرد للعقاب. تتحدد مسؤوليته للعقاب من خلال أفعاله وتقصيره فيما يتعلق بتلك القوانين. يمكن القول إن جميع العقوبات التي هي نتاج نظام قانوني يتماشى مع القيود المذكورة أعلاه مستحقة من قبل الجاني. العقاب المستحق ، بقدر ما هو موجود على الإطلاق ، ينشأ كنتيجة لـ “العدالة الإجرائية الخالصة” (Rawls 1971). وهذا يعني، لدينا فقط فكرة يكتنفها الغموض للعقوبة العادلة أو المستحقة لجاني معين لجريمة معينة بصرف النظر عن جدول العقوبة المنصوص عليه في قوانين المجتمع العادل (وبالتالي القوانين التي تتفق مع القيود المذكورة أعلاه). العقوبة المستحقة هي العقوبة المسموح بها بموجب جدول العقوبات العادلة ؛ لا يمكن الدفاع عن أي مفهوم آخر للعقوبة المستحقة ؛ يجب مقاومة الإغراء الدائم لمعيار مستقل متوهم للاستحقاق ، والذي تم تأسيسه في النهاية على الحدس ، وكذلك الحسابات النفعية. بالنظر إلى هذه الإفادة عن استحقاق العقوبة، يستحق أي شخص مسؤول ومؤهل للعقاب أن يتم معاقبته، ويجب معاقبة الأشياء الأخرى المتساوية. [4]

إن حجة فرض العقوبات المستحقة المحددة على المذنبين هي جزئياً حجة من الاتساق. من غير المتسق تحديد شروط المسؤولية والأهلية للعقوبة ومن ثم عدم تطبيق العقوبة التي أذن بها عندما تثبت الوقائع في قضية معينة أن هناك ما يبررها. ليس من العدل للملتزمين في القانون أن يطبقوا عدم القبول المجتمعي على المخالفين له ثمنًا لذلك، وهذا غير عادل لأنه سيخلق فئة ضارة غير ملتزمة في المجتمع. إن أثمان القبول المجتمعي للجريمة والموجهة على المذنبين تتمثل أساسًا في أوجه الحرمان التي تسمح بها العقوبة الجزائية. من العدل للملتزمين بالقانون الإشارة أنه ينبغي على المجتمع إنفاق جزء معقول من إمكاناته في مكافحة الجريمة ومنع الإيذاء.

خلق عقوبة تأديبية باسم العدالة وتحت الظروف المحددة أعلاه له ما يبرره. وكذلك الحال بالنسبة إلى فرض مثل هذه العقوبة باسم الامتثال للقانون. لذلك ، فإن ممارسة العقوبة ، بما في ذلك فرض المسؤولية تجاه العقوبة ، واستخدام العقوبات كتهديد وحافز للامتثال وإلحاق العقوبة بالفعل في حالة استيفاء شروط الأهلية ، له ما يبرره.

  1. خاتمة

تتضمن الحجة السابقة اعتبارات أخلاقية وعواقبية. إنها أفضل من العدالة العقابية البحته لأنها توضح سبب الحاجة إلى نظام للعقاب وكيف يتم دمج هذا النظام في الاهتمامات السياسية والأخلاقية الأهم لمجتمع عادل. وهو يخصص وظيفة واضحة يمكن الدفاع عنها للعقاب (الدفاع الاجتماعي) دون الخضوع للمطالبات بالأعمال الانتقامية أو لمطالب أخلاقية  وهمية من أجل العدالة العقابية البحتة ، ودون التظاهر بأن العقوبات التي يفرضها “مستحقة” بأي معنى أساسي. تقر الحجة بالخيارات السيادية للفرد دون أن تتذرع بأي “حق للعقاب” محرج ومتناقض (موريس 1968). إن ذلك أفضل من العواقبية البحتة، لأنه يقيد التدخلات العقابية مع الحرية الفردية إلى الحد الأدنى المتسق مع تحقيق الغرض من العقوبة ويتوافق مع حقوق الجناة. من خلال نظام العقوبات ، يتم تحذير جميع الأشخاص بإنصاف بأنهم يعرضون حقوقهم للخطر إذا مارسوا عمداً أنواعًا معينة من السلوكيات الضارة (H.L.A. Hart 1959). علاوة على ذلك ، تتزامن العقوبة مع التسلسل الهرمي المطلوب للقواعد الأخلاقية. لديها “المهمة التعبيرية” الصحيحة (Feinberg 1965)

نظام العقوبة الذي ينشأ في ظل هذه النظرية هو نظام ليبرالي وغير أبوي، ويحترم الاستقلال الفردي الرمزي لجميع الأشخاص على قدم المساواة ، ويعترف بطوارئ تبريره كما هو مطبق في أي حالة معينة.

وصحيح أيضًا أن نظام العقوبة الذي يظهر في إطار هذه الحجة يترك العقوبة في أي حالة فردية فعلية كشيء ما طقوسي – في بعض الحالات طقوس فارغة ، وفي أي حالة فعل رسمي للغاية وظيفته التعبيرية الدقيقة وآثاره العاجزة غير مؤكدة . يجب فرض أفعال الحرمان العقابي على كل مذنب مدان دون رفاهية الاعتقاد ، ناهيك عن معرفة، أن الغايات التي صُمم من أجلها نظام العقوبة والمحافظة عليها سوف تتقدم بالفعل من خلال فرض عقوبة معينة. الكثير من العقوبة مقابل القليل من العقوبة بلاء لكل قرار الحكم فعلي. وقد تمت قيادة البعض من هذه الحقيقة إلى النظر إلى العقوبة بقدر كبير من عدم الثقة ، لأننا لا نستطيع اعتماد أنها تملك أي تأثير مفيد على المعاقب (Duff 1986) – أو على بقية المجتمع. الآخرون أقل انزعاجًا من ذلك لأنهم يركزون على الطريقة التي تخدم بها المهمة التعبيرية للعقوبة بموجب القانون المجتمع من خلال جعل العقوبة من أي درجة “رمزًا للعار” ، مهما كانت آثارها الأخرى (Feinberg 1965). ومع ذلك ، يمكن لوصمة العقاب أن تتمادى، مما يجعل الأحكام المصدرة مبهمة.

 أخيرًا ، لاحظ أن الحجة بأكملها لتبرير العقوبة تتجلى في الاعتقاد بأن أساليب بديلة وغير عقابية للسيطرة الاجتماعية قد تم فحصها ورفضها (أو محدودة جدًا في نطاقها) على أساس أنها لن تف بالغرض – أو لن تعمل مثل الأساليب العقابية في ضمان الامتثال للقوانين العادلة.

لا يزال يتعين تحديد الكثير من التفاصيل قبل أن تتوفر لدينا نظرية ليبرالية شاملة للعقاب. يمكن للفلسفة ، بالطبع ، أن تساعد في تقديم بعض مطالب النظرية، مثل تحديد نوعية وكمية الحرمان (طرق العقوبة) المناسبة لإدراجها في جدول العقوبات ؛ بناء الجدول الزمني بالترتيب مع فئة الجرائم ؛ تحديد معايير تابعة لتكملة تلك التي سبق ذكرها ، والتي تعمل بمثابة قيود على الجدول وفرض الأحكام على أي مجرم معين ؛ وتحديد المعايير التي تجعل من المناسب تخفيض العقوبة أو حتى التنازل عنها لصالح بعض التحركات البديلة غير العقابية في حالة معينة (K. Moore 1989). لكن الفلسفة وحدها لا تستطيع تقديم التفاصيل الضرورية؛ فإن الحجة الفلسفية في حد ذاتها من شأنها أن تحدد قانون العقوبات وليس لديها طريقة لإدارتها. مع ذلك ، إن جوهر النظرية الليبرالية للعقاب في الممارسة يكمن في قانون عقوباتها وإدارته العادلة. يتعين إجراء مزيد من التطوير لهذه النظرية وانعكاساتها السياسية الكاملة في منبر آخر.


ببلوجرافيا

Ackerman, Bruce A., 1980, Social Justice in the Liberal State, New Haven: Yale University Press

Alexander, Michelle, 2010, The New Jim Crow: Mass Incarceration in the Age of Colorblindness, New York: The New Press.

Allen, Francis A., 1981, The Decline of the Rehabilitative Ideal, New Haven: Yale University Press.

Barry, Brian, 1989, Theories of Justice, Berkeley: University of California Press.

Beccaria, Cesare, 1764, On Crimes and Punishments, tr. David Young, Indianapolis: Hackett, 1986.

Bedau, H. A., 2001, “Feinberg’s Liberal Theory of Punishment,” Buffalo Criminal Law Review, 5: 103–44.

–––, 1991, “Punitive Violence and Its Alternatives,” in James B. Brady and Newton Garver (eds.), Justice, Law, and Violence, Philadelphia: Temple University Press, pp. 193–209.

–––, 1983, “Bentham’s Utilitarian Critique of the Death Penalty,” Journal of Criminal Law and Criminology, 74: 1033–65

–––, 1978, “Retribution and the Theory of Punishment,” Journal of Philosophy, 75: 601–20.

–––, 1972, “Penal Theory and Prison Reality Today,” Juris Doctor, 2: 40–43.

–––, Bentham, Jeremy, 1789, The Principles of Morals and Legislation, Laurence J. LaFleur (Intro.), New York: Hafner Publishing, 1948.

Butler, Joseph, 1723, “Sermon Upon Resentment”, in Butler, Works (Volume 2), Oxford: Oxford University Press, 1850, pp. 87–98.

Card, Claudia, 1973, “Retributive Penal Liability,” American Philosophical Quarterly Monographs, 7: 17–35;

Currie, Elliot, 1985, Confronting Crime: An American Challenge, New York: Pantheon.

Davis, Angela Y., 2003, Are Prisons Obsolete?, New York: Seven Stories Press.

Davis, Michael, 1992, To Make the Punishment Fit the Crime: Essays in the Theory of Criminal Justice, Boulder, CO: Westview, pp. 42–68.

Duff, R. A., 1986, Trials and Punishments, Cambridge University Press.

–––, 2007, Answering for Crime: Responsibility and Liability in the Criminal Law, Oxford: Hart Publishing

Dworkin, Ronald, 1986, Law’s Empire, Cambridge, MA: Harvard University Press

Farrell, Daniel M., 1985, “The Justification of General Deterrence,” The Philosophical Review, 94: 367–394;

Feinberg, Joel, 1965, “The Expressive Function of Punishment,” The Monist, 49: 397–423;

Fingarette, Herbert, 1978, “Punishment and Suffering,” Proceedings of the American Philosophical Association, 50: 499–525.

Foucault, Michel, 1977, Discipline and Punish: The Birth of the Prison, New York: Pantheon.

Garland, David, 1990, Punishment and Modern Society, Chicago: University of Chicago Press.

–––, 2001, The Culture of Control: Crime and Social Order in Contemporary Society, Chicago: University of Chicago Press.

Gibbs, Jack P., 1975, Crime, Punishment, and Deterrence, New York: Elsevier.

Goldman, Alan, 1982, “Toward a New Theory of Punishment,” Law and Philosophy, 1: 57–76;

Gross, Hyman, 1979, A Theory of Criminal Justice, New York: Oxford University Press.

Hampton, Jean, 1984, “The Moral Education Theory of Punishment,” Philosophy and Public Affairs, 13: 208–38;

Harding, Christopher, and Richard W. Ireland, 1989, Punishment: Rhetoric, Rule, and Practice, London: Routledge.

Hart, Jr., Henry M., 1958, “The Aims of the Criminal Law,” Law and Contemporary Problems, 23: 401–41.

Hart, Herbert L. A., 1968, Punishment and Responsibility: Essays in the Philosophy of Law, Oxford: Oxford University Press

Henberg, Marvin, 1990, Retribution: Evil for Evil in Ethics, Law, and Literature, Philadelphia: Temple University Press.

Hoekema, David, 1986, Rights and Wrongs: Coercion, Punishment, and the State, Selinsgrove, PA: Susquehanna University Press.

Honderich, Ted, 1976, Punishment: The Supposed Justifications, rev. ed., Harmondsworth: Penguin.

Husak, Douglas, 2008, Overcriminalization: The Limits of the Criminal Law, Oxford: Oxford University Press.

Kelly, Erin I., 2009, “Criminal Justice without Retribution,” Journal of Philosophy, 106: 440–462.

Lacey, Nicola, 1988, State Punishment: Political Principles and Community Values, London: Routledge.

Maestro, Marcello, 1973, Cesare Beccaria and the Origin of Penal Reform, Philadelphia: Temple University Press.

Martinson, Robert, 1974, “What Works?—Questions and Answers About Prison Reform,” The Public Interest, 10: 22–54.

Moore, Kathleen Dean, 1989, Pardons: Justice, Mercy, and the Public Interest, New York: Oxford University Press

Moore, Michael S., 1987, “The Moral Worth of Retribution,” in Ferdinand Schoeman (ed.), Responsibility, Character, and the Emotions: New Essays in Moral Psychology, Cambridge: Cambridge University Press.

Morris, Herbert, 1968, “Persons and Punishment,” The Monist, 52: 475–501.

Murphy Jeffrie G., 1973, “Marxism and Retribution,” Philosophy and Public Affairs, 2: 217–43.

–––, 2003, Getting Even: Forgiveness and Its Limits, Cambridge: Cambridge University Press.

Nietzsche, Friedrich, 1887, On the Genealogy of Morals, tr. Walter Kaufmann, New York: Vintage, 1969.

Nozick, Robert, 1981, Philosophical Explanations, Cambridge, MA: Harvard University Press, pp. 366–74.

Pincoffs, Edmund, 1977, “Are Questions of Desert Decidable?” in J. B. Cederblom and William Blizek (eds.), Justice and Punishment, Cambridge, MA: Ballinger, pp. 75–88.

Primoratz, Igor, 1989, Justifying Legal Punishment, Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press.

Quinn, Warren, 1985, “The Right to Threaten and the Right to Punish,” Philosophy and Public Affairs, 14: 327–373.

Rawls, John, 1955, “Two Concepts of Rules,” Philosophical Review, 64: 3–32.

–––, 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971

Reiman, Jeffrey, 1990, Justice and Modern Moral Philosophy, New Haven: Yale University Press.

Richards, David A. J., 1977, The Moral Criticism of Law, Encino, CA: Dickenson.

Scanlon, T. M., 1998, What We Owe To Each Other, Cambridge, MA: Harvard University Press.

–––, 1999, “Punishment and the Rule of Law”; reprinted in Scanlon, The Difficulty of Tolerance: Essays in Political Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.

Semple, Janet, 1993, Bentham’s Prison. A Study of the Panopticon Penitentiary, Oxford: Clarendon Press.

Shelby, Tommie, 2007, “Justice, Deviance, and the Dark Ghetto,” Philosophy and Public Affairs, 35: 126–160.

Singer, Richard G., 1979, Just Deserts: Sentencing Based on Equality and Desert, Cambridge, MA: Ballinger.

Skinner, B. F., 1948, Walden Two, New York: Macmillan.

Strawson, Peter F., 1962, “Freedom and Resentment”; reprinted in Strawson, Freedom and Resentment and Other Essays, London: Methuen, 1974, pp. 1–25.

Stuntz, William J., 2011, The Collapse of American Criminal Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.

Tadros, Victor, 2011, The Ends of Harm: The Moral Foundations of Criminal Law, Oxford: Oxford University Press.

Ten, C. L., 1987, Crime, Guilt, and Punishment, Oxford: Clarendon Press.

Twentieth Century Fund, 1976, Fair and Certain Punishment, New York: McGraw Hill

von Hirsch, Andrew, 1976, Doing Justice: The Choice of Punishments, New York: Hill & Wang

–––, 1985, Past or Future Crimes: Deservedness and Dangerousness in the Sentencing of Criminals, New Brunswick, NJ: Rutgers University Press.

–––, 1993, Censure and Sanctions, Oxford: Oxford University Press.

Walker, Nigel, 1991, Why Punish?, Oxford: Oxford University Press.

Wasserstrom, Richard, 1980, “Punishment,” in Wasserstrom (ed.), Philosophy and Social Justice, Notre Dame: University of Notre Dame Press, pp. 112–51.

White, Mark D. (ed.), 2011, Retributivism: Essays on Theory and Policy, New York: Oxford University Press.

Wilson, James Q., 1975, Thinking About Crime, New York: Basic Books, 1975.

Zimring, Frank E., 1977, “Making the Punishment Fit the Crime: A Consumer’s Guide to Sentencing Reform,” Occasional Papers, No. 12, Chicago: University of Chicago Law School.


[1] Bedau, Hugo Adam and Kelly, Erin, “Punishment”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2017/entries/punishment/>.


error: