1. قصور الاستشراق: مقدمة
لا تزال السير تُكتب عن حياة إدوارد سعيد وأعماله حتى بعد مُضيّ عقدَين[1] على رحيله المبكّر.كثيرون هم من عبّروا عن تقديرهم واحترامهم لإسهاماته، وكثيرون أيضًا من صفّوا حساباتهم معه في الفترة الماضية. يطرح وائل حلّاق، على سبيل المثال، ووفق شروطه الخاصّة، نقدًا تأسيسيًّا جديدًا لكتابالاستشراق وهو العمل الذي دَشّن في بدايات ثمانينيات القرن الماضي عملية نزع الاستعمار عن العلوم الإنسانية. في قصور الاستشراق[2] نرى أنّ سعيد متهمٌ بإخضاع الشرق مفاهيميًّا وبحصرِ نقدِه على المستشرقين دون سواهم رغم أنّ التخصّصات الأخرى في العلوم الإنسانية -بحسب حلّاق- متواطئة تمامًا في إنتاج معرفة جعلت من الإبادات الأوروبية حدثًا قابلًا للتحقُّق. ولهذا يؤكّد حلّاق أنّ نموذج الاستشراق الأخلاقي والإصلاحي هو ما سيساهم فعلًا في نزع الاستعمار عن المعرفة. وبصيغة أكثر تجريدية، يطرح وائل حلّاق حجّةً مفادها أنّ الفكر الأوروبي، لا سيّما الجانب العلماني والعقلاني الفلسفي منه، سابقٌ على سياسات الاستعمار ويتحمّل المسؤولية عن الكارثة التي تتهدّد كوكب الأرض.
| الكاتب | ينس هانسن |
| ترجمة | شيخة مرزوق |
خلال حياته، لم يأخذ سعيد النقد المنهجي، لا سيما الصادر ممّن يشاركونه التوجه السياسي ذاته، على محمل الجِدّ.ولهذا فخلافه مع جلال صادق العظم أنهى صداقتهما بعدما كتب الأخير مراجعة لكتاب الاستشراق اتّهم فيها سعيد بالترويج للجوهرانية الثقافية والغيرية[3]. وتشير مراسلاتهما الحادّة إلى وقوع ما وصفه سامر فرنجية بـ”الحوار المبتور” بين طلائع مُناهضي الاستعمار إبّان الحرب العالمية الباردة[4]. كان الإسلاميون في تلك الأثناء يقرؤون كتاب الاستشراق بعين الرضا، فالكتاب -كما توقّع العظم- لا يؤكّد على مسألة اختلاف الإسلام بشكل كلّي ومطلق فحسب، بل يؤكّد أيضًا على الإرث التخريبي للتنوير الذي يتمثّل في العلمانية والليبرالية والنزعة الإنسانوية الغربية. بيد أنّ سعيد بذل جهدًا كبيرًا حتّى لا يُحمل كتابه على هذا الوجه، فهو قد انضمّ إلى الثورة الفلسطينية وصعّد من انتقاداته للسلطة، حتّى إنه تخلّى عن تحليل الخطاب تقريبًا. وكلّما سنحت له الفرصة كرّر فكرته التي عبّر عنها بإيجاز في فيلم طارق علي الوثائقي ]أثينا السوداء[:
“إن البحث عن الأصول والجذور هو تأكيد للهوية بالضرورة […] وهو على الدوام بناءٌ وتشييد. فلا وجود ليوناني نقيّ، ولا لمصري نقيّ… وما يسري على الأعراق يسري على كلّ شيء آخر، فالأمور كلّها قد تخالطت بطريقة لا تنفكّ”.
هذا التداخل الثقافي لا يتناسب بطبيعة الحال مع مؤلِّف قصور الاستشراق الذي يستعرضُ حجّة متشعّبة لإسلامٍ أصيل ومنزّهٍ سابق على زمن الحداثة والذي شوّهته -كما يقول- قوى الليبرالية والعلمانية الجشعة للحداثة الأوروبية الذاتية التكوين. بل إنّ حلّاق يذهب أبعد من هذا ويؤكّد أنّه ما لم يتمّ الكشف عن الافتراضات الفلسفية الحديثة المعيبة ورفضها من جذورها الإبادية الأولى، فإنّ أي ثورة أو نضال سياسي لخلاص الإنسان هي محاولات لا معنى لها ومحكوم عليها الفشل.
نقدٌ مثل هذا قد يبدو ملائمًا للسياق الغربي ويأتي في توقيتٍ يتصدّر فيه مُبشّرُو الليبرالية قوائم الكتب الأكثر مبيعًا ويتمّ الاحتفاء بهم في البرامج المُتلفَزَة بوصفهم البديل المنطقي للصعود المستمرّ للإسلاموفوبيا وللشعبوية اليمينية العنصرية. وحتى وإن تراجع فرانسيس فوكوياما -أحد مفكري المحافظين الجدد- عن انتصاره الليبرالي لنهاية التاريخ ١٩٩٢، إلاّ أنّ الكتب التي تحظى بشعبية كبيرة، ككتاب الإنسان الإله Homo Deus لنوح هراري، لا تزال تروّج لذات الفكرة المربحة والتي مفادها أنّه لا يوجد بديل عن الفردانية القائمة وحقوق الإنسان واقتصاد السوق الحرّ[5].
ولهذا فكتاب قصور الاستشراق يستند إلى لوحةٍ تاريخية وفلسفية وبيئية ضخمة كي يتحدّى بها الهياكل الليبرالية الحتميّة والذاتيّة. ورغم أنّ الكتاب يسلّط الضوء على نقاط مهملة في أساليب البحث في العلوم الاجتماعية إلّا أنّ حلّاق يفشل في الارتقاء إلى مستوى التحدّي الصعب الذي تفرضه الرواية الليبرالية عن الذات. ومن مطلّه المرموق في جامعة كولومبيا، اعتبر حلّاق أنّ استشراق سعيد غفل عن العنف البنيوي الذي خلّفته عقلانية التنوير في العالم، ومردّ ذلك أنّ سعيد كان “محض منشقّ” داخل النظام الجامعي الحديث. فبحسب حلّاق، وحدهم المثقفون المتموقعون خارج النظام يملكون القدرة على تخريب الإرث الثقافي الإبادي لـ فلسفة التنوير وهزيمته. غير أنّ القرّاء الذين يتوقّعون التعرُّف على تقليدٍ فكري إسلاميّ بديل ومعاصر سيشعرون بخيبة أمل؛ فالأمر لا يقتصر على أنّ تقليدًا كهذا لا وجود له في طرح حلّاق المناهض للحداثة فحسب، بل إنّ من العبث –وفق منظور حلّاق- البحث عنه من الأساس، لأنّ ظهور تقليدٍ إسلامي من هذا القبيل في أعقاب عصر التنوير يعني عند حلّاق ارتباطًا بالاستشراق بالضرورة (٢٣٨).
أمّا الفلاسفة الذين يحشدهم حلّاق لأطروحته ما قبل الحداثية والمُناهضة للإنسانوية هم في الأساس فلاسفة غير مسلمين، وطه عبد الرحمن هو الاستثناء الوحيد الذي ظهر كي يؤكّد هذه القاعدة في هامش صفحة ٢٥٢. فأغلب الفلاسفة هم فلاسفة قاريّون كاثوليك، وغالبًا، إمّا أنهم ينتمون إلى التقليد التنويري المُعادي للحداثة كماكس شيلر وكارل شميت ومارتن هايدجر وجون غراي، أو متشكّكون في التحرُّر الشعبي كميشال فوكو وبرونو لاتور، أو يمكن وصفهم بأنهم راسخون في التقليد الأرسطي لأخلاق الفضيلة كـ إليزابيث أنسكوم وألسدير ماكنتاير. ولكن الشخصية الفكرية الأهمّ والتي خصّص لها حلّاق فصلًا كاملًا من كتابه هو رينيه غينون، الفيلسوف المحبّب لدى الاتّجاهات الفلسفية المعاصرة على اختلافاتها وتعارضاتها ابتداءً من الفلسفة الخالدة perennialism في الولايات المتّحدة الأمريكية وانتهاءً بفلسفة روسيا أولًا عند ألكسندر دوغين.
2. الاستشراق وحقل دراسات الشرق الأوسط في أيّامنا المعاصرة
من الواضح أنّ ما يرمي إليه حلّاق من كتابه أبعدُ بكثير من مجرّد نقدٍ لكتاب تأسيسيّ في دراسات الشرق الأوسط. فـ قصور الاستشراق كتابٌ ينتقد الباحثين المتأثّرين بإدوارد سعيد ممّن تخصّصوا في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA ولا سيما من أتى منهم “من خلفيّات عرقية غير غربية” (239). وهو يجادل بأنّ ثمّة تهربًا من الاعتراف بـ”تواطؤ” هذا الحقل الأكاديمي مع الاتّجاه الليبرالي العلماني والإنسانوي الذي “شوّه” الإسلام وأخضع “الشرق”. ولهذا، فكتاب حلّاق لا بدّ أن يُقرأ كتعقيبٍ على اتّجاهات البحث الجديدة في دراسات الشرق الأوسط منذ أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر والثورات العربية في عام ٢٠١١ ثم الثورات المضادّة التي أعقبتها.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق ظهر انقسامٌ في حقل دراسات الشرق الأوسط بين باحثين يؤيّدون الغزو وآخرين يعارضونه. ومِن الفريق الأوّل من غادر “جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية” (MESA) وأسّس “جمعية دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا” (ASMEA) وهي مجموعة مناصرة سياسية تصدّرت المشهد بصفتها بديلًا لـ MESAوهوجمت بشدّة من الخارج لكونها “مُعادية لأمريكا”. تكاثرت الأبحاث داخل MESA وفقًا للأولويات المنهجية والسياسية التي تَدينُ، بطريقة أو بأخرى، لكتاب الاستشراق وكُتب سعيد اللاحقة، بما في ذلك كتاباتُه عن فلسطين والمنفى[6].
إلاّ أن الاستقطاب الحادّ وقع مع ثورات عام ٢٠١١. ولكن، وفي الوقت ذاته، ضخّت هذه الثورات دماءً جديدة في حقل دراسات الشرق الأوسط؛ فالتضامنات القديمة والتحالفات التحليلية قد تصدّعت تحت وطأة التطوُّرات السياسية في المنطقة. في البدء، أدّت الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك إلى إثبات صحّة ما كان يطرحه بعض المتخصّصين -وبخلاف ما كان يظهر للعيان- من أنّ ثمّة ثقافة مناهضة للاستبداد قابعة في البنية السياسية العربية، وهي، على المستوى الشعبي، قادرةٌ على أن تَحلّ محلّ الانقسامات الطائفية وتجمع القوى الدينية والعلمانية على السواء ضدّ الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب. ومن هنا، كانت الحاجة للدفع باتجاه نموذجٍ تاريخي فكري مُغاير. الأمر الذي بدوره أحيا دراسات اليسار العربي التي ساعدتُ بمعيّة زميلي ماكس وايس في محاولة إرجاع جذورها إلى عصر النهضة وترسيخها ضمن التاريخ الفكري العالمي[7]. واستجاب علماء الأدب العربي بدورهم لتحدّيات ما بعد ٢٠١١، فبعضهم بدأ بالعمل على ترجمة النصوص الرئيسية للتقاليد الكلاسيكية والمعاصرة[8]. يُمثّل هذا التوجه، بطريقة ما، استراتيجية طويلة المدى من أجل حفظ وتنظيم أرشيفٍ ثقافي عربي لمساعدة العلماء والباحثين والناشطين لتخيُّل مستقبل ما بعد القوميّات.
ولكن لحظة الأمل المفاجئة لم تدم طويلًا. في مصر، سلّم المثقّفون الليبراليون والطبقة الوسطى غير المُسيّسة -والمعروفة باسم حزب الكنبة- بقدرهم للانقلاب العسكري الوحشي ضدّ حكومة جماعة الإخوان المسلمين في عام ٢٠١٣. كما غضّ بعض العلمانيّين البارزين الطَّرْف ليس فقط عن مجزرة رابعة التي وقعت في ذلك الوقت، بل أيضًا عن الاعتقالات اللاحقة التي تمّت بالجملة لليساريّين الذين أشعلوا الثورة ونظموها. وفي سوريا، وعلى المنوال نفسه، تمّ تأييد قمع النظام الإجرامي للمظاهرات السلمية في عام ٢٠١١ من قبل أعداد كبيرة من العلمانيّين السوريين، كما أنّ النظام حظي بدعم عُلماء وناشطين وصحافيّين مناهضين للإمبريالية في الغرب. دفع الخوف الواضح والمُبالغ فيه من سيطرة الإسلاميّين على الدول ما بعد الاستعمارية إلى التخلّي عن المتظاهرين وعن فكرة سياسات التحرُّر الراديكالية.
أثّرت هذه الأحداث وما تسرّب منها من مشاعر إحباطٍ ويأس على الأبحاث النقدية المتعلّقة بالعالم العربي لأسباب عديدة ليس أقلّها أنّ السفر إلى هذه البلدان لإجراء بحوث ميدانية صار يعني الدخول إلى أفخاخ الموت كما جرى مع جوليو ريجيني طالب الدكتوراة في جامعة كامبردج الذي عُذّب حتى الموت على يد عناصر من قوّات الأمن الوطني المصري في ٢٠١٦. ومن هنا أتت الحاجة لإعادة النظر وبشكل جادّ في الأطر التحليلية المعمول بها في دراسات الشرق الأوسط، حيث ظهرت نماذج جديدة مُغرية خارج هذا الحقل والمنطقة المبحوثة. فبدأت مؤخّرًا الدراسات البحثية المتعلّقة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتصدّي للفجوة المتزايدة بين استجابة الجامعات المنتجة للنظريات في أمريكا الشمالية لخصوصيات واقعها، بما في ذلك اشتغالها بالإسلاموفوبيا من جهة، وبين الواقع المعاش للمثقّفين الذين يواجهون الاستبداد النيوليبرالي والطائفية والعنف الإسلاموي في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى.
غير أنّ الفوضى السياسية والفشل الواضح للمثالية الثورية العربية أدّت إلى تقويض مفهوم الثورة السياسية والفاعلية البشرية. والعجز التفسيري للتمثيل -والذي تمّ الكشف عنه بالفعل في كتاب الاستشراق من خلال مقولة ماركس “إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم”- دفع بعلماء الأنثروبولوجيا على سبيل المثال لتأجيل أحكامهم على عوالم المعاش المادّية لـ”الآخر” وإعادة النظر في المقولات التحليلية والافتراضات حول الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه التحرّر. فإذا كانت الماركسية والديالكتيكية المادّية فيما مضى تتحدّى الليبرالية بثقةٍ مفرطة على أُسس اقتصادية ونظرة علمانية نقدية، فإنّنا نشهد اليوم انزياحًا عن مقولات الوعي والإنساني والعلماني[9].
وصلت نظرية شبكة الفاعلين Actor-Network والمادّية الجديدة ومقاربات العلوم والتكنولوجيا إلى دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتمّ توجيهها لا سيما عبر مساهمات تيموثي ميتشل الثاقبة والمؤثّرة مع برونو لاتور وميشيل كالون[10]. أحدثت هذه النماذج تحوُّلات بيئية وما بعد إنسانية في جملة من الدراسات من بينها دراسة الدوائر الكهربائية في فلسطين الانتدابية، والتكنولوجيا والزمن في مصر[11]. ويُعدّ مشروع الاقتصاد السياسي (PEP) الذي تمّ إطلاقه مؤخّرًا محاولةً للارتقاء إلى مستوى التحدّيات التي تفرضها ما بعد الإنسانية في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ولإعادة التركيز على الواقع المادّي والمشكلات البنيوية التي ما يزال الاستعمار والنيوليبرالية يطرحانها على المنطقة وعلى العالم بأسره. كما بدأ العلماء والباحثون العرب بإنشاء شبكاتٍ بحثية مثل المجلس العربي للعلوم الاجتماعية والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) التي تعمل على استدراك الاختلاف الإشكالي في دراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادرة سواء من شمال أمريكا أو حتى من المنطقة نفسها. وضمن هذه المبادرات أيضًا، أعادت مجلّة حوارات فيلولوجِيّة Philological Encounters الصادرة من برلين إحياء دراسات فقه اللغة والذي تضرّر بشكل كبير بوصفه الحيّز التخصُّصي للانخراط النقدي مع الاستشراق[12].
غير أنّ أكثر المقاربات تأثيرًا كانت مقاربة أنثروبولوجيا الإسلام التي طوّرها طلال أسد فور وصوله إلى الولايات المتّحدة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. فالمشروع الذي بدأ كمحاولة لتصوير الإسلام كتقليد خطابيّ صار مؤخرًا شبكة بحثية ضخمة تضمّ متخصّصين في الأديان من أمريكا الشمالية يعكفون على الكشف عن التناقضات الفلسفية للعلمانية الغربية من الناحية الاثنوجرافية[13]. قَلَبتْ هذه الجماعة العلمية، وبشكل فعّال، طريقة سعيد الأدبية عن “النقد العلماني” رأسًا على عقب، وأدخلت نقدًا مبتكرًا للعلمانية وللنقد نفسه. إلّا أنّ موقف طلال أسد من الثورة المصرية في عام ٢٠١٥ -وهو موقفٌ طال انتظاره- أدّى إلى نفور كثير من الشباب ممّن أُجبروا على تركِ بلدانهم واختاروا التخصُّص في دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية[14]. إذ يخلص أسد، وبالاستناد إلى علماء الأزهر ومفكّري الإخوان المسلمين، وبطريقة أرندتية (نسبة إلى حنة أرندت)، إلى أنّ:
“الثورة لم تندلع في الأساس، فإرهاصات النظام الجديد لم تظهر بعد” كان الأمر محض “عنفٍ علمانيّ” كما يقول. ولهذا حثّ أسد العلمانيّين على أخذ صيغة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على محمل الجدّ إذا ما أرادوا تشييد هذا النظام الجديد بوصفها الصيغة الشرعية من أخلاق الفضيلة الأرسطية. وعليه، يمكن لهذا النهج الديني لعقدٍ اجتماعيّ جديد في مصر “أن يشكّل توجُّهًا للاعتناء المشترك بالنفس على أساس مبدأ الصداقة، لا على المبدأ القانوني للمواطنة”[15].
لكن بالنسبة للنشطاء المصريّين الذين نكّل بهم العسكر، بدا لهم أنّ أطروحة التخلّي عن النضال والتحرُّر السياسي لصالح وُعود الشريعة بتنظيم علاقات صداقة اجتماعية بمثابة الخيانة لهم من قبلِ مفكّرٍ مسلم لطالما أكنّوا له الاحترام والتقدير. كان هذا الحدث، وبشكل من الأشكال، استعادة للحوار المبتور السابق بين سعيد وصادق العظم والمناضلين الماركسيّين إبّان الحرب اللبنانية الأهلية. أمّا فيما يخصّ الدراسات الشرق أوسطية المعاصرة التي تمّت في شمال أمريكا فإنّ هذه الحوادث وغيرها دلالةٌ على تشتُّتٍ منهجي عامّ أصاب الحقل بعد أحداث ٢٠١١. ولهذا، ينبغي فهم كتاب قصور الاستشراق، ونقد مؤلّفه للاستشراق، ضمن هذا السياق تحديدًا.
3. نحو “إصلاح وتخليق الاستشراق”؟
أخذ نقّاد الاستشراق السابقون على سعيد مبالغته في النقد، حتى إنّ بعضهم حاول، بحسن نيّة، تبرئة مستشرقين كوليم لاين (ت ١٨٧٦) أو لويس ماسينيون (ت١٩٦٢)، وأخذوا على عاتقهم استدراك الهفوات في طرح سعيد لا سيما فيما يتعلّق بدراسات الاستشراق الألماني والنقد النسوي. وعلى النقيض من هذا، يرى حلّاق أنّ سعيد لم ينتقد الاستشراق كفايةً، ويلمّح إلى أنّ سعيد فشل في الخوض في أفكار ماسينيون الفعلية عن الإسلام والعالم الإسلامي، وأنه فشل في الوقوف على الأهلية العلمية لمَحبّة هذا المستشرق للإسلام و”إصراره على وجود (اختلاف)… بين الغرب الحديث والإسلام”[16](١٨٠). يتعرّض حلّاق لمقاربة سعيد عبر ثلاث مراحل: يعود أولًا إلى الجذور الأوروبية المبكّرة للاستشراق في تقابل واضحٍ لطرح سعيد “غير التاريخي” كما يقول والذي يبدأ “من إسخيلوس إلى برنارد لويس”. من ثم يقيم حلقة وصل محكمة بين كلّ الحقول الأكاديمية الحديثة -لا حقل الاستشراق فحسب- وبين الاستعمار والإبادة الجماعية منذ غزو الأمريكيتين، وهذا نقيض منظور سعيد المحدّد والمتمثّل في “التضحية بالاستشراق” كخطابٍ أُنتج عن الشرق في الغرب ومن أجل الغرب، وهو الأمر الذي اعتبره حلّاق “يعجز عن التعاطف مع الآخر غير العلماني”(٥). وكخطوة أخيرة، ينحاز حلّاق إلى فكرة الاحتمال التثقيفي للبحث التخريبي في إطار الاستشراق نفسه (١٣). وفي التفاتة مفاجئة، يقدّم حلّاق، وبحماسة، أطروحته حول “إصلاح الاستشراق وتخليقه” بحيث يغدُو “مجالًا للبحث الإنساني”(٢٥) يمكن أن يحمل في ثناياه إمكانية خلاصية. فالاستشراق كما يرى كان حقلًا صافيًا من تلك النزعة الإنسانوية العلمانية “الخبيثة” المتمركزة حول الفرد والمتواطئة مع الاستعمار.
ليس ثمّة شكّ أنّ حلّاق يعي أهمّية كتاب سعيد، وهو على أية حال يصفه صراحةً “بالخلاصة الأكثر تعمُّقًا وتطوُّرًا لأنّها تعرّضت للتصوُّرات الخاطئة المتواصلة -أم نقول المتأصلة؟- عن الاستشراق”. ولكنه في الوقت ذاته ينتقد قصور سعيد و”إهماله، والحقل الخطابي الذي أسّسه، للركائز البنيوية للعلوم الطبيعة والاجتماعية والإنسانية وتمظهراتها السياسية في المشروع الحداثي الأكبر”(٦). هذه التهمة ستفاجئ أساتذة الاستشراق المخضرمين من دون شكّ، كونها تهمة بلا سند. فإعادة صياغة حلّاق للاستشراق تتجاهل ابتداءً أوسع تعريفات سعيد للاستشراق بوصفه استطرادًا “لأنماط الهيمنة”، قبل أن يرفض هذه الصيغة فيما بعد لكونها “ملغّزة وغير مدعومة”(١٠٦). وبالاستناد إلى تعريفين ضيّقين لسعيد –ولأنهما محض “أنماط من التفكير” الأكاديمي- يكون حلّاق قد حرَّرَ نفسه عمليًّا ليطرح “إعادة صياغة” restate جديدة للإشكال الذي طال الاستشراق في تضادٍّ واضح مع سعيد: فالاستشراق من وجهة نظره لا يتعلّق بالتمثيل أو بالأسلوب، بل يتعلّق “بالأداء” الأستني Austinian (نسبة إلى أستن) و”الظروف الملائمة” و”البنيوية” وهو -في تجاوزٍ واضحٍ لسعيد- “عن الشرق نفسه”. الأكيد ههنا أنّ سعيد ما كان ليقبلَ بسهولة لتعرّض حلاق لكتابه ووصفه إيّاه بأنه كتابٌ “ضحل وسطحي” و”متهافت وباهت” و”مرتبك” و”ضيّق الأفق بشكل غير مفاجئ” بحيث “يعوزه الحسّ التاريخي”(٤٥)، وتعريضه بسعيد نفسه بأنّه “ظلّ مقيّدًا بثنائية الحقّ والباطل”(٦٣).
ولكن حلّاق يمضي في هذا ويعثر على دليلٍ هامشيّ في آخر كتاب الاستشراق يناقض به ادّعاء سعيد المركزي بأنّ الاستشراق لا يدور حول “التصوّرات المحرّفة” عن واقع الشرق، ولكنّها نظرة شاملة للعالم لأنها تصوّر الشرق ككينونة في المقام الأول[17]. ولهذا تكون التهمة القائلة بأنّ سعيد “أغفل كلّ ثقل التنوير في إنتاج الاستشراق” (١٠٧) متناقضة إلى الغاية. فالكتاب كلُّه بالنسبة لسعيد يتمحور أساسًا حول التحوّل التاريخي العالمي الذي بدأ في أواخر القرن الثامن عشر عندما نُشر “الاستشراق الكامن” في النصوص المرجعية -المهمشة سياسيًّا حينها- كأرشيفٍ نشط ومكتبة “للبيان الاستشراقي” لتسهيل الاستعمار وشرعنته فيما بعد.
غير أنّ حلّاق يبني ترسانة معقّدة من المناهج والنظريّات من أجل إزاحة الالتباسات المفاهيمية المعروفة في كتاب الاستشراق وتقديم دعاوى كتابه الأكثر راديكالية. وهو يشرح ذلك بالقياس التالي: بما أنّ الأكاديمية الحديثة “مرتبطة، وإن بصورة غير واعية… بالمشروع الاستعماري للحداثة الغربية”، فالاستعمار والإبادة تم هيكلتهما بعلاقة تبعية، ومن ثم تكون الأكاديميا “متواطئة مع الإبادة”(٢٤). ولكن العجيب أنّ الفصل قبل الأخير الذي كان من المفترض أن يتعرّض لهذه المسألة باستفاضة كان أشبه بجعجعة من دون طحن، والقارئ الفطن الذي سيلتفت للصمت ههنا سيدرك إلى أين تقود رحلة القراءة.
كان الهدف من وراء ترسانة حلّاق النظرية هو إفساح المجال المضمون لأولئك الذين يُعجبون بالشرق وينحازون له كماسينيون أو كمُلهم الكتاب ودليلُه رينيه غينون؛ الكاثوليكي الفرنسي الساخط الذي اعتنق التصوّف الإسلامي. كما أنّ هذه الترسانة النظرية تسمح لأولئك الذين يجوهرون الإسلام كفعل استراتيجي، مثلما يفعل حلّاق نفسه، بتطوير بديل معرفي وأنطولوجي للحداثة. غير أنّ أسلوب حلّاق الجدالي الحادّ وذا المنحى التنازعي يجعل حماسته لأخلاقيات النقد الذاتي وإقراره بالفضل للاستشراق تُفهم بغير هذا المقصد. ولهذا السبب يتفاجأ القارئ عند الوصول إلى آخر الكتاب بأنّ مستقبل دراسات الشرق الأوسط غير واضح المعالم واليأس يلفّه من كل جانب، فالخلاصة تقول بأنّ ثمّة عددًا كبيرًا من المعارضين التقدّميّين المناهضين للاستشراق، ولكن ليس ثمة مستشرقون تخريبيون بما يكفي.
4. المستشرقون المخرّبون مقابل مناهضي الاستشراق المنشقّين
يقدّم حلّاق حجّةً لأخلاقيات إسلامية غير متمركزة حول البشر وغير مادّية وغير سيادية مستمدّة من جوهر الشريعة الإسلامية والتصوف ما قبل الحداثي، ومن أبرز ممثّلي هذا الطرح الغزالي وابن تيمية. ومن هذا المنطلق، يستدعي حلّاق مظاهر الوقف كمؤسّسة إسلامية أصيلة تصدّت لفكر التنوير العبثي والمدمّر. جذور الاستشراق القانوني، في نظر حلّاق، تكمن في “انفصال الحقيقة والقيمة” في الفلسفة الأوروبية الحديثة المبكرة التي جلبها مستشرقون كوِليم جونز ومارسيل موراند وكورنليوس فان فولنهوفن وسنوك هرغرونيه وطبّقوها في أواخر القرن الثامن عشر في جنوب آسيا، وفي منتصف القرن التاسع عشر في الجزائر، وفي أواخر القرن التاسع عشر في جنوب شرق آسيا. كانت إصلاحات التنظيمات العثمانية بحسب حلّاق مجرّد خطوة استعمارية لدمج مجال القانون الشرعي المستقلّ وإطار الشريعة الأصيل في الدولة العلمانية. ولعلّ هذه المسألة هي أكثر مسائل الكتاب المصاغة جدليًّا بإحكام وتُبنى على كتاب حلّاق السابق (الدولة المستحيلة)[18]. ولكن بسبب غياب التوثيق الدقيق لدوائر التأثير الفكري، يمكن القول إنّه من المعقول أيضًا، إذا ما أخذنا التسلسل الزمني في عين الاعتبار، أنّ التجارب القانونية التي أجراها العثمانيون في ثلاثينيات القرن الماضي -إضافةً إلى درايتهم بالتقاليد السياسية الأوروبية الحديثة حينها- قد أثّرت بدورها على المقاربات الاستعمارية للقانون الإسلامي في الجزائر وجنوب شرق آسيا.
يوظّف حلّاق هنا المستشرق رينيه غينون لتبيان أنّه يمكن أن يكون المستشرق منصفًا شريطة أن يعادي الليبرالية والمادّية. ثمّة بالطبع صدًى خافت للفيلسوف الفرنسي الإشكالي الآخر روجيه جارودي (ت ٢٠١٢)، ولكن عند غينون بالتحديد وجد حلّاق شخصيةً فكرية غزالية شهدت نهايات القرن الـ١٩ ويمكنه من خلالها أن يستبطن نموذجه الإسلامي-الأصيل كبديل لعقلانية ما بعد التنوير والاستشراق. وإذا ما جارينا خلاصة حلّاق، يكون لكتاب غينون الشرق والغرب قيمة هويّاتية أكثر ممّا يكون له قيمة فلسفية. ما كان يفعله هذا “المؤلف المخرّب” هو أنّه اتّبع الطرق الصوفية قبل الحرب العالمية الأولى ومن ثم انغمس في الحياة “الشرقية” في القاهرة خلال الحربين. ومن خلال موقعه الاستراتيجي في الهامش ومكانتة السلطة، فإن كتاب غينون يمثّل عند حلّاق “تفاعلًا استنكاريًّا حادًّا على الفلسفة الأوروبية من لايبنتس إلى كانط وشوبنهاور” ممّا يجعله يقبض على “خلاصة ما توصّلت إليه النظرية الاجتماعية والنظرية النقدية والنقد الثقافي، ولكن من دون الاعتراف بشرعية النظام الذي تصرّ عليه هذه النظريات النقدية”(١٤٥). لا يعزو غينون النوايا السيئة أو التحيُّزات المتعمّدة إلى الفلاسفة والمستشرقين بصفاتهم الشخصية[19]. فالمعضلة بالنسبة إليه، كما هي بالنسبة إلى حلّاق، أعمق من ذلك، فجذور العنف البنيوي للغرب متغلغلة في العقل الأداتي للتنوير، وبالتحديد في “المادّية” الغربية وفي “العلم السيادي” التي اعتبره غينون “خُرافة” حضارية حديثة.
في كتاب الشرق والغرب إذن يصبح التقدّم محض “عقيدة تبدّل الفضيلة إلى رذيلة”. بالطبع كان المنشقّون المناهضون للحداثة والحركات المعادية للمادّية هي السمة المميّزة للحداثة في نهاية القرن، ولكن يظلّ أن حلّاق وعد قُرّاءه بأنّ غينون سيحدّد أشكالًا “تثقيفية” بديلة ومقاربات إنسانية أكثر احترامًا للآخر وللطبيعة. ولكن قبل أن يصل إلى هذه النقطة في خاتمة كتابه، يعود حلّاق إلى قياسه ليقول إنّ كلّ المعارف الأكاديمية الحديثة هي معارف متورّطة بنيويًّا في الإبادة.
5. إسقاطات فلسفية
كان من المفترض أن يقدّم الفصل الرابع من قصور الاستشراق دليلًا على تقاطع إنتاج المعارف الأكاديمية مع الإبادة الاستعمارية. ولكن عوضًا عن ذلك يبدأ حلّاق بنقد الجامعة النيوليبرالية، ويشير إلى تشابهات بنيوية بينها وبين الشركات المتعدّدة الجنسية، ويزجّ بـ”المجالات المركزية للعلم الحديث” في المشروع الاستعماري. تواطؤ سجلّ الجامعات الإسرائيلية في الغزو الاستعماري لفلسطين هو أمر مفروغ منه لأنه كان محلّ اهتمام ودراسة، ولكن كان من الأجدى في هذا السياق، ولأنه المثال الأحدث، أن يتمّ التطرُّق لنموذج التعليم النيوليبرالي في الجامعات الأمريكية في الخليج. ولكن حلّاق لا يخاطر بالذهاب في هذا الاتجاه، ولا حتى يتعرّض لتبريرات بعض الأساتذة في الجامعات المرموقة ممّن أيّدوا الحرب السعودية اليمنية.
لا يمكننا بالتأكيد اختزال “الشخصية المدمّرة” للحداثة في أحداث جيوسياسية كالرأسمالية والاستعمار. فهذه حجج سياسية واقتصادية “سطحية” تجعل من ضحايا العنف الأوروبي من غير الغربيّين متواطئين عمليًّا في إخضاع أنفسهم (١٩-٢٠). كما أنّ حلّاق لا يلتفت إلى استخدام استعارة الفاشية بوصفها استعارة مناهضة للاستعمار وتعبّر عن عودة الإمبريالية إلى أوروبا عند كلّ من أرندت وسيزير. عوضًا عن ذلك تكون الحداثة، وبحكم التوارث، متجذّرة بالكامل في الفكر الأوروبي الحديث حيث صار اللاهوت المسيحي لاهوتًا علمانيًّا في أعقاب أعمال الإبادة الأربعة الكبرى التي وقعت في القرن الـ١٦، وهي: إبادة سكّان أمريكا الأصليّين، الأندلسيّين، الأفارقة، والسحرة في محاكم التفتيش (٨٥-٨٧). وفي هذا السياق، يبدو أنّ حكم ميشيل رولف ترويلو ما زال قائمًا، إذ “كلّما زاد عدد البشر الذين غزاهم التجّار الأوربيون ومرتزقتهم، تحدّث وكتب الفلاسفة الأوروبيون عن الإنسان أكثر”[20]. إنّني بلا شكّ أتفهّم نقودات جدل التنوير للحداثة الاستعمارية والدور الحاسم الذي أدّاه الغزو الأوروبي للأمريكيتين فيها، ولكن يبدو لي أنّ قصور الاستشراق يفشل في إثبات خصوصية أطروحته فيما يخصّ “الآثار الحتمية” للفلسفة العقلانية للقرن ١٦، أو حتى فلسفة القرن الـ٢٠، على الإبادات الجماعية(٢٣٢). ولهذا يستدعي الكلمات اللاتينية المتمثّلة في مبدأ الكوجيتو وحجّة إنريك دوسل في أنّ الذات الغازية ego conquiro كانت شرط الإمكانية بالنسبة إلى ديكارت “وهو ليس الزعم ذاته، الذي عفا عليه الزمن، القائل بأنّ علمانية القرن السابع عشر (أو حركة الربوبيّين لـ ديكارت وهوبز وغاليليو ونيوتن ولوك) أدّت إلى الإبادات الجماعية في القرن السادس عشر، أو أنّ العقلانية تحرّرت من القيود الأخلاقية للمسيحية”(٨٧).
لم تكن الإبادات الجماعية في القرن السادس عشر الخطيئة الأصلية للفلسفة الديكارتية ولا حتى للعلمانية كما يدّعي حلاّق، ولكنها كانت شأنًا مسيحيًّا خاصًّا. الفلسفة الثنائية والتمييز العقلاني من ديكارت إلى كانط (العقل/الجسد، الموضوع/الذات، الحقيقة/العُرف، المعقولات/الظواهر) التي يزعم حلّاق أنّها مهّدت للإبادات الجماعية كانت مفاهيم تخريبية حتّى القرن التاسع عشر. ظلّت العقلانية محلّ نزاع داخل الفلسفة، وهامشية بالنسبة إلى الجغرافيا السياسية و”كامنة”، بلغة سعيد، إلى أنْ ظهرت في أعقاب التنوير كتداخلٍ بين الاستعمار والاستشراق. يقلب حلّاق تسلسل سعيد هذا؛ فالفلسفة العقلانية هي التي “مكّنت” الاستعمار والاستشراق من الظهور والوجود، لا أنّ الاستشراق “تسلّح” بالاستعمار.
هنا، قد توضح لنا خطة لايبنتس Leibniz لغزو مصر اختلاف مقاربة كلٍّ من سعيد وحلّاق لماهية الزماني والسببي. وهذه الحادثة لم تظهر لا في الاستشراق ولا في قصور الاستشراق وهذا ما يجعل المقارنة المنهجية بينهما أكثر نجاعةً. فمنذ أواخر عام ١٦٧١ إلى أواسط ١٦٧٢ كتب لايبنتس عددًا من الرسائل ليقنع ملك فرنسا بغزو مصر، ولكن تلك المحاولة لم تكن سوى محاولة يائسة من قِبلِ شخص وطني أراد صرف الأنظار عن الغزو الفرنسي الذي يلوح في الأفق ضدّ هولندا البروتستانتية وتحويلها إلى حملة صليبة عالمية على ولاية مصر العثمانية الثرية من أجل “مجد ألمانيا”[21]. خطة لايبنتس، من منظور حلّاق، من شأنها أن تؤكد وقوع الإبادات الجماعية. فلايبنتس وأقرانه في القرن السابع عشر “أنتجوا أنواعًا معيّنة وغير مسبوقة من المعرفة مكّنتهم من التلاعب بالسلطة بشكل جوهري وطبيعي”(١٦). ولكنّ سعيد أدرك (والذي لاحظت في زيارة حديثة لمكتبته أنها تضم نسخة من كتاب لايبنتس المعنون مقالات جديدة) الأهمّية المؤجّلة لرفض لويس الرابع عشر لمقترح لايبنتس. بالنسبة إلى سعيد، لم يمكن لخطة لايبنتس لمصر أن تؤدّي دورًا حاسمًا إلّا في حال تغيّرت الظروف الجيوسياسية لصالح أوروبا. في هذه الحالة فقط، كان يمكن استرجاعها كمخطّط أوّلي من أرشيف الاستشراق وإعادة تجهيزها لغزو نابليون لمصر في عام ١٧٩٨[22].
إلّا أنّ نهج حلّاق القائم على المقاربة القانونية للتاريخ الإسلامي -في محاكاةٍ للجدل اللفظي لكثير من تحليلات الخطاب الاستعماري- كان لا بدّ أن يرفض نموذج العصور المتأخّرة حتى تنجح ثنائيته بين إسلام أصيل وحداثة مادّية[23]. فبحسب حلّاق، إنّ الحجّة التي مفادها أنّ الإسلام ظهر نتيجة التقاء قوى ثقافية في القرنين السادس والسابع أثّرت في إنكار الأصول الولّادة للإسلام. وهذا ما أجبره على تجاهل تقليد فلسفي عربي إسلامي عريض حول الميتافيزيقا المادّية بكلّ اشتباكاته مع التفسيرات الطبيعية والإلهية للكون، والجدل حول الشكل والمادّة والتمييز بين الجوهر والوجود[24]. وهذا التقليد الفلسفي المهمّش يسري في أعمال كلٍّ من ابن سينا (ت ١٠٣٧) وابن جبيرول (ت ١٠٥٨) وابن طفيل (ت ١١٨٥) وابن رشد (ت ١١٩٨) وجوردانو برونو (ت ١٦٠٠).
أمّا ما ظهر في كتابات بعض المفكّرين العرب المعاصرين ممّن فسّروا التراث الإسلامي بتفسيرات مادّية كحسين مروة (ت ١٩٨٧) وطيب تيزيني (ت ٢٠١٩) [25]، أو حتّى ما ظهر في دياليكتيك إنجلز للطبيعة (١٨٨٣) أو حتى عند الألماني ألفريد شميدت في كتابه مفهوم الطبيعة عند ماركس (١٩٦٢)، والذي بدروه ألهم البيئيّين الماركسيّين المعاصرين أو “الماركسية الخضراء”، فقد كان في واقع الأمر تعبيرًا لاحقًا ومتأخّرًا لهذا التقليد الفلسفي الذي قدّم شكلًا إنسانيًّا عالميًّا لا يتمحور حول البشر وحدهم وإنما ساوى بين الطبيعة والعالم المادّي بحيث ينحاز للتحرّر ويضبطه في آنٍ واحد.
أطلق إرنست بلوخ على هذا التقليد اسم “اليسار الأرسطي”[26] الذي تمّ قمعُه من قبل ثنائية الفلسفة والعلمانية بقدر ما قمع من قبل التقليد الكلامي الإسلامي والسكولاستية المسيحية Christian scholasticism والمستشرقين الرجعيّين فيما بعد. وبقي هذا التقليد في ظلال التفسيرات الكاثوليكية والتوماوية لأرسطو[27] وجزء كبير في الواقع من الفلسفة المنهجية اللاحقة تغافل عن التأثيرات السياسية و”الظروف الملائمة” لبحث هذا التقليد ودراسته[28]. لكن ما طرحه بلوخ من استفسارات فلسفية كانت تعترف بالتثاقف الذي تمّ أثناء التداخل الثقافي والتفاعل بين الفكر وسياقاته المتغيّرة. وهذا الاعتراف يتناسب مع فكرة سعيد عن “ارتحال النظرية” ولكنه غير مشروع إطلاقًا في نهج حلّاق غير الدياليكتيكيّ للتاريخ الإسلامي والأوروبي. واللافت للنظر هنا، أنّ ثمة تقاربًا غريبًا بين مفهوم بلوخ لليوتوبيا المتماسكة -وإصراره على أنّ الأمل دائمًا ما يتمّ إحباطه- وتأمُّلات سعيد المؤلمة “في القضايا الخاسرة”[29]. مثل هذه التأويلات الناقدة للذات والمتطلّعة لاستشراف المستقبل قد تسفر عن مسارات للخروج من حاضرنا المتداعي أفضل من تلك المسارات التي تعِدُ بها الليبرالية المتسيّدة أو الاستدعاءات الأفلاطونية نحو الإسلام.
6. إعادة سعيد لموضعه
محاولة قصور الاستشراق التوغُّل عميقًا في الهياكل القمعية ينقلبُ في نهاية المطاف إلى تعقيبات مطوّلة وشديدة القساوة لمقالة باتريك وولف المعنونة “الاستعمار الاستيطاني وإقصاء السكّان الأصليّين”. وهو يمزج تعقيباته هاته بإعادة قراءة نقدية لمقالة “الجدار الحديدي” المنشورة عام ١٩٢٣ للأممي الصهيوني فلاديمير جابوتنسكي. يرى حلّاق في “حَجرِ” لاتور -مفهوم الوجود البيئي كمقاومة غير بشرية- أساسًا مجازيًّا أكثر صلابة للتغلب على الاستيطان الاستعماري. إن تحليل وولف، في تقديره، كتحليل سعيد من قبله، ظلّ مجرّد تحليل متعلّق بـ”النية الفوقية” فهو “ينسحب إلى الاقتصادّي والمادّي كلّما لاحت أمامه البنية السيادية للفكر”(١٩٨). يتساءل المرء: ما ماهية هذه “البنية” التي يستدعيها حلّاق بانتظام؟ يبدو أنه من غير المعقول اعتبار الأبعاد السياسية والاقتصادية والمادّية للاستعمار “انسحابًا” من الواقع، لا سيّما أنّ أولئك الذين قاموا بهذه الأبحاث الدقيقة كانوا في الصفوف الأمامية لاستئصال الاستعمار من المناهج العلمية وغيّروا الخطاب العام ودفعوا ضريبة ذلك غاليًا.
في الفصل الأخير من قصور الاستشراق، والذي عدّه حلّاق بمثابة خارطة طريق لاستشراقٍ أكثر تعاطفًا وأخلاقًا، لا يظهر غينون ولا حتّى عدوّ الحداثة الأكثر حنكةً ووضوحًا مارتن هايدجر، بل من يظهر هو الأنثروبولوجي المثالي ماكس شيلر. يعتقد حلّاق أنّ حجج شيلر الروحية من أجل الحفاظ على الكوكب أكثر أهمّية من حجج البيئيّين المعاصرين الذين يعتبر أنّ “إلحادهم” دلالة على تواطُئهم مع الليبرالية وعدم قدرتهم على رؤية الأزمة الحقيقية للجشع الغربي. الشخصانية الأخلاقية التي ينادي بها شيلر وحلّاق ليست طارئة على الفلسفة العربية-الإسلامية على أية حال. ففي أواخر ستّينات القرن الماضي كان قد طوّر الفيلسوف المغربي محمد لحبابي (ت١٩٩٣) فكرة الأنثروبولوجيا الإسلامية من الفلسفة الفرنسية الكاثوليكية الشخصانية المرتبطة بمجلّة Esprit ومحرّرها إيمانويل مونييه[30]. ويمكن القول إنّ نهوض اليسار العربي في أواخر ستينيات القرن الماضي كان من أجل التغلّب على نكوصٍ من هذا النوع صوب المجال الفردي والشخصي والروحاني، وضدّ ما عدّه الكثيرون من مخلّفات السكون الأكاديمي للفترة الاستعمارية، بما في ذلك المنطق الصوّري، والنصيّة textualism والتصوّف والمعرفة الروحية[31].
في آخر التحليل، من غير الواضح لنا كيف يمكن لنصيحة حلّاق للمستشرقين بأن يحسّنوا من مواقعهم وشخصياتهم -بدل انكبابهم على “التاريخ الجزئي” للشرق الأوسط- أن ينتج عنها تمركُز أقلّ حول أوروبا أو حتّى أقلّ استغراقًا في الذات. وإذا كان على “الآخر” -الذي صار موضعًا للذمّ والقدح- أن يكون، كما يطرح حلّاق، حاملَ لواء التقليد الخلاصي البديل للكوكب الذي أتلفته الحداثة الليبرالية بالكوارث الطبيعية والبشرية، فإنّنا في المقابل لا نسمع الكثير ممّا لدى المفكّرين المسلمين ليقولوه بشأن هذا التقليد البديل في كتاب قصور الاستشراق. وإلى أن نسمع ذلك، وبغضّ النظر عن “التحيُّزات الليبرالية” في كتاب الاستشراق، ستبقى أطروحة سعيد أكثر تماسكًا من الناحية التحليلية من التبشيرية المحافظة للنقد الحلّاقي.
الهوامش
[1] النص الإنجليزي منشور عام ٢٠١٨، لهذا نجد أنّ الكاتب يكتب “… بعد مضيّ خمسة عشرَ عامًا…” (المترجمة).
[2] كتاب وائل حلّاق Restating Orientalism صدر في عام ٢٠١٨ وتُرجم إلى العربية في السنة التالية تحت عنوان (قصور الاستشراق) باقتراح من حلّاق نفسه. ألتزم في هذه الترجمة بالعنوان العربي المتداول حتى يسهُل على القارئ تتبّع سير المقالة، رغم أن Restating لا تفيد معنى القصور. كما أنني أستخدم الخط العريض لعنوان كتاب سعيد الاستشراق وكتاب حلاّق قصور الاستشراق لتمييزهما عن الاستشراق كحقل أكاديمي (المترجمة).
[3]انظر مراسلاتهما بخصوص مراجعة العظم: http://pastandfuturepresents.blogspot.com/2016/12/edward-saidsadik-al-azm-1980.html
[4] Samer Frangie, “On the Broken Conversation between Postcolonialism and Intellectuals in the Periphery,” Studies in Social and Political Thought 19 (2011), 41-54.
[5] Francis Fukuyama, Socialism ought to Come Back,“ New Statesman, 17. October, 2018. Yuval Noah Harari, Homo Deus: A Brief History of Tomorrow (London: Vintage, 2016). كتاب هراري مترجم إلى العربية
[6] مثال على الهجوم الذي شُنّ على الجمعية:Martin Kramer, Ivory Towers in the Sand (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 2001). للحصول على تاريخ مؤسّسي لدراسات الشرق الأوسط، انظر:Lockman, Zachary, Field Notes: The Making of Middle East Studies in the United States (Stanford: Stanford University Press, 2016).
[7] انظر العدد الخاصّ عن اليسار العربي في مجلّة الدراسات العربية؛ عدد ٢٤ لعام ٢٠١٦. انظر كذلك؛ الفكر العربي بعد العصر الليبرالي: نحو تاريخ فكري للنهضة. تحرير ينس هانسن وماكس وايس، ترجمة فؤاد عبدالمطلب. مؤمنون بلا حدود ٢٠١٩. وأيضاً الجزء الثاني من الكتاب and Arabic Thought Against the Authoritarian Age: Towards an Intellectual History of the Present (Cambridge: CUP, 2016, 2018). وانظر: Zeina Halabi, Unmaking of the Arab Intellectual (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2017).
[8] يبرزُ هنا مشروع “المكتبة العربيّة” الصادر عن جامعة نيويورك-أبو ظبي كأحد النماذج الرائدة في تنسيق الإصدارات العربية. وفي الآونة الأخيرة، نشر العلماء المختصّون بعصر النهضة نصوصًا مختارة ونصوصًا أخرى منفردة، انظر على سبيل المثال كتاب: Tarek el-Ariss (ed.), The Arab Renaissance: a Bilingual Anthology of the Nahda (New York: MLA Texts & Translations, 2018). وانظر: Faris Ahmad Shidyaq, Leg over Leg 2 vols., ed. and tr. by H. Davis (New York: NYU Press & Library of Arabic Literature, 2013), and Butrus al-Bustani, The Clarion of Syria: a Patriot’s Call against the Civil War of 1860, introduced & tr. by J. Hanssen and H. Safieddine (Berkeley: University of California Press, 2019).
[9] انظر مفهوم باول غيلروي “الإنسانية الكوكبية” المستلهم من فانون كنقدٍ لما بعد الإنسانية.
[10] Timothy Mitchell, Rule of Experts; Egypt, Techno-Politics, Modernity (Berkeley: University of California Press, 2002) & Carbon Democracy (London: Verso, 2014). ترجمَ المشروع القومي للترجمة-مصر كتابيّ تيموثي ميشيل إلى العربية؛ (حكم الخبراء) و (ديمقراطية الكربون). و من أجل قراءة نقدية لكتاب ديمقراطية الكربون، انظر:
Mazen Labban https://antipodeonline.org/2013/03/19/book-review-mazen-labban-on-timothy-mitchells-carbon-democracy/
[11] Aaron Jakes, “A New Materialism? Globalization and Technology in the Age of Empire,“ IJMES 47 (2015), 369-81.
[12] وهذا يمثل تتمةً لعمل سعيد المتأخر وغير المكتمل (العودة إلى الفيلولوجيا) أو العودة إلى فقة اللغة. انظر: Edward Said Humanism and Democratic Criticism (New York: Columbia University Press, 2000), 57-83- مترجم إلى العربية.
[13] انظر: Saba Mahmood’s brilliant Politics of Piety; The Islamic Revival and the Feminist Subject (Princeton: Princeton University Press, 2005). مترجم إلى العربية عن دار جداول بعنوان سياسية التقوى.
[14] Fadi Bardawil, “The Solitary Analyst of Doxas: An Interview with Talal Asad,” Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East 36 (2016), 153-173.
[15] Talal Asad, “Thinking About Tradition, Religion, and Politics in Egypt Today,” Critical Inquiry 42 (2015), 177, 212. من بين أعمال أسد الكثيرة، هذه المقالة الوحيدة التي يستشهد بها حلاّق.
[16] سعيد اعتبر “أن من الحماقة عدم احترام الجدّة والعبقرية الواضحة لعقل ماسينيون” لكن مأخذه الرئيسي على ماسينيون كان في أنه لم يقدّر إلّا المسلمين غير التقليديّين كالحلّاج. انظر: Said, Orientalism, 268-70.
[17] Edward Said, Orientalism (New York: Vintage, 1994), 272-3. Quoted in Hallaq, 59-60.
[18] Wael Hallaq, The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament (New York: Columbia University, 2013).صدر بالعربية عن الشبكة العربية
[19] حتى قبل الهولوكوست، كان المستشرقون اليهود الألمان يشكلون تقليدًا تخريبيًّا بديلًا. انظر: Susannah Heschel, Jüdischer Islam: Islam und jüdisch-deutsche Selbstbestimmung (Berlin: Matthes & Seitz, 2018).
[20] يصرّ ترويلو على “ضرورة إقامة تمييز بين ما وقع وبين ما يقال إنه وقع”. انظر: Michel-Rolph Trouillot, Silencing the Past: Power and the Production of History (Boston: Beacon Press, 1995),75.
[21] Lloyd Strickland, “Leibniz’s Plan for Egypt (1671-2): from Holy War to Ecumenism,” Intellectual History Review 26 (2016), 461-76. Here: 462.
[22] لم يظهر حتى الآن أي دليل موثوق في الأرشيف الفرنسي أو البريطاني-الهانوفري على أن خطة لايبنتس قد استخدمت من قبل جيش نابليون. ويبدو أن نابليون قد علم بوجود خطة لايبنتس بعد احتلال مصر بوقت قصير عندما أرسل له أحد جنرالات مورتييه نسخة من هانوفر في عام ١٨٠٣ للتأكد من سير عملية الاحتلال العسكري بشكل صحيح.
[23] Angelika Neuwirth, Der Koran als Text der Spätantike: Ein Europäischer Zugang (Berlin: Insel Verlag, 2011).
[24] Souleyman Bachir Diagne, Open to Reason: Muslim Philosophers in Conversation with the Western Tradition (New York: Columbia University Press, 2018). مترجم إلى العربية
[25] أطروحة طيب تيزيني للدكتوراة كانت بعنوان: مفهوم المادّة في الفلسفة العربية الإسلامية الوسيطة Die Materieauffassung in der islamisch- (Berlin: Akademie Verlag, 1972) arabischen Philosophie des Mittelalters. وحسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية (بيروت-الفارابي ١٩٧٨).
[26] Ernst Bloch, Avicenna und die Aristotelische Linke (Frankfurt: Suhrkamp, 1952). ترجمه إلى العربية محمد التركي (تونس-بيت الحكمة ٢٠١٢).
[27] Terry Eagleton, Materialism (New Haven: Yale University Press, 2016).
[28] Henri Lefebvre, Metaphilosophy, tr. by D. Fernbach (London: Verso, 2016).
[29] Edward Said, “On Lost Causes,” Reflections on Exile and Other Essays (Cambridge, Mass.: Harvard Press, 2002), 527-553.
[30] Mohamed Aziz Lahbabi, Le Personnalisme muselman (Paris: Presses Univ. de France, 1964). مترجم إلى العربية (الشخصانية الإسلامية)
[31] عبدالله العروي، أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية؟. ترجمة ذوقان قرقوط. ص٥-١٠
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.