ماكس شتيرنر (1806-1856) هو مؤلف كتاب “الأوحد وملكيته” (Der Einzige und sein Eigenthum) الصادر سنة 1844. ويُعرف هذا الكتاب في الإنجليزية عادةً بعنوان (The Ego and Its Own)، أي “الأنا وملكه”، غير أن ترجمته ترجمةً أكثر حرفيةً وأوفى دلالةً على مضمونه هي “الفرد الفريد وملكيّته” (The Unique Individual and their Property). وفي عمل شتيرنر الرئيس ما يربك القارئ شكلًا ومضمونًا معًا؛ فهو يتحدى توقعات قرائه بشأن الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها المحاجّة السياسية والفلسفية، ويزعزع ثقتهم في التفوق الأخلاقي والسياسي للحضارة المعاصرة. يشن شتيرنر هجومًا كاسحًا على العالم الحديث بوصفه عالمًا تتعاظم فيه هيمنة أنماط التفكير “الدينية” والمؤسسات الاجتماعية القمعية، ويشفع ذلك بمخططٍ أشد إيجازًا بكثير لبديل “أناني” راديكالي يمكن أن يزدهر في ظله الاستقلال الذاتي للفرد. ويظل الأثر التاريخي لكتاب “الأوحد وملكيته” عسيرًا على التقدير، بيد أنه يمكن القول إن عمل شتيرنر كان له وقع مباشر وهدّام في حركة اليسار الهيجلي؛ وأدى دورًا مهمًا في التطور الفكري لـ كارل ماركس (1818-1883)؛ ثم أثّر من بعدُ في التقليد السياسي لِـ اللّاسلطوية الفردانية.

الكاتبديفيد ليوبولد
ترجمةصالح محمد

1. حياة شتيرنر وعمله

وُلد شتيرنر باسم يوهان كاسبار شميت (Johann Caspar Schmidt) في 25 أكتوبر 1806، وكان الابن الوحيد لأبوين لوثريين من أسفل الطبقة الوسطى يقيمان في بايرويت. وكان اسم “شتيرنر” في الأصل لقبًا نشأ عن جبهته العريضة (من Stirn، أي “الجبين” بالألمانية) التي كانت تبدو أعرض بفعل طريقته في تسريح شعره إلى الوراء، ولم يتخذه إلا لاحقًا – في صيغة “ماكس شتيرنر” – اسمًا أدبيًا مستعارًا والاسمَ الذي يؤثِر أن يُدعى به. كان والده قد توفي ولمّا يتجاوز شتيرنر ستة أشهر من عمره، فربّته أمه (التي تزوجت بعد ذلك)، ثم لمّا انتقلت أمه من بايرويت، تولت رعايته عمّةٌ تعهّدته لكي يواصل دراسته في مدرسة البلدة الثانوية الكلاسيكية (الجمنازيوم) ذائعة الصيت. تابع شتيرنر بعد ذلك دراسته الجامعية، من دون تميّز أكاديمي يُذكر، في جامعات برلين وإرلانغن وكونيغسبرغ. ومن المعروف أنه حضر في برلين ثلاث سلاسل من المحاضرات ألقاها ج. ف. ف. هيجل (G.W.F. Hegel) (1770-1831): في فلسفة الدين، وفي تاريخ الفلسفة، وفي فلسفة “الروح الذاتي” (وهي تُعنى بسيكولوجيا الفرد، بما في ذلك التفكير والإرادة).

وقُبيل نهاية مساره الجامعي، كرّس شتيرنر جانبًا كبيرًا من وقته لما سمّاه “شؤونًا عائلية”، ولعل ذلك كان تلطيفًا في الإشارة إلى تدهور صحة أمه العقلية. وفي سنة 1832 عاد مع أمه إلى برلين، وسعى، بنجاح جزئي، إلى التأهل لمهنة التدريس. (أودعت أم شتيرنر مصحًّا للأمراض العقلية سنة 1837، وكُتب لها في نهاية المطاف أن تعيش بعده ثلاث سنوات.) وتلت ذلك فترة من الدراسة الحرة والعمل غير المنتظم، منها ثمانية عشر شهرًا عمل فيها مدرّسًا للغة اللاتينية من دون أجر. وفي أثناء ذلك تزوج أغنيس بوتس (Agnes Butz) (1815-1838)، وهي من أسرة صاحبة مسكنه. وفي أغسطس 1838 توفيت أغنيس وهي تضع طفلًا وُلد ميتًا. وسيذهب إدغار باور (Edgar Bauer) (1820-1886) لاحقًا إلى أن شتيرنر أخبره ذات مرة أنه لمّا وقعت عيناه على زوجته الأولى عاريةً لم يعد قادرًا على أن يمسّها.

وبين سنتي 1839 و1844 عاش شتيرنر في برلين ما يشبه حياة مزدوجة. فقد حصل على وظيفة في مدرسة خاصة للبنات حسنة السمعة، وأمضى السنوات الخمس التالية في تدريس التاريخ والأدب، بانيًا لنفسه في غضون ذلك سمعة المدرّس المهذب الذي يُعتمد عليه. غير أن شتيرنر، بعيدًا عن وظيفته التعليمية، أخذ يرتاد أكثر محافل برلين الفكرية طليعيةً؛ فكان يستخدم قاعة المطالعة الخاصة بالروائي فيليبالد ألكسيس (Willibald Alexis) (1798-1871)، ويقضي فترات ما بعد الظهيرة في مقهى شتيهلي (Stehely)، وصار من سنة 1841 فصاعدًا زائرًا منتظمًا لحانة هيبل (Hippel) في شارع فريدريش. وكانت هذه الأخيرة مكان الاجتماع الرئيس لجماعة “الأحرار”، وهي جماعة من المدرسين والطلاب والضباط والصحفيين ما فتئت تزداد بوهيميةً، تحت قيادة فكرية فضفاضة من الهيجلي اليساري برونو باور (Bruno Bauer) (1809-1882). وكان باور قد فُصل قبل ذلك بقليل من منصبه التدريسي في جامعة بون، إثر تحقيق رسمي في مدى التزام كتاباته عن العهد الجديد بصحيح المعتقد. وقد ضمت هذه الجماعة الخارجة على المألوف ماري دينهارت (Marie Dähnhardt) (1818-1902) التي أصبحت زوجة شتيرنر الثانية (وإليها أهدى كتابه “الأوحد وملكيته”). وفي هذه البيئة البوهيمية، وعلى الرغم من مظهره الشخصي الهادئ المتواضع، اكتسب شتيرنر سمعته بعدائه للدين، وضيقه بالاعتدال، وقدرته على إشعال جدال محتدم.

وتعود أولى كتابات شتيرنر المنشورة إلى هذه الفترة البرلينية. فإلى جانب بعض المواد الصحفية القصيرة التي لا تسترعي الانتباه في “الجريدة الرينانية” (Rheinische Zeitung) و“جريدة لايبتسيغ العامة” (Leipziger Allgemeine Zeitung)، تشمل هذه الكتابات مراجعةً تنمّ عن معرفةٍ بخفايا الأمر لكتاب “بوق الدينونة الأخيرة” (1842)، وهو هجوم برونو باور المجهول التوقيع، المصوغ في قالب المحاكاة الساخرة، على هيجل؛ ومقالًا في التربية بعنوان “المبدأ الخاطئ لتربيتنا” (1842). والمقال الأخير بخاصة يرهص ببعض موضوعات عمل شتيرنر اللاحق؛ إذ يقابل فيه، مثلًا، بين تدريب الأفراد على تلبية نداءٍ غريب عنهم من جهة، وتنمية الاستعداد فيهم لأن يصيروا “شخصيات ذات سيادة” من جهة أخرى. ويقال إن شتيرنر كان يلمّح أحيانًا في هذه الفترة إلى كتاب يشتغل عليه، غير أن قلة من معارفه هم من أخذوا وجود هذا الكتاب مأخذ الجد. وقد كان وقع “الأوحد وملكيته” في هذه الأوساط الهيجلية اليسارية كبيرًا وغير متوقع في آن واحد. كان شتيرنر قد بدأ العمل الجاد على الكتاب في أوائل سنة 1843 وفرغ منه في منتصف سنة 1844. وقد نشر “الأوحد وملكيته” بائعُ الكتب في لايبتسيغ أوتو فيغاند (Otto Wigand) (1795-1870) في طبعة من ألف نسخة. ومع أن الكتاب يحمل تاريخ 1845، فقد كان متداولًا على نطاق واسع بحلول نوفمبر من السنة السابقة.

وإذا قيس “الأوحد وملكيته” بما أثاره من ردود فعل، أمكن وصفه بأنه كان نجاحًا نقديًا. فقد كُتبت عنه مراجعات كثيرة، واجتذب انتباه شخصيات معروفة من قبيل بيتينا فون أرنيم (Bettina von Arnim) (1785-1859) عميدة الوسط الأدبي البرليني، وكونو فيشر (Kuno Fischer) (1824-1907) الذي سيصبح فيما بعد مؤرخًا مرموقًا للفلسفة من أعلام الكانطية الجديدة. كما استثار الكتاب ردودًا من كثيرين ممن كانوا هدفًا له من الهيجليين اليساريين؛ فقد نزل إلى ميدان النشر كلٌّ من برونو باور، ولودفيغ فيورباخ (Ludwig Feuerbach) (1804-1872)، وموزس هس (Moses Hess) (1812-1875)، وأرنولد روغه (Arnold Ruge) (1802-1880)، وغيرهم، دفاعًا عن آرائهم في وجه سجال شتيرنر. (وقد ردّ شتيرنر على بعض هذه المساجلات الهيجلية اليسارية في مقال بعنوان “نقّاد شتيرنر” [1845].)

غير أن “الأوحد وملكيته” لم يكن نجاحًا جماهيريًا ولا ماليًا. فقد ترك شتيرنر وظيفته التعليمية قبيل صدور الكتاب، وبحلول سنة 1846 انتهى به الحال إلى أن ينشر إعلانًا في جريدة (Vossische Zeitung) يلتمس فيه قرضًا. وكان شتيرنر قد بدد آنذاك أيضًا جانبًا كبيرًا من ميراث زوجته الثانية (بعد أن خسر مالًا في مشروع فاشل لتجارة الألبان)، فهجرته قرب نهاية السنة نفسها. وبعد سنوات طويلة، اقتفى أثرَ ماري دينهارت في إنجلترا كاتبُ سيرة شتيرنر الوفي، الشاعر والروائي جون هنري ماكاي (John Henry Mackay) (1864-1933). وقد أبت أن تلتقي ماكاي وجهًا لوجه، لكنها كتبت إليه تصف شتيرنر بأنه كان رجلًا شديد المراوغة لم تُكنّ له احترامًا ولا حبًا، وتصف علاقتهما بأنها كانت إلى المساكنة أقرب منها إلى الزواج.

ومنذ سنة 1847 صارت العزلة الاجتماعية وهشاشة الحال المالية طابعَ حياة شتيرنر. فقد ظل بمنأى عن أحداث عصره – إذ يبدو مثلًا أنه تجاهل ثورات 1848 إلى حد بعيد – وهيمن على حياته اليومية الروتين المنزلي وضيق ذات اليد. واستمر شتيرنر في الكتابة على نحو متقطع، غير أن الدارسين وجدوا عمومًا أن أعماله المتأخرة قليلة الأهمية في ذاتها؛ أي قليلة الأهمية بمعزل عن قدرتها المختلَف فيها على إضاءة “الأوحد وملكيته”. فقد ترجم إلى الألمانية بعض الكتابات الاقتصادية لجان باتيست ساي (Jean-Baptiste Say) (1767-1832) وآدم سميث (Adam Smith) (1723-1790)، وربما كتب سلسلة من المواد الصحفية القصيرة لصحيفة (Journal des oesterreichischen Lloyd). وفي سنة 1852 نشر “تاريخ الرجعية” في جزأين؛ وهو عمل يتألف في معظمه من مقتطفات من مؤلفين آخرين – منهم إدموند بيرك (Edmund Burke) (1729-1797) وأوغست كونت (Auguste Comte) (1798-1857) – وهي مقتطفات لا يسهل دائمًا تمييزها من تعليقاته العارضة عليها. وما يزال الغرض الفكري من هذا العمل غير محسوم، وإن كانت فيه خيوط اتصال بمعالجة شتيرنر النقدية للثورة في “الأوحد وملكيته” (Stepelevich 2021: 161–169). ويبدو أن خطة شتيرنر الرئيسة لتأمين بقائه الاقتصادي في هذه الفترة قامت على تغيير عنوان سكنه مرة بعد مرة تهربًا من دائنيه، وإن لم يكن ذلك من السرعة بحيث جنّبه فترتين قصيرتين في سجن المدينين سنتي 1853 و1854.

وفي مايو 1856، وكان ما يزال يعيش في ضيق من الحال ببرلين، أصيب شتيرنر بـ“حمى عصبية”، إثر لسعة حشرة في عنقه فيما يبدو. وبعد تحسن وجيز، توفي في 25 يونيو (عن 49 سنة وثمانية أشهر). وقد مرّت وفاته ولم يكد العالم الخارجي يأبه بها.

وقد يبدو أن ثمة تباينًا صارخًا بين النبرة الميلودرامية الاستفزازية الغالبة على أشهر أعمال شتيرنر من جهة، ووقائع حياته المنعزلة، وهي وقائع مألوفة بل مؤثرة أحيانًا، من جهة أخرى. غير أن الدارسين كثيرًا ما اجتهدوا في الربط بين حياته وآرائه الفلسفية ربطًا أوثق من ذلك. فيشدد جون هنري ماكاي، مثلًا، على البعد “الأتاراكسي” (نسبةً إلى الأتاراكسيا، أي طمأنينة النفس وسكونها) في “الأوحد وملكيته”، ويصور حياة شتيرنر بوصفها تجسيدًا أصيلًا للتجرد الانفعالي الذي يتعين على الأناني أن يروّض نفسه عليه لئلا يقع في عبودية أهوائه وارتباطاته هو نفسه. حتى ما في موت شتيرنر من مأساوية قيل إنه يعكس رفض الأناني أن يحب الحياة أو يخشى الموت أكثر مما ينبغي (Mackay 1914: 212). ومثل هذه الدعاوى لا تخلو من أهمية، لكن غياب الشواهد المباشرة على حياة شتيرنر الباطنية يجعل من العسير تقويمها والتسليم بها.

2. “الأوحد وملكيته”

2.1 الشكل والبنية

يجد القراء المحدثون الراغبون في فهم “الأوحد وملكيته” أنفسهم أمام عقبات عدة، ليس أقلها شكل كتاب شتيرنر وبنيته ومحاجّاته المركزية.

فكثير من نثر شتيرنر – وهو نثر مزدحم بالحِكم المرسلة وضروب التوكيد والمبالغة – يبدو مقصودًا به إرباك القارئ. ولعل أشد ما يسترعي الانتباه فيه توظيفُه للتلاعب اللفظي؛ فبدل أن يبلغ النتيجة عبر الاستخدام المألوف للحجة، كثيرًا ما يقارب شتيرنر الدعوى التي يبتغي إقرارها من طريق استثمار ألفاظ تجمعها أصول اشتقاقية متقاربة أو أوجه شبه في المبنى. فهو يقرن، مثلًا، بين ألفاظ الملكية (مثل “Eigentum”) وألفاظ تدل على الخصائص الفردية المميزة (مثل “Eigenheit”) ترويجًا لدعوى أن الملكية تعبير عن الذات. (على أن تصور شتيرنر للملكية الأنانية – انظر 2.4 أدناه – يضفي على هذه الدعوى، التي كانت لتبدو لولاه دعوى هيجلية تقليدية، مسحةً خاصة به.)

ويتصل هذا الرفض للصور المألوفة من النقاش الفكري بآراء شتيرنر الجوهرية في اللغة والعقلانية. فأسلوبه المتفرد يعكس قناعته بأن اللغة والعقلانية كلتيهما نتاج بشري آل إلى تقييد صانعيه وقهرهم. يذهب شتيرنر إلى أن المعاني المتعارف عليها ومعايير الاستدلال الموروثة يسندها تصور للحقيقة بوصفها مملكةً عليا تتجاوز سيطرة الفرد؛ ومن ثم فإن الأفراد الذين يقبلون هذا التصور إنما يتخلون عن مجال ممكن للتعبير الخلاق عن الذات، ليرتضوا بدلًا منه دورًا تابعًا بوصفهم خدمًا للحقيقة. وعلى النقيض من ذلك تمامًا، يصر شتيرنر على أن القيد المشروع الوحيد على صورة لغتنا، أو على بنية حججنا، هو أن تكون في خدمة غاياتنا الفردية. وما يقوم عليه الطابع المتفرد الذي لا يعرف هوادة في نثر شتيرنر إنما هو تكرارُ إخفاق المعاني المألوفة وصيغ الاستدلال المتوارثة في استيفاء هذا المعيار كما يؤوّله هو.

ولكتاب “الأوحد وملكيته” بنية قابلة للفهم، وإن لم تكن شفافة إلا بالكاد. فالكتاب منظم حول تصور ثلاثي للتجربة البشرية، يُقدَّم أول ما يُقدَّم في وصف لمراحل حياة الفرد. المرحلة الأولى في هذا السرد التطوري هي مرحلة الطفولة الواقعية، وفيها يرزح الأطفال تحت قيود قوى مادية وطبيعية من قبيل والديهم. ويتحقق التحرر من هذه القيود مع ما يسميه شتيرنر اكتشاف الذهن لذاته، إذ يهتدي الأطفال في عزيمتهم ودهائهم إلى وسيلة للتحايل على تلك القوى الخارجية. غير أن مرحلة الشباب المثالية الناجمة عن ذلك تحمل في جوفها مصادر داخلية جديدة للتقييد، إذ يقع الأفراد في العبودية مرة أخرى، وهذه المرة لقوى الضمير والعقل الروحية. ولا يفلت الأفراد من القيود المادية (الخارجية) والروحية (الداخلية) معًا إلا ببلوغ رشد الأنانية، حين يتعلمون أن يقدّموا رضاهم الشخصي على كل اعتبار سواه.

ويصور شتيرنر جدلَ النمو الفردي هذا بوصفه نظيرًا للتطور التاريخي، وتصورٌ ثلاثي لهذا الأخير هو الذي ينظّم ما تبقى من الكتاب. فيُختزل تاريخ البشرية في ثلاث حقب متعاقبة: الواقعية (العالم القديم، أو ما قبل المسيحي)؛ والمثالية (العالم الحديث، أو المسيحي)؛ والأنانية (عالم المستقبل). ويُكرَّس الجزء الأول من “الأوحد وملكيته” للحقبتين الأوليين من هذه الحقب التاريخية، مقدّمًا نقدًا سلبيًا للماضي؛ فيما يُعنى الجزء الثاني بالحقبة الثالثة منها، مقدّمًا تصورًا إيجابيًا للمستقبل.

وفي الصورتين الفردية والتاريخية كلتيهما، تُعرض المرحلة الثانية من هذا السرد التطوري الثلاثي بوصفها نفيًا للمرحلة الأولى، ثم تُعرض المرحلة الثالثة بدورها بوصفها نفيًا لذلك النفي. وقد قُرئت البنية الثلاثية لهذا السرد على أنها تأكيد لتكوين شتيرنر الهيجلي والتزاماته الهيجلية (Stepelevich: 1985)، لكن يمكن النظر إليها أيضًا بوصفها تجسيدًا لمحاكاة ساخرة واعية بنفسها للهيجلية. وفي هذا السياق، فُهم شتيرنر، على نحو وجيه، على أنه يقدم استفزازًا ومحاولةً واعية للفكاهة معًا، موظفًا بنيةً جدلية للدفع بموقفه المناهض للهيجلية (De Ridder: 2008). وليس في أمر الاستفزاز كبيرُ شك، أما تقدير مدى جدية شتيرنر فمهمة أعسر.

2.2 العالمان القديم والحديث

الجزء الأول من “الأوحد وملكيته” التفاتٌ إلى الوراء ونقدٌ سلبي. فهو التفات إلى الوراء من حيث إنه معنيّ بالعالمين القديم والحديث لا بالمستقبل؛ وهو سلبي من حيث إن غايته الأولى إثبات إخفاق الحداثة في الإفلات من أنماط التفكير الديني ذاتها التي تزعم أنها تجاوزتها. ومعظم سرد شتيرنر الجينالوجي (التأصيلي) مكرَّس للحقبة الحديثة، ولا يُتناول العالم القديم إلا بقدر إسهامه في نشأة الحداثة. غير أن أغلب أمثلته، في الحالتين، مستمد من المجالين الثقافي والفكري. ويُراد بهذه الأمثلة في جملتها، لا تقويضُ السرديات التاريخية التي تصور التطور الحديث للبشرية باعتباره تحققًا مطردًا للحرية فحسب، بل كذلك تدعيمُ تصورٍ للأفراد في العالم الحديث يجعلهم واقعين تحت وطأة الروحي على نحو متزايد. فخضوع الفرد للروح – في أي قناع من أقنعته – يُعد عند شتيرنر ضربًا إشكاليًا من العبودية الدينية.

ويدور تصور شتيرنر للتطور التاريخي لـ الحداثة، إلى حد بعيد، حول حدث واحد هو الإصلاح الديني. فهو يحاول أن يبين أن الانتقال من الهيمنة الكاثوليكية إلى الهيمنة البروتستانتية ليس، من منظور الفرد، انتقالًا محررًا، بل هو توسيع لسلطان الروح وتشديد له في آن واحد. فالإصلاح الديني يوسع دائرة السيطرة الدينية على الفرد بدل أن يضيّقها، لأنه يأبى الاعتراف بالتمييز بين الروحي والحسي؛ فبدل أن تمنع البروتستانتية الكهنة من الزواج، مثلًا، فإنها تجعل الزواج نفسه أمرًا دينيًا، فتمد بذلك دائرة الروحي حتى تشمل الحسي. كما أن الإصلاح الديني يشد الوثاق بين الأفراد والدين بدل أن يرخيه؛ فالإيمان البروتستانتي الأكثر جوّانيةً، مثلًا، يقيم صراعًا داخليًا دائمًا بين النوازع الطبيعية والضمير الديني. وفي استعارة حية مشاكسة على عادته، يصف شتيرنر هذا الصراع الداخلي في الفرد – حيث تتحارب النوازع الطبيعية والضمير الديني – بأنه نظير الصراع بين العامة والشرطة السرية في الكيان السياسي المعاصر.

ودعوى شتيرنر بأن العالم الحديث يعيد إنتاج أنماط التفكير الديني بدل أن يلغيها تتيح الفرصةَ لهجوم متصل على كتابات معاصريه من الهيجليين اليساريين. ويُفرد لودفيغ فيورباخ من بينهم بالنقد لإخفاقه في تجاوز خضوع الفرد للروح.

ومركزيةُ نقد فيورباخ في مشروع شتيرنر بيّنةٌ من شكل “الأوحد وملكيته” نفسه، وهو شكل يجسد محاكاة ساخرة لبنية أشهر أعمال فيورباخ. فإذا كان شطرا كتاب فيورباخ “جوهر المسيحية” (Das Wesen des Christentums) معنونين بـ“الله” و“الإنسان” – وقد هوجم الأول واحتُفي بالثاني – فقد سُمي الجزآن المقابلان لهما في مصنَّف شتيرنر “الإنسان” و“الأنا”. وعلى صعيد المضمون، يسعى شتيرنر إلى الطعن في الحكم الذي أصدره التقدميون المعاصرون في شأن منجز فيورباخ. فيذهب إلى أن الاحتفاء المعاصر بفيورباخ بوصفه من أتمّ نقد الدين ليس مخطئًا فحسب، بل هو إلى نقيض الحقيقة أقرب. ويُقال إن إشكالية فيورباخ، بعيدًا من أن تقوّض الدين، إنما تعيد إنتاج خصائصه المركزية وتضخّمها.

فعند فيورباخ، خطأ المسيحية الأول أنها تأخذ المحمولات الإنسانية فتسقطها على عالم آخر كما لو كانت تؤلف كائنًا مستقلًا. وهو يعد الاعتقاد الديني خطوة ضرورية في مسيرة البشرية نحو فهم ذاتها. وبعبارة أدق: عن طريق النقد التحويلي – أي استرداد العلاقة الصحيحة بين الموضوع والمحمول من انقلابها في المسيحية – نصل أول ما نصل إلى فهم ما تكون الطبيعة الإنسانية. ويذهب فيورباخ، فوق ذلك، إلى أن هذه الخصائص الإنسانية الجوهرية – ولعل أخصها حبنا للآخرين – متى تحررت من صورتها الأخروية، فسرعان ما تصير أساسًا لحياة المستقبل الاجتماعية والسياسية المتحررة من الاستلاب. وهذا الطموح التحرري يعين أيضًا على توضيح إصرار فيورباخ على أن يُنظر إليه صديقًا للدين لا عدوًا له؛ فهو، على وجه التحديد، لم يسعَ إلى هدم المسيحية، بل إلى تحرير مضمونها من الصور الأخروية. وهذه الدعوى هي أيضًا في صميم إنكاره المتفرد – بل الغريب ربما – أن يكون ملحدًا. فالإلحاد الحق يقتضي عند فيورباخ رفضَ الله بوصفه موضوعًا، بل رفضَ تلك المحمولات أيضًا – الحب والحكمة والعدل وما إليها – التي جرى العرف على إلحاقها بالألوهية.

ويمكن القول إن شتيرنر التقط هذا التوصيف – الغريب ربما – لـ“الإلحاد الحق” ومضى به إلى مداه. فشتيرنر يذهب إلى أن الدين، إذا فُهم على وجهه الصحيح، يتحدد بخضوع الفرد لـ“الروح” في أي قناع من أقنعته؛ ومن ثم فإن رفض الله بوصفه موضوعًا متعاليًا يُبقي على طابع الدين الجوهري وعلى موطن الخلل فيه من دون مساس. فإشكالية فيورباخ الكمالية، كما يلاحظ شتيرنر، ربما غيّرت “البهرج” (الموضوع الإلهي) لكنها تُبقي “الشيء الأساسي” (المحمولات الإلهية) على حاله (56). (تحيل أرقام الصفحات الواردة بين قوسين إلى طبعة كمبردج لسنة 1995 من “الأوحد وملكيته” المثبتة في قائمة المراجع أدناه.) فيُسمح للمقدس بالبقاء، إن لم يكن في صورة الله، ففي صورة “الإنسان بميم كبيرة” (Man with a capital M) بحسب الترجمة الإنجليزية الموفّقة التي وضعها باينغتون (Byington) لعبارة شتيرنر “Der Mensch”. وقصارى القول إن فيورباخ، بدل أن يصف الطبيعة الإنسانية كما هي، يُقال إنه قد ألّه تصورًا توجيهيًا لما ينطوي عليه كونُ المرء إنسانًا. وهكذا بقيت نواة الدين الحقيقية، أي افتراض “ماهية فوقي” (46)، على حالها لم تُمس. بل يوحي شتيرنر بأن ما أنجزه فيورباخ إنما هو إحداث “تبديل الأسياد” (55) الذي جعل طغيان الإلهي على الفرد، في واقع الأمر، أشد استحكامًا من ذي قبل. أشد استحكامًا لأنه يوسع الهيمنة ويشددها معًا: فهو يوسعها لأن هذا الإله الجديد لم يعد وقفًا على أهل الإيمان، بل صار قادرًا على أن يتملك كل امرئ، مؤمنًا كان أو غير مؤمن؛ وهو يشددها لأن رقابة ضميرنا نحن أعسر مراوغةً بكثير من رقابة موضوع متعالٍ “يرفرف فوق رؤوسنا كالحمامة” (86).

ويمد شتيرنر هذا النقد إلى أعمال الهيجليين اليساريين جميعًا، بمن فيهم أولئك الذين خالطهم في برلين. يختلف الهيجليون اليساريون فيما بينهم في مضمون الطبيعة الإنسانية: فالطبيعة الإنسانية عند “الليبراليين السياسيين” من أمثال أرنولد روغه تتماهى مع المواطنة، وعند “الليبراليين الاجتماعيين” من أمثال موزس هس تتماهى مع العمل، وعند “الليبراليين الإنسانيين” من أمثال برونو باور تتماهى مع النشاط النقدي. لكن هؤلاء الهيجليين اليساريين جميعًا، على الرغم من هذه الاختلافات، يعيدون إنتاج الخطأ الفيورباخي الأساسي: فصل الفرد عن ماهيته الإنسانية، ثم نصب تلك الماهية فوق الفرد بوصفها غايةً يُجدّ في طلبها. وعلى خلاف ذلك، يذهب شتيرنر إلى أن الطبيعة الإنسانية، لخلوّها من أي مضمون كلي أو توجيهي، لا يمكن أن تؤسس أي دعوى بشأن الكيفية التي ينبغي لنا أن نعيش بها. ومشروعه الفكري الخاص – الذي يصفه بأنه محاولة لرد الاعتبار إلى الذات العادية الفانية، أي إلى “اللاإنسان” (124) الذي تظل فكرة النداء غريبةً عنه – يُراد به أن يكون قطيعة جذرية مع أعمال هؤلاء المعاصرين.

قد يبدو بديهيًا أن شتيرنر يعتنق هنا موقفًا مناهضًا للكمالية على نحو حازم. غير أن هذه القراءة لم تسلم من الاعتراض. فمن المؤكد أن شتيرنر يرفض ما يمكن تسميته “الكمالية الماهوية”؛ أي تلك النظريات الأخلاقية التي تثمّن خصائص معينة في الفرد لأنها، على وجه التحديد، تحقق جانبًا من جوانب الطبيعة الإنسانية. بيد أنه يظل هو نفسه معتنقًا مثالًا أعلى للشخصية، أي صورةً لفرد حاكم لذاته يكون كماله ذا قيمة بمعزل عن أي سعادة أو لذة قد يجلبها. فعلى الأناني الشتيرنري ألا يكتفي بتجنب الخضوع للقوى الخارجية، بل عليه أيضًا أن ينمّي ضربًا من التجرد الانفعالي حيال أفكاره ومشاعره هو، بما يضمن ألا تُخضِعه هذه الأخيرة لسلطانها، وألا تجعل منه أداة لتحققها هي. وخلاصة ما يُقترح هنا أن ثمة “كمالية مناهضة للماهوية” تظل حية في هذا المثال الأعلى للشخصية، وفي احتفاء شتيرنر بـ“اللاإنسان” وبالأناني (Leopold 2019).

2.3 المستقبل الأناني

الجزء الثاني من “الأوحد وملكيته” استشرافٌ للمستقبل وطرحٌ إيجابي. فهو استشرافي من حيث إنه معنيّ بالمستقبل الأناني لا بالعالمين القديم والحديث؛ وهو إيجابي من حيث إنه يرمي إلى إثبات إمكان تحرر معاصري شتيرنر من طغيان الدين.

ويُساق تصور شتيرنر للعلاقة التاريخية المتنامية بين الفرد والمجتمع في سلسلة من أوجه التوازي المصوغة بحيث تُظهر الأنانية بوصفها تجسيدًا لحضارة أرقى. ففي أحد المواضع، يتناول فكرة العقد الاجتماعي التي عرفتها بواكير الحداثة، والتي يتمثل التقدم فيها، بحسب التصور التقليدي، في الانتقال من حالة طبيعة ذرّية التفكك إلى مجتمع مدني جامع، فيقلبها قلبًا محكمًا: فالانتماء إلى المجتمع، لا عزلة الفرد، هو في رأي شتيرنر “حالة الطبيعة” (271) عند البشر؛ أي المرحلة المبكرة الإشكالية من التطور التي يجري تجاوز أوجه قصورها مع الوقت. وفي موضع آخر، يصف العلاقة المتنامية بين الفرد والمجتمع بأنها نظير العلاقة بين الأم وطفلها: فكلما نما لدى الفرد (الطفل) ميل ناضج إلى بيئة أقل خنقًا له، وجب عليه أن ينفض عنه مطالب المجتمع (الأم) الذي يسعى إلى إبقائه في منزلة التابع. وفي الحالتين كلتيهما يستخلص شتيرنر العبرة ذاتها: على الفرد أن ينتقل من العلاقات الاجتماعية إلى العلاقات الأنانية لكي يفلت من ربقة الخضوع.

غير أن المراد بـ“الأنانية” ليس واضحًا في كل حين. فيُصوَّر شتيرنر أحيانًا قائلًا بالأنانية النفسية، أي مدافعًا عن الدعوى الوصفية القائلة إن جميع الأفعال (القصدية) يحركها الاهتمام بالمصلحة الذاتية لصاحبها. لكن هذا التوصيف لموقف شتيرنر قابل للمساءلة. فليس أقل ما يقال هنا إن “الأوحد وملكيته” مبني على التقابل بين نمطين من التجربة: أناني وغير أناني. بل يبدو أنه يرى أن أنماط التجربة غير الأنانية هي التي كانت لها الغلبة تاريخيًا (في حقبتي الواقعية والمثالية). وفوق ذلك، يبدو أن شتيرنر في أحد المواضع ينظر صراحةً في تبني الموقف التفسيري القائم على الأنانية النفسية ثم لا يلبث أن يرفضه. ففي معرض حديثه عن شابة تضحي بحبها لرجلٍ نزولًا عند رغبات أسرتها، يلاحظ شتيرنر أن المراقب قد يستهويه القول إن الأثرة ظلت هي الغالبة في هذه الحالة أيضًا، ما دامت المرأة قد آثرت بوضوح رغبات أسرتها على مفاتن خاطبها. غير أن شتيرنر يرفض هذا التفسير الافتراضي، مصرًّا على أنه ما دامت “الفتاة المطواعة واعيةً بأنها تركت إرادتها الذاتية من غير إشباع وأخضعت نفسها بخنوع لقوة أعلى” (197)، فحقٌّ علينا أن نرى أفعالها محكومةً بالتقوى لا بالأنانية.

ومن الخطأ كذلك أن نتصور شتيرنر مدافعًا عن قضية معيارية في قيمة الفعل القائم على المصلحة الذاتية بمعناها المألوف. فلا بد من تمييز الأنانية الشتيرنرية من سعي الفرد وراء مصلحته الذاتية بالمعنى المتعارف. يناقش شتيرنر في “الأوحد وملكيته” مثالًا مهمًا هو مثال الفرد الجشع الذي يضحي بكل شيء سعيًا وراء الثراء المادي. ومثل هذا الفرد ساعٍ وراء مصلحته الذاتية بالمعنى المتعارف بلا مراء (فهو لا يفعل شيئًا إلا لإثراء نفسه)، لكن هذه أنانية يرفضها شتيرنر لأحاديّة جانبها وضيق أفقها. وعلة شتيرنر في رفض هذه الصورة من الأنانية علة دالّة؛ فهو يرى أن الفرد الجشع قد صار عبدًا لغاية واحدة، والعبودية تتنافى مع الأنانية مفهومةً على وجهها الصحيح.

ولعل خير ما تُفهم به الأنانية الشتيرنرية، إذن، ألا تُفهم بمقولات السعي وراء المصلحة الذاتية المألوفة، بل بوصفها ضربًا من حكم الفرد لذاته أو من الاستقلال الذاتي. فالأنانية بمعناها الصحيح إنما تتماهى مع ما يسميه شتيرنر “الخاصّية” [Eigenheit]، وهي نمط من الاستقلال الذاتي يتنافى مع أي تعليق للحكم الفردي، طوعيًا كان أم قسريًا. يكتب شتيرنر: “لا أكون مِلك نفسي إلا حين أكون سيد نفسي، بدل أن يسودني… أي شيء آخر” (153). وكما سبقت الإشارة، فإن لمثال حكم الذات الشتيرنري هذا بعدين، خارجيًا وداخليًا: فهو لا يقتضي أن نتجنب إخضاع أنفسنا (خارجيًا) للآخرين فحسب، بل يقتضي كذلك أن نفلت (داخليًا) من أن “تجرفنا” (56) شهواتنا نحن. ومجمل القول إن شتيرنر لا يكتفي برفض مشروعية أي خضوع لإرادة الغير، بل يوصي الأفراد فوق ذلك بأن يتعهدوا في أنفسهم مثالًا من التجرد الانفعالي حيال شهواتهم ومشاريعهم الخاصة.

وإذا احتُكم إلى هذا التصور للأنانية، بدا وصفُ شتيرنر بأنه “عدمي” – بمعنى أنه يرفض كل حكم معياري – وصفًا مخطئًا هو الآخر. ومما يغري بهذا الوصف الشائع، المشكوك فيه مع ذلك، رفضُ شتيرنر الصريح للأخلاق. فالأخلاق في تصوره تنطوي على افتراض التزامات بالتصرف حيال الآخرين على أنحاء ثابتة معلومة؛ ولذلك يرفضها لتنافيها مع الأنانية بمعناها الصحيح. غير أن هذا الرفض للأخلاق لا يتأسس على رفض القيم من حيث هي، بل على إثبات ما يمكن تسميته الخير اللاأخلاقي المتمثل في الاستقلال الذاتي. أي إن شتيرنر يقر بوجود أفعال ورغبات تستحق تقويمًا إيجابيًا وإن لم تكن أخلاقية بمعناه هو (لأنها لا تنطوي على التزامات نحو الآخرين). فمن الواضح أن شتيرنر ملتزم بالرأي غير العدمي القائل إن ضروبًا معينة من الشخصية وأنماطًا معينة من السلوك (وهي تحديدًا الأفراد المستقلون بذواتهم والأفعال النابعة من حكم الذات) جديرة بأن تُقدَّر فوق سواها جميعًا. فتصوره للأخلاق، بهذا الاعتبار، تصور ضيق، ولا ينبغي الخلط بين رفضه مشروعيةَ الدعاوى الأخلاقية وإنكارِ صلاحية كل حكم معياري أو قيمي. ومن ثم فليس ثمة تهافت في استخدام شتيرنر المتكرر لمعجم تقويمي صريح، كأن يمتدح مثلًا في الأناني “شجاعته” (265) على الكذب، أو يذم “ضعف” (197) الفرد الذي يرضخ لضغط أسرته.

ويبرز في موقف شتيرنر ملمحان أساسيان. أولهما أنه يثمّن “الخاصّية” لا بوصفها خيرًا واحدًا بين خيرات كثيرة، بل بوصفها أهم الخيرات، خيرًا يجُبّ ما عداه جميعًا. وثانيهما أنه يتبنى تصورًا لحكم الذات يتنافى مع وجود أي التزامات مشروعة نحو الآخرين، حتى تلك التي قطعها الفرد على نفسه طوعًا؛ رافضًا بذلك ما لعله أشهر السبل (السبيل التعاقدي) للتوفيق بين الاستقلال الذاتي للفرد ووجود التزامات ملزِمة. وقصارى القول إن شتيرنر يقدّر، فيما يبدو، حكمَ الفرد لذاته فوق كل شيء آخر، وأنه يؤول حكم الفرد لذاته هذا تأويلًا متشددًا غريب المذهب.

2.4 بعض عواقب الأنانية

تبدو العواقب المترتبة على موقف شتيرنر متطرفةً بعيدة المدى. فكما يوحي مثال الأخلاق الآنف الذكر، يُرجَّح أن يجد الأنانيون أنفسهم في صدام مع مؤسسات وممارسات اجتماعية عزيزة على النفوس. فشتيرنر يقرن على الدوام المجتمع (غير الأناني) بعلاقات “الانتماء”، وهي علاقات يعدّها منطوية على إخضاع الأفراد؛ فيذهب، مثلًا، إلى أن “نسج الأواصر الأسرية يقيّد المرء” (102). ولا ينظر شتيرنر أبدًا نظرًا جادًا في إمكان أن تكون للانتماء، ولو من حيث المبدأ أو في بعض الحالات، إيحاءات أكثر إيجابية؛ من قبيل إحساس المرء بأنه في بيته، أو شعوره بالأمان. وإذ يجابه شتيرنر التعارضَ بين الأنانية و“المجتمع”، لا يجد في ذلك ما يدعوه إلى إعادة النظر في التزامه بحكم الذات أو في فهمه له، بل يمضي واثقًا إلى إنكار مشروعية تلك المؤسسات والممارسات المتعارفة. ويمكن أن نقف هنا عند مثالين على هذه الاستجابة الجذرية.

ففي تصور شتيرنر، ثمة عداء ضروري بين الفرد الأناني والدولة. وهذه الخصومة المحتومة مردّها التعارض بين تصور شتيرنر للاستقلال الذاتي وأي التزام بطاعة القانون. يكتب: “الإرادة الخاصة والدولة قوتان بينهما عداء مميت، ولا سبيل بينهما إلى ‘سلام دائم’” (175). ولما كان حكم الذات متنافيًا مع أي التزام بطاعة القانون، ومقدَّمًا عليه في القيمة، فإن شتيرنر يرفض مشروعية الالتزام السياسي. ويلاحَظ أن هذا الرفض قائم بصرف النظر عن الأساس الذي يُبنى عليه ذلك الالتزام السياسي، وأيًا كان شكل الدولة. يصر شتيرنر على أن “كل دولة استبداد، سواء أكان المستبد واحدًا أم كثيرين” (175). وحتى في الحالة الافتراضية لديمقراطية مباشرة اتُّخذ فيها قرار جماعي بالإجماع، ينكر شتيرنر أن يكون الأناني ملزَمًا بما انتهت إليه. فأن أكون اليوم مقيدًا بـ“إرادتي بالأمس” معناه، كما يذهب، أن أحوّل “مخلوقي”، أي “تعبيرًا بعينه عن الإرادة”، إلى “آمرٍ” عليّ؛ معناه أن أجمّد إرادتي، وشتيرنر ينكر أن “كوني كنت بالأمس أحمقَ يوجب عليّ أن أبقى كذلك” (175).

والوفاء بالوعود ضحية مبكرة أخرى من ضحايا هذا الالتزام بحكم الذات وهذا الفهم له. فشتيرنر يقرن مؤسسة الوعد بالتقييد غير المشروع، إذ إن اشتراط الوفاء بالوعود المقطوعة على وجهها الصحيح يتنافى مع فهمه للاستقلال الذاتي الفردي. وهو يرفض أي التزام عام بالوفاء بالوعود على أنه ليس إلا محاولة أخرى لتقييد الفرد. فعلى الأناني، كما يرى، أن يعتنق بطولة الكذب، وأن يكون مستعدًا للحنث حتى بكلمته هو “لكي يقرر ذاته بنفسه بدل أن تتقرر له” (210). ويلاحَظ أن حماسة شتيرنر للكذب لا تشمل من يحنثون بكلمتهم خدمةً لغاية أكبر – كما خان لوثر، مثلًا، نذوره الرهبانية في سبيل الله – بل هي وقف على أولئك الأفراد المستعدين للحنث بكلمتهم في سبيل أنفسهم.

وإلى جانب التصور السلبي للمؤسسات والممارسات التي يتحتم على الأنانيين رفضها لتنافيها مع الاستقلال الذاتي، يتضمن “الأوحد وملكيته” أيضًا بعض الاقتراحات الإيجابية بشأن الشكل الممكن للعلاقات الأنانية التي لا تتعارض مع حكم الفرد لذاته. فيقدم شتيرنر، على وجه الخصوص، مخططًا موجزًا لما يسميه “اتحاد الأنانيين” [Verein von Egoisten] (161).

فالمستقبل الأناني لا يقوم، كما يُقال لنا، على أفراد معزولين عزلةً تامة، بل على علاقات “توحّد”؛ أي على روابط غير دائمة بين أفراد يظلون هم أنفسهم مستقلين مقررين لمصائرهم. والسمة المركزية في “اتحاد الأنانيين” الناشئ عن ذلك أنه لا ينطوي على إخضاع الفرد. فالاتحاد “ابنٌ وعاملٌ مشارك” (273) للاستقلال الذاتي، وهو تحالف دائم التبدل يتيح للأفراد أن يتحدوا من غير أن يفقدوا شيئًا من سيادتهم، ومن غير أن يقسموا الولاء لـ“راية” (210) أحد سواهم. ويشكل اتحاد الأنانيين هذا رابطةً أداتية محضة، خيرُها لا يعدو المنفعة التي قد يجنيها الأفراد المعنيون لسعيهم وراء غاياتهم الفردية؛ فليس ثمة غايات نهائية مشتركة، ولا تُثمَّن الرابطة لذاتها. وفي رده المعنون “نقّاد شتيرنر”، يتخيل شتيرنر مشهدين مألوفين مؤنسين من مشاهد الشارع لتوضيح هذا النموذج من الاتحاد الأناني: في الأول، يلتقي أطفالٌ بعضهم ببعض مصادفةً فينخرطون تلقائيًا في “رفقة اللعب” [Spielkameradschaft]؛ وفي الثاني، يصادف موزس هس (وهو أحد النقاد المعنيين) أصدقاءَ له، فيقررون جميعًا الانصراف إلى مجلس شراب، لا بدافع الولاء، بل طلبًا للذة مرجوة (Stirner 1914: 295–6).

ويبدو شتيرنر أحيانًا حائرًا في خير سبيل إلى جلاء هذا التصور الأساسي للعلاقات الاجتماعية الأنانية. فعلى أقل تقدير، قد يبدو تفصيله للعلاقات الأنانية في “الأوحد وملكيته” مترجحًا بين أمرين: التهوين من الأثر الاجتماعي والنفسي للتحول إلى العلاقات الأنانية من جهة، والإقرار بالعواقب الجسيمة المقلقة لمثل هذا التحول والدفاع عنها من جهة أخرى.

ففي النزعة الأولى، وهي الأقل غلبةً عليه، يجتهد شتيرنر في التخفيف من الإيحاء بأن آراءه قد تكون لها عواقب جذرية غير متوقعة. وبعبارة أدق، فهو يوحي بأن ثمة علاقات مألوفة جديرة بالاعتزاز – مثل “الحب” – يمكن أن تستمر في المستقبل الأناني. والمظنون أن هذا الإيحاء يرمي إلى إظهار ذلك المستقبل الأناني أقل زعزعةً للمألوف وأكثر جاذبية، ولا سيما في أعين المتعلقين بهذه العلاقات المألوفة الجديرة بالاعتزاز.

ومع ذلك، فمن غير المؤكد البتة أن العلاقات المعنية ستخرج جميعًا سالمةً من إعادة تجسدها في صورة أنانية. لننظر، مثلًا، في مقابلة شتيرنر بين ضربين مختلفين من الحب: “الحالة السيئة” حيث يُضحّى بـ“الخاصّية”، والحالة الجيدة، حالة الحب الأناني، حيث يُحتفظ بحكم الذات. فالحب الأناني يجيز للفرد أن يحرم نفسه شيئًا تعزيزًا للذة شخص آخر، ولكن فقط لأن لذته هو تتعزز من جراء ذلك؛ فموضوع الحب الأناني يظل، بعبارة أخرى، هو الفرد نفسه. فالأناني لن يضحي باستقلاله الذاتي ومصالحه في سبيل الغير، بل هو لا يحب إلا ما دام “الحب يسعدني” (258). وفي أحد المواضع يصف شتيرنر هذه العلاقة بأنها علاقة “يستمتع” فيها الفرد بالآخر (258). وهو وصف كاشف، إذ يبدو أن الاستمتاع بشخص آخر ومحبته أمران مختلفان إلى حد بعيد. فمحبة شخص آخر بالمعنى المألوف (وغير الأناني) قد يُرى أنها تشمل الرغبة في تعزيز خير ذلك الشخص حتى حين لا يكون ذلك في مصلحتنا، أو حين يتعارض مع رغباتنا وسعادتنا نحن؛ وهي بهذا الاعتبار بعيدة بعض البعد عن تصور شتيرنر للحب الأناني. وليست المسألة هنا مسألة مصطلح – فشتيرنر محق في قلة اكتراثه بأن نسمي الحب الأناني “حبًا” وأن “نظل من ثم على اللفظ القديم” (261) أو أن نبتدع له معجمًا جديدًا – بل المسألة أن عالمًا خاليًا من هذه التجربة سيكون عالمًا غير مألوف وفقيرًا. وليس بيّنًا أن شتيرنر قد نجح في إثبات أن هذه العلاقة المألوفة الجديرة بالاعتزاز بعينها ستظل حية بعد إعادة تأسيسها على مقدمات أنانية. (للاطلاع على حكم أكثر إيجابيةً، انظر Cleary 2015.)

وفي النزعة الثانية، وهي الأغلب عليه، يحتفي شتيرنر بالعواقب الجذرية غير المألوفة المترتبة على تبني نظام أناني. بل يبدو في مواضع شتى مستمتعًا بالقول إن لآرائه عواقب مذهلة لن يجد فيها إلا القليل من قرائه أي عزاء. وهذا مصدر من مصادر النبرة الميلودرامية الاستفزازية التي تسري في أجزاء كثيرة من “الأوحد وملكيته”.

يصف شتيرنر العلاقة اللائقة بين الأناني وموضوعاته – وهي تشمل بالطبع الأشخاص الآخرين كما تشمل الأشياء – بأنها علاقة ملكية. فالأناني يقف من العالم المحيط به، على الوجه الصحيح، موقف “المالك”. ولا ينبغي الخلط بين مفهوم “الملكية الأنانية” هذا وما هو أكثر ألفةً من مفاهيم التملك الحقوقية (كالملكية الخاصة أو الملكية الجماعية). فهذه الصور المألوفة من الملكية تقوم على مفاهيم الحق، وتنطوي على دعاوى استئثار أو قيود على الاستعمال، وذلك كله مما يرفضه شتيرنر. فالملكية الأنانية قوامها بالأحرى “السيادة غير المحدودة” (223) للأفراد على العالم، ويبدو أن شتيرنر يعني بذلك أنه ليس ثمة قيود أخلاقية على الكيفية التي قد يتعامل بها الفرد مع هؤلاء الأشخاص وهذه الأشياء. ويصف شتيرنر أحيانًا الرابطة الناشئة عن ذلك بين الناس بأنها تنطوي على علاقات “منفعة واستعمال” (263). فالأناني، كما يقول، ينظر إلى الآخرين بوصفهم “لا شيء سوى – طعامي، مثلما أُتّخذ أنا نفسي طعامًا لكم وموضعَ استعمال” (263). ويرحب شتيرنر بالعواقب الفادحة لهذا الرفض لأي التزام عام نحو الآخرين، مصرًّا مثلًا على أن الأناني لا يتخلى “حتى عن سلطة الحياة والموت” (282). وعلى امتداد الكتاب، يمتنع شتيرنر في مواضع مختلفة عن إدانة أرملة الضابط التي تخنق وليدها (281)، والرجل الذي يتخذ من أخته “زوجةً أيضًا” (45)، والقاتل الذي لم يعد يهاب فعلته بوصفها “ظلمًا” (169). ففي عالم “لا يدين فيه أحدنا للآخر بشيء” (263)، يبدو أن أفعال وأد الأطفال وغشيان المحارم والقتل قد يتبين أنها جميعًا مسوَّغة.

وفي أحد المواضع، يقر شتيرنر بأن قلةً من قراء “الأوحد وملكيته” هم من سيجدون في هذه الرؤية للمستقبل الأناني عزاءً، لكنه يصر على أن خير هذا الجمهور ليس مما يعنيه في شيء. بل يذهب إلى أنه لو كان انشغاله بالآخرين هو ما يحركه، لوجب عليه أن يكتم أفكاره لا أن ينشرها. والحال أن شتيرنر يؤكد أنه حتى لو اعتقد أن هذه الأفكار ستفضي إلى “أشد الحروب دمويةً وسقوط أجيال كثيرة” (263)، لكان مع ذلك قد بثّها في الناس.

3. تأثير شتيرنر

عند وفاة شتيرنر، كانت فترة ذيوع صيته القصيرة قد انقضت منذ أمد بعيد، وكان كتابه قد نفدت طبعته منذ سنوات عدة، وقلّما كان ثمة ما ينبئ بأن يكون لحياته أو لعمله أثر أبعد مدى.

غير أن “الأوحد وملكيته” تُرجم، في السنوات التي تلت، إلى ثماني لغات على الأقل، وصدر في ما يربو على مئة طبعة. وقد رُبط شتيرنر وعملُه بطيف هائل من القضايا، منها كثيرٌ ما كان له به عهد. فوُصف شتيرنر تارةً بأنه هيجلي يساري؛ وإيديولوجي برجوازي صغير؛ وأناوحدي (solipsist)؛ وعدمي؛ وأول ما بعد بنيوي؛ ووجودي؛ ولاسلطوي فرداني؛ ورائد مبكر لليبرتارية اليمينية؛ وفاشي؛ وتارةً بأنه، بكل بساطة، مجنون (Blumenfeld 2018: 5–10). كما أن الاهتمام بالصلات بين شتيرنر وسواه من المفكرين – قرابةً فلسفيةً وتأثيرًا تاريخيًا – متنوع تنوعًا لافتًا بدوره. ففي مطلع القرن العشرين، مثلًا، كثر تصوير شتيرنر بوصفه سلفًا لفريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche) (1844-1900)، وعلى أنه استبق أسلوب أعمال نيتشه ومضمونها معًا، إن لم يكن قد أثّر فيهما (فبعيدٌ عن اليقين أن يكون نيتشه قد قرأ لشتيرنر شيئًا) (Carus 1914: 74–99). وفي ستينيات القرن العشرين وأوائل سبعينياته، أعيد اكتشاف شتيرنر بوصفه رائدًا ممهدًا للوجودية، ورُئي أن مفهومه المناهض للماهوية عن الذات بوصفها “عدمًا خلّاقًا” تجمعه وشائجُ قربى بمفهوم الطبيعة الإنسانية الذي أخذ به جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (1905-1980) (Paterson 1971). وفي عهد أقرب، عُدَّ شتيرنر ما بعد بنيويًّا في طور التكوين؛ فقُرن على الأخص بجيل دولوز (Gilles Deleuze) (1925-1995) الذي يرفض هو الآخر فكرة طبيعة إنسانية كلية، ويوظف نقدًا جينالوجيًا للخطابات الإنسانوية في السلطة والهوية، ويناهض شتى صور الفكر المتمركز حول الدولة (Newman 2009, and Feiten 2019). وقد تكون أوجه التوازي هذه وجيهة جديرة بالاهتمام، وإن كان للمرتاب أن يتساءل: ألا تساير هذه المقارنات الموضة الفكرية بقدر ما تضيء جوانب من فكر شتيرنر نفسه؟

ولعل أهم تأثير تاريخي لشتيرنر يتوزع على ثلاثة وجوه.

أولها أن “الأوحد وملكيته” كان له وقع هدّام في ثقة اليسار الهيجلي بنفسه وفي تماسكه. فإصرار شتيرنر على أن معاصريه من الهيجليين الجذريين أخفقوا في القطيعة مع أنماط التفكير الديني حمل معظم أعلام اليسار الهيجلي على الدفاع عن أعمالهم علنًا في وجه هذا الهجوم. وفي أهم هذه الردود فيما يُرجَّح، بدا فيورباخ – وقد ظهر عليه التوجس والانزعاج (إذ ارتاب في أن شتيرنر إنما يسعى إلى صنع اسمه على حسابه هو) – في أعين كثيرين وهو يجاهد للذود عن موقع محاصَر عفا عليه الزمن. وقدم برونو باور بدوره ردًا نقديًا، ساعيًا إلى الدفاع عن فلسفته في الوعي الذاتي في مواجهة ما رآه لدى شتيرنر من صورة قاصرة للذاتية (Moggach and de Ridder, 2013). وقد رد شتيرنر مباشرةً على ثلاث من هذه المراجعات الهيجلية اليسارية – دفاع “شيليغا” (Szeliga) (وهو الاسم المستعار لفرانتس تسيخلينسكي (Franz Zychlinski) (1816-1900)) عن “الليبرالية الإنسانية” التي قال بها باور؛ ودفاع موزس هس عن الاشتراكية؛ ودفاع فيورباخ عن نفسه بنفسه – وذلك في مقال بعنوان “نقّاد شتيرنر” (1845). وفي هذا الجواب الواثق، أعاد شتيرنر تأكيد بعض الموضوعات المركزية في “الأوحد وملكيته”، وأوضح طبيعة التزامه هو بالأنانية. وربما كان شتيرنر قد قدم أيضًا ردًا أخيرًا على نقاده المعاصرين في مقال بتوقيع مستعار عنوانه “الرجعيون الفلسفيون”، يرد فيه كاتبه على كونو فيشر الشاب. (والتحوط هنا واجب، إذ إن نسبة “ج. إدوارد” (G. Edward) إلى ماكس شتيرنر نسبةٌ راجحة لكنها ليست قاطعة.)

وثانيها أن عمل شتيرنر أدى دورًا مهمًا، متصلًا بما سبق، في تطور فكر كارل ماركس. فقد كان ماركس آنذاك من معارف باور وحاشيته، وورد ذكره على نحو غير مباشر في هامش من هوامش “الأوحد وملكيته”. (وهامشُ شتيرنر هذا يعامل ماركسَ بوصفه فيورباخيًا من الصف الثاني، وإن يكن جذريًا.) وبين سنتي 1845 و1847، تعاون ماركس مع فريدريش إنجلز (Friedrich Engels) (1820-1895) على مجموعة من المخطوطات تُعرف اليوم عادةً باسم “الإيديولوجيا الألمانية”، تضمنت هجومًا ضاريًا متصلًا على من كانوا بالأمس القريب معاصريهما في الفلسفة. ولم يُنشر معظم هذه النصوص في حينه، ولم تظهر هذه المواجهة النقدية لأعمال باور وفيورباخ وشتيرنر كاملةً مطبوعةً إلا سنة 1932. ويشغل الكلام على شتيرنر في ما يسمى “الإيديولوجيا الألمانية” ما يزيد على ثلاثمئة صفحة من النص المنشور – وقد عُرف عن بعض الطبعات المختصرة إسقاطها كثيرًا من هذه المادة الآسرة رغم كثافتها – ومع أن ماركس لا يفتأ ينتقد موقف شتيرنر بلا هوادة، فلا يلزم من ذلك البتة أن يكون “الأوحد وملكيته” عديم الأثر في أفكار ماركس. فأقل ما يقال إن كتاب شتيرنر يبدو أنه كان حاسمًا: في حفز قطيعة ماركس مع أعمال فيورباخ (الذي يظهر أثره الكبير جليًا في كثير من كتابات ماركس المبكرة)؛ وفي حمل ماركس على إعادة النظر في الدور الذي ينبغي أن تؤديه مفاهيم الطبيعة الإنسانية في الفلسفة الاجتماعية والسياسية؛ وفي إرغامه على أن يفكر بوضوح أكبر كثيرًا في ما إذا كان يجب أن تكون الشيوعية فردانيةً، وعلى أي الوجوه تكون كذلك.

وثالثها وآخرها أن أشهر أعمال شتيرنر غدا فيما بعد نصًا من النصوص المؤسِّسة للتقليد السياسي المعروف باللاسلطوية الفردانية. ووجه القرابة بين شتيرنر والتقليد اللاسلطوي يكمن في تبنيه دعوى أن الدولة مؤسسة غير مشروعة. وتفصيله لهذه الدعوى تفصيل طريف متميز (Leopold 2006). فالدولة عند شتيرنر لا يمكن أن تكون مشروعةً أبدًا، إذ ثمة تعارض ضروري بين حكم الفرد لذاته والالتزام بطاعة القانون (وهو التزام يطابق بينه شتيرنر وبين مشروعية الدولة). ولما كان حكم الفرد لذاته مقدَّمًا على كل اعتبار ينازعه، خلص شتيرنر إلى أن مطالب الدولة غير ملزِمة للفرد. غير أنه لا يرى أن على الأفراد، من جراء ذلك، أي التزام عام بمعارضة الدولة والسعي إلى إزالتها (في حدود ما يدخل في طوقهم)؛ بل على الفرد أن يقرر في كل حالة بعينها إن كان سيماشي مطالب الدولة أم لا. ولا يوصي شتيرنر بالسعي إلى التملص من مقتضيات القانون إلا في الحالات التي يقع فيها التعارض بين الاستقلال الذاتي للأناني ومطالب الدولة. ومع ذلك، فإذا لم يكن على الأفراد واجبُ إسقاط الدولة، فإن شتيرنر يرى أن الدولة ستنهار في نهاية المطاف نتيجةً لاتساع انتشار الأنانية؛ فالأثر التراكمي لاستخفاف أناني متنامٍ بالقانون سيكون، كما يقول، “إغراق” “سفينة الدولة” (54). ويمكن العثور في بلدان كثيرة على لاسلطويين تأثروا بفردانية شتيرنر وارتيابه في الدولة. ففي بريطانيا العظمى، مثلًا، أثّرت أفكاره في دورا مارسدن (Dora Marsden) (1882-1960) ومجلتيها (The New Freewoman) و(The Egoist). وفي أمريكا، اهتم بفكر شتيرنر وتأثر به جيمس ل. ووكر (James L. Walker) (1845-1904) صاحب كتاب “فلسفة الأنانية” (The Philosophy of Egoism)، وإن كان أشهر المعجبين به من اللاسلطويين في أمريكا هم أهل الحلقة الملتفّة حول بنيامين ر. تاكر (Benjamin R. Tucker) (1854-1939) ومجلته اللافتة (Liberty) (التي تأسست سنة 1881). (للاطلاع على دفاع عن دعوى أن شتيرنر ومارسدن وتاكر وآخرين يشتركون في إطار نظري واحد، انظر Welsh 2010.) ومهما تكن درجة وثاقة الصلات هنا، فإن اللاسلطويين الفردانيين هم الذين أثبتوا في الغالب أنهم الأكثر فاعلية في إبقاء أفكار شتيرنر في متناول القراء، بإصدارهم وتوزيعهم كثيرًا من طبعات أعماله وترجماتها.

وما كان شتيرنر، على الأرجح، ليأسف لهذه الخلافات المتنوعة حول طبيعة “الأوحد وملكيته” وتأثيره. ففي معرض نظره في طائفة من التأويلات المتباينة للكتاب المقدس، يمتنع شتيرنر عن الفصل بين حكم الطفل الذي يلعب بالكتاب، وإمبراطور الإنكا أتاوالبا (Atahualpa) (نحو 1502-1533) الذي ألقاه من يده لمّا لم ينطق له بشيء، والكاهن الذي يمجّده بوصفه كلمة الله، والناقد الذي يشرّحه بوصفه صنيعًا بشريًا محضًا. ولعل تعدد تأويلات عمله هو كان سيسرّ شتيرنر على نحو مماثل، ويشد أزره في رأيه أنه لا يمكن أن تكون ثمة قيود مشروعة على معنى نص من النصوص. ومن المؤكد أن شتيرنر يبدو مطمئن البال إزاء أمر التأويل الصحيح لعمله؛ فهو يؤكد أنه لم يكتب إلا ليضمن لأفكاره وجودًا في العالم، مضيفًا أن ما يحل بتلك الأفكار من بعدُ “شأنكم أنتم، ولا يُقلقني في شيء” (263).

المراجع

مؤلفات شتيرنر

  • Der Einzige und sein Eigentum, Stuttgart: Philipp Reclam, 1972. (A modern edition of Stirner’s best-known work.)
  • Max Stirner’s Kleinere Schriften und seine Entgegnungen auf die Kritik seines Werkes “Der Einzige und sein Eigentum”. Aus den Jahren 1842–1848, edited by J.H. Mackay, second revised edition, Berlin: Bernhard Zack, 1914. (An extensive collection of Stirner’s lesser writings.)
  • Parerga Kritiken Repliken, edited by Bernd A. Laska, Nürnberg: LSR, 1986. (A modern selection of Stirner’s lesser writings.)

مؤلفات شتيرنر المترجمة إلى الإنجليزية

  • The False Principle of Our Education, edited by James J. Martin, Colorado Springs: Ralph Myles, 1967. (An 1842 article on pedagogy.)
  • “Art and Religion”, Lawrence S. Stepelevich (edited), The Young Hegelians. An Anthology, Cambridge: Cambridge University Press, 1983, 327–334. (An 1842 article discussing Hegelian accounts of its titular subjects.)
  • “On B. Bauer’s Trumpet of the Last Judgement”, translated and introduced by Lawrence S. Stepelevich, in Stepelevich 2021: 188–197. (An 1842 review of Bruno Bauer’s pamphlet.)
  • “The Free Ones”, translated and introduced by Lawrence S. Stepelevich, in Stepelevich 2021: 169–174. (An 1842 article on the eponymous Berlin group.)
  • “The Mysteries of Paris by Eugène Sue”, translated and introduced by Lawrence S. Stepelevich, in Stepelevich 2021: 174–188. (An 1844 review of Sue’s novel.)
  • The Ego and Its Own, edited and introduced by David Leopold, Cambridge: Cambridge University Press, 1995. (A thoroughly-annotated English edition of Stirner’s best-known work, first published in 1844, as translated by Steven T. Byington in 1907.)
  • The Unique and Its Property, a new translation, with introduction, by Wolfi Landstreicher, n.p.: Underworld Amusements, 2017. (A modern translation of Stirner’s best-known work.)
  • “Stirner’s Critics”, The Philosophical Forum, 8 (1978): 66–80. (A partial translation of Stirner’s 1845 response to critics, covering only his reply to Feuerbach.)
  • Stirner’s Critics, translated by Wolfi Landstreicher, introduced by Jason McQuinn, Berkeley: LBC Books, 2012. (A complete translation of this important text from 1845.)
  • “The Philosophical Reactionaries: ‘The Modern Sophists’ by Kuno Fisher”, translated and introduced by Widukind De Ridder, in Newman (ed.) 2011: 89–109. (A late text from 1847 which is cautiously, and not uncontroversially, attributed to Stirner.)

مراجع ثانوية

  • Blake, Trevor, 2016, Max Stirner Bibliography. One Hundred Years of Criticism, Portland: OVO. (Updates appearing in the periodical Der Geist. The Journal of Egoism from 1845 to 1945.)
  • Blumenfeld, Jacob, 2018, All Things are Nothing to Me. The Unique Philosophy of Max Stirner, Washington: Zero Books.
  • Brobjer, Thomas H., 2003, “A Possible Solution to the Stirner-Nietzsche Question”, Journal of Nietzsche Studies, 25: 109–114.
  • Carroll, John, 1974, Break-Out from the Crystal Palace. The Anarcho-Psychological Critique: Stirner, Nietzsche, Dostoevsky, London: Routledge and Kegan Paul.
  • Carus, Paul, 1914, Nietzsche and Other Exponents of Individualism, Chicago: Open Court.
  • Clark, John P, 1976, Max Stirner’s Egoism, London: Freedom Press.
  • Cleary, Skye, 2015, “Max Stirner and Loving Egoistically”, Existentialism and Romantic Love, New York: Palgrave, 21–44.
  • De Ridder, Widukind, 2008, “Max Stirner, Hegel, and the Young Hegelians: A Reassessment”, History of European Ideas, 34(3): 285–297.
  • Feiten, Elmo, 2013, “Would the Real Max Stirner Please Stand Up?”, Anarchist Developments in Cultural Studies, 22(1): 117–137.
  • –––, 2019, “Deleuze and Stirner: Ties, Tensions, and Rifts”, Chantelle Gray Van Heerden and Aragorn Eloff (edited), Deleuze and Anarchism, Edinburgh: Edinburgh University Press.
  • Glassford, John, 1999, “Did Friedrich Nietzsche Plagiarise from Max Stirner?”, Journal of Nietzsche Studies, 18: 73–79.
  • Helms, Hans G., 1966, Die Ideologie der anonymen Gesellschaft. Max Stirner ‘Einziger’ und der Fortschritt des demokratischen Selbstbewußtseins vom Vormärz bis zur Bundesrepublik, Köln: Du Mont Schauberg. (Contains an excellent bibliography.)
  • Jenkins, John, 2009, “Max Stirner’s Egoism”, Heythrop Journal, 50(2): 243–256.
  • –––, 2014, “Max Stirner’s Ontology”, International Journal of Philosophical Studies, 22(1): 3–26.
  • Koch, Andrew M., 1997, “Max Stirner: The Last Hegelian or the First Poststructuralist”, Anarchist Studies, 5: 95–108.
  • Laska, Bernd A., 1996, Ein dauerhafter Dissident. 150 Jahre Stirners ‘Einziger’. Eine kurze Wirkungsgeschichte, Nürnberg: LSR-Verlag.
  • Lobkowicz, Nicholas, 1969, “Karl Marx and Max Stirner”, Frederick J. Adelmann (edited), Demythologising Marxism, The Hague: Martinus Nijhoff, 64–95.
  • Leopold, David, 1995, “Introduction”, Max Stirner, The Ego and Its Own, Cambridge: Cambridge University Press, pp. xi-xxxii.
  • –––, 2006, “The State and I: Max Stirner’s Anarchism”, Douglas Moggach (ed.), The New Hegelians. Politics and Philosophy in the Hegelian School, Cambridge: Cambridge University Press, 176–199.
  • –––, 2011, “A Solitary Life”, in S. Newman (ed.), Max Stirner, London: Palgrave Macmillan, 21–42.
  • –––, 2019, “The Non-Essentialist Perfectionism of Max Stirner”, in Michael Quante, Douglas Moggach, and Nadine Mooren (eds.), Perfectionismus der Autonomie, Munich: Wilhelm Fink, 269–289.
  • Löwith, Karl, 1941, From Hegel to Nietzsche. The Revolution in Nineteenth Century Thought, London: Constable; first published in German in 1941.
  • Mackay, John Henry, 1914, Max Stirner. Sein Leben und sein Werk, Berlin, second edition.
  • Martin, James J., 1953, Men Against the State. The Expositors of individualist Anarchism in America, 1827–1908, DeKalb, Illinois: Adrian Allen.
  • Maruhn, Jürgen, 1982, Die Kritik an der Stirnerschen Ideologie im Werk von Karl Marx und Friedrich Engels, Frankfurt: R.G. Fischer.
  • Marx, Karl and Friedrich Engels, 1846, The German Ideology, in Marx-Engels Collected Works (Volume 5), London: Lawrence and Wishart, 1976.
  • Moggach, Douglas, and Widukind De Ridder, 2013 “Hegelianism in Restoration Prussia, 1841–1848: Humanism and ‘Anti-Humanism’ in Young Hegelian Thought”, Lisa Herzog (ed.), Hegel’s Thought in Europe, London: Palgrave Macmillan, chapter 4.
  • Newman, Saul, 2009, “Empiricism, Pluralism, and Politics in Deleuze and Stirner”, Idealistic Studies, 33(1): 9–24.
  • ––– (ed.), 2011, Max Stirner, London: Palgrave Macmillan.
  • –––, 2019, “‘Ownness Created a New Freedom’: Max Stirner’s Alternative Concept of Liberty”, Critical Review of International Social and Political Philosophy, 22(2): 155–75.
  • Paterson, R.W.K., 1971, The Nihilistic Egoist: Max Stirner, New York: Oxford University Press.
  • Schiereck, Larry Alan, 2018, Max Stirner’s Egoism and Nihilism, n.p.: Underworld Amusements.
  • Stepelevich, Lawrence S., 1978, “Max Stirner and Ludwig Feuerbach”, Journal of the History of Ideas, 39: 451–463.
  • –––, 1985, “Max Stirner as Hegelian”, Journal of the History of Ideas, 46: 597–614.
  • –––, 2021, Max Stirner on the Path of Doubt, Lanham, MD: Lexington Books.
  • Thomas, Paul, 1980, Karl Marx and the Anarchists, London: Routledge & Kegan Paul, chapter 3.
  • Tucker, Benjamin R., 2002, Instead of a Book. By a Man Too Busy to Write One. A Fragmentary Exposition of Philosophical Anarchism, culled from the writings of Benj. R. Tucker, New York: Haskell House.
  • Welsh, John F., 2010, Max Stirner’s Dialectical Egoism: A New Interpretation, Lanham, MD: Lexington Books.
  • Whyman, Tom, 2022, “Egoism and Class Consciousness, or: Why Marx and Engels Wrote So Much About Stirner”, Hegel Bulletin, first online 18 July 2022. doi:10.1017/hgl.2022.11
  • Wood, A., 2014, “Marx on Equality,” in Chapter 11 of A. Wood, The Free Development of Each, Oxford: Oxford University Press, 265–267.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

Look up topics and thinkers related to this entry at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

Max Stirner im LSR Projekte, maintained by Bernd A. Laska.

مداخل ذات صلة

anarchism | Bauer, Bruno | Feuerbach, Ludwig Andreas | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Marx, Karl

______________________________

[1] Leopold, David, “Max Stirner”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2023 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.), URL = https://plato.stanford.edu/archives/win2023/entries/max-stirner/.


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك