منظور الفلسفة السياسية والأخلاقية للمشكلة البيئية والأجيال المستقبلية – علي رسول الربيعي

منظور الفلسفة السياسية والأخلاقية للمشكلة البيئية والأجيال المستقبلية – علي رسول الربيعي


أريد أن أتناول هنا مشكلة البيئة ومصير أجيال المقبلة من منظور الفلسفة السياسية ، ولكن بما أنّه لا يمكن فصل الفلسفة السياسية عن الفلسفة الأخلاقية، فسأتناول الأخلاق أولأ. أفحص التحديات التي تواجهها الأخلاق في نظرها لمشكلة البيئة ومصير الأجيال المقبلة أولاً، ثم منظور الفلسفة السياسية لاحقاً. لأن الأخلاق تضع الأساس للفلسفة السياسية. لا تخلق المشكلة البيئية مبادئ أخلاقية جديدة؛ لكنها تلزمنا باستخلاص عواقب جديدة من المبادئ القديمة، وإعادة تصور مبادئنا الأخلاقية بطريقة تسمح لنا بتسـويغ الحدس الأخلاقي الذي تفرضه علينا المشكلة البيئية . ليست القضايا الأخلاقية، ولكن القناعات الأخلاقية لدى الناس هي التي تتأثر بالبنى السياسية التي يعيشون داخلها. تحاول هذه البنى تشكيل قناعات أخلاقية من أجل تحقيق درجة من الشرعية الضرورية لبقائها.

I

تتميز الأخلاق الحديثة عن القديمة بعالميتها.[1] إذ تفترض المجتمعات التقليدية أن هناك مجموعات مختلفة من المعايير لمختلف المراتب الاجتماعية. لذلك كانت فكرة حقوق الإنسان العالمية مثلاً، كما صاغتها وطورتها فلسفة التنوير كأساس للأنظمة القانونية الحديثة، غريبة عن الأخلاق القديمة. ربما تكون أخلاق كانط وفيتشته أنقى مظاهر للعالمية، ومقولتها الأساسية في الواجب، وليس الحق. تؤمن أخلاق الشمولية العالمية بأنه إذا كان شيء ما مسموحًا أو إلزاميًا أو محظورًا على أي شخص ما، فهذا يعني أن الحال نفسه ينطبق على جميع الأشخاص. إنها لا تفضل الحقوق على الواجبات. ليس لدينا أدنى شك في أن الشمولية العالمية هي جوهر التفكير الأخلاقي وأن جميع الأفكار الأخلاقية القيًمة يجب أن تكون متوافقة معها.

إنّ مفهوم الفضيلة، على سبيل المثال، عنصر حاسم في أيً نظرية أخلاقية تريد أن تكون متكاملة، لأننا نحتاج إلى عادات تجعل سلوكنا مستقرًا ويمكن التنبؤ به من قبل الآخرين. غير أنً فكرة الخير هي التي تسمح لنا بالاختيار من بين العادات الكثيرة المتناقضة جزئياً التي اعتبرتها الثقافات المختلفة على أنها فضيلة. وأن العقل والعدالة فقط هما اللذان يسمحان بإجابة عالمية على السؤال: ما هي الفضائل وتقاليدها؟ فمن المضلل للغاية إذا تم اقتراح أن تكون محاولة إعادة تأهيل مفهوم الفضيلة من خلال أخلاق الفضيلة الأرسطية على وجه الخصوص، لأن ذلك يعبر عن جهل بحقيقة أن المذهب الحديث الأكثر تفصيلا للفضائل يأتي من فلسفة كانط نفسها. وأن الأخلاق الأرسطية تقع ما قبل  الكونية أو الشمولية العالمية، كما يتبين من دفاعه عن العبودية وتفسيره واعتباراته لما يشكّل حربا عادلة. عندما دافع خوان جينس دي سيبولفيدا (Juan Gines de Sepulveda)  في القرن السادس عشر عن استعباد الأمريكيين الأصليين، أيد موقفه بحجج أرسطو حيث فهمه بشكل صحيح،[2] وكان زميله المسيحي، بارتولوم دي لاس كاساس( Bartolome de Las Casas)، قد عارضه باسم الإنجيل. أرى أنه سيكون من المفيد أن نكتب تاريخًا قصيرًا آخر للأخلاق يمكن أن يظهر فيه القوس الأخلاقي الذي يبرز التطلع للشمولية العالمية الذي ظهر ببطء من خلال الفلسفة الهلنستية ونضج ضمن التقاليد الفلسفة المسيحية وتطور في التقاليد الفلسفة الإسلامية أيضا. بلا شك أن أخلاق كانط فقط هي التي تمكنت من استكمال المقولات المركزية للمسحية للبروتستانتية الغريبة، والحدس الذي كان غريبا عن الإغريق. يحضر في ذهني هنا أو أفكر في العائق  الثاني عند أرسطو غير الذي ذكرناه أعلاه، وهو أن الدافع الأساسي في السلوك الأخلاقي: بحث الشخص عن سعادته.

يتوافق دفاعنا عن شمولية وعالمية الأخلاق مع الاعتراف بالمشاكل الخاصة بالنظرية الأخلاقية الحديثة. تفضل الشمولية العالمية بالضرورة وجود علاقات متماثلة (لأن العلاقات غير المتماثلة لا يمكن أن تصمد للجانبين)، وقد أدى ذلك إلى تشكيل مجتمع يتميز في المعاملة بالمثل. إنّ المعاملة بالمثل بالتأكيد شيء عرفته المجتمعات البشرية كافة، لكن النقطة الحاسمة هي أن المجتمعات السابقة سلمت، إلى جانب هذا النوع من العلاقات، بالعلاقات الرأسية وغير المتماثلة: نحو الآلهة، والكهنة، والملوك، والشيوخ، إلخ. إنّ التآكل البطيء لقدرة الحفاظ على علاقة رأسية هو الذي يحدد  الحساسية الأخلاقي للحداثة. ليست الشمولية العالمية للأخلاق هي التي تستبعد العلاقات الرأسية ؛ لأن هذه العالمية تتوافق تمامًا مع القاعدة التي على كل شخص أن يحاول إتقانها  بنفسه، وهي ينبغي عليه من أجل القيام بذلك أن يحاول تقليد الأشخاص المتفوقين أخلاقياً طالما لم يتم تحديد التفوق الأخلاقي من خلال التماس الصفات الخارجية مثل الرتبة والحالة والجنس والعمر، إلى غير ذلك، ولايزال يرثي منتقدو الحداثة تآكل لتلك القدرة على الحفاظ على الحق في القرون الأخيرة. وقد ظهر ذلك على كلا الجانبين – المتفوق وكذلك الأدنى. ولأنه ليس من السهل الحفاظ على السلطة: قام القساوسة أو الملوك التقليديون بحرمان أنفسهم من بعض الملذات المبتذلة وتنمية شعور معقد في شكل هيئات وترتيبات حتى لا يفقدوا هيمنتهم وسلطتهم. وغالبًا ما ينجح الطرف الأدنى في العمل الفذ المتمثل في تجنب العبودية ويعجب بإخلاص بالأشخاص الذين عايشوا ثقافتهم على انهم متفوقون في الوقت نفسه. إنّ المؤسسات الأكثر استنارة بروح المساواة الجديدة هي: أولاً، رابطة زواج تعاقدية بين متساوين يمكن حلّها عندما يجد أحد الشركاء أن المساواة في العلاقة منتهكة؛ ثانياً، سوق معمم؛ ثالثا، الديمقراطية، رابعا، جيش من المتطوعين مدفوع الأجر؛ وخامسا، جماعة دينية تستأجر وتطرد رجال دينها.

يمكن أن تؤدي الجاذبية النظرية بهذه المؤسسات وانتشارها إلى شيء لا يستلزم الشمولية العالمية، ولكنه يتوافق معها والمقصود هو، الفكرة الميتا-أخلاقية التي تقول يجب على المرء أن يختار العلاقات المتناظرة لأنها تخدم مصلحته الذاتية ( الأنانية). وقد كانت الذات (الأنانية ) العقلانية هي النظرية الميتا-أخلاقية عند العديد من علماء الأخلاق البارزين في  المرحلة المبكرة من الحداثة، مثل هوبز وسبينوزا ولوك. (بالنسبة إلى هذا الأخير، ينطبق قولنا على مقالة “بحث في المعرفة  البشرية” فقط، وليس على رسالتين في الحكم، اللتين بالكاد يتوافق مذهبهما مع القانون الطبيعي كما في المقالة II). ومع ذلك، من المهم أن نرى أن هذا لا يمثل في حد ذاته انفصالًا عن أخلاق ما قبل الحداثة (لأنه، كما رأينا، كانت  Eudemonis[3] (السعادة ) هي التي تقود الميتا-أخلاق عند القدماء). ليس الاختلاف في نقطة البداية الأنانية، بل في مضمون إرضاء الذات. لقد فهم القدماء السعادة بطريقة أكثر شمولاً ممّا هي عليه في الأخلاق الحديثة. فقد توجت بالتأمل وشملت الصداقة الخاصة والسياسية على حد سواء. وهكذا كانت منفتحًة على كًلِ من  البعد المتعالي والمجتمعي. إنّ فقدان هاتين الميزتين هو ما يجعل الميتا-أخلاق الحديثة للذاتية العقلانية أقل جاذبية بكثير من السعي القديم للكمال الذاتي، كما كانت الذاتية  التي تجعل دولة الرفاهية الحديثة تهدف إلى إرضاء هذه المصالح الذاتية العقلانية أكثر بساطة من دولة المدينة الإغريقية القديمة بعجائبها الجمالية. ويبدو هذا صحيحًا على الأقل طالما نسينا أن جمالها كان ممكنًا فقط بفضل العبودية.

ليس الذاتية (الأنا) العقلانية للحداثة المبكرة ما أستمر شكلياً أو اصطلاحيا من العالم القديم فقط؛ فقد أتت الأخلاق الحديثة بأكبر تحدٍ لكلٍّ من السعادة ( Eudemonism ) والذاتية العقلانية. بالطبع يحضر كانط في تفكيرينا هنا. ربما يمكن وصف خصوصية عقلانيته الأخلاقية على النحو التالي: لقد قدم الشكل الأكثر إثارة للإعجاب عن التبعية العمودية من أجل تسويغ العلاقات المتناظرة أو المتماثلة. ما أعنيه هو أن مضمون أخلاق كانط  كما في مقولة الواجب، هو أفضل صوغ خالص أو مجرد للحدس عند علماء الأخلاق المحدثين الذين يفضلون العلاقات المتناظرة. أيً أن مضمون أخلاق كانط، مقولة  الواجب هي طريقة لتقييم دوافع الفعل. إنّها مبدأ موضوعي وضروري وغير مشروط يجب أن نتبعه دائمًا على الرغم من أي رغبات أو ميول طبيعية قد تكون لدينا معاكسة أو مخالفة لذلك. وهذا يعني أنني يجب أن نقبلها بشكل مستقل عن  مصلحتنا. وأن نخضع  لها بسلطة مطلقة تتجاوز بكثير الخضوع للملوك القدماء، الكهنة، أو حتى الآلهة. لأنهم جميعًا، حتى لو كانوا أفضل مني، يقبلون بعض التنازلات عن طريق التملق والرشوة والصلاة، إلخ. إن الطبيعة غير الشخصية للقانون الأخلاقي هي التي تقضي على كل هذه الخيارات أو البدائل، بينما تتجنب الإذلال الذي ستترتب عليه السلطة المطلقة لشخص آخر في الوقت نفسه. بقدر ما تكون الملكة والقدرة العليًا للرغبة، وفقًا لكانط، غير قابلة للاختزال الى الجزء السفلي منها، فهي ليست شيئًا غريبًا عني بل هي جوهري الخاص. إنّ القدرة على التعرف على مقولة الواجب والخضوع لها هي الشيء الوحيد الذي يحمل قيمة جوهرية في العالم، والذي يقتصر بالتالي على حسن النية للأشخاص (الذين لا يحتاجون إلى البشر).

ما علاقة كل ذلك بالمشكلة البيئية؟ تتحدى أطروحتي وبدرجات متفاوتة ثلاث سمات أساسية للأخلاق الحديثة: أولاً، مركزية الإنسان؛ ثانياً، الميتا-أخلاق للذاتية (الأنا) العقلانية؛ وثالثًا، اختزال الأخلاق إلى علاقات متماثلة. النقطة الأولى هي الأكثر إثارة للجدل، إذ يمكن للمرء أن يجادل أن المشكلة البيئية يمكن، ويجب أن تُفهم من داخل مباني مركزية الإنسان وحده. لا شك في أنه يتمثل جزءًا كبيرًا من السلوك اللاأخلاقي المرتبط بالتدمير البيئي في الإضرار بحياة البشر الآخرين وصحتهم وممتلكاتهم، سواء كانوا معاصرينا أم من الأجيال القادمة. لا ينبغي الشك في أن حياة البشر لها قيمة أعلى من حياة الكائنات الحية الأخرى التي لا تتمتع بالعقل. يمكننا أن نسمي هذا الموقف “مركزية الإنسان الضعيفة”، ولا يبدو من الحكمة تحديها، ولا جدوى من  اللجوء الى “إيكولوجيا أنطولوجية (وجودية) عميقة” ترى في الطبيعة القيمة الوحيدة. فالطبيعة على هذا النحو موجودة دائمًا، حتى بعد انقراض الأنواع العليًا من الكائنات، بما في ذلك الجنس البشري. ومن ثمّ فإن هذا ليس بقصد الحدّ من سلوكنا الضار بيئيًا أساسًا، لكن لا يستتبع خياري لمركزية الإنسان الضعيفة أن الخيرات البشرية هي الأشياء الوحيدة ذات القيمة الجوهرية (وهو موقف يمكن للمرء أن يسميه “مركزية بشرية قوية”) والواقع أنه كلّما درسنا علم البيئة، تصبح هذه الأطروحة موضع شك. أنا لا أقصد أن علم البيئة يعلمنا أن البشرية لا يمكنها أن تزدهر إلاّ في بيئة معقدة للغاية؛ وأن البيئة  تكون لها قيمة عندما تضاف الى البشرية فقط، أيً كمفيدة لبقاء البشرية أو ازدهارها. تظهر دراسة الترابط بين البشر والكائنات الحية الأخرى العديد من أوجه الشبه بيننا وبين أقاربنا العضويين بحيث يبدو من السخف إنكار أي قيمة لما هو في نواح كثيرة (على سبيل المثال، في إدراكه، وعواطفه، وسلوكه) أكثر تشابهًا مما كنا نعتقد قبل 150 عامًا. يعتزُّ أولئك الذين لا يقبلون القيم على أنها أحداث طارئة وغير متوقعة وصدفة تحدث بشكل غامض في الطبيعة مع ظهور البشرية، وأولئك الذين على العكس من ذلك، بالفكرة القائلة بأن الأنطولوجيا (الوجود) قائمة على الأكسيولوجيا،[4] (دراسة الطبيعة والأنواع من منظور المعايير والأحكام القيمية الأخلاقية.) فمن المنطقي والمعقول أن ننسب من البداية القيمة إلى الطبيعة ونفترض زيادة بطيئة في القيمة الجوهرية للكائنات الواعية مع التطور المعقدة الكائنات بشكل متزايد.

أصبحت  الذاتية أو الأنا العقلانية واسعة الانتشار مثل النظرية الميتا-أخلاقية لأن خلقت الحداثة أشكالاً من الحياة لا تبدو هذه النظرية فيها تتعارض مع الحدس الأخلاقي الأساسي لدينا. لا يدرك الأنا العقلاني العادي أنّه منخرط في السلوك الذي يسبب السخط والاشمئزاز، إذا كان ذلك يحقق له متعته أو يساعده في حياته المهنية (ماركيز دي سادهو استثناء معزول تمامًا عن خطاب التنوير). يُعلم خطاب التنوير، على العكس من ذلك، أن معظم قواعد الأخلاق التقليدية معقولة فيما يتعلق بمضمونها، حتى لو لم يفهم التقليد أسباب أو أساس طاعتها، أي أنها في مصلحتنا العقلانية في نهاية المطاف. ومع ذلك، يضيف خطاب التنوير أنه يجب علينا نحن الحداثيين تغيير معايير معينة فيما يتعلق بالمجتمع. وأن ننشئ سوقًا عالميًا لضمان التناغم بين المصلحة الأنانية واحتياجات المجتمع على وجه الخصوص. لقد ساعد اكتشاف المجال الاقتصادي كمجال له استقلاله الذاتي على توضيح وجهة النظر هذه.[5] فلا يمكن للمرء أن ينكر أن الانتصار السريع المذهل لنظام قيم الحداثة قد تم تسهيله بشكل كبير من خلال  اللجوء إلى الأنا العقلانية.

إنّ أول اعتراض على خلق عالم اجتماعي يتسم  بتوازن الأنا العقلانية والمنفعة الاجتماعية هو أنه يخون كل شيء نبيل و بطولي في الطبيعة البشرية. إن شخصية مثل كارليل التي قرأها أغلبنا حيث كان يردّدها ديكنز في رواياته هي تعبير من أعراض هذا التمرد أو الثورة في الأوقات الصعبة. فمن ناحية، سيوافق أولئك الذين يرفضون الميتا-أخلاق للأنا العقلانية على الدافع وراء هذا التمرد. ليس من الخطأ النظري الاعتقاد بأن التقارب بين الأنا والأخلاق العقلانية أمر ضروري من الناحية المفاهيمية فقط؛ لأنّه من السهل جدًا تصور مواقف لا يحدث فيها هذا الانسجام. ولكن يؤدي هذا الخطأ إلى تآكل القدرة البشرية على التضحية للأسف أيضًا.  وحتى في حالة عدم حدوث هذا الانسجام أو حدوث الصراع، فإنه يظل مبدأ الشخص أو قوله مشبوهًا أو مشكوكاً فيه أخلاقيًا – لأنه غير واضح للآخرين، وعادة ما يكون لنفسه أيضًا، سواء كان يتصرف بأنانية لأنها مفيد للمجتمع، أم لأسباب أخرى. ومن المهم للغاية، من ناحية أخرى، أن نرى أنه ليس فقط الإيمان بالانسجام الراسخ بين الخير الخاص والاجتماعي هو ضار أخلاقياً، ولكن أيضًا الثورة  أو التمرد العام ضده. لأنه قد تكون هناك مناطق واسعة من الحياة الاجتماعية يوجد فيها بالفعل مثل هذا الانسجام، والعمل ضدها لإقناع نفسك فقط بنقاء الدوافع هو أعلى مستوى من الأنانية في حد ذاته وهو غير مقبول أخلاقيا. لدي شكوك حول ما إذا كان الانخراط في الرياضة التي تعرض الحياة للخطر من دون هدف آخر غير المتعة مسموح أخلاقيا، لكن ليس لدي شك على الإطلاق في أنه يُحظر المخاطرة بحياة الآخرين من أجل إثبات التصرفات البطولية. وهذه، بالمناسبة، ليست مشكلة نظرية فقط. لا يمكن للمرء أن يفهم الحماس للحرب والانجذاب للحرب “الجهادية” من دون اللجوء إلى الحاجة إلى البطولة غير المنطقية التي غالبًا ما تهيمن على الشباب الذكور.

الاعتراض الثاني على الإيمان بالانسجام بين الخيرات الخاصة والاجتماعية لا يقوم على تأثيره الفاسد على النفس البشرية، بل على حقيقة أن هذا الانسجام لا يصمد في الواقع. ليس هناك حالات معاكسة (مثل تلك التي اقترحها أفلاطون في بداية الكتاب الثاني للجمهورية) فقط، فهناك أيضًا العديد من الحالات في الحياة الواقعية التي قد يرتكب فيها الشخص، وخاصة في نهاية حياته جريمة من دون خوف من أن يعاقب عليها، أو أن يعذّبه  ضميره. ولكن يمكن للمرء أن يقول أن هذه ليست سوى حالات استثنائية. ومع ذلك، فإن أهمية المشكلة البيئية هي أنها أثبت فشل ممنهج ومنتظم  لهذا التناغم. وهذا نتيجة لحقيقة هي أن المشكلة البيئية مشكلة العدالة بين الأجيال إلى حد بعيد. وبالطبع تشمل مسألة العدالة بين الأجيال أكثر من مجرد المشكلة البيئية ( مثل السياسة المالية ايضاً). أخشى أن يتم دفع ثمن الكارثة البيئية التي نتجه إليها من قبل الجيل الأصغر، أي من قبل الأشخاص الذين ولدوا بالفعل؛ وستضطر الأجيال القادمة إلى مواجهة مشكلات الموارد المتضائلة والتلوث وأنتشار الفيروسات الذي ستدمّرُ المزيد والمزيد من الأرواح البشرية. بالطبع يمكن للأشخاص الذين اتخذوا القرارات ذات صلة بهذا قبل عشرين عامًا أن يطمئنوا بأن عواقب قراراتهم لن تقع عليهم، بل على أحفادهم.  إنه من السهل معرفة سبب صعوبة تطبيق العدالة بين الأجيال أكثر من تطبيقها بين الطبقات لأن: أعضاء الطبقات المختلفة معاصرون لبعضهم، يحتاجون إلى بعضهم البعض، ويمكنهم الانتقام من بعضهم البعض. تتحقق العدالة الدولية بدرجة أقل من العدالة بين الطبقات. ويتعلق هذا بحقيقة أن الدول المختلفة ليست تحت مظلة النظام القانوني نفسه، والأمّة التي تضررت من قرار دول أخرى لا يمكنها أتخاذ موقف سياسي من القادة السياسيين المسؤولين عن هذا السلوك لأنهم  يشغلون مناصب  في دولة أخرى. ومع ذلك، هناك قانون دولي، ورأيً عام دولي يسمح للدول التي تقع ضحية للضرر أن ترفع صوتها ضد الظلم الذي وقع عليها. لكن الأجيال القادمة لا صوت لها في السوق والديمقراطية، المؤسستين الاقتصادية والسياسية الرائدتين للحداثة.

تُلزمنا العالمية بالاعتراف بالحقوق (المشروطة) للأجيال القادمة. وبما أنه لا توجد طريقة لتصور هذه الحقوق وفقًا لنموذج الانسجام بين الأنانية والمصلحة العامة، فإن المشكلة البيئية لها أهمية حاسمة في إثبات أن العالمية لا تتوافق مع ميتا-أخلاق الأنانية العقلانية. قد تكون هذه الحجة ليس الوحيدة لكنها الأقوى فلسفيا، لصالح هذا التعارض والتضارب؛ وأنها والأكثر وضوحًا وقدرة على الإقناع بأن الإيمان بمثل هذا الانسجام المحدّد مسبقًا هو خرافة. وبالمناسبة هذا هو السبب وراء تفوق نظرية هانز جوناس بخصوص العدالة ازاء الأجيال على نظرية جون راولز.[6] لا شك كانت نظرياتهم في مجال العدالة بين الأجيال الأكثر تأثيراً في العقود الماضية. الأول في ألمانيا و في كل قارة أوروبا، والأخير في العالم الأنجلو- أمريكي. سبقت نظرية راولز نظرية جوناس، و تم تطويرها في إطار “الموقف الأصلي” بطريقة تجعل مبادئ العدالة التي يعتبرها راولز ذات جاذبية مبررة أخلاقيا حتى من قبل الأنانيين العقلانيين. لكني أرى أن اجراءات راولز دائرية فيمكن للمرء أن يبني مواقف أصلية مختلفة ثمّ يتوصل إلى مبادئ مختلفة للعدالة. إن اختزال مبادئ العدالة إلى مبادئ حكمة متخيلة هي مقارنة غير عادلة بين نقطة انطلاق هوبزية من الأنانية العقلانية والتزام كانطي بالمبادئ الأخلاقية التي لا يمكن اختزالها إلى الأنانية، وهو حل وسط لا طائل منه ولا معنى له في رأيي. بينما قوة أو عظمة نظرية جوناس هي الاعتراف بالطبيعة القاطعة للالتزام بممارسة العدالة بين الأجيال وربطها بتفسير لطبيعة الوجود يقدم العدالة للطبيعة الخاصة للكائنات الحية.[7] لا أنكر تأثر تفكيري الفلسفي بطروحات هانس جوناس في هذا الجانب، وبفلسفته في علم الأحياء وأخلاقياته،[8] في اتجاهين: أولاً، في مساعدتي على كيفية تجاوز الأسس الفينومينولوجية (الظواهرية) للمعايير الأخلاقية واستبدالها بحجج  ترانستندالية  (متعالية). ثانيًا، محاولتي توضيح الفكرة الأساسية للعدالة بين الأجيال وكيف يمكن أن أتناول من ناحية منهجية ورؤيوية القضايا التي تتعلق بفلسفة القانون، فضلا عن مسائل الحقوق الاقتصادية والنظام السياسي الصحيحة. أريد أن أقصر نفسي هنا على القول بأن ما هو مهم أن يكون  هناك مشروع لإنقاذ البيئة ويكون جزءًا  أساسياً من نظام اقتصادي عقلاني. يمكن أن يتحقق ذلك من خلال الضرائب البيئية وتوقع احتياجات الأجيال القادمة ورفع أسعار السلع النادرة بطريقة تخلق حافزًا لعدم استخدامها بشكل متهور، وزيادة كفاءة البدائل وتطويرها. ومع ذلك، فإن قرار إنشاء نظام اقتصادي يكون فيه المزيد من الانسجام بين المصلحة الخاصة والعامة لا يمكن أن يحتكم الى المصلحة العقلانية وحدها؛ أنه يحتاج إلى دوافع أخلاقية أنقى.

بدلاً من متابعة هذه المسألة بالتفصيل، أريد أن أركز على التحدي الثالث الذي تمثله المشكلة البيئية للأخلاق الحديثة، أيً التركيز على العلاقات المتماثلة أو المتناظرة. تعود جاذبية كتاب جوناس[9](The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological Age ) الواسع الأنتشار الى ما يقدمه من تفسير  فينومينولوجي مفصل و مكثف لمقولة المسؤولية. تتضمن أمثلته الرئيسة مسؤوليات الآباء ورجال الدولة. بقدر ما تم انتقاده لانخراطه في الفهم الأبوي للمسؤولية[10] وعدم الثقة العميق تجاه الديمقراطية، فهو يوضح بحق أن فكرة رعاية الأشخاص غير القادرين بعد على التفكير (على سبيل المثال، المولود الجديد) أو غير الموجودين بعد ( الأجيال القادمة) بالكاد يمكن التعامل معها وفقًا لنموذج العلاقات المتناظرة. لن تكون أجيال المستقبل قادرة على رد الجميل لما نقوم به من اجلهم. لا تقابل واجباتنا تجاههم واجباتهم تجاهنا، ولكن فقط تجاه الأجيال اللاحقة لهم. بينما يقوم نموذج “مجتمع الخطاب” عند هابرماس، أيً المجتمع الموجه له الخطاب، على المساواة والعلاقات المتناظرة، يشير جوناس إلى استمرار العلاقات غير المتكافئة أو غير المتماثلة، فالعقلية الحديثة أقل قدرة على فهم طبقاً لطبيعتها الخاصة هذه العلاقة. سبق أن قلت أن الاهتمام بالأجيال القادمة ليس سوى امتداد لمفهوم الالتزام العالمي الشامل في الأخلاق الحديثة – فإذا أردنا منح الحقوق الأساسية للجميع، ليس لدينا الحق في استبعاد الأجيال القادمة. كانت مجتمعات ما قبل الحداثة قلقة على أحفادها المباشرين، لكنها اقتصرت على أسرة المرء أو جماعته؛ بينما يفترض الاهتمام بمستقبل البشرية بشكل عام أخلاقًا عالمية. وهذا يثبت مرة أخرى أن العالمية، حتى لو كانت لا تفضل العلاقات غير المتكافئة، فأنها لا تتعارض معها. يرى جوناس أن مثل هذه العلاقات ترجع إلى طبيعتنا ( ميلادنا وموتنا)، والتي ترتكز على  زمانية الوضع العضوي للوجود في حد ذاته.

II

إنّ استمرار المسؤولية العمودية له نتائج مهمة على الفلسفة السياسية. وإن النموذج الحاسم للشرعية السياسية الذي تطور في العصر الحديث وغزا الكوكب كله تدريجيًا هو السيادة الشعبية. فمن المسلم به لا يمكن أن يحكم الشعب نفسه بشكل مباشر، لذا يحتاج إلى شكل من أشكال التمثيل. تختلف فكرة التمثيل الحديثة عن فكرة العصور الوسطى بحقيقة أن لا يمثل الممثلون ناخبيهم فقط ولكنهم يمثلون الشعب كله ومن ثمّ ليسوا ملزمين بدائرة انتخابهم التي فوضتهم أو انتخبتهم فقط، بلاشك أن الأغلبية الساحقة من الحالات التي يريد  فيها عضو البرلمان إعادة انتخابه ينصح بإرضاء رغبات ناخبيه. من ناحية أخرى، بما أنه يحتاج إلى المال لإقناع الناس بانتخابه أو إعادة انتخابه، فأنه يقدم وعوداً للأشخاص أو المؤسسات التي تدعمه ماليًا. وهكذا، سيتحول ولائه إلى توأمة بين الناخبين وجماعات الضغط التي تموله. ولكن، هل هناك آليًة مؤسسية قوية نسبياً تلزمه بالالتزام بالصالح العام؟ يمكن تطبيق الانضباط الحزبي، في النظام النسبي، بسهولة أكبر، والذي قد يؤدي أو لا يؤدي إلى العمل للصالح العام. وقد تؤدي التبعيات المتبادلة بين مختلف أعضاء البرلمان إلى شكل من أشكال التسوية التي قد تقترب من الصالح العام.

 لكن هنا سؤال  يفرض نفسه: من يمثل الأجيال القادمة؟ ليس لديهم تأثير على السوق لتقديم مطالبهم، ولا يمكنهم انتخاب ممثليهم في الحكم التمثيلي، ومن ثمّ لا يكون لهم حقوق ولا حامي، هذا هو بالضبط الوضع الذي تواجهه الأجيال القادمة. أعتقد أنه سيكون من المهام الرئيسة للديمقراطية في القرن الحادي والعشرين إنشاء مؤسسة تتوافق مع حماية ووصائية بشأن الأجيال القادمة. وأقترح أن تكون  مماثلة لمحكمة دستورية لها الحق والواجب أيضًا في حماية الحقوق التي يكفلها الدستور من تجاوزات الأغلبية.

لا أريد متابعة هذه الفكرة التقنية هنا. ما أريد التفكير فيه هو شيء أكثر عمومية. يمكن تسويغ الديمقراطية، وقد تم تسويغها بطرق مختلفة جدًا. أيً، يمكن للمرء أن يسوغ الحكم الديمقراطي  وفق طيف يمتد من طرف يقبل الديمقراطية كنتيجة طبيعية لتوزيع  السلطة إلى آخر يرى أن نتيجة القرار الديمقراطي هو حق أخلاقي. وفقاً للموقف الأول، إن الأغلبية أقوى من الأقلية لذلك من الحكمة الخضوع لمبدأ حكم الأغلبية.  قد لا تنطبق الحجة على التشكيلات الاجتماعية السابقة للحداثة، التي حافظت فيها أقلية غالبًا على كل القوة العسكرية والتي كانت فيها الأغلبية معادية أحيانًا لحكم الأغلبية لأنها لا تثق في مواطنيها العاديين بقدر ما تثق أكثر في سلالة حاكمة أو أرستقراطية سياسية أو دينية. على أي حال، فإن حجة الديمقراطية القائمة على سلطة الأغلبية غير مرضية على الإطلاق، وذلك لأن السلطة لاتكون في موقعها الصحيح. ويمكن أن لا تؤدي إلى اكثر من الخضوع لهذه “الديمقراطية”، وليس لدعمها انطلاقا من قناعة أخلاقية.

من ناحية أخرى، نجد التعريف الطبيعي للخير السياسي هو ما تقرره الأغلبية في انتخابات حق الاقتراع العام. ليست السلطة المطلقة فيها هي التي تطلب منا الخضوع للقرارات الديمقراطية؛ بقدر ماهي سلطة الأخلاق الخالصة المتجسدة في سيادة الشعب. ليس من الصعب كشف أن هذا الموقف غير مرضٍ وغير مقبول كما  الموقف الآخر، حتى لو كان من السهل أن نفهم لماذا يتبناه السياسيون الديمقراطيون أحيانا: ذلك لأنه يجعل حكمهم محصنًا من النقد الأخلاقي حتى ولو مؤقتًا. ولكن لماذا لا تعمل هذه  العقيدة أو التعاليم نظرياً، ولماذا تشكّل خطراً جسيماً على الديمقراطية نفسها؟

أولاً، قد يكون لدى المرء شكوك قوية حول ما إذا كان الإجماع شرطًا أخلاقيًا كافيًا، أو حتى ضروريًا. ليست كل العلاقات التي اتفق عليها شخصان محترمة – فكر في العلاقة بين سادي وماسوشي. بالتأكيد، لا يوجد انتهاك لإرادة الآخر في هذه الحالة؛ ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذه هي القيمة الوحيدة التي  تؤخذ بنظر الاعتبارايضاً. قد يعترض المرء على أنه في حالة الخضوع للمطالب اللاأخلاقية يتم انتهاك قيم أكثر أهمية. ولكن  أليس الإجماع شرطًا ضروريًا للأخلاق على الأقل؟ يعتمد هذا على كيفية فهم المرء للإجماع. فلا يمكن أن تعتمد شرعية العقوبة على موافقة الشخص الذي يعاقب مثلا. وحتى إذا كانت الموافقة مستحسنة، فهي نادرًا ما تحصل، وقد لا تحصل أبدًا مع المجرمين. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يجادل، كما قام بذلك هيجل،[11] عندما رأى أن المجرم قد أعطى موافقته على العقوبة مسبقاً من خلال أفعاله الاجرامية، لأنه بوصفه كائنا عقلانيا خلق قاعدة تتمثل في قبوله بنفسه عقاب انتقامي موجه ضده. حجة هيجل عبقرية، لكنها توسع كثيرا من نطاق مفهوم الإجماع أو التوافق. فحتى إذا اتبعنا هيجل في ما يرى، أن هناك حالات يمكن فيها تسويغ إيذاء شخص بريء من أجل إنقاذ خير أعلى، وحتى لو كان الإجماع في مثل هذه الحالات يبدو صعبًا. يمكن للمرء أن يقول إنه ينبغي عليه أن يوافق على هذا المبدأ، طالما أنه مبدأ عقلاني. ولكن إذا كان من المفترض أن يعني بالإجماع، هو الإجماع العقلاني وليس الحقائق الواقعية، فيمكننا على الفور تسوية مطالب العقل ونبذ البحث عن الإجماع.

وحتى لو ضمنا أن الإجماع شرط ضروري وكافٍ للأخلاق، فمن الواضح تمامًا لايتحقق مثل هذا الإجماع في الديموقراطية أبدًا. فغالبًا ما تكون هناك أقلية تحجبها أو تلغيها الأغلبية، وليس من الواضح لماذا يجب عليها قبول هذا الإلغاء. قد نحتكم الى قوة الأغلبية؛ ولكن بعد ذلك نعود إلى معيار النصيحة والاستشارة احترازياً، وهذا لن يعطي تسويغا أخلاقيًا لواجب الطاعة. (هناك حجة أخلاقية مقبولة من أول وهلة وهي  واجب الامتثال لقوانين البلد، لأنها تمكننا من تجنب الفوضى والشر المتأصل فيها، حتى لو لم يقع علينا الشر؛ تنطبق هذه الحجة على جميع الحكومات ولا تحابي الديمقراطية.) عادة ما يُقال أنه يجب على المرء إطاعة  الأغلبية لأن الجميع وافق على مبدأ حكم الأغلبية، لكني لست متأكدا من أن مثل هذا الاتفاق يقبله الجميع. فيمكن للمرء أن يجادل بأنه هذا الإجماع  تم افتراضه ضمنياً من خلال قبول الشخص البقاء في بلد يعترف دستوره بقاعدة الأغلبية. (سيكون صالحًا أيضًا لأولئك الذين بقوا في بلدان غير ديمقراطية.)

عادة ما يفضل الناس الخضوع لقاعدة الأغلبية في بلد معين على الحكم الاستبدادي لأنهم يتوقعون حتى لو تم تجاوزهم ولم يؤخذ لهم رأي أو يوضع لهم اعتبارا في بعض القضايا العامة سيكون لديهم فرصة ليكونوا الجانب الفائز في قضايا أخرى ولأنهم يعتبرون هذا التناوب  نظاماً عادلًا، وهو يمكّن جميع  المواطنين ويمنحهم الحق في أن تؤخذ أراءهم  بنظر بالاعتبار سياسيًا بشكل جدي. (بالطبع لا يؤدي الاقتراع العام تلقائيًا إلى مثل هذا التناوب، لأن قد تجد الجماعة نفسها دائمًا في وضع الأقلية) علاوة على ذلك، يثق الناس أن القرارات الجماعية لن تُتخذ إلاّ في المجالات التي لا غنى عنها لاتخاذ قرار جماعي، وترك المجال الخاص لكل مواطن من دون مساس به بل حمايته. أي أنهم يجمعون بين اعترافهم بالمبدأ الديمقراطي والإيمان بسلسلة من الحقوق السابقة التي لا تقع  تحت رحمة حكم الأغلبية أو تخضع لرغبتها. يعتقد الديمقراطي العقلاني أنه ليبرالي، أي أن هناك حدودًا لحكم الأغلبية وأننا بحاجة إلى نظام معقد لفصل السلطات (بما في ذلك المراجعة القضائية للقوانين) من أجل منع حكم الأغلبية من الاستبداد. بالطبع، من الحكمة الأخلاقية والسياسية على حد سواء أن نأمل أن يتم قبول مبادئ الدولة الليبرالية من قبل أكبر عدد ممكن من الناس. ولكن إذا لم تكن هذه المبادئ تحضى بتأييد الأغلبية فلا يمكن أن  يكون الإجماع الشعبي هو الذي يمنحها الشرعية. إنها تضمن شرعيتها، ولكن هذه الأخيرة لا ينبع من الشعب. فحتى لو وافقنا على أن الإجماع هو، أولاً، شرط ضروري وكافٍ للأخلاق، وثانيًا، أن القرارات الديمقراطية مدعومة بقرار بالإجماع، فقد تظل خاطئة. لماذا؟ الجواب بسيط: قد لا يكون الأشخاص الذين يتخذون القرارات الوحيدين الذين يتأثرون بها. وهذا صحيح في كل من البعد المكاني والزماني، إذ أن الدولة لديها مساحة محدودة وشعب محدود يعيش أفراده في وقت معين. ولإعطاء مثال على ذلك، إذا قامت دولة بالإجماع بسلوك يؤدي إلى المزيد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ومن ثمّ  إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التصحر، مما يحرم الناس في البلدان البعيدة أو الأجيال القادمة من وسائل العيش، فأنها تتصرف ظلما، وتزيد من ظلمها، إذا رفضت، حتى لو بالإجماع، دفع تعويضات.

نرى الآن لماذا تتحدى المشكلة البيئية الديمقراطية بشكل جذري. إنّ الصعوبة السياسية للمشكلة لها علاقة كبيرة بحقيقة أن القرارات يتخذها أشخاص لا يعانون من تداعيات تلك القرارات. إذا افترضنا أن الناس يتصرفون وفقًا لمصلحتهم الأنانية، فمن غير المحتمل أن يتخلى جيل سابق عن أي شيء من أجل جيل لاحق. لقد رأينا بالفعل أن الديمقراطية مقبولة فقط إذا تم احترام الحقوق الأساسية للناس. ولكننا ندرك الآن أنه لا يوجد حافز أناني لاحترام هذه الحقوق في ما يتعلق بالأجيال القادمة والدول البعيدة. يعرض هذا المطالبة بالعدالة العالمية، التي أعطت الشرعية للديمقراطية، الى الخطر؛ لأن الأخلاق العالمية هي التي قادت التطور السياسي نحو الاقتراع العام.

لا أريد أن أكرّرَ هنا تفاصيل فكرة واجب قيام مؤسسة جهاز الدولة في حماية الأجيال القادمة. أنا أعتبر هذه الفكرة أكثر ترجيحاً  للحد من أسوأ أشكال الظلم بين الأجيال من الاقتراح الذي نوقش في العديد من البلدان لتوسيع حق الاقتراع لكل مواطن مولود (حيث من الواضح لا يشتغل هذا الاقتراح في حالة الأطفال عندما يعطى الحق  إلى والديهم). القضية التي أريد مناقشتها هي ما إذا كانت هذه المؤسسة معادية للديمقراطية. يتعلق الجواب بالمصطلح  إلى حد بعيد، إذا فهمنا المؤسسة بأنها المبدأ  القائل: يجب أن يكون للأغلبية سلطة مطلقة، فإن مثل هذه المؤسسة هي ضد الديمقراطية. ومع ذلك، إذا كنا نعتقد أن النظام السياسي الصحيح يقوم على أخلاق عالمية، ونريد أن نطلق على هذا الالتزام “الديمقراطية”، فإن الدستور الديمقراطي الحقيقي سيضمن الحقوق الأساسية للجميع، بما في ذلك الأجيال القادمة. ونظرًا لأنه يجب تطبيق هذه الحقوق على حالات محددة ومواقف ملموسة، فإننا بحاجة إلى تحديد الإجراءات التي توجه عملية التشريع. تستلزم العالمية أن يكون لكل الناس، في العملية التشريعية، رأيا، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، ومن ثمّ  فإن الاقتراع العام هو سمة مهمة لنظام سياسي عادل. لكن تتطلب العالمية أيضًا عدم انتهاك  حقوق الإنسان السابقة لذلك. ومن ثمّ تطالب بآليات تدافع عن هذه الحقوق، مثل المحاكم المستقلة (بما في ذلك المحكمة الدستورية) والآليات الأخرى التي تجعل من الأرجح أن الأشخاص الذين يتسنمون المنصب التشريعي والتنفيذي مؤهلون أخلاقيا وفكريا قدر الإمكان من أجل الدفاع عن تلك الحقوق بسياسات محددة وملموسة. يتطلب التوازن الذي يجب إيجاده بين مطالب العدالة المادية والإجرائية بلا شك التعقيدات الفكرية أكثر من تلك التي  يتطلّبها ذاك الأنتقال البسيط وفقال لمبدأ هوبز عن السيادة الى الديمقراطية.

لذا يمكننا أن نعارض  نموذجين من الديمقراطية: الديمقراطية بوصفها ثمرة طبيعية للالتزام بأخلاق عالمية، ومن ثمّ هي ملزمة أخلاقياً بحماية الحقوق الأساسية للأجيال القادمة وكذلك للأشخاص في البلدان الأخرى؛ والديمقراطية بأعتبارها وسيلة لتوجيه السلطة بطريقة تجعل أولئك الذين يشكلون الأغلبية، ومن خلال تلبية الاحتياجات المباشرة للناخبين يمكنهم، أن يشرعوا ما يريدون، وحتى يدعون  أنهم يمثلون ويحددون بشكل مسبق  كل ما يحصل للأغلبية. وغني عن القول أنني لا أنكر ضرورة الإجراءات القائمة على قاعدة الأغلبية. أنا أصر على أنها لا تؤدي إلى نتائج عادلة على هذا النحو فقط، لا سيّما في مجال العدالة بين الأجيال، ولكن لديها فرصة للقيام بذلك إذا كانت مستوحاة من البحث عن مفهوم مادي ملموس للعدالة فقط. ربما كانت الميزة الدائمة للمشكلة البيئية بالنسبة للفلسفة السياسية هي أنها ألقت المزيد من الشكوك حول القبول الأخلاقي لمفهوم شكلي بحت للديمقراطية.


الهوامش

[1] حول التنفيذ واالتطبيق البطيء للمثل العالمية في المجتمعات الأوروبية ، انظر:

Jonathan Israel, Radical Enlightenment (Oxford and New York: Oxford University Press, 2001).

[2] لا يعني هذا أن سيبولفيدا لم تخفف بطريقة أو بأخرى أرسطو من خلا مزجه  مع عناصر رواقية ومسيحية. إن سيبولفيدا  هوتايضا خضع  لنوع من الطبيعة الثانية ، والتي يمكن تعديلها من حيث المبدأ من خلال العملية الاستعمارية – فكرة غريبة عن أرسطو. ولكن في المستقبل القريب انذاك ، كان ذلك ما يعطي استعباد الأمريكيين الأصليين  المبرر.

[3] نظام أخلاقي يقوم فيه  أساس القيمة الأخلاقية على احتمالية الأعمال التي تنتج السعادة.

[4] أنظر :

John Leslie, Value and Existence (Totowa, NJ: Rowman and Littlefield, 1979).

[5] أنظر:

Alexander Pope, Essay on Man, IV 396: “that true Self-love and Social are the same.” Cf. Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: Belknap, 2007), pp. 176ff.

[6] John Rawls, A Theory of Justice (Cambridge, MA: Belknap, 1971), pp. 128-129,136ff., 284 ff’.

[7] حول  طروحت هانز جوناس  أنظر : :

Hans Jonas,The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological Age: In Search of an Ethic for the Technological Age, University of Chicago Press,1985.

[8] أنظر مثلا طروحاته في هذا الخصوص في:

Hans Jonas, The Phenomenon of Life: Toward a Philosophical Biology, North-western University Press; New Ed edition, 2000.

[9] The Imperative of Responsibility: In Search of an Ethics for the Technological .

[10] Richard Bernstein, “Hans Jonas: Rethinking Responsibility,” Social Research 61 (Winter 1994): 833-852.

[11] G. W. F. Hegel, Elements of the Philosophy of Right, Cambridge University Press,1991,100.