أهمية التحليل النفسي الفرويدو-لاكاني في ممارسة التحرير – روبرت بشارة / ترجمة: وليم العوطه

أهمية التحليل النفسي الفرويدو-لاكاني في ممارسة التحرير – روبرت بشارة / ترجمة: وليم العوطه


في هذا المقال، سأدافع عن أهمية التحليل النفسي الفرويدو-لاكاني في ممارسة التحرير، وأنا أعالجُ، بشكلٍ موجز، بعض المفاهيم الرئيسية الخاصّة بهذا التحليل: اللغة، اللاوعي، التحديق the Gaze، والفرادة singularity.  لكن، وقبل أن أفعل ذلك، أودّ أن أبدأ بتعريف ممارسة التحرير. فالممارسة، وهي دالٌّ رئيس عند كلّ من كارل ماركس و باولو فريري، تعني التحامَ النظرية مع التطبيق أو التفكيرِ مع الفعل. بهذا المعنى، فإنّ التحليل النفسي، كعلمٍ للّاواعي، هو ممارسة: نظرية في البنى النفسية (العُصاب، الانحراف، والذُهان)، كوظيفة لأشكال مختلفة من النفي (الكبت، النُكران، والتعويق)، تُطبَّق في العيادة. إنّ ممارسة التحيل النفسيّ ثنائية (بين المحلِّل والمحلَّل) وديالكتيكية وفق تقاليد سقراط، هيجل، ماركس، و فريري. يُرجع ديالكتيك المحلِّل و المحلَّل صدى الديالكتيك بين الخاضع والآخر (أي كلّ ممثِّل للنسق الرمزيّ للذات)، ويتميّز هذا الآخر الرمزيّ عن الآخرين الخياليين ( أي الأناوات الأخرى) لأنه أكثر تجريدًا، أخذًا بالاعتبار وظيفته التمثيلية، فيتجاوز أيَّ كائن فعليّ.  النسق الرمزي هو سجِلّ اللغة والقانون حيث نولد والّذي، من ثمَّ، يجعلنا خاضعين له. ممارسة التحليل النفسي راديكالية لأنّ ديالكتيكيتها ليست حوارية فحسب، بل، والأهم من ذلك، لأنّها نفسجتماعية psychosocial، أي أنّ التحليل النفسي يهتمّ بالرابط الهواميّ بين الخاضع و الآخر. على نفس المنوال، التحرير (من حيث تعارضه مع الحرية) هو ممارسة جماعية يقودها المضطَهَدون ولكنّ هدفهم هو أنسنة للكلّ، لأنّ الاضطهاد يجرّد الجميع من انسانيته.

مع مرور الزمن، تغيّر معنى مفهوم الديالكتيك: كان بالنسبة لسقراط حوارًا بين شخصين، ومع هيجل أصبح التضادَ الكلّي بين فكرتين (الاطروحة ونقيضها)، و عند ماركس عنى الديالكتيك الصراع التاريخيّ بين طبقتين (البرجوازية والبروليتاريا)، ولفريري هو علاقة الاعتماد المتبادل بين المضطهِد و المضطهَد. لا شكّ أن المحلِّل والمحلَّل فردان اثنان، ولكن بمقدورهما أيضًا أن يمثّلا فكرتين (الشيء أ  objet a  و الخاضع الممنوع Barred subject)، و يأتيا من طبقات اجتماعية مختلفة، وأن يعيدا تمثيل ديناميات قهرية اضطهادية في السياق الاجتماعي الأوسع.

الشيء أ هو الشيء- سبب الرغبة، شيءٌ هواميّ fantasmatic أو مستحيل، نعتقد أنّنا فقدناه رغم أنّنا، بأية حالٍ، لم نمتكله أبدًا؛ ومن ثمَّ نتخيّل أنّه سيمنحنا الامتلاء متى حصلنا عليه، ولكن، وللمفارقة، يصبح الفشل في الحصول على الشيء أ مصدرَ متعةٍ  jouissance  (مازوشية) للذات. لذلك، يكون الخاضعُ الممنوع، الّذي منعته اللغة لأن عليه أو عليها أن ترغب من خلال الآخر،  خاضعًا مفتقرًا.

في قلبِ الممارسة التحليلنفسية يوجد تضاد واقعي  (ديالكتيكي) بين الفرد والجماعة: نحنُ على ما نحنُ عليه كوظيفة لموقعنا في الجماعة، ومع ذلك، فإنّ كينونتنا هي شكلٌ من أعراض الوجود (أو الفرادة)، ما ينتج عنه من [شعورنا] بالقلق داخل الثقافة (يمكننا، مثلاً، أن نرغب من خلال الآخر، ولكنّ الآخر هذا قد يكون عنصريًا). بالمختصر، نتوق إلى أن نتحرر من الأفراد ، الأفكار والجماعات المضطهِدة الّتي تشكّل مصدرَ أمراضنا. ولكنّ هذا التوق بطبيعته نفسجتماعي؛ لذلك، فإنّ ممارسة التحرّر هي التحرّر الجماعيّ لكلّ الكائنات الناطقة على الأقل؛ وسأذهب أبعد من ذلك، متّبعًا مثال البوديستافا Bodhisattva ، وأدعو بطموحٍ إلى تحرير كلّ الكائنات الحيّة.

تزوّدنا حقيقة كينونتنا البينية interbeing [ أو البينكينونة] بمزيدٍ من الوضوح عندما نفكّر ونفعل من خلال الانهيار البيئي الجاري، والذي هو دال على تعارضٍ حديث/استعماري: الانسان مقابل الطبيعة. هذا التعارض ليس ديالكتيكيًا، بل مثنويًّا binary يظهرُ كـ / أو على شكلِ بلاغةٍ، مستندًا على منطق الذات-فوق-الآخر. على العكس، فإن مقاربة ديالكتيكية، مثل المادية المتعالية transcendental، تضعُ الذاتَ البشرية في داخل مادتية [materiality] البيئة من دون اختزاله أو اختزالها إلى بعض أشكال الجوهر البيولوجي، حيث لا يوجد تمييز بين الكائنات الناطقة والحيوانات اللا-بشرية. وبالمثل، لا يمكن اختزال الخاضعين من البشرِ إلى بعض أشكال الجوهر الثقافي، وهو الميل النرجسيّ للقومية. إن الخاضع البشريّ هي الفجوة الواقعية بين البيولوجيا والثقافة، فهو أو هي التمتّع الصدمي [الرضحي] المتولّد عن الرغبية desiring بوجهِ الحاجات البيولوجية والمتطلبات الثقافية. يختزلُ العنصريون الثقافيون والبيولوجيون الآخرَ إلى جوهرٍ في محاولةٍ لرتقِ هذه الفجوة الواقعية الّتي تميّز كل الكائنات الناطقة. أن نكون بين interbe البيئة لا يحيل إلى هويةٍ انطولوجيةٍ ( بمعنى أن الوجود = البيئة)، بل هو إقرار بعلاقتنا المعقّدة بكل ما هو: كائنٌ – في – البيئة.

اللغة

كتب لاكان في الكتابات Écrits الجملة الشهيرة :” اللاوعي هو خطابُ الآخر” (مشدّدة في الأصل). يبدو التحليل النفسيّ، المعروف، طرافةً، بأنه العلاج بالتكلّم، راديكاليًا في تشديده على اللّغة باعتبارها حيّز المركبّات المنحلّة داخل النفس. ينبثقً هذا التبصرّ عن واقع أنّنا نولد في اللغة، وهو نظامٌ غريب ومعقّد يوجد قبلنا وخارجنا، ولكن نعتمد عليه بشكلٍ كبير لتشكيل خضوعنا. قبل ولوجنا اللغة، نكون حيوانات غريزية ذات حاجات بيولوجية، ومتى ما انخرطنا في اللغةِ، بتوسّط رعاتنا الأوّلين، نصبحُ محرومين ومعتقَلين بين حاجاتنا البيولوجية والمتطلبات الثقافية الّتي يفرضها علينا رعاتنا الأوّلون من خلال اللغة والقانون. متى ما استدخلنا هذا النظام الغريب والمعقّد المسمّى لغةً، نبدأ بالافصاح عن رغبتنا من خلاله. ومع ذلك، ما نريده يكون لاواعيًا ويأتينا من الخارج لأننا استدخلنا نظامًا ليس فقط للتواصل بل أيضًا للأخلاق، وهذه هي طريقة عمل الكبت. إذًا، فالخضوع تركيبٌ من دوالّ تعلِمنا كيف نرغب وكيف نستمتع بأعراضنا.

لأنّ اللاواعي هو خطاب الآخر، و “منظّم مثل اللغة” كما كتب لاكان في أربعة مفاهيم أساسية في التحليل النفسي، فإنّه بطبيعته نفسجتماعي وليس شخصيًا. نرغبُ من خلال آخر، نرغبُ بالآخر، ونرغب ما يرغب به الآخر. الرغبة ظاهرة لغوية ترتبط بالحركة اللاواعية للدوالّ (التكثيف المجازيّ والإزاحة الكنائية metonymic) كوظيفة للكبت. بعبارة أخرى، لا نعلم بشكلٍ واعٍ ماذا نريد، ولكن يمكننا أن نتعلّم عمّا نرغب به وكيف نستمتع من خلال كيف نتحدث، نحلم ونمزح. على سبيل المثال، بيّنتُ في كتابي التحليل النفسي اللاستعماري  التكثيف المجازيّ في قلب خطاب “الحرب على الإرهاب”، حيث الحرب = الإرهاب. ومن ثمّ، أوضحتُ كيف يتدعم هذا الخطاب بهوامٍ [فانتازيا] اسلاموفوبيّ / اسلاموفيلي [رُهاب الاسلام / حُبّ الاسلام] ينطوي على إزاحة كنائية [من كناية]: المسلم ← الإرهابي. هذا التشديد التحليلنفسي على اللغة ليس نكرانًا للجسد؛ بل على العكس، فاللغة محفورة في أجسادنا، إذ تتجسّد ماديًا، ولهذا السبب نختبرُ أعراضَ لا أسباب بيولوجية لها، ومع ذلك تكون جسدية.

خلاصة الكلام، إنّ ممارسة التحرير، كعمليةٌ، تستلتزمُ تفكيرًا بالطريقة التي تعمل بها اللغة المضطهِدة مع آثارها المادية. بكلمات أخرى، تحدثُ التطبيقات [الدُربات practices] التحريرية من خلال الخطابات التحريرية. ومع ذلك، في حال أُسيء فهمي لأنّني أشجّع الرقابة على الكلام ما يمكن أن يتناقض مع مبدأ التداعي الحرّ [للكلام]، عليّ أن أشدد أنّ، وبغضّ النظر عن الخطابات التحريرية، من واجب المضطهَد أن يقطَع مع أي هوامات ترتقُ الواقعي الصدميّ. من هنا، أهمية الديالكتيك كاعترافٍ بتعذّر حلّ استحالة الواقعي، وهذه سمّة أساسية لأي سياسات مستقبلية.

يطرّف [يزيحه عن مركزه decenters ] اللاوعي الأنا ويلقي الضوء على أولّية النفسجتماعي على النفس. إنّ رفعَ الوعي Consciousness-raising أمرٌ مهمٌ، ولكنّه لن ينجح من دون رفع اللاوعي، ما يعني تدخّلاً سياسيًا على مستوى خطاب الآخر. بعبارات أخرى، لكي يكون المرء مناهضًا للعنصرية [ضدعنصري] عليه أن يتكلّم أيضًا عن مناهضةٍ لاواعيةٍ للعنصرية، ما يتضمّن تحويلاً لثقافة العنصرية واستبدالاً لها بثقافة ضدعنصرية. لنقل بطريقة أخرى، لا يمكن للخاضعِ أن يكون مناهضًا للعنصرية ما دام الآخر عنصريًا. والسؤال المفارِق حول العنصرية هو: كيف نقرّ بالاختلافات الانسانية والثقافية في ما يتجاوز الفئات العنصرية من دون أن نكون متعامين color-blind ؟ أي بمعنى آخر، علينا أن نصل، جماعيًا، إلى أن نتقبّل كلاًّ من نكران العنصرية (وهو أيضًا نكران للاستعمار) والحضور المفرط للخطابات العنصرية كأثر للعنصريات الدينية والعلمية والثقافية. لا نتملك بعد لغة بعد-عنصرية وقد لا نمتلكها قريبًا طالما أن إبطال الحداثة/الاستعمار قد يستغرق مئات السنين، ولكن بمقدورنا، على الأقل، أن نحاول التنبوء بنظامٍ عالمي عابر للحداثة/ مناهض للاستعمار من خلال ممارساتنا للتحرير.

التحديق

لسوء الحظ، يخلط الكثيرون بين النظرة وبين التحديق. يمكن تتبّع الخلط بالرجوع إلى نظرية الفيلم التحليلنفسية المبكرة، المعروفة بنظرية الشاشة. في مقالها (1975) اللّذة البصرية والسينما السردية كتبت لورا ملفاي Mulvey عن التفرُّج على الفيلم [أو نظارة الفيلم] film spectatorship بصفته “تحديقًا ذكريًا Male gaze”. هذه العبارة شعبية اليوم وتبدو نسوية، ولكنّها بالحقيقة غير تحليلنفسية وربّما ضدنسوية طالما أنّها تساوي التفرَج بالذكورة. في مقالها (1989) الذات المستقيمة نفسيًا : نظرية الفيلم واستقبال لاكان، لم تقم جوان كوبجيك Copjec  بإزالة الخلط في نظرية الفيلم التحليلنفسية فحسب، بل دشّنت نظرية الفيلم اللاكانية بترسيخها في سجِلّ الواقعي، الّذي لا يمكن أن يُرمَّز. إن الخلط بين النظرة والتحديق نتيجةُ لكون نظرية الشاشة فوكوية أكثر ممّا هي لاكانية، حيث تتم مفهمة التحديق من منظور البانوبتكية [الرقابية] مثلما يتضّح في حالة الحارس كلّي الرؤية all-seeing في رواية جرمي بنتام “البانوبتيكون”. تزخرُ النظرة البانوبتكية بعدم الاعتراف [النكران] misrecognition ، لأنّها بالأساس نظرة المتسيّد الخيالي المرتبطة بهوام القوّة، أكثر ممّا هي رغبة بذاتها.

على المقلب الآخر، يرتبط التحديق الأنامورفي [التشويهي] anamorphic بالشاشة (لا بالمتفرِّج)، أو بالسجناء (وليس بالحارس). بعبارة أخرى، يحيل التحديق دائمًا إلى الشيء (وليس إلى ما يخضع)، وهو شكلُ الشيء أ في الدافع البصريّ [دافع المشاهدة]. بمعنى آخر، التحديق هو ما لا يمكننا أن نراه ولكنّه يتسبّب برغبتنا من خلال غيابه. لذلك، فسياسات اللا-هوية المبنية على هذه التبصرّ لا ترتكز على تماهيات الخيالي، بل على اصطفاف رغباتنا، وبالتالي، على متعة تضامننا.

أشهر أمثلة لاكان حول التحديق هو لوحة هانز هولبين Holbein المسمّاة السفراء (1533). في هذه اللوحة، استخدم هولباين تقنية تسمّى الأنامورفيزم [التشويه – الانمسخ] anamorphosis، نتج عنها جمجمة بشرية مشوّهة في الوسط الأسفل من اللوحة لا يمكن رؤيتها إلاّ من زوايا محددة. هذه الجمجمة، الّتي ترمز إلى السيّد المطلق (الموت)، تصبغُ اللوحة بتذكير الرائين أن التجّار المتبخترين الّذين يستعرضون ثرواتهم هم كائنات فانية مثلهم مثل الرائين. لأن التشويه يقود الرائي إلى التحرّك لكي يرى الموضوع الممسوخ، فإنّ هذا المثل يبرهن أن الرائي ليس متلقيًا منفعلاً للوحة بل مشاركًا فاعلاً (خاضعًا) يتسبب التحديق باللوحة برغبته اللاواعية. يعمل المبدأ عينه في السينما، ولكن أخذًا بالاعتبار التقنيات الديناميكية للفيلم هناك فرص أكثر للمتفرّجين كي يختبروا التحديق. وكان تود ماكغوان McGowan قد أفاض بالكتابة عن التحديق الفيلمي، بالدرجة الأولى في كتابه  التحديق الواقعي: نظرية الفيلم بعد لاكان.

المثل الّذي أودّ استحضاره هو لوحة آلبرخت دورر Albrecht Dürer الراسم الّذي يرسم إمرأة مستلقية. يجسّد الراسمُ على يمين اللحة نظرة الذات الذكرية؛ مع ذلك، تمثّل المرأة المستلقية، على اليسار،التحديق المشوَّه للشيء أ. بعبارة أخرى، لا تتشيأ objectify المرأة من خلال نظرة الرجل فحسب، بل هي تخضِع الراسم عبر التسبب برغبته، مثل المحلَلٍ أمام المحلِّلِ في العيادة. التحديق الواقعي هو مقاربة دقيقة أكثر من مقاربة “التحديق الذكري”، فهذه تنفي الخضوع الأنثوي. يمكن تطبيق ديالكتيك النظرة – التحديق في ما هو أبعد من الاختلاف الجنسي وصولاً إلى الاختلاف الاستعماري على سبيل المثال، حيث بامكاننا الحديث عن النظرة الاستعمارية والتحديق المناهض للاستعمار.

الفرادة

يوجد رابط عرْضي  بين المفرد والكلّي. يوضّح هذا الرابط الملاءمة المستمرة للتحليل النفسي من حيث هو علم اللاوعي. مع ذلك، ونظرًا للسياق المحدّد لتطوّر التحليل النفسيّ في النمسا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، علينا أن نتحدّث أيضًا عن التكثّر pluriversal لكي نعترف بالاختلافات الثقافية بين عالم الشمال (الغرب) وعالم الجنوب (ما تبقّى من العالم). هذا الاختلاف الثقافي واقعي تمامًا مثل وظيفة الحداثة/الاستعمار منذ 1492. بكلمات أخرى، هناك كلاّنية universality للمفاهيم التحليلنفسية مقابل الخضوع الحديث، ولكن يجب مساءلة هذه الكلّانية إذا كنّا مهتمّين بأن نأخذ بالحسبان الذاتية عبر حديثة transmodern (أي ذاتيات الحداثة و غيريتها alterity).

تستند سياسات الهوية على أولوية الخصوصية، وهذه متجذرة في شكلٍ من الجوهرانية الثقافية. يعني سؤال الاختلاف الثقافي بالنسبة لي اللغة والمادتية مقابل الحداثة/الاستعمارانية. بينما ولدت وترعرت في ثقافة خاصّة (مصر)، أفتخر بها بلا خجلٍ، فإنني خاضعٌ مفردٌ يمكنه أن يمثّل نفسه فقط. ما يربطني بثقافتي الخاصّة هو في الآن عينه لغوي و ماديّ، ولكنّ ذلك لا يعني أن سياستي ترتكز على تماهٍ مع كوني مصري. على العكس، فأنا مهتمّ أكثر بالتماهي مع سياسة تضامنٍ انتمائيّ يربط الخاضع المفرد العابر للحداثة مع عملية تكثّرية للتحرير، أي نزع استعمار الآخر الحديث. إن نزع استعمار هذا الآخر، بجانب لاوعيه الاستعماري، ينبىء بآخر عابر للحداثة ولاوعيٍ مناهض للاستعمار. بينما يشكّل المقهورون الذوات الخاضعة الّتي تقود درب التحرير، فإنّ السياسة المفعّلة في الممارسة تكون على مستوى عالمي، لأن الحداثة العابرة هي أفضل ما في الحداثة وغيريتها ونزع الاستعمار هو أنسنة للجميع.

المصدر


المصادر و المراجع:

Beshara, Robert K. Decolonial Psychoanalysis: Towards Critical Islamophobia Studies. Routledge, 2019.

Copjec, Joan. “The Orthopsychic Subject: Film Theory and the Reception of Lacan.” October, vol. 49, 1989, pp. 53-71.

Lacan, Jacques. Écrits: The First Complete Edition in English. Translated by Bruce Fink, Norton, 2006.

—. The Four Fundamental Concepts of Psycho-Analysis. Translated by Alan Sheridan, Karnac Books, 2004.

McGowan, Todd. The Real Gaze: Film Theory after Lacan. SUNY Press, 2012.

Mulvey, Laura. “Visual Pleasure and Narrative Cinema.” Screen, vol. 16, no. 3, 1975, pp. 6-18.

*روبرت بشارة هو استاذ مساعد في علم النفس والإنسانيات في كلية نيو مكسيكو الشمالية (الولايات المتحدة الأميركية)، ومدير برنامج شهادة علم النفس النقدي في كلية GCAS في دبلن (ايرلندا). هو مؤلّف كتاب التحليل النفسي اللاستعماري: نحو دراسات نقدية حول الاسلاموفوبيا (2019) و فرويد و سعيد: التحليل النفسيّ الطباقيّ كممارسة للتحرير (2021). كما أنّه محرّر المدخل النقديّ لعلم النفس (2019) و  الممارسة النقدية لعلم النفس: اللاانحياز النفسئجتماعي للحداثة/الاستعمار (2021). أخيرًا هو مؤسّس موقع http://criticalpsychology.org  ، وهو مصدر مجّاني للباحثين، الناشطين و الممارسين.