مجلة حكمة
الأسواق Markets

الأسواق – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: عبدالله بن عبدالرحمن الرميحي، مراجعة: عبدالله البريدي


مدخل حول الوصف المفاهيمي لـ السوق (Market) و الأسواق، وأخلاقيتها، وانتقاد دورها، ومناقشة مبرراتها، وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى، ؛ نص مترجم للـد. ليزا هيرزوق، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث إنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


الأسواق هي مجموعات من الأفراد أو وكلاء البيع يتم عبرها تبادلُ السلع والخدمات. وسيلة التبادل فيها غالباً هي المال، والتي بها تُحدد أسعار السلع والخدمات. الأسواق يمكن تصنيفها حسب نوعية السلع والخدمات المتداولة فيها (مثل الأسواق المالية والعقارات السكنية والأيدي العاملة)، أو وفقاً لنطاقها الجغرافي (مثل الأسواق الإقليمية والمحلية والدولية)، أو وفقًا لهيكلها (مثل الأسواق  التنافسية واحتكار القلة والاحتكارية). ومن منظور معياري، تحظى الأسواق بالاهتمام لأسباب عدة ذات صلة بنوعية الحجج المؤيدة والمعارضة لها، وكذلك بالقضايا الرئيسة للفلسفتين الاجتماعية والسياسية. إضافة إلى ذلك، تعتمد الأسواق على المؤسسات والحياة الاجتماعية التي تؤثر بها من حيث المشاركة في تحديد  آليات عملها والتي من خلالها يمكن تحقيق عدة قيم منها: الحرية والعدالة والتكافل. التساؤلات المتعلقة بأي الأسواق، أو السلع، يمكن تأييدها أو معارضتها، أو كيفية الترابط فيما بينها، هي صميم التفكير حيال العدالة الاجتماعية.

تُحلل الأسواقُ وفقاً للعديد من التخصصات شاملةً علم الاجتماع و التاريخ و الاقتصاد على وجه الخصوص. فلسفياً، وعلى مر التاريخ هناك مد وجزر من حيث الاهتمام بالتساؤلات ذات الصلة بـ الأسواق. ابتداءً من القرن الثامن عشر، كان الجدل أن لكل مجتمع أسواقه المتسمة بطابعه الاجتماعي الخاص، وأن للأسواق أثراً على مجتمعاتها.  تعمد هذه المقالة إلى تقديم أبرز محاور الجدل الفلسفي حول الأسواق. وكذلك، تقدم بعض الفروق بين مفهوم الأسواق والمفاهيم الأخرىذات الصلة، مع شرح موجز للأوضاع السوقية على مر التاريخ. ويكمن تركيزها في عرض البراهين الأكثر شيوعاً المؤيدة والمعارضة للأسواق، و تحليل آليات ترابط الأسواق مع المؤسسات الاجتماعية الأخرى. وفي ختامها، ستتناول أسئلة حول الأسواق على شقين، وهما أسئلة منهجية في الاقتصاد وأخرى حول موضوعات أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات من زاوية أخرى.

 

 

 

  1. الوصف المفاهيمي

  2. الآراء التقليدية الثلاثة: الأصدقاء والأعداء والأصدقاء الناقدون.

  3. مناقشات حول الأسواق

    • 3.1 مبررات الأسواق

    • 3.2 انتقادات للأسواق

    • 3.3 “السوق” مقابل الأسواق الأخرى

  4. علاقات الأسواق بالمؤسسات الأخرى

    • 4.1 الشروط المسبقة للأسواق

    • 4.2 المؤسسات المكملة والمصححة لمخرجات السوق

    • 4.3 مشكلات الانقسام بين السوق والدولة

    • 4.4 ترابط المؤسسات

  5. الموضوعات ذات الصلة

    • 5.1 أسئلة منهجية في علم الاقتصاد

    • 5.2 أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات

  • المراجع

  • الأدوات الأكاديمية

  • المصادر الإلكترونية الأخرى

  • مداخل ذات صلة


 

  1. الوصف المفاهيمي

إن مصطلح “السوق”  (Market) وما يقابله في اللغات الأوروبية الأخرىmarché etc. )  ، Markt ، Mercado  ) تعود في أصلها إلى الجذر اللاتيني “Merx” ، والذي يعني “سلع” أو “بضائع”. و للتعرف على ماهية الأسواق بشكل أفضل، من الضروري التمييز بين مفهومه والمفاهيم الأخرىذات الصلة. إن مفهوم “التبادل” هو جوهر مفهوم الأسواق. سوقياً، المصلحة الذاتية هي السبب في تبادل السلع ، وعلى النقيض منه، تبادل الهدايا بهدف بناء العلاقات (بشأن تبادل الهدايا، انظر على سبيل المثال، Maus 1923-24). في معظم الأسواق وسيلة التبادل هي المال. في الغالب، الأفراد يقبلون الأسعار كما هي مع امتلاكهم حرية الاختيار في الشراء أو البيع. المال ليس الوسيلة الوحيدة للتبادل، بل هناك أسواق تتم فيها عمليات التبادل بالمقايضة أو أي نوع من التبادل بوسائل غير المال. لذلك، مفهوم “الأسواق” أوسع من مفهوم التبادل، لان السوق هو مجموعة من التأثيرات الهيكلية الكلية الناتجة عن عمليات تبادل متعددة، مثل التغيرات في مستوى السعر الإجمالي.

تعد “المنافسة” سمة من سمات الأسواق، إلا أنها تختلف من حيث السياق، فعلى سبيل المثال المنافسة المؤسسية أو المنافسة التطورية. في الأسواق ، المنافسة تنتج من خلال سعي المنظمات للحصول على أفضل صفقات ممكنة ينتج عنها جو تنافسي بينها أو في حالات العرض أو الطلب على التوالي. يطلق على  الأسواق أنها “تنافسية” عندما تتوفر بها الخصائص التالية وهي أن  تشمل عدداً كبيراً من المشترين والبائعين؛ وتتماثل فيها السلع؛ وتتوفر المعلومات عنها للجميع.  وعلى ذلك، يمكننا القول بأن الأسواق إما تنافسية حيَّدت العديد من مشاكل الأسواق (خصوصاً في حالات عدم تكافؤ قوة السوق)، أو غير تنافسية كأسواق الاحتكار أو احتكار القلة. وعلى الرغم من ذلك ، يجب ملاحظة أن الأسواق التنافسية، في الغالب، لا توجد بها حالات تكون فيها القوة السوقية غير متكافئة بين المنافسين، على سبيل المثال، الشركة الوحيدة التي تعمل منطقة معينة أو أخرى تمتلك بنك معلومات واسع عن عملائها. مثل هذه الحالات أو الممارسات الشاذة لا يمكن تجنبها في نموذج السوق التنافسي  – مثل تأثيرات الشبكة العنكبوتية التي جعلت الأسواق شديدة التركيز – ويجب أن تؤخذ في الاعتبار في التقييمات المعيارية للأسواق.

مصطلح “الاقتصاد” يصف كل ما يحدث من الأنشطة الإنتاجية والتوزيعية لمنطقة أو بلد شاملة الأسواق وإطارها القانوني التي تعمل على ضوئه وكذلك المنظمات داخل الأسواق، مثل الأسر والشركات (Anderson 2017؛ Ciepley 2013). الهيكل الداخلي للأسر والشركات بيروقراطي  هرمي  لذا فهو يختلف تماماً عن هيكل الأسواق. في العديد من البلدان ، يشمل الاقتصاد كذلك القطاع الحكومي والنماذج المشتركة مثل الشراكات بين القطاع العام والخاص. ويمكن أن يشتمل كذلك على أنواع أخرى كالقطاع الخيري أو الأسواق السوداء. قدَّم بولاني (Polanyi ) تصنيفاً كلاسيكياً لآليات التخصيص: حيث ميز بين التعامل بالمثل (استنادًا إلى العلاقات المتماثلة) ، وإعادة التوزيع (على أساس المركزية: حيث تقوم السلطة المركزية بتجميع السلع وتسليمها للأفراد) ، والاكتفاء الذاتي (الإنتاج للاستخدام الشخصي) و الأسواق (1944: الفصل الرابع ). و مما سبق يتضح لنا أن نشاط الأسواق يقوم على تخصيص السلع والخدمات في المجتمع، مع استمرارية الهياكل الأخرى- على سبيل المثال ، الهياكل الهرمية داخل الشركات –  في لعب دور في النظم الاقتصادية ، لذا من المضلل تصورها أنها “اقتصادات سوق” خالصة.

يشار بمفهوم “الرأسمالية” إلى الأسواق، ولكن كنظام اجتماعي اقتصادي، فهو مفهوم واسع ولكن السمة المميزة فيه هي الملكية الخاصة لرأس المال (على سبيل المثال انظر، Scott 2011)، عادة ما تؤدي إلى ضغوط حيال إيجاد فرص استثمارية مربحة وكذلك عدم التماثل بين ملَّاك رأس المال والآخرين. تعد الأسواق أحد العناصر الأساسية   في الرأسمالية، ومن حيث المبدأ هي موجودة بشكل مختلف في المجتمعات الأخرىالتي لا تتبنى الرأسمالية ( انظر مثال، Carens 1981، حول المقترح المبني على “الحوافز الأخلاقية”؛ وحول “الأسواق الاشتراكية” وبشكل عام يمكنك الاطلاع على مثال Bardhan/Roemer 1993). يوجد العديد من المقترحات لإصلاح نماذج الرأسمالية الحالية، على سبيل المثال الفكرة الراولزية Rawlsian  عن “ديموقراطية التملك” (للاستزادة يمكنك الاطلاع على مثال  O’Neill/Williamson 2012)،  التي لا ترفض الأسواق، ولكنها تسعى إلى تحقيق توزيع أكثر عدالة للأصول الإنتاجية.

على الرغم من التباسه، قدَّم بولاني مقترحاً مفيداً في التميز بين “اقتصادات السوق” و”مجتمعات السوق”. والأخيرة هي مجتمعات تكون فيها “العلاقات الاجتماعية جزء لا يتجزأ من الاقتصاد بدلاً من أن يكون الاقتصاد جزء لا يتجزأ من العلاقات الاجتماعية” (Polanyi 1944, 57؛ أنظر كذلك إلى Cunningham 2005). فالعديد من الحجج حول أن قيمة الأسواق لها تأثير على شخصية المجتمع ككل، ومن خلال الاسئلة الاستفهامية أين ومتى وكيف يمكن الحد من تأثير الأسواق على مجتمعاتها. من منظور بولاني، والسؤال هو هل ينبغي أن يكون ويظل “اقتصاد السوق”  كما هو عليه أو ينبغي تحوله إلى “مجتمع السوق”.

 

  1. الآراء التقليدية الثلاثة: الاصدقاء والاعداء والاصدقاء الناقدون

في الفكر الغربي، وفي بداية العصر الحديث، بدأ البحث المنهجي في خصائص وقيمة الأسواق. واقتصرت التحليلات السابقة عادة على الأسئلة حول العلاقات الاقتصادية الأسرية “OIKOS” ( وهي أساس مصطلح الاقتصاد). ومن المناقشات المهمة في هذا تناول أرسطو Aristotle لطبيعة المال (السياسة I، 8-10) والمناقشات التي عولج فيها هذا الموضوع، حيث تًطرح أسئلة أساسية  حول الاليات  المشروعة وغير المشروعة للتبادل. ومنذ القرن الثامن عشر و ما بعده، ثمة جدل محتدم حول طبيعة الأسواق وأهميتها للأفراد والمجتمعات (وللاستزادة حول تاريخ الفكر الاقتصادي  في الجانب الكلاسيكي يمكن الاطلاع على كتاب شومبيتر Schumpeter  (1954)، للحصول على معلومات أكثر دقة انظر إلى  Blaug (1996)).

يمتد تقليد المفكرين الذين يؤيدون الأسواق بشكل كبير من كتاب ماندفيل حكاية النحل (1924 [1714/1721]) إلى عصر التنوير الاسكتلندي، مع آدم سميث  Adam Smith (1776) في الاستفسار حول طبيعة وأسباب ثروة الأمم (Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations) غالباً ما ينظر إليه أنه شهادة ميلاد علم الاقتصاد كعلم منفصل. وفي القرن التاسع عشر، تبنى علماء الاقتصاد الكلاسيكيين أفكار آدم سميث وغيره من المفكرين الأوائل مثل توماس مالتوس  Thomas Malthus [1798] أو ديفيد ريكاردو David Ricardo [1817]. وفي القرن العشرين، يشمل التقليد المؤيد للسوق المدرسة “النمساوية” وبعض المفكرين مثل لودفيج فون ميزس Ludwig von Mises (على سبيل المثال، 1949)، وجوزيف شومبيترJoseph Schumpeter  (على سبيل المثال، 1942)، وفريدريك هايك FA Von Hayek (على سبيل المثال، 1944؛ ​​1973– 9)؛ وجيمس بيوكانان James Buchanan  ومدرسة فيرجينيا بتركيزها على نظرية الاختيار العام (على سبيل المثال ، Buchanan 1975 )، و (التحرر العام) “مدرسة شيكاغو” مع ميلتون فريدمان Milton Friedman كأبرز ممثل لها (على سبيل المثال ، 1962 في مدرسة شيكاغو ككل، انظر مثالEmmett (2010) للحصول على الوصف النقدي لليبراليين من الفكر الليبرالي انظرFreeman  (2001). لقد تغيرت حجج مؤيدي الأسواق بمرور الوقت ، ولكن هناك بعض المبادئ التي توحد هذا التقليد: وهي التركيز على الفردية و الأسواق كطريق لتحرير الأفراد من الروابط التقليدية ، والفهم “السلبي” للحرية ، والتركيز على تأثير الابتكار والتحديث على الأسواق وتأثيرها الإيجابي على رفاهية المجتمع.

هناك تقليد ممتد زمنياً في نقد الأسواق، وإلى حد ما، كان هو الوضع “السائد” في الثقافة المسيحية في العصور الوسطى الأوروبية، حيث كان ينظر للتجارة و الأسواق على أنها مدفوعة بخطايا الشراهة والجشع ومعادية للنظام المعمول به. .[1] في القرون الثلاثة الماضية، أبرز نقاد الأسواق هم جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau  ( تحديداً في الخطاب الثاني حول أصول عدم المساواة ” Second Discourse on the Origins of Inequality ” [1764] (1997))، وكارل ماركس Karl Marx and Friedrich Engels (على سبيل المثال، البيان الشيوعي، رأس المال) والتقليد الماركسي، الذي ظهر للعيان في العديد من المواقف، من الديمقراطيين الاشتراكيين اليساريين إلى الشيوعيين الراديكاليين (انظر Kolakowski 1978 ). الموضوعات المشتركة في هذا التقليد هي  اللامساواة والحالات المضطربة في الأسواق غير المنظمة وعدم استقرارها وآثارها التنفيرية (على سبيل المثال، فصل الأفراد عن ثمار جهودهم ، انظر أيضًا القسم 3.2 أدناه)، وهيمنتها على الفقراء.  المشترك الذي يوحد هؤلاء المفكرين هو الأمل في وجود بدائل للأسواق لغرض تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمعات الكبيرة. في القرن التاسع عشر وحتى منتصف سبعينيات القرن العشرين، يُرى أن الاقتصاد الموجه هو البديل المعياري لاقتصاد السوق. وبعد سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية وروسيا تم طرح نماذج أخرى اقرب للاعتدال وقد تم  تجربة بعضها (للحصول على أمثلة انظر Wright 2011 : الفصل السابع). يعتمد نقد الأسواق على مدى توافر نماذج بديلة ذات تقييم عال في عدد من الأبعاد المعيارية.  ولذلك فإن البحث والتجارب في النماذج البديلة كان ذا أهمية كبرى لدى الفلاسفة الذين يرغبون في تقييم الأسواق من منظور معياري.

النوع الثالث من المفكرين هم الذين ليسوا بأصدقاء ولا أعداء للأسواق بل محايدين ويسعون لإيجاد برهان مؤيد: حيث إنهم يرون مزايا الأسواق من جهة و مشاكلها من الأخرى. لذلك، إما يجادلون بأن التوازن العام إيجابي، أو أنه يمكن التخفيف من حدة المشاكل من قبل المؤسسات الأخرى. غالباً ما يكون الدافع وراء هذا الموقف هو الحجة القائلة بأنه لا توجد طريقة مثلى لتنظيم الحياة الاقتصادية في المجتمعات الكبيرة  بل يمكن أن “تروض” الأسواق بدلاً من إلغائها. مجموعة متنوعة من المفكرين تبنوا هذا الموقف مثل هيجل G.W.F. Hegel  (1942 [1821])، جون ستيورات ميل J.S. Mill  (1848)، جون مينارد كينز J.M. Keynes  (1936)، أو جون راولز John Rawls  (1971) وكذلك  العديد من الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية في أوروبا ( انظر Berman 2006 )، وما يوحدهم هو ايمانهم بـ “أولوية السياسة”. الأسواق مرحب بها كونها أداة لتحقيق أهداف معينة “في” إطار الدولة، مع سيطرة السياسة في تحديد حدودها والغرض منها.  وهنا يتولد سؤال وجدل فلسفي حول الأسواق في ظل إمكانية وكيفية أولوية السياسة.  (راجع 4.3 أدناه).

في هذه الأيام ، يمكن أن نرى بقايا من إرث التقاليد التاريخية في نظرة التخصصات الأكاديمية المتنوعة إلى الأسواق. مع استثناء بعض الحالات ، هناك اقتصاديون يرون  الأسواق من منظور إيجابي. حيث إنهم يحللونها بطرق قياسية باستخدام أساليب مجردة تجسد الأفراد على أنهم أصحاب سيادة وعقلانيين في الاختيار. هذا النهج، تجاوز العديد من مشاكل الأسواق بلا تفسير، وقد تم استخدامه في تحليل مجالات اجتماعية أخرى على أساس الحوافز (انظر بشكل خاص Gary Becker، على سبيل المثال، 1976). وكردة فعل استثير عدة أسئلة حول منهج الاختيار العقلاني من حيث إمكانياته وحدوده، خاصة عند بدء الاقتصاديين السلوكيين في استكشاف كيفية انحراف السلوك البشري الواقعي عن ما هو مفترض في النماذج (Kahneman/Tversky 1979؛ Laibson 1997 ؛ Fehr/Schmidt 1999 ، وللحصول على نظرة عامة حول الاقتصاد السلوكي انظر على سبيل المثال Camerer/Loewenstein/Rabin 2003 ، وللتعرف على نقد نظرية الاختيار العقلاني من منظور فلسفي  انظر على سبيل المثال، Sen 1977). أما في حقول الاجتماع الأنثروبولوجيا والمؤرخون فإن العلماء يستخدمون طرقاً مختلفة عادة ما تكون أقل تجريداً لاستكشاف الأسواق المختلفة. في الغالب، ركزوا على علاقة الأسواق بمجالات الحياة الأخرىمن منظور أن الأفراد جزء لا يتجزأ من المجتمع  وقراراتهم بنيت حسب البيئة الاجتماعية. وأن بعضهم  ينتقد الأسواق الرأسمالية. ويضاف إلى ذلك، أن هناك زوايا معتمة تجاهلها الاقتصاديين واكتشفتها منهجياتهم التي تبنوها. لكن ربما يعلق  الاقتصاديين بأن مناهج تلك الحقول أقل ملائمة في فهم الآثار الإيجابية غير المباشرة للأسواق ، على سبيل المثال الفوائد التي تعود على العملاء عند إعادة هيكلة الشركات. على الرغم من احتمالية التداخل بينها فأنه من المهم التمييز بين المناهج المعرفية و طرق البحث والبراهين الموضوعية حول قيمة الأسواق.

 

  1. نقاشات حول الأسواق

في الغالب أن الاحكام حول الأسواق “مع الاخذ بالاعتبار كل شيء”  يمكن أن يتنازل أحد نقادها أو مؤيديها للآخر، ولكن تنازله يقابله ما يتفوق به على نظيره.  ولكشف الغموض، هذه المقالة تقدم الحجج والتبريرات والانتقادات الأكثر شيوعاً حول الأسواق. الحجج  في مجملها تختلف من حيث تطبيقها، فمنها ما يناسب الأسواق بشكل عام، ومنها ما يختص بمجتمعات السوق ومنها مع أسواق محددة -(انظر 3.3)- والبعض الآخر ينطبق على جميع ما سبق وذلك حسب أهداف متبنيها وآلية استخدامها.  ( للاستزادة المعمقة حول الحجج المؤيدة والمعارضة للأسواق يمكن الرجوع إلى كتاب Buchanan 1985 ).

 

  • مبررات الأسواق

يميز أمارتيا سن  (1985) بين استراتيجيتين أساسيتين لتبرير الأسواق: وهما الحقوق أو الحريات السابقة  من ناحية  أو العواقب من ناحية أخرى.  في الغالب، حجج الحقوق والحريات متسايرة مع بعضها، حيث يقال أن حقوق بعينها هي حماية لحريات بعينها. وتستند هذه الحجة في شكلها النموذجي، إلى الحق في الملكية الخاصة، وأن للأفراد حق حرية التصرف بما يمتلكونه. ومن الملكية الخاصة الحق في بناء  العلاقات مع الآخرين، والتي يرى الفرد أنه لا يحق لأحد التدخل بها وأن أي تدخل يعتبر انتهاك للحقوق ومساس للحرية.  تكمن جاذبية مثل هذه التبريرات للأسواق بطابعها الأولي ومعقوليتها الحدسية.  ولكنها لتصبح ذات فائدة لابد من أن يكون بإمكان الفرد الدفاع عن تلك الحقوق أو الحريات المسبقة وما تستند اليه. غالباً، يتم ضم هذا النوع من الحجج إلى  الحجج المتعلقة بحقوق الملكية كما هي مقرة من الدولة. عقلانياً، ان تمسكنا بحقوق الملكية وتحييد المساس بها  أمر بديهي،  وليست معقودة بموافقة مسبقة من قبل الحكومة عند التمتع بها.  في الغالب سبب الدفاع عن حقوق الملكية هو ربطها بالملكية الذاتية، ومن خلال مزج أعمال الفرد بالأشياء المادية ومن ثم ضمها لحقوق ملكيته، على أساس خطوط لوك (Locke 1960 [1689]؛ انظر أيضا Nozick 1974 ؛ للدفاع اليساري التحرري عن الملكية الخاصة (الذي يجمع الملكية الخاصة مع مواقف مختلفة جدًا ومنها ما يتعلق بالمساواة ودور الدولة) على سبيل المثال انظر  Vallentyne/Steiner 2000 ).  لكن هذه النظرة لحقوق الملكية كانت موضع جدل، حيث يشير بعض المفكرين إلى أن للدولة دوراً مهماً في توفير حقوق الملكية وحمايتها ومع عدم تقييد الحرية (على سبيل المثال أنظر Murphy/Nagel 2002 ). ايضاً، يشير العديد من مؤرخي الرأي إلى أن القول بأن الحرية هي عدم تقييد حق الفرد عند التصرف بممتلكاته  (ما يسميه MacGilvray  (2011) بـ “حرية السوق”)  ليست الطريقة الوحيدة لفهم الحرية. فقد تم فهمها تأريخياً ( على سبيل المثال Pettit  2006  حول مناقشته الأسواق من منظور الحرية باعتبارها غير الهيمنة، و من أجل تأييد أكثر للأسواق من المنظور الجمهوري الجديد  انظرTaylor 2013 ). في الواقع، تعتمد قوة الدفاع عن الأسواق وبشكل حاسم على ما “أعتبره” المدافعين بأنه تعدي على الحرية أو القيود القسرية الحكومية، أو هل هناك تفحص قبلي من قبل الفرد حول العقبات السوقية التي قد تحول دون تحقيق اهتماماته بقرارات في الغالب لا يعرف من هو متخذها، (للأمثلة يمكنك الاطلاع على سبيل المثال، Cohen 1979 ؛Olsaretti 2004 ، الفصل.4-6؛ MacGilvray 2011، الفصل.5). النظام الصارم لحقوق الملكية الخاصة يمكن أن يؤدي إلى حالات جائرة من عدم المساواة بين أفراد المجتمع حيث قد يقع بعضهم تحت وطأة المعاناة أو يُشكَّكُ في مدى إمكانية تمتعهم بالحرية. مما يجعل المدافعين من منطلق مسبق عن الأسواق واقفين أمام خيارين: إما أن يتحملوا موقفاً معيناً ويقبلوا عدم المساواة والفقر على نحو مبرر، أو أن عليهم أن يتنازلوا عن موقفهم المتعارف عليه وأن يقروا بأن عواقبه قد تلعب دوراً في اعتبارية الأسواق.  بعد ذلك ، يمكن للفرد أن يقر بأنه قد يلزمه الاستعانة بمؤسسات أخرى لأجل استكمال الأسواق، مع تحييد التبريرات غير المشروطة لاحقاً (Sen 1985 ). ومع ذلك ، يمكن أن تواصل الحقوق والحريات لعب دور مهم في الحجج المؤيدة للسوق، حتى عند دمجها في إطار أوسع، على سبيل المثال، الدفاع عن مقدار معين من الضرائب. (للحصول على معلومات حديثة بعنوان “عدالة السوق الحرة” ، والتي تركز على أهمية الحريات الاقتصادية باعتبارها حقوقاً أساسية، وتسمح ببعض القيود من أجل العدالة الاجتماعية، انظرTomasi 2012).

ومع ذلك ، ثمة عديد من تبريرات الأسواق تستند على عواقب الأسواق لا على الحقوق أو الحريات المسبقة. العديد من أبعاد هذه العواقب يمكن تمييزها. لذلك الحجة الأولى، حسب الأهمية التاريخية،  ترى أن الأسواق تؤثر على الأفراد ليتسموا بالفضيلة والاجتماعية: حيث إن هؤلاء بُنوا على المصالح العقلانية لا على العواطف غير الطبيعية. لذلك الأسواق بيئة تساعد على جعل الأخلاق أكثر سلمية وحضارة ( انظر Hirschman 1977 ، الذي يشير فيه إلى Montesquieu  ومفكري القرن الثامن عشر الآخرين).[2]  في هذه الايام أثيرت حجج حول تأثير بناء الشخصية للأسواق (راجع على سبيل المثال McCloskey 2006 ). توقع Hirschman  أن القوى المتحضرة والأخلاقية للأسواق قد تكون كافية لتحقيق التوازن للقوى التي تقوض نفسها بنفسها (1982)؛ في المقابل ، اقتر بوليز Bowles أن العناصر غير السوقية للمجتمعات الليبرالية قد تتصدى للآثار الخطيرة المحتملة للأسواق.

أما الحجة الثانية، فتتعلق بالآثار السوقية النابعة من عملية التوزيع الذي يحدث بها.  أحيانًا، يعتقد أن الأسواق، أو بالتحديد  أسواق الايدي العاملة، انها تمنح الأفراد ما يستحقونه من مكافآت نتيجة اعمالهم في المجتمع، وتكون الجدارة أو الأهلية هي المحدد للمواقف الاجتماعية بدلاً من التسلسل الهرمي التقليدي (على سبيل المثال Miller 2001  الفصل 8-9؛ Honneth  في Fraser/Honneth 2003، 137 وما يليها؛ Mankiw 2010 . ولتبرير الأرباح على نفس النهج انظر Narveson 1995 ؛ Arnold 1987). تستند هذه الحجج إلى الحدس (المساواة في الحظ) في أن اختلاف دخول الأفراد لها ما يبررها على الرغم من عدم استحقاقهم لها، ولكنها انعكاس ناتج عن الحرية المطلقة (انظر على سبيل المثال Arneson 2008 )، في عملية الاختيار لنوعية العمل على سبيل المثال العمل 50 ساعة بدلاً من 40 ساعة اسبوعياً أو القيام بأعمال شاقة كالعمل في اصلاح الأبراج والمباني الشاهقة أو محنط أو الورديات الليلية حيث تكون أكثر مردوداً من غيرها (Okun 1975, 72). ومع ذلك ، فقد أصبحت الدخول محل جدل حول ما إذا  كانت الأسواق في الواقع تكافئ الأفراد على ما يقومون به من خيارات العمل حسب صعوبتها، أو أنها تراعي الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للفرد، أو من خلال مشاركة الفرد في فرق العمل (التي يستحيل فصل العمل الفردي فيها)،  أو أن للحظ دور في تحديد دخولهم. فإذا  كان الأمر كذلك ، فإن “الايمان بالمسؤولية الشخصية” سيكون خاطئ (Barry 2005 ، الجزء الرابع؛ راجع ايضاً Olsaretti 2004  الفصول 1-3 لمناقشة الحجج المتعلقة بالجدارة والأهلية في الأسواق، والتي رفضتها  المؤلفة في النهاية). ومن المثير للاهتمام، أن هناك بعض المؤيدين للأسواق الحرة ، مثل نايت وفريدريك هايك حيث جادلوا بأن الصواب هو تحديدها وفق إطار القواعد التي حدثت بها، لا عن ناتج توزيع الدخل. ويجادلوا أيضاً بأن ما تكافئه الأسواق، تحديداً “اشباع الرغبات” ليس له علاقة بالقيم الأخلاقية (1978، الفصل التاسع؛ راجع أيضاً Knight 1923).  قد يجادل البعض بأن هذه القواعد قد تكون أقل أو أكثر في تحقيق العدالة حيال الجدارة والأهلية، فلذا، على افتراض ثبات المتغيرات الأخرىوأن تكون أكثر ملائمة لا أقل (على سبيل المثال Lamont 1997  ؛ Herzog 2013 ، الفصل الخامس؛ وانظر كذلك Herzog 2017 ، الفصل الخامس).  ومع ذلك، وفقاً لهذا الصورة فأن الحجة في التوزيع لا تتعلق بتبريرات الأسواق بل بالأحرى متعلقة بمسألة كيفية تصميم إطارها وتحقيقها نتائج تكافئ على حسب الجدارة والأهلية.

ومع ذلك، فإن أهم حجة للأسواق هي التي تُبْنَىٰ على تبعاتها، وتتعلق بقدرتها على تحقيق نتائج فعالة والتي بدورها تخلق مستويات عالية من الرفاهية. وتحفز النمو الاقتصادي، دون اعتمادها على آلية تخطيط مركزية، ولكن على حساب المصلحة الشخصية للأفراد. وهذا ما اشتهر به Smithian  عند استعارته مجازاً لـ”اليد الخفية” (WN IV.II.9). في ظل افتراضات معينة مثل استقرار التفضيلات وغياب المؤثرات الخارجية على الأطراف الثالثة والشفافية وحق الحصول على المعلومات للجميع وغياب القدرة التفاوضية من طرف واحد فإن نتائج السوق تحقق فعالية باريتو- Pareto efficiency.  والتي تم تناولها في النظرية الأولى لاقتصاديات الرفاهية (وللأثبات المنهجي انظر على سبيل المثال،Mas-Colell/Whinston/Green 1995 ، الفصل 16). ويقصد بكفاءة باريتو أن تحسُّن رضا فرد ما حيال تفضيلاته يجب أن لا يقلل من حق الآخر، بشرط عدم وجود هدر ناتج عن عدم استخدام إمكانيات متاحة عند التفاوض. وعلى أن شروطها الرياضية صارمة في اقتصاديات الرفاهية،  إلا أنها لا تصمد عند ممارستها. نموذج التوازن العام شمل حجتين حول الأسواق تفسران سبب قدرتها على تحفيز النمو الاقتصادي، ويمكن تطبيقها على الأسواق الحقيقية. الحجة الاولى “حجة التنسيق” (راجع Roemer 2012) والتي ترى أن نظام الأسعار قادراً على نقل المعلومات المعقدة حول تفضيلات الأشخاص بطرق لامركزية، والتي من خلالها يتم تخصيص السلع والخدمات حسب قوة الطلب عليها،  حيث يلبي النظام العفوي الاحتياجات الاجتماعية بطرق أفضل من الطريقة المركزية (ويلحظ ذلك عند Von Hayek 1945 ). تلعب أسعار السوق دوراً في تحديد تكاليف الفرص البديلة عند استخدام موارد معينة، ويسمح  بإجراء مقارنات بين مجموعات مختلفة من الموارد المملوكة للأفراد (انظر Dworkin 2000 ، الفصل 1-2). وأما الحجة الثانية هي أن الأسواق تدعم الأفراد للاستفادة من طاقاتهم وتمنحهم حوافز نحو إيجاد طرق لاستخدام مهاراتهم وتوظيفها للاستفادة اجتماعيا. واستشهاداً باقتباس من آدم سميث (تم إساءة استخدامه في كثير من الأحيان) ” إنه ليس من إحسان الجزار أو الخباز أن نحصل على عشائنا، ولكن من نظرتهم إلى مصلحتهم الخاصة” (WNI.II.2). وهنا لا يهدف سميث إلى وصم الطبيعة البشرية بالأنانية كصفة أساسية. بل يشير إلى أن الأسواق تستفيد من مصدر تحفيز يتجاوز الإحسان الذي يظهره الناس داخل دائرة صغيرة من أفراد الأسرة والأصدقاء. وأن المصالح الشخصية التي تربط الأفراد بمجموعة واسعة من الشركاء الذين يتبادل معهم ما يسهم في تقسيم فعّال للعمل يعقبه الحصول على مستوى كفاءة عالٍ. يضاف إلى ذلك أن مؤيدي الأسواق يعتقدون أنهم يدعمون الابتكار الذي يمنح الأفراد إمكانية استخدام  تقنيات وعوامل انتاج جديدة ، ويوفر رأس المال لرجال الاعمال والمخترعين. وهذا يؤدي إلى عملية ديناميكية ” التدمير الخلاق” التي تساعد على تلبية تفضيلات الأفراد بطرق أفضل (Schumpeter 1942 ، الذي أشاع هذا المصطلح الماركسي).

على هذا النحو، فإن حجج الكفاءة والنمو لم تتطرق إلى توزيع الدخل والثروة المتحققة في  اقتصاد السوق.  بل أنه من الممكن أن يتسم هذا الموقف بفعالية باريتو  ويكون في الوقت ذاته غير متكافئ للغاية (راجع على سبيل المثال، Sen 1973 ). في بعض الأحيان، يكون هناك حجج إضافية مؤيدة للسوق ترى أن الثروة الناتجة عن الأسواق “تنتقل” إلى الطبقات الأشد فقراً في المجتمع. ويمكن أن يحدث هذا الموقف، فعلى سبيل المثال، شراء الأغنياء سلعا أو خدمات فأنها ستولد فرص عمل للفقراء (Smith 1976b [1759] IV.I.10)، أو أن السلع المبتكرة التي صنعت أساساً كسلع فاخرة تتحول مع مرور الوقت إلى السوق الشامل. ومع ذلك، هناك التباس في أي من الظروف يمكن تحدث مثل هذه الحالات. في الواقع،  توجد اقتصادات الأسواق في مجتمعات تختلف من حيث مستوى المساواة التامة أو المتفاوتة، ويعتبر اللاعب الرئيس في تحديد درجة عدم المساواة في تلك الاقتصادات هي المؤسسات المحيطة بها. ومع ذلك يمكن للفرد أن يناقش مدى إمكانية مشاركة الأسواق في تنمية الاقتصاد الوطني وجعله أكبر من غيره، وإعادة توزيع الثروات الإضافية من خلال عدة إجراءات ومنها الضرائب. لذا يمكن تبني الآثار التوزيعية كمقياس لتبرير الأسواق وإعادة التوزيع مقابل أدوار المؤسسات الاخرى. على سبيل المثال “مبدأ التفاوت” عند راولز. وفقاً لهذا المبدأ، يمكن تبرير التفاوت إذا  كان “يعود بالنفع الأكبر على أفراد المجتمع الأقل حظًا” (1999، 5-6). فإذا  تبنىٰ أحد هذا التبرير للأسواق، يجب أن لا يعتمد على الموقف المعياري للفرد حيال درجات حريتها أو توزيعها للدخل والثروة، بل على افتراض أي من الانظمة يجعل واقع أفقر المجتمع ينعم برفاهية أفضل.  ومثال تأييد حرية الأسواق يمكن أن نجده في العديد من النظريات حول ما يسميه فريمن Freeman  (على سبيل المثال, 2011) بتقليد “الليبرالية الجديدة” (high liberal) (على عكس تقليد “الليبرالية الكلاسيكية”).

 

  • انتقاد الأسواق

هناك العديد من الحجج المعارضة للأسواق، إما من أجل رفضها بمجملها أو تحديد أنشطتها. أحد الانتقادات الرئيسية هو الاعتمادية عليها في تنظيم الحياة الاقتصادية والتي يمكن أن تخلق مجتمعاً غير متكافئ أو أنه يعاني من الفقر – بمفهوميه المطلق أو النسبي.  في القرن التاسع عشر، العديد من أفراد المجتمع وبشكل خاص الذين لم يمتلكوا أدوات الإنتاج وتحولوا إلى أيدي عاملة لأجل كسب المال. خلال الثورة الصناعية، تحولت نسبة كبيرة من الطبقات الكادحة إلى أدنى الطبقات الاقتصادية في المجتمع ويعول السبب حسب ماركس وأنجلز إلى أنه “ليس لديها ما تخسره سوى قيودها”  [البيان الشيوعي ، 1848].  منذ القرن التاسع عشر، أصبح الاعتقاد بأن الأسواق قادرة على أن تكون “مداً يرفع كل القوارب” – وتستخدم مجازاً في أن الاقتصاد الجيد مفيد لجميع المتشاركين فيه – (وهي عبارة تُنسب إلى جون كيندي J.F. Kennedy) موضع جدل. حيث طالب نقادها نحو توزيع أكثر عدلاً لموارد المجتمع. غالباً كان النقد للأسواق هو دعوة للإطاحة بالرأسمالية حيث إنها سبب في تقويض الذات الذي تخلَّقت منه العديد من الانقسامات المجتمعية، وهذا الفكر تم إحياؤه بما نشره بكيتي Piketty (2014) حيال الخلافات التي تلت ذلك حول الاتجاهات المتباينة في المجتمعات الرأسمالية.

يمكن لمؤيدي الأسواق التشكيك في هذا النقد بالنظر إلى قيمة المساواة في النتائج. إلا أنه يصعب عليهم رفضه – لاتكاء حججهم على تأكيد الحقوق والحريات – وهنا مكمن الاتهام حيال أن هذه التفاوتات غير المنظمة في الأسواق غير المنظمة يمكن أن تُحيِّد الفرد من التمتع بحقوقه وحريته (أنظر أيضا Rawls 1971 ، القسم 32). يمكن القول بحرية الأفراد الذين لا يمتلكون المال لشراء السلع والخدمات في المجتمع الذي يتم فيه توزيع معظم السلع والخدمات من خلال الأسواق، ويمكن أن يكون الأفراد أحراراً مع أنهم لا يملكون ما يشتروا به هذه السلع والخدمات وكذلك مقيدين للغاية. حتى الفقر النسبي (على عكس المطلق) يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الاستبعاد الاجتماعي. يعتمد ذلك على كيفية فهم هؤلاء الأفراد لمفهومي الحرية والاستعباد، ولكن في بعض الحالات نقص الموارد منطقياً يؤول بالفرد نحو الاستعباد، وكذلك أن الحد من تمتع الأفراد الآخرين بحقوقهم يُعيق حصولهم على الموارد (Cohen 1995 ، Otsuka 2003 ، Waldron 1993، Widerquist 2013 (.  ومن ضمن الأسباب التي تقيد الأسواق الحرة، ما ناقشته ساتز Satz  (2010 ، الفصل 4) حيال ضعف العملاء الذين يكون اختيارهم مقيداً بوضعهم السيء، وكذلك “ضعف الوكلاء” الذين يعتمد الأفراد ذوي المعلومات المحدودة على قراراتهم فيما يتعلق بالسوق.  في القرن التاسع عشر، كان الاهتمام الأكبر في المناقشات هو عدم التماثل في قوة التفاوض بين العمال والرأسماليين والذي لايزال يلعب دوراً كبيراً في العديد من البلدان. ويضاف إلى ذلك، أن الأكثر عرضة للاستعباد في الأسواق هم الأفراد ذوي المهارة المنخفضة، أو يعانون من مشاكل نفسية ، أو مخالفين قانونياً (مثل المهاجرين غير الشرعيين). ومن ناحية مبدأ أن الأسواق هي آليات للتنسيق الاجتماعي لابد أن تقوم على افتراض أن جميع الأفراد مستقلين وذوي سيادة وعلى اطلاع كامل بالمعلومات وعقلانيين في اختياراتهم. ومع انتفاء تلك الافتراضات يمكن أن تؤدي هذه الآليات إلى استغلال الأفراد الضعفاء من قبل اصحاب السطوة في الأسواق. ليس بالضرورة أن هذه الحجج ترفض الأسواق تماماً، ولكنها تثير تساؤلات حول الإطار المؤسسي الذي يتضمنها. حيث من المحتمل أن من أهداف حلول هذه المشاكل هو تنظيم الأسواق، أو إلى تكاملها مع المؤسسات التي تضمن حق المساوة للأفراد في عمليات التبادل (راجع 4.2 أدناه). [3]

كما تم انتقاد فكرة أن الأسواق لها علاقة بـ “الجدارة” ، خاصة من منظور النظريات الماركسية للاستغلال. حيث ترى أنه بموجب العقد سيُحرم العمالُ بشكل منهجي من حقهم المشروع في مساهمتهم وذلك بمنحهم أجور أقل من القيمة التي أضافوها عبر عملهم (على سبيل المثال ماركس “رأس المال” العدد الاول – الفصل 7-8؛ وللحجج حوله انظر على سبيل المثال Buchanan 1985, 87-95 ) كما أُشير إلى إمكانية أن تُستخدم بسهولة فكرةُ الجدارة والأهلية من قبل الناجحين في الأسواق بوصفها أيديولوجية لإخفاء ممارساتهم في تللك الأسواق (راجع على سبيل المثال، Hayek 1978  ، 74 ومايليها). تعرضت الأسواق للعديد من الانتقادات بسبب ترسخ مبدأ عدم المساواة والتقسيم الاجتماعي والذي قاد إلى تحييد تكافؤ الفرص (راجع على سبيل المثال، Barry 2005 ، الاجزاء 2-4).  وهذا يؤدي إلى تساؤل عما إذا  كانت المؤسسات الأخرى، على سبيل المثال نظام التعليم العام، يمكن أن تساعد في تخفيف هذه المشاكل، لتتمكن من تبرير النظام المشترك.

من النادر أن يشكك النقاد في قدرة الأسواق على تحقيق نتائج فعالة خصوصاً في سلع خاصة ومعينة. ويؤكد ذلك مؤيدي الأسواق حيث يقرون بعدم تأييدهم النتائج الفعالة في حالتين وهما وجود تأثيرات خارجية أو السلع العامة. المؤثرات الخارجية تؤثر كطرف ثالث لا يملك حقوق الملكية، مثل تلوث الهواء. السلع العامة هي سلع غير قابلة للاستغلال (حقوق الانتفاع بها متساوية بين الجميع ) وغير تنافسية (استخدام فرد لها لا يقلل من جودة انتفاع الآخر بها) (انظر Mas-Colell/Whinston/Green 1995 ,الفصل 11). ومن أمثلة السلع العامة الأمن العام الذي بتوفيره ينتفع منه الجميع، حيث لا يعني أنًّ تَزَايُدَ المنتفعين منه يقلل من انتفاع الآخرين منه،  وهنا التبرير للمنافع العامة بأن الفرد لايملك القوة الاقتصادية لتوفير تلك السلع كما تمتلكها الدولة. غالبا ما يرى منتقدو الأسواق أن الحالات المتضمنة تأثيرات خارجية أو سلعاً عامةً هي أكثر انتشاراً مما يعترف به مؤيدوها، على سبيل المثال فيما يتعلق بالمشاكل البيئية. أما فيما يتعلق بالتأثيرات الخارجية، غالبا ما يشير الاقتصاديون إلى نظرية رونالد كوس Coase الشهيرة (1960) أنه لا تكون هناك تكاليف للتعاملات، وأن المشاكل الخارجية يمكن تجاوزها من خلال عملية التفاوض، وبشكل مستقل عن التوزيع الأولي لحقوق الملكية.  في الواقع غالباً ما تكون التعاملات مكلفة وصعبة للغاية، خصوصاً عندما يكون هناك أطراف متعددة بمصالح متخالفة. هذا يجعل تطبيق هذه النظرية – و الدفاع عن حلول السوق في مثل هذه الحالات – إشكاليا. من الحالات الإشكالية الأخرى، حالة “السلع الموضعية” (Hirsch 1976)، أي السلع التي تعتمد قيمتها على موقعها النسبي مقارنة بما يمتلكه الآخرون. مثال ذلك المنازل باهظة الثمن التي يقتنيها البعض مراعاة لمكانتهم وبغض النظر عن صفاتهم الفعلية: أي يريدون امتلاك منزل بحجم معين مقارنة بمنازل الآخرين. تتسم هذه السلع بالندرة بحكم التعريف – فقط 10% من المنازل يمكن أن تكون هي الاعلى وبنسبة 10٪ من السوق؛ ويمكن أن يكون 10% من الطلاب الأفضل تعليماً هم الافضل بين الطلاب وبنسبة 10%. وبالتالي، فإن المنافسة بالنسبة لهم هي لعبة محصلتها صفرية: أي أنها “سباق جرذان”، حيث يحتفظ كل واحد بوضعه النسبي إذا  كانت الزيادة للجميع بنفس المقدار. وهنا نجد أن بعض المنظرين يبرر أن العوامل الخارجية في مثل هذا النوع من المنافسة سبب اتخإذ  تدابير تنظيمية  (للأمثلة انظر Frank 2005 ؛ وحيال مناقشة السلع الموضعية من منظور المساواة: انظر أيضا إلى  Brighhouse & Swift 2006 ؛ وللحصول على نبذة حول نظرية الاعتراف، انظر Claassen 2008).

السؤال الواسع الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو مسألة “كفاءة ماذا؟” (راجع ايضاً Satz 2010 ، 33 وما يليها). ويشير منتقدو الأسواق، بأن الأسواق قد تكون ذات كفاءة في تلبية رغبات الناس، ولكن في الواقع حدث هذا نتيجة لتغيير تفضيلات الناس نحو الأشياء التي يسهل (بمراعاة الربحية) توفيرها في الأسواق. ويرون كذلك أن هذه التفضيلات ليست هي بالضرورة  ما يختاره الناس، بل هي نتيجة عملية تحويل لتفضيلاتهم عما يرغبون الحصول عليها (انظر على سبيل المثال، George 2001 ، الذي يستخدم مجازاً مصطلح “تلوث التفضيل”). عادة ما تأخذ النماذج الاقتصادية للأسواق تفضيلات الأفراد كماهي عليه، مما يجعلهم لا يميزون مجموعة كاملة من الأسئلة التي أثيرت حول الأسواق في هذا السياق وهي: كيف تُغيّر الأسواق الأفراد، وعلاقات بعضهم ببعض، علاقاتهم بسلع وقيم معينة؟  في النظريات الماركسية، يستخدم مصطلح “الاغتراب” لوصف ظواهر الأفراد، أو شعورهم، المنفصلة عن ما يجب أن تنتمي إليه. على سبيل المثال، إذا  كان يجب على العمال بيع جهدهم وقوتهم كوسيلة إنتاجية    لأصحاب الأعمال،  لذا هم مغتربون عن عملهم ونتائجه، وعن أنفسهم، وعن الكائنات البشرية الأخرى(Marx [1844], I؛ للحصول نبذة حديثة حول مفهوم الاغتراب ، انظر Jaeggi 2014  ).

فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية، أُتُّهِمت مجتمعات السوق بأنها تقوض المجتمع وتكافله، حيث تقوم الأسواق على مساهمة مجردة وعلاقات سريعة التَّغيُر، بحيث “كلما هو صلب يذوب في الهواء”  (Marx/Engels  ، البيان الشيوعي؛ للحصول على تقرير معاصر انظر Lane 1991). [4]  “التدمير الخلاق” الذي يحدث في الأسواق قد يحفز على الابتكار، كما يعتقد مؤيدوها، ولكنه يدمر الروابط الاجتماعية والتقاليد الراسخة (راجع Polanyi 1944 ).  ويبدو أن هذا الفكر يلعب دوراً في النقد المجتمعي الموجه إلى النظرة  الليبرالية للطبيعة البشرية (على سبيل المثال، MacIntyre 1984؛ وللحصول على نظرة عامة  راجع Bell 2012 ).  بالإضافة إلى ذلك، أن حقيقة الأسواق التي تُبنى على المصلحة الذاتية تجعل الأفراد أكثر أنانية ومادية. ومثل هذه الحجج هي نظير لادعاءات مؤيدي الأسواق، والتي تنص على أن الأسواق تجعل الأفراد أكثر اجتماعية وأخلاقية. ومن الجوانب المهمة في هذا النقاش، والذي تم استكشافه تجريبياً، هو ميل الحوافز النقدية إلى “استبعاد” الدافع الجوهري للعمل من منطلق مبدأ الإيثار أو من أجل النفع العام. (راجع دراسة Titmus  الشهيرة حول التبرع بالدم بثمن ومجاناً (1971)؛ Frey  (على سبيل المثال 2007)؛ وانظر كذلك إلى دراسة Gneezy/Rustichini  حول كيف أدت الغرامة المفروضة على الوالدين المتأخرين عن دور الحضانة إلى زيادة أعدادهم لأنهم كانوا ينظروا  إليها كسعر (2000).

تعتمد قوة مثل هذه الحجج على ما إذا  كان بإمكان الأفراد تقييد “موقفهم السوقي” في المجال الاقتصادي، أو ما إذا  كان الأمر يتعلق بالسيطرة على المجتمع ككل. على سبيل المثال، هل يمكن إبعاده عن العلاقات الخاصة، أو هل يطور الأفراد موقفا حيال الأسواق بما يتعلق بالعلاقات الانسانية؟. هذا ما ناقشته عالمة الاجتماع إيفا اللوز Eva Illouz  (وعلى سبيل المثال، 2012).  الضغط على القطاع  الخاص لا يأتي فقط من التحول الواعي أو اللاواعي للبشر نحو طرق معينة من التفكير، بل يضاف عليها العدد المتزايد (أو على الأقل الزيادة الملحوظة) للتعاملات النقدية التي تتعلق بهذا القطاع، مثل دور رعاية الأطفال بأجر أو الأمومة البديلة.  نتج عن ذلك قيام منتقدي الأسواق بالدعوة إلى فرض قيود على مجالات نفوذها  حتى  لا يصل الحال إلى  “تسليع” السلع ذات البعد القيمي مثل العلاقات الحميمة أو الرفاهية الاجتماعية  أو علاقة الطفل بوالديه  (راجع على سبيل المثال، Radin 1996 ؛ Anderson 1993 ؛ Sandel 2012 ؛ لمناقشة نقدية انظر Satz 2010 ، 80 ومايليها). كما يؤكد أندرسون Anderson   إن السؤال الأكبر وراء هذه القضية هو: كيف يمكن أن يستوعب المجتمع تعدد السلع التي تقيم بطرق  متنوعة (1993 وبالأخص الفصل 1و3). هناك مجموعة مماثلة من الحجج تتعلق بمسألة ما إذا  كانت الأسواق تدفع الناس نحو استهلاك السلع المادية بدلاً من السلع غير المادية (انظر على سبيل المثال ، التقرير الحداثي بواسطة Fromm 1976). إذا  كان هذا هو  واقع الحال، فإن هؤلاء لا “يلوثون” تفضيلاتهم فقط، بل يسهمون في الاستهلاك الجائر للموارد الطبيعية والعديد من المشكلات البيئية (على سبيل المثال، Hardin 1968؛ Wright 2011, 70).

تتعلق الحجج ذات الصلة بالعلاقات بين المواطنين ومدى اتسامها بالاحترام المتبادل فيما بينهم عند تداول سلع معينة، بعض السلع على سبيل المثال ، الأصوات الانتخابية أو أجزاء الجسم المتداولة في الأسواق  (Sandel 2012 ، 10 ومايليها؛ وراجع أيضاً Satz 2010 ، الفصل الثالث؛ وحول الجانب الأخلاقي في شراء الأصوات وأعضاء الجسم، راجع القسم الخاص بها عند Phillips 2013 ) على سبيل المثال، نوقش أن بعض المؤسسات، المدارس، يجب أن تتم تسوية خلافاتها  بـ”التصويت” بدلاً من “الانسحاب” (Hirschman 1970؛ ولمثال المدارس، انظر على سبيل المثال،Anderson 1993 ، 162 ومايليها). ايضاً، هناك العديد من النظريات السياسية تناقش أن الديموقراطية في المجال السياسي يجب أن تختلف عنها في الأسواق حيث إن المحك فيها الصالح العام وليس المصالح الفردية (راجع على سبيل المثال، Radin 1966 ، الفصل 14، يعتمد على فهم جون ديوي للديموقراطية). هناك قواسم مشتركة بين هذه النظريات وهي أنهم يرون أن المجتمع يتكون من مجالات اجتماعية مختلفة، وكما يقول والرز أن “أخلاق السوق تنتمي إلى السوق”، ويجب حظر المقايضة في المجالات الاجتماعية الأخرى (1983، 109). في كثير من هذه الحالات تنطبق عليها مجموعة من الحجج ليس فقط فيما يتعلق بطبيعة السلع ولكن بشأن ضعف بعض المشاركين في السوق. مؤخراً جادل برنان Brennan  وجاورسكي  Jaworski  ((2015 بأن حجج التسليع المستندة على أبعاد رمزية في تجارة سلع معينة ليست مقنعة لأن هذه الأبعاد الرمزية مشروطة ثقافيًا. وعلى ذلك، كما ذكّرنا Satz  (2010، 9) أن أفضل إجابة لإشكالية الأسواق ليس حظرها، لأن هذا سيؤول بنا إلى الأسواق السوداء أو أي شكل من أشكال التحايل. غالبًا ما تعتمد مسألة البدائل، مثل الأسواق المنظمة أو الأسواق المتكاملة مع مؤسسات أخرى، على الإطار المؤسسي الذي توجد فيه. وسنتطرق لهذا في القسم 4 أدناه.

 

  • السوق” مقابل الأسواق المختلفة

كما سيتضح لنا أن بعض الحجج المؤيدة والمعارضة للأسواق تستجيب لبعضها البعض بشكل مباشر، بينما بعضها يجب أن تكون متوازنة فيما بينها دون توافقها المباشر. يعترف العديد من المفكرين بقوة بعض الحجج على الأقل في كلا الجانبين. ويأخذون المسار الذي عولج في القسم الثاني من هذا المدخل على أنه  “تأييد مؤهل” وكذلك ناقشوا أن السوق عنصر واحد في إطار مؤسسي الذي ربما يقلل من بعض آثاره الأكثر إشكالية. ومع ذلك، يجب الاخذ في الاعتبار، أن الأسواق المتنوعة يمكن أن تبدو مختلفة تماما استناداً إلى الحجج المذكورة أعلاه. وهنا أثير تساؤل عما إذا  كان بالإمكان المطلق قول شيء عام عن قيمة “الأسواق”،  بدلاً من القول عن أسواق معينة في مواقف محددة. المشكلة الشائعة في النقاش حول الأسواق هو مستوى التجريد، حيث إن العديد من النماذج المجردة تضع افتراضات مثالية لا يمكن تطبيقها في الحياة الواقعية (انظر أيضا Phillips 2008).[5]  وبما أنه لا يوجد ما يخطّئ استخدام النماذج المجردة، فمن المهم النظر في محدودية صلاحيتها في تجسيد الحياة الواقعية. لذا عند مقارنة الأسواق بحلول مؤسسية أخرى يجب أن تتم مقارنتها على نفس المستوى من التجريد. وإلا مَثَلُه كمثل الذي يقارن التفاح بالبرتقال، على سبيل المثال، مقارنة سوق مهترئ وغير متناسق من حيث القوة مع بيروقراطية عامة مثالية، أو مقارنة سوق جميع افراده عقلانيين مع مؤسسات عامة تعج بالفساد. لذا فمن المنطقي مقارنة سوق تعمل بشكل جيد وبشكل عقلاني مع بيروقراطية تعمل بشكل جيد.

ثمة مشكلة أخرى متداولة حول الأسواق وهي: في حال أثيرت حجج نقدية ضد الأسواق، يرى أحياناً مؤيدوها أن لا تحمل اللوم كله، إذ إن المؤسسات المحيطة بها يقع عليها بعض الحمل كذلك، لأن الشروط التي يجب أن تتوفر للأسواق لضمان قيامها بعملها بشكل يعود بالنفع لا يتم الوفاء بها. على سبيل المثال، عندما تُنتقد الأسواق من زاوية الإفراط في استهلاك الموارد الطبيعية، في الغالب يكون رد مؤيديها أنه ليس ثمة حقوق ملكية كاملة للعديد من الموارد الطبيعية.  فلذا لوكان للموارد الطبيعية ثمن فستكون باهظة ومكلفة، وسيكون لمالكيها دوافع حيال التعامل معها بمسؤولية. (انظر على سبيل المثال، رد توماسي Tomasi على “مأساة المشاعات”(2012 ، 259 وما يليها)). ومع ذلك، قد يرد أحد بأنه في كثير من الحالات لن يَحُلَّ امتلاك حقوق الملكية هذه المشكلة، لأن تكلفة التعاملات حيال الوصول إلى حلول التفاوضية ستكون باهظة. تُظهر مثل هذه الأمثلة أن قيمة الأسواق الملموسة لا يمكن مناقشتها، في كثير من الأحيان، بمصطلحات مجردة بحتة – ما هي الأسواق وما هي آثارها لأنها تعتمد بشكل قطعي على المؤسسات المحيطة بها. وهذا سوف تناقشه في القسم التالي.

 

  1. العلاقات بين الأسواق والمؤسسات الأخرى

    • الشروط المسبقة للأسواق

يتفق العديد من المنظرين بأنه وجود الأسواق مرتبط بوجود مؤسسات معينة.  ويرون أن من أهممها مؤسسات حقوق الملكية والمؤسسات القانونية اللازمة لإبرام العقود.[6]   تلعب مسألة حقوق الملكية دوراً مهماً في تقييم الأسواق في الدول ذات الهياكل الإدارية الضعيفة. إذا  كان هناك قدرة على فرض حقوق الفرد بالقوة فذلك قد يؤدي إلى توزيعها بطريقة غير عادلة، لذا يمكن للأسواق الحرة أن تُغِّيب العدالة وتُفاقم المظالم السابقة. تعد مسألة تحديد حقوق الملكية التي يمكن إنفاذها أحد المحددات الرئيسية (بصرف النظر عن الحظر التام) للأسواق التي يمكن أن توجد في المجتمع. على سبيل المثال، في معظم البلدان لا يمكن للمرء أن يبيع نفسه لأن المحاكم لن تنفذ هذا النوع من العقود. ومن المجالات حقوق الملكية التي تواجه صرامة شديدة عند التسويق لها، وكذلك حقوق الملكية الفكرية، حيث يناقش بعض الأفراد بأن مفهومنا التقليدي لحقوق الملكية ليس مناسب للسلع القابلة للتقليد وبتكاليف منخفضة جداً، مثل المحتويات الرقمية ( على سبيل المثال Shiffrin 2007؛ Boutang 2011، الفصل الرابع)

يرى معظم المفكرين الليبراليين أنه في حال الاعتراف بحقوق الملكية كشرط مسبق للأسواق -لابد من وجود حد أدنى في الدولة التي تطبقها-، وغالبا لا توضِّح المناهج الاقتصادية للأسواق الشروط المسبقة الأخرى، إذ هي محل إثارة للجدل. بشكل خاص، تلك أوكدت من قبل أعضاء “مدرسة فرايبورغ” الألمانية “للليبرالية التطوعية” على أن بقاء الأسواق تنافسية يستوجب وجود قوانين لمكافحة ومنع احتكارات القلة والاحتكارات التامة (انظر على سبيل المثال، Eucken 1939؛ حول كيفية استبدال هذا الرأي بآراء أكثر شمولاً حول سياسة عدم التدخل في الولايات المتحدة، انظر Crouch 2011، الفصل 3). أشار علماء الاجتماع إلى أن الثقة مهمة وقطعية لوجود تبادلات السوق، حيث في الغالب تشتمل العقود في الأسواق على عناصر ضمنية لا يمكن توضيحها وذات صلة بحقوق الملكية وبالتالي لا يمكن تنفيذها قانونياً (انظر على سبيل المثال، التقرير الكلاسيكي Durkheim 1997 [1893]  أو، مؤخرا، Beckert 2002).  حيث يمكن لأشكال معينة من الروح الاجتماعية، مثل الالتزام بالوفاء بالعهود أن يسهل من التعاملات السوقية (Rose 2011 ). يركز علم الاجتماع الاقتصادي على أن الأسواق تعتمد على العلاقات الاجتماعية الأخرى. على سبيل المثال، وضح Granovetter  (1985) كيف تكون علاقات السوق جزءاً لا يتجزأ من العلاقات الشخصية، مثل العلاقات بين خبراء تقنيات معينة في الشركات المختلفة. ويؤكد فلقستين Fligstein  (1996، 670) أن القواعد التي تضعها الدول – على سبيل المثال ، القواعد المتعلقة بهياكل الحوكمة والمؤسسات التنظيمية الأخرى-  تؤثر على سلوك الشركات في الأسواق، وتجعل الأسواق “بناء اجتماعي يعكس البناء السياسي والثقافي الفريد لشركاتها ودولها” (حول البناء القانوني للأسواق المالية انظر Pistor 2013).  بعض علماء الاجتماع، وبشكل خاص Callon  (1998)، يجادلون بأن الأسواق تعتمد على القوة الأدائية للنظريات الاقتصادية حول ماهية الأسواق: حيث تساعد هذه النظريات الأفراد على تأطير المواقف مثل تبادلات السوق. على سبيل المثال، يرى ماكينزي MacKenzie  (2009) بأن المشاركين في أسواق مالية معينة يستخدمون نماذج نظرية لتحديد سلوكهم. بشكل خاص، ومن هنا يتضح لنا أن الأسواق التي نعرفها ليست شيئا معطى بشكل مستقل، ولكنها تعتمد على المعايير والمؤسسات الموجودة في المجتمعات، وأحيانا على أشكال معينة من تكنولوجيا المعلومات.

  • المؤسسات التي تكمل أو تصحح نتائج السوق

يأخذ العديد من الفلاسفة السياسيين (بعض) الانتقادات الموجهة للأسواق على محمل الجد (راجع 3-1- أعلاه)، ويجادلون بأن لا تبرير للأسواق إلا إذا  تعايشت مع المؤسسات الأخرى التي تكمّل أو تصحح نتائجها. ويمكن تقسيم هذه المؤسسات إلى فئات متنوعة. في الغالب، يستخدم الاقتصاديون مفهوم “إخفاق السوق” لوصف الحالات التي لا تستوفي فيها الأسواق شرطاً أو أكثر تحول دون تحقيق نتائج فعالة، على سبيل المثال، في حال وجود عوامل خارجية أو تكون السلع عامة (انظر على سبيل المثال Bator 1958؛ Cowen 1988).  ولتحسين النتائج في مثل هذه الحالات من المحتمل أن يتطلب ذلك تنظيم الأسواق (على سبيل المثال، حظر العوامل الخارجية السلبية مثل انبعاث الملوثات الضارة) أو توفير السلع العامة من قبل مؤسسات الدولة. قد تكون هناك حاجة لقواعد ولوائح – ويمكن تبريره من وجهة نظر كفاءة باريتو –  في حالة أطلق عليها باسوBasu  (2007) “مشكلة العدد الكبير” (large number problem): ويقصد بها أن بعض أشكال السلوك قد توثر سلباً إذا  ارتكبها عدد كبير من الناس، على الرغم من أنها غير ضارة في حد ذاتها. ويمكن أن تكون صحيحة مثل وجود أكثر من نقطة توازن في السوق ويُرغب الانتقال من أحدها إلى الأخرى، على سبيل المثال، الانتقال من حالة توازن الاطفال العاملين إلى توازن آخر (Basu 1998/Van). قد يجادل البعض بأن استقرار الاقتصاد الكلي للأسواق، على سبيل المثال من خلال البنك المركزي أو من خلال التدابير التي تزيد الطلب في فترات الركود (راجع Keynes 1936)، أن يكون في توفير السلع العامة. ومع ذلك، فإن فعالية مثل هذه التدابير محل خلاف عميق بين الاقتصاديين.

صنف من المؤسسات المكملة لنتائج السوق أو تصححها والتي يمكن إدراجها تحت مصطلح “دولة الرفاهية”، هي التي تحاول تقديم ردود على انتقادات الأسواق فيما يتعلق بالفقر والنتائج غير المتكافئة غياب تكافؤ الفرص.  من أهم المهام الأساسية   لدولة الرفاهية هي تأمين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية (انظر على سبيل المثال، Marshall 1992  ) للمواطنين الذين لا يستطيعون كسب المال في سوق العمل، وتوفير درجة من تكافؤ الفرص.  أكد العديد من الفلاسفة السياسيين على أهمية إعادة التوزيع لهذه الحقوق (انظر أيضا Fleurbaey 2012)، حيث طغى التركيز على إعادة التوزيع على الأسئلة المتعلقة بعواقب التوزيع المباشرة على الأسواق المختلفة وكيف يمكن أن تتأثر بالقانون (انظرDietsch 2010 ). يمكن لمؤسسات دولة الرفاهية أن تتخذ أشكالاً متنوعة ويمكن تنظيمها بطرق مختلفة، من أدناها مثل رعاية المعوزين إلى مجموعة من الخدمات الاجتماعية مثل التعليم العام والصحة العامة. في الآونة الأخيرة، ناقش بعض المفكرين منح الأفراد دخلاً أساسياً غير مشروط، لضمان أن لا يقع هؤلاء تحت وطأة الذين يتحكمون في الوصول إلى الثروات (على سبيل المثال، Van Parijs 1995, Widerquist 2013). في الغالب، تُتخذ  القرارات بشأن هذه المؤسسات بالموازنة بين كفاءة الأسواق والرغبة في تحقيق درجة معينة من المساواة في الدخل والثروة. كما وضحه Okun: أن “أي إصرار على تقطيع الفطيرة إلى شرائح متساوية سيقلص حجمها” (1975: 48). ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا  كانت هذه الصورة تصف بشكل كافٍ جميع أجزاء الواقع الاقتصادي. وغالباً ما يعتمد على الافتراضات التي ترى أن ارتفاع الضرائب يحبط الهمة نحو العمل الجاد. ولكن إذا  كان هذا صحيحا يعتمد، من بين أمور أخرى، على مسألة إن كان الأفراد مدفوعين رغبة في كسب المال أو أن لديهم دافع ذاتي لتوفير سلع وخدمات معينة (راجع Roemer 2012). ويمكن لبعض الأنظمة، مثل نظام التعليم العام الذي يمنح الطفل فرصة تنمية مواهبه، أن تؤدي إلى مزيد من المساواة وإلى نمو اقتصادي كبير، لأن الزيادة في رأس المال البشري تفوق الخسائر الناتجة عن دفع الضرائب لنظام التعليم (راجع Okun 1975، 81 ومايليها؛  وللاستزادة حول كفاءة تنوع المؤسسات غير السوقية انظر Heath 2006). في واقع الأمر، في بعض البلدان مثل الدول الاسكندنافية  دولة الرفاهية القوية تتعايش مع اقتصاد سوق مزدهر، مما يُضعف مزاعم عدم التوافق المتبادل.  بالإضافة إلى دورها في إعادة التوزيع، يمكن لدولة الرفاهية أن يكون لها دور ثقافي واسع: كما ناقشه كونيقهام Cunningham (2005)، وأن تساعد في التغلب على الخوف المنعكس من المخاطر الوجودية التي يتعرض لها الأفراد في مجتمعات السوق خاصة التي تولِّد ثقافة الأنانية والمادية في مجتمعاتها. على سبيل المثال ، في دولة الرفاهية الجيدة  لا يجب على الأفراد تعظيم دخولهم  للادخار في حال البطالة، بل  يمكنهم الاشتراك في نظام اجتماعي فيه ضمانات ضد البطالة، ويمكن أن تشجع على المخاطرة لتقليل الفشل والتحفيز على الابتكار. [7]

  • مشاكل ثنائية “السوق” مقابل “الدولة

العلاقة بين السوق والدولة فُهمت بطريقة تقليدية على أنها مركب ثلاثي، كما هو موضح في القسمين 4.1 و 4.2: وهي 1) ضمان الدولة لحقوق الملكية وغيرها من الشروط المسبقة للأسواق؛ 2) تعمل الأسواق في إطار الدولة وتحقق نتائج فعالة؛ 3) تصحح الدولة إخفاقات السوق من خلال المؤسسات التكميلية مثل دولة الرفاهية. هذا النموذج أفترض مسبقاً في العديد من المناقشات حول الأسواق. ولكن هناك أسباب للاعتقاد بأنه غير كافٍ من الناحيتين الوصفية والمعيارية لمواكبة الحقائق الحالية.

         أولا، هناك مشكلة تتمثل في أن الأسواق أصبحت عالمية، في حين أن الإطار السياسي لا يزال يعتمد إلى حد كبير على الدول القومية، فذلك يمكن أن يؤدي ذلك إلى قصور في أعمالها، على الرغم من ضغط الأسواق على الدول حيال الاستغناء عن اللوائح الصارمة أو زيادة الضرائب المفروضة على رأس المال، وخاصة رأس المال المالي، حيث سيؤول بكثير من مستثمريها إلى مغادرة البلاد نحو ما يسمى بـ “الملاذات الضريبية” (Dietsch 2015). في السنوات الأخيرة، تزايد الاهتمام بـ الأسواق الدولية: من حيث تميزها عن الأسواق المحلية؛ على سبيل المثال، هل التفاوت الملحوظ في السلطة والأطر المؤسسية المختلفة في كافة البلدان يعني أنها بحاجة إلى تصور مختلف؟  كيف يمكن تنظيمها وتكميلها بمؤسسات أخرى من أجل تحقيق المزيد من العدالة العالمية؟ كيف يمكن للمجتمع الدولي، أو لمجموعة دول على الأقل، التعاون لتحقيق تلك العدالة؟ يتم تضمين هذه الأسئلة  عند  النقاش الواسع حول العدالة العالمية  (راجع على سبيل المثال، Pogge 2002; Caney 2005; Brock 2009، انظر أيضا Blake 2008).  يدور هذا النقاش، على سبيل المثال، حول المنظمات مثل منظمة التجارة العالمية التي يمكنها فرض معايير معينة على ظروف العمل (انظر على سبيل المثال، Barry/Reddy 2008)، أو حيال كيفية دمج التجارة في الموارد الطبيعية مع المنظمات التي تحارب “لعنة الموارد” التي تطارد البلدان ذات الموارد الطبيعية الغنية و الهياكل الحاكمة الضعيفة (انظر على سبيل المثال، Wenar 2015).  مثل هذه المقترحات تتساءل كيف يمكن للمؤسسات المنظمة للأسواق الدولية أن تغير طرق الكسب من التجارة المتبادلة وتمنح حصص عادلة للجميع (انظر أيضا James 2005; Risse 2007; Kurjanska/Risse 2008).

ثانياً، في كثير من الأحيان، يبدو أن مشاكل إخفاقات السوق وعدم استقراره تتزايد أكثر مما يمكن توقعه، خاصة في الأسواق المعقدة والمترابطة مثل الأسواق المالية (راجع على سبيل المثال Minsky 1986 وبالأخص الفصل التاسع؛ وللأسواق المالية بشكل عام انظر Herzog 2017). وهذا يعني أن هناك صعوبة في تنظيمها من قبل الدول، ويتعلق الأمر بدور التأثيرات النفسية كالتقليد (راجع على سبيل المثال، Akerlof and Shilling 2003) وربما بالاختلال الهائل للقوة داخل هذه الأسواق، والتي في الغالب تكون ناجمة عن عدم تناسق المعلومات أو عوائق دخول السوق. لذا، من الصعب التنبؤ بعواقب التغييرات التنظيمية في ظل وجود سلاسل سببية غير خطية وردة فعل “الأسواق” يصعب توقعها، والتي ينتج عنها غموض في كيفية تقييم تأثيرها على المجتمع. وهذا يثير تساؤل حول مدى وجوب استخدام الدول نهج أكثر مرونة لتنظيم الأسواق، أو هناك طرق تقلل من هشاشة النظام الاقتصادي العالمي.

ثالثاً، أن أساس انتقاد الانقسام بين “السوق” و”الدولة” هو تجاهل تأثير الوكلاء الاقتصاديين الأقوياء على صنع القرار السياسي، على سبيل المثال، الشركات الكبيرة. ناقش بعض الكتاب كون بعض البلدان الرأسمالية، ولا سيما الولايات المتحدة، لا تستطيع أن تنظم الأسواق. لأن قواعد العمل والاطار المؤسسي للسوق تم وضعه من قبل الوكلاء الأقوياء من بين الشركات والنخب السياسية وبما يتوافق مع مصالحهم الخاصة وعلى حساب مجتمعاتهم (على سبيل المثال، Crouch 2011)

تعتبر هذه النقاط ذات أهمية خاصة بسب مشاكل ندرة الموارد الطبيعية وتغير المناخ التي أثارت قضايا حول مدى قدرة إطار السوق السياسي التوجه نحو مسار أكثر استدامة.  ونظراً لأن العديد من الأنشطة التي تضر بالبيئة الطبيعية تتم كأنشطة سوقية، فإن تنظيمها غالبا ما يتطلب تنظيم الأسواق. وبالنظر إلى صعوبة تأسيس إطار تنظيمي على نطاق عالمي، يتطلب ذلك عملاً تطوعياً من قبل المشاركين الأفراد في السوق، على سبيل المثال، شراء المنتجات المزروعة بشكل مستدام والسيارات ذات الانبعاثات الكربونية المنخفضة. مثالياً، يجب أن تخلق مثل هذه الافعال التطوعية حوافزاً للشركات حيال إيجاد حلول مبتكرة لتقليل استنزاف الموارد واستهلاك الطاقة (راجع أيضاً 5.2 أدناه). وعلى الرغم من أن الأسواق جزءاً من المشكلة فقد تكون ايضاً جزءا من الحل لمواجهة التحديات التي يثيرها الفقر ونضوب الموارد وتغير المناخ.

 

  • الترابط مع المؤسسات

الترابط بين الأسواق والمؤسسات الأخرىتم تأكيده من خلال البحث الاجتماعي الذي تناول “انواع الرأسمالية” وما يماثلها من المناهج الأخرى. ويجادلون بأنه بدلاً من وجود مجموعة واحدة من “أفضل” المؤسسات، هناك مجموعات من مؤسسات في المجال الاقتصادي والسياسي متناغمة معا وبشكل أفضل من غيرها – وتشكل “تكاملات مؤسسية”.  كما وضح هول وسوسكايس Hall and Soskice، بأنه يمكن للفرد أن يميز بين اقتصادات السوق “الليبرالية” و”المنسقة” من حيث آليات الترابط مع مجالات أخرى مثل العلاقات الصناعية بين أصحاب الأعمال والموظفين (أو النقابات)، ومؤسسات التدريب والتعليم المهني، وحوكمة الشركات، أو العلاقات بين الشركات. اقتصادات السوق الليبرالية، تسود في البلدان الأنجلوسكسونية، فيها آليات للسوق واسعة الانتشار؛ على سبيل المثال عقود العمل فيها تتسم بالقصر عن غيرها. أما اقتصادات السوق المنسقة ، والتي يمكن ايجادها في قارة أوروبا ، حيث تلعب الأشكال التنسيقية فيها دوراً كبيراً، مثل المفاوضة الجماعية (Hall and Soskice 2001).  يجب أن تؤخذ العلاقات المتبادلة، التي يمكن تجاهلها في التنظير التجريدي، بالاعتبار عندما يعالج الفلاسفة السياسيون أسئلة محددة حول الأسواق في النظرية “غير المثالية” (كما فعلت، على سبيل المثال، عند Keat 2008). في الغالب يركز الفلاسفة على القواعد واللوائح مع الاخذ في الاعتبار تفضيلات الأفراد كما هي، وكذلك يتبنون ضمنيا منظوراً “اقتصادياً” في الأسواق. لكن المنظور “الاجتماعي” يأخذ في الاعتبار توليد التفضيلات والسياق الاجتماعي الواسع، بما يُمكّن الفرد من معرفة الطرق التي يمكن من خلالها تغيير نتائج الأسواق. التغييرات في المؤسسات المختلفة وتفضيلات الأفراد و “الروح” التي تحكم سوق معينة يجب، وبشكل مثالي، أن تتعاضد وتكون متسقة فيما بينها. من غير المرجح أن المشاكل الحالية التي تسهم في نشؤها الأسواق، مثل العدالة العالمية وتغير المناخ، يمكن حلها بالاعتماد فقط على أحد هذه الوسائل.  الهدف والجدوى من الاستعدادات السوقية وغير السوقية المتنوعة لمعالجة القضايا السوقية، أن تكون بالتزامن مع الأسئلة المستثارة حول الأسواق الدولية، ويصب ذلك في كيفية توجيهها نحو الأهداف المعيارية مثل الازدهار البشري والمساواة ،  وتعد من أهم المواضيع في الوقت المعاصرة في مجال الأسواق.

 

  1. موضوعات ذات الصلة

عندما يتبحر الفلاسفة في الأسواق ومكانتها ودورها في المجتمع، يجب أن يكونوا على دراية بأن النظريات حول الأسواق يمكن أن تشتمل على أحكامها القيمية الضمنية أحياناً. وهذا هو السبب بأن يكونوا أكثر دقة وحساسية عند استثارة الأسئلة المنهجية العلمية المتخصصة حول الأسواق، على سبيل المثال الاقتصاد. ومن زاوية الاستنتاجات المعيارية، فعلى الفلاسفة السياسيين أن يأخذوا في الاعتبار الحجج التي قدمت من قبل علماء أخلاقيات العمل  ذات العلاقة بالواجبات الأخلاقية  لمنتسبي الأسواق. مؤخراً، ناقش هيث وآخرون Heath et al. (2010) أخلاقيات العمل والفلسفة السياسية التي يمكن أن تستفيد من التكامل الوثيق  فيما بينها، وهذا ينطبق  خصوصاً على المناقشات حول الأسواق.  في هذا القسم الأخير، سيناقش بإيجاز هذين الموضوعين ذات الصلة بـ الأسواق.

 

  • أسئلة منهجية في الاقتصاد

من المهم التمييز بين القضايا المنهجية في الاقتصاد (انظر Hausman 2008) من زاوية الأسئلة المعيارية. غالباً ما يكون هذا النوع من القضايا متشابك بطرق معقدة. يتعلق أحد الامثلة بالافتراضات حول العقلانية البشرية، حيث تفترض النماذج الاقتصادية القياسية العقلانية الكاملة، والتي تستبعد مشاكل مثل ضعف الإرادة، بأنه لا يمكن إثارة الانتقادات المعيارية للأسواق التي تُبنى على قدرات مشاركين أكثر عقلانية باستغلال الآخرين الأضعف عقلانية ضمن هذا الإطار.  بشكل عام، الحجج العقلانية لا تعتقد أن التنظير الاقتصادي يخلو من القيم (انظر على سبيل المثال Mongin 2006). وهذا يعني أن من يرغب من الفلاسفة في مناقشة القضايا المعيارية حول الأسواق يتحتم عليه توضيح الافتراضات المعيارية المدخلة من قبلهم عن هذه الأسواق لأنها مدمجة في نماذج الاقتصاديين.  ويعد المنهج العقلاني هو الاتجاه السائد للتنظير الاقتصادي في العقود الماضية، مناهج جديدة، على سبيل المثال، الاقتصاد السلوكي أو الاقتصاد المؤسسي وبافتراضات جديدة أثارا تحديات منهجية جديدة. على سبيل المثال، أهمية استكشاف معايير الإنصاف في السياقات الاقتصادية (على سبيل المثال Kahneman/Knetsch/Thaler 1986; Fehr/Schmidt 1999) أثار تساؤل حول العلاقة بين معايير الإنصاف التي يفضلها الفلاسفة السياسيون والمبادئ التي يمكن ملاحظتها في سلوك الناس. ومن المجالات المثيرة  للاهتمام هي “التنبيهات” التي يفترض أن تقود البشر نحو المزيد من العقلانية أو نحو السلوكيات المرغوبة اجتماعياً في تغيير نقاط الضعف المؤسسية (على سبيل المثال، Thaler/Sunstein 2008)، الأمر الذي أدى  إلى تساؤلات فلسفية حول الأبوة.

 

  • أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات

المناقشات حول أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات أُهتم بها مع سلوك الأفراد خصوصاً في الأسواق (انظر Marcoux 2008). يعتمد نطاق هذه الأساليب إلى حد ما على الإطار القانوني والثقافي الذي تعمل فيه الشركات. ويمكن القول بأن الاهتمام المتزايد بهذه القضايا في العقود الأخيرة له علاقة إما بعدم رغبة أو عدم قدرة الدول على تنظيم سلوك الشركات (راجع Smucker 2006). لذلك قد يعتقد أحد أن مثل هذه الأساليب ليست سوى حلول غير كافية للمشاكل التي تفشل الدول في حلها. وفي هذا السياق، تلعب هذه الأساليب دوراً مهماً خصوصاً في الأسواق الدولية، حيث إنه من غير المحتمل التغلب على المشكلات التنظيمية على المستوى العالمي في الأجل القصير. ومن ضمن المبادرات التي تسعى إلى هذا التنظيم هو الميثاق العالمي للأمم المتحدة بمبادرته في إدخال المعايير الأخلاقية الأساسية في الأسواق العالمية. وتجدر الإشارة إلى أن مفاهيم “ممارسة الأعمال التجارية”  تشتمل في الاجل الطويل على أفكار ذات علاقة بمعايير أخلاقية معينة، وغالبا ما يُتعرف عليها من منظور “أمانة” التاجر (راجع على سبيل المثال، Smith 1978  [1762/66] 538 وما يليها). يدعي فريدمان (1970) في مقالته المشهورة أن “المسؤولية الاجتماعية للأعمال التجارية هي زيادة في الأرباح، ويرى أن رجال الأعمال يجب أن يقوموا بها  مع الالتزام بالقواعد الأساسية   للمجتمع  سواء تلك المنصوص عليها في القانون أو تلك الموجودة في الأعراف الأخلاقية“.  يجادل هيث   (2014) أن سعي الشركات نحو تحقيق الأرباح يجب أن تلازمه مسؤولية عدم استغلال إخفاقات السوق، مثل تباين المعلومات، وبما يحقق الأخلاق والكفاءة.  التساؤل المهم الذي يربط أخلاقيات العمل والمسؤولية الاجتماعية للشركات بالتقييم المعياري للأسواق وما إذا  كانت الأسواق تكافئ أو تعاقب على السلوك الأخلاقي، وما إذا  كانت أخلاقيات العمل عبء أو ميزة استراتيجية للشركات (على سبيل المثال انظر Porter/Kramer 2006، حيال آلية تحقيق هذا الأخير). ويعتمد هذا على تضمينها مؤسسياً، وكذلك ايضاً على “أخلاقيات الاستهلاك”  لدى المستهلكين ، وهو مجال بحثي جديد ومهم في مجال الأسواق (انظر على سبيل المثال، Crocker/Linden 1998; Schwarz 2010). إن الفكرة الأساسية هنا هي أن المستهلكين لا يعربون  عن مصلحتهم الذاتية فحسب، بل عن خياراتهم الأخلاقية في الأسواق أيضاً، ومن هنا يمكن أن تغدو الأسواق وسائل نحو مجتمعات أكثر عدلاً واقتصادات مستدامة. في العديد من المجتمعات، هي عملية مستمرة  ينظر في مدى جدواها حيال توجيه الاقتصاد العالمي نحو تعظيم العدالة والاستدامة.

 

 


المراجع

  • Acemoglou, D., and J. Robinson, 2012, Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty, New York: Crown Business.
  • Akerlof, G. A., and R. J. Shiller, 2009, Animal Spirits: How Human Psychology Drives the Economy, and Why it Matters for Global Capitalism, Princeton: Princeton University Press.
  • Anderson, E., 1992, Values in Ethics and Economics, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Anderson, E., 2017, Private Government. How Employers Rule Our Lives (and Why We Don’t Talk about It), Princeton: Princeton University Press.
  • Aristotle, Politics, in The Complete Works of Aristotle, J. Barnes (ed.), Princeton: Princeton University Press, 1984.
  • Arneson, R.J., 2008, “Rawls, Responsibility, and Distributive Justice”, in Justice, Political Liberalism, and Utilitarianism: Themes from Harsanyi and Rawls, M. Fleurbaey and J.A. Weymark (eds.), Cambridge: Cambridge University Press, 80–107.
  • Arnold, S., 1987, “Why Profits are Deserved”, Ethics, 97: 387–402.
  • Bardhan, P., and J. E. Roemer (eds.), 1993, Market Socialism: The Current Debate, New York: Oxford University Press.
  • Barry, B., 2005, Why Social Justice Matters, Cambridge: Polity.
  • Barry, C., and S. Reddy, 2008, International Trade and Labor Standards: A Proposal for Linkage, New York: Columbia University Press.
  • Basu, K., 2007, “Coercion, contract and the limits of the market”, Social Choice and Welfare, 29: 559–579.
  • Basu, K., and P.H. Van, 1998, “The Economics of Child Labour”, The American Economic Review, 88(3): 412–427.
  • Bator, F.M., 1958, “The Anatomy of Market Failure”, Quarterly Journal of Economics, 72(3): 351–379.
  • Becker, G., 1976, The Economic Approach to Human Behavior, Chicago: University of Chicago Press.
  • Becker, S. O. and L. Woessmann, 2009, “Was Weber Wrong? A Human Capital Theory of Protestant Economic History”, Quarterly Journal of Economics, 124 (2): 531–596.
  • Beckert, J., 2002, Beyond the Market. The Social Foundations of Economic Efficiency, Princeton: Princeton University Press.
  • Bell, D., 2012, “Communitarianism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2012/entries/communitarianism/>.
  • Berman, S., 2006, The Primacy of Politics: Social Democracy and the Making of Europe’s Twentieth Century, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Blake, M., 2008, “International Justice”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2008 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2008/entries/international-justice/>.
  • Blaug, M., 1996, Economic Theory in Retrospect (Fifth Edition), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Boutang, Y. M., 2011, Cognitive Capitalism, transl. by E. Emery, Cambridge: Polity Press.
  • Bowles, S., 2011, “Is Liberal Society a Parasite on Tradition”, Philosophy & Public Affairs, 39(1): 46–81.
  • Brennan, J., and P. M. Jaworski, 2015, “Markets without Symbolic Limits”,Ethics, 39(1): 46–81.
  • Brighhouse, H., and A. Swift, 2006, “Equality, Priority, and Positional Goods”, Ethics, 125(4): 1053–1077.
  • Brock, G., 2009, Global Justice: A Cosmopolitan Account, Oxford: Oxford University Press.
  • Buchanan, A. E., 1985, Ethics, Efficiency, and the Market, Towota, NJ: Rowman & Allanheld.
  • Buchanan, J., 1975, The Limits of Liberty: Between Anarchy and Leviathan, Chicago: University of Chicago Press.
  • Callon, M., 1998, “Introduction. The embeddedness of Economic Markets in Economics”, in The Laws of the Market, Oxford: Blackwell Publishers/The Sociological Review, pp. 1–57.
  • Caney, S., 2005, Justice Beyond Borders: A Global Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Camerer, C., with G. Loewenstein, and M. Rabin (eds.), 2003, Advances in Behavioral Economics, Princeton: Princeton University Press.
  • Carens, J. H., 1981, Equality, Moral Incentives, and the Market. An Essay in Utopian Politico-Economic Theory, Chicago/London: Chicago University Press.
  • Ciepley, D., 2013, “Beyond Public and Private:Toward a Political Theory of the Corporation”, American Political Science Review, 107(1): 139–158.
  • Claassen, R., 2008, “The status struggle: A recognition-based interpretation of the positional economy”, Philosophy and Social Criticism, 34: 1021–1049.
  • Claassen, R., 2015, “Markets as Mere Means”, British Journal of Political Science, 47: 263–281.
  • Coase, R. H., 1960, “The Problem of Social Cost”, Journal of Law and Economics, 3(1): 1–44.
  • Cohen, G. A., 1979, “Capitalism, Freedom and the Proletariat”, in The Idea of Freedom. Essays in Honour of Isaiah Berlin, A. Ryan (ed.), Oxford: Oxford University Press, pp. 9–25.
  • Cohen, G.A., 1995, Self-Ownership, Freedom, and Equality, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Cowen, T. (ed.), 1988, Public Goods and Market Failures: A Critical Examination, New Brunswick, NJ: Transaction Publishers.
  • Crocker, D.A., and T. Linden (eds.), 1998, Ethics of Consumption: The Good Life, Justice, and Global Stewartship, Oxford: Rowman & Littlefield.
  • Crouch, C., 2011, The Strange Non-Death of Neo-liberalism, Cambridge: Polity.
  • Cunningham, F., 2005, “Market economies and market societies”, Journal of Social Philosophy, 36(2): 129–142.
  • Dietsch, P., 2010, “The market, competition, and equality”, Politics, Philosophy & Economics, 9(2): 213–244.
  • –––, 2015, Catching Capital–The Ethics of Tax Competition, New York: Oxford University Press.
  • Dorfman, A. and A. Harel, 2013, “The Case Against Privatization”, Philosophy & Public Affairs, 41(1): 67–102
  • Durkheim, E., 1997 [1893], The Division of Labour in Society, L.A. Coser (ed.), New York: The Free Press.
  • Dworkin, R., 2000, Sovereign Virtue: The Theory and Practice of Equality, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Emmett, R. B., (ed.), 2010, The Elgar Companion to the Chicago School of Economics, Cheltenham: Edward Elgar.
  • Eucken, W., 1939, Die Grundlagen der Nationalökonomie, Jena: G. Fischer.
  • Fehr, E., and K. M. Schmidt, 1999, “A theory of fairness, competition, and cooperation”, The Quarterly Journal of Economics, 114 (3): 817–86
  • Fleurbaey, M., 2012, “Economics and Economic Justice”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2012 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2012/entries/economic-justice/>.
  • Fligstein, N., 1996, “Markets as Politics: A Political-Cultural Approach to Market Institutions”, American Sociological Review, 61 (4): 656–673.
  • Frank, R. H., 2005, “Positional Externalities Cause Large and Preventable Welfare Losses”, American Economic Review, 95(2): 137–141.
  • Fraser, N., and A. Honneth, 2003, Redistribution or Recognition?: A Political-Philosophical Exchange, London: Verso.
  • Freeman, S., 2001, “Illiberal Libertarians: Why Libertarianism Is Not a Liberal View”, Philosophy & Public Affairs, 30(2): 105–151.
  • –––, 2011, “Capitalism in the classical and high liberal traditions”, Social Philosophy and Policy, 28: 19–55.
  • Friedman, D., 1973, The Machinery of Freedom. Guide to a radical capitalism, New York: Harper & Row.
  • Friedman, M., 1962, Capitalism and Freedom, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1970, “The Social Responsibility of Business is to Increase its Profits”, The New York Times Magazine, September 13, 1970.
  • Frey, B., 1997, Not just for the money. An economic theory of personal motivation, Cheltenham: Edward Elgar.
  • Fromm, E., 1976, To Have or to Be?, London/New York: Continuum.
  • George, D., 2001, Preference Pollution. How Markets Create the Desires We Dislike, Ann Arbor: University of Michigan Press.
  • Gneezy, U., and A. Rustichini, 2000, “A Fine is a Price”, Journal of Legal Studies, XXIX: 1–17.
  • Granovetter, M., 1985, “Economic Action and Social Structure: The Problem of Embeddedness”, The American Journal of Sociology, 91(3): 481–510.
  • Hall, P. A., and Soskice, D., 2001, “An Introduction to Varieties of Capitalism”, in Varieties of Capitalism: The Institutional Foundations of Comparative Advantage, P. A. Hall and D. Soskice (eds.), New York: Oxford University, pp. 1–68.
  • Hardin, G., 1968, “The Tragedy of the Commons”, Science, 162(3859): 1243–1248.
  • Hayek, F.A. v., 1944, The Road to Serfdom, London: Routledge.
  • –––, 1945, “The Use of Knowledge in Society”, American Economic Review, 35: 519–30.
  • –––, 1973–79, Law, Legislation and Liberty, Chicago: University of Chicago Press.
  • –––, 1978, Law, Legislation and Liberty (Volume 2: The Mirage of Social Justice), Chicago: University of Chicago Press.
  • Hausman, D. M., 2008, “Philosophy of Economics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2008 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2008/entries/economics/>.
  • Heath, J., 2006, “The benefits of cooperation”, Philosophy and Public Affairs, 34(4): 313–351.
  • Heath, J., 2014, Morality, Competition and the Firm, New York: Oxford University Press.
  • Heath, J., J. Moriarty and W. Norman, 2010, “Business Ethics and (or as) Political Philosophy”, Business Ethics Quarterly, 20(3): 427–452.
  • Hegel, G. W. F., 1942 [1821], Philosophy of Right, translated with notes by T. M. Knox, Oxford: Clarendon Press.
  • Herzog, L., 2013, Inventing the Market. Smith, Hegel, and Political Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Herzog, L. (ed.), 2017, Just Financial Markets? Finance in a Just Society, Oxford: Oxford University Press.
  • Hirsch, F., 1976, The Social Limits to Growth, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Hirschman, A. O., 1970, Exit, voice, and loyalty: responses to decline in firms, organizations, and states, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1977, The Passions and the Interests: Political Arguments for Capitalism before its Triumph, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • –––, 1983, “Rival Interpretations of Market Society: Civilizing, Destructive, or Feeble?” Journal of Economic Literature, XX: 1463–1484.
  • Hont, I., 2005, Jealousy of Trade: International Competition and the Nation-State in Historical Perspective, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Illouz, E., 2012, Why Love Hurts, Cambridge: Polity.
  • Jaeggi, R., 2014, Alienation, New York: Columbia University Press.
  • James, A., 2005, “Distributive Justice without Sovereign Rule: The Case of Trade”, Social Theory and Practice, 31(4): 533–559.
  • Kahneman, D., and A. Tversky, 1979, “Prospect Theory: An Analysis of Decision Making under Risk”, Econometrica, 47: 263–91.
  • Kahneman, D., J. L. Knetsch and R. Thaler, 1986, “Fairness as a Constraint on Profit Seeking: Entitlements in the Market”, American Economic Review, 76(4): 728–741.
  • Keat, R., 2008, “Practices, Firms and Varieties of Capitalism”, Philosophy of Management, 7(1): 77–91.
  • Keynes, J. M., 1936, The General Theory of Employment, Interest and Money, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Knight, F. H., 1923, “The Ethics of Competition”, Quarterly Journal of Economics, 37: 579–624.
  • Kołakowski, L., 1978, Main Currents of Marxism, London: Oxford University Press.
  • Kramer, M. and M. Porter, 2006, “Strategy & Society: The Link Between Competitive Advantage and Corporate Social Responsibility”, Harvard Business Review, December 01, 2006.
  • Kurjanska, M., and M. Risse, 2008, “Fairness in Trade II: export subsidies and the Fair Trade movement”, Philosophy, Politics, and Economics, 7(1): 43–49.
  • Laibson, D., 1997, “Golden Eggs and Hyperbolic Discounting”, The Quarterly Journal of Economic, 112(2): 443–478.
  • Lane, R., 1991, The Market Experience, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Locke, J., 1960 [1689], Second Treatise of Government, P. Laslett (ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Luxemburg, R., 2003 [1913], The Accumulation of Capital: A Contribution to an Economic Explanation of Imperialism, London: Routledge.
  • MacGilvray, E., 2011, The Invention of Market Freedom, Cambridge: Cambridge University Press.
  • MacIntyre, A., 1984, After Virtue. 2nd edition, Notre Dame: University of Notre Dame Press.
  • MacKenzie, D., 2009, Material Markets. How Economic Agents Are Constructed, Oxford: Oxford University Press.
  • Mandeville, B., 1924 [1714/29], The Fable of the Bees, Part I (1714), Part II (1729), F. B. Kaye (ed.), Oxford: Clarendon Press.
  • Malthus, T., 1992 [1798], An Essay on the Principle of Population, D. Winch (ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Mankiw, N. G., 2010, “Presidential Address: Spreading the Wealth Around: Reflections Inspired by Joe the Plumber”, Eastern Economic Journal, 36: 285–298.
  • Marcoux, A., 2008, “Business Ethics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2008 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2008/entries/ethics-business/>.
  • Marshall, T. H., 1992, Citizenship and Social Class, London: Pluto.
  • Marx, K., 1995 [1867], Capital (Volume I), in Marx/Engels Internet Archive, available online.
  • –––, 1995 [1844], Economic and Philosophic Manuscripts of 1844, in Marx/Engels Internet Archive, available online.
  • –––, and F. Engels, 1995 [1848], Communist Manifesto, in Marx/Engels Internet Archive, available online.
  • Mas-Colell, A., M. Whinston, and J. Green, 1995, Microeconomic Theory, Oxford: Oxford University Press.
  • Mauss, M., 1990 [1923–24], The Gift: forms and functions of exchange in archaic societies, London: Routledge.
  • McCloskey, D., 2006, The Bourgeois Virtues: Ethics for an Age of Commerce, Chicago: University of Chicago Press.
  • Mill, J.S., 2004 [1848], Principles of Political Economy with Some of Their Applications to Social Philosophy, London: Prometheus Books.
  • Miller, D., 2001, Principles of Social Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Minsky, H., 1986, Stabilizing an Unstable Economy, New Haven/London: Yale University Press.
  • Mises, L. v., 1949, Human Action: A Treatise on Economics, New Haven: Yale University Press.
  • Mongin, P., 2006, “Value Judgments and Value Neutrality in Economics”, Economica, 73: 257–286.
  • Murphy, L., and T. Nagel, 2002, The Myth of Ownership: Taxes and Justice, Oxford: Oxford University Press.
  • Narveson, J., 1995, “Deserving Profits”, in Profits and Morality, R. Cowan and M. .J. Rizzo (eds.), Chicago: University of Chicago Press, pp. 48–87.
  • Nozick, R., 1974, Anarchy, State, And Utopia, New York: Basic Books.
  • O’Neill, M., and T. Williamson (eds.), 2012, Property-Owning Democracy: Rawls and Beyond, Chichester: Blackwell.
  • Okun, A. M., 1975, Equality and Efficiency: The Big Tradeoff, Washington: Brookings Institution Press.
  • Olsaretti, S., 2004, Liberty, Desert and the Market: A Philosophical Study, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Otsuka, M., 2003, Libertarianism without Inequality, Oxford: Oxford University Press.
  • Pettit, P., 2006, “Freedom in the market”, Politics, Philosophy & Economics, 5(2): 131–149.
  • Phillips, A., 2008, “Egalitarians and the Market: Dangerous Ideals”, Social Theory and Practice, 34(3): 439–462.
  • Phillips, A., 2013, Our Bodies, Whose Property?, Princeton: Princeton University Press.
  • Piketty, T., 2014, Capital in the Twenty-First Century, Cambridge, MA.: Harvard University Press.
  • Pistor, K., 2013, “A Legal Theory of Finance”, Journal of Comparative Economics, 41(2): 315–330.
  • Pogge, T. 2002, World Poverty and Human Rights: Cosmopolitan Responsibilities and Reforms, Cambridge: Polity Press.
  • Polanyi, K., 1944, The Great Transformation, Boston: Beacon Press.
  • Radin, M. J., 1996, Contested Commodities, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Rawls, J., 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.
  • –––, 1993, Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
  • Ricardo, D., 2005 [1817], Principles of Political Economy and Taxation, in The Works and Correspondence of David Ricardo (Volume 1), Piero Sraffa (ed.), with the collaboration of M.H. Dobb, Indianapolis: Liberty Fund.
  • Risse, M., 2007, “Fairness in Trade I: Obligations from Trading and the Pauper-Labor Argument”, Philosophy, Politics, and Economics, 6(3): 355–377.
  • Robeyns, I., 2011, “The Capability Approach”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2011 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2011/entries/capability-approach/>.
  • Roemer, J., 2012, “Ideology, Social Ethos, and the Financial Crisis”, The Journal of Ethics, 16: 273–303.
  • Rose, D. C., 2011, The Moral Foundations of Economic Behavior, New York: Oxford University Press.
  • Rothbard, M., 1970, Power and Market: Government and the Economy, Kansas City: Sheed Andrews and McMeel.
  • Rousseau, J.J., 1997 [1750ff.], The Discourses and Other Early Political Writings, Victor Gourevitch (ed.), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sandel, M. J., 2012, What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets, New York: Farrar Straus Giroux.
  • Satz, D., 2010, Why Some Things Should not be for Sale: The Moral Limits of Markets, Oxford: Oxford University Press.
  • Schumpeter, J., 1942, Capitalism, Socialism and Democracy, New York: Harper & Brothers,
  • –––, 1954, History of Economic Analysis, London: Allen & Unwin.
  • Schwarz, David T., 2010, Consuming Choices, Plymoth, UK: Rowman & Littlefield.
  • Scott, B. R., 2011, Capitalism. Its Origins and Evolution as a System of Governance, New York: Springer.
  • Sen, A., 1977, “Rational Fools: A Critique of the Behavioural Foundations of Economic Theory”, Philosophy and Public Affairs, 6: 317–344.
  • –––, 1985, “The Moral Standing of the Market”, Social Philosophy and Policy 3: 1–19.
  • –––, 1993, “Capability and Well-Being”, The Quality of Life, M. Nussbaum and A. Sen (eds.), New York: Oxford Clarendon Press, pp.30–53.
  • –––, 1997 [1973], On Economic Inequality, New York: Oxford University Press.
  • Shiffrin, S., 2007, “Intellectual Property”, A Companion to Contemporary Political Philosophy, R. Goodin, P. Pettit, T. Pogge (eds.), Oxford: Blackwell, 653–668.
  • Smith, A., 1976a [1776], An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations, D.D. Raphael and A. L. Macfied (eds.), Oxford: Clarendon Press (abbreviation: WN).
  • –––, 1976b [1759], The theory of moral sentiments, D. D. Raphael and A. L. Macfie (eds.), Oxford: Clarendon Press.
  • –––, 1978 [1762/66], Lectures on jurisprudence, R. L. Meek, D.D. Raphael, and P.G. Stein (eds.), Oxford: Clarendon Press.
  • Smucker, J., 2006, “Pursuing corporate social responsibility in changing institutional fields”, in Just Business Practices in a Diverse and Developing World, F. Bird and M. Velasquez (eds.), Houndsmills, Basingstoke: Palgrave McMillan, pp. 81–108.
  • Taylor, R.S., 2013, “Market Freedom as Anti-Power”, American Political Science Review, 107(3): 593–602.
  • Thaler, R. H. and C. R. Sunstein, 2008, Nudge: Improving Decisions about Health, Wealth, and Happiness, New Haven: Yale University Press.
  • Titmuss, R., 1971, The Gift Relationship: From Human Blood to Social Policy, New York: Random House.
  • Tomasi, J., 2012, Free Market Fairness, Princeton/Oxford: Princeton University Press.
  • Vallentyne, P., and H. Steiner (eds.), 2000, Left-Libertarianism and Its Critics: The Contemporary Debate, New York: Palgrave
  • Van Parijs, Ph., 1995, Real Freedom for All. What (if anything) can justify capitalism, Oxford: Clarendon Press.
  • Waldron, J., 1993, “Homelessness and the Issue of Freedom”, in Liberal Rights, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 309–338.
  • Walzer, M., 1983, Spheres of Justice. A Defense of Pluralism and Equality, New York: Basic Books.
  • Weber, M., 2002 [1905], The Protestant Ethic and the “Spirit” of Capitalism and Other Writings, P. R. Baehr and G. C. Wells (eds.), London: Penguin Books.
  • Wenar, L., 2015, Blood Oil. Tyrants, Violence, and the Rules that Run the World, Oxford: Oxford University Press.
  • Widerquist, K., 2013, Independence, Propertylessness, and Basic Income: A Theory of Freedom as the Power to Say No, New York: Palgrave Macmillan.
  • Wright, E. O., 2011, Envisioning Real Utopias, London: Verso.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مداخل ذات صلة

economics: philosophy of | economics and economic justice | ethics: business | socialism

Acknowledgments

The author would like to thank Andrew Walton, Anca Gheaus, Simon Derpmann, Karl Widerquist and Rutger Claassen for valuable comments and suggestions, and Dan Hausman for a very helpful review.


[1] [1] Herzog, Lisa, “Markets”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/markets/>.