فلسفة السلطة – ميشيل فوكو / ترجمة: الزواوي بغوره

فلسفة السلطة – ميشيل فوكو / ترجمة: الزواوي بغوره


الحرب والسلطة- الفلسفة وحدود السلطة- الحق والسلطة الملكية- القانون، الهيمنة والإخضاع- تحليلية السلطة: مسائل المنهج- نظرية السيادة- السلطة الانضباطية- القاعدة والمعيار. هذه السنة أريد أبدأ، وأن أبدأ فقط، سلسة من البحوث حول الحرب، باعتبارها مبدأ محتملاً ومتوقعاً لتحليل علاقات السلطة: فهل هي من جهة العلاقات الشرسة، من جهة نموذج الحرب ومخطط الصراع، تلك الصراعات التي يمكن أن نجد فيها مبدأ للمعقولية ولتحليل السلطة السياسية، أي لتحليل السلطة السياسية بلغة الحرب والصراعات والمجابهات؟ أريد أن أبدأ أساساً بتحليل المؤسسة العسكرية في عملها ووظيفتها الواقعية والعقلية والتاريخية في مجتمعاتنا منذ القرن السابع عشر إلى يومنا هذا. ولكن قبل هذا، أريد أن ألخص، واضعاً النقاط على الحروف، ما قلته في السنوات الماضية، لأن هذا يسمح لي بربح الوقت من أجل القيام بأبحاثي حول الحرب، والتي لم تتقدم جيداً ولأنه من الممكن أن يساعد هذا بعضكم وخاصة الذين لم يحضروا في السنوات الماضية. وعلى أية حال، أريد أن ألخص لنفسي ما حاولت قطعه أو اجتيازه أو تحقيقه.

إن ما حاولت تحقيقه منذ سنة 1970م ـ1971م، هو «كيف تعمل السلطة»(1). ودراسة «كيف تعمل السلطة» تعني محاولة تحديد هذه الآليات ، بين مَعلـَمين أو حدين: من جهة، قواعد القوانين المحددة شكلياً للسلطة، ومن جهة أخرى أو الحد الآخر، آثار الحقيقة التي تنتجها السلطة وتقودها، والتي هي بدورها ـ أي الحقيقة ـ ترافق السلطة. إذن هنالك سؤال تقليدي في الفلسفة السياسية يمكن طرحه على النحو الآتي: كيف أن خطاب الحقيقة، أو ببساطة، كيف أن الفلسفة ترى أن خطاب الحقيقة المتميز يمكن أن يثبّت حدود وحق السلطة. ولكن السؤال الذي أريد طرحه سؤال واقعي مقارنة بالسؤال الفلسفي التقليدي والنبيل. إن مشكلتي هي بشكل من الأشكال: ما هي القواعد القانونية التي تقيمها السلطة من أجل إنتاج خطاب الحقيقة أو خطابات الحقيقة؟ أو ما هو نمط هذه السلطة القادر على إنتاج خطابات الحقيقة والتي هي في مجتمع مثل مجتمعنا تحمل آثاراً أو مشحونة بآثار وقوى وقدرات؟ أريد أن أقول إن علاقات السلطة في مجتمع كمجتمعنا ـ أو في أي مجتمع من المجتمعات ـ متعددة ومخترقة ومميزة ومكونة للجسد الاجتماعي، ولا يمكن فصلها أو إقامتها أو توظيفها من دون إنتاج ومراكمة وتوزيع وتشغيل أو توظيف لخطاب الحقيقة. ليس هنالك ممارسة للسلطة من دون نوع من اقتصاد لخطابات الحقيقة، التي تشتغل انطلاقاً من السلطة ومن خلالها. نحن خاضعون بواسطة إنتاج الحقيقة. وهذا ما ينطبق على كل المجتمعات، إلا أنني أعتقد أن هذه العلاقات بين السلطة والقانون والحقيقة، تنتظم بصفة جد خاصة.

ومن أجل ملاحظة كثافة العلاقة ودوامها واستمراريتها، وليس آلية العلاقة ذاتها بين السلطة والقانون والحقيقة، يمكن أن نقول ما يلي: فمن جهة، نحن ملزمون بإنتاج الحقيقة التي تقتضيها السلطة من أجل أن تعمل، علينا أن نقول الحقيقة، نحن مرغمون وملزمون بالاعتراف بالحقيقة وعلى إيجادها. إن السلطة لا تتوقف عن المساءلة، عن مساءلتنا، ولا تتوقف عن التحقق والتسجيل؛ إنها تـُمأسس البحث عن الحقيقة، وتجعله احترافياً وتمنحه مكافأة. علينا أن ننتج الحقيقة لكي نستطيع إنتاج الثروات أو الخبرات. نحن خاضعون للحقيقة من حيث إن الحقيقة هي القانون، وأن الخطاب الحقيقي هو الذي، في جزء منه، يقرر وينشر ويمرر آثار السلطة. وقبل كل شيء، فإننا نحاكم وندان ونصنف ونلزم بمهام وبنوع من الحياة والموت، تبعاً لخطاب الحقيقة الذي يحمل في ذاته آثار السلطة. إذن: قواعد قانونية، آليات السلطة، آثار الحقيقة، أو قواعد السلطة وسلطة خطابات الحقيقة… هذا هو تقريباً ما كان الميدان أو المجال العام جداً للمسار الذي حاولتُ القيام به، مسار قمتُ به وأعرف جيداً أنني قمت به بشكل تجزيئي وبكثير من التعرجات.

وحول هذا المسار، أريد الآن أن أقول بعض الكلمات. ما هو المبدأ العام الذي قادني؟ وما هي التوصيات الملزمة أو الاحتياطات المنهجية التي أردت اتخاذها؟ هنالك مبدأ عام متعلق بعلاقة القانون والسلطة، أتصور أن هنالك واقعة يجب ألا تتجاهل أو تنسى: إن تشكل الفكر القانوني والحقوقي في المجتمعات الغربية، منذ العصر الوسيط، وتمحوره حول السلطة الملكية قد تأسس بطلب من السلطة الملكية ومن أجل مصلحتها ومن أجل أن يخدمها كوسيلة، وهكذا تكوّن الصرح القانوني لمجتمعاتنا. القانون في الغرب هو قانون القيادة الملكية. والجميع يعرف الدور المشهور والمعروف والمكرر والمجتر لرجال القانون في تنظيم السلطة الملكية. فيجب ألا ننسى أن إعادة تنشيط القانون الروماني حوالي منتصف العصر الوسيط كان الظاهرة الكبيرة التي تمّت حولها وانطلاقاً منها إعادة تكوين وتشكيل الصرح القانوني المفكك بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، والذي كان أحدى الوسائل التقنية المكونة لحكم العاهل السلطوية والإدارية، وأخرياً، المطلقة. إذن تشكل الصرح القانوني حول الشخص الملكي، بطلب من السلطة الملكية ومن أجل مصلحتها. وعندما انفلت هذا الصراع القانوني للسلطة الملكية في القرون التالية، وعندما تم تحويله ضد السلطة الملكية، كان موضوع الإشكال والسؤال هو حدود هذه السلطة. فقد أصبحت المسألة متعلقة بالامتيازات والصلاحيات الخاصة بهذه السلطة، ويمكن القول إن الشخص المركزي في كل ذلك الصرح القانوني الغربي هو الملك. يتعلق الأمر إذن بالملك، بحقوقه بسلطته وبحدود هذه السلطة أيضاً؛ يتعلق الأمر بكل هذا النظام القانوني الغربي. وأما أن يكون رجال القانون خدماً للملك أو خصوماً له فإن الأمر في كل الأحوال متعلق بالسلطة الملكية في صروح الفكر والمعرفة القانونية والتشريعية هذه.

يتعلق الأمر بالنسبة للسلطة الملكية إما بإظهار الهيكل القانوني الخاص بالسلطة الملكية، وكيف أن العاهل يشكل فعلياً الجسد الحي للسيادة Souverainte، وكيف أن سلطته، وإن كانت مطلقة، كانت متطابقة حقاً مع قانون أساسي. أو على العكس إظهار وتبيان كيفية تحديد سلطة هذه السيادة، وما هي القاعدة القانونية التي يجب أن يخضع لها، وفي ظل أية حدود كان عليه أن يمارس سلطته حتى تحافظ تلك السلطة على شرعيتها. لقد كان لنظرية القانون دور أساسي منذ العصر الوسيط، يتمثل في تثبيت شرعية السلطة.

والمشكل الكبير والمركزي الذي تنتظم حوله نظرية القانون، هو مشكل السيادة. والقول إن مشكلة السيادة هو المشكل المركزي في قانون المجتمعات الغربية، يدل على أن الخطاب تقنيات القانون كان لهما دور أساسي هو: وجود واقع الهيمنة داخل السلطة، ولكي يظهر بدلاً منها شيئان أريد إخفاؤهما وهما: من جهة الحقوق الشرعية للسيادة ومن جهة أخرى الإلزام الشرعي بالطاعة. كان النظام القانوني في كليته متمركزاً حول الملك، أي أنه كان له في النهاية حق الهيمنة وما ينتج عنها.

في السنوات الماضية كننا تحدثنا عن بعض الأشياء أو الأمور الصغيرة التي طرحتها، إلا أن المشروع العام في مجمله يتلخـّص في محاولة قلب التوجه العام لهذا التحليل الذي كان يدور في اعتقادي حول الخطاب وحول القانون في مجمله وهذا منذ العصر الوسيط. لقد حاولت أن أقوم بعملية قلب، أعني أن أبين واقع الهيمنة، وسريتها وعنفها وقسوتها. ثم أن أظهر انطلاقاً من ذلك ليس فقط القانون، الذي كان وسيلة هذه الهيمنة بطبيعة الحال، ولكن أيضاً كيف وإلى أي حد وبأي شكل كان القانون (عندما أتحدث عن القانون لا أفكر فقط في مواده بل في مجمل الأجهزة والمؤسسات والإجراءات التي تطبق القانون) يمرر ويقيم ليس علاقات سيادة وإنما علاقات هيمنة. ولا أعني بالهيمنة قوة هيمنة وحيدة وكلية لأحدهم على الآخرين، أو جماعة على جماعة، لكن الأشكال المختلفة للهيمنة التي يمكن أن تمارس داخل المجتمع. إذن ليس الملك في وضعه المركزي، ولكن أفراد الرعية في علاقاتهم المتبادلة؛ ليست السيادة في صرحها الأوحد، ولكن الإخضاعات المتعددة التي حدثت وعملت داخل الجسد الاجتماعي.

إن النظام القانوني والحقل القضائي يشكلان الأرضية الدائمة لعلاقات الهيمنة وتقنيات الإخضاع المتعددة الأشكال. فلا يجب النظر إلى القانون في اعتقادي من جانب تثبيت الشرعية ولكن من جانب إجراءات الإخضاع Assujettissement التي يقيمها. إذن السؤال المطروح بالنسبة إلي، ومن أجل أن أختصر، هو في تجنب هذا السؤال المركزي بالنسبة للقانون والسيادة والطاعة، مشكلة الهيمنة والإخضاع. وهذا يتطلب بعض الاحتياطات المنهجية من أجل مواصلة ومتابعة هذا الخط الذي ينحرف عن الخط العام لتحليل القانون.

من هذه الاحتياطات المنهجية، أولاً: لا يتعلق الأمر بتحليل الأشكال الناظمة والشرعية للسلطة انطلاقا من مركزها ومن آليتها وآثارها الإجمالية. وإنما يتعلق الأمر بالعكس بتحديد السلطة من أطرافها وملامحها الأخيرة وحيث تصبح دقيقة وهشة، أي تحليل السلطة انطلاقاً من أشكالها ومؤسساتها المحلية أو الجهوية، هنالك حيث تتجاوز قواعد القانون المنظمة والمحددة لها، هنالك حيث تمتد خارج قواعدها، وحيث تكون داخل مؤسسات ومندمجة في تقنيات ومالكة لوسائل التدخل المادي التي يمكن أن تكون عنيفة. وإليكم هذا المثال: فبدلاً من البحث ومعرفة أين وكيف تكون السيادة، كما تقدمها الفلسفة، سواء ضمن القانون الملكي أو القانون الديموقراطي، الذي يؤسس السلطة العقابية، فإنني حاولت أن أعرف واقعياً كيف أن العقاب أو السلطة العقابية تندمج ضمن مجموعة من المؤسسات المحلية والجهوية والمادية سواء فيما يتعلق بالتعذيب أو بالسجن وهذا في الميدان القانوني والفيزيائي المنظم والعنيف للمؤسسات الواقعية للعقاب(2). بتعبير آخر، النظر إلى السلطة في أطرافها البعيدة والتي تقل فيها شيئاً فشيئاً الممارسة القانونية، وهذا هو الاحتياط المنهجي الأول.

الاحتياط الثاني: لا يتعلق الأمر بتحليل السلطة على مستوى القصد أو القرار، فلا يجب أخذها من الجانب الداخلي ولا يجب طرح هذا السؤال (الذي يشبه الدوامة التي لا مخرج منها): من يملك السلطة؟ ما الذي يدور في رأس الحاكم؟ وما الذي يبحث عنه الحاكم؟ إننا إذ أردنا أن نحلل السلطة، يجب أن لا نفكر في المقاصد، وإن كانت هذه المقاصد موجودة ومستمرة في الممارسات الواقعية والفعلية، بل يجب تحليل الجانب الخارجي للسلطة حيث تكون في علاقة مباشرة مع ما يمكن تسميته مؤقتاً وبشكل ظرفي، موضوعها وهدفها وفصله التطبيقي، بتعبير آخر، هنالك حيث تزرع وتنتج آثارها الواقعية. إذن لا يجب طرح السؤال: لماذا هنالك من يرغبون في الهيمنة؟ وعمّ يبحثون؟ وما هي استراتيجيتهم الجماعية؟ ولكن كيف تحدث الأمور، وما هي إجراءات الإخضاع المستمرة التي تـُخضع الأجساد وتقود الأفعال وتحكم السلوك؟ بكلمات أخرى، بدلاً من البحث في كيفية ظهور الحاكم في القمة أو في أعلى الهرم، يجب معرفة كيف تشكلت الذات فعلياً وباستمرار، وانطلاقاً من تعدد الأجساد والقوى والطاقات والمواد والرغبات والأفكار.. الخ، أي تعيين اللحظة المادية للإخضاع باعتبارها اللحظة المشكـّلة للذوات، وسيكون هذا عكس ما ذهب إليه هوبز في اللويثيان(3). أعتقد أن جميع المشرعين كانت مشكلتهم هي: كيف يمكن معرفة تشكل الإرادة، انطلاقاً من تعدد الأفراد والإرادات، أو أكثر من ذلك: كيف تشكل جسد وحيد تحركه روح واحدة، هي السيادة؟ يجب أن تتذكروا مخطط اللويثيان(4)، ففي هذا المخطط، نجد اللويثيان باعتباره إنساناً اصطناعياً؛ ليس أكثر من تجمع عدد كبير من الذوات المتفرقة، التي تجتمع بواسطة نوع من العناصر المكوّنة للدولة. يوجد على رأس الدولة شيء يكونها كما هي، وهذا الشيء هو السيادة، التي يقول عنها هوبز إنها بالتحديد روح اللويثيان. إذن بدلاً من طرح مشكلة الروح المركزية هذه، أعتقد أنه يجب أن نحاول ـ هو ما حاولت القيام به ـ دراسة الأجساد الطرفية المتعددة، هذه الأجساد المكونة بواسطة آثار السلطة، بوصفها ذواتاً.

الاحتياط المنهجي الثالث هو: لا يجب اعتبار السلطة وكأنها ظاهرة هيمنة واحدة موحدة ومنسجمة ـ كهيمنة فرد على مجموعة أو مجموعة على مجموعة، أو طبقة على طبقة ـ بل يجب أن نعرف أن السلطة ـ إلا في حالة تقديرها من أعلى ومن بعيد ـ ليست شيئاً يمكن تقاسمه أو توزيعه أو انقسامه بين الذين يملكونها والذين لا يملكونها، بين الذين يمارسونها والذين يخضعون لها. أعتقد أن تحليل السلطة يجب أن يكون كشيء حركي ومنتشر ومتداول أو باعتبارها تعمل كالسلسلة. لا تتموضع السلطة هنا أو هناك. ليس بين يديّ أي أحد، وهي لا تـُمتلك كما تـُمتلك الثروة والأملاك.. السلطة تعمل وتشتغل؛ السلطة تمارس في شبكة يكون الأفراد في وضع الخاضعين وأيضاً الممارسين للسلطة. ليس الهدف الثابت والمستمر للسلطة أن ينوء بها الأفراد بل أن يشكلوا صلة الوصل لها. بتعبير آخر، السلطة تنتقل بواسطة الأفراد ولا تنطبق عليهم. لا يجب إذن اعتبار الفرد كنوع من النواة الأولية أو الذرة البدائية والمادة الصماء المتعددة التي يطبق عليها، أو على جانبها، ويتم إخضاع الأفراد أو قهرهم. في الواقع إن ما يجعل جسداً أو إشارات أو خطابات أو رغبات متشابهة أو متجانسة أو متماثلة ومشكلة بوصفها فرداً، هو ما يشكل أحد آثار السلطة، بمعنى أن الفرد ليس مقابل السلطة، إنه في اعتقادي أحد آثار السلطة. الفرد أثر من آثار السلطة، أو نتيجة من نتائج السلطة، وهو في الوقت نفسه، ورغم كونه أثراً من آثار السلطة، إلا أنه يوصلها، فالسلطة تنقل بواسطة الأفراد الذين شكـّلتهم.

الاحتياط المنهجي الرابع هو: أنني عندما أقول «السلطة تمارس، تتحرك، تنتشر، تتداول، تشكل نسيجاً»، فهذا صحيح إلى حد ما. لأنه يمكن القول أيضاً إن «لدينا جميعاً فاشية في أدمغتنا».وأكثر من هذا أيضاً «لدينا جميعاً السلطة في أجسادنا»، وإن السلطة ـ باعتبار ماـ تنقل من خلال أجسادنا. كل هذا يمكن أن يقال، ولكن لا أعتقد أنه يجب أن نقول انطلاقاً من ذلك، أو أن نستخلص من ذلك أن السلطة، إذا أردتم، هي الأفضل توزيعاً في العالم، الأكثر توزيعاً، رغم أنها في حدود ما هي كذلك، ولكن ليس كنوع من التوزيع الديموقراطي أو الفوضوي للسلطة من خلال الأجساد. إنني أريد أن أقول هذا: يظهر لي ـ وهذا هو الاحتياط المنهجي الرابع ـ أن المهم ليس القيام بنوع من استنباط للسلطة من المركز، وبعد ذلك ينظر في امتداداتها في القاعدة أو في الأسفل وفي أية ظروف واعتبارات يتم إنتاجها ويتم إيصالها بالعناصر الأكثر ذرية وجزئية في المجتمع. أعتقد أنه، بالعكس، يجب القيام بتحليل تصاعدي للسلطة، أي انطلاقاً من الآليات القليلة الضئيلة والمحدودة والصغيرة جداً والتي لها تاريخها الخاص ومسارها الخاص وتقنياتها الخاصة، ثم النظر في هذه الآليات السلطوية التي لها قوتها وصلابتها، وبمعنى ما تقنيتها الخاصة، وكيف تم استعماليها وتحويلها ولويها ونقلها وتوسيعها.. إلخ بواسطة آليات عامة أكثر فأكثر، وبأشكال من الهيمنة الكلية. ليست الهمينة الكلية هي التي تتعدد وترتد إلى الأسفل أو إلى القاعدة؛ أعتقد أنه يجب تحليل الطريقة أو الكيفية التي تظهر فيها السلطة في المستويات السفلى حيث التقنيات والإجراءات السلطوية تلعب وتظهر كيف أن هذه الإجراءات، بطبيعة الحال، تنتقل مع ظواهر كلية وشاملة، وكيف أن سلطات عامة حيث المصالح الاقتصادية تستطيع أن تنزلق في لعبة هذه التقنيات والتي هي في الوقت نفسه ونسبياً، مستقلة ومتناهية في سلطتها.

لنقدم مثالاً عن الجنون، كي يتضح كل ما قلناه. يمكن أن نقول هذا، وسيكون تحليلنا تحليلاً تنازلياً، وإن كنت أحتاط منه كثيراً: لقد أصبحت البورجوازية، ابتداء من نهاية القرن السادس عشر وخلال السابع عشر، الطبقة المهيمنة. وبناءً عليه كي يمكن لنا أن نستنبط عزل المجانين؟ إن الاستنباط نقوم به جميعاً، ومن السهل القيام به، وهذا ما اعترض عليه. نعم إنه لمن السهل بيان أن المجنون هو بالتحديد الشخص الذي لا جدوى منه في الإنتاج الصناعي، ولذا نحن مجبرون على التخلص منه. ويمكن أن نقوم بذلك، ليس فقط بالنسبة للمجنون ولكن كذلك بالنسبة للجنسانية الطفولية، وهذا ما يقوم به بعض الأشخاص، وإلى حد ما ويلهلم رايش(5) ورايموت رايش(6) بشكل مؤكد. فالانطلاقاً من هيمنة الطبقة البروجوازية، كيف يمكن لنا أن نفهم قمع الجنسانية الطفولية؟ إنه وبكل بساطة عندما أصبح الجسد الإنساني بشكل أساسي، وقوة منتجة ابتداء من القرن السابع عشر ـ الثامن عشر، فإذا كل أشكال الهدر والإنفاق المتعلقة بهذه العلاقات، تم استبعادها ونفيها وقمعها. إن هذه الاستنتاجات ممكنة دائماً،وصحيحة وخاطئة في الوقت نفسه، بشكل أساسي هي استنتاجات سهلة، بحيث يمكن أن نستنتج انطلاقاً من المبدأ نفسه أن مراقبة الجنسانية والجنسانية الطفولية لم تكن مقبولة، بل على عكس ذلك فإن ما نحتاجه هو تعليم الجنسانية، التدريب على الجنس، والابتسار الجنساني، مادام الأمر يتعلق قبل كل شيء بتكوين الجنسانية كقوة عمل والتي نعرف أنه منذ بداية القرن التاسع عشر على الأقل، أصبحت لها مكانتها المميزة اللامتناهية : فكلما زادت قوة العمل كلما كان نظام الإنتاج الرأسمالي يعمل بكفاءة عالية.

أعتقد أنه يمكن استنتاج أي شيء من الظاهرة العامة للهيمنة البورجوازية. ويظهر لي أن ما يجب القيام به هو العكس، أي النظر تاريخياً، وانطلاقاً من الأسفل أو من القاعدة، ومن آليات الرقابة التي استطاعت أن تلعب دوراً في نفي واستبعاد الجنون وقمع ومنع الجنسانية، على المستوى الفعلي للعائلة والمحيط القريب للخلايا، وفي المستويات الدنيا للمجتمع، وكيف أن هذه الظواهر، ظواهر القمع والإبعاد، لها وسائلها ومنطقها وتستجيب لعدد من الحاجات. يجب إظهار الفاعلين ليس من جهة البورجوازية عامة، ولكن من جهة الفاعلين الواقعيين الذي استطاعوا أن يشكلوا المحيط القريب مثل العائلة، الوالدين، الأطباء، الدرجات السفلى للشرطة.. إلخ، وكيف أن آليات السلطة هذه، في لحظة ما وظرف ما، وبعد تحولات معينة، بدأت تصبح اقتصادياً مربحة وسياسياً مفيدة. وهكذا نصل، فيما اعتقد، إلى أن نبين بشكل سهل ـ هذا ما حاولت أن أبينه في الماضي وفي العديد من الحالات(7) ـ إن ما تحتاج إليه البورجوازية والفائدة التي يصبو إليها النظام بالأساس، ليس استبعاد المجانين أو أن يكون استمناء الأطفال مراقباً وممنوعاً ـ مرة أخرى يمكن للنظام البورجوازي أن يحتمل العكس ـ بل إن مصلحة البورجوازية واستثمارها الفعلي ليس في النفي والإبعاد والمراقبة وإنما في تقنية عملية الأبعاد ذاتها. إن آليات الإبعاد ولوازم المراقبة وتطبيب الجنسانية والجنون والجنوح،وكل ما يشكل ميكروميكانيكا السلطة(8)، هو الذي شكلته البورجوازية في لحظة ما وذلك من أجل مصلحتها.

ولنقل أيضاً إن مفهومي «البورجوازية» و«المصلحة البورجوازية» ليس لهما مضمون واقعي، على الأقل فيما يتعلق بالمشاكل التي طرحناها حتى الآن، وإن ما يجب أخذه في الحسبان، هو أن البورجوازية لم تفكر في استبعاد الجنون وقمع الجنسانية الطفولة، وإنما في آليات استبعاد الجنون وآليات مراقبة الجنسانية الطفولية، ابتداء من مرحلة معينة ولأسباب يجب دراستها لأنه من الممكن أن تؤدي إلى نوع من الربح الاقتصادي وإلى نوع من الفائدة السياسية، ومن الطبيعي أن تكون مساندة بآليات عامة وبنظام الدولة في كليته. وإذا ما انطلقنا من هذه التقنيات السلطوية مبينين الربح الاقتصادي والفائدة السياسية المشتقة منها، في سياق معين ولأسباب معينة، يمكن أن نفهم فعلياً كيف أن هذه الآليات تنتهي لتكون جزءاً من كل. بتعبير آخر، إن البورجوازية تسخر كلية من المجانين ولكن إجراءات إبعاد المجانين التي تم استخراجها وتحريرها ابتداء من القرن التاسع عشر، وحسب بعض التحولات، كان لها بعض الفائدة السياسية وكذلك بعض الأرباح الاقتصادية وتضامنت مع النظام وتم توظيفها ضمن الكل. لا تهتم البورجوازية بالمجانين، بل بالسلطة المقامة على المجانين؛ لا تهتم البورجوازية بجنسانية الطفولة، بل بنظام السلطة الذي يراقب جنسانية الطفل. تسخر البورجوازية من الجانحين ومعاقبتهم أو تأهيلهم لأنه بدون عائد اقتصادي ولكن في المقابل للبورجوازية مصلحة في مجموع الآليات التي من خلالها تتـّم مراقبة ومتابعة ومعاقبة وإصلاح المنحرف، إنها مصلحة تعمل داخل النظام الاقتصادي ـ السياسي العام. وهذا هو الاحتياط المنهجي الرابع الذي أريد اتباعه.

الاحتياط الخامس، هو أنه من الممكن أن تكون الآليات الكبرى للسلطة متبوعة بإنتاج الأيديولوجيات فهناك من دون شك، وعلى سبيل المثال أيديولوجية تربوية وأيديولوجية السلطة الملكية وأيديولوجية الديموقراطية البرلمانية.. الخ. إلا أنه في القاعدة وفي النقطة التي تنتمي أو تنتهي إليها شبكات السلطة، فإن ما يتشكل ويتكون ليس الأيديولوجية في اعتقادي وإنما هنالك شيء أكبر من الأيديولوجيا أو أقل منها فيما أعتقد. إن ما يتشكل هو الوسائل الفعلية لمراكمة المعارف. إنها مناهج الملاحظة وتقنيات التسجيل، إجراءات البحث والتنقيب، إنها أجهزة التحقيق والتأكد. بتعبير آخر، إن السلطة عندما تعمل أو تمارس في آلياتها النهائية، لا تستطيع القيام بذلك من دون تشكيل تنظيم ومداولة المعرفة، أو بتعبير أفضل إن السلطة لا تستطيع القيام بذلك من دون أجهزة المعرفة التي لا ترافق بالضرورة الصرح الأيديولوجي.

ولكي نلخص هذه الاحتياطات المنهجية الخمسة فإنني أقول: إنه بدلاً من توجيه البحث في السلطة إلى الصرح القانوني للسيادة(9)، وإلى أجهزة الدولة والأيديولوجيات المرافقة لها(10)، أعتقد أنه يجب توجيه البحث في تحليل السلطة نحو الهيمنة وليس نحو السيادة، إلى العوامل المادية وإلى أشكال الإخضاع وإلى استعمال الأنساق المحلية للإخضاع، إلى جاهزيات المعرفة. وإجمالاً، يجب التخلص من نموذج اللويثيان ومن نموذج الإنسان الاصطناعي، الذي هو في الوقت نفسه آلي مصنوع وأحادي ويجمع كل الأفراد الواقعيين حيث يشكـّل المواطنون الجسد وتكون السيادة هي الروح. يجب دراسة السلطة خارج نموذج اللويثيان، خارج الحقل المحدد من طرف السيادة القانونية والمؤسساتية للدولة؛ يجب دراستها انطلاقاً من تقنيات وتكتيكات الهيمنة. هذا هو الخط المنهجي الذي يجب، في اعتقادي، اتباعه والذي حاولت اتباعه في مختلف البحوث التي قمت بها في السنوات الماضية، حول سلطة الطب النفسي وجنسانية الأطفال والنظام العقابي.. الخ.

والحال، فإنه بقطعنا لهذا المجال وأخذنا للاحتياطات المنهجية السالفة الذكر، أتوقع ظهور حدث تاريخي مكثف يسمح لنا بالدخول قليلاً في المسألة التي أريد أن أحدثكم عنها ابتداء من اليوم. إن هذا الحدث التاريخي المكثف هو: النظرية القانونية والسياسية للسيادة ـ هذه النظرية التي يجب التخلص منها إذا ما أردنا تحليل السلطة ـ التي ظهرت منذ العصر الوسيط، ومن خلال إعادة تنشيط القانون الروماني وتمحورت حول مشكل الملكية والملك. وإنني أعتقد أن هذه النظرية الخاصة بالسيادة تاريخياً ـ والتي تشكل الفخ الذي يمكن أن نسقط فيه إذا أردنا تحليل السلطة ـ لعبت أربعة أدوار:

بداية عادت إلى آليات السلطة الفعلية للملكية الإقطاعية. وثانياً، كانت وسيلة ومسوغ لتكوين الممالك الكبيرة. ثم بعد ذلك وابتداء من القرن السادس عشر و خاصة في القرن السابع عشر، في مرحلة الحروب الدينية، أصبحت نظرية السيادة سلاحاً عند هذا الفريق أو ذاك، واستعملت بهذه الطريقة أو تلك، سواء من أجل تقوية أو الحد من السلطة الملكية. إنكم تجدونها في جانب الكاثوليكيين الملكيين وعند البروتستانت المناهضين للملكية، وعند البروتستانت الملكيين والليبراليين بشكل أقل أو أكثر، وعند الكاثوليك المنادين بقتل الملك وتغيير السلالات الحاكمة. كما تجدون هذه النظرية عند الأستقراطيين أو عند البرلمانيين، عند ممثلي السلطة الملكية أو عند الإقطاعيين المتأخرين أو من تبقى منهم. باختصار لقد كانت الوسيلة الكبرى للصراع السياسي والنظري حول أنظمة السلطة في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وأخيراً تجدونها كذلك عند روسو(11) ومعاصريه مع دور آخر، وهو الدور الرابع، ويتعلق الأمر هذه المرة بكونها شكـّلت وسيلة في وجه الملكيات الإدارية المتسلطة والمطلقة مع البحث عن نموذج بديل هو الديموقراطية البرلمانية، وهو الدور الذي قامت به كذلك في مرحلة الثورة.

يظهر لي أنه إذا ما تتبعنا هذه الأدوار الأربعة، سنـُلاحظ أنها استمرت مع المجتمع الإقطاعي، وأن المشاكل التي عالجتها نظرية السيادة لها مرجعيتها التي تغطي فعلياً الآليات العامة للسلطة، والطريقة التي بها تمارس بدءاً من المستويات العليا إلى المستويات السفلى، أو يمكن القول، بشكل آخر، إن علاقة السيادة إذا ما فهمت بشكل أوسع تغطي بشكل إجمالي الجسد الاجتماعي. وبالفعل فإن الطريقة التي بها تمارس السلطة يمكن تسجيلها وكتابتها أساساً بعبارة علاقة السيادة / الذات.

والحال، أنه حدثت في القرنين السابع عشر والثامن عشر ظاهرة مهمة، ألا وهي بروز آلية جديدة للسطة لها إجراءاتها الخاصة، وأدواتها الجديدة، ولوازمها المختلفة، والتي حسب ما أعتقد لا تتفق مع علاقات السيادة. إن هذه الآلية الجديدة في السلطة، تطبق أولاً على الأجساد أكثر من كونها تطبق على الأرض وما تنتجه. إنها آلية في السلطة تسمح بتجذير الجسد في الوقت والعمل، أكثر من تجذيره في الممتلكات والثروات. إنه نمط من السلطة الذي يمارس برقابة مستمرة، بواسطة أنظمة من الإتاوات والإلزامات الدائمة. إنه نمط من السلطة قائم على التأطير المشدد والقهر والإكراه المادي، وذلك بدلاً من الوجود المادي للسيادة، ويحدد كذلك اقتصاداً جديداً للسلطة قائماً على مبدأ تنمية قوى الإخضاع وفعالية من يخضع لها في الوقت نفسه.

يظهر لي أن هذا النمط من السلطة يتعارض، كلية مع آلية السلطة التي تصفها نظرية السيادة. ترتبط نظرية السيادة بشكل من أشكال السلطة التي تمارس على الأرض ومنتجات الأرض أو خيرات الأرض، أكثر من ارتباطها بالأجساد وما تقوم به. تتعلق هذه النظرية بالانتقال والتخصيص بواسطة السلطة؛ لا تتعلق بالوقت والعمل، ولكن بالممتلكات والثروات. وتوصف بالإلزامات المنتهية والمتقطعة والدائمة للإتاوات، ولا تعتني بتقنين المراقبة المستمرة والدائمة. إنها النظرية التي تسمح بتأسيس وإقامة السلطة إنطلاقاً من الوجود الفيزيائي للعاهل، وليس للأنظمة الدائمة والمستمرة للرقابة. أما النمط الجديد من السلطة فلا يمكن وصفه بعبارات السيادة، وهو في اعتقادي أحد أكبر اكتشافات المجتمع البورجوازي، وإحدى الوسائل الأساسية التي قامت عليها الرأسمالية الصناعية والنمط الاجتماعي المرتبط بها. هذه السلطة غير السيادية والغربية عن شكل السيادة هي السلطة الانضباطية Pouvoir disciplinaire، سلطة لا يمكن تسويغها ولا وصفها بعبارات نظرية السيادة، لأنها مختلفة عنها جذرياً، وكان من المنتظر أن تؤدي إلى إزالة هذا الصرح القانوني الكبير لنظرية السيادة. ولكن الواقع هو ان نظرية السيادة لم تستمر فقط بوصفها أيديولوجية القانون، بل استمرت وواصلت تنظيم القوانين التشريعية لأوروبا القرن التاسع عشر انطلاقاً من القوانين النابوليونية(12). فلماذا بقيت نظرية السيادة بوصفها أيديولوجية ومبدأ منظم للقوانين التشريعية الكبرى؟ يعود هذا في اعتقادي إلى سببين: من جهة كانت نظرية السيادة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وسيلة نقدية دائمة ضد المالكية وضد العراقيل التي تعارض تطور المجتمع الإنضباطي، ومن جهة أخرى، كانت هي المنظمة للقانون التشريعي الذي يسمح بتركيب آليات الانضباط من خلال نظام من القوانين يقنـّع ويغطي الإجراءات التي تخفي ما يمكن أن يكون هيمنة وتقنيات الهيمنة، وتضمن لكل الذين يمارسونها حقوقهم من خلال سيادة الدولة. بتعبير آخر، إن الأنظمة التشريعية، سواء النظريات أو المدونات القانونية Les codes، سمحت بنوع من ديموقراطية السيادة الجماعية، في الوقت الذي وجدت فيه هذه السيادة مثقلة في عمقها بآليات الإكراه الانضباطي. باختصار شديد يمكن أن نقول هذا: عندما أصبحت الإكراهات الانضباطية Les contraintes disciplinaires تمارس من جهة كآليات للهيمنة، ومن جهة أخرى كانت مقنـّعة ومخفية كممارسة فعلية للسلطة، وذلك بواسطة الجهاز القانوني المنشط والقوانين التشريعية لنظرية السيادة. ومنذ أن أصبحت الإكراهات الانضباطية ممارسة بوصفها آليات للهيمنة ومقننة بوصفها تمارين وممارسات فعلية للسلطة، كان يجب أن تعطى وتجسد في الجهاز القضائي وتنشط وتنجز بواسطة القوانين التشريعية لنظرية السيادة.

لدينا إذن في المجتمعات الحديثة، وابتداء من القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، من جهة تشريعات وخطابات وتنظيم للقانون العام متمفصل حول مبدأ السيادة للجسد الاجتماعي وتفويض كل واحد لهذه السيادة للدولة؛ ومن جهة أخرى لدينا، وفي الوقت نفسه، تأطير quadrillage للإكراهات الانضباطية التي تضمن وتؤمن فعلياً انسجام ذلك الجسد الاجتماعي. والحال، فإن هذا التأطير، لا يمكن له وفي جميع الأحوال، أن يسجل داخل ذلك القانون الذي يلازمه رغم كل شيء. في اعتقادي إن قانون السيادة هو آلية للانضباط، وبين هذين الحدين ـ القانون والآلية ـ تمارس السلطة. ولكن هذين الحدين، بوصفهما كذلك، وباختلافهما وتغايرهما، لا يمكن لنا أبداً أن نطابق الواحد بالآخر. السلطة تمارس في المجتمعات الحديثة داخل لعبة هذا التغاير والتفارق بين القانون العام للسيادة الآلية المتعددة الأشكال للانضباط. لكن هذا لا يعني أن لديكم، من جهة، نظاماً قانونياً صريحاً هو السيادة، ومن جهة أخرى، انضباطات مظلمة وصامتة وبكماء تعمل في الأعماق، في الظلام وتشكل الأرضية التحتية الصامتة للآلة الكبيرة للسلطة. لذا فإن للانضباطات خطابها الخاص. إنها بذاتها،ولأسباب ذكرتها لكم سابقاً، مبدعة لأجهزة المعرفة، للمعرفة وللحقول المختلفة للمعرفة. إنها بشكل غير عادي مبدعة في نظام هذه الأجهزة، التي تكون المعارف الحاملة لخطاب، لخطاب لا يستطيع أن يكون خطاب القانون أو الخطاب التشريعي. خطاب الانضباط غريب ومختلف عن الخطاب القانوني، إنه غريب عن خطاب القاعدة باعتبارها أثراً من إرادة السيادة. إن الانضباطات ستكون إذن حاملة لخطاب القاعدة، ليس القاعدة التشريعية المشتقة من السيادة، بل القاعدة الطبيعية، بمعنى المعيار La norme، وستحددها تشريعات ليست مشتقة من القانون وإنما من التطبيع La normalization، وستكون لها مرجعيتها بالضرورة ضمن أفق نظري لن يكون الصرح القانوني بل حقل العلوم الإنسانية، وسيكون فضاء هذه الانضباطات هو المعرفة العيادية.

وإجمالاً، فإن ما أردت إظهاره في السنوات الماضية ليس تقدم العلوم الدقيقة، وارتباطها الصعب بالسلوك الإنساني، ولا يعني كذلك تشكل العلوم الإنسانية من خلال تقدم في عقلانية العلوم الدقيقة. أعتقد أن الصيرورة التي أدت إلى قيام خطاب العلوم الإنسانية هو التقريب والمواجهة بين آليتين ونمطين من الخطاب متغايرين بشكل كلي: فمن جهة هنالك انتظام القانون حول السيادة، ومن جهة أخرى هنالك آلية الإكراه والممارسة بواسطة الانضباط. وإلى يومنا هذا ما تزال السلطة تمارس من خلال القانون والتقنيات في الوقت نفسه، وأن هذه التقنيات الانضباطية تحتاج إلى إجراءات قانونية، وأنه إذا كانت الإجراءات المعيارية إجراءات قانونية فإن هذا يفسر العمل الكلي لما سميته بـ «مجتمع التطبيع»(13).

وتدقيقاً أريد أن أقول: إن التطبيع الانضباطي والتطبيعات الانضباطية تعمل أكثر فأكثر ضد النظام القانوني للسيادة. لقد ظهر هذا التعارض أكثر من مرة، وكان هنالك دائماً شكل من الخطاب المراقب، وشكل من السلطة والمعرفة التي تم تقديسها لكي تظهر في شكل محايد. إن توسع الطب قد أدى إلى نوع من الترابط والمواجهة بين آلية الانضباط ومبدأ القانون. وتطور الطب والتطبيب عموماً كان نتيجة التقاء الشبكتين المختلفتين للانضباط والسيادة. لهذا السبب، وفي مواجهة إغتصاب آلية الانضباط والسلطة المرتبطة بالمعرفة العلمية، نجد أنفسنا في الوقت الحالي في وضعية تجعل الملاذ الوحيد هو القائم على العودة إلى القانون المنتظم حول السيادة والمتمحور حول هذا المبدأ القديم. فماذا يمكننا أن نفعل؟ ماذا تفعل نقابة القضاء أو مؤسسات مشابهة لها؟ ماذا نفعل غير استدعاء هذا القانون الشكلي البورجوازي، والذي هو في الواقع قانون السيادة؟ أعتقد أننا هنا في شيء أشبه بعنق الزجاجة حيث نختنق، وأنه لا يمكن أن نواصل تشغيله بهذه الصورة؛ إنه ليس بطلبنا النجدة من السيادة ضد الانضباط يمكننا أن نحد من آثار السلطة الانضباطية.

بالفعل، إن السيادة والانضباط، القانون السيادة والآليات الانضباطية، هما قطعتان مشكلتان للآليات العامة للسلطة في مجتمعنا. فلنقل، إنه من أجل النضال ضد الانضباطات أو بشكل أفضل، ضد السلطة الانضباطية وذلك بحثاً عن سلطة غير انضباطية، إلى أين يمكن أن نلجأ غير الذهاب إلى القانون القديم للسيادة؟ قانون جديد، مناهض للانضباط ومنعتق في الوقت نفسه من مبدأ السيادة.

وهنا نلتقي بمفهوم القمع، الذي يمكن أن أحدثكم عنه في الدرس القادم، اللهم إلا إذا سئمت من تكرار الأشياء التي قد قيلت حوله، وهنا سأمر مباشرة إلى أمور أخرى متعلقة بالحرب. إذا كانت لدي الرغبة والشجاعة فإنني سأحدثكم عن مفهوم القمع الذي أعتقد أن له سلبيات، خاصة في الاستعمال الذي نقوم به، وفي عودته بشكل غامض إلى نوع من نظرية السيادة الخاصة بالأفراد مع إدراج لمرجعية نفسية مأخوذة من العلوم الإنسانية، أي من الممارسات المنتمية إلى حقل الانضباط. أعتقد أن مفهوم «القمع» مازال مفهوماً قانونياً ـ انضباطياً، وذلك مهما كان الاستعمال النقدي الذي نريد القيام به. لذا فإن الاستعمال النقدي لمفهوم «القمع» غير مفيد من البداية وذلك لمرجعيته المزدوجة في القانون والانضباط والسيادة والمعيارية. سأحدثكم في المرة المقبلة عن «القمع» أو سأمر إلى مسألة الحرب.

 

 


 

الهوامش:

(1) من المهم أن نشير هنا إلى التحول الذي أحدثه فوكو في دراسة السلطة من خلال طرحه لسؤال: كيف تعمل السلطة؟ وهو سؤال وجد تحقيقه الأولي في تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي 1961م، والمراقبة والمعاقبة 1975م، وطابعه النظري في إرادة المعرفة 1976م. ولمزيد من المعلومات يمكن العودة إلى دراستنا: مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م، الفصل الرابع: الخطاب والسلطة : 215-267.

(2) هنا إحالة مباشرة إلى كتابة: المراقبة والمعاقبة الذي يتكون من أربعة أقسام هي: التعذيب، العقاب، الانضباط، السجن. انظر النص الأصلي:
Michel Foucault, Surveiller et Punir, Naissance de la prison, ed. Gallimard, Paris, 1975.
ملاحظة: ترجم الكتاب إلى اللغة العربية الدكتور علي مقلد، بعنوان: المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، مراجعة وتقديم مطاع صفدي. بيروت، مركز الإنماء القومي، 1990م.

(3) Th. Hobbes: Leviathan. Traite de la matiere, de la forme et du pouvoir de la republique ecclesiastique et civile, Paris,, Sirey. 1971; [Thomas Hobbes, Leviathan, or The Matter, Form and Power of a Commonwealth, Ecclesiastical and Civil, 1651]. الترجمة اللاتينية للنص، في صياغتها الجديدة ظهرت في أمستردام سنة 1668م.

(4) هنا يشير فوكو إلى الصورة المشهورة لغلاف كتاب اللويثيان في الطبعة المسماة «بالطبعة الرئيسية» المشار إليها في الهامش رقم (3) والتي نشرها أندور كوروك Andrew Crooke حيث يمثل جسم الدولة الرعايا، ويمثل الرأس العاهل الذي يقبض على السيف بيد والعصا الأسقفية باليد الأخرى تحته الأحكام الأساسية للسلطتين المدنية والكنسية.

(5) W. Reich, Der Einbruch der sexualmoral, op.cit.
(6) R. Reiche :Sexualite et Lutte de classes, Paris, Maspero, (1969).
(7) انظر تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وكذلك محاضرة «الجنون والحضارة» ومجموع المقالات المنشورة ضمن أعماله الكاملة.
(8) micromecanique du pouvoir، يطلق فوكو على هذا الشكل من السلطة كذلك اسماً آخر، وهو ميكروفيزياء السلطة microphysique du pouvoir، وهو الاسم المشهور في كتاباته والذي يعني مختلف جاهزيات السلطة كما سيبين ذلك لاحقاً(م).
(9) المقصود النظرية الليبرالية(م).
(10) المقصود بذلك النظرية الماركسية وبوجه خاص نظرية ألتوسير(م).
(11) جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau 1712-1778، ولقد كتب ميشيل فوكو مقالاً عنه بعنوان:
«Russeau: Juge de Jean-Jacques», Dialogue, in: Dits et ecrits, tome 1, op.cit., p.172.

(12) يتعلق الأمر بالقوانين النابوليونية وهي: القانون المدني 1804م، قانون الإجرءات الجزائية 1808م، وقانون العقوبات 1810م.

المصدر: يجب الدفاع عن المجتمع، دار الطليعة، بيروت، 2003