السيادة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا، تحرير: محمد الربيعان

السيادة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد رضا، تحرير: محمد الربيعان


حول مفهوم السيادة ، وصعود القومية نظرية وممارسة ثم تقييدها؛ نص مترجم للـد. انييل فيليبوت، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

 

     على الرغم من اختلاف معانيها عبر التاريخ، إلا أن السيادة لها معنى أساسي، «سلطة عليا داخل إقليم». إنها بمثابة المفهوم الحديث للسلطة السياسية. يمكن فهم المتغيرات التاريخية من خلال ثلاثة أبعاد: 1. صاحب السيادة، 2. ومدى كون السيادة مطلقة، 3. والأبعاد الداخلية والخارجية للسيادة. الدولة هي المؤسسة السياسية التي تتجسد فيها السيادة. وتشكل مجموعة من الدول نظام من الدول السيادية.

     يمكن فهم تاريخ السيادة من خلال موجتين واسعتي النطاق، تجلتا في كل من المؤسسات العملية والأفكار السياسية. تمثلت الحركة الأولى في تطور نظام الدول السيادية، والذي توج بصلح (وستفاليا ١٦٤٨), وفي نفس الوقت، برزت السيادة في الفكر السياسي من خلال كتابات [ميكيافيلي ولوثر وبودين وهوبز]. أما الحركة الثانية فهي تقييد الدولة السيادية والذي بدأ عمليا بعد الحرب العالمية الثانية ومستمر حتى الآن من خلال التكامل الأوروبي ونمو وتعزيز قوانين وممارسات حماية حقوق الإنسان. ومعظم الافكار السياسية المعتبرة ظهرت في الكتابات المخصصة لنقد السيادة كما عند [برتراند دو جوفينيل وجاك ماريتان].

 

 

 

 

  1. تعريف السيادة

     يستعرض المتخصص في العصور الوسطى، [ارنست كانتورفيتش] في كتابه الكلاسيكي (جسدا الملك) The kings two bodies تحولاً عميقًا في مفهوم السلطة السياسية على مدار العصور الوسطى. حيث بدأ التحول عندما تبلور مفهوم (جسد المسيح) في مفهوم جسدين, الأول جسد طبيعى corpus natural, وهو الجسد الموجود على المذبح، والثاني جسد باطنيcorpus mysticum, وهو الجسد الاجتماعي للكنيسة وهيكلها الإداري المرافق. تحول المفهوم الثاني, الجسد الاجتماعي للكنيسة الذي يتمتع بجوهر باطني دائم, إلى كيانات سياسية، هو البنيان السياسي The body politic. يصف [كانتورفيتش] نشأة مفهوم جسديْ الملك في العصور الوسطى المتأخرة, الذي يجلى في شخصية الملك [ريتشارد الثانى] عند شكسبير, التي تمثل صورة تنطبق على البنيان السياسي الحديث المبكر. فمع زوال جسد الملك الفاني بموته، فإن له جسدا خارقا وفوق طبيعي Supernatural لا يزول ولا حتى بالاغتيال، لأنه يمثل العدالة والكرامة الباطنيتين للبنيان السياسي. اظهر النظام السياسي الذي ساد أوروبا في عصر الحداثة, في وقت مبكر, مجموعةَ الصفات التي وصفها [كانتورفيتش]: وحدة مفردة وموحدة محصورة داخلَ حدود إقليم, مجموعة واحدة من المصالح تهيمن عليها سلطة مندمجة في كيان واحد وتملك امتيازًا supermacy في السعي لمصالح النظام. وهكذا بينما كان الملكُ يملك هذه السلطة في المراحل المبكرة من الحداثة، فإن اصحاب هذه السلطة سيشملون, فيما بعد, حكمَ الشعب عن طريق دستور أُمم، الحزب الشيوعي، الحكام المستبدون، الحكومات العسكرية، وحكومات رجال الدين. يتمثل النظام السياسي الحديث في الدولة، والسمة التأسيسية للسلطة فيه هي السيادة.

     يعد التطورُ الذي وصفه [كانتورفيتش] تأسيسيًا؛ لأن السيادة بمثابة سمة أصيلة في السياسة الحديثة. يشكك بعض الباحثين فيما إذا كان هناك مفهوم جوهري ومستقر للسيادة, لكن, في الحقيقة, هناك تعريفا لما يمكن أن تعنيه السيادة في أوربا في الحداثة المبكرة، التي تُعتبر التعريفاتُ اللاحقةُ أشكالا مختلفة منه, «سلطة عليا داخل إقليم». تلك هي السمات التي كانت تتصف بها  الدول الحديثة المبكرة، ولكن بدون البابوات والأباطرة والملوك والاساقفة والنبلاء والأتباع الذين كانوا في العصور الوسطى.

     يسلط كل جزء من التعريف الضوء على جانب مهم من مفهوم السيادة. الأول: صاحب السيادة الذي يمتلك السلطة, وهذا يعني، الشخص أو الكيان الذي لا يملك القوة القسرية، التي تعنى قدرة شخص على يجعل آخر يسلك على نحو ما أو لا يسلك, فحسب, وإنما السلطة التي عبر عنها الفيلسوف [آر. بى. وولف] «الحق في الأمر, وبالطبع، الحق في الطاعة» (Wolff, 1990, 20). الأمر الأكثر أهمية هنا هو مصطلح «الحق» الذي يشير إلى الشرعية. يستمد صاحب السيادة هنا السلطة من مصادر مختلفة للشرعية: القانون الطبيعي، الحق الإلهي، القانون الوراثي، الدستور، وحتى القانون الدولي. في عصرنا الحالي، بل إن صورا من نظم قانونية تعد على نطاق واسع مصدر السيادة.

     لكن, وإن كانت السيادةُ مسألةً تتعلق بالسلطة، فإنها ليست مجرد سلطة، ولكنها مسألة سلطة سامية. السمو هو ما يجعل دستور الولايات المتحدة أعلى من حكومة بنسلفانيا مثلا، أو يجعل صاحب السيادة يختلف عن ضابط البوليس أو مسئولاً تنفيذيًا في شركة. يسمو صاحب السيادة على كل السلطات تحته. السمو، أو الفوقية، كامنة في القلب من الحداثة. خلال العصور الوسطى، كانت السلطات المختلفة تملك نوعا من الضمان القانوني لسلطتها، سواء كانت إقطاعية أو قانونية، لكن من النادر أن أيّا من تلك الضمانات منح تلك السلطات سموا أو فوقية.

     العنصر الأخير في السيادة هو عنصر الإقليمية، وهو ملمح أيضًا للسلطة السياسية في الحداثة. والإقليمية هي المبدأ الذي من خلاله يُعرَّفُ أعضاءُ في مجتمع ما. وتظهر أن عضويتهم في المجتمع تستند إلى إقامتهم داخل حدوده. إنه مبدأ قوى، في ظل أنه يُعرِّفُ الأعضاء بطريقة قد لا تتفق مع الهُوية. ليس من الضروري على الإطلاق أن تضم الدولة السيادية «شعبا» أو «أمة»، في الواقع من الممكن أن تضم الدولة عددا من تلك الهويات، يثبت ذلك حركات تقرير المصير والحركات الوحدوية. ببساطة، ينتمى الناس لدولة ويخضعون لحكمها بفضل وقوعهم داخل حدودها الجغرافية. إنها تعنى أن الحاكم ذا السيادة له سلطة عليا داخل إقليم جغرافي.

     باتت الإقليمية الآن أمرًا مفروغا منه. إنها سمة للسلطة في كل أنحاء المعمورة. حتى المؤسسات فوق الوطنية والدولة مثل الاتحاد الأوربي والأمم المتحددة تتألف من دول تتحدد عضويتها بدورها اقليميًا. تتسم كونية هذا الشكل بالحداثة، وتؤكد على صلة السيادة بالحداثة. وعلى الرغم من أن الإقليمية وجدت في حقب وأماكن مختلفة, إلا أن أشكال الانتماء الأخرى مثل لقرابة العائلية والدين والقبيلة والروابط الإقطاعية لها أيضًا مكانة عظيمة. الشكل المختلف كليًا عن الإقليمية هو القبائل الجوالة، حيث بنية سلطتها منفصلة تماما عن أي قطعة محددة من الأرض. تحدد الإقليمية حسب المعايير التي يخضع المواطنون بموجبها للسلطة، ومكانهم الجغرافي ضمن مجموعة من الحدود. أشار منظرو العلاقات الدولية للتشابه بين السيادة ومؤسسة أخرى تحدد فيها الحدود بين الأراضي وهى مؤسسة الملكية الخاصة. وبالفعل فكلا المؤسستين برزتا معًا في أفكار [توماس هوبز].

     «سلطة عليا داخل إقليم», هذا هو تعريف السيادة. كانت المظاهرُ التاريخيةُ للسيادة, غالبًا, صورا خاصة من هذا التعريف العام. هذه الصور هي التي نادى بها الفلاسفةُ والنشطاء السياسيون غالبًا، مطالبين بالسيادة لهذا الشخص أو لهذا الهيكل القانوني. وينطوي فهم السيادة، على فهم المطالبات بها، أو في الأقل, بعض المطالبات الأكثر أهمية بالسيادة.

     على مدار خمسمائة عام، اتخذت تلك المطالبات اشكالا متعددة بشكل استثنائي، أممٌ تطالب بالاستقلال عن الدول الأم، شيوعيون يبحثون عن الحرية من الاستعمار، رأي عام vox populi (كلمة لاتينية تعنى «صوت الشعب»، وتستخدم في الإنجليزية بمعنى «رأى غالبية الشعب»., المترجم] مناضلة ضد النظام القديم, وثيوقراطيون (أنصار الحكم الدينى) يناضلون ضد الدول العلمانية، والكثير غيرهم. إن ذلك علامة على قدرة الدولة السيادية ومرونتها التي مكنتها من استيعاب أشكال السلطة المتعددة تلك. ليس من الممكن وضع دليل شامل لهذه السلطات هنا، لذا فإن أبعادًا ثلاثة يمكن فهمها ستساعد على تصنيف هذه السلطات، هذه الأبعاد الثلاثة هي: 1. صاحب السيادة، 2. ومدى كون السيادة مطلقة من عدمها، 3. والعلاقة بين الأبعاد الخارجية والداخلية للسيادة.

     كما بينا سابقًا، فان السيادة كانت من نصيب سلطات مختلفة، ملوك ومستبدون، شعوب تحكم من خلال دساتير، وغيرهم. غالبًا، فان شخصية من يمسك بالسلطة العليا في إقليم هو البُعد الأهم للسيادة. في المراحل المبكرة من العصر الحديث، رأى المنظر الفرنسي [جان بودان] أن السيادة يجب ان تكمن في فرد واحد. كل من [بودان والفيلسوف الانجليزي توماس هوبز] كانا مقتنعين أن الحاكم يجب أن يكون فوق القانون. اختلف المفكرون التالون معهم، حيث توصلوا إلى تصور مختلف حول السيادة, لكنهم ظلوا محافظين على بالمبدأ.

     يمكن أيضًا أن تكون السيادة مطلقة أو غير مطلقة. كيف يمكن أن تكون السيادة غير مطلقة بالرغم من أنها أيضًا «تعلو على غيرها»؟, وعلى أية حال، فإن متخصصًا مثل [آلان جيمس] يجادل أن السيادة تكون أو لا تكون ولا يمكن أن تكون موجودة بشكل جزئي (James 1999, 462–4), ولكن الإطلاقَ هنا لا يتعلق بمدى أو طبيعة السيادة، التي دائمًا ما تكون عليا، ولكن الإطلاق هنا يتعلق بالمسائل التي يكون فيها صاحبُ السلطة صاحبَ السيادة. يرى كل من [بودان وهوبز] أن السيادة مطلقة، وهي تمتد إلى جميع المسائل داخل الإقليم، دون قيد أو شرط. من الممكن أن تكون سلطةٌ ما صاحبةَ سيادة على عدد من المسائل داخل الإقليم, ولكن ليس كل المسائل. اليوم، السيادة في بعض دول الاتحاد الأوربي غير مطلقة. تتمتع هذه الدول بالسيادة في مسائل الدفاع، ولكن ليس فيما يخص العملات، السياسات التجارية، والعديد من سياسات الرفاه الاجتماعية التي تدار بالتعاون مع سلطات الاتحاد الأوربي حسب ما هو منصوص عليه في قانون الاتحاد الأوربي. السيادة المطلقة هي جوهر السيادة الحديثة. ولكن في العقود الأخيرة باتت السيادة مقيدة بمؤسسات مثل الاتحاد الأوربي، تدخل الأمم المتحدة بفرض عقوبات والمحكمة الجنائية الدولية.

     تُحدَّد السيادةُ وفقًا لزوج أخير من الصفات: داخلي، خارجي، في هذه الحالة لا تصف هاتان الصفتان أنواعا خاصة من السيادة، ولكن جوانب مختلفة من السيادة, التى تتعايش وتتواجد جنبًا إلى جنب. تُمارس سلطة الحاكم صاحب السيادة داخل الحدود، لكنها أيًضا بالتعريف تمارس بإزاء الأجانب الذين ربما لا يخضعون لهذه السيادة. باتت الدولة صاحبة السيادة الخارجية منذ صلح (وستفاليا)، ومنذ ذلك الحين بات التدخلُ في شئون الدول الأخرى غيرَ شرعي. يتعلق مفهوم السيادة في القانون الدولي بالسيادة الخارجية. يتصور [آلان جيمس] السيادةَ الخارجيةَ باعتبارها استقلالا دستورىا, وتحرر الدولة من تدخل الغير في شئونها الداخلية. (James 1999, 460–462). تعتمد السيادة الخارجية بشكلٍ واضح على اعتراف الغير. بالنسبة للدول، فإن هذا الاعتراف هو بمثابة قانون عدم التعدي على الممتلكات الخاصة: مجموعة من التفاهمات المتبادلة التي تعطى المَلَكية أو الدولة الحصانة ضد التدخل الخارجي. أيضًا السيادة الخارجية هي ما توفر الشرط الأساسي لأناركية (لا سلطوية) العلاقات الدولية، بما يعنى عدم وجود أي سلطة عليا لها مطالب لدى سلطة أدنى. مجموعة من الدول، ذات سيادة، تشكل نظامًا دوليا، حيث كيانات ذات سيادة تتحالف وتتبادل تجاريًا، وتتحارب، وتعقد السلام.

  1. صعود الدولة القومية : النظرية والممارسة

    «سلطة عليا داخل إقليم.», من هذ التعريف، يمكن, إذن, أن تُفهم السيادةُ بشكل أكثر وضوحًا, فقط, من خلال تاريخها. يمكن اعتبار هذا التاريخُ تاريخَ حركتين واسعتين، الأولى تطور طويل على مدار قرون باتجاه الدول السيادية في القارة الأوربية ومن ثم في كل أنحاء المعمورة، والثانية: تقييد صلاحيات صاحب السيادة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

     في صلح (وستفاليا)، وطدت أوربا انتقالها الطويل من عالم العصور الوسطى إلى عالم الدول السيادية. طبقًا للمؤرخ [جي آر سترير] فإن كلا من بريطانيا وفرنسا أصبحتا تشبهان كثيرًا الدول السيادية حوالى ١٣٠٠ ميلادية، حيث حاز ملوكهم سلطة عليا في إقليم محدود. لكن بعد وقت طويل في زمن الإصلاح ١٥١٧ (العام الذي أطلق فيه [مارتن لوثر] حركته الإصلاحية الكنسية, المترجم) بقيت أوربا بعيدة عن (وستفاليا). في هذا الوقت حدث تحولٌ تاريخي كبير، عندما تولى [شارل الخامس (شارلكان)] ملك إسبانيا العرش موحدًا (قشتالة وآراجون والأراضي المنخفضة)، وفي الوقت نفسه أصبح إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، واكتسب صلاحياتٍ في أراض وسط أوروبا، بينما يضطلع بدور منفذ صلاحيات الكنيسة الكاثوليكية التي كانت لا تزال صلاحيات زمانية بشكل واضح، خصوصا الحفاظ على التطبيق الحرفي للتعاليم الكنسية. ولكن في داخل الامبراطورية لم يكن [شارلُ الخامس] هو صاحبَ السيادة، بسبب الأمراء والنبلاء الذين احتفظوا بصلاحيات بحيث لم يكن لديه أي سلطة عليهم. في سنة ١٥٥٥ اكتسب نظام الدول السيادية أرضًا جديدة في صلح (أوجزبرج)، حيث نصت صيغته cuius regio, eius religio «الناس على دين ملوكهم» التي سمحت للأمراء الألمان بفرض إيمانهم داخل مقاطعاتهم. ولكن صلح (أوجزبرج) لم يكن مستقرًا. اسفرت منافسات عدة حول أحكام التسويات عن حروب مستمرة بلغت ذروتها في حرب الثلاثين عام التي لم تنته حتى ١٦٤٨، في صلح (وستفاليا).

     ما هي الملامح التي جعلت من (صلح ويستفاليا) أصلَ الدول السيادية؟ في الواقع لا يقرُّ كلُّ المتخصصين بأنه يستحق هذا الوصف, (see Krasner 1999), لا يوجد نصٌّ في الاتفاقيات على الدولة السيادية، لا حتى على الدولة كوحدة شرعية حاكمة. بالتأكيد لم يخلق (صلح وستفاليا) الدولةَ القومية من العدم ex nihilo في ظل أن مكونات النظام قد تراكمت على مدى قرون، وبعد ذلك بقيت أيضا استثناءات تعود للقرون الوسطى. في كلا الجانبين العريضين، سواء جانب الصلاحيات القانونية أو  جانب القوة العملية، فإن نظام الدول السيادية قد انتصر. أولا: انبثقت الدول عمليا كشكل وحيد للسلطة الجوهرية الدستورية في أوروبا، ولم تعد سلطاتها تواجه تحديًا جديًا من الامبراطورية الرومانية المقدسة. حازت كل من الأراضي المنخفضة (هولندا) وسويسرا سيادة بدون منازع، واكتسبت الدويلات الألمانية في الامبراطورية المقدسة الحق في إبرام التحالفات خارج الامبراطورية، في حين كشفت الاتصالات الدبلوماسية وتصميمات السياسة الخارجية للقوى العظمى المعاصرة عن فهم عام لنظام الدول السيادية. وُضِع قيودٌ على السلطة الزمنية للكنيسة إلى الحد الذي جعلها لم تعد تمثل تحديًا لسيادة أي دولة. رداً على ذلك، أدان البابا [إينوسنت العاشر] معاهدات السلام باعتبارها «لاغية، باطلة، غير صالحة، خبيثة، غير عادلة، ملعونة، شيطانية، تافهة، خالية من المعنى والتأثير الآن وفي كل أوان» (Quoted in Maland 1966, 16).

     ثانيًا، وضع (صلحُ وستفاليا) حدًا لحقبة طويلة من التدخل في مسائل الدين، التي كانت بمثابة الشكل الأبرز للصلاحيات السيادية. بعد عقود من النزاعات المسلحة، أخيرا تم تدعيم (صلح أوجزبرج)، ليس بنفس صيغة ١٥٥٥ ولكن أسس بشكل فعال سلطةَ الملوك والأمراء على الدين. صحيح ان التدخلات في المسائل الدينية لم تنته نهائيًا ،ولكنها باتت نادرة بشكل استثنائي بعكس المائة وثلاثين سنة السابقة التي مزقت فيها الحروبُ الدينيةُ أوروبا. وكما جرى تعميم نظام الدول السيادية في العقود التالية، جرى معه تعميم مبدأ عدم التدخل في شئون الدول الأخرى، الذي أصبح معيارًا أساسيًا في النظام الدولي.

     مرة  أخرى، لا يقر  كل الباحثين بأن (صلحَ وستفاليا) يستحق وصف «اللحظة التأسيسية». يجادل [دانيال فيلبوت] لمصلحة الرؤية التقليدية (Philpott, 2001), على الرغم من أن بعض الباحثين في السنوات الاخيرة يذهب إلى وجوب تفكيك أسطورة (ويستفاليا) والتخلص منها. (Krasner, 1999; Carvalho, Leira, and Hobson, 2011; Nexon, 2009; Osiander, 1994; Osiander, 2001; Teschke, 2009). على العموم، يشدد هؤلاء الباحثين على أن عناصر مهمة في الدولتية (Statehood) كانت موجودة لمدة طويلة قبل (ويستفاليا)، وعناصر مهمة للهيراركية (التراتبية الهرمية)، أو تقييد للسيادة من أعلى ظلت مستمرة لفترة طويلة بعده. فقط إجماع الباحثين على المدى الطويل من شأنه أن يحدد كيف يمكن النظر إلى (صلحِ ويستفاليا).

     وسواء كان قد وُطِّد نظام الدول السيادية في (صلح وستفاليا) ثم اكتسب شكله في وقت تالٍ، أو كان دائمًا خارج عن المألوف، فان شكله الأساسي انتشر حول العالم خلال القرون الثلاثة التالية، وبلغ ذروته مع انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية الأوربية في منتصف القرن العشرين، حين باتت الدولةُ الشكلَ الوحيد للتنظيم السياسي الذي يغطى كافة أنحاء المعمورة. اليوم، أصبحت معايير السيادة منصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة حيث تمنع المادة ٢(٤) الهجوم على «الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية»، وتدين المادة ٢(٧) التدخل بشدة.

     وكما احتل نظام الدولة السيادية أوربا شيئًا فشيئًا في المراحل المبكرة من الحداثة، مشكلاً في نهاية المطاف النظام الذي سينتشر في كل أنحاء المعمورة، فإن فلاسفة السياسة المعاصرين له تبنوا  هذا النظام السياسي وأصلوا لما يجعله شرعيًا، ولم يكن الفلاسفة من ابتكروا المفهوم، حتى لو كان في العصور الوسطى، فلاسفة مثل [دانتى ومارشيلو أوف بادوا] نادوا بالفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، الذي يتحقق من خلال نقل الصلاحيات إلى يد الحكام الزمنيين! ثم أنه في المراحل المبكرة من الحداثة، كان هناك تقريبًا اثنان من الفلاسفة في هذا العصر والذين لم يكتبوا عن السيادة بشكل واضح وواعي, وإن اُعتبرت أفكارُهما جوهرية لحدوث تطورات هامة في المفهوم. لاحظ [ميكيافيلي] الشئون السياسية في الدولة المدينة في إيطاليا في عصر النهضة حيث عاش، ووصف ما يتوجب على الأمير فعله من أجل جمهورية مزدهرة بعبارات تمنحه سلطة عليا داخل إقليم. من الواضح أن الأمير لم يكن خاضعًا للقانون الطبيعي أو القانون الكنسي أو تعاليم الإنجيل، أو أي معيار أو سلطة يلتزم بها المنضوون تحت لواء المسيحية, لكنه يجب أن يكون مستعدًا «ليكون غيرَ خيّر», وجاهزًا لارتكاب الشر، ليس لأن الشر لم يعد شرًا، ولكن لأنه ضروري لتحقيق «قوة وحسن تنظيم الدولة» وهي الغاية التي كانت أساسية لدى [ميكيافيلي] وترقى لتكون الفكرة المركزية لديه. كان التزام الأمير هو المصلحة الوطنية raison d’état. كان الأمير قوة عليا في داخل حدود الدولة ومسئول عن حسن تنظيم هذ الكيان الواحد الفرد المتمثل في الدولة.

     أما [مارتن لوثر], فقد كان يحمل مفهومًا مختلفًا تمامًا عن السيادة. كان اللاهوت أللوثري يدعو إلى تجريد الكنيسة الكاثوليكية من صلاحياتها الكثيرة، ليس فقط صلاحياتها الكنسية، ولكن أيضًا صلاحيات تُعدُّ وفق أي تعريف زمانيةٌ. رأى [لوثر] أنه لم يعد ينبغي أن نرى الكنيسة كمؤسسة هرمية ملموسة، ولكن بالأحرى أن تكون كيانا غير ملموس لحاصل اتحاد الكنائس المحلية التي تتمسك بالإيمان القويم. هكذا لم تعد الكنيسة تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي، وتحصّل ضرائبها، وتدافع عنها وتطبق عدالتها فيها، لم يعد من الشرعي أن يتولى الأساقفة مناصب زمنية تحت الأمراء والملوك، ولا يمكن للبابا أن يعزل الحكام العلمانيين من خلال سلطته في الحرمان excommunication (الحرمان هو حق كان ممنوحا للبابا في منع المرء من المشاركة في الأعمال الكنسية أو الروحية., المترجم]، والأهم من ذلك هو أن الإمبراطور الروماني المقدس لم يعد يفرض الكاثوليكية كمذهب وحيد. لم تعد الكنيسة وهؤلاء الذين يعملون لمصلحتها يمارسون سلطات سياسية أو اقتصادية. فمن ذا الذي سيتولى تلك السلطات المتخلى عنها؟ الأمراء الإقطاعيون هم من يتولى هذه الصلاحيات. كتب الفيلسوف [جون نيفيل] «بتفكيك استقلال الكنيسة، وتشبثها بآراء في الشأن العام من خارج الإقليم، زالت أخر عقبة أمام التوحد في إطار الدولة» (Figgis 72). كانت تلك هي الرؤية التي انتصرت في (ويستفاليا).

     يفسر اللاهوت السياسي عند [لوثر] كل ذلك؛ كان يرى أنه تحت سلطة الرب، يوجد نظامان لكل منهما شكل مختلف من أشكال الحكومة. «مملكة الروح» وهي النظام الذى ترتبط فيه ارواح المؤمنين بالمسيح، ومملكة العالم وهي نظام المجتمع العلماني، حيث تدير سلطاتٌ مدنيةٌ مؤسساتٍ حكوميةً من خلال القانون والالتزام. يعزز كلا النظامان حياةَ المؤمنين، ولكن بطريقة مختلفة، فهما منظمان بشكل منفصل. يقوم القادة الدينيون بالواجبات الروحية، بينما يقوم الملوك والأمراء والموظفون القضائيون بالسلطة الزمنية. بعد تحررهم من سلطة البابا والكنيسة الكاثوليكية ومع السلطات الزمنية الملائمة في مقاطعاتهم، بات الأمراء حكامًا سياديين في مقاطعاتهم. في هذه الحقبة، مارس الأمراء, كذلك, سلطة على الكنائس البروتستانتية، حتى في تعيين قادة الكنيسة المحليين، كما هو محدد في مذهب الإراستية (مذهب منسوب لتوماس إيراستوس بمقتضاه تختص الدولة بالسيطرة على الكنيسة., المترجم). كما أن [لوثر] والإصلاحيين البروتستانت الآخرين لم يتعرضوا لمذهب السيادة بأي تفصيل، وتركوا جوهرها للأمراء. مرة أخرى يقول فيجيز: «كانت وحدةُ وعموميةُ الدولة السيادية وصلاحيتُها اللازمة essential rightness, ونكرانُ كل من خارج الإقليم أو أي شكل محلى مستقل للحياة، كان ذلك كله مساهمةَ لوثر النهائية في الشئون السياسية.». (91)

     بالطبع, شكّل فلاسفةُ الحداثة في مراحلها المبكرة مذهبَ السيادة بشكل أكثر وضوحا، واكثر تعمقا به. يُعد [جانُ بودان] أولَ الفلاسفة الأوربيين الذين عالجوا المفهوم بالتفصيل. اُعتبر مفهومه عن السيادة “souveraineté مفهومًا مركزيًا في عمله الجمهورية De larépublique والذي كتبه سنة ١٥٧٦ أثناء ما كانت فرنسا في خضم حرب أهلية بين الكالفينين الهيجونوت والملكية الكاثوليكية. كان يرى مشكلة النظام مشكلة أساسية، وكان يرى أنه لا يمكن حلُّها عن طريق مفاهيم متقادمة من القرون الوسطى عن مجتمع مجزأ، ولكن فقط عن طريق مفهوم يكون فيه الحكام والمحكومون مندمجين في جسد سياسي واحد ومفرد، أعلى من القانون الإنساني، لأنه في حقيقته  مصدر القانون الإنساني. هذا المفهوم هو السيادة. فقط سلطة عليا داخل إقليم من شأنها أن تقوى مجتمع متصدع.

     من المؤكد، أن [بودان] اعتقد أن ممارسَ السيادة كان ملزمًا بقانون طبيعي وإلهى، لذلك لا يمكن لأي قانون إنساني أن يحكم عليه أو ينقضه. اللافت للنظر، أنه اعتقد أيضًا أن السيادة الحقيقية هي التي تحترم العرف وحقوق الملكية. ليس من الواضح كيف يمكن التوفيق بين ذلك القيد والمكانة العليا للسلطة السيادية. ربما ظن [بودانُ] أن هذه الحقوق سمات لنظام قانوني هو في ذاته له سيادة على غيره من السلطات. في الواقع، ظن [بودان] أيضًا أن شكل الحكومة التي تمارس السلطات السيادية من الممكن أن يتبدل بشكل شرعي بين الملكية والأرستقراطية والديموقراطية، على الرغم من أنه يفضل الملكية. وبغض النظر عما يبدو عليه الشكل السيادي، فإنه ليس خاضعًا لقانون إنساني خارجي أو سلطة خارجية داخل إقليمه. كتب [فرانسيس هاري]: «في الوقت الذي أصبح من الضروري إنهاء النزاع بين الحكام والمحكومين، أدرك [بودان] في إنجاز فكرى مثير للإعجاب, أن هذا النزاع لن يكون ممكنًا إلا عن طريق تأسيس وجود لسلطة حاكمة ضرورية غير مقيدة وتمييز هذه السلطة عن الحكم المطلق الحر من التقيد بالقوانين واللوائح. لقد فعل ذلك عن طريق تأسيس كل من شرعية هذه السلطة، والحكمة لاستكشاف الحدود التي تحيط الاستخدام السليم لطبيعة الجهاز السياسي، كمجتمع سياسي يشمل كل من الحكام والمحكومين، وكانت النتيجة الوحيدة الممكنة والضرورية هي تعبيره عن السيادة. (124–125).

     كان (إعلان السيادة) [لبودان] أول إعلان منظم في الفلسفة الأوربية الحديثة، وبالتالي يستحق مكانة بارزة.

     كتب الفيلسوف الإنجليزي [توماس هوبز] أيضًا في وقت الحرب الأهلية، وتوصل أيضًا لمفهوم السيادة كحل. بالنسبة [لهوبز]، يؤسس الشعب سلطة سيادية عن طريق العقد يتنازلون فيه عن كل حقوقهم لليفاياثان، والذي يمثل مفهوم تجريدي لمفهوم الدولة. تسود إرادة الليفاياثان كقوة فائقة، وتمثل إرادة هؤلاء الذين تنازلوا عن حقوقهم له. مثل الحاكم السيادي لدى [بودان]، فإن الليفاياثان لدى [هوبز] فوق القانون، بمثابة إله بشري فاني لا يتقيد بدستور أو التزام تعاقدى مع أي طرف خارجي. مثل [بودان]، ظن [هوبز] أيضًا أن الحاكم السيادي يجب أن يكون مسئولاً أمام الله، وفي الغالب أمام القانون الطبيعي بشكل ما. بخلاف ذلك، فالقانون هو أمر الحاكم السيادي، منبثقًا عن إرادته، ومنبثق من الالتزام بالخضوع له بشكل مطلق.

     نادى [بودان وهوبز] بالسيادة كسلطة عليا. لا يزال هذه المفهوم سائدًا كافتراض أساسي للحكم السياسي في الدول في كل انحاء العالم اليوم، بما في ذلك الدول التي يقرر فيها جهازُ السيادة القانونَ والحقوقَ المدنية للأفراد. على مر القرون، تشكلت مفاهيم جديدة لحائزي السلطة. رأى [روسو]، أن مجموع الشعب داخل الدولة كصاحب السيادة، ويحكمون من خلال إرادتهم العامة مختلفًا بشكل كبير عن [بودان وهوبز]. في الحكومة الدستورية، الشعب هو من يحكم من خلال هيكل قانون, هذا القانون هو نفسه صاحب السيادة. هذه الرؤية التي تحكم الشرعية هي السائدة في عالم اليوم.

     مع ذلك, فإن صيغَ السيادة التي تستند إلى كل من [هوبز وبودان] قد وجدت طريقها إلى  القرن العشرين. على سبيل المثال، احتج الفيلسوف والقانوني الألماني من بدايات القرن العشرين [كارل شميت] بهذين الفيلسوفين! افتتح كتابه (اللاهوت السياسي) الصادر سنة ١٩٢٢ بهذه العبارة «تعنى السيادةُ القدرةَ على تقرير الاستثناءات»، اعتقد [شميت] أن الحاكم السيادي فوق أي قانون دستوري ويفترض ان يكون قادرًا على أن «يتخذ قرارا» لأجل مصلحة الدولة خلال أوقات الطوارئ. كان يكنّ قليلا من الاحترام للدستورانية الليبرالية، التي اعتقد أنها قاصرة عن احتواء الصراع على السلطة الذي تتسم به السياسة. بصفة عامة، هناك القليل في الأقل في هذا الكتاب الذي يدل على أن [شميت] اعتقد أن السلطة السيادية يجب أن تكون مقيدة بالقانون الإلهي أو القانون الطبيعي. كانت الليبرالية الدستورانية لجمهورية فايمار دليله الرئيس على هذه القناعة، خلال الثلاثينات من القرن العشرين دعم [شميت] بقوة نظام الاشتراكية القومية، النظام الذي اعتبر سلطاته الطارئة تبقى في حدود ما اعتبره ضروريًا.

 

  1. تقييد الدولة القومية: النظرية والممارسة

    هذا الصعود والتوسع الكبير للسيادة، التي وصّفها وحتى بشر بها الفلاسفةُ السياسيون، عُدت واحدة من أكبر وأنجح الاتجاهات السياسية في العصور الحديثة. منذ أيامها الأولى، ولكن قوبلت السيادة أيضًا بالمتشككين والمؤيدين بتحفظ، كثير منهم اعتبر ادعاء أي هيكل قانوني حالة السيادة شكلا من أشكال الوثنية، وأحيانًا غطاء يرتكب الحكام  من خلاله الفظائع والمظالم وهم أحرار من المحاسبة الخارجية المشروعة. في الواقع نشأت بعد الهولوكست قيودٌ قانونية ومؤسسية ذات مغزى حول السيادة، قلص الكثيرُ منها حقوقَ الدول السيادية بشكل ملحوظ. تمثل الشكلان الأبرز للقيود  على الدول السيادية في اتفاقيات حقوق الإنسان وفي التكامل الأوربي.

     في عام ١٩٤٨ وقعت الغالبية العظمى من الدول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ملزمين أنفسهم باحترام أكثر من ٣٠ حق منفصل للأفراد. وباعتبار هذا الإعلان لم يكن ملزمًا قانونًا ولا يتضمن أحكام للإجبار على تنفيذه، فقد ترك السيادة دون مساس، ولكنه كان خطوة أولى لربط الدول باتفاقات دولية والتزامات تتعلق بشئونها الداخلية. على مر العقود ستكتسب تلك الحقوق قوة قانونية أكبر. كانت الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المبرمة سنة ١٩٥٠، واحدة من أهم اتفاقيات حقوق الإنسان التي أثرت حقًا على السيادة عن طريق آليتها التحكيمية حتى لو كان ذلك بشكل غير قوى. وتقريبًا بشكل متزامن وقعت في ٩ كانون الأول (ديسمبر) سنة ١٩٤٨ الاتفاقية الدولية لمنع الإبادة الجماعية التي ألزمت الدول الموقعة بالامتناع عن الإبادة الجماعية وألزمتهم بالعقاب عليها. في أواسط الستينات من القرن العشرين كان هناك اتفاقيتين: اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، التي ألزمت معظم دول العالم باحترام حقوق شعوبهم. مرة أخرى، ظلت السلطات الدستورية الموقِعة على الاتفاقيات مصونة لا تمس، حيث  لم تسمح لأى من تلك الاتفاقيات بالتقليل من سيادتها. انطوت اتفاقيات حقوق الإنسان اللاحقة والموقعة من الغالبية العظمى من دول العالم على تحفظات مماثلة.

     فقط تطبيق حقوق الإنسان عن طريق الطرق العسكرية أو إجراءات قضائية صارمة هي التي ستقلص من السيادة بطريقة جدية. بدأ التقدم في هذا الاتجاه بعد الحرب الباردة عن طريق عملية مراجعة  تاريخية لصلح (ويستفاليا)، هذه المراجعة تحد من معيارًا تم التأكيد عليه بقوة في معاهدات صلح (ويستفاليا)، وهو مبدأ عدم التدخل. في سلسلة بدأت في ١٩٩٠، نفذت الامم المتحدة أو أي منظمة دولية أخرى أفعالاً سياسية، تضمنت غالبًا قوة عسكرية، كانت تلك الإجراءاتُ سابقًا محلَّ إجماع من الدول باعتبارها تدخلاً غير مشروع. تضمنت تلك السلسلة من التدخلات إقرار عمليات عسكرية للتصدي لعدم العدالة في داخل حدود دولة، أو إدارة خارجية لشئون محلية مثل عمليات الشرطة. وعلى عكس عمليات حفظ السلام خلال الحرب الباردة فإن تلك العمليات تمت رغمًا عن حكومة الدولة المعنية. حدثت تلك التدخلات في العراق، يوغسلافيا السابقة، البوسنة، كوسوفو، الصومال، رواندا، هاييتي، كمبوديا، ليبريا، ليبيا، وأماكن أخرى. على الرغم من أن تلك التدخلات المنفردة كانت محل نزاع بين الدول. قصفت الولايات المتحدة العراق في كانون الأول (ديسمبر) ١٩٩٩، وتدخل الناتو في كوسوفو بدون أن يحظى ذلك بدعم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما فعلت الولايات المتحدة في غزو العراق، إلا أن غالبية هذه التدخلات تمت في مجلس الامن وغيره من المنظمات الدولية.

     ظهرت دعوى صريحة لإعادة النظر في مفهوم السيادة التي تسمح للتدخل الذي يحظى بالتصديق عليه دوليًا في وثيقة (مسئولية الحماية) The Responsibiblity of Protect وهي وثيقة كتبت وأُعدت سنة ٢٠٠١ بواسطة اللجنة الدولية للتدخل وسيادة الدولة، وهى لجنة عقدتها حكومة كندا بناء على توصية من أمين عام الأمم المتحدة الأسبق [ كوفي عنان]. اقترحت الوثيقة إعادة نظر قوية للمفهوم التقليدي للسيادة، تضمنت اعادة النظر اعتبار السيادة تتضمن (المسئولية عن الحماية) من جانب الدولة لمواطنيها، وهى المسئولية التي قد تفترض الأطراف الخارجية أن دولة ما ترتكب ظلما فادحا في حق مواطنيها أو تعجز عن حمايتهم. حظيت (المسئولية عن الحماية) باهتمام دولي، واعتبرت بمثابة بيان عن مفهوم للسيادة باعتبارها غير مطلقة ومقيدة بالتزامات تجاه الخارج.

     المثال الأخر لتقييد السيادة يتمثل في التكامل الأوربي. وتعتبر هذه الفكرة أيضًا ردَّ فعل على الهولوكوست، وهو الكارثة التي اعتبرها الكثير من القادة الأوربيين عائدة جزئيًا إلى افتقار الدولة السيادية للمساءلة. في الواقع، كان الحماس للتكامل الأوربي من جانب الأحزاب المسيحية الديموقراطية الكاثوليكية، حيث أن جذور مُثلها تتمثل في مسيحية القرون الوسطى، حيث لا يوجد, نظريا, وفي الأقل, قائد له سيادة، ويخضع جميع القادة لمنظومة قيم كونية. مصطلحات حقوق الإنسان الحديثة، والديموقراطية، فإن ذلك يعتبر صدى لرد فعل [البابا إينوسنت العاشر] على صلح [ويستفاليا].

     بدأ التكامل الأوربي سنة ١٩٥٠ حيث شكلت ست دول أوربية الجماعة الأوربية للفحم والصلب في اتفاقية باريس. أسست المجموعة سلطة دولية مشتركة على صناعات الصلب والفحم في تلك الدول الست، تتضمن قوة تنفيذية تتكون من بيروقراطية دائمة، ومجلس لصناعة القرار  مشكل من وزراء خارجية هذه الدول. وتم توسيع نفس النموذج في منطقة اقتصادية عامة في اتفاقية روما ١٩٥٧. فيما بعد أُضيف هيكل قضائي ممثلا في محكمة العدل الأوربية، وفي جهاز تشريعي متمثل في البرلمان الأوربي، وهو كيان منتخب مباشرة في كل أنحاء أوربا. بمرور الوقت، توسع التكامل الأوربي، كمؤسسة تتكون من ثماني وعشرين عضوا، وتعمق كما حدث في معاهدة ماستريخت ١٩٩١، التي وسعت صلاحيات المؤسسات وأعادت تنظيمها فيما أصبح الاتحادَ الأوربيَّ. الاتحاد الأوربي أبعد ما يكون عن الحلول محل الدول، لكنه بمثابة مؤسسة جمعوا بها الجوانب المهمة لسيادتهم, وتكون حريتهم مقيدة (Keohane & Hoffman 1991). لم تعد الدول الأعضاء ذات سيادة مطلقة. اليوم، يسير التكامل الأوربي بخطىً حثيثة.. دخلت اتفاقية لشبونة حيز التنفيذ الكامل في 1 كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٩، جامعة المزيد من (السيادة) عن طريق تقوية مجلس الوزراء والبرلمان الأوربيين، بالإضافة إلى استحداث منصب المفوض السامي للشئون الخارجية والسياسات الأمنية لتمثيل موقف أوربي موحد للاتحاد الأوربي وجعل العهد الأوربي لحقوق الإنسان الأساسي ملزم قانونًا.

     بالتوازي مع تقييد الدولة السيادية، من خلال المعايير الدولية والمؤسسات فوق الوطنية، كان هناك فلاسفة معاصرون هاجموا مفهوم السيادة المطلقة. هذا الفكر ليس جديدا تمامًا، ولكن حتى في أيامها الأولى ذهب فلاسفة مثل [هوجو جروتيوس، البيركون جينتيلي وفرانسيسكو سواريز]، إلى  أن السيادة يجب أن تكون محدودة وغير مطلقة، على الرغم من قبولهم الدولة كمؤسسة شرعية. على سبيل المثال يجب أن يخضع الأمير الظالم إلى عمل تأديبي من جانب جيرانه من الأمراء فيما يشبه المفهوم المعاصر للتدخل الإنساني.

     جاء أبرز هجومين من بين تلك التي تعرضت لها السيادة بعد الحرب العالمية في خمسينات القرن العشرين من قبل [برتراند دو جوفنيل وجاك ماريتان]. في عمله البارز الصادر ١٩٥٧ (السيادة: تحقيق في الصالح السياسي) Sovereignty: An Inquiry Into the Political Good, يقر [جوفنيل] بأن السيادة سمة مهمة للسلطة السياسية الحديثة، لازمة لقمع النزاعات الداخلية ولحشد الدفاع ضد الأخطار الخارجية. لكنه نتقد بشدة المفهوم الحديث للسيادة، معتبرا أنه خلق قوة فوق القوانين، قوة تعتبر أن أوامرها شرعية لمجرد انها صادرة عن إرادتها. بالنسبة [لجوفنيل]، بلغت السيادة ذروتها مع [هوبز]، حيث تصبح السيادة معه «مفهوم مرعب يصبح فيه كل شيء وسيلة للإكراه، حيث يمكن لصاحب السيادة تقرير الحقوق ووضع القوانين على أي نحو يشاء» لكن وسائل الإكراه تلك هي نفسها ليست إلا جزءا بسيطا من القوة الاجتماعية التي تتركز في يد الحاكم» (١٩٧) على الرغم من خلافاتهم حول محل وشكل السيادة، فإن المفكرين التالين [لهوبز] مثل [لوك ولوفندورف وروسو] «شعروا بالإغواء أمام هذه البُنية المتكاملة ميكانيكيًا». (١٩٨). يقول [جوفنيل] إنها كانت «لحظة سيادة», حيث سيكون من العسير على أي شخص إنكارها» (١٩٨).

     وأثناء حديثه عن أقران [هوبز]، نظر إلى السيادة المطلقة في بواكير الحداثة بفزع شديد! «إن الفكرة في ذاتها خطيرة» (198). لكن بدلا من الدعوة لإلغاء المفهوم، يرى أنه يجب توجيه السيادة بحيث لا ترغب السلطة سوى في ما هو مشروع. يجب أن تكون الأخلاق لها صحة مستقلة، بعيدًا عن أن تُحدَّد عن طريق من بيده السيادة. عطفًا على وجهة نظر (المفكرين المسيحيين), يجادل [جوفنيل] أن «هناك رغبات عادلة، وأخرى غير عادلة».  تأتى السلطة محملة بالتزام لإدارة الأمور كما ينبغي أن تدار. كان هذا الفهم للسلطة هو السائدَ في النظام القديم، حيث مستشارون مؤثرون للعرش يستطيعون توجيهه ناحية النظام الصالح. ولكن ما الذي يستطيع توجيه السيادة الآن. يبدو أن [جوفنيل] يشكك في كفاية التصميم القضائي أو الدستوري. بدلا من ذلك يضع أمله في مفاهيم اخلاقية مشتركة بين المواطنين، تعمل كقيد على اختيارات من بيده السيادة.

     في الفصل الثاني من كتابه الخالد (الإنسان والدولة) Man and the State الصادر ١٩٥١ أبدى [جاك ماريتان] تعاطفًا قليلاً مع فكرة السيادة، أقل من التعاطف المعقول الذي لدى [جوفنيل]: «أرى ان الفلسفة السياسية يجب أن تتخلص من كلمة ومفهوم السيادة، ليس بسبب أنه مفهوم متقادم، ولا بفضل نظرية قانونية اجتماعية للقانون الموضوعي، وليس فقط بسبب ان مفهوم السيادة يخلق مشاكل مستعصية وتشابكات نظرية في حقل القانون الدولي، ولكن بسبب أنها في معناها الأصيل ومن منظور المجال العلمي الملائم التي تنتمى إليه الفلسفة السياسية, هي خاطئة بشكل جوهري وسيتسبب في تضليلنا إذا واصلنا استخدامها على أساس أنه مفهوم متأصل ومقبول على نطاق واسع ومن الصعب انتقاده بشكل مقبول، ولا يمكن إدراك الدلالات الكاذبة الكامنة فيه.»

     تمثل خطأ [بودان وهوبز] في تصور السيادة كسلطة ينقلها الشعب ويحولها لكيان خارجي، هو هنا الملك. بدلا من تمثيل الشعب والمسئولية أمامه، باتت السيادة كيانا متعاليا، يسيطر على سلطة عليا, وحقا غيرَ قابل للنقل للحكم على الشعب بشكل مستقل عنه. يلعن ماريتان, مثل جوفنيل, الذي يتمتع بالسيادة معتبرًا السيادةَ أنها تخدم مصالحه. هذه وثنية!! أي نقل لسلطة الهيكل السياسي سواء لجزء منه أو كيان خارج عنه, مثل جهاز الدولة أو العرش، أو حتى للشعب, غيرُ شرعي؛ لأن صلاحَ الحكومة مستندٌ بشكل أساسي على مدى ارتباطه بالقانون الطبيعي. تؤدى السيادة إلى ثلاثة اختلالات. أولا: يجعل البعدُ الخارجي للسيادة القانونَ الدولي والدولة العالمية غيرَ متصوريْن، ويتعاطف [ماريتان] معهما بشدة. ثانيًا: في البعد الداخلي، تنتج السلطة المطلقة, التي للدولة على الهيكل السياسي, تنتج مركزية وليس تعددية. ثالثًا: تتعارض السلطة العليا للدولة السيادية المفهوم الديموقراطي للمسئولية.

     كفيلسوف كاثوليكي، يتشابه نقد [ماريتان] مع نقد الفلاسفة المسيحيين الذين انتقدوا السيادة المطلقة في بدايات الحداثة. فلقد سعوا إلى وضع حدود على قوة وسلطة الدولة السيادية كشهود على صعودها المذهل. إنهم أسلاف هؤلاء الذين يطالبون بوضع حدود لسلطة الدولة باسم حقوق الإنسان, الحق في منع الإبادة الجماعية والكوارث وتقديم المعونة من الخارج، والكيانات الفوق-دولية، التى ستتولى السلطة على شئون اقتصادية وربما عسكرية.

     تبقى مسألة القيود على السيادة قوية في الكاثوليكية وفي التقاليد المسيحية. شدد [البابا بندكت السادس عشر] على «المسئولية عن الحماية», في خطابه سنة ٢٠٠٨ في الأمم المتحدة على سبيل المثال. في السنوات الأخيرة، جادل فلاسفة سياسيون في التقليد الليبرالي في وضع قيود على السيادة أيضًا. اثنان من بين هؤلاء هم [توماس بوج] (١٩٩٢و ٢٠٠٨ ١٧٤-٢٠١), [ألان بوكانان] (٢٠٠٤) اقرَّا أن السيادة مهمة ولكنها ليست حالة أخلاقية مطلقة، باحثين عن إفساح المجال للإمكانات مثل التدخلات الإنسانية التي تقرها الأمم المتحدة أو المؤسسات الدولية لمحاربة الفقر.


 

 

 

المراجع

  • Bartelson, J., 1995.A Genealogy of Sovereignty, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Bodin, J., 1992.On Sovereignty: Four Chapters From Six Books of the Commonwealth, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Brown, Wendy, 2010.Walled States, Waning Sovereignty, Brooklyn: Zone Books, 2010
  • Buchanan, Allen, 2004.Justice, Legitimacy, and Self-Determination, Oxford: Oxford University Press.
  • de Carvalho, Benjamin, Halvard Leira and John Hobson, 2011. ‘The Myths That Your Teachers Still Tell You about 1648 and 1919’,Millennium, 39(3): 735–
  • Figgis, J. N., 1907.From Gerson to Grotius 14141625, 2nd edition; reprinted, Cambridge: Cambridge University Press, 1916.
  • Fowler, M. R. and J. M. Bunck, 1995.Law, Power, and the Sovereign State, University Park, PA: Penn State Press.
  • Grimm, Dieter, and Belinda Cooper, 2015.Sovereignty: The Origin and Future of a Political and Legal Concept, New York: Columbia University Press.
  • Grotius, H., 1625.The Rights of War and Peace, London: M. Walter Dunne, 1901.
  • Hinsley, F. H., 1986.Sovereignty, second edition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Hobbes, T., 1651.Leviathan, Harmondsworth: Penguin, 1968.
  • International Commission on Intervention and State Sovereignty: Report, 2001.The Responsibility to Protect, International Development Research Centre Publications [Preprint available online].
  • Jackson, Robert, 2007.Sovereignty: The Evolution of An Idea, Cambridge: Polity Press.
  • James, A., 1986.Sovereign Statehood, London: Allen & Unwin.
  • James, A., 1999. ‘The Practice of Sovereign Statehood in Contemporary International Society,’ Political Studies, 47(3): 457–
  • de Jouvenel, B., 1957.Sovereignty: An Inquiry Into the Political Good, Chicago: University of Chicago Press.
  • Kalmo, Hent, and Quentin Skinner, 2014.Sovereignty in Fragments: The Past, Present, and Future of a Contested Concept, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kantorowicz, E., 1957.The King’s Two Bodies: A Study in Medieval Political Theology, Princeton: Princeton University Press.
  • Keohane, R. O. and S. Hoffmann, 1991. ‘Institutional Change in Europe in the 1980s,’ inThe New European Community: Decisionmaking and Institutional Change, R. O. Keohane and S. Hoffmann (eds.), Boulder: Westview Press.
  • Krasner, S. D., 1999.Sovereignty: Organized Hypocrisy, Princeton: Princeton University Press.
  • Kratochwil, F., 1989.Rules, Norms, and Decisions: On the Conditions of Practical and Legal Reasoning in International Relations and Domestic Affairs, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Luther, M., 1523.Temporal Authority: To What Extent It Should Be Obeyed, Philadelphia: Westminster Press, 1967.
  • Machiavelli, N., 1532.The Prince and the Discourses, New York: The Modern Library, 1950.
  • Maland, David, 1966.Europe in the Seventeenth Century, London: Macmillan.
  • Maritain, J., 1951.Man and the State, Chicago: University of Chicago Press.
  • Nexon, Daniel H., 2009.The Struggle for Power in Early Modern Europe: Religious Conflict, Dynastic Empires, and International Change, Princeton: Princeton University Press.
  • Osiander, Andreas, 1994.The States System of Europe, 1640-1994, Oxford: Clarendon Press.
  • Osiander, Andreas, 2001. ‘Sovereignty, International Relations, and the Westphalian Myth,’ International Organization, 55(2): 253–
  • Pavel, Carmen, 2014.Divided Sovereignty: International Institutions and the Limits of State Authority, Oxford: Oxford University Press.
  • Philpott, D., 2001.Revolutions in Sovereignty: How Ideas Shaped Modern International Relations, Princeton: Princeton University Press.
  • Pogge, T., 1992. ‘Cosmopolitanism and Sovereignty,’ Ethics, 103: 48–
  • Pogge, Thomas, 2008.World Poverty and Human Rights, 2nd. edition, Cambridge: Polity Press.
  • Schmitt, Carl, 1922.Political Theology, Chicago: The University of Chicago Press, 1985.
  • Spruyt, H., 1994.The Sovereign State and Its Competitors, Princeton: Princeton University Press.
  • Teschke, Benno, 2009.The Myth of 1648: Class, Geopolitics, and the Making of Modern International Relations, London: Verso.
  • Wolff, R. P., 1990.The Conflict Between Authority and Autonomy, Oxford: Basil Blackwell.

 

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

 

مصادر أخرى على الإنترنت

 

مداخل ذات صلة

authority | cosmopolitanism | Dante Alighieri | Hobbes, Thomas: moral and political philosophy | Maritain, Jacques | medieval philosophy | nationalism | rights: human | world government

[1] Philpott, Daniel, “Sovereignty”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2016/entries/sovereignty/>.

error: