رواية فلسفية أيقظت بها الطبيعة، وطبيعة استيقظ فيها العقل؛ حكاية إنسان خرج من رحم العزلة، فلم يجد معلما إلا الوجود، ولا كتابا إلا الكون، ولا أستاذا إلا السؤال، ولا دليلا إلا ما أبصرته عيناه ولمسته يداه وتأمله عقله. هي قصة تبدأ من صمت الطبيعة، ثم تنتهي بضجيج الفلسفة، وتتحرك بين غابة الحس ومحراب الروح، وبين برهان العقل وإشارة الذوق، وبين سلطان النص وحرية النظر. قرأت(حي بن يقظان) لا كقصة يرويها فيلسوف، بل كمرآة وضعها الفلاسفة أمام الإنسان ليسأل نفسه: من أين جئت؟ وكيف عرفت؟ وإلى أين أمضي؟ وهل الحقيقة بنت السماع أم ثمرة النظر؟ وهل يولد العقل من الحياة، أم تولد الحياة الإنسانية من يقظة العقل؟

الكتابيأتينا الأحق
الكاتبمنكر حسين
مراجعةمهدي أحسن

ما أغرب هذا الكتاب! وما أعمق هذا الاسم! حي بن يقظان: فالحياة حيّة، واليقظة يقظاء، وبينهما نسب خفي لا يدركه إلا من أمعن النظر. ليست اليقظة هنا وصفا عارضا للإنسان، بل كأنها أصل وجوده المعرفي؛ فالحياة التي لا توقظ صاحبها حياة نباتية، والإنسان الذي يعيش ولا يسأل إنما يتحرك بجسمه ويسكن بعقله. وكأن الاسم نفسه قد أقام فلسفة كاملة من كلمتين: حي يدل على الوجود، ويقظان يدل على الوعي. ومن هنا تبدأ الرحلة: من وجود بلا سؤال إلى سؤال يكشف الوجود.

وهذه الحكاية لم تولد مرة واحدة، بل تناسلت في أذهان الفلاسفة كما تتناسل الأسئلة في عقل الإنسان؛ لها جذور قديمة في قصة سلامان وأبسال، ثم أعاد ابن سينا صياغتها، وجاء ابن طفيل فشيّد لها عالما فلسفيا وصوفيا، ثم استعادها السهروردي في(قصة الغربة الغربية) و(حي بن يقظان)، ثم صاغ ابن النفيس معناها في(فاضل بن ناطق) أو(الرسالة الكاملية). أربعة أقلام، وأربعة مسالك، وأربعة وجوه لسؤال واحد: كيف يبلغ الإنسان الحقيقة؟

ومن هنا تكمن فرادة هذه القصة؛ فإن النصوص الأربعة ليست جزرًا متباعدة في بحر الفلسفة، وإنما هي جزر أربع يربط بينها مجرى واحد. اختلفت الأسماء، وتبدلت العبارات، وتفاوتت المقاصد، ولكن الروح واحدة: إنسان يواجه الكون، والكون يواجه الإنسان، والعقل يحاول أن يقرأ هذه المواجهة قراءة لا تعتمد في أصلها على النقل المباشر. ولذلك يصبح(حي بن يقظان) أكثر من حكاية؛ يصبح مختبرا فلسفيا جُرّب فيه العقل الإنساني تحت شروط العزلة والطبيعة والملاحظة والتأمل.

وقد كان أفلاطون قبل هؤلاء قد جعل الإنسان في كهف، لا يرى الحقيقة إلا إذا خرج من ظلال المحسوس إلى نور المعقول؛ فجاء(حي بن يقظان) وكأنه قلب صورة الكهف: لم يخرج الإنسان هنا من كهف إلى عالم آخر، بل خرج من الطبيعة نفسها إلى معرفة ما وراء الطبيعة. وأما أرسطو فكان يرى أن المعرفة تبدأ بالحس والخبرة، وأن الإنسان لا يولد حاملا للمعرفة مكتملة، وإنما تتكون لديه المعرفة من الإدراك والتجربة ثم الذاكرة ثم التعقل. وهنا يلتقي(حي بن يقظان) مع الروح الأرسطية في طريق الصعود: من المحسوس إلى المعقول، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن المشاهدة إلى البرهان.

لكن أفلاطون يسأل: ماذا وراء الظاهر؟ وأرسطو يسأل: كيف نعرف الموجود؟ وسقراط يضع الإنسان أمام السؤال الأخطر: اعرف نفسك. أما حي بن يقظان فكأنه جمع الأسئلة الثلاثة في سيرة واحدة؛ نظر في الخارج حتى عاد إلى الداخل، وتأمل الموجود حتى سأل عن موجد الوجود، وقرأ العالم حتى صار العالم مرآة لذاته.

وهنا تظهر عبقرية ابن سينا. فحيه ليس راويا فحسب، بل ملاحظ، وليس متأملا فقط، بل باحث عن نظام الوجود. الطبيعة عنده ليست خشبة صامتة، وإنما كتاب مفتوح، وحروفه الجماد والنبات والحيوان، وجمله الحركة والسكون، وفصوله الولادة والموت، وخاتمته سؤال العلة الأولى. وكأن ابن سينا يريد أن يقول: إن أغلقت أبواب المدارس، بقي باب الكون مفتوحا؛ وإن سكت المعلم، لم يسكت الوجود.

ومن هنا تلوح شخصية ابن سينا الفلسفية بكل ثقلها؛ ذلك الرجل الذي شغلته العلاقة بين النفس والبدن، وبين الممكن والواجب، وبين الحس والعقل، حتى أصبح(حي بن يقظان) عنده صورة رمزية للعقل الذي يسافر في أقاليم الوجود. ولعل(حي بن يقظان) عند ابن سينا ليس شخصا بقدر ما هو العقل نفسه وقد خرج من قصر التجريد إلى طريق المشاهدة.

ثم يأتي ابن طفيل فيزيد النار اشتعالا، ويجعل الجزيرة مدرسة، والطبيعة معلما، والتجربة كتابا، والتأمل عبادة، والعزلة طريقا إلى الحقيقة. فيعيش حي وحده، فيراقب الحيوان، ويفحص الجسد، ويتأمل الموت، ويبحث عن الروح، ثم يرتقي من الموجودات إلى موجد الموجودات. هنا لا يعود السؤال:(ماذا أرى؟) بل يصبح:(ما الذي يجعل ما أراه موجودا؟)

وهذا هو التحول الكبير: فالطفل الذي كان يراقب الحيوان يصبح فيلسوفا يراقب الوجود، والعين التي كانت تتبع حركة الأجسام تتحول إلى عين عقلية تتبع حركة المعاني. إنه انتقال من علم الأشياء إلى علم العلل، ومن الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة، ومن الظاهر إلى الباطن.

ولذلك كان ابن طفيل أقرب إلى الصوفي منه إلى الفيلسوف الجاف؛ فالعقل عنده لا ينتهي في قاعة البرهان، بل يواصل سفره حتى الذوق والمشاهدة. وهنا تتقاطع فلسفته مع الغزالي، وإن اختلف الطريق؛ فالغزالي حين شك في طرق المعرفة لم يجعل الشك قبرا، بل جعله جسرا، ثم انتهى إلى أن الحقيقة لا تستنفدها حدود العقل المجرد. ولذلك قال في معنى المعرفة الذوقية إن ما لا يمكن إدراكه بالقول قد يدرك بالذوق. وهنا تتجاور الفلسفة والتصوف، لا كخصمين، بل كطريقين قد يلتقيان عند الغاية.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)؛ وما(حي بن يقظان) إلا صورة أدبية لسالك في طريق العلم، غير أن طريقه لم يكن بين حلقات العلماء، بل بين الأشجار والجبال والنجوم والحيوان والموت. كان يسأل الوجود سؤال المتعلم، ويقرأ الطبيعة قراءة المتفكر، حتى أصبحت المعرفة عنده سلوكا لا زخرفا، وحركة للروح لا تراكم ألفاظ.

وفي قصة ابن طفيل تظهر قضية أخرى أشد خطرا وأعمق أثرا: هل يستطيع العقل وحده أن يبلغ ما جاء به الوحي؟ وهنا تأتي شخصية أبسال، فينشأ الحوار بين العقل والنقل، وبين الحكمة والشريعة، وبين الحقيقة التي يدركها المتأمل والحقيقة التي يتلقاها المؤمن. لا يعود السؤال صراعا بين الإسلام والفلسفة، بل يصبح بحثا عن إمكان التوافق بين مصدرين للمعرفة.

وهذا هو الموضع الذي يلتقي فيه ابن طفيل مع ابن رشد من جهة، ويفترق عنه من جهة أخرى. ابن رشد في(فصل المقال) حاول أن يثبت أن الحكمة والشريعة لا تتناقضان في أصل المقصد، لأن الحق لا يضاد الحق. وأما ابن طفيل فجعل القصة نفسها ميدانا لهذا الالتقاء: العقل يتقدم، والوحي يأتي، ثم يكتشف الطرفان أن الحقيقة لا تتعدد بتعدد طرق الوصول إليها.

أما السهروردي، فقد حمل القصة إلى منطقة أخرى؛ منطقة الإشراق والرمز والغربة والعودة. فالفلسفة عنده لا تكفيها لغة البرهان وحدها، كما أن الحقيقة ليست قضية هندسية تبرهن عليها ثم تغلق دفترها. ثمة نور، وثمة قلب، وثمة سفر. ومن هنا جاء(الغريب الغربي) و)الحكمة الإشراقية) وكأن الفيلسوف لا يبحث عن الحقيقة في الخارج فقط، بل يبحث عن نفسه في مرآة الحقيقة.

وما أروع الرموز في هذه القصص! حي للحياة، يقظان لليقظة، عاصم للعصمة، كامل للكمال، وفاضل للفضيلة. ليست الأسماء زينة في هوامش الحكاية، بل مفاتيح في أبوابها. فالفلسفة الإسلامية كثيرا ما جعلت الاسم جسرا بين اللفظ والمعنى؛ ولذلك يصبح(فاضل بن ناطق) عند ابن النفيس أكثر من بطل قصصي: إنه الإنسان الذي تتكون فضيلته من نطقه وعقله ومعرفته.

وهنا يأتي ابن النفيس فيغير اتجاه الرحلة. فإذا كان ابن سينا وابن طفيل قد جعلا العقل الطبيعي في مقدمة الطريق، فإن ابن النفيس يوسع دائرة البحث حتى تدخل النبوة والشريعة والتاريخ في صلب البناء. فـ(فاضل بن ناطق) لا يقف عند معرفة الطبيعة، بل ينتقل إلى معرفة الأنبياء والسنن وما يقع بعد خاتم الأنبياء. وكأن القصة تقول لنا: قد يستطيع العقل أن يفتح باب السؤال، ولكنه لا يملك أن يحوّل كل أسرار الغيب إلى تجربة مخبرية.

ومن هنا يصبح الخلاف بين هذه الصيغ الأربع خلافا في درجة المعرفة ومجالها، لا مجرد اختلاف في القص والحكاية. فالعقل يرى، والتجربة تختبر، والبرهان يستنتج، والذوق يكشف، والوحي يخبر عن عالم لا يقع كله تحت سلطان التجربة. وإذا كان الفيلسوف الإنجليزي جون لوك قد رد المعرفة الإنسانية إلى التجربة، فإن كانط جاء بعده ليعيد رسم حدود العقل، مميزا بين ما يستطيع العقل أن يعرفه وما يعجز عن بلوغه في ذاته. وهنا يبدو(حي بن يقظان) سؤالا سابقا على هذه المعركة الحديثة: ما حدود العقل؟ وأين يبدأ ما لا يستطيع العقل وحده أن يحسمه؟

ولعل هذا ما يجعل القصة تلتقي، من بعيد، مع نظرية التطور عند داروين وسبنسر. فالإنسان في القصة لا يظهر مكتمل المعرفة، بل يتدرج في الإدراك كما يتدرج الكائن في الوجود. من الجماد إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان، ومن الحيوان إلى الإنسان، تتحرك الرؤية في سلم متصل. وقد جعل داروين التطور قانونا لفهم التنوع الحيوي، وجعل سبنسر التطور مبدأ أوسع في تفسير التغير والانتقال من البسيط إلى المركب. أما برجسون فقد رأى في الحياة دفعا إبداعيا يتجاوز الآلية الجامدة. وبين هذه التصورات تتشكل في(حي بن يقظان) صورة أدبية للتطور المعرفي: الإنسان لا يولد عارفا، وإنما يصير عارفا.

وهنا لا بد من الوقوف عند الفرق بين التطور المادي والتطور الروحي؛ فالقصة ليست كتابا في البيولوجيا، ولا يصح تحميلها ما لم تقل. لكنها تستخدم الطبيعة مسرحا لنمو العقل، وتجعل الملاحظة سلما إلى التجريد. فالجسد يتغير، والعقل يستيقظ، والنفس تتدرج، وكل مرحلة تفتح بابا إلى المرحلة التي بعدها. وكأن الإنسان عندها كائن يمشي بقدميه في التراب، ولكنه يبحث بعقله عن السماء.

ولذلك تشبه القصة، في بعض جوانبها، ما نجده في(روبنسون كروزو)، غير أن الفرق عميق. كلاهما إنسان في مواجهة الطبيعة، لكن روبنسون ينشغل بإعادة بناء الحياة المادية، بينما ينشغل حي بن يقظان بإعادة بناء المعنى. الأول يسأل: كيف أعيش؟ والثاني يسأل: لماذا أعيش؟ الأول يروض الجزيرة، والثاني يروض السؤال. الأول يصنع الأشياء، والثاني يصنع المعرفة.

وفي هذا السياق تقترب القصة أيضا من أبي العلاء المعري، ذلك العقل القلق الذي لم يرض أن ينام في فراش الموروث دون سؤال. وإذا كان المعري قد جعل الشك أداة كشف، فإن حي بن يقظان جعل التأمل أداة اكتشاف. كلاهما لا يقبل الحقيقة لأنها قيلت، بل يسأل عن حجتها. غير أن المعري يغلب عليه القلق، بينما يغلب على حي بن يقظان الرجاء؛ الأول يفتش في متاهة الشك، والثاني يصعد من الشك إلى اليقين.

أما الفارابي، فحاضر في الخلفية بحضوره الثقيل؛ المدينة الفاضلة، والإنسان، والعقل، والنبوة، وترتيب مراتب الوجود. والغزالي حاضر كذلك، لا في(الميزان) وحده، بل في سؤال المعرفة نفسها: ماذا نعرف؟ وكيف نعرف؟ وهل كل معرفة عقلية تبلغ مرتبة اليقين؟ وابن رشد يطل من باب آخر ليسأل عن العلاقة بين البرهان والشريعة. وابن سينا يفتح باب النفس والوجود. والسهروردي يشعل مصباح الإشراق. وابن النفيس يعيد إدخال النبوة والتاريخ. وهكذا لا تقرأ(حي بن يقظان) وحده؛ إنما تقرأ وراءه مجلسا فلسفيا طويلا اجتمع فيه أفلاطون وأرسطو وسقراط والفارابي وابن سينا والغزالي وابن رشد والسهروردي وابن طفيل وابن النفيس، ثم مر من بعيد لوك وكانط وداروين وسبنسر وبرجسون.

غير أن أجمل ما في هذه الحكاية، وأخطر ما فيها في الوقت نفسه، أنها تجعل الطبيعة نصا. فالسماء كتاب، والحيوان آية، والموت سؤال، والحياة برهان، والحركة دليل، والنظام علامة. ولذلك لا يكون التفكر في الكون هروبا من الدين، بل قد يكون طريقا إلى اكتشاف دلالاته. وفي القرآن:(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب). فالعالم هنا ليس جدارا أصم، بل آية ممتدة؛ ومن عجز عن قراءة الآية المكتوبة، فكيف يدعي أنه أحسن قراءة الكتاب؟

لكن السؤال الذي يتركه الكتاب في النفس أشد من السؤال الذي يطرحه في العقل: ماذا بقي من حي بن يقظان في إنسان العصر؟

لقد امتلكنا جامعات أكثر، ومختبرات أكثر، وشاشات أكثر، ومعلومات أكثر؛ ولكن هل أصبحنا أكثر يقظة؟ صرنا نعرف الأخبار قبل أن تقع، ونرى العالم قبل أن نخرج من غرفنا، ونحفظ النصوص دون أن نعيش أسئلتها، وننقل الأقوال قبل أن نزن حججها. أصبح النص عند بعضنا نهاية التفكير، بعدما كان عند العلماء بداية البحث. نبحث عن(قال فلان) قبل أن نسأل: لماذا قال؟ وعلى أي دليل؟ وهل يصح أن يكون القول دليلا لمجرد أنه قول؟

وهنا يعود(حي بن يقظان) ليصفع الغفلة القديمة في وجه الحداثة الجديدة: ليست المشكلة في كثرة النصوص، وإنما في موت القارئ؛ وليست الأزمة في قلة المعلومات، وإنما في غياب السؤال؛ وليس الخطر أن نختلف في النتائج، وإنما أن نتوقف عن البحث عن البرهان.

ومع ذلك، فإن تمجيد العقل وحده لا يقل خطرا عن إقصائه. فالعقل ميزان، ولكنه ليس كل عالم؛ والتجربة طريق، لكنها ليست كل حقيقة؛ والنص هداية، ولكنه يحتاج إلى عقل يفهمه، ولسان يفقهه، وسياق يفسره. وإذا كان العقل بلا نص قد يضل في الغيب، فإن النص بلا عقل قد يتحول في يد قارئه إلى ألفاظ تتحرك بلا روح. ومن هنا تبدو الحكمة الحقيقية في أن يتعاون العقل والنقل، لا أن يتقاتلا؛ وأن يتحاور البرهان والوحي، لا أن يلغي أحدهما الآخر.

لقد كان(حي بن يقظان) في بعض صوره طفلا ربته الطبيعة، وفي بعضها فيلسوفا رباه السؤال، وفي بعضها سالكا رباه الذوق، وفي بعضها إنسانا اكتمل بالنبوة والشريعة. ولهذا لم تكن القصة قصة رجل واحد، بل قصة العقل الإنساني وهو يبحث عن صورته الكاملة.

وفي النهاية، لا يغلق(حي بن يقظان) الباب، بل يتركه مفتوحا؛ لا يمنح القارئ جوابا نهائيا، بل يوقظه من وهم امتلاك الجواب. وهذا سر خلوده: أنه لا يسألنا فقط عن الحقيقة، بل يسألنا عن الآلة التي نبحث بها عن الحقيقة. أهي العين؟ أهو الحس؟ أهو العقل؟ أهو الذوق؟ أهو الوحي؟ أم أن الإنسان الكامل هو الذي يعرف لكل واحد مجاله، فلا يجعل الحس حاكما على الغيب، ولا يجعل الذوق بديلا عن البرهان، ولا يجعل النص خصما للعقل؟

وهكذا تنتهي القصة ولا ينتهي السؤال؛ يموت حي ولا تموت يقظته، يغلق الكتاب ولا يغلق باب المعرفة، يسكت الراوي ويبقى الكون راويا. وكأن ابن طفيل يضع في يد القارئ مصباحا ويقول له: لا تكن إنسانا يعيش ثم يسأل في آخر الطريق لماذا عاش؛ كن إنسانا يستيقظ وهو حي، ويرى وهو ينظر، ويفكر وهو يقرأ، ويبحث عن الحقيقة لا لأن غيره قالها، ولا لأنه رفضها، بل لأنه أراد أن يعرفها.

فـبحي بن يقظان) ليست قصة رجل نشأ في جزيرة؛ إنها جزيرة نشأت في عقل الإنسان. وليست رواية عن العزلة فحسب؛ إنها رواية عن عزلة العقل حين ينفصل عن السؤال، وعن يقظته حين يصادق البرهان، وعن روحه حين لا يكتفي بالمحسوس. ومن هنا يبقى السؤال معلقا في سماء الكتاب، كنجمة لا تغيب: إذا كان حي قد وجد طريقه إلى الحقيقة من الطبيعة، فهل نستطيع نحن، وسط هذا الضجيج كله، أن نجد طريقنا إلى الحقيقة من جديد؟


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك