“إنّ كلّ ترجمةٍ خيانةٌ”: وإذا كان هذا المثل منطبقٌ على أيّ ترجمة، فأوْلى به نصٌّ قديمٌ مكتوب بلغة تختلف بنيةً اختلافًا عن لغاتنا الغربيّة الحديثة. هذا بالإضافة إلى أنّ معرفتنا بمعاني عدد من الكلمات التي وظّفها القرآن في سياق البيئة التي نشأ فيها ليست أكيدةً. وتعدّد معنى عديد الكلمات العربيّة مربكٌ المرجمَ: ولا تزيده العودة إلى الشّروح القديمة التي تحشد كلّ الدّلالات الممكنة إلاّ حيرةً على حيرته. وإنّ تناثر الأقواس وعلامات الاستفهام في ترجمة الألماني رودي باري (Rudi Paret) التي هي إحدى التّرجمات الحديثة الأكثر دقّة، يكشف للقارئ أنّ ترجمته ليست إلاّ اختيارا ضروريّا من بين احتمالات أخرى عديدة. وقد أدّت حالة عدم الرّضا هذه التي تخلّفها كلّ ترجمة إلى تعدّد التّرجمات ضمن اللّغة نفسها: فقد أحصى موقع إلكترونيّ أكثر من مائة وعشرين ترجمةً (جزئيّة أو كلّيّة، حُرّرت في فرنسا أو خارجها، قام بها مسلمون أو غيرُهم). اشتهر بعضُها بالجودة، وسار بها الرّكبان انتشارا. كترجمة كازيميرسكي (Kasimirski) التي تعود إلى سنة 1840، والتي ما تزال تُطبعُ باستمرار. وقد نُشرت، في الخمسين سنة الماضية تحديداً، أشهرُ الترجمات وأكثرها استخداماً اليوم بلا منازع. إلا وهي ترجمة ريجيس بلاشير (1950) التي بقيت مرجعًا لوفائها الشّديد للنّص العربيّ، ولأهمّيّة ملاحظات بلاشير وتعليقاته. وأنجزت دونيز ماسون سنة 1967 ترجمةً أكثر سلاسةً، أشارت فيها إلى عديد النّصوص الكتابيّة، التّوراتيّة والمنحولة: إنّها الأكثر استخدامًا في المؤلّفات الفرنسيّة المستحضرة شواهد من القرآن، وذلك لطلاوة لغتها الفرنسيّة. ثمّ أعدّ أندريه شوراقي سنة 1990 ترجمةً، أثارت جدلا، حاول فيها، بفرنسية معرّبة، نقل بعض المعاني في اللّغة العربيّة. وقدّم جاك بيرك سنة 1990 ترجمةً بلغة فرنسيّة ثريّة، ولكنّها ذات تكلّفٍ، جعل فيها ملاحظات وملحق على غاية من الأهمّيّة. ولا بدّ كذلك من الإشارة إلى مترجميْن مسلميْن: ترجمة حمزة بوبكر، سنة 1972، التي كانت يسيرةً قراءتُها، ومصحوبةً بعديد الملاحظات العاكسة الموروث التفسيريّ الإسلاميّ، وترجمة محمد حميد الله، سنة 1959، التي جاءت حَرْفية جدّا، وجنبًا إلى جنب مع النصّ العربيّ، وهي يمكن أن تكون مفيدة ولكنّها على مستوى اللّغة الفرنسيّة غير مرضيّة دائما.
| الكاتب | ميشيل كويبرز، وجنيفييف جوبيولو |
| ترجمة | أحمد الفاضل |
وتحمل هذه التّرجمة الأخيرة عنوان: ” القرآن وترجمة معانيه إلى اللّغة الفرنسيّة، قدّم لها وعلّق عليها…” ويعتقد العلماء المسلمون بأنّ ترجمة القرآن ليست هي القرآن حقّا: فكلام الله بطبعه متّصل باللّسان الذي به أُنزل. ويؤكّد القرآن نفسه عديد المرّات طابعَه العربيّ: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (سورة 41، الآية 2-3، وكذلك: 12/2، 13/37، 20/113، 39/28، 41/2-3، 42/7، 43/3.). فالقرآن، حسب الموروث الإسلاميّ، من عند الله لفظًا ومعنى، فلا انفصام بينهما. وفي هذا السّياق أشار الحكيم التّرمذيّ (ت.930م) إلى أنّ من زعم أنّه يجوز له تلاوة القرآن بالفارسية، فَقَدْ قَرَأَ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ (…) وخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ. (…) والحقّ أنّ الصّلاة ينبغي أن تكون بكلام الله على الحال التي نطق به. وهو ما يبرهن على أنّه كانت ثمّة ترجمات جزئيّة بالفارسيّة متداولة عصرئذ. وأشار التّرمذي أيضًا إلى الإشكاليّات النّاجمة عن ترجمة عبارة ” لا إله إلا الله ” إلى الفارسيّة. وفي السّياق نفسه، يمكن قراءة ما كُتب على أحد المواقع الإلكترونيّة التي تعرض ترجمات للقرآن بالأنجليزيّة مفاده أنّ “كلّ ترجمة للقرآن تتوقّف عن كونها كلام الله الحرفيّ، ولا يمكن اعتبارها عندئذ مكافئة للقرآن في شكله العربيّ الأصليّ. والحقّ أن كلّ ترجمة على هذا الموقع هي ترجمة بالتّفسير”. وقد أُضيفت إلى قدسيّة اللّفظ العربيّ مسألةُ إعجاز القرآن معنى ونظما، وهي فكرة لم تلبث أن اكتسبت صفة العقيدة الملزِمة ابتداءً من القرن الثالث الهجري. وبما أنّ القرآن غير مقدور الإتيان بمثله، فهو، إذن، غير قابل للترجمة.
لكنّ هذه النّظريّة اضطُرّت، مع ذلك، إلى أن تواكب حاجات الجماعة المسلمة غير العربيّة، إن لم يكن من أجل الصّلاة، (التي استمرّ أداؤها بالعربيّة)، فعلى الأقل من أجل متطلّبات دراسة النصّ، فمنذ القرن العاشر الميلادي تُرجم تفسير الطّبري، المتضمّن نصَّ القرآن، إلى الفارسيّة والتركيّة، وفي مملكة برغواطة (على ساحل المغرب الأطلسيّ) تُرجم النص القرآني إلى البربريّة. وكانت الترجمات الواقعة بين السّطور، وكلمةً بكلمة، معروفة منذ وقت مبكر. وظهرت، في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، ترجمات كاملة بالفارسيّة والأرديّة، وبلغات هنديّة مختلفة. وتعدّدت، في القرن العشرين، الترجمات بلغات آسيويّة إفريقيّة وغربيّة.
وقد أخذت التحفّظات تجاه التّرجمة في التّلاشي شيئا فشيئا: فقد كان الشيخ محمود شلتوت، شيخ جامعة الأزهر بالقاهرة، يشجّع على التّرجمة، ذلك أنّ ” الترجمات متضمّنة، كذلك، لمعنى كلام الله”. وقد أشارت بيبليوغرافيا عالميّة لترجمات معاني القرآن الكريم صدرت في إسطنبول سنة 1986، إلى وجود ترجمات في خمسٍ وستين لغة.
وقد أُنجزت، في الغرب، سنة 1141م، أوّل ترجمة لاتينيّة بأمر من رئيس دير كلوني بطرس المبجّل. وتُنسَبُ أوّل ترجمة فرنسيّة إلى أندريه دي ريّي (André Du Ryer) سنة 1647: طُبعت مرارًا طوال القرنين السّابع عشر والثّامن عشر، وهي التّرجمة التي كان فولتير على معرفة بها. ونشر سنة 1787 سافاري ترجمة جديدة، تلتها بعد نصف قرن، ترجمة ألبرت كازيميرسكي (Albert de Biberstein-Kasimirski) ترجمان البعثة الفرنسيّة في بلاد فارس العليم.
وإنّ صعوبة التّرجمة متأتّية من كونها معتمدةٌ جدّا على العمل التّفسيريّ، المبنيّ أساسًا على دراسة النّصّ الفيلولوجيّة، لكن لا بدّ أن نضيف إلى ذلك دراسة البنية البلاغيّة. مثال ذلك الآية الأولى من سورة العلق تترجم عادة على النّحو التّالي: “ Lis (ou « proclame ») au Nom de ton Seigneur !”. وهي في الموروث الإسلاميّ أوّل ما أُنزل على النّبيّ يأمره بقراءة القرآن. في حين أنّ عديد العلماء المعاصرين (يوري ربين، لويس دي بريمار) يرون أنّ صيغة الفعل المستعملة، فيلولوجيًّا، تعود إلى فعل في العبريّة بمعنى: “ادعُ”، فتُترجم “ادعُ باسم ربك”. فلم تعد الآية تدلّ، عندئذ، على القيام بمهمّة بل بدعوة إلى الصّلاة، والجزء الثّاني من السورة هو فعلا دعوة للثّبات في الصّلاة. وتشكّل الكلمة الأخيرة ” اقترب” ترجيعا صوتيًا مع بداية السورة ” اقرأ بـ”، ممّا يشير إلى رابط دلاليّ. وتثبتُ بنية النصّ هنا بدقّة الاستنتاجات الفيلولوجيّة، وهو ما يستدعي إعادة النّظر في ترجمة آية من أشهر آيات القرآن الكريم.
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
