الكاتبأنطوني بم
ترجمةصالح الخنيزي

1. الفلسفة والترجمة الغربية ودراستها

ترتبط مختلف التخصصات في مجال العلوم الإنسانية بسلاسل مرجعية. فعلى سبيل المثال، تحيل اللسانيات الاجتماعية تاريخيا إلى اللسانيات وعلم الاجتماع كمرجعية لمفاهيمها التأسيسية، تماما كما قد تحيل اللسانيات بدورها إلى فقه اللغة، وعلم الاجتماع إلى التاريخ، أو مثلما قد يلتفت علم الاجتماع بنظرة منه إلى التاريخ أو علم النفس أو الاقتصاد السياسي. تسمح هذه السلاسل المرجعية استعارة المفاهيم وبالتالي إزاحتها باستمرار. كما تسمح بإسقاط المرجعية على التخصصات المشار إليها، بحيث تصبح المرجعية ذاتها مزاحة هي الأخرى باستمرار في تخصصاتنا الإنسانية.

يُمكّنُنا هذا الإطار من إضفاء طابع مثالي على الفلسفة الغربية بوصفها مجموعة من الخطابات التي لا تستعير مرجعيتها ظاهريا من تخصصات خارجية. ولكنها، إن صح التعبير، مجال تصاغ فيه المصطلحات والمفاهيم وتصقل لاستخدامها في تخصصات أخرى؛ وقد يتمثل دورها في خدمة بقية التخصصات. وبطبيعة الحال، تشكل الخطابات الفلسفية بطريقة أكثر واقعية موضعا تُتداول فيه المرجعية داخليا، حيث يقرأ الفلاسفة أعمال بعضهم بعضا، وتتشكل المدارس والتقاليد الفلسفية، وفي الوقت نفسه يمكن أن تتدفق المرجعية إلى الداخل من أي تخصص يتضح أنه يوسّع حدود المعرفة.

كما يمكننا هذا الإطار العام من افتراض أن دراسات الترجمة باعتبارها تخصصا تابعا يستقي من الخطابات الفلسفية، بل ومن تخصصات وسيطة أخرى أيضا. وعليه، يمكن ربط خطابات الفلسفة بدراسات الترجمة بثلاثة طرق على الأقل:

  1. استخدم الفلاسفة، على اختلاف مشاربهم، الترجمة بوصفها دراسة حالة أو استعارة لقضايا ذات تطبيق أعم.
  2. أشار منظرو الترجمة والممارسون إلى الخطابات لدعم أفكارهم ومرجعياتهم الفكرية.
  3. علّق الفلاسفة والباحثون والمترجمون على ترجمة الخطابات الفلسفية.

وبما أن المرجعية تبدو أنها تتدفق من الفلسفة إلى دراسات الترجمة أكثر من العكس، فإن العلاقات السياسية بين التخصصين تختلف اختلافا كبيرا في كلّ حالة من الحالات المذكورة أعلاه. وعليه، سننظر في تطور كل حالة على حدة، رغم أنها، على مدى التاريخ، تعمل جنبا إلى جنب ضمن نظريات المعرفة العامة للعلوم الإنسانية.

2. الترجمة بوصفها مثالا للفلسفة

لا تملك الفلسفة الغربية خطابا تقليديا عن الترجمة. فمصطلح “الترجمة” غائب عن معظم الموسوعات والمسارد المتخصصة. ولا يلعب هذا المفهوم أي دور يذكر في الخطاب الفلسفي اليوناني (كما لاحظ روبنسون، 1992، 1997: 225-2)، ويبدو أنه لم يُنجَز سوى القليل على مر القرون لسد هذه الثغرة. قد يعزى هذا الإقصاء النشط جزئيا إلى التمركز العرقي المتجذر، بالإضافة إلى الاتجاه السائد الذي يعتبر جميع اللغات الأجنبية “بربرية” (المشتقة من اليونانية barbarous، وتعني أجنبي). وقد امتدّ هذا الإقصاء في الثقافة الرومانية أيضا (فالشروحات التي وصلتنا من هوراس وشيشرون تعنى بالشعر الدرامي والخطابة، وليس بالفلسفة)، وفي الواقع في الكثير من تقاليد القرون الوسطى. فعندما يستلهم فيرمر (1996)، على سبيل المثال، الأنساق التي اتبعها رامون لول Ramon Llull أو توماس الأكويني ويطوّر نظريات الترجمة التي كان بإمكان أولئك المفكّرين تقديمها، فإن هذا المنجز التأويلي المذهل يحتمّ علينا أن نتساءل: لماذا لم يقدّم مفكرو القرون الوسطى نظريات للترجمة؟ لقد حاول روبنسون (1991،1996) تتبع قمع الترجمة منذ أيام انتقال الثقافات المصرية واليونانية إلى روما، ومرورا بالمسيحية القمعية في أوروبا. كما يرد المفهوم ذاته لدى ميشونيك (1999: 32-34) بزعمه أن أوروبا هي القارة الوحيدة التي تأُسست ثقافتها على الترجمات (من اليونانية لفلسفتها، ومن العبرية لدينها)، وأنها لطالما أخفت تلك الأصول المترجمة بمعاملة الترجمات كما لوكانت أصولا. ووجه بيرمان (1984: 59, 1985: 88، مستشهدا بشليغل) انتقادا مماثلا للثقافات الإسلامية التي يُفترض فيها أن الأصول قد دمرت بمجرد إتمام الترجمة: فالترجمة أمر يتعين إخفاؤه، لا التنظير له. وربما يفسّر ذلك صمت الفلاسفة التقليدي تجاه موضوع الترجمة.

ومع ذلك، ينبغي توخي الحذر الشديد عند رسم ثقافات بأكملها بفرشاة عريضة كهذه. فثمة سببان آخران على الأقل قد يفسران هذا التحفظ.

أولا، إن إنتاج الأفكار الجديدة وترويجها كان على امتداد جزء كبير من التاريخ الغربي بمثابة نشاط سياسي محفوف بالمخاطر؛ فلم يكن الفلاسفة دائما في صف السلطة. وفي ظل بعض الظروف، من السهل تقديم النصوص الجديدة وكأنها ترجمات واردة من مكان بعيدة (أي ترجمات زائفة)، للحفاظ على حياة مؤلفيها. وذلك ما يفسر العدد الهائل والمريب من الترجمات الفلسفية التي ليس لها أصول- لا في الموروث الإسلامي فحسب. (راجع بدوي، 1968).

ثانيا، هيمنت على نقل الأفكار في معظم العصور اللاتينية هرمية لاهوتية للغات. إذ تمركزت لغات الوحي الإلهي في قمة الهرم (العبرية والعربية واليونانية والسنسكريتية وفق ما يرتئيه البعض)، ثمّ تليها لغات الوساطة المستنيرة (وأبرزها اللاتينية)، ثم تأتي بعدها اللغات العامية المكتوبة (الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، إلخ)، بينما أقصيت اللهجات المحكية خارج هذا التصنيف. شكّلت هذه الفكرة النافذة أساسا لخطابات العديد من المترجمين (مستفيضة في عبارات التواضع المتكررة في تصدير أعمالهم). كما أفضت عن عدة استعارات مفادها أن الترجمات ما هي إلا منتجات رديئة، لأن الاتجاه السائد كان يحدث عادة من اللغات المرموقة إلى اللغات الأدنى. وبما أن التسلسل الهرمي للغات قد وضع فعل الترجمة نفسه على أنه نشاط ثانوي، فإن النتيجة لم تحظى بمناقشة معتبرة. هل ينبغي حقا أن نأسف لغياب “فلسفة تقليدية كبرى للترجمة”؟  كما لو أننا نأسف لغياب “فلسفة للأثاث” والتي لا نجدها تاريخيا إلا في مقالة قديمة لإدغار آلان بو نشرت عام 2004.

لم يتسن تكريم نشاط المترجم بصفته موضوعا للفكر الجاد إلا بعد إعادة تقييم اللغات العامية مقارنة باللاتينية. بدأت هذه العملية في عصر النهضة الإنساني في القرن الخامس عشر، عندما نجح الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي ليوناردو بروني (1444-1370) في التأكيد على الجانب “الجمالي” المتمثل في الترجمات. عند ذلك استقر تبجيل الترجمة على ظهر القوميات الأوربية الصاعدة، استنادا إلى فكرة وجود لغات قوية متعددة الأغراض يمكن تصور وجود تكافؤ بينها، قبل وقت طويل من استخدام المصطلح نفسه. وقد بلغ هذا النمط الفكري العام أقصى درجات الاكتمال في مرحلة الرومانسية الألمانية.

  رأى ويلهلم هومبولت (1836) أن جميع اللغات تعمل بالطريقة نفسها، في صياغتها للمفاهيم برؤى عالمية متكاملة. وذلك نتيجة التوسع المفاجئ في عالم المفاهيم، بداية من خلال المدى الزمني الهائل الذي كشف عنه علم الجيولوجيا (راجع فوكو، 1966)، ثم مع رحلات الاستكشاف. لقد بحث كان هومبولت ينظر إلى لغات مثل الكيتشوا والباسك Quechua and Basque، خارج شبكات الترجمة الراسخة، وإلى ثقافات، مثل الألمانية، التي كانت تمر وبشكل واضح في طور التطوّر التاريخي. لم تكن النتيجة مجرد إعادة تقييم تصاعدي للتباين الثقافي (على عكس التسلسلات الهرمية في العصور الوسطى)، بل كانت أيضا وعيا بكيفية استخدام الترجمة لتنقيح وتوحيد اللغات المستهدفة التي كانت تمر في طور نموها آنذاك (بما يتماشى مع التسلسلات الهرمية). وقد أخفت هذه المفارقة التاريخية إلى حد كبير الإمكانية المنطقية القائلة بأنه، إذا كانت اللغات تضمر في دواخلها رؤى مختلفة للعالم، فلا بد وأن تكون الترجمة بتجلياتها المثالية مستحيلة (وهي الإشكالية التي سيطرحها والتر بينجامين والمدارس اللسانية في القرن العشرين).

عوضا عن طرق هذه الإشكالية، نجد هومبولت، إلى جانب شليرماخر وآخرين، يؤكدون أولوية الترجمة التغريبية foreignising على الترجمة التدجينية domesticating. وهذا يعني اشتراط أن تقرأ الترجمة بصفتها ترجمة، لا كنص آخر في اللغة المستهدفة. لكن، ألن يفضي هذا إلى فوضى نصية مليئة بالترجمات؟ يرى شليغل، أن الحماية من هذا التطرف يتضمن البحث عن خطوط مفاهيمية بين “الغرابة في الترجمة ” وما يمكن اعتباره “أجنبيا” (بيرمان، 1984: 246-247؛ 1992: 154). من شأن هذه الفروقات أن تسمح نظريا للترجمات بالمساهمة في تطوير اللغة والثقافة الألمانية (اللتين لا تزالان بحاجة إلى قدر معين من التماثل المثالي)، وفي الوقت نفسه تصنّفُ كنوع مستقل من النصوص، بمنأى عن النتاج الأدبي القومي الصرف، (وقد تبنّى آخرون، ولا سيما ليفي، لاحقا فكرة الترجمات بوصفها نوعا أدبيا مستقلا). لم يكن أساس هذا التنظير يعنى بالترجمة حصريا، وإنما هو مجرد سلسلة من الأفكار حول التطوير المستقبلي لثقافة قومية بعينها.

ويمكن تتبع إرث مجمع مبان الرومانسية الألمانية على مسارين. يرتكز المسار الأول على المعارضة الأساسية لأساليب التدجين في الترجمة. إذا كان التدجين هو السائد في ثقافة مهيمنة ومرموقة، فإن الإصرار الألماني على التغريب بإمكانه أن يضفي طابعا مثاليا من منظور أخلاقي، باعتبار ذلك أسلوب انفتاح يرحب بالآخر بدلا من إقصائه. وهكذا تصبح نظرية الترجمة وسيلة لمناقشة مسائل تتعلق بالحماية الثقافية. تستند مقالة الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت “بؤس الترجمة ورفعتها” (1937/2000) على ثنائية الرومانسية الألمانية، وقد لاقت أخلاقيات التغريب استحسانا واسعا لدى نخبة من المفكرين المنتمين داخل الثقافات المهيمنة، إذ قدّمت لهم قدرا محدودا من التكفير عن الذنب. وفي السياق الفرنسي، استعيد هذا التوجه في إصرار هينري ميشونيك (1999/1973) أحادي التركيز على نقل إيقاع النص الأصل؛ مما مهّد الطريق أمام أنطوان بيرمان (1984) في نقده الشامل للممارسات النصية المتمركزة عرقيا. يمكن العثور على نفس نمط التفكير في نقد فينوتي الأساسي (1995، 1998ب) لمفهوم “السلاسة” في الترجمة. في جميع هذه السياقات، تتعلق المناظرات المختلفة بآثار الترجمات على اللغات والثقافات المستهدفة.

وأما الإرث الثاني للرومانسية الألمانية فيعزى إلى العرف الهيرمينيوطيقي العام الممتد عبر جميع هذه السياقات. وهنا يرتكز الجدل على طبيعة النص المصدر أو المؤلف المُتَرْجَمْ. فبمجرد تصنيف الترجمة إلى ثنائيات، ينبغي الإدراك أن هناك أكثر من طريقة للترجمة. وبذلك تصبح مكانة النص المصدر إشكالية. لا يمكن لأيّ نص تقديم جميع المعلومات اللازمة لترجمته بصورة مطلقة؛ وبالتالي فإن جميع النصوص تظلّ، بدرجات متفاوتة، مشرعة أمام تأويلات متنافسة. وعليه، يغدو السؤال هنا: كيف، وبأي درجة من الثقة، يمكننا أن نزعم أننا فهمنا ما نريد ترجمته؟ وهذا السؤال يضرب في أعماق الظاهراتية، يمتد جذورها في منهجية هوسرل، وهايدجر، وغادامير، وريكور.   

رغم أن إشكالية الترجمة العامة لم تغب بتاتا عن اهتمامات هؤلاء المفكرين، إلا أن مارتن هايدجر هو الوحيد الذي استخدم الترجمة بوصفها أسلوبا للعرض الفلسفي وربما الفكري أيضا. لا يقتصر اهتمامه الخاص بالترجمة على تعدد التفسيرات فحسب، بل ينصبّ أيضا في أنطولوجيا اللغة نفسها، وفي الأسباب الجوهرية التي تفسّر وجود لغات متعددة، وبصورة أخص، في علاقة المساواة المفترضة بغرابة بين اللغة الألمانية واللغة اليونانية الكلاسيكية. وفي هذا السياق، استلهم هايدجر، إلى جانب والتر بينجامين، أفكارا مجتزأة من الشاعر هولدرلين، وهو قامة أدبية مهمشة إلى حدّ بعيد في الرومانسية الألمانية (للاطلاع على العلاقات المتعددة بين هذه القامات، انظر شتاينر، 1975). تتجلى الفكرة المحورية لدى بنيامين في أن التعبير الأصلي يحتوي في هيئته ذاتها على معان متعددة، على غرار ما يفسر به التقليد القابالي* 1 Kabbalistic المعاني من الأرقام التي تمثلها حروف الأبجدية العبرية. وتتمثل مهمة المترجم في الاشتغال على هيئة النص الأصلية، لإبراز ما خفي من المعاني. وقدّ عبر بنيامين عن هذه الفكرة في مقالته “مهمة المترجم” (1923(، بالقول إن كل لغة هي في حد ذاتها جزء من كلٍ أكبر، وأن المترجم يساهم في تجميع أجزاء معنى إلهي، تحطم جراء سقوطه من نعماء الرب. ومع ذلك، يصعب تمييز هذا التطبيق العملي في ترجمة بنيامين المتواضعة إلى حدّ ما لبودلير، والتي كانت المقالة الذائعة الصيت مقدمة لها في الأصل. 

يلخص تشاو (1984) المدخل الهيرمينيوطيقي في مجموعة من المبادئ الأساسية. فبما أنه لا وجود لفهم موضوعي حقيقي للنص، فلا يمكن لأي ترجمة حينها أن تمثل نصها المصدري تمثيلا تاما، ولا يسع جميع الترجمات إلا أن تحدث تغييرا في معنى النص المصدري. علاوة على ذلك، لا يمكن تجنب “التحيزات” التي تطرق لها غادامير، بل يمكن أن تأخذ منحى إيجابيا في جميع الأفعال التفسيرية. يزعم تشاو أن هذا المدخل العام يجعل المترجم متواضعا وأكثر تحملا للمسؤولية في آن واحد، نظرا لمشاركته في صياغة ترجمة فاعلة عوضا عن بقائه عبدا لأوهام التكافؤ المفروضة. قد يزعم آخرون بأن هذا المدخل يشجع المترجم على تجاوز أخلاقيات الأمانة أو التكافؤ في الترجمة.  وهنا يتضح أنّ مسارات الفلاسفة قد انحرفت انحرافا كبيرا عن المبادئ الوضعية للتحليل اللغوي في القرن العشرين.

يعكس المدخل الهيرمينيوطيقي، بصيغته المطروحة، جوانب من فقدان اليقين في القرن العشرين. بل تظهر أسسه مجددا في كثير من المداخل المعاصرة، وبالتحديد لدى دريدا (الذي بدأ مسيرته قارئا لـ هوسرل)، ولكن أيضا، وربما بشكل يبدو متناقضا، في التحول إلى دراسات الترجمة الوصفية، إذ كشفت المفاهيم الوضعية للعلوم التجريبية عن التعدد الهائل للممارسات الترجمية. وفي كلا هاتين الجبهتين، تسلمت النسبية الثقافية *2 والتاريخانية *3 زمام الأمور بزعمهما تصحيح المسارات التفسيرية أو إكمالها. وقد رفضت جميع هذه المشارب المختلفة وجهة النظر القائلة بأن هناك طريقة واحدة فقط لترجمة أي مادة مصدرية بعينها؛ وقد سعت جميعها إلى فهم الكيفية والسبب اللذين يجعلان الترجمة غير خاضعة للتحديد الترجمة من قبل مصدرها.

شرع الفيلسوف التحليلي الأمريكي ويلارد كوين (1959) بطرح رؤية مغايرة للترجمة من منظور جينالوجي، في مقالته المعنونة ” الترجمة والمعنى”. كان كوين معنيا بالمشكلة العامة المتمثلة في إمكانية تفسير مجموعة واحدة من البيانات بأكثر من نظرية، وأنه لا توجد وسيلة حاسمة لاختيار نظرية واحدة منها على نحو قاطع. وفي نهاية المطاف، سعت التقليد الهيرمينيوطيقي إلى إيجاد طرق أخلاقية أو وجودية أو أخروية لحل تلك المشكلة. ومع ذلك، كان كوين ينتمي إلى عرف تحليلي محافظ يلتمس إيجاد حل تقني، أو منطقي، مستندا إلى المدرسة السلوكية ومتّبعا مسارا محددا لا يؤدي في نهاية المطاف إلاّ إلى الشك. من الواضح أن توظيفه للترجمة هو بمثابة تجربة فكرية، وهو مثال على مبدأ إبيستيمولوجي عام يعرف باسم ” لا تحديدية الترجمة indeterminacy of translation.

يفترض كوين حالة ” ترجمة جذرية” *4، إذ ليس هناك تواصل سابق بين الثقافات المعنية (مع إقراره فورا بأن الحياة الواقعية لا توفر مثل هذه الحالات). في هذا المثال، يمر أرنب مسرعًا، فيهتف أحد السكان الأصليين “غافاجي!” فيدوّن عالم اللغة الكلمة باعتبارها تعني: “أرنب”، أو “انظر، أرنب!”، أو أحد أعضاء الأرنب، أو ” ثمة برغوث على أذن الأرنب اليسرى”، وهكذا دواليك. فهل سيفضي التقصي المتتابع عن المعنى الحقيقي الوحيد لهذه الكلمة؟ يحدد تحليل كوين درجات اليقين لأنواع مختلفة من الافتراضات، لكنه يخلص إلى استحالة تحديد الترجمة تحديدا مطلقا: ففي النهاية لن تترجم كلمة “غافاجي” على نحو يقيني تام.

من المثير للاهتمام أن أطروحة كوين حول لا تحديدية الترجمة نشرت في الكتاب نفسه (برور،1959) الذي تضمّن بيان رومان ياكبسون بأن “معنى أي علامة لغوية هو ترجمتها إلى علامة أخرى بديلة”. ويمكن تسمية هذا أيضا بمبدأ “سيرورة العلامات”*5، أي اعتبار المعنى ذاته عملية مستمرة من التأويل والترجمة. ويمكن إرجاع هذه الفكرة إلى المفكر الأمريكي بيرس، الذي يُعتبر أحيانا مؤسس المداخل السيميائية في الترجمة (راجع، غورلي، 1994). وعلى هذا النحو، فإن مبدأ “سيرورة العلامات” يعني أن الترجمات لا تنقل المعنى أو تعيد إنتاجه، بل توّلدها بفاعلية. منذ البداية، كان هذا التصور حاضرا في خطاب ثلة من المفكرين (ومن بينهم بيرس وياكبسون) الذين كانت غايتهم الأساسية البحث عن اليقين، وعن أساس راسخ للفكر. ومع ذلك، فقد اعتُبر مبُدأ “سيرورة العلامات” في ذلك الوقت مبددا للعلامات اللغوية لا محررا لها.

ومن اللمحات اللافتة، وإن كانت منسية إلى حدّ كبير، عن المناهج التحليلية المرتبطة بذلك، كتاب المعنى والترجمة، الذي حرره غونتر وغونتر- رويتر عام 1987. نجد في هذا الكتاب افتراضا عاما مفاده أن مشاكل الترجمة تندرج ضمن نطاق الدلالة الشكلية، التي يتعين معالجتها باستخدام جرعات كبيرة من المنطق الافتراضي *6. وتدور النقاشات حول مدى ضرورة أخذ العوامل الاجتماعية أو السياقية بعين الاعتبار، وما إذا كان المعنى في الذهن أو في الاستخدام الاجتماعي، بالإضافة إلى الطبيعة الدقيقة لقابلية الترجمة (وهي مشكلة موجودة بالأصل ولكن لم يعثر لها على حل أبدا من خلال تقاليد الرومانسيين الألمان.) نجد، على سبيل المثال، أن الترجمة متضمنة في مبدأ “القابلية للتعبير” لدى كاتز، والذي ينص على أن كلّ قضية يمكن التعبير عنها بجملة ما في أي لغة من اللغات الطبيعية – وهي فرضية مماثلة لما نجده عند فريجه (1984)، وتارسكي (1994)، وسيرل (1969). ويقرّ كاتز (1978: 209-216) بأن هذا المبدأ صحيح أساسا، لكنه خاضع “لقيود الأداء”، لا سيما ما يتعلق بطول الجمل الناتجة. وبما أن جميع الترجمات في العالم الحقيقي تخضع لمثل هذه القيود، فإن كاتز ينقل بفعالية مشكلة قابلية الترجمة إلى المجال الاجتماعي أو التداولي، بعيدا عن اهتمامات الدلالات الفلسفية في تلك المرحلة.

ومن الدراسات ذات الصلة التي تناولها كتاب “الترجمة والمعنى” هي تحليل الخطاب الترجمي باعتباره نمطا من أنماط الخطاب المنقول. وقد أشار بيغلو (1978) إلى أن المترجمين يؤدّون عملا يقع في منزلة وسطى بين الخطاب المنقول المباشر (قال المؤلف، أنا متعب Ich bin miide) والخطاب المنقول غير مباشر (قال المؤلف، “إنه كان متعبا). ويمكن تسمية “النقطة الترجمية الوسطى في عبارة (“قال المؤلف: أنا متعب”) بوصفها عاملا للتشعب المفهومي *7 hyperintensional ذا طابع فريجي جزئيا، يتجلى في الافتراض القائل أن “س” تترجم إلى “ص”. ويُعدّ هذا تحليلا دقيقا للصيغة الخطابية للتكافؤ المثالي. بيد أن الفيلسوف، عند هذه النقطة، لا يستطيع المضي قُدما دون الإقرار بتدخل الذوات التاريخية (إذ أن المترجم هو من يختار ترجمة “س” إلى “ص”). وقد اعتُبرت الذاتية التاريخية، مرة أخرى، خارج نطاق اختصاص الفلاسفة التحليليين.

يحدث أمر مشابه لما أشار إليه دبليو دي. هارت، في ملاحظته التي لم تلقَ اهتماما كبيرا، ومفادها أن المترجمين لا يستطيعون الحفاظ في آن واحد على المرجعية الذاتية، والقيمة الصدقية، والإحالة المرجعية. وهذا يعني أن الجملة ” The first word of this very sentence has three letters” لا يمكن ترجمتها حرفيا إلى الفرنسية (إذ أن الكلمة الأولى ستحتوي على حرفين عند ترجمتها) دون أن تصبح الترجمة خاطئة. ثمة عدة استراتيجيات لحل هذه الإشكالية ومنها (الإشارة إلى سياق الجملة الإنجليزية، أو الحديث بصيغة حرفين عوضا عن ثلاثة).  يرى بورغ (1978) أن هذه المفارقة مهمة لترجمة الحوار، لأنّ القارئ ليس متيقنا من اللغة المشار إليها وبالتالي لا يمكن الحفاظ على القيمة الصدقية. أما من ناحية المنظور الشكلاني، فإن دقّة التحليل تتبدد مرة أخرى في مسائل السياق والاختيار، مع إدراك أن حلول الترجمة الفعلية تقع غالبا بين البدائل التي تصوغها النظرية. ومن اللافت أن المفكر الفرنسي موريس بلانشو (1949) قد أشار إلى حالة وسطة لدى شخصيات هيمنغواي – بتحدث الإسبانية في نص إنجليزي وإقحام بعض المفردات الإسبانية من حين لآخر واعتماد التراكيب النحوية الإسبانية – مما خلق كما أسماه ” ظلا من البعد ” يمكن للمترجم نقله كما هو. وهذا يعني حسب بلانشو، أن النص قبل ترجمته، كان مكتوبا بأكثر من لغة، يجترح بعدا داخليا تفلت بطبيعتها من منظور الدلالات الشكلية. لكنها القارة الأوربية، عالم متباين، ظلت لأمد طويل تترقب مجيء دريدا.

كان الفلاسفة التحليليون يؤدون عملا فلسفيا بالغ الأهمية. فقد تناولوا مشكلات واقعية للغاية، وعرّفوها بمصطلحات دقيقة، وصاغوا بعض الحلول الممكنة لها. وكان بوسعهم أن يقدموا خدمة جليلة لبحوث الترجمة السائدة. لسوء الحظ، عدا بعض الاستثناءات، لم تحدث أطروحاتهم سلطة تذكر في نظرية الترجمة، مما ألحق ضررا كبيرا بهذا المجال، فما أسباب ذلك؟

  • أولا، كان هناك تقليد دائم ضئل داخل الفلسفة التحليلية نفسها، إذ ظلت الترجمة محض حالة اختبارية مثيرة للاهتمام. وقد أعيد النظر في النقاش الأساسي الذي أثاره كوين من حين لآخر (راجع كيرك، 1986؛ فولسدال، 2001) وجرى تطبيقها في المبحث الأنثروبولوجي (فيليبا، ١٩٩٨). غير أن هذا النقاش، بوصفه مبدأً معرفيا عاما، فشل في تجاوز نقاط ومنها ما صرّح به تشومسكي (1980: 15) بأن لا تحديدية الترجمة هو ” حقيقة ولكنها لا تثير الاهتمام”. وعلى حد تعبير كاتز، إذا قدَّم مترجمان ترجمتين مغايرتين للجملة نفسها، وكانت كلتا الترجمتين مقبولتين على حد سواء، فقد يختلفان وفقا لرؤية كل منهما، ولكن لا يوجد بالمعنى الدقيق ما يتجادلان بشأنه، وبتعبير ذلك العصر، لا توجد حقيقة قاطعة في الأمر.
  • ثانيا، على الرغم من أن البحث عن اليقين قد يصوغ مشاكلات دقيقة، إلا أنه لم يستطع تقديم أي حلول تحظى بالمرجعية. وقد ميّز هذا النوع من الفلسفة نفسه بوصفه مجالا بحثيا محدودا في نهاية المطاف، يستفاد منه في أوقات معينة، لكنه لا يغري في الدخول إلى عالم الممارسة. ومع ذلك، كان ثمة تفاعل أكثر جذرية مع إشكالية اللايقين، لا سيّما في أعمال دونالد ديفيدسون، وقد يتماشى مع الاتجاهات السائدة بعيدا عن الافتراضات الانطولوجية. يشير ديفدسون إلى الترجمة صراحة في سياق دفاعه عن الأطروحة القائلة بأن إسناد قيمة الصدق إلى قول ما صادر عن الآخر لا ينفصل عن افتراض قابلية ذلك القول للترجمة. فإذا كنا نعتقد أن كلمة ” غافاجي” الصادرة عن الناطق الأصلي تحمل معنى مرجعيا “واسعا”، فعلينا افتراض قابليتها للترجمة إلى لغتنا (ديفيدسون، ١٩٨٤: ١٩٤-١٩٥). وهذا من شأنه أن يوظّف الترجمة في جدل ضد النسبية الثقافية الجذرية. غير أنه، رغم رفعه الرهانات الفلسفية إلى أعلى مستوى ممكن، لا يقدّم ديفيدسون الكثير لإثبات الحد المتطلب من قابلية الترجمة الفعلية، كما أنه لا يوفّر توجيها يعتدّ به لمن يسعى لدراسة الترجمات الواقعية.
  • ثالثا، وعلى نحو أشدّ تأثيرا، جرت مناظرة حادة بين جون سيرل وجاك دريدا، لا سيما بين عامي (1983 و1988) (راجع دريدا، 1988). دافع سيرل في حجاجه عن وجود المعنى الحرفي، بما يتماشى مع المعتقدات الأساسية التي كان ديفيدسون يعمل عليها. أما دريدا فكان يجادل ضد أي أساس مستقر للمعنى، على غرار نقده لما يعرف بـ “المدلولات المتعالية” *8 التي كان يندد بها بالفرنسية منذ أواخر ستينيات القرن الماضي. رغم أن هذه المناظرة لم تكن حول الترجمة على وجه التحديد، إلا أنها تمحورت حول مشكلات تتعلق بالأعراف الثقافية المشتركة أو غير المشتركة، وأغلبها في الكيفية التي ينبغي فيها التصرف في المناظرات الأكاديمية. لم تكن النتيجة سوى خط فاصل ظاهري بين الفلسفة المكتوبة بالإنجليزية وتلك المكتوبة بالفرنسية (لا تزال الأولى تحن إلى اليقين، بينما ترى الثانية معتقدات كهذه رجعية). كما أصبح في الأوساط الأكاديمية الناطقة بالإنجليزية، خطا فاصلا بين المداخل اللغوية والأدبية التي تعنى بمشاكل الغيرية. ومنذ تلك المناظرة، شعر العديد من باحثي الأدب أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الاطلاع على أي من تقاليد المدرسة التحليلية، كما لو أن هذه المدرسة قد أخطأت ببساطة في كل شيء. ومن اللافت أن قلة قليلة من الفلاسفة التحليليين يشيرون إلى دريدا، وكأنه حكر على جماعة هامشية من المجانين. ورغم أن المناظرة لم تكن تعنى بالترجمة، إلا أن تشعباتها تركت آثارا عميقة على مرجعية الخطاب الفلسفي في نظرية الترجمة، كما سيتضح لاحقا.

قبل مناظرته مع جون سيرل، لم يكن لدى دريدا ما يُذكرْ ليدلي به عن الترجمة. ففي عمله المبكر والأكثر تأثيرا “في علم الكتابة” (1967)، طُرحَ نهجه باعتباره نقدا للفصل التقليدي بين الشكل والمعنى. سوسور، على سبيل المثال، لم يستطع صياغة العلامة الثنائية (الدال والمدلول) إلا باستبعاد الفروقات بين الدوال المنطوقة والمكتوبة من علمه. أما من وجهة نظر دريدا، فإنّ وهم المعنى المستقر لا يمكن أن ينشأ إلا من هذه الاستبعادات. وتتمثل وظيفة الفكر النشط (في هذه الحالة، علم الكتابة، أي علم الكتابة المستبعدة) في استعادة تلك الاختلافات /الإرجاءات المكبوتة وجعلها تعمل ضد الاستقرار. وقد جاء هذا النقد متماهيا تماما مع روح أحداث مايو عام 1968، وإن كان دون ولاء سياسي معلن. لأي شخص يقرأ هذا العمل من منظور نظرية الترجمة، سيرى النقد أيضا مطابقا لنظرية “سيرورة العلامات”، باعتبار المعنى عملية مستمرة من التفسير وإعادة التفسير (ويشار هنا إلى نظرية بيرس في التفسير (1931-1958). ومجمل القول، كان ذلك طرحا عاما لنظرية الترجمة، لا بوصفها عملية نقل للمعنى، بل بوصفها عملية تعيد إنتاجه باستمرار.

سنتناول دريدا في القسمين التاليين، لكن ينبغي الإشارة إلى نقطتين. أولا، على حد علمنا، لم يَصغْ دريدا قط تلك النظرية العامة للترجمة على هذا النحو. لقد تعرض لهذه المسألة بالتأكيد في تعليق مبكر له حول عدم التكافؤ (دريدا، 1985) وفي قراءة نالت قدرا كبيرا من الاستشهاد لوالتر بنيامين (دريدا، 1985). في الواقع، في تلك القراءة نفسها يتجاهل دريدا وجهة نظر ياكبسون، بسبب اعتماده على بعض التصنيفات المطلقة، لكنه لا يبذل أي جهد يذكر لدمج مفهوم “سيرورة العلامات”. ثانيا، تتسم تعليقات دريدا الفعلية على بقدر من التحفظ والبناءية أكثر مما أبداه ثلة من منظري الترجمة الذين استلهموا منه. 

لفهم سبب ذلك كله، علينا أن نسعى لفهم كيف تنقّلت مرجعية الفلسفة في المجالات الأكثر هشاشة ضمن تخصص فكري ناشئ.

3. الفلسفة بوصفها مرجعية لتنظير الترجمة

اعتمد تنظير الترجمة، سواء من قبل المترجمين أو الأكاديميين، على الخطابات الفلسفية بدرجة تفوق ما أولاه الفلاسفة أنفسهم من اهتمام جاد بالترجمة. وفي ظل هذه العلاقة غير المتسقة إلى حد بعيد، تقع النصوص الصعبة في أيدي القراء من شتى مجالات الاختصاص العام. ويُحتمل أن الفلاسفة سيجدون صعوبة في التعرف على ما نُسِبَ إليهم من أفكار.

لطالما أدّت وظيفة المرجعية دورا راسخا في تنظير الترجمة. فعلى سبيل المثال، كثيرا ما يستشهد بسان جيروم، بوصفه مرجعية لمفهوم الأمانة للشكل والمعنى معا، لأنه أجاز كلا النهجين في الترجمة (أحدهما للنصوص المقدسة، والآخر لما سواها). والأشهر من ذلك هي حالة هوراس، إذ استخدمت عبارته ” لا تترجمها كلمة بكلمة” مرارا وتكرارا، باعتبارها بيانا مرجعيا للترجمة الحرفية أو معارض لها “وهو الاستخدام الصحيح في نظرنا”، وذلك حتى عهد قريب (انظر غارسيا ييبرا، 1994: 48-64). ولعل أكثر ما يثير الدهشة هو المدى الذي أدى به تنظير الترجمة إلى الارتقاء بهاتين القامتين (مترجمين /لاهوتيين، وشاعرين) إلى مستوى سلطة شبيهة بتلك التي عند الفلاسفة، في تحدثهما بصوت الحكمة الموغلة في القدم. قد يعزى هذا الارتقاء إلى الصمت النسبي للخطابات الفلسفية الفعلية. ومع ذلك، لا يزال يحدث أمر مماثل مع بعض القامات مثل هومبولت، وشليرماخر، ونيتشه، وبنيامين، وسارتر، الذين يصنّفون بالتأكيد كمفكرين وعلماء لاهوت، ومترجمين، وكتّاب، لكّنهم ليسوا دائما فلاسفة بالمفهوم المهني. فتلك مكانة تفرض عليهم أحيانا. وعليه، يفترض منظرو الترجمة، بسهولة، وجود إجماع واتساق ممكن داخل الفلسفة. وفي كثير من الحالات، فإن منظّري الترجمة هم أنفسهم من صنع هذه المرجعية الفلسفية وأعاد إنتاجها.

ومن تبعات ما يمكن تسميته بـ وظيفة المرجعية “الارتدادية”، ظهرت ممارسة شائعة نسبيا تتمثل في تجميع أسماء تبدو منحازة لوجهة نظر واحدة. إذ يُستشهد بمفكرين من مشارب فكرية متباينة بسبب المكانة التي يحظون بها في الأوساط التي يناقش فيها موضوع الترجمة. نجد مثلا المنظر الأمريكي لورانس فينوتي يستعير أطرا تحليلية من الفيلسوف الماركسي الفرنسي لويس ألتوسير في عام 1986، ويؤكد على أهمية شليرماخر في عام 1991، وينحاز إلى دريدا وبول دي مان في عام 1992، ويستند إلى نيتشه في عام 1995، ويتأثر بأعمال بنيامين وبلانشو في العام ذاته. وفي عام 1998، نجده يستشهد بأطروحات جان جاك ليكركل القائلة بأن اللسانيات تترك دائما “بقايا” *9 لا تخضع للتنظير، أي جزءا من اللغة لا يخضع للنسق. ويقرن فينوتي هذه الفكرة بأطروحات دولوز وغياتري سبيفاك بشأن “الثقافات الأقلوية”، التي تنشأ مثاليا من خلال ترجمات تستغل البقايا اللغوية (راجع فينوتي، 1998أ، 1998ب). تلك الإشارات اللغوية تحفز النقاش حول الترجمة. إلا أنها تخفق في ارتحالها بعيدا عن الفلسفة أحيانا، فتقدّم بشكل مغلوط على أنها أفكار جديدة، أو توظّف في غير موضعها. كما يمكن العثور على مفهوم البقايا، على سبيل المثال، في أعمال مفكرين ماركسيين سابقين مثل لفيفر (1968: 24-45) أو ميشيل بيشوكس (1975: 20-82)؛ وباعتبارها نقدا لسانياها، فإنها تُغفل تماما تطورات كبرى مثل اللسانيات الاجتماعية المتصلة بالتنوع (منذ لابوف) أو لسانيات النص الوصفية (منذ فان ديك). كما أن الانتقادات الشاملة ليست ضرورية بدقة: تكمن فضائل فينوتي الكبرى في إضفاء سياقات سياسية واجتماعية على الترجمة الأدبية الإنجليزية، وفي علاقته الوثيقة بممارسة الترجمة وممارسيها. رغم أن نصوصه المبكرة يمكن قراءتها بوصفها دفاعا فكريا عن استراتيجيات الترجمة التغريبية على نطاق واسع في التقليد الهيرمينيوطيقي، إلا أنها تتبنى أيضا مفهوم “الترجمة السلسة” عندما يقتضي المشروع ذلك (فينوتي في ويلكوك، 2000: 17). وعليه، قد لا ينبغي البحث عن فكر فلسفي عقائدي، بل عن ممارسة ترجمية متواصلة. ومع ذلك، تضفي الإشارات الفلسفية وزنا ونبرة جيدة عندما يقرأها أناس بعيدون عن التقاليد الأوروبية، خاصة أولئك المناوئين للاتجاهات اللسانيات الوضعية (على غرار مناظرة سيرل-دريدا، أو لأسباب أخرى). وهكذا نجح، فينوتي، المترجم، في تطوير فكره الخاص، تزامنا مع تلاعبه بهيبة النص الأجنبي. وتجدر الإشارة أن وظيفة الهيبة المعينة يعززها بعد النص المصدري: باستشهاده بأسماء كتاب فرنسيين وألمان، واختزال ترجماتهم في بضعة أسطر أو فقرات، تمكن فينوتي من تبسيط إسهاماتهم، وأصبح المفسّرَ المميز لها، في نقله لمرجعيتهم المعرفية.

لا يقتصر منظر الترجمة باعتباره قارئا متميزا للفلسفة على الأكاديمية الأدبية الأمريكية. ففي فرنسا، قدّم أنطوان بيرمان (1984) أطروحات لصالح التغريب في الترجمة، مستلهما أفكارا منتقاة من الرومانسيين الألمان، رافعا هومبولت وشليرماخر دون تردد إلى مصاف الفلاسفة، ومتجاهلا في صمت مفكرين ألمان مهمّشين مثل هيجل (راجع بم، 1997). وهكذا استطاع بيرمان أن يفسّر “التغريب” بصفته تقليدا ألمانيا بحتا، يقابله التقليد الفرنسي لمفهوم الخائنات الجميلات “belles infideles”، واضعا نفسه كنقطة اتصال متميزة بين المفهومين. ومع ذلك، تمكّن بيرمان من تحويل قراءاته إلى مشروع جذري ومحفز لأخلاقيات الترجمة على أساس الدفاع عن “الغيرية” otherness ونقد الممارسات النصية ذات التمركز العرقي ethnocentric. في الدقة المصطلحية والمفاهيمية لمشروعه، يتبيّن أثر المراس الأكاديمي لبيرمان في الفلسفة. هذا التقليد يؤتي ثماره أيضا في أعمال جان رينيه لادميرال (1979) -إذ يولي اهتماما دقيقا لمفارقات الترجمة وتدريسها- وفي عمل أليكسيس نوس (2001) حول التهجين الثقافي، الذي يمكن اعتباره تطوّرا لمشروع بيرمان الأخلاقي خارج حدود الترجمة.

ليست جميع الإشارات الثقافية صريحة بالقدر نفسه. يستهلّ ألفريد هيرش في تحريره للكتاب المشترك “الترجمة والتفكيك” (1997) بترجمة مقالة مبكرة لدريدا (مستخدما مفهوم الترجمة لإضفاء طابع مفاهيمي على دور الفلسفة داخل المؤسسة الأكاديمية). ومع ذلك، يتبين أن “التفكيك” إلى حد كبير، هو كلّ ما يمكن استعارته من والتر بنيامين (وهو ما توضحه نقاط التلاقي الصريحة لدى هيرش، 1995)، إذ يُظهرُ أن الفكر الفرنسي في الترجمة هو ألماني في واقعه، وقد ظل على هذا النحو منذ زمن طويل. في هذه الحالة، يتضح أن مرجعية الفكر الفلسفي الأجنبي ليست إلاّ تذكيرا بـ ” شفرة منسية”، أي كمن يبحث عن شيء ثمين كان المرء يمتلكه ْ في موطنه طوال الوقت.

وهكذا تنتج مرجعية الفلسفة قراء مميزين، ومن خلالهم تنشأ، على نحو غريب، تقاليد متعارضة ولكن متّسقة في تنظير الترجمة. ويميل منظرو الترجمة إلى اتّباع أحد هذه التقاليد دون الالتفات إلى بقيتها ببساطة. فعلى سبيل المثال، تشير مقالة نظرية رصينة تناولت الخيارات غير الثنائية في ترجمة الحوار (لين – ميرسر، 1997) إلى تقليد أدبي فرنسي-أمريكي كامل بمجرد الإشارة إلى بيرمان وفينوتي. غير أن النص لا يورد شيئا عن كيفية معالجة المشاكل نفسها في التقليد الكويني.

يمكن العثور على شيء مماثل في الألمانية في تطوير نظرية الفعل الترجمي*10 (لدى هولز مانتاري، 1984) ونظرية الغرض *11 (لدى كاترينا رايس وفيرمر، 1984). تستعير هولز-مانتاري المنظورات العامة الأولية من نظرية الفعل لـ فون رايت (1968)، وتضيف إليها رؤى من مستمدة من توسّعات نظرية الفعل والأنثروبولوجيا الاجتماعية الوظيفية (واقتباسات من هومبولت ومالينوفسكي). من ناحية أخرى، تتمثل الفكرة الأساسية لدى فيرمر في أن الترجمة هي فعل يُنجز لتحقيق غرض (Skopos). وهذا الغرض متغير إلى حد كبير (فقد يتضمن أو لا يتضمن تكافؤا مع المصدر) ويخضع للتفاوض مع أي عدد من الفاعلين الاجتماعيين. وتؤكد هولز مانتاري على تعقيد هذه المفاوضات، وعلى الدور الاجتماعي للمترجم بوصفه خبيرا، وعلى تعدد أنماط الفعل الترجمي (لأن فريق الترجمة لديها ينجزون عملا أكثر من مجرد الترجمة). أما فيرمر، فيولي اهتماما أكبر لتكليف العميل وللأوليات المفاهيمية المتضمنة. وعلى الرغم من تعقيد الشبكات الاصطلاحية نسبيا لدى الطرفين، يمكن لكليهما الادعّاء بأنهما “أطاحا النص المصدر من عرشه” (فيرمير، ١٩٨٩)، كاشفين أن ثمة محددات أخرى كثيرة لما ينجزه المترجمون. وفي مجال البحث باللغة الألمانية، كان هذا كافيا لتكوين مجموعة مترابطة من المنظرين الذين يستشهد بعضهم ببعض، ناسجين صورة ثورة نظرية، وقطيعة معرفية مع آلاف السنوات التي ترتكز على مفهومي الأمانة والتكافؤ بين اللغات. مع ذلك، لم تكن أفكار نظرية الفعل حكرا على نظرية الترجمة العامة هذه؛ فمفهوم الفعل القائم على الغرض له لغة فلسفية تعود إلى كانط وهو شائع بما يكفي في أي مدخل اجتماعي. ويمكن أن يؤدي إلى التركيز على الأغراض وعوامل الكفاءة ونظرية الخبرة، كما حدث في السياق الألماني، ولكنه أيضا يمتدّ في جوانب أخرى في اللسانيات التداولية، وعلم الأخلاق، ونظرية النُظم، ومنهجيات البحوث التجريبية الجديدة. وقد تطورت هذه الجوانب الأخيرة على نحو أفضل خارج نطاق نظرية الغرض، ولكن بطرق لا تزال منسجمة جوهريا مع مبادئها التأسيسية.

لا ينبغي أن نتفاجأ، إذا، عند ظهور نظرية فعل أكثر تتسم بمعرفة أكبر، مستمدة من تداولية واتزلاويك وآخرين (1967) أو حتى من أخلاقيات فاريلا (1992)، في تنظيرات بديلة للفعل الترجمي. فعلى سبيل المثال، ينطلق موناشيلي وبونزو (2001) بحثهما من مفارقات مثل حقيقة أن الترجمة هي في الوقت نفسه مكافئة وغير مكافئة للنص المصدري، استنادا للمنظور اللحظي للراصد. ويمكن رسم خريطة لهذه العلاقات باستخدام المنطق الضبابي fuzzy logic (راجع أيضًا غرانت، 1999). وما قد يثير الدهشة، مع ذلك، أن أصول نظرية الفعل، أيا كانت امتداداتها الاجتماعية أو الرياضية أو النفسية، تكمن في الفلسفة التحليلية، في تقاليد فتغنشتين وكوين. فهذا على الأقل، هو الإطار الذي يجب وضع العمل الريادي الذي أنجزه فون رايت وواتزلاويك وآخرون (1968).

فهل يمثل الاهتمام بنظرية الفعل صحوة متأخرة للفلسفة التحليلية؟ يبدو أن منظري الترجمة المعنيين كانوا يعودون إلى شذرات الخطابات الفلسفية، لا بغرض إضفاء شرعية على أي منهج تحليلي منظم، بل في سياق محاولات لحل مشكلات معزولة وكثيرا ما تكون متجذّرة تاريخيا. أندرو تشيسترمان (1993)، على سبيل المثال، يستشهد بالفرع التداولي للبحث الفلسفي، مشيرا مرة أخرى إلى فون رايت، من أجل تعريف مفهوم “المعايير” وتداعياتها على الأخلاق. إلا أن تشيسرمان (1997) يستعير أيضا مفاهيما من كارل بوبر في مناسبات عديدة إما لتوضيح المفاهيم (كما هو الحال مع مفهوم “العوالم الثلاثة”) *12 أو لتطويع أفكار محددة. في مجال علم الأخلاق، مثلا، لاحظ بوبر أن البشر يتفقون أكثر على ما هو سيئ مقارنة بما هو جيد. وعليه، يقترح تشيسرمان أن الترجمة يتوجب أن تستند إلى “أخلاقيات سلبية” مماثلة، قائمة على تجنب سوء الفهم بدلا من التطلع إلى أية مثال للتكافؤ التام.

ثمة استخدام آخر للخطاب الفلسفي كأداة لحل المشكلات، يتلخص في قراءات آرنود لايغ لبوبر ومارسيل وليفيناس (لايغ 2001)، مع أنهم لم يناقشوا الترجمة باستفاضة، لكنهم جميعا طوّرا أفكارا يمكن أن تساعد المترجمين على التفكير في علاقاتهم الإنسانية. فعندما يرى مارتن بوبر، على سبيل المثال، أن الخطاب المباشر القائم على صيغة “أنا/ أنت” أكثر أصالة من الناحية الأخلاقية من الخطاب بصيغة الغائب، يقترح لايغ أن المترجم الأخلاقي ينبغي أن يتعامل مع النص والقارئ باعتبارهما “شخصين حاضرين”، لا كأشياء جامدة. وعندما يرى إيمانويل ليفيناس أن الآخر (الذي لا ينتمي إلى الأنا) هو وجه تُلقى علينا اتجاهه التزامات أخلاقية معينة، يقترح لايغ أن يسعى المترجم إلى إقامة علاقة أخلاقية ملائمة مع الآخر (النص، المؤلف، القارئ)، وعندئذ فقط ينبغي أن يعنى المترجم بأخلاقيات العمل المهني. وفي السياق نفسه، حاول ميلبي (1995) تطبيق أفكار لافيناس عن “الغيرية” على المجال العام لتكنولوجيا اللغة. وفي جميع هذه الحالات، يُستخدم الخطاب الفلسفي باعتباره مصدرا للتشابهات المحفّزة أو للدقة الاصطلاحية اللازمة، لا بصفته حلا جاهزا لجميع إشكالات دراسات الترجمة.

بفضل هذه الاستعارات، ازداد اهتمام نظريات الترجمة في تسعينيات القرن العشرين بالقضايا الأخلاقية. وكان ذلك جزئيا رد فعل على مفاهيم تقليدية مثل “الأمانة” و”التكافؤ”، والتي فقدت أساسها المفاهيمي نتيجة حالة عدم اليقين التي سادت في القرن العشرين. ومع ذلك، كان ذلك استجابة للنزعة التجريبية التي حفزت الكثير من دراسات الترجمة في الثمانينيات. فمفهوم التكافؤ، مثلا، أصبح في نظر المدرسة الوصفية واقعا في جميع الترجمات (راجع توري، 1980)، مما أدى إلى تبديد المفهوم لدرجة أنه لم يعد قادرا على تحديد ما ينبغي على المترجمين فعله؛ واقتصر دور الباحث على وصف صيغه المتغيرة ومعاييره وقوانينه المحتملة. وفي الوقت نفسه، لم يعد مفهوم التكافؤ سوى “حالة خاصة” محدودة لنظرية الغرض، التي سعت إلى تزويد المترجمين بإرشادات مهنية بديلة (راجع أنطوني بم، 1995). أما من وجهة نظر المناهج التفكيكية أو ما بعد الحداثية، فقد أصبح مفهومي “التكافؤ” و”الأمانة” مجرد أوهام جوهرية تقليدية، عاجزة عن تقديم أي إرشادات على الإطلاق. اقترحت باربارا جونسن (1985) “تناول مفهوم الأمانة فلسفيا”، كما لو أنها خيانة زوجية. وقد خلّف فقدان الإيمان هذا فجوة، أفسحت المجال للعودة إلى القضايا الأخلاقية الأساسية، ولكن هذه المرة بناء على نسيج العلاقات الإنسانية بدلا من أي نزعة تجريبية تتعلق بالأداء. ولم يكن من قبيل المصادفة أن هذه العودة إلى القضايا الأخلاقية قد ترافقت مع ازدياد الاهتمام بالترجمة الشفوية للحوار، إذ يولى، بديهيا، قدر أكبر من الاهتمام للناس بدلا من النصوص (أنطوني بم، 2009).

إذا كان هناك طريقة محددة لاستخدام الخطاب الفلسفي على هذا المستوى، فإنه في كثير من الأحيان ليست لحل مشكلات معزولة. يتبنى بعض المنظرين نظاما كاملا، ساهين إلى استكشاف تداعياته الأخلاقية بمعنى أكثر شمولية.  ويمكن في هذا السياق العودة إلى والتر بنيامين (1923) وهو يتأمل ترجماته لبودلير من خلال الرؤية الكونية للتقليد القابالي (راجع شتاينر، 1975). أما نقطة الانطلاق الأكثر شيوعا، فهي جاك دريدا (ولكن هذا يعتمد بالتأكيد على كيفية تعريفهم للترجمة). ففي دراسات الترجمة المعيارية، كان العدو هو كل من يحاول إرشاد المترجمين كيف ينجزون عملهم؛ لأنَّ ذلك يعد توجها معياريا (لكن، هل يمكن أن تكون الأوصاف محايدا تماما؟) أما من وجهة نظر التفكيكيين، فالعدو هو كل من يؤمن أن الترجمة عملية “نقل للمعنى” (لكن هل أدّعى أحدّ القدرة على التقاط المعنى؟).

في الواقع، يصعب إيجاد معظم هؤلاء الأعداء في نظرية الترجمة، ولو في المصطلحات المبسطة التي هوجموا بها. ولا يمكن الدفاع عن أي من هذه الثنائيات المتضادةفي الخطاب الفلسفي المعاصر. ولهذا السبب، كما نرى، فإن قلة من الفلاسفة سوف يتعاطفون تماما مع كل ما أنجزه منظرو الترجمة بالاستناد إلى أفكارهم.

 4. الفلسفة والترجمة

زعم دريدا في بواكير أعماله (1968: 9) “مع مشكلة الترجمة، نحن نتعامل مع شيء لا يقل عن مشكلة العبور إلى الفلسفة”. وكان اهتمامه في ذلك النص يتمثل في ترجمة لـ أفلاطون، إذ يمكن ترجمة المفردة اليونانية “فارمكون” pharmakon إلى الفرنسية إما دواء “علاج” أو “سم”، ولكن لكن لا يمكن الجمع بين المعنيين في آن واحد. وبالتالي، كانت مشكلة الترجمة تتعلق باحترام المصطلحات الخاصة بالخطاب الفلسفي، أو على الأقل الفلسفة التي تشترك في مصطلحاتها مع أنواع الخطاب الأخرى. ومن خلال تنبيهه إلى قصور الترجمات الموجودة في الفرنسية، يمكن القول أن دريدا قد حقق ترجمة أكثر فاعلية بنفسه، وإن تجاوزت بعض القيود الأدائية. وقد تمكن من ذلك، بطبيعة الحال، لأن الفيلسوف الذي يستخدم اللغة العامية يمتلك اهتماما خاصا بترجمة الفلسفة. فتصير الترجمة شرطا لقابلية الفلسفة نفسها للتكرار، مما يضع إرثها في أيدٍ أجنبية). (للاطلاع على مخاوف نيتشه بشأن هذا الموضوع، راجع بم، 1998أ) وبعد قرون من التهميش في ظل التسلسل الهرمي للغات، قد تصبح الترجمة بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تركها لمنظري الترجمة فحسب.

لقد كانت ترجمة الفلسفة (وسنأخذ أفلاطون مثالا) موضع اهتمام في الفلسفة الغربية منذ أن أصبحت العلاقة مع الماضي الكلاسيكي إشكالية. في عصر النهضة الإنسانية في القرن الخامس عشر، أصر الفيلسوف والمؤرخ الإيطالي ليوناردو بروني (1444-1370) على الجانب الجمالي باعتباره سمة ضرورية في ترجمات أفلاطون، وانخرط في مناظرة حادة مع الأسقف الإسباني ألونسو دي كارتاخينا (1456-1384) الذي دافع عن الترجمات الركيكة *13 في العصور الوسطى، بصعوبة قراءتها، وامتلائها بمصطلحات صرفية عن طريق الترجمة * 14 مما جعلها بعيدة كلّ البعد عن ثقافة النص المستهدفة. في تلك المناظرة، يمكن النظر إلى ألفونسو دي كارتاخينا بوصفه مدافعا عن “غرابة النص”، والمصطلحات التقنية، وتعددية اللغة، بطريقة يتفق عليها كثير من منظري ما بعد الحداثة. كما كان يدافع عن ترجمات من شأنها أن تُبقي الفلسفة الوثنية مميزة على نحو مختلف مقارنة بالعقيدة المسيحية. للأسف، انتهت تلك المناظرة التاريخية بانتصار بروني. فقد أصبح لأفلاطون، في الترجمة، نبرة أسلوبية، وصوت شخصي؛ ؛ واستخدمت الفلسفة المفردات نفسها التي تستخدمها الأجناس الأدبية الأخرى؛ وامتزج الفكر الوثني باللاهوت اليهودي- المسيحي؛ وتدفق الخطاب الفلسفي من اليونانية إلى اللاتينية ثم إلى لغات العامية الأوربية؛ وعليه، أصبحت مشكلة دريدا مع مفردة “فارماكون” قابلة للتحقيق.

  هذا التقليد الإنساني في ترجمة الفلسفة هو تحديدا ما يتلاعب به دريدا ويعارضه في آن. وقد ظل هذا التقليد دون مساءلة تذكر حتى أصبحت الفلسفة علمانية ولاهوتية في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، كان اللاهوتي البروتستانتي شليرماخر يتظاهر بعدم الاكتراث الإيديولوجي عند ترجمته لأفلاطون بوصفه فيلسوفا وثنيا؛ إذ كان اهتمامه منصبا على الغيرية المتعلقة بفقه اللغة في النص. لقد كان مفهوم الرومانسية الألمانية يُعنى بالشكل، واللغة والهوية، وليس بالمحتوى في حد ذاته. لذلك لم تكن ترجمة شليرماخر لأفلاطون بليغة بأي حال، إذ غصّت ترجمته بالهوامش، لدرجة أن خوسيه أورتيغا إي غاسيت (1937/2000)، رغم تأييده العام لاستراتيجية التغريب، لم يتردد في وصفها بأنها “قبيحة”.

يمكن تتبع تيار مناهض للنزعة الشخصانية في الرومانسية الألمانية في غالبية التقليد الهيرمينيوطيقي. فقد استخدم مارتن هايدجر، أكثر من أي مفكر آخر، الترجمة لتوضيح المسارات الملتوية لتفسير النصوص، متخذا إياها وسيلة للعرض الفلسفي، وربما الفكري. ويتجلى ذلك في إعادة ترجماته الجدلية للمصطلحات الفلسفية الألمانية من اللغة اليونانية ما قبل السقراطية، وفي تأملاته الدائمة في الفروقات بين اللغات، وفي إصراره على أن الترجمة (Ubersetzung) ليست مجرد عملية تفسير، بل هي أيضا توريث، ومسألة تتعلق بالإرث (Uberlieferung)، إذ تستمد المفاهيم الأساسية معناها من خبايا أصول سابقة مرموقة (هايدغر، 1963: 395-396). وهكذا تصبح الترجمة وسيلة فعلية لممارسة الفلسفة، باعتبارها امتدادا لتقليد مفقود. وفي هذا الصدد، يمكن أن نستشف مصدر إلهام دريدا في عنايته بمصطلح   مثل”فارمكون” *15، لو لا توقيره لمفهوم القابلية للتكرار والحضور الشبحي للماضي. وقد نتكهن أيضا السبب الذي يجعل هؤلاء الفلاسفة يفضلون ترجماتهم الخاصة على أية ترجمة يُنجزها مترجمون عاديون: فالفلسفة الغربية، عند مستوى معين، باتت سلسلة من الترجمات المفاهيمية لذاتها.

يمكن القول أيضا إن العديد من الخطابات الفلسفية تتشاطر قلقا عميقا إزاء كون لغتها قابلة للترجمة على مستوى معين. وعادة ما تكون النتيجة نصا غير متجانس، فيجنح إلى أن يكون أقل تجانسا في الترجمة (حول الترجمات الإنجليزية لـ فيتجنشتاين وأفلاطون، راجع فينوتي، 1998ب: 106-119). فإحدى القوانين الممكنة للترجمة عموما أنها تميل إلى تجانس الخطاب. غير أن هذا الميل قد يكون أقل وضوحا في الفلسفة اليوم، إذ يتحدث المؤلفون بمرجعية داخل نطاق الدراسات الإنسانية. فمثلا، دريدا “الأمريكي” لا يمكن الخلط بين لغته ولغة الفلسفة الأمريكية. في الواقع، يميل المترجمين ومنظري الترجمة إلى تبجيل الفلاسفة أكثر بكثير مما أبداه أي فيلسوف في حق أي مترجم.

5. التوجهات المستقبلية: حدود الفلسفة

لا شك أن المشكلات الرئيسة في العلاقة بين الفلسفة والترجمة باتت جلية الآن. فحيثما تمثل مرجعية فلسفية، يتحيز الكثير من منظري الترجمة دون مسوّغ. وحين تغيب، تسود نزعة تجريبية بدائية، كما هو الحال في كثير من دراسات الترجمة الوصفية، أو في لسانيات المتون *16 corpus linguistics أو في برتوكولات التفكير بصوت عال *17، والتي نادرا ما تتجاوز المفاهيم الوضعية للعلم. وقد أسهم الانقسام القارّي في الخطاب الفلسفي نفسه في ضعف هذه العلاقة؛ إذ يدّعي نصف العالم بفهم فوري لما يعتري النصف الآخر من خطأ. لتكون النتيجة ليست مجرد افتقار للحوار، بل إساءة فهم الآخر إساءة جسيمة.    

 بعض أكثر الأخطاء المؤسفة تتعلق بحالة البحث اللساني. فعلى سبيل المثال، ليس غريبا أن نجد منظري الأدب (راجع فينوتي، 1998ب: 21-24) ينتقدون بشدة شيئا مثل مبادئ غرايس الأساسية للمحادثة، (لا تكذب، لا تسهب في الكلام، كن ذا صلة، وما إلى ذلك)، باعتبارها متغيرة ثقافيا. كما يمكننا أن نجد عدد لا بأس به من المقالات المعيارية، إذ يوظّف فيها المبادئ نفسها للحكم على مدى جودة أداء المترجمين، وكأن هذه المبادئ قوانين إلزامية لإنتاج النصوص الجيدة. كلا الاتجاهين -سواء المنظرين أو المترجمين- يتجاهل أو يقل من أهمية أن غرايس يرى أن المعنى التداولي يُنتجُ من خلال كسر هذه المبادئ. ويعدّ عدم إدراك ذلك خسارة فادحة. ففي إطار التقليد التحليلي، لا شك أن غرايس كان يسعى لإيجاد قدر من اليقين الدلالي، لكن ما توصّل إليه هو أن البشر ينتجون المعاني بكسرهم للقواعد. وعليه، فالقواعد ليست قوانين ملزمة؛ بل هي صيغٌ “تخيلية” إجرائية نستخدمها كي نتواصل؛ ويمكن أن يسفر عملية كسرها إلى عدد من الفروقات الدقيقة والمفارقات. قد يقدّم هذا التصور مفتاحا لفهم الوضع المستقبلي لما يقوله البشر ويؤمنون به بشأن الترجمة.

 يعدُّ أندرو بنيامين من المنظرين القلائل الذين أشاروا إلى كلّ من التقليد التحليلي والمركب الهيرمينيوطيقي – التفكيكي، الذي لم يُحدثْ كتابه المتشعب “الترجمة وطبيعة الفلسفة” (1989) أثرا يذكر في هذا المجال. وكحال كثيرين غيره، يدرك بنيامين، أنه لا أساس فلسفي للترجمة باعتبارها ” استعادة عقلية”، “أي توظيف العقل لاستعادة المعاني المصدرية). وكحال كثير من دارسي الأدب، يرى بنيامين أنه بدلا من التركيز على المعاني والبحث عن اليقين، “لا بد وأن يتحول التركيز إلى النص نفسه والاهتمام باللغة” (بنيامين، ١٩٨٩: ٨٦). غير أن بنيامين يذهب أبعد قليلا، محاولا أن يصوغ ما الذي ينبغي ترجمته في اللغة، أو إنشاؤه في الترجمة، وهو يفعل ذلك بمصطلحات تفاعلية مثل: ” في البدء، تجلى موضع الصراع (بنيامين، 1989: 108). لذا فإن ذلك الموضع هو ما ينبغي توسيع نطاقه في الترجمة.

هذا النمط من التفكير قد يفتح آفاقا جديدة، لا سيما إذا أُعيد تصوّر الصراع بوصفه نوعا من التعاون النيو-كلاسيكي. والنقطة المهمة هي أن نتجاوز الانتقادات السطحية للأوهام. تصبح مواضع الصراع (أو التعاون) أماكن تلعب فيها مفاهيم مثل: الأمانة، والتكافؤ، وقابلية الترجمة، واللا مرئية، أو الأخلاقيات المهنية، أدوارا تنظيمية وظيفية. (راجع حول التكافؤ، بم، 1995؛ وحول قابلية الترجمة، بم وترك، 1998؛ وحول “التشابه المفترض” غوت، 1991، مع أن تعريف غوت التقييدي لـ “الترجمة المباشرة” يؤدي بالضرورة إلى عواقب معيارية غير ضرورية). ويمكن بالفعل فهم هذه الأدوار من منظور تقاليد الفلسفة التحليلية.  وقد يعدُّ هذا النوع من العودة غير الإيمانية إلى تلك المفاهيم الكلاسيكية بمثابة توجه ما بعد حداثي، وكأنما لتلك المصطلحات أهمية حقيقية.

تبقى مشكلة واحدة تتعلق بدور المترجم الفرد ومسؤوليته. تزعم مارغيت أمان (1994)، مستشهدة بمرجعية الفلسفة الوجودية، أن دراسات الترجمة سعت باستمرار إلى استبعاد الفرد بتطوير فئات من التكافؤ أو الثنائيات المتقابلة. وهذا صحيح إلى حدّ كبير. بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك: فإذا كانت كلّ العلوم تعنى بما هو عام، فإن أي نموذج علمي في دراسات الترجمة لا بد أن تستبعد ما هو فردي خالص. فهل سيكون خيارنا الوحيد أن نوظّف الفلسفة لشجب الإملاءات التي تفرضها النظرية، ومن ثمّ تحرير الفرد أو تمكينه بادّعاء أنه له حرية اتخاذ قرارته بنفسه؟ يبدو أن مثل هذا الموقف يعيق رغبتنا في الاعتراف بالصيغ “التخيلية الإجرائية”.

ثمة عدة حلول ممكنة في هذا السياق. يتمثل إحداها كما طرح تشيسترمان (1999)، في زعمه أن دراسات الترجمة ليست بحاجة لإخبار المترجمين مباشرة بما ينبغي عليهم فعله؛ فبإمكانها إجراء بحوث علمية تجريبية للتنبؤ بما سيحدث إذا تبنّى المترجمون الخيار أ، أو ب، أو ج في حالة معينة. مما يفضي بالنزعة التجريبية إلى نتيجة منطقية، دون الافتراض بالضرورة أن مصطلحات التحليل التي يستخدمها المنظّرون محايدة إيديولوجيا أو خالية من المرجعية المستعارة.

وأما الحل الآخر، فيكمن في استخدام الخطاب الاجتماعي لإضفاء طابع تصوري للأنماط الفردية التي تتشكل باستمرار بفعل العلاقات الاجتماعية، دون اختزالها فيها. وفي هذا السياق، يمكننا أن نستعين بمفهوم “الهابيتوس” *18 الذي صاغه بورديو (راجع سيميوني، 1998)، ونحاول التوفيق بينه وبين مفهوم “معايير الترجمة” الذي طوّره توري (1995). غير أن هذا لا يعني سوى الإشارة إلى “موضع الصراع”، ضمن موضوع المبحث نفسه، دون أن يحل هذا الصراع فعليا، ودون أن يربط بالموقف المعرفي للمنظرّ نفسه.

في الوقت نفسه، يمكن للمرء أن يتبنى بالمثل منهج بورديو في تسليمه بالفكرة القائلة أن العلوم الإنسانية ليست مجرد علوم “تنتمي للمجال العام”؛ بل هي مبنية على علاقات اجتماعية يشارك فيها المنظرين والممارسين على حدّ سواء، وأحيانا يجتمع الاثنان في شخص واحد. وعليه، فإنّ مقدارا كبيرا من الفردية يظلّ حاضرا، إذ تفسح المرجعية الفلسفية المجال في النهاية للتأمل الاجتماعي في مواقفنا ومصالحنا. وينخرط منظرو الترجمة، بصفتهم وسطاء بين الخطابات الفلسفية والممارسات الترجمية، ينخرطون في حوار دائم، ينبغي علينا الاستفادة من كلا الجانبين فيه. ومن هذا المنظور، ربما لا تكمن مشكلة دراسات الترجمة في أنها مطالبة بقراءة مزيد من الفلسفة، بل في ضرورة أن تولي اهتماما جدليا أكبر لما ينجزه المترجمون ويقولونه. ويمكن أن تصاغ إحدى التوجيهات على النحو التالي:

يمكن النظر إلى الترجمة بصفتها نشاط لحل المشكلات، إذ يمكن لعنصر واحد في اللغة المصدرية أن يترجم لعنصر واحد أو أكثر في اللغة المستهدفة. وإذا لم يكن أمام المترجم سوى خيار واحد متاح، فلا جدوى لمزيد من القول؛ إذ تنتفي الحاجة إلى الفلسفة حينها. أمّا إذا توفر خياران أو ثلاثة، فإن الترجمة جديرة بالنقاش، بصورتها المثالية بين المترجمين، الذين يشرعون عندها في عملية التنظير. أما عندما تتعدد الخيارات المتاحة، كما يحدث أحيانا، دون نظرية واضحة تقلّصُ ذلك التعقيد، فإن دواعي النقاش قد يصل إلى مستويات قد يلجأ فيها إلى الخطاب الفلسفي، بحثا عن أفكار بشأن تلك الخيارات، وقلما يحدث ذلك للبحث عن حلول ترجمية. ويمكن ملاحظة ذلك في معظم النظريات والمداخل التي تناولناها هنا: إذ تميل الخطابات الفلسفية إلى اللجوء،أو التدخل،  فيما يتعلق بالمشكلات التي يتوفر فيها أكثر من ثلاثة أو أربع خيارات في الترجمة. ولعلّ صوغ مفردات ملائمة لتلك الخيارات هو من أدوار الفلسفة، كما شهدنا؛ وقد يكون تطويعها وتقديمها أحد أدوار دراسات الترجمة.

ما تفتقر إليه الخطابات الفلسفية، بطبيعة الحال، هو منطق الأنشطة اليومية الاعتيادية، والتقنيات المتعددة التي دأب المترجمون أنفسهم على استخدامها لتقليص التعقيد. تلك هي الصيغ “التخيلية الإجرائية” التي نحتاج إلى فهمها. ولتحقيق ذلك، لعلّ من الأجدر أن نتعلم التفكير مليا من القاعدة إلى قمة الهرم، انطلاقا من الممارسات الفعلية للترجمة، بدلا من أن نتعلم التفكير من قمة الهرم إلى القاعدة، أي من الأنظمة المفاهيمية الكبرى، إذا أردنا تحقيق الأهداف المرجوة.

هوامش المترجم

  • 1- القابالا: كلمة من أصل أرامي ومعناها القبول أو تلقي الرواية الشفوية من غير اعتراض كما حدث في كتاب اليهود ” التلمود “. تقوم القابالا على افتراض أن لكل حرف في التوراة معانٍ خفية. وابتدعوا لها حساب اسموه ” حساب الجمل ” بتحويل هذه الحروف الى أرقام عددية وفق قواعد رياضية معروفة عند أهلها.
  • 2- النسبية الثقافية: Cultural relativism هي فكرة مؤداها أن الثقافات أو الظواهر الثقافية تعبّر تعبيرا متميزا عن الجماعات (الأمم) صاحبة هذه الثقافات أو الظواهر، وبالتالي ليست هناك قيم شاملة مطلقة.
  • 3-التاريخانية Historicism: يمكن تعريف التاريخانيّة في المعنى الضيّق بصفتها النظريّة أو الرؤية التي تعتبر أنّ التغيير الاجتماعي أو التطوّر التاريخي يخضع لقوانين التعاقب غير المشروطة التي تعطي التاريخ وجهة أو اتجاها”.
  • 4- الترجمة الجذرية: Radical Translation مصطلح يستخدمه كوين للدلالة على “ترجمة لغة شعب ما زال بكرا”. لا يهدف كوين إلى تحبيذ إجراء ترجمة معينة؛ على العكس تماما، الغرض من الترجمة الجذرية أن تكون بمثابة برهان افتراضي على لا حسم المعنى. (معجم دراسات الترجمة. تأليف مارك شتيلويرث ومويرا كووى، ترجمة جمال الجزيري، ص 267).
  • 5- سيرورة العلامات: من أكثر مصطلحات السيميائيات التي شَغلتْ نقاد هذا المجال ودارِسِيه، في الغرب وفي غيره، اصطلاحَ الـ«Sémiose» أو الـ«Sémiosis» الذي يبدو أشْبَه بـ(العنكبوت الذي يتوَسَّط شبكة العلاقات بين ثلاثة عناصر (في فلسفة بيرس التثليثية)، هي: العلامة أو الممثِّل والموضوع الذي تحيل عليه، ومؤوّلها. ويحدده جيرار دولودالّ بأنه حركة أو سيرورة تفترض تشارُك ثلاثة عناصر هي: العلامة الممثل، والعلامة الموضوع، والعلامة المؤول. (المترجم. الهامش من: إشكالية ترجمة المصطلح السيميائي إلى العربية الـ ( semiose) أنموذجا. د. فريد أمعضشو، المجلة العربية، العدد 554).
  • 6-المنطق الافتراضي Propositional Logic: وهو نوع من المنطق الذي يعتبر جميع القضايا عبارة عن واحد من حالتين، إما صحيحة أو خطأ.
  • 7-:  التشعب المفهومي Hyperintensional: “مصطلح معناه وجود عبارات أو قضايا لها ما صدق واحد، ومفهومات متعددة أو متماثلة، ولكن في الوقت نفسه لها معان مختلفة، مثل “نجمة الصباح”، و”نجمة المساء”. يشير إلى “كوكب الزهرة” هنا تعددت المفاهيم، وتغيرت الأسماء، لكن الما صدق واحد (مجلة كلية الآداب، العدد العشرون، 2022، ص: 258).
  • 8- المدلول المتعالي: محاولة الكشف عن الوعي دون أي وساطة لغوية. كما يشير دريدا إلى وجود “أنا” مستقلة لا تتحكم بها القوى الاجتماعية والثقافية. (المصطلحات الأدبية الحديثة، د. محمد عناني، ص 388).
  • 9- البقايا remainder: مسألة لغوية أساسية لطالما أهملها اللغويون: البقايا حسب جان جاك لوكيركل، هي فضالة اللغة. ويعادل اللاوعي لدى فرويد، ذلك العالم المهمل والمؤثر معاً.
  • 10- نظرية الفعل الترجمي أو فعل الترجمة translatorial practice: مصطلح قدمته هولتس مانتاري (1984) لوصف العملية المشتركة التي تؤدي إلى إنتاج النص المستهدف. ويعتبر مفهوم مانتاري متشابها مع نظرية الغرض. (معجم دراسات الترجمة. تأليف مارك شتيلويرث ومويرا كووى، ترجمة جمال الجزيري، المركز القومي للترجمة، ص 360).
  • 11- نظرية الغرض Skopos theory: منهج في الترجمة اقترحته رايس وفيرمر في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين. تؤكد هذه النظرية على الجوانب التداولية pragmatic التفاعلية للترجمة. (المصدر السابق، ص 303.
  • 12- العوالم الثلاثة: العالم الأول هو عالم المادية الأشياء والأحداث، بما في ذلك البيولوجية الكيانات. والعالم الثاني هو عالم العمليات العقلية الفردية. وأما العالم الثالث فهو عالم التجريدات التي تظهر وتؤثر مرة أخرى على العالم الثاني من خلال تمثيلاتها في العالم الأول.
  •  13- الترجمة الركيكة translationese: ويطلق عليها أيضا اللغة الثالثة. مصطلح مستهجن بوجه عام يستخدم للدلالة على استعمال اللغة المستهدفة. وتنجم الترجمة الركيكة بشكل نمطي عن الأسلوب الحرفي للغاية في عملية الترجمة أو المعرفة الناقصة باللغة المستهدفة. (معجم دراسات الترجمة. تأليف مارك شتيلويرث ومويرا كووى، ترجمة جمال الجزيري، المركز القومي للترجمة، ص:358).
  • 14- الترجمة الصرفية calques: وتسمى أيضا بالترجمة المقترضة. مصطلح يستخدم للدلالة على العملية التي تتم بموجيها ترجمة العناصر الفردية للكلمة الموجودة في اللغة الأصلية (على سبيل المثال، الوحدات الصرفية في حال الكلمة الواحدة) ترجمة حرفية لإنتاج مكافئ لها في اللغة المستهدفة. (راجع المصدر السابق، ص 55).
  • 15-“فارمكون” pharmakon: يركز دريدا في مقالة له بعنوان “صيدلية أفلاطون” على الدواء (pharmakon) وانتشار معناه المزدوج إلى الكلمات التي تنتسب إلى نفس الأصل أو التي تجاوره مثل “العقار”، و”ترياق الحب”، و”العلاج”، و”السم” وطرائق الطبخ ومكوناته فينتشر المعنى بينها مما يجعل تحديد معناه غاية في الصعوبة. (المترجم: الهامش من: دليل الناقد الأدبي، د. سعد البازعي ود. ميجان الرويلي)
  • 16-لسانيات المتون corpus linguistics: منهج للبحث في الاستخدام اللغوي يوظف تقنيات الحاسوب لتحليل مجموعة مكتوبة أو منطوقة بهدف وصف اللغة العادية “المطردة” أو اللغة غير العادية “النادرة” التي يقوم المتكلم أو الكاتب باختيارها في ظروف معينة. (لسانيات المتون قضايا أساسية في التأصيل والتطبيق والمنهج، صالح بن فهد العصيمي ط2، ص 16)
  • 17- برتوكولات التفكير بصوت مرتفع Think-aloud Protocols: أسلوب يستخدم لسبر غور العمليات المعرفية التي تتضمنها الأنواع المختلفة من النشاط الذهني. وتشكل هذه البروتوكولات أحد المناهج التجريبية المستخدمة في استقصاء الجوانب النفسية لفعل الترجمة. (معجم دراسات الترجمة. تأليف مارك شتيلويرث ومويرا كووى، ترجمة جمال الجزيري، المركز القومي للترجمة، ص:329).
  • 18- الهابيتوس habitus: كل المضمرات من خبرات وكفاءات وقدرات ناتجة عن التربية، المترسخة داخل الفرد جراء التنشئة الاجتماعية، لتشتغل بلا وعي منه، ومن خلالها يواجه الوضعيات الصعبة والمعقدة داخل عالمه الاجتماعي. فالفرد منا، بحسب بورديو، يحمل «الهابيتوس» كرأسمال ثقافي، يعمل في خلسة وغفلة منه أحياناً، لهذا فهو يتميز بالتكرار والاستدامة والضمنية والتعالي، وقابلية التوريث للأجيال اللاحقة المنتمية للطبقة نفسها، أو لنقل ببساطة هو مجموع الاستعدادات الموروثة اجتماعياً التي تؤثر في سلوكياتنا وردود أفعالنا لدرجة نسيان وجودها، فهي تعمل لا شعورياً. وبعد هذا التوضيح لأهم مفاهيم بورديو، أي «الهابيتوس» أو «السمت»، لنعد إلى المدرسة باعتبارها أداة لإعادة الإنتاج الطبقي. (المترجم: الهامش مقتبس من: بورديو وتعرية آليات الهيمنة في المجتمع الرأسمالي، محسن المحمدي، الشرق الأوسط، رقم العدد 14380).

أنطوني بم: يشغل منصب مدير برامج الدراسات العليا في الترجمة بجامعة روبيرا إي فيرجيلي، تاراغونا، إسبانيا. ينصب تركيزه على المداخل الاجتماعية في الترجمة والعلاقات بين الثقافات. من منشوراته الأخيرة: ” من أجل أخلاقيات المترجم ” (1997)، و”منهج في تاريخ الترجمة” (1998)، “التفاوض على الحدود: المترجمون وتداخل الثقافات في التاريخ الإسباني” (2000)، و”النص المتحرك: التوطين والتوزيع والترجمة (2004). كما ترأس تحرير مجلة الأدب العالمي (1988) ومجلة أساطير أسترالية (1990) وشارك في تحرير مقالة “التدريب على الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية (1995) ومقالة المظاهر الاجتماعية والثقافية للترجمة التحريرية والشفوية (2006).


اكتشاف المزيد من مجلة حكمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركنا رأيك