الهيرمينوطيقا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: كوثر فاتح

الهيرمينوطيقا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: كوثر فاتح


حول الهيرمينوطيقا وتأويل النص وغايات تأوليه، والمنهج الافتراضي-التأسسي؛ نص مترجم ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تتعلق الهيرمينوطيقا كمنهجية للتأويل بالمشاكل التي تنشأ عند التعامل مع الأفعال البشرية الحاملة لمعنى ونواتج هذه الأفعال، وبالأخص النصوص. وهي بوصفها معرفة منهجية توفر مجموعة أدوات لمعالجة هذه المشاكل.  يرتبط التأويل كتقليد قديم بمجموعة من الإشكالات السائدة و المتكررة  في حياة الإنسان, فـ التأويل نشاط انساني حاضر في كل وقت و حين  ينطلق كلما تطلع البشر إلى فهم ما يرونه مهما في نظرهم. ونظرا لتاريخ الهيرمينوطيقا الطويل ، فمن الطبيعي أن تكون قضاياها ، وأدواتها  ، قد  شهدت تحولا كبيرا مع مرور الوقت ، و لحق هذا التحول  مبحث  التأويل نفسه. تركز هذه المقالة على بعض المشاكل الرئيسية في الهيرمينوطيقا وتقف عند بعض المقترحات التي قدمت لمعالجة  ناجعة لهذه الإشكالات.

 


 

  1. مقدمة (الهيرمينوطيقا)

شهدت ممارسة التأويل تطورا مهما عند اليونان القدماء و تعلقت بأغراض  متنوعة من قبيل تأويلات كهنة المعابد، الأحلام، الأساطير الفلسفية والشعرية، وأيضا القوانين والعقود. تعود بدايات الهيرمينوطيقا الأولى الى تفسير ملحمة هوميروس. و لعل أبرز سمات هذه التأويلات القديمة هو غلبة طابع الاستعارة فيها allegorisis.  (allegoría,   من alla agoreuein أي قول  شيء مختلف). وكانت هذه طريقة التأويل  غير الحرفي للنصوص المرجعية  التي تضمنت مطالبات وبيانات بدت غير ملائمة أو زائفة من الناحيتين الأخلاقية والمعنوية (Tate 1934 ) .هذه المحاولات التأويلية  تهدف إلى إيجاد المعنى الخفي hypónoia المخبأ تحت الظاهر  ، باعتباره المعنى الأساسي. وقد مورس منهج الاستعارة هذا على نطاق واسع منذ القرن السادس قبل الميلاد إلى عهد الرواقية و المدارس الافلاطونية المحدثة و حتى وقت لاحق.( Scholz 2016) في العصور الوسطى  كانت أبرز سمات التأويلية ما يصطلح عليه accessus ad auctores  ؛ أي تلك المقدمة النموذجية التي  تسبق طبعات وتعليقات المؤلفين  الكلاسيكيين . كانت هناك نسخ عديدة من هذه المقدمات access ، ولكن الأكثر استخداما هو  ذلك التصنيف المتعلق بالأسئلة السبعة الاتية  (Detel 2011: 84) :

1-من الكاتب (quis/persona)؟

2-عماذا يكتب (quid/materia)؟

3-لماذا يكتب (cur/causa)؟

4- كيف كتب  (quomodo/modus)؟

5-متى كتب النص او نشر (quando/tempus)؟

6-اين كتب النص او نشر  (ubi/loco)؟

7-بأية وسيلة كتب النص او نشر (quibus facultatibus/facultas)؟

يعد يوهان كونراد دانهاور Johann Conrad Dannhauer أول من قدم كتابا منهجيا عن التأويل بصفة عامة (Jaeger 1974)، كتابه Idea boni interpretis et malitiosi calumniatoris ( 1630 ) و سيتضمن  اول استخدام  للكلمة  اللاتينية الجديدة  هيرمينوطيقا  hermeneutica كعنوان لطريقة عامة في المعرفة modus sciendi. . اما الغرض من هذا الكتاب فهو تكملة ارجوزة أرسطو عبر التمييز بين الصواب والخطأ في معنى أي نص.

(verum sensum a falso discernere)

بهذا المعنى فان الهيرمينوطيقا منهج عام يتعلق بكل المجالات العلمية بوصفها معرفة مشتركة تتعلق بكل شيء.

(una generalis omnibus scientiis communis). وتنطبق على الخطاب الشفهي والنصوص المكتوبة auctorum scriptis et orationibus)).هذا  و حذا  سلسلة من المؤلفين حذو دانهاور الذي أسس منهج التأويل في المنطق (Schönert and Vollhardt 2005). اكثر الاعمال اثارة للانتباه في هذا الصدد هو ذاك الذي قام به   يوهان كلاوبيرج Johann Clauberg (1654), الذي قدم تمييزا متطورا بين قواعد التأويل   وبين الالتزام  بعمومتيها  وأوضح ان الوقوف عند  نية الكاتب هو الهدف الاسمى لممارسة التأويل . وعلى هذا الأساس فان الهيرمينوطيقا العامة وجدت قرنين على الأقل قبل شلايرماخر Schleiermacher الذي قدم تصوره الخاص للهيرمونيطيقا في مطلع القرن 19. لذلك فان الادعاء بأن الهيرمينوطيقا لم تكن موجودة قبله هو ببساطة غير صحيح.

(Schönert and Vollhardt 2005: 9; Detel 2011: 119ff., Scholz 2016: 68ff.)

واليوم أصبح النقاش بشأن التأويل أوسع نطاقا، وكثيرا ما يبدأ بالسؤال عما إذا كان ينبغي اعتبار الأفعال الإنسانية ظواهر فيزيائية أم لا، وكيف ينبغي التعامل معها. وقد زعم أصحاب المذهب الطبيعي منذ ميل Mill (1843/1974 ، الكتاب السادس) أنه ينبغي النظر إلى الأفعال  الإنسانية على أنها ظواهر متصلة بظواهر أخرى طبيعية ، و تجب  دراستها وفقا لذلك. لكن من الصعب ان تتجلى قضايا التأويل إذا تبنى المرء هذا الطرح .في هذا الصدد  يجادل المؤولون من أمثال ديلتاي Dilthey  (1883/1990; 1924/1990;1927/1992)، بأن سلوكات  الإنسان لا يمكن أن ينظر إليها كظواهر طبيعية بما انها تحمل دلالة متميزة  بشكل قاطع . فهناك اجماع على ان الحركات الجسدية اللاإرادية، أي ردود الفعل الفسيولوجية البحتة، ليست فعلا إنسانيا. اما الخلاف فيتعلق بمسألة ما إذا كان للفعل الإنساني الارادي معنى أم لا (Mantzavinos 2012). وإذا اعتمدنا وجهة النظر التأويلية، فإن قضايا التأويل تنشأ بالضرورة في مجال العقل. وعليه فان الأفعال الإنسانية ذات معنى ، ونتائج هذه الأفعال تشكل مادة تستدعي التأويل .

من جهة أخرى ، من المهم التمييز بعناية بين مستويين من التحليل :انطولوجي و ابستيمولوجي.

اقترح  هايدغر  لهذا الغرض الفينومينولوجيا التأويلية  كهيرمينوطيقا الحقائق Faktizität ( (1923/1995)  و التي ينبغي أن تحل محل الأنطولوجيا التقليدية : محورها هو التحليل الوجودي للدازاين Dasein الموجود-هنا-الان ، أي الإنسان ( 1927/1993) . و عليه ينبغي الكشف عن معنى الوجود باعتباره نتيجة لتحليل السمات الفريدة للدازاين  ،  و التأويل Auslegung مقترح كطريقة عملية للوجود في العالم.

تبنى جادمير جزئيا هذا الموقف من الانطولوجيا  (1960/1990; 1986/1993; 2000) ، لدرجة ان ما يسمى فلسفة  التأويل  كمشروع فلسفي موسع يعتمد إلى حد كبير على عمل هذين المفكرين (Malpas and Gander 2014).).

وبالرغم من إمكانية قيام دراسات  إبستمولوجية حول التأويل  ، فإنها لا تحتاج إلى تقاسم أية ضوابط  فيما يتعلق بالأنطولوجيا .ذلك ان المقاربات الابستيمولوجية  ، وصفية او معيارية كانت  يمكن أن تبدأ بمشكلات تأويل واقتراح حلول للمشاكلات  بشكل مستقل عن تدخل الانطولوجيا و نسقها في المشكلة و مجالها . حتى عندما  يكون التمييز بين المستوىين الانطولوجي  و  الابستيمولوجي معترفا به إلى حد كبير فان  هذه المسألة موضوع خلاف  فيما يتعلق بتجاوز بنية و نسق هذه المواد المتدخلة في نشاط التأويل .

الواقع, ان الجدال القديم بشان  “Verstehen في مقابل Erklären”  الفهم مقابل  التفسير متعلق إلى حد كبير بمسالة ما  إذا كانت هناك طريقة متميزة من أجل الوقوف عند  مادة حاملة لمعنى ، لتوظيفها في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية (Geisteswissenschaften; Kulturwissenschaften) ، التي تتعامل مع هذه المواد ، أي منهج الفهم مثلا  Verstehen ، أو ما إذا كانت الطريقة العامة المستخدمة في العلوم الطبيعية بنجاح  قابلة للتوظيف في العلوم الاجتماعية والإنسانية أيضا ، أي منهج التفسير  Erklären.

دعاة تبني المنهجين ومنهم ديلتاي   Dilthey الذي    طالب كما هو معروف باستقلال  العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية  و التي يجب أن تتبع منهج الفهم. اما الكانطيون  الجدد مثل فيلهلم ويندلباند Wilhelm Windelband وهاينريش ريكيرت Heinrich Rickert فقد ركزوا على ان تكون  أساليب تكوين المفاهيم والاحكام  مشتركة في مختلف العلوم  إنسانية او طبيعية كانت .

بالنسبة لوندلباند  Windelband (1894)) فان منطق العلوم الإنسانية  يتميز بالاشتغال على هدف معزول  idiographic مرتبط بحكم خاص في الماضي خلافا  للعلوم الطبيعية  والتي يكمن هدفها في صياغة القوانين العامة nomothetic .

بالنسبة لريكرت Rickert((1929 تتسم العلوم الإنسانية بطابع خاص  على مستوى بناء المفاهيم  التي حلت مشكلة تتعلق  بكيف يمكن للمفاهيم العامة الأساسية لأي تصور  علمي أن تلتقط موضوعا خاصا  ، دون إخضاعه ببساطة لقانون عام مرتبط ببناء المفهوم العلمي الطبيعي.

على النقيض من هذه المقاربة المزدوجة ، يرفض انصار المنهج الاحادي مثل ميل Mill هذا التفريع الثنائي  وينتصر لمقاربة  واحدة قابلة للتطبيق على جميع العلوم ، مقتنعا بان اكتشاف ووضع فرضيات تشبه القانون ممكن أيضًا في العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية.

في قلب هذا الجدل يكمن سؤال يتعلق بقبول ما يمكن تسميته “المنهج-الموضوع -الحجة” ، أي الموقف الذي يجب أن يتبعه المنهج  العلمي في  موضوعه . (ريكور 1981 ؛ ل. أندرسون 2003)

وإذا افصح  موضوع التحليل العلمي  عن وجود بنية  وتكوين انطولوجببن معينين ، فعلينا عندئذ أن نستخدم طريقة مناسبة للتعامل معهما . تفترض الحجة أسبقية موضوع التحقيق على طريقة التحقيق ، واعتمادًا على وجهة نظر المرء فيما يتعلق بقبول الحجة . فعادة ما يتبنى المرء إما الفهم  Verstehen أو التفسير  Erklären .  و ذلك بالرغم  من المحاولات العبقرية الأخرى مثل إمكانية “verstehendes Erklären” (فهم التفسير  )التي اقترحها  ماكس فيبر Max Weber (1922/1985)

وعلى أية حال ، فإن المستويات الانطولوجية و الابستيمولوجية  لا تنفصل  دائما في هذا النقاش. هذا هو الحال بشكل خاص فيما يتعلق بالحلقة التأويلية التي تعمل كحجة سائدة لدى جميع أولئك الذين يطالبون باستقلالية العلوم الإنسانية ، والتي سننتقل للحديث عنها  الآن.

 

  1. حلقة التأويل ( الهيرمينوطيقا )

حلقة التأويل hermeneutic circle قضية بارزة للنقاش منذ الفيلسوف و اللغوي الألماني  فريدريش است Friedrich Ast (1808: 178) ، الذي قد يكون  أول من لفت الانتباه إلى دائرية التأويل : “القانون الأساسي لكل فهم و معرفة” ، زاعما  “إيجاد روح الكل  من خلال الفرد ، و من خلال الكل فهم الفرد”. و تبنى شلايرماخر تصوره هذا في كتاباته للعام 1829 . مؤكدا انه اذا كان لا يمكن فهم الكل  دون الإشارة  إلى الفرد ، كذلك لا يمكن فهم الفرد إلا بالرجوع إلى الكل. (1999: 329ff.)

اما ايميليو بيتي Emilio Betti  فيصف هذا المبدأ بانه :  “Grundsatz der Ganzheit” أي مبدا الكمال . (1962: 15ff.)

في حين يصرح شارلز تايلور Charles Taylor  بان :

“هذه إحدى طرق محاولة التعبير عما يسمى “حلقة التأويل “. وما نحاول إثباته هو قراءة معينة للنص أو للعبارات ، وما ننشده كأساس لهذه القراءة لا يمكن إلا أن يكون قراءات أخرى. دائرة يمكن أيضا أن تكون قد تأسست في اطار علاقات جزء -كل،  نسعى  من خلالها لبناء  قراءة النص بمجمله، ولهذا نناشد قراءات اجزائه اولا .و لأننا نسعى لبناء المعنى  ، فان قراءاتنا للأجزاء لا تأخذ كامل معناها الا في اطار علاقتها بباقي الاجزاء و بكامل النص.”

من جهة أخرى،   يتبع عديد من الفلاسفة اللاحقين  نهج هايدجر Heidegger الذي يعتبر حلقة التأويل  قضية انطولوجية(1927/1962: 195) كما يصرح :

” ان الحلقة في الفهم تنتمي الى بنية المعنى .وهي ظاهرة أساسية في بنية الدازاين  Dasein الوجودية  أي في فهم التأويل .فهو بوصفه كيانا ، يمثل وجوده في العالم نفسه قضية أنطولوجية تتشكل داخل بنية الحلقة.”

تصور هيدغر هذا كان محط  انتقاد شديد باعتباره محاولة عقيمة لتحصين تصوره من اتهامات تبني اتجاه القبلية  apriorism (ألبرت 1994: 19).

ويرى آخرون أن حلقة التأويل  مشكلة منطقية أو منهجية. بداية ليست حلقة التأويل مشكلة منطقية بالمعنى الدقيق للكلمة  اذ لا يتعلق الامر بتعميم حلقة حجج circular argumentation  ناشئة عن دلالات تم التوصل اليها انطلاقا من مفاهيم مستعملة في النص.

اذ يرى  شتيجمولر Stegmüller (1979/1988)  أن حلقة  التأويل معضلة ذات طبيعة منهجية أو بالأخص هي  واحدة من ست  اشكال لمعضلات  تنشا اعتمادا على ما نقصده  بالضبط عندما نتحدث  عن “حلقة التأويل “. وهي ليست مشكلة إبستمولوجية في  العلوم الإنسانية فحسب , وانما هي مشكلة تواجه كل  التخصصات. هذا هو الحال ، على سبيل المثال ، في ما يعرف بمعضلة التمييز بين مرجعية المعارف و الحقائق. وباستخدام أمثلة من علم الفلك والأدب، بين Stegmüller أن صعوبات مماثلة تنشأ عند اختبار الفرضيات المتعلقة بالتمييز بين الوقائع ومرجعية المعرفة. ذلك ان اختبار فرضية ما  يتطلب فصلا واضحا بين فروض الملاحظة  من جهة أولى  ، و بين افتراضات  المرجعية المعرفية من ناحية أخرى . وهذه  مشكلة لا تنشأ في العلوم الإنسانية  فحسب بل و في العلوم الطبيعية أيضا حسب Stegmüller. و يمكن حلها فقط من خلال نقاش المختصين و اجماعهم على ما يجب اعتباره واقعا وما يشكل مرجعية معرفية في الفرضيات موضوع الدراسة.

من جهة أخرى ، يتفق  كل من  Dagfinn Føllesdalو  Lars Walløe, Jon Elsterعلى ان حلقة التأويل مشكلة منهجية (1996: 116ff).  ويقفون عند سلسلة من المسائل المنهجية التي تنشأ أثناء عمليات الفهم ، ويقرون بأنها تظهر جميعها في سياق تبرير التأويل . ليميزوا بين أربعة اختلافات: حلقة الكل والجزء ، حلقة الذات و الموضوع ، حلقة منهجي الافتراض او  الاستقراء ، وحلقة الإجابة عن الأسئلة.

و بناءا عليه ، بدل ان تظهر حلقة التأويل كمشكلة منهجية اثناء اختبار فرضيات التأويل يمكن اعتبارها مشكلة علاقة بين معنى الكل و اجزائه اثناء بناء هذه الفرضيات.

على هذا الأساس فان حلقة  التأويل  ظاهرة امبريقية تجريبية تنشأ عندما لا يتحقق  فهم تعبير لغوي او اية  علامات أخرى على الفور و تلقائيا (Mantzavinos 2009 ). من الضروري عندئذ وضع فرضيات تأويلية ، وأثناء هذا النشاط يواجه المرء مشكلة  فهم الكل  وفهم عناصره.

كما ان مناولة اللغة مهارة مركبة تصبح روتينية بمجرد ان يكتسب الانسان خبرة في جميع المستويات المرتبطة بفهم مختلف التعبيرات : الصوتية الفونولوجية ، الدلالية ، النحوية و العملية البرجماتية .ثم  تدريجيا يتم تصنيف الأصوات، الكلمات ،الجمل  و النصوص تلقائيا في الجهاز الادراكي للإنسان  (Nehamas 1987: 275f.) وتصير معالجة اللغة لا واعية   إلى حد كبير. وإذا نشأت صعوبة في عملية فهم اللغة ، وعجز الانسان عن فهم تعبير لغوي واحد أو أكثر ، اذ ذاك تفعل  الموارد الادراكية  ، وتنشأ فرضية تأويلية. في علم  النفس  اللغوي هذا عملية واعية باعتبارها عملية تفاعلية من مستويات متعددة  : الفونولوجية الصوتية ، الدلالية ، النحوية ، و الواقعية. و هناك ما يكفي من الأدلة التي تدعم  فكرة أن الخطاب في حلقة التأويل يمكن اعتباره عملية البحث التي تنشط اذا ما استعصى فهم التعبير  اللغوي على الفور . (J. Anderson 2005: ch. 12; Danks, Bohn, and Fears 1983; Simon 1986)

خلال عملية التحليل يتم تحويل الكلمات في التعبير اللغوي إلى تمثيل عقلي يحيل على معاني الكلمات، كما فسر ذلك علماء الإدراك العقلي ،  و هي ذات صلة وثيقة بالتأويل .اذ خلال هذا الإجراء يتم معالجة معنى كل جملة على حدة ليتم بعدها  دمج كل من الإشارات الدلالية والنحوية ، من أجل تحقيق فهم تدريجي لعبارة أو نص.(Pinker 1994).

 

  1. تفسير النص (الهيرمينوطيقا)

للوهلة الأولى يبدو ان فهم النص يتطلب فهم الجمل التي يتكون منها ؛ وان  فهم الجمل يستدعي فهم الكلمات التي تتكون منها أيضا . يستند هذا الرأي الواسع الانتشار إلى الاعتقاد بصحة مبدأ التكوين principle of compositionality  (Szabo 2013) و منه يفترض أن تحديد معنى تعبير مركب يتم  من خلال نسقه  ومعاني اجزائه.  و قد أعلن Gottlob Frege كما هو معروف في القسم 60 من كتابه Grundlagen der Arithmetik أساسيات الحساب (1884) أن الكلمات لا تأخذ معنى الا في جمل كاملة.

عادة ما يشار إلى هذا المبدأ المرتبط بمبدأ التكوين و المختلف عنه باسم مبدأ السياق  context principle حيث يصرح فريجه Frege :

Es genügt wenn der Satz als Ganzes einen Sinn hat; dadurch erhalten auch seine Theile ihren Inhalt.
(يكفي إذا كان للجملة ككل معنى ؛ ان تحصل أجزائها على معانيها)

وهناك توافق بين العديد من النظريات المعاصرة على أن القيمة الدلالية للجملة ترتبط بالقيمة الدلالية لمكوناتها ، بقدر ما يتحقق مبدأ التوافق. ومع ذلك لا ينبغي التسرع في  افتراض مبدأ مماثل للنصوص ؛ ذلك  ان القيمة الدلالية للنص لا تنطبق بالضرورة مع القيمة الدلالية لمكوناته وبنيته. فاذا كانت الجملة تعبر عن فكرة معقولة، فإن النص يعبر عن سلسلة من الأفكار التي لا يمكن فهمها مباشرة. و اذا كان يمكن فهم معنى الجملة، حفظها ومعالجتها ؛ فان فهم  معنى نص ككل يتطلب  عملية ادراكية عقلية أكثر تعقيدًا. (Scholz 2012).  و هذا الاعتراف بتعقيد عملية فهم النص هو الخطوة الأولى نحو البحث عن النماذج التي يمكن أن تتعامل مع هذا التعقيد بنجاح. مثل هذه النماذج اقترحت ونوقشت في علم النفس الإدراكي. ومن الأمثلة البارزة على هذا النموذج ما قدمه كينتش Walter Kintsch  وفان دييك van Deijk  (1978) ، ويركز هذا النموذج  على معالجة المعلومات التي ترد الى العقل بمجرد إجراء تحليل شامل ودلالي. بمعنى آخر ، ينصب تركيز هذا  النموذج بشكل مباشر على فهم النص كاملا ، بعد تحديد و تحليل المقترحات الاولية. ومن العوامل الحاسمة في هذا الصدد حدود سعة  جهاز الادراك ، أي عدد المقترحات التي يمكن إبقاؤها نشطة في الذاكرة. والنتيجة هي أن مجموعات من الاقتراحات تتم معالجتها إدراكيًا في دورات  متسلسلة ، بمعنى ، تتم معالجة مقترحات n1 الأولى في دورة واحدة ، ثم مقترحات n2 التالية و هكذا دواليك.

ومن ثم ، يصبح من الضروري استخدام المعايير الملائمة التي يتم بموجبها الحفاظ على المقترحات نشطة ، بحيث يمكن نقل معنى النص بأكمله. وتتعلق  هذه المعايير المقترحة بالقرب الزمني وأهمية المعلومات المنقولة. وفقا لما يسمى “leading-edge strategy” أي “الاستراتيجية الرائدة” ،يحافظ الافراد خلال عملية التأويل على المقترحات النشطة وتلك التي  لها الأولوية في التمثيل الهرمي للنص .ويتم ذلك  انطلاقا من افتراض وجود علاقة هرمية بين المقترحات الواردة في النص. وفي عملية موازية لوضع ” استنتاجات جسرية bridge inferences”يضيف فيها المؤول استنتاجات من أجل الربط بين مصطلحات غير ذات صلة  فيما بينها ، وتحدد” مقترحات كلية macro-propositions ” تتضمن ملخصا لفحوى النص. وخلال هذه العملية المعقدة ، يقوم المؤول  بشكل نشط بتفسير معنى النص بأكمله ويستوعب معناه (Kintsch 1998).

هذه النماذج لفهم النصوص تختبر تجريبيا وتشكل خطوة هامة نحو صياغة سرد لتأويل  النصوص يستند إلى أدلة تجريبية متينة. ومع ذلك، فإن النقد الفلسفي يشكك في إمكانية تقديم نماذج قابلة للاختبار من فهم النصوص دون الاعتراف بشكل مناسب بالافتراضات المعيارية التي تكمن وراء كل الممارسة التأويلية والتطبيقات العملية.

في هذا الصدد هناك اتجاهان كان لهما تأثير كبير. الاتجاه الأول نشا عن  الجدال  الفلسفي الأنجلوسكسوني القائم في النصف الثاني من القرن العشرين و الذي  يعرف باسم تيار  “التأويل الأصلي radical interpretation “. ففي وضعية مفترضة  ، يواجه المؤول الفعل  اللفظي لفرد ينتمي لثقافة مختلفة ، دون  ان يكون لديه أي نوع من المعرفة عن معتقداته أو رغباته أو المعاني التي  يعبر عنها.  وذلك انطلاقا من  التعرف على معتقدات ، رغبات و  معاني هذا الشخص ، بالنظر اليه  بوصفه كيانا فيزيائيا ماديا  دون أية مساعدة من الترجمة في ذلك. (لويس عام 1983: 108). في هذه الوضعية المصطنعة ، يميل المؤول الى  تبني مبدأ تأويل  عام ذي طبيعة معيارية ، والذي من المفترض أن يكون ضروريًا لتأويل او لترجمة صحيحين.

في هذا السياق يمكن ان نورد مواقف متعددة  .اذ  يرى كوين Quine (1960: 59) :

” ان تأكيدات المحاور قد تكون  كاذبة بشكل مذهل  و من المرجح أن تؤدي إلى اختلافات خفية في اللغة. […] و ما يبرر هذا الموقف  هو أن  اعتقادنا باحتمال سخافة المحاور   أقل بكثير من احتمالية ان نكون بصدد ترجمة سيئة.”

في نفس السياق يؤكد   Davidson أن التفسير يحده “مبدأ المحبةprinciple of charity”  (1984: 27) و يصرح :

“لا يمكن تجنب المحبة  في تأويل  كلمات وأفكار الآخرين . كما يجب أن نضاعف حاجتنا للاتفاق ، و الا نخاطر  بعدم فهم ما يتحدث عنه الأجنبي . لذلك يجب علينا زيادة الاتساق الذاتي الذي ننسبه إلى محاورنا الاجنبي  ، على حساب ما قد يترتب عن  عدم فهمه من معاناة و الم.”

اما  غراندي Grandy  فيسلم  ب “مبدأ الإنسانيةprinciple of humanity ” كدليل بشرط أن يكون نمط العلاقات بين المعتقدات والرغبات والعالم المنسوب إلى المؤلف مشابهًا لأنماطنا الخاصة قدر الإمكان. (1973: 443)

والواقع ان  المبادئ المقترحة ليست جديدة. ففي بدايات عام 1654 ، عمل يوهانس كلاوبيرغ Johannes Clauberg على وضع مبادئ تفصيلية  هامة ضمن ما يصطلح عليه “في تفسير الجزء الفرعي“in bonam partem interpretari”” و ذلك  في الفصل الثالث عشر من الجزء الثالث من كتابه Logica, Vetus & Nova و اهمها المبدأ الذي  اسماه مبدأ “benignitas” او الصلاح.

وفي عام  1757 اقترح جورج فريدريش ماير  Georg Friedrich Meier مبدأ المساواة التأويلية باعتباره المبدأ الأكثر عمومية لجميع قواعد التأويل في الهيرمينوطيقا العامة (Meier 1757/1996: §39).حيث كتب :

” الإنصاف التأويلي (aequitas hermeneutica) هو ميل المؤول إلى اعتبار المعنى الصحيح هيرمينوطيقا   هو ذلك الذي يتوافق بشكل أفضل مع عيوب صاحب العبارة ، حتى يثبت  العكس.”

من المهم التأكيد على أن مبدأ الانصاف التأويلي قد صيغ بشكل صريح كافتراض اي  كقاعدة قد لا تصمد أمام الأدلة.

في النقاش الأنجلوساكسوني حول التأويل  الجذري المشار إليه أعلاه ، فإن التوجه العام يميل الى  اعتبار  هذه القواعد اساسية لممارسة التأويل وينبغي الاعتراف بها بوصفها  افتراضا اوليا مهما لكل التأويلات.

وقد ترجع اهميتها على ما يبدو إلى حقيقة أنه تم دعمها بشكل جيد، حيث وظفت  هذه القواعد في كثير من الأحيان بنجاح. وعليه قد يكون الحاحهم على اهميتها هو الذي يدفع إلى الاعتقاد أنه لا غنى عنها لكل تأويل. (Mantzavinos 2005: 134).

اما الاتجاه الثاني فيما يتعلق بالافتراضات المعيارية للممارسة التأويلية فيتمحور حول اهمية استحضار الجانب  العقلاني في كل التأويلات. (Livingston 1993).

وفقًا لهذه التصور ، من الممكن فهم التعبيرات اللغوية فقط إذا افترضنا أن المتحدثين أو المؤلفين يظهرون ميزات عقلانية مركبة. والأهم من ذلك ، أن العقلانية الاستنباطية تلعب دورًا مهاما يُفترض أنه عند استحضار التعابير اللفظية ، يجب احترام قواعد المنطق الافتراضي والمسند. و في هذه الحالة فقط يمكن الوقوف عند معنى النصوص والتعابير اللغوية بشكل عام (Føllesdal 1982: 311).

و وفقا لهذا الرأي ، فإن العقلانية اساسية في  تكوين معتقدات المؤلف التي تولد تعابيره اللغوية . وبالتالي ، فإن العقلانية هي افتراض معياري يجب أن تقوم عليه كل ممارسة تأويلية. ومع ذلك ، لا يمكن القول بان مبدا العقلانية مبدأً لا جدال فيه (Mantzavinos 2001: ch.4) بل ستترتب عنه العديد من الأسئلة المتعلقة بما إذا كانت العقلانية تأسيسية بالفعل و الى اي حد هي ضرورية في التأويل الناجح. (Scholz 2016: 228ff .).

ومنه ، فإن عملية تأويل النص المركزية في حقل الهيرمينوطيقا بوصفها  دراسة منهجية يمكن مقاربتها تجريبيا بمساعدة نماذج قابلة للاختبار.

و يبقى السؤال  عما إذا كانت بعض الافتراضات المعيارية الاولية لممارسة التأويل مثل مبادئ التأويل الاساسية ومبادئ العقلانية التي لا غنى عنها قضية محورية ذات أهمية فلسفية واضحة . (Detel 2014). بغض النظر عن هذا الموقف المفترض ، فمن الصعب أن ننكر أن ممارسة التأويل تتخذ أشكالًا متعددة و تتم وفقًا لأهداف متنوعة . وهي قضية سننتقل للحديث عنها لاحقا.

 

  1. أهداف تأويل (الهيرمينوطيقا) النصوص

لقد رأينا سابقا أن تأويل النص يتجاوز تأويل الجمل البسيطة أو المعقدة لأنه يتضمن بشكل حاسم عددا من الاستنتاجات الضرورية لاستخلاص معنى النص .و  يمكن أن يتخذ تأويل النص كهدف اساسي أشكالًا مختلفة ، ولكن يجب تمييزه عن دلالة النص. في الواقع ، يمكن تجنب احتمالات سوء الفهم والالتباسات بسهولة ، إذا ما  تم التمييز بوضوح بين التأويل كنشاط موجه نحو تحديد معنى النص والنقد كنشاط يستهدف أهمية النص  .وذلك وفقا لاعتبارات مختلفة.

حيث أشار هيرش Hirsch (1967: 7f) الى ان:

“الأمثلة الأكثر تطرفًا لهذه الظاهرة هي حالات التنكر الذاتي للأعمال الخاصة، مثل هجوم أرنولد Arnoldالعلني على اهم اعماله ، أو إمبيدوكليس Empedoclesعلى إتنا Etna، أو رفض شيلينغ Schelling لجميع الفلسفة التي كتبها قبل عام 1809. مما لا يدع مجالا لأدنى شك بأن رد المؤلف المتأخر على عمله يختلف تمامًا عن رده الأصلي. فبدلاً من أن يبدو العمل جميلًا ، عميقًا أو لامعًا ، قد يبدو مضللاً ، تافهًا وخطئًا في نظره ، ولم يعد معناه ذلك الذي  رغب المؤلف في نقله. ومع ذلك ، فإن هذه الأمثلة لا تسمح بالقول بأن معنى العمل قد تغير ، بل على العكس تمامًا. فإذا تغير معنى العمل عوضا عن موقف المؤلف نفسه منه ، لما كان هذا الاخير  بحاجة إلى التنصل من معناه وكان بإمكانه أن يجنب نفسه الانزعاج من عدول الجمهور المستقبل عنه. لذلك فلا شك أنه اذا كانت أهمية العمل بالنسبة للمؤلف قد تغيرت كثيرًا ، فان معناه لم يتغير على الإطلاق.

[…] يحيل المعنى على ما يمثله النص ؛ اي ما قصده المؤلف من خلال استخدامه لتسلسل معين لرموز ولم تمثله هذه الرموز. اما الدلالة فترتبط بتلك العلاقة بين معنى و نص، أو مفهوم ، موقف ،أو أي شيء يمكن تخيله. […] تعني الدلالة اذن  دائمًا علاقة ، والقطب الثابت لهذه العلاقة هو ما يعنيه النص. ومنه  كان الفشل في التفكير في هذا التمييز البسيط والأساسي مصدر الارتباك الهائل في نظرية التأويل.”

حتى إذا اعترفنا بالاختلاف  القائم بين المعنى والأهمية ، وقرّرنا احترام التمييز بين تأويل النص ونقده ، فلا جدال في أن التأويل يذهب في اتجاه اهداف مختلفة.

لفترة طويلة تركزت النقاش حول الهدف المناسب من التأويل وكانت نقطة الاتصال هي ما يسمى المغالطة المتعمدة ، التي صاغها بشكل مؤثر كل من  Wimsatt و Beardsley (1946: 468) ، والتي تنص على أن “تصميم أو نية المؤلف غير متوفرة و غير مرغوب فيها كمعيار للحكم على نجاح العمل الفني او الأدبي “.و ارتكز النقاش حول  ما إذا كان استيعاب نية مؤلف النص هو الهدف الوحيد للتأويل .او على العكس من ذلك ، نية التأليف هي في الواقع الهدف من هذا التأويل .ثم كيف  يمكن تتبعه بشكل مضبوط. و يجادل كوينتين سكينرQuentin Skinner (1969: 48f) بان السؤال الاساسي الذي يواجهنا في دراسة اي نص يتعلق ب :

“ما الذي يمكن ان ينويه المؤلف من خلال ما كتبه اثناء مخاطبته للجمهور؟ ويترتب على هذا أن الهدف الأساسي ، في أي محاولة لفهم العبارات نفسها ، يجب أن يكون استعادة هذه النية المركبة عند المؤلف. و منه فان المنهجية المناسبة لتاريخ الأفكار يجب أن تهتم، أولاً وقبل كل شيء ، بتحديد كامل اشكال التواصل  و الكلام في مناسبة معينة. ثم تتبع العلاقات بين هذا الكلام المعطى وسياقه اللغوي الأوسع كوسيلة لفك شفرة النية الفعلية للكاتب.”

إلى جانب كوينتين سكينر (1972 ، 1975) ، أكد أكسل بوهلر Axel Bühler، أنه من الممكن تحديد نوايا المؤلف ، طالما أن المصادر ونقل النص تسمح بذلك (1999a: 62ff.) . وأنه من الممكن حتى تحديد النية التواصلية للمؤلف في النصوص التخيلية ،و ذلك عبر إبراز كيف يحرك المؤلف أولئك الذين يخاطبهم و يدفعهم “للتصرف كما لو” كانت محتويات هذا الخطاب الخيالي حقيقية (1999a: 66ff.). هذا الموقف ، المعروف على نطاق واسع باسم القصدية الهيرمينوطيقية Hermeneutic Intentionalism  (Bühler 1993 ، 1999 ب ، 2003 ؛ انظر أيضًا 2010 ، في موارد الإنترنت الأخرى) ، يقدم حججًا لإظهار أن الوقوف عند نية المؤلف أمر مرغوب فيه تمامًا ويمكن الوصول إليه بالكامل كهدف للتأويل و أنما يعرف  بالمغالطة المقصودة ليست مغالطة على الإطلاق. واذا كان  مفهوم النية او القصد مفيدا بالتأكيد في تقديم سرد منهجي للتأويل   فإن استخدامه بالتأكيد هو جزء من تطور لاحق في الهيرمينوطيقا . وقد تم استيراده في منهج الهيرمينوطيقا من خلال النقاش الدائر  في فلسفة العقل واللغة انطلاقا من  المذهب التحليلي في القرن العشرين. لقد كان هذا النقاش في حد ذاته رد فعل ضد اثنين من المعتقدات السائدة في ذلك الوقت. فمن ناحية اولى  ، ينبغي أن يستهدف هذا التأويل النص بحد ذاته . ومن ناحية أخرى ، يجب أن يهدف التأويل  إلى الكشف عن السياق الاجتماعي الذي أدى إلى تشكل هذا النص. (سكينر 1969).

اما مفهوم  “سياق المعنى nexus of meaning” (Sinnzusammenhang) الذي يستخدمه Dilthey وغيره من اقطاب الهيرمينوطيقا الكلاسيكية فيمكن اعتباره مصطلحا تقنيا اكثر من مفهوم النية. سياق المعنى، مرتبط بتعبير لغوي أو نص معين ، يفسره المؤلف على خلفية أهدافه ومعتقداته وحالاته عقلية أخرى أثناء التفاعل مع بيئته الطبيعية والاجتماعية. مثل هذا التصور للمعنى يجعل منه عملية معقدة تنطوي على كل من استخدام واعي وغير واعي للرموز.  و منه يمكن أن يُفهم ان تأويل النص هو النشاط الموجه نحو تحديد معنى النص بشكل صحيح من خلال إعادة بناء سياق معانيه بدقة. وتكمن إحدى طرق  وصف مفهوم سياق المعنى nexus of meaning في استخدام فكرة النية .وهي طريقة مشروعة ولكنها بالتأكيد ليست طريقة حصرية.  وقد يكون تحديد نية المؤلف مناسبًا لوصف سياق المعنى. وان كانت إعادة بناء هذا السياق أكثر تعقيدًا. بعبارة أخرى ، عند إعادة بناء سياق المعنى هذا  ، ليس من الضروري الامتثال لنظام وصفي محدد او  أن تلتزم عملية إعادة البناء باستخدام مفهوم النية. بما أن ما يجب إعادة بنائه هو مجموعة كاملة من المعنى ، يمكن اذ ذاك استخدام نظام وصفي مختلف تمامًا. فمن الممكن مثلا استخدام نية المؤلف وكذلك دمج تحليل العناصر النحوية والعناصر الأخرى من أجل إنتاج إعادة بناء مناسبة. إن مفهوم سياق  المعنى أمر أساسي لمنهجية الهيرمينوطيقا ، لأنه يمكن أن يستوعب الممارسات التأويلية في عدد من التخصصات المختلفة. و قد استخدم Coseriu (1994/2006) في كتابه المؤثر ” Textlinguistik  لسانيات النص ” فكرة ” البيئة Umfeld” من أجل تحديد نفس الظاهرة التي تترتب عن  مفهوم سياق المعنى. إعادة بناء  البيئة “Umfeld” كما ذهب الى ذلك كارل بولر Karl Bühler في كتابه Organon Model نموذج الارجوزة و الذي تحدث فيه  عن : “sympraktischem ، symphysischem و synsemantischem Umfeld” (1934/1965: 154ff.)  اي بيئة دلالية فيزيائية و عملية مساوقة تهدف  إلى تحديد معنى النص من خلال وصف سياقه بأكمله ، قدر الإمكان. من الواضح إذن ، ان التأويل في الهيرمينوطيقا التقليدية يُفهم على أنه عملية لإعادة بناء الروابط بين المعنى ويمثل عملية معاكسة تمامًا لعملية التفكيك كما اقترحها على سبيل المثال دريدا  Derridaوأتباعه.

وكما يشير ريشر Nicholas Rescher (1997: 201) فان:

“النقطة الحاسمة إذن ، هي أن أي نص له سياق تاريخي وثقافي ما. وأن سياق النص في حد ذاته ليس مجرد نص و ليس شيئًا يمكن توظيفه فقط وبشكل كامل في مجال النص. سياق النصوص هذا يقيد ويحد من التأويلات القابلة للتطبيق والتي يمكن أن تحملها هذه النصوص. عملية التفكيك كحل تأويلي يفترض تفكيك النص الى مجموعة بنيات محددة، يجب أن تقابلها عملية إعادة البناء التي تتطلب عرض النصوص في سياقاتها الأكبر .و عليه تحتوي النصوص حتمًا على اطار  تاريخي ثقافي و اخر خاص  بالمؤلف  يعتمد عليه معناه الفعلي بشكل حاسم.”

ان النظر إلى التأويل كعملية لإعادة بناء العلاقة بين معنى النص يولى الاهتمام الواجب لسياق النص ، دون افتراض أن السياق الاجتماعي والتاريخي قد تسبب في إنتاج هذا النص.  و يمكّن هذا الرأي من  المصالحة مع الجدال القديم بشأن أهداف التأويل. فلقد رأينا أنه لطالما كان موضوع نزاع شرس سواء تعلق الامر باعتبار قصد المؤلف هو الهدف المشروع الوحيد للتأويل أم لا. اذ لا يجب بالضرورة أن تختزل هذه الأهداف إلى قاسم مشترك واحد ولا يقتضي الامر التضحية ببعضها لصالح اهداف اخرى. و يمكن  بالطبع إجراء مناقشة نقدية لأهداف التأويل المختلفة ، دون ان تكون هذه النتائج ملزمة للجميع. و الواقع  أن الإجماع على أهداف التأويل المناسبة مؤقت .فبعد  قبول سلسلة من الأهداف التي ظهرت في المناقشة مؤقتًا يمكن    صياغة واختبار فرضيات بديلة مرتبطة بها. بمعنى آخر ، يحتاج المرء فقط إلى قبول هدف تأويل احتمالي ، ثم الاستفسار عن الطرق التي يمكن بها تحقيق ذلك. تعمل هذه التقنية وفقا لالزامات  احتمالية imperatives hypothetical بدلا من تلك  المقوليةcategorical imperatives. وبتعبير اخر، يمكن توجيه معايير التقييم المقارن للفرضيات التأويلية انطلاقا من نماذج تنظيمية مختلفة. فعلى سبيل المثال ، يمكن أن تتم إعادة بناء سياق معنى النص وفقا لفكرة الدقة و التي بموجبها  تهدف انشطة التأويل إلى وصف سياق معنى النص the nexus of meaningبدقة. لكن إعادة بناء رابطة المعنى هذه يمكن أن ترتبط بأهداف أخرى  ، مثل الجمال كهدف استطيقي . وسواء تعلق الامر  بالدقة أو بالجمال يجب أن يكون كل هدف هدفًا شرعيًا لتأويل نص معين و ليس  قرار دغمائيا قاطعا و  نهائيا.

اجمالا في مقابل “نية المؤلف” ، فإن “سياق المعنى” ظاهرة مركبة ويمكن للمؤولين  إبرازها وإدراك أهدافها ومعاييرها المختلفة . ويكمن جوهر  هذا النشاط الابستيمولوجي، بإيجاد تأويلات  انطلاقا من  إعادة بناء للعلاقات المعنى فوفقا لأهداف مختلفة.  موضوع القسم التالي سيقف عند افضل طريقة منهجية لتحقيق هذا الامر.

 

  1. المنهج الافتراضي-الاستنتاجي (الهيرمينوطيقا)

تم اقتراح تطبيق هذا المنهج  كألية إبستمولوجية لتأويل النصوص الحاملة لمعنى. (Følesdal 1979; Tepe 2007 ). وارتبط هذا النقاش بالنظرية الفلسفية المطالبة بتبني التفسير العلمي  كمنهج في التأويل و  التي روج لها  عديد من المفكرين .اذ قام  كل من  همبل   Hempelو بوبر Popper (Popper1959/2003; 1963/1989) بتصوير هذا النشاط العلمي بوصفه نشاطا تفسيريا الغرض منه بالأساس  هو الاجابة عن سؤال “لماذا؟” .

ومع ذلك ، لا يمكن القبول بهذه الفكرة  و التسليم بان  جميع الأنشطة العلمية تفسيرية.

علاوة على ذلك ، يمكن الإجابة عن أسئلة من قبيل  “بماذا يتعلق الامر ؟”  بدلاً عن سؤال  “لماذا؟” فقط. مما يسمح بالدخول الى مجال العلوم عبر استيعاب أنشطة جميع الأفراد الذين يتطلب  عملهم اليومي تأويل النصوص بشكل مناسب. و عليه فإن تطبيق المنهج الافتراضي – الاستنتاجي هو طريقة لإظهار أن المعايير المستخدمة حاليًا عند التعامل مع مشاكل منهج التفسير  من قبيل التفاهم بين- الذواتي  ، الاختبار باستخدام الأدلة ، والحجاج العقلي والموضوعي  يمكن تطبيقها  أيضًا على مشاكل التأويل.

وسوف نوضح  بإيجاز شديد كيف يمكن تطبيق هذه الطريقة في خمس خطوات. (Mantzavinos 2014).

من أجل إعادة بناء سياق المعنى المرتبط بنص معين ، يجب وضع الفرضيات التأويلية كخطوة أولى. و سميت افتراضات، لأنه ليس من المؤكد ما إذا كان سيحقق الهدف الابستيمولوجي المتوخى منها ، أي تحديد معنى النص. في بناء هذه الفرضيات يمكن استدعاء مبادئ تأويل متنوعة  مثل “مبدأ المحبة” أو “مبدأ الإنسانية” التي تناولناها سابق كقواعد افتراضية و ان كانت قد لا تصمد امام التجربة. يمكن أن تتكون هذه الفرضيات التأويلية جزئيًا من “مصطلحات نظرية” لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر ، والتي قد تشير على سبيل المثال  إلى نوايا المؤلف. في مثل هذه الحالات، يمكن كخطوة ثانية التوصل انطلاقا من هذه الفرضيات التأويلية الى استنتاجات  قابلة بشكل اكبر للملاحظة و الاختبار. في الخطوة الثالثة ، يمكن اختبار هذه الاستنتاجات بمساعدة الأدلة المقدمة في المرحلة الاولى  و ذلك من خلال تقنيات البحث المعتمدة في  العلوم الاجتماعية والإنسانية .الى جانب هذا يمكن توظيف ادلة اخرى في عملية التأويل  تشمل ما صرح به  المؤلف عن عمله موضوع الدراسة او عن اعماله الأخرى ، او الوقوف عند  تفاصيل  عمله مثل القافية، الإيقاع،تكرار الكلمات أو السيرة الذاتية للمؤلف…و غيرها (Nehamas 1981: 145). في الخطوة الرابعة، يتم التحقق من هذه الفرضيات التأويلية  المختلفة في مقابل الأدلة.هنا ،من الضروري إجراء تقييم مقارن ، من أجل التمييز بين التأويلات  الجيدة وتلك السيئة. إجراء هذا التقييم يفترض مراعاة مجموعة من القيم كالحقيقة مثلا  ، والتي يمكن تصورها على أنها تصوير دقيق لسياق المعنى nexus of meaning، في علاقته بالتأويلات التي هي فرضيات ينبغي التأكد من صحتها او خطئها. يمكن أيضًا استحضار  قيم أخرى ، على سبيل المثال القيم الجمالية وإجراء التقييم المقارن للتأويلات المقدمة على ضوء حكم  الجمال مثلا.

في الخطوة الخامسة من تطبيق المنهج الافتراضي الاستنتاجي ، يمكن الاقتصار على إجراء تقييم متعدد الأبعاد لنفس الفرضية التأويلية وفقا لقيم مختلفة أو تقييم مجموعة من الفرضيات بناءا على  قيمة واحدة.

و تجدر الإشارة الى ان  هذه التقييمات  لا تجري وفقا لأي نوع من الإجراءات اللوغارتمية .كما لا يمكن استخدام حسابات  رياضية يمكن أن تؤدي إلى تحديد التقييمات والاختيارات سواء في تأويل النصوص أو في التفسير العلمي. هذا و تحضر في هذا النوع من الممارسة المعرفية اختيارات تأويلية قد تحمل جانبا خياليا .وعليه فإنها كخيارات انسانية لا بد أن تكون عرضة للخطأ .و في هذا الصدد  فإن مأسسة النقد وفقا لقواعد هي التي يمكن أن تسمح بتصحيح أخطاء التقييمات والخيارات. لتكون المناقشة النقدية شرطا أساسي لاتخاذ خيارات سليمة. من المهم التأكيد على أن الخطوة الخامسة من هذه المنهج لها نتائج مهمة و بالأخص على مستوى نظرية الاقرارtheory of confirmation.على سبيل المثال إذا أكد الدليل E الفرضية H باعتماد المرجعية  B ، فإن E يؤكد أيضًا على الاقتران H X لأي X اعتباطي يتوافق مع H. يمكن أن تجعل هذه الخاصية عملية الاقرار  متساهلة وعديمة الفائدة. وبالتالي ، فإن المناقشة النقدية الجوهرية للحجج بين مختلف مؤولي النص هي شرط لا غنى عنه لإنجاح المنهج الاستنتاجي الافتراضي.

وقد شكك شولتز Scholz (2015) في نجاعة  هذه الطريقة و بالأخص فيما يتعلق بما يسميه “مشكلة الصلة او الملاءمةthe relevance problem” – واقترح حلها من خلال استخدام افضل استدلال في التفسير.(ليبتون 2004). وعليه يجب قبول الفرضية التي تشرح الدليل بشكل أفضل من باقي الفرضيات الاخرى المقترحة. لكن هذه الخطوة البديلة في حد ذاتها إشكالية لأنها تستند إلى افتراض أنه من الممكن توفير شروط ضرورية وكافية لما يشكل تفسيرًا وأن هناك اجماعا بشان ما قد يعتبر “أفضل تفسير”. (Mantzavinos 2013 ، 2016).

ختاما ، يمكن أن يساعد المنهج الاستنتاجي الافتراضي في تأسيس موضوعية الهيرمينوطيقا .وذلك بالاستناد  إلى مناقشة نقدية حول ملاءمة التأويلات المختلفة في علاقتها  بأهداف التأويل. ومنه، فإن التفاهم البينذواتي ،القابلية للاختبار باستخدام الدليل والحجاج العقلي والموضوعي ، كلها قابلة للتطبيق أيضًا في حالة تأويل النصوص. كما تؤكد ذلك  أمثلة عديدة  من تخصصات  و مباحث مختلفة. (Føllesdal 1979؛ Mantzavinos 2005: ch.6؛ Detel 2011: 394ff؛ Detel 2016).

 

  1. خاتمة (الهيرمينوطيقا)

عموما،  يمكن أن توفر الهيرمينوطيقا كمنهج للتأويل حلا لمشاكل تأويل الأفعال البشرية والنصوص وغيرها عن طريق تقديم مجموعة أدوات تستند إلى حقائق تجريبية متينة.

و في الأخير ينبغي ان نشير الى ان الهيرمينوطيقا عبر تاريخها قد  تعاملت مع مشاكل محددة في التأويل ، نشأت في تخصصات محددة مثل الفقه واللاهوت والأدب ، والتي لم تكن محور هذا المقال. اذ كان الهدف في الواقع من هذا المقال هو إظهار نوع المشاكل العامة في التأويل التي تعترض  الهيرمينوطيقا اولا. ثم تحديد بعض الإجراءات المهمة التي تؤدي إلى حل فعال لهذه المشاكل مع الأخذ في الاعتبار دائمًا أن هذه الإجراءات ككل الإجراءات الابستيمولوجية الأخرى  قابلة للخطأ .

 


المراجع

  • Albert, Hans, 1994, Kritik der reinen Hermeneutik, Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • –––, 2003, “Hermeneutik und Realwissenschaft. Die Sinnproblematik und die Frage der theoretischen Erkenntnis”, Axel Bühler (ed.),  Basistexte zur Einführung in die wissenschaftstheoretischen Grundlagen von Verstehen und Interpretation, Heidelberg: Synchron, pp. 23–58.
  • Anderson, John R., 2005, Cognitive Psychology and Its Implications, 6thedition, New York: W.H. Freeman and Company.
  • Anderson, Lanier, 2003, “The Debate over the Geisteswissenschaften in German Philosophy, 1880–1910” in Thomas Baldwin (ed.), The Cambridge History of Philosophy: 1870–1945, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 221–234.
  • Ast, Friedrich, 1808, Grundlinien der Grammatik, Hermeneutik und Kritik, Landshut: Jos. Thomann, Buchdrucker und Buchhändler.
  • Betti, Emilio, 1962, Die Hermeneutik als allgemeine Methodik der Geisteswissenschaften, Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • Bühler, Axel, 1993, “Der Hermeneutische Intentionalismus als Konzeption von den Zielen der Interpretation”, Ethik und Sozialwissenschaften, 4: 511–518.
  • –––, 1999a, “Autorabsicht und fiktionale Rede”, in Fotis Jannidis, Gerhard Lauer, Matias Martinez, and Simone Winko (eds.), Rückkehr des Autors. Zur Erneuerung eines umstrittenen Begriffs, Tübingen: Max Niemeyer Verlag, pp. 61–75.
  • –––, 1999b, “Die Vielfalt des Interpretierens”, Analyse und Kritik, 21: 117–137.
  • –––, 2003, “Grundprobleme der Hermeneutik”, in Axel Bühler (ed.),  Basistexte zur Einführung in die wissenschaftstheoretischen Grundlagen von Verstehen und Interpretation, Heidelberg: Synchron, pp. 3–19.
  • –––, 2010, “Zweifel am Erklärungspotential von Absichten”, Mythos-Magazin(Erklärende Hermeneutik/Explanatory Hermeneutics—Wissenschaftliches Forum), available online.
  • Bühler, Karl, 1934/1965,  Die Darstellungsfunktion der Sprache, 2. Auflage, Stuttgart: Gustav Fischer Verlag.
  • Clauberg, Johannes, 1654, Logica, Vetus & Nova, Amsterdam: Ex Officin Elzeviriana.
  • Coseriu, Eugenio, 1994/2006, Textlinguistik, 4thedition, Tübingen: Francke Attempto.
  • Danks, Joseph H., Lisa Bohn, and Ramona Fears, 1983, “Comprehension Processes in Oral Reading”, in Giovanni B. Flores d’Arcais and Robert J. Jarvella (eds), The Process of Language Understanding, Chichester, Chishester, New York etc.: John Wiley & Sons, pp. 193–223.
  • Dannhauer, Johann Conrad, 1630/2004, Idea boni interpretis et malitiosi calumniatoris, Straßburg: Wilhelm Christian Glaser, reprint of the fourth edition Straßburg 1652, Hildesheim, Zürich and New York: Olms.
  • Davidson, Donald, 1984, Inquiries into Truth and Interpretation, Oxford: Oxford University Press.
  • Detel, Wolfgang, 2011, Geist und Verstehen, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.
  • –––, 2014, Kognition, Parsen und rationale Erklärung: Elemente einer allgemeinen Hermeneutik, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.
  • –––, 2016, Hermeneutik der Literatur und Theorie des Geistes. Exemplarische Interpretationen poetischer Texte, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.
  • Dilthey, Wilhelm, 1883/1990, Gesammelte Schriften, I. Band: Einleitung in die Geisteswissenschaften, 9. Auflage, Stuttgart: B.G. Teubner Verlagsgesellschaft und Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht.
  • –––, 1924/1990, Gesammelte Schriften V. Band: Die geistige Welt. Einleitung in die Philosophie des Lebens. Erste Hälfte: Abhandlungen zur Grundlegung der Geisteswissenschaften, 8. Auflage, Stuttgart: B.G. Teubner Verlagsgesellschaft und Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht.
  • –––, 1927/1992, Gesammelte Schriften VII. Band: Der Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften, 8. unv. Auflage, Stuttgart: B.G. Teubner Verlagsgesellschaft und Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht.
  • Føllesdal, Dagfinn, 1979, “Hermeneutics and the hypothetico-deductive method”, Dialectica, 33: 319–336.
  • –––, 1982, “The Status of Rationality Assumption in Interpretation and in the Explanation of Action”, Dialectica, 36: 301–316.
  • Føllesdal, Dagfinn, Lars Walløe, and John Elster, 1996, Argumentasjonsteori, språk og vitenskapsfilosofi,Oslo: Universitetsforlaget.
  • Frege, Gottlob, 1884, Die Grundlagen der Arithmetik, Breslau: Verlag von Wilhelm Koebner.
  • Gadamer, Hans-Georg, 1960/1990, Gesammelte Werke, Bd. 1, Hermeneutik I: Wahrheit und Methode, 6. Auflage, Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • –––, 1986/1993, Gesammelte Werke, Bd. 2, Hermeneutik II: Wahrheit und Methode, Ergänzungen, Register, 2. Auflage, Tübingen, J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • –––, 2000, Hermeneutische Entwürfe, Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • Grandy, Richard, 1973, “Reference, Meaning, and Belief”, The Journal of Philosophy, 70(14): 439–452. doi:10.2307/2025108
  • Heidegger, Martin, 1923/1995, Ontologie (Hermeneutik der Faktizität), Gesammtausgabe, Band 63, 2. Auflage, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.
  • –––, 1927/1993, Sein und Zeit, 17. Auflage, Tübingen: Niemeyer.
  • –––, 1927/1962, Being and Time, J. Macquarrie and E. Robinson (transl.), New York: Harper & Row.
  • Hirsch, E.D. Jr., 1967, Validity in Interpretation, New Haven and London: Yale University Press.
  • Jaeger, Hasso, 1974, “Studien zur Frühgeschichte der Hermeneutik”, Archiv für Begriffsgeschichte, 18: 35–84.
  • Kintsch, Walter, 1998, Comprehension: A Paradigm for Cognition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kintsch, Walter and Teun A. van Dijk, 1978, “Toward a Model of Text Comprehension and Production”, Psychological Review, 85: 363–394.
  • Lewis, David, 1983, “Radical Interpretation”, in David Lewis (ed.), Philosophical Papers Vol. I, Oxford: Oxford University Press, pp. 108–121.
  • Lipton, Peter, 2004, Inference to the Best Explanation, 2ndedition, London and New York.
  • Livingston, Paisley, 1993, “Why Realism Matters: Literary Knowledge and the Philosophy of Science”, in George Levine (ed.), Realism and Representation: Essays on the Problem of Realism in Relation to Science, Literature, and Culture, Madison: University of Wisconsin Press, pp. 134–154.
  • Malpas, Jeff and Hans-Helmuth Gander (eds.), 2014, The Routledge Companion to Hermeneutics, London and New York: Routledge.
  • Mantzavinos, C., 2001, Individuals, Institutions, and Markets, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2005, Naturalistic Hermeneutics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2009, “What Kind of Problem is the Hermeneutic Circle?”, in C. Mantzavinos (ed.), Philosophy of the Social Sciences. Philosophical Theory and Scientific Practice, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 299–311.
  • –––, 2012, “Explanations of MeaningfulActions”, Philosophy of the Social Sciences, 42: 224–238.
  • –––, 2013, “Explanatory Games”, The Journal of Philosophy, 110(11): 606–632. doi:10.5840/jphil2013110117
  • –––, 2014, “Text Interpretation as a Scientific Activity”, Journal for General Philosophy of Science, 45: 45–58.
  • –––, 2016, Explanatory Pluralism, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Meier, Geirg Friedrich, 1757/1996, Versuch einer allgemeinen Auslegungskunst, mit einer Einleitung und Anmerkungen, Axel Bühler and Luigi Cataldi Madonna (eds.), Hamburg: Felix Meiner Verlag.
  • Mill, John Stuart, 1843/1974, A System of Logic Ratiocinative and Inductive, The Collected Works of John Stuart Mill, vol. VIII, Toronto: University of Toronto Press.
  • Nehamas, Alexander, 1981, “The Postulated Author: Critical Monism as a Regulative Ideal”, Critical Inquiry, 8: 133–149.
  • –––, 1987, “Writer, Text, Work, Author”, in A. J. Cascardi (ed.), Literature and the Question of Philosophy, Baltimore: John Hopkins University Press, pp. 267–291.
  • Pinker, Steven, 1994, The Language Instinct, New York: Perennial Classics.
  • Popper, Karl, 1959/2003, The Logic of Scientific Discovery, London and New York: Routledge.
  • –––, 1963/1989, Conjectures and Refutations, London and New York: Routledge.
  • Quine, Willard van Orman, 1960, Word and Object, Cambridge/MA: The MIT Press.
  • Rescher, Nicholas, 1997,  The Obligations of Impersonal Reason, Notre Dame, IN and London: University of Notre Dame Press.
  • Rickert, Heinrich, 1929, Die Grenzen der naturwissenschaftlichen Begriffsbildung. Eine logische Einleitung in die historischen Wissenschaften, 5. Auflage, Tübingen: J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • Ricoeur, Paul, 1981, “What is a Text? Explanation and Interpretation”, in Paul Ricoeur, Hermeneutics and the Human Sciences, John B. Thompson (ed. and transl.), Cambridge: Cambridge University Press, pp.135–151.
  • Schleiermacher, Friedrich, 1999, Hermeneutik und Kritik, Manfred Frank (ed.), 7. Auflage, Frankfurt am Main: Suhrkamp.
  • Schönert, Jörg and Friedrich Vollhardt (eds), 2005, Geschichte der Hermeneutik und die Methodik der textinterpretierenden Disziplinen, Berlin and New York: Walter de Gruyter.
  • Scholz, Oliver R., 2012, “On the Very Idea of a Textual Meaning”, in Jürgen Daiber, Eva-Maria Konrad, Thomas Petraschka, and Hans Rott (eds.), Understanding Fiction: Knowledge and Meaning in Literature, Münster: Mentis, pp. 135–145.
  • –––, 2015, “Texte interpretieren—Daten, Hypothesen und Methoden”, in Jan Borkowski, Jan Descher, Felicitas Ferder, and Philipp David Heine (eds.): Literatur intepretieren: Interdisiplinäre Beiträge zur Theorie und Praxis, Münster: Mentis, pp. 147–171.
  • –––, 2016, Verstehen und Rationalität, 3. rev. Auflage, Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann.
  • Simon, Herbert, 1986, “The Information Processing Explanation of Gestalt Phenomena”, Computers in Human Behavior, 2: 241–255.
  • Skinner, Quentin, 1969, “Meaning and Understanding in the History of Ideas”, History and Theory, 8: 3–53.
  • –––, 1972, “Motives, Intentions and the Interpretation of Texts”, New Literary History, 3: 393–408.
  • –––, 1975, “Hermeneutics and the Role of History”, New Literary History, 7: 209–232.
  • Stegmüller, Wolfgang, 1979/1988, “Walther von der Vogelweide’s Lyric of Dream-Love and Quasar 3C 273. Reflections on the so-called ‘circle of understanding’ and on the so-called ‘theory-ladeness’ of observations”, in John M. Connolly and Thomas Keutner (eds), Hermeneutics versus Science? Three German Views, Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, pp. 102–152, originally published as: “Walther von der Vogelweides Lied von der Traumliebe und Quasar 3 C 273. Betrachtungen zum sogenannten Zirkel des Verstehens und zur sogenannten Theorienbeladenheit der Beobachtungen”, in Rationale Rekonstruktion von Wissenschaft und ihrem Wandel, Stuttgart: Reclam, 1979: 27–86.
  • Szabó, Zoltán Gendler, 2013, “Compositionality”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2013/entries/compositionality/>.
  • Tate, J., 1934, “On the History of Allegorism”, Classical Quarterly, 28: 105–114.
  • Taylor, Charles, 1985, “Interpretation and the Sciences of Man”, in Philosophical Papers, 2: Philosophy and the Human Sciences, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 15–57.
  • Tepe, Peter, 2007, Kognitive Hermeneutik, Würzburg: Köningshausen & Neumann.
  • Weber, Max, 1922/1985, Gesammelte Aufsätze zur Wissenschaftslehre, 6. rev. Auflage, J.C.B. Mohr (Paul Siebeck).
  • Wimsatt, William Jr. and Monroe C. Beardsley, 1946, “The Intentional Fallacy”, Sewanee Review, 54: 468–488.
  • Windelband, Wilhelm, 1894/1915, “Geschichte und Naturwissenschaft”, in Wilhelm Windelband (ed.), Präludien. Aufsätze und Reden zur Philosophie und ihrer Geschichte, Band 2, 5. erweiterte Auflage, Tübingen: J.C.M. Mohr (Paul Siebeck), pp. 136–160.
  •  

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

compositionality | Davidson, Donald | Dilthey, Wilhelm | empathy | Rickert, Heinrich | Ricoeur, Paul | Schleiermacher, Friedrich Daniel Ernst | scientific explanation | Weber, Max

 

Acknowledgments

I would like to thank Wolfgang Detel, Eleni Manolakaki, Alexander Nehamas and Quentin Skinner for very helpful comments that greatly improved the manuscript and Felicity Povoas for many linguistic corrections.


[1] Mantzavinos, C., “Hermeneutics”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2020 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2020/entries/hermeneutics/>.