جان فرانسو ليوتار – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي

جان فرانسو ليوتار – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: أمين حمزاوي


حول سيرة جان فرانسو ليوتار وخلفيته الفكرية، والعدالة في ظل الوضع ما بعد الحداثي؛ نص مترجم للـد. بيتر غراتن، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


جان فرانسوا ليوتار (1924-1998)هو فيلسوف فرنسي، عمله الأشهر – كثيرًا ما شكّل مصدر إزعاجه – هو الوضع ما بعد الحداثي المنشور في عام 1979. والذي كُتِب بناء على طلب من مجلس جامعات حكومة مقاطعة كيبيك؛ عن حالة المعرفة في العالم المعاصر، وقد نقل هذا العمل مصطلح “ما بعد الحداثة” عبر استعماله في مجالات أخرى، مثل الفنون و الأدب، إلى صدارة المناقشات في الفلسفة الغربية، وخاصة لدى نشره باللغة الإنجليزية في عام 1984. كان الكتاب أعمق بصيرة مُقارنة بما اُستوِعب منه في ذلك الوقت، كما هو موضح أدناه. على الرغم من أن نُقاد الفلسفة القارية المُبكّرين استخدموا مصطلح “ما بعد الحداثة” للإشارة إلى مجموعة متنوعة من المفكرين المختلفين على الأغلب فيما بينهم (جوليا كريستيفا، ميشيل فوكو، جاك دريدا، جيل دولوز.الخ) حيث جادل هؤلاء النقاد بأن ما بعد  الحداثيين يعتقدون بأنه لا وجود لما يُدَعى “حقائق”، وإنما لأنساق من الخطاب تمنعنا دائمًا من صياغة ادعاءات صحيحة حول الواقع، ولذا فقد أصبح مصطلح “ما بعد حداثي” مصطلحًا ازدرائيًا، للتهكم على هؤلاء المفكرين، وذلك لاعتناقهم العدمية الابستمولوجية والأخلاقية.  وفي حين كان ليوتار بالتأكيد مُهتمًا بالافتقاد ما بعد الحداثي للسرديات المرجعية–الكبرى (الوسائل التقليدية التي نُنظِم من خلالها العالم) إلا أن أعماله، خاصة التي تلت الوضع ما بعد الحداثي تأملت طرقًا للتفكير بالعدالة عقب ضياع تلك السرديات. وذلك في أعمال مثل مُقامرة العدالة (1979)، وبشكل خاص في عمله الأهم: الخلاف(1983). لا يقدم  ليوتار نسبية “كل شيء مُباح”، بل ينطلق من الواقعةالتاريخية بأنه فيما تلى المحرقة، ينحلّ الإيمان بالتقدم التاريخي كما اعتنقه جورج هيغل (1770-1831). (وحتى أكثر من ذلك اليوم، تُبين الاستطلاعات على امتداد الغرب، اعتقاد الكثيرين بأن الجيل القادم سيكون أسوأ حالًا من سابقه)، وهو ما تدعوه حنة أرنت أيضًا (1906-1975) ب “ضياع سلطة” المؤسسات التقليدية. وهكذا تتضارب كلا الرؤيتين التقدمية والمحافظة في محاولة تشخيص مشكلات السياسة، خاصة عند مواجهة تجريف كل القيم ضمن الثقافة الاستهلاكية. لم يقتصر مجهود ليوتار على تشخيص سياسات ما بعد الحداثة، ولكنه قدم أيضا إسهامات مهمة فى علم الجمال، وفلسفة العلوم، وفلسفة اللغة، من بين مجالات أخرى.

 

  1. السيرة الذاتية

  2. الخلفية الفكرية

3.1 حدود التمثيل

 3.2 العدالة في ظل الوضع ما بعد الحداثي

 3.3 الخِلاف

 3.4 اللا-إنساني والحدث

  1. مستقبل ليوتار

  • المراجع

  • مصادر أساسية

  • مصادر ثانوية

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الانترنت

  • مقالات ذات صلة


 

  1. السيرة الذاتية

وُلِد جان فرانسوا ليوتار بمدينة فانسين في 10 أغسطس 1924، لأب يعمل بائعًا هو جان بيير ليوتار. وذلك كما يرد بمقال عن سيرته الذاتية، والذي يفتتح كتابه الترحالات: القانون، المثال، الحدث (1988).  حَلم ليوتار أثناء دراسته الثانوية بأن يصبح راهبا دومينيكانيا، روائيًا، رسامًا، أو حتى مؤرخًا. خلال الحرب العالمية الثانية، عمل مُسعفًا أثناء تحرير باريس، وقد صار والدًا عقب دراسته الأدب والفلسفة بجامعة السوربون (حيث فشل مرتين في الالتحاق بمدرسة المعلمين العليا المرموقة)، ما أنهى بالتأكيد حلمه بأن يصبح راهبا. أما بالنسبة لأحلام الروائي والرسام، فقد اعترف بأنه عانى “من فقر بائس للموهبة”، و”ضعف واضح في الذاكرة” يمنعه مطلقًا من أن يصير مؤرخًا جيدًا (Peregrinations, 2). التقى ليوتار بجيل دولوز (1925-1995) أثناء دراسته بالسوربون، والذي أثّر عمله لاحقًا في كتاب ليوتار الاقتصاد الليبيدي (1974). أنهى ليوتار رسالة ماجستير عن “اللامبالاة كمفهوم أخلاقي”، والتي سيقضي ما تبقى من مسيرته في التبرؤ من  طرحها المركزي عن اللامبالاة. ثم نشر في عام 1954 دراسة حول الفينومينولوجيا (وهي معالجة مدرسية من شأنها أن تستمر في نحو عشر طبعات)، ويصبح معلمًا للفلسفة في ثانوية قسنطينة عاصمة الدائرة الفرنسية شرق الجزائر، متجاوزًا الفحوصات المدنية المؤهلة لذلك (Peregrinations2). حضر ليوتار إلى الجزائر في وقت ملائم: قرب بداية الثورة الجزائرية، التي من شأنها أن تحرر البلاد عن فرنسا بنهاية المطاف عام 1962، وقد تنفست المُستعمرة هواءًا ثوريًا استنشقه ليوتار بالكامل. حيث انغمس عقب وصوله في أعمال ماركس أثناء مُعايشة الوضع الجزائري. مع بداية الثورة في 1954، انضم ليوتارإلى الاشتراكية أو البربرية، التي ضمت في صفوفها أيضا كلود ليفورت (1924-2010) و كورنيليوس كاستورياد  .(1922-1997) أصبح ليوتار مُناضلا سياسيا ماهرًا وحادًا على مدى السنوات الخمس عشرة القادمة، ومُؤلِفًا لمجموعة من الأعمال سيتم جمعها لاحقًا في الكتابات السياسية (1993). وقد قام بالتحرير والكتابة لجريدة الاشتراكية أو البربرية فضلا عن كتابة منشورات تستهدف المتظاهرين و عمال النقابات. حيث ترك هذا العمل القليل من الوقت لديه للفلسفة الأكاديمية (“Resisting a Discourse of Mastery”, 174).

عاد ليوتار إلى باريس في 1959، بيعمل مُدرسًا مساعدًا بجامعة السوربون حتى عام 1966 ، وذلك لدى شغله أخيرا مركزًا بقسم الفلسفة بجامعة باريس العاشرة نانتير. ترك ليوتار الاشتراكية أو البربرية في عام 1964لينضم إلى “قوة العامل“، مغادرًا تلك الجماعة المُنشقة بعد عامين، وكما كان معتادًا في صفوف اليسار الفرنسي، فقد العديد من أقرب أصدقائه بقدر ما أصبح ابتعاده عن الماركسية واضحًا. وفي نفس الوقت تقريبا، بدأ حضور الحلقات الدراسية للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان (1901-1981). وقد كانت لحظة فارقة حيث فقد ليوتار إيمانه بشمولية الفلسفة الماركسية، التي قدّمت، وخاصة في نموذج الحزب الشيوعي الفرنسي ، مفتاحًا واحدًا لاستكشاف التاريخ وغايته. ومن شأن فقدان ليوتارإيمانه بالسردية الكبرى للماركسية، أن يتوسع ليشمل كل السرديات التي تُقدمها الحداثة، وهي واقعة من شأنها تمييز جميع كتاباته التالية. إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة بأحداث مايو 1968، عبر المساعدة في تنظيم حركة 22 مارس في نانتير. بعد ثلاث سنوات، أنهى ليوتار رسالته: الخطاب ، الشكل (1971)، التي أهّلته للحصول على الدكتوراة. وعلى ضوء انتفاضة عام 1968، أنشأت الحكومة الفرنسية جامعة راديكالية في فينسين، والتي سيصبح  ليوتار أستاذًا بها. وبعد سنتين، نشر عملًا دعاه لاحقا “كتابي اللعين”، أي الاقتصاد الليبيدي (اقتصاد الرغبة) .(Peregrinations, 13) والذي لا يزال يمثل تأملًا هامًا عن المُحايثة ، وما سيكون عليه الجسم السياسي لو أنه اخُتزل فقط إلى طاقاته الليبيدية]الرغبوية[ والعوائق المواجهة لها، والتي تجعل المؤسسات ممكنة. كما أن تَنّكّر ليوتار لاحقًا لهذا العمل المُعقد والصعب؛ بإمكانه إيضاح الكثير لأولئك الذين يختزلونه إلى مجرد مُدافع عن مُقابَسة (باستيش-  pastiche)  ]كما يُترجمه أحمد حسان [ما بعد حداثية، حيث كل لذة جيدة طالما أنها تُوفر كثافة الشعور. في عام 1979، سينشر ليوتار الوضع ما بعد الحداثي، الذي عُد على الفور تعبيرًا عما كان جاريًا في الغرب حينئذ، سواء كان صحيحًا أم خاطئًا. وقد استجاب كثيرون لدعوته، كما وضعها في الكتاب ل “نعلن الحرب على الكلية؛ ولنكن شهودا على ما لا يقبل التمثيل؛ ولننشط الخلافات، ونحفظ شرف الاسم” (Postmodern Condition, 82) كان العمل وصفيًا من ناحية تعيينه آلية المعرفة النيوليبرالية: ما يمكن أن يصبح معرفةً، له قيمة فقط بقدر ما يمكن أن يزيد من الإنتاجية الاقتصادية للباحث أو الطالب– كما كان افتراضيًا من ناحية أخرى؛ حيث الافتراض بأن السرديات المرجعية-الكبرى كانت في طريقها للزوال. منح الكتاب ليوتار شهرة جعلت منه مُحاضرًا في أرجاء العالم. بينما شارك كمُساهم رئيسي بالمعهد العالمي للفلسفة بباريس. في عام 1979 و 1983، نشر كتاب في العدالة Au juste(تُرجم إلى مُقامرة العدالة) و الخلاف على الترتيب، وهما عملان مهمان للغاية لكل متأمِل بالسياسات ما بعد الحداثية.. أما أعماله اللاحقة فهي: اللا-إنساني (1988) و غرفة عازلة للصوت: مارلو ضد الجمالي (1998)، وتتركز حول الجمال كموضوع دائم منذ  السبعينيات، ولكن دائما مع ربطها بالاستنتاجات التي توصّل إليها في الخلاف. وفي إبريل 1998 ، تُوفي ليوتار في باريس بمرض سرطان الدم.

 

  1. الخلفية الفكرية

يتقاطع وسط ليوتار الثقافي مع أحداث رئيسية في الفلسفة الفرنسية، وبطبيعة الحال في التاريخ العالمي. ستواجه كتاباته الماركسية المُهيمِنة على الأوساط الأكاديمية والسياسية الفرنسية، بينما سيُناظِر أيضا، وعلى امتداد فترة طويلة من مسيرته: الوجوديين الظاهراتيين، والبنيويين، وما بعد البنيويين بنهاية المطاف، على الرغم من أن أعماله تُصنف عادة ضمن الفئة الأخيرة.

أظهر كتاب ليوتار الأول الظاهراتية (1954)، أهمية تلك الحركة في فكره المبكر. حيث هيمنت ظاهراتية هوسرل كما صاغها جان بول سارتر (1905-1980) وموريس ميرلو بونتي (1908-1961) على عصر الحركات الوجودية، وقد سعى عمل ليوتار لإيجاد موطىء قدم للظاهراتية في ضوء الماركسية المُهيمنة على اليسار خاصة العلوم الإنسانية (مثل علوم: الاجتماع، والتاريخ، واللغويات). ومثل سارتر الذي حاول موائمة عدم اختزال الوجودية إلى تجربة ذاتية رفقة التحليل الماركسي؛ وهو ما نتج عنه  نقد العقل الجدلي(1960)، تساءل ليوتار عما إذا كانت هنالك طريقة ملائمة لتبني الظاهراتية المُهيمنة على الفلسفة الفرنسية مع الالتزام اليساري بالتحليل الماركسي. حيث توصل بنهاية المطاف إلى أن وظيفة الظاهراتية هي التحدث عن تجارب تتجاوز ما هو ظاهر-جليّ من اللغة. وسائرًا على خطى مؤسسها إدموند هوسرل (1859-1938) في القول بأنه يمكن للظاهراتية أن تُقدم للعلوم دعائهما فيما يتعلق باستكشاف جواهر الموضوعات محل الدراسة: ما معنى التاريخ بالنسبة للعلوم التاريخية؟ ما هو الإجتماعي بالنسبة لعالم الاجتماع؟، حيث اعتقد ليوتار بأن مثل هذه الأسئلة لا يُمكن الإجابة عنها بواسطة هذه العلوم نفسها.  

خلافًا لسارتر، لم يسعى ليوتار لصهر جدلية الحرية الوجودية، مع الضرورة الحاضرة في القوانين الموضوعية التي اكتشفتها العلوم المختلفة. بل أنه سعى إلى “طريق ثالث” للتفكير بالتاريخ، والذي يُفضي إلى أن الظاهراتية عاجزة بنهاية المطاف عن مناقشة حركة التاريخ الموجودة بالماركسية، لكنه يرفض أيضًا البنيوية وليدة تلك الفترة؛ والتي كان من شأنها تجريد الإنسان من مكانته الفاعلة في التاريخ (Phenomenology, 131). ، فبالنسبة للبنيوية كما ستُقدِّم نفسها على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة في أعمال لاكان وكلود ليفي شتراوس (1908–2009)رفقة آخرين؛ الإنسان إلى حد بعيد هو ثمرة/أثر البنى الانتشارية/التوسعية حيث يتم إنتاجه. لكن ما يهم في عمله اللاحق، هو مجادلة ليوتار بأن الظاهراتية لا توفر مُفتاحًا واحدًا لاستكشاف التاريخ، أي معنى أحادي يجب على التاريخ تقديم إجابة أو إفادة لنا من خلاله، لكن بالنسبة لها، فإن التاريخ بالمقابل يحمل “بعض المعاني (Phenomenology, 131, his  emphasis).ومع ذلك، حكم ليوتار بنهاية المطاف على الظاهراتية بأنها رجعية، وذلك لكونها غير قادرة على الاستجابة للوسائل التي تُنتِج من خلالها علاقات الإنتاج الاقتصادية حالات واعية، أي كيفية تأسيس الذاتي بناءً على الموضوعي. وبهذه الطريقة، سيُركّز عمل ليوتار خلال العقد التالي على تمييز وتوضيح علاقات الإنتاج تلك؛ خاصة في الظرف الجزائري. لكن بمرورالوقت انقلب ليوتار ضد الاستسهال الماركسي الذي أقصى الاختلافات الثقافية بصفتها أثرًا جانبيًا للقوى الاقتصادية الماثلة بكل مكان. كما ستُحدِث أحداث مايو 1968 –والحقبة الفكرية الفرنسية النابضة بالحياة أواخر الستينيات– تأثيرًا يتعذر محوه على عمل ليوتار، حيث اعتقد بأن الماركسية قد فشلت بوجه تحالف الطلاب البرجوازيين والعمال من أجل التحرر،  وانحياز الحزب الشيوعي الفرنسي لحكومة شارل ديغول مُساهِمًا في تقرير نهاية للأحداث فضحت العديد على اليسار. اعتقد ليوتار بأن الماركسية قد فشلت لحساب الرغبة التي دفعت في المقام الأول هؤلاء الطلاب إلى الشوارع. بينما كانت البنيوية، من جانبها، كما يُشدد ليوتار؛ مُتذاكية للغاية، وذلك إذا ما قُورنِت بالإيماءات الحسية والرمزية التي كانت إلى حد كبير مُكونًا لأناركية مايو 1968. حيث عارض المتظاهرون أساتذتهم البنيويين على أساس أن البنى لا تدفع بالنزول إلى الشوارع. أكد ليوتار على الأبعاد التصويرية والجمالية للوجود الإنساني– وذلك ضد ما يعتقد أنه التزام بنيوي بالخطاب الفكري ضد الخطاب الليبيدي ما فوق اللغوي والخبرة الحسية. ما من شأنه أن يؤدي لكتابة  الخطاب، الشكل (1971). والذي وضعه على خلاف مع التشديد البنيوي وما بعد البنيوي على اللغة، وفي حين بدأت السبعينيات بخيبة أمل مايو 68 في تحقيق تغييرات جوهرية، بدأ ليوتار مثلما فعل آخرون  بالاهتمام بالجماليات والروابط الحسية وفقًا لإمكاناتها الثورية.

وقد أدى به ذلك إلى أقوى استنكاراته للماركسية في الاقتصاد الليبيدي (1973). وبينما تقدمت السبعينيات وتنقلت فرنسا من حكومة تكنوقراطية إلى أخرى، بدأ ليوتار في صياغة نقده لعلوم التقنية Technoscience، وطابعها الاختزالي للوجود من حيث أنها تعكس أيضا القسر ما بعد البنيوي للاختلافات. وكما جادل لاحقًا في أعمال مثل الوضع ما بعد الحداثي (1979)، مقامرة العدالة (1979)، والخلاف (1983)  بأن ما يهم – في ظل فقدان سرديات الحداثة الكبرى- هي تلك المنازعات فيما بين ألعاب اللغة المُختلفة، وهي طرق غير قابلة للاختزال يتفاعل من خلالها من ينتمون لأوساط مُختلفة، والذين لا يَملكون الوصول إلى أي نظام شمولي يُمكّنهم من إجراء مناقشات حول ما هو عادل، وحقيقي..الخ. هذا التركيز على الألعاب اللغوية، مُستمد من عمل لودفيج فيتجنشتاين المتأخر (1889–1951) ، ولكنه متأثر أيضا برموز مثل شاول كريبك(1940– )، ومؤديًا به إلى الانعطافة اللغوية التي اعتبرها في السابق مثالية لغوية. من هنا كانت كتابات ليوتار مرُاوِغة دائمًأ، حيث سيكون من الصعب تشكيل سردية كبرى أو كلمة سر تردها جميعًا إلى وجهة نظر واحدة،  أو نسق من الاهتمامات. ورغم أنه لم يزل ابنًا مُخلصًا لعصره–دائم الاستجابة، والتقدم عبر مدارس الفكر الفرنسي السائدة التي عايشها– إلا أن عمله ما زال مُستمرًا في مُخاطبة أولئك المنشغلين بتلك الحقول، فضلًا عن الحركات الجديدة داخل الواقعيات القارية، والجماليات وما بعد الإنسانية.

  1. الأعمال الرئيسية

3.1 حدود التمثيل

 

من الإنصاف القول، بأن أعمال ليوتار منذ أوائل السبعينيات، كانت أقل تأثيرُا في حينه مقارنة مثلًا بكتابات ميشيل فوكو (1926–1984)  أو جاك دريدا (2004-1930) ومع ذلك، وعلى غرارجوليا كريستيفا (1941–) التي قدمت مقالات معروفة انتهت إلى كتاب  ثورة اللغة الشعرية (1974) حيث التمييز بين السيميائي (الاندفاعية الليبيدية لفعالية الجسد) وبين الرمزي (القواعد المُنظِمة للغة ونموذجها الأمثل الرياضيات) واللذان يجعلان سويًا اللغة مُمكنة، كان ليوتارمهتمًا بما يُفلِت من الخطاب ولكنه يظل بحاجة إليه كي يستمر بالوجود، تماما كما لا توجد لغة سيميائية أو رمزية خالصة لدى كريستيفا. في الخطاب، الشكل(1971)، ميّز ليوتار بين الخطاب؛ أي النص المكتوب والمُدقَق بواسطة السيميائيات والبنيوية، وبين الشكل، أي المرئي؛ والذي ناقشه من خلال ظاهريات ميرلو-بونتي. كان عمل ليوتار رصاصة تحذيرية للبنيوية، سواء تلك التي وُجِدت في قراءة لاكان لسيغموند فرويد (1856–1939)  أو في البنيوية الماركسية لدى لويس ألتوسير(1918–1990). وقد عبر ليوتار في مقابلة لاحقة قائلًا: “كنت ضد هذه الطريقة في التفكير”، ولهذا السبب، تم “تجاهل الكتاب في حينه، لأنه عارض البنيوية صراحة”  (“Resisting a Discourse of Mastery”, 191).  بالنسبة لليوتار، فقد مثّل التأكيد البنيوي على النص المكتوب استمرارًا للتقليد الغربي في التأكيد على الفكري مقابل الحسي. فالمرئي لديه هو القوة المُخلِة بالنظام، وغير القابلة للاختزال إلى أي معنى أو تمثيل لغوي واحد. لهذا السبب، يمتدح ليوتار العين  وأساليب إبصارها للأشكال –أو ظلال المعنى كما يصفها– التي لا يمكن اختزالها إلى معنى أو تمثيل لغوي واحد. فالشكل هو ما يجعل من المستحيل تحول اللغة إلى دلالة خالصة أو ما تدعوه كريستيفا بالرمزي، وهذا ما يجعل التغيرات داخل اللغة ممكنة، كما رأينا في الشعر والأدب. ومع ذلك، فإن الخطاب والشكل، لا يتعارضان بل يتورطان سويًا حيث تحتوي النصوص دومًا على أشكال (الاستعارات وما هو شاعري عمومًا )، في حين أن الوسط البصري سيصير فوضويًا  من دون إذعانه لنسق يُمكّن المرء من تنظيم إدراكه للعالم. وبهذه الطريقة، فالشهواني والحسي، ليس مُنظَمًا مثل اللغة كما جادل لاكان. حيث تُدافع كتابات ليوتار عن قوام من الحوادث التصويرية التي تُعطَل الدلالات]اللغوية[ المُفترضَة مسبقًا. 

نُشر كتاب الاقتصاد الليبيدي بعد ثلاثة أعوام، وقد استنكره ليوتار في وقت لاحق، لكنه يظل فحصًا مهمًا لمكانة الرغبة باعتبارها دافعًا سياسيًا، بينما ينتقد فيه أيضا النماذج السياسية واللغوية للتمثيل. يُعَد الكتاب إلى حد كبير انعكاسا لعصره: حيث نشر الثنائي جيل دولوز وفيليكس غوتاري (1930-1992) كتابهما ضد أوديب في عام 1972، كي يُعارضا آراء فرويد حول الكبت، في حين يُقدمان أنطولوجيا مُحايثة، حيث لا تُرَد الحوادث إلى الخارج أو يتم الخلط بينها وبين التمثيلات المصنوعة لها.

يسير ليوتار على خطى فريدريك نيتشه (1844–1900)في القول بأنه لا وجود لعلم موضوعي أو أية أنساق للمعرفة لا تستند إلى الرغبة، أو ما يدعوه نيتشه “إرادة القوة”، وهذه نقطة من شأنها أن تدفع ليوتار لاستكشاف الرغبة أو الليبيدو وراء ما يسمى الأعمال العلمية لماركس المتأخر. يظل الاقتصاد الليبيدي عملًا غير يسيرعلى القراءة، بما أنه لا ينشد تأسيس نفسه  كمجرد نظرية فلسفية أخرى تُخفِي رغباتها، وتتضمن حقيقة يمكن تقديمها للآخرين بسهولة  (Libidinal, 244).ففي حين أن فرويد قد ناقش بصورة عامة الليبيدو (الطاقة الجنسية) على المستوى الفردي؛ باعتبارها أحد أشكال الطاقة المُنتشرة داخل الجسم،  والقوانين الاجتماعية الإلزامية التي تؤدي لتشكيل الأنا الأعلى الداخلي بصفته مُراقبًا ذاتيًا لهذه الطاقة. يُوسّع ليوتارفكرة الليبيدو نحو التفكير بالاقتصاد السياسي بصفته اقتصادًا رغبويًا/ليبيديًا بالفعل. باختصار، فإنه ينظر إلى جميع البِنى داخل المجتمع بصفتها حقولًا ليبيدية، سواء كنا نناقش اللغويات، والاقتصاد، أو العمارة. فبالنسبة لليوتار، تنص فكرة فرويد عن مبدأ اللذة (إيروس) على استقرار الجانب الآخر من غرائزنا، أي غريزة التدمير (ثاناتوس) التي تبحث عن الكثافات، سواء المرتفعة أو المُنخفضة، والتي بدورها تزعزع استقرار البِنى/المؤسسات.

تَحدث التحولات في البنى من خلال تقنيات معينة (ميكانيزمات –dispositifs، وهو مصطلح مهم في عمل فوكو في ذلك الوقت) والتي تُوجِّه تلك الطاقات الليبيدية؛ عبر تشكيلات هي نفسها غير مستقرة مثل: الجسد، والأعمال الفنية، والنظم المالية، والنصوص، والأنساق النظرية..الخ في حين  تتجسد تلك التحولات التي يُسببها الاقتصاد الليبيدي في صورة أحداث. في حين يظل الليبيدو نفسه، وطاقاته، عصية بالكامل على التمثيل أو الاحتواء داخل نظام معين. وبذلك تظل  جميع الرغبات مُتنكرةً في ثوب هذه البِنى/ المؤسسات، فهي لا تظهر أبدًا على حقيقتها. ويشبه ذلك إلى حد كبير ما قاله دولوز وغوتاري عن العضويات والجسد بدون أعضاء في ضد أوديب قبل عامين. وغالبا ما تُقرأ هذه النصوص بصفتها تشجيعًا على خلق أعلى الكثافات، ضد أشكال التنظيم/البِنى التي تقوم بإخمادها. ولهذا السبب، سيُنتقد الكتابان لطابعهما الأناركي غير المسؤول.

لدى ليوتار، تميل البِنى والمؤسسات إلى ابتلاع واستغلال الكثافات لصالحها، وبالتالي فهي تعمل على تثبيت تفسيرها الملائم لهذه الكثافات. ولكن في حين فرق دولوز وغوتاري بين الأشكال الفاشية والتحررية للرغبة، يُجادل  ليوتار بأنه من المستحيل فعل ذلك. وهكذا، على سبيل المثال، سيتوصل إلى أن الرأسمالية هي أحد أشكال تحرر الاقتصاد الليبيدي، لكونها تطيح بجميع أنواع المؤسسات باسم تراكم المزيد والمزيد من المال. كما سيجادل ضد ماركس، بأن رغباتنا الفطرية ليست مُغترِبة في ظل الرأسمالية، ولكن بأن الرأسمالية هي أداة أخرى لغريزة التدمير (ثاناتوس)، تهدم تلك الماهيات في طريقها، حيث يزعزع التوسع الرأسمالي القيم التقليدية والأشكال القديمة للتنظيم الاقتصادي. وكما هو الحال في الرأسمالية، حيث لا يُهم ما هي السلع المتداولة طالما أن هنالك تراكمًا لرأس المال، فالرغبات تظل مُحايدة تجاه الوسط الخاصة بها. في الواقع، وفي مقابلات لاحقة، سوف يجادل ليوتاربأن “الرأسمالية” كما سيصرح في عام 1995، “هي الحل الوحيد” للعاطلين عن العمل والمحرومين، وأنه ليس هناك “أي منافس” لها في القيام بذلك (“Resisting a Discourse of Mastery”, 182). لأنه بمجرد أن يكون لدى المرء وظيفة، وغذاء، وسكن، فإنه يمضي في طريقه، فكيف بإمكان  “المقاومة الحقيقية أن تظهر” إذًا؟

وعلى أي حال، كما يجادل ليوتار فإنه لا ُتوجد “كثافة جيدة أو سيئة”، ولكن تُوجد فقط الكثافة أو تثبيطها. (Libidinal, 42) ومن ثم يطرح ذلك تساؤلًا بصدد مشاريع أخرى مماثلة أيضًا. وهو: إذا كانت كل كثافة غير قابلة للتمييز من الخارج بواسطة التمثيل والقياس، فما هي الأخلاق المُمكنة إذا كانت كل الكثافات قابلة للتمايز فقط وفقًا للفعالية الكامنة فيها؟ ، وبأي طريقة يمكن للمرء أن يصف إحدى تشكلّات الكثافة أو الاقتصاد الليبيدي بأنها سيئة مقارنة بكثافات أخرى؟، أما إذا كانت كل تلك الأوصاف كما يبدو في نص ليوتار باطلة، فهل نحن على أبواب العدمية؟

 

3.2 العدالة في ظل الوضع ما بعد الحداثي

بمرور السبعينيات، انتقل ليوتار إلى تصورات العدالة التي يمكن تبيّنها بين مختلف نظم الكثافة. لكن مع الإقرار بالتغيرات التي طرأت على العصر الذي نعيش فيه. حيث يبدأ الوضع ما بعد الحداثي مُعرفًا ما بعد الحداثي بأنه “التشكك إزاء السرديات المرجعية-الكبرى”، وهو أمر مُلائم لكونه تقريرًا حول المعرفة في العالم المعاصر. ويعني ليوتار بذلك أن تصورات الحداثة حول التعليم بوصفه تحررًا وتطورًا بطيئًا للإنسان في سياق مشروع مُشترك حيث تتحد جميع أشكال المعرفة بنهاية المطاف، قد تداعت.

 يقول ليوتار:

سوف أستخدم مصطلح حداثي لتمييز أي علم يمنح نفسه المشروعية بالاستناد لخطاب مرجعي. فيلجأ صراحة إلى هذه السردية الكبرى أو تلك، من قبيل جدل الروح، أو هيرمينوطيقا المعنى، أو تحرر الذات العاقلة والعاملة، أو خلق الثروة … إنني أُعرّف ما بعد الحداثي بأنه التشكك إزاء السرديات المرجعية-الكبرى (Postmodern Condition, xxiii–xxiv)

 

ذلك هو الموضوع الرئيسي للكتاب، والذي يتصدى أيضا لأزمة الشرعية في العلوم، والتي ينبغي غالبا أن تَستعمل السرديات ما وراء-العلمية في محاولة لتجاوز أنواع أخرى من السرديات (الفن، الأدب، والفلسفة، وهكذا) واحتلال موضع الحكم النهائي على الحقيقة، ومن ثم فإنها تمثّل إحدى السرديات الكبرى الأخيرة للحداثة. المشكلة، كما يجادل ليوتار، هي أن العلوم تواجه أزمتين: الأولى هي التمثيل، وتعني أنه لا يمكن التشبث بسذاجة بأن النماذج العلمية تُقدم للذات الإنسانية وجهة نظر دقيقة عن العالم الموضوعي، وليس أنماطًا إدراكية  paradigms تقبل برؤى معينة للعالم، والتي من الممكن أن تتبدل تمامًا في غضون بضع سنوات. ومثله مثل أي شكل آخر من المعرفة، كنص ديني أو فلسفي مثلًا، فالعلم غير قادر على تجاوز أنساقه الخطابية وادعاء أي شيء خارج مجال قواعد لعبته اللغوية. أما الأزمة الثانية فهي إحالة العلم وغيره من أشكال المعرفة إلى المعيارية “التكنولوجية” أو “الأدائية”  (Postmodern Condition, xxv).  وبهذه الطريقة، فاكتساب المعرفة العلمية ليس غاية في حد ذاته، ولكنه تابع أساسًا للحوافز الاقتصادية، التي من شأنها جعل عمليات بعينها أكثر كفاءة وغيرها زائدة عن الحد.

يتنقل الوضع ما بعد الحداثي سرديًا على امتداد فترتين زمنيتين، إحداهما هي الحداثة، والتزامها ببعض السرديات المرجعية-الكبرى أو وسائل تنظيم مزيج المجتمع الفوضوي من ألعاب اللغة المختلفة، أما الأخرى فهي حوسبة المعرفة التي تصاعدت منذ الخمسينيات. ما من شأنه أن يصير ما نطلق عليه الآن اقتصاد “المعلومات” أو اقتصاد “المعرفة”. كان ليوتار أحد أولئك المفكرين السياسيين الذين أدركوا التحول من  ليبرالية الدولة-المركزية إلى الليبرالية الجديدة، أو رفع القيود التنظيمية عن الاقتصاد حتى قبل صعود ريغان وتاتشر في الولايات المتحدة وبريطانيا. حيث سرّعت حوسبة المعرفة نقل المعلومات، في حين أصبح ما نفكر به على أنه معرفة، وخاصة على أنه علم، مُسخّر بأكمله تقريبا لتزويد الشركات ببراءات الاختراع والمعرفة الفنية.  يؤكد ليوتار على تداعي النموذج القديم لتلقي المعرفة بوصفها وسيلة لتحويل الأفراد إلى مواطنين وأعضاء أحرار في المجتمع، حيث تم عزل المعرفة عن أي عارف فرد بعينه. وحيث ما يُعد معرفة هو فقط ما يُمكن ترجمته إلى لغة حاسوبية. “يمكننا التنبؤ بأن كل ما لا يقبل الترجمة على هذا النحو داخل بنية المعرفة المستقرة سيتم نبذه”، يضيف ليوتار، “وأن اتجاه البحوث العلمية الجديدة ستُملِيه قابلية نتائجها الُمحتملة للترجمة إلى لغات الكمبيوتر ” (Postmodern Condition, 4). وبينما سارعت الدول القومية في المنافسة على الموارد، فما يُعد الآن على المحك هو التنافس على السلع المعلوماتية، وهي حزم صغيرة من المعلومات  يمكن الحصول عليها وتداولها في ظل ظروف حيث تحتل الكفاءة الأعلى مرتبة الأولوية القصوى (Postmodern Condition, 5) . ومن ثم، ستتخلص الجامعات، عما قريب من دورها في توفير التدريب (ما يطلق عليه الألمان تكوينًا  Bildung)، في مقابل إعداد الطلاب ليصبحوا مديرين وصانعين لهذه الحزم من المعلومات. لا شك أن ليوتار لم يكن وحده في استطلاع وصول  هذه التغيرات، ولكن بصيرته كانت ثاقبة. حيث أدرك في نفس الوقت، أنه بسبب كون الشركات متعددة الجنسيات هي الأنسب لتسليع المعلومات على نطاق شاسع، فإن الدولة القومية ستفقد مكانتها السياسية المركزية، بل أنها ستتنازل عمدا عن دورها في إدارة الاقتصادات القومية. وكما يلاحظ ليوتار فإن اختزال المعرفة إلى ما هو قابل بسهولة للترجمة والفهم، هو بطبيعة الحال ما يدفع العولمة، والاقتصادات الرائدة، والتي لم تعد مُنخرطة في تصنيع السلع التقليدية، ولكن تلك المُصنَعة والمُستعمَلة بواسطة الحوسبة الحديثة.

فالمعرفة كسلعة معلوماتية لا غنى عنها لقوى الإنتاج، أصبحت تُمثِل بالفعل، وستظل تمثل رهانًا رئيسيًا-ربما الرهان الرئيسي- في المنافسة العالمية على السلطة. (Postmodern Condition, 5)

يحتاج المرء فقط لتأمل  تجمعات حزام الصدأ الأمريكي ، والدور الاقتصادي والسياسي الضخم لوادي السليكون والقطاعات المصرفية في لندن ونيويورك؛ كدليل على ادعاءات ليوتار. ولكن هذه التغيرات لها تأثير آخر أيضا: فهذه المراكز تحدد ما هي المعرفة، ولا يحتاج المرء كدليل على ذلك، سوى رؤية المحاولات العقيمة في كثير من الأحيان من قبل أقسام الإنسانيات لإثبات قيمتها لدى مُشغّلي الاقتصاد الرقمي.

يقترح ليوتار أن ما بعد الحداثي، كما يراه، عليه أن يبحث عما هو غير قابل للاختزال إلى سلعة، ما هو غير قابل للتمثيل داخل “واقعية” اليوم (Postmodern Condition, 73–9)    وذلك لأن ما يُعد حقيقيا وطبيعيا هو تكوين المعرفة بعبارات مفهومة من قبل الاقتصاد الرأسمالي وأساليب كفاءته. ومن ثم يجادل لصالح أشكال من الطليعية التي تسعى لما هو غير قابل للتمثيل في الوقت الحاضر. فأعمال جيمس جويس (1882–1941)، يمكن بلا شك معاملتها كسلعة مثلها مثل أي سلعة أخرى، ولكنها تظل منفتحة على عدد وافر من المعاني. يُمكن للمرء قراءة يوليسيس بهدف الثرثرة خلال حفل عشاء، ولكن مثل تلك الأعمال ما بعد الحداثية يمكنها دائمًا تجنب أية معاني بسيطة تمر عبر تلك الثرثرة المُتكاسلة.. هنا يعرّف ليوتار ما بعد الحداثة بطريقة أكثر إيجابية على أنها أكثر من إنكارالسرديات الكبرى:

قد يكون ما بعد الحداثي، هو الذي من خلال الحديث نفسه، يطرح ما هو غير قابل للتمثيل داخل التمثيل ذاته، ما يتمنّع عن نيل العزاء في الأشياء الجيدة، وعن إجماع بصدد ذوق قد يسمح بحنين إلى ما يتعذر تمثيله، الذي يبحث عن تمثّلات جديدة، ليس بغرض الاستمتاع بها، ولكن من أجل توليد شعور أقوى بما هو عصيّ على التمثيل. إن فنانًا أو كاتبًا ما بعد حداثيًا يكون في وضعية الفيلسوف: النص الذي يكتبه، والعمل الذي ينتجه ليس محكومًا بواسطة قواعد مُعدة سلفًا، ولا يمكن الحكم عليها وفقًا لقضاء مُحدد، بواسطة تطبيق مقولات مألوفة على النص. (Postmodern Condition, 81)

وخلاصة القول، أنه في ظل عدم تجانس الألعاب اللغوية التي من نمر من خلالها، حيث الفنانون والكتاب والفلاسفة يتخذون خطوات داخل تلك الألعاب– إليكم مثلًا من يدّعون الحكم على ما هي الرواية–  لتشويش وفتح هذه الألعاب اللغوية أمام  “ما سيكون قد تم “، على حد تعبيره. أي أنها تفتح طرقا جديدة للتفكير بالعصي على  التمثيل ضمن ألعاب اللغة. ف”الإرهاب”كما يفهمه هو “فانتازيا الاستيلاء على الواقع”، أو استعمار واستلاب باقي ألعاب اللغة وإمكاناتها المستقبلية لصالح سلطة لعبة لغوية واحدة (هي على سبيل المثال، لعبة الكفاءة الخاصة بالتكنوقراط”. [Postmodern Condition, 67] ) وفي مواجهة هذا الإرهاب يقف “شهود غير المُمثّل”، الذين يطمعون ب “تنشيط الاختلاف” ما وراء وفيما بين ألعاب اللغة التي تصنع المجتمع ما بعد الحداثي (Postmodern Condition, 82).

نشر ليوتار في نفس عام الوضع ما بعد الحداثي، كتابه مقامرة العدالة (Au juste)، وهو نص قصير يستحق رغم ذلك مكانه بين قائمة نصوص القرن العشرين المهمة حول العدالة. وكما في الخلاف والاقتصاد الليبيدي وسلسلة من الأعمال القصيرة الأخرى، جادل ليوتار في مقامرة العدالة، بأننا نعيش مجددًا في مجتمعات وثنية حيث عبادة العديد من الآلهة. وهو يقصد بذلك أننا نعيش بين ومن خلال مجموعة متنوعة من ألعاب اللغة (العلم والفن والسياسة، الخ) (Just Gaming, 36)  وحجته الرئيسية في هذا الشأن هي أننا “نحكم دون ضابط معايير” (Just Gaming, 14)، وبأنه لا توجد أنطولوجية أو نظرية لادعاءاتنا الأخلاقية والسياسية حول العدالة (Just Gaming, 44). ومن هنا، فإنه يُجذِّرادعاء ديفيد هيوم (1711–1776)  بأن المرء لا يُمكنه استنتاج  ما “يجب” مما “يكون”. وفقط لأن هناك مجموعة معينة من الظروف التي يمكننا أن نستدل بها، فإن ذلك لا يُملي علينا ما يجب القيام به في ظل هذه الظروف.

حاول ليوتار في سلسلة مقابلات مع مُحاوره جان لوب ثابو، رئيس تحرير المجلة الفرنسية L’esprit  حياكة طُرز سياسية شائكة: فهو يقول بأنه ضمن ما بعد الحداثي، لا سرديات كبرى، ولا أنطوثيولوجي كما كان سيدعوه مارتن هايدغر (1889–1976) يمكنها أن تُشكّل قاعدة للمنطوقات الإلزامية، ومع ذلك، لا يتركنا غياب أي أساس للمنطوقات عاجزين عن الحديث عما هو عادل أو غير عادل، وذلك حيث أن ليوتار مُقتديًا بإيمانويل ليفنياس (1906–1995) يفترض بأننا لا شيء سوى  مُستقبلِي إلزامات، والقصد من ذلك أن الأخلاق كانت الفلسفة الأولى، وأننا كنا دائمًا مجهولين لدى من سبقونا. لكن ليوتار يُجادل، بأنه على الرغم من أن الأخلاق لا يمكن أن تصير فلسفة أولى، وأنها ليست سوى لعبة لغوية واحدة من بين ألعاب أخرى. ومع ذلك فهي ليست “لا شيء”، وذلك منذ تم دفعنا لممارسة البراغماتية ولعبة اللغة تلك بعينها والتي تدعونا لصياغة أحكام. فما هو ظالم كما يؤكد ليوتار:

يحدث إذا استبعدت براغماتيات ]المُقوِمات العملية[ الالتزام، أي إمكانية الاستمرار بممارسة لعبة العدالة، هذا هو الظلم، أي ليس نقيض العدالة، وإنما ما يحظر استمرار طرح التساؤل عما هو عادل وغير عادل،  وهكذا، من الواضح، أن جميع أشكال الإرهاب والإبادة والمذبحة وما إلى ذلك. أو التهديد بهم، ظالمة بحكم التعريف (Just Gaming, 66–7). وبهذه الطريقة، تكون الإرشادات prescriptives مُمكنة بعد “موت الإله” كما دعاه نيتشه، وعصر الوثنية الذي نشأ مكانه. (Just  Gaming, 36) الظالم إذًا هو الإسكات العنيف لتلك المطالبات المرفوعة من أجل العدالة وعدم السماح لها برفع ادعاءاتها الإرشادية، مثلما حدث مع المُستعمَرين ومن أسكتتهم القوي المهيمنة.

بالنسبة لليوتار، “لا تُوجَد معرفة فيما يخص الأخلاق”، كما لا تُوجد حقيقة نظرية للالتزام بها في السياسة. وبدلا من ذلك، تكون السياسة مسألة تعددية الآراء، كما كان يعتقد منافسو أفلاطون اليونانيون، وهي ليست شيئًا سوى هذه التعددية في الآراء. في ضوء أن القدرة على الحكم هي “القدرة على ابتكار معايير ضابطة”، وهذا يعني وضع قواعد جديدة لا تعترف بها أنماط التفكير السائدة في السياسة. تضع هذه الادعاءات فكر ليوتار السياسي على مقربة من أفكار حنة أرنت عن الفعل، وتصورها عن “التفكير دون دعائم” عقب فقدان الحداثة للسلطة. آمنت أرنت بأن السياسة تصبح أيديولوجية على أحسن تقدير، وشمولية في أسوءه، إذا تشبثت بمعتقدات عن الحقيقة، كتلك المُتضمَنة بالسردية الكبرى للنظرية الاقتصادية الماركسية وقوانينها التاريخية المُتصلبة، أو بنظريات العنصرية النازية.

المهمة لدى ليوتار هي أن نرى كيف أن مسائل العدالة وألعاب اللغة الإرشادية ليست مسألة طاعة مُجردة للقوانين. وإنما تطوير مُوائمَة بين تعددية الآراء وألعاب اللغة. “علينا أن نحكم في كل قضية على حدة”، حيث يؤكد على ال phronēsis أو الحكمة العملية الأرسطية كنموذج، ولكن من دون الغائية الشاملة لأرسطو (384–422 BCE)  كما تَرد في الأخلاق النيقوماخية Just Gaming, 47)).  فحتى هذه الإرشادات التي تبدو كونية، مثل “لا تقتل”، هي أي شيء عدا ذلك، نظرا لأنها تحتمل استثناءات دائما بشأن تلك الأرواح التي يتم سلبها بتطبيق عقوبة الإعدام أو في الحرب. ليست المسألة إذًا أن وثنية ليوتار الأخلاقية والسياسية تؤدي إلى عدم المسؤولية، بل العكس، لأنها لو كانت مسألة امتلاك معرفة يقينية أو مجموعة من القوانين المُطلقة، حينئذ تصير السياسة عملية مُبرمجة مسبقًا، ولن يُوجد بالتالي حكم جدير بهذا المسمى. 

 

3.3 الخلاف

بعد وقت قصير من إنهاء الاقتصاد الليبيدي، بدأ ليوتار مجهود 9 سنوات من صياغة تحفته الخلاف (1983). يبدأ الكتاب ب “مُعجم القراءة”  الذي يحدد بوضوح: السؤال، والأطروحة، والسياق، والمُخاطَب..الخ في فقرات منفصلة. إن سياق الكتاب كما يقول، هو التحول اللغوي للفلسفة، بينما مُنهجه المعلن هو إدماج الخلافات السياسية بالنموذج اللغوي(Differend, xiii) يحتوي الكتاب نفسه على 264 فقرات مرقمة، ومبنية على الحجج التي صاغها خلال السنوات السابقة للعمل. بينما التغيير الرئيسي هو أن ليوتار لم يعد يستخدم مصطلح “ألعاب اللغة”، مما أدى ببعض القراء إلى الاعتقاد بأن الذوات يمكن أن تُوجد خارج هذه الألعاب بصفة لاعبين. لكن ليوتار واضح بشأن كيف أن الذوات تكون كذلك فقط من خلال تحركها داخل ألعاب لغوية مختلفة. ، والطريقة التي تُنتجها بواسطتها هذه التحركات والتي لا سبيل للشك فيها حيث “يظل الشك في قدرة المرء على التعبير عبارةً في حد ذاته”، وحيث يجادل ليوتار بأنه حتى “الصمت يخلق عبارة” (Differend, 11).

 وعلى الرغم من هذا النموذج اللغوي، قد تكون العبارات المُجاوِزة اللغة، بما في ذلك الإيماءات، والظلال، والطاقات الليبيدية التي ناقشها في كتاباته المُبكرة. ومن ثم، بإمكان أي شيء في فهم ليوتار، أن يكون عبارة. ولكل عبارة نظام تحيا بداخله، نظام حيث الدلالات المُمكنة للعبارة، ومرجعيتها، والخطيب الذي يوجهها، والمُخاطَب بها: الشخص الذي تُوجَه له العبارة. داخل كل نظام عبارة، هناك لعبة ما، وبينما يُوجد غموض بشأن كل عنصر من العناصر أعلاه. فإن أي مُستخدم لتويتر يُدركِه حينمايتساءل: هل ذلك بغرض التهكم في شكل سؤال؟ من هو المُخاطَب ولماذا؟ فقط مع عبارات مستمرة، مرتبطة بالعبارة الأولى، فهل يصير التباس العبارة الأولى أكثر وضوحًا؟ لكن بطبيعة الحال،  يتحقق المزيد من الغموض رفقة العبارات الجديدة، نظرًا لأنها تُواجه نفس مشاكل العبارة الأولى، ومع ذلك، هناك قواعد متبعة داخل نظام العبارة حيث بعض العبارات مسموح بها في حين أن أخرى ليست كذلك.  يكتب ليوتار:

هناك عدد من نُظم العبارة: الدراية، والوصف، والسرد، والتساؤل، والعرض، والأمر.. الخ، وهي عبارات من نظم غير مُتجانسة لا يمكن ترجمة أحدها للآخر. لكن يمكن ربطها الواحد بالآخر تبعًا لغاية مُحددة من قبل نظام أو نوع الخطاب… وتُوفّر أنساق الخطاب قواعد لربط العبارات غير المُتجانسة معًا، قواعد مناسبة لتحقيق بعض الأهداف: أن يَعرف، يُدرِّس، يَعدِل، يغوي، يُبرِر، يُقيِّم، يُثير شعورًا، أو يُراقِب(Differend, xii).

هذه الفكرة عن الروابط ذات أهمية. ففي حين تتبع الروابط قواعد نظام أو نسق الخطاب، يُمثّل ربط العبارات المختلفة معا “المشكلة السياسية” (Differend, xiii). إن ربط العبارات، كما يقول ليوتار ضروري ولكنه مشروط بكيفية عمله (Differend, 29). تحدث الروابط بين العبارات ضمن الأنساق مُنفردة، وتُعد هذه الروابط ناجحة إذا حققت أهداف الخطاب الواحد: إغواء ناجح، أو الحصول على إجابة لسؤال، أو إتمام عملية تبادل اقتصادي. ومع ذلك ، لا تنطبق هذه القواعد إلا ضمن أنساق محددة ولا توجد قواعد لكيفية إقامة الروابط بين الأنساق المختلفة نفسها،  يجادل ليوتار بأنه داخل الأنساق، فإن كل ما نملكه هو خلق الروابط، على أمل الهروب من المشكلة التي يدعوها ب “الخلاف”، حيث خطوة واحدة تخلق رابطًا من داخل خطاب تجاه خطاب آخر لاستلابه. أي أن خطابًا يُسكِت آخر. لذلك، على الرغم من أننا لا يمكننا فعل شيء آخر يتجاوز إنشاء روابط بين العبارات و خلق أحداث جديدة، فإن الخطابات المُهيمنة أو السرديات الكبرى غالبا ما ترغب في التنظيم القبْلي لكيفية بناء هذه الروابط ، وبالتالي السيطرة على جميع العبارات أو الأحداث في المستقبل (Differend, 80).

هذا لا يعني أن الروابط داخل النُظم لا تخلو من الصراع: ضمن نظام الديمقراطية البرلمانية، داخل المحاكم أو النقد الفني، وهناك دائما أشكال “المُقاضاة” حينما يُطبق المرء القواعد ضمن نسق خطاب ما على حالة مُعينة وعلى النقاشات المُترتبة عليها. لنأخذ مثال المحكمة التي يستعير منها ليوتار مصطلحه، ففي المحكمة قد يستخدم المرء قواعد الأدلة-الشهادة، أو السوابق قضائية..إلخ؛ في كل من الدفاع وإدانة متهم معين، والتي لا تزال ضمن نظام القانون الجنائي العباري، وحتى لو كانت هناك أضرار–أي خسر المرء القضية- -فإنه على الاقل قد مُنح “حقوقًا” داخل نظام العبارة ذاك. بالتالي ليست هذه هي الحالة التي يكون فيها هناك الخلاف المقصود (différend):

يتميز الخلاف عن المُقاضاة بأن الأول هو حالة صراع، بين حزبين على الأقل، والذي لا يُمكن حسمه نتيجة الافتقار إلى قواعد الحكم القابلة للتطبيق على كلا الحجتين. فشرعية طرف لا تعني افتقار الطرف الآخر للشرعية، ومع ذلك، فإن تطبيق قاعدة واحدة في الحكم على حد سواء بغرض تسوية نزاعهما كما لو كان مجرد دعوى قضائية، من شأنها أن تضر (على الأقل) أحدهما (حتى وإن لم يعترف كلاهما بتلك القاعدة) (Differend, xi).

يُقدِم ليوتار عددًا من الأمثلة على الخلاف: العلاقة بين المُستعمِر والمستعمَر، أو بين البرجوازية والبروليتاريا، لكنه يناقش الخلاف في حالة مُنكِر المحرقة الفرنسي روبرت فوريسون، الذي ادعى أن الشهادة الوحيدة التي سيقبلها هي شهادة شخص دخل بالفعل إلى أحد غرف الغاز! وبطبيعة الحال، يطرح ذلك خلافًا؛ حيث أن الدخول لغرفة الغاز يعني أن تكون من ضحاياها، وبالتالي فهو يُسكِت جميع الأنساق الأخرى، والروابط المختلفة للتواصل داخل هذا النسق التاريخي، والتي من شأنها أن تشهد علي المحرقة. حيث تتعذر مشاركة مجموعة واحدة من العبارات مع الآخر المُخالِف، ولكن ذلك لا يعني “تكافؤ” خطاب المُنكِر، مع خطابات المؤرخين والناجين على حد سواء. جواب ليوتار على هذه المسألة مُعقد، حيث يجادل، ليس بصورة مقنعة تمامًا؛ بأن النازيين كانوا ناجحين بعدة طرق في تدمير الوسائل التي يتعرف من خلالها المؤرخون على الأحداث التاريخية: فهم لم يقتلوا ضحاياهم ولم يدمروا أجسادهم فقط، ولكن أيضا الأوراق والمباني التي من شأنها أن تكون دليلا على جرائمهم.

“النتيجة”، يكتب ليوتار: “هو أن المرء لا يستطيع أن يقدم دليلا عدديًا على المجزرة، وأن مُؤرخًا مُطالِبًا بمراجعة المحاكمة يمكنه الاعتراض بالقول بأن الجريمة لم تُرتكب ضد هذا العدد” (Differend, 56) لكن مهمة العدالة، كما يدّعي ليوتار هي عدم السماح للنازيين أو المدافعيين عنهم الادعاء بنسبية الخطابات، وذلك لأن أوشفيتز يقدم شيئا لا يمكن تمثيله ضمن تمثيل التاريخ الخطابي نفسه: فهو تسامي معكوس، يُقدم رعبًا غير محدود، حيث الصمت مفروض على المعرفة، ومع ذلك فهو “لا يفرض صمتًأ بخصوص شيء غير قابل للتمثيل ضمن التمثيل التاريخي: نسيان جليل”، لكنه في الواقع، كما يقول، يفرض العاطفة، إن لم يكن الإلزام:

الصمت الذي يحيط العبارة: أوشفيتز معسكر الإبادة؛ ليس حالة ذهنية، وإنما علامة على أنه لا يزال هناك شيء كي ينُطَق، لكنه لا يفعل ذلك  (Differend, 57)

وبعبارة أخرى، فإن المحرقة تترك لنا الصمت، ذلك لأنها لا تنتمي إلى أي تعبير سياسي سابق أو أي وسائل لتمثيلها. فمحاولة ذلك تعني تشويهها، وبالتالي أي نظام سيترك هذا الصمت القوي دائما على حافة أي خطاب بشأنها. منذ أعماله المُبكرة: الفينومينولوجي مرورًا  ب الخطاب الشكل،والاقتصاد الليبيدي، والوضع ما بعد الحداثي، جادل ليوتار بأن الأحداث تقع دائما بمواجهة ما هو غير قابل للتمثيل الفينومينولوجي، أوالخطابي، أو بواسطة ألعاب اللغة، أو نظام العبارة. فالحدث حين وقوعه، لا يكون فقط غير مُتوقَع، ولكنه في الواقع يُمزّق قدرتنا على تمثيله ضمن أي لعبة لغوية أو نظام للعبارة، والمحرقة هي مثال على ذلك الحدث.

من السهل ملاحظة الأهمية السياسية للاختلافات: فالإسرائيليون والفلسطينيون ليسوا “مُتقاضين” بشأن مأزق “سياسي”، بل أن لديهم أنظمة عبارات مختلفة تماما يتم من خلالها تفسير وفهم مواقفهم غير القابلة للمساومة، كما لا توجد صلة بين نسق خطاب الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وبين أولئك الذين أُخرسوا وعانوا من العنف في ظل الهيمنة البيضاء. وفي هذه الحالات، لا توجد إمكانية للتقاضي ، لان أحد الجانبين ليس له الحق في المطالبة بالعدالة في ظل اللغة المهيمنة للنظام السياسي. هذا ما دعاه ليوتار في أعماله المُبكرة “إرهابًا” بينما يسميه في الخلاف اعتداءً: 

وهذا ما سيكون عليه الاعتداء: الضرر المقترن بفقدان الوسائل الكفيلة بإثبات الضرر. هذا هو الحال إذا تم حرمان الضحية من الحياة أو الحريات، أو من الحرية في نشر أفكاره و آراءه للجمهور علانية، أو ببساطة الحق في إثبات الضرر. وفي جميع هذه الحالات ، يضاف إلى العوز الناتج عن الأذى؛ استحالة التعبير عنه (أي الأذى) وتعريفه بالنسبة للآخر.(Differend, 5)

ولا ينبغي فهم ذلك بمعنى أنه لا يمكن بالأساس إقامة روابط، وأن العدالة لا يُمكن إقامتها في ضوء الاختلافات. فمن الضروري اختراع أنظمة عبارة جديدة، إيماءات جديدة ، أو إيجاد أنماط للحياة المشتركة. من أجل التغلب على تلك الاختزالية. في الواقع ، فإن قضية العدالة تعني أن نظام عبارة واحد (مثل حكومة الفصل العنصري) ينبغي استئصاله لإنهاء هيمنته.  ومن ثم فإن سياسة ليوتار الخلافية لا تدعو إلى تقييم مختلف الخطابات على قدم المساواة أو نيل اعتراف أحدها بالآخر، إذ أن الصراع يحدث على وجه التحديد حيث لا يَفهم أي طرف بالأساس المعنى المُتضمَن في نظام عبارات الآخر. وبالتالي فإن ليوتار لا يُصوّر أنظمة العبارة المُختلفة كسوق للأفكار، بما أن وجود نظام عبارة  قد يعني الإسكات العنيف لنظام آخر.

هذا ما يعطينا القدرة على تسمية الظلم. إن تعدد نُظم العبارة هو حقيقة، بينما ما هو ظلم أو اعتداء من شأنه أن يكون على وجه التحديد سيادة نظام عبارة واحد غرضه إسكات الآخر، وتقديم سردية موضعية من شأنها أن تزيحه، وتجعله صامتًا وغير مرئي. . واجب ما بعد الحداثة إذًا كما رأينا في خاتمة  الوضع ما بعد الحداثي، هو، إنكار “الحقيقة” ولكن فقط نظرًا لأن الحقيقة تميل إلى أن تُحددها الخطابات المهيمنة، وليس وفرة الطرق المتعددة للعيش.

 

4.3 اللا-إنساني والحدث

في ارتداد إلى موضوعات الوضع ما بعد الحداثي، يعود كتاب اللإنساني (1988) إلى مشكلات الرأسمالية الاستهلاكية. وهي  مجموعة من المقالات وُضِعت في البداية كمُحاضرات، وهي لافتة للنظر من حيث جودتها الأدبية والفلسفية، ويتناول كل منها كما يطرح العنوان، مشكلة الزمني، والذي يمثل انفتاحنا على أحداث مستقبلية لا تُضاهى، جديرة بهذا الاسم. كان ليوتار، مثل غيره من المُفكرين المفرنسيين المُعاصرين له، ناقدا صارمًا للإنسانية وسعيها لتعريف وتقييد ما كان ممكنًا أن يصبح عليه الإنسان. يبدأ اللإنساني بتفكيك صورتين من “لا-إنسانية” ما بعد الحداثة: فمن ناحية، هنالك لا-إنسانية المَيكنة الخاصة بالرأسمالية المعاصرة، واختزالها الإنسان إلى وسيط للكفاءة واحتياجات الإدارة التكنوقراطية، وخاصة من خلال أيديولوجيا “التنمية”. وفقًا لتلك المعيارية، فما يطبع الإنسان هو تحوله أكثر إلى انتحال وظيفة الآلة، في الواقع، فإن الأجهزة التي قُمنا ببنائها ستحل محلنا فيما يتعلق بالتفكير الذي اعتبرناه حتى الآن جزءًا لا يتجزأ منا. المقال الافتتاحي للكتاب هو: “هل بإمكان التفكير المُضي قدمًا دون الجسد؟”، آخذًا بالحسبان أن ذلك يُمثّل الحلم النهائي لعلوم التقنية، مجادلًا في حوار بين “هو” و “هي” ، أن “السؤال الوحيد الخطير الذي يواجه الإنسانية اليوم” هو حقيقة أنه في غضون  4.5 مليار سنة، ستفنى الشمس وتذهب معها بكل الفكر الإنساني، بما في ذلك كامل الأرشيف الذي أوجده البشر يومًا(Inhuman, 9)  وكما يدّعي “هو”، فإن لدى العلم التقني Techno-science، غاية كبرى تتمثل في تجنب ذلك المصير، والذي يدعوه “هو” الحدث الخالص”، والذي من حيث مفاهيم الاختلاف، يتعذر وضعه مطلقًا في عبارة إذ أنه لن يتواجد هنالك أحد كي يفكر بها. “كل الاحداث والكوارث التي نعرفها ونحاول التفكير فيها”، يقول “هو”  ستؤول بنهاية المطاف لأن لا تكون أكثر من مُجرد صورة باهتة. في حين تقطع تكهنات ليوتار المُغالية بأن علوم التقنية مدفوعة بحاجة للتغلب على الموت، وبالفعل فإن الحد الأقصى لوجود أي كائن حي أو أية ذاكرة أو تاريخ للبشرية مُقيَد بالكارثة الشمسية القادمة. إلا أن التقنيات الرقمية تُحفّز الأمل بتحول نحو لا – إنسانية الفكر، أي نحو الفكر بدون جسد، والذي تُقدمه “هي” على أنه تعالي transcend على “الاختلاف الجندري” ومادية الوجود المتجسد الملموس (Inhuman, 22–3). وحيث تُجادل “هي” أيضًا بأن المعاناة والألم لا يُمكن أن تُوجد إلا داخل الجسد، وبالتالي فإن أي دافع لمقاومة البرمجة الحرفية لنُظم العبارة (برمجة الكمبيوتر هي النموذج الأكثر نقاءً لما يدعوه ليوتار خطابًا في الخطاب، الشكل سوف يختفي. فإن هذا التكهن لم يعد مغاليًا بعد الآن؛ نظرًا لوجود عدد لا يحصى من برامج الأبحاث في وادي السيليكون وغيره، تطابق بدقة ما يدعوه ليوتار خلق فكر بدون جسد. فهل يمكننا أن نطلق عليه فكرًا بالمعنى الأتم؟، ذلك هو بالضبط ما يدعوه ليوتار “السؤال الأوحد” الذي يواجه البشرية، نظرا لأنه يُحيل إلى ما نعنيه أساسًا بكلمة إنسان.

ضد هذه الفكرة عن اللا-إنسانية، يقف ما أطلق عليه ليوتار قبل وقت مُبكر الشكلي، أي ابتكار تصوير آخر لما هو لا–إنساني، والذي يأخذنا أبعد من الإنسان الذي تنادي به الإنسانية وسردياتها الكبرى، هذا الحدث الذي يربطه ليوتار مع حدث شبوب الطفل youth of the child،  من حيث أن لديه دائمًا إمكانات حاضرة ومع ذلك فإنها غير قابلة للتمثيل أو التعبير عنها ضمن نظم عبارة الحاضر ذاته، ما يُوفّر بالتالي موضعًا لمقاومة أنساق “الحقيقة” المُهيمنة. “التحضر لاستقبال ما لم يُعَد الفكر لاستقباله”، ويضيف ليوتاربأن ذلك هو ما “يستحق تسمية الفكر” .(Inhuman, 73) يقف هذا النموذج اللا-إنساني، ضد أولئك الذين يفكرون بليوتار كأحد المُهللين لأطروحات موت الإنسان ونهاية الإنسانية خلال حقبة الستينيات، إذ  يتعهد ليوتار بإبداعية الإنسان وعدم قابليته للاختزال إلى ما هو آلي– إلى النقطة التي يمكننا عندها تجاوز ما كنا نعتقد بأن على الإنسان أن يُصبحه. كما هو الحال في الخطاب، الشكل، فإنه ليس من صورة واحدة للإنسانية بإمكانها أن تُوجد مُنفردة دون أخرى: حتى التقني والفني ليسا قابلين للفصل بسهولة، فالفنون تظل على قيد الحياة باستخدام تقنيات وقواعد معروفة كي تظهر إلى الوجود. وهذا هو السبب في أن ليوتار يُجادل بأنه على الرغم من الاقتراحات المُغايرة في الوضع ما بعد الحداثي فإن ما بعد الحداثة ليست “الحقبة” التي تعقب الحداثة. وفي رأيه، فإن ما بعد الحداثي هو ما يتواجد داخل الحديث نفسه. 

تسعى الحوسبة دومًا إلى نسخ ما هو موجود بالفعل عبر أنظمة الكفاءة، بينما يظل الطفل داخل الإنسان مُنفتحًا على الإمكانات المُستقبلية، والأحداث التي لا يُمكن برمجتها أو تقريرها سلفًا، بينما تعني محاولة ذلك كما يدّعي ليوتار في أعماله اللاحقة  محاولة للسيطرة على الوقت تُماثل الهروب منه:

يجب ألا ننسى أبدا أنه طالما أن التفكير يتأسس ضمن تلقي الحدث، ما يترتب عليه أنه ليس بإمكان أحد ادعاء التفكير دون أن يكون بطبيعة الحال في موقف مقاوم لإجراءات السيطرة على الحدث. فالتفكير هو أن يتساءل المرء عن كل شيء، بما في ذلك التفكير ذاته، والسؤال، والعملية. حيث أن التفكير يعني أن شيئًا ما يحدث، ولم يُدركه العقل بعد. في التفكير، يقبل المرء ظهور: ما لم يتم اقتناصه “بعد” (Inhuman, 74)

 

في اللإنساني، لا يُفكّر ليوتار بالحدث من خلال عبارة ” الذي يحدث”، والتي تفترض بأن ما كل ما على المرء فعله هو ترقب ضرب من المعلومات، مثلما يفعل عند مشاهدته الأخبار على التلفاز. بدلًا من ذلك فإن الحدث يمر كما ذُكر أعلاه، من خلال استجواب، وتحديدا سؤال “هل يحدث حقًا؟”، والذي يطرح احتمالية أنه “ربما لم يحدث شيء” (Inhuman, 92). هذا الذعر والسرور الذي نجده في فكرة إيمانويل كانط  (1724–1804) عن المُتسامي في نقد ملكة الحكم (1790) وهو أن يختبر المرء شعورًا يُمزق قدراته على التخيل، ويسبب كلًا من البهجة والاستياء في الوقت عينه (Inhuman, 85). وهذا ما يمثل بالنسبة لليوتار، فؤاد الإبداع ككل، والذي يأتي رفقة “المعاناة التي يواجهها الفنان بواسطة سطح بلاستيكي، والمُوسيِقِي بواسطة سطح من الأصوات، تلك المعاناة التي يواجهها الُمفكر بواسطة صحراء من الفكر، وهكذا” (Inhuman, 91).

تُمثل لوحات بارنيت نيومان (1905–1970)  نموذجًا لذلك، والتي غالبًا ما تكون مجرد سطح أُحادي مع انقطاعات أو خطوط تجتازه. تُقدِم لوحات نيومان “التسامي ما بعد الحداثي”. فبالنسبة لليوتار؛ كل شيء في لوحات نيومان يَحضُر بشكل فوري، وما يحضر هو الذي يدعوه ليوتار ما بعد الحداثي: أي العصي على التمثيل داخل التمثيل ذاته. فاللوحات لا تحمل إلماحات/إشارات/إلماعات، أي قصصها الحداثية. وأمامها بإمكان المرء فقط أن يتساءل ” هل يحدث ذلك؟” بينما تفشل كل إجابة على السؤال  إذ أنها تحاول تمثيل ما لا تُقدمه اللوحة ذاتها. وبتلك الطريقة، يكون الفنان ما بعد الحداثي حداثيًا فيما يتعلق بالسعي إلى ما هو جديد. ليس وفقًا لأنظمة خطاب مُؤسَسة قبْلْيًا، وإنما باكتشاف وسائل للعثور على ما لا يُمكن التعبير عنه بواسطة أي نُظم للعبارة.  وقّعت تحليلات ليوتار لنيومان أثرًا لا ينمحي على الجماليات، وعلى فهم ما كان جاريًا ضمن الفن المدعو بما بعد الحداثي. فعندما يشكو الجمهور من أن الفنانين ما بعد الحداثيين لا يُقدمون أي شيء يُكمن استيعابه، أو أن أعمالهم عصية على التفسير، فإن  ليوتار يُشدد على كون هذا هو المطلوب تحديدًا: أي مقاومة الاستيعاب من قبل الأنساق الفكرية المُهيمنة. هذه هي الحجة النهائية للفن من أجل الفن. فالفن لا يحتاج إلى تقديم رسالة سياسية، أو تمثيل الواقع بشكل صحيح، أو توجيهنا أخلاقيًا. وفي مقابل ذلك يكون الفن ما بعد الحداثي هو ما يجري على شاكلة انغلاق ذاتي، يقاوم التفسير، وغير قابل للاختزال إلى أية قيمة استعمالية. 

 

  1. مستقبل ليوتار

اُعتبرت كتابات ليوتار نموذجًا لمجاوزات “النظرية العليا” خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. في حين أن ميراثه من ألعاب اللغة ومعارضته السماح بامتلاك الحقيقة، قد عُدّ من قبل مُنتقديه مُرشِدًا إلى عالم  “ما بعد الحقيقة”. ومع ذلك تظل ادعاءات ليوتاركما كان يعلم هو جيدًا، غير بعيدة عن مناهضة الواقعيات anti-realisms  داخل تيار الفلسفة الأنجلو-أمريكية المتأثرة بلودفيغ فيتجنشتاين، مثل مايكل دوميت (1925–2011)، الذي جادل بموازاة ليوتار؛ بأن الادعاءات حول الحقيقة هي مجرد تحركات ضمن مخطط مفاهيمي معين، وأنه ليس من اختبار خارجي ممكن لهذه المخططات؛ والذي بإمكانه تجسيد – مماثلة المُخطط مع الواقع الخارجي. على الرغم من هذا قد أدى بدوميت إلى موقف مناهض للواقعية  في حينه، مُتبعًا جون مكتاغرت (1866–1925) فإن تفكير ليوتار بشأن أنظمة العبارة وحدودها، كان الغرض منه أن يشهد -كما أوضح اللا-إنساني ذلك- على المحدودية البشرية والمستقبل القادم لا محالة ، وبساطة الأحداث. فالمستقبل على هذا النحو، ليس شيئًا يُمكن التنبؤ به من خلال الحاضر، بما أن ذلك لن يُمثل بالأخير سوى حاضرًا مُتخيَلًا ضمن المُستقبل. هاجم ليوتار الواقعية بضراوة، خاصة في الوضع ما بعد الحداثي، ولكن دائما بناءً على أن “الواقعيات” تريد أن تُنظم الأحداث سلفًا وهكذا تُعيق قدومها.. بهذه الطريقة، وعلى امتداد مسيرته، لم يجادل ليوتار أبدًا بأن  كل ما هنالك مؤسس اجتماعيًا، أو بأن جميع ألعاب اللغة لها صلاحية متكافئة، أو أننا محبوسون داخل سجن اللغة. وبدلًا من ذلك، تُحاول جميع أعماله أن تشهد علي ذلك الذي يهرب من اللغة، علي عدم يأسنا من محاولة التعبير عن هذا الفائض. ما من شأنه أن يؤدي إلى مصفوفة مُذهلة من الاختلافات فيما بين وداخل أنظمة العبارة، وقد سعى عمل ليوتار للبرهنة على واقع هذه الاختلافات، والظلم  الحادث إثر إسكاتها. ومن ثم، فان ما بعد الحداثي لا يدل علي أنه لا تُوجد حقائق، بل على أن أولئك الذين يدّعون امتلاكهم وُلوجًا خاصًا إلى الحقيقة، يريدون فقط تثبيت هيمنة نظام عبارة واحد (مثل العلوم أو الرأسمالية-التقنية) علي جميع الآخرين.

 

 


المراجع

Primary Sources

  • La phénoménologie, Paris: Presses Universitaires de France, 1954 (Phenomenology, translated Brian Beakley, Albany, NY: State University of New York Press, 1991).
  • Discours, figure, Paris: Klinckseick, 1971 (Discourse, Figure, translated Antony Hudek and Mary Lydon, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 2011).
  • Dérive à partir de Marx et Freud, Paris: Union Générale d’Éditions, 1973.
  • Des dispositifs pulsionnels, Paris: Union Générale d’Éditions, 1973.
  • Économie libidinale, Paris: Les Éditions de Minuit, 1974 (Libidinal Economy, translated Iain Hamilton Grant, London: Athlone, 1993).
  • Le mur du pacifique, Paris: Christian Bourgois, 1975 (Pacific Wall, translated Bruce Boone, Venice: Lapis Press, 1990).
  • Sur cinq peintures de René Guiffrey, Paris: Galerie Stevenson and Palluel, 1976.
  • Instructions païennes, Paris: Galilée, 1977.
  • Récits tremblants, Paris: Galilée, 1977.
  • Rudiments païens: Genre dissertatif, Paris: Union Générale d’Éditions, 1977.
  • Les transformateurs Duchamp, Paris: Galilée, 1977 (Duchamp’s TRANS/formers, edited Herman Parret, translated Ian McLeod, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. III, Leuven: Leuven University Press, 2010).
  • La condition postmoderne: Rapport sur le savoir, Paris: Minuit, 1979 (The Postmodern Condition: A Report on Knowledge, translated Geoff Bennington and Brian Massumi, Minneapolis, MN: Minnesota University Press, 1984).
  • With Jean-Loup Thébaud, Au juste, Paris: Christian Bourgois, 1979 (Just Gaming, translated Wlad Godzick, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 1985).
  • La Partie de peinture, Cannes: M. Candela, 1980.
  • Sur le constitution du temps par le couleur dans les oeuvres récentes d’Albert, Aymé, Paris: Éditions Traversière, 1980.
  • Monogrammes/Loin du doux, Paris: Catalogue Baruchello, Galerie Le Dessin, 1982.
  • Le travail et l’écrit chez Daniel Buren: Une introduction à la philosophie des arts contemporains, Limoges: NDLR, 1982.
  • Le Différend, Paris: Minuit, 1983 (The Differend: Phrases in Dispute, translated Georges Van Den Abbeele, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 1988).
  • With Ruth Francken, L’histoire de Ruth, Paris: Le Castor Astral, 1983.
  • Driftworks, translated Roger McKeon, Susan Hanson et al., New York: Columbia University Press, 1984.
  • The Assassination of Experience by Painting, Monory, translated Rachel Bowlby and Jeanne Bouniort, edited Sarah Wilson, London: Black Dog, 1998.
  • Tombeau de l’intellectuel et autres papiers, Paris: Galilée, 1984.
  • Judicieux dans le différend”, in La Faculté de juger, edited Jacques Derrida et al., Paris: Éditions de Minuit: 195–236, 1985.
  • L’enthousiasme: La critique kantienne de l’histoire, Paris: Galilée, 1986 (Enthusiasm: The Kantian Critique of History, translated Georges Van Den Abbeele, Stanford: Stanford University Press, 2009).
  • Le postmoderne expliqué aux enfants: Correspondance 1982–1985, Paris: Galilée, 1986 (The Postmodern Explained to Children, edited Julian Pefanis and Morgan Thomas, Sydney: Power Publications, 1992).
  • Que peindre? Adami, Arakawa, Buren, Paris: Éditions de la Différence, 1987 (What to Paint? Adami, Arakawa, Buren, edited Herman Parret, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. V, Leuven: Leuven University Press, 2010).
  • La guerre des Algeriens: Écrits 1956–63, Paris: Galilée, 1983.
  • Heidegger et ‘les juifs’, Paris: Galilée, 1988 (Heidegger and “The Jews, translated Andreas Michel and Mark S. Roberts, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1990).
  • L’inhumain: Causeries sur le temps, Paris: Galilée, 1988 (The Inhuman: Reflections on Time, translated Geoffrey Bennington and Rachel Bowlby, Cambridge: Polity Press, 1991).
  • “Le survivant”, in Ontologie et politique: Actes du colloque Hannah Arendt, edited Migel Abensour, Paris: Tierce: 257–76, 1989.
  • The Lyotard Reader, edited Andrew Benjamin, Oxford: Blackwell, 1989.
  • Pérégrinations: Loi, forme, événement, Paris: Galilée, 1990 (Peregrinations: Law, Form, Event, New York: Columbia University Press, 1988).
  • La face des choses, Le Havre: Catalogue Laponge, 1991.
  • Leçons sur l’analytique du sublime, Paris: Galilée, 1991 (Lessons on the Analytic of the Sublime: Kant’s Critique of Judgment, 23–29, translated Elizabeth Rottenberg, Stanford: Stanford University Press, 1994).
  • Lectures d’enfance, Paris: Galilée, 1991.
  • Sans appel: La geste d’Appel en quête d’un commentaire, Paris: Galilée, 1992 (Karel Appel: A Gesture of Colour, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. I, edited Herman Parret, translated Vlad Ionescu and Peter W. Milne, Leuven: Leuven University Press, 2009).
  • Moralités postmodernes, Paris: Galilée, 1993 (Postmodern Fables, translated Georges Van Den Abbeele, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997).
  • Jean-François Lyotard: Political Writings, translated and edited Bill Readings and Kevin Paul Geiman, London: University College London Press, 1993.
  • Toward the Postmodern, edited Robert Harvey and Mark S. Roberts, New Jersey: Humanities Press, 1993.
  • With Eberhard Gruber, Un trait d’union, Sainte-Foy, QU: Éditions Le Griffon d’argile, 1994 (The Hyphen: Between Judaism and Christianity, translated Pascale-Anne Brault and Michael Naas, Atlantic Highlands, NJ: Humanity Books, 1999).
  • “Libidinal economy in Sade and Klossowski”, in Sade and the Narrative of Transgression, edited David Allison, et al., Cambridge: Cambridge University Press: 62–75, 1995. doi:10.1017/CBO9780511519413.004
  • With Gary Olson, “Resisting a Discourse of Mastery: A Conversation with Jean-François Lyotard”, in Women Writing Culture, Gary A. Olson and Elizabeth Hirsh (eds), Albany, NY: 1995: 169–194.
  • Musique et postmodernité”, Surfaces, volume VI(203): 4–16, 1996.
  • Signé, Malraux, Paris: Grasset et Fasquelle, 1996 (Signed Malraux, translated Robert Harvey, Minneapolis, MN: University of Minnesota Press, 1999).
  • Chambre sourde: L’anthiesthétique de Malraux, Paris: Galilée, 1998 (Soundproof Room: Malraux’s Anti-aesthetics, translated Robert Harvey, Stanford: Stanford University Press, 2001).
  • La confession d’Augustin, Paris: Galilée, 1998 (The Confession of Augustine, translated Richard Beardsworth, Stanford: Stanford University Press, 2000).
  • Misère de la philosophie, Paris: Galilée, 2000.
  • Miscellaneous Texts I: Aesthetics and Theory of Art, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. IVa, edited Herman Parret, translated Vlad Ionescu, Erica Harris and Peter W. Milne, Leuven: Leuven University Press, 2012.
  • Miscellaneous Texts II: Contemporary Artists, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. IVb, edited Herman Parret, translated Vlad Ionescu, Erica Harris and Peter W. Milne, Leuven: Leuven University Press, 2012.
  • Sam Francis: Lesson of Darkness, Jean-François Lyotard: Writings on Contemporary Art and Artists vol. II, translated Geoffery Bennington, edited Herman Parret, Leuven: Leuven University Press, 2010.

Secondary Sources

  • Anderson, Perry, 1998, The Origins of Postmodernity, London: Verso.
  • Bauman, Zygmunt, 1992, Intimations of Postmodernity, London: Routledge.
  • Benjamin, Andrew (ed.), 1992, Judging Lyotard, London: Routledge.
  • Bennington, Geoffrey, 1988, Lyotard: Writing the Event, Manchester: Manchester University Press.
  • –––, 2008, Late Lyotard, London: CreateSpace.
  • Browning, Gary K., 2000, Lyotard and the End of Grand Narratives, Cardiff: University of Wales Press.
  • Callinicos, Alex, 1989, Against Postmodernism: A Marxist Perspective, Cambridge: Polity Press and Blackwell.
  • Crome, Keith, 2004, Lyotard and Greek Thought: Sophistry, Basingstoke, UK: Palgrave Macmillan.
  • Curtis, Neal, 2001, Against Autonomy: Lyotard, Judgement and Action, Burlington, VT: Ashgate.
  • Deleuze, Gilles and Felix Guattari, 1972, Capitalisme et schizophrénie. L’anti-Œdipe, Paris: Les Éditions de Minuit.
  • Diacritics, 1984, 14(3), special issue on Lyotard.
  • Grebowicz, Margaret (ed.), 2007, Gender After Lyotard, Albany, NY: SUNY.
  • Harvey, Robert (ed.), 2000, Afterwords: Essays in Memory of Jean-François Lyotard, Stony Brook, NY: Humanities Institute.
  • Harvey, Robert and Lawrence R. Schehr (eds.), 2001, Jean-François Lyotard: Time and Judgment, New Haven, CT: Yale University Press.
  • Jameson, Fredric, 1991, Postmodernism, or, The Cultural Logic of Late Capitalism, London and New York: Verso.
  • Malpas, Simon, 2002, Jean-François Lyotard, New York: Routledge.
  • Nouvet, Claire, Zrinka Stahuljak and Kent Still (eds.), 2006, Minima Memoria: Essays in the Wake of Jean-François Lyotard, Stanford, CA: Stanford University Press.
  • Readings, Bill, 1991, Introducing Lyotard: Art and Politics, London: Routledge.
  • Robbins, Derek (ed.), 2004, Jean-François Lyotard, 3 vols., London; Thousand Oaks: Sage.
  • Rojeck, Chris and Turner, Bryan S. (ed.), 1998, The Politics of Jean-François Lyotard, London: Routledge.
  • Rorty, Richard, 1985, “Habermas and Lyotard on Postmodernity”, in Richard J. Bernstein (ed.), Habermas and Modernity, Cambridge: Polity Press: 161–75.
  • Silverman, Hugh J. (ed.), 2002, Lyotard: Philosophy, Politics and the Sublime, New York: Routledge.
  • Sim, Stuart, 1995, Jean-François Lyotard, New York: Prentice Hall.
  • –––, 2000, Lyotard and the Inhuman, Cambridge: Icon.
  • ––– (ed.), 2011, The Lyotard Dictionary, Edinburgh: Edinburgh University Press.
  • Taylor, Victor E. and Gregg Lambert (eds.), 2005, Jean-François Lyotard: Critical Evaluations in Cultural Theory, London; New York: Routledge.
  • Williams, James, 1998, Lyotard: Towards a Postmodern Philosophy, Cambridge: Polity Press.
  • –––, 2000, Lyotard and the Political, London: Routledge.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مقالات ذات صلة

Althusser, Louis | Arendt, Hannah | deconstruction | Deleuze, Gilles | Derrida, Jacques | Freud, Sigmund | Heidegger, Martin | Husserl, Edmund | Kant, Immanuel | Levinas, Emmanuel | Marx, Karl | Nietzsche, Friedrich | phenomenology | postmodernism | speech acts | Wittgenstein, Ludwig


[1] Gratton, Peter, “Jean François Lyotard”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2018/entries/lyotard/>.

error: