جيل دولوز – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مروان محمود، محمد رضا

جيل دولوز – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: مروان محمود، محمد رضا


حول سيرة اليفلسوف جيل دولوز وفلسفته، نص مترجم للـد. دانيال سميث وجون بروتفي،  والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

كان جيل دولوز  (18 يناير 1925 – 4 نوفمبر 1995) واحدًا من أكثر الفلاسفة الفرنسيين تأثيرًا وغزارة في الإنتاج في النصف الثاني من القرن العشرين. يرى دولوز الفلسفة بوصفها إبداعًا للمفاهيم، ويصف نفسه بأنه “ميتافيزيقي محض”. ويحاول دولوز في رائعته العظيمة “الاختلاف والتكرار” أن يطور ميتافيزيقيا تتناسب مع الرياضيات والعلوم المعاصرة – إنها ميتافيزيقيا يُستبدل فيها مفهوم الماهية بمفهوم الكثرة، ومفهوم الجوهر يُستبدل بالحدث، وتحل الافتراضية محل الإمكانية. وقدم دولوز أيضًا دراسات حول تاريخ الفلسفة (عن هيوم، ونيتشه، وكانط، وبيرغسون، وسبينوزا، وفوكو، ولايبنتس) وحول الفنون (كتابين دراسة عن السينما، وكتب عن بروست وزاخر مازوخ، وعمل عن الرسام فرانسيس باكون، ومجموعة مقالات عن الأدب.) ونظر دولوز إلى تلك الأعمال الأخيرة بوصفها فلسفة خالصة، وليست نقدًا، طالما أنه  سعى نحو خلق مفاهيم تتوافق مع الممارسات الفنية للرسامين، وصانعي الأفلام والكُتّاب. والتقى دولوز مع الناشط السياسي والمحلل النفسي الراديكالي فيليكس غوتاري في 1968، والذي كتب معه عدة أعمال، من بينها مجلدىّ الرأسمالية والسكيزوفرينيا Capitalism and Schizophrenia، ويشملان كتاب ضد – أوديب Anti-Oedipus (1972) وكتاب ألف هضبة A Thousand Plateaus (1980). وكان تعاونهم الأخير هو كتاب ما الفلسفة؟ What is Philosophy? (1991).

ويُعرف دولوز برفضه للمفهوم الهايدجري عن “نهاية الميتافيزيقا”. وقدم ذات مرة في مقابلة هذا التقييم الذاتي: “أشعر بأنني ميتافيزيقي بحت…. يقول بيرغسون بأن العلم الحديث لم يجد ميتافيزيقيته، الميتافيزيقيا التي سيحتاجها. إنها تلك الميتافيزيقيا التي تهمني.” [Villani 1999: 130.]) ويتعين علينا الإشارة أيضًا إلى كثرة مراجعه غير الفلسفية (ومن بينها، التفاضل والتكامل، والديناميكا الحرارية، والجيولوجيا، والبيولوجيا الجزيئية، والوراثيات السكانية، والإيثولوجيا، وعلم الأجنة، والأنثروبولوجيا، والتحليل النفسي، والاقتصاد، واللغويات، وحتى الفكر الباطني)، وشهد له زميله جان فرانسوا ليوتار بأنه “مكتبة بابل”. وعلى الرغم من أنه لم يتضح بعد ما إذا كان القرن العشرين سيكون “دولوزيًا”، كما مزح صديقه ميشيل فوكو ذات مرة، إلا أن تأثير دولوز تجاوز حدود الفلسفة، حيث يتم الاستشهاد بعمله على نحو مستحسن وتُستعمل مفاهيمه من قبل الباحثين في هندسة العمارة،  والدراسات الحضرية ، والجغرافيا ، ودراسات الأفلام ، وعلم الموسيقى ، والأنثروبولوجيا ، ودراسات الجندر، والدراسات الأدبية ومجالات أخرى.

أحد العوائق التي حالت دون قراءة دولوز بشكل أفضل من بين الفلاسفة الرئيسين هي صعوبة أسلوبه في الكتابة في أعماله الأصلية(على عكس أعماله التاريخية ، والتي غالبًا ما تكون نماذج للوضوح والإيجاز). يمكن أن يكون نثر دولوز  مخاتل  allusive للغاية، كما أنه يعج بالتعابير الجديدة،  ومما يزيد الأمر تعقيدا ان هذه المصطلحات المبتكرة تتغير من عمل إلى أخر. وفي حين أن ادعاءات الغموض المتعمد ليس لها ما يبررها، فإن دولوز يقصد بأسلوبه أن يجعل القراء في حالة من التأهب، أو حتى “إجبارهم force ” على إعادة التفكير في افتراضاتهم الفلسفية. (سنناقش فكرة “الإجبار” على التفكير أدناه في 3.1.) وبما يتلائم مع مدخل الموسوعة، سنركز على الهيكل المفاهيمي لفكره، على الرغم من أن على القراء أن يكونوا متنبهين، ربما أكثر مما هو عليه الحال مع معظم الفلاسفة، بأن مثل هذه المقاربة لعمل دولوز تُذهِب الكثير من الوقع المؤثر  لقراءة العمل الأصلي.

 

  1. الحياة والأعمال

  2. قراءات دولوز للفلاسفة الآخرين

  3. فلسفة الاختلاف

1.3 الاختلاف والتكرار

2.3 منطق المعنى

  1. 4. التعاون مع غوتاري

1.4 ضد – أوديب

2.4 ألف هضبة

3.4 ما هي الفلسفة؟

  1. 5. دولوز والفنون

  2. 6. تلقّي دولوز

1.6 النقد النسوي

2.6 نقد آلان باديو

3.6 النقد المتعلق  بـ”حروب العلم”

4.6 تأثيرات دولوز

  • الببلوغرافيا

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مقالات ذات صلة

 

 

  1. الحياة والأعمال

ولد دولوز في باريس لأبوين محافظين من الطبقة الوسطى، وأرسلوه إلى المدارس العامة ليتلقى تعليمه الابتدائي؛ وباستثناء سنة واحدة في المدرسة في نورماندي خلال الاحتلال، عاش دولوز في نفس المنطقة من باريس طوال حياته. لم تكن حياته الشخصية لافتة للنظر، فقد بقي متزوجًا من نفس المرأة التي تزوجها في الواحدة والثلاثين من عمره، وهي فاني (دينيس باول) جراندجوان،  المترجمة الفرنسية لديفيد هربرت لورانس، والتي ربّى معها طفلين. ونادرًا ما سافر دولوز إلى الخارج، رغم أنه قام برحلة إلى الولايات المتحدة في عام 1975 ؛ وكان يقلل، في معظم الأحيان، من حضوره في المؤتمرات الأكاديمية والندوات ، وأصر على أن نشاط الفكر يحدث في المقام الأول في الكتابة، وليس في الحوار والمناقشة. ووقع الحدث الأكثر دراماتيكيةً مبكرًا، عندما أُعتقل، أثناء الاحتلال، أخيه الأكبر من قبل النازيين لأنشطته المقاومة، وتم ترحيله، ومات على متن القطار المتجه إلى معسكر أَوشْفيتز Auschwitz.

عندما بدأ الألمان احتلالهم لفرنسا في شهر يونيو من عام 1940 ، كانت عائلة دولوز تقضي إجازتها في نورماندي، وأمضى هناك عامًا يتلقى تعليمه. وتابع دولوز دخوله إلى عالم الأدب والفلسفة حتى لقائه مع أستاذ في دوفيل Deauville  يدعى بيير هالبفاكس  Pierre Halbwachs (ابن السوسيولوجي موريس هالبفاكس Maurice Halbwachs)، والذي قدمه بدوره إلى كتّاب مثل غيد Gide وبودلير Baudelaire. وأشار دولوز في وقت مبكر إلى أن المفاهيم الفلسفية عصفت به بنفس القوة التي سببتها الشخصيات الأدبية، المتمتعة بفردانيتها وأسلوبها الخاصين. وعاد دولوز إلى باريس بعد التحرير، وباشر بما يُسمى khâgne (وهي سنة مكثفة من الدراسات التحضيرية) في مدرسة هنري الرابع ذائعة الصيت، وبعدها درس تاريخ الفلسفة في السوربون Sorbonne. ولقد درس على يد جان هيبوليت Jean Hippolyte وفرديناند ألكوي Ferdinand Alquié، الذي “أحبه وأُعجب به دولوز للغاية”، وكذلك دُرِّس من قبل جورج كانغلم  Georges Canguilheim وموريس دي جانديلاك Maurice de Gandillac. وعلى غرار العديد من أقرانه، تأثر دولوز بكتابات جان بول سارتر بنفس قدر تأثره بعمل مرشديه الأكاديميين.

قادته دراسته ذات التوجه التاريخي في السوربون إلى أن يصرف همته في كتابه الأول التجريبية والذاتية   Empiricism and Subjectivity  (1953) لهيوم. وفي عصر يكون فيه الأنداد  من أمثال فوكو ودريدا، قام الطلبة في المدرسة العليا للأساتذة École normale supérieure بالتركيز على ما يعرف “بالثلاثي هــ” (هيجل، هوسرل، هايدجر)، في حين كان قرار دولوز بالكتابة عن

وهيوم بالفعل بمثابة تحدٍ، وبيّنة مبكرة على النزعات غير الاعتيادية لفكره. وفي الفترة من 1953 إلى 1962 – والتي أشار إليها فيما بعد بأنها ” فجوة في حياته” – نشر دولوز القليل، حيث تنقّل بين المناصب التدريسية المختلفة في باريس والمقاطعات. وأُصيب خلال هذه الفترة أيضًا بمرض تنفسي متكرر، والذي عذبه لبقية حياته. وفي عام 1962، نُشر كتاب نيتشه والفلسفة  Nietzsche and Philosophy ليحظى بكثير من الإشادة، مما رسخ من المكانة المرموقة لدولوز في الأوساط الأكاديمية. وتبع دولوز هذا النجاح الابتدائي بكتاب فلسفة كانط النقدية Kant’s Critical Philosophy (1963)، وبروست والعلامات Proust and Signs  (1964)، والبرغسونية Bergsonism (1966). وفي عام 1968، نشر كتاب الاختلاف والتكرار  Difference and Repetition على أنه أطروحته الأساسية للدكتوراه، مع كتاب سبينوزا ومشكلة التعبير Spinoza and the Problem of Expression كأطروحة ثانوية. وتبيّن أن العام التالي، أي عام 1969، كان عامًا هامًا بالنسبة لدولوز. أولاً، وجد وظيفة تدريس دائمة في باريس، في الحرم الجامعي التجريبي لجامعة باريس الثامنة  University of Paris VIII في فانسين  Vincennes (والذي انتقل لاحقًا إلى موقعه الحالي في سان دوني St. Denis)، وألقى حلقات دراسية أسبوعية في هذه المؤسسة حتى تقاعده في عام 1987. ثانياً، نشر نصًا رئيسًا آخر باسمه بعنوان منطق المعنى Logic of Sense. ولكن الأهم من ذلك، أنه التقى بفيليكس غوتاري Félix Guattari ، المحلل النفسي والناشط السياسي ، والذي بدأ معه تعاونًا طويلًا. كان ضد – أوديب  Anti-Oedipus (1972)، وهو أول مجلد مشترك بينهما، أكثر الكتب اقتناءً في فرنسا، ونجاحٌ حقيقي بفعل الضجة التي أثارها العمل  Succès de  scandale ]مصطلح فرنسي يستعمل للإشارة إلى أي عمل يعزى نجاحه كليا أو جزئيا إلى الجدل العام المحيط به – المترجم[، وأقحم الكتاب دولوز إلى دائرة الضوء كمفكر عام. وتبع دولوز وغوتاري ذلك بكتاب كافكا: نحو أدب ثانوي Kafka: Toward a Minor Literature  (1975)، وبعده كتاب ألف هضبة Thousand Plateaus (1980)، الذي ينافس ،على الأقل في نظر البعض  ، الاختلاف والتكرار للحصول على لقب رائعة دولوز.

وكان عقد الثمانينات حافلاً بالأعمال المستقلة لدولوز: فرانسيس بيكون: منطق الحس Francis Bacon: Logic of Sensation (1981)، السينما I: الحركة – الصورة Cinema I: The Movement-Image (1983)، السينما II: الزمن – الصورة Cinema II: The Time-Image (1985)، فوكو Foucault (1986)، والطيّة: لايبينتس والباروك The Fold: Leibniz and the Baroque (1988). واستأنف بعد ذلك تعاونه مع غوتاري لتأليف ما الفلسفة؟ What is Philosophy? (1991)، وهو عملهم المشترك الأخير. وقضى دولوز سنواته الأخيرة في حالة صحية رديئة للغاية، على الرغم من أنه تمكن من نشر مقالة قصيرة رائعة بعنوان “المحايثة: حياة Immanence: A Life” في عام 1995، قبل أن ينتحر في الرابع من نوفمبر عام 1995.

 

  1. قراءات دولوز للفلاسفة الآخرين

قبل ان يكتب دولوز فلسفته الخاصة، في  الاختلاف والتكرار ومنطق المعنى، كتب سلسلة من الكتب عن شخصيات من تاريخ الفلسفة ( هيوم ، برجسون ، نيتشه، كانط ، سبنوزا). سعى دولوز في هذه الأعمال للكشف عن الافتراضات المسبقة التى انتبه لها اثناء تعليمه، وعلى رأس هذه الافتراضات حسب رأيه ، الأولوية الراسخة للهُوية على الاختلاف. حاول دولوز الإسراع في الابتعاد عن هيجل قدر المستطاع، والذي رأى انه رمز لهذه الأولوية. يهاجم دولوز هيجل وآخرين بسبب ما يمكن ان نسميه – على الرغم من ان دولوز نفسه لم يسمه – التقليد الهوياتي الذى يعني  قبل كل شيء التطرف في  قراءة فلسفة كانط ، والتي تكمن عبقريتها اصلا  في  تصور لنقد محايث بالكامل  للعقل كما يوضح دولوز في “فلسفة كانط النقدية”  (١٩٦٣)، نقد لا يبحث عن “أخطاء” للعقل  تكون نتيجة لأسباب خارجية ولكن اوهام ناتجة عن العقل نفسه عن طريق الاستخدامات غير المشروعة ( المتعالية ) لتوليفات الوعي. يعتبر دولوز ان فلسفته الخاصة ، فلسفة للمحايثة، معتبرًا بأن كانط نفسه فشل في إدراك آفاق نقده كاملة، لسببين على الأقل: الأول، فشله في استكمال نقد محايث كامل،والثانى ، الفشل في اقتراح سردية تكوينية genetic  للتجرية الحقيقية، تضع المحتوىcontent في مكانه في سردية لشروط الخبرة الممكنة .

أولا، جعل كانط مجال الوعي محايثًا لذات متعالية، وبالتالي أعاد إدخال عنصر الهوية، كعنصر متعالي (ومن ثَم خارجي) بالنسبة للحقل نفسه ، ويجعل من قوى التوليف (التى تشكل الهوية)  مجال  لنشاط ذات self  موحدة ومتعالية دائما بالفعل . (كان دولوز متأثرًا في هذا الصدد بقرائته لمقال سارتر ” تعالي الأنا[ السيكولوجي]  The Transcendence of the Ego”) و كان دولوز قد أشار بالفعل إلى التحول التجريبي لدى كانط في كتابه عن هيوم ” التجريبية والذاتية (1953) Empiricism and Subjectivity. وبينما كان سؤال كانط ” كيف يتأتى المعطى للذات؟” كان سؤال هيوم ” كيف تتشكل الذات (الطبيعة البشرية) عن طريق المعطى ؟ “، وفي عمله الاكثر عمقًا، يجادل دولوز لأجل مجال  ” ما قبل فردي وغير شخصي ” حيث الذات باعتبارها قطب هوياتي ينتج الهويات التجريبية عن طريق نشاط توليفي، تكون [ الذات ] هي نفسها نتيجة او منتج لتوليف سلبي تفاضلي deffirental (على سبيل المثال، ما أسماه دولوز توليف العادات،  انقباضات جسدية ورغبوية ، ولا واعية تشكل سلسلة من التجارب ، تستخلص ما سيتم الاحتفاظ به كعادة  ، وتسمح بنسيان الباقي). يجب اعتبار التوليف السلبي المسؤول عن تكوين الذات “تفاضليًا ” لثلاثة أسباب. كل توليف سلبى هو سلسلة، لا يأتي منفردًا أبدًا ( لا يمكن ان يكون هناك توليف واحد بنفسه ولكن دائما سلسلة من ” الانقباضات ، والتي تجعلنا نقول أن التجربة مستمرة ، أو أن عاداتنا تتطلب تحديثًا مستمرًا)، وكل سلسلة مرتبطة بالسلاسل الأخرى في نفس الجسد ( في المستوى الاكثر بساطة ، على سبيل المثال ، فإن انقباضات سلسلة التذوق مرتبطة بسلسلة الشم ، البصر ، السمع ، اللمس، التلقي) وكل جسد مرتبط بأجساد أخرى، والتي هى نفسها تفاضلية بذات الطريقة ( سلسلة التوليفات للأجساد يمكن ان يتردد صداها لدى السلاسل الأخرى أو تتصادم معها). تشكل تلك التوليفات السلبية في كل تلك المستويات مجالاً تفاضليًا حيث يحدث تشكل الذات كعملية تكامل أو تحليل لهذا المجال  ، بكلمات أخرى ،  الذوات تقريبًا هي أنماط هذه التوليفات المتعددة والمتسلسلة و تنطوي على نفسها منتجة موقعًا لإدراك الذات. لا يفترض دولوز بالطبع أبدًا أطروحة عارية من الاستدلال ، ولكنه طور سردية تكوينية للذات في عدد من كتبه. مع أخذ تلك السردية في الاعتبار، لخص دولوز موقعه التفاضلي والمحايث والتكويني لأول وهلة في عبارة ” التجريبية المتعالية ” الغريبة. يظهر ذلك في   خاصيتين (١)  أن التجريدات  ( مثل ، ” الذات ” ، ” الموضوع” ، ” الدولة” ، الكل ” وهكذا ) لا تفسر شيئًا، ولكن يجب ان يتم تفسيرها ،و (٢) الهدف من الفلسفة ليست اعادة اكتشاف الداخلي أو الكوني ، ولكن إيجاد الظروف المفردة التى في ظلها يمكن لشيء أن ينتج . بكلمات أخرى – وذلك بعد براجماتي لم يحيد عنه دولوز أبدا – لا تهدف الفلسفة إلى وضع شروط المعرفة اللازمة للتمثيل ، ولكن إيجاد وتعزيز ظروف العمل الابداعي.

يتمثل نقد دولوز الثاني لكانط في أن كانط افترض ببساطة أن المعرفة والاخلاق عبارة عن ” حقائق” ، وبالتالى نسعى وراء شروط امكانيتها في المتعالي. ولكن بالفعل سنة ١٧٨٩ جادل سالومون مايمون، الذي ساعدت انتقاداته المبكرة في نشأة التقليد المابعد كانطي، بأن مشروع كانط النقدي يتطلب أداة للتكوين من شأنها ان تضع سردية لإنتاج المعرفة والاخلاق وحتى العقل نفسه، وليس ما هو بالكاد أداة لوصف الشروط. بكلمات أخرى ، يدعو مايمون لأجل اداة تكوينية والتي ستكون قادرة على الوصول إلى شروط الحقيقة وليس بالكاد التجربة الممكنة. وجد مايمون حلاً لتلك المشكلة في مبدأ الاختلاف ، حيث الهوية شرط إمكانية للفكرة في العموم، إنه الاختلاف الذي يشكل المبدأ التكويني والانتاجي للفكرة الحقيقية. هذان المطلبان عند مايمون -البحث عن الظروف التكوينية للتجربة الحقيقية و طرح مبدأ الاختلاف- يظهران في اكثر من عمل من أعمال دولوز المبكرة. على سبيل المثال يقترح دولوز في كتاب ” نيتشه والفلسفة ” (١٩٦٢) ان نيتشه أكمل وقلب الكانطية عبر وضع النقد موضع تطبيق ، ليس فقط على الادعاءات الخاطئة في المعرفة والأخلاق ، ولكن أيضًا على المعرفة الصحيحة والاخلاق الصحيحة ، وبالتأكيد على الحقيقة نفسها: تشكل ” الجينالوجيا ” أداة نيتشه التكوينية ، و ارادة القوة هى مبدأ الاختلاف عنده. تظهر النزعة الضد – هيجيلية لدى دولوز في تركيزه على فاعلية  القوى التفاضلية اللا جدلية (non-dialectical (” الإيجابية “) التى سماها نيتشه  ” القوى النبيلة”. هذه القوى تؤكد نفسها ، ومن ثم اولاً تتفاضل فيما بينهما ثم بشكل ثانوي تضع في اعتبارها ما اختلفت عنه .

في كتابه ” البرجسونية ” (١٩٦٦) ، يطور دولوز أفكاره عن الافتراضية والكثرة التى ستمثل العمود الفقري لعمله اللاحق. من قراءة مايمون لكانط ، نعرف ان دولوز كان يحتاج إلى إحلال مفهوم شرط التكوين للحقيقي بدلاً من مفهوم شروط المعرفة التمثيلية . الاسم الوضعي لهذا الشرط التكويني هو ” الافتراضي ” الذي اشتقه دولوز من الحجج البرجسونية الآتية. ينتج مفهوم ” الممكن ” لدى برجسون في ” التطور الخلاق ” من مشكلة زائفة والتي تخلط بين ” الأكثر ” و” الأقل” متجاهلةً الاختلافات في النوع ، هناك أكثر في فكرة الممكن أكثر من فكرة الواقع وليس أقل ، مثلما هناك أكثر في فكرة العدم أكثر من فكرة الوجود أو أكثر في فكرة الاضطراب أكثر من فكرة النظام. عندما نفكر في الممكن على أنه بشكل ما ” موجود مسبقًا ” على الواقع ، نفكر في الواقع ، ومن ثم نضع نفي وجوده، ثم نموضع صورة الممكن في الماضي. ومن ثم نقلب العملية ، حيث نفكر في الواقع على أنه بشكل ما أكثر من الممكن ، باعتبار أن الواقع هو  الممكن مضافًا إليه الوجود. وبالتالي نقول أن الممكن تحقق في الواقع. على العكس من ذلك ، رفض دولوز مفهوم الممكن لمصلحة مفهوم الافتراضي. وبدلاً من انتظار عملية التحقق أو التحول إلى واقع ، الافتراضي هو حقيقي بالكامل ، يحدث في  سيرورة التكوين التي يتحقق فيها الافتراضي.

السمة الأساسية للافتراضي والتي تعني أنه يجب أن يتحقق بدلا من يكون واقعا ، هي عملية التشكل التفاضلي. دائمًا ما يتمسك دولوز بالبديهة النقدية القائلة أن الأساس لا يتساوى مع ما يؤسس له ، إنه ينتقد عملية التتبع التي بموجبها يُقال أن الهويات في العالم الحقيقي مشروطة بالهويات في المتعالي. على سبيل المثال، ينتقد كانط لنقله المجال المتعالي في  صورة المجال التجريبي. أي أن الخبرة التجريبية تكون شخصية ، هوياتية ، مركزية ، هناك بؤرة مركزية هي  الذات ، التي تتمحور حولها كل الخبرات التي توصف بأنها خبراتنا. يقول كانط أن الهوية التجريبية ممكنة فقط إذا كان من الممكن لنا أن  نفترض وحدة متعالية للإدراك ، تلك هي امكانية ان نضيف ” أنا اعتقد ” لكل احكامنا. وبدلا من تلك الهوية التي يجري تهريبها إلى الداخل أو يجري تتبعها للداخل  ، يريد دولوز أن يكون المجال المتعالي مجالاً تفاضليًا. يريد دولوز أن يعود إلى التجربة ولكن طالما كان الشرط لا يتساوى مع المشروط، وطالما كان ما هو تجريبي شخصي وفردي ، فلابد إذن أن يكون المتعالي قبل شخصي  ، وما قبل فردي. الافتراضي هو شرط التجربة الحقيقية ، ولكنه ليس له هوية ، فالهويات لكل من الذات والموضوع هي نتيجة لعمليات تحليل وتكامل وتحقق ( ثلاث مصطلحات دولوزية ) لمجال تفاضلي. لذلك الافتراضي الدولوزي ليس شرط إمكانية أي تجربة عقلانية ، ولكنه شرط تكوين genisis للتجربة الحقيقية.

كما رأينا ، فالافتراضي بمثابة اساس تكويني للتحقق ، لا يمكن أن يتساوى مع ما يؤسس له ، وعلى ذلك لو واجهنا الهويات المتحققة في التجربة ، فإن الأساس الافتراضي لتلك الهويات لابد أن يكون تفاضليا خالصًا. استمد دولوز ” الكثرة “multiplicity من برجسون كاسم لهذا المجال التفاضلي الخالص. في هذا الاستخدام ، كما اوضح دولوز لاحقا ، فإن الكثرة تجعل من المتعدد موضوع لا  محمول. فالمتعدد كمحمول يولد عدد من المشكلات الفلسفية تحت عنوان ” الواحد والكثرة ” ( الشيء واحد أم متعدد ،واحد ومتعدد ،وهكذا). في حين أن مع الكثرة أو المتعدد كموضوع ، فان السؤال عن العلاقات بين المحمولات الواحدة/المتعددة يحل محله سؤال التمييز بين انماط الكثرة، ( مثلما ميز بيرجسون بين الكثرة الكمية والكيفية في ” الزمان والإرادة الحرة). باختصار ، يتم احلال اختلاف طوبولوجي بين موضوعات ” الكثرة ” بدلا من ديالكتيك الواحد والمتعدد.

إجمالاً، هكذا في مواجهة تقليد رئيسي لما بعد الكانطية يتمثل في فخته وشيلنج وهيجل ، يفترض دولوز تياره  الثلاثي الثانوي الخاص لما بعد الكانطية، ويتمثل في كل من سولومون مايمون ، نيتشه ، برجسون. واضاف إلى هؤلاء فلاسفة ما قبل كانط مثل سبنوزا وليبنتس ، هيوم ولكن من خلال منظور ما بعد كانطي. وقد تطرقنا بالفعل لقراءة دولوز لهيوم. دعنا الأن نعود إلى سبنوزا ، الذي كان دولوز يكن له اعجابًا غير محدود، وكان يعتبره “أمير الفلاسفة ” او حتى ” مسيح الفلاسفة”. ورث دولوز عن سبنوزا الكثير من الأشياء ، ولكن واحد من اهم تلك الأشياء ، كان مفهوم “واحدية الوجود”. كانت وحدة الوجود ـ والتي بخلاف منافستها العظيمة  ، تماثلية وقياسية ـ المفتاح الذي استخدمه دولوز لتطوير فلسفة الاختلاف ( المصطلح الذي اطلقه دولوز على مشروعه في ” الاختلاف والتكرار”) ، حيث لم يعد الاختلاف بعد الآن تابعًا للهوية. والنتيجة كانت سبنوزية بدون جوهر substance ، ، كون أو نموذج تفاضلي خالص. طبقًا لقراءة دولوز لسبنوزا فإنه في الواحدية ، المعنى الواحد للوجود يحرر الاختلاف من بين كل هذا. في الواحدية الانطولوجية يقال الوجود في معنى واحد لكل ما يقال ، لكنه يقال في الاختلاف ذاته. فما هذه الاختلاف؟ الاختلاف هو اختلاف في درجات القوة ، ولكي نفسر ذلك المصطلح يجب ان نميز بين الالكلمتين فرنسيتين puissance and pouvoir [ القوة ، السلطة] بمصطلحات اجتماعية فان القوة (puissance) هي قوة محايثة ، قوة للفعل بدلا من ان تكون قوة هيمنة على الأخر ، يمكنا القول ان القوة هى ممارسة  ( حيث يتصادم أو يتفاعل متساويين معًا)  بدلامن السلطة  poiesis حيث الاخرون هم مادة للهيمنة من قبل قوة أكبر ، قوة متعالية بشكل ما ، وهو ما يشير إليه دولوز بكلمة سلطة pouvoir.   في المفاهيم الأكثر عمومية التي طورها دولوز خلال مسيرته المهنية  ، فان ” القوة ” هي القدرة على التأثير والتأثر ، لتشكيل تجمعات أو تناسقات ، لتشكيل اتحادات ، تحترم تجانس مكوناتها. ( نرى هنا في الشكل التجريبي ” لخارجانية العلاقات ” في تشكيل التجمعات أو التنسيق ، فان الصيرورة أو العلاقة بين المصطلحات تعكس حالة استقلال أنطولوجي. مثال دولوز المفضل هو مثال أن الدبور والزهرة يكونان معا ” صيرورة” او وحدة تكافلية ناشئة).

كتب دولوز ايضا كتابا مؤثرا ومهما بالتأكيد تكريما لصديقه فوكو عقب رحيله ١٩٨٤، كان آخر شخصية مهمة في قراءات دولوز للفلاسفة الآخرين هو ليبنتس ، والذي يجب الاشارة إلى أن مايمون استعان به في نقده لكانط. نشر دولوز ١٩٨٨ كتابا عن ليبنتس “الطية : ليبنتس والباروك” The Fold: Leibniz and the Baroque والذي أضاف عناصر جديدة إلى قراءة ليبنتس والتي تناولها دولوز في اعماله المبكرة ، قدم تفسيرا يركز على  مفهوم الطية ، وتطويرًا لمفهوم الباروك ، ومحاولة لتعريف الليبنتسية الجديدة neo-Leibnizianism ، بمصطلحات الممارسات الفنية والعلمية المعاصرة . على الرغم من أن كتاب ” الطية ” عمل رائع إلا أننا سنركز هنا على قراءة دولوز المبكرة لليبنتس والتي ستلعب دورا كبير في ” الاختلاف والتكرار”.

دفع دولوز افكار ليبنتس لنقطة لم يكن ليبنتس نفسه ليصل إليها بسبب افتراضاته اللاهوتية المسبقة. تلك هي النقطة التي سنبدأ فيها في النظر إلى المجال الافتراضي وفقا لرؤية الافتراضي نفسه ، متحررا من التحقق في العالم وفي أفراده . يحب دولوز ان يستشهد في تلك النقطة بقصة خورخي لويس بورخيس الشهيرة “حديقة الدروب المتشعبة The Garden of the Forking Paths ” والتي تصف عالمًا افتراضيًا في كتاب متاهة لفيلسوف صيني يسمى تسو يو بين “.  “في كل القصص الخيالية ، عندما يواجه انسان خيارات عدة، يختار أحدهم على حساب الخيارات الاخرى. ولكن عند تسو يو بن العكس تقريبا ، حيث يختار الكل في نفس الوقت ، في عمل تسو بين ، كل الحلول الممكنة تحدث ، كل منهم يمثل نقطة انطلاق للاختيارات الأخرى” ، قدم ليبنتس في الواقع شيء مشابه يعطى تمثيلاً مشابهًا للعالم في خاتمة ” العدالة الإلهية” الثيوديسيا the Theodicy. من خلال تحويل دولوز لصورة الليبنتسية / البرجسونية ، تأخذ الثلاث افكار المتعالية لكانط ، الله ، العالم والذات  منحىً مختلفًا تمامًا. أولا :لم يعد الإله ذلك الذي يقارن بين العوالم الممكنة ويختار أفضلها ، ولكنه بات سيرورة (عملية) تعتمد الممكنات غير المحدودة وتمر من خلالهم. ( يؤكد مفهوم ” السيرورة هنا ” ان علاقة دولوز بوايتهيد واحدة من اكثر المواضيع المعاصرة اهمية لتلاميذه ، وعلى الرغم من ان نقاط التشابه كثيرة ، إلا ان دولوز نفسه لم يتطرق إلى وايتهيد إلا نادرًا إذا استثنينا صفحات قليلة في كتاب ” الطية” . ثانيًا : لم يعد العالم عالم مستمر محدد بتناغمه سابق التأسيس. بدلاً من ذلك فإن  التباينات والتشعبات والممكنات لابد أن تكون الآن جزءًا من نفس الكون ، كون عشوائي حيث سلاسل متباينة تسلك دروبًا متشعبة لا نهائية ، وينتج عنها انقسامات واختلافات عنيفة لا يمكن أبدًا ان تستقر في كون متجانس، ” كون فوضوي ” chaosmos [ كلمة منحوتة من كلمتين chaos , cosmos ـ المترجم ]، استعار دولوز هذا المصطلح من جويس ، ولم يعد عالما بالمعنى المعروف. بخلاف ليبنتس ، الذى كان بإمكانه فقط إنقاذ التجانس والتناسق في هذا العالم عن طريق إقصاء التنافر والخلاف إلى العوالم الاخرى الممكنة ، وتلك كانت خفة اليد اللاهوتية. ثالثًا: بدلا من ان تكون الذوات أو الأفراد مغلقة على العالم المغلق والمتداخل الذين يتجلون خلاله، باتت مفتوحة وتظل كذلك دائمًا خلال سلاسل التباينات والمجموعات الممكنة والتي تستمر في جذبهم إلى خارج انفسهم. تصبح الذات ” نوماديك/رحالة “nomadic” كما يقول دولوز،  بدلا من أن تكون ” مونادية” monadic. بكلمات أخرى ، لو كان دولوز ينتمي لليبنتس إانه سيكون فقط عن طريق القضاء على فكرة الإله الذي يختار الافضل من العوالم الممكنة ، عن طريق التجانس سابق التأسيس والذوات جيدة التأسيس ، بالنسبة لدولوز فان كل الممكنات والتعارضات تنتمي لنفس العالم ، العالم الوحيد ، عالمنا. ولكنها تنتمي لعالمنا فقط من حيث كونها سجل افتراضي ، إن تطوير فكرة الافتراضي واحد من التحديات العظيمة في كتاب دولوز العظيم ، الاختلاف والتكرارDifference and Repetition الذي سنناقشه الآن.

                       

  1. فلسفة الاختلاف

1.3 الاختلاف والتكرار

بمعنى ما كانت دراسات دولوز التاريخية الأولية بمثابة رسوم أولية للوحته العظيمة ” الاختلاف والتكرار”(١٩٦٨) حيث كرس تلك المصادر لأجل مشروع طموح لوضع فلسفة للاختلاف. على خطى نقد مايمون [ سولومون مايمون : فيلسوف ليتواني من القرن الثامن عشر ـ المترجم] ، قدم “الاختلاف والتكرار” نقلة مزدوجة  من المشروع الكانطي لوضع الشروط الكونية والأساسية للتجربة الممكنة. أولا: بدلاً من البحث عن شروط التجربة الممكنة ، يريد دولوز تقديم سردية للشروط التكوينية للتجربة الملموسة للفرد الموجود هنا والآن. ثانيا:  لتلبية متطلبات فلسفة الاختلاف يجب ان يكون المبدأ التكويني GENITIC  نفسه مبدأ تفاضلي.

وعلى الرغم من هذا التحول عن كانط ، لا زال دولوز يصطف إلى جانب كانط ، حيث لم يزل  الاختلاف والتكرار أطروحة متعالية. ويجب ان نذكر أنفسنا أن مصطلحي ” تعالي  transcendent ” و ” متعالي transcendental” يحملان دلالة  متعارضة.  في الواقع الفلسفة المتعالية تفند ادعاءات الفلاسفة  الآخرين عن إمكانية التعالي بالتجربة وذلك بوضع شروط صارمة لاستخدام المكونات الاساسية للتجربة. فعلى الأقل في هذه النقطة ينحاز دولوز إلى جانب فلسفة كانط النقدية.

هناك ثلاث ملاحظات إضافية أخرى هنا. أولا: كما سنرى في القسم ٤ ، يفصح مشروع ” الرأسمالية والشيزوفرينيا ” لكل من دولوز وجوتاري عن توجهات طبيعانية لا يمكن أن توجد إلا في ظل هيكل عمل ” الاختلاف والتكرار” والذي يظل كانطيًا.

لذلك على الرغم من  خطر القراءة العكسية في هذه الصيغة  ، لا يزال بإمكاننا القول بأن  ” هذا” في عبارة ” تجربة هذا الفرد الملموسة هنا والآن ” موضوعية وذاتية في آن معًا. بمعنى انها تجربة الذوات البشرية للشيء ” الفرد ” أمامه ، وكذلك التجربة المعاشة بواسطة الشيء نفسه حتى لو لم يكن إنساني أو حتى لم يكن حيًا. (ناقش بروتيفي باختصار protevi 2011  الروحية الشاملة عند دولوز  panpsychism ) . ثانيًا: من أجل التوصل إلى  المبادىء التكوينية  للتجربة الحقيقية للأفراد ، يلتزم دولوز بالعمل في نطاق مبدأ العلة الكافية / السبب الكافي [ مبدأ السبب الكافي : أن كل شيء لا بد أن يكون  له سبب أو علة ، يمكن البرهان عليه من خلال التجربة ، أو اشتقاقه من صدق قضايا أخرى.  صاغة لايبنتز ـ المترجم]. ثالثًا: إن مصطلح ” تكوين ”  نفسه مزدوج المعنى . حيث يكون ديناميكي . في الفصل الثالث يستخدم دولوز ” تكوين ” ديناميكي حيث يتحرك من الشدة في الحس إلى التفكير في الأفكار الافتراضية بينما في الفصل ٤، ٥ يعبر عن تكوين ستاتيكي ]سكوني[ يتحرك من الأفكار الافتراضية من خلال سيرورة تفرد شديدة للكيانات المتحققة.

وهكذا نحن مستعدون لنقاش الكتاب نفسه. يرى ميرفى Murphy 1992  أن الجزء الأول من الكتاب ، المقدمة والفصلان الأول والثاني يشكلان دراسة دولوز لتاريخ الفلسفة ، بينما يشكل الجزء الثاني من الكتاب ( الفصلان الرابع والخامس ) رؤية دولوز نفسه الفلسفية. وفقًا لهذا المنظور ، يمثل  الفصل الثالث ” صورة الفكر ” نقطة مفصلية تقودنا لداخل فلسفة دولوز نفسه. هذا الدور الانتقالى للفصل الثالث يتأكد في أماكن أخرى ، حيث يقول دولوز أن دراسة صورة الفكر بمثابة تمهيد للفلسفة.(Negotiations 149)

في الفصل ١و٢،  ولأجل إيجاد مبدأ تفاضلي تكويني، يعمل دولوز خلال تاريخ الفلسفة لأجل عزل مفاهيم ” الاختلاف في ذاته ” و” التكرار لذاته ” التى حالت دون صياغتها افتراضات الفلاسفة السابقين  . ” الاختلاف في ذاته ” هو الاختلاف متحررًا من الهويات كما ينظر إليها على انها أولية ميتافيزيقية. ففي العادة ينظر إلى الاختلاف على أنه علاقة تجريبية بين مفهومين لكل منهما هويته السابقة . ( س مختلفة عن ص). يعكس دولوز هذه القبلية ، توجد الهويات ولكنها الآن ناتجة عن علاقة  تفاضل قبلية “حيث  د(س) d(x) بدلا من “ليس س not-x” ) . لم يعد الاختلاف علاقة تجريبية بل أصبح مبدأً متعاليًا يشكل العلة الكافية للتنوع التجريبي (على سبيل المثال ، فإن الاختلاف في الجهد الكهربائي بين السحابة والأرض هو العلة الكافية لظاهرة البرق).

في الفصل الثاني  ، يبرز مفهوم ” التكرار لنفسه Repetition for itself ” كتكرار متحرر من أن يكون تكرار مطابق لشيء له هوية أصلية سابقة بحيث يكون تكرار للاختلاف نفسه. طبقًا لقراءة دولوز للعود الأبدي عند نيتشه إان التكرار هو عودة مختلفة للشروط التكوينية للتجربة الحقيقية كل مرة يتوافر فيها تفرد individuation  لكيان ملموس. وفي النهاية يظهر الاختلاف والتكرار أن تفردات الكيانات تنتجها  عمليات تحقق ، أو تكامل أو تحليل  “وهى مرادفات لدى دولوز” لحقل افتراضي وتفاضلي  من الأفكار أو ” كثرةmultiplicities ” وحيث تغيروا هم أنفسهم في كل حدث تفرد، عن طريق التأثير المعاكس.

وفي الفصل الثالث نجد 8  افتراضات للصورة العقائدية/ الدوجمائية  للفكر ، حيث نجد نظرية للملكات faculties تتموقع بين الافتراضات الأربعة الأولى والأربعة الأخيرة بحيث تمثل مفترق طرق سواء لهذا الفصل او للكتاب ككل.

لنلق نظرة على تلك الافتراضات الأربعة. تتعلق الفرضية الأولى باستعدادنا الطبيعى للتفكير ، تجاهل ذلك هو ما يحتم علينا أن نكون مجبرين على التفكير. تتعلق الفرضيتان الثانية والثالثة بالوحدة الذاتية والوحدة الموضوعية.  الوحدة الذاتية مستمدة من مفهوم ” الحس المشترك” حيث يعمل الإحساس والذاكرة والخيال والتفكير معًا في انسجام. بينما تستفاد الوحدة الموضوعية من مفهوم ” الإدراك ” حيث أن نفس  الموضوع  ،يكون  محل للشعور والذاكرة والخيال والتفكير. تتعلق الفرضية الرابعة بـ ” التمثل/ representation ” وهو مفهوم مركزي في نقد دولوز.هنا يخضع الإختلاف لبنية مضاعفة رباعيًا حيث تجعله تابعا للهوية ١) الهوية في المفهوم ٢)تعارض المحمولات [ المحمول: جواب الدالة المنطقية بالنسبة للموضوع ، القضية تتكون من موضوع ومحمول ـ المترجم] ٣)التشابه في الحكم ٤) التماثل في التصور. تعد افضل طريقة لفهم اطروحة دولوز عن التمثل عن طريق كل من أرسطو و فيرفورس [ الصوري ـ المترجم]. الاختلافات المعينة هى المحمولات المتعاكسة الى تعمل في أفق الهوية للمفهوم قيد الانقسام. بانقسام الحيوان الى عقلاني ولا عقلاني تمكنا من وصف النوع ” إنسان” ـ بينما الاختلافات داخل نفس النوع هى اختلافات ” دون المستوى المفاهيمي ” ، يمكن تمييزها فقط من خلال تصور التشابه. فثيئتيتوس يشبه سقراط ولكن ليس إلى حد أنه  لا يمكن التمييز بينهما. أخيرًا ، فالعلاقة بين الجوهر والتصنيفات الأخرى هى علاقة قائمة على التناظر  ، مثل أن الكينونة يمكن ان تقال بطرق عدة ، ولكن يأتي الجوهر كطريق أولى لقولها من خلاله.

بعد هذه الافتراضات الأربعة تتكون لدينا نظرية في المَلَكَاتfaculties التى ستمثل سردية دولوز فيما يعني ان نكون ملزمين على التفكير وفقًا لمفاهيم  تفاضلية بدلاً من  مفاهيم ” هُوياتية”. ليتم تحرير مفهوم ” الاختلاف في ذاته”، لا يجب التفكير في الاختلاف على أساس  أٌفق أولي للهوية. يبحث دولوز عن تلاقى encounter ، إحساس  لا يمكن التفكير فيه أو إيجاد التصنيف التجريبي للكائن محل الإدراك ، وبالتالي إجبار ” الممارسة المتعالية ” لملكة الحس ، حيث يمكن لشيء ان يكون محل للحس.

هنا نرى سيرورة  التكوين الديناميكية بداية من  الشدة intensive في الحس  حتى نصل إلى  التفكير في الأفكار الافتراضيةvirtual ideas . كل خطوة هنا لها صدىً كانطيًا مميزًا. ترتبط المَلَكَات معًا في نظام   ؛ هنا يتطلع دولوز مثل كانط  إلى أولوية  ملكة الحس   كأصل المعرفة – “حقيقة التجريبية”.  مع ملكة الحس   ، فان الاختلاف الخالص في الشدة   ، يتم استيعابه فورًا  عند التلاقي كحسي sentiendum  ، هذا فقط الذى يمكن ان يكون محل الحس. في نظرية للاختلاف، فان القدرات، الخيال والحساسية والذاكرة ،والافكار،  جميعهم يتناقلون عنفًا، هنا  دولوز يستخدم  المفهوم الكانطي ” السمو “ sublime  كمتعارض  مع باقى الملكات.   تحرك ” الصورة الحرة للاختلاف ” في حدها الأقصى كل ملكة، تنقل عنفها للتالية لها ، على الرغم أنه في هذه الحالة لن يكون هناك وظيفة” فوق طبيعية”  لحل التنازع بين الخيال والعقل كما في الاستدلال على السمو في ” نقد ملكة الحكم”[كتاب لايمانول كانط]. بدلا من التوفيق بين الملكات  والأفكار ، فان ذاتًا  مكسورة يتحتم  عليها  التفكير في “الاختلاف في ذاته” في الأفكار  ، – هنا يأخذ دولوز فكرة كانط عن الفصل بين الأنا  السيكولوجي  التجريبي  ego  والذات المتعاليةtranscendental  subject.

 

 

لن نتناول تلك الفرضيات الاربع بالتفصيل ، لانها متعلقة بنظرية الأفكار  ، موضوع الفصل الرابع الذي نتناوله بعد قليل. الجدير بالذكر الآن أن اثنين من مصطلحات دولوز الفنية  ، الشدة intensity ، والافتراضية virtuality يحتلان موقعين مختلفين في خط التكوين الديناميكيdynamic genesis. حيث الشدة هى سمة التلاقى encounter   وتنظم سيرورة التفكير ، بينما الافتراضية سمةٌ للفكرة.

في الفصل الرابع والخامس نجد عند دولوز تمييزًا حاسمًا بين مفهومي الشدة والامتداد intensive and extensive، وتكون الاختلافات الممتدة مثل الطول والمساحة والحجم قابلة للانقسام فعليًا. فحجم المادة ينقسم إلى قسمين متساوين كل منهما نصف الحجم الأصلي. بينما الاختلافات ذات الشدة  intensive  مثل درجة الحرارة غير قابلة للانقسام. فمثلا عند تقسيم كمية من المياه درجة حرارتها ٩٠ مئوية ، فإنها تنقسم إلى قسمين كل منهما درجة حرارته ٩٠ أيضًا وليس ٤٥. على أية حال ، فان الخاصية التى تتسم بالشدة هى  تلك التى تقبل الانقسام وليس تلك التى لا تنقسم دون تغير نوعي حقيقي. على سبيل المثال، يمكن تقسيم كمية المياه عن طريق التسخين من أسفل مما ينتج عنه اختلاف في درجة الحرارة بين الأعلى والأسفل. وعند القيام بذلك نغير النظام تغييرًا نوعيًا ، علاوة على ذلك عندما تصل الحرارة إلى عتبة معينة ( درجة من الشدة حسب تحليل  دولوز) فان النظام يمر بمرحلة انتقال يفقد فيها تماثليته وتتغير فيها ديناميكياته ويدخل في نمط دوري للحركة وتظهر خصائص ممتدة مثل الطول والعرض. وبالبناء على تحليلات مثل تلك ، يصف دولوز وضعًا متعاليًا للنظام المشتد ، حيث الشدة هى التى تشكل  الظروف التكوينية  للفضاء الممتد. في نفس الوقت  تتشكل سيرورة  الشدة نفسها عن طريق الأفكار أو الكثرات multiplicities .

الفكرة أو الكثرات  حقًا عملية تحديد  تقدمي للعناصر والعلاقات التفاضلية  والمفردات. دعنا نتناول ذلك خطوة بخطوة. ” العناصر” ليس لها وجود مستقل عن النظام هنا ، يضرب دولوز المثل  في الاختلاف والتكرار   بالفونيمات / الوحدات الصوتية phonemes كعناصر  للفكرة اللغوية الافتراضية. عندما تتحقق الفونيمات، فإنها تدخل في علاقات تفاضلية  ومن ثم يحدد ذلك  انماط اللغات الفردية ، ففى الإنجليزية  مثلا يتحدد الفونيم / P/ بعلاقات الاختلاف بينه وبين كل من الفونيمات /S / ، /X / ، وهكذا دواليك. واخيرًا تحدد العلاقات التفاضلية  في أنماط اللغات ” المفردات او نقاط التحول Singularities ”  حيث تتغير انماط اللغات ، مثل تحول حرف العلة الكبير في الانجليزية الوسيطة ، او بشكل اكثر وضوحًا في التحولات التى تحدث في النطق باللهجة.

لنأخذ مثال أخر لكى ندرك قابلية تطبيق نمط دولوز على ظواهر واسعة النطاق كأحد جوانب فلسفة دولوز كميتافيزيقي. ستكون العناصر التفاضلية هنا تدفقات مادية محددة باختلافات شدة  في الحرارة والضغط ولكنها غير محددة الشكل (لا سلسة ولا مضطربة ولا كبيرة ولا صغيرة ) ولا محددة الوظيفة (تشكيل او تبديد ظواهر الطقس). تُدخِل هذه العلاقات العناصر التفاضلية في علاقات تحديد متبادل بحيث تربط كل تغيير في عنصر ما بالتغيير في العناصر الاخرى، وبالتالى تربط التغييرات في الحرارة والضغط تيارات الماء والهواء معا، وبالتالى ترتبط الزيادة والنقص معا حتى لو كانت العلاقات (الروابط وسرعة التدفقات) غير محددة بعد. أخيرًا، في لحظة مفردة تحدد المفردات تحولات النوعية في النظام، مثل تشكل العواصف الرعدية أو في جدار عين الاعصار وهكذا. ولكن يظل ذلك مجرد فكرة افتراضية للأعاصير، بينما في الأعاصير الحقيقية هناك قيم قابلة للقياس من تلك التغييرات حينما ننتقل من النطاق الفلسفي للعلة الكافية إلى نطاق التسبيب العلمي. يتم تفسير الإعصار عن طريق فكرته، ولكن في الواقع فإنه يكون نتيجة تيارات هوائية ناتجة عن درجة حرارة تسببها الشمس في المياه الاستوائية.

ولكي ندرك أن الأفكار متعالية ومحايثة في آن معًا، يجب أن نتفهم أن فكرة كونية ملموسة. أعطى دولوز مثال مفيد لهذا المفهوم في مقال مبكر (” مفهوم الاختلاف عند برجسون [١٩٥٦]). اوضح برجسون في ” العقل والحركة ” la Pensee et le mouvant [ الاسم الفرنسي للكتاب ، واسمه بالإنجليزية   createvie mind العقل الخلاق و غير مترجم للعربية ـ المترجم] طريقتين لوصف ما لدى “طيف  الألوان ” عمومًا .  (1)  يمكن استخراج فكرة مجردة وعامة للألوان من ألوان معينة ( “عن طريق محو ما يجعل الأحمر أحمر ، وما يجعل الأزرق أزرق ، وما يجعل الأخضر أخضر”). أو  (2) بالإمكان أن نجعل هذه الألوان تمر خلال عدسة محدبة  ، ساعتها سنحصل على لون ابيض نقي ، مما يجعل الاختلافات بين الدرجات  تبرز ، في الحالة السابقة نعرف المفهوم العام عن طريق حالاته المفردة ، هنا العلاقة بين المفهوم والكائن علاقة تصنيف ، وتظل فكرة الاختلاف بين الأشياء خارجية. وفي الحالة الثانية على العكس، حيث تعرف فكرة التفاضلية طبقا للمعنى الدولوزي ، حيث أن الألوان لم تعد كائنات تحت تصنيف المفهوم ، ،ولكنها تشكل نظام من الاختلاط والتتابع مع الفكرة ، العلاقة بين الفكرة وبين لون معين ليست علاقة تصنيف أو إدراج  ، ولكنها علاقة إختلاف وتحقق ، وحالة الاختلاف بين الكائن والمفهوم علاقة داخلية في الفكرة نفسها ، هنا يصبح المفهوم نفسه كائن. يظل  الضوء كونيا ولكنه كوني ملموس ، وليس جنس أو عمومية.

إن فكرة اللون تشبه اللون الابيض في المثال السابق ، حيث يكون منطويًا  في ذاته على عناصره التكوينية  وعلاقات كل الألوان ، ولكن ايضًا التي تتحقق في الواقع  في الألوان المتعددة ومساحتها الخاصة. ( مثل كلمة مشكلة ، يستخدم دولوز الكلمة “الحيرة” ولكن ليس للدلالة على الشك أو والتردد أو الدهشة ولكن على حالة الكثرة  والافتراضية للأفكار. فى الواقع تبنى دولوز عدد من المفاهيم الافلاطونية المحدثة ، للإشارة إلى بنية الأفكار ، وكلها تنتمى إلى كلمة جذر هى مفهوم: الطية   le pli  ، والتى تتضمن الإبهام والتعقيد والتضمين والتفسير والتكرار )  على غرار اللون الأبيض ، من الممكن أن يكون هناك  فكرة الصوت كضوضاء بيضاء كما يمكن ايضا أن يوجد مجتمع ابيض ولغة بيضاء ، والتي تحتوي في افتراضيتها  الفونيمات والعلاقات والتى تتحقق في الواقع  في اللغات المتعددة والتغييرات النوعية في داخل نفس اللغة.

من الممكن ان ننتقل الآن لمناقشة الفصل الخامس، وهو عن تفرد الكائنات الموجودة بشكل ملموس باعتباره تحقق للأفكار الافتراضية. لأجل عزل شروط التكوين يضع دولوز مخططًا وجوديًا ontology  ثلاثيًا ، الشدة intensity والافتراضي virtual ، والتحققactualization . مفهوم دولوز الأساسي هنا ، أن في كل نطاقات الكينونة  ، فان السيرورة التكوينية  للشدة   تتبع كثرات افتراضية تفاضلية  لإنتاج جواهر متحققة متفردة ومحلية localized والتي تتمتع بخصائص ممتدة. ببساطة يتحقق الافتراضي عن طريق سيرورات شدة. تحت ما هو تحقق  ( حالة واحدة للنظام)  نجد “فردات غير شخصية ” أو سيرورات تشكيل للشدة تنتج حالات النظام ، وتحت هذه نجد “مفردات ما قبل  تفردية” ، وتلك هي العناصر المفتاحية للحقل الافتراضي التى تميز عمليات تشكل الشدة.  علينا إذن أن نميز بين شدة مجال غير شخصى للتفردات ، وعملياته من حقل افتراضى ما قبل تفردي من العلاقات التفاضلية والمفردات التى تصنع فكرة او كثرة.

ربط موضوعات الاختلاف والكثرة والافتراضية والشدة ، هو القلب النابض لـ ” الاختلاف والتكرار” ، حيث نجد نظرية للأفكار ليست مؤسسة على نموذج ضروري للهوية مثل عند ” أفلاطون” ولا على نموذج تنظيمي للوحدة مثل عند ” كانط ” ولا نموذج جدلي للتناقض مثل عند هيجل ولكن على نموذج إشكالي وتكويني للاختلاف. تحدد الافكار كينونة شيء ما ، ولكن المرء لا يستطيع أن يحصل على فكرة من خلال سؤال سقراط ” ماذا يكون ؟ ” (والذى ينظر للأفكار كمتعالية وأبدية) ولكن بالأحرى عن طريق اسئلة صغرى مثل اسئلة ” أي شيء؟ ” ، ” أين ” ، متى؟ ” ” كيف ؟ ” ” كم؟ ” ” في أي حالة ؟ ” ” من أى وجهة نظر ؟ ” ، كل هذه الاسئلة تسمح بتحديد الأفكار التفاضلية  المحايثة في سيرورة الشدة  التي تكونها.

يتبينُ من هذه الأمثلة أن الأفكار تشكل سيرورات الشدة التى تسمح بأنماط السلوك للنظام ، ومفرداته تصف العتبات التى تغير أنماط سلوك النظام. باختصار، الفكرة الافتراضية هي الشبكة التحويلية للنظم المادية أو الأجساد. تحدد الاجساد “حل”  ” المشكلة” التى تبرز خيارات التجسد لدى أجساد الطبيعة. وهكذا تجيب الأفكار عن السؤال ” من ” ( من الذي يجسد الفكرة في هذه الحالة ؟ ” ) بدلا من السؤال الضروري ” ماذا يكون ؟ ” (ما خصائص المادة التى تقدم الشروط الضرورية و الكافية للتصنيف التي بموجبها ينتمي الكائن إليه؟).

من المفيد ان نأخذ في الاعتبار نظرية جلبرت سموندن  في التفرد كنموذج بسيط لما اسماه دولوز ” التحقق” ، بالنسبة لسموندن ، التبلور بمثابة مثال نموذج إرشادي paradigm للتفرد ، محلول مفرط التشبع في حالة غير مستقرة ، تنبثق  البلورات المفردة من وسط حالة ما قبل التفرد ، درجات مختفة من الشدة  ، وفقط إمكانيات مختلفة للأشكال والوظائف. الفرق الجوهري أن البلورات تتشكل في محاليل متجانسة ، بينما  الفكرة الافتراضية عند دولوز  تتكون  من الافكار أو الكثرات التى تنطوي على علاقات تفاضلية بين مكونات غير متجانسة ، تدخل مع بعضها البعض في علاقات اختلاف وتباين. لتوضيح  هذا التغاير أو اللاتجانس   ، دعنا نعود لمثال الإعصار. لابد من ان يكون واضحًا أنه ليس هناك نقطة مركزية ، ولكن تنظيم ذاتي لعمليات متعددة من حركة الهواء والماء تحركها اختلافات في الحرارة والضغط. تتشكل الأعاصير حين تصل تيارات الرياح والتيارات المحيطية إلى نقطة “لمفردة ” . هذه المفردة ليست ميزة لإعصار معين ، ولكنها افتراضية لكل الأعاصير ، تماما مثل نقطة الغليان لدورق ماء . بمعنى آخر ، كل الأعاصير تتشارك البنية الافتراضية ذاتها بغض النظر عن تفردات او تحققات بنيتها.

في هذا العرض  ، تناولنا فقط بعض ميتافيزيقا ” الاختلاف والتكرار ” ، هناك الكثير لنضيفه حول الدور الذي يلعبه العود الأبدى عند نيتشه فيه ، بالإضافة إلى تعليقات مذهلة لدولوز حول عدد كبير من الشخصيات من أفلاطون إلى سكوتش إلى فرويد وأرتو. على اية حال،  دعنا نلقى نظرة على عمل دولوز الكبير التالي في اواخر الستينات ، وهو منطق المعنى.

2.3 منطق المعنى

بينما يتناول ” الاختلاف والتكرار ” طيفًا واسعًا من المجالات الفلسفية ، يركز ” منطق المعنى ” على جانبين فقط لمشكلة واحدة ، وهى بُنية وتكوين المعنى. تجلت  عبقرية راسل وفريجه أساسا في اكتشافهم أن شرط صدق  ” المعنى الدلالي denotation  ” يكمن في فكرة المعنى ،  لكي تكون الجملة صحيحة أو خاطئة ، فلابد أن يكون لها معنى ،الجمل  التى لا معنى لها ، لا يمكن ان تكون صحيحة أو خاطئة. ويرى دولوز أن حدسهم قد  خانهم  لأنهم مثل كانط من قبلهم ، بقوا منشغلين بتأسيس شرط الصدق  بدل من تكوينه. في “منطق المعنى” ، يعمل دولوز على تلك المشكلة ، حيث يظهر المعضلات الناتجة عن بنية المعنى ثم يحاول وضع نظرية لنشأة المعنى. لأجل ذلك استخدم دولوز مصادر تحليلية ومصادر رواقية في سياق قراءة كارول لويس ، وهى مجموعة جديدة من المصادر حتى لو لم تكن غريبة.

يحلل دولوز في الجزء الأول من الكتاب بُنية المعنى. حيث يبدأ بتحديد ثلاثة أنواع من العلاقات في العبارات.

  1. دلالة التعيين / التسمية Designation أو المعنى الدلالي denotation ، وهى علاقة إحالة إلى الخارج (نظرية المرجعية ، وهى تخضع  لمعيار الصحة ، الخطأ ).

  2. التعبير ، أو التبيين manifestation هء علاقة الجملة مع معتقدات ورغبات الشخص المتكلم ، حسب معيار الوهم والمصداقية.

  3. . المغزىsignification أو البرهنة demonstration  ( وهى العلاقة بين القضية والقضايا الأخرى في سياق منطقي حسب علاقات التأثير والتوكيد).

بمعنى آخر ترتبط الجمل بعلاقات مع الشيء الذى تشير إليه ، والذوات التى تنطق بها والجمل الأخرى. ولكن في الواقع فإن  كل تلك العلاقات تحتمل أن يتم  التعامل معها باعتبارها أولية.

  • في مجال الكلام ، حيث ان كلمة ” أنا” التى تبدأ البيان ليس فقط عن دلالة تعيين ممكنة (هيوم) ولكنها أيضا  قبلية بالنسبة للمغزى (الكوجيتو الديكارتي).

(٢) في مجال اللغة ، مع ذلك ، يظل المغزى [ العلاقة بين الجمل  بعضها البعض ] قبلي ، طالما أن الشخص مولود في لغة موجودة مسبقا ، والمفاهيم قبلية دائما في العلاقات بين الذات كمتكلمة والاشياء باعتبارها كائنات معينة.

 (٣) ولكن في مجال المنطق، فالأولوية لدلالة التعيين أو المعنى الدلالي  [ العلاقة بين الرمز والكائن الذى يشير إليه] كما تظهر في النموذج التخطيطي للتأثيرات ، القيم المنطقية للمغزى أو التوضيح في داخل البرهان المنطقي، ليست هي الحقيقة ولكنها شرط الصدق  ( شرط الامكانية التى تكون فيها القضية صحيحة)، ولكن يجب أن يعتبر البناء المنطقي صحيحًا ، مما يضطر  المرء على ترك البناء المنطقي من العبارات لأجل ربطها بمجموعة من الأشياء . بعبارة أخرى ، لا يمكن للبناء المنطقي أن يؤدى دوره المفترض كمؤسس ، حتى يفترض سلفاً دلالة تعيينdenotation غير قابلة للاختزال.

هنا تقع نظرية الجملة المنطقية في الدور المنطقي، حيث كل شرط يتحول ليكون مشروط بما يفترضه مسبقًا. لكي يتجنب شرط الحقيقة ذلك التأثير، يرى دولوز أنه لابد أن يكون هناك شيء غير خاضع لشرط مسبق ، يمكنه تأسيس تكوين حقيقي للتعيين وإبعاد الجملة الأخرى ، فشرط الصدق  يجب تحديده لا بصفته ، صيغة من الإمكانية المفاهيمية ، ولكن باعتباره موضوع مثالي ideal  أو ” وسيط” [ matiematière ou ‘couche’ idéelleed], حيث لم يعد مغزىً signfication داخل البناء المنطقى ولكن بالأحرى معنى (LS 19).  سيكون المعنى إذن ، البعد الرابع للقضايا ، حيث يعكس دولوز تعبير المصطلح. يتفق دولوز مع فريجه  في ان المعنى هو المعبر عنه في القضية ، المعنيان ” نجمة الصباح ” ونجمة المساء ” طريقتين للتعبير عن نفس الما صدق / المصداق المعبر عنه في الجمل.

يبدأ إسهام دولوز في فلسفة المعنى يظهر بحق ، عندما أوضح ان المسعى لإثبات هذا البعد الرابع شبيه بعمل لويس كارول ” صيد السناركس” [ السناركس : جنس خيالى من الحيوانات ابتكره لويس كارول في قصيدته التى لا معنى لها المشار إليهاـ المترجم] او تفكيك شريط موبيس ، حيث المعنى ليس له وجود فيزيائي أو عقلي. يرى دولوز أن الرواقيين هم من أول من اكتشف بُعد  المعنى حيث ميزوا بين أخلاط مادية  وأحداث غير المادية. يمكنني أن أرجع الاسم ” معركة واترلو” إلى حالة معينة من الأحداث   ، ولكن المعركة نفسها حدث غير مادي ” أو معنى ” حيث لا واقع لها اكثر من التعبير في قضيتي ، ما نجده في حالة الاحداث هى اختلاطات أجساد مع بعضها البعض ، رماح وطعنات ولحم بشري ، ورصاصات متطايرة  وطلقات مدافع واجساد متمزقة ، ولكن المعركة نفسها هى تأثير أو نتيجة ذلك الاختلاط. المعنى إذن حالة معقدة. فمن ناحية  لا وجود له خارج العبارة التى تعبر عنه ، ولكن لا يمكن الخلط بينه وبين العبارة ذاتها ، لأن له موضوعية مستقلة به (ليس له وجود ولكن تواجُد ، ويمارس اصراره  insist  داخل العبارة). من ناحية اخرى إنه يشير لمجموعة من الأمور والأشياء ولكنه لا يمكن أن يختلط بهذه الاشياء أو يحدد بواسطتها  لا في نوع ولا في علاقة هذه الاشياء. “المعنى هو التعبير المقصود من العبارة والاشارة للحالة واقعية. انه ييمم وجهًا شطر القضية ووجهًا شطر مجموعة من الأحداث أو الأمور أو الأشياء.  ولكنه لا يمكن أن يختلط مع العبارة التى تعبر عنه ، والأكثر من ذلك انه لا يمكن ان يختلط  مع حالة الامور  أو المعنى الدلالي الذي تقدمه الجملة .انه بالظبط العلاقة بين الجُمل  والأشياء” (LS 22).

ينتج عن بنية المعنى عدد من المتناقضات ، والتي يميزها دولوز عن مفارقات المغزى التي اكتشفها راسل في نظرية المجموعات، مثل ( مجموعة كل المجموعات ، و” حلاق القرية” ).  المفارقة الأولى هي مفارقة الانحدار ، او الانتشار اللانهائي ، حيث لا يمكنني أن أبين معنى ما أقوله ، ولكن يمكنني أن اعتبر ما أقوله موضوع  لقضية أخرى ، التي بدوري لا يمكنني أن أبين معناها ، وهكذا إلى ما لا نهاية. تشير تلك المفارقة إلى كل من عجز المتحدث ” عدم قدرتي على تبيين معنى ما أقول” وإلى ” القدرة العليا للغة” أي قدرتها اللانهائية للكلام عن الكلمات”. المفارقة الثانية هي الترديد العقيم أو المضاعفة. يمكن للمرء تجنب المفارقة الأولى ” الإحالة اللانهائية” عن طريق استخراج معنى كمجرد ترديد أو تكرار للقضية ، ولكن على حساب الوقوع في مفارقة ثالثة وهى الحياد أو عقم القضية . حيث يصبح المعنى محايدا بالنسبة لعدد متنوع من الجمل أو القضايا  من حيث الصفة ” التوكيد والنفي” أو الكمية ” الكل ، البعض ، اللا شيء” أو العلاقة ، الطريقة ” الاحتمال ، والواقعية ، والضرورة”.

وهكذا يرى دولوز أن المستخلص من القضية هو معنى له في حالة مثالية  محضة  ، غير قابل للاختزال  للجمل وأبعادها الثلاثة: (1)الأوضاع  التى تدل عليها القضايا ؛ (2)الخبرات أو الانشطة العقلية ” الاعتقادات ، الرغبات ، الصور، التمثيلات ” لدى الأشخاص الذين يعبرون عن أنفسهم في القضية  ؛ و (3) المفاهيم العامة أو المطلقة الكونية. ولكن كيف يمكن للمعنى إذن أن يولد تلك الأبعاد الثلاثة؟ تلك كانت المهمة الثانية لكتاب ” منطق المعنى”: “جمع عقم المعنى في علاقة  بالجملة التى أنتجته، والمستخلصة بواسطة  قوته  التكوينية  في علاقة مع أبعاد الجملة” (LS 32).

في النصف الثاني من منطق المعنى ، يحلل دولوز ما أسماه التكوين الديناميكي للغة ، وهو تحليل يستند جزئيًا إلى علم النفس النمو والتحليل النفسي. حيث كتب ” ما الذى يجعل اللغة ممكنة ؟ هل هو ما يفصل الأصوات عن الأجساد ، مُدخلاً إياهم في جملة محررًا اياهم لأجل الوظيفة التعبيرية؟” (LS 181). يميز دولوز بين ثلاث مراحل في التكوين الديناميكي ، التي تشكل في ذات الوقت الأبعاد الثلاث للغة: ١)النظام الأولي هو  الضوضاء المنتجة في أعماق الجسد. ٢) التنظيم الثانوي  يشكل سطح المعنى ( واللامعنى) و ٣)الترتيب الثالث  ]التنظيم[ للقضايا كاملة التشكيل مع وظائفها الثلاث ، التعيين الدلالي denotation   والتبيين أو التعبير  manifestation  والمغزى signification  .

توجد المرحلة الأولى في التكوين الديناميكي للمعنى ،في  النظام الأولي للغة عند الاطفال حديثى الولادة. استقى دولوز من  علم نفس النمو ، وظهرت رؤاه الثاقبة في الصورة الحية عند دانييل شتيرن ،  حيث خبرة الأطفال أشبه ما تكون بخريطة طقس  weatherscape  بشرية ، متكون داخليا من متواليات من الانخفاض والارتفاع في الشدة، ضوء ساطع ، ضجيج حاد ، انخفاض صوت ، او عاصفة من الجوع (العالم البين شخصى للاطفال 1985). يبني دولوز على كتابات الكاتب الفرنسي ” انطونين ارتو ويسمي هذه الحياة من الشِدّات في حالة حركة بـ  ” جسد بلا أعضاء”. النظام الاولى للّغة (ضوضاء خالصة باعتبارها  بُعدًا من أبعاد  الجسد ) تشكل النمط الاول من  اللامعنى. ولكن في وسط هذا العالم من الشٍدّات  ، يظهر نوع مخصوص ومحدد  من الضوضاء ، صوت لوالدي الطفل أو بالغين آخرين.  يستوعب الطفل قبل ان يفهم الكلمات والجمل بوقت طويل أن اللغة هى شيء يسبق وجوده ، كشيء موجود هناك دائمًا ، مثل ، صوت مرتفع. ولكن بالنسبة للطفل فالصوت له أبعاد اللغة دون أن يكون له شرطها. ( يقابل البالغين نفس الموقف حين يسمعون لغة أجنبية). بالنسبة للطفل ولكي يصل الطفل إلى الترتيب الثلاثى للغة ” المعنى الدلالى  ، البيان أو التعبير  ، المغزى)، لابد ان يمر بالبعد الثانوي ، الذى ينتج البُعد المسطح  للمعنى. كيف تتأتى هذه البُنية؟ يستخلص الطفل من تدفق الصوت عناصر تفاضلية من نظم متعددة ( فونيمات : أقل وحدة صوتية : phonems، ومورفيمات: وحدة صرفية :morphemes، سيمانتيمات  : وحدة دلالية ، symantemes) ثم يبدأ في تجميعها في سلاسل متنوعة.

عند هذا الحد ، يعزل دولوز ثلاثة سلاسل ،أو توليفات : رابطة conncetive  وواصلة  conjuctive  ، وفاصلةdisconjuctive .في السلسلة الأولى يربط الطفل الفونيمات في سلسلة من الكيانات المتعاقبة (  ماما، دادا) وفي الثانية تتكون بنية من الكلمات المبهمة  من هذه الفونيمات من خلال الدمج والتوصيل  ” حيث تتحول العبارة ( أريد أن آتي معك ” إلى ” آماكي” مثلا) [ أو في الإنجليزية your royal highness إلى y’reince [ وفي السلسلة  الثالثة يبدأ الطفل في جعل تلك الكلمات المبهمة  تتداخل وتترابط مع سلاسل أخرى. يمكننا أن نرى بوضوح ان بُنى تنظيم المعنى ليست بعد الوحدات المكتملة التشكل من الترتيب الثلاثي للغة في المستوى العالي ، ولكنها لم تعد تلك الضوضاء المرتبطة بالجسد المكونة للنظام الأولي. يتلقى الطفل ترتيبات واسعة في العناصر التكوينية للوحدات اللغوية قبل أن يكون لديه أى فهم لها. هذا هو السبب في أن مجال المعنى هو الشرط أو الأساس للجمل وليس باعتباره إمكانية لها  ، ولكن باعتبارها ” مادة مثالية أو وسيط medium” : حيث أننا نتموضع فورا داخل المعنى سواء كنا نحيل إلى كائن ، أو نمارس بيان لعوامل ذاتية أو مغزى الجملة  في داخل البنية المنطقية نفسها. علاوة على ذلك ، طالما أن المعنى يتموضع أمام كل من الكلمات والأشياء ، إنه يعبر عنه في القضايا أو العبارات ، ويشير  إلى حالة خارجية من الأمور  ، ولكنه لا يمكن ان يختلط مع أي منهما سواء  العبارات أو الأحداث ، إنه يولد كل من الابعاد المحددة للقضايا (الدلالة  ، البيان أو التعبير  ،المغزى) وكذلك  الموضوعات التب تشير إليه تلك الأبعاد الثلاثة لعلاقات الجملة  (ما هو مشار إليه ، وما هو محل بيان ، وما هو محل دلالة).

يخضع مجال المعنى بالضرورة لهشاشة في التأسيس  ، إنه قابل للتحول للامعنى ، يصبح بلا أساس ، وبلا قاع.والسبب في ذلك واضح. المعنى ليس هو المبدأ ولا الأصل ـ إنه نتيجة ، او تأثير لعناصر هي نفسها بلا معنى.المعنى بشكل آخر مرتبط بعلاقة مع اللامعنى. ورغم ذلك يفرق دولوز بين نوعين من اللامعنى. النوع الأول  ، مثل ذلك الذى لدى  لويس كارول ، والذى  بقى على سطح المعنى ، مثل الاطفال ، يستخدم عناصر لا دالة   لأجل نحت كلمات ” مثل:Snark= shark + Snake , frumious = furious + fuming)) ]الكلمة سنارك نحت من الكلمتين SHARK بمعنى قرش ، سناك SNAKE بمعنى ثعبان ] أو جمل بلا  معنى ( Twas brilling , and the slithy toves did gyre and gimble in the wabe) و التي تملأ كتاباته.   لو كان  كتاب ” منطق المعنى ” جزئيًا قراءة لعمل كارول ، فذلك لأن ليس هناك افضل من كارول لإدراك شروط انتاج المعنى ، وهو مايسهب فيه دولوز بالتفصيل ، استخلاص العناصر التفاضلية أو الحدث المحض  ، وانتظامهم في سلاسل متعددة ، والاهم من ذلك عناصر المفارقة أو الغموض التى تصل تلك السلاسل (شبه السبب المثالي quasi-cause [ يشير المصطلح حسب دولوز  والمشتق من الرواقية إلى علاقة تربط شيئين غير ماديين أو ذات جسد] الذي يولد المعنى من اللامعنى).

ولكن يوجد هناك نوع ثان من اللامعنى ، أكثر عمقا من اللامعنى السطحي الموجود لدى لويس كارول.هو اللامعنى المرعب من النظام الأوّلي الموجود لدى انتونين أرتو Antonin artod. المعنى هو ما يمنع اللغة الصوتية من ان  تختلط  بالأجسام المادية ولا تتميز عنها  ” الضوضاء”. ولكن في النظام الأولي أو البدائي البسيط  للسكيزوفرينيا التى عايشها آرتو ، لم يعد ثمة شيءء يمنع العبارات من الإنهيار في الأجساد ، حيث يختلط العناصر الصوتية بالتأثيرات الشمية والتذوقية والهضمية للأجساد (Artisud’s cris-souffles: “ ratara ratara Atara tatara rana Otara otara katara” ).

سوف يطور دولوز مفهومه ” جسد بلا أعضاء ” خلال تعاونه مع فيليكس غوتاري الذى سنتكلم عنه الأن. كما سنرى، فأن مفهوم أجساد بلا أعضاء سيتم استخدامه في فلسفة طبيعانية معقدة لـ” الإنتاج الراغب desiring-production  ” ، بعيدًا وراء سؤال المعنى ، في مجال الطبيعة والتاريخ والسياسة. بمعنى آخر ، كان منطق المعنى ” مواجهة دولوز مع ” المنعطف اللغوي ” والذي كان مهمًا جدًا لفلاسفة القرن العشرين ، التى سرعان ما ألقاها دولوز وراء ظهره ، وبدأ في اظهار ماديته وطبيعانيته.

 

  1. التعاون مع غوتاري

التقى دولوز مع غوتاري بعد عمله في فلسفة الاختلاف عقب أحداث مايو 1968. جمعت تلك الأحداث الشهيرة  ، التي ميزت الثقافة والسياسة الفرنسية منذ حينها ،  الطلبة والعمال معًا ليحدثوا صدمة لحرس الثورة القديم  ، الحزب الشيوعي الفرنسي . أيام من الاضطرابات والمواجهات مع الشرطة أدت بالرئيس شارل ديجول إلى الدعوة إلى انتخابات مبكرة. دعم الشيوعيون والذين كانوا يخشون ثورة من أسفل ، والتي حسب تعريفهم ستفتقد الانضباط الحزبي الذى كانوا يقدسونه دعوة ديجول لحل برلماني للأزمة ، كذلك دعم الممسكون بزمام السلطة ديجول بحكم موقعهم. في نهاية المطاف ، انهارت حركة الطلبة والعمال ، تاركة ذكريات عن تفاعلات اجتماعية غير مكتوبة وكشفت عن ضيق أفق الحزب ، والذين تم وصف منتسبيه  فيما بعد بأنهم ” ثوريين بيروقراطيين ” على حد تعبير فوكو في المقدمة الانجليزية لكتاب ” ضد أوديب” . كان اتفاق الحزب الشيوعي مع ديجول في حل برلماني للأزمة الاجتماعية مثالا صارخا على أفق الهوية ( الرغبة في ان يكون الشخص خاضعا لبيروقراطية الدولة المركزية) ، والتى سمحت لمعارضي (ديجول والشيوعيين كممثلى لسيطرة الدولة / دولتيين  ) بإحداث فارق. غيرت استجابة الحكومة لأحداث مايو / أيار 1968 الحياة الاكاديمية الفرنسية بطريقتين مختلفتين. أولا : من الناحية المؤسساتية عن طريق انشاء جامعة باريس الثامنة (فينسين Vincennes) حيث درّس دولوز ، وثانيًا : الطريقة الثانية في اتجاه فلسفة الاختلاف والتى باتت سياسية صريحة فيما بعد 1968. في الواقع أصبحت ،فلسفة سياسية مكرسة لفضح علاقات القوة التاريخية والتى تنتج الهوية بجميع اشكالها الأنطولوجية والإبستمولوجية. بمعنى أخر ، بدأت فلسفة الاختلاف في توضيح أن الاشياء الموحدة في العالم والذوات الموحدة التى نعرفها ونتحكم فيها وأجساد المعرفة الموحدة التى تشفر هذه المعرفة والمؤسسة الواحدة للفلسفة التى تسيس تلك القضايا كلها ، هى في النهاية نتاج للقوى السياسية والتاريخية من خلال صراعها مع بعضها البعض.

بمصطلحات فلسفية محضة ، طبعن naturalize  العمل مع جوتارى هيكل العمل الموجود في الاختلاف والتكرار والذي كان لا يزال كانطيًا. اعتبر كل من دولوز وجوتارى في كتاب ضد اوديب وألف هضبة أن التوليفات التى يبحثون عنها هى توليفات مادية كاملة ، توليفات طبيعية موجودة في السجلات الجيولوجية والبيولوجية والاجتماعية و النفسية.(Welchman 2009) ليست فقط التوليفات العضوية ولكن غير العضوية ايضا ، إنها بمثابة ” ديناميات زمكانية ” مع طبعنة كل التوليفات  ، هنا يبرز  سؤال ” الروحية الشاملةpampachysm  ” إلى الواجهة ، فطالما كانت التوليفات المادية ليست سوى توليفات خبرات  ، كما هي توليفات بين الاشياء، يمكن أن نرى ذلك في عنوان الفصل الثالث : في الف هضية : جيولجيا الاخلاق : ماذا تظن الأرض عن نفسها؟

 

1.4 ضد – أوديب

عند النظر إلى ” ضد أوديب ” يجب علينا أن نناقش الوَقع الذى يحدثه  ، الذي يحاول ” إجبارنا على التفكير ” ومكافحة الميل إلى الكليشيهات (الأحكام الجاهزة) . في الحقيقة، إن قراءة ” ضد أوديب ” تجربة صادمة. أولا: نجد جمع غريب من المصادر ، فمثلا ، أحد أهم المفاهيم الأساسية في هذا العمل” جسد بلا أعضاء ”  مستمد من الصراخ الفصامي / السكيزوفريني لدى أنتونين ارتو. ، ثانيًا سوقية الكتاب ، كما في السطور الافتتاحية سيئة الصيت  عن ( الهو) اللاواعي :” إنه جاهز للعمل في كل مكان ، يعمل بسلاسة أحيانا ، وأحيانا يذهب ويجىء. إنه يتنفس ، إنه يسخن ، إنه يأكل إنه يتغوط ويناكح. [Ça chie ، ça baise]. ياله من خطأ أن نقول الهو”(7 / 1).  الوقع   الثالث هو السخرية ، مثل السخرية من تحليلات ميلاني كلاين للأطفال، ” قل إنه أدويب، أو سأصفعك على رأسك [sinon t’auras un gifle]” (54/45، ترجمة بتصرف). هناك عدد من الفقرات مثل تلك ، ويمكن القول إنه عدد قليل جدًا من كتب الفلسفة من الممكن ان يحوي  نكاتًا واستعارات مثل تلك التى في  ” ضد أوديب”. العنصر الرابع هو الحدة في الجدل.  والعديد من الأمثلة الأخرى ، مثل ، ربط  مفكري   الدال singifier  بالكلاب المدللة للطغاة ، والقول عن أعضاء الحزب الشيوعى الفرنسي ان لديهم ولع مرضى  بالفاشية أو وصف فرويد على انه ” آل كابوني المقنع” ، على العموم، تأثير قراءة ضد أوديب لا يمحى.

بالانتقال إلى البُنية المفاهيمية للكتاب ، فإن المفهوم الرئيس للكتاب هو مفهوم ” الإنتاج الراغب  desiring-production  ، والذى يدمج   كل من ماركس ، وفرويد ، حيث ينقل عملية مفهوم الرغبة في المجال الاجتماعي ، ويضع مفهوم الإنتاج في عالم الرغبة في اللاوعي.  ولكن بدلا من محاولة الدمج  بين كل من ماركس وفرويد كما هو معتاد عن طريق استراتيجية اختزالية (1) تعمل لمصلحة إما فرويد ، عن طريق افتراض أن الولع بالشخصيات والأنماط العامة يمكن تفسيره عن طريق اختزاله للولع بأفراد وانماط الأسرة. أو (2) لمصلحة ماركس عن  طريق العكس ، أي افتراض ان العصابات والذهانات بنى علوية ناتجة عن  البُنى الاجتماعية غير العادلة. يعتبر دولوز وجوتاري أن الإنتاج الراغب عملية كونية أولية يندرج تحتها ، مجالات طبيعية واجتماعية ونفسية منفصلة. الإنتاج الراغب ليس محورًا إنثربولوجيًا ، ولكنه القلب النابض للعالم. إلى جانب كونيته ، نحتاج إلى إدراك شيئين عن الإنتاج الراغب. 1) ليس هناك ذات منتجة للرغبة 2) الرغبة ليست ناتجة عن نقص ، ولكنها موجبة بشكل خالص. الإنتاج الراغب مستقل وذاتي التأسيس وخلاق ، إنه الطبيعة كجوهر natura naturans  لدى سبنوزا ، إنه إرادة القوة لدى نيشته.

إلى جانب إبتكاراته المفاهيمية والاصطلاحية ، فكتاب ” ضد أوديب ” كتاب يحمل طموحات عظيمة ، من بينها (1)نظرية للإيكولوجيا الاجتماعية في الإنتاج ، تغطي كل من الجوانب الطبيعية والثقافية ،و التي تعمل معا كأنطولجيا تغيير وتحول أو”صيرورة”.(2) ” تاريخ كوني ” للصيغ الاجتماعية- “البريرية” أوالقَبَلية ، والمجتمعات البدائية   أوالإمبريالية ، والرأسمالية – والتي تعمل كعلم اجتماعي تركيبي، (3) ولوضع أرضية واضحة لهذه الوظائف،نقد للقراءات الموجودة من كل ماركس وفرويد ، ومحاولة وضعهم بإزاء بعضهم البعض من خلال مجالات تطبيقاتهم.نتيجة لتلك الطموحات ، حمل ” ضد أوديب ” فضائل ورذائل الأعمال الكبيرة ، وصنع  صلات مبتكرة و لم تكن متصورة بين عناصر منفصلة ومتباعدة  ، ولكن على حساب مخطط مفاهيمي بات غير واضح.

يحدد ” ضد أوديب ” نوعين من “الإنتاج- الراغب ”  ،  نوع طبيعي أو ميتافيزيقي ونوع اجتماعي أو ” تاريخي” ،  ومرتبطين على النحو التالى : إنتاج-الرغبة الطبيعي تقمعه الآلات الجتماعية ولكنه يتجلى في الرأسمالية عند نهاية التاريخ ( تاريخ حال وفوري  ، تاريخ  يتجنب القوانين الجدلية للتاريخ). تطلق الرأسمالية إنتاج الرغبة حتى وهي تحاول كبح جماحها عن طريق مؤسسة الملكية الخاصة ، وأنماط الرغبة الأسرية أو ” الأوديبية”، يدفع الإنتاج الراغب الذي انطلق  الشيزوفرينيا ، ولكنه يفشل في تلبية معايير المجتمع الرأسمالي ، ومن ثم فإنه يقدم فكرة عن كيفية إنتاج الرغبة.

من المهم أن نشير إلى أن دولوز وغوتاري لا يدافعان عن الشيزوفرينيا كأسلوب حياة أو كنموذج لبرنامج سياسي. يعد الفصامي أو المصاب بالشيزوفرينا كيانًا سريريًا، نتيجة لكبح إنتاج الرغبة ، حيث يستبعد من الطبيعة والمجتمع ، ويرتد لجسد الفرد ، حيث يدور في الفراغ بدلا من صتع الروابط التي تشكل الواقع. وفي قلب أو عكس لمعنى الرغبة عند لاكان ، لا يتصل إنتاج الرغبة بالواقع باعتباره هروب من الذاتية نحو الموضوعية  ولكنه يصنع الواقع ، إنه الواقع. فعند لاكان ، يتم إنتاج الواقع عن طريق بقايا إسقاطية ووهمية نحو نظام من الإشارات ، بالنسبة لدولوز وغوتاري الواقع هو الحقيقة نفسها في سيرورتها  لصنع الذات. الفصامي شخص مريض يحتاج إلى علاج ، ولكن الشيزوفرينيا تعد وسيلة للوصول للاوعي، ليس لاوعي الفرد ، ولكن اللاوعي المتعالي transcendental ، لاوعي اجتماعي وطبيعي في آن معًا .

في دراستهم لمرضى الشيزوفيرينا، افترض دولوز وغوتاري أن كل من الإنتاج الراغب الطبيعي والاجتماعي يتكون من ثلاث توليفات  ،   رابطة ، فاصلة ، وموصلة . تقوم تلك التوليفات بثلاث وظائف: الإنتاج والتسجيل والمتعة.   يمكننا أن نربط وظيفة الإنتاج بما هو نفسى اجتماعي ، والتسجيل بما هو سيموطيقي أو متعلق بالعلامات ، والمتعة بما هو سيكولوجي. وإذا كان من الأهمية بمكان أن ندرك    المفهوم الكانطى للتوليفsyntheses ،فلا يقل  أهمية أن ندرك  ، أن بالنسبة لما بعد البنيوية التي ناقشناها ، لا يوجد ذات  تقوم بعملية التوليف ، فالذوات نفسها بمثابة سيرورة محايثة للتوليف . ولكن التوليفات لا تستند إلى ذات ، ولكنها عملية محايثة للإنتاج الراغب .وبالعكس فإن افتراض أن هناك ذات وراء التوليف بالمعنى الكانطي  ، سيكون تعاليًا   بالتوليفات. ونرى هنا أيضًا  إشارة أخرى للمفهوم الكانطى للمحايثة immanence.  أراد دولوز وغوتارى دراسة الاستخدام المحايث للتوليف في ” تحليل نفسى مادي ” أو  تحليل سكيزوفريني” ، على العكس  من ذلك كان التحليل النفسي بمثابة تعالي  بالتوليف ينتج عنه خمس مغالطات أو شبهات  أو أوهام متعالية، كل منها ينطوي على  تحديد خواص امتداد extensive  للمنتجات الفعلية ، أو سيرورة إنتاج شدة ، وفي ضوء مصطلحات كتاب الاختلاف والتكرار ، فإن كل هذه المغالطات تجعل من السيرورات التفاضلية خاضعة  للهُويات المسبقة  المشتقة من المنتجات.

طبقًا ” للتاريخ الكوني ”  في ” ضد أوديب ” ، هناك ثلاثة أشكال من الروابط في الجسد الاجتماعيsocius ، والتي تحرك عملية الإنتاج : الأرض المملوكة للقبيلة ، وجسد الامبراطورية ، ورأس المال في الرأسمالية. حسب قراءة دولوز وغوتاري للأدبيات الأنثربولوجية ، فان المجتمعات القبلية تسم الأجساد في طقوس التأهيل/ الختان ، وبالتالي فإن عضو  من الجسد البشري يؤول للعشيرة ، أو رمزيًا يؤول إلى  الأرض ، وبالتالي تعمل الأعضاء ككل كما لو كانت جسد الأرض . وهكذا فالتدفقات المادية تأخذ طابع إقليمي  ، حيث تؤول للارض حيث مصدر كل الإنتاج. العلامات الموجودة في الكتابة القبلية ليست دوال : فهي لا ترسم صوتًا ، لكنها تسن “مثلثًا بدائى يشكل   … مسرحًا للقسوة يعنى ضمنا  الاستقلال الثلاثي لكل من   للصوت الواضح  واليد الراسمة  والعين الشكورة او المقدرة  ” (189) . تعيد الإمبراطورية تشفير تلك الرموز ، انها تُرجع الإنتاج مرة أخرى إلى طاغية ، او الأب الروحي  للشعب. وهكذا فالتدفقات المادية في الامبراطوريات الاستبدادية  يجرى لها عملية ” لا إقليمية ” ، فلم تعد توجه نحو الأرض بعد الآن  ، بل يتم إعادة توطينها في المستبد ، الذى يضمن عملية الإنتاج. وبينما تم استبدال الإشارات القبائلية ، يتم تشكيل الدوال كـ” إشارة لا اقليمية ” تسمح بالاتصال بين الغزاة و الخاضعين للغزو. تتحول الإشارات إلى مسطح أو تصبح ثنائية البؤرة ، سلسلتان تصطفان معا بإزاء بعضهما البعض ، الكلام والكتابة(حسب مفهوم دريدا عن مركزية الصوتcf. (205–6. ويكون جسد الإمبراطور في الإمبريالية يعنى أن العمال هم يد الإمبراطور ، الجواسيس هم عينه وهكذا.

أما الرأسمالية فهي فك تشفير جذرى و” لا أقليمية deterritorialiazed”  للتدفقات المادية في الآلات الاجتماعية السابقة التي سبق تشفيرها  في  الأرض أو جسد الإمبراطور. يضاف الإنتاج إلى ” جسد ” رأس المال ، ولكن هذا النمط من التسجيل  يقلب بديهات الرمز. ، تعنى البديهات في هذا السياق ، عدد من المبادئ البسيطة لاحتساب التفاضل والاختلاف بين التدفقات المادية ، بين العمل الاقليمي  ورأس المال بدلا من ان تكون قواعد نوعية لوضع خريطة للتدفقات في الجسد الاجتماعي . نظام الرأسمالية بسيط تماما ، ربط تدفقات العمل المحددة بمكان برأس المال غير المحدد ،واستخراج فائض بهذه الطريقة.وهكذا تطلق الرأسمالية عملية إنتاج هائلة عن طريق ربط تلك التدفقات. تحاول مؤسسة الملكية الخاصة تسجيل الفوائض على أنها تابعة لأفراد سريعًا. والآن هؤلاء الافراد بصفة اولية أعضاء في مجتمع الرأسمالية ، وثانويًا كأعضاء في الأسرة.وبينما أعضاء الجسد كانت في النظم السابقة تعود إلى الأرض أو القبيلة ، وإلى الإمبراطور، كما في حق السيد jus primae noctis ، تم خصخصة أعضاء الجسد للأفراد كأعضاء في أسرة .طبقًا لدولوز وغوتاري ، يتم إعادة تشفير التدفقات نحو الأفراد ، كأعضاء أسرة في مثلث أوديبي.

 

2.4 ألف هضبة

هناك ثلاث اختلافات تتضح على الفور بين ذلك الكتاب وسابقه. أولاً: يتناول ” ألف هضبة ” طيفًا واسعًا من المواضيع أكثر من تلك التي في ” ضد أوديب” :   فلكية ، جيولوجية ، تطورية ، تنموية ، لاهوتية ، أنثربولوجية ، تاريخية ، اقتصادية ، سياسية ، أدبية ، موسيقية ، وأكثر.  ثانياً ، تم تحويل ما تم اعتباره مغالطات في كتاب  ” ضد أوديب ”  إلى طبقات  starta في كتاب ” ألف هضبة ” : الوحدة العضوية للكائن الحي/ العضوانية  organism ( تحولت إلى : الوحدة والكليانية للتوليف المتصل للإنتاج ، أو السجل الفسيولوجي) ، الكلية الدلالية ، أو الدلالة ، التي ربما يمكن معالجتها كعملية تحول نحو دال (تحولت إلى : التسطيح  ، أو توحد مزدوج في المعنى ، بمثابة توليف اتصالي للتسجيل recording  ، أو سجل سيميوطيقي، لساني) ، والكائن ( تحول إلى: إعادة تخليق للتوليف الاتصالي للكمال ، أو سجل سيكولوجي.) . وأخيرًا ، بينما لـ ” ضد أوديب ” بنية مفاهيمية كلاسيكية ، فإن ألف هضبة تمت كتابته كـ” جذمور ” بحيث يسمح فورًا بإقامة صلات بين أي من نقاطه. بسبب تلك الطبيعة الجذمورية للكتاب ،سيكون من المستحيل وضع عرض تقليدي لأطروحات الكتاب ، وفي افضل الأحوال سيكون معقدًا على مقال في موسوعة. لذا سنقتصر على عدة ملاحظات.

في أربعة عشر هضبة ، أو مسطحات  من الشدة  – صلات إنتاجية بين نظم مادية محايثة دونما إشارة إلى مصدر خارجي حاكم – يطور دولوز وغوتاري مادية جديدة حيث الفلسفة المسيسة للاختلاف تصل القوى و العلوم التى سبق تحليلها في ” التكرار و الاختلاف” . ” ألف هضبة  ” عبارة عن كتاب من الاسئلة الجديدة والغريبة، ” ما تعتقده الارض عن نفسها؟ ” ، ” كيف تجعل من نفسك جسدًا دون أعضاء؟” ، “كيف تتجنب آلة الحرب تحكم الدولة؟”  وهكذا. لمزيد من التبسيط ، استخدم دولوز وغوتاري  نتائج نظرية النظم الديناميكية [ نظرية التعقد ، أو الفوضى]  والتي تستكشف الطرق المختلفة التي تنتظم فيها النظم المادية انتظاما ذاتيًا، ( أي تقلل من الفوضى مثل مثالنا السابق عن نظام التيارات الحرارية). وسع دولوز وغوتاري مفهوم التنظيم الذاتي للنظم المادية ، حيث لا حاجة لمنظم متعالي مثل ، الآلهة والقادة ورأس المال أو الذوات ، لدراسة ما هو اجتماعي ، ولساني ، واقتصادي ، وسياسي ، وسيكولوجي. تقدم الشبكات الجذمورية ، أو الشبكة التي لا مركز لها ، في ” ألف هضبة ” تلميحات مع التدفقات المتوالية من الطاقة والمادة والأفكار والأفعال ومحاولات ربطهم معًا والتي تشكل عالمنا المعاصر.

يحافظ الكتاب على مستويات دولوز الأنطولوجية الثلاث ولكن مع مفاهيم جيولوجية. يطلق دولوز وغوتاري على الافتراضيvirtual  اسم ” الأرض ” ، وعلى الشدة intensive  “تجانس ” وعلى التحقق ” نظام الطبقات” ، وكما يشير المصطلح الأخير ، فان بعض النظم تتجه نحو التقسيم الطبقي أو إلى  التجانس. بتعبير أدق ، يتكون أي نظام مادي من سيرورة شدة  تقود باتجاه إما ( افتراضي) حيث مستوى من التجانس أو تقود إلى ” التحقق” حيث التقسيم. ويمكننا القول أن أي وجود هو شدة  تتجه نحو حدود الافتراضي أو تتجه نحو التحقق ، وهذين المجالين الأنطولوجيين لا يوجدانexist ولكن ” يمارسان اصرارهما insist ” باستخدام مصطلحات دولوز. لا شيء يستطيع إنهاء حالة الركود  المطلق للمتحقق ، ولا  التشتت التفاضلي المطلق لما هو افتراضي ، على العكس،  فإن  العمليات الطبيعية أو العالمية   تكون دائمًا وأبدًا  تحققات ، ولكن  عملية التحقق تتشكل عن طريق  التعددية الافتراضية والتي تسعى للتحقق الذي لا يتم أبدًا  بشكل نهائي. بمعنى أصح ، تنطوي النظم على عمليات تتجه في اتجاهات متعاكسة  ، فبينما تتجه نظم نحو التحقق ، هناك عمليات تتجه نحو الافتراضية . بكلمات أخرى يمكن القول ان دولوز وغوتاري من فلاسفة السيرورة ،حيث السيرورة والمنتج النهائي ليسوا في نفس المستوى الأنطولوجي. من وجهة النظر تلك يقدم دولوز وغوتاري ” نظم مفتوحة ” معقدة وغنية بالتفاصيل ، حيث هناك مستوى غير عادي من الثراء والتعقيد. من الطرق المفيدة لتتبعها هي التوقف عند مفاهيم ، التشفير coding  والطبقيةstratification  والاقليمية territorialization .إنها مرتبطة بالسلوك الآتى. التشفير ، هو سيرورة تنظيم المادة كما هي مرسومة في الجسد، بينما الطبقية هي سيرورة إنشاء تقسيمات هرمية، والإقليمية هي ترتيب تلك الهيئات في “تجمعات” ، وهذا يعني ، وحدة ناشئة تجمع بين الأجساد غير المتجانسة في “تجانس”.

استخدم  دولوز وغوتاري هذه المفاهيم ، بالإضافة إلى شبكات مفاهيم أخرى ولكن المساحة لا تتسع لها  ، لاجل معالجة عدد من الموضوعات. بعد مناقشة مفهوم الجذمور Rhizome  في الفصل الأول ( أو الهضبة الأولى كما اسمياها) ، سرعان ما رفضا التحليل النفسي في الثانى. في الفصل الثالث يناقشان الانقسام إلى طبقات  stratification  في العالم الفيزيائي والعضوي والطبقات الاجتماعية ، مع اهتمام خاص نحو أسئلة الوراثة السكانية ، حيث يحدث الانتواع عن طريق التقسيم الطبقي ، أو قنوات لتدفقات من الجينات. في الفصلين الرابع والخامس ، يخوضان مناظرة حول اللغويات لمصلحة البرجماتية ، مما يعنى  تسليط الضوء على التحولات غير الملموسة  أو غير المادية ( العلامات التى تمثل أشكالاً مختلفة من الفعل الذي ينصب على الجسد) مثل ( أنا أعلنكم زوج وزوجة ) وهي الأفعال المقرة اجتماعيًا  ” نظامًا من الكلمات” (يشير كل منهما إلى  أفعال الكلام في هذا السياق). كما وضحا نظرية ”  الإقليمية ” أو مجموعات من المحفزات والمتغيرات المحلية المضمنة في بيئة معينة والتي تحكم عمليات التنظيم الذاتي  ،  والعمليات المصاحبة لها مثل اللا أقليمية  (كسر العادات) ، أو تشكيل الإقليمية  ( تشكيل العادات). في الفصلين السادس والسابع يناقشان أدوات تلقي وتجربة  الطبقات التى نجد انفسنا فيها. ويتناول الفصل السادس الطبقة العضوية أو ” العضوي ” المصطلح سيء الصيت ” جسد بلا أعضاء ” والذى يمكن اعتباره على الأقل جزئيًا  مستودع  إمكانيات لأنماط مختلفة من التأثيرات الجسدية . يتعامل الفصل السابع مع تقاطع الدلالة signifiance ” عملية الدلالة التى يمارسها الدال signifer -ness  ” ، عن طريق تجيى الذات في الوجه عن طريق حيلولة الوجه دون انحراف الدلالة عن طريق إيماءات الوجه كتعبير عن الذات. وفي الفصلين الثامن والتاسع يتناولان ممارسات التنظيم الاجتماعي ، والتي اسموها خطوط وقطاعات ، مع إيلاء اهتمام خاص للفاشية. ويعودان في الفصل العاشر نحو سؤال تجربة الشدة ، التي تم مناقشتها في ضوء مصطلح الصيرورة ، حيث على الأقل نظامين يندمجان معًا لتكوين نظام جديد، وفي الفصل ال 11 بناقشان الانفصال أو العزوف او الامتناع أو [ الترحال]   باعتباره هروب من أو إعادة أقاليم  ، أو حتى التواجد في الصيرورة من اللاإقليمية والتى أسموها ” التجانس ” ، في الفصل 12 و 13 يتناولان العلاقة بين آلة الحرب والدولة ، حيث الأولى شكل من اشكال التنظيم الاجتماعى الابداعية (إنها ” الإقليمية واللا أقليمية في ذاتهما”) ، بينما الأخيرة نظام السيطرة ، الذي يعيش على مص دماء الطبقة العاملة ( هنا يتضح المنظور الماركسي لهما). أخيرًا ، في الفصل الرابع عشر ،يناقشان بعض أشكال فضاءات التشكيل الاجتماعي ،  في المقام الأول فضاء سائل  لآلات الحرب ، وفضاء منضبط للدولة.

 

3.4 ما الفلسفة؟

بعد فترة طويلة سعى فيها كل منهما إلى تحقيق مصالحه الخاصة، نشر دولوز وغوتاري آخر تعاون بينهم في 1991، وهو كتاب ما الفلسفة؟ وبغية الإجابة على سؤالهم المعنون، يسعى دولوز وغوتاري إلى وضع الفلسفة في علاقة مع العلم والفن، بحيث يصبح الثلاثة طرقًا للفكر، دون تبعية بينهم. إن الفكر، بكل طرقه، في كفاح مع الشواش ]السديم  أو الفوضى chaos – المترجم[ ضد الرأي. والفلسفة هي إبداعٌ أو بناءٌ للمفاهيم، حيث أن المفهوم كثرة شديدة، ومنقوش على مسطح المحايثة، ومأهولٌ من قبل “شخصية مفاهيمية”، التي تدير بدورها الآلية المفاهيمية. والشخصية المفاهيمية ليست ذاتًا، لأن التفكير ليس ذاتيًا، ولكنه يحصل في العلاقة بين الإقليم والأرض. ويخلق العلم وظائف على مسطح المرجع. ويبدع الفن “كتلة من الأحاسيس، بمعنى، مجموعة من الإدراكات والانفعالات”   (WP, 164).

سنتناول دولوز والفنون بشيء من التفصيل في الأدنى. ودعونا نركز في تناولنا لما هي الفلسفة؟ على البحث في العلاقة بين الفلسفة والعلم. وينبغي علينا أن نتذكر في المستهل بأن العلوم المترحلة أو الهامشية التي أُثيرت في كتابه ألف هضبة ليست  العلوم الحاكمة أو الرئيسة التي تشكل مجمل ما يطلق عليه دولوز وغوتاري مسمى “العلم” في ما هي الفلسفة؟. إن دوافع هذا الدمج مبهمة، وفي نظر البعض، يقلل هذا التغير كثيرًا من قيمة العمل الأخير. ومهما يكن الأمر، فإن دولوز وغوتاري يرفضان بشدة بأن هناك حاجة للفلسفة لمساعدة العلم للتفكير في افتراضاته الخاصة به (“لا يحتاج أحد للفلسفة للتفكير في أي شيء”[WP 6]). ويؤكدان عوضًا عن ذلك على الطبيعة المتكاملة للجانبين. أولاً، يشير كلاهما إلى مجموعة من المتشابهات بين الفلسفة والعلم: يستحضر كلاهما النظام إلى “الفوضى”، وكلاهما من أساليب الفكر الإبداعية، ومكملان لبعضهما البعض، إلى جانب الفن، وهو الأسلوب الثالث من الفكر الإبداعي. ويمين دولوز وغوتاري، بالإضافة لهذه التشابهات، بين الفلسفة على أنها إبداع للمفاهيم على مسطح المحايثة، وبين العلم باعتباره إبداع للوظائف على مسطح المرجع. كلاهما يرتبطان بالافتراضي، والحقل التفاضلي للتحولات المحتملة للمنظومات المادية، ولكن بطرق مختلفة. تعطي الفلسفة الاتساق للافتراضي، وترسم خرائط القوى التي تشكل النظام بوصفه إمكانات خالصة، وما باستطاعة النظام تحقيقه. وفي الوقت نفسه، يمنح العلم الفلسفةَ مرجعًا، ويحدد لها الشروط التي تتصرف الأنظمة بموجبها بالطريقة التي تعمل بها بالفعل. الفلسفة هي “التأثير المضاد للحدث”، مجردةً الحدث أو تغير النمط من الأجساد أو الشروط، وبالتالي تحدد الإمكانات التحويلية المتأصلة في الأشياء، والطرق التي لا تُسلك  التي تتعايش كإمكانيات للتكيّف أو منفصلة ضمنًا (تفاضل، بلغة الاختلاف والتكرار)، في حين يتتبع العلم تحقيق الافتراضي، شارحًا لماذا تم اختيار هذا الطريق الأوحد في سلاسل متشعبة أو انفصال خاص (تمايز، وفقَا للاختلاف والتكرار). تتنبأ الوظائف بسلوك الأنظمة المشيدة، وتحدد أنماطها وتتنبأ بالتغيير مستندةً على السلاسل السببية، في حين أن المفاهيم “تنطق الحدث”  (WP 21)، وتحدد كثرة هيكلة الأنماط المحتملة لسلوك النظام – والنقاط التي يمكن للنظام عندها تغيير عاداته وتطوير عادات جديدة. وبالتالي، بالنسبة لدولوز وغوتاري في ما هي الفلسفة؟، يُعنى العلم بخاصيات الأشياء المشيدة، في حين تُعنى الفلسفة ببنية الأحداث. وعمومًا، تستكشف الفلسفة مسطح المحايثة المؤلف من كوكبات القوى التأسيسية التي يمكن تجريدها من الأجساد والأوضاع. وهي بالتالي تحدد نطاق الارتباطات التي يكون الشيء قادرًا عليها، و “صيروراته” أو “تأثيراته”. ويبحث العلم، على الجانب الآخر، تجسيد هذه القوى في أجساد وأوضاع، ويتتبع سلوك الأشياء في ما يتصل بالأشياء المشيدة بالفعل في منطقة ما محددة من الزمان والمكان (“مسطح المرجع”). كيف ترتبط المفاهيم بالوظائف؟ مثلما يوجد ما يُسمى “مفهوم المفهوم”، هنالك أيضًا “مفاهيم الوظائف”، ولكنها إبداعات فلسفية تامة “دون أدنى قيمة علمية” (WP 117). وبالتالي، إن المفاهيم على شاكلة “اللاتوطينية deterritorialization” مفاهيمٌ فلسفية، وليست وظائف علمية، حتى وإن كانت تناسب أو تحاكي الوظائف العلمية. كما أنها ليست إستعارات، وكما أنها ليست استعارات، كما يصر دولوز وغوتاري على نحو متكرر:

نحن ندرك، بالطبع، خطر الاستشهاد بالقضايا العلمية خارج مجالها. إنه خطر الاستعارة التعسفية أو التطبيق القسري. ولكن قد يتم تجاوز هذه الأخطار إذا قيدنا أنفسنا بأخذ سمة معينة قابلة للصياغة من المشتغلين العلميين، والتي تشير نفسها إلى مجالات غير علمية، وتتقارب مع العلم دون تطبيقها أو جعلها مجازًا  (Deleuze 1989: 129).

يرفض دولوز وغوتاري الاعتراف بأن احتواء عملهم للاستعارات يعود إلى نضالهم ضد “إمبريالية” النظام الدلالي، وهو موضوع رئيس في كتاب ضد – أوديب وكتاب ألف هضبة: لا يمكن فهم كل علاقة بين المجالات الفكرية المختلفة بمفاهيم “الاستعارة” الأكثر شيوعًا ، والتي تعتمد على فكرة نقل المعنى من الدلالة الأولية إلى الثانوية.

 

  1. 5. دولوز والفنون

فصل كانط الجماليات إلى نصفين: نظرية الإحساس بوصفها شكلاً للخبرة الممكنة (“الجمالية المتعالية” في كتاب نقد العقل المحض)، ونظرية الفن كتفكير في الخبرة الحقيقية (“نقد الحكم الجمالي”  في كتاب نقد الحكم). وفي عمل دولوز،  يتم جمع شطري الجماليات هذين: إذا كان الهدف الأكثر عمومية للفن هو “إبداع الحس” ، فإن المبادئ التكوينية للحس هي في الوقت نفسه مبادئ تأليف الأعمال الفنية ؛ وفي المقابل، فإن الأعمال الفنية هي الأكثر قدرة على الكشف عن شروط الإحساس هذه. لذلك يكتب ديلوز عن الفنون ليس كناقد ولكن كفيلسوف ، وكتبه ومقالاته حول مختلف الفنون – بما في ذلك السينما (في كتابي السينما بجزئيهما) ، والأدب (مقالات نقدية وتحليلية) ، والرسم (فرانسيس بيكون: منطق الحس) – يجب أن تُقرأ على أنها تحقيقات فلسفية لنطاق الإحساس المتعالي. على سبيل المثال ، تُنتج السينما صورًا تتحرك ، وتتحرك في الزمن، وهذين الجانبين من الفيلم حددهما دولوز للتحليل في كتاب الحركة – الصورة وفي كتاب الزمن – الصورة: “ما الذي تبينه لنا السينما بالضبط حول المكان والزمان، ولا تقوم الفنون الأخرى بتوضيحه؟” وبالتالي، يصف دولوز كتاب السينما المكون من مجلدين بأنه “كتابُ منطق، منطق للسينما” يبين “فرز بعض المفاهيم السينمائية “، وهي مفاهيم خاصة بالسينما ، ولكن لا يمكن صياغتها فلسفياً. وعلى نحو مماثل، يبدع كتاب فرانسيس باكون: منطق الحس سلسلة من المفاهيم الفلسفية، التي يرتبط كل واحد منها بجانب من لوحات باكون، ولكنها أيضًا تجد مكانًا لها في “المنطق العام للحس”. وبشكل عام، سيحدد دولوز شروط الإحساس في مفهوم الشدة للمكان ومفهوم افتراضي للزمن، ويتحققان بالضرورة في كثرة الأمكنة والوتيرة المعقدة للأزمنة (مثلاً، في الأمكنة غير الموسعة، وفي الأزمنة اللا-خطية في الرياضيات والفيزياء الحديثة).

إن مهمة الفن، بالنسبة لدولوز، هي إبداع “العلامات”، التي بدورها ستدفعنا خارج عاداتنا الحسية إلى حالات الإبداع. عندما ندرك من خلال التسليم بخواص المواد، فإننا نرى بعين تالفة بُرمجت على أمور تقليدية؛ فنرتب العالم بما يسميه دولوز “التمثيل”. ويستشهد دولوز بفرانسيس باكون في هذا الصدد: نحن نسعى وراء عمل فني يبدع تأثيرًا على الجهاز العصبي، وليس على المخ. ما يعنيه بهذا التشبيه هو أننا مُجبرون، عند المواجهة الفنية، على أن نَخبُر “كينونة القابلية للحس”. نحصل على شيء لا نستطيع تمييزه، شيء “غير محسوس” – لا يتلائم مع نموذج الإبداع الهيلومورفي hylomorphic للحس الذي تكون فيه المعطيات الحسية، وهي “مادة” أو هيولي hyle الحس، مُرتبة من خلال إخضاعها للنموذج المفاهيمي. وبكل الأحوال، لا يمكن للفن أن يكون مُدركًا، ولكن يمكن أن يكون محسوسًا فحسب، وبكلمات أخرى، يشق الفن المعالجة الإدراكية، ويمنع الانتقال إلى التنظيم المفاهيمي. هذا بالضبط ما يسميه كانط في الحكم الثالث بالحكم التأملي: عندما لا يتم إعطاء المفهوم مباشرة في عرض الفن. نصل بالفن إلى “الحس” أو “القابلية للحس”، المحسوس sentiendum.

يتناول دولوز تأثير الحس ذلك من جانب أنه “تمرّن متعال” لملكة الإحساس؛ حيث أننا هنا يمكن أن نشير إلى الفصل الثالث من كتاب الاختلاف والتكرار ، حيث يعرض دولوز “نظرية تفاضلية للملكات” غير كانطية. وفي هذه النظرية المهمة، تكون الشدة هي “الاختلاف في  ذاته”، والتي تحمل الملكات إلى حدها الأقصى. وترتبط الملكات بنظام، فنرى في هذه الحالة ما يطلق عليه دولوز ميزة الإحساس بوصفه أصلاً للمعرفة – “حقيقة التجريبية”. إن الإحساس والخيال والذاكرة والفكر جميعهم”يتناقلون عنفًا” من واحد إلى آخر في النظرية التفاضلية للملكات. في حالة الإحساس، يتم إدراك الاختلاف المحض في الشدة مباشرة عند المواجهة كما هو الحال في المحسوس sentiendum، وفي حالة الخيال، يكون التباين في التخيل هو ما لا يمكن تخيله.  وفي حالة الذاكرة، بدورها، يكون الاستحضار هو التباين في نوع محض من الزمن، أو قِدَم الذاكرة المتعالية. ومع الفكر، تكون الذات المتصدعة مُكرهه على التفكير في “الاختلاف في حد ذاته” في الأفكار. وهكذا، تنقل “الصيغة الحرة للاختلاف” كل ملكة وتوصل عنفها للآخر. يتعين عليك الاضطرار للتفكير، بداية من المواجهة الفنية، التي تنتقل فيها الشدة في علامات أو حس. وعوضًا عن “الحس المشترك” الذي تتفق فيه جل الملكات في إدراك الموضوع”نفسه”، فإننا نجد في هذا العنف المتناقل “إنسجامًا متناقضًا” (قارن مع السمو الكانطي) يمزق الذات (وهنا نجد دولوز يلتقط مفهوم “القسوة” من أرتو Artaud).

 

  1. 6. تلقّي دولوز

حثَّت كتابات دولوز على الكثير من المؤلفات الشارحة والمُقدِّمة في اللغتين الإنجليزية والألمانية، وظهرت في الآونة الأخيرة أعمال  في اللغتين الألمانية والإيطالية ولغات أوروبية أخرى. وكانت هناك أيضًا انتقادات جديرة بالملاحظة. وعوضًا عن محاولة الاستعراض الكامل للمؤلفات الثانوية الكثيرة، سنركز على بعض الانتقادات الرئيسة.

 

  • النقد النسوي

أُثيرت موجة مبكرة من الانتقادات في الثمانينات من القرن الماضي إزاء تعاون دولوز مع غوتاري من قبل نسويات مثل أليس غاردين  Alice Jardine ولوسي إيريجاري Luce Irigaray. انتقدت غاردين في 1985 مفهوم “الصيرورة – المرأة” في ألف هضبة، والذي وضعه دولوز وغوتاري بوصفه خطوة أولى إزاء “الصيرورة – غير مدركة” التي لا تُضفى إليها الذاتية de-subjectivizing. جادلت غاردين بأن ادعاء دولوز وغوتاري بأنه حتى النساء يجب أن يخضعن لـ “الصيرورة – المرأة” يرقى إلى تهديد الانتصارات الشاقة للنضال النسوي الفعلي الذي سمح للنساء بادعاء الذاتية في المقام الأول. ووفقًا لاستعراض غروس  Grosz عام 1994 للانتقادات النسوية المبكرة، فإن إيريجاري تجادل بأن استعمال “الصيرورة – المرأة” باعتباره رمز للتغيير يتوجب على الكل، بما في ذلك الرجال، يرقى إلى استيلاء ذكوري ومنزوع الطابع الجنسي على النضال النسوي. في تسعينيات القرن العشرين وحتى الآن في الألفينات، حاولت مجموعة من النسويات المرتبطات بحركة “النسوية الجسدية” إقامة روابط إيجابية مع دولوز بدعوى موقف منفتح وتجريبي إزاء الإمكانات الجسدية، في كل من المواضيع الفردية والسياسية، كما في عبارة “الجسد السياسي body politic”. انظر من بين أمور أخرى في Braidotti 1994&2002، و Gatens 1996، و Grosz 1994&1995، و Olkowski 1999، وLorraine 1999، والمقالات في Buchanan و Colebrook  2002.

2.6 نقد آلان باديو

تعد انتقادات [ آلان] باديو 1997 Badiou واحدة من أهم الانتقادات التى وجهت لدولوز. يزعم باديو أن  دولوز، على عكس التصور الشائع، ليس فيلسوفًا للكثرة بقدر ما هو فيلسوف للواحد. نظرا للتعبيرات المعبأة بالتعبيرات التقنية التى اشتهر بها دولوز ، انتقده باديو لميله لما اعتبره  ميل للمذهب الحيوي vitalism  أو الاستعارة من البيولوجيا  ، وهو الذي يعتبره باديو لا يرقى لمستوى االاقتصاد في البديهيات  الأساسية المطلوبة في الفلسفة.وفي حين تجاهل باديو تعاون دولوز مع غوتاري ، فان جيجك 2003 جادل ضد التعاون مع غوتاري لمصلحة المنطق الدولوزي  من الكينونة المتصفة بـأنها ” تأثير غير مادي ناتج عن تفاعل أجساد معا  كسطح عقيم للصيرورة الخالصة” ( كما في منطق  المعنى ).يمثل عمل هولوارد 2005 العمل النقدي الثالث في هذا السياق. بالنسبة لهولوارد ، منطق التفرد في أفكار دولوز ، يشبه أفكار المفكرين الثيوفانيين [الاعتقاد في  التجلي الإلهي]، حيث أن شعلة الخلق تشعل في المخلوقات ، ووظيفة المخلوق هو الافتداء من سجن الخلق.ولكن هذا الخلاص ليس فناءًا ، فلسفة دولوز ليست ما أطلق عليه لاكان وجيجك ” فناء ونكران الذات “.

للرد على نقد باديو  ، من الممكن أن نجد هنالك دراسات واعدة حول علاقة باديو ودولوز من خلال دراسة نظرة كل منهم إلى الرياضيات . فبدلا من قبول توصيف باديو لدولوز كمفكر واقعي في سياق بيولوجي ، وعلى العكس من توجه باديو الرياضياتي ، يجب علينا أن نضع نموذج إشكالى للرياضيات لدولوز في مواجهة نموذج بدهي لباديو  . حسب رأي سميث 2003.

 

  • النقد المتعلق بـ”حروب العلم”

كان دولوز واحدًا ممن تلقوا الهجوم من كل من سوكال وبريكمونت سنة 1999. لأن الفصل المخصص لدولوز يتمحور حول شكوى مستمرة من عدم الفهم ، فمن الصعب الوصول إلى ما أراده سوكال وبريكمونت. هناك شيء واحد واضح ، على الرغم من تلميحات سوكال وبريكمونت ، كان دولوز مدركًا تمامًا لمرحلة ثورة النهايات  في تاريخ التفاضل والتكامل. حيث كتب في الاختلاف والتكرار ” إنه من الخطأ أن نربط قيمة الرمز د(س )  dx بوجود القيم المنتاهية الصغرى أو تلك التي تؤول إلى الصفر [ كما في معادلات النهايات في علم التفاضل والتكامل – المترجم]، ولكن من الخطأ أيضا ان نرفض أي قيمة وجودية أو معرفية باسم  رفض هذه القيم المتناهية في الصغر . في الواقع ، هناك كنز مدفون في التفسيرات القديمة البدائية أو ما قبل علم التفاضل والذى يجب فصله عن مصفوفات النهاية.  قدر كبير من العاطفة وقدر كبير من السذاجة الفلسفية مطلوبان لأجل أخذ الرمز دس على محمل الجد…” (170).  لأنه يبدو واضحا أن تعامل دولوز مع الأشكال المبكرة للتفاضل ليست دراسة لتاريخ الرياضيات أو محاولة في فلسفة الرياضيات ولكنها بالأحرى بحث عن مفهوم  فلسفي محتمل للاختلاف عن طريق استخلاص أفكار معينة   والمعروفة بوضوح أنها أدوات رياضياتية تاريخية. (وللاطلاع على وجهات نظر إيجابية عن استخدام دولوز للرياضيات كاستعارات لتشكيل مفاهيم فلسفية راجع مقالات حول دوفي   2006 the essays on Duffy 2006.)

رد آخر وربما أكثر فاعلية على كل من سوكال وبريكمونت هو الإشارات إلى  دور إيجابي حول دولوز والعلم ،حاول كل من ماسيومى Massumi 1992 ، وديلاندا Delanda 2003 إظهار أنه يمكن التوفيق بين إبستمولوجيا وأنطولوجيا دولوز  وبين نظرية الأنظمة الديناميكية المعاصرة والمعروفة ايضًا بنظرية التعقد أو نظرية الفوضى ، تابع Bell 2006 هذا العمل ،و بروتيفي Protevi 2001 . 2001 بحث عن المفاهيم  المصاحبة للتجانس والتنظيم الذاتى في تاريخ الفلسفة ، عالج بونتا وبروتفي Bonta , Protevi علاقة دولوز ، والنظم الديناميكية في سياق إمكانياتها في العمل المتعلق بالجغرافيا . لمقالات اخرى عن دولوز والعلم راجع مقالات عن ماركس 2006 Marks. أخيرًا انسيل بيرسون1999 Ansel Person  وجه الأنظار نحو العلاقة بين دولوز والبيولوجيا ، انظر ايضا توسكانو 2006 Toskano  في هذا السياق.

 

4.6 تأثيرات دولوز

لأن الاهتمام بجيل دولوز يستمر في التنامي، هناك ثلاث تأثيرات له في مرمى اهتمامنا، واحد من هذه التأثيرات اجتماعي، والتأثيرين الآخرين فلسفيين.

التأثير اجتماعي هو عولمة المؤسسات المكرسة لدراسة فكر دولوز وتطبيقاته في مختلف المجالات. ومن المبادرات المؤسسية الجديرة بالملاحظة هي سلسلة المؤتمرات التي ترعاها مجلة دراسات دولوز وغوتاري Deleuze and Guattari Studies  (انظر في مصادر الأنترنت الأخرى) بإدارة يان بوكانان Ian Buchanan. بالإضافة إلى حوالي 10 مؤتمرات في أوروبا وأمريكا الشمالية ، فإن مؤشر تأثير دولوز الواسع هو نجاح عدد من المؤتمرات في آسيا (حتى الآن وتايوان والهند وسنغافورة وكوريا الجنوبية).

ويتمثل التأثيران الفلسفيان في إنعاش الاهتمام بأولئك الذين تناولهم دولوز بصراحة، أو الذين يمكن تمييز تأثيرهم على دولوز، وتقديم نقطة تعارض أو تضاد أو نقطة مرجعية في قراءة الفلاسفة الآخرين.

وأبرز مثال على هذا التأثير المنعش هو بيرجسون ، الذي نسي نسبيًا في زمن كتاب دولوز البرغسونية (1966) ، ولكنه الآن الشغل الشاغل لأدبيات فلسفية متنامية. بالطبع، لا يمكننا أن نعزو كل هذا الاهتمام إلى كتاب دولوز وإلى المؤلفات الثانوية اللاحقة عن دولوز التي تؤكد مساهمة بيرغسون في منظومة دولوز (كما نفعل نحن أنفسنا أعلاه بشأن مفهوم الواقع الافتراضس ونقد الممكن)، ولكن ليس من المعقول الاعتقاد بما هو مخالف للواقع، حيث أنه بدون عمل دولوز، لم يكن الاهتمام ببرجسون ليكون قويًا كما هو الآن. ومن بين الشارحين لبيرغسون Mullarkey 1999، و Guerlac 2006، و Moulard-Leonard 2009، و Grosz 2017، وجميعهم يربطون بين المفكريَن في أعمالهم.

لقد بات الما بعد كانطي سالومون ميمون Salomon Maimon منذ فترة موضوع اهتمام متخصص من قبل مؤرخي الفلسفة، انظر في مدخل Maimon، وانظر أيضًا في الترجمات الأخيرة لأعماله الرئيسة [Maimon 1790 [2010]). وتم البحث في العلاقة بين دولوز وميمون في Jones & Roffe (eds.)  2009، و Smith 2010، و  Voss 2011.

ومثال آخر على مفكر يمكن القول بأنه زاد المستوى الاهتمام الحالي به باعتباره أحد المؤثرين على دولوز، وهو الفيلسوف الفرنسي غيلبرت سيموندون   Gilbert Simondon من منتصف القرن العشرين، والذي كانت مفاهيمه عن “ما قبل المتفرد” و”التبلور” ذات تأثير على تطور مفاهيم دولوز حول الافتراضية والتحقيق على التوالي. ومن بين جملة أمور أخرى، انظر في  Toscano 2006 & 2009، و Scott 2014، و Sauvagnargues 2016، و Swan 2016، Alloa & Michalet 2017 ، للبحوثات في علاقة دولوز وسيموندون.

وهناك مثال آخر، وهو السوسيولوجي الفرنسي غابرييل تاردي  Gabriel Tarde  من أوائل القرن العشرين، الذي يشار إلى مفهومه عن علم الاجتماع الجزئي microsociology بإعجاب في تطوير دولوز وغوتاري لمفهومهم عن “السياسات الصغرى micropolitics” (Deleuze and Guattari 1980 [1987, 216-219]). وللبحوثات المُلهمَّة من دولوز، انظر في Alliez 2001، و Brighenti 2010، و Read 2015، و Tonkonoff 2017.

في الآونة الأخيرة، وإلى حد ما لا يزال منخفضًا، تم إحياء الاهتمام بالمفكر الفرنسي ريمون رويه Raymond Ruyer من منتصف القرن العشرين ، وقد ذكر دولوز وغوتاري مفهومه عن التحليق  survol  أو “الاستطلاع الذاتي self-survey” في ملاحظاتهم الموجزة حول اتساق المفهوم في تجسيده العصبي في ما هي الفلسفة (Deleuze and Guattari 1991 [1994, 210]). الترجمات الإنجليزية لرويه هي Ruyer 2016 & 2018. بُحثت علاقة دولوز ورويه في  Bains 2002، وBogue 2009&2017، و Roffe 2017. البحوثات الأخرى ذات الصلة حول رويه هي Massumi 2014 و Grosz 2017.

وأخيرًا، رغم أنه من المؤكد أن وايتهيد Whitehead يحظى باهتمام مستمر، إلا أن قدرًا جيدًا من الدراسات الحالية حوله تتضمن إشارات إلى دولوز بشكل متكرر، كما في Stengers 2011. ومن الأعمال الحديثة والجديرة بالملاحظة التي تأثرت بوايتهيد ودولوز هو Williams 2016. انظر أيضًا Shaviro 2009، و Robinson 2010، و Bell 2011&2012، فيما يخص الارتباط بين دولوز ووايتهيد.


الببلوغرافيا

مؤلفات أساسية

(1953) Empirisme et subjectivité (Paris: PUF); tr. as Empiricism and Subjectivity, by Constantin Boundas, New York: Columbia University Press, 1991.

(1956) “La Conception de la différence chez Bergson,” Etudes bergsoniennes 4 (1956): 77–112; tr. as “Bergson’s Conception of Difference,” by Melissa McMahon, in John Mullarkey (ed.), The New Bergson, Manchester: Manchester University Press, 1999.

(1962) Nietzsche et la philosophie (Paris: PUF); tr. as Nietzsche and Philosophy, by Hugh Tomlinson, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1983.

(1963) La philosophie critique de Kant (Paris: PUF); tr. as The Critical Philosophy of Kant, by Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1984.

(1966) Le Bergsonisme (Paris: PUF); tr. as Bergsonism, by Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam, New York: Zone Books, 1988.

(1967) Présentation de Sacher-Masoch (Paris: Minuit); tr. as Masochism: An Interpretation of Coldness and Cruelty, by Jean McNeil, New York: G. Braziller, 1971.

(1968) Différence et répétition (Paris: PUF); tr. as Difference and Repetition, by Paul Patton, New York: Columbia University Press, 1994.

(1968) Spinoza et le problème de l’expression (Paris: Minuit); tr. as Expressionism in Philosophy: Spinoza, by Martin Joughin, New York: Zone Books, 1990.

(1969) Logique du sens (Paris: Minuit); tr. as The Logic of Sense, by Mark Lester with Charles Stivale, New York: Columbia University Press, 1990.

(1972) “A quoi reconnaît-on le structuralisme?” in Francois Châtelet, ed., Histoire de la philosophie, tome 8: Le XXe siècle (Paris: Hachette, 1972): 299–335; tr. as “How Do We Recognize Structuralism?” in Desert Islands, New York: Semiotexte, 2003.

(1964 [1970, 1976]) Proust et les signes (Paris: PUF); tr. (of 1976 ed) as Proust and Signs: The Complete Text, by Richard Howard, Minneapolis: University of Minnesota Press, 2003.

(1977) Dialogues (avec Claire Parnet) (Paris: Flammarion); tr. as Dialogues, by Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam, New York: Columbia University Press, 1987.

(1981 [1970]) Spinoza: Philosophie pratique; (Paris: PUF); tr. as Spinoza: Practical Philosophy, by Robert Hurley, San Francisco: City Lights Books, 1988.

(1981) Francis Bacon: Logique de la sensation (Paris: Editions de la différence); tr. as Francis Bacon: Logic of Sensation, by Daniel W. Smith, Minneapolis: University of Minnesota Press, 2005.

(1983) Cinéma I: l’Image-Mouvement (Paris: Minuit); tr. as Cinema I: The Movement-Image, tr. Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986.

(1985) Cinéma II: l’Image-temps (Paris: Minuit); tr. as Cinema II: The Time-Image, by Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1989.

(1986) Foucault (Paris: Minuit); tr. as Foucault, Sean Hand, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1988.

(1988) Le Pli: Leibniz et le Baroque (Paris: Minuit); tr. as The Fold: Leibniz and the Baroque, by Tom Conley, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1993.

(1990) Pourparlers (Paris: Minuit); tr. as Negotiations, by Martin Joughin, New York: Columbia University Press, 1995.

(1993) Critique et clinique (Paris: Minuit); tr. as Essays Critical and Clinical, by Daniel Smith and Michael Greco, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997.

(1995) “L’immanence: une vie,” Philosophie 47 (septembre 1), 3–7; tr. as “Immanence: A Life” in Two Regimes of Madness, New York: Semiotexte, 2006.

(2002) L’Île déserte et autres textes: textes et entretiens 1953–1974, ed. David Lapoujade (Paris: Minuit, 2002); tr. as Desert Islands and Other Texts (1953–1974), by Mike Taormina, New York: Semiotexte, 2003.

(2003) Deux régimes de fous: textes et entretiens 1975–1995, ed. David Lapoujade (Paris: Minuit); tr. as Two Regimes of Madness: Texts and Interviews 1975–1995, New York: Semiotexte, 2006.

Works by Deleuze with Félix Guattari

(1972) L’Anti-Oedipe (Paris: Minuit); tr. as Anti-Oedipus, by Robert Hurley, Mark Seem and Helen R. Lane, New York: Viking, 1977; reprint University of Minnesota Press, 1983.

(1975) Kafka: pour une littérature mineure (Paris: Minuit); tr. as Kafka: For a Minor Literature, by Dana Polan, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1986.

(1980) Mille plateaux (Paris: Minuit); tr. as A Thousand Plateaus, by Brian Massumi, Minneapolis: University of Minnesota Press, 1987.

(1991) Qu’est-ce que la philosophie? (Paris: Minuit); tr. as What is Philosophy?, by Hugh Tomlinson and Graham Burchell, New York: Columbia University Press, 1994.

مؤلفات ثانوية

Alliez, Eric (ed.), 1998, Gilles Deleuze: une vie philosophique, Paris: Synthélabo.

–––, 2001, “Différence et repetition de Gabriel Tarde,” Multitudes, 7 (4): 171–176.

–––, 2004, Signature of the World: What is Deleuze and Guattari’s Philosophy?, Eliot Ross Albert (trans.), London: Continuum.

Alloa, Emmanuel and Michalet, Judith, 2017, “Differences in Becoming: Gilbert Simondon and Gilles Deleuze on Individuation,” Philosophy Today, 61 (3): 475–502.

Ansell Pearson, Keith (ed.), 1997, Deleuze and Philosophy: The Difference Engineer, London: Routledge.

–––, 1999, Germinal Life: The Difference and Repetition of Deleuze, London: Routledge.

Antonioli, Manola, 1999, Deleuze et l’histoire de la philosophie, Paris: Kimé.

–––, 2003, Géophilosophie de Deleuze et Guattari, Paris: L’Harmattan.

Badiou, Alain, 2000, Deleuze: The Clamor of Being, Louise Burchill (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press.

Bains, Paul, 2002, “Subjectless Subjectivities,” in Brian Massumi (ed.), A Shock to Thought: Expression after Deleuze and Guattari, New York: Routledge, pp. 101–116.

Beistegui, Miguel de, 2004, Truth and Genesis: Philosophy as Differential Ontology, Bloomington: Indiana University Press.

–––, 2010, Immanence: Deleuze and Philosophy, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Bell, Jeffrey, 2006, Philosophy at the Edge of Chaos: Deleuze and the Philosophy of Difference, Toronto: University of Toronto Press.

–––, 2009, Deleuze’s Hume: Philosophy, Culture, and the Scottish Enlightenment, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, 2011, “Nomad Thought: Deleuze, Whitehead, and the Adventure of Thinking”, in Roland Faber and Andrea Stephenson (eds.), Secrets of Becoming: Negotiating Whitehead, Deleuze and Butler, New York: Fordham University Press.

–––, 2012, “Modes of Violence: Whitehead, Deleuze, and the Displacement of Neoliberalism,” in Roland Faber, Michael Halewood, and Deena Lin (eds.), Butler on Whitehead: On the Occasion, Lanham MD: Lexington Books, 127–145.

Bergen, Veronique, 2003, L’Ontologie de Gilles Deleuze, Paris: L’Harmattan.

Bogue, Ronald, 1989, Deleuze and Guattari, New York: Routledge.

–––, 2003, Deleuze on Cinema, New York: Routledge.

–––, 2003, Deleuze on Literature, New York: Routledge.

–––, 2003, Deleuze on Music, Painting, and the Arts, New York: Routledge.

–––, 2009, “Raymond Ruyer,” in Graham Jones and Jon Roffe, Deleuze’s Philosophical Lineage, Edinburgh: Edinburgh University Press, pp. 300–320.

–––, 2017, “The Force that Is but Does Not Act: Ruyer, Leibniz and Deleuze,” Deleuze Studies, 11 (4): 518–537.

Bonta, Mark, and John Protevi, 2004, Deleuze and Geophilosophy: A Guide and Glossary, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Boundas, Constantin, 2011, Gilles Deleuze: The Intensive Reduction, London: Continuum.

––– (ed.), 2006, Deleuze and Philosophy, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, and Dorothea Olkowski (eds.), 1994, Gilles Deleuze and the Theatre of Philosophy, New York: Routledge.

Braidotti, Rosi, 1994, “Toward a New Nomadism: Feminist Deleuzian Tracks; or, Metaphysics and Metabolism,” in Boundas and Olkowski (eds.) 1994, pp. 159–186.

–––, 2002, Metamorphoses: Towards a Materialist Theory of Becoming, Cambridge: Polity.

Brighenti, Andrea, 2010, “Tarde, Canetti, and Deleuze on Crowds and Packs,” Journal of Classical Sociology, 10 (4): 291–314.

Broadhurst, Joan (ed.), 1992, Deleuze and the Transcendental Unconscious, in PLI: Warwick Journal of Philosophy (Volume 4).

Brusseau, James, 1998, Isolated Experiences: Gilles Deleuze and the Solitudes of Reversed Platonism, Albany: SUNY Press.

Bryant, Levi, 2008, Difference and Givenness: Deleuze’s Transcendental Empiricism and the Ontology of Immanence, Evanston: Northwestern University Press.

Bryden, Mary (ed.), 2002, Deleuze and Religion, London: Routledge.

Buchanan, Ian, 2000, Deleuzism: A Metacommentary, Durham: Duke University Press.

–––, 2008, Deleuze and Guattari’s ‘Anti-Oedipus’: A Reader’s Guide, London: Continuum.

–––, and Claire Colebrook (eds.), 2000, Deleuze and Feminist Theory, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Colebrook, Claire, 2001, Gilles Deleuze (Routledge Critical Thinkers). New York: Routledge.

–––, 2010, Deleuze and the Meaning of Life, London: Continuum.

Colman, Felicity, 2011, Deleuze and Cinema: The Film Concepts, London: Berg.

DeLanda, Manuel, 2003, Intensive Science and Virtual Philosophy, London: Continuum.

Dosse, François, 2010, Gilles Deleuze and Félix Guattari: Intersecting Lives, trans. Deborah Glassman. New York: Columbia University Press.

Due, Reidar, 2007, Deleuze, Cambridge: Polity Press.

Duffy, Simon (ed.), 2006, Intensive Mathematics: The Logic of Difference, Manchester: Clinamen Press.

–––. 2006, The Logic of Expression: Quality, Quantity and Intensity in Spinoza, Hegel and Deleuze, London: Ashgate.

Faulkner, Keith, 2007, The Force of Time: An Introduction to Deleuze through Proust, Lanham MD: University Press of America.

Flaxman, Gregory, 2000, The Brain is the Screen: Deleuze and the Philosophy of Cinema, Minneapolis: University of Minnesota Press.

–––, 2011, Gilles Deleuze and the Fabulation of Philosophy, Minneapolis: University of Minnesota Press.

Gaffney, Peter (ed.), 2010, The Force of the Virtual: Deleuze, Science, and Philosophy, Minneapolis: University of Minnesota Press.

Gatens, Moira, 1996, “Through a Spinozist Lens: Ethology, Difference, Power,” in Patton 1996, pp. 162–187.

Genosko, Gary, 2002, Félix Guattari: An Aberrant Introduction, London: Continuum.

Goodchild, Philip, 1997, Deleuze and Guattari: An Introduction to the Politics of Desire, Thousand Oaks: Sage.

Grosz, Elizabeth, 1994, “A Thousand Tiny Sexes,” in Constatin Boundas and Dorothea Olkowski (eds.), Gilles Deleuze and the Theatre of Philosophy, New York: Routledge, pp. 187–210.

–––, 1995, Space, Time, and Perversion: Essays on the Politics of Bodies, New York: Routledge.

–––, 2017, The Incorporeal: Ontology, Ethics, and the Limits of Materialism, New York: Columbia University Press.

Gualandi, Alberto, 1998, Deleuze, Paris: Les Belles Lettres.

Guerlac, Suzanne, 2006, Thinking in Time: An Introduction to Henri Bergson, Ithaca NY: Cornell University Press.

Gueroult, Martial, 1930, La philosophie transcendentale de Salomon Maimon, Paris: Société d’édition.

Hallward, Peter, 2006, Out of This World: Deleuze and the Philosophy of Creation, London: Verso.

Hardt, Michael, 1993, Gilles Deleuze: An Apprenticeship in Philosophy, Minneapolis: University of Minnesota Press.

Holland, Eugene, 1999, Deleuze and Guattari’s Anti-Oedipus: Introduction to Schizoanalysis, New York: Routledge.

Hughes, Joe, 2009, Deleuze’s Difference and Repetition: A Reader’s Guide, London: Continuum.

–––, 2009, Deleuze and the Genesis of Representation, London: Continuum.

–––, 2012, Philosophy After Deleuze, London: Continuum.

Jardine, Alice, 1986, Gynesis: Configurations of Woman and Modernity, Ithaca: Cornell University Press.

Jones, Graham, and Jon Roffe (eds.), 2009, Deleuze’s Philosophical Lineage, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Kaufman, Eleanor, 2012, Deleuze, the Dark Precursor: Dialectic, Structure, Being, Baltimore: Johns Hopkins University Press.

–––, and Jon Heller (eds.), 1998, Deleuze & Guattari: New Mappings in Philosophy, Politics and Culture, Minneapolis: University of Minnesota.

Kerslake, Christian, 2007, Deleuze and the Unconscious, London: Continuum.

Khalfa, Jean (ed.), 2003, An Introduction to the Philosophy of Gilles Deleuze, London: Continuum.

Lambert, Gregg, 2002, The Non-Philosophy of Gilles Deleuze, London: Continuum.

–––, 2012, In Search of a New Image of Thought: Gilles Deleuze and Philosophical Expressionism, Minneapolis: University of Minnesota Press.

Lampert, Jay, 2006, Deleuze and Guattari’s Philosophy of History, London: Continuum.

Lecercle, Jean-Jacques, 1985, Philosophy through the Looking Glass, Chicago: Open Court.

–––, 2002, Deleuze and Language, London: Palgrave Macmillan).

Lefebvre, Alexandre, 2008, The Image of Law: Deleuze, Bergson, Spinoza, Stanford: Stanford University Press.

Lorraine, Tamsin, 1999, Irigaray and Deleuze: Experiments in Visceral Philosophy, Ithaca: Cornell University Press.

Marks, John, 1998, Gilles Deleuze: Vitalism and Multiplicity, Pluto Press: London.

–––, (ed.), 2006. Deleuze and Science, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Maimon, Salomon, 1790 [2010], Essay on Transcendental Philosophy, translated by Nick Midgley, Henry Somers-Hall, Alistair Welchman, and Merten Reglitz, London: Continuum, 2010.

Martin, Jean-Clet, 1993, Variations: La philosophie de Gilles Deleuze, Paris: Payot & Rivages.

Massumi, Brian, 1992, A User’s Guide to Capitalism and Schizophrenia, Cambridge, MA: MIT Press.

–––, 2014, What Animals Teach Us about Politics, Durham, NC: Duke University Press.

May, Todd, 2005, Gilles Deleuze: An Introduction, Cambridge: Cambridge University Press.

Mengue, Phillipe, 1994, Gilles Deleuze ou le système du multiple, Paris: Kimé

–––, 2003, Deleuze et la question de la démocratie, Paris: L’Harmattan.

Moulard-Leonard, Valentine, 2009, Deleuze-Bergson Encounters: Transcendental Experience and the Thought of the Virtual, Albany NY: SUNY Press.

Murphy, Timothy S., 1992, “The Philosophy (of the Theatre) of Cruelty in Gilles Deleuze’s Difference and Repetition,” in Broadhurst 1992, pp. 105–135.

Olkowski, Dorothea, 1999, Gilles Deleuze and the Ruin of Representation, Berkeley: University of California Press.

–––, 2007, The Universal (In the Realm of the Sensible): Beyond Continental Philosophy, New York: Columbia University Press.

O’Sullivan, Simon, 2006, Art Encounters Deleuze and Guattari: Thought Beyond Representation, London: Palgrave Macmillan.

Patton, Paul (ed.), 1996, Deleuze: A Critical Reader, Oxford: Blackwell.

–––, 1999, Deleuze and the Political, London: Routledge.

–––, 2010, Deleuzian Concepts: Philosophy, Colonization, Politics, Stanford: Stanford University Press.

Patton, Paul, and John Protevi (eds.), 2003, Between Deleuze and Derrida, London: Continuum.

Pisters, Patricia, 2012, The Neuro-Image: A Deleuzian Film-Philosophy of Digital Culture, Stanford: Stanford University Press.

Protevi, John, 2001, Political Physics: Deleuze, Derrida, and the Body Politic, London: Athlone.

–––, 2009, Political Affect: Connecting the Social and the Somatic, Minneapolis: University of Minnesota Press.

–––, 2011, “Mind in Life, Mind in Process: Toward a New Transcendental Aesthetic and a New Question of Panpsychism.” Journal of Consciousness Studies, 18(5–6): 94–116.

–––, 2013, Life, War, Earth: Deleuze and the Sciences, Minneapolis: University of Minnesota Press.

Rajchman, John, 2000, The Deleuze Connections, Cambridge MA: MIT Press.

Ramey, Joshua, 2012, The Hermetic Deleuze: Philosophy and Spiritual Ordeal, Durham NC: Duke University Press.

Read, Jason, 2015, The Politics of Transindividuality, Chicago: Haymarket Books.

Reynolds, Jack, 2011, Chronopathologies: Time and Politics in Deleuze, Derrida, Analytic Philosophy, and Phenomenology, Lanham MD: Lexington Books.

Robinson, Keith, 2010, “Towards a Political Ontology of the Fold: Deleuze, Heidegger, Whitehead and the ‘Fourfold’ Event,” in Sjoerd van Tuinen, and Niamh McDonnell (eds.), Deleuze and the Fold: A Critical Reader, London: Palgrave Macmillan pp. 184-202.

Rodowick, David, 1997, Gilles Deleuze’s Time Machine, Durham: Duke University Press.

Roffe, Jon, 2012, Badiou’s Deleuze, Montreal: McGill Queen’s University Press.

–––, 2017, “Form IV: From Ruyer’s Psychobiology to Deleuze and Guattari’s Socius,” Deleuze Studies, 11 (4): 580–599.

Rolli, Marc, 2003, Gilles Deleuze: Philosophie des transzendentalen Empirismus, Vienna: Thuria & Kant.

Ruyer, Raymond, 2016, Neo-Finalism, translated by Alyosha Edlebi, Minneapolis: University of Minnesota Press.

–––, 2018, The Genesis of Living Forms, translated by Jon Roffe and Nicholas B. de Weydenthal, Lanham MD: Rowman & Littlefield.

Sartre, Jean-Paul, 1937 [1991], The Transcendence of the Ego: An Existentialist Theory of Consciousness, New York: Hill and Wang, 1991

Sauvagnargues, Anne, 2005, Deleuze et l’art, Paris: Presses Universitaires de France.

–––, 2009, Deleuze. L’empirisme transcendental, Paris: Presses Universitaires de France.

–––, 2016, Artmachines: Deleuze, Guattari, Simondon, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Schaub, Mirjam, 2003, Gilles Deleuze im Wunderland: Zeit als Ereignisphilosophie, Munich: Wilhelm Fink.

–––, 2003, Gilles Deleuze im Kino: Das Sichtbare und das Sagbare, Munich: Wilhelm Fink.

Scott, David, 2014, Gilbert Simondon’s Psychic and Collective Individuation: A Critical Introduction and Guide, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Shaviro, Steven, 2009, Without Criteria: Kant, Whitehead, Deleuze, and Aesthetics, Cambridge MA: MIT Press.

Simont, Juliette, 1997, Essai sur la quantité, la qualité, la relation chez Kant, Hegel, Deleuze: Les “fleurs noires” de la logique philosophique, Paris: L’Harmattan.

Sokal, Alan and Jean Bricmont, 1999, Fashionable Nonsense: Postmodern Intellectuals’ Abuse of Science, New York: Picador.

Smith, Daniel W., 2010, “Genesis and Difference: Deleuze, Maimon, and the Post-Kantian Reading of Leibniz,” in Sjoerd van Tuinen, and Niamh McDonnell (eds.), Deleuze and the Fold: A Critical Reader, London: Palgrave Macmillan, pp. 132–154.

–––, 2012, Essays on Deleuze, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, and Henry Somers-Hall (eds.), 2012, The Cambridge Companion to Deleuze, Cambridge: Cambridge University Press.

Somers-Hall, Henry, 2012, Hegel, Deleuze, and the Critique of Representation: Dialectics of Negative and Difference, Albany NY: SUNY Press.

Stengers, Isabelle, 2011, Thinking with Whitehead: A Free and Wild Creation of Concepts, Cambridge MA: Harvard University Press.

Stivale, Charles, 1998, The Two Fold Thought of Deleuze and Guattari, New York: Guilford.

–––, 2005, Gilles Deleuze: Key Concepts, London: Continuum.

–––, 2008, Gilles Deleuze’s ABCs: The Folds of Friendship, Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Swan, Melanie, 2016, Cognitive Enhancement as Subjectivation: Bergson, Deleuze & Simondon, Saarbrücken: Lambert Academic Publishing.

Thoburn, Nick, 2003, Deleuze, Marx and Politics, London: Routledge.

Tonkonoff, Sergio, 2017, From Tarde to Deleuze and Foucault: The Infinitesimal Revolution, London: Palgrave Macmillan.

Toscano, Alberto, 2006, Theatre of Production: Philosophy and Individuation Between Kant and Deleuze, London: Palgrave Macmillan.

Toscano, Alberto, 2009, “Gilbert Simondon,” in Graham Jones and Jon Roffe, Deleuze’s Philosophical Lineage, Edinburgh: Edinburgh University Press, pp. 380–398.

Tuinen, Sjoerd van, and Niamh McDonnell (eds.), 2010, Deleuze and the Fold: A Critical Reader, London: Palgrave Macmillan.

Villani, Arnaud, 1999, La guêpe et l’orchidée: Essai sur Gilles Deleuze, Paris: Belin.

Voss, Daniela, 2011, “Maimon and Deleuze: The Viewpoint of Internal Genesis and the Concept of Differentials,” Parrhesia, 11: 62–74.

Welchman, Alistair, 2009, “Deleuze’s Post-Critical Metaphysics,” Symposium: Canadian Journal of Continental Philosophy, 13(2): 25–54.

Widder, Nathan, 2002, Genealogies of Difference, Urbana: University of Illinois Press.

–––, 2012, Political Theory after Deleuze, London: Continuum.

Williams, James, 2004, Gilles Deleuze’s Difference and Repetition: A Critical Introduction and Guide, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, 2005, The Transversal Thought of Gilles Deleuze: Encounters and Influences, Manchester: Clinamen Press.

–––, 2008, Gilles Deleuze’s Logic of Sense: A Critical Introduction and Guide, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, 2011, Gilles Deleuze’s Philosophy of Time: A Critical Introduction and Guide, Edinburgh: Edinburgh University Press.

–––, 2016, A Process Philosophy of Signs, Edinburgh: Edinburgh University Press.

Zepke, Stephen, 2005, Art as Abstract Machine: Ontology and Aesthetics in Deleuze and Guattari, London: Routledge.

Žižek, Slavoj, 2003, Organs Without Bodies: On Deleuze and Consequences, New York: Routledge.

Zourabichvili, François, 2012, Deleuze: A Philosophy of the Event, Kieran Aarons (trans.), Gregg Lambert and Daniel W. Smith (eds.), Edinburgh: Edinburgh University Press.

مصادر أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مقالات ذات صلة

Bergson, Henri | Maimon, Salomon | Nietzsche, Friedrich | Spinoza, Baruch


[1] Smith, Daniel and Protevi, John, “Gilles Deleuze”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2018/entries/deleuze/>.

error: