مجلة حكمة
فلسفة الأدب الفلسفي أدب

حتى لا يجف النهر مرتين: الأدب بين كيليطو وطه عبد الرحمن ومحمود شاكر – محمد صديق أمون

خلاصة

تسعى هذه الورقة للبحث في فلسفة الأدب، وذلك من خلال أعمال النّاقد المغربيّ عبد الفتاح كيليطو. ينطلق البحث من إطار نظريّ ينبني على اجتهادات الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن الأخلاقيّة، وعلى تجربة الأستاذ محمود شاكر في دراسة الثقافة العربيّة. بعد وضع الإطار النظريّ، تجول الورقة في كتابات كيليطو، وفي عوالم التّراث من أشعار وأخبار، ثم تعرج  على اجتهادات المخرج الرّوسي أندريه تاركوفسكيّ، محاولةً في كل هذا، تثوير المعاني، وكشف الاجتهادات النظريّة المتوارية، ساعية لبناء نسق أخلاقيّ للأدب بشكل خاص، وللفن بمعناه الأعمّ.


فهرس الورقة

ما قبل البداية

بين طودين: طه عبد الرحمن ومحمود شاكر

على أعتاب المسير

اللص الليليّ

شيء من اليود وشيء من لهب بنفسجيّ

كشف المخبا

ضروب الأدب

نظرات السيد كيليطو

الطست والكرسي

آداب ومآدب

تمرد

نظرات السيد م.

شوق فوق الرمال

واهب الفستق المقشر

نحات الزمان ،شاعر الموازييك

نظرات شاعر الموازييك

خطوات المعلم أندريه

ثمار الرّحلة


أثناء محاضرة مملة عن تصميم السدود، قال البروفيسور صاحبُ الأمثلة العجيبة بلكنة أعجب:

 " البشر منذ قديم الزمان فكّروا ببناء السدود، لأنّهم .. كما تعلمون اكتشفوا أنّ الجفاف يحدث، وأن الأنهار تتوقف .."

بدأت الصور تجول في رأسي، الجماعات البشرية الأولى، وخيبة الأمل الأولى، لقد جفَّ النّهر! همسات السؤال .. لفتات الحيرة والجزع، أخذ صوت المحاضر يغيب شيئاً فشيئاً ..  غرقت في أفكاري، ثم ..

ما قبل البداية

بين طودين: طه عبد الرحمن ومحمود شاكر

لعلّ الفيلسوف المغربيّ طه عبد الرحمن، والأستاذ[1] العلّامة محمود محمد شاكر (أبا فِهر)، أشهر من أن يُعرف بهما، فعلمهما، وريادتهما معروفة مسلّم بها. إلا أننا لاحظنا، مما اطّلعنا عليه من أعمال الرجلين، وسيرتهما الفكريّة والحياتيّة، أنّ بين الأستاذين تقاطعات مهمّة وطريفة، لكنّهما، على قدر اطّلاعنا، لم يتناولا بعد في سياق جامع. وهو ما سنحاول فيما يلي أن نلفت النظر إليه فقط، فهو أمر خطير الشأن، شديد المؤونة، يتطلب القيام به على أتمّ وجه، جهودَ من يفوقنا علماً وفهماً.  وربما استغرب البعض هذا التناولَ، فما الذي يمكن أن يجمع بين أكاديميّ مغربيّ له دكتوراة في الفلسفة من السوربون، وبين كاتب مشرقيّ نبذ الجامعة وسبيلها في أوّل شبابه، في الحادثة المشهورة؟ ما الذي سيجمع بينهما، وليسا حتى من طبقة واحدة، ولا لهما نفس الاشتغال، ولا التكوين العلميّ، كما هو ظاهر؟ إلّا أننا نجيب: الصبر جميل، و “انظر تجد[2]” إن شاء المولى الوكيل.

 النّفس الشاعرة وفلسفة الأدب

كلٌ من محمود شاكر، وطه عبد الرحمن، كان في أوّل شبابه شاعراً، وكلٌ منهما أمسك عن قول الشعر، بسبب نازلة شديدةٍ نزلت بواقعهما، تغيّر معها مجرى الحياة، وكان ما قبلها شيء، وما بعدها شيء آخر. أمّا الواقعة التي نزلت بالثاني، فهي نكسة 67، وأمّا ما يرتبط بالأوّل، فالنكسات المتتالية من الحب الضائع، وخيبة الأمل بالجامعة وأعلامها، وسيطرة الاستعمار على مناهج التفكير، وفساد الحياة الأدبيّة كلها. وحيث قد تشابهت النوازل في قسوتها، فقد تشابهت الاستجابة أيضاً. كان على عبد الرحمن طه ( هذا اسمه وإن اشتهر معكوساً) الشاعر أن يصمتَ ليولد طه عبد الرحمن الفيلسوف، الذي بات يشغله همُّ الوقوف على سر العقل، وعلى سبب قصور العقل المسلم المعاصر، فشرع في دراسة المنطق. وكذلك كان شأن محمود شاكر، الذي انصرف عن قول الشعر إلى عزلة طويلة ينشغل فيها بما هو “أهم وأعمق.. وأنفع”[3]، وهو استكشاف كنه التراث المكتوب بالعربيّة وفحصه “بعيون القلب”، وحفظه من المتطاولين عليه، والمنتقصين منه، من ربائب الاستعمار وغيرهم، على حد قوله. على أنّ الشعر الكامن في الأعماق لا يمكن أن يُسكَتَ، فقد تُجمّد الهزائم، والنّوازل، وبردُ الواقع الفجّ الشفاهَ، والأقلامَ، لكن نار النفس الشاعرة عصيّة عن أن تُطفَأ. وإن كنّا نقصدُ بالنّفس الشاعرة: رؤية الأشياء والتعامل معها بشاعريّة، أو شيئاً قريباً مما يخبر عنه طه عبد الرحمن حينما يتحدث عن الشعر  واصفاً إيّاه بأنّه “اللغة الأصلية للإنسان”[4]، وبأنّه كلام متفاعل مع الموجودات غير منفصل عنها، فلا يكون مقتصراً على النّظم والقوافي فحسب، فغرضنا هنا ليس أن نشيرَ إلى هذا البعد فقط، ولا بالأحرى أن نشير إلى مجرد اشتغال الرجلين بالشّعر، أي بقراءته والطرب لترداده، فهذا بديهيّ يعرفُه من له أدنى معرفة بهما. بل إنّنا نرجو أن نوفق في هذه الصفحات القليلة إلى أن نُبين عن شيء مشترك بين شخصيّة هذين العلمين، لعلنا نهتدي إلى صفات أصليّة توجد في كل شاعر، وخاصة ذلك الشاعر الذي أُرغم على الصمت في أعماق كل منهما، فعاود الظهور في أعمالهما كلها بصور ولبوس مختلفة. دعنا نقف عند البيت التالي قليلاً، لنتأملَ فيه، وهو قول قيسٍ :

خليليَّ ما أرجو من العيشِ بعدما     أرى حاجتي تُشرى ولا تشترى ليا

 نقرأ الكلمات، فتطوف الصور في البال: أزقة مزدحمة في صباح شتويّ، دكاكين ومحال عديدة، وترى الصّغار ممسكين بأيدي أمهاتهم، ناظرين إلى الوراء، مشيرين بأصابعهم الصغيرة، نحو الواجهات، منهم من يوشك على البكاء، ومنهم من قد بكى فعلاً، يريدون أن يتوقفَ المسير قليلاً، يريدون الآن وفوراً ذاك الشيء الذي تعلقت به نفوسهم، وحين لا تسعفهم الإشارات، ولا الدموع، يصيحونَ بأصواتهم الرفيعة مستغيثين، ثم تسكتها ضغطات أيادي الأمّهات الرقيقة القويّة، أو ما نقص عن ذلك أو ما يزيد، ويستمر المسير. ثم ابتسامة الذكريات، وتطوف الصور من جديد، هذه المرّة يظهر شاب صغير، نعرفه جميعاً ربما، تحت شجرة خريفيّة في المساء، وحيداً يفكر، وقد صار يعلم ويميّز ما يريد وكيف يريد، وقد أحب فتاةً، وصارت عنده كل شيء، منذ علم، بالحسّ المرهف، أنّ النساء كثيرٌ، ولكن لا تشبه واحدة الأخرى في شيء، فلكل واحدة روحٌ، وطباع، تأتي مرّة في التاريخ ولا تعاد[5]، خلقٌ فريد لا نسخة مكررة، وعلى باب الفراق المخوف، بين صبر ورجاء وتردد، يمتلئ صدرُه ويعزم على أنْ يفعل المحال بإصرار الفتيان الرهيب، حتى تكونَ له، ولو لامه الناس، ولو تورط في حماقاتٍ، ولو لم يفهم عليه أحد ممن يقول لهم: هي عندي بالدنيا كلها، وهي كل ما أريد، فلو خسرتها، فما أرجو من العيش بعدما أرى حاجتي تُشرى ولا تشترى ليا؟ وتستمر الصور وتزدحم، كلٌ على قدر تجربته، وخياله، لكنّنا نكتفي منها هنا بما يقودُنا إلى ملاحظة أنّ ثمةَ ما هو مشترك بين الأطفال والشعراء. وهي أمور كثيرةٌ في الحقيقة، نترك استيفاءها للقارئ الكريم، ولما يعلمُه عن الشعراء وعن الأطفال، ولكننا نشير إلى بعضها فقط:

 الرغبة بالشيء، والإقبال عليه بالكليّة، وإن كان فيهم من إن حصّل حاجته ملّ منها بسرعة، وراح يطلب أخرى، فهو متذبذب بين مختلف الرغبات، والنّوازع، وهو ما سنتطرق إليه حين نتحدث عن الانفعال فيما يلي من أقسام. لكن ما يلزمنا هنا، هو أن نستشعر هذه السمات التي نجدها بين الشعراء وبين الأطفال، فهم يحبّون بكل ما فيهم، ولا يجدون حرجاً، ولا يرون أي بأس على الإطلاق في التعبير عن هذا الحب، أو هذا التعلق بوضوح و مباشرة، وتهوّر، لا حسابات فيه. وإن كرهوا شيئاً، أو وجلوا منه، كان همهم أن يبتعدوا عنه، ولو كان في ذلك فوات مصالحهم، ومهما قيل لهم من موجبات وأسباب ليرجعوا عما هم فيه، لا يفعلون، بتصميم وعِناد، لا مجاملات فيه. وحتى يكون مرادنا مفهوماً، ولا نضيع في التعميمات، ونطيل في الأمثلة والاستثناءات، فهذا المبحث دقيق، والكلام فيه طويل، ويتطلب منّا جميعاً أن نستشعره، ونعالجه من زوايا مختلفة، سنضرب مثلاً بمشهد، لعلّ معظمنا يألفه مما خبره بنفسه، أو شاهده:

أنتَ الآن في غرفة جلوس، أو في فناء منزل، بصحبة طفل، وبين يديك شيء تعلم أنّ هذا الطفل يريده، ويحبه. وقررت أن تلاعب هذا الولد، أو البنتَ فأخذت هذا الشيء ووضعته في مكان مرتفع مثلاً، وذهبت لتراقب من بعيد. ستقف متعجباً لا ريب، من كم المحاولات التي سيبذلها هذا الولد، أو البنت، من أجل أن ينال حاجته، وستدهش، مبتسماً من بعيد، من الطرق، والوسائل التي يطرقها الأطفال ويبتكرونها، ومن الإصرار والتصميم الشديدين. أو فلنقل أنّك طلبت من صبيّ صغير أن يقنعك بشيء ما، هو مقتنع به، فإنك ستندهش من حركاته، ونظراته وهو يحدثُك، كأنّما كل ما فيه يتحدث، ويتعجّب من عدم فهمك! أو أنّك طالبتَ طفلة صغيرة بتفسير موقفها بعدما كسرت شيئاً مثلاً، أو بعدما فعلت أمراً لم يكن يفترض بها أن تفعله، فهي ستحاول ألّا تقول الحقيقة، ولكنها في غضون ذلك تكون مقتنعةً بما تقول، تستشعر ذلك من نبرتها، ونظراتها وتأثّرها البالغ، كأنّما الأطفال حتى حينما يكذبون يكونون صادقين! فإذن هذه الأمور كلها التي ذكرناها من الإقبال على الأمور بالكليّة، ومن المباشرة، والإصرار والعِناد، والتوسّل بشتى الوسائل، والتحايل بطرائق فريدةٍ مدهشة، ومن التشبّع بالمعاني، والتأثّر بالكلام المنطوق المعبّر عن النّفس، وإن كان غير مطابق للواقع، ينبغي أن يُنظر إليها نظرة إيجابيّة، كأنما الشعراء هم ذوو الحظ من البشر، الذين احتفظوا بهذه السّمات، والاستعدادات، وأبقوا شعلتها متقدةً، هذا قبل طروء ما يمكن أن تستخدمَ فيه من الظلم، والزّيغ، والبغي، مع تمام التعلّم والتثقّف و النُضج مع تلقي مختلف الأفكار والاعتقادات. فالشعراء، ذوو النفس الشّاعرة، إذن، هم الذين احتفظوا بهذه الطفوليّة، أو «الصبيانيّة»، والتي نقصد بها بالضبط ما ذكرناه منذ قليل من قوة الشعور، والمباشرة وقوة الجهر والإفصاح، وشدة التصميم والعِناد، والتحايل بشتى الحيل، ومدهش الوسائل والطرائق، وشدّة التأثّر بالمعاني، والتشبّع بها. وهذه «الصبيانيّة» إنما تظهر، وتتبدى فيما يسميه النّاس عادة بـ”شقاوة” الأطفال، والفتيان والفتيات. وهذه “الشقاوة” الغريبة المحببة نجدها في كلام كثيرٍ من الشعراء. وخاصة في الهجائيات والغزليّات.

وهذه «الصبيانيّة» التي تتبدى بالمظهر الذي وصفناه مستخدمين اللفظ الدّارج الذي يُوصف به الفتيان والفتيات عادةً، أي “الشقاوة”، ونحن نستخدمه لاعتقادنا بأنّه يفيد المعنى المقصود، وإن كانت اللفظة في أصلها تنطوي على معان سلبيّة من التعاسة والبؤس والضلال، وما شابهها، فنحن لا نعني هذه أبداً، ولكنّها في الاستعمال اليومي تدل على مزيج من التمرد البريء والعنفوان، مما يشتمل بالضرورة على مشقة تُجلب على النّفس، وتورطها في أمور عسيرة عليها، وأشياء أخرى عديدة،[6] ليس فيها ما يُعد في ذاته عيباً، أو منقصةً، بل على العكس، فهي تنطوي،  كما رأينا، على قوة الشعور الجامح، والتصميم الصادق المخلص، والتشبّع بالمعاني، وطرافة الوسائل والطرائق. ونزعم هنا أنّ هذه «الصبيانيّة»، بالمعنى الذي حددناه ولا شيء سواه، تميّز شخصيّة هذين العَلمين ذوَي النفس الشّاعرة، وأنَّ مظاهرها مبثوثة في مجموع كتبهما ومؤلّفاتهما. فكثيراً ما وقع لي، بينما أنا منشغلٌ بقراءة كتاب من كُتب أحد الرجلين، أن أضع الكتاب، وأنهض، وأتحرك في مكاني جيئةً وذهاباً، ممراً يدي على رأسي، كمن شهد هدفاً من تسديدة من منتصف الملعب، مبتسماً، متعجباً من إحكام المقال، وبهاء الصنعة، وطرافة المأخذ، ومفاجأة الوسيلة، وأحياناً من بعض المكر الشريف، وأجدني في غضون هذه اللحظات في غمرة من الشعور كمن وصل إلى بيت القصيد في قصيدة مسبوكة، أو مقطع مطرب من أغنية، فهو يريد التّوقف عنده، مستمتعاً به، متأملاً فيه، ولا يريد أن يواصل حتى يَسكُنَ، و تهدأ جوانحه. وما ذاك إلّا لأنّه اجتمعت، بل تكثّفت أمامي في مزيج مدهش، جديّة المواضيع والهمّ، وهيبة شيوخ العلم، مع هذه “الشقاوة” الصبيانيّة التي أحسستها. ويَعسر عليّ الآن أن أضعَ يدي بالضبط على جميع المواضع التي ولّدت عندي هذا الانطباع العام، من معايشة كتابات الرجلين، وتقليب النّظر في بعض محطات سيرتهما، ولكنّي سأحاول أن أشير إلى بعض المواضع التي تنبئ عن مظاهر هذه الطفوليّة ، أو «الصبيانيّة» الشاعريّة، أي الجموحة الصادقة الطريفة في آن. وليتنبه القارئ الكريم إلى أنّ الفقرات القليلة، أو الحوادث التي سنذكرها من مؤلّفات، وسير هذين العلمين ليس الغرض منها إقامة الدليل على ما ذكرناه، أو قصره على ضرب واحد، بل مجرد لفت النظر إليه، فقد أثبتنا المواقف التي كانت فيها هذه المشاكسة الصبيانيّة الشاعريّة المهيبة بالغة التطرّف والطرافة، ليتلمس من بعد قارئُ كتبهما، بتجربته وذوقه، باقي المواضع وأشكالها المتعددة، التي نزعم أنّها كثيرة مستفيضة فيما كتباه، تقريراً، وتحقيقاً، وحجاجاً:

نجد مثلاً الفيلسوف طه عبد الرحمن عند حديثه عن كتابه اللسان والميزان في محاضرة، يصف، بهيبته ورزانته المعتادة، الصعوبات والجهد الذي بذله لإنجاز هذا الكتاب، الذي هو من أصعب وأعمق ما كتب كما يقول، حيث تشرب عدداً كبيراً من النظريات اللسانيّة والمنطقية وبنى عليها وأدخلها في نسقه الخاص، ثم يقول مداعباً معاتباً:

“وأنا كنت أقول دائماً أن الناشرين هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة [يبتسم ويصفق الحاضرون ويضحكون].. لأن الباحث يقضي سنوات وهو لا علاقة للناشر به، لم يتكفل لا نفقة ولا أكلاً ولا شرباً .. ثم يأتي بدريهمات ليسرق كل ما عند الباحث .. فهذا ظلم ولا ظلم أكبر منه. ولا حقوق للمؤلف، ولا وسائل لمراقبة النّاشر. “[7]

وكذلك في مقدّمة كتابه سؤال الأخلاق يكتب، ويمكن أن نتخيله في صورة فتى غاضب من الظلم والإجحاف، لكنه لا يخرج عن هيبة العلم، ” ولا يخفى علينا ما قد يثيره بناء هذا النقد على الأخلاق الدّينية من مشاعر الاستنكار في نفوس المقلِّدة المفكرين الحداثيين العرب، ولو أنهم رجعوا إلى أنفسهم، لوجدوا أنّهم يبيحون لأنفسهم ما يحرّمونه على غيرهم، فإذ جاز عندَهم أن ينتقدوا الديني بواسطة ما هو لاديني، فلم لا يجوز عند غيرهم أن ينتقدوا اللادينيّ بواسطة ما هو دينيّ ” ففي هذا الموضع، وفي مواضع أخرى أشد وضوحاً، نجد أنّ طه عبد الرحمن مع شاعريته وتصوّفه وأدبه ، ومع الالتزام بالموضوعية والترتيب المنطقيّ في البحث والجدال، لكنّه لا يستسلم لإغواء السذاجة الذي يصيب كثيراً من الشيوخ و المشتغلين بالعلم والثقافة، والتي تجعل كتاباتهم باردة لا روح فيها. بل نراه واعياً بالخلفيات والتحيّزات التي وراء السطور[8]، فهنا يظهر هذا التمرد البريء، أو العنفوان الذي لا يخرج عن حد الموضوعيّة. 

ونجد قريباً من هذا عند محمود شاكر، فنقرأ في العبارة المشهورة المتداولة التي أوردها أبو فهر في كتابه طبقات فحول الشعراء، في هامش رقم (2) من صفحة 395:

".. كنت أخطأت بيان ذلك في طبعتي السالفة من الطبقات ، فجاءتني من الأرض المُقدَّسة التي دنّستها يهود ، رسالة رقيقة من (م. ي.قسطر) فدلّني على الصواب الذي ذكرته آنفا ، فمِن أمانة العلم أذكره شاكراً كارهاً لهذا الذكر".

والأمثلة كما قلنا كثيرةٌ للغاية في كتابات الأستاذين، لكن نرجو أن نكون قد أشرنا إلى المقصود بما اقتصرنا على ذكره، ولعلّ ما يتقدّم يمنح مزيد تبيين.

بعد أن فرغنا من ذكر بعض الأمور التي ولّدت عندنا الانطباع الذي وصفناه فيما سبق، وقبل أن نجملَ في نهاية هذا الفصل غرضنا الأساسي من كل هذا التطويل، ننتقل إلى ذكر باقي التقاطعات، إلى جانب التشابهات التي نزعم وجودَها بين الأستاذين الكبيرين، وهذه التقاطعات تتداخل، وتتفرع عن السمة الجامعة، أي النّفس الشاعرة، التي كان شغلنا حتى الآن محاولةَ الكشف عنها. سنورد الإشارات المهمّة على هيئة رؤوس أقلامٍ في البداية، ثم نجمل مقصودنا منها مجتمعةً، على وجه الاختصار، وإن كان كلٌ منها يستحق أن يُبحث، ويتدبّر على الوجه اللائق به: 

  • عقلٌ منضبط، وحسّ لغوي مرهف
  • بيان عذب، ونمط صعب
  • عوالم فريدة
  • لا تقنع بما دون النّجوم
  • بحار، ومحيطات

إن كان الفيلسوف طه عبد الرحمن قد تبحّر في المنطقيّات، المنطق الرمزي الحديث وأنساقه المختلفة، وفلسفته، وتاريخه، حتى تحصّل على الدكتوراة من السوربون في فرنسا في 1972، ثم جمع إلى ذلك الاشتغال باللسانيّات وفلسفة اللغة، فإن الأستاذ محمود شاكر أيضاً كان مولعاً بالرياضيات في سنوات دراسته للشهادة الثانوية، والذي كان يتعلمه الطلاب يومئذ شيء كثير، حريصاً للغاية على الاستزادة منها، ثم نجده، عند حديثه عن قراره هجر المسلك العلمي، والالتحاق بكلية الآداب، يقول في عبارة عميقة الدّلالة: “وعلّمني كتاب سيبويه يومئذ أنّ اللغة، هي الوجه الآخر للرياضيّات العُليا”[9]. هذا التوّجه نحو دراسة هذه العلوم بالغة التجريد، والشغف بها، المشترك بين الرجلين، مع التكوين العلميّ المميز، المقرون بالصبر الطويل والجد والمثابرة، والذي إنّما تشعل ناره النّفس الشاعرة عند كليهما، وإحساسهما العالي باللغة في بنيتها، ودلالاتها، أنتج عقلاً منضبطاً، شديد الدّقة، مستمر التركيز، لكن مع شعور مُرهفٍ، وقلب حيّ، لم يظلمه ليل التجريد المُعتم، أو تُذهله تفاصيل العلوم عن نفسه، وعن الحياة، وواقعها. علم هذا من تتبع بناء النظريات والآراء في كتابات الرجلين، من ترتيب الحجج، وحساب الكلمات كلمةً كلمةً، ثم التفكير في الاعتراضات التي قد ترد على الاستدلالات، فإما إيضاح ما قد يخفى، أو تفنيد ما قد يورد، كل هذا في صنعة لها من الأناقة والبهاء حظ وافر. وإلى جانب ذلك، أورث هذا التوجه، وهذا التكوين، وهذا الإحساس اللغويّ العالي، الرجلين قدرةً عجيبة على ترتيب المعلومات، وإيضاحها بأقصر عبارة، فمحمود شاكر في تعليقاته وهوامشه قد يلخص، شارحاً وناقداً، في أسطر معدودة آراء متشعبة في النّحو أو في البلاغة أو في غيرهما، وطه عبد الرحمن في ثنايا كُتبه، وحواراته، يورد خُلاصات، أو تقسيمات، أو تعريفات في صلب المنطق، أو اللسانيات، أو تاريخ الفلسفة، تجمل للباحث علماً كثيراً، لا يأتي إلّا مع طول المعايشة لأدبيات هذه العلوم. وحسب القارئ لكتبهما، سواء كان مخالفاً لهما، أو موافقاً، هذه الفوائد. هذا فيما يخص النقطتين الأولى والثانية، أمّا عن أسلوب كتابتهما، فهما يشتركان في هذه الرّشاقة والمهابة، والكلمات المصفوفة بحكمةٍ، والعبارات المفاجئة التي توقظ وتُذهل، فليس سوى محمود شاكر من يفتتح مقالةً بمثل هذه الكلمات المُفزعة، التي تقيم وتقعد:

" مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى.. أحبُّ أن يعلم من لم يكن يعلم، أنِّي امرؤ لا تُرهبه بوارق الوعيد، ولا تُثنيه لوائح التهديد، ولا تَهُوله ألفاظٌ محفوظةٌ تلوكها الأقلام الذاهلة، وتَمضَغُها الأفواه المتلمِّظة، وأَنِّي مُذ خِفتُ اللهَ وحده؛ لم أطوِ قلبًا على مخافةِ أحدٍ من عباده.”[10]  

أو يصف جرس المدرسة بمثل هذه الأوصاف التي تبث القشعريرة في البدن:

“ذلك الصوت المبهم البغيض إليّ منذ لك الحين، صوت الجرس! صوتٌ مصلصِلٌ، مؤذٍ، جافٍ ، أبكم أعجم لا معنى له.. رنينٌ  منكر سرى بالفَزَع في نفْسي، وردّدَ الوجيبَ الوخّاز في قلبي[11]".

أما بيان طه عبد الرحمن، فحسبك منه مقدمةَ كتابه ((روح الدين))، فهي معبّقة بجلال الرّهبة، وقداسة الحقيقة، حيث يقول:

ومهما يكن الأمر، فإنّ حضور الذكر خيرٌ من ذهول النّسيان، لأن نور الوجود خيرٌ من ظلمة العدم، والذّكر وجودٌ، والنسيان عدم؛ وإن الإنسان العموديّ أوسع وجوداً من الإنسان الأفقيّ، لأن مجال الفضاء أفسح من مدى المكان، ….. وهكذا، فمهما قيل، فإنّه لا حياد مع النسيان، كما أنّه لا حياد مع الذّكر، فمن نسي، فقد انحاز إلى النسيان، كما أنّ من ذكر، فقد انحاز إلى الذّكر"

وهي، بالمناسبة، تذكّرنا بمقدّمة كتاب آخر، مؤلّفه من أئمة الأصول، وله في التصوف واللغة باعٌ طويل كذلك، وهو الإمام الجوينيّ، ففي خُطبة، أو مقدّمة، كتابه ذائع الصّيت ((الغياثي))، وهو كتاب يُدرجُ في باب السياسة الشرعيّة، وروح الدّين يتناول التقويم الأخلاقي للنظريات السياسيّة الرئيسيّة، نستشعر هذه الرّهبة نفسها، والجلال، في كلمات الجويني حين يقول:

الحمد لله القيوم الحي، الذي بإرادته كل رشد وغي، وبمشيئته كل نشر وطي. كل بيان في وصف جلاله حصر وعي، وبين عيني كل قيصر وكي، من قهر تسخيره وسم وكي ..وأفئدة القانعين بملك الدارين معلولة، وغاية الزاهدين العابدين مواعد مأمولة، وفي عرصات الكبرياء ألسنة مسلولة، ودماء الهلكى في الله مهدرة مطلولة … و نار الله على أرواح المشتاقين موقدة، ومدارك الوصول بأغلاق العز موصدة، ومن قنع بالدعوى ضاع زمانه، ومن تحقق في الإرادة طالت أحزانه، ومن ضري بالكلام صدي جنانه، ومن عرف الله كل لسانه، جل جلاله".

فهكذا هو إذن بيان الرجلين، ومما يتصل بهذا، ما يختبره القارئ لكتبهما، والدّاخل إلى عالمهما، من الغربة، والتي سرعان ما تغدو ألفةً، ومن الوحشة في سيره الأول بين جبال المعاني، ودهاليز الألفاظ، فكل منهما قد بنى لنفسه صرحاً يميّز عباراته، ونصوصه، من بين عشرات النصوص. فمحمود شاكر رحمه الله، مثلاً، له في ترتيب كتبه طبع خاص، وعلامات ترقيم معيّنة يستخدمُها، وطه عبد الرحمن، يرتب كتاباته بطريقة نسقية استنباطيّة، غير مطروقة كثيراً في الكتابات العربية المعاصرة، قد يستوحش منها القارئ في بادئ الأمر. هذا من حيث المبنى، أمّا من حيث المحتوى، فقضيّة الترجمة مثلاً من أهمّ التقاطعات التي تجمع بين الرجلين. فمحمود شاكر كان يُتقن الإنجليزيّة، وتعلّم الألمانيّة مدةً، ومارس الترجمة عن الإنجليزيّة في صدر شبابه، واضعاً العديد من المصطلحات التي جرت على الألسن فيما بعد، وله فيها آراء خاصة، فتراه كلما أوردَ نصّاً مترجماً عن الإنجليزيّة، عقّب عليه إما معدّلاً، وإمّا منبهاً على نقصان الترجمة، أو رداءتها، فكأنّه لا يرضى كل الرّضى، إلّا على ما ترجمه بنفسه. أمّا الفيلسوف طه عبد الرحمن، فحدّث ولا حرج، فهو ربما أغزر من أنتج المفاهيم، ووضع التسميات، واشتق الألفاظ في الكتابات الفلسفيّة العربيّة المعاصرة، وله في الترجمة نظريّات مشهورة، ووضع العديد من الألفاظ المستحدثة لمفاهيم مشهورةٍ درج استعمال مقابلها الأجنبيّ مثل أيديولوجيا، وأنطولوجيا، وطوبولوجيا، حيث يترجم الأولى بالفكرانيّة، والثانية بالكيانيّة، والثالثة بالموضعيات، على وزن رياضيّات، بالإضافة إلى ما ذكرنا من ترجمته للكوجيطو ، إلى غير هذا ، وهو كثير مستفيض. وكذلك في نقله للنصوص، فهو ينقل عن النصوص الأصليّة، من فرنسية وإنجليزيّة وألمانيّة، ولا يكاد ينقل عن النصوص المترجمة إلى العربية شيئاً، فهو يعيب على كثير منها الشيء الكثير. وأمّا التقاطع الآخر الذي نلحظه، وعنوانه لا تقنع بما دون النجوم كما يقول المتنبيّ، فهو في دأب الرجلين، وقد كملُت عدتهما، وطاب زادهما كما رأيت، على التوجه، حين مناقشة قضيّة ما وتقليب الآراء فيها، نحو الأسماء المشهورة، والشخصيّات المركزيّة، أي إلى الأصول الكبيرة لهذه المسألة، أو لهذا الفن. فنجد أبا فهر محمود شاكر يناقش مثلاً الجاحظَ، وهو من قد عرفتَ، في قضيّة الشعر الجاهليّ وعمره، مناقشة الند للند، وكذلك مناقشته لشراح الشعر الكبار كالإمام التبريزي، وغيرهم. وكذلك طه عبد الرحمن، نجده يناقش كانط، وروسو، ودوركهايم في بؤس الدّهرانيّة، وهيوم في بداية سؤال الأخلاق، و فرويد ولاكان ودو ساد في شرود ما بعد الدّهرانيّة، وابن رشد في مواضع عديدة، وأحياناً يناقش بهمّة تُحترم، قامات فلسفيّة غربيّة معاصرةٍ، قد تصغره سناً حتى، وغير مشهورة في الساحة الفكرية العربيّة، لكنّ أفكارها مهمّة، فيعرض لنظرياتها وينقدها، ويقومها حسب مبادئ فلسفته الائتمانيّة، ثم يبني عليها نظره الخاص. ونزعم أنّ هذا كان بعض قصدهما، وأنّ هذه هي المكانة التي ارتضياها لنفسيهما، التعامل النقديّ مع الأصول المؤسسة، وإن كان اسم كل منهما قد رُبط “بمعركة”، لعلها لم تكن عند الرجلين نفسهما بالأهميّة المظنونة، أما محمود شاكر فقضيّته مع لويس عوض ونقده له في أباطيل وأسمار، وما تلا ذلك من أحداث ومجريات. وأما طه عبد الرحمن، فاختلافه مع آراء الدكتور المغربيّ محمد عابد الجابري، و الدكتور الجزائريّ محمد أركون، ونقدِه لهما. وهذه القضية الأخيرة، أي ارتباط اسمي هذين العلمين بمعاركَ معيّنة وقصر كل مشروعهما عليها، تجرنا إلى تقاطع آخر ملحوظ بينهما، وهو المحاولات العريضة لقصر أعمال الرجلين، وحصرها في مواضيع معيّنة، أو اتجاهات بعينها، فمن يصنّف مشروع طه عبد الرّحمن على أنّه مجرد “تسويغ” للصوفيّة، فهو مجانب الصواب لا ريب، وكذلك شأن من يصنّفه على أنّه “متكلّم”، ويغفل تكاملية المنهج والاشتغال، والتي إنما تنبع من هذه النّفس الشاعرة التي هي مفتاح حديثنا كله حتى الآن، وهو أمر عانى منه محمود شاكر كذلك، فمن يعتبره مجرد كاتبٍ، أو أديب سلفيّ، أو مهتمّ بالتراث وتحقيق النّصوص فقط، سيغفل الجوانب النفسية، والعقليّة، والعمليّة لمنهجه، والتي نحاول منذ بداية هذا الفصل تبيّن معالمها.

إن كان هذا شأن الجافين عنهما، فما هو شأن المقبلين عليهما يا ترى؟ إنّ قضيّة تلامذة محمود شاكر، وتلامذة طه عبد الرّحمن لأمر عجيب، يستحق التوقف عندَه، والتدبر فيه. ومردّ هذا العجب إلى أنّ كل واحد من هؤلاء التلامذة، أو ((الأصحاب)) إن أردنا التعبير الأدق والأليق، قامة علمية لوحده، وبحر من المعرفة متلاطمٌ، ولكنّك تراهم في مقالاتهم ومحاضراتهم ينتسبون بتواضع من أُشرب قلبُه العلم، وباعتزاز لا تخطئه البصائر إلى أحد الأستاذين، معترفين لهما بالفضل الجزيل. وحتى نستشعر المسألة أكثر، فلنفكّر في أشهر هؤلاء الأصحاب: محمود الطّناحي بالنّسبة لمحمود شاكر، ود. حمو النّقاري بالنسبة لطه عبد الرحمن. فإذا ما تأملنا في مكانة هذين الرجلين العلميّة، التي تشهد لها أعمالهم، ويشهد لها المختصون الذين يثنون عليهما، نجدها، ولسنا نزعُم أنّنا أهل للحكم على أحد، في الغاية من الإتقان والعناية بالفعل، فهذا الدكتور محمود الطناحي من الضالعين في التُراث، وفي مقالاته فصاحة وعذوبة، وتحقيقاتُه للكتب مشهورة معروفة، وهذا الدكتور حمو النّقاري، أستاذ المنطق، الهادئ الوديع، ذو النّظرات الحادة والكلمات المحسوبة المتأنية، وصاحب الكُتب، أو المتون، المصقولة كالمرآة، والمنسّقة كصف من الأزهار. فمن حيث الظاهر،لا يبدو لنا، نحن طلاب العلم، ومن هو بعد في شبابه الفِكري، أنّ ثمة كبيرَ فرق يجعل هؤلاء تلامذة معترفين بمحبة واعتزاز بتلمذتهم، وأولئك أساتذة، حيث يبدو لنا أنّ عند مرحلة معيّنة تذوب الفروق، ولا يغدو التفاوت في السنين، ولا في المحفوظ، والمقروء، والمكتوب، إن فُهم العلم على هذا النحو فقط، ملاحظاً. وأيضاً، من الممكن، وغير المستغرب، أن يجد البعض تحقيقات، أو مؤلّفاتٍ لمحمود الطناحي ،أجودَ وأهمَّ من تحقيقات، ومؤلفاتٍ لمحمود شاكر، أو نظريات، أو كُتباً لحمو النّقاري أدقّ وأعمق من نظريات، أو كتب لطه عبد الرحمن. كلُّ هذا وارد بلا شك، وهذا ما يجعل عجبنا في ازدياد! ما الذي إذن يجعل هؤلاء الأصحاب، المذكورين وغيرهم، حريصين على الانتساب لأحد هذين الرجلين، معترفين بفضلهما في المناسبات العديدة، لا يجدون في ذلك غضاضة ولا أنفةً، بتواضع أهل العلم، وأدبهم الجم؟ ماذا رأى هؤلاء الأصحاب من هذين الرجلين حتى كان هذا حالهم؟ هل يمكن للفكرة المفتاحية التي اتخذناها منطلقاً، أي النّفس الشاعرة، أن تفتح لنا، وسط تعدد الإجابات، وصعوبة الجزم، باباً للفهم موصلاً، نرتاح فيه من سيرنا الطويل حتى الآن؟ نعم، ذلك بالإمكان إن شاء العزيز المنان . فنزعم أنّ هذه الفروق الدقيقة التي قد لا تظهر في بادئ الأمر، إنّما هي من آثار هذه النّفس الشاعرة، مستمدة من معينها العذب النمير، وأنّها هي التي أخرجت لنا، مع اعتبار رزق المُنعمِ وتفاوت النِعَم كمّاً و كيفاً بالطبع، أبا فهر محمود شاكر، وطه عبد الرحمن على الهيئة الفريدة التي وصفناها. فلعل هذا التنقل الصعب بين مجالات الإبداع والتفكير، شعر، منطق/رياضيات، لغة وفلسفتها، الذي هو ربما كان تنقّل واجب أكثر منه اختيارًا، والذي حرّكته نار الهمّ المُحرق، بجوانبه السياسيّة والنفسيّة والمعرفيّة، و التي توقده النّفس الشاعرة، لا مجرد حبّ التفنن، والهم المعرفي، والتخصصي المجرد، وإن كانت هذه موجودة قطعاً، وهذا العقل المنضبط والمرتّب، وكل الصبر، والأناة والهمّة، والفتوة، ومن ثمَّ التشبّع التامّ بالمعاني، وآيةَ ذلك عند الكلام، وحتى في الكتابة، في ومضات العيون، وحركات الأيدي، في العبارات الحادة، ومفردات الإشفاق، والتنبيهات، والإرشادات،[12] والاستطرادات، التي تكثّفت فيها، همّة الشباب، وصبيّانية الفتيان، في انفعالاتهم، وجرأتهم، وعدم اغترارهم بالمظاهر، وإشفاق المربي المتفرّس المجرّب، وما سوى هذا، فلعلَّ كل هذه العوامل، والسّمات، التي زعمنا أنّها متفرعة عن النّفس الشاعرة، هي التي ميّزت هذين الرجلين، ورفعتهما رتبةً فوق الآخرين من شيوخ العلم، والأدب.

والآن بعد هذا المسير الشاق، نأتي إلى النقطة الأخيرة، والتي كان حقُّها أن تأتي أولاً، لو كان هذا البحث يمكن إنجازُه مقلوباً. فقد كان أول ملحظٍ خطر لنا، قبل كل ما ذكرنا، عن التّشابه بين الرجلين، هو هذا: كلٌ منهما وقع له في صدر شبابه، كما أوضحنا، أحداثٌ، أدت إلى سيطرة، وتملّك همٍ، أو قضيّة واحدة، على نفس، ووجدان، وعقل الرجلين. وكلٌ منهما، على امتداد السّنين، والتغيّرات الثقافيّة والسيّاسيّة التي طرأت، ظلّ مخلصا لها أشد الإخلاص، مثابرا عليها، مقتنعا بجدواها وأهميّتها، وقد بذلا في سبيلها من الوقت والجهد ما هو معلوم، ولكنّهما، وهنا مربط الفرس، لم يستسلما لإغراء السنين وإغوائها فينجرّا معها إلى المتحف، مثلما انجرّ كثيرٌ من المفكرين والمناضلين والفنانين، خذ أتباع اليسار مثلاً، ولم يغرقا في تفاصيل العلوم، وقد علمت سعة اطلاعهما، وفي جدالات المتخصصين المتخلّفة عن ركب الزمن سريع المرور، ولم تأخذهما الحماسة والانفعال، وهم شعراء، وما أدراك ما انفعال الشعراء، فهم لم ينخرطوا، لبعد نظرهم، في أي من الأيديولوجيات المختلفة التي سيطرت مدةً على العقول والنّفوس، كما لا يخفى. فهذان العلمان حافظا، بعفوية وإبداع من داخل، لا بتكلف من خارج، على قضيّتهما، وقد بذلا في سبيل ذلك الغالي والنّفيس، ولكنّهما لم يهملا القضايا التي جدّت على الحياة، ولم يغرقا في التّفاصيل اليوميّة والأحداث، غافلين عن الصورة الكبرى، أو القضيّة الأولى،  لقد حققا، وهذا هو سبب تميّزهما، التوازن الصّعب، الذي نزعم أنّنا لا نجده بهذا الكمال عند غيرهما في هذا العصر. ولهذا نرى أنّ هذه السّمة هي أبرز ما يميّز هذين الأستاذين، وهي أبرز تقاطع بينهما، وهي الثمرة الطيّبة، من الحكمة والعنفوان الدائم، التي نبتت من جذور النّفس الشّاعرة التي حاولنا الكشف عنها، وهذه السّمة، نزعمُ، هي أهم وأحسن ما يمكن أن يُستفاد من هذين العلمين، أمّا اجتهاداتهما، ونظريّاتهما، فلسنا ننشغل بها هنا، لا دفاعاً عنها، ولا انتقاصاً منها، ولا ذلك لنا كما أسلفنا، فكلٌ واحد له أن يتقبلها إن شاء، أو لا يتقبلها، ولكن هذه السّمات التي حاولنا كشفها، هي مركزيّة وأساسيّة، لا يستغني عنها من يريد أن يشتغل بالعلم، أو بالأدب، أو بالفن على الوجه الصادق والمبدع والمفيد، كما سنناقشه في محله. والآن فلنجمل ما ناقشناه في هذا القسم، ولنخلص إلى المقصود، وإلى النتائج التي توصّلنا إليها:

1) لم يكن همّنا في هذا الفصل التعريف بمشروعي الأستاذين طه عبد الرحمن ، و محمود شاكر، أو كيل المديح، وترديد كلمات الإطراء بلا قيد، لأعمال الرجلين، كلا، بل كان همُّنا التمهيد النظري لتناولنا لموضوع هذا البحث، وهو محاولة النظر إلى الأدب والفن من خلال أعمال عبد الفتاح كيليطو، فكان الغرض وراء كل مناقشتنا حتى الآن وضع هذا الإطار النظريّ.

2) كانت دعوانا الأساسيّة أن ثمّة تقاطعات ملحوظة بين طه عبد الرحمن ومحمود شاكر، على بعدهما في الظاهر. وقد اتخذنا نقطة انطلاقنا ما سمّيناه النّفس الشاعرة، ورأينا أن كلا الرجليّن شاعرٌ كامل الشاعريّة.

و زعمنا أن الانفعال، والجرأة، والجموح ، الصبيانيّة، والتفرد، والتشبّع بالمعاني هي سمات أساسيّة في نفسيّة الشعراء. فليس سوى شاعر من يترك جامعته ويهجر بلدَه، مصر، ويهاجر إلى جزيرة العرب، كما فعل محمود شاكر، من أجل محاضرة، سمعها وأنكرها، عن الشعر الجاهليّ، وليس سوى شاعر، من يصمت عن قول الشّعر المحبب إلى قلبه، ويعكف في ساعات الصبر الطويلة على دراسة المنطق والفلسفة، مع قلة المعين، ووعورة الطّريق، ليخدم قضيّة عقد قلبه عليها، كما فعل طه عبد الرحمن.

3) إحدى المسائل التي سنبحث فيها في الأقسام التالية، هي ما سنبينه من أن هذا الانفعال، والجموح، والتفرد، وباقي السّمات التي ذكرنا أنّها مركزيّة في نفسية الشعراء والفنانين، وعديد من المفكرين، جعلت هؤلاء الشعراء، والفنانين، والمفكرين، بدرجات متفاوتة كثيرة جداً، من أسوء النّاس عيشة، ومن أسوء النّاس أخلاقاً، وأنّها جلبت على أنفسهم أولاً، وعلى من يحيط بهم، وعلى المجتمع، الفساد والتّيه والتناقض والتذبذب، وأوصلت الفن والأدب إلى الحالة التي نجدها الآن، ولا نظن أحداً يُنكر بالغ سوءها، وانقلاب أغراضها. فكان غرضنا من إيراد ما ناقشناه حول طه عبد الرحمن ومحمود شاكر، اتخاذهما نموذجاً يُحتذى به ويبنى عليه، فهما كما بيّنا شعراء حتى الأعماق، قالوا الشّعر في صباهم، وظلّ الشعر، بمعناه الذي أوضحناه من إصرار وجموح وتشبع بالمعاني وشجاعة أدبيّة بالغة، ومن حلاوة بيان، ورشاقة أسلوب، حاضراً في جميع أعمالهما، وهما بعد متضلعان في اللغة ودلالاتها وبنيتها، ولكنّهما استطاعا، مع اعتبار ما وقع منهما من أخطاء، التغلّب على كل هذه الآفات التي ذكرنا، ومردّ هذا النجاح إلى أمرين أساسيّين، وسيعاودان الظهور فيما يلي بصور متعددة، وهما: أولاً: وضوح القضيّة والهدف، وعدم الخلط بين الغاية والوسيلة، وثانياً، وهم الأهم، أنّ تعمق الرجلين في الثقافة الإسلاميّة العربيّة، والتي هي أخلاقيّة بامتياز، والتي تنظر إلى الوجود نظراً مركباً للغاية، وإدراكهما لمضامينها ومراميها المعرفية والجماليّة والعمليّة، كان العامل الحاسمَ في كبح جماح نفس الشاعر في داخلهما، حفظاً لها، وتوجيهها الوجهة الصحيحة، لكن مع الإبقاء على جذوتها متقدةً، فلم يكن فيضان المشاعر والدّوافع والنّوازع، الذي يجلب الدمار على كل شيء، بل كان نهر الجمال والفائدة والهمّة العذب الفريد، والأهم من هذا، الدائم الجريان غير المنقطع.

4) وبهذا يصفو لنا أن نستفيد، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، من اجتهادات طه عبد الرحمن، ومحمود شاكر، في تناولنا لموضوع البحث، ليس عبر التّوسل باسميهما، وشهرتهما، وعبر إيراد آرائهما تعسّفاً وإلزاماً، بل عبر ما بيّناه، وأقمنا الحجة عليه، من كون الرجلين، من أهل الأدب والفن حتى الأعماق، ومن كونهما نموذجاً فريداً معاصراً لما ينبغي أن يكون عليه العالم والشاعر والأديب والفنّان المبدع المُخلص المفيد. فسنجتهد فيما سيأتي، في إعمال بعض نظريات طه عبد الرحمن الأخلاقيّة، وسنعتمد على ما وعيناه من علم محمود الشاكر في التُراث والشّعر، ومن تجربته في الكتابة. فستكون إذن الرحلة التالية، سعياً بين جبلين راسيين على أرض ثابتة، بينهما مدى فسيح، قدر ما بين المشرق والمغرب، وسيكون رفيقنا في رحلتنا، ناقد وفنان ومنظر فذّ، فلعلنا نوفَّق في سعينا، فتتدفق عيون الإبداع والجمال والجلال من جديد، كما تدفق ماء زمزم بين يدي أمّنا هاجر رضي الله عنها. فهيّا بنا.

ii. فلسفة الأدب: على أعتاب المسير

اللص الليليّ

على أعتاب المسير، وقبيل الانطلاق في رحلتنا، لا بأس في قليل من العتاب، حيث أن الرحلة طويلة، ونريد أن نكون في سيرنا أحراراً، متخففين من كل همّ وقلق و ضغينة، فلا مجال للخطأ، وليس من الحصافة أن نسمحَ لحادث عارضٍ وقع منذ سنين، أن يُعكّر صفو رحلتنا، التي يُنتظر منها أن تكون ممتعةً، وقد اجتمع فيها إلى بهاء الطريق، أنس الرّفيق، كيف لا، ورفيقُ سفرنا هذا، رحّالة متمرس في الأسفار، دائم التنقل، ذو ألسن وعجائب، مولع باللعب والمشاكسة، وفي قاموسه، والحق يُقال،لا وجود لكلمة الملل. ثم أليست الرحلة في فضاء واسع فسيح، يُدعى الأدب؟ فمن المروءة إذن، ومن الأدب، أن يسدد المرء كُلَّ ديونِه، ويصفي جميع حساباته قبل أن يعتزمَ الرحيل، و يباشر المسير، وهذا ما سأفعله. سأصفي حسابي مع رفيق رحلتي، بعتاب رقيق، وعلى الطّريقة التي درج عليها، وارتضاها.

كنت حينها، أعيش في جزيرة نائية من جُزر البحر المتوسط. كانت، برغم كل شيء، بلاداً عاديّةً كباقي البلاد، ناسٌ، وشوارع، وسيّارات ،بيد أنّها هادئة للغاية، فليس فيها شيءٌ مما يُروى عن الجزر عادةً، أي المغامرات، والكنوز المخبوءة، والقراصنة المبثوثين، وما شابه هذا. وفي ليلة من آذار، بعد يوم جامعيّ مُرهق، جلست، في العَتمة، وزملاء السكن الثلاثة حولي محتضنين أسرَّتهم، في وهاد المنام اللذيذ، أقلب في صفحات الإنترنت الزرقاء، وبعد دقائق من التقليب، والتقلّب، مرّ فيها على عينيّ كثيرٌ من ((الكوميكس))، والأخبار، توقفت عند عنوان لافت: التراجيديا والكوميديا، ومتّى بن يونس، ثم ترددت في مواصلة القراءة أو مواصلة التقليب، خاصةً بعد أن قرأت اسم المؤلف الغريب، وأنا لم أكن أثق بكلام أحدٍ عن الأدب، سوى الأسماء القديمة المعروفة، لكنّي، متثائباً، نزلت تحت الغطاء الأبيض أكثر، وأرخيت مفاصل ظهري، وقدميّ، وواصلت القراءة. وفي تلك اللحظات ربما، طار عصفور ما من على غصنه في الهضبة القريبة، وأعلن كاتب التّاريخ، الذي يتحدث عنه الجميع، عن اكتشاف قارة جديدة. كنت أقرأ بعين واحدة، وفي السطور القليلة الأولى مرّ اسم التوحيديّ، ثم متى بن يونس، ثم أرسطو، ثم ستيفن تزفايغ، ثم نابليون، فعبد الرحمن بدوي، ففتحت عينيّ، وأبعدت، بتلقائية، شاشة الهاتف قليلاً، فأنا أعاني من مدّ البصر hyperopia، لأتأكد مما أقرأ، كيف اجتمع كلُّ هؤلاء في فقرة واحدة؟ وحينما وصلت إلى موضع توبيخ عبد الرحمن بدويّ، وتعليمه الأدب حرفيّاً، ابتسمت وغلبتني الشقوة والنّشوة، ورحت أقرأ باقي المقالة باهتمام، وكل ما وجدته للكاتبِ على نفس الموقعِ، حتى أذان الفجر. ونعم، وأظنّك قد علمتَ من نفسك، كان ذاك الكاتب هو عبد الفتاح كيليطو، اللص الليليّ الذي سرق النّوم من عينيّ، أنا الذي كنت أقاسي الأرق كل ليلة، اكتشفت بعد ذلك أنّه كان من آثار فقر الدم، سرق النوم من عيني، وسرق درجات الحضور، لأني تغيبتُ عن محاضرات الصّباح التالي كلِها، لكنّي، لم أكن حينئذٍ قد تعلمت تماماً كيف أحب وكيف أكره، فسامحتُ، وتغافلت، خصوصاً لما حدث من بعد. وقد وقعت أمور كثيرةٌ، لست أذكرها، لكنّي بعد أشهرٍ، ومع أول إجازة إلى الغربة/الوطن، تحصّلت، عن طريق مهندس يعمل في بناء قصورٍ ملكيّة في المغرب، على الأعمال الكاملة لكيليطو بأجزائها الخمسة، وكانت قد صدرت حديثاً، ورحت أقرأ، في حميمية المكتبة/الغرفة، وفي عزلة طويلة فرضتها عليّ عراقيل جوازات السفر والتأشيرات. وسرعان ما أنزل لسان آدم، وحصان نيتشه كيليطو منزلةً عزيزةً في قلبي، فصرت أدّخر كُتبه، التي تنقضي كقطعة شوكولاه مع شاي الصباح، فكان آخرها، أو ما قبل الأخير، الذي كنت أقرأه، بعد ذلك بشهور، بين الغيوم الرّماديّة، على شرفة شقتنا الطلابيّة، قبل أن تستولي عليها المافيا القبرصيّة، ولهذا حديث طويل. فهكذا كان الأمر إذن، فلم أتخذ كيليطو، الذي يبتسم الآن فخراً بفعلته ربما أو خجلاً منها، رفيقاً في رحلتي إلّا بعد عداوة، كما يوصي بذلك المثل المعروف، وقد سامحتُه، وشكرت له صنائعه الكثيرة عندي، منها ما ذكرت آنفاً، ومنها حينما كان يسعفني، فيتكلم بصوتي، فقد قرأ عليّ مثلاً، بهدوئه المعتاد، وأنا ساهر أفكّر في عيني الفتاة الشقراء الطيّبة التي أحببتها:

“تلتمع نقاط مضيئة على خريطة العالم، وتَهدي الخُطى نحو ملاجئ الأمل والأمن المؤقتين[13]" 

أو حينما كان يخط كلماتِه، كرسام غرافيتي شاعريّ، على الجدران الدّاخلية للذاكرة:

“من أجلها أنا هنا، في هذا المكان الذي قد اجتزت عتبته. ليست إلّا على بضعِ خطواتٍ منّي, غَير أنّي أحسُّ نفسي متوتراً, أعزل. نسيت كلَ الخطابات التي عزمتُ, أثناء أحاديثنا الخياليّة, أن أقولها لها ..” 

فبهذا وغيره، ذاب الثلج الذي كان بيننا، مذ ذاك الربيع الأوّل، وصرنا إلى ما ترى من خير رِفقة وصحبة. غير أنّ الطبع غلابٌ كما يقولون، ورفيقي كما ألمحتُ مولعٌ باللعب الماكر، والمشاكسة، وقد أوقعنا من قريب في مقلب جديد من مقالبه، مستغلاً شديد ذكائه، وما نعرفُه عن قلبه الطيّب، و كاد بفعلته هذه، أن يفتح علينا باباً من الخصومة جديداً، لولا أنّا آثرنا الصبر، ورأينا، وهذه الكلمات سريّة بيني وبينكم، أن نلاعبه كما يلاعبنا، وأن نمشي على طريقته، و نسير على هواه، وها هو يبتسم من جديد.

شيٌ من اليود، وشيٌ من لهب بنفسجيّ

ذكيّ، ماكر، إلّا أنّه طيب القلب، صافي السريرة، بهذه الكلمات ربما سيصف كلُّ من خَبِرَ رفيقَ رحلتي وعايشه طويلاً.[14] فأحاديثُه وكُتُبه القصيرة، كومضات الخشوع، مُتعة خالصة، وأنسٌ دائم. فهو كما قلنا مرح، محب للعب، والمقالب الخفيّة، وهو شديد اللباقة لا يزعج القارئ بحشر تفاصيلِ حياته في كل شيء، ولا يتكلّف، ككثير من الكّتاب المشهورين، إيراد آراءه في الجنس، والحب، والعبث والهزيمة، أو تعمُّدَ صنع متاهات تؤرق القارئ، أو أن يستسلم لسلطان الصنعة فتسيطر عليه (أفكّر الآن في كونديرا، وبورخيس، وأمبورتو إيكو على الترتيب، و كيليطو من المُعجبين بهم) ولا يُعرف عنه الدّخول في معارك أدبيّة، أو التركيز على نوع أدبيّ معين، وهو أيضاً، وإن كان أستاذ اللعب على الثيمات، والتقابلات ألفة/غرابة، ليل/نهار، .. ، لا يغرق في الرموز، حيث التّوجس والرّيبة[15]، ولا يُشهر، وهو الأكاديميّ، عصا المناهج المتعجرفة على النّصوص المؤّدبة، بنات النّاس، فلا يلتزم بالبنيوية ولا بالتّحليل النفسي ولا بغيرِهما، فهو يُطل على كل ما ذكرنا، من بعيد، فلا يقترب منها، إلا لكي يبتعد عنها، حضور وغياب. إنّه باختصار الأمل والبساطة، (أتكون هذه سمات كامنة في أعماق أدب الثقافة العربيّة؟)، هذا يستحق البحث. لكن كل هذا رأي، و وجه واحد فقط من وجهي الدّينار المتبهرج، لا غير. أما الرّأي الآخر، فيقول أنّ القارئ المتتبع لكتب كيليطو لا يسعه، حين يلاحظ كل ما ذكرنا، إلّا أن يحكمَ عليها بالسذاجة، أو على الأقل بالبراءة الطفوليّة، تُقرأ في جلسةٍ ممتعة، في حميمة المكتبة، وكفى .. لا يُمكن أن تؤخذ على محمل الجد. وهل هناك طريقة أخرى للتعامل مع كتابات، مهما بلغ تماسكُها وطرافتها، لا تهتم بالدفاع عن رأي ما، أو قضيّة مهمّة، أو منهج معيّن، إلا على هذا النّحو؟ نسيمٌ عابر مس الوجوه برفق، فأنعشنا، وأمتعنا .. ثم مضى مشكوراً. ربما يسعدُنا أن يعود إلينا، أو نعودَ إليه، بين الحين والآخر، جالباً معه الانتعاش المحبوب، لكن هذا آخرُ أمرِه. ويمضي الواقع بكلكله. فأي الرأيين نختار؟ وأيّهما نرجح؟ وإن لم نرجح، أيمكننا التوفيق بينهما؟ كما تعلّمنا ورقات الجوينيّ، ولمع الشيرازي؟ سنرى. لكنّ أمرَ صديقنا الفذ كيليطو، عجيب على حال. ليس العجب في كون كتاباته أليفة، وديعة، يقرأها من شاء، وكيفما كان مزاجُه، ومحبوكة بعناية، فهو نشأ ولوعاً بالقصص المصوّرة، يقرأ بلغات عدّة، مع ما ذكرنا من ذكاءه، ومشاكسته الهادئة، بل العجيب حقاً، أنّه أبدى، وهو المرِحُ، والأكاديميّ “الذي قرأ كثيراً”، ثباتاً لا نظير له أمام إغواء الكلمات! كيف استطاع، بعد قراءاته الواسعة في الآداب والفلسفات والنقد، أن يقاومَ إغراء الكتابة، وإبداء الآراء؟ والخوضَ في القضايا الوجوديّة والثقافيّة التي عجّ بهما الفضاء المغربي، والأوروبيّ على حد سواء؟ نعم قد تبدر منه بعض الإشارات هنا وهناك، فكيليطو، وهو الذي يكتب باللغتين، ويخاطب أكاديميين وقراء في المجالين العربيّ والفرانكفوني معاً، وهو ما يجعله، لأسباب كثيرة، مُلزماً بالحذر الدّائم التوازن التّام، ربما مثل توازن القاصّ موسى بن سيّار الأسواري، ذي اللسانين، الذي أحال كيليطو إلى قصته كثيراً، يُشير تارةً إلى فرادة علم رواية الحديث عند العرب، لكن في موضع آخر تراه يمرُّ على دعاوى انتحال الشعر الجاهليّ، التي راجت في أوائل القرن العشرين، هكذا وكأنها مسلّمات، فمثلاً في الكتابة والتناسخ يقول:”فحال المعلقات شبيهة بحال المؤلفات التي يُجهل مؤلفوها” وعلى كل حال، نجده أيضاً يثير قضايا مهمّة، عن الوضع الثقافي الحاليّ، مثل قوله، في ختام مقالته عن متى بن يونس:

“لكن ما لا شك فيه هو أن متّى لم يكن ليعلم أنه مع مرور القرون سيتغيّر شيء ما في العالم، و سيغدو العرب في حاجة إلى نقل الآداب غير أدبهم، و التكلّم بلغات أخرى إلى جانب لغتهم" 

وفي نفس المقالة، ألم يوبّخ، بهدوئه التام المعتاد، عبد الرحمن بدويّ على تسرعه في أحكامه على الأدب، وفي كتابه المقامات ألم يُعرّي تحيّزات إرنست رينان، بأسلوب السخرية الخافتة الرصينة نفسه؟ صحيح، لكن هذه كلها بقيت إشارات جانبية، قليلة، لا تكاد تظهر أمام أضواء المتعة تارة، و فتنة الحبكة، وبراءة التناول تارة أخرى. أمّا رفيقنا كيليطو فلعلّه نُبِّه إلى هذا في آخر الأمر، فصرّح في لقاء من قريب، بنبرة لا تخلو من الأسى:

"كنت أحلم أن أكون منظراً للأدب، لكنّي فشلت. حينما حاولت تفسير ذلك لنفسي، وجدت أنني أفكّر بالحكايات"[16] 

فالمسألة إذن بيّنة، فطريقة الرجل فيها عيب، وهو معترفٌ به، ولا تحتاج لمزيد نقاش، ولا كانت تستحق كل ما قيل، بل لم يكن تناولُها لائقاً بالمرّة، فالمسألة ببساطة تتعلق بعيب شخصيّ، خيبة أمل، حلم ضائع، وتراجيديا حزينة. اقتنعت بهذا الرأي من حينها، وبقيتُ مطمئناً له زمناً، إلى أن وقفت بالصدفة على أشياء كشفت لي الفخ الكبير الذي أوقعنا فيه كيليطو، والمسرحيةَ الماكرة المتقنة التي عرضها و عيون الجميع ذاهلة.

في مطلع سنة 2018، أصدرت دار توبقال المغربيّة كتاباً جديداً لعبد الفتاح كيليطو، وكان الكتاب الأوّلَ الذي يُنشر له بعد صدور الأعمال الكاملة. قُوبل الكتاب بالتّرحيب كالعادة، نُشرت صور الغلاف على صفحات قرّاءه المحبّين على مواقع الإنترنت المختلفة، الشخصيّة والإخبارية، وهذا كل ما كان. اطّلعت على الكتاب بعد ذلك بأشهر، كتاب صغير الحجم، أنيق الغلاف، يظهر فيه كيليطو المحبب كما اعتدناه، قريب إلى القلب، وساحر، وإن كان فرحي بالكتاب قد انخفض بعد التصفح السريع للعناوين، لأن معظم المقالات التي حواها الكتاب، اكتشفت أنّي قد قرأتُها من قبل، حيث كانت منشورةً هنا وهناك. فقلت في نفسي الكتاب مجرد تكملة، واستمرار لفكرة الأعمال الكاملة إذن، لكنّ كيليطو ممتع على كل حال، وسأؤجل قراء الكتاب إلى وقت لاحق. ثم مضت الأيام، عامٌ ونصف ربما، وفي أمسية مملة، تذكّرت الكتاب، وعدت إليه، هرباً من السآمة. تأمّلت في الغلاف البنيّ، وفي المخطوطة القديمة التي في منتصفه، حاولت للحظات فك الحروف المرسومة عليها، وفي العنوان المكتوب باللون الأبيض: “بحبر خفيّ“، فكرت قليلاً في أمور ثانويّة، مثل السكون فوق الباء الثانية، وفي الشدّة فوق الياء .. وفتحت الصفحة الأولى، ومع قراءة الاستهلال، والاقتباسات التي مهّد بها كيليطو للكتاب، وقع في خاطري شيء، ولمعت في ذهني فكرةٌ، وفي لحظة غريبة من الصفاء والاكتشاف، عدّلت جلستي، و رحت أتصفح بعض فصول الكتاب، وإذ بي أرى، وأحسُ أشياء كثيرة يُمسك بعضها برقاب بعض، وإذ بعناصر الخُدعة التي ساقها علينا كيليطو، تنكشف أمامي، وتتراقص في عتمة الغرفة، بألوان السخرية والتقريع. بلعت ريقي، وابتسمتُ، ربما من خيبتي وسذاجتي، و ربما من فِعل كيليطو، الذي كدت أن أشتمه من غيظي، وإعجابي الشديد، لولا الاحترام والمحبّة، وقد تخيلتُه وهو يضحك منّا جميعاً، وهو الذي نصب لنا فخاً مُحكماً، لكنّه، ثقةً بذكائه الشديد ومكره، نبهنا إليه، ووضع لنا لغزاً، وأعطانا مفتاحه، ومع ذلك انطلت علينا الخُدعة، وأوتينا من الغفلة والكسل ربما، أو من السذاجة وحسن الظن! لكنّي في الرحلة التي نحن بصددها الآن، سأنتقم للقراء المخدوعين، ولذكاءهم، ويقظتهم المهددّة، وسأنتصف لهم، وكما وعدتُ، سأسايره على نهجه، وأتصنّع الغفلة، قبل أن أُعلمه بانكشاف خدعته الطريفة، سأضايقه بأسئلتي و ملاحظاتي، طلباً لرد الاعتبار ربما، ولكن بالتأكيد، طلباً للمتعة، والفائدة إن شاء الله.

فلسفة الأدب: كشفُ المُخبّا

في الصفحة الأولى من كتاب “بحبر خفي“، يورد كيليطو اقتباساً من فولتير، يقول فيه: “أكثر الكتب فائدة هي تلك التي يُنجز القرّاء نصفها” ربما كان يقصد، وهو صاحب القلب الطيّب كما قلنا، بإيراد هذه العبارة، أن يُخلي نفسه من المسؤولية، ويقول قد أخبرتكم منذ البداية أنّ الكتاب، أو نصفَه، يحتاج منكم يقظة، فمن دونها سيظل الكتاب ناقصاً لا طائل خلفه. من المرجح أن هذا الذي كان، وأنّه، وهو صاحب السريرة الصافية، قد أحسّ ببعض الذّنب وهو مستمرٌ في خداعه المتقن لنا، فأتبع مقولةَ فولتير، بمقولة لفلوبير، وهي” في إتقان الكتابة، نوع من اللاأخلاقيّة” وهكذا منذ البداية، قد برر لنفسه فعلته، بأوضح ما يكون. لكنّه، ربما وقد تذكّر أحاديثه ومؤلفاته العديدة، التي ساهمت في تثبيت صورة معيّنة عنه، أتبعَ هذين الاقتباسين بسطور قليلة تحت عنوان استهلال، يقول فيها:

"باستخدام الحبر الخفيّ، تصير الكتابة غير مرئية، فلا تظهر إلّا عبر وسيلة من الوسائل، كأن تُعرض على مصدر حرارة، أو تُعالج بحيلة كيميائية" 

فهو هنا يعطينا مفاتيح اللغز بصورة واضحة للغاية، ثم في السطور التي تلي، تبدأ المسرحيّة، وتبدأ لعبة الظهور والخفاء، والحضور والغياب، فإن كان صديق عبد الفتاح كيليطو ومترجمُه عبد السلام بنعبد العالي يقول: “الاختفاء أحسن وسيلة للظهور” .. فكيليطو يُعمل المبدأ العكسي هنا، فيعتمد على شدّة الظهور، للاختفاء، فيقول في نفس الصفحة: “ .. يُخفي بياضُ الصّفحة النّاصعُ الحبرَ المرسومَ عليها ” ثم يعود لتكرير معنى الاقتباس الأول، فيختم هذا الاستهلال بقوله:

”يترتب عن هذا أنّ القراءة تقتضي القدرةَ على رؤية شيء ما، إذا افترضنا أن هناك ما يُرى" . 

وهكذا يركّز من جديد على أهمية اليقظة، وينبهنا على اللغز وحله، لكن في قالب مغلّف بالشكّ، يعطي ويأخذ في آن معاً، وبهذا تكتمل له خيوط المشهد، وعلى أبواب الدّخول لمتاهات مقالات الكتاب، والعناوين المختلفة البرّاقة، يضل القارئ المتعجّل، ذو الظن الحَسَن، وينتصر الخفاء، ويبتسم كيليطو من جديد، قائلاً في نفسه ربما، ليس عليّ من لوم بعد هذا.

سنبيّن فيما يلي وقد زالت عن أعيننا الحُجُب، أن كيليطو، الذي صرّح يوماً بأنه فشل في التنظير للأدب، وبأنّه لا يعد مثقفاً بمعنى الكلمة، لأن ليس لديه أفكاراً حقيقية كما ادّعى بتواضع، يقدّم في هذا الكتاب نظريّة في الأدب، بطريقة ذكيّة، وسنكشف عن بعض سماتها المخفيّة في طيّات كثير من المقالات الواردة في الكتاب. سنفكّر معه فيما يورده، بالأسئلة والملاحظات، سنقدّم، ونؤخّر، ونضيف ونحذف، ونأخذ وندع. ثم سنختم بالنتائج التي نتوصل إليها. فالمسير المسير.

ضروب فلسفة الأدب

في الفصول الأولى من كتاب ماهية الرواية، يصل الطيب بوعزة،  وهو مغربيّ آخر، ما أكثر فضائل المغاربة علينا، بعد البحث في مناهج تعريف الرواية، إلى اختيار المنهج الوصفيّ، أي المنهج الذي يقول ها هي ذي الرواية، ولا يُقدم متسرعاً، على حصر الرواية بتعريف، أو تحديد يقصر الإنتاج الروائي عليه. وبظنّي أن هذا المنهج أسلمَ، وأمتع، وأقل غروراً، وأزعم أنّ لكيليطو الرأي نفسه. ففيما يلي إذن، محاولة للتفكير في سمات الأدب، وكذلك الفن بمعناه الواسع، والغرض من محاولة البحث والتفكير هذه، اكتشاف سمات أساسيّة نزعم وجودها في كثير من الأعمال الفنيّة والأدبيّة، ومنها ما نراه نابعاً من الثقافة العربيّة الإسلاميّة، وعبر تسليط الضوء على هذه السّمات المهمّة المبدعة، نرجو، أن نحفر، متوسلين ببعض الاجتهادات الأخلاقية، في أرض الفن، والأدب المعاصر القاحلة التي جفّ ماؤها ويبست أغصانها، أو كادت، وسكنتها الأشباح الشريرة، ساقيةً صغيرة، يجري فيها الماء العذب الذي يحي الأرض بعد موتها، لعل من يأتي بعدنا، يشقُ غديراً، ثم نهراً، ويجري الماء، وتبتسم الأزهار .. وتُعود حدائق الأدب والفن غنّاء نضرةً تسر الناظرين وتؤنسهم من وعثاء الطريق، وتعينهم على السير نحو الغاية المنشودة.

سنعرض أولاً، من غير ترتيب، ملخصاً لعدد من الفصول التي قدّمها عبد الفتاح كيليطو في كتابه، بحبر خفي، بعناوينها الأصليّة، محاولين النفاذ إلى المعاني المخبّئة في ثناياها، التي تمثّل بعض الخصائص والسمات الأساسية في الأدب. ثم سنعرض اجتهاداً شخصياً في تحليل خبرين من التّراث، نرى في طيّهما معاني ينبني عليها الأدب الصادق، والمبدع والأخلاقيّ الذي ننشده. ثم في الختام سنعرض النتائج التي توصلنا إليها في فصل ختاميّ.

نظرات السيّد كيليطو وفلسفة الأدب

1. الطست والكرسيّ

يفتتح كيليطو هذا الفصل بخبر يورده الجاحظ، يقول فيه: “قالوا: ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة، منذ سقطت ثناياه في الطّست”. ثم يقول معلقاً على الخبر:

 “لكن ما جذب انتباهي في هذه الواقعة هو الطّست، ما الدّاعي إلى ذكر هذا الإناء النّحاسيّ الذي يُستعمل لغسل اليدين؟ ماذا سيتغيّر لو لم يذكره الجاحظ؟ لا شيء، وكل شيء. صار الطّست على قلة شأنه .. في مقدّمة الاهتمام بالنّسبة للجميع" 

ثم بعد بضع فقرات، ينقل كيليطو عن كتاب الحيوان للجاحظ هذا الخبر، وهو ” أنّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل أذى، فأمر الأحنف بن قيس بكرسيّ [فوضع عند جُحرهن، فجلس عليه وتشهد] فقال: لتنتهن أو لنحرقن عليكن .. قال فذهبن” يعلّق كيليطو على الخبر:

“ماذا كان يدور بخُلد الجاحظ وهو يحكي القصة؟ لا شك أنّه يشير بطريقة غير مباشرة إلى تشبيه الأحنف بن قيس بالنبيّ سليمان …. إلا أنّ ما لفت انتباهي ليس مخاطبته للنمل .. ما أثارني هو الكرسيّ الذي أمر الأحنف بإحضاره قبل القيام بوعظه. ما الفائدة من ذكره؟ ولماذا صار فجأة، كطست معاوية، أهم شيء في الحكاية؟" 

بعد هذا يورد كيليطو قصةً كان قد استخدمها المخرج الإيطاليّ جوزيبي تورناتوري في فيلمه سينما باراداسيو، حيث يجلس العجوز ألفريدو وقد كُفَّ بصره، أمام باب خشبيّ في أزقة إحدى قُرى صقلية، ويقص، باللهجة الإيطاليّة الملحمية، على الفتى توتو: “ يُروى من قديم الزمان، أن جندياً كان يقف حارساً على بوابة قصر، وفي يوم من الأيام رأى ابنة الملك، فبهره جمالُها الفتان، واقتحم حبها قلبَه على الفور. وحين استطاع ذات مرة أن يحادثها، أطلعها على عِظَم حبه لها، وعلى أنّه لا يمكنه العيش بدونها. أمّا الأميرة فقد مسّتها قوة مشاعر هذا الجنديّ، فقالت له: “ إذا استطعت أن تبقى منتظراً تحت شرفتي لمئة يوم وليلة، سأكون لك”. جلس الجنديّ تحت شرفة الأميرة، ومرت الأيام وهو منتظرٌ، وكانت الأميرة في كل أمسية تنظر إليه، فتجده في مكانه، بين الرياح، وتحت المطر، والثلوج، وهو في مكانه لا يغادر. ثم في النّهاية، وفي الليلة التاسعة والتسعين، حمل الجنديّ الكرسيّ الذي كان جالساً عليه .. ومضى” ثم يقول ألفريدو للفتى بعد سرد هذه القصة الحزينة، “لا تسألني ماذا تعني، فأنا لا أعرف. فإن فهمتها يوماً، أخبرني” . أمّا كيليطو فيورد القصة اعتماداً على رولان بارط، حيث تظهر القصةُ أقل حيويّة، مع اختلاف ملاحظ في نعوت الشخصيّات. يقول كيليطو: “المذهل حقاً في القِصة هو التنصيص على أنّه اصطحبه [أي الكرسي] معه عند انصرافه. كونه ذهب إلى حال سبيله أمر قد نتفهمه .. لكن لم الحاجة إلى توضيح أنّه حمل الكرسي معه حين مضى بدون رجعة؟ ما يريد أن يشير  إليه كيليطو هو أن تكرار ذكر الكرسيّ في هذه القصة يجعل منه شيئاً أساسيّاً. والحق أنّه يمكن لنا كذلك أن نلاحظ نفس هذا المعنى في مواطن أخرى، فلنتذكر مثلاً قصة قصيدة الشاعر عمر أبو ريشة، التي يقول فيها:

وثبت تستقرب النجم مجالا

                            وتهادت تسحب الذيل اختيالا

وحيالي غادة تلعب في  

                            شعرها المائج غنجا ودلالا

فتبسمت لها فابتسمت

                      وأجالت في ألحاظا كسالى

وتجاذبنا الأحاديث فما

                انخفضت حسا ولا سفت خيالا

قلت يا حسناء من أنت

                             ومن أي دوح أفرع الغصن وطالا

وأجابت أنا من أندلس

                              جنة الدنيا سهولا وجبالا

وجدودي المح الدهر على

                              ذكرهم يطوي جناحيه جلالا

نما المجد على آثارهم

                          وتخطى بعدما زالوا الزوالا

هؤلاء الصيد قومي فانتسب

                                 إن تجد أكرم من قومي رجالا

أطرق الطرف و غامت أعيني

                                    برؤاها وتجاهلت السؤالا

تشتهر هذه القصيدة العذبة باسم قصيدة الطائرة، والحق أنّ البيت الأول هو الوحيد الذي يصف الطائرةَ، أما غرض القصيدة الرئيسي، إلى جانب هذا الغزل الرقيق الحلو، هو ذكر الأندلس ومدح أمجاد العرب فيها. لكن القصيدةَ اشتهرت باسم الطائرة، عند النّاس وفي المناهج الدراسيّة، فعند الإشارة إلى القصيدة، يُركّز على موضوع الطائرة، والتي كما رأينا ليست هي جوهر القصيدة، لكن طرافة ذكرها في العنوان، جعلها محوريةً.

ويمكن لنا أن نوردَ أمثلة أخرى عديدة، لكننا لا نريد أن ننساق وراء هذه الزاوية الضيّقة من النّظر، بل نريد أن نوسع نظرتنا للموضوع. فثمة معنى جامع، ربما يُلمحُ إليه كيليطو وربما قد أغفله، وراء هذه الملاحظات عن الطست والكرسيّ، والطائرة وغيرها مما هو حاضر في الشعر والسينما والرسم. فإذا ما ابتعدنا قليلاً عن هذه المذكورات، وحاولنا أن نشاهد الصورة الكبيرة، ستتبدى لنا سمة مركزيّة للغاية في الأدب والفن، بل هي ما يجعل الإبداع الشعريّ، والفني ممكناً، وغير قابل للحصر. ولكشف هذه السمة الجامعة، سنحيل على مفهوم مهم داخل مشروع طه عبد الرحمن. حيث يقول عند توصيفه لمفهوم الآية أنها: “الظواهر وقد تلبست بالقيم”، و” في الإنسان ميل فطريّ إلى أن يجد في الأحداث التي تجري من حوله دلالات تجاوز واقعها، ويرى في حصولها إشارات تتعدى ظاهرها .. وتحمل إليه هذه الدلالات الدقيقة، والإشارات الخفيّة معاني بعيدة، أو قيما عليا[17]” فهو بهذا ينتقد الفصل المُحدث الحاصل في جميع مجالات التفكير والإبداع، بين الظواهر، وبين الآيات، أي تعرية الظواهر من القيم التي وراءها. وهو يدعو، عبره اشتغاله التأسيسيّ هذا، إلى العودة إلى ذاك الميل الفطريّ من النظر الآياتيّ إلى الوجود. وهذا الإنسان الذي يُبصر بعين البصيرة والبصر الآيات في نفسه وفي الآفاق، والمعاني والقيم التي وراءها، هو الإنسان الكوثر.

فإذا ما تأمّلنا ملاحظات كيليطو التي فتحت لنا باب التفكير، واجتهادات طه عبد الرحمن التي أتاحت لنا إمكانية التنظير، تتبدى لنا سمة نزعم أنّها لصيقة ببنية الأدب والفن بالمعنى العام، وعامل حاسم في الإبداع.

فإذن رأينا كيف أنّ الأشياء البسيطة، والهامشية قد تصبح بطلة المشهد، ومحورَ السرد، وذات أهمية بالغة عند الكاتب والقارئ. كذلك فإن مزية الشعر كما هو معلوم هو التفكّر في اليومي والمنسيّ في زحمة الحياة، والتوقف عندَه وإبراز عناصر الجمال فيه، أو جعله رمزاً لقضية أو مفهوم ما. وهذا واقع مستفيض في الأدب والفن والحياة، يعلمُه العشاق (الوقوف عند الأطلال مثلاً، وحديث ذلك الأعرابي الذي قيل له : ما بلغ من حبك لفلانة ؟ فقال : والله إني لأرى الشمس على حائطها أحسن منها على حيطان جيرانها، وحديث صديقي الذي لم يقرأ بيتاً واحداً من الشّعر في حياته عن أن المقاهي والمقاعد التي جلس عليها مع حبيبته أجمل من مثيلاتها)، والمتغرّبون واللاجئون ( فلنتأمل في شوق المُبعدين الطويل المستفيض عن ديارهم، وأناشيدهم وأهازيجهم الشعبيّة، عن تراب الوطن، وهواء الديار، وأنس أشجار الزيتون، وعن السقف الذي ينتصب بشموخ) وحتى نجد بعض الرّسامين مثل إدوارد مونيه، وغيره، يعكف على إبراز شاعريّة الأشياء اليوميّة مثل الليمونة، والسمك، وأزهار الليلك في كأس زجاجيّة. حتى أننا نجد بعض الفلاسفة مثل هايدغر ودريدا قد اشتغلوا بتحليل لوحة لحذاء قديم، أنجزها فينسنت فان خوخ في 1886. هذا كلّه معلومٌ، ولعلّ الدراسات والأعمال التي تدرس هذه الأمور موجودة، مستفيضة. غير أن المشكلة، كما رأينا من كلام الفيلسوف طه عبد الرحمن، هي في الفصل الحديث والمعاصر الذي جرى مع الوجود والآيات، والاقتصار على النّظر إلى الظواهر في التفكير والإبداع، فصرنا إلى ما نحن فيه من تضييع القيم، وتمييع التناول. فإذن نخلص من هذا كله إلى ملاحظة سمة كائنة في بنية الأدب والفن، والتي طرأت عليها آفاتٌ كثيرة. ولا يخرجنا من ربق هذه الآفات سوى الأديب الكوثر، والرّسام الكوثر، والموسيقيّ الكوثر، والمخرج الكوثر، والكوميديّ الكوثر، وكذلك القارئ الكوثر، والمشاهد الكوثر. وباختصار هذا الإنسان المتجدد الذي ينظر في الوجود فيرى الآيات، تكون علاقتُه مع الموجودات علاقة استشعار، وعلاقته مع الحوادث والمستجدات علاقة اعتبار.

2. آداب ومآدب

يستهل كيليطو هذا بالفصل بملاحظة أن ثمّة “وشائج متينة بين الأدب والمأدبة، وشائج غارقة في القِدَم تعود إلى امرئ القيس، إلى أفلاطون، إلى أدويسا هوميروس، بل إلى الفاكهة المحرَّمة”. ليست هذه المرة الأولى التي يبحث فيها كيليطو هذه القرابة، في الجذر اللغوي، وفي النتاج الأدبيّ على السواء، فقد أشار إليها من قبل في كتاب المقامات مثلاً، وفي المرات العديدة التي تناول، لاحظ الفعل، كلام الجاحظ. وفي نفس الفصل الذي نحن بصدده، يقول كيليطو: “لا تكاد تخلو صفحة من صفحات كتاب البخلاء للجاحظ من إشارة إلى دعوة أو مأدُبة، ومن وصف للون من ألوان الطعام” مبيّناً أن “المأدبة نوع أدبي قائم بذاته، ولعل من أهم مأثوراته دعوة الأطبّاء لابن بطلان، وحكاية أبي للقاسم لأبي المُطهَّر الأزديّ” ثم يُتبع هذا بذكر أمثلة من السياق الغربيّ فيقول: “وفي القرن التاسع عشر الأوروبي تكاد لا تخلو رواية من الروايات من مأدبة، بل من مآدب تقام، حسب الوضع الاجتماعيّ للأشخاص” ويمثل على هذا برواية صديقي الجميل لموباسان، والتربية العاطفية لفلوبير. ثم يعود إلى الحديث عن المقامات، المحببة إلى لقلبه، فيقول:”غير أنّ النص الذي يمتزجُ فيه الكلام بالطعام .. هو بلا منازع المقامة المضيرية للهمذاني” و يلاحظ بعد ذكر أحداث المقامة ما يلي:

 “وهكذا يستعاض عن تناول الطعام بتناول الكلام، فيغدو الجوع مكوّناً جوهرياً للمقامات، وأيضاً للروايات التي تصف المحتالين، والمتشردين، بدءاً بالرواية التسكعية الإسبانية في القرن السادس عشر، وانتهاء بـ الخبز الحافي لمحمد شكري” ومن هذه الملاحظة ينتقل، على عادته الساحرة، إلى القول: ” بل إنَّ الأمر يطال مجال السينما، فمن منا لا يتذكر أفلام شارلي شابلن، وبطله المتشرد الذي يجوب الطُرقات، وكل همّه أن يجد ما يسد به رمقه؟” ويلاحظ أيضاً: “أن تقديم الطعام هو طريقته دائماً في التقرب إلى النّساء .. طعام وغرامٌ”

عبر هذه الملاحظات الذكيّة، والمبهجة، والمفيدة التي يوردها كيليطو، سنحاول الوصولَ إلى بستانٍ من المعاني، يجاور ويجاوز ذاك الذي ألمح إليه كيليطو في هذه الفصل، وإن كنّا سنبني كلامنا على بعض الملاحظات التي يُوردها كيليطو في أعماله الأخرى. ولكي نعبر إلى هذا البستان، علينا بعد هذه الهرولة الشيّقة التي أشركنا فيها رفيقُ رحلتنا، أن نرجعَ بعض الخطوات إلى الوراء، لنتوقف قليلاً عند الجاحظ. قلنا أنّ ثمة صلة وثيقة بين الأدب والمأدُبة، وبما أننا نحاول الكشف عن سمات الأدب، فلنفكر أولاً في المأدبة، وكيف تكون في العادة. يقول كيليطو:

“يُمكن اعتبار كتاب البخلاء وليمة أو مأدبة كبرى تلتقي خلالها شخصيات من عدة طبقات ومشارب: مبذرون، بخلاء، أطباء، عمال، لغويون، طفيليون، متكلمون… وخلالها تقدم أنواع عديدة من الطعام" 

كتاب البخلاء إذن مأدبة و وليمة، والمأدبة كما كانت، وكما نعرفها، جلسةٌ، أو اجتماع يضمُّ أناساً مختلفين في الشخصيات(كريم، بخيل ..الخ)، وفي الاهتمامات (لغويّ، طبيب ..الخ) تتداخل أصواتُهم، وتختلط ضحكاتهم في بهجة الاجتماع حول أصنافٍ مختلفة من الطعام والشراب، فكما تتناقل الصحون والأطباق والأرغفة بين المجتمعين، تتناقل كلماتُهم وما تحويه صدورهم من هموم ومسرّات ونكات وحكايات. فهذا هو شأن المأدبة والوليمة، فما هو شأن الأدب إذن؟ فلنقرأ كلام كيليطو في كتابه الأدب والغرابة، والذي يورده في سياق حديثه عن مقامات الزمخشريّ الخمسين التي بناها على الوعظ، حيث يقول:

“أغلبيّة الذين اشتغلوا بالأدب (ابن المقفع، الجاحظ، الهمذاني، ابن ناقيا، الحريري) أكّدوا بصفة صريحةٍ أو ضمنيّة على ضرورة الانتقال من الجد إلى الهزل، للأدب شجون ومنعطفات، .. الأدب جولة تنقلك بلا سابق إنذار من منظر إلى منظر، وتسمعك أصواتاً متعددةً ومتناقضةً أحياناً" 

وهكذا تتبدى أمامنا الصلةُ بين الأدب والمأدبة بطريقة جوهريّة للغاية، فالأدب، شأنُه شأن المأدبة، يتميّز بتعدد الأصناف، والأصوات، والاهتمامات، والتي يتفرع عنها تعدد المواضيع، الأمر الذي يتجلّى في عملية التنقل الحيويّة هذه التي جرى عليها أئمة الأدب هؤلاء والشعراء من قبلهم، وقصّر عنها الزمخشريّ كما يرى كيليطو، وهذا مرجعه ربما إلى أنّ النفس بأغوارها و المشاعر بتقلباتها واللغة والحياة، أمور شديد التركيب ، ولا يمكن النظر إليها من زاوية واحدة. وهذا الرؤية للأدب يُمكن أن تصدق على الفنّ بمعناه العام أيضاً، فالأفلام الملحميّة، شأنها شأن الروايات الكلاسيكيّة، جذّابة لما فيها من عرض واسع، قدر الإمكان، لكليّة التجربة الإنسانيّة من حب وحرب وحزن وفرح وخير وشر وانتقام وحركة وصمت. وفي سبيل تفعيل هذه الرؤية الحيويّة للأدب والفن ينبغي لهذه الرؤية أن تنعكسَ على حياة الأديب والفنان، في أسلوب عيشه ومنهاج تفكيره، حتى تصبح مَلَكَة، تأتي عفواً لا تكلُّفاً. وهو أمر يتطلّب من الأديب، و الفنان أموراً، يمكن أن تُجمل في عدّة نقاط، ولكن قبل هذا، فلنتأمل القصة التالية، التي يجمل ذكرُها ما دمنا نتحدّث الأدباء والولائم. يقول الدكتور محمود الطناحي واصفاً مجلس صاحبه محمود شاكر أبي فهر:

“ إن مائدة الجمعة والموائد الأخرى الحافلة كيوم عاشوراء, الذي كان يوافق مولد صاحب الدار بالتاريخ الهجري, هذه الموائد كانت تجمع إلى أهل الأدب والفكر بعض أهل الحرف والصناعات الذين كان لهم بالبيت وصاحبه صلة وتاريخ, كالمجلد والنجار والحلاق, ومن طريف ما يذكر هنا ما رواه لي أبوفهر رحمه الله, قال: في يوم جمعة, في أوائل ثورة يوليو كان يجلس على مائدة الغداء: محمد رشاد مهنا والشيخ أحمد حسن الباقوري ومحمد فؤاد جلال, وكان يجلس على المائدة نفسها الأسطى أنور الحلاق. وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الشيخ الباقوري وقال لي إن محمد فؤاد جلال ـ وكان وزيرا للشئون الاجتماعية ـ عاتب عليك لوجود الأسطى أنور بيننا. يقول أبوفهر: وفي الجمعة التالية قلت لمحمد فؤاد جلال: اسمع يا فؤاد أنت وزير هناك في مجلس الوزراء, ولكنك هنا في بيتي واحد من عامة الناس, مثلك مثل الأسطى أنور وغيره" 

فمن هذه القصة المعبّقة بالأدب والشرف، نخلص إلى ما يلي: ما ذكرناه حول الخصيصة اللصيقة بالأدب من التنقل في فنون القول والمواضيع، وما ننشده من تجديد وإبداع، موصول بالمعاني الأخلاقية العميقة غير منفصل عنها، يتطلّب  الاعتناء بعوامل، نذكر منها:

1) توسيع الاهتمامات في المقروء والمحفوظ، وفي أنماط التفكير والإبداع، فكل أئمة الأدب المذكورين أعلاه كانوا في الغاية من “ثقافة” عصرهم، و”ثقافة” العصور السابقة عليهم، وهذا محمود شاكر الذي كما رأينا قال الشعر ودرس الرياضيات واللغات ومارس الكتابة، وهو الذي قيل عن بيته أنّه مكتبة بداخلها بيت، لا العكس.

2) لا يقتصر هذا التوسيع المرتبط بعملية التنقل والتنويع الحيويّة التي تميّز الأدبَ على الأمور المتصلة بالثقافة مثل الكتب، والمحاضرات، ومجالس المثقفين بل التوسيع المطلوب هو في الابتعاد، ولا تنقل بلا ابتعاد وارتحال، عن هذه الوسائط في الكم والكيف، فالانغماس الزائد في هذه الوسائط، إلى جانب ما يجلبه من العزلة، يؤدّي إلى استنزاف المشاعر، وتقليل الإحساس، وإخماد نيران الإبداع كمن، ما دمنا نتحدث عن الولائم، يواظب على تناول أكلة بعينها، فإنّه لا شكَّ سيملها بعد حين، فاقداً الإحساس بقيمتها، وهذا الحاصل في أيامنا. أمّا الابتعاد عن طريقة تفكير المثقفين والأدباء كل حين، وعن الأفلام والكتب، وتحقيق الموازنة بينها وبين مجالسة الأهل، والأقارب ورفاق الدراسة، الجيران، وغيرهم سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لا مجالسة التكلّف المكروه والتنزّل المغرور، كما هو ذائعٌ في كتابات مؤرخي الأدب، بل مجالسة من هو منهم، يعلمهم ويتعلم منهم ما يفيدُه. ويدخل معهم في مسرات ومنغصات الحياة، وفي أفراحها وأتراحها، وحلوها ومرها. وكما تقول العبارة التي ينقلها كيليطو عن إحدى المقامات:” ولكل صناعة سمت، ولكل بضاعة وقت”. وكذلك عند مباشرة الكتابة، سواء كان ذلك شعراً أو نثراً، فينبغي علينا مراعاة هذا المعنى في الشكل والمضمون. وعلى كل حال كتابات كيليطو نموذجٌ معاصرٌ جميل لهذا التنوّع الشهيّ.

3) مثلما رأينا عند حديثنا عن الأديب الكوثر، يمكن لنا هنا أن نُجمل هذه التوسيعات التي أشرنا إليها بفكرة السير في الأرض. فيمكن لنا أن نُطلق مسمى الأديب السيّار على المشتغل بالأدب الذي مازال يتنقل في أصناف العلوم وألوان المعارف، وفي أطوار العمل، وفي مناهج النظر، وفي زوايا التناول، وفي دقائق الإحساس، وطبقات الشعور، غير غالٍ في جد أو هزل، يضع الغزل في محله، والغضب في مكانه، والفكاهة في موقعها، والجد في موطنه الملائم، و يسير في الأرض فينظر في نفسه وفيمن حوله وفي الآفاق فيرى الآيات مستشعراً، معتبراً.

3. تمرُّد

يعرضُ كيليطو في هذا الفصل سِيرةَ شخصية أسطوريّة، تُدعى أصمودي. وسنُجمل فيما يلي ملخص هذا التناول، وسنحاول التفكير فيما بين السطور، ووراء الألفاظ، لعلنا نهتدي إلى تأويل يتوافق مع النّهج الذي سرنا عليه حتّى الآن، ويكون قريباً ربما مما قصدَ إليه رفيق الرّحلة المحترم.

يقول كيليطو:

"أصمودي.. حسب ما جاء في الأساطير، جني له عدة صفات ومميزات، لعل أبرزها فضوله، أو لنقل حبه للمعرفة. نعلم أنّ الجن مولعون بالتقاط الأخبار والإطلاع على الأسرار. ألم يرد خبر ارتقائهم إلى السماء واستراقهم السمع..؟ … والحق يُقال، لم يكونوا ضنين بما يلتقطونه من خبايا، وكأن لا جدوى من المعرفة المكتسبة إن لم يبلغوها لأتباعهم من بني آدم. لم يكن أصمودي من الجن الذين يأوون إلى الصحاري والقفار … الظاهر أنّه كان من الجن ((السماويين)) إلى أن نزل الوحي وأقفلت السماء في وجهه. وبما أنّه لم يعد بمقدوره معرفة شذرات الغيب ومما تخبئه الأيام، تحول فضوله إلى موضوع آخر، .. ركّز اهتمامه على أحوال البشر وشمائلهم وكيفية عيشهم.. ما يشغل باله على الخصوص هو ما يجري في الدّور الموصدة والمساكن المقفلة. كيف يشبع فضوله؟ الأكيد أنّه لا ينظر من ثقب في الباب … وعلى الرّغم من أن أصمودي لم يشاهد، فإنّ الرسامين أنجزوا لوحات.. إحداها تصوره وقد رفع بيده اليسرى سقفاً، تُظهره نهماً فاغر الفاه، والاستغراب ملء عينيه .. ، وفي أسفل الدار رجل وامرأة يتجاذبان أطراف الحديث، وبجانبهما طفلان يلعبان. خلال فترة طويلة كان أصمودي راضيا عن هذا الوضع، يشعر بسعادة غامرة أثناء ممارسته لهوايته المفضلة، .. لكن، ومع توالي الأحقاب، أحذ شك ينتابه، تبين له أن عرضة للامبالاة، لا أحد يلتفت إليه أو يعلم بوجوده، لا أحد يهتم به، فكأنه ليس بكائن .. تساءل حينئذ عن جدوى فضوله، عن الفائدة من علمه بأحوال الناس .. صار يتألم لكونه لا يستطيع مساعدتهم.. حين وجد نفسه وحيداً وتبين له انعدام جدواه، تملكه الحنين إلى ما سلف من الزمن. ذات يوم باغته يأس جارف، كان ممسكاً بسقف بيت، فناءه هذه المرة فارغ، ولا أثر فيه للزوجين ولطفليهما، ومع يقينه بأنّهم لن يصغوا إليه، صرخ بأعلى صوته: (( أعينوني، إني بحاجة إليكم وأنتم بحاجة إليّ. ساعدوني على مساعدتكم)). ثم أقفل السقف وأسند رأسه إلى ذراعه وأجهش بالبكاء.“ 

ماذا نفهم من هذه القصة المُدهشة؟ ومن يختبئ وراء قناع أصمودي المسكين، أهو الأديب، أو الفنان، الذي يعاني حقاً من اللامبالاة وانعدام الجدوى، منذ قرن من الزمان أو أكثر؟ وإن كان هذا فعلاً، أليس ذلك بسبب انقطاعه عن السماء، ومروده، جهلاً أو كِبراً، على سبيلها؟ أليس اليأس والعدميّة الصخرة المريعة التي تتكسر عليها أحلام الفنانين والأدباء، الذين فقدوا اتجاه السماء، في إشباع فضولهم وإصلاح العالم، في هذا العصر الحديث؟ بلى هذا كلُّه صحيح، وهذا ما نراه، ونفهمه من هذه الحكاية. فلسنا نعتقد أنّ الأدب، على عظمته وبهاءه، يمكن أن يكون مكتفياً بذاته، إنّه النهر العذب الذي يحمل الخير، وحكايات الجدات، ويحفظ مناجاة المحبين على الضفاف، ويسافر بها نحو البعيد، لكنه ليس المنبع، ولا يمكن أن يكون.

 أما كيليطو العزيز، فما أظنّ أن قد ساءته تأويلاتنا، فها هي الابتسامة لا تزال تشرق على محيّاه، وتغرينا بمواصلة المسير، وها نحن ذا.

iii. فلسفة الأدب نظرات السيّد م.

1. شوق فوق الرّمال

 لله أنت يا قيس، ولله ما قاسيت وعانيت. لله أنت من عاشق وشاعر، وإمام. كم محباً آنست كلماتُك، المؤنسة، في ليل الغرام المسهّد؟ كم شاعراً ألهمت؟ وكم كاتباً، في مشارق الأرض ومغاربها، صعد على حروف اسمك نحو ذُرى المعاني الساميات؟ وأيضاً كم لائماً، ومتَّهِماً نال منك؟ ما أكثرهم وما أظلمهم، وما أشد ما يبعثوه من الضّحك حين يتشدقون بألفاظ الكسل المريح، في زمانك وبعد هذه القرون الطوال، أخطأ و ظلم، ولكن ما يدريهم؟ وما يدريهم؟

خبر قيس، مجنون ليلى، قصة حزينة، مغروسةٌ في ثقافات العرب والتُرك والفرس ، ومشهورةٌ عند غيرهم، يعرفُها الجميع، ولكننا نحس بالحاجة إلى العودة إليها كل حين، كأننا وهي في حلقة خاتم، كما كانت فجاج الأرض على قيس، ولا زلنا نتعلم منها بعد كل هذه السنين، وبعد كل ما قيل.

بعد ما وقع لقيس من حجب ليلى عنه، وقد شُغف بها حباً، ومن خِطبته إياها، ومن ردِّ أهلها له بل وتزويجها من غيره، أخذ هذا الفتى الأبيّ يهيم في الأرض، يسير ويمشي مُطرقاً، يحاول أن يطرد الجزع والهمَّ بالحركة الدائمة، وهما، واحسرتاه، يتبعانه خطوة بخطوة، “حتى يأتي الشام ..فيقول للناس الذين يلقاهم بأبي أنتم أين التوباد من أرض بني عامر؟ فيقال له وأين أنت من أرض بني عامر أنت بالشام عليك بنجم كذا” فيتبع النجم ويسير ويمشي .. “حتى يقع بأرض اليمن فيرى بلادا ينكرها وقوما لا يعرفهم فيسألهم عن التوباد وأرض بني عامر فيقولون وأين أنت من أرض بني عامر عليك بنجم كذا ..”[18] وفي أثناء هذا المسير الطويل الشاق المعذِّب، وعند كل وهدة، وفوق كل هضبة، كان ذكر ليلى، الذي يفيض به صدرُه، ويلهج به لسانُه شعراً وكلاماً، وهمهمةً، وزفراتٍ، ودعاء، رفيق السفر الوحيد. “ومن محاسن الأشعار وأرقها لفظاً وأعذبها سبكاً وألطفها شجواً وأبلغها نسيباً وغزلاً، تهيج الشجون وتعين المحزون”[19]، قصيدتُه المؤنسة، القريبة إلى قلبه، حتى قيل”أنه كان يحفظها دون أشعاره وأنه كان لا يخلو بنفسه إلا وينشدها”. فعن بعض أبيات هذه القصيدة الرائقة، التي يعلم قيمتها كلُّ عاشق، سيكون حديثنا فيما يلي.

ستكون وقفتنا الأولى عند شطر بيت، نزعمُ أنّه ربما على مراميه العميقة مدارُ الأدب والفن كله. وهو قول قيس، ونراه الآن مسنداً ظهره إلى صخرات سوداء عند الغسق، ينشد بصوت محبوس، وعلى محياه تعابير لا تُحصى:

…. ولا أنشد الأشعار إلّا تداويا

لنا أن نتخذ هذا الشطرَ عدسة ننظر من خلالها إلى ما نعرفه وما اطّلعنا عليه من قصائد وروايات وأفلام وأغانٍ. فإن فعلنا، قد يبدو لنا أوّل الأمر أن نربط الأدب بالفاجعة، أو ربما بالمعاناة. وبالفعل هذا ملحظٌ دقيق، حيث أنّ القصائد و الموسيقى والأغنيات الحزينة، والأفلام المُتقنة التي تصوّر المعاناة، وكل هذا كثيرٌ جداً، تشدّنا أكثر، ويبقى أثرها فينا أطولَ، ربما هي “كاريزما المعاناة” الساحرة التي يشير إليها بيجوفيتش[20]، التي تأسرنا وتسمو بنا. أتكون إذن المعاناة محركاً رئيسياً للأدب والفن عموماً، وهو أمرٌ لا يجعل الفن والأدب كئيبين بالضرورة، ولكن المقصود هو المحرك، والدّافع الذي يجعل الأدب والفن على هذه الأهميّة وعلى هذا الإلحاح الشديد؟ هذا واردٌ جداً. لكن يمكن لنا أن ندقق النظر أكثرَ، فإن فعلنا، ربما ظهر لنا أنّ الفقد، أو الافتقار، هو هذا الدّافع الملح الذي نبحث عنه. أليس الفقد هو لب المعاناة كلها؟ وإذا ما تأمّلنا في خبر قيس عليه رحمات الله، أليس فقده ليلى ما أجرى على لسانه هذا الشعر المسبوك؟ ولنا أن نتخيل أن لو قُدِّر له أن يتزوّج ليلى، ويهنأ، عوضه الله عمّا قاسى خيراً، بوصالها، لكان سيكون شاعراً أيضاً بالتأكيد، ولكنّه لن يحس بالحاجة لقول الشّعر في ليلى وإذاعته بين النّاس شمالاً وجنوباً على هذا النحو، فـ” المسعد بما يهواه كاتم له مستغن ببلوغ مناه” كما يقول ابن الشرف. ولكن ثمّة شيء في الشّعر، وفي الفن عموماً يعطيه هذه القيمة الرفيعة، فقيس، وقد منعت منه ليلى، لم يرضَ أن يُزوج غيرها كما أغراه أهله، ولم يلتفت إلى ملء قلبه بالمال، أو باللهو، أو بالمناصب الكبيرة، أو بغيرها من أمور الدنيا، بل التفت نحو القوافي، دواءً، وتعبيراً عما يضطرم بداخله، وعن حريته، حينما يُنشد:

فَإِن تَمـنَـعـوا لَيلى وَتَحموا بِلادَها

عَـلَيَّ فَـلَن تَـحـمـوا عَلَيَّ القَوافِـيـا

فما هذا الشيء الذي دفع قيساً، وهو هائم في الفيافي، للتمسك بالشعر وترداده، وليجلس على الأرض، والشمس قد دنت للغروب، “فيكتب ما يقوله على الرمال“، أو ما الذي يدفع من ليس بشاعر أو بكاتب أن يُخرج هاتفه ، وقد كثرُت عليه الهموم، فيكتبَ بضع سطور، وهو يعلم أنّه لن يقرأها أحد من النّاس، لكنّه يشعر بالحاجة الماسّة لكتابة ما كتب، ربما لحفظها من النسيان، و”الكتابة عصى تتوكأ عليها الذّاكرة” كما يقول رفيقنا كيليطو، أو لعلّه ليجد شيئاً من الراحة والسلوان؟ لكن من أن يأتي هذا الإحساس بأن في الكتابة، والفن عموماً، راحة وسلوان؟ ما نعلمه يقيناً أن الأمر ليس مجرد تنفيس، فمن يركل الجدار ليهدأ، أو من يعكف على الكأس لينسى، ليس كمن ينشد، أو يكتب قصيدةً. و لكي نصل إلى فهم سليم، لندقق النظر من جديد. أليس الشوق آية الفقد؟ أليس الشوق لليلى هو ما أوصل قيساً إلى الشام، ثم ردّه نحو اليمن؟ بلى، إنّه الشّوق المبرّح الذي لم يغيّره تقلب الأحوال، والذي لم ينقصه تعاقب الأجيال. إنّه الشوق الذي يزيد مع البعد، ولا ينقص مع القُرب، فالمتحابان حقاً، اللذان لم يسقطا في فِخاخ التعوّد واللامبالاة يزيد شوقُهما مع القرب والوِصال ولا ينقص، ألا يقول ابن الروميّ:

أعانقها والنفسُ بعدُ مشوقةٌ

إليها وهل بعد العناق تداني

ألم يغنّي محمد عبد الوهاب يوماً:

((جارت عليه الليالي    يا رب إيه بـــس ذنبي

أشتاق إليه في الغياب    وأحن لك و انت جنبي ))

فالمحب يتوق للوصال، ولدوام الوصال أيضاً، فهو دائم القلق من شبح البُعد والفرقة، وكذلك نجد المحبين المُصطلين بنار الشوق، الذين باعدت بينهم وبين من يحبون الأقدار، سواء كان ذلك عن سوء فهم، أو ظروف قاهرةٍ، أو غير ذلك، يرجّون ويأمّلون، مهما حدث، لقاء آخر، يأنسون فيه، ويبثّون ما يجدون، فيقول قيس:

وَقَد يَجـمَـعُ اللَهُ الشَتـيـتَـينِ بَعدَما

يَـظُــنّــانِ كُـلَّ الظَنِّ أَن لا تَلاقِـيـا

ويقول:

فَـيــا حُـبَّهــا زِدنـي جَـوىً كُلَّ لَيلَةٍ

وَ يـا سَـلوَةَ الأَيّـامِ مَوعِـدُكَ الحَشـرُ

و يقول آخر:

وَعَــلِمـــتُ أَنّـي لَن أُلاقِـيَهُ

في الناسِ حَتّى مُلتَقى الحَشرِ

فهذا يصحُّ في حال المحب مع حبيبته، ومع أهله، ورفاقه، وحتى مع الذين لم يلقهم وجهاً لوجه أبداً. وإذا تأمّلنا من جديد في حال قيس المشتاق الذي يتّبع النجوم، و”يكتب ما يقوله على الرمال”، ألا يُمكن أن نقول أنّه من حيث المبدإ، ليس ثمّة فرق بين الكتابة على الرّمال، والكتابة على الورق؟ فما الشيء الذي يُعطي للكتابة على الورق، وتأليف الكتب، أو إنشاد الشعر بين الناس هذه الأهمية، التي يُحسها الفنان، فيجد فيها السّلوان والتداوي؟ أيكون الدّواء الذي نجده في الفن والأدب مردُّه إلى هذا اليقين الخفيّ العميق بالاستدامة والبقاء؟ فإن كان هذا، فلماذا؟ أليس من يُنشد الشّعر في خلوة الليل وحيداً، ويكتب على الرمال، مثل قيسٍ، أو على هاتفه وأوراقه الخاصة، هو في الحقيقة يسعى ليُخرج إلى الوجود بالفعل ما يعتقده ويريده و يشعر به، فيكون بفعل الإنشاد، أو الكتابة إنّما يريد، من أعماقه، أن يُبرزه، أن يُقر به، أو يؤكده، أو باختصار أن يشهد عليه؟ أليست هذه الشهادة إنّما تقول أشهد أنّي عشت، وأنّي قد رأيت، وأنّي قد سمعت، وأني قد أحببت، وأنّي ما زلت مخلصاً، وأنّي نادم، أو مقصّر، أو حائر، أو حانق، أو غير هذا؟ أليس يصح بهذا أن الفن والأدب إنّما كانا لإخراج هذه الشّهادة على الجمال والجلال اللائقين بعظم الشهادة والشاهِد؟ ففي نهاية المطاف، أليس المحب مثلاً الذي يُنشد الشعر، ويكتب الكُتب والقصائد والروايات والمذكرات، يُقصد، مع اعتبار المال والشّهرة والصيت وكل هذه الأمور الخارجة عن الفن والغير مقصورة عليه، إلى أن يُشهد النّاس أجمعين على شهادته هذه بأنّه يحب من يحب؟ فها هو قيس نفسُه يقول:

فأشهد عند اللّه أنّي أحبها

فهذا لها عندي فما عندها ليا

ولكي نجملَ، يمكن أن نقولَ من تأمّلنا هذا، أنّ الفن والأدب يحرّكهما الشّوق، ومرماهما البعيد هو إخراج الشّهادة على الغاية المُثلى من الجمال والجلال، وأن هذه الشهادة تتسم بالاستدامة والبقاء، الأمر الذي يوصلنا إلى مسألة التداوي والشفاء. فبالاعتبار الأول يكون الأدب، أو الفن، إذا استعرنا عنوان كتاب الإدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وهذا ما يرتبط بما ذكرناه من قبل عن الأديب السيّار المتنقل المنوّع، فيكون الأديب السيّار هو الأديب المشتاق. وباعتبار الغرض العميق للأدب، أو الفن، يكون الأديب الشاهد، والذي يشَهدُ على أفكاره ومشاعره ورغباته وآراءه وعثراته و اشتياقه، ويُشهدُ الناسَ على شهادته، وهذا الشهادة بما أنّها، في الأصل، شهادة أمام الشاهِد الأعلى سبحانه وتعالى، تتسم بالاستدامة والبقاء، ولو ضاع الشعر مع الرياح، وضاعت، ونسيت الصحف، والكتب بين النّاس. فيكون إذن هذا الشّوق الذي يغذّي السير والتنقل، والذي يوفر للقارئ والمشاهد السلوان والفائدة ويدخل الغرابة على ألفته، وهذه الشهادة الجليلة الجميلة، هما ما يعطيان الفن والأدب هذه القيمة، و هذه السّمة العلاجية التي تداوي وتعين على تمام الشّفاء، ومواصلة المسير.

2. واهب الفستق المقشّر

ما أن يَكتب الأديب ما كتب، ويفرغ الفنان من عمله، حتى تمتزج في نفسه لذّة الإنجاز، وراحة الإفصاح، بشعور غريب مُؤرّق، شعور مرّكب محيّر، فهو يحسُّ، وقد عبّر، وأفصح عمّا في نفسه، بنوع من الفقد، كأنّما انتُزع شيءٌ من فؤاده، ونوع من قلق التّقصير من جهة، و الإسراف من جهة أخرى، و شعور  مُزعج بالانكشاف. إنّ الكتابةَ، كما يقول كيليطو متوسّلاً ببيت لبودلير، بالنسبة للأديب هي “قلبي وقد غدا عارياً”[21]. فالأديب يفصح في قصائده وكتاباته عن أخصّ ما في نفسه، وأعزّ وأقرب شيء إلى قلبه، ويعرضه أمام النّاس جميعاً، وفيهم النّاقد المُدقق، وفيهم المتربص، وسقيم الفهم، و سيء الظن، بل وساقط المروءة. لكنّه، وهو في حاجة إلى التواصل والإفصاح والإشهاد، يعرض أغلى ما عنده، أمام النّاس، فتناله أيديهم وألسنتهم بما شاؤوا على مر الزمان وتعاقب الأجيال. فهذا معنى الانكشاف من جهة حينما يكون الأديب في وهج الأضواء وحرارتها، ومن جهة أخرى، فالأديب حينما يُفصح عمّا في نفسه، ويعبّر عن تلك المعاني من ذكريات وأشواق وآراء ، وكل البراكين والثّورات، التي لطالما منحته الدّفئ، واطمأن إليها، بكلمات أو أنغام أو صور، يصيبُه برد القشعريرة الجارف، وإحساس بالفقد مرٌ، فهو وإن كان مرتاحاً لما أنجز، لكنّ شوقه لم ينقص شيئاً بل ازداد، فهو في شوق إلى هذه المعاني العزيزة التي انفصمت عنه، يحسُّ أبداً أنّها لا تزال تحتاج لمزيد عناية، وأنّه لم يوفِّ الأمر حقه بعد، وأنّ المعركة لم تنقض. أو ربما، مع هذا الإحساس الصعب أو قبله أو بعده، قد يتراءى له أنّه قد أسرفَ في القول، وأنّه قد أبعد وأغرب، وأنّه قد أزعجَ المُشاهِدَ أو المُستمع، أو القارئَ، أو أنّه قد أمله أو أثقل عليه، فيكون بين نار الانكشاف من جهة ونار التقصير في حق معانيه وأفكاره، ونار الإسراف والإفراط في أمره. كُلُّ هذه الأحاسيس المتكثّفة التي تمر على الخاطر مرور السهام المتتالية في سرعتها وحدتها، تتعب الأديب وتمزقه بين أصوات عديدة، فمن قائل دعكَ مما أنت فيه، وذره، وأبق على هذه المعاني في نفسك وقلبك، ترتاح إليها، فلا يطّلع عليها من لا يستحق، فلا تجعلها مشاعاً لكل أحد، ومن قائلٍ، إنّك لا تطيق أن تُبقيها بين جنبيك، فقل ما أنت قائل ولا تهتّم .. إلى غير هذا من الخواطر المختلفة التي إن توالت وكثرت قد تودي بالأديب إلى الانقطاع. ولكي نتبيّن أكثر هذه الأحاسيس المتشابكة، ومردَّها، لعلنا نجد لها خيطاً ناظماً، يعيننا على الفهم والحل، لنعود إلى ما ذكرناه من قبل، إلى مسألة المآدب. حيث أنّ الأديب، أو الفنان، هاهنا هو الآدب، صاحب المأدبة والوليمة، فها هو، بدافع داخليّ قوي، قد دعا النّاس جميعاً إلى بيته ومأدبته، دعوةً عامّة، وهي السّنة، وفي هؤلاء من يقدّر ويعفو ويشكر ويتلطف، وفيهم كذلك من يظلم ويبغي، ومن ليس أهلاً ليطّلع على دواخل البيوتات وأسرارها، فحال الآدب أنّه يأبى، ويغير ويستحي، أن يطّلع على شأنه الخاص من لا يرعى له حرمته، وهو دائم الإحساس بالتقصير مع ضيوفه، فيستحي منهم و من نفسه وهمّته من ألّا يؤدّي حق الضّيافة على حقه، أو يُثقل عليهم أو يُملهم، وما أن يسترسل في هذا، وقد يشتد إلى مالا حدّ له، حتى يُسرف ويفرط، ويثقل على نفسه، أو ينقطع عن المآدب بالكليّة. وإذا ما تأمّلنا وجدنا أنّ الخيط النّاظم لهذا كله، هو الحياء، فالأديب، في ثورته وجرأته وجموحه، لا يخشى ولا يرهب، لا النّاقد، ولا القارئ، ولا يهتم لهذا أصلاً، ولكنّه يستحي أن يبثّ ما في قلبه لمن لا يقدّر، ويستحي أن يقصر في حق مشاعره وأفكاره وما يجول في خاطره، و ألّا يُخرجها على الصيغة اللائقة، أو أن يوصم بالإسراف في القول، أو الإفراط، أو الإملال، أو الإغراب من قِبَل من هم حوله وبقربه.

وفيما يلي سننظر في واقعة جرت لشاعر قرشيّ فذّ، نزعم أنّ فيها يتجلّى هذا الذي أشرنا إليه حتى الآن، وأن في طيّاتها المنهج الأمثل الذي نراه لائقاً بالأديب، أو الفنان.

عمر بن أبي ربيعة الشّاعر القرشيّ الغزِل، قائل «الفستق المقشّر» كما يصفه حمّاد الراوية[22]، معروفٌ وأخباره، وقصائدُه، وما أثارته في زمانه وحتى اليوم من جدالات، معروفة ذائعة. ولعلَّ أشهر ما يُعرف عنه، من بين بحر الروايات والأخبار في كُتب الأدب، إنشادُه الشّعر بين يدي ابن عباس رضي الله عنه، وقولُه لأخيه قبل وفاته، رحمه الله، ما أتيت حراماً قط، بالإضافة إلى قصيدته الرّائية الشهيرة:

أَمِن آلِ نُعمٍ أَنتَ غادٍ فَمُبكِرُ

غَداةَ غَدٍ أَم رائِحٌ فَمُهَجِّر

والتي يُمكن أن نقول فيها، على غرار كيليطو الذي يقول عند حديثه عن لاميّة العرب: “كتب شيوران أن بيتهوفن أدخل الغضب في الموسيقى، ويبدو لي أن الشنفرى، من جهته، أدخل الغضب في الشعر العربيّ”[23]، أن عُمر بن أبي ربيعة قد أدخل التشويق suspense في الشعر، ولكن هذه دعوى عريضة، لا نريد أن نُقدم عليها فتعثر بنا الأقدام. أمّا ما نريد أن نقفَ عنده فخبر مثير، نراه يحمل في طيّاته معان جديرة بالتأمل. هذا وبعد كل المغامرات التي وصفها هذا الشّاعر القرشي في قصائده، والمتاعب التي أثارها، وبعد أن أتمّ الأربعين من عُمره، وهي السن التي يكمُل عندها عقل و فَهم المرء وحلمُه[24]، عزم، ولعله قد ظنّ أنّه أسرف في أشعاره وتشبيبه، واستحي مما أتى، على هجر الشّعر، وأقسم أنّه “لا يقول الشّعر إلّا عتق رقبة”[25]. وفي يوم من الأيام وجد فتى وفتاة متحابين يتحادثان فسألهما عن شأنهما، فأجاب الفتى عمراً، “و ذكر من حاله وحبه لها وعشقه” وأنّه خطبها إلى أبيها، وزاده قائلاً: “و أنه لا يزوجني حتى أصدقها أربعمائة دينار وأنا غير قادر على ذلك” وما أن سمع عمر مقالته، ورأى حاله، حتى أتى والد الفتاة، وسأله أن يزوّجهما، وأخبره أنّه سيتكفل بالمهر، فاستجاب الأب لطلبه ووافق. وفي طريق العودة نحو داره، كان عمر يمشي مُطرقاً، وقد أشجاه حال هذين المتحابين، فقابلته جاريتُه ورأت في وجهه أمارات التغيّر، أمارات تعلمُها، وتعلم ما تشي به من شعر يضطرب في نفس صاحبه، “فجعلتْ جاريته تكلمه ولا يجيبها، فقالت: إن لك لشأناً، وأراك تريد أن تقول شعراً، فقال:

تقول وليدتي لما رأتني … طربت وكنت قد أقصرت حينا

أراك اليوم قد أحدثت أمراً … وهاج لك الهوى داءً دفينا

فقلت شكا إليّ أخٌ محبٌ … كبعض زماننا إذ تعلمينا

فقصّ عليّ ما يلقى بهند … فذكر بعض ما كنا نسينا

….

ثم دعا بتسعة من رقيقه فأعتقهم” .

فها هو ابن ربيعة، الذي أمسكَ، بوازع داخليّ من الحياء والفَهم، عن قول الشعر بعد أنّ رأى أنّه قد أسرف في قصائده. ومع أنّه لطالما كيل له اللوم على ما هو فيه، لكنّه لم يتوقف إلّا بعد قرار نابع من الداخل، وبعد معاناة طويلة، ونضال مستمر[26] مع أحاسيس لعلّها شبيهة بالمشاعر المتشابكة التي ألمحنا إليها. وقد ظلّ على حالته هذه زمناً، لكنَّ لقاء هذين العاشقيْن حرّك فيه ذاك الشّوق القديم، الذي سبق أن أشرنا إليه، فها هو يقول في نفس هذه القصيدة:

ذو الشَوقِ القَديمِ وَإِن تَعَزّى

مَشوقٌ حينَ يَلقى العاشِقينا

تحرّك الشوق، واهتاج الفؤاد، وطافت الصّور في البال، وجال طيف ذاك الحبّ القديم الذي لم يزل يدندن حوله في قصائده، وبدأ بركان الكلمات يغلي في صدره، ولكنّه وقد اكتمل عقله وتجربتُه، وعلا به شعورُه بإخوانه العاشقين، تحرّك أوّل ما تحرك، بشعور عفوي لا تكلّف فيه ولا تردد، إلى العمل على إسعادهم، كأنّ سعادتهم من سعادته، فها هو يبتسم وهو يرى بشارات الفرح على محيا الفتى، وعلامات الحياء السعيد في لفتات، وحركات الفتاة، بعد أن وافق والدُها على زواجهما، وها هو يمضي في طريقه، في شعور بالبطولة، التي يمنعُها الحياء من الزّهو، المشوبة بالأسى على نفسه، ولا تزال تطوف الصور، وهو يحاول أن يبرَّ بقسمه، حتى غُلب وأخذ نهر الشعر يتدفق على لسانه، ولكنّه الآن يجري و قد صفا من كل شائبة، فهو يقول ما في نفسه، قائماً بحق شوقه القديم، وقد سبق فعلُه قولَه، فحرص على إسعاد الآخرين، بدافع مباشر من هذا الشوق نفسه، وها هو يبرّ بقسمه، فيعتق تلك الجواري، فكأنّما هذا الشّعر، وهذا البوح لا يكتفي، ولا يستقيم حاله، حتى يعبّر عن شوقه و أيضاً عن أشواق الآخرين المرتبطة به على نحو ما، ولا يرضى حتى ينعكس أثرُه على حياتهم. وبهذا يتراءى أمامنا أنّ كل أدب صادق، لا يخلو أبداً من حيرات وعثرات واضطرابات، ولكنّه أدب مناضل، يبتغي الاستقامة في سيره، و لا يتوقف عن طلب التحسُّن والتفنن، استجابة للشوق العميق. وكل أدب مناضل، لا يمكن له أن يعرف الانقطاع أو الجفاف، لأنّ الأديب المناضل لا يفتأ يسائل نفسَه، ويراجعها، أأحسن أم أخطأ؟ أأسعد أم أزعج؟ أقال ما ينبغي عليه قولُه أم ليس بعد؟ ولا يكتفي بالانشغال بشؤون نفسه، بل يكون انشغالُه بشؤون الآخرين ضرباً من الانشغال بنفسه، وبالعكس، ومتى كان هذا حال الأديب، ارتقى الأدب المناضل إلى رتبة الأدب الحيي، وصار الأديب أديباً حيياً[27].

iv. نحات الزمان، شاعر الموازييك

كان البدر بازغاً، وبقع الضوء الأزرق تستلقي على الحقول المقابلة، وتتهادى على طول الشارع المظلم، وتتكسر على شُرفات، وجدران بناءنا المنعزل، المصمم على شكل قطعة Cheese Cake لم تُقسم بعدل. ثم في لحظات كلمح البصر، توارى القمر خلف الغيوم السّوداء، وسفر البرق عن عينيه الزرقاوين، ودوى الرّعد، أخذ المطر يهطل، وانقطع التيار الكهربائيّ عن المنطقة، والقرية المجاورة، والمدينة البعيدة، وعمّ ظلامٌ لا يُوصف كل شيء. الآن أجلس قرب الشرفة الأرضيّة، وأشاهد، وجِلاً، كتائب البرق الفضيّة فوق الحقول المستسلمة، وصوت العاصفة المهيب، يملأ أذنيّ، ويبعثر قلبي. قلت، هذا أنسب وقت للكتابة، فما زالت الأفكار تراودني منذ أيامٍ، وهذا الجوّ الجليل، والمشهد العظيم، أليق ما يكون بعبقريّ مثل أندريه تاركوفسكي.

المخرج الرّوسي أندريه تاركوفسكي، بلا ريب، من الشخصيات الفريدة في التاريخ. أحد أولئك الذين يشبهون بحق قارات تُكتشف باستمرار، ويعاش مع مكتشفاتها السنين الطويلةَ. فأنّى لمن أراد أن يكتب عن قارة، ويوفيّها حقها، أن يفعل هذا، في صفحات معدودة، هذا على فرض أنّه استطاع أن يجد بداية، و خطّة لائقة، تكسر الصمتَ الذي يتملّك المرءَ، من غمرة المعاني لا من حبسة العيّ، إثرَ كل فيلم من أفلامه السّبعة. وأنا لم أكن لأقدم على كتابة شيءٍ عن تاركوفسكي، لولا ما جرى لي، مما سأقصّه عليك الآن.

بعد أن فرغت من الفصول السّابقة، توقفت عن الكتابة، وانصرفت لشأني، مبتعداً لبعض الوقت. في خلال هذه الأسابيع، اقترحتْ عليّ خوارزميّات الإنترنت العجيبة والمخاتلة، مقابلات، ولقاءات، ومشاهدَ من أفلام تاركوفسكي السّاحرة والحيويّة، وكما هو معلوم، كلّما لبّى المرء، زادت هذه الاقتراحات، ولم تنقص. كنت أؤجل، بعد أن شاهدتُ جميع أفلام تاركوفسكي في فترة قصيرة، في منتصف الليل دوماً، مع التعب والجوع، من غير كل الطقوس التي يفضّلها الناس عادةً عند مشاهدة الأفلام، الاطّلاع على لقاءاته، وحواراته، القليلة والعزيزة، لأنّ مجرد ذكر اسم هذا الرّجل يعيدُ إليّ ذكرى أفلامه، ومجريات حياتِه، وهي أمور تثير فيّ معاني ومشاعرَ، لا طاقة للإنسان بها في كل حين، بل تأتي، ويرحّب بها فقط عندما يحين وقتُها. أمّا التسجيل الأوّل، ومدّته حوالي السّاعة، فكان لقاء عامّاً أجراه تاركوفسكي في روما، في 1982. وأما الثّاني، فحوار مع التلفزيون اللاتفيّ في 1979، داخل استيديو غامض، ومدّته نصف ساعة تقريباً.

في لقاء روما، يظهر تاركوفسكي، الواثق والمتواضع، وسط التصفيق، ويعتلي المنصة، يبدأ حديثَه، وأحزمة التركيز تُشدّ على الفور. كانت الغرابة تسيطر على الجوّ في بادئ الأمر، فتاركوفسكي، الذي كان يلم بشيء من الإيطاليّة قليل ودَرسَ العربيّة لمدة عام في معهد موسكو للدراسات الشرقيّة، كان يتحدث بالرّوسية عن نظريته، وفلسفته في السينما وتاريخها وواقعها، في  حين تترجم المترجمة للحضور الواسع، ومعظمُه من غير المتخصصين، الجالسين على مقاعد الذّهول والترقب. إلّا أن العين لا تخطئ جاذبيّة وحضور هذا المخرج الهادئ والأنيق في هندامه، ونظراته، وسكتاته، والذي يتحدثُ على سجيّته، لكن مع تركيز شديد وحيويّة تنبئ عن همّ حقيقيّ. وهذه الحكمة البادية والثقة المتواضعة، تذكرني مثلاً، بشخصية زين الدين زيدان، الرياضي الحكيم. المهم هنا، والمفاجئ، أنّ في ثنايا هذا اللقاء،  وفي حواره الآخر، وفي كتابِه “نحت الزمان“، الذي أسرعت لقراءته، وجدت تاركوفسكي يجمل كثيراً مما أردت قولَه في هذه المقالة. ولا يمكن لهذا أن يكون من باب توافق الخواطر، بل لعلَّ أفكاره، وطريقة نظره للسينما والفن من خلال أعمالِه المُتقنة، قد انتقلت إليّ واستقرت في أعماق الخاطر، بطرق القلب الخفيّة التي ليس للإنسان أن يحيط بكيفيّتها علما. من هذا، مثلاً، ما نجده في كتابه المذكور آنفاً، من قوله بأن “للشاعر خيال وسيكولوجيّة طفل[28]، وكذلك توصيفه للفن بأنّه “شوق للكمال[29] . فمن أجل هذه التوافقات، ولأن معظم الشخصيات المحببة إلى قلبي، والتي غيّرت نظرتي للحياة، قد اجتمعت في هذه المقالة، قررت أن أقدم على الكتابة عنه. فالصفحات التالية تهدف لعرض عدد من آراء أندريه تاركوفسكي، أستاذ السينما المحنّك، ونظرياته في الفن وغاياته ومشكلاته. أمّا تحليل درر أفلامه مثل   Nostalgia، وStalker، وغيرهما، أو رثاؤه المستحق فلا يليق بها إلا كتاب مُفرد، ربما شاءت الأقدار يوماً أن يُنجزَ. فما يتلو إذن مجرد رسالة تقدير وعرفان لفنان مُبدع، مرسلُها مهندس مدنيّ، محب للأدب والسينما، ربما تكون تعويضاً عن رسائل أولئك المهندسين الروس الذين أرسلوا إليه رسائل حادة اللهجة، نالوا فيها من فلمه الدّافئMirror  .[30]

نظرات شاعر الموازييك

 في البداية دعنا نورد الملاحظات المركزيّة، ونخط الخطوط العريضة، التي ستوّجه بحثنا فيما يلي. لنبدأ مع تعريف تاركوفسكي للسينما حيث يعرّفها بأنّها: (( موازييك مصنوع من الزمن))، فالسينما بنظره: (( أقدر الأنواع الفنيّة على  تثبيت للواقع،  وحفظ جوهر الزمان، ما يسمح لنا بالحركة ذهاباً وإياباً في الأبدية بكاملها)). ثانياً، يميّز تاركوفسكي بين السينما الشعريّة، وبين السينما التجارية، أو باصطلاحنا السينما العاميّة. [31] وقبل أن نعرض لآراءه التي تحدث عنها في لقاء روما، فلننظر أولاً في فهمه للشعر. حيث يقول في كتابه: ((حينما أتحدث عن الشّعر، لا أفكر في النّوع، بل الشّعر إنّما هو وعيّ، أو انتباه، بالعالَم، طريقة معيّنة لللتعامل مع الواقع. فبهذا يكون الشّعر فلسفة تقود الإنسان في هذه الحياة)). [32] فهو يتحدث ،كما يشير في موضع آخر، عن “الطريقة الشعرية في التفكير”. وهذا الفهم لحقيقة الشّعر يتوافق مع الرؤية التي كنا منشغلين بالإبانة عنها منذ الصفحات الأولى لهذه المقالة. أمّا الآن فلننصت لحديث المعلم أندريه في لقاء روما.

يبدأ تاركوفسكي لقاء روما بالحديث عن التأثّر والتأثير في الفن، مؤكّداً أنّه أمر لا مفر منه. ويقول متحدثاً عن تجربته، بأنّه (( لم يرغب يوماً بمحاكاة المخرجين الكبار المفضّلين عندَه، مثل الفرنسيّ بريسون، والإيطاليّ أنتونيوني، السويديّ بريغمان أو الياباني كوراساوا .. ، لأنّه لو فعل ذلك لابتعد عن جوهر السينما وكل فن. فهو يرى أنّ الهدف النهائيّ للفن هو إيجاد وسيلة شخصيّة للتعبير، لغة يعبّر من خلالها المرء عمّا في داخله)). فخلال عملي، يقولُ تاركوفسكي، ((إذا حدث وأحسست أنّ لقطة تماثل بوجه ما، لقطة أخرى قد اشتغل عليها أحد أولئك المخرجين الكبار الذين أجلّهم، أحاول أنّ أعدّل المشهد، لكي أتجنب وقوع هذا التماثل)). ثم ينتقل للحديث عن السينما الشعريّة، والتي من أعلامها، أولئك المخرجون المذكورون آنفاً، الذين يصنعون عالمَهم الخاص، كما يفعل الشعراء. فيلاحظ أنّ ((أعمال مخرجي السينما الشعرية لطالما سارت على خلاف الذوق العام للمشاهدين، ليس لأنّ هؤلاء المخرجين لا يبالون بالمشاهدين، بل لأنهم يفضّلون الاستماع، وفهم المشاكل، والحاجات الحقيقيّة التي يشعر بها النّاس)) وهنا نتوقف و نقاطع آسفين أستاذنا أندريه، محاولين فهم مرادِه على الوجه الأتم. كما ذُكر أعلاه، يؤكد تاركوفسكي على أن غرض الفنان هو إيجاد لغة يعبّر فيها عمّا في نفسه، فهو خلال هذا اللقاء يقول : ((ها أنتم ترون أن ها هنا كاميرتان، ونحن إن أعطينا ما صورته هاتان الكاميرتان اليوم لعدة مخرجين مختلفين، سينتج لنا ثلاثة، أو أربعة أنواع من الأفلام. لأن كل واحد سيختار، ويجمع ما يتوافق مع إبداعه ورؤيته))

 لكنّه يقول أيضاً في كتابه:

(( ببساطة لا أعتقد أن الفنان يمكن أن يُنجز أي عمل فقط لمجرد " التعبير عن النّفس". لأن التعبير عن النفس لا معنى له، إلا مع وجود استجابة..وفي سبيل مد روابط روحيّة مع الآخرين،..لا بد من التضحية ))

فمن خلال هذه الإشارات المركّبة ينبغي إذن فهم رؤيته لغرض الفن ودوره.وستتضح المسألة أكثر فيما يتقدم.

ينتقل تاركوفسكي للحديث عن مسألة السينما التجاريّة، أو العاميّة، فيلاحظ أن ((السينما التجاريّة عاجزة بالضرورة عن التعبير عن أعمق الحاجات، والشواغل، التي يعانيها المشاهدُ )) وهنا يورد تشبيهات مألوفة لدينا، تنمُّ عن حس عالٍ، لكن قبل أن نوردَها، نعرض ما أشار إليه في كتابه عن أهميّة “اليقظة” للفنان، ولدوره تجاه الناس والتأثير المتبادل، حيث أورد أبياتٍ للشاعر الروسي باسترناك، يقول فيها:

تيقظ، تيقظ أيها الفنان

ولا تستسلم للوسن

إنّما أنت رهين الأبديّة

وسجين الزمن

وخلال حديثه عن الأفلام التجارية يقول أنّ أثر مشاهدتها فينا يشبه أن (( ننظر من غير أن نرى، أو نستمع دون أن نعقلَ ما يُقال ))  وأن (( ميزة السينما الشعريّة أنّها تحثّنا على التفكير))، أي أنّها بتعبيرنا حفظٌ من الغفلة

ثم يعرض تاركوفسكي أمام الحضور عدة مشاهد من أفلام مخرجيه المفضلين، وذلك لكي يبيّن للناس ما يعنيه بالسينما الشعريّة. قائلاً: (( قبل أن أشرع في تصوير أي فيلم، أعود إلى هذه المشاهد دوماً، لأستلهم منها)) وهنا نتذكر دأب الأديب مصطفى صادق الرّافعي الذي كان يقرأ فقرات من كتاب الأغاني مباشرةً قبل الشروع في الكتابة. بعد أن يعرض تلك المشاهد، يقول تاركوفسكي معلّقاً: (( لنا أن نلاحظ أن هذه المشاهد قد أعدت بعيداً عن التفكير في رغبات المُشاهد، لأن شاغل هؤلاء المخرجين هو التعبير عن الجمال والحقيقة، وليس مجرد إمتاع المشاهدين)) وهذا المعنى يشير إليه في أكثر من مناسبة ومن جوانب عدّة. لكن من المهم أن نتوقف عند هذه الإشارات، لأنه ثمّة مفارقة هنا، يرشدنا إليها تاركوفسكي. فالسينما الشعرية،  بالمعنى الذي يقصده تاركوفسكي، تدفع المشاهد للتفكير، ولا تسعى، ولا ينبغي لها، لأن تفرض رؤى أو أفكار على المشاهد. لكن السينما التجارية بسعيها نحو إمتاع المشاهد، وتحقيق رغباتِه، تقتل قدرته على التفكير في مشكلاته، وفي معنى وجوده، وبذلك تفرض رؤيتها عليه.وهذا يخالف النظرة المعهودة عند النّاس عن المجالين. فالسينما الشعرية إذن ليست سينما فكرية أو ثقافية أو نخبوية، بل هي تصوير للحياة بكاملها، لا يمكنها أن تتجاهل هذه العوامل، ولا السياسيّة والاقتصادية والاجتماعية، ولكنها عصيّة على أن تنحصر فيها، أو تربط نفسها بأيديولوجيا معيّنة. ويمكن القول أنّ دور الفنان، كما سيتبيّن فيما يلي، يكون دور دعوة لا دعاية، وإنهاضا أخلاقيا، لا فرضا وإكراها، ووضوحا وشفافيّة، لا مواربة ومخاتلة.

في الجزء الأخير من حديثه، ينتقل تاركوفسكي لمناقشة مشكلات السينما التي يلاحظها. حيث يقول، بنبرة ملؤها الصدق والحسرة: ((السينما تعيش أزمة في التفكير))  و ((أن طريقةَ تفكير أولئك المخرجين الأوائل لم تعد موجودةً ..  لأنه .. فلنقل ليس ثمّة من يريد أن يستثمر أموالَه في الشّعر. إن غرض المخرج الصادق، هو التعبير عن الحقيقة، ولكن وما اهتمام المنتجين بالحقيقة؟  كل ما يطلبه المنتجون هو المال، لقد أمسوا تجار مخدرات. [33]لطالما عاشت السينما ظروفاً عصيبةً، فلكي تصنع فيلماً تحتاج للمال، بينما لكي تكتب قصيدةً لا تحتاج سوى لقلم رصاص وأوراق)). ويتبع هذا بقوله، وهو المُتعَب من كمّ الصعوبات والمشاق التي رافقت وترافق تجربته، ومن اهتمامه البالغ بكل التفاصيل والجهد المضني الذي يراه ضرورياً عند بناء الشخصيات، وبالطبع من متاعب العمل في الاتحاد السوفيتيّ: (( السينما مجال صعب، مجال انتحاريّ تقريباً، وقد أُجريت دراسة في أميركا في1945 عن أكثر المهن التي تؤدي للموت، أظهرت أن مهنة مخرج السينما تأتي في المرتبة الثانية.))

لكنّه في ختام حديثِه يؤكّد، رافعاً يده وهو ينتصب على المنصة بثبات ورجولة، أنّ الأفلام ستبقى من خلال مقاومة هؤلاء الشعراء، وأنّه ينحني تحيةً للمخرجين المثابرين في محاولاتهم، بالقليل الذي بين أيديهم، صنع أفلامهم التي تعبر عنهم.

فلسفة الأدب خطوات المعلّم أندريه

في كتاب نحت الزمان، نقابل تاركوفسكي، وهو الفنان المتكامل الذي درس السينما والموسيقى والرّسم، المنظّر القادر على بناء نسق متماسك لرؤيته للسينما وتاريخها وللفن بصورة عامّة، مورداً خلاصات شديدة العمق والتركيب، لكن مع المحافظة على البساطة والوضوح، وهما من الأهميّة بمكان في نظريته للفن كما سنرى. وإن كان التنظير بارداً دوماً، والأجدر بالمرء أن يتعرّف على تاركوفسكي من خلاله أفلامه، حيث تظهر أفكارُه متحققة في الواقع، إلا أنّ تاركوفسكي هنا، على أي حال، يكتبُ بأسلوب سهل، بل يفكر بصوت عالٍ، أو يتحدث إلى صديق قريب. يستشهد بمارسيل بروست، وغوته ودوستويفكسي، وغوغول وباسترناك، و تولستوي، وبوشكين، وتوماس مان، بشعر الهايكو الياباني، وأيضاً بـ ماركس، الماديّ البائس على حد تعبيره، استشهادات قليلة، لكنّها تنبئ عن دراسة متأنية.

الفن عند تاركوفسكي توق وشوق لكمالات المثال، وهو ((مسعى روحيّ يطمح لجعل الإنسان يترقى في درجات الكمال)) . [34]ووسيلة للتواصل بين النّاس. وينكر على الفن الحديث الذي (( انعطف في الاتجاه الخاطئ، حينما هجَرَ البحث في معنى الوجود الذي يرسّخ قيمة الإنسان لذاته )) والفن الحقيقيّ بنظره ما اتّسم بالبساطة، فلهذا هو يفضّل أفلام المخرج الفرنسيّ روبير بريسون، الذي استطاع أن يحقق البساطة التّامة في السينما، كما فعل تولستوي في الأدب، وباخ في الموسيقى .[35] وكذلك ما انبنى على أساس أخلاقيّ. فيقول أنّ عظمة الفن ليست في كونه يثبت، أو يشرح، أو يجيب عن الأسئلة، بل تأثيره إنّما يتعلّق بالنّهوض الأخلاقي والأدبيّ. و يشير في كتابه إلى درر الأعمال الفنيّة Masterpieces ، واصفاً صعوبة الحديث عنها، أو توصيفها لأنّها متفردة، فضاء مغلق على نفسه، حيث الجمال يتجلّى من توازن الأجزاء. ,والتي إنّما تكمن قيمتُها في تعبيرها الشامل عن النّفس الإنسانيّة في تفاعلها مع الرّوح. [36]ويقول ((تولد الأعمال الفنية الخالدة من مكابدة الفنان للتعبير عن تطلعاته الأخلاقيّة )) [37] . ويتوقف عبر الفصول عند محطات في تاريخ السينما، ويتطرق إلى مسألة الأنواع السينمائيّة، مثل الدراما، والتشويق والكوميديا، والرعب ..الخ، مؤكّداً أنّ المخرج الحقيقيّ لا يمكن أن يعيشَ داخل نوع معين، بل (( أنّ الصورة السينمائية الحقّة تنبني على هدم مبدأ النوع)) لأنّ الفن مشغول بتصوير الحياة بكل اختلافاتها أولاً، ولأن المثال الذي يسعى إليه الفنان لا يمكن أن يُحصر بالطبع داخل معايير أحد هذه الأنواع. ويتساءل: (( ما النّوع الذي ينتمي إليه بريسون؟ لا يوجد شيء كهذا، لأن بريسون هو بريسون.  وكذلك أنتونيوني، فلليني، .. وكوراساوا … كلٌ منهم يعرّف بالإشارة إلى نفسه )) ويؤكد على أهمية الوضوح، والبعد عن الرمزيّات الفارغة والمبتذلة، فهو يقول (( ليس ثمّة رموز أو استعارات في أفلامي )) . [38] ويشدد على أهميّة أن يجد الفنان أسلوبه وطريقته، وأن يسير مع الحلول والوسائل التي تعرض نفسها عليه، وتأتي عفواً لا تكلّفاً. حيث يرى أنّ الفنان ما دام (( يقف على أساس أخلاقيّ راسخ)) [39]، فلا حرج عليه في  اختيار ما يناسبه من وسائل وطرائق وسبل، أي  [40] Methods

هذه إذن بعض أفكار معلّم السينما الكبير أندريه تاركوفسكي، المخرج المؤمن الذي كان ولوعاً بإنجيل متى، ولوقا، ويحفظ غيباً فقرات كثيرة منهما، والمناضل في سبيل فنّه، والذي عاش في عصر أصاب الناسَ فيه عقم روحي، وتيه فنّي كبير. هام في حب السينما، واستفاد من مخرجيها الكبار الذين كان يحب الحديث عنهم، ولكنّه، برأيي، فاقهم جميعاً في أمور عديدة، وذلك لأنّه كان يضع مبدأ أساسياً نصب عينيه، وهو الإخلاص. حيث كتب قائلاً: (( لا يخرج العمل الفنيّ المتقن للوجود إلّا حينما يكون الفنان مخلصاً تمام الإخلاص في معالجته لموادّه)).[41] ويقول في موضع آخر: (( أنا مقتنع أيضاً، أنّه لا يوجد أي فنان يمكن أن يعملَ على تحقيق مهمته الروحيّة الشخصيّة، إن علم أنّه لن يشاهد عملَه أحد أبداً . ولكن في الوقت نفسه، ينبغي له حين يباشر العملَ، أن يضع بين نفسه وبين الناس حجاباً، ليحفظ نفسه من الموضوعاتية الفارغة والمبتذلة. لأنّه فقط من خلال النزاهة التّامة والإخلاص، بالإضافة إلى معرفة الفنان بواجباته تجاه الآخرين، يمكن ضمان تحقيق قدره الإبداعيّ ))

ينشغل في أفلامه عبر حنينه، وأحلامه، و عبر السفر في جنبات القلب، ودهاليز الذّاكرة، بمشاكل هذا العصر، ومخاوفه، ويأسه الفج، وسقوطه، ويتحدث عن الطّفولة والعائلة والوطن والأمّ والأمل، بأسلوب فريد شاعريّ عفوي لا تكلّف فيه، ثقيل على النفس ثقل الحقيقة، وجميل جمال السموّ. يتحدث عن الحب، فيخاطبنا دومينيكو في فيلم Nostalgia (( أنت تعرف قصص الحب العظيمة ، الكلاسيكيّة، .. لا قبلات، لا قبلات أبداً .. لا شيء على الإطلاق، قمة النقاء والطهر .. ومن هنا تأتي عظمتها… المشاعر، المشاعر الصامتة التي لا تُنسى)) ويتحدث عن الإيمان، عن أخطار العالم، والأسلحة التي تغطيه. ويختم فيلمه المذكور بخطبة دومينيكو، المجنون في نظر النّاس، عن الهمّة، والسعي لتغيير هذا العالم.

توفي أندريه تاركوفسكي في منفاه [42]، بعيداً عن وطنه وعائلته، بعد معاناة مع السّرطان، المرض الذي أصاب زوجته بعد ذلك، وكذلك بطل معظم أفلامه، أناتولي سولونيتسين. قال البعض إنّ هذا قد يشير إلى عملية اغتيال نفّذها النظام السوفيتي، وقال البعض إنّها مجرد أسباب طبيعيّة، في حين قال مسؤول الأصوات فيكتور شارون الذي شارك في العمل في فيلم Stalker  إنّ سبب هذه الوفيات يرجع إلى تسممات تعرض لها المذكورون أثناء تصوير مشاهد هذا الفيلم، التي صوّرت قرب تالين في إستونيا، قرب نهر ملوث بسموم مصنع الكيماويات الذي يوجد على ضفته [43].وليس ثمّة خبر يقينيّ، لكن إن صح التفسير الأخير، تكون السينما، وشرور هذا العصر، قد قتلت تاركوفسكي فعلاً كما أحسَّ، قتلت الشاعر العبقريّ الذي كان يسعى لتغيير العالم، ودعوة النّاس نحو الأرض السعيدة.

ثمار الرحلة

1. فلسفة الأدب: في جذور المشكلة

كان الدّافع وراء هذه الصفحات، خواطر مؤرّقة متعاقبة، خواطر وأفكار تمر على البال، أثناء المشي، أو التأمل على خد نافذة الباص، أو أثناء محاضرة طويلة مملة، أو عند عتبة القرارات المهمّة في الحياة. ولا زالت هذه الخواطر تتوالى وتتجمع، وتتحلق حتى بنت في نفسي إحساساً مؤسفاً، أشبه باليقين، لا يتوقف عن ترداد الحقيقة المرّة، وهي أنّ المشتغلين بالأدب والفلسفة هم أشقى النّاس، وأسوأهم عيشة، وأبعدهم عن سواء السّبيل في كل مناحي الحياة تقريباً. فكان إذن الدافع وراء هذه الورقات، إحساس مرٌ ، لا يحتاج أن تكون مؤرخاً للأدب حتى تعلمه، بالأسى والحسرة على حياة الكتاب والفنانين الذي أحبهم، وأحب أن أتعلّم منهم، وكل ما سنشير إليه، هو من باب التفكّر الذي يحاول تجنّيب النّفس، وكل المشتغلين بالأدب والفلسفة والفن كل الآفات التي جعلت حياة هؤلاء الأعلام، أسوأ نموذج ممكن للحياة، وليس أبداً من باب تتبع العورات، أو التشفّي بأناس قضوا منذ سنين طويلة. ونحن في أمس الحاجة إلى مثل هذا التفكّر اليوم، ونحن في عصر الفن المارد والشارد[44]، عصر نتفليكس، عصر الفن الاستهلاكي، والإبليسيّ[45]، الذي هو على الحقيقة عصر اختطاف الفن وقتله بإبر السفه والأيديولوجيّا السّامة. وعصرنا كذلك، كما يشير كيليطو منتقداً، عصر الأدب المتحجّر، الذي صار مجرد Littérature ، والذي هجر مهماته التعليميّة، وكثيراً من أنساقه القديمة، وصار مقتصراً على فن الرّواية فقط، وكثيرٌ من هذه الروايات مكرر لا قيمة فيه. في ظل هذا كله، صارت النظرة التي ترى أنّ من البديهي أن يكونَ المشتغل بالأدب أو الفلسفة أو الفن، غريبَ الأطوار، متخبط القرارات، صبيّ مزاجيّ مدلل لا يعرف ماذا يريد، وغير قادر على العيش كباقي النّاس. وإنّ كنا نرى ونؤمن أنّ للأديب وللفنان، طباعاً مميزة وطرقاً مختلفة في النظر إلى الأمور، وهذا ما  كنا نحاول الإشارة إليه أصلاً، لكننا  نرى أنّ الحل، وسبيل التخلص من هذه الآفات، هو بلا أدنى ريب ممكن ومتيسّر، فلم يُحكم بقضاء حاسم على أهل الأدب والفن والفلسفة أن يعيشوا حياتهم على هذا النّحو من التخبط، بل العكس هو المنتظر. فالأصل أنّه يتوقع ممن يعيش حياته بين الكتب والتفكير والتأمل، أن يكون، كقديم عهده، حكيماً في قراراته، متزناً في تصرفاته، فيكون نموذجاً جيّداً للمثابرة والنضال والأخلاق، بعيداً عن شذوذ العبقريّة المزعوم الذي يُراد له أن يصبح مسلمةً لا خروج عنها، حتى صرنا إلى زمان اختفت فيه العبقريّة، ولم يبق سوى التيه والغرابة والتخبط. ولا يسعنا هنا أن نجمل كل الآفات المتغلغلة في حياة المشتغلين بالفن والأدب والفلسفة، فهذا يفوق طاقتنا وعلمنا، وإن كنا حاولنا فيما تقدّم البحث في بعض الطباع و مناهج النظر التي قد توصل إلى السقوط في هذه الآفات. ولكننا إذا ما نظرنا في حياة الأسماء الكبيرة، أو المنابع العظيمة، المعترف لها بالتأثير والتأسيس، وجدنا أنّ المال، والجنس، والسياسة هي، يا للمفارقة، أكبر عيوب هذه الشخصيات العظيمة. فكثيراً ما نجد أنّ المال، الذي يذل النفوس ويجبرها على ما تكره، كان عاملاً أساسياً في تقلّب حياة الأدباء والشعراء، وهذا لأسباب عديدة متنوّعة، منها أنّهم كانوا يعتمدون في رزقهم على اشتغالهم الأدبي والفنيّ، والذي بطبيعته غير مستقر، ولا يصلح أن يكون مصدراً للرزق. فنجد عبد الفتاح كيليطو يناقش في كتابه الأدب والغرابة، التحول الجوهري الذي طرأ على الشعراء، في بدايات العصور الإسلامية، والتي أدى إلى خلق صورة عن الشاعر على أنّه مجرد مكدي، يستجدي المال بالمديح.[46] ومنها عيشة الإسراف وسوء التدبير، فنجد مثلاً عبد الرحمن بدوي في كتابه الأدب الألماني في نصف قرن، بعد أن جرد بعض مصادر دخل الشاعر الكبير رلكه منذ سنة 1910، والتي  كان معظمها مساعدات و”تبرعات”، أحدها، واعجباً، كان من فيتجنشتاين الفيلسوف النمساوي الفذّ الذي يظهر فجأة في كل قصة حدثت في القرن الماضي تقريباً، يكتب متسائلاً: «ومجموع هذه المبالغ -باستثناء المبالغ المجهولة المقدار-هو ٦٥٠٬ ٥٢ مارك ألماني في المدة من سـنـة ١٩١٠ -إلـى ١٩١٤ وذلك في فترة كان فيـهـا المـارك  الألماني مرتفع القيمة بحيث كان يكفي المرء ليعيش عيشة كريمة لا إسراف فيها ولا تقتير، ثلاثمائة مارك في الشهر-٣٦٠٠ في السنة= ٤٠٠٬ ١٤ في أربع سنوات. فما بالك وقـد قـضـى نـصـف هـذه الـسـنـوات الأربـع (١٩١٠ -١٩١٤) ضيفا على صديقاته!! لكن رلكه كان ينزع إلى البذخ والإسراف الذي يتجاوز موارده بكثير. إذ كان يقيم في أفخر الفنادق في فينيسيا (فندق جراند أوتيل) وفي القاهرة (فندق شبرد القديم الكائن آنذاك في حي الأزبكية) إلخ.. إلخ. وحين يركب القطار كان يركب دائما في الدرجة الأولى. هذا فضلا عن تكاليف أسفاره المتواصلة. وكان يحب ركوب السيارات، وكانت السـيـارات فـي ذلـك الـوقـت أفخم وأغلى وسائل النقل والترف. ويحق للمرء أن يتساءل هاهنا: هل لم يـكـن رلـكـه يـشـعـر بـالخـجـل بـل بالعار من أن يكون دائما ضيفاً طفيلياً على صديقاته وأن يقبل التبرعات من الأصدقاء ومن أرباب المال؟! ألم يكن الأكرم له أن يقتصر على ما يحصل عليه من حقوق التألـيـف وهو كما رأينا يكفي كي يكفل له عيشة بسيطة تتناسب مع موارده الناتجة من عمله وما يحصل عليه من أمه شهريا ومن وصايا أقاربه المتوفين؟»[47]

 ويمكن أن نجد حوادث مماثلة في حياة لامرتين، شاعر البحيرة الجميل، من عيشة الإسراف والطيش، التي تؤدي إلى ديون تثقل الكاهل، وتجبره على ممارسة الكتابة قسراً من أجل المال:

يقول الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة في كتابه لامرتين:

"أما كيف بذَّر لامرتين هذه الثروة، وانغمس في ديون تبلغ الملايين، فقد اختلف كثيرون على إيضاح هذه النقطة؛ فمنهم من قال إن الدور السياسي الذي مثَّله قد كلَّفه مبالغ لا يستهان بها، ومنهم من قال إنه كان يبسط يده إلى درجة الإفراط والتبذير ويعيش عيشة الأمراء والملوك، ولم يكن يمسك كفَّه عن المساكين فيهبهم بدون ترو ولا حساب؛ على أن المسيو  رينه دوميك،  الذي اهتم بإيضاح هذه النقطة فاستشار بعض وثائق اهتدى إليها، قال:  «لقد أغرق البعض في وصف حياة البذخ التي عزيت إلى  لامرتين ... فالمؤلَّف الذي وضعه عن رحلته إلى الشرق قد در عليه أضعاف ما كلَّفته هذه الرحلة ... على أن سبب فقره وانغماسه في تلك الديون البالغة الملايين يعود إلى تعلّقه باقتناء الأملاك وحراثة الأرض، فقد صرف جهودا كبرية في شراء السهول والحدائق وحراثتها ونقبها، وكثيراً ما كان يبتاع  الغلال بأثمان لا توازي أثمانها الحقيقية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان ميالا إلى المقامرة والمضاربة" [48]

هذا من زاوية، و من زاوية أخرى، نحن نعلم أنّ كثيراً جداً من الأدباء عاشوا حياة الفقر المدقع، والظروف القاسية، وإن كان هذا عائداً، بلا شك، إلى سوء توزيع الثروة والظلم الاجتماعي البالغ، وعدم تقدير ذوي المواهب والعلم، إلّا أننا لا نرى أن هذا يُعفي هؤلاء الأدباء من اللوم، فنعتقد، والحال هكذا، أنّه لا يليق بهم سوى المجاهدة الدائمة في سبيل الرزق الشريف، ولكن منهم من لم يتجه، أنفة ربما أو لسبب آخر، لممارسة أي صنعة، أو حرفة، تضمن له الرزق، ولا تدفعه إلى انتظار من ينقذه ويعترف بموهبته، أو إلى إسلام قلمه وريشته وفنّه لمن يشتريها، فارضاً عليه آراءه ورؤيته. وهذا موضوع واسع متشعب على كل حال، لكن بالمحصلة، نرى أنَّه يجملُ بالأديب أو الفنان أن ينزّه فنه وأدبه ما استطاع عن شؤون المال، ويجتهد لتأمين مورد رزق يضمن له حياةً كريمة، ويحفظ نفسه وفنه ومروءته، ويجعله قادراً على قول الحق متى عرفه، وأن يُبعد نفسه بالطبع عن مهلكات المال اللاأخلاقيّة التي أصابت البشريّة منذ زمن بعيد، من الطّيش، و الشح، والقمار والإدمان والدّعارة وما شابهها. أمّا أمور السياسة والعاطفة والجنس، فحدّث ولا حرج، فقد صار من المعروف بين النّاس أنّ أهل الأدب والفن والفلاسفة، أقصر النّاس نظراً في السياسة، وأكثرهم انخداعاً بأقاويل الساسة، وأكثرهم ابتعاداً عن التصريح بالحقائق، وهذا شيء مؤسف للغاية. ولعل مردَّ هذه الآراء الغريبة، من تأييد للطغيان، وعنصرية، وسواها، قد يكون، مع افتراض صفاء النيّة، إلى كل تلك الانفعالات والتقلّبات التي تمر على بال الأدباء والفلاسفة، وكل تلك الحماسة تارةً، والتردد والإحجام تارة أخرى، والتي إن لم يسيطر عليها الأديب أو الفيلسوف، أوردته المهالك، وجعلت حياتَه سلسلة من الخزي، أو التناقضات وتقلبات والآراء التي تزهّد النّاس، للأسف، بعلمه وفهمه. ومما يندرج في هذا مثلاً، ما أقدم عليه الشّاعر الفحل محمد مهدي الجواهري، في مدح حافظ الأسد، الطاغية ذي التاريخ المظلم، حين قال:

وأنت يا أسد الغاب  الذي حلفت

به الرجولة أن تستأسد الأزم

 يا حافظ العهد أعطاه مواثقه

 ما عاش أن عراه ليس تنفصم

وشبيه بهذا ما أتاه نزار قباني، شاعر الياسمين الرقيق، الذي كتبَ مفتخراً:

وعندما يسألُنا أولادُنا

من أنتمُ؟

في أيِّ عصرٍ عشتمُ..؟

في عصرِ أيِّ مُلهمِ؟

في عصرِ أيِّ ساحرِ؟

نجيبُهم: في عصرِ عبدِ الناصرِ..

الله.. ما أروعها شهادةً

أن يوجدَ الإنسانُ في عصرِ عبدِ الناصرِ.

بل ما أبشعها شهادة، وما أبغضَ أن تعيش في عصر سيّد الهزائم، والسجون المرعبة، عبد الناصر.

 فهذه بعض الأمثلة مما يحضرنا، وغيرها كثير مما جرى ويجري كل يوم، والذي وضع الأدباء والفنانين والفلاسفة في موقع مخزٍ لا يليق، فلا هم أحسنوا الكلام، ولا هم ركنوا إلى الصّمت. وشبيه بهذا، بل أفظع، مسألة الجنس. ففي سياق الخروج الكبير من الأخلاق الذي يعيشه العالم منذ قرنين ربما، وجدت هذه الانفعالات والتقلبات المزاجيّة، في عصر السرعة والإباحيّة، مرتعاً لها. فهي تجعل الأديب أو الفيلسوف، يظن أنّ كل خاطر مرّ على باله، هو رغبة فعليّة أو شعور حقيقيّ، أو أنّه عشق ملوع، فتراه، ولا عاصم يمسكه، منغمساً في العلاقات السريعة، الغريبة، الشاذة، والتي لا تزيده، واحسرتاه، إلا شقاءً. فيصبح الأديب أو الفنان أو الفيلسوف، وهو صاحب المشاعر المتدفقة، التي يمكن أن تكون سلماً للإبداع والارتقاء، أو منزلقاً للخزي والشقاء، ممزقاً بين مختلف الرغبات، كمن يتخبطه الشيطان من المس. ولا نظنّ أننا نحتاج لضرب أمثلة على هذا، فالأمر أوضح من أن يبيّن، وأوسع من أن يُحدَّ. ولكننا نلاحظ أمارات هذا الخلل، في الانفصام أو الخروج من الأخلاق، حينما نقرأ مثلاً، وهنا نعتمد على آخر القراءات فقط ولا نقصد الاستيعاب، عن الرّسام الفرنسيّ الكبير بول سيزان، الذي كان شديد الخجل في التعامل مع الناس، أو  أن يراه أحد وهو يرسم فينتقده، ولكنّنا نجد في نفس الوقت أنه لا يستحي من استئجار العارضات، اللواتي كان يعكف على رسمهنّ عاريات في معرضه! وذلك لرسم لوحاته الشبقيّة، والتي لم تكن وقتئذٍ مرحَباً بها كثيراً حتى في فرنسا[49]. وكذلك مثلاً في سيرة حياة الرّسام الإسبانيّ بيكاسو، التي لا يمكن للمرء أن يواصل قراءتها إلا متقززاً، فهذا الرّسام الماجن[50]، كان منغمساً في علاقاتٍ عديدة، يهمل أولاده ولا يعترف بهم، بل وأوصل بأفعاله هذه، حفيدَه إلى الانتحار!  وقريب من هذا، حال كثيرٍ من الكتّاب الكبار[51]، الذين كانوا منغمسين، ومعذّبين في مراسلات غراميّة، وعلاقات مع نساء متزوجات! أو مراهقات أو طالبات عندهم، ولكن هؤلاء الكتّاب، ومنهاج حياتهم كله مضطرب لا نظام فيه، وهم يعيشون في عزلةٍ، يستنزفون نفوسهم على الأوراق، ينتهي بهم الأمر إمّا في الإقبال على المومسات وبنات الليل، أو في التورط بهذه العلاقات الحمقاء، التي تنمُّ عن تخبط، وعدم اتزانٍ مؤسف مرعب، و التي تهدم المروءة، وتزيد الشقاء. وغير هذا، وما يفوقه شناعة وفظاعة وحماقةً، كثيرٌ منتشر ذائع في الماضي القريب والحاضر، وها نحن نسمع ونرى كل حين فضيحة جديدة من فضائح المخرجين الكبار والفنانين، من تحرش، وخيانة، وما إلى ذلك. وكل ما ذكرنا كان، لا ريب، سبباً رئيسياً فيما وصلنا إليه اليوم، حيث تنبعث من الفن والأدب، أبخرة العدميّة السّامة، التي قد تخفى عن العيون الساهية، ولكنها تدمّر الأعصاب، وتقتل خلايا كل ما هو جميل في قلب وعقل الإنسان، وتسمم نظرته لكل شي في نفسه وفي أفقه. ولا نرى سبيلاً للخروج من هذا اليأس والتحجر والجفاف والانقطاع الذي أصاب نهر الأدب، والفن بل والفكر عموماً، إلّا بإعادة وصل أنهار الأدب والفن والفكر بمنابع متجاوزةٍ من الإيمان، لا ينضب ماؤها، ولا يطغى فيفسد الحرث والزرع والنّسل. وهنا تظهر قيمة ما تقدّمه الثقافة العربيّة الإسلاميّة من قيم إيمانية وأخلاقية وجمالية، تمد الأدب بمنابع من الفقه، تسدد الأديب، وتعينه على تحقيق التّوازن في حياته، ومنابع من الأخلاق، ولب الأخلاق الحياء، تدفع الأديب إلى أن يرى، ويكتب وينتج كل ما هو جميل ومفيد وجليل، بأمل لا ينقطع، وإبداع مستمر الجريان.

2. ثمرات

والآن في هذا الفصل الختامي، يجمل بنا أن نجمل أهمّ النقاط التي ناقشناها في هذه الرحلة الطويلة مع رفيقنا المخلص الجميل عبد الفتاح كيليطو.

بعد أنّ مهدنا بالإطار النظريّ لهذا البحث، وبعد أن لفتنا النظر إلى بعض اجتهادات كيليطو العديدة، والمتوارية في طيّات مؤلفاته الفاتنة، بدأنا السير في رحلتنا. وبعد تنقل وسير وصلنا إلى أفكار رئيسية هي: تحدثنا عن الأديب المشتاق إلى عالم الملكوت والخلود حيث أنس الأرواح، فكان هذا الشوق كما ألمحنا دافعاً محورياً للاشتغال بالأدب والفن. وكذلك تحدثنا عن الأديب السيّار الذي يسير متنقلاً بين أصناف العلوم، ومناهج التفكير، وطبقات الشعور، وأنواع العمل طلباً لتوسيع علمه وحكمته وصقل مواهبه وتجديداً لموارده. وقلنا أيضاً أن الأديب المشتاق بحق، والأديب السيّار بحق، هو الأديب الآياتي الذي لا يزال في سيره يرى بعين البصر والبصيرة المعاني المتوارية وراء الموجودات والحوادث، استشعاراً واعتباراً. وأنّه هو أيضاً الأديب الشاهد الذي يكون أحد أغراضه أن يكون شاهداً على نفسه ومشاعره وأفكاره وعلى إمكاناته ومواهبه وعصره ومجرياته، وأن يقوم بالشهادة على حقها وعلى الوجه اللائق بها من الجمال والجلال، لعظم الشهادة والمشهود بين يديه. وأنّه هو أيضاً الأديب المناضل الذي لا يمل في سيره من مقاومة المثبطات والمحيرات والعثرات التي تحاول أن تحرفه عن صراطه القويم، أو توقفه عند حدود موهومة، والذي لا يفتأ يطلب مزيد التحسن والتفنن في العلم والعمل. وقلنا أيضاً أنّ من كان هذا حالُه، فقد ارتقي إلى الأديب الحيي، والذي يكون متشبعاً بمعاني الجمال والفائدة، كامل العدّة، مكتمل الأدوات، حكيماً في قراراته، متزناً في تصرفاته، منشغلاً بتدبير شؤونه ومساعدة الآخرين بالقول والفِعل. وبهذه المحاولات المستمرة إن شاء الله، يصلح حال المشتغل بالأدب قارئاً وكاتباً، ويجري نهر الأدب الكوثر[52]، الذي ما زلنا في ظمأ إليه منذ أن جفَّ، أي نهر الجمال والفائدة والسمو والجلال والهمّة والعدل، كثير الخير في الأولى والآخرة.


المراجع (فلسفة الأدب)

العربية

  • فقه الفلسفة، الفلسفة والترجمة، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي،1995
  • أباطيل وأسمار، محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، 1972
  • شرود ما بعد الدّهرانيّة: النقد الائتمانيّ للخروج من الأخلاق، طه عبد الرحمن، المؤسسة العربيّة للفكر والإبداع، 2016
  • روح الدين: من ضيق العلمانيّة إلى سعة الائتمانيّة، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي العربي، 2012
  • الغياثي : غياث الأمم في التياث الظلم، الإمام الجوينيّ، دار المنهاج، 2011
  • بحبر خفيّ، عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، 2018
  • الكتابة والتناسخ، عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، 2008
  • المقامات: السرد والأنساق الثقافيّة، عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، 2001
  • الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربيّ، عبد الفتاح كيليطو، دار توبقال للنشر، 2006
  • الأغاني، أبو الفرج الأصفهانيّ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993
  • هروبي إلى الحريّة: أوراق السّجن 1983-1988، علي عزت بيجوفيتش، دار مدارات للأبحاث والنشر، 2014
  • محاضرة د. أحمد وجيه عن الأستاذ محمود شاكر أبو فهر

الإنجليزيّة

  • Tarkovsky, Andrei, Sculpting in Time, 1987
  • KENDALL, RICHARD, History and Techniques of the Great Masters: Cezanne, 2002

الهوامش (فلسفة الأدب)

[1]    الأستاذ هنا بالاستخدام التراثيّ، أي العالم المشارك في العلوم، فأبو فهر كما هو معلوم، واسع الاطّلاع في علوم العربيّة بمعناها العام.

[2]    ترجمة طه عبد الرحمن للكوجيطو الديكارتي Cogito, ergo sum: انظر فقه الفلسفة:ج1، الفصل الثالث

[3]    من حوار مع أبي فهر أعدّه د. محمود الشرقاوي، نشر على موقع الجزيرة 2020

[4]    من الفيلم الوثائقي الذي أنتجته قناة الجزيرة في 2017

[5]    كقول الشّاعر: ما كلُّ دارٍ أقفرتْ دارة ُ الحمى ** و لا كلّ بيضاءِ الترائبِ زينبُ

[6]    نقول هذا حتى لا يُظن أننا نتجرأ على شيوخ العلم، فيخاطبنا أبو فهر مثلما خاطب ذاك «المثقف» في أباطيل وأسمار : “ ونعوذ بالله وحدَه من سوء تراكب الألفاظ، ومن سوء اختيارها” (ص35)

[7]   كلمة لـ أ.د. طه عبد الرحمن عن اللسان والميزان: https://youtu.be/8ucGiL1oQCE

[8]    انظر مثالاً على هذا: تعليق طه عبد الرحمن في كتاب شرود ما بعد الدّهرانية في هامش رقم 42  في صفحة 257-258 عن ما جرى بين لاكان و باطاي.

[9]    أباطيل وأسمار ص448

[10]  أباطيل وأسمار ص161

[11]  محمود شاكر، أباطيل وأسمار ص445

[12]  تأمّل هذا التسجيل: https://youtu.be/iBO3odS6tzE

[13]  المقامات، ص65

[14]  يقول كيليطو:” لقد كان الجاحظ كاتباً سعيداً، يهوى الضَحك، وكان ضحكه صريحاً وخالياً، إلى حد ما، من كل فكرة مبيّتة”.(الكتابة والتناسخ:ص113) لعل هذا لا يصدق على الجاحظ، بقدر ما يصدقُ على كيليطو نفسِه.

[15]  كتب محمود شاكر في أباطيل وأسمار أنّه ينزه العربية عن الرموز، لأن العربية لغة شجاعة.

[16]  من لقاء جرى في 2018.

[17]  انظر: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري ص47

[18]  الأغاني: الجزء الثاني

[19]  تزيين الأسواق في أخبار العشاق داود الأنطاكي

[20]  علي عزت بيجوفيتش، هروبي إلى الحرية:ص36

[21]  من حوار أجراه عبد السلام الشدّادي و ماري رودو مع عبد الفتاح كيليطو

[22]  انظر ديوان عمر بن أبي ربيعة، دار صادر، ص5

[23]  بحبر خفي، عبد الفتاح كيليطو، ص20

[24]  تفسير القرطبي، سورة الأحقاف

[25]  أمالي القالي، الجزء الأول

[26]  “الحياة نضال دائم” كما يقول طه عبد الرحمن: الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري

[27]  الحياء دليل الحياة في الإنسان، انظر طه عبد الرحمن، دين الحياء،ص214و211

[28] Tarkovsky, Andrei 1987, Sculpting in Time, Page 41

[29] Ibid, Page 35

[30] Ibid, Pages 8-10

[31]  رؤية تاركوفسكي لتاريخ السينما، أنها بدأت بصفتها فنّاً، ثم طرأت التجارة عليها، وما زالت الهوّة بين السينما الشعريّة، أي السينما بصفتها فناً، والسينما التجارية، أي السينما بصفتها لهواً، تتسع حتى صرنا إلى ما نحن عليه اليوم

[32] Ibid, Page 21

[33]  وهذا التشبيه يتوافق مع مسألة الغفلة التي تجلبها السينما التجارية

[34] Ibid, Page 27

[35] من فيلم تاركوفسكي: رحلة في الزمان

[36] Ibid, Page 43

[37] Ibid, Page 26

[38] Ibid, Page 212

[39] Ibid, Page 181

[40]  (وهي كما يلاحظ د. حمو النقاري من Hodos اليونانيّة، والتي تعني الطريق الهادي)، ويمكن أن نقرأ هذا المعنى من خلال فكرة الفنان السيّار التي أشرنا إليها من قبل، ومن خلال فيلم تاركوفسكي Stalker، المُرشد أو الهادي، ذو الإيمان الرّاسخ، الذي يتبعه الكاتب والفيزيائي نحو المنطقة، وحجرة السعادة. يقول تاركوفسكي في ص181: ((قد يبدو الهادي ضعيفاً، لكنّه في الحقيقة لا يُقهر، وذلك بفضل إيمانه، ورغبته في خدمة الآخرين))

[41] Ibid, Page 46

[42]   كما توفي المخرج العبقريّ حاتم علي وحيداً في منفاه بالقاهرة، أثناء كتابه هذه الصفحات.

[43]  هذه التصريحات منشورة في : https://arquivo.pt/wayback/20091008074413/http://www.acs.ucalgary.ca/~tstronds/nostalghia.com/TheTopics/Stalker/sharun.html

[44]  انظر شرود ما بعد الدّهرانيّة.

[45]  انظر دين الحياء: الجزء الأول

[46]  الأدب والغرابة ص56

[47]  الأدب الألماني في نصف قرن، ص62-63

[48]  إلياس أبو شبكة، كتاب لامرتين ص51-52

[49]  2002,KENDALL,RICHARD History and Techniques of the Great Masters: Cezanne

[50]  انظر نساء بيكاسو، جوزيف أبو ضاهر، وفي صفحة 16، نجد أن اثنتان من عشيقاته قد أقدمتا على الانتحار!

[51]  دوستويفسكي مثلاً: انظر https://www.ida2at.com/women-in-fyodor-dostoevsky-life/ وأيضاً كتاب: المُحرِّض حياة دوستويفسكي لهنري ترويا

[52]  من معاني الكوثر، كثرة ووفرة الخير والعطاء، وأيضاً الشراب العذب، وقيل أنّه نهر في الجنة.