ملخّص الورقة
تحلل هذه الورقة الجدل بين الفيلسوفين المغربيين؛ طه عبدالرحمن (وُلد 1994) ومحمد عابد الجابري (1936-2010). في تسعينيات القرن الماضي، ادّعى طه عبدالرحمن أن الجابري أساءَ قراءة التاريخ الفكري الإسلامي نتيجةً لفشله في استيعاب العلاقة التي تربط هذا التاريخ بالمجتمع العربي والإسلامي. بعد أن أُبين أن الاختلافات بين طه عبدالرحمن ومحمد الجابري لا يمكن حصرها في حدود الاختلافات في الفلسفة الأوروبية، سأقترح في هذه الورقة بأن نظرية الأرشيف بإمكانها أن تُأطّر اختلافاتهما وتصيغها بشكل أفضل ممّا قد يفعل مفهوم “التقاليد” لماكنتير، وهو الموقف النظري السائد اليوم في حقل الدراسات الإسلامية. فـ الأرشيف -كما وضّح جاك دريدا (والذي نقارن به أيضاً هذين المفكرين) يؤكّد على أهمية الاختلاف، ومواجهة الآخر، والتكرار بالنسبة للتاريخ الفكري الإسلامي. وستتضح أهمية هذه النقاشات بعرضنا للطريقة التي قرأ بها طه عبدالرحمن ومحمد الجابري المناظرة الشهيرة التي جرت بين أبي الحسن السيرافي (ت979) ومتّى بن يونس (ت940) حول النحو والمنطق.
| الكاتب | صموئيل كيغار |
| ترجمة | شيخة مرزوق |
“حَفِظتَ شيئاً، وغابَت عنكَ أشياءُ”
أبو نوّاس
1. مقدمة
تصدى الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن في بداية التسعينيات لنقد زميلة في شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط محمد عابد الجابري، مرخياً عنان قلمه لكتابة نقد قاس لمفكر يكبره سنًّا. كان ادّعاء طه عبدالرحمن في الظاهر يدور حول إساءة الجابري في قراءته للأرشيف العربي والإسلامي. فبسبب عدم استيعاب الجابري للأرشيف، كما يلمّح طه عبدالرحمن، فإنه قد حُرم من النفاذ إليه. ونقدٌ مثل هذا، بطبيعة الحال، تجاوز مجرّد الخلاف الأكاديمي ليتم تداوله بشكل واسع خارج أسواء الجامعة. وفي خضّم ما كان طه عبدالرحمن يدشن نقده ضد الجابري، كانت كُتب الأخير الصادرة في بداية الثمانينيات يعادُ طبعها عدة مرّات. فقد كان للجابري تأثير كبير على الدوائر الثقافية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وطه عبدالرحمن لم يكن أوّل من نَشر نقداً مكثفاً لأعماله (انظر طرابيشي 1991)، ولكن طه عبدالرحمن هو من قُرأ له بشكل أوسع، والأهم هنا، أن ردوده على الجابري قوّت من ادّعاءات الأخير وصقلتها.
هذا السجال الذي توّلد بينهما ليس مهماً للنخبة المسلمة التي تتحدث وتقرأ بالعربية فحسب، بل إنه يسلّط الضوء على جانب لطالما ظلّ ملتبساً في تاريخ الإسلام المعاصر؛ وهو أن ثمة خطاب رصين يتشكل بين الأكاديميين العرب والمسلمين المعاصرين ممّن يكتبون غالباً باللغة العربية. ولا شك عندي أن مشروع تحليل الجدل بين هذين الباحثين، بدلاً من التركيز على تحليل أحدهما دون الآخر، سيزيد من تعقيد الصورة التي رُسمت لمن بات يطلق عليهم “المفكرون المسلمون الجدد”. فعادةً ما يتمّ تصوير هؤلاء المفكرين على أنهم متفردين في سياقهم أو أنهم متأثرون بشدة بالفلسفة الأوروبية. ولهذا فإن دراسة الجابري وطه عبدالرحمن جنباً إلى جنب يبيّن لنا أنهما يعملان ضمن مساحة تداولية مشتركة وأن أطروحاتهما في الواقع تتخطى حتى إشاراتهما إلى الفلسفة الأوروبية.
ستحلّل ورقتنا كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي (ت 1023) والذي يسرد فيه التوحيدي تفاصيل المناظرة الشهيرة بين المنطقي متّى بن يونس (ت 940) والنحوي أبي سعيد الحسن السيرافي (ت979) التي دارت حول النحو والمنطق. سأبيّن كيف شكّل نص المناظرة قاعدةً، وإن كانت قاعدة متشعبة، لقراءة الجابري وطه عبدالرحمن للأرشيف الإسلامي. ثم سأقارن بين محاولتي هذين المفكرين لترسيم حدود التاريخ الفكري الإسلامي مبيناً أنّ اختلافاتهما لا يمكن حصرها في حدود الاختلافات الموجودة في الفلسفة الأوروبية. ثم سأختم بنقاشٍ لتصوراتهما لمستقبل الأرشيف الإسلامي. أحاجج بأن النقاش بين الجابري وطه عبدالرحمن يسمح لنا بالنظر إلى التراث العربي الإسلامي كأرشيفٍ يَنقُش ويُدوّن فيه هذين المفكرين في خضمّ توسيعهما وتغييرهما فيه. واستعمل في محاججتي هذه مفهوم الأرشيف حتى اتصدى لمفهوم “التقاليد” الذي بات رائجاً في الدراسات الإسلامية. ففي حين أن مفهوم “التقاليد” يقترح الاتساق والاستمرارية كسماتٍ مميزة للخطابات الفقهية واللاهوتية والفلسفية في الإسلام، فإن مفهوم الأرشيف يحفّزنا على فهم تِكرار المواجهة مع المختلف والمغاير باعتباره حدثا مركزيا في التاريخ الفكري الإسلامي. فمن خلال تتبعٍ الطريقة التي فهم بها الجابري وطه عبدالرحمن مناظرة السيرافي ومتّى بن يونس يَظهر لنا أنهما كرّرا وغيّرا من الجهود السابقة الرامية لتعريف العلوم العربية والإسلامية في تقاطعاتها واختلافاتها مع العلوم “الوافدة”.
2. الفكر والممارسة الإسلامية كتقليد
هيمن مفهوم التقليد لفتراتٍ طويلة على حقل الدراسات الإسلامية، حيث وظّف الباحثون، وبطرق متباينة إلى حدّ ما، هذا المفهوم لفهم الإسلام كلّه أو جزء منه. يجادل الأنثروبولوجي طلال أسد أن الإسلام تقليدٌ خطابيّ في جوهره، وفي أطروحته الكلاسيكية (فكرة أنثروبولوجيا الإسلام)، والتي عُرضت في البداية كمحاضرة في 1986، نصح أسد علماء الأنثروبولوجيا بالالتفات إلى “الممارسة المؤسَّسيِّة” التي شكّلت المسلمين بوصفهم مسلمين وأخذها في الحسبان. وشدّد أكثر ما شدّد على أهمية الخطاب الفقهي الإسلامي الذي يعزز ويشكّل الممارسات والشعائر الدينية (أسد 2009، 21-22).إن تركيزَ أسد على التقليد الخطابي قد سمح له بإعادة تقديم موضوع المعتقد orthodoxy إلى الدرس الأنثروبولوجي المعني بالإسلام، وبيان ما يوحّد المجتمعات المسلمة المختلفة في أنحاء العالم. وباستدراكاته على علماء الأنثروبولوجيا، الذين كما يقول لم يولوا الخطابات الإسلامية العناية الكافية، استطاع أسد بنقده أن يترك آثاراً تتجاوز حدود علم الأنثروبولوجيا.
غير أن أطروحة أسد حول التقاليد، مثلها مثل أطروحات كثيرة تأثرت بها، مبنية على فكر الفيلسوف الاسكوتلندي ألسدير ماكنتاير. ففي تعريفه الشهير للتقليد يقول ماكنتاير بأن التقليد هو “محاججة امتدّت عبر الزمن” (ماكنتاير 1988، 12). فالعنصر الأساس لأيّ اتفاق -أي أصلُ التقاليد- يُحدَّدُ باستمرار بمقتضى الصراعات الداخلية والخارجية، ويجعل ماكنتاير من هذه الصراعات حالة طبيعة في حياة التقاليد. ولكن وكما يلاحظ، يمكنها تجزئة التقاليد بكل سهولة. فعندما يبدأ الإجماع أو الاتفاق الأساسي بالتدهور والتراجع، تبدأ التقاليد الجديدة بالتشكّل، وما كان قبل ذلك صراعات داخلية ينقلب إلى صراعات خارجية. وهذا لا يعني بحال أنّ التقاليد لا يمكنها أن تتسع وتتمدد كما يشير ماكنتاير وغيره ممّن تأثروا به في حقل الإسلاميات، ولكن شرط أيّ اتساعٍ هو المحافظة على الاجماع والاتفاق الأساسي، ومن دون هذا الإجماع والاتفاق ينفرط عقد التقاليد.
ولكن، وكما توضح العديد من الدراسات الإسلامية بخصوص هذا الشأن، فإن ماكنتاير طوّر مفهوم التقاليد كي يواجه به عقلانية التنوير المتسيّدة للمشهد الليبرالي الحديث، والتي عادة ما يتم تعريفها، وبعبارات فضفاضة، على أنها الدفاع عن الحرية والاستقلالية الفردية. فماكنتاير كان قد أعرب عن إحباطه من جرّاء فشل الليبرالية الحديثة في الاعتراف أو التعامل مع الاختلافات الأساسية حول طبيعة العدالة، ولذا يقترح التجذّر في التقاليد كمحاولة لتجاوز هذا المأزق (ماكنتاير 1988، 5-11). وظّف بعد ذلك الباحثون المختصون في الإسلام، وبدرجات متفاوتة، مفهوم ماكنتاير كأسلوب يميز بين التقاليد الإسلامية والليبرالية. فالبعض منهم يحشد التقاليد كبديل أخلاقي صريح أو كسردية مضادة (عجرمة 2012؛ أسد 2009، 2015؛ هيرشكيند 1995؛ صبا محمود 2005) فيما يشير آخرون إلى تهميش الليبرالية للتقاليد كموضوع مستحق للدرس والبحث (زمان 2002).
في بعض الأحيان تميل الدراسات المعنية بالمفكرين المسلمين -وعادةً ما يُطلق عليهم وصف “المفكرون المسلمون الجدد” أو “التراثيون” في إشارةٍ إلى تجاوزهم حدود تصنيفات مثل “إسلاميين” أو “تقليديين”[1]– إلى التأكيد على انقطاع هؤلاء المفكرين عن التاريخ الفكري الإسلامي. فالدارسون المشتغلون على أعمال حسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وطه عبدالرحمن، والجابري، ومنهم مثلاً الباحث كارول كيرستين (2011)، وأرماندو سالفاتوري (1995) وإلزابيث كساب (2010) يؤكدون على جِدَّة هؤلاء المفكرين، بل يذهب بعضهم إلى حد فصل المشتغلين بالتراث عن الجدل المستمر حول التقاليد. ولكن القول بهذا يحتّم عليهم تقديم مفهوم بديل وشارح لاستمرارية ماضي الإسلام وأصالته عند هذه الأسماء. وهذه مسألة، بطبيعة الحال، تختلف بحسب الالتزامات السياسية والأخلاقية لكل من التراثيين ودارسيهم. واللافت للنظر هنا، أن الباحثين الذين يكتبون باللغة الإنجليزية يزعمون أحياناً أن “المفكرين المسلمين الجدد” الذين يدرسون أعمالهم قد هجروا التقاليد الإسلامية لصالح الليبرالية؛ وتارةً يُقال لنا أن التقاليد تنحّت جانباً لصالح قيمٍ غير ليبرالية[2].
يتوصل كلا الفريقين إلى خلاصات متعارضة باستخدام ذات الآليات. كلاهما يشدّد على أن التقليد يمكن أن يتمدد في اتجاهات معينة أو يطبق لأغراض محددة. وكلا الفريقان يتفقان أيضاً، سواء صراحةً أو ضمناً، مع مفهوم ماكنتاير للتقاليد؛ أي أن ثمة إجماع واتفاق مسبق يجب صونُه. والتعاطي مع الفكر الأوروبي في هذه الأعمال المتعلقة بالمفكرين الجدد يكون إشكالاً قد يسبب -وقد لا يسبب- انقساماً للتقاليد. فعلى سبيل المثال يجعل طلال أسد من التماسك أمراً يصعب القبض عليه في التقاليد الإسلامية في العصر الحديث، فهو يناقش بأن هناك عوامل مختلفة مثل الرأسمالية العالمية (2009، 23) والدولة القومية القطرية (2015، 195) تجعل من التماسك أمراً صعباً ومؤجلاً على الدوام. فبحسب أسد إذا ظهر لنا أن التقاليد الإسلامية مجزّأة فإن الأسباب في ذلك ترجع إلى المؤسسات التي يعتبرها أسد حديثة ودخيلة على التقاليد. ومع ذلك، وكما يشير عالم الاجتماع علي ميرسيباسي فإن “التقاليد” قد تُشكل موقفاً نظرياً لا موطناً للظواهر التي تشرحها (ميرسيباسي 2011، 8). أي أن الأمر لا يقتصر على أن للتقاليد سياقات تاريخية تشترط عقلانيات مختلفة كما يوضح ماكنتاير، ولكن على ما يبدو أن التقاليد كفئاتٍ تحليلية قد راكمت تاريخها الخاص.
قد يبدو مغرياً للوهلة الأولى أن نفهم الجابري باعتباره ليبرالياً سليلَ فكر التنوير الأوروبي وطه عبدالرحمن باعتباره مفكراً محافظاً ومناهضاً للتنوير. وصحيح أن الجابري اعتبر نفسه كانطياً، وقضى طه عبدالرحمن وقتاً طويلاً يتعارك فيه مع ميراث الحداثة الكانطي (طه 2006)، ولكن في اعتقادي أن هذا التقسيم الواضح والسهل يحجب عنّا تعقيداتهما. فبقدر ما هما مدينان للفلسفة الأوروبية الحديثة، هما أيضاً منخرطان، وبعمق، فيما يعتبرانه التراث العربي-الإسلامي. وبالنظر إلى التراث كأرشيف، يشارك فيه الجابري وطه بفاعلية، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل كيف يمكن لأعمالهما أن تأسس باستمرار ما تمّ تأسيسه في التاريخ الفكري الإسلامي.
3. التراث كأرشيف
إن تحليل أعمال المنظرين بمعزل عن تراثهم لا يقدم لنا تفسيراً مرضياً عن العلاقة التي تربط هذا التراث، تعريفه، ومضمونه، بالنقاش الدائر بين المنظرين المسلمين. ولهذا فالتقريب بين الجابري وطه عبدالرحمن، على وجه التحديد، أمرٌ مهمّ لاسيما إذا أخذنا في الحسبان أن لهما آراءً متعارضة تماما فيما يخص مسألة الأمانة في التعامل مع التاريخ الفكري الإسلامي. وكما شرحت آنفاً، إن تحليلاً يعتمد على مفهوم ماكنتاير للتقاليد سيضطرنا لتحديد مَن مِن هذين المفكرين يشكّل امتداداً للتقليد الإسلامي ومَن يمثل خروجاً عنه[3]. و”التراث”، مدار النقاش، عادة ما يُترجم في الدراسات الإنجليزية إلى (heritage)[4]، وفي الدراسات المعنية بالمفكرين المسلمين الجدد يصبح “الميراث” مردافاً أو مجازاً “للتقاليد”. فعلى سبيل المثال، في دراسته الرائدة عن حسن حنفي (ت 2021)، ومحمد أركون (ت 2010)، ونورشوليش مجيد (ت 2005)، يكتب الباحث كارول كيرستين:
“باعتبارهم الإسلام لا مجرّد عقيدة دينية أو أيديولوجيا سياسية، بل أخذ تراثه الحضاري الشاسع في الحسبان، يكون كل من حنفي وأركون ومجيد معنيّ بوعي المسلمين ونظرتهم للعالم Weltanschauung في انسجامها مع العالم المعاصر. ومن هذا المنطلق، فهم قد علّقوا أهمية كبيرة على إعادة الانخراط مع تقاليد التفكير النقدي والإرث الفلسفي للإسلام”( كيرستين ٢٠١١)
كان اهتمامهم بالتراث الإسلامي إذن ينصبّ على بحث جانب معين، يتلاقى غالباً مع التطلعات الأكاديمية الانتقائية ويتهرب من التطرق لمعارضة التراث المزعومة للحداثة (كيرستين 2011، 10). ورغم ذلك، ظلّ التراث محافظاً على إحساسه الهويّاتي حيال التقاليد، ويصف كيرستين ذلك بأنه أمرٌ “حضاري” ويتحدث سالفاتوري عن “إطار عربي-إسلامي لمرجعية عالمية” (سالفاتوري 1995، 192). وفي أعمال المفكرين المسلمين الجُدد غالباً ما نجد أن التراث يرتبطُ باسمِ علمٍ أو بضميره لوصف الذات العربية-المسلمة المالكة لتراثها. حتى أن الجابري حينما أشار إلى أن “التراث هو كل ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضينا أم ماضي غيرنا”(١٩٩١، ٤٥) تحتم عليه أن يشدد على أن ماضيـ”ـنا” وماضي “غيرنا” لم يكن أمراً مشاعاً ومتداخلاً أثناء وقوعه، “نحن” الذين نعيش في الحاضر نقدر على تجربة ماضٍ متعدد كجزء من هذا التراث.
وكما يذكّرنا جوزيف مسعد، وكذلك الجابري، فإن التراث قبل القرن العشرين لم يكن يُستخدم إلاّ للدلالة على الميراث المادي (مسعد 2007، 17؛ الجابري 1991، 21-24). وانطلاقاً من هذا، يُشير مسعد إلى أن التراث باعتباره “مرساة الحاضر المعرفية التي تنغرس في رمال الماضي” فهو يحتفظ بانقطاع إشكالي مع الحداثة، الأمر الذي قد يربك أي فحص دقيق للتراث (مسعد 2007، 17). ولهذا السبب يُعد التراث بالنسبة لكثير من المفكرين المسلمين الجُدد والباحثين في أعمالهم أن له علاقة تكوينية بالتقاليد. فالتراث بالنسبة لطه عبدالرحمن والمشتغِل بأعماله محمد حصحاص كالتقليد من جهة أنه يشكل سردية بديلة للفكر الغربي (انظر حصحاص 2015). أما بالنسبة لمسعد، وإلى درجة ما بالنسبة للجابري، فالتراث كالتقليد من جهة أنه يحتفظ بحالة من التنازع الإشكالي مع الحداثة. وبناءً على هذه العلاقة التي تتشكل بين “التراث” و”التقاليد”، يمكن لمفهوم الأرشيف أن يفسر لنا الطبيعة الهويّاتية المتجذرة تاريخياً في التراث، بينما يُظهر في ذات الوقت كيف يتجاوز التراث ذلك التطابق الموجود في التقاليد. يسمح لنا هذا التموضع النظري بفحص دعوى الجابري وطه عبدالرحمن اللذان يدّعيان بأن أعمالهما تكتسب شرعيتها من التراث فيما يتجنبان في ذات الوقت شرعنة ادعاءات الطرف المقابل. ولابد أن نلفت الانتباه هنا، انه لا الجابري ولا طه عبدالرحمن يستعمل الكلمة العربية “أرشيف” -والتي تعتبر نقلا حرفيا من الكلمة الفرنسية archives– لوصف الأوجه المتعددة للتاريخ الفكري الإسلامي.
يمكن لمفهوم الأرشيف، الذي لطالما كان موضوعاً للفلسفة القارية لعقود طويلة، أن يلفت انتباهنا للصعوبة التي تكتنف محاولة تعريف التراث الفكري الإسلامي[5]. فمن المسائل الجوهرية في نظرية الأرشيف هي أن عملية تعريف أي مجموعة أو أي جسد فكري هي عملية مستمرة طوال الوقت لتعيين الحدود بين ما يقع داخل هذا الجسد وبين ما يقع خارجه. يعرّف ميشيل فوكو في عمله (حفريات المعرفة 1969) الأرشيف بأنه “هو ما يحدد، منذ اللحظة الأولى لوقوع الحدث\العبارة وفيما يجسده، منظومة المنطوق” (فوكو 1972، 129)[6]. وببساطة، يمكن القول أن الأرشيف هو ما يجعل بعض العبارات ممكنة، وفوكو يضيف “وليس له ذات الثقل الذي للتقاليد” (فوكو، 130). إن فوكو يفهم التقاليد على أنها “تهدف إلى منح مجموعة من الظواهر المتعاقبة والمتطابقة (أو على الأقل المتشابهة) وضعاً زمانياً” (فوكو 1972، 21). لم يذكر فوكو الإسلام في نصّه هذا، ولكن تعريفه للتقاليد أعطى تأكيداً ضمنياً للإسلاميين لاستعماله للوقوف على العبارات التي تستغلق على الخطاب اللاهوتي والفلسفي والفقهي في الإسلام[7]. صحيح أن الأرشيف بالنسبة لفوكو ليس هو ذاته التقليد، ولكنه أيضاً ليس مفتوحا بالمطلق إلى حد أن يدعو لحلّ نفسه. وحتى يُثبّت الأرشيف بين منزلتين، يكتب فوكو قائلا: “يكشف [الأرشيف] عن قواعد الممارسة التي تتيح للعبارات من البقاء والتحول المنتظم في آن معاً”(فوكو، 130). قد يعترض منظرو التقاليد الإسلامية على أن هذا الشرح للأرشيف يتفق مع اشتغالهم على التقاليد. ولكن فوكو يشدد على أنه في حين يُعرَّف التقليد بالتجانس والاستمرارية، فإن الأرشيف يُعرَّف بالاختلاف والانقطاع. ويقول، بأننا في “تشخيصنا” للأرشيف إنما نتعامل مع عجز الأرشيف في الحفاظ على هويته (فوكو، 131)، ذلك أن الأرشيف يحوي اختلافات داخلية ويتشكلّ ممّا هو خارجي ومُبعد عنه.
وفي (حمّى الأرشيف) يحلّل دريدا الأرشيف من خلال قراءته لكتابيّ؛ (موسى والتوحيد) لـ فرويد، و(موسى فرويد) ليوسف حاييم يروشالمي، ويعتمد في تعريفه لكلمة “الأرشيف” على الاشتقاق اليوناني، ويفترض أن للكلمة مبدأين أو معنيْين؛ “البدء” و”الأمر” (دريدا 1996، 1)[8]. فالأرشيف من جهة هو “تسلسلي” يَشرع ويستمر في مراكمة طبقات فوق بعضها كتراكم التاريخ أو الطبيعة. ومن ناحية أخرى، الأرشيف “أمري”، يسنّ القوانين في محاولةٍ “لتنسيق جسدٍ واحد”(دريدا 1996، 3). فبدلاً من موضعة الأرشيف في وسط طيفٍ بين الانحلال والتقاليد، كما فعل فوكو، يعتبر دريدا أن الأرشيف هو التحالف المتناقض بين هذه المتقابلات. فبحسب دريدا عنصر “الأمر” أو القانون الذي يحاول تشكيل جسد واحد داخل الأرشيف هو ما يمنعه من الانحلال والتفكك. وفي ذات الوقت، سيضمن المبدأ التاريخي عدم اقصاء هذا القانون لأي عنصرٍ من الأرشيف، وهذا بالتالي ما سيحفظ تفرّد الأرشيف وتميزه.
في نهاية نصّه (حمى الأرشيف) يُقيم دريدا تمييزاً بين الأرشيف وبين الحفريات archeology في عمل فرويد، والمجيء على ذكر الحفر كان يعني استحضار فوكو حتى وإن لم يسمّه صراحةً. يذهب دريدا إلى اعتبار أن الحفريات تفترض إمكانية الحفر في الأصل الحي، بينما الأرشيف لم يوجد إلاّ لأن الأصل الحي لم يعد له وجود “فالمزاد الأركيولوجي الذي يحاول دائماً العودة إلى الأصل الحي لمّا يفقده الأرشيف في حين يحتفظ به في أماكن عدة” (دريدا 1996، 92). وعلى النقيض من هذا، فللأرشيف علاقة شبحية مع الأصل. فالأصل يطارد الأرشيف، غير أنّ المؤرشف لا يمكنه بحال القبض على الشبح، لأن القيام بذلك يعني انتفاء الحاجة إلى الأرشيف. وعليه، ينتقد دريدا فوكو لاستخدامه مفهوم الأرشيف لمهاجمة “الوضعية”- الفكرة التي مفادها أن الوثائق في إمكانها أن تعكس لنا الأحداث كما وقعت بالفعل- باعتبارها بداهة تاريخية، في حين أن فوكو نفسه يوظّف هذه البداهة لتعزيز تنظيره في (حفريات المعرفة). هكذا، وبجرّة قلم، أكد دريدا التناقض الحاصل عند البحث عن الأصل في الأرشيف ومن خلاله. ومن هنا، وهذه مسألة مهمة، هو يعيد بشكل ما استحضار فوكو (وفرويد ويروشالمي) وبالتالي ينقش نفسه في أرشيف فوكو.
بناءً على ما سبق، يمكننا النظر إلى عمل كل من الجابري وطه عبدالرحمن حول التراث كتنظيرات أخرى للأرشيف[9]. فالتراث، بالطريقة التي تعامل معه بها الجابري وطه عبدالرحمن، يتقاطع مع نظرية دريدا للأرشيف. في هذا السياق، كل من التراث والأرشيف يدل على التاريخ والقانون، على البدء والأمر. ففي نقاشهما غالبا ما يحلل الجابري الجانب التاريخي من الأرشيف فيما يلفت طه الانتباه إلى القانون والجانب الأمري الثابت والمستقر في الأرشيف. ورغم ذلك، يختلف تنظريهما ويتجاوز فهم الأرشيف كما طرحه فوكو ودريدا. فنظريتهما قد شكلها حدثٌ سابق على عملية الأرشفة والحفظ، بل إنها تشكلت من محاولة تحديد ما هو داخل الأرشيف وما هو خارجه. والتحليل الدقيق للقراءة التي قدمها الجابري وطه عبدالرحمن للمناظرة الشهيرة بين السيرافي ومتّى بن يونس تبين أن حججهما في جوهرها ليست إلا استرداداً لتلك المناظرة القديمة.
4. أصل تشعّب التراث
صيغ كتابُ الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي على طريقة سلسلة من الليالي يناقش فيها التوحيدي بعض المسائل التي دارت بينه وبين الوزير ابن سعدان (ت٩٨٤). في الفصل المُعنون “بالليلة الثامنة” يحكي التوحيدي للوزير عن المناظرة التي وقعت بين المنطقي متّى بن يونس والنحوي وعالم الكلام السيرافي. فيما يلي، سأدلل على أن هذه المناظرة -أو بالأحرى ما عرضه التوحيدي- يُمثّل لحظةَ أرشفة بامتياز. في الظاهر، كانت المناظرة تدور حول كونية المنطق ومدى فائدته في السياق اللُغوي العربي. ولكن في العمق، كان النقاش يطرح أسئلة عن كيفية إنتاج المعرفة وإجازتها والحفاظ عليها. فالنص يسلط الضوء على مآلات التداول والانتشار على قوى المعرفة وهياكل السلطة التي تخوّل معرفة ما بالاستمرار دون غيرها. ألخص أدناه المواضيع الأساسية للمناظرة، من ثم سأبين كيف أن انحياز الجابري وطه عبدالرحمن للأطراف المتناظرة لم يمنعهما من أن يجتمعا على التركيز على روافد النص الموّجَهة للجمهور ومدى مصداقيتها واستمراريتها.
كان السكون، كما يروي التوحيدي، يعمُّ أرجاء المجلس قبل أن يطلب الوزير أبو الفتح ابن الفرات من السيرافي أن يقارع متّى بن يونس في أقواله. يترددّ السيرافي في البداية ويُعرب عن قلقه من خوض النقاش أمام الحاضرين:
أعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المُصيخة والعيون المحدِقة والعقول الحادة والألباب الناقدة، لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مَكسَرة، ويجتلب الحياء والحياء مَغلبَة، وليس البِراز في معركة خاصة كالمِصاع في بقعة عامة (التوحيدي، تحقيق أحمد أمين-أحمد الزين، 120\121)[10].
ولكن تحت إصرار الوزير يتقدم السيرافي للمناظرة ويعلن:
” إن مخالفة الوزير فيها رسمه هُجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير، ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم” (التوحيدي، 121).
وما أن بدأ السيرافي ومتّى في جدالهما حتى أدرك الحاضرون مباشرةً، وجلهم من الأعلام والأسماء البارزة، الحجة التي يدور حولها النقاش. كانت المناظرة، وبعبارة مختصرة، تركز على المنطق اليوناني مقابل علوم اللغة العربية. حاجج متّى بأن كونية المنطق مسألة لا جدال حولها، في حين أن السيرافي ذهب بالقول إلى أن المنطق هو نحو اليونان ولغتهم الخاصة، وبالتالي يتعذر ترجمته إلى اللغات الأخرى ناهيك عن القول بكونيته.
من الواضح هاهنا أنّ ما كان يُقلق السيرافي في البدء هو انتقال العلم من المكان الخاص -الجسد- إلى المكان العام، أي إلى الجمهور والعامة. وفي تعبيره الصريح عن هذا القلق استطاع أن يحوّل الحاضرين في المجلس من مجرد مستمعين إلى محكّمين، وأن يحول المناظرة بالتالي إلى محاكمةٍ بين طرفين. كان قلقه في الأساس جزءًا من محاججته، أي؛ أن التثبّت من صحة علم ما (أو العلم المحفوظ في صدر السيرافي أو متّى) مسألة سيبتُّ فيها الحاضرون في نهاية الأمر. ومسألة انتقال العلم المحفوظ في الصدور إلى العلم المعروض على الحاضرين في المجالس هي مسألة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الأرشيف، إذ إن في انتقال العلم الراسخ من الحيز الخاص إلى الحيز العام تحققٌ وتجسدٌ لهذا العلم. ويبدو أنّ ما كان المتحاوران على دراية أكيدة به، هو أن ما في “صدورهم” لا يمكن أرشفته والحفاظ عليه ما لم يُعرض أولاً على الجمهور (انظر دريدا 1996، 10). والسيرافي يقرّ بأن ما سيعرضه يختلف عما يعتمل في صدره، فالجمهور المستمع سيبدّل هذا العلم المعروض على أية حال. ويتضح لنا من تأطير التوحيدي للنص بأن ثمة قلق مشابه لدى الحضور في المجلس. فابن سعدان طلب صراحةً من التوحيدي أن يسجّل المناظرة كاملةً، لا أن يكتفي بالخلاصة التي قدمها للوزير في مسامرتهما في الليلة الثامنة. يكتب التوحيدي: ” فقال لي: اكتب هذه المناظرة على التمام، فإن شيئاً يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يُغتنم سماعه، وتوعى فوائده ولا يتهاون بشيء منه” (التوحيدي، 120)[11]. النص، إذن، يشير مرتين إلى أن الحاضرين هم من أداروا النقاش؛ مرةً عندما لاحظ السيرافي أن الحاضرين يغيرون ويبدلون في النقاش، ومرةً عندما علق ابن سعدان على عظمة المجلس، في إشارةٍ إلى أن هذا ما سيضمن للمناظرة استمرار أهميتها وراهنيتها. والنص بهذا المعنى يكشف عن نظرية في الأرشيف تربطُ بين إشاعة العلم وبين انشغال السلطة بحفظ هذا العلم للمستقبل.
والمُلاحظ أنه ومنذ البداية يستغل السيرافي المجلس لتعزيز موقفه (أو يمكننا القول أن التوحيدي هو من يفعل ذلك). فخلافاً لتردده المبدئي من خوض النقاش، كان انتصاره في الجدال أمراً محسوماً. فهو الذي لطالما شددّ على أن اللغة دائماً ما تكون لغة الناس المخاطبة، ولذا طلب من متّى مراعاة القوة الأدائية للغة:
إن الكلام مثل “الثوب” والثوب يقع على أشياء بها صار ثوباً، لأنه نُسِج بعد أن غُزل، فسَداتُه لا تكفي دون لُحمته، ولُحمته لا تكفي دون سَداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقِصارته، ورقةُ سِلكة كرقة لفظة، وغِلظُ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كلّه هو الثوب، ولكن بعد تقدمة كل ما يُحتاج إليه فيه (التوحيدي 131).
يجاهد السيرافي حتى يجعل حجته وجمال استعاراته تتماشى مع المضمون، فيسأل متّى “إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف. أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟”. فيجيب متّى بالإثبات على سؤال منفي: “نعم”، فيصوّبه السيرافي قائلاً بأن الإجابة على سؤال النفي في حالة التأكيد تكون “بلى”. من خلال استدراكاتٍ مثل هذه كان السيرافي يهدف إلى تبيان أن حقيقة أي جماعة إنما تتجلى في قدرتها على التواصل. وبطرق شتى، حاول السيرافي أن يبعد متّى عن هذه الجماعة، لاسيما عند تطرقه في مرحلة ما من النقاش لنصرانية متّى “أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أن الله ثالث ثلاثة؟”(ص 134). يكاد المرء يسمع قهقهات الحضور عند وقع هذا السؤال، فالثالوث كان محلاً لجدال واسع بينهم وحجة السيرافي في ذلك أن الثالوث ليس فقط لا يمكن إثباته بالمنطق، بل إن البناء اللغوي والاجتماعي يتماشى ويعزز من الحكم الديني.
بالنظر إلى المشهد الذي وصفناه للتو، بإمكان القارئ أن يخمّن أين يقف مفكرانا المعاصران من هذه المناظرة. فإذا كُنتَ على دراية بأن الجابري عدّ نفسه كانطياً، فغالباً ستقول بأنه انحاز لموقف متّى بن يونس وحامى عنه. وبالفعل، هذا الذي حدث. فالجابري اشتد على السيرافي ووجه له كلمات قاسية معتبراً أنه هو من حدد شروط المناظرة، وبالتالي، وجه ضربة للمنطق في الوقت والمكان المناسبين الأمر الذي أعاق وجود المنطق في الفكر الإسلامي بعدها. يكتب الجابري:
من الواضح أن السيرافي يرفض (العقل الكوني) وهو رفض يعكس الاصطدام بين نظامين معرفيين يختلف كل منهما عن الآخر. وإذن فالمسألة هنا ليست مسألة اختلاف وجهات النظر، بل إن المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها مسألة اختلاف ما يؤسس النظر ذاته عند كل من السيرافي ومتّى. إن هذه المناظرة قد اعتبرت في وقتها انتصاراً لا للسيرافي وحده بل لأصحاب النحو والكلام جميعهم على أصحاب المنطق والفلسفة، أي انتصاراً (للبيان) على (البرهان). ومن جهة أخرى يبدو أن “انتصار” السيرافي قد ضايق الأوساط المنطقية والفلسفية في المناقشات اللاحقة (الجابري 2009، 207-208)[12].
يأخذ الجابري المناظرة، حرفياً، كحدثٍ تاريخي يشرح من خلاله الفروق بين اللغة والمنطق مع انحياز واضح للمنطق. كانت هزيمة المنطق من منظوره شاملة إلى درجة أنه لم يقيض لهذا النهج أن يزدهر ويثمر من جديد إلا في زمن الفيلسوف أبي الوليد محمد ابن رشد (توفي 1198)، وحتى ذلك الحين، اضطر المنطق إلى الفرار إلى أوروبا المسيحية. وما يجب أن نلفت النظر إليه هاهنا، هو أن الجابري رغم حديثه عن المناظرة إلا أنه لم يقدر على إعادة وضع شروطها من جديد، فهو قد خضع للتعارض الذي فرضته المناظرة بين اللغة والمنطق ما أن أقحم نفسه فيها حتى وإن كان يجاهد كي لا يقع ضحية لهذا التعارض.
وعلى النقيض، نجد أن طه عبدالرحمن يشددّ على الاختلاف العربي-الإسلامي، وبالتالي ينحاز إلى السيرافي إلى حد أنه يقول بتعاقبية المناظرة وأن لها تبعات مستمرة. فهو يكتب على سبيل المثال بأن إخفاقات الفيلسوف أبي نصر الفارابي (ت 950) دلالةٌ على مغالطات أستاذه متّى بن يونس (طه 2006، 331)[13]. مما يعني أن المناظرة اُستدعيت عبر الزمن منذ لحظة حدوثها وصولاً إلى وقتنا هذا؛ ويلمّح طه أن في عمل الجابري يظهر أثر المنطق “الوافد” لمتّى ابن يونس. دارت المناظرة، في تقدير طه عبدالرحمن، حول ثلاثة أسئلة: (1) هل المنطق علمٌ كوني وبالتالي يلزم جميع الأمم، أم أنه علمٌ خاصٌ باليونان ويلزمهم وحدهم؟ (2) هل المنطق مستقل عن اللغة أم أنه يعتمد عليه؟ (3) هل المنطق معطى طبيعي؟ أي أنه يرتبط ارتباطاً عضوياً باللغة أم أنه علم مركب متعال على قواعد اللغات؟ وفي الحالات الثلاث يقبل طه عبدالرحمن إجابة السيرافي دون تمحيص؛ فالمنطق خاص باليونان واعتمد على لغة بعينها، من ثمّ ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً (طه عبدالرحمن 2006، 330).
لننتقل الآن لفحصٍ أكثرَ تعمقاً للطريقة التي فهم بها الجابري وطه عبدالرحمن المناظرة وقارباها كجزءٍ من الأرشيف العربي والإسلامي. سأبين في البداية كيف يحاول هذين المفكرين تحديد ماضي التراث الاستثنائي، من ثم سأوضح كيف يدفعان بهذا التراث للانفتاح على المستقبل.
5. أرشيفات الماضي
تولّد مشروع الجابري من إحساسٍ يتشاركه مع العديد من المثقفين العرب المعاصرين؛ وهو الإحساس بأن العرب كأمة يمرون بحالة ركودٍ طويلة. في باكورة أعماله حول هذا الموضوع عيّن الإشكالية بالكامل تقريباً على ضوء التاريخ الفكري الإسلامي. فالأزمة وفق الجابري ليست نتيجة مباشرة للمشاريع الاستعمارية الأوروبية في الأراضي العربية، بل نتيجة لحقيقة أن العرب تشبتوا أكثر ما تشبثوا بالجذور غير العقلانية في تاريخهم. والحل كما يقول لابد أن يأتي من داخل التاريخ الإسلامي. ومثل مفكرين آخرين من جيله ومن أجيال سابقة، يؤمن الجابري بأن الفلاسفة المسلمين القدامى في إمكانهم تمهيد الطريق لهم للمضي قدماً[14]. وبعد عشرة سنوات تقريباً من عمله الأول، وحتى عندما بدأ طه عبدالرحمن يخرم في حجة الجابري، كانت أطروحة الأخير لاتزال في أوجها. فطه أساساً لم يعترض على مسألة الركود، كما أنه لم يخالف الجابري في أن الحل يجب أن يأتي من داخل التاريخ العربي والإسلامي، ولكنه قام بتثبيت النقاش حول الطريقة الأمثل لصياغة هذا التاريخ أو التراث؛ ما مضامين هذا التراث؟ مَن مِن المسلمين القدامى تعامل بدقة مع مسائل شبيهة بالمسائل التي تعترض المسلم-العربي المعاصر اليوم؟ وكيف يمكن تهيئة هذا الفكر وتحريكه نحو المستقبل؟
في الجزء الأول من رباعية نقد العقل العربي والمعنون بتكوين العقل العربي (1982) يجعل الجابري العقل المحور الأساسي لدراسته ويوظف في ذلك منهجاً تاريخانيا. وبسبب إدراكه للصعوبات المحتملة للقول بأن العقل العربي يختلف اختلافاً كلياً عن أي عقل آخر، يوضح الجابري للقارئ بأنه كان في إمكانه تلافي كثير من الإشكالات لو أنه اختار الكتابة عن “الفكر العربي” بدلاً من العقل كموضوع لدراسته. غير أن ذلك كان سيعيقه من النفاذ إلى المستوى المعرفي المطلوب الذي يود مناقشته “ما نهتم به في هذا الكتاب ليس الأفكار ذاتها، بل الأداة المنتجة لهذه الأفكار”(الجابري 2009، 11-12). غاية الجابري، إذن، إجراء تحقيق تاريخي ومعرفي للتاريخ العربي ابتداءً من الدولة العباسية (مع إشارات خاطفة إلى العهود السابقة) حتى عصر ابن رشد في القرن الثاني عشر.
وقبل أن يبدأ بسرده التاريخي يعطي الجابري صورة إجمالية للتاريخ الفكري والفلسفي الأوروبي. ويبدأ من فترة ما قبل سقراط في محاولةٍ لإثبات أسبقية العقل الكوني على الفكر اليوناني. ومن ثم ينتقل إلى الفلسفة القاريّة، ويقف عند ديكارت ويكتب “في هذا الاتجاه نفسه سارت الفلسفة الحديثة في أوروبا”(ص 20) أي أن العقل ساد واستقر في سيادته. ولأنه استعرض هذا التاريخ المختصر لليونان والفكر الأوربي المعاصر من دون أيّ تمهيد مسبق، فهو ينبه من أنها ليست مركزية في سرديته:
بإمكاننا أن ننطلق من هذا النوع من المقارنة بين البنية الميتافيزيقية للعقل اليوناني-الأوروبي والبنية الميتافيزيقية “للعقل العربي” فنضع النتائج أولاً من ثم نعرض للبرهنة عليها أو محاولة تبريرها بعد ذلك، وسنكون قد اختصرنا الطريق […] ان هدفنا ليس المقارنة في ذاتها ولا تكريس نوع من الفروض أو “النتائج”. كلا، ان ما نهدف إليه أساساً هو التعرف على “العقل العربي” من خلال القيام برحلة في “أروقة” الثقافة التي انتجته وساهم هو في انتاجها وتشكيلها، فالتعرف على الشيء من داخله افضل بكثير من الوقوف عند وصفه من خارجه، خصوصاً عندما يصدر الباحث عن نظرة نقدية (الجابري 2009، 29)
يشدد الجابري على أن المقاربة النقدية لفهم العقل العربي إنما تتأتى من الفحص والتحليل الداخلي، لا بمقارنة العقل العربي بتقاليد ثقافة أخرى. ولكن اللافت هنا، أن الأمر تطلب منه عقد مقارنة حتى يثبت أنه لا يحتاج إلى المقارنة. هذا التناقض، وهذا القطع الصريح مع الفكر الأوروبي، هو بالتحديد ما يؤسس للأرشيف عند الجابري، فهو يقارن “العقل العربي” بالعقل اليوناني والأوروبي في اللحظة ذاتها التي ينكر فيها قيمة مقارنة مثل هاته، من ثم يؤكد على أن التاريخ “الداخلي” إذا ما سُرد بشكل دقيق ومضبوط، فسيعلمنا دروسا مهمة وذات صلة بالواقع المعاش. عند هذه النقطة، يفيدنا دريدا في فهم إشارة الجابري إلى أوروبا رغم استبعاده لأسلوب المقارنة في مشروعه. يكتب دريدا في حمى الأرشيف:” لا يوجد أرشيف بدون مكانٍ للاستيداع، بدون تقنية للاستعادة والتكرار، بدون برّانية بعينها. لا أرشيف بدون الخارج”(دريدا 1996، 11). وبعبارة أخرى، لم يكن في إمكان الجابري الحديث عن التاريخ العربي-الإسلامي دون تحديد علاقة هذا التاريخ بالآخر.
يبدأ السرد التاريخي الفعلي عند الجابري، لا منذ نزول القرآن الكريم، بل منذ ما سمّاه “بعصر التدوين”. ويروي لنا باعتماده على (تاريخ الخلفاء) لجلال الدين السيوطي (ت 1505) كيف بدأ العلماء في الفترة اللاحقة على وفاة الرسول محمد بتدوين العلوم الإسلامية وتصنيفها. ويقيم حينها تمييزاً بين تدوين العلوم وانتاجها، ويريد من خلال ذلك أن يوضح أن عملية التدوين اعتمدت على “الرأي” -أي لا مجرد تدوين العلوم وتبويبها- الأمر الذي سمح له للتمهيد لتقديم دعواه بأنها دعوى لنقد منهجيات العلوم العربية-الإسلامية وشروطها، لا لنقد العلوم نفسها (الجابري 2009، 64-65). ويتابع الجابري قائلاً أنه وفي ذات الفترة الزمنية جُمعت اللغة العربية وقعّدت، ولكن ذلك حدث بعد أن حنطت وجمدت. يستشكل الجابري حقيقة أن النحاة اعتمدوا على لغة الأعراب المحكية في جمعهم وتقعيدهم للغة العربية ويهاجم البدو بسبب تلبيسهم اللغة العربية تراكيب “فقيرة” ساهمت في تجميد العربية (ص 78-80).
يمكن أن يقال بكل تأكيد بأن حجة الجابري فيها شيء من التعصب. ولكن، من الواضح أيضاً أن هذا الهجوم كان تحركاً مدروساً منه للالتفاف على أسْطَرة اللغة العربية واعتبارها لغة إلهية (انظر: موسى 2006، 305-308). إذ أن نقده في الواقع كان منصباً على فقه اللغة الذي ربط العربية في هذه الحالة بصفاء حياة البادية وهو الأمر الذي تمّ على يد سكان المدن والحواضر باسم البدو والأعراب.
ولهذا السبب لم يعتبر الجابري أن انتصار السيرافي في مناظرته مع متّى بن يونس انتصاراً للغة العربية كما تقررت بكيفية “طبيعية” بين أهلها العرب، وإنما انتصاراً للغة التي دوّنها النحاة عن الأعراب (الجابري، 91). ورغم أن الجابري عدّ انتصار السيرافي بمثابة انتكاسة للمشروع العلمي عند المسلمين والعرب إلا أن الانتكاسة الفعلية في رأيه بدأت مع الفقيه والعالم الموسوعي أبو حامد الغزالي (ت 1111). فمن منظور الجابري العرفان الإشراقي كان قد تمكن من الغزالي وغزى كل نبضات عقله (ص 281-290). وبعد أن يشرح كيف نحى الغزالي صوب اللاعقلانية، يتساءل الجابري بطريقة بلاغية “هل نحتاج إلى القول بأن انتصار العقل المستقيل في الغزالي قد خلّف جرحاً عميقاً في العقل العربي ما زال نزيفه يتدفق”(ص 290). فماذا يعنيه الجابري بالعرفان الإشراقي؟
يقول الجابري بأن الأرشيف يضم ثلاث “مناهج للمعارف العربية”؛ البيان، والعرفان، والبرهان. ومن خلال هذه المجموعات الثلاث “أمكن تصنيف المعارف في الثقافة العربية الإسلامية” إلى:
- علوم البيان من نحو وفقه وكلام وبلاغة ويؤسسها نظام معرفي واحد يعتمد قياس الغائب على الشاهد كمنهاج في إنتاج المعرفة. وهذا ما أسميناه “بالمعقول الديني العربي” المقيد بالمجال التداولي الأصلي للغة العربية.
- علوم العرفان من تصوف وفكر شيعي وفلسفة إسماعيلية وتفسير باطني للقرآن وفلسفة اشراقية وكيمياء وتطبب وفلاحة نجومية وسحر وطلسمات وعلم تنجيم .. إلخ. ويؤسسها نظام معرفي يقوم على “الكشف والوصال” و”التجاذب والتدافع” كمنهاج، وهذا ما أسميناه “باللامعقول العقلي”.
- علوم البرهان من منطق ورياضيات وطبيعيات (بفروعها المختلفة) والإلهيات أو الميتافيزيقيا، يؤسسها نظام معرفي واحد يقوم على الملاحظة التجريبية والاستنتاج العقلي كمنهاج، وهذا ما دعوناه “بالمعقول العقلي”. (الجابري 2009، 333-334)
لا نحتاج بطبيعة الحال لقبول اختزال الجابري لمجموعات معرفية مترامية الأطراف في مناهج محدودة وضيقة، ولا حتى أن نتفق على أن كل من البيان والعرفان والبرهان كانت مجموعات منعزلة ومفصولة في التاريخ الفكري الإسلامي. فالبيان بالنسبة للعديد من المفكرين المسلمين جزء لا يتجزأ من التفكير الفلسفي، و”البرهان” أُستُثمِر في حقول عديدة أهمها الفقه وهو الحقل الذي أدرجة الجابري ضمن علوم البيان[15].
يمكننا مع ذلك أن نقارن هذه النظم المعرفية الثلاثة بشكل مفيد بمبدأي “الأمر” و”البدء” الذي قال دريدا أنهما يلتقيان معاً حينما نستعمل كلمة الأرشيف. فالبيان يشبه “الأمر” من جهة أنه يحاول صياغة قانون أو ناموس ما، وعلوم البرهان تشبه “البدء” من جهة اعتنائها بالطبيعيات أو الميتافيزيقيات. فالبيان -“الأمر” عند دريدا- يحاول تفسير القوانين التي تحدد أهمية الأرشيف بالنسبة لمجموعة معينة من الناس، المسلمون في نص الجابري. والبرهان، من جهة أخرى، يحاول إخضاع الأرشيف لمبادئ يُعتقد بأنها كونية. وبالتالي يشير البيان والبرهان، مثل الأمر والبدء، إلى التوتر الأساسي بين خصوصية الأرشيف وكونيته. وهذا الربط بين تقسيمات الجابري ودريدا يُظهر بشكل واضح أن التقسيم الثالث عند الجابري؛ العرفان، لا يوجد له نظير مُقارِن في نظرية دريدا وفوكو.
والعرفان يلعب دوراً محورياً، وإن كان غامضاً، في النقاش بين الجابري وطه عبدالرحمن. ففي نظر الجابري العرفان يقع خارج الأرشيف العربي-الإسلامي الذي تشكل بطريقة دقيقة ومضبوطة. ورغم ذلك لم يتمكن الجابري من الحديث عن الأرشيف دون التطرق للعرفان، فجزء كبير ومهم من الفكر الإسلامي يمكن تصنيفه على أنه فكر صوفي وفلسفة عرفانية، ولهذا فهو يصنّف العرفان – وبالتحديد العرفان المشرقي- كعنصر دخيل تفشى كالعضال في الجسد الأرشيفي. أما طه عبدالرحمن فيعتبر العرفان ذروة الأرشيف العربي-الإسلامي، إذ يمثل بالنسبة له نقطة التلاقي بين البرهان والبيان وفي كتابه (تجديد المنهج في تقويم التراث) يحاجج طه بأن الجابري فشل في إدراك أن البرهان إنما ينتمي إلى العقلانية، والبيان إلى اللغة، والعرفان إلى القلب. وبتفضيله للبرهان على البيان والعرفان، يكون الجابري في نظر طه قد حَرم نفسه من الإفادة من اليقين، لا مجرد الظن، في مسائل اللغة والعيان (عبدالرحمن 2006، 53-54). علاوة على ذلك، اعتبار الجابري أن العرفان والطريقة الصوفية عناصر دخيلة على الأرشيف أفقده القدرة على فهم قيمة الجسد في الفكر الإسلامي. فعلوم العرفان بالنسبة لطه عبدالرحمن قادرة على ربط الفرد المسلم بالبنية الاجتماعية وحتى الكونية من خلال جسده. وبمعنى أوضح، إن هذه العلوم هي “قلب” الأرشيف بالنسبة لطه عبدالرحمن. ولذلك حين دعا الجابري إلى أرشفة دقيقة لا يقع فيها تنازع ولا تفاضل بين النظم المعرفية الثلاثة، كان طه يصر على أن النظم الثلاثة متسقة بشكل طبيعي عبر بنية تربط الجسد والمجتمع والكون في اتحاد كوني ومجهري في آن معاً.
ونظراً إلى أن الجابري وطه لديهما اختلاف جذري بخصوص موقع العرفان داخل الأرشيف، يصبح من الصعوبة الاتكاء كلياً على نظرية دريدا لفحص كافة جوانب الأرشيف الإسلامي كما شرحها هذين المفكرين المغربيين. فلو كنا بصدد دراسة أحدهما دون الآخر لكانت مهمتنا أسهل. حينها يمكننا النظر إلى تردد الجابري في ضم علوم العرفان تسليمٌ بفشل الأرشيف، أي الفشل “في تنسيق مجموعة واحدة”(دريدا، 3). أو بتعبيرٍ آخر، بسبب تعثر مبدأ “الأمر” اختلط الأرشيف بأرشيف آخر وفسد. أما بالنسبة لطه عبدالرحمن سيمثل العرفان قمة الخصوصية في الأرشيف العربي-الإسلامي الأمر الذي يعزز من فكرة أن البيان جزءٌ من “الأمر” ويعمل على تنسيق الجسد الأرشيفي الواحد. ولهذا، فإن التقريب بين الجابري وطه عبدالرحمن ودراستهما معاً يعني أن نشير إلى أن “العرفان” هو ما يميز عملهما حول “التراث” ويجعله يختلف عن المفهوم الفلسفي الفرنسي “للأرشيف”.
ولنتذكر هنا أن فحص دريدا للأرشيف تمّ عبر تفكيكه لعمل فرويد (موسى والتوحيد) وكذلك تفسير يوروشالمي لذات العمل. لقد وضعت هذه الأعمال وغيرها اليهودية في علاقتها مع المسيحية “كآخر” بحيث تشغل اليهودية في هذه العلاقة حيزاً خاصاً فيما تمثل المسيحية الحالة الكونية (دريدا 1996، 44). فعلى سبيل المثال يلتقط دريدا سؤال يوروشالمي حول ما إذا كان التحليل النفسي “علماً يهودياَ”، ويحاجج بأن تقديم التحليل النفسي بوصفه علماً يهودياً سيحرم أرشيف التحليل النفسي من تطلعاته الكونية (دريدا، 45). وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن الأرشيف يقتضي نظاماً بالمعنى المزدوج، أي القانون والتنظيم. وذِكر القانون هنا دلالةٌ على أن للأرشيف ارتباطاً ضرورياً بجماعةٍ بعينها (دريدا، 40). فالأرشيف وفق دريدا يجمع الأضداد في كل مرة، وفي هذا السياق، يجمع بين جذور معينة وتطلعات كونية. وهذا التضاد، كما ينوّه، يمكننا ملاحظته في النزاع المسيحي اليهودي المتعلق بحرفية قانون الخِتان. هل كان “الأرشيف المتفرد والمغرق في القدم”-هكذا يسمي دريدا الختان- علامةً على ميثاق الرب مع الرجال اليهود الذي نقشوا فيه، حرفياً أو مجازياً، وبالتالي عمّموه كونياً؟ (ص 42). يريد دريدا من هذا الاستفهام البلاغي الإشارة إلى أن ثمة توترات تظهر بين الإمكانات الكونية للأرشيف وبين جذوره الخاصة[16].
يعيد عمل الجابري وطه عبدالرحمن حول التقاليد الإسلامية تأطير التوتر بين الخصوصية والكونية على ضوء علوم العرفان. فبالنسبة للجابري، العرفان علم دخيل تم استبطانه في الجسد الإسلامي، أما طه يعدّ العرفان علامةً على الاختلاف الإسلامي، وهو الموضوع الذي سيبحثه باستفاضة فيما بعد في كتابه الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري (2005). ولهذا فعلوم العرفان تمثل نظرية أكثر اتساعاً ذلك أنها تسمح لمبادئ ومصادر أخرى بتحريك الأرشيف غير تلك الموجودة في نظرية فوكو ودريدا. فبينما يضع المنظرون الفرنسيون الأرشيف بين خياريْ الخصوصية والكونية، يشير الفيلسوفان المغربيان إلى احتمالية أن يكون الآخر، سواء أكان “مشرقيا” “يونانيا” “أوروبيا” أو أي آخر لم يحدد بعد، قد تعالق بالفكر العربي-الإسلامي وارتبط به ارتباطاً عميقاً وفعالاً. ويمكن للمرء هنا أن يذهب بعيداً إلى حد تسمية هيكل الأرشيف هذا “بالتجاذب والتدافع” بدل “مناهج المعارف العربية” التي قال الجابري أنها تؤسس لعلوم العرفان. فالتجاذب والتدافع اللذان يشير إليهما الجابري في سياق حديثه عن قوى الفكر التي تجعل العناصر المتشابهة تتجاذب والمختلفة تتنافر تأخذ معان متعددة في سياق النقاش والسجال بين الجابري وطه. إن نفور الجابري من العرفان هو ما جعله يحاول تهميشه وإبعاده عن الأرشيف الإسلامي وحصره في “المشرق”، ولكن التراث نفسه على ما يبدو يستعصي على تهميش كهذا. والجابري كان يرغب في نفس الوقت بإظهار الأرشيف بمظهر منفتح ومنسجم بشكل طبيعي مع العقلانية الفلسفية اليونانية والأوروبية الحديثة، وإن كان مختلف عنها (الأمر الذي تطلب منه أن يتجاهل الاهتمام اليوناني الفلسفي بالتجاذب والتنافر). وعلى النقيض، يجادل طه لصالح الجانب التدافعي من الأرشيف الإسلامي، فالتراث في نظره يمثل بديلاً كونياً أكثر صلاحاً ويمكن تحققه عن طريق علاقة تدافعية والإبقاء على العُجمة المتبادلة بين أرشيفه وأرشيف الآخرين.
بخلاف طه عبدالرحمن، لا أود أن أناقش بأن التجاذب والتدافع أو العرفان هو ما يميز التراث الإسلامي في الغالب ويجعله يختلف بشكل جوهري عن أي أرشيف آخر. فالسجال بين طه والجابري في جوهره لا يدور حول مسألة خصوصية التراث الإسلامي فحسب، بل أيضاً حول مسألة التقارب النسبي بين الأرشيف الإسلامي والأرشيفات الأخرى. ولأن علوم العرفان محل التوتر الأساس بين هذين الفيلسوفين، ولأن اختلافهما حول هذه العلوم واسع جداً -لدرجة أن طه يضع العرفان في قلب الأرشيف بينما يقصيه الجابري في الهامش- فإنها، أي علوم العرفان، تأتي على شكل دلالة على وجود علاقة تجاذبية وتدافعية غامضة مع أرشيفات هي ذاتها في علاقات متعددة. وفي اعتقادي أن اقتصار دريدا على نقاش مسألة الخصوصية والتفرد اليهودي هو ما فوّت عليه إدراك أن الهيكلة الأرشيفية قادرة على جعل الأرشيف جاذبٌ للأرشيفات الأخرى ودافعٌ لها في وقت واحد.
يشدّد بعض الدارسين لأعمال المفكرين المسلمين على حداثة هؤلاء المفكرين من خلال إظهار اعتمادهم على العلوم والمعارف الأوروبية في مقاربتهم لتراثهم. في هذه الرواية، يكون الجابري حتماً وريث عقلانية التنوير الأوروبي، في حين أن طه، ومن خلال تأكيده على الأصالة والتقاليد، يكون مناهضاً للتنوير. إن التحليل الذي قمنا به حتى الآن يُظهر بأن نظرياتهما تتجاوز هذا الاختزال الموجود في الفلسفة الأوروبية. فكلاهما عكف على دراسة الإرث الفكري الإسلامي، والتقسيم الثلاثي؛ البيان والعرفان والبرهان هو ما حكم فهمهما للفلسفة الأوروبية الحديثة. وهذا لا يعني بحال أنهما يفكران بواسطة الفكر الإسلامي حصراً دون إحالاتٍ إلى الفلسفة الأوروبية، ولا حتى أن هذه العلوم والمناهج هي “أصيلة” أو إسلامية بالكامل. على العكس من ذلك، حجتي هي أنّ طه والجابري كانا في حاجة منذ البداية لهذا “البرّاني” حتى يؤسسا لأرشيفهما، وكلاهما عمل باستمرار على ترسيم حدودٍ فاصلة بين الداخل والخارج لمحاولة التحكم بنفاذية حدود الأرشيف.
6. أرشيفاتٌ في طور التشكل
يقول الجابري بأننا لم نخسر كل شيء مع تحولنا إلى الفلسفة العرفانية، فلا تزال هناك أشكال معرفية لم تختلط بعلوم العرفان بسبب استقرارها في أراض معزولة في شمال أفريقيا وجزيرة ايبيريا (الأندلس) في زمن عبد الرحمن بن معاوية بن مروان (ت 799) الذي فرّ إثر مذبحة ارتكبتها الدولة العباسية عام 750 واستطاع أن يؤسس له دولة أموية في البلاد الجديدة. إن العقل، وفق الجابري، قد حُفظ للإسلام في الغرب الإسلامي (الجابري 2009، 296-299). إن هذا السرد التاريخي العام عند الجابري، وتحيزاته الواضحة وتعليلاته المبسطة، يجب ألا تشوّش على حكمنا هاهنا (انظر: فون كوجلجن 1996، 96-100)، فالجابري كان واضحاً معنا منذ البدء بأن أعماله إنما هدفها حلّ إشكاليات الحاضر. ورغم أنه يدعي أنه يقوم بذلك دون تحيز، إلا أنه كان صريحاً بشأن الرهانات السياسية لمشروعة.
ومن أهم رموز المغرب الإسلامي الذين ناقش الجابري أفكارهم هو الفيلسوف والفقيه ابن رشد (ت 1198). وكما تشير أنكة فون كوجلجن، إن طريقة ابن رشد المميزة في التقريب بين الفكر الإسلامي واليوناني هي التي شدّت انتباه الجابري إلى هذا المفكر الذي عاش في القرن الثاني عشر (فون كوجلجن 1996، 98). يكتب الجابري شارحاً منهج ابن رشد:
هل نحتاج إلى القول بأننا أمام إعادة ترتيب جديدة تماماً، بل إعادة تأسيس كاملة للعلاقة بين “البيان” و”البرهان” وعلى أساس نظرة واقعية عقلانية إلى الأمور، نظرة تعالج “الواقع” الديني و”الواقع” الفلسفي بروح نقدية تحترم معطيات الواقع ولكن دون أن تستسلم له أو تتركه يحتويها (الجابري ٢٠٠٩، ٣٢٢).
إن قول ابن رشد بوجود حقيقة واحدة تشير إلى الدين والفلسفة معاً كان يقتضي منه الدخول فيما يشبه التفاوض مع نصوص الحكمة والشريعة، وإخضاع نصوص الشريعة نتيجة لذلك لعملية تأويلٍ تناغمها مع قواعد المنطق (انظر ابن رشد 1983). إن ابن رشد، ولنستعر كلمات دريدا مرة أخرى، كان يهدف إلى “تنسيق جسد واحد في نظام أو ترتيب زمني بحيث تشير كل العناصر لوحدة الشكل المثالي”(دريدا، 3). وعند ابن رشد وجد الجابري هذا الترتيب المثالي للمبدأ الناموسي والمنطقي. كان ابن رشد، وبعبارة أخرى، هو المؤرشف المثالي بالنسبة للجابري.
من البديهي إذن أن يعزو الجابري أفكاره إلى ابن رشد. وفي هذا الصدد تستنكر الباحثة والمختصّة في الإسلام السياسي نيللي لحود نسبة الجابري لتأثره بالليبرالية الأوروبية إلى ابن رشد، والتي من وجهة نظرها، بها شيء مخادع (لحود 2005، 111). ولكن هذا القول من شأنه أن يقلل من القيمة العالية التي يعطيها الجابري للتراث، كما يفشل في طرح سؤال مهم حول استمرار استثمار التراث عند الجابري، وكيف حوّل هذا الاستثمار آماله في مستقبل أكثر تحرراً. وما يهم حقيقة في الأمر، هو أن التناقض الواضح بين “الجديد تماماً” و”إعادة الترتيب” والتي يراها الجابري في فكر ابن رشد -والذي ليس غريباً على كتابات أبي الوليد- هو ما يشكّل توتراً منتجاً يقع في صميم مشروع الجابري .. كيف نتطلع إلى المستقبل ونبقى داخل الأرشيف في آن واحد؟ كيف يمكن للمرء أن يكون معاصراً في اللحظة ذاتها التي يستدعي فيها أرشيفه؟ .. كان جواب الجابري على هذه الأسئلة، كما هو متوقع، هو العودة إلى عقلانية ابن رشد واستعادتها للمضي قدماً صوب المستقبل.
أما طه عبدالرحمن فيقلّل من دعوى الجابري بأنه قرأ الأرشيف دون إطلاق أحكام مسبقة (طه 2007، 33). فهو لا يجادل بأن للجابري انحيازات واضحة لأجزاء معينة من الفكر فحسب، رغم ادعاء الأخير بخلاف ذلك، بل إن نقده مؤسس على حجاج معرفي معياري. فالقيم الخلقية وفق طه سابقة على العقلانية، ويذهب إلى حد اعتبار أن هذه القيم تصطدم بالعقلانية أساساً عن طريقٍ “داخلي” وآخرَ “خارجي” (طه 2006، 36). وكما كَتب قبل ذلك، فإن العقل إنما يتم فحصه وتقييمه من قبل تاريخ وثقافة المجتمع. ومن المعايير الداخلية التي يذكرها طه لتقييم العقلانية هي “القيم النظرية” كالدقة، والبساطة، والاتساق (طه، 36). ولهذا يقرّ، كدريدا وفوكو، بأن عملية الأرشفة وقراءة الأرشيف تتطلب عنصراً “خارجياً”، وقد يأتي هذا “الخارجي” كما يقول من خلال قدرة الفرد على الحكم أو من خلال قراءة نصّ ما بعين تاريخ وثقافة هذا النص. ولكنه في ذات الوقت يحاول احتواء وتنسيق الأرشيف ليظل مفتوحاً على الخارج. وهذه نقطة سنعود للحديث عنها بعد قليل.
ولكن نودّ الآن التساؤل؛ إذا كانت عقلانية التراث تجمع بين القيم الخلقية والوقائع، فما هي إذن القيمة التي حفّزت فكر الجابري؟ .. يعتبر طه عبدالرحمن أن لدى الجابري قيماً علمانية مضمرة، فهو يقول “لا يخفى أن الفصل بين القيم الروحية والممارسة العلمية الذي اشتغل بها الجابري مستمد من مبدأ العلمانية السياسي الذي يقضي بالفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية (أو الدنيوية)”(طه، 37). إنه يشير إلى أن عقلانية الجابري الحازمة وتهميشه “للقيم الروحية” تنبع من رغبته في حكم ذو طبيعة علمانية. وبالنسبة لطه الفكرة القائلة بأنه يمكن للمرء أن يحكم على المضمون الديني بتجرد وانصاف هي مهمة مستحيلة في العلمانية. وهذا ما يعقد أكثر من مسألة اتهام الجابري بالتمهيد لظهور العلمانية بسبب قراءته للأرشيف الإسلامي بذهنٍ مشدود إلى الفكر الأوروبي. ولهذا ينقل طه عبدالرحمن النقاش من الميدان الفكري التصوّري إلى ميدان اللاهوت السياسي، أي إلى العلاقة التي تربط المجتمع السياسي بالنظام الديني. و بالقول بأن قراءة الجابري للأرشيف اتكأت على فلسفة اجتماعية وسياسية معينة، يكون طه قد استدعى سؤال السيرافي الساخر عن الثالوث. فهو يحذو حذو السيرافي في إصراره على أن ثمة ديناميكية تعاضد متبادلة بين السلطة والجماعة والمعرفة.
وكما أسلفنا أعلاه، للأرشيف تمظهرات عملية عند طه، والعقلانية التناظرية، أو “المعاقلة الحية”، كما يقول تكمن في تفاصيل الحياة المعاشة، وبالتالي لا يمكن فصلها عن المعرفة. ويستعرض أربعة مبادئ لفهم هذه المعاقلة، لا كعقل مجرّد، بل كجزء من الاجتماع البشري:
- [المعاقلة] ليست جوهراً قائماً بالنفس الإنسانية، وإنما فعالية يدخل فيها الإنسان عندما يتجه إلى طلب الصواب في أمر من الأمور، مثلها في ذلك مثل الفعالية السمعية التي تحصل له عندما يتجه إلى تلقي كلام الغير.
- إن المعاقلة ليست فعلاً ينفرد به الإنسام، بل يحصل بالتعاون والتشارك مع الغير، أي الاحتكاك مع الجماعة.
- إن المعاقلة متجهة إلى العمل/ فكل علم حاصل بهذه الطريقة يكون باعثاً على العمل داخل الجماعة ومقيداً لسلوكيات أفرادها.
- أن القيمتين اللتين تضبطان المعاقلة ليستا هما الصدق والكذب المجردين، إنما هما الاتفاق والخلاف (طه، 38).
وبتركيز الجابري على العقل المجرّد يكون، بحسب طه، قد فصل المعرفة عن الجماعة التي طوّرتها. الأمر الذي حدا به إلى إهمال ثلاثة مبادئ: مبدأ “تداخل القيمة الخلقية والواقع” ومبدأ “تداخل القيمة الروحية والعلم” ومبدأ “تداخل القيمة الحوارية والصواب”. يدافع طه هنا عن فهمٍ يضع العقل في قلب السياق الاجتماعي، فالعقل لا يوجد في الأفراد كذرّات صغيرة، بل الأفراد هم من يقتحمون غمار العقل إذا ما انخرطوا في سياقهم الاجتماعي. وبما أن المجتمع مؤسسٌ على ميول ونزعات أخلاقية، فالعقل بالمثل؛ دائماً ما يكون أخلاقياً. فالعقل لا يرتبط بموضوع التفكير وحسب عند طه، بل هو العنصر الذي يحوّل الفكر إلى ممارسة أخلاقية (طه، 38-39). والحاصل أن الجابري، كما يقول طه، قد حُرم من الوسائل التي تعينه على إدراك خصوصية الأرشيف وفحصه من الداخل.
يقر طه هنا، وإن بطريقة غير مباشرة، على ما أشرت إليه سابقاً من أن ثمة ميزة مركزية أخرى للجدل بين السيرافي ومتّى؛ وهو أن هيكل السلطة يتشكل بين كل من الوزير ابن الفرات والسيرافي والحضور في المجلس، وما نقاشه لصالح اللغة إلا نقاشٌ حول هذا النوع بالتحديد من السلطة. يكتب قائلاً “أثبت أبو سعيد السيرافي أن المنطق طبيعي وخاص بكل لغة وأنه مرتبط بها، زمناً ووظيفة”(طه، 331). كثير من نظريات طه في الواقع انبثقت من هذه الملاحظة. فبالنسبة له، وكذلك بالنسبة للسيرافي، لا تعتمد فعالية أي لغة على مبادئ مجرّدة، بل على إمكانية الوصول والتواصل المتبادل بين أفراد الجماعة الواحدة. ولما ذهب بالقول بأن “الاتفاق والاختلاف” لا “الصدق والكذب المجرّدين” هما القيمتان اللتان تضبطان المعاقلة التناظرية للجماعة، فهو إنما يأخذ تحذير السيرافي حول أهمية وصعوبة نقل المعرفة إلى الجمهور في الحسبان (طه، 38). فنقل المعرفة من الحيز الخاص إلى الحيز العام يعني وضع هذه المعرفة تحت المجهر وأمام الأعين الفاحصة، وليس أمام أعين المعاصرين والأقران وحسب، بل أيضاً أمام أعين الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة. لا يرفض طه عبدالرحمن، على أية حال، المنطق بذات الطريقة العجلة التي رفض بها السيرافي المنطق. على العكس، يريد طه استيراد المنطق من ثم تعريبه. وحتى يفعل ذلك، ينتقي مقاطع معينة من نقاش السيرافي، ويقر مجموعة من القواعد التي على المنطق أن يراعيها. أولاً، على المنطق احترام خصوصية اللغة العربية و”النسج” على منوال “التراكيب اللغوية”، ويعني بذلك أن على المنطق مراعاة تنوع وتعدد الكلمات والتراكيب النحوية في اللغة العربية. ثانياً، أن يكون المنطق فعالاً في اقناع الجمهور المخاطب. ثالثاً، أن يراعي المنطق قاعدة الإيجاز. وأخيراً، كل هذه القواعد يجمعها طه لتشكل عنده جوهر وأصل التداول في اللغة العربية (طه 2006، 320).
يمكننا القول أن تحليل طه عبدالرحمن، وعلى العكس من تحليل الجابري، هو تحليل غير تاريخي بلا أدنى شك، وهذا ما سمح له في الأساس بدراسة ونقد كل الفلاسفة دون اعتبارٍ لسياقاتهم. وهو حتماً يفترض سياقاً عابراً للتاريخ أيضاً بالنسبة للفكر الإسلامي الذي تم تسكينه في اللغة العربية والقواعد الأخلاقية في الإسلام. ومن خلال اعتبار الدين شيء ثابت وجامد، أمكن لطه بناءَ نموذج يمكن للفلاسفة من اتباعه للتوفيق بين شروط الدين وشروط الفلسفة. ولهذا ينتقد ابن رشد على وجه الخصوص بسبب نظرته التجزيئية وغير المتسقة في دمج “الدين” و”الفلسفة” (طه، 133). فابن رشد قد فشل من منظور طه في جعل الأرشيف يتزامن في جسد واحد متماسك، كما أنه فشل في معاملة نماذج المعرفة الإسلامية معاملة تفضيلية. وللتصدي للمقاربة “التجزيئية” للتراث التي مارسها ابن رشد وآخرون، يطرح طه عبدالرحمن فكرته حول “التكاملية” والتي يروم من خلالها إنجاز مهمة طموحة من أجل تشييد بناء متماسك لضم العلوم الإسلامية مع بعضها البعض بجانب علوم أخرى “غير إسلامية” في ذات الوقت. وكما ينوّه الباحث إبراهيم موسى؛ إن إشادة طه عبدالرحمن بالفقيه الأندلسي أبي إسحاق الشاطبي (ت 1388) كانت من أجل مهمة كهذه. يكتب موسى “يقرأ طه عبدالرحمن إسهامَ أبي إسحاق الشاطبي الأساسي كإسهامٍ في تماسك المعرفة في الفكر العربي والإسلامي. فالشاطبي من منظور طه اعتمد على مصادر من داخل التقليد الإسلامي ولكن ذلك لم يجعله منغلقاً على البواعث والمحفّزات الخارجية في سبيل تصميم إطارٍ معرفي أكثر صلابة ومتانة”(موسى 2014، 454).
حسناً، إذا كان فهم الجابري “للعقل” مجرّداً للغاية، فأي طريق نسلكه لتقييم الأرشيف الإسلامي بحيث لا تنفصل المعرفة أثناء ذلك عن سياقاتها الأخلاقية والوجودية؟ .. يلتقط طه عبدالرحمن فكرة الجابري عن الحقل التداولي – والمصطلح كما استخدمه الجابري قد يأتي بمعنى “الحقل الخطابي” في الدراسات باللغة الإنجليزية – ولكن يعتمد في بحثه على الاشتقاق العربي لشرح المصطلح. وشرحه يستحق أن نورده كاملاً هنا:
من المعروف أن الفعل: “تداول” في قولنا: “تداول الناس كذا بينهم” يفيد معنى “تناقله الناس وأداروه فيما بينهم”؛ ومن المعروف أيضاً أن مفهوم “النقل” ومفهوم “الدوران” مستعملان في نطاق اللغة العربي الملفوظة كما هما مستعملان في نطاق التجربة المحسوسة؛ فيقال: “نقل الكلام عن قائله” بمعنى رواه عنه، كما يقال “نقل الشيء عن موضعه” أي حرّكه منه. […] ومن المعروف كذلك أن لفظ “المجال” مشتق من الفعل: “جال” “يجول” الذي يدل، لغة، على معنى “دار”، فيكون المجال هو “موضع الدوران (طه 2006، 244).
يريد طه أن يخلص من هذا الكلام إلى أن اللغة قادرة على شحن التجربة الحسّية لمتحدثيها. فالفكر والخطاب والممارسة، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً باللغة العربية، تعتمد في آخر التحليل على التداول والمخالطة. وعليه، فإن فحص الأرشيف لا بد أن يقوم على توظيف لغة واضحة ومقروءة عند الجماعة. ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن طه ينهل من الفيلسوف والمنطقي أبي سلمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني (ت 985) من أجل تقوية حجّته (وهذه حقيقة ستصبّ في تحليلنا الختامي). إن تعليقات طه على المجال التداولي العربي-الإسلامي تتقاطع في المجمل مع فهم دريدا للأرشيف كمسكنٍ يجبُ حمايته[17]. فنقد طه للجابري يدور في جوهره حول فشل الأخير في الاعتراف بالمجال التداولي الإسلامي، المكان الذي تدور فيه الخطابات الإسلامية وتتشكل، في دار الإسلام، ولهذا لا يقدر الجابري، من وجهة نظر طه، أن يصون هذا المسكن ويحميه.
إن مهمة عبدالرحمن إذن تتمثل في تحديد كيفية حماية هذا المسكن مع الانفتاح في ذات الوقت على أشكال جديدة من المعرفة. فهو لا يرفض كل المعارف المنقولة ولا حتى يرفض استعمال العقل طالما أنه يتوافق بشكل نافع مع العبادات والشعائر الدينية (طه، 255-256). ما يرفضه طه هو محاولة استيراد “معرفة منقولة” تحول دون إعمال مبدأ التفضيل التداولي (252-254). وفي دعوى طه هذه يكون الجابري قد فشل في إعطاء الأولوية للتداولية الإسلامية. وباستعانته بمفهوم “التفضيل”، يسعى طه عبدالرحمن إلى تنظيم فتح الأرشيف أمام النظم المعرفية “المنقولة” وضبطها. ففي حين أن المقاربة “التجزيئية” للتراث تشتغل على مفهوم “التوفيق”، يقترح طه مفهوم “التقارب التداولي” لتعزيز مقاربته التكاملية.
وهو يشتغل وفي ذهنه صيغة منهجية لترجمة تستوعب الاختلافات اللغوية على المستوى الاشتقاقي، ويقترح بأنه يمكن تقريب النظم المعرفية واللغات الفلسفية شريطة أن يتم “تداولها” أولاً عبر الأرشيف العربي-الإسلامي بحيث تُفحص المعاني الجديدة من قِبل المعاني القديمة. ولهذا فضّلتُ في هذه الورقة أن استبقي على كلمة “تداول” حتى أعطي للقارئ الإحساس بتلك الحركة الدائرية التي ينسبها طه عبدالرحمن للصيغة اللفظية للكلمة. فالكلمة، كما رأينا في الاقتباس أعلاه، تُبيّن اتباع طه لعملية ترجمة شاقة وغير خطية. إذ يوضح بأن على المرء أن يحسب حساب شبكة العلاقات الدلالية كما تقررت في اللغة المنقول إليها قبل استيراده للكلمات الفلسفية (طه 2006، 273-276). حينها يمكن للمرء أن يدرك تأثير الكلمات الجديدة على المجال التداولي للعربية. ويدلل على هذا من خلال الاختلاف بين مفهومي “الثيوس” في اليونانية و”الإله” في العربية حيث يشرح بأن القائل بالتوفيق لا حاجة له بفصل هذه المصطلحات أو وصلها لأنها في نظره تشير إلى صانع هذا الكون. بينما القائل “بالتقريب التداولي” سيقارن بين المفهومين بطريقة منهجية منضبطة. ويُجمل نتائج الانتظام في هذه المنهجية بالقول؛ أن الثيوس هو الصانع، أي يصنع شيئاً من شيء ما. بينما الإله هو الخالق، أي يخلق شيئاً من العدم (طه، 276). وما أن يعي الشخص جيداً الفروق والتشابهات بين المفهومين حتى يدرك ما هو الضروري أثناء إدخال المفاهيم المنقولة في المجال التداولي الإسلامي (290).
وكما أسلفنا، طه عبدالرحمن لا يعبأ كثيراً بالتكافؤ التاريخي للأرشيف. فمثلاً رأينا كيف يعزو فشل الفارابي في التوفيق بين المنطق والنحو إلى استاذه متّى بن يونس في حين أنه هو نفسه يستشهد، وبدون تمحيص، من عمل الفيلسوف والمنطقي السجستاني. والسجستاني كما هو معروف كان تلميذاً عند متّى (صموئيل 2012) ومسألة أن يوظّف طه عبدالرحمن السجستاني -لا الفارابي- لتقوية حججه النظرية يظهر لنا أن عمليات المدارسة التاريخية تحوي تعقيدات مركبة ضاق عليها فهم طه عبدالرحمن. وهذا المثال الذي ضربناه للتوّ ما هو إلا إرهاصة من إرهاصات مشكلةٍ أكبر في عمل طه عبدالرحمن، تتمثل، في رأيي، في ميل طه للحديث عن الدين والإسلام واللغة العربية بطريقة عابرة للتاريخ. وحتى يستمر في منهجه هذا سيكون عليه أن يتنصل باستمرار من التجاوزات والانزياحات الدلالية الواضحة في مواضع كثيرة من أطروحته. فهو يشدد مع السيرافي بأن منطق اليونان هو نحو اللغة اليونانية، ولكنه لا يسمح بمجرد احتمالية أن تكون اللغة العربية قد تبدلت وتغيرت بفعل هذا المنطق، مثلما أن اللغة التي يكتب بها للحديث عن التوحيدي تختلف أساساً عن عربية التوحيدي، مثل اختلاف هياكل السلطة التي تحكم كتاباتِهما. ولهذا فهو يضطر حتى يجعل السيرافي واضحاً لقرّاءه للقيام بجهد تأويلي ضخم، ولكن حتى يجعل نص التوحيدي معاصراً عليه أن يبذل أكثر من ذلك بكثير. من خلال هذه الهنّات العلمية، نرى كيف يفلت الأرشيف، أو يكاد، من يديْ طه عبدالرحمن.
ما يُظهره نقاش الجابري وطه عبدالرحمن لنص التوحيدي ليس انتصار السيرافي على متّى، أو العكس، بل ما يظهر هو مدى صلة النص بالنقاشات والمطارحات المعاصرة. إن “الليلة الثامنة” للتوحيدي يصحّ فيها ما وصفه دريدا “بالمشهد القرائي”، فما قاله دريدا عن قراءة يورشالمي لكتاب فرويد (موسى والتوحيد) يمكن توظيفه هنا أيضاً. فهو يلفت انتباهنا إلى أن “المشهد القرائي [النص] يحرضه القارئ ويكون منقوشاً فيه سلفاً”(دريدا، 1996، 45). وكأن الجابري وطه بهذا المعنى يجلسان فعلياً في مجلس ابن الفرات ويُكرّران “بطريقة نموذجية قراءة واستدعاء منطق الحدث الذي وصف طيفه وتم [تنفيذ] بنيته” بواسطة متّى بن يونس والسيرافي.
7. الخاتمة
من غير الواضح، بحسب إطار ماكنتاير، ما إذا كانت أعمال الجابري وطه عبدالرحمن تنتمي إلى ذات التقاليد أم لا. ولكن الأكيد، أن الفروق بين برهان الجابري وبيان طه تتفق مع معايير التباين وعدم القابلية للقياس التي قال ماكنتاير أنها تفصل التقاليد العقلانية. فلا يكفي أنهما يتشاركان بعض الافتراضات الأساسية، من ذلك مثلاً اشتراكهما في الأدوات المعرفية المختلفة التي يحتويها التراث الإسلامي. فبحسب ما يقوله ماكنتاير، التقاليد المتنافسة فيما بينها تفترض أساساً هذا الاتفاق حول ما يشكل الموضوع المبحوث. ولكنه يضيف :”[الذي] يتفقون عليه لا يكفي لحل خلافاتـ[ـهما]” (ماكنتاير 1988، 351). ولكن من ناحية أخرى، ما يحاول الجابري وطه عبدالرحمن فعله هو تشخيص الأزمة عبر التقاليد الإسلامية وفي داخلها. وهذا من شأنه أن يموضع نقاشهما ضمن لحظة في حياة التقاليد سمّاها ماكنتاير “الأزمة المعرفية” التي تقع عندما “لا يعود بالإمكان تسوية الخلافات بشأن الإجابات المتنافسة على الأسئلة الأساسية بطريقة عقلانية” (ماكنتاير 1988، 363).
لكن في الحقيقة كلا الإجابتان غير مرضيتان؛ فمن جهة يبدو واضحاً أن الجابري وطه عبدالرحمن يفتقران إلى الأسباب الكافية للفصل في خلافهما حول المعرفة وعلاقتها بالحقيقة. ومن جهة أخرى، القول بأن هذين المفكرين المغربيين ينتميان إلى تقاليد متنافسة يقلل من سعيهما الحثيث للوصول إلى إجاباتٍ لأسئلة يطرحها التقليد الإسلامي برمته. وفي ذات الوقت تثبيتهما ضمن لحظة الأزمة قد يضعف من إسناد اختلافاتهما إلى مفكرين آخرين في تاريخ الفكر الإسلامي. فهما يفهمان نقاشهما على أنه نقاش ضمن نقاشات مستمرة ومتداخلة ومستقرة في الفكر الإسلامي، لا نقاش ظهر مع أزمات وإشكاليات معاصرة. هذا غير أن فكرة الأزمة المعرفية التي أطّرت الدراسات الإسلامية لفترات طويلة قد أطالت الهوس البحثي في أزمات الفكر الإسلامي الحديث وأدامته، وحتى لو أن هذان المفكران يدركان مرور التقاليدَ بأزمة، إلا أن الإصرار على هذا التأطير البحثي يعني وضع أعمالهما في لحظة استثنائية وطارئة من التاريخ الفكري الإسلامي، من ثم فصلهما عن ذلك الانتظام التاريخي.
كان هدف ماكنتاير من تطويره لمفهوم الأزمة المعرفية هو تبيان أن التقاليد قد تصل في حالات كثيرة إلى نقطة لا تعود معها العقلانية الداخلية قادرة على حل إشكالياتها الحرجة. وهذا ما قد يدفع بالتقاليد لتجاوز تخومها حتى تفيد من الحلول التي قدمتها التقاليد الأخرى لإشكاليات مشابهة. عملية التجاوز هذه سمحت لماكنتاير بالمحاججة ضد القائلين بوجود حقيقة خاصة بكل تقليد. ففكرته تكمن في أن التقاليد إذا فقدت تماسكها وطلبت المساعدة من تقاليد أخرى فهذا يعني أن ثمة أمور مشتركة فعلاً بين هذه التقاليد. واللافت هنا، أن وعي التقليد بوجود تقليد آخر وقراره بالإفادة منه يدلّ على مستوى فريد وناضج في تاريخ هذا التقليد. ولهذا تعتبر لحظات الأزمة بالنسبة لماكنتاير لحظات استثنائية بسبب دلالتها على ما يقع خارج التقاليد.
ولكن ما يُظهره النقاش بين طه عبد الرحمن والجابري هو أن الوعي بالتقاليد الأخرى وترسيم الحدود بين الداخل والخارج عملية مستمرة وداخلة أساساً في تكوين التراث. فبدلاً من اتساق التقليد واستمراريته، يُثبت عمل طه عبدالرحمن والجابري على وجود اختلاف ثابت ومتكرر داخل الأرشيف الإسلامي. ومن الأهمية بمكان أن لا يكون الخلاف بينهما خلاف حول اتفاق مرجعي انحرف في مرحلة ما[18]، بل أن يظلّ خلافاً كما بلوره متّى بن يونس والسيرافي. فالخلاف القديم، كما فهمه الجابري وطه، كان منتجاً للأرشيف الإسلامي، وليس من قبيل المصادفة أن الجدل القديم والمعاصر يدوران حول مسألة تكييف علاقة العلوم الإسلامية بالعلوم اليونانية “الوافدة”، فكما يشدد فوكو ودريدا إن الأرشيف يتطلب “التأسيس لما هو خارجي” حتى يتم تعريفه والاعتراف به.
إن تكرارهما لنقاش السيرافي ومتّى بن يونس هو بالتحديد ما وضع أعمالهما في قلب الأرشيف الإسلامي. فكما يُذكّر دريدا، إن أي تأويل للأرشيف لابد أن “يُنير، يقرأ، يفسر، يرسخ موضوعه [أي إرثاً بعينه] عن طريق نقش نفسه فيه، أي بفتحه وإثرائه بما يكفي لامتلاك مكان ملائم فيه”(دريدا 1996، 76). في الدراسات الإسلامية المعاصرة بات يُنظر إلى تكرار من هذا النوع على أنه إشكال، وهذا قد يكون مردّه أن كثير من العلماء والدارسون شرعوا في انتقاد المستشرقين الذين ظنوا أن الإسلام يأفل فاجتروا نفس الأجوبة على أسئلة متغيرة باستمرار. ولكن الذي يعلمنا إياه الجابري وطه عبدالرحمن أن التكرار هو السبيل الوحيد للكتابة عن التراث[19]. والتكرار بالطبع لا يعني أن الأرشيف قد أغلق. على العكس تماماً، التكرار يغيّر الأرشيف، وفي أحيان يغيّره بطرق لا يقدر حتى مفسروه على التنبؤ بها.
الهوامش
[1] في كتابه (الدولة المستحيلة) يصف وائل حلاّق طه عبدالرحمن بالإسلامي الإستثنائي. ص175.
[2] يدعي هيرشكيند مثلاً بأن عمل نصر حامد أبو زيد يمثل خروجاً عن “تماسك واستمرارية الخطابات [الإسلامية]”(هيرشكيند 1995، 465). وفي المقابل، يطرح عالم الاجتماع علي ميرسيباسي فكرة مفادها أن بعض مهندسي الثورة الإيرانية الذين تحدثوا باسم التقاليد الإسلامية في الواقع ورثوا أموراً كثيرة من مفكرين غربيين مناهضين للتنوير، في حين وظف الإصلاحيون الأكثر انفتاحا الخطابات الإسلامية بطريقة أنسب (ميرسيباسي 2011).
[3] أو سيكون علينا إثبات أن لديهما تشابهات تفوق اختلافاتهما، وبالتالي اجتماعهما معاً إما داخل أو خارج التقاليد الفلسفية والتاريخية واللغوية الإسلامية.
[4] من مزايا استخدام مصطلح (heritage) عند ترجمة “التراث” أنه يُبقي على علاقة المصطلح العربي بالميراث المادي.
[5] أدى العمل المتراكم حول مفهوم الأرشيف في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية إلى الحديث عن “المنعطف الأرشيفي”. قدمت مارلين مانوف (2004) باحثة في العلوم المكتبية والمعلوماتية مادة هامّة حول هذا الشأن، كما يمكن الاستعانة بالأنثروبولوجية كريستين شيفالون (2016) لمعرفة أدبيات المجال والاطلاع على ما قدمته من تحقيقات نظرية مفيدة عن العلاقة بين الأراشيف والتاريخ والذاكرة.
[6] عدت في ترجمة اقتباسات فوكو الواردة في (حفريات المعرفة) للترجمة التي قام بها سالم يفوت مع إجراء تعديلات عليها، والأمر كذلك بالنسبة إلى كتاب دريدا (حمى الأرشيف) الذي ترجمه عدنان حسن الصادر عن دار الحوار (المترجمة).
[7] يكتب فوكو :”بفضل التقاليد يمكننا عزل الجديد عن خلفية الاستمرار والدوام، مع إرجاع ميزته إلى الجدة والنبوغ، إي إلى مسألة تخص الافراد” (فوكو 1972، 21).
[8] فيDictionary of Untranslatables ( قاموس لكمات لا تترجم ) يؤكد علي بن مخلوف وآخرون هذا المعنى الاشتقاقي، يكتبون: “archê [الجذر اليوناني للأرشيف] يشير إلى البداية [ المبدأ، نقطة الانطلاقة ..] والأمر [المسؤولية، السلطة، القوة، القضائية..] “ (بن مخلوف وآخرون ٢٠١٤، ٨١٥).
[9] يشير المنظر الأدبي والمؤرخ جوزيف مسعد إلى علاقة مفهوم الأرشيف -الدريدي- بالماضي العربي-الإسلامي في دراستين له. في Desiring Arabs ) اشتهاء العرب( على سبيل المثال يجادل بأنه عمِلَ على استعادة النقاشات المهملة والمكبوتة حتى يتسنى له “أرشفتها” للمستقبل، وينكر أن يكون لعمل الجابري أو “التراثيين” أهمية مماثلة، فهم كما يقول ملتزمون أو محاصرون داخل “.. تصور زماني تطوري لا يعترف بالتغيير إلا في إطار ثنائية التراث والحداثة”. (مسعد 2007، 29. وأيضاً مسعد 2015، 30-31).
[10] عدت في نقل مقاطع التوحيدي للنسخة التي حققها أحمد أمين وأمين الزين فيما ينقل الكاتب من ترجمات مرجليوث مع إجراء تغيرات طفيفة عليها (المترجمة).
[11] يُذكّر الفيلسوف بول ريكور بخصوص طلب الأرشفة بالتالي: “في الوقت ذاته، كل نداء لصالح الأرشيف يظل معلقاً لأننا لا نعرف، وربما لن نعرف أبداً، ما إذا كان العبور من الشفاهة إلى المكاتبة، إلى وثيقة الأرشيف، هو بالنسبة إلى منفعته أو مضّاره للذاكرة الحية، علاجٌ أم سمٌّ\دواء” (ريكو 2007، 186).
[12] تجدر الإشارة هنا إلى أن اعتقاد الجابري بأن الفلسفة والمنطق قد تم تضييق الخناق عليهما في الأوساط الفكرية الإسلامية بعد هذه الحادثة هو اعتقاد في غاية التبسيط، فالجابري يتجاهل الاستعمال المنتشر للعقلانية في المذهب الاثني عشري. (إنني مدين بهذه الملاحظة إلى المُراجِع المجهول لهذه الورقة – الكاتب).
[13] يذهب طه عبدالرحمن إلى أن الفارابي عكسَ الآلية التي يتم بها التوفيق بين العلوم اللغوية العربية وبين علوم المنطق اليوناني بسبب استخدامه لأدوات تحليلية ولغوية وافدة بدلاً من الأدوات العربية المشتقة من النحو والبلاغة (طه 2006، 331).
[14] هناك فلاسفة زامنوا الجابري وانشغلوا بذات الأسئلة التي انشغل بها، رغم تبينهم لأيديولوجيات مختلفة، كالفيلسوف الليبرالي عاطف العراقي (توفي 2012) و “اليساري الإسلامي” حسن حنفي (توفي 2021).
[15] ثمة نقاش مهم بين خالد الرويهب (2004) ومفتي علي (2008) وهارون سبيفاك (2010) حول مدى معارضة الفقهاء المسلمين للمنطق في الفترة الواقعة بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر، قدم فيها علي حججاً مقنعة ضد دعوى الرويهب حول معارضة الفقهاء للمنطق اليوناني، إلا أن الجدل في المجمل يبيّن أن ثمة انشغالاً فقهياً قديماً بالمنطق، وإلى درجة ما، إدماجاً له.
[16] في تكراره لتنقيبات فوكو ودريدا حول التوتر الأرشيفي بين الخصوصية والكونية، يتحدث ريكور عن الأرشفة باعتبارها تحويلاً للنص الشفوي -والذي كان من المفترض إن يوجَّه لمتلقٍ بعينه- إلى نص مكتوب متاحٌ للكل. قلق ريكور إزاء هذا التحول واضح أكثر مما هو لدى دريدا، فالبنسبة إليه الوثائق الأرشيفية تحاول أن تكون علاجاً لتلاشي الذاكرة، ولكن لعدم اكتمالها، قد تؤدي إلى “تسمم” الذاكرة عوضاً عن ذلك. (ريكور 2004، 169).
[17] يكتب دريدا: ” إن معنى (archive) يأتي من الكلمة اليونانية (arkheion) وتعني: بيت، مسكن، عنوان” (دريدا 1996، 9).
[18] في كتابه (ما الإسلام) يؤكد شهاب أحمد أن التناقض متأصل في الإسلام، ويصر خلافاً للحجج المتداولة بأن التناقض ينبع من داخل المصادر الإسلامية (أحمد 2016، 301-404).
[19] تجدر الإشارة هنا إلى أن طلال أسد تحدث بارتياح عن التكرار في مقالة له بعنوان (التفكير في التقليد: الدين والسياسة في مصر اليوم) ولكنه كان يشير إلى تكرار الممارسة المتجسدة لا تكرار الخلاف أو المشهد القرائي (أسد 2015؛ 166،174،176)
اكتشاف المزيد من مجلة حكمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
