عودة الى الامبراطورية: نشأة الليبرالية الإمبريالية في بريطانيا وفرنسا – جينيفر بيتس / ترجمة: أثير الوابل

عودة الى الامبراطورية: نشأة الليبرالية الإمبريالية في بريطانيا وفرنسا – جينيفر بيتس / ترجمة: أثير الوابل

كتاب عودة الى الامبراطورية

غلاف كتاب (عودة الى الامبراطورية: نشأة الليبرالية الإمبريالية في بريطانيا وفرنسا) – جينيفر بيتس


يمكنك شراء نسخة كندل من الكتاب عبر هذا الرابط


في نهايات القرن الثامن عشر واجه الاستعمار والحكم الإمبرياليان الأوروبيان تحديًا نقديًا صعبًا بدأه العديد من أكثر المفكرين إبداعًا، منهم آدم سميث وبينثام وبيرك وكانط وديديرو وكوندروسيه الذين استندوا على عدد كبير من الأفكار المثيرة لنقد الغزو والحكم الأوروبيَين على الشعوب حول العالم. من هذه الأفكار: حقوق الإنسان، وبغي الاستبداد الأجنبي، والحكمة الاقتصادية للتجارة الحرة، وحماقة الغازين، وفساد الإنسان بسبب الحضارة المنحطّة والنفاق الذي تتطلبه جمهوريات الحكم الذاتي للسيطرة على الشعوب ضعيفة الحيلة، واستحالة الحرية المستمرة في الداخل بينما يمارَسُ الطغيان خارجًا. كتب دينس ديديرو عن المستكشفين الأوروبيين عام 1780م:

قدِمتم إلى أرض العالم الجديد الذي لم تطأه قدم أحد من العالم القديم، وبغمضة عين ركزتم عصًا معدنية صغيرة نُقش عليها عبارة «هذه أرضنا». لماذا أرضكم؟ ليس لكم أي حق في مواردها الطبيعية وتدّعون أنكم أحق من ساكنها الأصلي، وبدلًا من اتخاذه أخًا لكم، ترونه مجرد عبدٍ ودابة حمل، أيها المواطنون![1]

بينما كان نقد ديديرو للإمبراطورية واحدًا من أكثر الانتقادات تطرفًا وحدة، فإن التشكيك بكلا المشاريع الإمبريالية الخاصة والمشروع الأوروبي للتوسع اللامحدود، منتشرٌ بين المفكرين في ثمانينيات القرن الثامن عشر. لكن بعد خمسين سنة لم نجد أي مفكر سياسي في أوروبا يشكك في عدالة الإمبراطوريات الأوروبية[2]. إنما تحول ليبراليو القرن التاسع عشر، مثل ألكسيس دو توكفيل وجون ستيوارت مل، من الموقف المشكك بالإمبراطورية الذي كان عليه المفكرون الأوائل إلى دعم توسع الحكم الأوروبي على المناطق غير الأوروبية وتوحيده. كتب مل «الاستبداد نمط شرعي من أنماط الحكومة في التعامل مع البرابرة، شريطة أن تكون الغاية هي تطويرهم، وتكون الوسيلة مُبرّرة من خلال إنجاز تلك الغاية فعليًا»[3]. شارك مل وتوكفيل في دعمهم للإمبراطورية، الكثير من معاصريهم الليبراليين، إضافة إلى المفكرين السياسيين في عصرهم، ومنهم هيغل وحتى ماركس إلى حد ما. بينما أخذ الليبراليون الإنكليز والفرنسيون في القرن التاسع عشر على عاتقهم نصرة وتبرير الحكم الإمبريالي، حيث ناصروه بطرق متشعبة تعكس اختلافات دولهم من حيث القوة الدولية والسمعة، فبريطانيا كانت آمنة ومسيطرة وواثقة ثقافيًا، بينما كانت فرنسا التي خسرت إمبراطوريتها المجيدة بنهاية حرب السنوات السبع غير مستقرة سياسيًا، ولم تستعد قوتها الخارجية بعد. وهذا أيضًا انعكس بعض الشيء على الاتجاهات الليبرالية المختلفة في كلا الدولتين.

يبحث هذا الكتاب أحداثًا عدة مهمة في تطور الفكر السياسي الإنكليزي والفرنسي الذي أظهر في ثمانينيات القرن الثامن عشر اتخاذه نهجًا نقديًا للتوسع الأوروبي والتحول إلى ليبرالية إمبريالية أنجزت في نهاية ثلاثينيات القرن التاسع عشر بعضًا من أكثر البراهين تطورًا لصالح غزو الشعوب غير الأوروبية وأراضيها[4]، هذا التغيّر في الآراء حول الإمبراطورية صاحبه مفهومٌ خالصٌ بين المفكرين الأوروبيين بشأن المجتمع المحلي والقدرة السياسية. التحول الليبرالي إلى الإمبراطورية في هذه الفترة صاحبه أيضًا حجب النظريات المتعددة والمتنوعة للتطور كما فسح الطريق لأفكار أكثر تكهمًا لــ«الرجعية» وانشطارًا فجًا بين الوحشية والحضارة[5].

تشمل الأسئلة التاريخية والنظرية التي أشار إليها هذا التحقيق ما يلي: ما هي الأسس النظرية لنقد الإمبراطورية التي نجدها في نهايات القرن الثامن عشر؟ وما هي التغيرات التي صاحبت انكماش هذه الانتقادات وظهور تبريرات جديدة للإمبراطورية؟ ما هي الترتيبات الفكرية التي أفضت إلى التشكيك في الإمبراطورية؟ ما هي الاعتقادات وصيغ الأحكام الأخلاقية التي أدت إلى الاقتناع بأن الغزو والحكم الاستبدادي على الشعوب الأخرى مبرر؟ كيف تغيّرت الخطابات المتعلقة بمفاهيم التّقدم والدولة بطريقة أدت إلى دعم الحكم الإمبريالي؟

يناقش هذا الكتاب فكر المفكرين الإنكليز والفرنسيين السياسي في نهايات القرن الثامن عشر وإلى أواسط القرن التاسع عشر، مركزًا على شخصيات محددة ــ بيرك وجون ستيوارت مل وتوكفيل ــ الذين لم يكونوا فلاسفة سياسيين فحسب بل نشطاء في السياسة وإدارة الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية. يرى بيرك أن إدانته المستمرة للأعمال البريطانية في الهند هي من أكثر أعماله السياسية أهمية في حياته[6]. عمِل جون ستيوارت مل في سن السابعة عشرة في شركة الهند الشرقية، وما لبث حتى برز اسمه واحدًا من أكثر المراسلين تأثيرًا، وحارب لبقاء سيطرة الشركة، وتقاعد بعد خسارة الشركة معركتها في الحفاظ على إدارتها للشؤون الهندية عندما فرض البرلمان حكمه المباشر على الهند عام 1858م. في بداية حياته المهنية بدأ ألكسيس دو توكفيل خبيرًا في شؤون الجزائر في مجلس النواب ومدافعًا بارزًا عن الغزو الفرنسي والاستعمار هناك. تضمنت أعمال كل هؤلاء المفكرين مشاركتهم في نقاشات حادة حول الغزو والحكم الإمبريالين مع انعكاسات فلسفية عريضة: عن طبيعة العلاقات الأوروبية مع العالم غير الأوروبي، عن واجبات الدول العظمى تجاه المجتمعات المستضعفة، عن العلاقة بين الحكومة الممثلة المسؤولة في الوطن الأم والحكم الاستبدادي خارجه. تهتم هذه الدراسة أيضًا بالمفكرين سميث وبينثام الذين على الرغم من أنهم ليسوا مشرعين ولا حُكامًا للمستعمرات إلا أنهم تابعوا تقدم بلدانهم الإمبريالي عن كثب وبنقد[7].

1 ــ الليبرالية والتعددية والإمبراطورية

يلاحَظُ لدى المفكرين هنا ــ على الرغم من اختلافاتهم الفكرية ــ التزام مشتركٌ بمبادئ الكرامة الإنسانية المتساوية والحرية وسيادة القانون وبحكومة تمثيلية مسؤولة. كانوا شموليين في التزامهم بمبدأ أن كل البشر سواسية وأن هذا المبدأ الأخلاقي الأساسي صالحٌ عالميًا. تجاهل جميعهم العنصرية العرقية والنسبوية التي تقول أن الثقافات غامضةُ النشأة أو بُنيت على مبادئ متناقضة. وكما نرى فإن لشمولياتهم المختلفة ــ والشد والجذب بين الإيمان بالوحدة الإنسانية والاعتراف بالاختلاف الثقافي والاجتماعي والسياسي ــ أثارٌ بارزة مختلفة في إجاباتهم عن التساؤلات السياسية المتعلقة بالتوسع الإمبريالي للدول الأوروبية.

بسبب الالتزامات السياسية والفلسفية المشتركة بين المفكرين الأساسيين الذين يناقشهم هذا الكتاب، فهم يُصنَفون ليبراليين عمومًا. ظهرت «الليبرالية» كتقليد ذاتي في القرن التاسع عشر، ثم بمفارقة تاريخية أصبحت وصفًا للفهم الذاتي لدى المفكرين الأوائل؛ فبينما يصف توكفيل وبينثام وجون ستيوارت ميل أنفسهم بأنهم ليبراليون، لم يعترف بيرك وسميث بالليبرالية كتقليد أو كتصنيف للفكر السياسي[8]. لا يزال من الصعب إيجاد تعريف محدد أو عام لليبرالية استُخدمت إلا أنها لوصف الجوانب المتداخلة للأفكار قبل أن تصبح مصطلحًا في القرن التاسع عشر[9]. عرّف شيريل ويلدث الليبرالية ــ بعد تداول المصطلح في بدايات القرن التاسع عشر ــ بأنها «التزام ضمني بحقوق فردية محددة (خاصة المساواة أمام القانون وحرية الصحافة والحرية الدينية) ومعارضة سياسات الدولة التجارية والسلطة الملكية وحتى الحكومة الملكية، وتوسّع معين في الانسجام الاجتماعي». هذا التعريف يصوّر جيدًا سلسلة من الالتزامات التي يشترك فيها المفكرون هنا[10]. قد يختلف البعض في انطباق العبارة الأخيرة على أفكار بيرك (سنناقش هذه القضية في فصل عالمية إدموند بيرك المتفردة) إلا أن هذا التعريف يناسب هؤلاء المفكرين تمامًا.

«ما الذي يحدث عندما تُواجه الليبرالية العالم؟» يتركز هذا السؤال على الفكر الليبرالي أكثر من كونه فكرًا يحظى بتقدير كما أشارت دراسة حديثة إلى ذلك[11]. كان هناك اختلاف كبير في الأدب وفي الفهم العام للموقف «الليبرالي» من الإمبريالية وانعكاس الفكر الليبرالي على العدالة الدولية عمومًا.

ادعى البعض أن الليبرالية احتوت دائمًا على جوهر إمبريالي: التركيز الليبرالي على سيادة القانون وتأسيسه أدى إلى دعم المشاريع الإمبريالية مرة تلو الأخرى. بهذه النظرة قدمت المهمة الحضارية البريطانية والفرنسية أمثلة نموذجية للمنطق الإمبريالي للفكر السياسي الليبرالي[12].

أشار آخرون إلى أن الليبرالية هي معاداة متأصلة للإمبريالية نظرًا لالتزامها بالمساواة والحكم الذاتي، اعتبارًا لذلك كان من النادر أن يُظهر المفكرون الليبراليون الداعمون للإمبراطورية الجانب غير الليبرالي أو يقحموا أفكارًا منافية لليبرالية في حججهم. استخدم جيرمي بينثام نفسه هذه الحجة عندما كتب إلى الإسبان ناقدًا استمرار تمسكهم بممتلكات العالم الجديد: «هل تستمرون في ادعاءاتكم باسم الليبرالية بلا نتيجة»[13].

لم يتمكن الرأي الأول من شرح العديد من توجهات الكثيرين من المفكرين المحسوبين على الليبرالية الذين عارضوا بشدة الإمبريالية الأوروبية خاصة في القرن الثامن عشر. يستبعد الرأي الثاني حقيقة تحوّل العديد من المفاهيم الرئيسة للفكر السياسي الليبرالي لمصلحة المشاريع الإمبريالية الأوروبية وأن الليبرالية الأوروبية زُيّفت جنبًا إلى جنب وتأثرت تأثرًا عميقًا بالتوسع الإمبريالي. ليس هناك تفسير واضح لبعض مجموعات الافتراضات النظرية الأساسية في التقليد الليبرالي يُمكن أن يَشرح هذه المرونة في مسألة الليبرالية؛ فالليبرالية لا تؤدي حتمًا إلى الإمبريالية أو معاداة الإمبريالية، ولكن يجب أن نحقق في الضغوطات والتوترات في أحداث تاريخية معينة لفهم كيف أن هؤلاء المفكرين الذين ينتمون إلى تقليد عام، بل ومعروف، قد عارضوا واحدًا من أهم التطورات السياسية في نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر معارضة تامة، ألا وهو توسع الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية.

أريد التأكيد على أنه ليس هناك احتياج منطقي للإشارة بأن الليبرالية كانت تقليدًا ناقدًا للإمبراطورية، كما أود أن أقترح أنه إذا كانت الليبرالية ملتزمة بالكرامة الإنسانية والمساواة فإن دعم العديد من ليبراليي القرن التاسع عشر للإمبراطورية هو معاداة بحكم الأمر الواقع لليبرالية، بل هو موافقة للمعايير الراديكالية المختلفة للشعوب المختلفة التي تنطوي عليها تبريرات نظرية لتساؤلات إمبريالية شكلت عنصرًا لا متوقعًا وبالتأكيد مزعجًا للفكر الليبرالي في القرن التاسع عشر[14]. لا يتعين أن نعتقد أن هناك مجرد فجوة بين الفكر الليبرالي والممارسة الليبرالية، أو أن الممارسة الليبرالية ــ تحت الضغط السياسي ــ تجد نفسها غير قادرة على تطبيق نظرياتها. يدرسُ هذا الكتاب مفهوم الليبرالية كممارسة، فالنظرية الليبرالية صِيغت بمشاركتها في السياسة، والحقيقة التاريخية المهمة، ولو أنها مُتغاضً عنها، هي أن نشأة وتوحيد الإمبراطوريات كانت أساسًا لذلك التقدم.

ترسم قضية الإمبراطورية جوانب من نظريات المفكرين بطريقة مثمرة ومدهشة، ونركز اهتمامنا هنا على نقاط محددة غامضة وأحداث قاطعة ليست واضحة دائمًا في آرائهم المتعلقة بالسياسات المحلية. تُتيح كتابات عن السياسات الإمبريالية لنا الإجابة إجابة كاملة ــ على سبيل المثال ــ عمّن كانوا دافعًا لاستثناءات المفكرين. كان جون ستيوارت مل مُنفتحًا بدرجة مثيرة لرجل في زمانه بين مجتمع وقانون أوروبيين يُصغران من النساء ويعاملانهن كقاصرات غير قادرات على تحمل مسؤوليات الراشدين، وفي الوقت نفسه تقبّلا دون أدنى شك الرأي الذي يعتبر الهنود شعبًا غير ناضج وغير قادر على حكم نفسه بنفسه. وعلى العكس من ذلك، غالبًا ما صُنّف بيرك مفكرًا أوليغارشيًا بامتياز، وكما سأناقش في الجزء الأول، تثير كتابات بيرك في السياسات الإمبريالية والعالمية اهتمامنا بمعارضته القوية لظلم القلة الأكثرية، كما تثير اهتمامنا أيضًا بفهمه الذاتي كمصلح في خدمة الأقلية المستضعفة تقترح هذه الأعمال أن ما يبدو كأنه لا مبالاة من بيرك تجاه معاناة الشعب الفرنسي تحت الحكم الأرستقراطي، قد يكون نقطة غامضة في فكره بدلًا من كونه مؤشرًا لالتزام عريض وعميق بالحكم الأرستقراطي بأي ثمن، ويؤخذ هذا عليه أحيانًا.

يناقش هذا الكتاب كيفية تأثر آراء المفكرين بالتعددية الثقافية والتطور والوطنية بأحكامهم السياسية والأخلاقية المتعلقة بالشعوب غير الأوروبية، وأود أن أشير إلى أن القناعة الراسخة بعقلانية كل الشعوب واعتدالها هي أساسٌ لكل المجتمعات كان ضرورة للمقاومة العنيفة للتوسع والحكم الإمبرياليين.

إن الإيمان المجرد بالمساواة الإنسانية الأخلاقية غير كاف لاحترام الشعوب المختلفة احترامًا صادقًا والتأكيد على علاقات إنسانية متساوية معهم؛ فعلى سبيل المثال أقر كوندوركت أن الغزاة الأوروبيين تعاملوا بوحشية، ولكنه كان مؤمنًا بأن الشعوب الأخرى كانت إجمالًا متأخرة غير قادرة على حكم نفسها وتطوير مجتمعاتها. تطلّع كوندوركت إلى تسوية سليمة بين الأوروبيين حول العالم تقود إلى شراكة مع الشعوب غير المكافئة لهم، ويتخذ الأوروبيون هؤلاء الرعاع المؤتمنين تحت رعايتهم ووصايتهم. وعلى الرغم من لغة كوندوركت النقدية للنهب الأوروبي، إلا أنها تشابه بعمق لغة معاصريه الأعنف نقدًا. إن شعاره الذي يمكن تسميته بمعاداة الإمبريالية اللاتعددية ليس إلا بناء هشًا.

يولي هذا الكتاب اهتمامًا أساسيًا بطرق دراسة المفكرين للمجتمعات الأخرى وتحليلها وإطلاق الأحكام عليها. هل كانت أراؤهم حول الحكم الأخلاقي تنم عن صعوبة في فهم الآخرين المختلفين في سياقات اجتماعية مختلفة أم تُصوّر تمييزًا أحاط بالحكم الأخلاقي والثقافي؟ ما هو المصدر الذي استقى منه المفكرون معلوماتهم عن المجتمعات غير الأوروبية، خاصة عند شرح «الرجعية»؟ هل يعتبرون المشاهدة الشخصية لتلك المجتمعات مهمة لإطلاق حكم مناسب؟ أشار العديد من مفكري زمن التنوير الاسكتلندي إلى خطر بناء الأحكام النظرية والسياسية على مصادر متحيزة وغير موثوقة. أصرّ توكفيل على رؤية الجزائر بنفسه، ونتيجة لرحلاته غيّر آراءه حول ما هو عملي ومناسب للجزائر الفرنسية، وامتنع عن الكتابة عن الهند لأنه غير قادر على السفر إليها. وعلى العكس من ذلك تباهى جيمس مل بنزاهة كتاباته عن الهند وعمق اطلاعها، وأرجَحَ ذلك إلى أنه لم يشتت نفسه بالملاحظات الكيفيّة التي يمر بها غالبية الرحالة، بل عزل نفسه ليقرأ استفتاءات شاملة من الأدب «الإنكليزي» عن الهند.

لا توضح مجرد الحجج الفلسفية صعوبة الانخراط في استنتاجات أخلاقية تتعلق بالغرباء أو تتجاوز حدود المعايير الأخلاقية، بل توضح أيضًا الممارسات البلاغية لهؤلاء المفكرين. تلفتُ خُطب بيرك البرلمانية الانتباه جليًا إلى مشكلته في مناشدة الجمهور بلغة أخلاقية مألوفة عند الحديث عن شعوب يصعب عليه فهم طبيعتها أو لا يشعر بالتعاطف معها. كيف لا يطور مُفكر فهمه الفارق الذي ينم عن احترام للشعوب غير المألوفة له أو لها، ولكنه أيضًا يكيّف فهمه هذا على مجتمع أكبر؟ تلعب النقاشات حول رياء المتلقي دورًا حرجًا في هذه العملية التي تحاول توسيع نطاق المعايير الأخلاقية، فيبدو الرياء فشلًا لتوسيع هذا النطاق وعدم رغبة في تطبيق هذه المعايير على الغرباء. وجه بيرك وبينثام وكونستانت اتهامات بالرياء في محاولةٍ لحث متلقيهم على بناء إطار عقلي منصف ومحترم وأيضًا على المستوى البلاغي، أود أن أشير إلى أن أكبر المفكرين الناقدين للإمبراطورية هم أكثر من ينزع إلى استخدام السخرية والفكاهة في حججهم. تحتاج ثقة ــ وحتى الادعاء بصلاح ــ الليبرالية الإمبريالية نوعًا من الافتراض المتضارب مع الموقف النقدي الذاتي الحاد لدى شخصيات مفكري القرن الثامن عشر الذين يناقشهم هذا الكتاب. قد نُصادف بجدية جون ستيوارت مل أو العقلية الفذة لتوكفيل التي تبدو مختلفة قليلًا عن أسلوب بينثام أو بيرك[15].

الخلاصة

بدأتُ في الفصل التالي بمراجعة نظريات آدم سميث في التقدمية والحكم الأخلاقي، مناقشةً تطويره لمراجع في الاحترام الثقافي بين الشعوب لم يتمكن منظّرو التقدمية في القرن التاسع عشر من صياغتها. كمنظّر في التقدمية، جمع سميث بين الإيمان بمبادئ أخلاقية عالمية واحتمالية التقدمية الأخلاقية من جهة، وبين احترام المجتمعات ما قبل التجارية غير الأوروبية من جهة أخرى. صنّف سميث الالتزامات والممارسات المختلفة راديكاليًا وأخلاقيًا وسياسيًا لدراستها في المجتمعات ما قبل التجارية، ثم ظهرت فكرة أن هذه الالتزامات والممارسات ليست نتيجة للجهل أو لقيم مشوّهة بل هي أحكام جاءت نتيجة لظروف مختلفة.

يناقش فصل (علمية إدموند بيرك المنفردة) نقد بيرك للإمبراطورية البريطانية في الهند وإيرلندا. بيرك الذي يتشارك فهمه للحكم الأخلاقي والتطور الاجتماعي خواص مهمة مع سميث، متهمًا اتهامًا واحدًا لاذعًا للممارسات الإمبريالية البريطانية في نصفي الكرة الأرضية. في أعماله التي تتناول الهند وإيرلندا، حلّل بيرك بحساسية بالغة أشكال الإقصاء السياسي والأخلاقي التي صورت علاقات بريطانيا مع السكان الأصليين لمستعمراتها. يرى بيرك أن الأعمال البريطانية في العالم تحكُمها فكرة مقيّدة عن المجتمع الأخلاقي والسياسي أدت إلى تحقير السكان الأصليين في المستعمرات والرغبة في تعطيل المبادئ الأخلاقية والسياسية البريطانية. هذا تهكم واضح نظرًا لأن مرحلة أواخر القرن الثامن عشر تعرفُ بأنها حقبة الدفاع عن حقوق الإنسان، وربما عززت أكبر معارضة لاذعة لهذا التشكيل، ما يعتبر تأييدًا مكرّسًا قويًا نيابة عن الشعوب البعيدة التي تعاني تحت قبضة الدول الأوروبية. الاهتمام بكتابات بيرك حول الهند وإيرلندا أساسي لفهم أفضل ليس لما هو وراء شكوكه بــ «حقوق الإنسان» الثورية فحسب، بل للاحتماليات الناتجة عن ردة فعله الشخصية تجاه الفئات المستضعفة أيضًا. تكشف هذه الكتابات التعددية والتسامح الذي يُبنى عليه عداء بيرك المعروف للأيديولوجيات الكبرى والإصلاحات الشاملة المبنية على مبدأ مجرد. وبينما لا يكافئ بيرك أيّ أحد من معاصريه في سعة مشاركاته السياسية ومباشرتها في حربه على الظلم الإمبريالي، إلا أنني ناقشتُ أن إنجاز بيرك لم يكن بتلك الحساسية والشذوذ المميزين، بل شارك الآخرين ــ مثل سميث وبينثام ــ موقفًا نقديًا تجاه الادعاءات الأوروبية بالامتياز الثقافي والسياسي، وشكوكًا حول ما إذا كان يمكن للقوى الإمبريالية أو ينبغي عليها فرض التغيير السياسي على مجتمعات مختلفة تمامًا، وقلقًا حول خطر ممارسة القوة الاستبدادية حول العالم والتي قد تتجه ضد الحريات السياسية في الوطن الأم.

كما ناقشت في فصل (جيرمي بينثام: مشرّع العلم؟)، بينثام الذي استثمرت أجيال متتابعه نظريتَه النفعية كحصن نظري للحكومة البريطانية في الهند أكّد على أن هناك ظلمًا وفسادًا وتماديًا أوروبيًا في حكم الأراضي البعيدة التي لا يعرف مصالحها إلا شعوبها. لم تتخلى كتابات بينثام عن حماسة الهيمنة «التقدمية» على الشعوب «الرجعية» التي تسود كتابات المدَّعين خلافته.

ترك النفعيون البريطانيون بما فيهم جيمس مل وجون ستيوارت مل وآخرون موقف بينثام البارز الداعي إلى المساواة بين البشر والتعددية تجاه الإمبراطورية. لم يُحرّف الافتراض الشائع بالتقليد المستمر للإمبريالية النفعية مشروع بينثام النظري والسياسي وأدى إلى سوء تفسير لبعض كتاباته فحسب، لكنه فشل أيضًا في التعرف على تطور تفكير جون ستيوارت مل وجيمس مل عن الإمبراطورية. كان ذلك عندما أصبحت نظريات التقدم و«البربرية» المبسّطة سائدة، وعندما بدأ مفهوم الوطنية الضيق بالتجذّر، وعندما رأت كل من الدولة البريطانية وشركة الهند الشرقية بأن هناك حاجة لترسيخ حكمهما بأيديولوجية «تقدّمية» مناسبة، تحولت نفعية بينثام إلى مذهب إمبريالي مفهوم على نحو واسع[16].

وكبريطانيا، ظهر في نهايات القرن الثامن عشر في فرنسا استنكار متزايد للإمبراطورية، وكان ديديرو أكبر داعٍ إليها ولكن نجد هذا الموقف النقدي بدرجات مختلفة لدى مفكرين آخرين مثل كوندوركيت المؤلف المشارك لديديرو في موسوعة وتاريخ جزر الهند، وفي بداية القرن التالي بينجامين كونستانت[17]. أناقشُ في الجزء الثالث التحول في الآراء الليبرالية حول الإمبراطورية في فرنسا، وهذا لربما يصور أفضل صورة بالتعارض بين كتابات كونستانت عن «روح الغزو« وكتابات توكفيل حول الإمبراطورية الفرنسية في الجزائر وجزر الهند. على الرغم من تشارك كونستانت وتوكفيل في العديد من اهتمامات ليبراليي القرن التاسع عشر في فرنسا ــ الرغبة في بناء مجتمع ليبرالي متماسك في المقام الأول أعقاب الثورة والإمبراطورية ــ كان كونستانت مشككًا بالغزو الإمبريالي بطريقة لم يكن عليها أتباعه.

آمن توكفيل، وهو واحد من أكثر المناصرين الليبراليين للإمبراطورية بروزًا واحترامًا في أواسط القرن التاسع عشر في فرنسا، بأن غزو الجزائر يساهم في تأسيس واستمرارية الحكم الليبرالي الذي سعى لتحظى به فرنسا؛ وذلك بمشروع سياسي جماعي لجمهور لا مبالٍ إضافة إلى حكومة ذاتية مستقلة حازت على إعجابه في أميركا. حللتُ السبل التي تغلب فيها توكفيل على المخاوف الليبرالية المبكرة حول مخاطر وظلم الإمبراطورية ووصل إلى اعتقاد أن ليبراليته قد تحتاج إلى ــ أو على الأقل تُدعَم ماديًا من ــ الإمبراطورية.

إن اندفاع توكفيل للإمبراطورية غير متوقع بشكل أو بآخر، مما جعله يتغيب عن ذاكرة بعض القراء تمامًا. يبدو أن أشيعا برلين، على سبيل المثال، قد استقرأ ببساطة عناصر التعددية في الديموقراطية في أميركا ليبين أن «توكفيل يؤمن بممارسة الحقوق حتى في المجتمعات غير الناضجة…. بغير ذلك، لا يتمكن البشر من الوقوف واحترام الحريات المتبادلة، لذلك كان يعارض الأبوية والاستعمار حتى وإن كان المُستعمر خيّرًا»[18]. يشير هذا الادعاء إلى أن تجاهل كتابات توكفيل في الإمبراطورية هو سوء فهم عميق لانعكاس كتاباته عن الديموقراطيات الغربية. إضافة إلى ذلك، لا ينبغي صرف النظر عن كتابات توكفيل حول الجزائر واعتبارها مجرد مسألة غامضة في مهنة تعدُديٍّ ليبراليٍ تنويري. تعرِضُ هذه الأعمال درجة الاهتمام خاصة في بناء الدولة الديموقراطية الحديثة بالقوة على أساس ثابت يجذب ليبراليي فرنسا في القرن التاسع عشر إلى سياسة إقصائية عالمية داعية للعنف التي يراها أسلافه بأنها خيانة للإنسانية الليبرالية.

يركّز هذا الكتاب على تعاملات التوسع الإمبريالي الأوروبي مع السكان الأصليين في المناطق وعلاقته بهم، كمسألة أساسية للسياسة الإمبريالية. فهذا التساؤل يحوم حول علاقة بريطانيا وفرنسا مع الشعوب غير الأوروبية في آسيا وشمال أفريقيا، وأشير أيضًا إلى تعاملهم مع إيرلندا أيضًا، لأن استعمار بريطانيا لإيرلندا بالنسبة للعديدين ــ منهم بيرك ومل ــ يطرح تساؤلات واجهت بريطانيا مثلها في مستعمراتها الهندية. يرى بيرك أن قضايا الإقصاء السياسي والأخلاقي للشعوب التي يصنفها المستوطنون البريطانيون بأنها أقل منزلة، ورسم روابط بين جهوده نيابة عن الشعبين المستضعفين ــ الكاثوليكيين الإيرلنديين والهنود ــ اللذين وصفهما بالشعبين «المظلومين». بالنسبة لمل تطرح إيرلندا والهند قضايا وتساؤلات مشابهة لكيفية حكم المجتمع الرجعي، مع أنه لم يعترف في حالة إيرلندا فقط، بتواطؤ بريطانيا في رجعيتها المزعومة.

أناقش بإيجاز معالجة هؤلاء المفكرين لمستعمرات أميركا الشمالية، وعلى الرغم من مشاركة كل من سميث وبيرك وبينثام في نقاشات حامية حول مصير المستعمرات الأميركية قبل وخلال حرب الاستقلال الأميركية. أثر الصراع الأميركي وخسارة معظم مستعمرات العالم الجديد بكل تأكيد على آراء سميث وبيرك وبينثام حول الحكم الإمبريالي في أجزاء أخرى من العالم. انعكس اطلاعهم على نقاشات تدور حول استقلال المستعمرات الأميركية واشتراكهم فيها (يتضمن ذلك وضع مستعمرات إسبانيا في أميركا الجنوبية أيضًا في حالة بينثام) على مواقفهم تجاه القضايا الإمبريالية الأخرى. جعلت الأزمة الأميركية المفكرين الثلاثة يحذرون من التجاوزات الإمبريالية ويعون بقضايا عديدة تتعلق بالسيطرة على شعوب بعيدة تختلف مصالحها ــ وقد تكون غامضة ــ عمّن هم في الوطن الأم ويسعون إلى التحكم بمصيرهم.

يؤمن سميث بأن الاستقلال أو الاندماج السياسي الكامل هما السياسة الوحيدة تجاه المستعمرات الأميركية. كان بيرك الذي عمل وكيلًا لمستعمرة نيويورك متعاطفًا مع مطالب المستعمرة؛ على الرغم من أنه التمس سياسة متكيفة لتنسجم المستعمرات مع النظام الإمبريالي إلا أنه تقبل محاولة الاستقلال الأميركية عندما أصبح من الواضح أن بريطانيا لن تتبنى سياسة المصالحة هذه. كان بينثام وحده أول من بدأ بمعاداة مطالبات سكان المستعمرات الأميركيين، لأنه كان يرفض لغة الحقوق الطبيعية التي صاغها كل من سكان المستعمرات أنفسهم ومناصريهم البريطانيين مثل ريتشارد برايس[19]، لكنه سرعان ما آمن ــ لأسباب تتعلق بالعدل والحكمة ــ بأنه ينبغي على الدول الأوروبية تحرير مستعمرات المستوطنين. في نهايات ثمانينيات القرن الثامن عشر أصبح بينثام مناصرًا متحمسًا للاستقلال الأميركي والنظام الحكومي الأميركي مع بقاء عدائه الشهير لاتفاقيات الحقوق الطبيعية، ونقل عنه في نهاية حياته مناقشًا أن معارضته للاستقلال الأميركي كان بسبب الاتفاقيات السيئة التي منحت لدعمه بدلًا من «الحل الأفضل أي استحالة أن تكون هناك حكومة صالحة بهذا البعد، وأن الانفصال لصالح كلا الطرفين»[20].

في هذه الفترة كانت القضايا الأساسية في أميركا تتعلق بعلاقات المستوطنين الذين يتشابهون مع سكان الوطن الأم في ثقافتهم الاجتماعية والسياسية وأعضاء في مجتمع الوطن الأم في الشأن الأخلاقي والسياسي[21]. كانت قضية العلاقات بالهنود الحمر تحظى باهتمام أقل في النقاشات المتعلقة بالسياسة الإمبريالية في أميركا في نهايات القرن الثامن عشر على الرغم من تحفظ القليل من المراقبين البريطانيين على إمكانية الثقة بالمستوطنين الأميركيين في التعامل مع السكان الأصليين، وأن استمرارية العلاقة الإمبريالية كانت مبررة كوسيلة لحماية السكان الأصليين من جشع المستعمرين. وعلى الرغم من إهمال مسألة السكان الأصليين في نقاشات أكبر حول وضع المستعمرات في ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، كانت مسألة العلاقات مع الشعوب «التابعة» وحكمها رئيسية في نقاشات المستعمرات الاستيطانية في إيرلندا وبعد ذلك في فرنسا الجزائر. بقيت كيفية التعامل مع الشعوب الأصلية المستقلة ــ سواء كان يُنظر لها شعوبًا مرؤوسة أو مستضعفة أو مقصاة دون عمد ــ مسألة رئيسية في الفهم البريطاني والفرنسي للمعضلات السياسية في هذه المستعمرات إضافة إلى المناطق غير المستوطنة مثل الهند.

إن المعالجة الدقيقة لآراء هؤلاء المفكرين حول الصراع مع المستعمرات الأميركية بعيدة عن مجال هذا الكتاب، ولكني أخذت بعين الاعتبار كيف أن حججهم حول هذه المستعمرات الاستيطانية ساهمت في تكوين آرائهم حول الحكم البريطاني والفرنسي للشعوب الأصلية في المناطق المستعمرة، وبالمثل مهّدت رحلات توكفيل في الحدود الأميركية وفهمه للعلاقة بين المستوطنين الأوروبيين والهنود الحمر طرقًا مهمة في تحليله للسياسة الإمبريالية الفرنسية في الجزائر. توضّح أمنية توكفيل بأن الجزائر قد تبرهن بأنها «سينسيناتي التراب الأفريقي»[22] ــ قوة اقتصادية متولّدة بحكومة ذاتية محلية واعتماد ذاتي ــ الدروس التي استفادها من أميركا ليس فقط للديموقراطية الفرنسية لكن للإمبراطورية الفرنسية أيضًا.

تميّز التحول إلى الإمبراطورية بين المفكرين الليبراليين في بريطانيا وفرنسا خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر بمميزات نظرية أساسية مشتركة، ومن أبرزها الإيمان الراسخ المتزايد بأن الحضارة التقدمية الأوروبية منحت الأوروبيين السلطة لتعليق ــ في علاقاتهم مع الشعوب غير الأوروبية ــ المعايير الأخلاقية والسياسية التي آمنوا بتطبيقها على أنفسهم. وما زال سميث وبيرك وبينثام وكونستانت، على الرغم من التشابه في نفورهم من الإمبراطورية يختلفون في تشخيصهم المعيّن للقضايا المتعلقة بالتوسع الإمبريالي الأوروبي. أيضًا توكفيل ومل على الرغم من أنهم عرفوا بتبريرهم وممارستهم للقوة الإمبريالية في بلدانهم، اختلفوا ــ بوضوح كما سنرى ــ حول نوعية الإمبراطورية التي يمكن تبريرها وكيف يتم ذلك. تدور الكثير من النقاشات النظرية حول نقد  المفكرين الأوائل للإمبراطورية، وتفوق ذلك النقد على خلفائهم؛ ولذا سأناقش بشكل محددٍ، مفكرًا وراء  الآخر، فصلًا وراء فصل. ومع ذلك فإنّ خصائص معيّنة للخلفية السياسية والاقتصادية والفكرية المتغيرة، تزودنا بخلفية مهمة لتلك التطورات النظرية، وهي ما سأشير إليها بإيجاز في القسم التالي.

2 ــ السياقات التاريخية

التطورات السياسية في الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية

حصل التحول في الفكر السياسي الذي وصفته في هذه الدراسة، جنبًا إلى جنب مع التغيرات الكبرى في الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، إضافة إلى الاضطرابات السياسية المحلية. ومن حرب السنوات الستة وإلى نهاية حرب الاستقلال الأميركية، تحولت طاقات بريطانيا الإمبريالية من مستعمرات استيطانية في العالم الجديد إلى آسيا وحكم العديد من الشعوب التابعة غير الأوروبية[23]. أدت نجاحات بريطانيا العسكرية الضخمة في حرب السنوات السبعة في كندا، ونجاحاتها في جزر الهند الغربية وأفريقيا وجنوب الهند، إلى أن ينظر الشعب البريطاني لدولته كقوة إقليمية وبحرية وأن إمبراطورتيهم أصبحت ولأول مرة عالمية، وتسببت خسارة العديد من مستوطني المستعمرات البريطانية في أن الإمبراطورية البريطانية لم تعد أوروبية خالصة و«حرة»[24].

وكما أظهر ديفيد أرمتيج وكاثلين ويلسون مؤخرًا، تحدّت التطورات في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الإيمان البريطاني الطويل بإمبراطورتيهم التي كانت على العكس من الإمبراطوريات البرتغالية والإسبانية أو حتى الفرنسية والهولندية، واحدة من الإمبراطوريات التجارية الاحتلالية: كانت تتميز ــ ومسؤولة عن نشر ــ بالمؤسسات البريطانية والممارسات السياسية الحرة[25]، وبالطبع كانت هذه الصورة تعتبر درجة من الوهم دائمًا، خاصة في افتراضها أن أميركا الشمالية كانت أرضًا خالية لم يتطلب الاستحواذ عليها غزو السكان الأصليين بل شراءها منهم، أو أن المستوطنين بكل بساطة استوطنوا جنبًا إلى جنب معهم، ومع ذلك طالما كان أغلب سكان المستعمرات أوروبيين ويشتركون مع الوطن الأم في تاريخه وحضارته السياسية وتربطهم علاقات تجارية وعائلية مع سكانه، تُصوّر كلمات أرمتيج الإمبراطورية البريطانية بأنها «بروتستانتية وتجارية وبحرية وحرة»[26]. إذا كان ينقص المستعمرين التمثيل الرسمي المكافئ الذي يحظى به بعض البريطانيون، فهم كانوا يتمتعون باستقلال سياسي عبر المجالس الاستعمارية التي كان لها موقف سياسي حاسم، وحظيت بالانضمام إلى دائرة الاعتراف الأخلاقية والسياسية البريطانية. بنهاية القرن الثامن عشر ومع خسارة المستعمرات الأميركية والتوسع الإمبراطوري في الهند عبر سلسلة من الحملات العسكرية التي استمرت عقودًا عدة، أصبحت المحافظة على الصورة الخيالية لإمبراطورية تجارية سلمية تنشر الحرية البريطانية في العالم أكثر صعوبة. على الرغم من أن العديدين استمروا في العمل تحت وهم الإمبراطورية الحرة والسلمية للتجارة والاستيطان، فقد شعر العديد من المراقبين المتنبهين بالقلق الشديد من الاستبداد الإمبريالي البريطاني لقمعه الشعوب الأجنبية وخطر تأثير ذلك على الحرية في الوطن[27].

تعرضت المستعمرات غير الاستيطانية البريطانية خاصة في الهند، إلى تغيرات إدارية جذرية في نهاية القرن الثامن عشر، حتى ذلك الوقت كانت الشركات التجارية وبلا إشراف برلماني يذكر ــ اسميًا أو ممارسة ــ مسؤولة ليس عن التجارة والعلاقات الدبلوماسية مع الدول الآسيوية فحسب، بل وأيضًا عن الاستحواذ على الأراضي والسيطرة عليها وتعبئة القوات العسكرية. ما زالت شركة الهند الشرقية تعتبر نفسها شركة تجارية بالمقام الأول في نهاية القرن الثامن عشر، وكان استحواذها على الأراضي وقدرتها العسكرية الضخمة بداية تحولها إلى مؤسسة حاكمة. تحوّلٌ اعتبره سميث وبيرك وآخرون سيئًا ليس للتجارة فحسب، بل أشد خطورة على موظفي الشركة الآسيويين. تسببت ديون شركة الهند الشرقية وامتدادها الإقليمي المتزايد في بداية ستينيات القرن الثامن عشر في صراع طويل بين البرلمان والشركة حول وضع الشركة وواجباتها وامتيازاتها[28]. خسرت الشركة امتيازاتها التجارية وأصبحت مؤسسة حكومية تمامًا لها سيادتها على مناطق ضخمة عام 1833م. نُظمت خدمتها المدنية وأضفي عليها صفة المهنية بتفوق الشبكات الراعية وتأسيس كلية هيليبيري حيث يتدرب موظفو الشركة على اللغات والإدارة. ظلّت الشركة الحاكم الرسمي في الهند حتى عام 1859م، وعندما أغلق الجهاز الإداري للشركة أبوابه في الهند مهد ذلك الطريق للملكة فكتوريا للحصول على لقب إمبراطورة الهند في سبعينيات القرن التاسع عشر.

لم يؤد الإعداد الأفضل لموظفي الشركة للعمل في الهند في القرن التاسع عشر إلى نشأة حضارة هندية أعظم وبتلك المستويات العالية من الإدارة حازت إنجازات الحضارة الهندية بالطبع على الإعجاب، حتى في أوساط البريطانيين العاملين لمصلحة التوسع الإمبراطوري في القرن الثامن عشر. كان المستشرقون المعجبون بالحضارة الهندية مثل السير ويليام جونز رائد الدراسات الأوروبية في الأدب السنسكريتي والهندي بارزين بين حكام المستعمرات في القرن الثامن عشر[29]، حتى وارن هاستنجز الذي اعتبر العرف الآسيوي بالحكومة المسيطرة تبريرًا لحكمه الاستبدادي زاعمًا احترامه للحضارة الهندية، وتعلّم عدة لغات هندية وجمع بعض التحف الأثرية[30]. كان أوروبيو القرن الثامن عشر أيضًا أقل ميلًا إلى النشاط التبشيري في آسيا من خلفائهم. يعني التأثير الكبير للحملات التبشيرية الإنجيلية على السياسة الإمبريالية في القرن التاسع عشر أن الحكام الاستعماريين أصبحوا أكثر رغبة في التدخل في الحياة الدينية والثقافية الهندية أكثر من ذي قبل. زادت الحملات التبشيرية الإنجيلية من نشاطاتها في الهند وأصبحت مصادرَ مهمة للمعلومات عن المجتمع الهندي، وانعكست قناعة الحملات التبشيرية بتفوق أوروبا المسيحية على المجتمعات غير المسيحية على المواقف البريطانية من الهند أكثر فأكثر حتى خارج الدائرة الإنجيلية[31]. تعني كلٌّ من القوة المتزايدة وازدراء الحضارة الهندية، جهودًا واسعة جديدة للتدخل في التقاليد الثقافية الهندية، ومحاولات جادة جديدة لتغييرها.

فرنسا ــ على العكس من ذلك ــ خسرت كثيرًا من أراضيها في شمال أميركا وآسيا لبريطانيا، وبعد ذلك لأميركا. وبعد اشتعال الحماسة التوسعية لنابليون وفي أعقاب خسارته، كان الشعب الفرنسي والقيادة الفرنسية تحت حكم آل بوربون معادين للتوسع بشدة، ولكن عند احتلال فرنسا للجزائر عام 1839م وصل القادة السياسيون الفرنسيون إلى إيمان بأن الإمبراطورية البريطانية كانت مصدرًا لقوتها الدولية، ويجب أن تحاكي فرنسا ذلك للبقاء كقوة عظمى. كانت الإمبراطورية أمرًا واقعًا بأي حال من الأحوال، وهذا ما رآه مناصرو الإمبراطورية خلال تلك الفترة ومن أشهرهم توكفيل الذي يرى أنه من الواجب دعم الغزو أو فقدان فرصة فرنسا في أن تصبح قوة دولية عظمى. لم تصمد الحجة الانتقادية التي كانت غير واردة في القرن التاسع عشر وكانت ممكنة في الثامن عشر. كان العديد من مفكري القرن الثامن عشر ــ منهم آدم سميث ــ يؤمنون بأنه لا يمكن إقناع دولة أوروبية بالتخلي عن مستعمراتها التي كانت مبعثًا للفخر والاحترام الذاتي، واستمرت انتقادات الإمبراطورية خلال القرن التاسع عشر على الرغم من كتم أصواتها وإهمال تأثيرها، وبالطبع بقيت حجج سميث بارزة بين أولئك النقاد الذين بقوا. استمر الاقتصاد السياسي في توليد الحجج على الغزو والحكم الإمبريالي وعزّز من النقد الأخلاقي[32].

تسببت تعرية القوى الأرستقراطية أو الجائرة والظهور الجزئي للدولة الديموقراطية، بمخاوف وضغوطات على المفكرين الليبراليين في مرحلة قد تكون ساعدت في الـ عودة إلى الامبراطورية. يعتقد توكفيل أن تقلبات السياسة الفرنسية في وقته يتطلب حلًّا جوهريًا، وقال إن الغزو الفرنسي للجزائر حلٌ ممكنٌ للمشكلات السياسية التي بدت مستعصية على أي حل داخلي بحت. طوّر جون ستيورات مل فهمًا معياريًا تقليديًا للأمة؛ حيث تتطلب كلًّا من القيود المشتركة التي تضعها الثقافة السياسية الشائعة، والقدرة على الحكم الذاتي الذي بدى غامضًا على مجموعة صغيرة من الأمم الأوروبية. عكس ضيق تعريفه للوطنية  وإيمانه بأن الأمة إنجاز شاق: إذا كان ذلك صعبًا لبريطانيا كيف سيكون بالنسبة ــ حسب نظرته للتطور ــ للشعوب الرجعية. في نفس الوقت سبب تطور الديموقراطية مخاوف عميقةً للمفكرين الليبراليين مثل توكفيل، وهذا أيضًا يعني أن لديهم التزامًا بنظام دولتهم السياسي الذي لم يلتزم به ورثة النظام الأرستقراطي مثل ديديرو، ويبدو أنهم لم يكونوا مستعدين ليصبحوا ناقدين لاذعين، كما كان المفكرون الأوائل، للنظام السياسي الذي كانت زعزعته مقلقة وإمكانية تقدمه واعدة.

الثقة الحضارية

قد توصف أكبر التناقضات الكبرى، بين آراء مفكري القرن الثامن عشر التي أراجعها هنا، وبين آراء خلفائهم في القرن التاسع عشر، بأنها نوع من الثقة الثقافية والحضارية الزائدة التي أبداها المفكرون من أطياف الفكر السياسي في القرن التاسع عشر من المحافظين إلى الليبراليين والراديكاليين. بينما أصبح الأوروبيون في القرن الثامن عشر أكثر ثقة بلا شك بتفوقهم فكريًا وأخلاقيًا وسياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا على بقية العالم، نجد أن هناك إحساسًا مستمرًا بين عددٍ من مفكري القرن الثامن عشر بهشاشة إنجازاتهم الحضارية وشكوكًا دائمة بعدالة الأنظمة السياسية والاجتماعية الأوروبية واحترامًا لإنجازات وعقلانية المجتمعات الأخرى[33].

على الرغم من إيمان أغلب المفكرين الأوروبيين في هذه المرحلة بأن أوروبا أحرزت تقدمًا اقتصاديًا وسياسيًا متجاوزة المجتمعات الأخرى، إلا أن كثيرين كانوا يشككون في ما إذا كان الأوروبيون مسؤولين مسؤولية كاملة عن أسباب استمرار حكمهم للشعوب «الرجعية» بالقوة. من نهاية الحكم الأرستقراطي في فرنسا في القرن التاسع عشر مرورًا بالتوسع البريطاني في نظام التصويت إلى إلغاء تجارة العبيد ثم العبودية بالكامل في المستعمرات الأوروبية والتقدم الاقتصادي والتقني الهائل للثورة الصناعية، أفضت عدّة عوامل إلى القناعة ــ حتى عند النقاد الاجتماعيين الراديكاليين مثل جون ستيورات مل ــ بأن الثقافة السياسية الأوروبية (البريطانية والفرنسية على الأقل) هي بلا شك متفوقة على بقية مجتمعات العالم.

كان الرأي القائل بأن الأوروبيين ليسوا في موقف يتيح لهم نشر ثقافتهم ومؤسساتهم السياسية جليًا، خاصة بين أولئك الذين عاشوا تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية في أوروبا مثل الألمان ككانط وهيردر والنقاد الفرنسيين للنظام الأرستقراطي مثل ديديرو[34]. أدى بغضهم لأنظمتهم إلى اعتبار بطش التوسع الإمبريالي نوعًا من سياسة أوروبا الاستبدادية في وقتهم. كما سأناقش لاحقًا، لم يشكك أحد من المفكرين البريطانيين الذين يتناولهم هذا الكتاب بعدالة الأنظمة البريطانية في الوطن الأم، على الرغم من أن بينثام اعتبر القوانين البريطانية ومؤسساتها عبثية وجائرة. بينما يتفق جيمس مل وغيره من الراديكاليين النفعيين في تحقيرهم للتعتيم القانوني البريطاني مع بينثام، إلا أنهم وصفوا المجتمع الهندي (اهتمامهم الأساسي) بتأخره عن بريطانيا سياسيًا وحضاريًا وأن حكمًا استبداديًا غير مبررٍ يُفضّل على أي حكومة محلية. كان جون ستيوارت مل ــ أكثر توافقًا مع النظام السياسي البريطاني من والده ــ متيقنًا أكثر بأن الحكم البريطاني المطلق هو أفضل ما تتطلع له الشعوب «الرجعية» وأن هذا الحكم المطلق يمارس بعلم وحلم لتعجيل تقدّم تلك الشعوب.

اعتبر نقاد الإمبراطورية في القرن الثامن عشر أن توسّع الإمبريالية الأوروبية مرتبط ومتوازٍ، إلى حد ما، مع فظائع تجارة العبيد والعبودية. وكما أظهر بي. جي. مارشال، فقد حارب الإصلاحيون البريطانيون، وأبرزهم بيرك وبينثام، في سبعينيات وثمانينيات القرن الثامن عشر العبودية في جزر الهند الغربية والبطش البريطاني في الهند باعتبارهما توأمي شر[35]، وبالمثل ربط هيو موليغان مؤلف «قصائد في العبودية والظلم» عام 1788م المهدى إلى ويلبيرفورس اضطهاد بريطانيا لعبيد جزر الهند الغربية بنهبها للهند وإيرلندا وأفريقيا في سلسلة من أربع حوارات في قصيدة، تمم أشعاره بحاشية كبيرة مستشهدًا فيها بكتاب تاريخ جزر الهند الغربية لرينال. كما اتهمت أعمال أخرى موظفي شركة الهند الشرقية بالمساهمة في مجاعة البنغال وذلك عبر التلاعب بالأسعار، وما زال البعض الآخر يعارض التجارة الحرة مع إيرلندا[36]. من المدهش أن هذا الارتباط بين القضايا «الإنسانية» تداعى بنهاية القرن الثامن عشر، في حين أن الأصوات المعارضة للعبودية انتشرت في العقود المبكرة من القرن التالي مُتعدية مجموعة الإصلاحيين والمفكرين الذين قادوا الحركة وامتدت إلى دوائر أوسع كالإنجيلية وغيرها. تلاشى هذا النقد الحاد للأعمال البريطانية في الهند في نهاية تسعينيات القرن الثامن عشر. يقول مارشال «بدأ فوز كلا من العبودية وشركة الهند الشرقية في إبطال تنفيذ الأحكام عليها في تسعينيات القرن الثامن عشر» وما لبثت إلا أن استعادت معارضة العبودية قوتها السابقة عند حكم اليعاقبة لبريطانيا ثم النابوليونية لفرنسا. بينما «وصل العديد من المفكرين البريطانيين… ليس لمجرد الإذعان لما يحدث في الهند، بل عبروا عن حماستهم بإيجابية له»[37]. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر سلّم ليبراليون مثل جون ستيوارت مل وتوكفيل جدلًا بأن العبودية شر يجب استئصاله، ولكنهم تخلوا عن موقفهم المشكك تجاه التوسع الإمبريالي الذي تميّز به نقاد العبودية الرئيسون من الجيل السابق.

إن مصير الحركة المناهضة للعبودية واحد من أهم أسباب اختفاء نقد التوسع الإمبريالي الليبرالي بعد تسعينيات القرن الثامن عشر، وقد بدأ تبرير الحكم الإمبريالي البريطاني في تلك المرحلة ــ خلال القرن التاسع عشر ــ يستند على حجة أن بريطانيا جلبت (وهي الوحيدة القادرة على جلب) حكومة جيّدة للهند. مهّد العنف القائم والفساد البريطاني في الهند خلال العقود السابقة، والحملات العسكرية على الأعداء الهنود، والثروات الخاصة المكتسبة الكبرى، طريقًا لأشكال أكثر تحكيمًا للبطش؛ مثل الضرائب الباهظة وسياسات الاستيراد. بُررت هذه السياسات بأنها جزء من نظام التطوير الذي قيل بأنه يستبدل الحكومات الاستبدادية بالمُلكية المؤمّنة وحكم القانون. استُبدل «الصبية» الجشعون الذين ازدراهم بيرك واتهمهم بمسؤوليتهم الجزئية عن عنف الشركة في الهند واضطرابها، بموظفين مدنيين درسوا الإدارة واللغة الهندية في جامعة هاليبري وعُرفوا بنزاهتهم المهنية، وكما أشار مارشال أصبحت التقارير التي ترد من الهند أيضًا إيجابية حول حكم الشركة في مطلع القرن التاسع عشر بما لم تكن عليه من قبل، بينما أرسل معارضو الشركة تقارير مُدينة لجرائم موظفي الشركة لبريطانيا[38]. كذلك قد يؤكد بيرك على «الشرور التي برزت من نظام التضحية بشعب تلك الدولة ــ الهند ــ لمصلحة الأخرى»[39]. لم يستعدّ المراقبون الأوروبيون في القرن التاسع عشر للإيمان بأن النظام الاستعماري نوى التضحية بالمصالح الهندية لحساب البريطانية أو ضحّى فعلًا. تمسّك الكثيرون (منهم جيمس وجون ستيوارت مل) بالرأي القائل إن الحكم البريطاني للهند كان في الحقيقة مكلفًا لبريطانيا لكنه مبرر لمزاياه الكبرى التي يقدمها للهنود.

أزال إلغاء تجارة العبيد ومن ثم العبودية من وجهة نظر الإصلاحيين واحدًا من أكثر أنواع الظلم وضاعة في السياسة والمجتمع الأوروبي في القرن الثامن عشر. لم يعد باستطاعة الراديكاليين ــ أو لم يحتاجوا ــ إلى الإشارة بأن العبودية دليل على وحشية واضطهاد النظام السياسي الأوروبي، وعلى العكس وبعد إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية عام 1848م والمستعمرات الفرنسية عام 1848م، وبدلًا من اتهام النشاطات الإمبريالية الأوروبية، ساهمت تجارة العبيد المستمرة في أفريقيا في تبريرها حيثُ دعا كل من الإصلاحيين الدينيين والمدنيين بريطانيا إلى التغلغل في مناطق غرب أفريقيا حيثُ تنتشر تجارة العبيد ومنعها أيضًا[40]. أشار توكفيل ــ كما ناقشتُ في الفصل الأخير ــ أن إلغاء العبودية في جزر الهند الغربية الفرنسية كان مهم للمحافظة على الجزر في الإمبراطورية.

التطور الاقتصادي والتحويل الصناعي

تُعزى ثقة الأوروبيون الثقافية البالغة في القرن التاسع عشر ــ خاصة البريطانيين ــ مقارنة بأسلافهم في الأجيال السابقة أيضًا إلى الثورة الاقتصادية والتقنية الهائلة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر. كانت هذه الثورة على الأرجح نتيجة للتدابير الجيدة في الاستغلال البريطاني لموارد المستعمرات، وبخاصة العبودية، والاستحواذ على أراض لامحدودة في العالم الجديد. وبعكس ذلك يعزى كساد الاقتصاد الهندي في القرن التاسع عشر إلى الحكم البريطاني نفسه. لذا عندما يقارنُ بريطانيو القرن التاسع عشر تطور مجتمعهم بالهند المتأخرة فسيلاحظون ــ بجانبي المقارنة ــ ظواهر لم توجد قبل عام 1790م وأن ذلك كان من عواقب الحكم الاستعماري.

بينما جزم العديد في أوروبا في القرن الثامن عشر بتفوق أوروبا على المجتمعات «المتحضرة» الأخرى، خاصة الهند والصين، فإنه ما زال ممكنًا نقاش أن ثروة الصين والهند ودقة صناعتها ورخاء أفقر سكانها مقارنة بمن هم في أوروبا يُظهر أن تلك المجتمعات مكافئة لمثيلاتها الأوروبية في الرخاء[41]. تشيرُ مقارنة كينث بوميرانز الدقيقة للبيانات الاقتصادية في القرن الثامن عشر على أن مستويات المعيشة ومعدلات الوفيات والولادة كانت متشابهة في معظم الدول المتقدمة اقتصاديًا في آسيا (نهر اليانغستي وأجزاء من اليابان والبنغال) وأوروبا (بريطانيا وهولندا). دللّ بوميرانز أيضًا على أنه لم تصبح اقتصادات بعض دول أوروبا الغربية متقدمة على أولئك في الصين واليابان والهند إلا في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، وكذلك أظهر أن ثورة أوروبا الإنتاجية قد تكون نتيجة للصدف في أكثرها وليست نتيجة لأساليب طويلة الأمد من الترتيبات الاقتصادية المتفوقة[42]. على الرغم من بدء تصوير المجتمعات الآسيوية بالركود، لكن عندما قارن أوروبيو القرن الثامن عشر مجتمعاتهم بتلك التي في الصين أو الهند، لم يبدُ من الواضح لهم ــ كما كان بالنسبة للمراقبين الفرنسيين والبريطانيين بعدهم بأجيال عدة ــ أن مجتمعاتهم كانت أكثر تطورًا أو ثراءً أو تفوقًا أو استنارةً في ممارساتها الاجتماعية والسياسية.

علاوة على ذلك، قد يكون الحكم الاستعماري نفسه حتميًا للتطور الاقتصادي البريطاني المتزايد في القرن التاسع عشر، خاصة في تخفيف القيود على الأراضي المشتركة عبر أوراسيا وسد الحاجة الصناعية الأوروبية النهمة. انتهك التوسع الاستعماري عديدًا من مبادئ نظرية سميث الاقتصادية فقد استثمر رأس المال في غير محله «الطبيعي» الذي يستثمر فيه، وفرضت بريطانيا بالتوازي الضرائب على غالبية سكان الدولة غير المشاركين في التجارة الحرة لمصلحة القلّة، وفرضت نفقات عسكرية ضخمة على المواطنين. في حين يعتقد سميث بأن فوائد التجارة العالمية كان من الممكن الاستفادة منها دون تكلفة الحكم الإمبريالي الذي رفضته دول كالصين التي استمرت في اتباع طريق التجارة وحدها (سواء على المستوطنين الأوروبيين أو الشعوب غير الأوروبية). تشير التحليلات الاقتصادية الحديثة التي جمعها بوميرانز أن الحكم الاستعماري الأوروبي القسري والجبري كان ضروريًا للنمو الاقتصادي الهائل في أوروبا بعد عقود من وفاة سميث.

من المرجح أيضًا أن أجزاء من الهند في القرن التاسع عشر كانت في الواقع «رجعية» مقارنة بما أصبحت عليه بعد توسع الحكم البريطاني في الهند. عندما زعم المراقبون البريطانيون للهند في القرن التاسع عشر أن المجتمع الهندي تميّز بالركود الاقتصادي والتقاليد الثقافية فهم وصفوا ظواهر كانت حقيقية بعض الشيء، وذلك بفضل حكمهم الاستغلالي. فصّل دي. آيه. واشبروك السبل التي تسبب فيها الحكم البريطاني في العقود الأولى من القرن التاسع عشر بتحضّر مناطق عديدة من الهند وانخفاض الأهمية النسبية للتصنيع بها. ساهم الحكم البريطاني ــ يشمل ذلك سوء الحكم وفرض النظام التجاري لصالح الصناعة البريطانية ــ بتدمير الاقتصاد الصناعي الحيوي ذي الجودة العالية وظهور مجتمع هندي «زراعي قائم على الفلاحين» وبداية كساد اقتصادي استمر لعقود طويلة[43]. على الرغم من اعتراف بعض المراقبين البريطانيين بدور بريطانيا في هذه التطورات المشؤومة خاصة فيما يتعلق بجهود شركة الهند الشرقية التخريبية لإصلاح حقوق الملكية، كان الافتراض السائد أن الثقافة الهندية مسؤولة عن تأخر المجتمع وأن الحكم البريطاني كان أمل الدولة الوحيد في التنوير والتطور.

فيما يتعلق بالجانب الثقافي أيضًا، ساعد الحكم البريطاني في أن يصبح المجتمع الهندي أكثر «تقليدية» عمّا كان عليه من قبل: أضحى النظام الطبقي أكثر تشبتًا وتغلغلت آثاره في جوانب من المجتمع والديانة الهنديين في وقت لم يكونا فيه مؤثرين، فتطورت حركات الإحياء الهندوسية والإسلامية كردة فعل لتهديد التبشير المسيحي وكما قال واشبروك: «بات المجتمع الهندي أكثر «تدينًا» و«طائفية» بعد الحكم البريطاني»[44]:

كانت التأثيرات الكبرى التي ــ الحكم البريطاني في الهند ــ أحدثها (بقصد أو غير قصد) ليست مجرد نقل الحضارة البريطانية إلى الشرق، بل إنشاء مجتمع هناك مبني على استمرار الاختلاف «المستشرق» كما شرحه ادوارد سعيد. غدت الهند مستعمرة زراعية تابعة لهيمنة بريطانيا الصناعية، تجردت مؤسساتها الثقافية الأساسية من إمكانياتها و«قُوّمت» على تشكيل تقليدي ثابت وتعرّض «مجتمعها المدني» إلى سيادة الدولة العسكرية المهيمنة. قد يكون للحكم البريطاني قبل التمرد الفضل في تغيير المجتمع الهندي، ولكن هذا التغيير جاء بعكس افتراضات «التحديث» وتركها حاملًا أسطورة «الرجعية» الكبرى، التي تراجع عنها لاحقًا. (399)

تذرع مناصرو الإمبراطورية الليبراليون بالرجعية الهندية كمبرر للحكم البريطاني المتحضّر، لكن لاحقًا تبين أن هذا الحكم خلق جوانبًا من المجتمع الهندي تراها بريطانيا رجعية، وفاقمها ورسّخها.

الاختلاف العرقي والإنساني

ساهمت المفاهيم العرقية المتغيرة وأشكال العنصرية الجديدة أيضًا في التحول الكبير في المفاهيم الأوروبية لعديد من المجتمعات غير الأوروبية، حتى لدى مل وتوكفيل اللذين انتقدا بعنفٍ نظريات تتعلق بالاختلافات البيولوجية بين الأعراق. أشار العديد من العلماء إلى التحول من إيمان بالاتحاد الإنساني إلى التباين الإنساني، والذي حدث في نهايات القرن الثامن عشر وبداية عقود القرن التاسع عشر. يقول روكسان ويلر إن «الالتزام الوجودي بالتشابه الإنساني بدت تظهر عليه نقاط ضعف» في سبعينيات القرن الثامن عشر. أصبح التحول من العالمية البيولوجية في تسعينيات القرن الثامن عشر منتشرًا، وأشارت نانسي ستيبان إلى أن إجماعًا جديدًا بدأ يأخذ منحاه في أواسط القرن التاسع عشر عندما رأت بريطانيا تغيرًا في التأكيد على التجانس الظاهري والأخلاقي للإنسان ــ بغض النظر عن الاختلافات السطحية ــ إلى التأكيد على التباين الأساسي للجنس البشري على الرغم من التشابهات السطحية[45]. انعكس السياق الفكري القائم على التأكيد المتزايد على عمق الاختلافات بين المجموعات الإنسانية خلال القرن التاسع عشر على تطور الآراء حول الشعوب غير الأوروبية والإمبراطورية في حين أن كل المفكرين الذين يناقشهم هذا الكتاب ملتزمون بالمساواة والوحدة البيولوجية.

يتشارك سميث وبيرك وبينثام في إيمانهم بفرضية الوحدة الإنسانية السائدة في عصرهم، وانعكاساتها على الاختلاف الثقافي. وأكد هؤلاء الثلاثة كلهم، على المساواة العقلية لجميع الشعوب، وناقشتُ ذلك في (الجزء 1/الفصل 1، والجزء 2/ الفصل 1). وعلى العكس من ذلك عَكس الخطاب الأوروبي في القرن التاسع عشر فرضية سائدة تقول إن المجموعات الإنسانية تتسم باختلاف عميق في أطباعها وقدراتها، تعكس هذه الفكرة أعمال توكفيل وجون ستيوارت مل حتى وإن كان كلاهما رافضين للنظريات البيولوجية للاختلاف الإنساني. عارض توكفيل النظريات العنصرية لصديقه وتلميذه غوبينو ووصفها بـ«الخاطئة والمقيتة»[46]، وبالمثل انتقد مل الميل إلى التفسيرات البيولوجية للاختلاف الإنساني في القرن التاسع عشر وقارن هذا الميل بميل «الشعوب البدائية» إلى إرجاع ما لا يقدرون على تفسيره إلى التدخل السماوي[47]. ينبغى أن تؤخذ عنصرية معاصري مل بعين الاعتبار إذا نظرنا إلى جهوده في رفع دعوى لمحاكمة ادوارد جون آير حاكم جامايكا، وسأناقش ذلك في الفصل الثاني من الجزء الثاني. حارب مل العنصرية المقيتة بين مناصري آير البريطانيين ومنهم أكثر الكُتاب بروزًا وبلاغة مثل كارليل وروسكين. يؤكد مل في ذلك السياق على أهمية العدل والإنصاف لأتباع بريطانيا من البيض والسود، وهذا يمثل التزامًا كاملًا بالمساواة الأخلاقية بين الأعراق المختلفة.

لا تزال كتابات مل تُظهر لغة التفاوت الإنساني بطريقة قد تكاد تنتمي إلى الخطاب العرقي، وهو نفسه أكد على ذلك بقوله «لم أنو إنكار تأثير الأعراق قط». (الأعمال الكاملة 15:691). يشير جورجيو فاروكاكس أنه على الرغم من إنكار مل للحتمية البيولوجية والتفسيرات العرقية فإن افتراضاته الضمنية واستخدامه لغة تشير إلى علاقة بين العوامل الظاهرية والبيولوجية والشخصية الإنسانية[48]، تخون العديد من آرائه حول «وطنية» الشخصية. كذلك الأمر مع تصنيف غير النظري والأعمى للمجموعات الإنسانية واقتراح الحتمية الظاهرية: «أكثر حساد البشرية هم المستشرقون… بعدهم بعض الأوروبيين الجنوبيين…. مع الفرنسيين وهم جنوبيون»[49]. وصف مل التفسيرات العرقية بالبسيطة والضعيفة إلا أنه ينظر إلى تعريف «الشخصية» للمجتمعات الإنسانية المختلفة ــ وترتيب تلك المجتمعات بمقياس التطور ــ بوصفها عنصرًا ضروريًا للتحليل الاجتماعي المنطقي، وكما سنرى يعتبر مل إهمال بينثام لهذه التصنيفات والتسلسلات الهرمية قصورًا في فكره.

وصل منظرو التقدم إلى أن التقدم مسألة عقلانية متزايدة وقدرة إدراكية بحيث يمكن وصف أفراد المجتمعات في مراحلها «المبكرة» من التطور بأنهم ليسوا بشرًا عقلاء يعملون في سياقات متعددة من التنظيم الاجتماعي؛ فهم محدودون معرفيًا بحسب مل: غارقون في الأخطاء أو عبيد للخرافات، غير قادرين على التفكير المجرد المهم لاستمرار العقود والمعاهدات، «لا يمكن الثقة بهم» ويفتقرون إلى «الشخصية» ولا يمكنهم المشاركة في صناعة القرار في حكوماتهم ليس بسبب أميتهم أو افتقارهم للتعليم بل بسبب (أحيانًا يوصّف بلغة غامضة) القصور الحضاري المتجذر[50].

وُصِفت فكرة التطور أو التقدم الخطي، بأنها إمبريالية في أسلوبها؛ وذلك نتيجة لخصائص فلسفات التاريخ ونظريات التقدم في القرن التاسع عشر. وما زالت نظرية التاريخ لآدم سميث ونظريته الأخلاقية والسياسية العامة تُظهر أن مفاهيم التقدم التاريخي في القرن التاسع عشر قد تكون قابلة للتطوير، في حين أن هناك مقاومة لأي إيحاء بإقصاء غير الأوروبيين من معايير الاحترام السياسي العامة أو تضمينهم أو معاملتهم بالمثل.

يُوصَفُ جميع المفكرين الذي يناقشهم هذا الكتاب بشموليتهم؛ فهم تداولوا وناقشوا بطرق مختلفة التوترات بين الالتزامات العالمية الأخلاقية والاعتراف بالخصوصية. كانوا شموليين في التزامهم بالوحدة الإنسانية والمساواة الإنسانية الأخلاقية وفي رفضهم لنظريات تعدد الأصول والعنصرية البيولوجية التي بدأت تأخذ منحاها في تلك الفترة[51]. اتخذت شموليتهم أشكالًا مختلفة باختلاف التأثيرات الراديكالية للسياسة الدولية والحكم بين الثقافات. يتفق بيرك ومل أن الإمبراطورية البريطانية يجب أن تكون ــ بحسب بيرك ــ «متحدة على مبدأيّ المساواة والعدالة»[52]. لكنهما طوّرا مفاهيمًا مختلفة في كيفية تطبيق هذه المساواة نظرًا إلى الاختلاف الذي لا يمكن إنكاره بين المجتمعات الأوروبية وسكان المستعمرات المحليين. وقفت أوروبا في قمة التاريخ العالمي بنظرة شمولية شكلت الليبرالية الإمبريالية التي برزت في منتصف القرن التاسع عشر وجهة نظرٍ اعتُقِدَ أنها منحت الأوروبيين سلطة معرفية وأخلاقية لفرض تقدمها على المجتمعات الأقل تطورًا، وذلك بالعنف والإكراه اللذين اعتبرا مهمين للسلطات الاستعمارية ذات النوايا الحسنة. بررت هذه العالمية التقدمية الحكم الإمبريالي الأوروبي بمصلحة الشعوب «المتأخرة»، ملغية سيادة السكان الأصليين في عدد من الدول ومرخصة لسياسات التدخل على نحو متزايد في أنظمة المجتمعات المستعمرة التعليمية والقضائية والعقارية والدينية. ومع تطور هذا النوع من الفكر الليبرالي الإمبريالي، تفوقت شمولية أكثر تسامحًا وتعددية مبنية على العقلانية المتساوية لجميع البشر، والإيمان بمعايير الأخلاق والعدالة التي تنظم العلاقات داخل أوروبا، وتُنظم أيضًا علاقات أوروبا مع المجتمعات الأخرى.

 


الهوامش:

[1]      الكتابات السياسية لدينيرو، 177. ظهرت هذه الفقرة في كتاب تاريخ جزر الهند الشرقية لرانيال (طبعة عام 1783م) المجلد الثامن، الفصل الأول.

 

[2]      استخدم مصطلح الإمبراطورية لوصف حكم شعب على آخر سواء كان ذلك مباشرًا أم غير مباشر عبر شركات التجارة الإمبريالية. يُعرّف بيرك الإمبراطورية بأنها «مجموعة دول تحت حكم مشترك» وجون ستيوارت مل يعرّف التابعيات بأنها «أراضٍ لها حجمها وسكانها تخضع لسيادة دولة مؤثرة ولا تمثّل نفسها (بكل الأحوال) بمساواة في البرلمان» (خطاب التوافق مع أميركا لبيرك، ادوارد بيرك 3:132، اعتبارات في الحكومة الممثلة لمل، جون ستيوارت مل 19:562). استخدم مصطلح مستعمرة في هذه الفترة لوصف الأراضي الاستيطانية، ولمعالجة الأشكال السياسية المختلفة المشتملة على مصطلحي الإمبراطورية والمستعمرة وظهور مصطلحات الإمبريالية الإمبراطورية والمستعمرة الاستعمارية في أوروبا الحديثة، راجع كتاب الإمبراطورية لكويبنر، «أصول الإمبراطورية» لكاني، وأسياد العالم لباغدين، و«المستعمرات» لفينلي. يرجّح ديفيد أرمتج أن مصطلح الإمبراطورية البريطانية بدأ يتداول في الربع الثاني من القرن الثامن عشر (أصول الأيديولوجيات، 170 ــ 71).

 

[3]      عن الحرية (نشر لأول مرة عام 1859) جون ستيوارت مل 18:224.

 

[4]      لتطورات مماثلة في القانون الدولي، راجع قانون الشعوب لألكساندرويكس.

 

[5]      إن استخدام علامات التنصيص عند كل مرة أذكر مصطلحات مثل متحضر، متقدم، متأخر، وحشي، بربري التي تظهر بكثرة في نقاشات تبرير الحكم الإمبريالي على الشعوب غير الأوروبية قد يسبب تشتتًا، الطبيعة الإشكالية لهذه المصطلحات تحل خلال الفصول التالية. 

 

[6]      كتب بيرك في «رسائل إلى اللورد النبيل» أن خدمته في صالح الشؤون الهندية… هي أكثر أعماله أهمية، للعمال والحكم والنوايا والدأب في مهنته. قد يقدرها البعض لنواياها وهم مخطئون في ذلك. (كتابات وخطب إدموند بيرك 9:159).

 

[7]      لا تناقش هذا الدراسة النقاد الألمان للإمبراطورية؛ حيث إن ألمانيا لم تكن قوة استعمارية حتى ذلك الوقت، لم يشارك المفكرون الألمان في تلك الفترة في مناقشات حول السياسة الإمبريالية كما كان الحال لدى نظرائهم البريطانيين والفرنسيين، ومع ذلك عاصرت ألمانيا تطورات فكرية مشابهة للتي نناقشها هنا؛ يشمل ذلك الموقف النقدي تجاه الطموحات الإمبريالية وتطور نظريات التقدم والآراء المحقرة للشعوب غير الأوروبية. راجع «إضاءات على الإمبراطورية» لمراجعات إيمانويل كانط وجوان غوتفايد هيردر المناهضة للإمبريالية.

 

[8]      راجع فصل (التحول الليبرالي في فرنسا) حول استخدام توكفيل لهذا المصطلح. وصف بينثام مشاركيه في تأسيس جامعة كلية لندن بأنهم «اتحاد من الليبراليين» (رسالة إلى سيمون بوليفار، 13، أغسطس/آب 1825م، راجع «تخيّل بينثام» 10) مل هو أول من وصف نفسه بــ «الليبرالي» عام 1831م، ووصف الليبرالية بأنها «كل رجل هو مرشد نفسه وقائدها المستقل… تاركًا للآخرين إقناعه إذا تمكنوا بالأدلة، ولكنها تمنّعه عن التخلي عن سلطته» (رسالة إلى جون ستيرنغ، 20 ــ 22/أكتوبر/تشرين الأول 1831م، الأعمال الكاملة 12:84). وفي أواخر حياته عرّف مل الليبرالية بأنها «جانب… من الحضارة الحديثة والتقدم» («إنكلترا وإيرلندا» 1868م، الأعمال الكاملة 6:523). قال كاتب سيرة كونستانت دينس ود عن سياسته في نهاية تسعينيات القرن الثامن عشر: «ربما لا يكون من المبكر الحديث عن تطور موقفه السياسي كليبرالي». (بينجامين كونستانت، 148) وأشارت بانكاماريا فونتانا أن كونستانت استخدم مصطلح ليبرالي لوصف نفسه و«أصدقائه السياسيين» وأكدت على أنه لا يعني بها الحركة الساسية» (كونستانت وعقل ما بعد الثورة، 13).

 

[9]      راجع نقاشات هذه الإشكالية في كتاب تقاليد الليبرالية لهاكونسين.

 

[10]    الليبرالية والنفعية لويلش 4. يساعد الاعتراض على الحكومة المَلكية في إظهار سبب اعتبار بيرك مفكرًا ليبراليًا نظرًا إلى عداوته الشديدة لجهود التاج البريطاني في نشاطه التوسعي، ونقده الحاد للملكية الفرنسية عقودًا قبل الثورة الفرنسية. راجع الليبرالية الأرستقراطية لكاهان، عن صعوبات وصف ليبرالية أوروبا في القرن التاسع عشر، أكد كاهان على أن هناك «قلقًا من مخاطر اثنتين من الدول الاستبدادية من الشمال ومن الجنوب» وأشار أن ليبراليي بريطانيا وفرنسا وألمانيا من ثلاثينيات القرن الثامن عشر إلى سبعينياته في نهاية المطاف دعموا الاقتراع العام (140). ناقشت روابطًا بين المخاوف الليبرالية حول الديموقراطية والدعم الليبرالي للإمبراطورية في فصل (التحول الليبرالي  في فرنسا)  وفي الخاتمة.

 

[11]    يتناول حقوق الحرب والسلم لريتشارد تك، السبل التي كانت تشغل السياسية الدولية التي وصفها تك بالخيال الليبرالي من غروتس مرورًا بكانط، راجع أيضًا الليبرالية والإمبراطورية لميهتا و«الشعوب المتفوقة» و«الليبرالية الداعية لإنهاء الاستعمار» لبارخ، وما وراء المجتمع الفوضوي لكيني و«توسع الليبرالية» للينغ.

 

[12]    على الرغم من تركيز ميهتا في كتابه المهم على بريطانيا في القرن التاسع عشر لكنه غالبًا يشير إلى حجة واسعة تتعلق بالليبرالية مشيرًا على سبيل المثال للتقليد الليبرالي من لوك إلى مل (راجع الليبرالية والإمبراطورية، 4 ــ 8).

 

[13]    راجع فصل (جيرمي بينثام: مشرّع العالم؟) لمزيد من انتقادات بينثام للإمبراطورية البريطانية لـ«إنكارها العدل والظلم والابتزاز {و} الاستبداد» (القوانين الدستورية للمستعمرات والتجارة،225).

 

[14]    كما ناقشت في الخاتمة، بين مل وتوكفيل، لاحقًا في حياتهما المهنية، قلقًا متزايدًا من الأخطار الأخلاقية والسياسية للسياسات الإمبريالية وحذرا من الظلم المستمر الذي بدا وكأنه جزء لا يتجزأ من العلاقات الاستعمارية، على الأقل في وجود السكان المستوطنين البيض. راجع أيضًا «البراءة من الإمبراطورية» لمانتينا.

 

[15]    تختفي لغة توكفيل الساخرة في كتاباته عن الجزائر، بينما تبدو لاذعة في نقاشه عن نفاق الأميركيين في معاملتهم للهنود الحمر. أشير في فصل (التحول الليبرالي في فرنسا)، إلى تمتع توكفيل بمراقبة فاخرة وغير مسؤولة في أميركا، ولكن في حالة الجزائر كان لديه تأثير بارز على السياسة لكنه قمع توجهاته المشككة. راجع أيضًا «العنف الاستعماري» لويلش. 248 ــ 51.

 

[16]    راجع القوانين الدستورية للمستعمرات والتجارة. بدأ بينثام في حججه المعارضة للاستعمار بخطبة حرروا مستعمراتكم! التي ألقاها في المؤتمر الوطني لفرنسا 1793م، مبينًا عدم جدوى التابعيات البعيدة للدول الأوروبية (لندن، 1830م) (الحقوق والتمثيل والإصلاح، 289 ــ 315).

 

[17]    كانت أكثر انتقادات ديديرو للتوسع الإمبريالي الأوروبي حدة في إسهاماته التي نشرت دون اسمه في التاريخ السياسي الفلسفي للاستعمار والتجارة في جزر الهند الغربية لأببي راينال. جادل سانكار موثو أن «مرونة الأخلاق العالمية لديديرو أتاحت له الدعوة إلى الحرية والكرامة لكل البشر، ومراجعة مجموعة واسعة من الممارسات الثقافية والمؤسسات في العالم غير الأوروبي انطلاقًا من أن تلك المراجعة عقلانية وتشكل استجابة للاحتياجات والاهتمامات المحلية». «إضاءات في الإمبريالية، 76» راجع أيضًا أنثروبولوجيا التاريخ لبينو وديديرو ودتشت.

 

[18]    «فكر توكفيل» لبرلين 204. لا تدعم ديموقراطية أميركا حتى هذه القراءة المتفائلة كما سأناقش في فصل (التحول الليبرالي في فرنسا).

 

[19]    راجع «الولايات المتحدة الأميركية» لهارت، لمعالجة عداء بينثام للمطالبات الأميركية، كان ذلك غالبًا في مساهمات مجهولة لأعمال صديقه جون لين، اتفق بينثام لاحقًا مع الاستقلال الأميركي وأبدى حماسته له.

 

[20]    مذكرات جيرمي بينثام لجون بوارنغ، أعمال جيرمي بينثام 10:63، راجع «الولايات المتحدة الأميركية» لهارت.

 

[21]    كما أظهر ديفيد أرمتيج وأنثوني بيغدين ــ على الرغم من استهلاك العلاقات مع الهنود الحمر الطاقة الإمبريالية ــ كان المفهوم المنتشر أن الإمبراطورية البريطانية هي مستوطنات لأرض بلا صاحب أو أرض بور بدلًا من حكم الغرباء، ويؤكد هذا المفهوم على أن الإمبراطورية تتكون من شعوب حرة ومتساوية. راجع الأصول الأيديولوجية لأرمتيج و«نضال من أجل الشرعية»، راجع أيضًا حكام العالم لبيغدين، الفصل الخامس.

 

[22]    مدينة في ولاية أوهايو، الولايات المتحدة. (المترجم).سينسيناتي

 

[23]    يؤرخ التاريخ الإمبراطوري المرحلة الإمبريالية «الثانية» بداية من خسارة أميركا عام 1783م، وتنتهي قبل التدافع باتجاه أفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر. راجع زوال الإمبريالية لبيالي، ولنظرة تقليدية للإمبراطورية البريطانية راجع الإيجاد لهارلو ولمراجعتها راجع «البحر الكاريبي والهند» لمارشال و«المفهوم البريطاني للإمبراطورية» لأرمتيج. يرى أرمتيج ومارشال نقطة تحول مهمة عام 1763م مع حرب السنوات الستة التي شهدت ظهور إمبراطورية بريطانية متنوعة وعالمية («بريطانيا والعالم»4). 

 

[24]    «المفاهيم البريطانية» لبراون.

 

[25]    «الأصول الأيديولوجية» لأرمتيج و«عقل الشعوب» لويلسون. راجع أيضًا «المواطنة والإمبراطورية والحداثة» لويلسون. 174 ــ 77. لكارن أوبراين ووصف مماثل للإمبراطورية البريطانية «حلم بريطاني عالمي يجلب السلام البريطاني العالمي والتجارة الحرة» («البروتستانية والشعر»،147).

 

[26]    أظهر أرمتيج أن هذه الصورة كانت في الأصل أيديولوجية وليست هوية، كانت مساهمة في الحجة السياسية وليست مفهومًا معياريًا (الأصول الأيديولوجية، 172). أشار ريتشارد كويبنر أن انشقاق الأميركيين من جهة والاتحاد مع إيرلندا من جهة أخرى أظهر تغيرات هائلة في القوة النسبية للشعب الذي بمعنى ضيق أو واسع يسمى بريطانيًا، بينما الأميركيون قبل الاستقلال كانوا خُمس «الشعوب الحرة تحت التاج البريطاني» أما الكنديون البريطانيون فهم يشكلون عُشر نسبة الأميركيين البريطانيين (الإمبراطورية، 295).

 

[27]    حول المزيج بين الفخر والتخوف المنتشر بين الشعب البريطاني نتيجة للتوسع البريطاني السريع بعد انتصارات بريطانيا في حرب السنوات السبعة، راجع سباق الجزيرة لويلسون، الفصل الأول والمفاهيم البريطانية لبراون.

 

[28]    حول الجهود البرلمانية لتنظيم نشاطات الشركة في ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، راجع شركة الهند الشرقية لفيلبس وشركة الهند الشرقية لساذرلاند.

 

[29]    راجع «جونز والتوجهات البريطانية» لموخرجي والسير ويليام جونز.

 

[30]    «هاستينغس باحثًا وراعيًا» لمارشال.

 

[31]    راجع خريطة البشرية العظمى لمارشال وويليامز، 120 ــ 23.

 

[32]    راجع مناقشات النائب اليساري اميدي ديسجوبري  ــ معاصرًا توكفيل وتلميذًا لجي بي سيه ــ في فصل (التحول الليبرالي في فرنسا).

 

[33]    حول الثقة المتزايدة بالتفوق الأوروبي خلال توسع الإمبراطورية الأوروبية في القرن الثامن عشر، راجع المجتمع الهندي لفيليبس ووينرايت وخريطة البشرية العظمى لمارشال وويليامز201. أشار مارشال وويليامز إلى أن استخدام مصطلح المجتمعات «البربرية» لنقد الفساد الأوروبي اختفى في نهاية القرن.

 

[34]    راجع إضاءات على الإمبراطورية لموثو

 

[35]    راجع «الأرجوحة الأخلاقية» لمارشال. أشار مارشال أن مناهض حكم الإعدام ويلبرفورس صوت لصالح إقالة وارين هستغنز، وصاغ بيرك مذكرة إصلاح العبودية وصوّت لصالح إلغاء تجارة الرقيق. راجع أيضًا افتتاحية مارشال لبيرك (كتابات وخطب إدموند بيرك) حيث يشير إلى كتيب مناهضة العبودية الشهير المعنون بـ«ألستُ رجلًا وأخًا؟» يقارن فيه ظلم بريطانيا في الهند وأفريقيا.

 

[36]    كتب موليغان عن النهب البريطاني في الهند «عار السلاح البريطاني، خزي على الجنس البشري» (قصائد في العبودية والظلم)، شارك شكوكه مع كتاب معاصرين آخرين (منهم آدم فيرغسون وكانط وديديرو) حول صحة المعلومات الواردة لأوروبا حول الدول «البربرية». قال موليغان في حاشية «ظلل مدافعو العبودية حالة الزنوج في بلادهم ولُمّع وضعهم في جزر الهند الغربية…. بُنيت تقديرات خاطئة عن مساوئ الدولة «البربرية»، لنفترض أن الهنود والزنوج يطلقون علينا أحكامًا كالتي نطلقها، وينظرون إلى الجانب المظلم من الصورة، قد ترونه نوعًا من الغطرسة عندما يقول «أحتقر هؤلاء الأوروبيين وأشفق عليهم»(83).

 

[37]    الأرجوحة الأخلاقية، لمارشال، 72.

 

[38]    راجع الأرجوحة الأخلاقية لمارشال،91.

 

[39]    «التقرير التاسع للجنة المختارة»، كتابات وخطب بيرك 5:252.

 

[40]    أظهرت منظمات مثل جمعية إلغاء تجارة العبيد ومن أجل حضارة أفريقية التي نشطت في أربعينيات وخمسينات القرن التاسع عشر(بأعضاء بارزين مثل توماس بكستون وتي بي ماكاولي) سبلًا ربطت فيها الحركات الإنجيلية والحركات المناهضة للإعدام القضايا الإنسانية بالمهمة الحضارية والاستعمارية.

 

[41]    راجع آلات بمقياس الإنسان لآدس، تراجع الإعجاب بالصين كنموذج للازدهار والشرعية والعقلانية البيروقراطية قبل منتصف القرن الثامن عشر، بينما زعم فولتير إعجابه بالنظام السياسي الرشيد والسلمي للصين (بعد ثناء مشابه للايبنتز، كريستيان ولف والمبشرين اليسوعيين).

 

[42]    يقول بوميرانز أن عددًا من الظروف المصادفة ساهمت في الثورة الصناعية الأوروبية الغربية المتسارعة والفريدة من نوعها في نهاية القرن الثامن عشر مثل قرب مناجم الفحم البريطانية لنقالات المياه والفائدة غير المتوقعة للمحرك البخاري في رطوبة المناجم البريطانية (كان للصينيين تقنية مشابهة لكنها لا تتضافر مع التجارب التي جعلتها مجدية اقتصاديًا في بريطانيا). الاختلاف الكبير لبوميرانز، المقدمة والفصل السادس.

 

[43]    «الهند 1818م ــ 1860» لواشبروك،397.

 

[44]    «الهند 1818 ــ 1860» لواشبروك، 397. الطبقية والمجتمع والسياسة لسوزان بايلي، طبقيات العقل لديركس. بينت جهود بريطانيا في فهم المجتمع الهندي مساهمة في (ليست مسؤولة بالكامل عن) صلابة النظام الطبقي، الانقسامات الطبقية، امتداد الطبقية لمناطق جديدة ومجموعات جديدة لم تعرف الطبقية من قبل. يصور سي آيه بايلي المجتمع الهندي بالحيوية والتعدد الذي لا تعترف به بريطانيا فضلًا عن نتائج الحكم البريطاني غير المقصورة والمباشرة في إنشاء مجتمع هرمي بترتيب ثابت.(المجتمع الهندي والطبقية، 11 ــ 12و 155 ــ 58).

 

[45]    راجع البشرة والعرق لويلر. أشار ستيبان أنه «بحلول منتصف القرن التاسع عشر، قد يتفق الجميع ــ في بريطانيا ــ على ما يبدو على أن العرق الأبيض متفوق على غيره»(فكرة العرقية،4)، راجع أيضًا من الأمة إلى العرقية لهدسون واختراع التقدم لبولر حول اساءة استخدام نظرية التطور لداروين في خطابه التقدمي «الفكتوريون، إيمان مطلق بتفوقهم» (13).

 

[46]    رسالة إلى غوبينو، 12 نوفمبر/تشرين الثاني1853م، الأعمال الكاملة لتوكفيل 9:201 ــ 2. أشار جورج فريديكسون أن توكفيل علّق بقدر كبير من اليقين عن أن نظريات غوبينو خبيثة أكثر من كونها خاطئة.(الخيال المقارن، 105).

 

[47]    انتقد مل في مبادئ الاقتصاد السياسي إرجاع اختلافات السلوك والشخصيات إلى الاختلافات الطبيعية الكامنة (الأعمال الكاملة، 319 ــ 2) للإشارة إلى الشعوب البدائية. راجع رسالة مل إلى تشارلز دوبنت وايت (6/أبريل/نيسان 1860م)، الأعمال الكاملة 15:691 (بالفرنسية: ترجمتي).

 

[48]    راجع «مل حول العرقية، 29» لفاروكاكس. يقول فاروكاكس إن مل زاد إصرارًا على أن العرقية لا تهم إلا قليلًا (مل حول الجنسية، 47).

[49]    آراء في الحكومة الممثلة (الأعمال الكاملة، 19 ــ 408).

[50]    راجع الليبرالية والإمبراطورية حول الطرق التي ميزت بها العالمية الليبرالية (بالأخص لوك ومل) بين القدرات الأنثروبيالوجية والشروط اللازمة لصيرورتها. أُقر بأن القدرات عالمية لكن حُرم العديد من الشعوب من حقوقهم لأنهم لم يتمكنوا من استغلال هذه القدرات.

[51]    كان جون ستيوارت مل مستعدًا للحديث عن «القيمة الأخلاقية» غير المتساوية للإنسان، راجع الجزء الثاني.

[52]    رسالة إلى أنطوني ديرموت، 17/أغسطس/1779م، مراسلات بريدية، 4:121.