فريدريك أرنست دانيال شلايرماخر – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: كوثر فاتح

فريدريك أرنست دانيال شلايرماخر – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: كوثر فاتح


حول شلايرماخر وفلسفته في اللغة والعقل والدين؛ نص مترجم لد. مايكل فورستر، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


قد لا يكون فريدريك دانيال أرنست شلايرماخر (1768-1834) واحدا من أعظم الفلاسفة الألمان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من قامة كانط ، هيردر ، هيجل ، ماركس ، أو نيتشه. لكنه وبكل تأكيد واحد من أكبر فلاسفة  الفترة اللاحقة. لم يكن شلايرماخر فيلسوفا وحسب، بل برز أيضا كعالم وكلاهوتي. و قد  شغلت فلسفة الدين حيزا مهما في اعماله الفلسفية، لكن نظرياته في التأويل والترجمة حظيت باهتمام اكبر من قبل الباحثين. سيعمد هذا المقال لتقديم نظرة عامة عن أبرز افكاره الفلسفية. مؤكدا  على  ان شلايرماخر و رغم تأثره الشديد بمن سبقوه من الفلاسفة و بالأخص سبينوزا ، كانط ، و فريدريك شليغل الا انه يدين بالكثير في فلسفته ليوهان غوتفريد  هيردر.

 

  1. الحياة والعمل

  2.  فلسفة اللغة

  3. فلسفة العقل

  4. الهيرمينوطيقا و نظريات التأويل

  5. تاريخ الفلسفة

  6.  نظرية الترجمة

  7. .الاستطيقا او فلسفة الجمال

  8.  الديالكتيك او الجدل

  9. الاتيقا او فلسفة الاخلاق

  10.  الفلسفة السياسية والاجتماعية

  11. فلسفة الدين

 

 

1- الحياة والعمل

ولد فريدريك دانيال أرنست شلايرماخر (1768-1834) في بريسلاو (مدينة تابعة لبولونيا اليوم) لرجل دين بروتستانتي. تلقى تعليمه الأول في مؤسسات الأخوة المورافيين (هيرنهوتر Herrnhuter)، وهي طائفة دينية اصلاحية لوثرية  متشددة. لكن هذا التعليم الديني الصارم لم يمنع شلايرماخر من الانفتاح على افاق أرحب في الفكر الإنساني بفضل حسه النقدي وميوله الشكوكية. لينتقل عام 1787إلى متابعة دراسته في جامعة هاله الأقل صرامة. هناك استمر  شلايرماخر في دراسة علم اللاهوت الى جانب الفلسفة و الفيلولوجيا. ليجتاز امتحان اللاهوت في برلين عام 1790. بعد ذلك عمل شلايرماخر فترة كمدرس خاصا الى حدود عام 1793، قبل ان يترك عمله هذا بسبب خلاف  في الآراء بينه وبين رب عمله بشأن الثورة الفرنسية.

خلال هذه الفترة تفرغ شلايرماخر لدراسة ونقد فلسفة كانط. وتوج هذا العمل في عدة مقالات غير منشورة: في الخير الأسمى On the Highest Good  (1789) ، في  ما يعطي قيمة للحياة On What Gives Value to Life (1792-3) في الحرية On Freedom (1790-3) ضمنها كلها رفضه  لا طروحة كانط   المتعلقة ب  : “الخير الاسمى [summum bonum]  والتي ربط فيها كانط بين  فكرة  الخير الأسمى و بين تحقيق السعادة و الرغبات الأخلاقية. إلى جانب اعتراضه على مسلمات العقل العملي في فلسفة كانط و المرتبطة بالحياة الاخرة ،خلود النفس،الروح و الله ، والتي رأى فيها تعارضا مع مسؤولية الإنسان الأخلاقية فيما يقوم به من أفعال. في الفترة   1793-4 كتب مقالتين عن سبينوزا: سبينوزا و تقديم موجز عن نظام سبينوزا ،متأثرا  بما قرأه في كتاب   جاكوبي :في  مذهب سبينوزا، في رسائل إلى السيد موسى مندلسون On the Doctrine of Spinoza, in Letters to Mr. Moses Mendelssohn  (1785) ، والذي انتقد بشدة فلسفة  اسبينوزا  .ويبدو جليا في هاتين المقالتين ايضا تأثيركتاب  هيردر  :الله : بعض المحادثات  God: Some Conversations (1787) ، الذي  انتصر فيه لقراءة جديدة اسبينوزا. في كلتا مقالتيه سالفتي الذكر تبنى شلايرماخر نفسه تصورا جديداعن وحدة الوجود عند سبينوزا  مشابها لموقف هيردر(على وجه الخصوص ، قوله بالقوة الأولى بدلا عن المادة الاولى  ). في محاولة للتوفيق بينه وبين  الفلسفة النظرية لكانط ولا سيما تلك المتعلقة بالأشياء في ذاتها.

وسيكون لهذا الموقف  الجديد من سبينوزا اثره في  أهم عمل  لشلايرماخر في فلسفة الدين ،اي كتابه : عن الدين: خطابات الى معارضيه من المثقفين (1799).ونلمس  في هذا الكتاب  أيضا تأثره بمعاصره  الفيلسوف الألماني فريدريك هينريش جاكوبي الرافض للدين الطبيعي عند  اسبينوزا   والذي يتعارض مع إلايمان  المسيحي .موقفه من جاكوبي اسهم في بلورة فكرته الأساسية في فلسفة الدين بأن معرفتنا بالله حدس مباشر و شعور.

خلال الفترة الممتدة من   1794-1796 ، شغل شلايرماخر منصب قس في لاندسبرغ. لينتقل  عام 1796  إلى برلين ، حيث أصبح قسيسا في  مستشفى.

في برلين التقى شلايرماخر  بفريدريك أغسطس فيلهلم شليغل ،إلى جانب عدد آخر من  رومانسيي حلقة فيينا، و أصبح نشيطا  في  الحركة الرومانسية .تعاون  شلايرماخر مع الأخوين  شليغل في إصدارات  المجلة الأدبية Athen  التي لم تعمر طويلا .من بين مساهماته  في هذه المجلة مؤلفه   المؤيد للمساواة بين الجنسين :  تعاليم العقل : من أجل  النساء   النبيلات  Idea for a Catechism of Reason for Noble Ladies (1798)

خلال الفترة 1797-9 ، سكن هو  و فريدريك شليغل منزلا مشتركا.

دفعه  تواجده في حلقة الرومانسيين  و نقاشاته المستمرة معهم إلى كتابة بيان لآرائه الدينية ، اذ قام عام 1799  بنشر أهم أعماله  في فلسفة الدين :  عن الدين: خطابات  إلى معارضيه من  المثقفين .تلتها  طبعات منقحة  في عامي  1806  ، ضمن طبعة  1821  تفسيرات،ثم  طبعة أخرى  سنة   1831.

هذا العمل يسعى إلى اعادة فهم الدين في عيون المثقفين  التنويريين المشككين  من الرومانسيين ، و من بينهم بالأخص  فريدريك شليغل. حاورهم شلايرماخر في جملة أمور متعلقة بالدين  ،من ضمنها  خلود الإنسان  والله ،معتبرا اياها  هي غير جوهرية في  الدين ؛ مؤكدا أن فهم الدين قد تأثر بتدخل الطبقة البرجوازية من جهة و تدخل الدولة من جهة أخرى  ؛ ومدافعا عن  تعدد أشكال الدين .

. بفضل كتابه  هذا حظي   شلايرماخر باعتراف  طيب في  وطنه.

 وفي العام نفسه (1799) نشر أيضا مقالا عن حالة اليهود في بروسيا :  رسائل بمناسبة المهمة السياسية-اللاهوتية والرسالة المفتوحة لأصحاب  المنازل اليهودية. في هذا العمل  رفض شلايرماخر مقترحا يتعلق بوضع اليهود في بروسيا و الدعوة  لتمتيعهم بحقوقهم المدنية  من خلال تعميدهم  (و التي من شأنها كما  يزعم شلايرماخر  أن تضر كل من اليهودية والمسيحية) وبدلا من ذلك دعا إلى إعطاء  اليهود كامل  الحقوق المدنية          (بناءا على شروط معقولة إلى حد ما.).  في العام نفسه كتب شلايرماخر  مقالا  قصيرا :  نحو نظرية في السلوك الاجتماعي. ويعد هذا المقال اول كتابة  مهمة له في  فن المحادثة (الفن الذي سيكون مركزيا عنده  في مبحث   الديالكتيك). و دائما في نفس السنة ، كتب مراجعة نقدية صارمة لانثربولوجيا كانط ، على وجه الخصوص ثنائية فلسفة العقل عنده  وموقفه السطحي المتسم بالاستخفاف إزاء المرأة والشعوب الاخرى.

في السنوات اللاحقة،كتب شلايرماخر تعاليق عن كتابه عن  الدين .هذه المنشورات اتسمت بطابع  أخلاقي. من بينها  عمله   المهم : المناجاة (1800 ، الطبعة الثانية 1810) والخطوط العريضة لنقد أولي  لنظرية الاخلاق  (1803).

في عام 1800، دافع شلايرماخر عن رواية  صديقه فريدريك شليغل المثيرة  للجدل بسبب  إباحيتها الجريئة لوسيند Lucinde ،من خلال مقاله  :  رسائل سرية بشأن  “لوسيند” لفريدريك شليغل .متعاطفا  فيه مع موقفه المدافع عن النساء .

وخلال الفترة 1799-1804 ، وضع شلايرماخر مع شليغل مشروع ترجمة لحوارات أفلاطون. ومع مرور الوقت ، ترك شليغل هذه المهمة  لشلايرماخر، مما زاد من توتر العلاقة  بين الرجلين. بعد عام1800 ظهرت ترجمات شلايرماخر للحوارات الافلاطونية خلال الفترة 1804-28 (رغم أن الحوارات لم تترجم  كلها في نهاية المطاف ) ، ولا تزال تستخدم  هذه الترجمة على نطاق واسع وتحظى بالإعجاب  الى اليوم.

في برلين  ،كانت لشلايرماخر علاقات عاطفية  مع امرأتين متزوجتين ،هما هنرييت  هيرز وإلينور غرونو ،الأمر الذي تسبب له في فضيحة اظطر معها  شلايرماخر  في نهاية المطاف إلى مغادرة  المدينة.  قضى السنوات 1802-4 في ستولبه. وبحلول عام 1804 درس  في جامعة هاله. وخلال الفترة 1804-5 بدأ بإلقاء محاضرات عن فلسفة الاخلاق  حتى عام 1832. وفي عام 1805 بدأ أيضا بإلقاء محاضراته الشهيرة والهامة عن التأويل  حتى عام 1833. في 1806 نشر شلايرماخر  كتابا  قصيرا : عشية عيد الميلاد ، العمل الأدبي الذي يستكشف معنى المحبة المسيحية من خلال وصف احتفال الأسر   الألمانية  عشية عيد الميلاد. ويتماشى عمله هذا  مع  ما دافع عنه في  كتابه عن  الدين ، وهو أن الدين المسيحي ينبغي أن يتمركز حول الأسرة و ليس حول الدولة.

في 1806-7 غادر شلايرماخر  هاله بسبب الاحتلال الفرنسي ، وانتقل إلى برلين. ومنذ ذلك الوقت بدأ يروج بنشاط للمقاومة الألمانية للاحتلال الفرنسي ولقضية الوحدة الألمانية.

في 1808 نشر:   افكارعرضية  في الجامعات بروح  المانية. مع التذييل بمرفق  يقف عند    أسس عملها. و ذلك انطلاقا من مشروع  تأسيس جامعة جديدة في برلين (التي تعرف الآن باسم جامعة هومبولدت) ،وقد ساهم    فيلهلم فون هومبولت لاحقا بافكاره  في تنفيذ  هذا المشروع.

في عام 1808 تزوج شليرماخر من أرملة شابة ، هنريت فون ويليش ، أنجبت له العديد من الأطفال.

في 1808-9 أصبح الواعظ في كنيسة عقيدة الثالوت   Dreifaltigkeitskirche. في 1810  شغل  شلايرماخر منصب أستاذ لللاهوت في جامعة برلين .عام 1811 أنتخب عضوا في أكاديمية العلوم في برلين.

بعد أن أصبح عضوا في هذه الأكاديمية ،ساهم شلايرماخر بكتابات عديدة في   الأخلاق،  واحدة في الترجمة سنة  1813  ، كتب ايضا عن  فلسفة سقراط من عام 1815 ، الى جانب مقاله المهم الصادر عام 1831 عن  ليبنتز و  تصوره بشان كونية اللغة . في عام 1811 حاضر عن الديالكتيك لأول مرة واستمر في ذلك  بانتظام حتى وفاته ،( في الوقت نفسه  كان بصدد  المراحل الأولى  من إعداد نسخة للنشر). في عام 1812 بدأ إلقاء محاضراته عن تاريخ الفلسفة .

وفي عام 1813 ،  مستعينا  بعمق خبرته كمترجم، ألقى خطابا ،  و الذي  نشر لاخقا  كمقال ، عن مختلف طرق الترجمة. ويعد هذا المقال عملا مهم جدا في نظرية الترجمة.

. في 1813-14 حاضر في التربية, أو فلسفة التربية لأول مرة  ليكرر الامر في مناسبتين لاحقتين: 1820-و 1826). في عام 1818 ألقى محاضرات في علم النفس للمرة الأولى خلال المرحلة الممتدة من 1833-1834. وفي عام 1819 ألقى محاضرات عن الاستطيقا للمرة الأولى . كرر هذه المحاضرات  بعد ذلك في مناسبتين أخريين ، كان آخرها في 1832-و 1833. في نفس العام أيضا بدأ بالقاء المحاضرات عن  حياة يسوع ،و أعادها  مرة أخرى في أربع مناسبات  بعد مرور اثني عشر عاما. واسهم بذلك في انطلاقة هذا  النوع من الكتابات في القرن التاسع عشر.

وفي عام 1821-2 نشر اهم أعماله في علم اللاهوت بشكل منهجي، وهو الايمان المسيحي (مع طبعة منقحة سنتي 1830-1).

وفي عام 1829 ، نشر رسالتين مفتوحتين عن هذا العمل (موجهتين إلى صديقه لوك) ، يناقش فيهما هذا العمل والمسائل المركزية في فلسفة الدين واللاهوت المتصلة به بطريقة موجزة وواضحة.

توفي شلايرماخر عام   1834.

من خلال هذه الاطلالة الموجزة عن حياة شلايرماخر و أعماله ، بإمكاننا القول ان جزءا كبيرا من حياته المهنية قد كرسه لفلسفة الدين واللاهوت. ومع ذلك ،  و بعيدا عن هذا التوجه الديني اهتمت   الفلسفة المعاصرة بأعماله في مجالات مثل التأويل (أي نظرية التفسير) ونظرية الترجمة. و عليه  ، ستبدأ هذه المقالة بهذه المجالات الأكثر إثارة للاهتمام  ، لتنتقل في النهاية  إلى الاشتغال على  فلسفته الدينية باختصار.

 

 

2- فلسفة اللغة

بما ان مواضيع اللغة وعلم النفس البشري هي محور اساسي في   نظريتي التأويل و الترجمة عند شلايرماخر، فمن الأجدى  أن ننطلق من مناقشة  فلسفاته اللغوية والعقلية. لا يقدم شلايرماخر فلسفته في اللغة بشكل مستقل؛ وإنما في شذرات ضمن أعمال  من مثل محاضراته في علم النفس ، الجدل ،و  الهيرمينوطيقا. ما سنورده من مواقف لشلايرماخر تفصح في مجملها عن تأثره بفكر هيردر ماعدا الاطروحة الأخيرة منها.

1 -في كتابه محاضرات في علم النفس ،  أكد شلايرماخر ان اصل اللغة  لا يمكن تفسيره من حيث مصدره الالهي (وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه هيردر في كتابه بحث عن أصل اللغة 1772) .كما  يمكن تفسيرها على أنها  تعبير  أولي  عن المشاعر. بل إن استخدام اللغة الداخلية هو ببساطة أمر أساسي للطبيعة البشرية. وهي أساس الفكر ، و مماثلة  له. اضافة لذلك فهي أيضا أساس الخصائص العقلية الأخرى المميزة للإنسان، ولا سيما الوعي الذاتي والتمييز الواضح  بين الإدراك ، الشعور والرغبة.

2-اللغة (وبالتالي الفكر) تلعب دورا اجتماعيا في الطبيعة.  في حين أن اللغة  الداخلية هي لغة مستقلة عن التحفيز الاجتماعي (حتى في غياب  المجتمع،يستطيع  الأطفال  تطوير لغتهم الخاصة) ، كونها تنطوي  بالفعل  على ميل  ضمني  نحو التواصل الاجتماعي.

3-اللغة والفكر ليسا مجرد إضافات ثانوية في العمليات العقلية الأخرى التي يتشاطرها البشر مع الحيوانات .وانما هي أساسية في كل العمليات العقلية للإنسان. على وجه الخصوص، تلك المتعلقة ببناء الصور الحسية للإنسان بطرق مميزة.

وتكتسي الأطروحات الخمسة التالية من بين الأطروحات الثمانية سالفة الذكر أهمية خاصة بالنسبة لنظرية الترجمة (التي سنناقشها أدناه).

4-افترض شلايرماخر بالفعل في اعماله المبكرة تداخل الفكر مع اللغة. وكثيرا ما يساوي بين الفكر وبين اللغة الداخلية (كما هو الامر في محاضراته لفترتي 1812-13 عن فلسفة الأخلاق). دافعه الرئيسي وراء هذا التفصيل يمكن رؤيته من خلال المحاضرات عن علم النفس، حيث يناقش الحالات التي يحدث فيها الفكر دون الوصول إلى أي تعبير لغوي خارجي. وقد ذهبت بعض القراءات اللاحقة لأطروحاتهالى القول  أنه تخلى في نهاية المطاف عن هذا الموقف في مجمله (على سبيل المثال، من قبل هاينز كيميرل).  ويبدو فعلا أنه تراجع عن ذلك إلى حد ما، لكن في محاضراته حول علم النفس في عام 1830 ما زلنا نجد أنه يكتب عن “نشاط الفكر في تطابقه مع اللغة”. (SW 3/6: 263).

5-يتبنى شلايرماخر تصورا للمعنى، ليس بشكل مستقل عن اللغة كما هو الشأن بالنسبة لأوغسطين في حديثه عن المراجع، أفلاطون في الأشكال، أو ذاتية الأفكار العقلية كما ذهب لذلك التجريبيون الإنجليز وغيرهم،  يتوافق مع الاستعمال الدارج للفظ وضوابط ذلك التداول. فعلى سبيل المثال، يقول في محاضرات التأويل إن ” معنى المصطلح مستمد من وحدة مجال الكلمة ومن القواعد التي تحكم الافتراض المسبق لهذه الوحدة”.

 6-  في  محاضراته عن علم النفس يقول بأن الفكر و المفاهيم لا يمكن اختزالها في  الصور الحسية   وهي مع ذلك أساسية في بناء اللغة. (لأن ذلك من شأنه أن يتعارض مع موقفه السابق من ان اللغة متطابقة مع الواقع).

هذا الموقف يفصح عن تأثر شلايرماخر ،بالأخص في مؤلفاته الاخيرة سواء في الهيرمينوطيقا او  الجدل ، بالأطروحات  الكانطية   بخصوص المذهب  التجريبي الذي يرى بأن  المفاهيم الامبيريقية   تتكون في اللاوعي عبر توليد الصور الحسية ،ثم قوله بمدى  إمكانية تعميم  هذا التصور على سائر المفاهيم  . (وهذا يثير التساؤل عما إذا لم تكن هناك أيضا مفاهيم قبلية  تماما ، كما ذهب لذلك كانط. في محاضراته في علم النفس يتردد شلايرماخر في تبني موقف صريح من هذا الاشكال متذبذبا بين رفضه أو قبوله معترفا بأن بعض المفاهيم مجردة تستعصي على الإدراك الحسي. وهذا موقفه الصريح في كتاباته حول الجدل أيضا).

7-ان كان البشر يظهرون  تشابها  كبير على مستوى  اللغة  و  الفكر، فهم مع ذلك  مختلفون فكريا و لغويا  بفعل عوامل تاريخية  وثقافية  ، بل  ونلمس هذا الاختلاف بين افراد من نفس الثقافة  و الحقبة التاريخية . (في هذا الصدد يقول  شلايرماخر ، بان ظاهرة  التطور اللغوي و  المفاهيمي  -الفكري  للثقافات على مر الزمن يمكن فقط تفسيرها  انطلاقا من الإبداعات اللغوية و الفكرية لأفراد منفتحين  على ثقافات أوسع  ، لتصبح جزء من الرصيد الثقافي العام )

8-قام  شلايرماخر بتطوير تصور مهم و   أكثر شمولية للمعنى مما كان عليه سابقوه،  متجاوزا في  فلسفته في اللغة فلسفة هيردر.

ويمكن التمييز بين ثلاثة جوانب على الأقل في  تصوره للمعنى :

 (أ) كما قيل سابقا، فهو يتبنى مبدأ “وحدة الكلمة-المجال”. هذا التصور في الواقع يقر  أن مختلف دلالات كلمة محددة ، والتي عادة ما يتم تمييزها عبر مداخل  القاموس المختلفة  (كمثل كلمة  “انطباع” في قولنا  “ترك  انطباعا (اثرا )في الطين”, “انطباعي عنه هو أنه متردد” ، و “لقد ترك انطباعا كبيرا في  الحفل “)  تشكل  وحدة  دلالية مترابطة و متداخلة .

(ب) ويرى أن طبيعة أي مفهوم معين تحددها جزئيا علاقاته بـ “نظام المفاهيم”. في هذا الصدد ، نجده  يؤكد في كتاباته عن الدياليكتيك  على مفهوم العلاقات كمحدد   أساسي لأنواع مفاهيم تندرج ضمن نفس  الجنس المفهومي . غير أنه يميز بين اشكال اخرى من العلاقات المفاهيمية (كمثل العلاقات بين “العمل” و “العامل” وفعل  “عمل”).

(ج)الطابع النحوي للبناء اللغوي مكون أساسي للمفاهيم   و بالأخص على مستوى الاعراب. هذا الموقف  نجده  في نفس الفترة عند فريدريك شليغل ، الذي يشكل واحدا من أهم مبررات وجود مبحث   “اللغة المقارن” في نظره ،و الذي عرضه شليغل في  في كتابه في لغة وحكمة الهنود [(1808. ليتبنى  هذا الطرح واحد  من مؤسسي اللسانيات لحديثة هو  Wilhelm von Humboldt.

وكما ذكر من قبل ، وباستثناء هذه السمة الأخيرة فقط المتعلقة بشمولية المعنى ، فإن فلسفة شلايرماخر تدين  بشكل كبير  لهيردروان كانت تتجاوز اطروحاته  في جوانب أخرى. فعلى سبيل المثال ،إذا كان هيردر يؤكد على أن  (4)  الفكر تابع  و مشروط باللغة  ، فإن شلايرماخر يؤكد بالمقابل  على التطابق  الصريح بين  الفكر و اللغة ، أو بالأحرى  اللغة الداخلية. ولكن هذا الطرح يظل اشكاليا من عدة نواحي و قابلا للدحض و بالأخص في تلك الحالات  التي يحدث فيها الفكر دون أي استخدام (داخلي) للغة . و كما لاحظنا عمل شلايرماخر  على التوفيق بين مذهب هيردر  (5)و  أطروحة كانط (انظر (6)). هذا و  من المرجح أن يبدو هذا التوفيق إشكاليا للوهلة الأولى  بسبب إدراجه للصور الحسية في المعنى. والواقع أن هيردر  يذهب للقول بأن المعنى يتولد عن استعمال اللفظ   ؛ وما تتعرض له هذه الاطروحة من انتقاد شديد من  قبل فلاسفة لغة معاصرين من امثال Frege و فيتجنشتاين  و اتهامها بتغليب  “الطابع السيكولوجي”، يبدو في حد ذاته مضللا. لكن ما هو  إشكالي  حول أطروحة  شلايرماخر   هو تبنيه لطرح  كانط وتمييزه الواضح  بين  المعاني ذات الطابع النفسي , و بين استعمالات الالفاظ  ، والذي يتعارض مع قوله بأن المعنى ما هو إلا استعمال اللفظ (5) .اما فيما يتعلق بتصور هيردر  (7) فقد كان مجرد قاعدة تجريبية تقبل الاستثناءات ، ففي كتاباته عن الأخلاق والديالكتيك حاول شلايرماخر تقديم دلائل بديهية  عن التنوع  اللغوي و المفاهيمي -الذهني عند  الأفراد كحقيقة كونية —الا ان هذا الطرح يحتمل التفنبد من نواحي عديدة كما صرح بذلك شلايرماخر نفسه في مناسبات مختلفة .إذ لا يمكن لاي كان ان يفهم اي شخص آخر دائما.

 

 

3-فلسفة العقل

تبلورت فلسفة العقل عند  شلايرماخر أساسا في في كتاباته السيكولوجية .لا يسعنا المجال هنا لنتناولها بالتفصيل . ولكننا سنقف  عند أربعة اطروحات أساسية لشلايرماخر في هذا المجال و التي يبدو فيها التاثير القوي لموقف  هيردر ، وخاصة  ذلك  الذي أورده في كتابه  في إدراك و إحساس النفس البشرية (1778):

ا-يقر شلايرماخر بتبعية و تطابق بين الروح  (أو العقل) و  الجسم رافضا كل فصل بينها ،مؤكدا بان كل من خطابات  “الروحانية” (من الجسم إلى العقل) او “المادية” (من العقل إلى الجسم) قد وقعت في اخطاء معرفية . ويؤكد بالمقابل على وحدة لا تقبل التفريق بين العقل والجسد التي يدافع عنها بدلا من ذلك باسم “الحياة”.

ب- يعرف شلايرماخر  الروح (أو العقل) ب “القوة”. نجده يقول في كتابه في الحرية (1790-3) :  أن الروح هي قوة أو مركب من القوى.

ج-كما يدافع  شلايرماخر بقوة عن وحدة  الروح (أو العقل) فهي في نظره لا تتكون من كليات منفصلة (مثل الإحساس ، التفاهم ، الخيال ، العقل ، الرغبة). وهو نفسه غالبا ما يعمل على التمييز بين ما يشير إليه بوظائف العقل “العضوي” (أي الحسي) و “الفكري” ، وان كان يؤكد على تطابقهما.

د- يميل شلايرماخر للقول  ببعض تشابه بين العقول البشرية ، وان كان الاختلاف بينها اعمق—داخل الفئات الاجتماعية التي  تنتمي لشعوب واجناس مختلفة ، وحتى ضمن أفراد من  نفس الثقافة. ولهذا   تأثير هام على تطور المجتمع ككل—سواء في السياسية و الأخلاق (مجال “الأبطال”) و في مجال الفكر والفن (مجال “العباقرة”). تفرد العقول هذا في نظره لا يقبل التفسير العقلي او الرياضي .ومع ذلك ، يمكن فهمها عن طريق “التكهن” (فمن الخطأ أن نفترض أن جميع العقول البشرية متشابهة في الاصل  وتختلف فقط بسبب التأثيرات المختلفة على تطورها ، والتي قد يمكن تفسيرها).

 

في الأخير ان ما يميز  فلسفة شلايرماخر للعقل عن هيردر  و عن سابقيه من الفلاسفة الالمان  هو غياب مفهوم اللاوعي لديه او بالأحرى  تشكيكه فيه .

.فهو  على سبيل المثال ، يجادل بأن الفكر لا يمكن أن يكون لا واعيا  ، وأن ما يسمى ” تمثلات غامضة” هي في الواقع مجرد صور حسية لا تنطوي على أفكار.

4–  الهيرمينوطيقا (نظرية التأويل)

اهم اعمال شلايرماخر الفلسفية تتعلق بنظريات التأويل ،  الهيرمينوطيقا والترجمة بتأثير مباشر من فريدريك شليغل عندما جمعهما منزل واحد  في برلين أواخر 1790 . و قد يكون من الصعب تحديد من منهما يرجع له الفضل في هذا التأسيس النظري .و ان كانت  كتابات شلايرماخر اكثر دقة و تفصيلا. اطروحات شلايرماخر في التاويل و الترجمة  مستوحاة من فلسفة اللغة  عند هيردر كما اسلفنا سابقا.يتعلق الامر بمبادئ ثلاث هي :

 (4) الفكر يعتمد أساسا على اللغة و يتطابق معها  .

 (5) المعنى يرتبط بتداول اللفظ .

 (7) هناك  اختلافات لغوية وفكرية بين الناس. ويشكل  هذا المبدأ بالتحديد  تحديا خطيرا لكل من التأويل والترجمة ، والمهمة الرئيسية لنظريات شلايرماخر هي التصدي لهذا التحدي.

 و لعل اهم ما ذهب اليه شلايرماخر في  فلسفة اللغة (8) حديثه عن شمولية الدلالة semantic holism ، ذلك ان هذه الكلية في دلالة الالفاظ  تزيد الى حد كبير من الصعوبات التي تعتري التأويل و الترجمة . (7)

ألقى شلايرماخر محاضرات عن التأويل ما  بين 1805 و1833. فيما يلي بعض مبادئه الرئيسية في هذا الحقل:

ا-إن التأويل هو نظرية لفهم التواصل اللغوي وهي بذلك تختلف عن التفسير أو التطبيق أو الترجمة.

ب-  فلسفة التأويل هي  فرع عام و شامل من فروع المعرفة اي ان مباحثها متعددة  مثل الكتاب المقدس ، القانون و الأدب. الروايات الشفهية و كذا المكتوبة ، النصوص الحديثة و ايضا القديمة ، ما كتب باللغة الام و ما كتب باللغات الأجنبية .

ج- تأويل النصوص المقدسة   مثل التوراة قد لا يستدعي  مهارات خاصة مثل الإلهام الإلهي (سواء من المؤلف أو المترجم).

د-عل العموم  ان التأويل  مهمة صعبة  فبخلاف ما يعتقده البعض من  أن “التفاهم يحدث بطبيعة الحال” ، ما  في الواقع فان  “سوء تفاهم يحدث بطبيعة الحال ، لذلك يجب الحرص على تحقيق الفهم في  كل نقطة” (HHM 109-110; HC 21-22). (هذا الموقف مستمد من الأطروحة( 7) لشلايرماخر المتعلقة  بالتنوع اللغوي و المفاهيمي – الفكري.

إذا كيف يمكن تحقيق التفسير؟

ه-من الضروري التمييز بوضوح بين مسألة معنى النص أو الخطاب ومسألة حقيقته.

وافتراض أن النص أو الخطاب يجب أن يكون حقيقيا كثيرا ما يؤدي إلى سوء فهم مهم.

و-يجب على من يشتغل بالتأويل أن يكتسب معرفة جيدة بالسياق التاريخي للنص او الخطاب قبل أن يبدأ تأويله. (في بعض الكتابات المتأخرة  لشلايرماخر ذهب للتأكيد بان القول بان  السياق التاريخي ليس ذا أهمية في التأويل هو مجرد سخافة .)

ز-التأويل  الصحيح له دائما جانبان: أحدهما لغوي والآخر نفسي. مهمة التاويل اللغوي (التي وردت في الاطروحة (5)) تكمن  في الاستدلال بالقواعد  التي تنظم الكلمات   و تحدد معانيها و تداولها.  التأويل النفسي يرتكز بدلا من ذلك على نفسية صاحبه.. فالتاويل  اللغوي يتعلق أساسا بما هو شائع أو مشترك  في لغة معينة ؛ اما التاويل  النفسي يرتبط أساسا بما هو مميز لكاتب معين.

ح) يشير شليرماخر إلى عدة أسباب تبرر حاجة المشتغل في التاويل إلى تكملة التاويل اللغوي بالتاويل النفسي .

أولا، يرى أن هذه الحاجة ناشئة عن التميز اللغوي والمفاهيمي-الفكري العميق للأفراد. هذا التميز على مستوى الأفراد يؤدي إلى مشكلات اللغوية .ذلك ان  الكلمات التي من الممكن اعتمادها  بمثابة مرجع  يمكن من خلالها الاستدلال على الاستخدام  الدقيق  أو المعنى  ،عادة ما تكون قليلة نسبيا وذات استعمالات   سياقية متنوعة و من المفترض أن يساعد التاويل النفسي  في حل  هذه الصعوبة من خلال تقديم أدلة إضافية لبناء المعنى .

 ثانيا , من المطلوب  على مستوى التأويل النفسي العودة الى  صاحب الخطاب من أجل حل الغموض في المستوى اللغوي لكلمات جاءت في  سياقات معينة (حتى وان عرفت  المعاني المتاحة للكلمة  موضوع التأويل ).

ثالثا ، ، فهم الفعل اللساني او اللغوي linguistic act لا  يحتاج فقط  إلى معرفة المعنى بل  أيضا الى ما يسمى  “act  illocutionary قوة الخطاب  ” أو نيته. على سبيل المثال, إذا التقيت  غريبا بالقرب  من بحيرة متجمدة و قال لي “الجليد رقيق هناك” ، بغية فهم كلامه  علي أن أعرف المعنى على المستوى اللغوي (وهو في هذه الحالة واضح) ولكن أيضا ما يحتمله من  الوقائع الملاحظة, التهديد, النكتة, أو غيرها. ( يركز شلايرماخربشكل أكثر على أول هذه الاعتبارات الثلاثة. ومع ذلك ، قد  يجادل  البعض  بان  التأويل  يحتاج إلى علم النفس عموما .اما شلايرماخر فيعطي الأولوية  للمبدأين الاولين على حساب مبدا التمييز اللغوي و الفكري باعتبارهما  أكثر اهمية.)

 ط –  يتطلب التأويل منهجين  اثنين:

1–منهج مقارن Comparativ method  (أي طريقة استقراء عادي ) ، يرى شلايرماخر انه  يغلب على جانب التأويل  اللغوي  ، حيث ينطلق التأويل من قواعد استعمال اللفظ و معناه  المتداول.

2-طريقة التخمين Divinatory method التي تغلب في التأويل النفسي  (أي محاولة وضع  فرضيات للمعنى انطلاقا من  الأدلة التجريبية المتاحة ؛ و لفظ التنبؤ هنا Divinatory يحيل الى الجذر اللاتيني للكلمة divinus  و الذي لا يتعلق بمعناه في الإنجليزية المرتبط بالنبوءة  ، بل  كما جاء في الفرنسية  deviner  حيث يشير إلى تخمين أو حدس. ( القول بان مفهوم  التخمين الذي يحضر بشكل واسع افي الكتابات المتأخرة لشلايرماخر  يرتبط بعملية نفسية للإسقاط الذاتي في النصوص . او ان  شلايرماخر يعتقد  بان التاويل  يتطلب قدرا من التعاطف النفسي  بين المؤول و المؤول هو  في الأساس خاطئ.).

ي- التأويل  المثالي هو بطبيعته عملية  شمولية (يستند هذا المبدأ جزئيا إلى حد ما الى أطروحة شلايرماخر المتعلقة بشمولية الدلالة semantic holism).كل تأويل لفقرة معينة من النص يحتاج إلى أن يفسر في ضوء النص كله الذي ينتمي إليه ، و بصفة اعم  تفسرالفقرة  في ضوء اللغة التي كتبت بها ، ثم السياق التاريخي ،  النوع الادبي  ،  كتابات المؤلف ، و الجانب النفسي للكاتب.  هذه الاعتبارات العامة تعزز حركية التأويل   وان كانت تتوقف بدورها على تفسير فقرات  النص.

بيد أن شلايرماخر لا يرى في هذه الحركية حلقة مفرغة. لم لا ؟ لا يتمثل حل هذا المشكل التأويلي في الحرص على تزامن كل عمليات التأويل لأن ذلك يتجاوز بكثير القدرات البشرية حسب شلايرماخر. بل يكمن أساسا في اعتقاده بأن الفهم عملية متدرجة على مراحل  ، و من الممكن إحراز تقدم نحو فهم كامل بطريقة مجزأة.. على سبيل المثال ، فيما يتعلق بالعلاقة بين فقرة من النص و النص كله الذي تنتمي إليها ، يوصي شلايرماخر  بقراءة وتأويل  جزئي  لفقرات النص على حدة قبل التوصل إلى تأويل شامل للنص  ، ومن ثمة العمل على تنقيح تأويلاتنا الأولى لفقرات النص  ، وهذا بدوره يسمح بتنقيح تأويلنا للنص . ثم العودة الى الفقرات فالنص وهكذا دواليك .

يمتد تأثير هيردر في نظرية التأويل  عند شلايرماخر الى ابعد من المبادئ العامة  (4) و (5) و (7) المذكورة آنفا.). في الواقع ، نظرية شلايرماخر في التأويل  كما تم وصفها اعلاه مطابقة تقريبا لاطروحة هيردر  .هذا راجع الى تأثرهما معا بنفس الفلاسفة السابقين ، ولا سيما ج.أ. أورنستي J.A. Ernesti..ولكن شلايرماخر يدين حصريا الى هيردر في مسألتين  ( يعتقد خطا في كثير من الأحيان ان صاحبهما الأول هو شلايرماخر ) تكامل النفسي واللغوي في التأويل  و منهج التخمين . (قدم هيردر هاتين الأطروحتين  في كتابيه , خاصة في  كتابات توماس ابت  On Thomas Abbt’s Writings [1768] و في  إدراك و إحساس النفس البشرية On the Cognition and Sensation of the Human Soul [1778].) اطروحة  شلايرماخر اذن تجمع في جوهرها  بعض الأفكار  المتناثرة في  عدد من أعمال هيردر.

لكن هناك بعض الاستثناءات حيث يختلف شلايرماخر عن هيردر، و هنا  بالتحديد تصبح  نظرية  التأويل عند شلايرماخر إشكالية. وهذه الاستثناءات  ليست إشكالية بقدر ما هي مفيدة. أولا ، كما ذكر آنفا ، تؤدي أطروحة  شلايرماخر إلى زيادة الصعوبة  التي يطرحها تأويل  المبدأ (7) من خلال الأخذ بالمبدأ (8) ، وهو مبدأ الشمولية الدلالية. ثانيا ، تقدم أطروحة شلايرماخر من خلال  المبدأ (ب) ، القول  بتصور مثالي يتعلق بكونية التأويل. هذا المبدأ حاضر  إلى حد كبير في روح نظرية هيردر ، لكنه لا يذهب أبعد منها .(و قد سبقه الى ذلك على سبيل المثال ، في فان دير هارت van der Hardt ، وشلادينيوس , Chladenius ، وفيفر Pfeiffer ، وغروش Grosch ، وميير Meier..)

ننتقل الان الى  الاختلافات التي يمكن اعتبارها إشكالية و  المتعلقة في الأصل بفلسفة اللغة التي تقوم عليها المبادئ الثلاثة في نظرية التأويل (4) و (5) و (7).

و فيما يلي أمثلة أخرى على تلك الاختلافات  . اذا كان   هيردر يؤكد  على أهمية  استحضار النوع الادبي في التاويل  , و يقر  أيضا بصعوبة كبيرة في القيام بذلك في كثير من الحالات, لا سيما بسبب التغيرات المستمرة في الأنواع وما يترتب على ذلك من خلط بين المألوف فيها و الجديد , فان , شلايرماخر لا يولي أهمية لذلك.في كتاباته المتاخرة  يحدد شلايرماخر التاويل النفسي  باعتباره  عملية تحديد و تتبع ضروري لتطور بذرة قرار المؤلف او ما يسميه بالألمانية [Keimentschluß]” التي تكمن وراء العمل وتطوره وفقا  للموضة السائدة . لكن الى أي حد يمكن اعتبار  هذه الخطوة مفيدة بالنظر الى  عدد الأعمال اليوم و التي  يمكن تأويلها  على نحو سليم ، بهذه الطريقة ؟

إضافة الى ذلك  ، اذا كان هيردر ياخد بعين الاعتبار   السلوك اللغوي linguistic behavior  للكاتب و حتى سلوكه اللالغويnon-linguistic behavior  في التأويل النفسي ، فان شلايرماخر يتحفظ في هذا .ولكن هذا  الراي قد يبدو مضللا أيضا ؛ فعلى سبيل المثال ، أعمال الماركيز دي سادي  the Marquis de Sadeالتي يبدو فيها  طابع القسوة لا تقل أهمية عن الجانب السادي في تركيبه النفسي ،  وبالتالي من الممكن تأويل نصوصه من خلال  جمله القاسية. في سياق اخر , و على عكس هيردر , فان شلايرماخر يرى بان  الدور المركزي لعملية التخمين او الافتراض  تميز بشكل أساسي التأويل عن العلوم الطبيعية ، وبالتالي يصنف التأويل  أنه فن بدلا من  كونه علما .  و مهما يكن،  كان  عليه بدلا من ذلك أن يعتبرها أساسية  في التأويل والعلوم الطبيعية على حد سواء. ( و لعل هذا الخطأ الذي و قع فيه شلايرماخر بسبب افتراضه أن العلوم الطبيعية تعمل من خلال أسلوب الاستقراء كما في المثال : اذا كان   a الأول هو f و a  الثاني هو f  ثم a  الثالث هو أيضا f  فان كل a  هو f… و هذا الاستقراء بدلا من الفرضية.)

تميل اطروحة شلايرماخر أيضًا إلى التقليل من شأن بعض النقاط المهمة المتعلقة بالتأويل  التي قدمها فريدريش شليغل أو حجبها أو تفويتها.معالجة شليغل للبعض قضايا التاويل في نصوص مثل فلسفة اللغة   Philosophy of Philology (1797) وشظايا أثينا Athenaeum Fragments ( 1798-1800) تشبه إلى حد كبيرما ذهب اليه  شلايرماخر. يتعلق الامر   بأكثر ثلاث  نقاط غموضا  او أقلها  جرأة  او غيابا عند شلايرماخر و هي كالاتي :

1-يشير شليغل الى ان النصوص تتضمن معاني لا واعية كما في قوله “كل عمل جيد … يهدف إلى أكثر مما يعلم”. في المعلم غوتهGoethe’s Meister [1798] [PJ 2:177]). يتبنى شلايرماخر و جهة نظر مماثلة بالأخص كما في قوله بان المؤول عليه ان يفهم الكاتب افضل مما فهم هو نفسه اما موقف شليغل فهو اكثر راديكالية لأنه يفترض وجود “عمق لا نهائي” يجعل   الكاتب  يجهل ما يريده.

2-يشير شلايرماخر الى وجود معاني هامة غير مصرح بها علنا في العمل الادبي لكنها تتضح من خلال تركيبة النص. وهذه نقطة هامة جدا في أطروحة تبدو من خلال حديثه عن  “بذرة القرار “seminal decision ” عند شلايرماخر .

3- خلافا لشلايرماخر فان   شليغل يؤكد أن العمل  يحتوي عادة على التباسات على  المؤول ان يتعرفها و يشرحها . يكتب شليغل :

ولا يكفي أن يفهم المرء المعنى الفعلي للعمل الذي يعتريه تشويش أكثر مما يفهمه المؤلف .بل يجب علىيه  أيضا أن يكون قادرا على معرفة االالتباس  ووصفه بل وحتى تفسيره وصولا إلى مبادئه ذاتها. (KFSA 18: 63)

وهذه نقطة  أخرى هامة جدا.

وعلى الرغم من هذه الثغرات في نظرية التاويل عند شلايرماخر ,  فان تلميذه أغسطس بويكAugust Boeckh  الفيلولوجي البارز، اعطى قيمة لاطروحات شلايرماخر و عمل على  إعادة صياغتها في المحاضرات التي نشرت له في ” موسوعة و منهجية  فقه اللغة Encyclopedia and Methodology of the Philological Sciences ” (ألقى محاضراته بين  1809-66;  و نشرت بعد وفاته عام  1877) .ومن خلال الجمع بين تأثير ما كتبه شلايرماخر  و تلميذه  بويك  فقد تشكل الأساس المنهجي لنظرية التأويل ( الهيرمينوطيقا) و لدراسات  الكتاب المقدس في القرن التاسع عشر .

 

5.تاريخ الفلسفة

 

قام شلايرماخر بتطبيق منهجه التأويلي الدقيق بشكل مثمر على عدة  دراسات تتطلب بالأساس   تأويلا  . أحد الأمثلة على ذلك هو سلسلة قراءاته حول حياة يسوع التي ألقاها بين عامي 1819 و 1833. مثال آخر – ربما يكون أكثر أهمية للفلاسفة – مثال على عمله كمؤرخ للفلسفة.

 

 

.

  1. نظرية الترجمة

كما اسلفنا القول  ، قام شلايرماخر بتطوير نظريته للترجمة بفعل تأثره  بفلسفة اللغة لهيردر كما جاء في الاطروحات السابقة  (4) و (5) و (7) ، جنبًا إلى جنب مع (8) ،  إضافة الى اطروحته الخاصة المتعلقة بشمولية الدلالة  semantic holism ،  و كل هذا يذهب في اتجاه تأكيد التحديات و الصعوبات التي تعتري الترجمة .( كما هو وارد في الاطروحة 7)

كان شلايرماخر نفسه مترجما بارعا ، و مازالت  ترجمته الألمانية لمحاورات  أفلاطون تستخدم على نطاق واسع و تحظى بالإعجاب  الى اليوم  بعد ازيد من  مائتي عام .كما سبق ذكره . لذا فإن آرائه في الترجمة تحظى بسلطة معرفية  ظاهرة. يشرح  شلايرماخر نظريته للترجمة بشكل رئيسي في المقال الرائع حول  في طرق الترجمة المختلفة On the Different Methods of Translation ( 1813).

 فيما يلي بعض النقاط الرئيسية في نظريته في الترجمة :

ا-تواجه الترجمة عادة مشكلة الفجوة المفاهيمية بين لغة المصدر واللغة المستهدفة (حيث أن هذه الأخيرة موجودة حاليا. ( في هذا تطبيق للمبدأ (7))

ب-ان هذا الوضع يجعل الترجمة مهمة صعبة للغاية ، مما يشكل عقبة رئيسية أمام تحقيق الترجمة الهدف الأصلي  منها  بأمانة و هو بالأساس  إعادة إنتاج المعنى الأصلي في اللغة الهدف. في هذا الصدد ، يسجل  شلايرماخر الملاحظات الاشكالية التالية (والتي يمكن أن يطلق عليها اسم مفارقة إعادة الصياغة): إذ تواجه    مهمة الترجمة مفهوما غريبا, ليحاول المترجم إعادة إنتاج مقاصده  عن طريق إعادة إنتاج امتداده  و ذلك عبر  إعادة  صياغته صياغة متقنة بلغته الام  ، لكنه يجد نفسه  وقد ابتعد عن المعنى الأصلي الامر الذي يسهم في  تقويضه بطرق متعددة.

فعلى سبيل المثال ، فيما يتعلق   بكلمة  chlôros, التي يستعملها  هوميروس  للإشارة الى الألوان   ، ففي بعض الأحيان تنطبق على صفات الاشياء الخضراء (مثل  أوراق الشجر السليمة ) ولكن  تشير في أوقات أخرى إلى  صفة الأشياء الصفراء (مثل العسل),  على المترجم اذن  ترجمة الكلمة  وفقا ل “أخضر أو أصفر”.. ولكن القيام بذلك تضحية بالمفهوم  الأصلي طالما ان  هوميروس لا يتحدث عن مفهوم الأخضر أو مفهوم الأصفر و انما  مفهوم chlôros .إضافة الى ذلك فان مفهوم  chlôros لم يكن عند هوميروس  مفهوما متعدد الاوجه disjunctive concept..

(ج) يحدد شلايرماخر عددا من التحديات الأخرى التي تزيد من  صعوبة الترجمة. فعلى سبيل المثال, تتطلب ترجمة  الشعر إعادة إنتاج دلالته بل و حتى  جرسه  من  وزن أو قافية. و هذا ليس مجرد كمالية في الترجمة  ، وانما  جزء أساسي من هذه المهمة ، ذلك ان لجرس الشعر و ايقاعه  دور أساسي في  التعبير عن المعنى.

 ويجادل بأنه بالإضافة إلى إعادة إنتاج المعنى، يجب أن تحاول الترجمة أن تنقل لقرائها الحالات التي  كان المؤلف فيها  محافظا  وتلك التي كان فيها مبدعا. كاستخدام مفردات قديمة من لغة الترجمة  في الحالات التي يستعمل المؤلف عبارات  جديدة في اللغة الاصلية . لكنه يلاحظ أيضا أنه في بعض الحالات لا تتحقق رغبة المترجم في  العثور على أقرب دلالة صالحة . فعلى سبيل المثال ، قد يتبين ان  الكلمة التي يمكن أن تعيد انتاج  القافية أو المفهوم الكلاسيكي ليست هي  الأقرب في المعنى للكلمة في النص الأصلي.

(د) وبسبب هذه الصعوبة الكبيرة ، يحتاج المترجم إلى أن يمتلك خبرة تأويلية  حقيقية ، وأن يكون “فنانا” ، إذا كان يريد أن ينجز مهمة الترجمة على نحو واف.

(ه)ويمكن من حيث المبدأ معالجة الفجوة المفاهيمية التي تشكل التحدي الرئيسي هنا بإحدى هاتين الطريقتين العامتين :

 اما عن طريق تقريب  عالم المؤلف اللغوي و المفاهيمي من  عالم قارئ الترجمة أو العكس . هاته المقاربة دافع عنها  لوثر  من  نواحي عديدة  في كتابه  الشهير رسالة  بشأن الترجمة Letter on Translation  (1530) وكان قد اعتمدها  من قبل في ترجمته للكتاب المقدس (مستخدما لفظ” Verdeutschung “بالألمانية). ،غير ان  شلايرماخر يعترض على هذا  لأنه في اعتقاده  يشوه حتما مفاهيم وأفكار المؤلف. وبالتالي فإن شلايرماخر يؤيد النهج البديل المتمثل في جعل القارئ يتجه نحو العالم اللغوي-المفاهيمي للمؤلف باعتباره العالم الوحيد المقبول.

لكن كيف يمكن إنجاز هذا؟

و) وفقا شلايرماخر ، يكمن الحل في مرونة اللغة. ذلك أن هذه المرونة تسمح للمترجم  بتطويع لغة الترجمة قدر الإمكان للتعبير عن مفاهيم اللغة الاصلية  ، حتى و لو كان استخدام الكلمات  ، وبالتالي المفاهيم في  اللغة الهدف لا يتوافق  مع تلك التي استعملها  المؤلف  .(DM 25)

(هذا الحل يفترض مسبقا المبدأ (5) في فلسفة اللغة.) على سبيل المثال, لترجمة كلمة chlôros  عند هوميروس فان أقرب نظير لها في اللغة الهدف هو  “الأخضر” ، ولكن في  الترجمة يتم تطبيقها ليس فقط على الأشياء الخضراء (مثل خضرة أوراق الشجر) ولكن أيضا الأشياء الصفراء (مثل العسل).

 (ز) تميل هذه المقاربة الى تفضيل ترجمة أية كلمة في اللغة الأصل بطريقة موحدة طوال الترجمة بدلاً من التبديل بين طريقتين مختلفتين أو أكثر لترجمتها في سياقات مختلفة.

ح) هذه المقاربة  تجعل الترجمات أقل سهولة  في القراءة  من الترجمات التي يمكن تحقيقها بالنهج البديل ( (Verdeutschung). ومهما يكن فان هذا الامر مقبول لأن البديل الوحيد  له هو العجز عن   التعبير بدقة عن معنى صاحب الخطاب. وعلاوة على ذلك ، فإن لهذه التعثرات  قيمة مضافة من حيث أنها تذكر القارئ باستمرار بعدم الإلمام المفاهيمي بالمواد التي جرى ترجمتها ومقاربة “الاشتقاق   bending ” المستخدمة في الترجمة .

ن) على المستوى العملي ، و على الرغم من أن هذا المقاربة تتطلب  ترجمة موارد  كثيرة , فإنها تسمح  لقارئ الترجمة ان يعتاد  على الاستعمالات غير الاعتيادية  لكلمة معينة و ذلك في  سياقات مختلفة مما يسمح له بالتوصل الى قاعدة تداولها  الاستثنائية.

ي) بالرغم من محدودية هذه المقاربة في الترجمة  . ، فإنه غالبا ما يكون من المستحيل إعادة  إنتاج كلي لمعنى  تداول كلمة معينة ،المفاهيم ذات الصلة ،او القواعد المميزة  للغة. وبما أن هذه السمات الكلية  مستبطنة ضمن معنى كلمة ما ، سيترتب عن ذلك قصور  في إيصال معناها بالترجمة.  و عليه فان قراءة ترجمة تبقى ثاني أفضل  قراءة من بعد  النص الأصلي  و ان كانت افقر منها .و على  المترجم ان يفكر في مهمته باعتبارها سعيا لتقريب اللانهائي  و ان كان ذلك لا يتحقق بشكل مثالي بالكامل.

(ك) و مهما يكن ، لا تزال  الترجمة   مشروعة  ، لسبب واضح  هو أنه من الضروري جعل  كل الأعمال متاحة للأشخاص الذين يرغبون في قراءتها ولكنهم لا يملكون  معرفة باللغات الأصلية . إضافة الى سبب اخر اقل وضوحا يتعلق بمنهج  “الاشتقاق bending ” الذي يسمح لهم  بإثراء لغتهم ( و في استنساخها للميزات  الايقاعية  اثراء للإيقاع  الاصلي ).

ل) لا خوف من ان هدا الاثراء من شانه ان يحرم اللغة الاصلية من طابعها الخاص.  (يرد شلايرماخر على القلق الذي أعرب عن هيردر ). ففي الحالات التي ينشأ فيها صراع حقيقي مع ذلك الطابع ، فإن اثراء المعنى سيتلاشى من اللغة .

( نشير مرة أخرى ،و كما في حالة نظرية التأويل ، فيما يتعلق بالأطروحات  (4) و (5) و (7), فان  معظم هذه الأفكار عن الترجمة اخدها شلايرماخر عن  هيردر . على وجه الخصوص ، الاستراتيجية  المركزية التي تبناها شلايرماخر حول “الاشتقاق bending ” من أجل التعامل مع  عدم التناسق المفاهيمي .اضافة الى أهمية   نقل جرس النص الشعري  في نقل  معناه بدقة ، بشكل متساوي . (المصادر الهرديرية ذات الصلة هنا هي شذرات في  الأدب الألماني الحديث Fragments on Recent German Literature [1767-8] والأغاني الشعبية[ة Popular Songs [Volkslieder [1774 و 1778/9].)

عموما , خلافا لنظرية التأويل عند شلايرماخر  التي تناولناها سابقا ، والتي تضعف موقف هيردر، فان نظرية الترجمة عند شلايرماخر تعمل على صقل أطروحة هيردر  في نواح متواضعة  ولكنها هامة. من مثل ما قيل أعلاه في:

-النقطة (ب) ، حيث ذهب شلايرماخر الى الحديث بشكل جديد عن  مفارقة إعادة الصياغة.

– (ج) ، حديثه عن ابداع المؤلف او التزامه بالتقاليد اللغوية بالمقارنة مع هيردر.

-(ح) ، فكرته  الجديدة عن ان  الشذوذ اللغوي  الذي  ينجم عن “االاشتقاق bending ” ليس فقط مقبولا ولكن يمكنه أن يكون في الواقع مفيدا.

– (i) ، وهو تصور جديد اخر .

(ي)، النقطة  الجديدة الأخرى التي تتناول شمولية الدلالة من حيث انها  تفرض  قيودا  على نجاح الترجمة .

(ل) تصوره هذا يتعارض مع موقف هيردر.

 

  1. علم الجمال او الاستطيقا

يميل شلايرماخر الى ان  ينتقص من  ذوقه ومعرفته بالفن ، وبالتالي استعداده  لدراسة فلسفة الجمال (على سبيل المثال ، في كتابيه في  الدين On Religion و المناجاة Soliloquies ، عبر بوضوح عن   اندهاشه من  المواهب والخبرات التي استمتع بها اصدقاؤه الرومانسيون  في هذا المجال ، و بالأخص الاخوين شليغل ) ، لذلك نجده خجولا في من مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل في اعماله الأولى. ومع ذلك ، فإنه سيتناول هذا الموضوع  في نهاية المطاف بشكل منهجي في محاضراته عن فلسفة الجمال (قدمت أولا في عام 1819 ، ثم مرة أخرى في عام 1825 و1832-3).

دافعه  وراء هذا مستمد من حقيقة أن ظاهرة الفن ، وبخاصة ظاهرة الفن غير اللغوي  (مثل الرسم والنحت والموسيقى) ، تثير إشكالات مهمة لا على مستوى  فلسفة الفن فقط ، ولكن أيضا على مستوى االهيرمينوطيقا ، نظرية التفسير ،  و فلسفة اللغة .هذا الاشكال يتعلق بالتساؤل  : هل الفنون غير اللغوية  مثل الرسم والنحت والموسيقى تعبر عن المعاني والأفكار . وإذا كان الأمر هكذا  ،فكيف ذلك  ؟  من الواضح أن هذا السؤال مهم لفلسفة الفن ولكنه مهم أيضا للهيرمينوطيقا ، أو نظرية التأويل  ، لأنها  تطرح  إشكالات جديدة  إلى جانب  تلك  الإشكالات اللغوية التي تعالجها هيرمينوطيقا شلايرماخر ، تتعلق باليات التأويل المعتمدة في حالتها و كيف يمكن ربطها باليات التأويل اللغوي. وعلاوة على ذلك ، فإن الإشكالية المطروحة مهمة  أيضا  في فلسفة اللغة التي تدعم نظرية التأويل عند شلايرماخر ، كما ورد في الاطروحات السابقة (4) و (5). الإجابة عن هذا الاشكال تدفع بالضرورة الى إعادة مراجعة هاتين الاطروحتين  ، أو على الأقل تبين أنهما بحاجة إلى تنقيح اساسي.

في محاضراته الأخيرة عن فلسفة الجمال (1832-3) اتبع شلايرماخر في البداية استراتيجية بسيطة جدا للتعامل مع هذه القضايا المتعلقة بالفن غير اللغوي. بيد أنه سرعان ما أدرك أن هذه  الاستراتيجية لا يمكن الدفاع عنها ، وتخلى عنها من أجل موقف واعد وإن كان أكثر غموضا. وهو بذلك قد اتبع نفس مسار هيردر في  كتابه الغابات الحرجة Critical Forests (1769) ، لذلك لابأس من اطلالة على هذا الكتاب . قبل وقت كتابته للغابات الحرجة Critical Forests عبر هيردر عن مضمون الاطروحتين  (4) و (5).

بناءا على هذا ،أشار هيردر  في معالجته لظاهرة  الفنون غير اللغوية الى  أن هذه الفنون تعجز عن التعبير عن الأفكار أو المعاني بشكل مستقل عن اللغة لأنها تفتقر الى هذه  القدرة على التعبير عن الأفكار أو المعاني في كل شيء: فاذا كان للشعر حس, روح,  و قوة, فان الموسيقى هي مجرد تعاقب لأشياء  في وقت مناسب .اما النحت والرسم هي مجرد تعابير مكانية . ذلك أن الشعر لا يعتمد فقط على الحواس ولكن يتعلق أيضا بالخيال .اما  الموسيقى ، النحت والرسم فتنتمي فقط إلى الحواس (السمع ، والشعور ، والرؤية ، على التوالي) .من جهة أخرى يستخدم  الشعر علامات مألوفة ومصطلحا عليها  بخلاف كل من الموسيقى والنحت والرسم التي توظف العلامات  الأولية الفطرية  .

لكن هيردر تراجع عن هذا الموقف  لعجزه عن الدفاع عنه كما  جاء في الجزء الثالث  من كتابه كونه ادرك انه في حالة  العملات القديمة, التي و ان كانت  غير لغوية النية الا انها تعبر  مع ذلك في كثير من الأحيان عن المعاني والأفكار من خلال  الطرق التصويرية.

ولكنه رغم ذلك هذا لم يتخلى عن موقفه  من المبدأين (4) و (5) سالفي الذكر.

و بدلا من هذا   , عمد هيردر الى التدقيق في تصنيف الفنون  غير اللغوية التي تتوافق  مع هذه المبادئ:  فهي و ان كانت تعبر في بعض الأحيان عن المعاني والأفكار ، ولكن  هذه المعاني والأفكار هي مجرد زوائد   في مقابل التعبير اللغوي للذي سبقها  أو تعبير الفنان نفسه . في الجزء الرابع من الكتاب  عمد هيردر الى الحاق  الرسم بهذه الاستثناءات ؛ ولاحقا أضاف  النحت و الموسيقى كذلك. (هذا الجزء لم ينشر حتى منتصف القرن التاسع عشر ، ومن ثمة  لم يطلع عليه شلايرماخر )

محاضرات شلايرماخر في علم الجمال تتبع مسارا مشابها لما فعله هيردر . اذ حاول شلايرماخر في البداية  تطوير نسخته عن  أطروحة هيردر التي أوردها في كتابه  الغابات الحرجة Critical Forests ؛  حيث ربط ما بين الفنون غير اللغوية و الحواس المختلفة مثلما فعل هيردر (يختلف موقفه عن هيردر  فقط من حيث مراجعته  لعلاقة فن  النحت مع حاسة اللمس ليضيف  شلايرماخر حاستي البصر وكذلك اللمس).

في موقف مشابه لهيردر التزم شلايرماخر الى   حد كبير بالمبادئ (4) و (5), التي تذهب للتصريح بسذاجة ان  :  الفنون غير اللغوية مثل الموسيقى و النحت, لا تعبر عن المعاني أو الأفكار بشكل مستقل من اللغة لأنها لا تعبر عنها اطلاقا . فعلى سبيل المثال ، يجادل شلايرماخر بأن الموسيقى لا تعبر إلا عن “ظروف الحياة” الفيزيولوجية  Lebenszustände، وليس عن الثمثلات  أو الأفكار. و خلافا لهيردر الذي تراجع عن موقفه في حالة العملات القديمة ،  ما ان ادرك شلايرماخر ضعف هذه الاطروحة حتى اقترح   حلا ساذجا لهذه الإشكالية: تناسب هذا الحل بسلاسة مع كل  من الموسيقى والرسم ، ولكن شلايرماخر سرعان ما وجد صعوبة في   منتصف مناقشته  للنحت حينما  تذكر فجأة  رواية  باوسانياس Pausanias القائلة  بأن أقدم التماثيل اليونانية هي  مجرد كتل صخرية  تستعمل كرموز للمعتقدات الدينية .ويذهب بعد ذلك إلى ملاحظة أن نفس الامر يصدق  على فنون أخرى غير لغوية ، مثل الرسم .ليغير شلايرماخر موقفه بدءا من هذه النقطة  ويعترف بأن الفنون غير اللغوية تعبر (أحيانا على الأقل) عن المعاني والأفكار .

 ليستمر شلايرماخر في التأرجح بين  روايتين جديدتين ومتعارضتين:

(أ) هذه  الفنون لا تكون فيها المعاني والأفكار ذات الصلة في بعض الأحيان واضحة لغويا. وعلى وجه الخصوص ، يقترح أن النحت اليوناني الذي ذكر للتو عبر عن أفكار دينية لم يعبر عنها إلا في وقت لاحق لغويا. ويستتبع هذا التخلي عن المبدأين (4) و (5) أو على الأقل تنقيحهما تنقيحا شديدا.

 (ب) هذه الفنون تنشا عن تعبير لغوي سابق عند الفنان عن نفس المعاني والأفكار. (و ذلك راجع  ل “معطى كلي ” او ل “تمثل ” ، ولكن الاعتماد على اللغة في التعبير  يبدو واضحا .) هذا الموقف  يبدو مشابها للموقف النهائي لهيردر ، وعلى غراره مراعيا للمبدأين (4) و (5) . اخيرا بعد أن تخلى شلايرماخر بوضوح عن موقفه الأول ظل متذبذبا بين هذين الموقفين المتعارضين  مع بعضهما البعض.

وكان التقليد الألماني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في مجموعه ممزقا بالمثل بين هذين الموقفين. وكما ذكر من قبل ، كان موقف هيردر الذي ذكرناه في النقطة (ب) هو الموقف الغالب  .ولكن  الطرح المشار اليه في النقطة (أ) كان لديه دعاة خاصة هامان Hamann ، واكنرودر Wackenroder  وتيك Tieck ، هيجل Hegel (فيما يتعلق بالهندسة المعمارية والنحت) ، ثم ديلثي  Dilthey في وقت لاحق. والاختيار  بين هذين الموقفين صعب حقا ، من الناحية الفلسفية.

ما علاقة هذا بالعديد من المسائل التي اقترحها شلايرماخر  في نظرية التأويل و فلسفة اللغة ،  و التي شجعته على إجراء هذا التحقيق في الفنون غير اللغوية في المقام الأول ؟  بخصوص السؤال الأساسي ، ما إذا كانت  الفنون غير اللغوية تعبر عن المعاني و الأفكار فانه  أدركت أنها  كذلك فعلا (على الأقل في بعض الأحيان) ، لكنه ظل مترددا في كيف تفعل ذلك. وهذا الامر مهم  لنظريته في التأويل  اذ بفضله ادرك شلايرماخر  ضرورة  توسيع نطاق هذه النظرية لتشمل بعض الحالات غير اللغوية  مثل الفن. لكنه ظل مترددا في  قضايا أخرى في هذا المجال ، ولا سيما في ما إذا كانا لمبدا  (أ) يعني ان  هناك حالات يتجاوز فيها  تفسير  الفن غير اللغوي  أي لغة مرتبطة به ،  أو كما جاء في  المبدأ  (ب) بان أي تاويل  سيكون دائما تابعا و مقيدا  باللغة المرتبطة به .

وأخيرا فيما يتعلق بفلسفة اللغة التي تدعم نظريته في التأويل ظل شلايرماخر مترددا  حول ما إذا كانت المعاني و الأفكار التي يتم التعبير عنها من قبل  الفنون غير اللغوية هي دائما زائدة على اللغة (موقف (ب)) ، بحيث  يمكن الاحتفاظ بالمبادئ (4) و (5) دون أي تنقيح أو تعديل . أو أنها بدلا من ذلك مستقلة عن اللغة في بعض الأحيان (موقف (أ)) ، بحيث  يتراجع عن هذا الموقف (كما فعل  هامان  Hamann في كتابه Metacritique  [1784]) ليعمل على (إعادة)تفسيرها  بالطريقة التي تمتد لتشمل استخدام الرمز غير اللغوي أو اللفظي في الفنون غير اللغوية.

دافع آخر وراء اهتمام شلايرماخر بمعالجة  الفن في أواخر محاضراته حول فلسفة الجمال  يرتبط بعلاقة الفن بالدين في الميدان الثقافي . و كان قد حرص شلايرماخر  منذ بداية حياته المهنية حتى نهايتها على الدفاع عن تبعية الفن للدين ، الامر الذي جعله في خلاف مستمر مع الاتجاه السائد في الحركة  الرومانسية الاولى. سلسلة محاضراته الأخيرة حول الاستطيقا خلال الفترة  1832-3 تندرج  بدورها ضمن  المحاولات لتحقيق هذا الهدف. وان كان يبدو لي أن هذه المحاولة الأخيرة تقوض نفسها بشكل غريب و مثير للاهتمام و ذلك لأسباب قد تطرقت إليها بالفعل  .

دعونا أولا نستعرض بإيجاز سلسلة محاولات شلايرماخر لإخضاع الفن، ثم ننظر في كيف ان  هذه الاطروحة تفند ذاتها . من الأهداف الأولى و الرئيسية عند شلايرماخر  تغيير اتجاه الثقافة المعاصرة ، وخاصة  الحركة الرومانسية ، بعيدا عن الفكرة القائلة  بأن الفن أعلى مستويات  نفاذ البصيرة  في مقابل الدين. و يمثل هذا جزءا هاما من مشروع  كتابه في الدين On Religion (1799) ، حيث ينتقد دعوة  الارتقاء بالفن فوق الدين التي نادى بها  غوته Goethe وشيلرSchiller  ، ثم تعززت مع  الرومانسيين. ويشتكي شلايرماخر  من الطبيعة التافهة للفن الحديث ، مجادلا  بأن الفن يجب أن يخدم الدين ، كما كان يعتقد  ذلك أفلاطون. (من اللافت للنظر نجاح شلايرماخر في  البداية في تحقيق هدفه : بعد عام 1799 ، و تحت تاثيره ،  تحول الرومانسيون الرائدون   عن الفن نحو  الدين ، وإلى حد ما حدث الشيء نفسه في  الثقافة الألمانية بشكل عام).

 استمرت محاضرات  فلسفة الأخلاق على نفس النهج خلال الفترة  1812-13 .

في هذه المحاضرات يتناول شلايرماخر  الفن بوصفه تعبيرا جماعيا عن الشعور الديني (الذي يختلف وفقا للاختلافات بين الأديان). بعبارة أخرى ، يكون الفن موافقا لطبيعته اذا كان خاضعا للدين.

كتاباته عن  علم النفس سنة  1830 ستشهد تطورا مثيرا للاهتمام في هذا الموضوع. اذ سيقول شلايرماخر بأن إدراك الجمال هو شعور يمتاز بنوع معين من المحتوى المعرفي العميق كونه  يعبر عن علاقة الفهم  بالوجود. وهذا يجعل الأمر يبدو شبيها إلى حد كبير بالشعور الديني . والواقع أنه في هذه المحاضرات يعامل  الفن على أساس  تابع لاحق  للشعور الديني. ويبدو ان شلايرماخر كان يرى في استقلال الفن  خطورة  .و يمكن  مع ذلك تجاوز هذا التهديد  من خلال جعل الجمال الطبيعي  سابقا على  الجمال الفني.

المحاضرات الجمالية  لفترة 1832-3 تستمر في نفس مشروع تبخيس الفن ، ولكن بطريقة مختلفة. غاية  شلايرماخر هنا ، على ما يبدو ، تبخيس  الفن مقارنة بالدين  و ذلك بطريقتين:

الأولى ، كما رأينا  سابقا ،من خلال  جعل الفنون  غير اللغوية (كالموسيقى ، الرسم ، النحت) مجرد تعبير   لا عقلي و حسي عن المشاعر.

 ثانيا ، تقدم المحاضرات وصفا للشعر باعتباره مجرد شعر وطني وفردي في طبيعته. (وهو ليس كونيا). وتجمع هذه المحاضرات على ان الفن عموما  ، و الشعر خصوصا  ، وطنية  في الأصل  ، وليست كونية  مثل العلوم و الدين بمعنى اخر. بشكل اكثر دقة ان الفن  لديه وظيفة التعبير عن الطبيعة الفردية  ، بشكل يتجاوز  اللغة الوطنية المشتركة (مما يخلق إمكانات أخرى للتعبير  اقل حضورا في الاستخدام  العادي للغة).

و بالرغم من ذلك  ، كما اقترحت  سابقا ، فان  هذه الاستراتيجية المزدوجة لتبخيس  الفن تقوض نفسها. لسبب واحد  ، كما رأينا ،هو ان  نموذج الفن غير اللغوي بوصفه مجرد احساس  لا عقلي لا يصمد امام النقد . وعلاوة على ذلك ، اتضح  أن للفن غير اللغوي محتوى عقليا  في نهاية المطاف ، بل إن هذه الحقيقة تصبح واضحة في  حالة النحت عند  اليونان الأوائل  و الذي يتضمن  محتوى يتسم بطابع ديني عميق. وعلاوة على ذلك ، فإن هذا التقويض الذاتي سيكون أكثر تطرفا إذا فاز الموقع (أ) على الموقع (ب) في النهاية. لسبب اخر  ، ان وظيفة الشعر عند شلايرماخر تكمن في التعبير عن الذاتية  و هي بذلك تمثل أعلى قيمة أخلاقية .

اجمالا ، ما كان مقصودا منه تبخيس الفن تحول ، طوعا أو كرها،  إلى نوع من التمجيد  المعرفي ،الديني والأخلاقي له.

 

  1. الجدل

معظم اعمال شلايرماخر الفلسفية الأولى تناولت  قضايا ثانوية  بالمقارنة مع تلك القضايا المركزية في الفلسفة من قبيل  الميتافيزيقيا ونظرية المعرفة او الابستيمولوجيا (على وجه الخصوص ، الأخلاق ، فلسفة الدين ، و التأويل). وهذا راجع لوجود عدة منافسين له ممن اسهموا في هذه المسائل المركزية  (من مثل  كانط  Kant، فيشت Fichte ، شيلينغ Schelling، هيغل Hegel) ، الامر الذي  دفعه إلى تطوير موقفه  الخاص بشأنها .وكانت النتيجة فلسفته في الجدل  “ديالكتيك ” ، التي بدأ بتقديمها على شكل محاضرات في عام 1811. (و يوحي هذا العنوان بما كتبه كل من  أفلاطون وأرسطو ، وحتى كانط وهيجل.)

وبناء على ذلك ، فان ما كتبه شلايرماخر في  الديالكتيك انما يشير الى اجتهادات وجد نفسه ملزما به  ، خلافا لتلك القضايا الفلسفية التي كان ملما بها و متمكنا منها (كما هو الشأن في  فلسفة الدين و الهيرمينوطيقا).هكذا نجد تحولا واضحا بين النسختين  الصادرتين تباعا في 1811 و 1814-15  ، و اللتان  تناولتا بشكل تقليدي  و نظري بحت قضايا   ميتافيزيقية و إبستمولوجية  .و النسخ الاحدث  من المحاضرة  الصادرة سنة 1822 و جزء من الكتاب الذي صدر سنة  1833والتي جعل فيها شلايرماخر من فن المحادثة لحل الخلافات جوهر الديالكتيك . (ولو أن “المحادثة” هنا لا لا تحيل فقط على التواصل الشفهي ولكن أيضا التواصل الكتابي و حتى الحوار الداخلي للعقل الإنساني ). وقد يوصف هذا التحول تقريبا بأنه تحول من  تبعية أرسطية  إلى  أخرى سقراطية -أفلاطونية في فلسفة الجدل.

هذا و تمتاز اطروحات شلايرماخر في الديالكتيك بغرابتها  ، ذلك انها لا تتناول قضايا من  فلسفة العقل والمنطق فقط  و انما أيضا الابستيمولوجيا وفلسفة الدين (و يعالج شلايرماخر  بشكل خاص منطق المفاهيم و الأحكام ؛حيث يتناول القياس المنطقي بطريقة اختزالية منتقدة.)

في نسخته الأخيرة (التي سنركز عليها هنا), اتسمت اطروحاته بالاتي:

يتعلق الامر بما يسميه شلايرماخر ” الفكر الخالص ”  كتفكير يختلف عن الاهتمام  بالقضايا  اليومية أو  قضايا الفن  ،و هو  الفكر الذي يهدف الى الحقيقة وليس فقط  تحقيق غايات عملية  أو اختراع روايات. ( و ان كان شلايرماخر ينفي  انفصال التفكيرين عن بعضهما  ؛ بل بالأحرى كلاهما متضمن في الاخر والعكس بالعكس.)

وفقا شلايرماخر تتطلب المعرفة الحقيقية بطبيعتها ليس فقط (1) التطابق مع  الواقع ، ولكن أيضا (2) التماسك المنهجي مع   جميع المعارف ، (3) توافقا عالميا بين الناس. الدافع الرئيسي وراء توضيحه  لهذا الموقف يكمن في غياب طريقة محددة لتحقيق الشرط  (1) ، بحيث يحتاج المؤمنون بهذه الحقيقة الى التوجيه الذي يحققه  استيفاء  الشرطين  (2) و (3). (الباحث الألماني مانفريد فرانك Manfred Frankفي قراءاته الأولى لديالكتيك شلايرماخر  الذي قدمه في كتابه الفرد العام   Das individuelle Allgemeine (1985)  يشدد على الشرط (3), جاعلا منه أساس قوة الطبيعة  التوافقية للحقيقة. غير أن مانفريد  فرانك اعترف  في الطبعة  اللاحقة من قراءاته  لجدلية شلايرماخر  بأن هذا التأويل  قد أغفل الواقعية التي تنطوي عليها الحالة (1). وفي نفس السياق , فان مراجعة مانفريد فرانك لقراءته لديالكتيك شلايرماخر  التي قدمها في Das individuelle Allgemeine تقوض أيضا قراءته الأولى لهيرمينوطيقا شلايرماخر ، و التي تأسست وفقا لطبيعة الاجماع في الحقيقة  و اتجاهه للقول بان التأويل  ينشا من خلال  بناء مستمر  للحقائق حول  المعنى  وذلك من خلال تطوير التأويلات ، و هو الموقف الذي عبر عنه هانس جورج غادميرH.G. Gadamer . ليس من المستغرب بالنظر إلى مدى قوة الشروط الثلاثة المذكورة فقط ، ان يعتبر شلايرماخر المعرفة  الحقيقية ليست سوى  “فكرة”  يمكننا من خلالها  إحراز تقدم ، و ليس شيئا يمكننا تحقيقه على الاطلاق. (وليس من قبيل الصدفة أن هذا الموقف يشبه مواقفه الرسمية في التأويل ونظرية الترجمة التي تذهب للقول بأن الفهم الصحيح لشخص ما والترجمة الصحيحة لنص، ما هما إلا هدفان يمكننا ان نقترب منهما ، وليس هدفين يمكن أن نحققهما فعلا.  (و هذا توجه  رومانسي بالأساس.)

وتعتبر جدلية شلايرماخر منهجية إلى حد كبير لتحقيق هذا التقدم. ويسير هذا المشروع بسلاسة نسبيا فيما يتعلق بالشرطين (1) و (2). على سبيل المثال ، فيما يتعلق بالشرط (1), طور شلايرماخر  مبادئ معينة تتعلق  بكيفية تشكيل المفاهيم بشكل صحيح (و يمكن التعبير عن هذا بلغة معاصرة من خلال الحديث عن المفاهيم العليا  ،  المفاهيم الفرعية و المناقضة وهي العملية التي عبر عنها افلاطون باستعارة   :  “نحت الطبيعة في الاوصال  “Carving Nature at Its Joints ” بمعنى اختلاف التصنيفات  رغم التشابه  في الأصل ). و ارتباطا بالشرط  (2) يعترف شلايرماخر بان  مهمة تشكيل معرفة كلية هي غير ممكنة بالطبع  ، الا انه يشير الى  ما يعتبرها   إجراءات “تجريبية ” و “تنظيمية ”   تسمح  بتجميع أجزاء المعرفة وتشكيلها  معا في كل متماسك.

غير أن  هذا المشروع واجه  صعوبات خاصة  فيما يتعلق بالشرط (3)نتيجة لمشكلتين رئيسيتين .بداية ، ولان الوصول الى اجماع كلي واضح و معلن  بين الافراد امر صعب ، أشار شلايرماخر الى  عقبة أخرى في طريق هذا الاجماع او حتى احراز تقدم  كبير باتجاهه  ، تتعلق بالاختلافات العميقة بين اللغات و أنماط التفكير المختلفة. وقد فشلت   محاضراته في  الجدل في إيجاد طريقة واعدة للتعامل مع هذه المشكلة. ويحاول إصدار عام 1822 القيام بذلك بطريقتين ، ولكن دون نجاح يذكر .تذهب المقاربة الأولى للقول بفرضية “المفاهيم الفطرية” المشتركة بين الجميع (مع بعض الخصوصيات  ، من قبيل ان هذه المفاهيم تتطلب أحاسيس لكي تتحقق). هذا بالتأكيد حل المشكلة, ولكنه يتعارض مع موقف شلايرماخر الذي نشأت  منه المشكلة في المقام الأول ، و القائل  بغياب أرضية مفاهيمية  مشتركة بين جميع اللغات (أو حتى بين الأفراد الذين يشتركون  في  لغة معينة). اما المقاربة الثانية التي جاءت بها  نسخة  عام 1822 فقد دعت  إلى  ضرورة تطوير تاريخ كامل للاختلافات المذكورة  و البحث في كيفية نشوئها. غير أن هذا الاقتراح يبدو تشتيتا للمشكلة وليس حلا لها.

و يبدو ان شلايرماخر قد استسلم لهذه المشكلة في الجزء الصادر من كتابه في عام 1833 حيث ذهب للقول بان تقتصر الديالكتيك على “مجال لغوي “محدد . وان ظل متمسكا في نقاط أخرى بالأمل في إيجاد أرضية مشتركة توحد “المجالات اللغوية” المختلفة. فأي حل يفكر به ؟  قد تكون الإجابة متضمنة في محاضرة  عام 1831 الذي قدمها حول  أطروحة  ليبنيز Leibniz بشان لغة كونية . في هذه المحاضرة يدفع شلايرماخر باطروحة ليبنتز Leibniz عندما قال بوجود  أرضية  مفاهيمية مشتركة يتقاسمها الجميع ، و التي تتشكل داخل لغة كونية  (هذا أيضا بمثابة تشكيك في الفكرة التي روج لها في محاضرات  1822 المتعلقة ب  ” المفاهيم الفطرية “) . ومع ذلك يمكن  مستقبلا  تحقيق  هذه  الأرضية المشتركة التي اخطأ ليبنتز عندما تصور وجودها سلفا ،  بفضل العلوم  . وذلك من خلال الانفتاح على  إمكانيات الاقتباس  من الموارد المفاهيمية  للغات الأخرى التي اثبتت فائدتها العلمية.وفقا شلايرماخر فان هذه  العملية قيد التنفيذ بالفعل ،  والتي يمكن تحقيقها إما عن طريقة اقتباس  الكلمات الأجنبية أو من خلال ترجمتها إلى اللغة الهدف  وفقا للطريقة الدقيقة التي تدعو اليها نظرية الترجمة. ويضيف شلايرماخر بأن هذا الحل يتطلب ضرورة التخلص من الاحكام المسبقة  بشان تفوق اللغة الأم ، طريقة التفكير او شعب على اخر . هذا يبدو اكثر  حل  واعد من قبل  شلايرماخر لهذه المشكلة . غير أنه لم يعيش طويلا بما  يكفي  لتطويره بالتفصيل او اكماله لحل الخلافات بين اللغات. والمشكلة الثانية ، وربما الأكثر إثارة للدهشة ، هي أن محاضرات شلايرماخر في الجدل لا تقدم سردا موضوعيا لكيفية حل الخلافات من خلال الحوار داخل “المجال اللغوي”.

ومع ذلك ، فمن الممكن هنا أيضا ، لحسن الحظ ، تكملة محاضرات الجدل بمواد إضافية تذهب في هذا الاتجاه  إلى أبعد من ذلك. احد النصوص  المهمة  في هذا الصدد هو مقال شلايرماخر المبكر نحو نظرية للسلوك الاجتماعي  Toward a Theory of Sociable Conduct (1799) ، والتي تتناول  على وجه التحديد فن المحادثة داخل  المجال اللغوي . ويؤكد هذا المقال المبكر على أهمية الاقتصار على  إيجاد “محتوى” مفاهيمي يشاركه الشخص مع محاوره او محاوريه. وبناءا على هذا يوصي شلايرماخر بان  تبدأ المحادثة بنوع من الحد الأدنى من التقدير لما عرفه الشخص عن  المهنة  ، اوالخلفية التعليمية او الطبقة الاجتماعية لمحاوره. ولكن على الشخص العمل على تحديد واستغلال المزيد من هذا المحتوى المشترك .و يوصي شلايرماخر ان تتم هذه العملية بطريقة غير رسمية او مشككة  ، ولكن بدلا من ذلك بدهاء بشكل غير مباشر  كمثل التلميح  اوالسخرية بشان هذا المحتوى المشترك  (بعد ذلك ، إذا كان هناك تجاوب من قبل المحاور, يمكن اذ ذاك  الانتقال الى معالجة مباشرة  للمحتوى المشترك).

نص مفيد في هذا الصدد يتعلق بما كتبه شلايرماخر في الهيرمينوطيقا و الذي ضمنه تنقيحا لما قيل سابقا  كما هو موضح في جانبين:

(أ) يجب ان  يقتصرالحديث  على المحتوى المشترك قبلا بين المتحاورين. لكن كما رأينا سابقا ، فان ما كتبه  شلايرماخر   في محاضرات حول الهيرمينوطيقا ظل  مشككا في  أن الناس يتشاركون حقا في المحتوى المفاهيمي. وبالتالي، فإنه من المفترض الآن أن يضع حدا ادنى للمحادثة المثمرة الى حد ما اقل من   المشاركة الدقيقة.

 (ب) كما  نستنتج من خلال تصوره الهيرمينوطيقي  أنه سيقل  تركيزه الان على اكتشاف القواسم المشتركة القبلية  ، أو حتى القواسم المشتركة التقريبية  ،و سيعمد بدلا من ذلك الى ” تنقيح تلك  القواسم الموجودة  سلفا مستعينا ببراعة بفن التأويل.

وأخيرا، توفر كتابات شلايرماخر في الهيرمينوطيقا جزءا آخر من حله المفقود على  ما يبدو لمشكلة التوصل إلى اتفاق  من خلال المحادثة ، سواء بين السياقات اللغوية او داخلها . ومن الواضح أن التوصل إلى أي اتفاق من خلال الحوار سيعتمد على فن التأويل عند  المتحاورين. وعليه ، فإن محاضرات  الديالكتيك تؤكد صراحة على تبعية الديالكتيك للهيرمينوطيقا  (و العكس بالعكس) .تصور شلايرماخر للهيرمونيطيقا  كمبحث كوني  يضمن تطبيقه على المحادثات و قد ذكر شلايرماخر نفسه  أنه في بعض الأحيان يطبق  مبادئ التأويل  في  سياق المحادثة .باختصار  ، فإن هيرمينوطيقا شلايرماخر نفسها تشكل عنصرا هاما من فنه الخاص  في التوصل إلى اتفاق من خلال المحادثة.

وخلاصة القول ينبني التصور النهائي لمفهوم الديالكتيك عند شلايرماخر باعتباره تخصصا  يوفر مجموعة من الإجراءات لحل الخلافات اللغوية في المحادثة،   داخلية كانت او متضمنة(مشابهة لتلك  الإجراءات التي نجدها  في الهيرمينوطيقا الخاصة به) .وهذا التوقع  يصادف هو أيضا  الى حد كبير خيبة أمل في محاضرات  الديالكتيك نفسها . ومع ذلك ، بإمكاننا متابعة نصوصه الأخرى في الديالكتيك  من أجل أمعرفة  كيف توصل شلايرماخر  لحل لهذه المهمة.

وفيما يلي نقطة أخيرة ينبغي ذكرها في هذا الصدد. أكثر دوافع شلايرماخر البارزة لتطوير مثل هذا الفن من المحادثة هو فلسفة المعرفة او الابستيمولوجيا المذكورة أعلاه. قد  لا يكون هذا دافعا جيدا في النهاية لكن شلايرماخر لديه دوافع مستقلة  و محفزة من وراء هذا الفن . وهكذا فان ما كتبه شلايرماخر عن ليبنتز Leibniz عام 1831 يحمل دافعين اثنين مرتبطين بالجانب الثقافي المشترك لفن المحادثة  :

أولا ، اهتمام شلايرماخر  بالإنسانية جمعاء في  تنوعها  يشكل دافعا أخلاقيا من أجل تعزيز الحوار المثمر  بين الثقافات .

 ثانيا ، الحكمة  ليست  حكرا على ثقافة ما  ،  و انما تتوزع بين العديد من الثقافات و هذا  يشكل سببا آخر للدخول في هذا الحوار .ليقول شلايرماخر بان  اعتبارات مماثلة تساعد على تبرير الجانب الثقافي من الفن أيضا. في سياق اخر ، يقدم مقال شلايرماخر  نحو نظرية للسلوك الاجتماعي Toward a Theory of Sociable Conduct دافعا آخر وراء الجانب الثقافي من الفن. في هذا المقال لا يشير شلايرماخر بعد الى الدافع الابستيمولوجي  ، ولكن بدلا من ذلك يركز  على الفوائد المباشرة المتوقعة  من محادثة مثمرة بين أفراد المجتمع ، ولا سيما اثراء المنظور الخاص  بكل فرد من خلال إدماج وجهات النظر المختلفة بين الناس. ويقول شلايرماخر مرة أخرى  ان اعتبارات مماثلة تساعد على تبرير الجانب الثقافي من الفن أيضا. باختصار حتى لو اتضح ان  الدافع الابستيمولوجي  لتطوير فن المحادثة بين  الثقافات و من داخلها  غير مقنع، فان هذا الفن لاتزال له  قيمة لأسباب أخرى يأخذها شلايرماخر بعين الاعتبار.

أخيرا ، تجدر الإشارة إلى بعض المواقف الأخرى التي طورها  شلايرماخر في الجدل ، وإن كان ذلك بشكل أكثر إيجازا. أحد مواقفه اللافتة للنظر هو إنكاره وجود أية مفاهيم أو أفكار أو إدراكات قبلية او تجريبية بحثة .و انما هي  نتاج الوظيفة “الفكرية” وحدها أو الوظيفة “العضوية” وحدها .بل إن كل ذلك هو نتاج كلتا الوظيفتين-بنسب مختلفة  من حالة إلى أخرى.

وبشكل أكثر تحديدا ، فان تصور شلايرماخر لهذا الوضع يجعل  كل شيء على نفس المسافة  الممتدة  بين التصورات   العقلية القصوى للوجود  او الله و الفوضى العضوية القصوى  للأحاسيس. هذان الحدان لا يلتقيان،   فالوجود او الله  فكري عقلي  اما فوضى الاحاسيس فهي عضوية . و هي مع ذلك  لا تشكل مثالا مضادا للموقف المذكور للتو ، لأنها ليست في حد ذاتها مفاهيما، أفكارا أو إدراكات  بالمعنى الدقيق.

كما اسلفنا، أطروحة شلايرماخر المتعلقة بالمفاهيم تذهب للقول بان المفاهيم تتحدد انطلاقا من علاقات تضمن في المفاهيم الكبرى   و تتباين مع المفاهيم الملازمة و التابعة لها ،  و تستوعب المزيد من المفاهيم في ظلها. و يشكل الاندماج في اللا-مفهوم “الوجود”  او في احكام اولى تتعلق بالأحاسيس حالات خاصة في هذين الحدين من التسلسل الهرمي المفاهيمي.

موقف اخر يعبر عنه شلايرماخر يؤكد من خلاله  أن التمييز الكانطي بين الأحكام التحليلية والأحكام االتركيبيةهو مجرد تمييز “نسبي”. ويبدو أن أحد أسباب هذا الموقف يكمن في رأيه بأن جميع الأحكام ذات طابع تجريبي جزئيا (وهو اعتبار ذهب اليه الفيلسوف  و المنطقي الأمريكي Villard Van Orman Quine). ولكن يبدو ان شلايرماخر يعتقد، بمعنى او باخر  ، بانه ينبغي لنا ان نقرر  السمات المميزة لموضوع مفهوم ما  و عددها، و من ثم الاحكام  التحليلية أو التركيبية و عددها.

السمة الأخيرة من ديالكتيك شلايرماخر أكثر ارباكا. يشير شلايرماخر في نقطة معينة الى انه  بريد رسم مسار وسط بين الديالكتيك  القديم الذي كان منفتحا و لكنه كان أيضا مشككا  ،  و بين دوغمائية السكولائية  ، التي   جعلت كل شيء محددا من  قبل انطلاقا من مبدأ  ديني مفترض مقدما. وقد سبقت الإشارة الى تراجعه عن هذا الموقف  السابق. لكن ماذا عن  هذا التنازل  الأخير؟ هذا يأخذ هذا الطرح شكل  “مرجعية متعالية” أو الله و الذي هو:

 (1) خلف كل هذه  الاعتراضات  ، بما في ذلك  تلك التي تتعلق بالفكر  و الواقع  ، و الفكر و الإرادة  ، المفهوم و الحكم.

 (2) المسؤول عن   الوجود  (على الرغم من  ان الوجود  نفسه  وراء  هذه الاعتراضات).

 (3) دافع أساسي مرافق لكل محاولات المعرفة.

 و (4) لا  يمكن التفكير به او  التعبير  عنه لغويا  ولكن بدلا من ذلك   يمكن الشعور به.

 هذا كله غامض نوعا ما .على سبيل  ان الافتراض الفلسفي المنطقي من قبيل الحديث عن  “مرجعية متعالية ” أو الله على اعتبار  انه  أبعد من ان يكون متطابقا مع الوجود لهو امر غامض. الامر نفسه أيضا بالنسبة  للطريقة المفترضة لان تكون  الدافع  خلف كل محاولات المعرفة.

 

.

  1. فلسفة الأخلاق(الاتيقا)

مر فكر شلايرماخر الأخلاقي بمرحلتين متداخلتين زمنيا :

المرحلة الأولى كانت حاسمة و  امتدت من أواخر عام 1780 الى حدود عام 1803. في بداية هذه المرحلة  كتب شلايرماخر ثلاث مقالات لم تنشر هي : في الخير الاسمى On the Highest Good (1789) ، في  ما يعطي قيمة للحياةOn What Gives Value to Life  (1792-3) وفي الحرية On Freedom (1790-3) . تضمنت هذه المقالات هجوما متواصلا على نظرية   كانط الأخلاقية. في نهاية هذه المرحلة نشر شلايرماخر عمله المطول : الخطوط العريضة لنقد الأخلاقية السابقةOutlines of a Critique of Previous Ethical Theory  (1803)  حيث عمل على تطوير هجومه على  النظرية الأخلاقية السابقة لكانط بشكل نقدي  أكثر شمولية  ومنهجية.

اما  المرحلة الثانية والتي بدأت حوالي عام 1800 فكانت على النقيض أساسية بشكل رئيسي.

 إلى هذه المرحلة تنتمي  اعماله :المناجاة   Soliloquies (1800) مسودة الأخلاقيات Draft of an Ethics (1805-6) ، إضافة الى كتاباته الأكثر نضوجا في فلسفة  الأخلاق (بما في ذلك استكمال مسودة الفترة  1812-13, فضلا عن عدد من المسودات اللاحقة).

المقالات  الثلاث الأولى :في الخير الاسمى  ،في ما يعطي قيمة للحياة ، و في الحرية  تذهب كلها في اتجاه انتقاد ورفض المبادئ المركزية  في فلسفة كانط الأخلاقية.  و و يرفض شلايرماخراطروحات عديدة عند كانط  ،بالأخص ادراجه للسعادة التي تحققها الرغبات الأخلاقية ضمن الخير الاسمى  [summum bonum]” ؛ موقف  كانط من  قبلية الأخلاق الكامنة في الانسان  ؛موقفه من الحياة  الآخرة، من الروح ، و من الله ؛ أيضا مذهب  “المسلمات”“postulates”؛ تضارب موقف كانط بشان  الحتمية  السببية و الحرية المطلوبة للمسؤولية الأخلاقية وما يترتب على ذلك من لجوء إلى مجال   النومين noumen  الغير محدد سببيا كمركز  للحرية  (في كتابه في الحرية  يجادل شلايرماخر بأن جميع تصرفات الإنسان محددة سببيا  ، ولكن هذا لا يتعارض مع الحرية المطلوبة للمسؤولية الأخلاقية).

هناك مجال آخر من الخلاف مع كانط يشكل مفصلا طور من خلاله  شلايرماخر نظريته الخاصة  في  الأخلاق.  ينبني المبدأ الأخلاقي الأساسي في فلسفة كانط المتعلق ب “الامر المطلق categorical imperative”” وفقا  لشرط  او غاية تفيد بإمكانية تعميمه على جميع الناس .لكن شلايرماخر  يرفض هذا الموقف بطريقتين. بداية في كتابه : في  ما يعطي قيمة للحياة ، ومن ثم في المناجاة ، يعترض شلايرماخر على  فكرة كونية الاخلاق .بدلا من ذلك يؤكد تحت تأثير فلسفة  هيردر (وبعض ممن تأثروا أيضا بهيردر من قبيل  غوتهGoethe  ، شيلر Schiller، و أصدقائه الرومانسيين ) على قيمة التنوع أو االفردية  حتى في المجال الأخلاقي. في هذا الصدد ، لا يدافع شلايرماخر عن  التميز  الأخلاقي لمختلف المجتمعات البشرية تجاه الجنس البشري ككل (هذا كان دافع هيردر الرئيسي) ، ولكن أيضا عن تميز الفرد أخلاقيا  تجاه مجتمعه (وهو أيضا موقف هيردر). (في كتابه في الدين On Religion يتبنى شلايرماخر موقفا مماثلا بشان التنوع الفردي و الاجتماعي في المجال الديني .هذا التنوع يمتد بطبيعة الحال من  الآداب والدين إلى مجالات أخرى.)

من ناحية ثانية يرفض شلايرماخر “الامر القطعي” الكانطي  على النحو المحدد في عبارة : شرط الاتساق الكوني . في كتابيه : في  الدين و المناجاة يميل شلايرماخر  تأييد فكرة كانط  عن خضوع  الواجب الأخلاقي  لخير الإنسانية ، ولكن ليس انطلاقا من المعنى الكانطي المتعلق بالطبيعة العقلانية المشتركة  , و انما بناءا على  تصور هيردر بشان التنوع   و التشابه بين البشر. (في كتابه في  الدين يناقش شلايرماخر  البعد التاريخي لمبدا  الإنسانية انطلاقا من فلسفة هيردر في كتابه  أفكار في  فلسفة التاريخ  و الإنسانية Ideas for the Philosophy of History of Humanity [1784-91] مؤكدا على أهمية الدور الذي لعبته المسيحية في تقدم البشرية و  ، وتأويل تدرج التاريخ).

يبدو  ان هذا الموقف المزدوج الذي عبر عنه شلايرماخر يثير مشكلة تتعلق بما إذا كانت القيم الأخلاقية في المجتمع أو الفرد في صراع مع المثل الإنسانية . على سبيل المثال ، ماذا عن  مجتمع ألمانيا النازية أوعن  هتلر كفرد ? في كتابه  المناجاة يتجاوز شلايرماخر هذا الاحراج من خلال قوله  الحد من أشكال التميز الاخلاقي والفردي مدافعا عن تلك التي تتوافق مع المثل العليا للإنسانية. . وعليه فهو يعبر عن التزامه بالتميز  الأخلاقي أو التفرد في كما في عباراته :  بأن الشخص يجب أن يكون فردا “دون انتهاك القوانين الإنسانية” ،  او قوله أن “كل إنسان يجب أن يمثل الإنسانية بطريقته الخاصة” ، وأن ما يمتلك قيمة هو” وجود  الشخص الخاص  وعلاقته الإنسانية”. وبشكل مماثل ، ينتصر شلايرماخر لاقتران التنوع الأخلاقي أو الفردية بمتطلبات قياس التوافق مع مختلف  الأنواع أو المجتمعات على نطاق أوسع .

 ولا يزال هذا التوتر البناء بين الجوانب المميزة «eigentümlich” والجانب  “الكوني ” للأخلاق يشكل المبدأ الأساسي لمحاضرات شلايرماخر الأخلاقية الناضجة. حيث يببدا شلايرماخر بالقول ان هناك اشكالا عامة أو نظائر لهذا التوتر البناء موجودة كحقائق كونية في الطبيعة وأن جميع الكائنات غبر مطلقة الوجود تحمل مثل هذا التوتر. وبشكل أكثر تحديدا ،فان  الحياة كلها في توتر بين الاستقلالية  و بين المشترك الاجتماعي . وينطبق هذا التوتر على الحياة النفسية للإنسان. ومنه يستمد الواجب أخلاقي للشخص نفسه.

يثير هذا الموقف بعض الأسئلة التي لم تتضح الإجابات عنها تماما.  بداية،  اليس شلايرماخر مذنبا هنا بما يسمى “مغالطة طبيعية” ، التي هي محاولة لاستنتاج ما ” يجب “من خلال من “هو” ؟  تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على الطبيعة الدقيقة لاشتقاقه للواجب الأخلاقي من الحقائق الكونية للطبيعة. وهذا  أمر يكتنفه غموض.

ثانيا، كيف يمكن لتركيب القواسم المشتركة مع الفردية ان يكون على حد سواء  حقيقة لا مفر منها حول الطبيعة البشرية  وواجبا اخلاقيا ؟ (على سبيل المثال، ولأننا لا نستطيع مشاركة أية مفاهيم, فنحن أيضا لا نستطيع  مشاركة أي من  المفاهيم الأخلاقية على وجه الخصوص) ؟ هناك اجابتان محتملتان لهذا اللغز .الاولى  قد تستحضر  قول شلايرماخر بالحتمية والتوافق : ان نمط الوجود أو السلوك لا مفر منه و لا يحول في نظره دون الواجب  الأخلاقي.و الإجابة الثانية تستحضر حقيقة ان هذا التركيب يتفاوت تدريجيا  بين الفردية الأخلاقية و بين الواجب الأخلاقي الذي يفترض درجة اعلى.

بالإضافة إلى المبدأ المركزي الذي نوقش للتو تجدر الإشارة باختصار الى ثلاث جوانب أخرى في كتابات شلايرماخر الأخلاقية الناضجة ،   نذكرها بإيجاز:

(أ) كما هو مبين في حجته السابقة، فان التصور الناضج لشلايرماخر عن فلسفة  الأخلاق  هو انطولوجي في الأساس  بدلا عن كونه ذا طابع الزامي : فهو يتأسس وفقا لتجلي العقل في الطبيعة ، ومن ثم فهو يتعلق ب  “هو اكثر من “يجب”.

(ب) بناءا على هذا  (مع مراعاة  دور “العقل” الذي ذكر للتو ) ، لا تتعلق فلسفة الأخلاق في الأساس  بمسألة المشاعر ،التي يرى انها تختلف عنها،   و لكنها بدلا من ذلك ترتبط  بالإدراك ، أو بشكل أكثر تحديدا تتراوح بين ما هو شعور أخلاقي و  ادراك  أخلاقي. (و يتفق هنا شلايرماخر مع كانط) .

(ج) وبناء على ذلك مرة أخرى (ولكن هذه المرة مع مراعاة غلبة التصور الانطولوجي على الالزام المذكور أعلاه )  يقسم شلايرماخر فلسفته في  الأخلاق الى مذهب الخيرات،  مبدأ الفضيلة ، و مبدأ الواجبات, وفقا لهذا التسلسل حسب  الأولوية ، أو مركزية الخيرات مقارنة بالفضائل و الفضائل  مقارنة بالواجبات.

رغم أهميتها  ،الا ان اعمال  شلايرماخر في فلسفة  الأخلاقي لم تحقق نجاحا كبيرا. فهي تحتوي على مزيج اثم من فلسفة الاخلاق ،  الفلسفة السياسية والميتافيزيقيا ، نظرية المعرفة وفلسفة العقل ؛ ينتقل بينها شلايرماخر  ذهابا وإيابا متراوحا بين مزاعم مذهلة ومطالبات اعتيادية  (مع القليل جدا بينهما ) ؛ مع  طبقة  سميكة من الغموض  و أخرى رقيقة من المنهجية  . هذا يترك انطباعا بان شلايرماخر  بعد أن وضع الأسس الأولى  من عمله في  فلسفة الأخلاق ،لم يجد ما يضيفه لملء ساعات محاضراته  في قاعة الجامعة .

 

 

  1. الفلسفة السياسية والاجتماعية

فلسفة شليرماخر السياسية والاجتماعية متناثرة في  عدد كبير من أعماله على فترات مختلفة. احدى اقواله الأكثر منهجية ،  و  كتاباته الأكثر إثارة للاهتمام  هي تلك التي ضمنها في محاضراته عن نظرية الدولة ،  و التي ألقيت بين  الفترتين 1808-9 و 1833.

بشأن السياسة الدولية ، فان موقف شلايرماخر جد متاثر بفلسفة هيردر   و ذلك من خلال مناداته ب: التزام كوني باحترام أخلاقي بشكل متساوي لكل الشعوب على  رغم اختلافها وتنوعها. و قد وضح موقفه هذا في كتبه  ” في ما يعطي قيمة للحياة On What Gives Value to Life  (1792–3); “في الدين  On Religion” (1799) ” المناجاة  ” Soliloquies (1800على شكل التزلم  بالتصور  المثالي  لهيردر عن الإنسانية  . نفس الموقف نجده حاضرا في كتاباته اللاحقة1831 من قبيل ما كتبه عن  أطروحة ليبنتز Leibniz بشان كونية اللغة.

فيما يتعلق بالسياسة المحلية: كان شلايرماخر دائما متحفظا إلى حد ما بخصوص القضايا الدستورية الأساسية.بفعل تحمسه في مرحلة الشباب للثورة الفرنسية و تصوره الجمهوري –الديمقراطي لكنيسة مثالية كما عبر عنها في كتابه “عن الدين ”  انجذب شلايرماخر بقوة الى نموذج الجمهورية و الديمقراطية كما فعل كل من هيردر و شليغل.لكنه في كتاباته اللاحقة اكد على اعتبار الاجماع شرطا لقيام الدولة الحقيقية. و ان ابدى تعاطفه مع  اشكال الحكم الارستقراطي و الملكي. هكذا في محاضراته حول نظرية الدولة  للفترة من 1829-1833 يجادل شلايرماخر  بان  الدول الأصغر هي   بطبيعة الحال ديمقراطية ، اما الدول الكبيرة فهي أرستقراطية بكل تأكيد.

ويقول إنه  في حين أن أصغر و “أقل” الدول بطبيعة الحال ديمقراطية كبيرة و “أعلى” هم بطبيعة الحال الأرستقراطية أو الملكي.

بيد أن السياسة الداخلية التي ينتهجها شليرماخر تتسم بقدر أكبر من االراديكالية فيما يتعلق بالليبرالية. (وهو ها هنا مرة أخرى مدين لـهيردر)  و قد عبر عن هذا التصور بشكل بارز  في  عملين من  الفترة 1799: مقاله نحو نظرية للسلوك الاجتماعي  Toward a Theory of Sociable Conduct   حيث يدافع عن ضرورة وجود مجال حر ، يقصد به الدولة  الحرة  للتفاعل الاجتماعي ، بغية جعل من التطور و  التواصل الفردي  ممكنا .ليعترض شلايرماخر بقوة في كتابه  في  الدين On Religion  على  تدخل  الدولة في الدين ، جاعلا تحرير الدين من هذا التدخل أساسيا لتحقيق التطور الديني و معبرا أيضا عن اسوء اشكال هذا التدخل الممارس من قبل الكنيسة.

مواقفه  الليبرالية هذه  لا تزال بارزة في كتاباته عن الأخلاق للفترة  1812-13,  إلى جانب مواقف أخرى عبر من خلالها عن   اعتراضه على تدخل الدولة في الجامعات. ولا يزال الأمر محوريًا في الفكر السياسي لشلايرماخر في محاضراته المتأخرة التي كانت أكثر تحفظًا بكثير حول نظرية الدولة   في الفترة من 1829الى1833 ، حيث يجادل بأن المجالات الثلاثة اللسلوك الاجتماعي ،  الدين والعلم تقع خارج نطاق  السلطة الشرعية للدولة مقرا بان الدولة البروسية الحالية لا ترقى لهذا النموذج الأعلى.

خطاب إعترافاته في  أوغسبورغ لعام 1830 استمر على هذا النهج  الليبرالي أيضا.  لشلايرماخر عدة أسباب   لدفاعه الواسع  عن هذه  الليبرالية, ولكن أهمها  يكمن في ضرورة تحرير المجال الذي تتطور فيه ذات الفرد. ويولي شلايرماخر اهتماما خاصا لمسألة العلاقة الصحيحة بين الدين والدولة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية-السياسية. في كتابه ” في الدين”- يشير  شلايرماخر إلى اثنين من أهم أسباب تحرير  الدين من تدخل الدولة: أولا ، نظرا لقيمة النزعة الفردية في الدين  الى جانب  التطور المستقل  في  أشكال الدين المتعددة.  وثانيا لأن  تدخل الدولة يفسد طبيعة الدين . على سبيل المثال ، اسناد  المناصب القيادية داخل الكنيسة لأشخاص غير مناسبين  (مثل رجال  يمتلكون مهارات و دوافع دنيوية  بدلا من تلك الدينية) و تزييف وظائف  سياسية بناءا  على أسرار دينية مثل المعمودية والزواج.  و يجادل شلايرماخر بأن المركز الاجتماعي السياسي الحقيقي للدين يجب أن يكون بدلاً من ذلك العائلة – وهو الموقف الذي ذهب  لتوضيحه لاحقًا في كتابه  عشية عيد الميلاد Christmas Eve  (1806) . وهو عمل يصور بطريقة أدبية نوعًا من التداخل المثالي بين الدين المسيحي و  الحياة الأسرية.

ومن الحالات الهامة والمثيرة للاهتمام بصفة خاصة التي طبق فيها إصراره العام على تحرير  الدين من تدخل الدولة ، حالة يهود بروسيا. (ومرة أخرى ، سبقه  هيردر لموقف مماثل من خلال تاويله  شديد التعاطف مع يهودية القديمة وانتقاد  القوي لمعاداة السامية.) في ابعض اعماله الأولى حول  على موضوع  تمكين  اليهود في بروسيا, رسائل بمناسبة  المهمة السياسية-الااهوتية و رسالة مفتوحة من الأسر اليهودية Letters on the Occasion of the Political-Theological Task and the Open Letter of Jewish Householders  (1799), يقول  شلايرماخر بأن من حق اليهود تلقي  كامل المواطنة والحقوق المدنية ، شريطة أن يتنازلوا في احتفالاتهم الدينية إلى حد يسمح لهم بالوفاء بواجباتهم تجاه الدولة وأن يتخلوا عن بعض الالتزامات السياسية التي تشكل تهديدا  مثل تلك المتعلقة  بالمسيح القادم ووضعهم كأمة منفصلة. ويقول إنه لا ينبغي لليهود أن يلجؤوا إلى التعميد كوسيلة لتحقيق المواطنة والحقوق المدنية (كما اقترح  ذلك بعض  اليهود المعاصرين ) ، على أساس أن هذا المر سيضر بكل من اليهود ودينهم والمسيحية كذلك.

وفي هذا الصدد ، فإن  شلايرماخر يعرب عن قلقه   من هذا الامر  ان يضعف كنيسة هي ضعيفة مسبقا. من جانب اخر يرى بان هذا من شانه أيضا ان يزيد  من  تدخل الدولة في الاسرار  الدينية (التعميد كمثال ). من المهم ملاحظة أن شلايرماخر يعتمد هذا الموقف الليبرالي من اليهود على الرغم من نقده للدين  اليهودي :  في كتابه في الدين  يرى ان ما ذهب اليه ريماروس Reimarus بشان  بالتسلسل القائم  بين اليهودية والمسيحية غير صحيح  ، و  أن اليهودية كانت دينا  جميلا منذ فترة طويلة  و اليوم أصبحت فاسدة تحتضر  (على عكس  المسيحية النابضة بالحياة ).

جانب اخر مهم في فلسفة شلايرماخر الاجتماعية والسياسية هو دفاعه عن القضية  النسوية (متأثرا مرة أخرى بهيردر  , الذي كان رائدا في هذا المجال ، و من قبله فريدريك شليغل). دفاعه عن الحركة النسائية  يتجلى في عدة جوانب. فهو ، أولا ، يشجع النساء للسعي  إلى الحصول على خيرات هي  تقليديا حكر على الرجال. فعلى سبيل المثال ، في  مقالته القصير ة فكرة التعليم المسيحي للسيدات النبيلات Catechism of Reason for Noble Ladies  ، يدعو  شلايرماخر المرأة الى  “ان تطمع فيما لدى  الرجال من الثقافة ، الفن ، الحكمة والشرف”.

وثانيا ، كحالة خاصة من هذه الحالات  المذكورة ، يشجع النساء على السعي لتحقيق الرضا الجنسي ، وتحرير أنفسهن من الكبت عند مناقشة موضوع  الجنس. هذا هو أحد المواضيع الرئيسية لرسائله السرية بشأن كتاب  فريدريك شليغل لوسيند Lucinde  (1800).

وثالثا ، يعتبر المرأة مصدرا للموارد الأخلاقية والفكرية القيمة لصالح المجتمع ككل و لتطوره . أحد الأمثلة على ذلك يكمن في ان  طبيعية المراة تنفر من كل اشكال  الجمود الحسي  والعنف الدي يميل اليه الرجال عادة ، الى جانب قدرتها على كبح جماح  هذه الرغبات بدلا من تشجيعها أو التمادي فيها. وفي هذا السياق ، فإن فكرة التعليم المسيحي  التي يدعو اليها  شلايرماخر  يطالب من خلالها  النساء ب “عدم تزييف شهادتهن   للرجال او تجميل همجيتهم بالكلمات و الاعمال “.

مثال أخر لشلايرماخر  (اقل حدة و  تمركزا أخلاقيا ) ناقشه في نحو نظرية للسلوك الاجتماعي  تتعلق بقدرة النساء بفضل تعليمهن الواسع  و تحررهن  من الحدود الضيقة للمهن ، لتوجيه الحوار الاجتماعي بعيدا عن الاهتمامات الضيقة نحو قضايا  نحو أعمق و أوسع  (يفكر هنا شلايرماخر  بمضيفات الصالونات)

حجة أخرى  يمكن العثور عليها في كتابات شلايرماخر الأخلاقية مفادها أن المرأة بطبيعتها أكثر تقديرا واحتراما للفردية ، في حين أن الرجال أكثر تقديرا واحتراما للتعميمات المجردة ، و عليه فان من بين  المهام الرئيسية من الزواج هو تحقيق دمج هذه الصفات الفكرية و الأخلاقية بين الشريكين .. (و تجدر الإشارة إلى أن شلايرماخر كان يميل في السنوات الأخيرة إلى أن يكون أكثر تحفظا في آرائه بشأن المرأة).

ونضيف مرة أخرى بان اراء شلايرماخر بشأن اليهود والمرأة  تكرار لما سبقه اليه هيردر.

جانب اخر مهم في فلسفة شلايرماخر  الاجتماعية والسياسية تبرز في اعماله للفترة الممتدة من 1799-1800, يتضمن نقده لبعض المؤسسات الاجتماعية-الاقتصادية و تقديمه لمقترحات لتجاوز سلبياتها . (في  كتابه المناجاة يوجه شلايرماخر نقدا لاذعا  للرضى الذاتي  في مذهب التنوير يذكرنا بهجوم  هيردر  نفسه في كتابه  فلسفة التاريخ (1774).) ثلاثة أجزاء مثيرة للاهتمام بشكل خاص في فلسفة شلايرماخر:

-أولا ، نحو نظرية في السلوك الاجتماعي حيث ينتقد ضمنيا  التقسيم الحديث  العمل على أساس أنه يضل الناس ، مما يعوق التنمية الفردية للأفراد  و لغيرهم.

 

-. والحل الذي اقترحه هنا شلايرماخر  هو تطوير مجال “القابلية الاجتماعية” أي مجال الحوار الحر والاتصال الاجتماعي ، الذي يمكن فيه التغلب على هذا العائق.

-ثانيا في كتابه في الدين  On Religion ينتقد شلايرماخر العمل المتكرر الذي يميز  الاقتصادات الحديثة كعقبة أمام التنمية  الذاتية الروحية ، وخاصة الدينية .

والحل الذي اقترحه هو بالأساس الأمل في أن التقدم في التكنولوجيا سيحرر الناس من  هذا النوع من  العمل.

-ثالثا ، في  كتابيه في الدين والمناجاة ، ينتقد شلايرماخر  مذهب المتعة hedonism ، النفعية , utilitarianism ، والماديةmaterialism السائدة  في العصر الحديث كونها تمنع التطور الذاتي للإنسان  روحيا ودينيا .

والحل المقترح لهنا هو في المقام الأول نوع من إحياء حياة دينية وأخلاقية نابضة بالحياة ، وهو ما يدافع عنه   في كتابي في الدين والمناجاة.

وأخيرا ، هناك جانب آخر جدير بالذكر من فلسفة شلايرماخر السياسية والاجتماعية هو فلسفته في التعليم ، وهو موضوع انخرط فيه طوال حياته المهنية. من المثير للاهتمام في هذا الصدد العمل الذي نشره في عام 1808 أفكار عرضية في روح الجامعات الألمانية Occasional Thoughts on Universities in a German Spirit  مع تذييل فيما سيتم إنشاؤه  Appendix on One about to be Founded وهذان العملان على  ارتباط بمشروع تأسيس جامعة جديدة في برلين ( و التي تعرف الآن باسم جامعة هومبولدت).

وسبق عمله هذا مقالات  فيلهيلم فون هامبولت Wilhelm von Humboldt’s الشهيرة عن نفس الموضوع ، التي يرجع تاريخها إلى 1809-10 ، ومن الواضح أنه كان له تأثير قوي عليها. كتب كل من شلايرماخر  و هومبولت بروح ليبرالية تقدمية (مع اختلافات  متواضعة) ، و اسهما بذلك في تشكل  نموذج الجامعة  التي ساعد هومبولت في انشائها في برلين و الذي أصبح بذلك نموذج الجامعة الحديثة ولكنه أيضا ساعد على تطوير العديد من المبادئ في هذا المجال و التي لا تزال تأخذ بعين الاعتبار الى  اليوم (على سبيل المثال ،  استفادت بريطانيا من هذا الامر ).

 من بين المبادئ التي طورها شلايرماخر و التي استعان بها  هومبولت : تصوره أن الجامعة ينبغي عليها أن تعزز ليس فقط المعرفة  ولكن أيضا الفردية ; و قوله بان هذا المبدأ  هذا يتطلب أكبر قدر ممكن من استقلال  الجامعة عن الدولة (وهذا يخدم  في نهاية المطاف مصالح الدولة للمصالح بشكل أفضل) ؛ مبدأ اخر يقر  أيضا بأنه ينبغي أن يكون هناك قدر  ممكن من الحرية داخل الجامعة لكل من أعضاء هيئة التدريس والطلاب ؛  ثم المبدأ الذي يدعو الى أن يكون  الطلاب المقبولون في الجامعة هم  المؤهلون أكاديميا و ليس بحسب طبقتهم الاجتماعية  ؛ ثم المبدأ القائل بأن الفلسفة يجب أن يحل محل اللاهوت كأعلى مسلك  ؛ مبدأ الجمع بين البحث والتدريس ؛ مبدأ أن التدريس يجب أن يكون في المقام الأول شفهيا بالطبع  .هذا المبدا ايقوم  على أساس فلسفته في  اللغة والذي يتقاسمه مع هومبولت .وفقا لهذا المبدأ اللغة أساسية في الفكر و اللغة الشفوية هي  جوهرية اكثر من المكتوبة. (محاضرة شلايرماخر  ،  و ندوة هومبولت ).

شلايرماخر في بعض الاتجاهات أكثر تقدما وراديكالية من هومبولت. فهو على سبيل المثال ينص صراحة على ان الجامعة  عليها أن تعمل وفقا لنموذج ديمقراطي ويطالب بان يكون الطلاب من الطبقات الدنيا من  المقبولين في الجامعة و أيضا استفادتهم من  الدعم المالي من الدولة من أجل تمكينهم من متابعة الدراسة.

كما أعطى شلايرماخر محاضرات عامة في التربية، أو فلسفة التعليم في فترات  1813 -14, 1820-1 ، 1826—.تلك التي قدمها سنة  1826 هي الأكثر تفصيلا.  حيث اصبح محافظا سياسيا اكثر منه ارثوذكسيا مسيحيا. وانحرف عن أفكاره الراديكالية الأولى   بشأن هذا الموضوع .  وأعطى لمصالح الكنيسة و الدولة وزنا اكبر كأهداف  للتربية . و بناءا على ذلك  خضعت مبادئ مثل الحرية في  التعليم لتقديرات اكبر.

 

11-فلسفة الدين

اكثر اعمال شلايرماخر أهمية و راديكالية  في فلسفة الدين  هو كتابه  عن  الدين: خطابات الى منتقديه من المثقفين On Religion: Speeches to Its Cultured Despisers من عام 1799. (الطبعات اللاحقة من هذا العمل الى جانب ما كتبه في الاطروحه  اللاهوتية:  الإيمان المسيحي The Christian Faith,، هي دفاع عن الارثدوكسية المسيحية و  أقل إثارة للاهتمام من وجهة نظر فلسفية. وكما يوحي عنوانه ، فإن مشروع  عن الدين On Religion هو إنقاذ الدين من ازدراء التنوير ، وخاصة من  المشككين الرومانسيين في الدين ، “المنتقدون المثقفون”.

من هذه الناحية فان العمل كان  ناجحا  في هذا الصدد ، حيث أن العديد من الرومانسيين وخاصة فريدريك شليغل ، تحول في موقفه من الدين بعد نشر  هذا   الكتاب  (على الرغم من ان نوع الدين  الذي اتجه اليه  شليغل  يختلف عن ذاك الذي تصوره  شلايرماخر). فلسفة شلايرماخر عن الدين لها دافع مماثل .في رسائله المفتوحة لعام 1829 إلى لوك Lücke يؤكد شلايرماخر  بشكل خاص على  الحاجة الملحة للدفاع عن الدين ضد التهديد المزدوج الذي يشكله له العلم الطبيعي الحديث والدراسات التاريخية-الفيلولوجية الحديثة.

ومشروع الدفاع عن الدين ضد المشككين المثقفين هذا يذكرنا بالفلسفة النقدية ذات الدوافع المماثلة لدى كانط.

تعاطف شلايرماخر مع استراتيجية  كانط فيما يتعلق بالمسائل الدينية من “انكاره  للمعرفة من أجل إفساح المجال للإيمان” (نقد العقل الخالص Bxxx) ، وخاصة  هجوم كانط على البراهين التقليدية على وجود الله ؛ اذ ان شلايرماخر  نفسه ينكر أن يكون  الدين شكلا من أشكال المعرفة أو ان يبنى  على أساس الميتافيزيقيا أو العلم. ومع ذلك ، كما قلنا سابقا بخصوص   مقالاته غير المنشورة  في الخير الاسمى On the Highest Good  (1789) و في  ما يعطي قيمة للحياة On What Gives Value to Life (1792-3), فان شلايرماخر  في نواح محددة أكثر معارضة لكانط  من ان يكون متفقا معه. على وجه الخصوص ، يرفض  شلايرماخر  البرهان الأخلاقي  لكانط كبديل  عن  الله وعن  الخلود (والتي اعتبرها كانط افتراضات أخلاقية) ؛ و يرى بالمقابل ان  الدين لا يمكن أن يكون على أساس الأخلاق او  الميتافيزيقيا و العلم.

ويوحي هذا الموقف بان   شلايرماخر لديه قدر كبير من التعاطف مع المشككين حول الدين الذين يريد الرد  عليهم. وان كان تعاطفه معهم في  الفترة الأولى يذهب ابعد  بكثير من هذا.

في كتاب عن الدين يشكك شلايرماخر  في  الأفكار المتعلقة بالله و  الخلود البشري كلية  ، بحجة أنها  مجرد اختيار و هو  اكيد غير مقبول (متضمن  في دين  الفرد ولا يعتمد على طبيعة خيال الفرد ) . وعلاوة على ذلك ، يشخص  شلايرماخر الانتشار الحديث لهذه الأفكار الدينية كنتيجة  للتأثير الهدام الذي يمارسه المجتمع البرجوازي الحديث ولتدخل الدولة في الدين. انه يوفق بين فكرته هذه  و أفكار  المشككين وهدفه  النهائي المتمثل في الدفاع عن الدين  بتنازل مذهل  من خلال الزعم بأن مثل هذه الأفكار غير جوهرية في  الدين. وهذا الموقف يستبق بشكل لافت للنظر مواقف دينية راديكالية لاحقة مثل “تصوف فريتز موثنر Fritz Mauthner الملحد”. (، ومع ذلك  فان أفكار شلايرماخر  الدينية اللاحقة  تميل إلى التراجع عن هذا التطرف ، واستعادة الله و  الخلود  مكانا مركزيا في الدين.)

وهذا بالطبع يدفع للتساؤل بشان  المحتوى والاساس الابستيمولوجي للدين بالنسبة لشلايرماخر  في المراحل الاولى. وكما يتبين من خلال المقالات حول اسبينوزا  1793-4 والعرض الموجز للمذهب السبينوزي ، ثم مرة أخرى  في كتاب عن الدين ، يتبع  شلايرماخر سبينوزا في الإيمان بمبدأ التوحيد  الذي يشمل كل شيء  “الواحد و الكل”.

ومع ذلك ، فإنه يعدل تصور  اسبينوزا بطرق معينة تحت تأثير جزئي لفلسفة هيردر (الذي يذكره بالاسم في المقالات عن سبينوزا). على وجه الخصوص ،اذا  كان اسبينوزا قد تصور مبدا الوحدة  كمادة ، فإن شلايرماخر يتبع هيردر في التفكير فيه كقوة أصلية وكمصدر موحد لتعدد القوى الدنيوية. (في وقت لاحق نأى شلايرماخر  بنفسه عن هذا الموقف السبينوزي الجديد. والواقع أنه أنكر صراحة أنه كان تابعا لسبينوزا. وبناء على ذلك ، في المحاضرات الجدلية ، قال إن هناك “خلفية متعالية ” تتجاوز ما قال به اسبينوزا  بشان الطبيعة الطابعة  natura naturans  او ماجاء به هيردر عن القوة الاعلى. الدافع الرئيسي وراء التغيير في موقفه  يبدو انه يكمن  في  رغبته تجنب اتهمه باتباع مذهب اسبينوزا او الدين الطبيعي و وحدة الوجود( وهو دافع فلسفي بالأساس).

هذا فيما يتعلق بتصور شلايرماخر  المبكر لمضمون الدين .ماذا عن أساسه الابستيمولوجي ؟ وكما ذكر ، فإن دين شليرماخر لا يقوم على المعرفة النظرية ولا على الأخلاق. وفقا لكتاب عن الدين ، فإنه يستند بدلا من ذلك إلى الحدس أو الشعور بالكون: “جوهر الدين ليس التفكير ولا الفعل  ، بل الحدس والشعور. (أو الخطاب الثاني: 22). ومفهوم “الحدس” هنا هو تعبير مكشوف ومثير للمشاكل على حد سواء. وكما عرفه كانط ،فإن ” الحدس هو الذي يكون من خلاله [نمط المعرفة] على صلة مباشرة بـ [الأشياء]” (نقد العقل الخالص ، A19). لذا فإن جزءا مما يسعى  شلايرماخر لإيصاله هنا هو ان الحدس   نوع من العلاقة الإدراكية المباشرة. ومن ناحية أخرى ، فإن مفهوم  “الحدس” قد جلب معه بعض التعقيدات التي أراد شلايرماخر في الواقع تجنبها. فالحدس الخالص او  التجريبي من منظور كانط يتطلب تضافر مفاهيم أخرى من أجل تشكيل أي نوع من المعرفة الحقيقية (“الحدس بدون مفاهيم اعمى “—نقد العقل الخالص ، A51) ، في حين يعتبره شلايرماخر نوعا من البصيرة دون وساطة المفاهيم.

وفي الطبعات اللاحقة  لكتاب عن الدين ، تراجع شلايرماخر  عن الحديث عن “الحدس” فيما يتعلق بالدين (بدلا من الاحتفاظ بهذا االمفهوم  للعلم) ، و تكلم ببساطة عن “الشعور”.

وفقا لهذا التغيير ، فان الإيمان المسيحي ذهب إلى تعريف الدين بشكل أكثر تحديدا كشعور بالتبعية المطلقة ، أو كما وصفه شلايرماخر  في كتابه رسائل مفتوحة إلى لوك  Lücke وعي مباشر  “بعلاقة وجودية مباشرة “. كما ينبغي الإشارة إلى جانب آخر من “الشعور” الذي يستند إليه شلايرماخر في تأسيسه للدين ، ألا وهو إدراج القوة المحفزة ، وتجليها الذاتي في الأفعال. وكانت الرغبة في إدراج هذا الجانب أحد أسباب شلايرماخر لإلحاق “الحدس” الديني ب “الشعور”  و ذلك حتى في الطبعة الأولى من الكتاب. وعمله في وقت لاحق يؤكد هذا البعد من “الشعور” الديني أيضا .ومهما يكن،   فان  هذا الموقف الابستيمولوجي قد نسميه  لعبة خفة يد فلسفية. اذ يمكن ان تتخذ المشاعر شكلين مختلفين  : من جهة أولى  ، “مشاعر”غير عقلية  ، مثل الآلام الجسدية والرغبات  ، ومن ناحية أخرى ، “مشاعر” الاعتقاد كمثل الشعور بهذا الشيء او ذاك .

فامتلاك الوعي غير العقلي  مثل  مشاعر الألم و اللذة آلام من الناحية النظرية دون وساطة أي دون تدخل للمنطق  مع او ضد، وهو بهذا المعنى غير قابلة للخطأ .بخلاف  المشاعر التي تتضمن الاعتقاد فهي  تتطلب الوساطة المفاهيمية و  تخضع إلى منطق مع  أو ضد ، و هي بالتالي قابلة للخطأ .

من جهة أخرى ،   وكما جاء في  السبينوزية الجديدة  فان تصور شلايرماخر للحدس الديني او الشعور كان من المفترض فيه ان يتبع  توصيف كانط  الأول  باعتباره  علاقة إدراك مباشر  ثم  توصيفه الثاني باعتباره علاقة وجودية مباشرة  .وهذا لا يعني بالضرورة ان  الشعور الديني ليس عقليا  ، بل يتضمن  بالأحرى  نوعا من الاعتقاد. ومع ذلك ، يعزز شلايرماخر طرحه من خلال بعض الأسس الابستيمولوجية التي تتعلق بالمشاعر  غير العقلية من قبيل انها  :لا تحتاج الى وساطة المفاهيم  تتعالى على منطق مع او ضد ، إضافة الى كونها  غير قابلة للخطا .باختصار ، يبدو ان الأساس الابستيمولوجي للدين كشعور عند شلايرماخر يقوم على الخلط المنهجي لهذين النوعين من الحالات المختلفة بشكل حاسم.

ننتقل الان للحديث باختصار عن  بعض السمات الإضافية لفلسفة شليرماخر الدينية.في كتاب  عن  الدين: يعترف شلايرماخر  بالتعدد اللانهائي للديانات الشرعية ، ويدعو بقوة إلى التسامح الديني.

ومع ذلك ، فهو يقول بالتسلسل الهرمي بين الأديان  ،  الاحيائية  في ادنى الهرم  ،تعدد الالهة في  الوسط polytheism  ،  و الديانات التوحيدية أو غيرها من الديانات التوحيدية  في القمة. هذا التسلسل الهرمي مفهوم بالنظر إلى أساسه المنطلق من السبنوزية الجديدة.

ما هو اشكالي في  بلورة هذا التسلسل الهرمي الذي يقدمه شلايرماخر هو انه يحدد المسيحية بوصفها أعلى درجات التوحيد او الديانات   التوحيدية ، و بالأخص  أعلى من اليهودية. والأساس المنطقي لذلك هو أن المسيحية تقدم “فكرة أن كل شيء نهائي  يتطلب وساطة أعلى حتى يكون مرتبطا بالإلهي” (أي الوساطة العليا للمسيح) (أو الخطاب الخامس: 120).

لكن هذا يبدو متضاربا. ومن غير الواضح لماذا يفترض أن تكون “الوساطة العليا” أمرا جيدا. وعلاوة على ذلك ، فحتى إذا كان المرء يقر بذلك ، فلماذا لا تشارك الديانات التوحيدية الأخرى مثل اليهودية في هذه الميزة التوحيدية أيضا ، أي في شخص انبيائها مثلا ؟  وإذا كان الامر كذلك فلأن الأنبياء ليسوا أنفسهم مقدسين ، ثم لماذا قدسية الوسيط  هذه من المفترض أن تكون ميزة كبيرة؟

وبالإضافة إلى ذلك ،  فان تصريحات شلايرماخر  بشان الطبيعة الجدلية  للمسيحية ، يمتد ليصل الى تضارب االاسس الدينية والأخلاقية  للمسيحية و  تعارضها  مع بعضها البعض  ، و داخل المسيحية نفسها. هذه الملاحظة تذكرنا بمسيحي اخر  شريف و واسع المعرفة  هو  مونتين  , Montaigne ، الذي أشار في كتابه  اعتذار لريمون سيبو  Apology for Raymond Sebond (1580)  أنه “لا وجود لعداء مثالي مثل عداء المسيحية “.

و   كأدلة تاريخية ، نذكر على سبيل المثال ، التاريخ المسيحي الدموي المبكر  ، الحروب الصليبية ، محاكم التفتيش ،معاملة اليهود والسحرة ، الحروب الدينية في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، و امثلة  أخرى كثيرة ، على غرار الفظائع التي توقفت ، أو على الأقل تضاءلت  بفعل التنوير و الثورتين  الأمريكية و الفرنسية  في القرن الثامن عشر.

 علاوة على ذلك, فان هذه السمة البارزة للمسيحية شهدت  تفسيرات أعمق كما هو الشأن بالنسبة لملاحظة جان اسمان  Jan Assman بأن كل من اليهودية ،المسيحية و الإسلام هي  في  البداية نوع من “معاداة الدين [Gegenreligion]الذي هو بالأساس يتحدد بوصفه معارضا  للديانات والثقافات الأخرى . او ملاحظة نيتشه بان  المسيحية و أخلاقها  على وجه التحديد هي من البداية رد فعل ضد الثقافة اليونانية والرومانية بدافع الاستياء من قمع الامبراطوريتين اليونانية و  الرومانية في فلسطين وأماكن أخرى .فعلى سبيل المثال ،الكلمة الاغريقية daimôn التي تشير في المعنى العم الى الخير أصبحت تحيل في المسيحية الى الشيطان  demon (وهي النقطة التي لم يوضحها  نيتشه نفسه ) ، و عليه فان القيم الأخلاقية  المسيحية إجراء منهجي يعكس القيم التقليدية اليونانية والرومانية . إذا ملاحظة شلا يرماخرهي ملاحظة ثاقبة .لكن كيف يمكن لمدافع عن التعددية الدينية والتسامح  مثل شلايرماخر أن يرى باستمرار ان  هذه الصفة المميزة  للمسيحية على أنها أي شيء سوى رذيلة خطيرة جدا ؟

و انطلاقا من الأساس الضعيف  لتصوره لتفوق المسيحية كدين ، يحاول شلايرماخر ان يوافق  بين السبنوزية الجديدة والمذاهب المسيحية التقليدية قدر الإمكان . هذا المشروع يبدأ بالفعل بطريقة متواضعة في كتاب عن الدين على سبيل المثال ، انه  يحاول إنقاذ العقيدة المسيحية بشان  المعجزات عبر  تعديل شكل المذهب الذي يصنف كل الأحداث كمعجزات (بقدر ما ينظر إليها من منظور ديني). ويتم تنفيذ مشروع مماثل بشكل أكثر تفصيلا وبدقة في كتاب  العقيدة المسيحية The Christian Faith . و أخيرا أكثر مساهمات شلايرماخر  المثمرة  في  دراسة المسيحية كانت سلسلة من المحاضرات حول حياة يسوع.و ذلك تحت تأثير اثنين من الأعمال المتاخرة لهيردر : في  منقذ البشرية وفقا للأناجيل  الثلاثة الأولى On the Savior of Mankind according to our First Three Gospels   (1796) وعن ابن الله مخلص العالم, وفقا إنجيل يوحنا On God’s Son, the World’s Savior, according to John’s Gospel (1797)—بدأ والتي  نشرت بعد وفاته عام 1819.  و قد حاول شلايرماخر في هذه المحاضرات الجمع بين تفسير يسوع باعتباره مجرد إنسان  دون اله مع ادعاء أنه انسان بداخله اله. وكان هذا الحل الوسط متوترا وغير قابل للتصديق. و مع ذلك يشكل مشروع شلايرماخر  خطوة هامة  ساهمت نحوبلورة  قراءات واقعية  و معقولة  لاحقا لحياة يسوع من قبل الدارسين  ، وخاصة  تلك التي جاء بها ديفيد فريدريش شتراوس  في كتابه حياة يسوع, فحص نقدي The Life of Jesus, Critically Examined  (1835-6).

 

 


المراجع

الحياة و الاعمال

Berner 1995; Dilthey [1870] 1966–1970; Haym [1870] 1920 (ch. 3); Mariña 2005; Redeker 1973; Scholtz 1984.

فلسفة اللغة

Coseriu 2015 (vol. 2, ch. 8) (a detailed, helpful treatment); Forster 2011b, 2014; Gipper and Schmitter 1985 (92–98) (an excellent book).

فلسفة العقل

Coseriu 2015 (vol. 2, ch. 8) (Coseriu pays close attention to Schleiermacher’s lectures on psychology); Sigwart 1857.

الهيرمينوطيقا او نظرية التأويل

Boeckh 1877; Bowie 1997; Dilthey 1860, 1900; Forster 2010b, 2011c; Frank 1985, 1990 (these two books, especially the former of them, are arguably the most important secondary literature on Schleiermacher’s hermeneutics available); Gadamer [1960] 2002 (part 2) (a decidedly hostile but nonetheless important treatment of Schleiermacher’s hermeneutics); Hirsch 1967 (a significant Anglophone appropriation of Schleiermacher’s hermeneutics); Kimmerle 1957 (an important and influential contribution that counteracts Dilthey’s overemphasis of the psychological, as opposed to linguistic, side of interpretation in Schleiermacher’s hermeneutics); Palmer 1969 (ch. 7) (helpful on Schleiermacher as well as on other figures); Patsch 1966 (a learned and important article that discusses Schleiermacher’s hermeneutics in relation to Friedrich Schlegel’s); Ricoeur 1973, 1977 (helpful though dull); Szondi [1970] 1986 (Szondi’s writings are consistently thoughtful and helpful); Wach 1926–1933 (learned and informative, though not exciting). Also helpful are the introductory materials in the two German editions of Schleiermacher’s hermeneutics (HHK) as well as in their English translations (HHMHC).

تأريخ الفلسفة

Bréhier 1963; Forster 2012; Geldsetzer 1968; Gueroult 1984 (vol. 2); Zeller 1843.

نظرية الترجمة

Berman 1984 (an excellent treatment of the translation theories of Schleiermacher and some of his contemporaries); Berman and Berner 1999 (very helpful not only for Schleiermacher’s own texts but also for the editors’ introduction); Cercel and Serban 2015 (an important and valuable volume of articles on this subject); Forster 2010c, 2015; Huyssen 1969; Thomas 2015 (an excellent treatment of Schleiermacher’s translation theory that also takes the competing French tradition of translation theory that preceded it into account); Venuti 1995 (helpfully touches on, and especially still works in the spirit of, Schleiermacher’s theory of translation).

فلسفة الجمال او الاستطيقا

Lehnerer 1987; Odebrecht 1932.

الجدل او الديالكتيك

Burdorf and Schmücker 1998; Kaulbach 1968; Wagner 1974; Wehrung 1920. Also helpful is Frank’s introduction to his edition of Schleiermacher’s dialectics (D).

الاتيقا او الاخلاق

Louden’s introduction to Lectures on Philosophical Ethics (LPE: vii–xxx); Scholtz 1995.

الفلسفة السياسية و الاجتماعية

Faull 1995; Forster 2013 (mainly focuses on Humboldt’s model of the university, but also contains some discussion of Schleiermacher’s Occasional Thoughts on Universities in a German Spirit); Guenther-Gleason 1997. Also helpful are M. Winkler and J. Brachmann’s introduction and commentary to Texte zur Pädagogik. Kommentierte Studienausgabe (TP).

فلسفة الدين

Brandt [1941] 1968; Lamm 1996; Niebuhr 1964. Also helpful is Richard Crouter’s introduction to On Religion: Speeches to Its Cultured Despisers (OR: xi–xxxix).

ثبيت المراجع

المؤلفات الأولية بالألمانية

  • [SWGesamtausgabe der Werke Schleiermachers in drei AbteilungenFriedrich Schleiermacher’s sämmtliche Werke, Berlin: G. Reimer, 1835–62.
  • [KGAKritische Gesamtausgabe, Hans-Joachim Birkner et al. (eds.), Berlin/New York: de Gruyter, 1980–. (This edition should eventually supersede the former one, but it is still far from complete.)

The following are the locations in KGA for some of the less well known pieces referred to in this article (listed in the order in which they were mentioned in the article): Spinozism (KGA I.1, 513–557); Brief Presentation of the Spinozistic System (KGA I.1, 563–582); Idea for a Catechism of Reason for Noble Ladies (KGA, I.2, xxxviii, 153-154); Letters on the Occasion of the Political-Theological Task and the Open Letter of Jewish Householders (KGA I.2, lxxviii–lxxxv, 327–361); Outlines of a Critique of Previous Ethical Theory (KGA I.4, 27–357); Confidential Letters Concerning Friedrich Schlegel’s Lucinde (KGA I.3, xlviii–lxviii, 139–216); 1831 address on Leibniz’s idea of a universal language (KGA I.11, 707–717).

مراجع مهمة للفلاسفة

  • [HFriedrich Schleiermacher: Hermeneutik, Heinz Kimmerle (ed.), 1959; second, revised edition, Heidelberg: Heidelberger Akademie der Wissenschaften, 1974.
  • [HKFriedrich Schleiermacher: Hermeneutik und Kritik, Manfred Frank (ed.), 1972; seventh edition, Frankfurt am Main: Suhrkamp, 1999.
  • [DFriedrich Schleiermacher: Dialektik, Manfred Frank (ed.), 2 vols., Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2001.
  • [TPFriedrich Schleiermacher: Texte zur Pädagogik. Kommentierte Studienausgabe, 2 vols., Michael Winkler and Jens Brachmann (eds.), Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2000. (Includes a version of Occasional Thoughts on Universities in a German Spirit[1808].)
  • Psychologie, G. Leopold (ed.), 1862, Berlin: Georg Reimer.
  • Platons Werke(translations of Plato’s dialogues by Schleiermacher), 1804–1828. Berlin: Realschulbuchhandlung.
  • Brouillon zur Ethik(1805/06), (Draft of an Ethics), Hans-Joachim Birkner (ed.), Hamburg: Meiner, 1981.

A further useful resource is:

  • Aus Schleiermachers Leben in Briefen, 4 vols., Ludwig Jonas and Wilhelm Dilthey (eds.), Berlin: Georg Reimer, 1858–1863.

ترجمات

  • [HHMHermeneutics: The Handwritten Manuscripts, James Duke and Jack Forstman (trans.), Oxford: Oxford University Press, 1978; Atlanta: Scholars Press, 1986. (This is a translation of )
  • [HCHermeneutics and Criticism, Andrew Bowie (ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1998. (This is a translation of )
  • [DM] “On the Different Methods of Translation” (1813), André Lefevere (trans.), in German Romantic Criticism, A. Leslie Willson (ed.), New York: Continuum, 1982. (This is a good translation of Schleiermacher’s essay though unfortunately it omits an important footnote on the translation of verse.)
  • Introductions to the Dialogues of Plato, William Dobson (trans.), Cambridge and London: Pitt Press, Deighton, and Parker, 1836.
  • Dialectic or The Art of Doing Philosophy, Terrence N. Tice (ed.), Atlanta, GA: Scholars Press, 1996. (This contains Schleiermacher’s first lecture notes on dialectics from 1811.)
  • [SCFriedrich Schleiermacher’s “Toward a Theory of Sociable Conduct” and Essays on Its Intellectual-Cultural Context, Ruth D. Richardson (ed.), Lewiston, NY: Edwin Mellen, 1995.
  • On the Highest Good(Ueber das höchste Gut), H. Victor Froese (ed.), Lewiston, NY: Edwin Mellen, 1992.
  • On What Gives Value to Life(Über den Wert des Lebens), Edwina G. Lawler and Terrence N. Tice (eds.), Lewiston, NY: Edwin Mellen, 1995.
  • On Freedom(Über die Freiheit), Albert L. Blackwell (ed.), Lewiston, NY: Edwin Mellen, 1992.
  • Schleiermacher’s Soliloquies: an English translation of the Monologen, Horace L. Friess (ed.), Chicago: Open Court, 1926.
  • [LPELectures on Philosophical Ethics, Robert B. Louden (ed.) and Louise Adey Huish (trans.), Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
  • Occasional Thoughts on Universities in a German Spirit, T.N. Tice and E. Lawler (trans.), Lewiston: Edwin Mellen, 1991.
  • [OROn Religion: Speeches to Its Cultured Despisers, Richard Crouter (trans. & ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
  • Christmas Eve: Dialogue on the Incarnation(Die Weihnachtsfeier; ein Gespräch), Terrence N. Tice (ed.), San Francisco: Edwin Mellen, 1990.
  • The Life of Jesus(Das Leben Jesu), Jack C. Verheyden (ed.) and S. Maclean Gilmour (trans.), Philadelphia: Fortress, 1975.
  • The Christian Faith(Der Christliche Glaube), H.R. Mackintosh and J.S. Stewart (eds.), Edinburgh: T. and T. Clark, 1928.
  • On the “Glaubenslehre”, James Duke and Francis Fiorenza (eds.), Chico, CA: Scholars Press, 1981. (This is a translation of Schleiermacher’s two open letters to Lücke from 1829.)
  • Schleiermacher on Workings of the Knowing Mind, Ruth Drucilla Richardson (ed.), Lewiston, NY: Edwin Mellen, 1998. (This volume includes a translation of Schleiermacher’s 1799 review of Kant’s Anthropology.)
  • “Idea for a catechism of reason for noble ladies” (1798), in LFFragment 364: 220–221. Original German “Idee zu einem Katechismus der Vernunft für edle Frauen” published in the Athenaeum 1798, available in KGA2, xxxviii, 153–4.

 

 

اعمال أولى لمفكرين اخرين

  • Boeckh, August, 1877, Enzyklopädie und Methodologie der philologischen Wissenschaften(Encyclopedia and Methodology of the Philological Sciences), originally delivered as lectures 1809–66, published Leipzig: Teubner.
  • Brandis, Christian August, 1815, Von dem Begriff der Geschichte der Philosophie(On the Concept of History of Philosophy), inaugural dissertation, Copenhagen: Bonnier.
  • –––, 1835–66, Handbuch der Geschichte der Griechisch-Römischen Philosophie(Handbook of the History of Greek-Roman Philosophy), 3 volumes in 6 parts, Berlin: G. Reimer.
  • Hamann, Johann Georg, 1784, Metacritique, in Hamann: Writings on Philosophy and Language, (2007), trans. Kenneth Haynes, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Herder, Johann Gottfried, [SJohann Gottfried Herder Sämtliche Werke, B. Suphan et al. (eds.), Berlin: Weidmann, 1877–.
  • ––––, [GJohann Gottfried Herder Werke, U. Gaier et al. (eds.), Frankfurt am Main: Deutscher Klassiker Verlag, 1985–.
  • ––––, [HPWG. Herder: Philosophical Writings, Michael N. Forster (trans. & ed.), Cambridge: Cambridge University Press, 2002.
  • –––, 1767–8, Fragments on Recent German Literature(excerpts on language), HPW 33–64. (Full text available in G.)
  • –––, 1768, On Thomas Abbt’s WritingsHPW167–177.
  • –––, 1769, Critical Forests, bks. 1 and 4, in Selected Writings on Aesthetics, Gregory Moore (ed.), Princeton, NJ: Princeton University Press, 2006. (Bks. 2 and 3 have not yet been translated and are only available in S.)
  • –––, 1772, Treatise on the Origin of LanguageHPW65–164.
  • –––, 1774, This Too a Philosophy of HistoryHPW272–358.
  • –––, 1774 and 1778/9, Volkslieder(Popular Songs), available in G.
  • –––, 1778, On the Cognition and Sensation of the Human SoulHPW187–244.
  • –––, 1784–91, Ideas for the Philosophy of History of Humanity, translated under the title Outlines of a Philosophy of the History of Man, T. Churchill (ed.), London: J. Johnson/L. Hansard, 1803.
  • –––, 1787, God: Some Conversations, Frederick H. Burkhardt (ed.), New York: Veritas Press, 1940. Reprinted Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1962.
  • –––, 1796, On the Savior of Mankind according to our First Three Gospels, available in Sand G.
  • –––, 1797, On God’s Son, the World’s Savior, according to John’s Gospel, available in S.
  • Jacobi, Friedrich, 1785, Über die Lehre des Spinoza in Briefen an Herrn Moses Mendelssohn(On the Doctrine of Spinoza in Letters to Mr. Moses Mendelssohn), Breslau: Löwe.
  • Kant, Immanuel, [1781/7] , Critique of Pure Reason, Norman Kemp Smith (trans.), London: Macmillan, 1929.
  • Luther, Martin, 1530, Sendbrief vom Dolmetschen(Letter on Translation), Stuttgart: Reclam, 1928.
  • Montaigne, Michel de, 1580, “Apologie de Raimond de Sebonde” (“Apology for Raymond Sebond”), in his Les Essais, Paris: Gallimard, 2007.
  • Ritter, Heinrich, 1817, Ueber die Bildung des Philosophen durch die Geschichte der Philosophie(On the Education of the Philosopher through History of Philosophy), in his Welchen Einfluß hat die Philosophie des Cartesius auf die Ausbildung der des Spinozas gehabt, und welche Berührungspunkte haben beide Philosophien mit einander gemein? Nebst einer Zugabe: Ueber die Bildung des Philosophen durch die Geschichte der Philosophie, Leipzig: Brockhaus.
  • –––, 1829–53, Geschichte der Philosophie(History of Philosophy), 12 volumes, Hamburg: F. Perthes.
  • Schlegel, Friedrich, [KFSA]Kritische Friedrich Schlegel Ausgabe, E. Behler et al. (eds.), Munich: F. Schöningh, 1958–.
  • –––, [PJFriedrich Schlegel 1794–1802. Seine prosaischen Jugendschriften, J. Minor (ed.), Vienna: Carl Konegen,1882.
  • –––,1797, Philosophie der Philologie(Philosophy of Philology), in “Friedrich Schlegels ‘Philosophie der Philologie’ mit einer Einleitung herausgegeben von Josef Körner”, Logos 17 (1928).
  • –––, 1798, “AthenaeumFragments”, translated in LF.
  • –––, 1798, “On Goethe’s Meister”, in PJ.
  • –––, 1799, Lucinde, translated in LF: 41–140.
  • –––, [1808] 1849, On the Language and Wisdom of the Indians(Über die Sprache und Weisheit der Indier), in The Aesthetic and Miscellaneous Works of Friedrich von Schlegel, E. Millington (trans.), London: H. G. Bohn.
  • –––, [LF]Lucinde and the Fragments, P. Firchow (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999.
  • Strauss, David Friedrich, 1835–6, Das Leben Jesu, kritisch bearbeitet(The Life of Jesus Critically Examined), Tübingen: C.F. Osiander.

 

المؤلفات المتاخرة

  • Berman, Antoine, 1984, L’Épreuve de l’étranger: Culture et traduction dans l’Allemagne romantique, Paris: Gallimard.
  • Berman, Antoine and Christian Berner (trans. & eds.), 1999, Des différentes méthodes du traduire et autre texte, by Friedrich Schleiermacher, Paris: Seuil.
  • Berner, Christian, 1995, La philosophie de Schleiermacher, Paris: Editions du Cerf.
  • Bowie, Andrew, 1997, From Romanticism to Critical Theory: The Philosophy of German Literary Theory, London: Routledge.
  • Brandt, Richard B., [1941] 1968, The Philosophy of Schleiermacher: The Development of His Theory of Scientific and Religious Knowledge, New York: Greenwood.
  • Bréhier, Émile, [1936] 1963, “The Formation of Our History of Philosophy”, in Philosophy and History: Essays Presented to Ernst Cassirer, Raymond Klibansky and H.J. Paton (eds.), New York: Peter Smith / Harper Torchbooks.
  • Burdorf, Dieter and Reinhold Schmücker (eds.), 1998, Dialogische Wissenschaft, Paderborn: F. Schöningh.
  • Cercel, Larisa and Adriana Serban (eds.), 2015, Friedrich Schleiermacher and the Question of Translation, 1813–2013, Berlin: de Gruyter, 2015.
  • Coseriu, Eugenio, 2015, Von Herder bis Humboldt, (Geschichte der Sprachphilosophie, vol. 2), Tübingen: Narr Franck Attempto.
  • Dilthey, Wilhelm, [1860] 1985, “Schleiermacher’s Hermeneutical System in Relation to Earlier Protestant Hermeneutics”, in HSH: 33–228.
  • –––, [1870] 1966–1970, Leben Schleiermachers, 2 vols., Martin Redeker (ed.), Berlin: de Gruyter.
  • –––, [1900] 1985, “The Rise of Hermeneutics”, in HSH: 235–260.
  • –––, [HSHHermeneutics and the Study of History(Selected Works, vol. 4), Rudolf A. Makkreel and Frithjof Rodi (eds.), Princeton, NJ: Princeton University Press, 1985.
  • Faull, Katherine M., 1995, “Beyond Confrontation? The Early Schleiermacher and Feminist Moral Theory”, in SC: 41–65.
  • Forster, Michael N., 2010a, After Herder: Philosophy of Language in the German Tradition, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 2010b, “Schleiermacher’s Hermeneutics: Some Problems and Solutions”, in his 2010a: 362–390.
  • –––, 2010c, “Herder, Schleiermacher, and the Birth of Foreignizing Translation”, in his 2010a: 391–468.
  • –––, 2011a, German Philosophy of Language: From Schlegel to Hegel and Beyond, Oxford: Oxford University Press. doi:10.1093/acprof:osobl/9780199604814.001.0001
  • –––, 2011b, “Philosophy of Language in the Nineteenth Century”, in his 2011a: 253–285.
  • –––, 2011c, “Hermeneutics”, in his 2011a: 286–332.
  • –––, 2012, “The History of Philosophy”, in The Cambridge History of Philosophy in the Nineteenth Century (1790–1870), Cambridge: Cambridge University Press, pages 263–292. doi:10.1017/CHO9780511975257.015
  • –––, 2013, “Humboldts Bildungsideal und sein Modell der Universität”, in Michael Dreyer, Michael N. Forster, Kai-Uwe Hoffmann, and Klaus Vieweg (eds.), Die Bildung der Moderne, Francke Verlag: Marburg.
  • –––, 2014, “Romanticism and Language”, in Dalia Nassar (ed.), The Relevance of Romanticism, Oxford: Oxford University Press, pages 68–86. doi:10.1093/acprof:oso/9780199976201.003.0005
  • –––, 2015, “Eine Revolution in der Philosophie der Sprache, der Linguistik, der Hermeneutik und der Übersetzungstheorie im späten 18. und frühen 19. Jahrhundert: deutsche und französische Beiträge”, in Cercel and Serban 2015, pages 23–40.
  • Frank, Manfred, 1985, Das individuelle Allgemeine: Textstrukturierung und -interpretation nach Schleiermacher, Frankfurt am Main: Suhrkamp.
  • –––, 1990, Das Sagbare und das Unsagbare: Studien zur deutsch-französischen Hermeneutik und Texttheorie, Frankfurt am Main: Suhrkamp.
  • Gadamer, Hans-Georg, [1960] 2002, Truth and Method, New York: Continuum.
  • Geldsetzer, Lutz, 1968, Die Philosophie der Philosophiegeschichte im 19. Jahrhundert—Zur Wissenschaftstheorie der Philosophiegeschichtsschreibung und -betrachtung, Meisenheim am Glan: Hain.
  • Gipper, Helmut and Peter Schmitter, 1979, Sprachwissenschaft und Sprachphilosophie im Zeitalter der Romantik, Tübingen: Gunter Narr.
  • Guenther-Gleason, Patricia E., 1997, On Schleiermacher and Gender Politics, Harrisburg, PA: Trinity Press International.
  • Gueroult, Martial, 1984–, Histoire de l’histoire de la philosophie, vol. 2, Paris: Aubier.
  • Haym, Rudolf, 1870, Die Romantische Schule: Ein Beitrag zur Geschichte des deutschen Geistes, Berlin: Gaertner. Fourth edition, Berlin: Weidmann, 1920.
  • Hirsch, Eric Donald Jr., 1967, Validity in Interpretation, New Haven and London: Yale University Press.
  • Huyssen, Andreas, 1969, Die frühromantische Konzeption von Übersetzung und Aneignung, Zürich and Freiburg: Atlantis.
  • Kaulbach, Friedrich, 1968, “Schleiermachers Idee der Dialektik”, Neue Zeitschrift für systematische Theologie und Religionsphilosophie, 10(3): 225–260. doi:10.1515/nzst.1968.10.3.225
  • Kimmerle, Heinz, 1957, Die Hermeneutik Schleiermachers im Zusammenhang seines spekulativen Denkens, dissertation, Heidelberg.
  • Lamm, Julia A., 1996, The Living God: Schleiermacher’s Theological Appropriation of Spinoza, University Park, PA: Pennsylvania State University Press.
  • Lehnerer, Thomas, 1987, Die Kunsttheorie Friedrich Schleiermachers, Stuttgart: Klett-Cotta.
  • Mariña, Jacqueline (ed.), 2005, The Cambridge Companion to Schleiermacher, Cambridge: Cambridge University Press. doi:10.1017/CCOL0521814480
  • Niebuhr, Richard R., 1964, Schleiermacher on Christ and Religion, New York: Scribner.
  • Odebrecht, Rudolf, 1932, Schleiermachers System der Ästhetik, Berlin: Junker und Dünnhaupt.
  • Palmer, Richard E., 1969, Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthey, Heidegger, and Gadamer, Evanston, IL: Northwestern University Press.
  • Patsch, Hermann, 1966, “Friedrich Schlegels »Philosophie der Philologie« und Schleiermachers frühe Entwürfe zur Hermeneutik”, in Zeitschrift für Theologie und Kirche, 63(4): 434–472.
  • Redeker, Martin, 1973, Schleiermacher: Life and Thought, Philadelphia: Fortress.
  • Ricoeur, Paul, 1973, “The Task of Hermeneutics”, Philosophy Today, 17(2): 112–128. doi:10.5840/philtoday197317232
  • –––, 1977, “Schleiermacher’s Hermeneutics”, The Monist, 60(2): 181–197. doi:10.5840/monist19776025
  • Scholtz, Gunter, 1984, Die Philosophie Schleiermachers, Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft.
  • –––, 1995, Ethik und Hermeneutik: Schleiermachers Grundlegung der Geisteswissenschaften, Frankfurt am Main: Suhrkamp.
  • Sigwart, Christoph von, 1857, Schleiermachers psychologische Voraussetzungen, insbesondere die Begriffe des Gefühls und der Individualität, in Jahrbücher für deutsche Theologie: 829–864. Reprinted Darmstadt: Wissenschaftliche Buchgesellschaft 1974.
  • Szondi, Peter, 1970, “L’herméneutique de Schleiermacher”, Poétique, 2: 141–155. Published in English, 1986, “Schleiermacher’s Hermeneutics Today”, in his On Textual Understanding and Other Essays(Theory and History of Literature 15), Harvey Mendelsohn (trans.), Manchester: Manchester University Press, 95–114.
  • Thomas, François, 2015, L’art de traduire: enjeux philosophiques, éthiques et politiques de la traduction, à partir de la critique formulée par les Romantiques allemands à l’encontre des traductions françaises, doctoral dissertation, Université de Lille 3.
  • Venuti, Lawrence, 1995, The Translator’s Invisibility: A History of Translation, London: Routledge.
  • Wach, Joachim, 1926–1933, Das Verstehen. Grundzüge einer Geschichte der hermeneutischen Theorie im 19. Jahrhundert; reprinted Hildesheim: Georg Olms, 1966.
  • Wagner, Falk, 1974, Schleiermachers Dialektik. Eine kritische Interpretation, Gütersloh.
  • Wehrung, Georg, 1920, Die Dialektik Schleiermachers, Tübingen: J.C.B. Mohr.
  • Zeller, Eduard, 1843, “Die Geschichte der alten Philosophie in den letztverflossenen 50 Jahren mit besonderer Rücksicht auf die neueren Bearbeitungen derselben” (“The History of Ancient Philosophy in the Last Fifty Years with Special Attention to the Most Recent Treatments of It”), Jahrbücher Reprinted in his Kleine Schriften, Berlin: de Gruyter, 1910: 1–der Reprinted in his Kleine Schriften, Berlin: de Gruyter, 1910: 1–85.

أدوات أكاديمية

 

How to cite this entry.

 

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

 

Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

 

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

  • [Please contact the author with suggestions.]

مداخل ذات صلة

 


[1] Forster, Michael, “Friedrich Daniel Ernst Schleiermacher”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/schleiermacher/>.