سقراط العاشق: كيف غدت أفكار هذه المرأة أصل الفلسفة الغربية – آرمانر أنقور/ ترجمة: رغد السياري

  سقراط العاشق: كيف غدت أفكار هذه المرأة أصل الفلسفة الغربية – آرمانر أنقور/ ترجمة: رغد السياري

من أين أتى إلهام سقراط، الشخصية الأكثر تأثيراً في الفلسفة الغربية؛ عن أفكاره في الحقيقة والحب والعدالة والشجاعة والمعرفة؟ يكشف البحث الذي أجريته مؤخراً أن سقراط، الشاب اليافع في القرن الخامس قبل الميلاد في أثينا تواصل مع امرأة بالغة الجمال والذكاء تُعرف بأسبازيا من ميليتوس. أحاج بأن أفكارها حول الحب والسمو ألهمت سقراط لصياغة الجوانب الرئيسية من أفكاره ونظرياته التي نُقلت عن أفلاطون.

إذا أُثبتت أدلة هذه الفرضية، فإن تاريخ الفلسفة سيأخذ منعطفا تاريخيا: فعلى الامرأة التي مُسحت من التاريخ إلا قليلا من القصة أن تُعرف بأنها وضعت أساسات تقاليدنا الفلسفية التي عرفناها في ٢٥٠٠ سنة الماضية.

يصور العمل الكلاسيكي الجديد الذي رسمه الفنان نيكلاوس مينايسو في القرن التاسع عشر سقراط يجلس في الطرف الآخر من المائدة مقابلاً أسبازيا التي ترتدي ملابساً فاخرة ملوّحة بيديها في حين ترتكز نظرات ألكيبيادس الجندي اليافع والوسيم عليها. تصور اللوحة الرأي المتعارف عليه بشأن سقراط الرجل الفقير والقبيح. ابن الحجّار بملابسه الرثة وقدميه الحافيتين.

نقل أفلاطون أيضاً عن سقراط أنه تعلم البلاغة والبيان من أسبازيا التي كانت لأكثر من عقد من الزمان عشيقة بيركليس رجل الدولة في أثينا. صُوّرت أسبازيا التي عُرف عنها أنها محظية متعلمة ومثقفة في هذه اللوحة وهي تعدد نقاط الخطاب بأصابعها، بينما تحدق بنظراتها إلى الشاب الأرستقراطي ألكيبيادس، حارس بريكليس، الذي قد يكون كذلك حفيد أخ أسبازيا. يزعم سقراط أنه مفتون بحسن مظهر وجاذبية شخصية ألكيبيادس. وكما ورد في كتاب الندوة لأفلاطون أن ألكيبيبادس أنقذ حياة سقراط في معركة بوتيديا في السنة ٤٣٢ قبل الميلاد.

أتنصف اللوحة سقراط بما يكفي؟ كل من أفلاطون وزينوفون الذين سردوا سيرة سقراط لم يعرفوه إلا شيخاً كبيراً؛ لكن سقراط -بطبيعة الحال- كان يوماً شاباً يافعاً ومعاصراً لأسبازيا. ومن المعلومات والصور والنصوص والكتابات التي وصلتنا عبر التاريخ عن الفيلسوف ممن سردوا لنا سيرته قد يكون الكثير منها نُقل بطريقة خاطئة أو مضللة. إذ تظهر صورة أخرى لسقراط كشاب يافع متعلم نشأ ليصبح جندياً لا يقل شجاعة عن ألكيبيادس، وعاشق شغوف لا يميز بين الجنسين ولا يقل عن كونه مفكر بارز ومُناظر حذق.

ديوتيما/أسبازيا

عُرف سقراط بمقولته الشهيرة: “لا أعرف سوى أمر واحد، وهو أني لا أعرف شيئاً”، لكن أفلاطون عندما كتب “الندوة ” عن سقراط ذكر أنه عرف “حقيقة الحب” من امرأة ذكية تدعى ديوتيما، وذكر فيها مذهبها تفصيلياً.

صرف العلماء، وبشكل موحد تقريبا، ديوتيما على أنها شخصية خيالية، ووصِفت في الحوار ككاهنة أو منجمة، وأشاروا إليها في أفضل الأحوال كصورة مجازية – صورة مُلهمَة أو حكمة بصيرة قد تكون عرّفت فيلسوف كسقراط على أسرار الحب. لكن أفلاطون ترك أدلة واضحة على هوية ديوتيما التي لم تتضح حتى يومنا هذا! غير أني في كتابي أقدم أدلة واضحة تفيد أن “ديوتيما” في الحقيقة ما هي إلا تمويهاً يخفي شخصية أسبازيا.

تنحدر أسبازيا من عائلة أثينية نبيلة لها صلة قرابة ببيركليز التي بدورها استقرت قبل عدة قرون في مدينة ميليتوس في آيونا الإغريقية. وعندما انتقلت أسبازيا إلى أثينا في حوالي السنة ٤٥٠ قبل الميلاد كانت في العشرين من عمرها وفي الوقت ذاته كان سقراط بعمر العشرين.

أصبحت أسبازيا بعد عدة سنوات رفيقة لبيركيلز، الذي كان بدوره سياسيا بارزا في أثينا ويكبرها ضعف عمرها. لكن تلميذاً لأرسطو، كليرتشوس؛ ذكر مرة “قبل أن تصبح أسبازيا رفيقة بيركليز؛ كانت مع سقراط”. وهذا يثبت ما لدينا من أدلة أن سقراط -كشاب يافع- كان ضمن المقربين من بيركليز ولا بد أن سقراط عرف أسبازيا وسط هذه الظروف.

ونظراً إلى أن سقراط كان ضمن النخبة المميزة في شبابه؛ ما الذي حث سقراط إلى اللجوء إلى حياة العقل والحكمة، وتجنب النجاح المادي وإعادة توجيه التفكير الفلسفي للأجيال القادمة؟ لم يفكر أحد مسبقاً بتتبع سيرة سقراط الذي يصغر سناً لأن مصادر سيرته مبعثرة وناقصة وتبدو أنها لا تذكر إلا قليلاً عن أفكاره. في المقابل؛ ولأن سقراط كان معروفاً كفيلسوف في أثينا في الثلاثينات من عمره؛ فالفترة التي تسبقها هي الفترة التي يجب أن نتتبع الأدلة المتعلقة بتغير توجهاته ليصبح الفيلسوف والمفكر الذي أصبح عليه لاحقاً. وأزعم أن معرفة سقراط بأسبازيا تعطينا القطعة الناقصة من الأحجية.

كانت أسبازيا أذكى امرأة والأكثر تأثيراً في عصرها. ولكونها شريكة بيركليز لما يقارب ١٥ سنة، كانت المادة المفضلة للشعراء الهزليين -الجرائد الصفراء وقتها- لتأثيرها الواضح عليه. صورها أفلاطون وزينفون من بين المقربين من بيركليز، بما فيهم من مفكرين وفنّانين وسياسين، على أنها معلمة محل تقدير في البلاغة وخطّابة ومستشارة قديرة في أمور الزواج.

ففي حوار أفلاطون (يوثيديموس)، وصِفَت وهي تعلم سقراط كيف يلقي خطاباً في جنازة -كما زُّعِم أنها علّمت بيركليز من قبل- فكانت بعبارة أخرى معروفة بأسلوبها ومهارتها الخطابية مثل “ديوتيما” في خطابها عن الحب.

هل سقراط عاشق؟

أمن الممكن أن سقراط وأسبازيا وقعا في الحب عندما تقابلا وتحادثا للمرة الأولى في عشريناتهم؟ فحقيقة أن أفلاطون يمنح أسبازيا سلطة فكرية كبيرة على سقراط أزعجت أجيالاً من العلماء الذين بدورهم رفضوا وصرفوا هذا السيناريو في يوثيديموس باعتباره محاكاة ساخرة للتقنيات الخطابية.

في الوقت ذاته لم يزعجهم أبداً، بل كان من دواعي سرورهم؛ اعتبار أسبازيا “صاحبة بيت الدعارة وعاهرة” حسب قوة الاستشهادات من الشعراء الهزليين في ذلك الوقت. وفي أحسن الأحوال رفع العلماء أسبازيا إلى مرتبة هيتايرا – محظية. لكن هذه التسمية لم تُمنح إليها مطلقاً في المصادر القديمة.

لو قبلنا بالأدلة أن أسبازيا كانت مثل “ديوتيما”، معلمة آمرة للبلاغة وخبيرة في شؤون الحب – عوضا عن عاهرة عامة أو حتى مومس مؤثرة؛ يظهر لنا احتمال مذهل، فإن تعتبر الإيعازات المنسوبة في الندوة إلى “ديوتيما” أساسية وركيزة للفلسفة وفي طريقة الحياة التي اعتنقها سقراط سقراط.

يعلمنا المذهب الذي نُقل عن لسان “ديوتيما” أن العالم المادي يمكن -بل وينبغي- أن يوضع جانباً لصالح المثل العليا، وأن تهذيب الروح؛ وليس المتعة الجسدية؛ هي وظيفة الحب الأعظم، وأن الأخص يجب أن يكون تابعاً للأعم، والعابر للدائم، والدنيوي للمثالي.

قد يكون من المعروف بأن هذه الأفكار تكمن في جذور تقاليد الفلسفة الغربية. إن صح ذلك، فإن تحديد ومعرفة “ديوتيما” الخيالية على أنها أسبازيا الحقيقة يخلق نهاية تاريخية صادمة ومثيرة. وبالعودة للوراء، فإن هذا التحديد يكاد يكون واضحاً وضوح الشمس بحيث أنه لا يمكن أن يعود سبب تضليله -حتى الآن- إلا لتحيزات واعية أو غير واعية بشأن مكانة المرأة وقدرتها الفكرية والفلسفية.

ولا يوجد وقت مناسب أكثر من وقتنا الحالي لإعادة أسبازيا الجميلة، الحذقة، والفذة إلى مكانتها الحقيقية كأحد المؤسسين للفلسفة الأوربية.

المصدر:

https://theconversation.com/socrates-in-love-how-the-ideas-of-this-woman-are-at-the-root-of-western-philosophy-109593

 

error: