الفلسفة السياسية المعاصرة: حوار مع رشا ماهر البدري – حاورها: على رسول الربيعي

الفلسفة السياسية المعاصرة: حوار مع رشا ماهر البدري – حاورها: على رسول الربيعي


الأستاذة رشا ماهر البدري (باحثة دكتوراة الآداب في الفلسفة الغربية المعاصرة، ومديرة تحرير مجلة حوارات فلسفية في مركز الدراسات الفلسفية، كلية الآداب، جامعة القاهرة، مصر). المُحاور: أ. د. على رسول الربيعي (أستاذ الفلسفة والفكر السياسي المعاصر )


إن العلاقة بين الليبرالية السياسية والدين محل نقاش على نطاق واسع في الفكر السياسي المعاصر ولاسيما بعد أن قدم جون راولز نظريته بهذا الشأن. أريد بهذه المناسبة محاورة أو بالتحديد توجيه أسئلة للباحثة المتخصصة في فلسفة جون راولز (1921-2002)، رشا ماهر البدري عن هذه المسألة.

إذا ينبغي دائمًا النظر إلى العلاقات بين الدين والدولة والسياسة، من منظور دين محدد في مجتمع معين؛ فمن الصعب للغاية وضع تصور عن “الدين” بعبارات شاملة تكون كافية ليتم تطبيقها على جميع المجتمعات البشرية في سياقاتها المتنوعة، فمن المتوقع فقط، بوعي أو بدون وعي، أن يُطور أيً مُنَظِّر نظريته عن العلاقات بين الدين والدولة والسياسة فيما يتعلق بدين معين في سياق اجتماعي سياسي معين. كما أن الاختلافات في طبيعة وتشكيل السلطة الدينية بين التقاليد الدينية للمذاهب المختلفة وداخلها تؤثر على كيفية إدراك المؤمنين للسلطة الدينية. حتى التمييز بين ما يسمى المجالات الدينية والعلمانية لا ينطبق على جميع التقاليد الدينية. وهنا أريد أن أنقل إليكِ سؤال راولز:  “كيف يمكن لأولئك الذين يعتنقون عقيدة دينية ما تستند إلى سلطة دينية … أن يكون لديهم مفهوم سياسي معقول يدعم نظام ديمقراطي عادل؟”

البدري: سؤالكم هذا من الأسئلة المحورية التي توضح مدى إشكالية تطبيق المفاهيم الفكرية والفلسفية التي سعى إليها رولز في تنظيره الفلسفي، وبالطبع العلاقة شائكة بين الدين والدولة والسياسة طيلة العصور -الماضية منها واللاحقة- وخاصة مع وضع “الهوية” و”العولمة” و”التعددية الثقافية” في عين الاعتبار. لكن لم يهتم رولز بالاتجاه الديني للمرء، بل يمكنني القول بأنه لم يكن لديه ذاك الفضول المعرفي بالربوبية والألوهية، والزرادشتية والبوذية والهندوسية، وحتى الإلحادية واللاأدرية، رغم عقيدته المسيحية والتزامه بها، وفي الوقت عينه يرحب بالمباديء المأخوذة من أي نص ديني (مثلما نجد في القرآن الكريم على سبيل المثال: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”. “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا..” وغيرها) طالما تحقق الديمقراطية الدستورية، وتنمي أخلاق التعاون والاحترام المتبادل. أما في مسألة الدولة فإنه يرى –كحقيقة بديهية- ضرورة إقامة مؤسسات تحفز كل أفراد الشعب –كمواطن عادي ومواطن مسؤول أو في الهيئة الحكومية- على الاقتناع بالاحترام والثقة فيها، لذا نجده في كتابه قبل الأخير “قانون الشعوب والعودة إلى فكرة العقل العام” يعيد تفعيل نظريته عن العدالة كإنصاف، ويجعلها أساس تدشين قانون الشعوب وليس قانون الدول؛ كمحاولة لجعل أفراد الشعوب أعضاء فعالة في تأسيس نظريات السياسات الدولية وصناعة القرار.

س: فيما يتصل بالعلاقة بين الدين والليبرالية السياسية ربما لا يرى راولز أن مطالب الليبرالية السياسية يجب أن تحظى بالأولوية على الالتزامات الدينية أو الأخلاقية الأساسية للمرء، ناهيك عن طلبها النزاهة الشخصية. في ضوء هذه الادعاءات، أرى أن مفهوم راولز عن الليبرالية السياسية أكثر ملاءمة، بل يدعو إلى الالتزام الديني الضميري أكثر مما يعتقد عادة. لكن: هل يتطلب مفهوم راولز فيما يخص الليبرالية السياسية في علاقتها بالدين الكثير من الالتزامات أو المستحقات على المواطنين المتدينين؟

البدري: إن الليبرالية السياسية المنصفة مجرد نمط من أنماط الليبرالية الذي يفترض وجود تعددية فكرية معقولة وواقعية -ناتجة عن تنوع العقائد والمذاهب الشمولية والمعقولة في آن- ويتم الوصول عبرها إلى توافق أو اجماع فكري عام يضع تصورًا سياسيًا للعدالة، وهذا التصور يضبط المجتمعات ويعيد تنظيمها، ويحقق الديمقراطية في أرض الواقع. وربما حري بنا أن نسميها ليبرالية اجتماعية؛ لأنه سعى إلى إيجاد مباديء أساسية يمكن عبرها إعادة تشكيل جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية على نحو منصف للجميع، وعلى حد تعبيره “إنها بمثابة محاولة لخلق مجال ديمقراطي حيوي ومحايد، على مسافة واحدة من جميع المذاهب”. ولم يصنف “المواطنة” لمتدين وغير متدين، بل على العكس تمامًا فقد جعل مسألة التدين وحتى تغيير العقيدة لأي فرد لا تمس حقه كمواطن له كافة الحقوق وعلى قدم المساواة مع غيره من الأفراد. والالتزام هنا ليس إلتزامًا دينيًا بل أخلاقيًا، وهذا ليس رفضًا لأي دين أو انتقاصًا من قدره وقيمته، ولكنه محاولة للوصول إلى مباديء إنسانية جامعة لكل الألوان والأعراق والثقافات، مباديء تحقق المساواة للجميع، والاحترام الواقعي المتبادل، والاستقرار، والسلام.

سؤال: هل يفي الإجماع المتقاطع عند راولز بمهمته المطلوبة كتوفير أساس نظري للحرية؛ نظام سياسي عادل ومستقر في بيئة من التعددية الأيديولوجية. هل ينجح راولز في “التوصل إلى مفهوم سياسي للعدالة السياسية من أجل نظام ديمقراطي دستوري يمكن أن تؤيده بحرية مجموعة من العقائد المعقولة، الدينية وغير الدينية، الليبرالية وغير الليبرالية”؟

البدري: مسألة الإجماع المتقاطع أو الإجماع الفكري التوافقي (اجماع الفرقاء) من أهم أسس الوصول إلى “اتفاق” بين الجميع حول أهمية العدالة كإنصاف وكيفية تفعيلها في كل بنى المجتمع المدني. وقد نقح رولز رؤيته الفكرية في “الليبرالية السياسية” وطرح بالفعل تلك المعضلة: “كيف يمكن لأناس يتمسكون بشدة وحسم بعقائدهم الشمولية والمتعارضة أن يتعايشوا، وأن يؤكدوا التصور السياسي لنظام دستوري؟ فما مضمون التصور السياسي الذي يمكن أن يحظى بإجماع متداخل كهذا؟”

وفي الواقع هناك مسألة أخرى أكثر صعوبة، وهى تحقيق الديمقراطية والاستقرار المنصف القائم على الوحدة الاجتماعية، فكيف يتسنى ذلك في ظل أغلبية لا تعترف بالمؤسسات الليبرالية؟

بمنتهى التبسيط، “الشعوب” هم أناس لديهم سمة “التعاون” و”التحاور” الحجاجي المثمر، بهدف الوصول إلى أرضية فكرية مشتركة لشركاء متساوون وأحرار، يؤسسون وطنهم؛ فلم يدشن رولز نظرية شمولية أو مذهب لا خروج عليه، بل منهجية تفكير إرتأت تنقيح الليبرالية والاشتراكية لتقدم نموذج يصلح كحل موضوعي لصراعات العصر الراهن.

منذ فترة وجيزة تطرقت للعمل في ملف من الملفات الفكرية الشائكة عن “العنف“، كظاهرة لها متغيراتها السياقية والتاريخية والفكرية، وشعور المرء دائمًا بالحاجة للانتماء، فانتبهت إلى أن العنف الوحيد المبرر أو المقنن والشرعي/المشروع هو ذاك القائم دفاعًا عن النفس، عن الحق في الوجود، وسنجد مفهوم الحرب العادلة لدى رولز مثلما هو لدى كانط (1724-1804) من قبله، ولدى مايكل والزر (1935+) من بعده، قائم على ذلك الأساس كجوهر واضح ولا غنى عنه. لكن مَن منا يستطيع الجزم بأحقية وأولوية حق ما دون غيره؟ ما معيار الحكم السليم؟ وهل وجدنا واقعيًا ذاك المعيار الثابت عالميًا وإنسانيًا؟

علاوة على ذلك، معيار الأغلبية المعترف به في تحقيق الديمقراطية المستقرة، لم يجعلها ديمقراطية حقة ولا مستقرة، وإلا لما ظهر لنا الإثنية العرقية وحقوق الأقلية! وللتوضيح، فلنأخذ –على سبيل المثال- مشكلة “الإجهاض” التى طرحها رولز بين المنح والمنع، فقد يرفض الكاثوليك قرارًا أصدرته المؤسسات السياسية الشرعية والعقل العام يفيد بمنح الحق في الإجهاض، فيقاومونه بعنف أي يفرضون مذهبهم الخاص والشمولي لأفكارهم وحياتهم على أغلبية المواطنين الآخرين الذين يتبعون العقل العام (وهو عقل مواطنين متساويين وأحرار، وموضوعه يتمثل في الخير العام المتعلق بالمسائل الأساسية للعدالة السياسية) وهذا ما ينأى عنه رولز، ويقر أنه من حق التفكير العقلي للكاثوليك أن يتبع أعضائه مذهبهم كما يفضلون، لكن مع الاحترام الكامل في الوقت ذاته للعقل العام.

رولز سعى إلى توسيع نطاق المجال العام، وفي المقابل تضيق نطاق المجال الخاص، بشروط قياسية ومباديء تجريدية في الوصول لتعريف العدالة المنصفة، دون أن يقدم هو نفسه أي تعريف لها، كمحاولة منه لقبول التصورات المفتوحة المحققة لتلك الشروط بجناحيها: الحرية والمساواة. كما سعى إلى تحقيق التوازن بين القوى المختلفة في كل المجتمعات، مع تفضيل المجتمعات الليبرالية الدستورية؛ لإنها التصور المناسب والمعقول لتحقيق رؤياه.

س: كيف يمكن أن يتعامل المفهوم الليبرالي للمواطنة بنجاح مع مفهوم التعددية؟ لماذا يعتبر راولز النّظريّة اللّيبرالية نموذجًا لمواطنة تستجيب لما ترافق التّعدّديّة من تحدّيات؟ ماذا يعني أن يكون الفرد مواطنًا بالنّسبة له؟ هناك في الواقع أشخاص تمثّل هوّياتهم الشّخصيّة أو الخاصّة عائقًا أمام هوّيّة المواطنة التي يعتبرون تبنّيَها تنازلاً عن أمور خاصّة بهم ومفيدة لهم، والتي يرون التّسليم بها يعني وضع مطالبهم السّياسيّة جانبًا لأنّه لا يمكنهم التّعبير عنها وفق ما تقترح من معنى للهوّيّة بوصفهم مرتبطين بجماعة عرقيّة أو بطائفة دينيّة ـ أّيّ جواب عمليّ عن هذه المشكلة؟ هل يكفي تكرار الموقف اللّيبراليّ في الرّدّ؟ ـ لماذا يتعيّن على الأشخاص الذين يرفضون أو يتحفّظون على المعنى اللّيبراليّ للهوّيّة أن يعطوه الأولويّة؟ ـ لماذا عليهم أن يقبلوا ما يقترح هذا المعنى من هوّيّة للمواطنة بشكل عفويّ؟ ـ ما الذي يمنع مبادئ العدالة نفسها من أن تستجيب لمطالب الهّويّات الخاصّة؟

البدري: حتى اللحظة الراهنة تعمل الفلسفة السياسية على إعادة النظر في مجموعة الأفكار الليبرالية ما بين المساواة والحرية والمواطنة والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وخاصة في دول الرأسمالية المتوحشة (والتي تُصنف حاليًا أنها تعادل أعلى مستويات سلوك الشخصية السيكوباتية أو بالأحرى بمثابة التجسيد المادي للسيكوباتية). وفي غضون هذا يتم النظر إلى مدى تأثير “العدالة إنصافًا” واتصالها المباشر مع مفهوم المواطنة الذي تسعى لإعادة بلورته عبر “المساواة الديمقراطية”، وجدوى كل مفاهيم نجدها تدعم الحوار المستمر تاريخيًا مع سائر الأيدولوجيات والأنساق الخاصة.

لقد تعامل رولز مع التعددية الثقافية كأمر واقع لابد من توظيفه في الوصول إلى تسوية، واعتراف، وقبول للعدالة المنصفة، ولهذا وضع عدة شروط أو سمات للتعدديات الشمولية المعقولة (وهى لا تختص بالعقائد الدينية فحسب، بل والفلسفية والأخلاقية أيضًا)، وهى: 1. أن العقل النظري لهذه التعددية يتضمن رؤية واضحة، ومتزنة، ومتماسكة، ومفهومة لكل الجوانب الحياتية الضرورية، وأن هذه الرؤية تنظم القيم الداخلية المرتبطة بها على نحو لا يجعلها في صدام أو متعارضة مع غيرها. 2. أن العقل العملي لهذه التعددية يستطيع الموازنة بين القيم المستقاة من عقيدته وسائر العقائد، وبالتالي لديه معايير واضحة ومتفق عليها تلبي أسبقية الاختيار بين القيم. 3. أن هذه المذاهب والعقائد الشمولية تتسم بالثبات المرن وليس الجمود.

على سبيل المثال، الحركات الاجتماعية للمثليين الآن، قائمة على فكرة المطالبة بالحق في الوجود، والاعتراف بهم دون تنميط أو إطلاق أحكام أخلاقية. وفي بداية القرن التاسع عشر كان المصلح الاجتماعي ومؤسس الليبرالية النفعية جيرمي بنتام (1748-1832) يطالب بعدم تجريم أفعال المثلية الجنسية، مع إلغاء العقوبات البدنية، والإعدام، والرق، وحق النسوة في الطلاق وغيرها من أمور مغايرة تمامًا لسياقه الثقافي. وقد دافع “رولز” عن أهمية الأسرة كمؤسسة من المؤسسات الأساسية في المجتمع المنظم جيدًا، ولكنه لم يحدد شكل الأسرة النمطي الذي نعهده، وبالتالي فتح الباب لأشكال مختلفة من ضمنها “مثلي النوع”، فيقول نصًا في كتابه “العدالة إنصافًا: إعادة صياغة”: “نلاحظ أن هذه الإشارة تمهد الطريق لمعالجة العدالة كإنصاف لمسألة علاقة اللواط وعلاقة السحاق لجهة حقوقها وواجباتها وكيفية تأثيرها على الأسرة، فإذا كانت هذه الحقوق والواجبات غير متناقضة مع الحياة الأُسَرية المنظمة وتربية الصغار، فهى مسموح بها بالكامل، إذا ظلت الأمور على حالها ولم تتغير”. في حين أن رولز نفسه في حياته الشخصية كان متدينًا كنسيًا، ولديه أسرة عادية تقليدية من زوجة وأبناء وأحفاد.

وإذا تحدثنا عن وضع المجتمع الأمريكي الآن، فهو في أوج انقساماته الداخلية، ولعل من أسباب ذلك زيف الديمقراطية لديهم، أو عدم المساواة الواضحة كما أكد ذلك مؤخرًا أشهر نقاد نظرية العدالة إنصافًا، أستاذ الفلسفة السياسية مايكل ساندل (1953+) في كتابه الأخير “طغيان الاستحقاق: ما مصير الصالح العام؟” -والصادر في نوفمبر 2020- كما أضاف أن طريقة تفكير المرء في المكسب والخسارة، والنصر والهزيمة، وشعوره باستحقاقه الأكيد والفريد لوصوله إلى القمة (وفي كل شيء) يجعله يظن أنه بالفعل “مصيره بين يديه” فيزداد تفاخرًا وزهوًا، في حين أن هذا الاستحقاق له جانبًا آخر مظلم ويُفسد الصالح العام، والذي يظهر في “سلوكيات” الوصول إلى القمة أو النجاح، في غطرسة الفائز وإهانة الخاسر! ومساندة الفائز كي يصل، سواء من تعليم جيد أو ميراث أو رعاية عائلية أو موهبة (ما يمكن تسميته بالحظ السعيد) في حين أن الخاسر حظه أقل واعتماده على غيره أقل! لينتهي ساندل لفكرة مفادها ضرورة ممارسة “التواضع” كسلوك إيجابي أو أخلاق حميدة، حينما نفكر في مباديء النجاح، بل أننا نحتاج لإعادة التفكير في أمور ثلاث (وهو يعالج مشكلات مجتمعه الأمريكي تحديدًا): أولًا/ دور الكلية أو الالتحاق بجامعة والمؤهل الجامعي كمعيار تحكيم في الحياة العملية واتاحة الفرص المتكافئة. وثانيًا/ كرامة العمل بكل أشكاله وفئاته وتدرجاته… إلخ، فالعمل لا يقتصر فحسب على كسب العيش، وبأجر لائق، ولكنه أيضًا مساهمة في توطين الصالح العام، والحصول على التقدير والاحترام للقيام بذلك. وثالثًا/ معنى النجاح، فحينما يدرك المرء ويكوّن قناعة واقعية بأن نجاحه لا يعتمد كليًا على سعيه الصرف وزَّنده وحده، فلم يخلق موهبته مثلا ولكنها وجدت لديه بفضل الخالق، حينها ستنقشع غطرسة الاستحقاق، وسيشعر بتواضع، ويرى إمكانية وجود الآخر مكانه، والحياة الطيبة المشتركة بين الجميع.

وفي الحقيقة مونتسكيو (1689-1755) حينما تحدث عن توضيد العلاقات الدولية أكد على “الأخلاق الحميدة” التي يجب توفرها لدى المواطنين، كالاستقامة والأمانة والاجتهاد في العمل والانضباط واحترام المواعيد وغيرها؛ فالمجتمع التجاري يصوغ لدى مواطنيه فضائل معينة تعينه على استمرار العلاقات التجارية الناجحة، وتؤدي إلى سلام مليء بالرضا. وهذا عينه ما لجأ إليه “رولز” في قانون الشعوب، كفكرة من ضمن أفكار عدة مقترحة لتوطين السلام الديمقراطي المستقر. فالنجاح الحق بين الشعوب هو القائم على عدالة اجتماعية وسياسية لجميع المواطنين، وهو القائم على تأمين حرياتهم الأساسية المتساوية (كحرية التفكير، وحرية الضمير، والحريات السياسية كحق التصويت والمشاركة السياسية، وحق إنشاء الجمعيات، وجميع الحقوق والحريات المنوطة بحرية وكرامة الشخص الجسدية والنفسية، وأخيرًا، جميع الحقوق والحريات التي يعطيها حكم القانون العادل)، وكذلك تحقيق رفاهية اقتصادية معقولة لجميع أفراد المجتمع.

في حين أن الاستحقاق العادل لدى رولز تم تحويله إلى قيمة من القيم السياسية، ويقوم على توفر جميع المؤهلات المطلوبة لدى المرء، والتأكد من تفعيل “تكافؤ الفرص” للجميع على أرض الواقع، ليتمكنوا من تأهيل أنفسهم، فيتحول الاستحقاق العادل إلى هدف سياسي واجتماعي على حد سواء. وأرى أن الاستحقاق العادل كقيمة أخلاقية لا يتعارض مع القيمة السياسية، إذا كنا نتحدث هنا عن إنسان حكيم –سليم عقليًا ونفسيًا- يدرك أهمية جميع القيم، وجميع الاختلافات والتنوعات الثقافية على حد سواء، وأنه لا يملك في الحقيقة أي شيء. أما مقاييس التفوق المعتمدة على فكرة الاستحقاق أو الجدارة (وخاصة المحملة بنزعة التفاخر والمجد بالجهد الشخصي أو بالتعليم، والحسب، والنسب، والسلالة، والإرث، والقدرات، والمواهب)، فهى مقاييس عقيمة، ولا ينتج عنها سوى التناحر المستمر، ولا أفهم جدوى وضع مقاييس للنجاح اللهم إذا كان المرء يريد معرفة تطوره وترقيه المعرفي والسلوكي قبل الاجتماعي والاقتصادي، فيستمر إذا كان صائبًا أو يصحح ويعدل ويعالج إذا كان مخطئًا.

  س: السؤال ما إذا كان رأي راولز المتداخل يمكن أن يفي بمهمته المطلوبة كتوفير أساس نظري للحرية؛ نظام سياسي عادل ومستقر في بيئة من التعددية الأيديولوجية. هل ينجح راولز في التوصل إلى مفهوم سياسي للعدالة السياسية من أجل نظام ديمقراطي دستوري يمكن أن تؤيده بحرية مجموعة من العقائد المعقولة، الدينية وغير الدينية، الليبرالية وغير الليبرالية؟

البدري: وهو كذلك.. سأجيبكم عمليًا نوعًا ما عبر باحث آخر تخصص في محاولة تطبيق مفاهيم رولز، وقراءتها واقعيًا عبر الإسلام وتراث الحضارة الإسلامية -كرؤية توفيقية بلغتنا نحن بنو الشرق- وهو الباحث الأمريكي “أندرو مارش” المتخصص في الفكر السياسي الإسلامي والنظرية السياسية المقارنة، فقد كانت رسالته لدرجة الدكتوراة في الفلسفة السياسية عام 2009 تقريبًا بعنوان: “الإسلام والمواطنة الليبرالية: بحثًا عن إجماع متداخل-وعلمت منذ عدة أيام أنها قد ترجمت إلى اللغة العربية، وجاري طبعها ونشرها على يد أستاذتي المخضرمة أ.د.يمنى طريف الخولي- ثم طرح فكرة “قانون الشعوب” في كتابه الأخير المعنون بـ”خلافة الإنسان: السيادة الشعبية في الفكر الإسلامي الحديث” 2019. وتعد رسالته “الإسلام والمواطنة الليبرالية” بمثابة استكشاف للخطاب الفقهي الإسلامي حول حقوق وولاءات والتزامات الأقليات المسلمة في السياسة الليبرالية –وقد وفازت بجائزة التميز لعام 2009- للوصول إلى طريقة يمكن بها تكوين إجماع فكري متشابك يحقق مفهوم متفق عليه للعدالة المنصفة، وكذلك تطبيق ما يشبه التصالح أو التآلف بين فرق ووجهات نظر مختلفة لوضع مفهوم سياسي موحد وصياغة نظام دستوري يرضي جميع الأطراف المتنازعة. وفي مقدمة رسالته طرح عدة أسئلة جوهرية، منها: كيف يمكن تحويل مواطنين متدينين إلى مواطنين ليبراليين؟ وهل يمكن انبثاق مواطنة ليبرالية من داخل الدين؟ ليجيب بإمكانية استبدال الاعتقدات الدينية باعتقادات جديدة أو إضافة إعتقادات أخرى للاعتقادات الموجودة، فلا مشكلة حقيقية مع التجديف أو الحكم بالردة، لأن حينها ستكون اختيارات تندرج تحت حرية الرأي والتعبير والمعتقد. ولا يحل الخلاف الأخلاقي بين العقائد المتنوعة إلا إذا استطاعت العقائد من قلبها وبنفسها تكوين إجماع متداخل متفق عليه، وأيضًا أن لا تكون متطلبات العدالة المنصفة في صراع مع الاهتمامات الأصلية والجوهرية للمواطنين.

ولعل فكرة “اجماع الفرقاء”، ليست الحل الجامع المانع، لتحقيق العدالة المنصفة والسلام الديمقراطي المستقر، ولكنها الفكرة التي يمكن من خلالها خلق أرضية مشتركة سليمة وحيادية، لتصلنا جميعًا إلى حياة صحية يزدهر فيها الجميع، فما الذي يجعلنا نمكث سويًا لنتشاور حول مسألة ما، سوى أننا نرى مشكلة ونبحث لها عن حل، وأننا نغرق في بحر الصراعات ونبتغي الوصول لبر الأمان!

من ضمن الأمور الطريفة التي أخبرني بها أساتذتي كلما تحدثنا عن تأثير أعمال رولز فكريًا وناقشنا مفاهيمه-وكيف أصبحت الفلسفة السياسية الآن تُقسَّم بين قبل رولز وبعده- أن هناك مسرحية موسيقية غنائية استعراضية باسم “نظرية العدالة” مأخوذة من أعماله وعرضت في أكسفورد عام 2013 ورشحت لجوائز عدة، وفازت بجائزة ما. وأن هناك كويكب جديد تم تسميته باسم رولز كنوع من أنواع التكريم له. وأظن أننا سنبقى في شد وجذب طيلة الوقت حول تفسيراتنا لفلسفته وجدواها، ومشكلات الواقع القديمة والمتجددة، إلى أن نصنع بأنفسنا حلول قويمة أكثر عبر التجارب التي خاضها الجزء والكل، الأفراد والمجتمعات.