ديموقريطس – موسوعة ستانفورد / ترجمة: محمد أبو شعبان، مراجعة: مصطفى الحفناوي

ديموقريطس – موسوعة ستانفورد / ترجمة: محمد أبو شعبان، مراجعة: مصطفى الحفناوي


حول حياة الفيلسوف الإغريقي ديموقريطوس وأعماله، ومبادئ النظرية الذرية، ونظرية الإدراك والمعرفة، والروح وطبيعة الروح البشرية؛ نص مترجم للـد. سيلفيا بيرمان، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


كان ديموقريطوس يُعرف في الزمن القديم بأنه “الفيلسوف الضاحك”؛ لأنه كان يؤكد على قيمة “الابتهاج”، وكان واحدًا من اثنين أسَّسا النظرية الذرية القديمة. قدم ديموقريطوس شرحًا لنظامٍ وضعه معلمه ليوكيبوس، وحوّله إلى وصف ماديٍّ للعالم الطبيعي. يؤمن أصحاب النظرية الذرية بأنَّ كلَ شيءٍ يتكون من أجسام متناهية الصغر، وغير قابلةٍ للتجزئة، وهي تتحرك باستمرار داخل فراغ لانهائي، كانت النظرية الذرية هي الأكثر نفوذًا من بين السرديات المادية القديمة لوصف العالم الطبيعيّ، والتي لم تعتمد على شكلٍ من أشكال القدرة الإلهية أو الغائية؛ لوصف النظام والانتظام الظاهريْن في العالم، بل إن أرسطو، وهو الأشد انتقادًا لهذه النظرية، أثنى على ديموقريطوس؛ لأنه اعتمد في طرحه على اعتبارات سليمة ومتلائمة مع الفلسفة الطبيعية.


 

  1. حياته وأعماله

تشير المصادر القديمة، إلى أن ديموقريطوس ولد حوالي عام 460 قبل الميلاد (أي أنه عاصر سقراط، لكنه كان أصغر منه سنًا) وكان أحدَ مواطني مدينة أبديرا، وتذكر بعض المصادر أنه كان من مدينة ميليتوس. كان ليوكيبوس معلمه أو زميله، ويقال إن ديموقريطوس كان يَعْرِفُ أناكساغوراس، وأنه كان أصغر من هذا الأخير بأربعين سنة (DK 68A1). وقد وردت مجموعة من الحكايات عن حياته، لكنها لا ترقى إلى درجة موثوقة.

 لم يصلنا من أعمال ديموقريطوس إلا ما ورد في المصادر اللاحقة لها، وهي في بعض الأحيان متعارضة مع بعضها أو لا يمكن الاعتماد عليها. ويعد أرسطو من أفضل مصادر المعلومات عن ديموقريطوس، الذي كان أرسطو يعده منافسًا هامًّا في مجال الفلسفة الطبيعية، وقد أفرد أرسطو دراسةً كاملةً للحديث عن ديموقريطوس، لم يصلنا منها سوى بضع فقرات مقتبسةٍ في مصادر أخرى. ويبدو أن ديموقريطوس كان قد تبنى أفكار ليوكيبوس، الذي لا نعرف عنه إلا القليل، وأعاد تنظيمها. ورغم أن بعض الكتابات يمكن أن تنسب إلى ليوكيبوس، فإن الغالبية العظمى من الدراسات تربط الكتابات بكليهما أو بديموقريطوس وحده؛ ومن المتعارف عليه غالبًا أن ديموقريطوس هو الذي طور النظام الذري.

أورد ديوجانس لارتيوس عددًا كبيرًا من المؤلفات المنسوبة إلى ديموقريطوس حول موضوعات مختلفة، مثل الأخلاق والفيزياء والرياضيات والموسيقى والكونيَّات. تنسب بعض المصادر كتاب “نظام العالم الكبير” وكتاب “نظام العالم الصغير” (انظر المادة بعنوان آراء المؤرخين حول الفلسفة القديمة) إلى ديموقريطوس أحيانًا، بينما يرى ثيوفراستوس أن الكتاب الأول من تأليف ليوكيوبوس (DK 68A33) وثمة الكثير من التضارب حول مدى موثوقية ما وصلنا من مقولات أخلاقيةٍ، منسوبة إلى ديموقريطوس، وردت مجموعتان من الأقوال في المختارات التي صنفها استوبايوس في القرن الخامس الميلادي، إحداهما منسوبة إلى ديموقريطوس، والأخرى منسوبة إلى فيلسوف آخر غير معروف يدعى “ديموقراطيس”. ولا يمانع DK من نسبة الكتابين إلى ديموقريطوس، لكن موثوقية المقولات الواردة في كلتا المجموعتين ما زالت رهن المناقشة بين الباحثين، شأنها شأن العلاقة بين النظرية الذرية لديموقريطوس وبين آرائه في مجال الأخلاق.

  1. مبادئ النظرية الذرية

تشير المصادر القديمة إلى النظرية الذرية بوصفها واحدة من محاولات عديدة لقدامى الفلسفة الطبيعية من الإغريق؛ للرد على التحدي الذي طرحه بارمينيدس. وبالرغم من كثرة التحديات (Osborne 2004) فإن الباحثين اليوم يرون أن دافع النظرية هو التحدي. كان بارمينيدس قد زعم بأنه يستحيل وقوع تغيير من دون أن يأتي شيء من لا شيء. وبما أن الاتفاق السائد آنذاك هو استحالة أن يأتي شيء من اللاشيء، فقد أكد بارمينيدس أن التغيير ليس سوى وهمٍ. وردًا على ذلك، عمل ليوكيبوس وديموقريطوس وغيرهم من فلاسفة التعددية، في زمن ما قبل سقراط، مثل إمبيدوكليس وأناكساغوراس، على تطوير أنظمة جعلت من التغيير ممكنًا؛ بإثبات أنه لا يحتاج إلى خروج شيء من لا شيء. تفترض هذه الردود على بارمينيدس وجود مبادئ مادية ثابتة، تبقى قائمةً وتكتفي بإعادة ترتيب نفسها لتشكل عالم المظاهر الذي يتغير باستمرار. وبحسب النظرية الذرية، فإن هذه المبادئ المادية الثابتة، هي جزيئات غير قابلة للتجزئة تدعى الذرات. ويسود الاعتقاد بأن أصحاب النظرية الذرية تبنوا فكرة وجود حد أدنى لقابلية التجزئة من أجل الرد على تناقضات زينو حول استحالة تنقّل مقادير ذات إمكانية تجزئة لامتناهية (Hasper 2006). في المقابل، فإن مراجعات واردي (1988) وسيدلي (2008) تشير إلى أن النظرية الذرية ظهرت للرد على حجج بارمينيدس.

ويتمسك أصحاب النظرية الذرية بأن ثمة نوعين مختلفين من الحقائق يشكلان العالم الطبيعيَّ والذرات والفراغ. وتعد الذرات (باليونانية atomos أو atomon بمعنى “غير القابل للقسمة”) متناهية العدد، ومتعددة الأحجام والأشكال، وهي شديدة الصلابة ولا تحوي أي فجوات داخلية. تدور الذرات في فراغ لانهائي، وتتنافر عند ارتطامها ببعضها، أو تترابط فيما بينها بخطَّافات وأطراف صغيرة على أسطحها لتشكل عناقيد. وعدا عن تغيير مكانها، فإن الذرات لا تتغير ولا تتولد ولا يمكن تدميرها. تحدث جميع التغيرات في الأجسام المرئية في العالم الظاهر عندما تتغير أماكن هذه الذرات. وبالمصطلحات الأرسطية، فإن أصحاب النظرية الذرية يختزلون كل التغيرات في تغير المكان فحسب. أما الأجسام العينية التي نختبرها في العالم فهي مجرد عناقيد من هذه الذرات. والتغيرات التي نشهدها في الأجسام – التغيرات الكمية أو قل إن شئت النمو- إنما تحدث بسبب عمليات إعادة ترتيب أو إضافات إلى الذرات التي تتكون منها الأجسام. تتسم الذرات بأنها أبدية، أما الأجسام التي تتكون من الذرات فليست كذلك. وتتشكل الأكوان أو العوالم من حركة عناقيد الذرات في الفراغ اللانهائي؛ نتيجةً للحركة الدائرية التي تتجمع بموجبها الذرات في دوامة وتنشئ عناقيد بداخلها (DK 68B167). وهذه الأكوان ليست دائمةً. نشأ عالمنا والأجناس التي تعيش فيه من تصادم ذرات تتحرك في دوامة، وسوف يتفكك ذلك كله مع مرور الزمن.

ولإثبات وجود الفراغ، يتبنى أصحاب النظرية الذرية، عن عمدٍ، حجة ظاهرها التناقض، وهي الادعاء بأن “العدم” موجود. ويبدو أن أصحاب النظرية الذرية في معرض ردهم على ميليسوس، أحد أتباع بارمينيدس، قرنوا مصطلح “اللا شيء” مع نقيضه “الشيء” وزعموا – في عبارة باتت تميز أصحاب النظرية الذرية- بأن أحدهما موجود “ليس أكثر” مما يوجد الآخر (DK 67A6). ويشير سكوفيلد (2002) إلى أن هذه العبارة تحديدًا منسوبة إلى ديموقريطوس وليس إلى معلمه ليوكيوبوس. وعندما يضع أصحاب النظرية الذريَّة الامتلاء (أو الصلابة) مع الفراغ على حد سواء من الناحية الوجودية، فهذا يعني أنهم ينكرون استحالة الفراغ. وهم يرون أن الفراغ شرط لازم للحركة المحلية: فإذا لم يكن ثمة أماكن غير مشغولة فأين يمكن أن تتحرك الأجسام؟ وكان ميليسوس قد رأى باستحالة الفراغ وصولاً إلى استحالة الحركة، بينما يبدو أن أصحاب النظرية الذرية وقفوا في الجهة المقابلة، وانطلقوا من حقيقة وجود الحركة لإثبات لزوم وجود الفراغ (DK 67A7). وقد اقترح بعض الباحثين أن مفهوم ديموقريطوس عن الفراغ، هو بمعنى مناطق غير ممتلئة (مؤقتًا) بين الذرات وليس بمعنى الفضاء المطلق (Sedley 1982). ولا يعيق الفراغ حركة الذرات؛ لأن السمة الأساسية فيه هي “الانصياع”، على النقيض من المقاومة المشتركة لدى الذرات. وتشير نصوص النظرية الذرية اللاحقة إلى أن هذا “الانصياع” يشرح نزعة الأجسام إلى الانزلاق نحو الأماكن الخالية، مدفوعة بالتصادم من أماكن أكثر كثافة (Lucretius DRN 6.906–1089).

وهناك بعض الخلافات حول خصائص الذرات. تتنوع أحجام الذرات؛ تذكر إحدى الروايات – ويشكك بها الكثير من الباحثين- أن الذرات يمكن أن تكون، من حيث المبدأ، بحجم كون كامل، لكنها في هذا الكون على الأقل تبدو أصغر من أن تكون مدركة (DK 68A47). ويمكن أن تتخذ الذرات مجموعة لامتناهية من الأشكال؛ وقد وردت روايات عن استدلال يقتضي بأنه “لا يوجد سبب” يجعل الذرات تتخذ شكلًا معينًا أكثر من غيره. كما يمكن أن تتداخل أنواع كثيرة من الذرات مع بعضها؛ بسبب عدم انتظام أشكالها، ووجود الخطافات على أسطحها، وهذا ما يفسر تماسك بعض المركبات. وليس من الواضح إن كان الرواد الأوائل من أصحاب النظرية الذرية يرون أن الذرات غير قابلة للانقسام من الناحية النظرية أو من الناحية الفيزيائية البحتة (Furley 1967). ويبدو أن فكرة وجود أصغر حجم ممكنٍ تشير إلى هذا، هي الحد الأدنى لأحجام الذرات، بالرغم من أن بعض المفاهيم مثل الاتصال أو وجود شكل معين، يبدو أنها تنطوي على أن جميع الذرات – وحتى أصغرها حجمًا – مكونة من أجزاء بشكل أو بآخر، حتى لو كان ذلك على الصعيد الرياضي أو النظري.

 وقد تضاربت الروايات حول حركة الذرات، وإن كانت في اتجاه معين وناتجة عن أوزانها؛ وقد حاول بعض الباحثين الجمع بين الرأيين؛ بافتراض أن الوزن غير جوهريٍّ بالنسبة للذرات، وإنما هو ناتج عن نزعة الجذب باتجاه المركز المتأصلة في الدوامة الكونية (cf. O’Brien 1981; Furley 1989, pp. 91–102). من المحتمل أن تكون لدى الذرات نزعة أصيلة للحركة بشكل اهتزازيّ، ولكن لا يوجد دليل قاطع على ذلك (McDiarmid 1958). ومن جهة أخرى، يبدو أن الحركة الرئيسة للذرات ناتجةً عن التصادم مع ذرات أخرى، بحيث تتسبب المقاومة المشتركة (أو “أنتيتوبيا”) في ابتعاد الذرات المتصادمة عن بعضها. وقد وجه أرسطو انتقادًا إلى ديموقريطوس لافتراضه أن تسلسل الذرات المتصادمة ليس له بداية؛ وبالتالي فإنه لا يقدم تفسيرًا لوجود الحركة الذرية بذاتها، وذلك بالرغم من أن التصادم السابق مع ذرة أخرى يمكن أن يفسر اتجاه كل ذرة متحركة على حدة (see O’Keefe 1996). وبالرغم من كثرة تشبيه أفكار النظرية الذرية القديمة بالفلسفة “الآلية” المعاصرة، فقد حذر بالم من خطورة افتراض أن أصحاب النظرية الذرية يؤيدون الأفكار المعاصرة حول طبيعة حركة الذرات، لا سيّما القول بأنها حركة ذاتية (Balme 1941).

وقد أشارت روايات مختلفة إلى أن ديموقريطوس كان يعزو سببية الأشياء إلى الضرورة، وكذلك إلى المصادفة. ولعل المفهوم الأفضل لمصطلح المصادفة في هذا السياق هو “غياب الغرض” بدلًا من نقصان الضرورة (Barnes 1982, pp. 423–6). ويبدو أن ديموقريطوس كان يدرك أهمية الاعتراف بأن الحركة غير المنتظمة للذرات منفردة، يمكن أن ينشأ عنها كون منتظم لا تتناثر فيه الذرات بصورة عشوائية، وإنما تتجمع في عناقيد لتشكيل كتل ذات أنواع متمايزة. ويقال إنه كان يعتمد على نزعة “المِثْل بالمثل” الموجودة في الطبيعة، وكما أن الحيوانات تتجمع معًا فإن الذرات من الأنواع المتماثلة تتجمع بأحجام وأشكال متماثلة. وهو يقارن هذا السلوك بتذرية الحبوب في الغربال، أو توزع الحصى عندما تجرفها الأمواج، كما لو كان ثمة انجذاب معين بين الأنواع المتشابهة (DK 68B164). وبالرغم من وجود تفسيرات مختلفة لهذا الزعم (e.g. Taylor 1999b p. 188)، فيبدو أنه قدّم محاولة لإثبات احتمالية نشوء ترتيب منظمٍ، على نحو آليٍّ؛ بحيث يكون ناتجًا ثانويًّا للتصادمات العشوائية بين الأجسام المتحركة (Furley 1989, p. 79). ولا داعي لتوظيف قوى جذب أو أغراض معينة؛ لشرح كيفية توزع الحصى على الشاطئ أو الحبوب عند غربلتها، ومن المرجح أن يكون هذا محاولة لإثبات أن المؤثرات التي ظاهرها التنظيم يمكن إنتاجها دون وجود قوى أو أغراض موجهة بهدف محدد.

يرى ديموقريطوس أن خصائص الذرات بمجملها كافيةً لاحتواء حجم الفوارق بين الأجسام في العالم المحسوس لدينا، يستشهد أرسطو بمثال مقارن من الحروف الأبجدية، والتي يمكن أن تنتج عددًا هائلًا من الكلمات عند تجميع بضعة حروف منها؛ وهذا برأيه ناجم عن الفرق في أشكال الحروف (حيث أن حرف A يختلف عن حرف N) وترتيب الحروف (حيث أن AN تختلف عن NA) واتجاهها المكاني (حيث أن N يختلف عن Z) (DK 67A6). وتمثل هذه المصطلحات تفسير أرسطو للمصطلحات التي استخدمها ديموقريطوس، والتي تتمتع بحس ديناميٍّ أكبر (Mourelatos 2004). وقد حُذفت فوارق الحجم من هذه الفقرة، ربما لأنها تتركز على المقارنة بين حروف الأبجدية، فقد ورد في نصوص أخرى بوضوح أن ديموقريطوس يرى أن الذرات تختلف في الحجم أيضًا.

ومن المعلوم أن ديموقريطوس ينفي وجود أي خصائص مدركة، عدا الشكل والحجم (وربما الوزن أيضًا) في الذرات أنفسها. وثمة اقتباس منسوب إليه، يزعم فيه أننا “ندرك الحلو وندرك المر، ندرك الساخن وندرك البارد، وندرك اللون، لكن كل شيء في الحقيقة ذرات وفراغ” (DK 68B9, trans)(Taylor 1999a)  وكما يرى فيورلي فإن ترجمة “إدراك” لا ينبغي أن تدل على فهم اعتباطيٍّ لألوان معينة، مثل أن نربط على نحو منتظم بين هيكلية معينة للذرات وبين لون معين. وإنما يتعلق التباين هنا بالفرق بين الخصائص الحقيقية وغير الحقيقية (Furley 1993; cf. Barnes 1982, pp. 370–7). وما يرفضه ديموقريطوس بوصفه “تقليدي بحت” هو اختزال الخصائص المذكورة في الذرات أو حتى في أجسام عينية.

ومع إشارة العديد من الروايات حول آراء ديموقريطوس، والظاهر أنها اقتباسات مباشرة، بشكل حصري إلى الخصائص المحسوسة على أنها غير حقيقية، يذكر فلوطرخس قائمة من الأشياء التي لا توجد إلا بإدراك مفهوم “التجميع”. وإذا ما صحت نسبة ما سبق إلى منهج ديمقريطوس، فسيؤدي ذلك إلى اتساع نطاق الزعم على نحو كبير: المفهوم بأن أي مزيج – والمقصود هنا أي عنقود من الذرات- هو “غير حقيقي” أو مجرد “غير تقليدي” يشير إلى أن ديموقريطوس يضع فوارق أكثر عمقاً من ذلك بين الخصائص المحسوسة وغير المحسوسة. ويترتب على ذلك أن أي شيء مدرك؛ لأنه حصيلة إدراك تجمعاتٍ من الذرات وليس الذرات أنفسها، سوف يعد “غير حقيقي” وليس مجرد الخصائص المحسوسة باستخدام الأعضاء الحسية لدى الفرد. وثمة رواية منسوبة إلى ديموقريطوس ينفي فيها أن شيئين يمكن أن يصبحا شيئًا واحدًا أو العكس بالعكس (DK 68A42)، وبذا فإنه يفترض أن تجمعات الذرات تقليدية.

وقد اختلف الباحثون حول مدى صحة رواية فلوطرخس. بما أن مفردة sunkrisis لا تظهر في الروايات الأخرى، يرى فيورلي (لاحقاً لساندباك) أنها على الأرجح خطأ صوابه pikron بمعنى “مر المذاق” والتي ظهرت في رواية أخرى. ومن جهة أخرى، يقر فيورلي بأن فلوطرخس يدرك على الأقل أن أصحاب النظرية الذرية الأوائل، كانوا متمسكين بأن جميع تجمعات الذرات، بقدر ما هي خصائص محسوسة، ينبغي فهمها على أنها تقليدية لا حقيقية (Furley 1993 pp. 76–7n7)؛ وهذا يعني أن كل شيء على المستوى العياني – أو بعبارة أدق، كل شيء متاح للإدراك- يعد غير حقيقي. وتبقى الحالة الوجودية لترتيب أو تجميع الذرات بالنسبة لديموقريطوس سؤالًا محيِّرًا، يؤثر على فهمنا للميتافيزيقا عنده، وكذلك علاقته التاريخية مع ميليسوس، ومدى التشابه بين آرائه وبين التصنيف الحالي للخصائص الأولية والثانوية (Wardy 1988; Curd 1998; Lee 2005; Mourelatos 2005; Pasnau 2007). وإذا ما قيدنا فرضية “التقليدية” بالخصائص المحسوسة فسوف يبقى السؤال قائمًا، حول السبب الذي دفع ديموقريطوس لأن ينزع صفة “الحقيقية” عنها (Wardy 1988; O’Keefe 1997; Ganson 1999).

  1. نظرية الإدراك

تقوم نظرية الإدراك عند ديموقريطوس على افتراض أن الصور، وهي طبقات رقيقة من الذرات، إنما تنزع باستمرار من سطوح الأجسام العينية؛ لتذهب أدراج الرياح. ويرى أصحاب النظرية الذرية اللاحقون، أن شيخوخة الأجسام تدريجيًّا مع مرور الزمن، تمثل دليلًا على ذلك. يمكن أن تتقلص هذه الشرائح من الذرات، ويمكن أن تتوسع؛ ولا يدخل العين منها إلا تلك التي تتقلص على نحو كافٍ؛ ويتحقق الإدراك من خلال أعضائنا الحسية بهذه الطريقة. تخبرنا هذه الشرائح بالخصائص المرئية للأجسام العينية، مثل أحجامها وأشكالها، والتي تتعرض للتشتت عندما تنتقل لمسافاتٍ طويلةٍ في الهواء؛ لأنها عندئذٍ تتعرض لتصادمات أكثر مع الذرات. وهناك رواية مختلفة أو مكملة، ترى أن الأجسام المرئية تمارس ضغطًا على الهواء، بواسطة صورها، وأن الهواء المضغوط ينقل الصور إلى العين (DK 68A135; Baldes 1975). الخصائص التي تدركها الحواس الأخرى يمكن التوصل إليها عبر شكل من أشكال الاتصال. على سبيل المثال، يستعرض ديموقريطوس في نظريته حول التذوق، كيف أن إحساسات المذاق المختلفة تنتج بصورة منتظمة، عن الاتصال مع مختلف أشكال الذرات؛ فبعض الذرات خشنة، تسبب تهتك اللسان، وينشأ عنها الإحساس بالمذاق المر، وبعض الذرات تتدفق بسلاسة على اللسان، ولا تؤذيه؛ وينشأ عنها الإحساس بالمذاق الحلو.

قدم لنا ثيوفراستوس الرواية الأكثر عمقًا، حول نظرية ديموقريطوس، لكنه انتقد هذه النظرية؛ لأنها تنطوي على افتراض أن النوع الواحد من الذرات، سوف يتسبب دائمًا في مظاهر متشابهة. ومن جهةٍ أخرى، قد يتمثل الإشكال في أن أغلب التفسيرات، تتناول الحالة الطبيعية للمراقب الاعتياديّ، وأن ثمة تناولًا مختلفًا يتعامل مع مدركات المراقب غير الاعتياديّ، كأن يكون الشخص مريضًا مثلاً. ويعتمد تفسير ديموقريطوس لكون بعض المرضى يجدون مذاقَ العسلِ مرًّا، على عامليْنِ لا يستثني أيًّا منهما، المفهوم القائل بأن أشكال الذرات تؤثر علينا بانتظام بصورة معينة. العامل الأول، هو أن أي مادة، مثل العسل، لا تكون متجانسة بالكامل؛ وإنما تحتوي على ذرات بأشكال مختلفة. وبالطبع فإن السمات الرئيسة لهذه المادة تعتمد على النوع الغالب من الذرات فيها، لكن هذا لا يمنع وجود أنواع أخرى من الذرات داخلها أيضًا. أما العامل الآخر فهو أن أعضاءنا الحسية ينبغي أن تكون على انسجام ملائم؛ لكي تدرك نوعًا معيَّنًا من الذرات، ولا شكَّ في أن ممراتنا الحسية يمكن أن تتأثر بالمرض، أو غيره من الظروف؛ وعليه فإن شخصًا يعاني من المرض يمكن أن يدرك على نحو غير معتاد نوعًا معينًا من الذرات، لا يمثل سوى جزءًا صغيرًا من المكونات الكلية للعسل.

 في المقابل، تتطلب المؤثرات الملحوظة الأخرى، نظرية تقتضي أن تتسبب الذرات المتماثلة في تأثيرات مختلفة، دونما افتراض أن الشخص الملاحظ قد تغير، بل لابدّ أن التغير قد وقع في الجسم المرئيِّ نفسِه. ويبدو أن تفسيرَ وجودِ الألوانِ ينتمي إلى هذه الطائفة: فقد ذكر أرسطو أن الأشياء تكتسب ألوانها من خلال “الالتفاف” (GC 1.2 315b34). وهذا المصطلح هو ترجمة أرسطو لمفردة “موضع” عند ديموقريطوس، وهو واحدٌ من الطرق الثلاث الأساسية التي يمكن أن تظهر لنا بها الذرات مختلفة عن بعضها. ويستخدم أرسطو هذا المفهوم لتبرير عدم ربط الألوان بالذرات نفسها. ويمكن توضيح هذه النقطة بالرجوع إلى ما أورده لوكريتيوس حول استحالة نسبة الألوان إلى الذرات. يقال لنا إن ذرات البحر، إذا كانت زرقاء بالفعل، فلا يمكن أن تتغير، وتبدو بيضاء (DRN 2.774-5) كما نشاهد عندما يتغير لون سطح البحر من الأزرق إلى الأبيض. والفرضية الظاهرة هنا هي أنه، بينما يمكن أن ينتج ظهور خاصية (P) معينة عن شيء ليس هو (P) وليس (عدم P)، فإنه لا يمكن أن تظهر (P) على أنها (عدم P). وبما أن الذرات لا تتغير خصائصها الأساسية؛ فيبدو أن التغير في الخاصية الارتباطية، مثل الموقع النسبيِّ للذرات، هو السبب الأرجح لاختلاف مدركاتنا حولها. عندما تتغير ألوان سطح البحر أو عندما يظهر عنق الحمامة بألوان متعددة، بينما ترفرف بجناحيها، فهذا يثبت أن أجزاء الجسم تتحرك، وتتغير بذلك علاقاتها الموضعية.

ومن خلال نسبة أسباب الخصائص المحسوسة إلى الخصائص الارتباطية للذرات، يتجنب ديموقريطوس الإمكانية الحتمية للزعم بأن الأشياء تبدو (P) لأنها هي بالفعل (P). ويبدو أن ثيوفراستوس يركز على الحاجة للتأكيد على قدرة الجسم المركب، على إظهار خصائصَ معينةٍ دون أن يمتلك هذه الخصائص. تتعارض أفكار ديموقريطوس هذه مع فرع واحد على الأقل من الحس العام المشترك، عندما يزعم أن الأنسجة تنتج المظهر الساخن، أو البارد، وتؤثر على الإحساس باللون. وقد أورد ديموقريطوس قائمةً من الأمثلةِ التي تعتمد على ارتباطات مبنيَّةٍ، على الحس العام المشترك أو الخبرة السردية؛ في محاولة منه لإكسابها صفة الإقناع. وهو يقول مثلاً، إن الحرارة تولدها الذرات كرويةُ الشكل؛ لأنها تتحرك بسلاسةٍ؛ وهو هنا يطبق الحس العام المشترك بربط الحركة السريعة مع التسخين. أما الذرات الخشنة المرتبطة بالمذاق المرّ فهي أيضًا تنتج الحرارة، وهنا تطبيق للربط بين الحرارة والاحتكاك. وعليه فإن الخصائص الأساسية المحددة للذرات – الشكل الانسيابي أو الخشن- ليست هي التي تفسر بذلك، بقدر ما تفسره حركة الذرات.

 وجه أرسطو بعض الانتقادات لديموقريطوس على خلفية ادعاء الأخير بأن الإحساسات البصرية والسمعية والشمية والذوقية، إنما تنتج جميعًا عن اللمس (DK 68A119). ومن غير الواضح كيفية تأثير ذلك على الإدراك؛ لأن المصادر لا تروي لنا سوى القليل حول الكيفية التي كان يعتقد بأن اللمس يعمل بها. من جهة أخرى، فإن ديموقريطوس يبدو أنه لا يميز بين اللمس والاتصال، ومن المحتمل أنه لم يجد تعارضًا في أن الأجسام تعبر عن أحجامها وأشكالها، وطبيعة سطوحها من خلال التأثير الفيزيائي.

  1. الروح وطبيعة الكائنات الحية

على غرار النظريات القديمة الأخرى، حول الكائنات الحية، يبدو أن ديموقريطوس كان يستخدم مصطلح psyche أو “الروح” للإشارة إلى الصفة المميزة للكائنات الحية، والتي تنسب إليها قدرة تلك الكائنات على ممارسة وظائفها الحياتية. ووفقًا لأرسطو، فإن ديموقريطوس كان يرى أن الروح تتكون من نوع واحد من الذرات، وهو الذرات النارية. من المحتمل أن يعود السبب في ذلك إلى ربط الحياة بالحرارة؛ ولأن الذرات النارية الكروية متحركة بطبيعتها. وهذا يتسق مع القول بأن الروح هي التي تسبب الحركة. كما يبدو أن ديموقريطوس كان يرى أن التفكير ناتجٌ عن الحركات الفيزيائية للذرات أيضًا. ويرى البعض في هذا، دليلًا على أن ديموقريطوس، كان ينكر استمرارية روح الفرد بعد الموت، إلا أنه لا يوجد في المصادر القديمة إجماعٌ على ذلك.

واجهت النظريات المادية حول الحياة، صعوبة تتمثل في تفسير الوجود، وإعادة الإنتاج المنتظمة لأشكال متكيِّفَةٍ وظيفيًّا في العالم الطبيعي. على الرغم من أن أصحاب النظرية الذرية نجحوا إلى درجةٍ كبيرةٍ، في تقديم حجج مقنعة بأن الثنائية البسيطة من الذرات والفراغ، مع وصف محدود جدًا لخصائص الأخير، يمكن أن تفسر نطاقًا واسعًا من الفوارق في الأجسام داخل العالم المحسوس، وكذلك أن عددًا من المؤثرات التي يبدو عليها الانتظام، يمكن أن تظهر كناتج ثانويٍّ للتصادمات غير المنتظمة بين الذرات. أما التنظيم الوظيفيُّ الموجودُ في العضويات؛ فإن تفسيره أصعبُ بكثيرٍ.

 ويبدو أن ديموقريطوس كان يتبنى وجهةَ نظرٍ حول التكاثر، مفادها أن جميع أجزاء الجسم تسهم في البذرة التي ينمو منها الحيوان الجديد، وأن البذرة ينتجها الوالدان (DK 68A141; 143). ويظهر أن النظرية تفترض مسبقًا، أن البذرة تحتوي على مادةٍ معينة من كل عضو في الجسم، وهي التي تكون مسؤولة عن نمو كل عضو في الجسم الجديد. وتورث سماتِ الوالدين عندما تسود مساهمة أحدها في تزويد العضو ذي الصلة. يتحدد جنس المولود وفقًا للبذرة التي تسود في المادة الواردة من الأعضاء التناسلية. لا يُعَدُّ وجودُ جنسٍ معيَّنٍ أبديًّا في العالم الذري. وعلى غرار بعض النصوص القديمة في النظرية الذرية، أكد ديموقريطوس أن البشر نشأوا من الأرض(DK 68A139) دون أن توفر المصادر كثيرًا من التفاصيل حول ذلك.

  1. نظرية المعرفة

ينسب أحد المصادر إلى ديموقريطوس وليوكيوبوس الرأي القائل، بأن التفكير والإحساس، إنما ينتجان عن الصور التي تسقط على الجسم من الخارج، وأن التفكير يعتمد على الصور بقدر ما يعتمد الإدراك عليها (DK 67A30). ويوصف التفكير والإدراك كذلك بأنهما تغيرات في الجسم. ويظهر أن ديموقريطوس كان يدرك أن رأيه هذا سوف يؤدي لنشوء مشكلة معرفية؛ إذ يترتب عليه أن معرفتنا بالعالم مأخوذةٌ من تجربتنا الحسية، غير أن الحواس أنفسها ليست على تماس مباشر مع طبيعة الأشياء؛ ما يدع مجالًا للإغفال أو الخطأ. ثمة نص شهير يمثل فيما يبدو ردًّا على هذا التفكير الشكاك، من خلال اتهام العقل بإسقاط الحواس بالرغم من كونها وسيلته الوحيدة للوصول إلى الحقيقة (DK68B125).  وتتحدث نصوص أخرى عن الفجوة بين ما نستطيع أن ندركه، وبين ما هو موجود حقيقة (DK 68B6-10; 117). من جهة أخرى، فإن الذرات غيرُ قابلةٍ للإدراك بذاتها، وبالتالي فإن معرفتنا بخصائصها مبنيَّة دائمًا على التشبيه بأشياء موجودة في العالم المرئيّ. وفضلا عن ذلك، فإن الحواس تخبرنا بخصائص لا تملكها الذرات، مثل اللون والمذاق. وعليه فإن احتمالية الشك في معرفتنا بالعالم الخارجيّ تغدو كبيرةً.

 وقد عمد بعض الفلاسفة اللاحقين إلى تعديل عبارة “ليس أكثر” التي أطلقها ديموقريطوس في سياق المجادلة، بأن شيئا يبدو عليه أنه “P” و”ليس P” هو ليس أكثر “P” منه “ليس P”. وقد استخدمت العبارات من هذا القبيل لأغراض التشكيك، حيث تشير إلى تعارض الأدلة التي تقدمها الحواس؛ بهدف إثارة الشك في معرفتنا بالعالم (de Lacy 1958). ولا يبدو أن ديموقريطوس كان يسعى إلى تثبيت منهجية في الشك، وذلك بالرغم من أنه أبدى بعض المخاوف حول أساس المعرفة التي نملكها.

استخدم ديموقريطوس الحجة بأن معرفتنا مبنيَّةٌ على إدراكنا للصور من خارج أجسامنا، في معرض مناقشته للآلهة، حيث من الواضح أن معرفتنا بالآلهة تأتي من شرائح ضخمة من الذرات، التي تملك خصائص ننسبها للآلهة، لكن ديموقريطوس ينفي صفة الخلود عنها. يرى بعض الباحثين أن هذا يمثل هجومًا مبكرًا على علم اللاهوت التقليدي، واتهامًا له بأنه مبنيٌّ على الصور فحسب (Barnes 1982, pp. 456–61)، بينما يفترض آخرون أن النظرية تؤكد أن هذه الشرائح، هي في الحقيقة كائناتٌ حيّة (Taylor 1999a, pp. 211–6). على الرغم من أن النظرية الذرية صُنِّفت ضمن الفكر الوثني فيما بعد، ليس من الواضح إن كان ديموقريطوس نفسه يتفق مع ذلك.

  1. عدم القابلية للتجزئة والرياضيات

يبدو أن أسباب افتراض وجود أحجام غير قابلة للتجزئة، ترتبط بالمسائل التي طرحها زينون الإيلي. تتعلق بعض تناقضات زينون، بصعوبة عبور حجم محددٍ، إذا ما كان يدرك على أنه قابلٌ للتقسيم إلى ما لا نهاية، أي يتكون من عدد لا نهائيٍّ من الأجزاء. سعى أصحاب النظرية الذرية إلى تفادي هذه التناقضات؛ وافترضوا وجود حد لقابلية التجزئة.

لكن تبقى الكيفية التي تنقسم بها الذرات غير واضحة، وكذلك مدى العلاقة بين الحاجة لأصغر الأحجام، والزعم بأن الذرات غير قابلة للتجزئة. يقترح فيورلي أن أصحاب النظرية الذرية، ربما لم يكونوا يفرّقون بين عدم قابلية التجزئة الفيزيائية، وعدم قابلية التجزئة النظرية للذرات (Furley 1967, p. 94). يبدو أن عدم قابلية التجزئة الفيزيائية للذرات، مستقلة عن الزعم بعدم قابلية تجزئة الأحجام، بما أن صلابة الذرات – حقيقة عدم وجود فراغ داخلها- يقال إنها سبب عدم قابليتها للتجزئة. ومن المفترض أن وجود فراغ في المسافة بين الذرات، هو السبب الذي يمنع تجزئتها، بل إن فيلوبونوس اقترح في وقت لاحق أن الذرات لا يمكن أن تتلامس فيما بينها؛ إلا إذا اتصلت ببعضها (DK 67A7). وسواء أكان ديموقريوطس نفسه قد توصل إلى هذه النتيجة أم لا، يبدو أن الذرات كان تعد غير قابلة للتجزئة مهما كان حجمها. وهذا لا يمنع افتراض وجود حجم متناهي الصغر للذرات، ويُعتقد أن هذا يكفي لتفادي تناقضات عدم التجزئة اللانهائية.

تُنسب إلى أرسطو حجة تسمى “الاختزال إلى المستحيل” ومفادها أن أصحاب النظرية الذرية انطلقوا من الافتراض بأنه إذا كان الحجم قابلًا للتجزئة بلا نهاية، فلا شيء يمنع من انقسامه بالفعل في كل نقطة. يسأل أصحاب النظرية الذرية حينئذٍ عما سيبقى: إذا كان الجواب هو بعض الجزيئات الممتدة مثل الغبار، فإن التجزئة المفترضة لم تكتمل بعد. وإذا كان الجواب لا شيء أو عددًا من النقاط، فإن السؤال المطروح هو كيف يمكن لحجم ممتدٍّ، أن يتألف مما لا يوجد له امتداد (DK 68A48b, 123).

يقال أيضًا، إن ديموقريطوس له مساهمات في الرياضيات، وأنه وضع مسألة حول طبيعة المخروط. يقول ديموقريطوس إن المخروط إذا ما قُصت منه شريحة بالتوازي مع قاعدته؛ فإن الوجهين الناتجين إما أن يكون حجمهما متماثلًا أو مختلفًا. إذا كان حجمهما متماثلاً فإن المخروط سيبدو أنه اسطوانة؛ أما إذا اختلف الحجمان فإن المخروط سيبدو كما لو كان سطحُه مدرجًا، وليس متواصلًا. ليس واضحًا في الرواية التي أوردها فلوطرخس كيف (أو إذا) استطاع ديموقريطوس أن يحل هذه المسألة، ولكن يبدو أنه كان على علمٍ تامٍّ بالأسئلة حول العلاقة بين النظرية الذرية، بوصفها نظرية فيزيائية، وبين طبيعة الأجسام الرياضية.

  1. الأخلاق

تنطوي الروايات حول آراء ديموقريطوس الأخلاقية، على عدد من المسائل التفسيرية، ومنها صعوبة تحديد الشذرات التي يمكن أن تنسب إلى ديموقريطوس نفسه (انظر القسم 1 أعلاه). على النقيض من الأدلة على نظرياته الفيزيائية، الكثير من الشذرات الأخلاقية التي وصلتنا هي مجرد سرد لمقولات من دون سياق، وليست مناقشة فلسفية نقدية لآراء النظرية الذرية. الكثير من هذه المقولات تعبر عن بديهيات الحس العام المشترك، ومن الممكن توظيفها في سياقاتٍ فلسفية مختلفة تماماً. وعليه، بالرغم من العدد الكبير من المقولات الأخلاقية، من الصعب تشكيل رواية متماسكة حول آرائه الأخلاقية. يشير أناس إلى الشخصية السقراطية لبعض المقولات، وهو يرى أن هناك موضوعًا متكررًا، يتمثل في دور ذكاء الفرد في سعادته (Annas 2002). تحتوي المقولات على بعض المكونات التي يمكن القول بأنها، مقدمات للآراء الأخلاقية الأكثر تطورًا والتي قدمها أبيقور (Warren 2002).

 وهناك جدل قائم حول إمكانية العثور على أي صلة مفاهيميّة، بين الفيزياء الذرية والالتزامات الأخلاقية المنسوبة إلى ديموقريطوس. ذكر فلاستوس أن عددًا من سمات الأخلاق الطبيعية عند ديموقريطوس، يمكن تتبعُها وصولًا إلى وصفه الماديّ للروح، ورفضه لوجود قوة خارقة تتحكم بالأخلاق (Vlastos 1975). أما تيلور فهو أكثر تشككًا؛ فيما يتعلق بقوة الصلة بين آراء ديموقريطوس الأخلاقية وفيزيائه النظرية (Taylor 1999a, pp. 232–4).

 وتذكر الروايات أن ديموقريطوس كان ملتزمًا بشكل من أشكال مذهب اللذة، حيث الخير هو حالة ذهنية داخلية، وليس خارجًا عن الذهن. وللخير وفق هذا المذهب أسماء متعددة، منها السرور، ومنها ما يتعلق بالغياب مثل غياب الخوف. تشير بعض الشذرات إلى أن الاعتدال والوعي، في سعي الفرد إلى اللذة؛ يعودان عليه بالمنفعة، وتركز شذرات أخرى على الحاجة للتحرر من الاعتماد على الحظ من خلال التحكم بالشهوة. كما تركز عدة نصوص على قدرة الإنسان على التصرف بطبيعته من خلال التعليم والفن، وعلى مفهوم التوازن والاعتدال، الذي مفاده أن الأخلاق تُدرك على أنها فن معالجة بالروح، مثلما يعالج الدواء الجسم (Vlastos 1975, pp. 386–94). وتحتوي نصوصٌ أخرى على مناقشة المجتمع السياسيّ وترى وجود نزعة طبيعية لتشكيل المجتمعات.

  1. علم الإنسانيات

بالرغم من عدم وجود أدلة كافية، من المحتمل أن ديموقريطوس هو أول من أسَّس نظرية قديمة حول التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية. على النقيض من رؤية هسيودوس بأن البشر شهدوا في الماضي، عصرًا ذهبيًّا، وأن الحاضر يشهد تراجعًا عنه، من المحتمل أن الرؤية المعاكسة نشأت عندما اقترح ديموقريطوس أن الحياة الإنسانية، كانت في البداية شبيهة بحياة الحيوانات. وقد وصف التطور التدريجيَّ للمجتمعات الإنسانية، لأغراض العون المشترك، وأصل اللغة، والحرف والزراعة. لا يحتوي النص المذكور على أي ذكر لاسم ديموقريطوس، لكن المرجح أنه هو صاحبه (Cole 1967; Cartledge 1997).

وإذا ثبت أن ديموقريطوس هو مصدر هذه النظرية؛ فذلك يشير إلى أنه كان يتعامل بجديةٍ مع الحاجة إلى مراعاة أصل جميع جوانب العالم الذي نعايشه. لا يمكن اعتبار المؤسسات الإنسانية خصائص دائمة، أو عطايا إلهية. تشير التفسيرات المقدمة إلى أن الثقافة الإنسانية، تطورت للتعامل مع الضرورات والصعوبات المحيطة بنا في البيئة. ويرى البعض أن الحجم اللانهائيَّ للكون في النظرية الذرية، وبالتالي العدد اللانهائي من التوافيق والترتيبات التي يمكن أن تحدث بالمصادفة، مهم جدًا؛ في تطور سرديةٍ يمكن أن تظهر كيفية نشأة المؤسسات الإنسانية، دون أن تنسب إلى أصول غائية أو إلهية (Cole 1967). وبالرغم من غياب الأدلة القوية هنا أيضًا – كما هي الحال مع أسئلة سابقة-؛ فمن المحتمل أن يكون ديموقريطوس قد وضع تفسيرًا متينًا، ومتماسكًا لجزءٍ كبير من العالم الطبيعيِّ انطلاقًا من عدد صغير من الأساسيات.

للاستزادة حول كيفية تلقي النظرية الذرية وتاريخها، انظر المادة ذات الصلة حول النظرية الذرية القديمة.


المراجع

النصوص

النسخة البحثية القياسية للأدلة القديمة حول آراء الفلاسفة السابقين لسقراط هي أعمال ديل-كرانز (المشار إليها DK): H. Diels and W. Kranz, Die Fragmente der Vorsokratiker, 6th edition, Berlin: Weidmann, 1951. عرض أكثر شمولية للأدلة حول ديموقريطوس، والتعليق بالروسية: Solomon Luria, Demokrit, Leningrad, 1970. English translation and commentary (cited as Taylor 1999a): C.C.W. Taylor, The Atomists: Leucippus and Democritus. Fragments, A Text and Translation with Commentary, Toronto: University of Toronto Press, 1999a.: Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers انظر أيضاً التقرير حول ديموقريطوس في (Loeb Classical Library), R.D. Hicks (trans.), Cambridge, MA: Harvard University Press, 1925, book 9.34–49.

نظرات عامة

  • Barnes, Jonathan, 1982, The Presocratic Philosophers, rev. ed., London and New York: Routledge.
  • Cartledge, Paul, 1997, Democritus (The Great Philosophers), London: Routledge.
  • Curd, Patricia, 1998, The Legacy of Parmenides: Eleatic Monism and Later Presocratic Thought, Princeton: Princeton University Press.
  • Furley, David J., 1987, The Greek Cosmologists vol 1: The Formation of the Atomic Theory and its Earliest Critics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kirk, G.S., J.E. Raven and Malcolm Schofield, 1957, The Presocratic Philosophers, second edition, Cambridge: Cambridge University Press.
  • McKirahan, Jr., Richard D., 1994, Philosophy Before Socrates: An Introduction with Texts and Commentary, Indianapolis: Hackett.
  • Taylor, C.C.W., 1999b, ‘The atomists,’ in A.A. Long (ed.), The Cambridge Companion to Early Greek Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 181–204.

مراجع ثانوية

  • Annas, Julia, 2002, ‘Democritus and Eudaimonism,’ in V. Caston and D. Graham (eds.), Presocratic Philosophy: Essays in Honour of Alexander Mourelatos, London: Ashgate, pp. 169–82.
  • Baldes, Richard W., 1975, ‘Democritus on Visual Perception: Two Theories or One?,’ Phronesis, 20: 93–105.
  • Balme, David, 1941, ‘Greek Science and Mechanism II. The Atomists,’ Classical Quarterly, 35: 23–8.
  • Benakis, Linos G. (ed.)., 1984, Proceedings of the Ist International Congress on Democritus, Xanthi.
  •  Berryman, Sylvia, 2002, ‘Democritus and the explanatory power of the void,’ in V. Caston and D. Graham (eds.), Presocratic Philosophy: Essays in Honour of Alexander Mourelatos, London: Ashgate.
  • Cherniss, Harold, 1935, Aristotle’s Criticism of Presocratic Philosophy, Baltimore: Johns Hopkins Press.
  • Cole, Thomas, 1967, Democritus and the Sources of Greek Anthropology, Cleveland: Western Reserve University Press.
  • de Lacy, Phillip, 1958, ‘Ou mallon and the Antecedents of Ancient Scepticism,’ Phronesis, 3: 59–71.
  • Edmunds, Lowell, 1972, ‘Necessity, Chance, and Freedom in the Early Atomists,’ Phoenix, 26: 342-57
  • Furley, David J., 1967, Two Studies in the Greek Atomists, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1989, Cosmic Problems: Essays on Greek and Roman Philosophy of Nature, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 1993, ‘Democritus and Epicurus on Sensible Qualities,’ in J. Brunschwig and M.C. Nussbaum (eds.), Passions and Perceptions, Cambridge: Cambridge University Press, pp. 72–94.
  • Ganson, Todd, 1999, ‘Democritus against Reducing Sensible Qualities,’ Ancient Philosophy, 19: 201–15.
  • Hankinson, R.J., 1998, Cause and Explanation in Ancient Greek Thought, Oxford: Oxford University Press.
  • Hasper, Pieter Sjoerd, 2006, ‘Aristotle’s Diagnosis of Atomism,’ Apeiron, 39: 121–55.
  • Hirsch, Ulrike, 1990, ‘War Demokrits Weltbild mechanistisch und antiteleologisch?’ Phronesis, 35: 225–44.
  • Lee, Mi-Kyoung, 2005, Epistemology After Protagoras: Responses to Relativism in Plato, Aristotle. and Democritus, Oxford: Oxford University Press.
  • McDiarmid, J.B., 1958, ‘Phantoms in Democritean Terminology: ΠΕΡΙΠΑΛΑΞΙΣ and ΠΕΡΙΠΑΛΑΣΣΕΣΘΑΙ,’ Hermes, 86 (3): 291–8.
  • Mourelatos, Alexander P.D., 2004, ‘Intrinsic and Relational Properties of Atoms in the Democritean Ontology,’ in Ricardo Salles (ed.), Metaphysics, Soul, and Ethics: Themes from the work of Richard Sorabji, Oxford: Clarendon Press, pp. 39–63.
  • O’Brien, Denis, 1981, Democritus, weight and size: an exercise in the reconstruction of early Greek philosophy, Theories of Weight in the Ancient World (Volume 1), Leiden: Brill.
  • O’Keefe, Timothy, 1996, ‘Does Epicurus Need the Swerve as an archê of Collisions?,’ Phronesis, 41: 305–17.
  • –––, 1997, ‘The Ontological Status of Sensible Qualities for Democritus and Epicurus,’ Ancient Philosophy, 17: 119–34.
  • Osborne, Catherine, 2004, Presocratic Philosophy: A Very Short Introduction, Oxford: Oxford University Press.
  • Pasnau, Robert, 2007, ‘Democritus and Secondary Qualities,’ Archiv für Geschichte der Philosophie, 89: 99–121.
  • Schofield, Malcolm, 2002, ‘Leucippus, Democritus and the ou mallon Principle: An Examination of Theophrastus Phys. Op. Fr. 8,’ Phronesis, 47(3): 253–63.
  • Sedley, David, 1982, ‘Two Conceptions of Vacuum,’ Phronesis, 27: 175–93.
  • Sedley, David, 2008, ‘Atomism’s Eleatic Roots,’ in Patricia Curd and Daniel W. Graham (eds.), The Oxford Handbook of Presocratic Philosophy, Oxford: Oxford University Press, 305–332.
  • Sorabji, Richard, 1983, Time, Creation and the Continuum, London: Duckworth.
  • Taylor, C.C.W., 2007, ‘Nomos and Phusis in Democritus and Plato,’ Social Philosophy and Policy, 24 (2): 1–20.
  • Vlastos, G., 1975, ‘Ethics and physics in Democritus,’ in D.J. Furley and R.E. Allen (eds.), Studies in Presocratic Philosophy (Volume 2: Eleatics and Pluralists), London: Routledge and Kegan Paul, pp. 381–408.
  • Wardy, Robert, 1988, ‘Eleatic Pluralism,’ Archiv für Geschichte der Philosophie, 70: 125–46.
  • Warren, James, 2002, Epicurus and Democritean Ethics: An Archaeology of Ataraxia, Cambridge: Cambridge University Press.

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

مواضيع ذات صلة

atomism: ancient | doxography of ancient philosophy | Epicurus | Leucippus | Lucretius | Melissus |Parmenides | Zeno of Elea | Zeno of Elea: Zeno’s paradoxes

Acknowledgments

I wish to thank the ancient philosophy editor John Cooper, A.P.D. Mourelatos and Tim O’Keefe for helpful comments and suggestions.

[1] Berryman, Sylvia, “Democritus”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2016/entries/democritus/>.

error: