الداروينية – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: رامي رأفت، مراجعة: محمد الرشودي، تحرير: أروى الفهد


مدخل فلسفي شامل حول داروين، والداروينية، والانتقاء الطبيعي في نظرية التطور، وإشكالاتها؛ نص مترجم لد. جيمس لينوكس، ومنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.

ملاحظة: توجد حواش مهمة للمؤلف والمترجم من أجل استيعاب أكثر وفهم أعمق.


تعيّن الداروينية شكلاً مميزًا من التفسير التطوريّ لتاريخ وتنوع الحياة على الأرض، وردت صيغته الأصلية في الطبعة الأولى من كتاب «أصل الأنواع On the Origin of Species» في عام 1859. يصوغ هذا المدخل أولاً «داروينية داروين» من حيث خمسة موضوعات فلسفيّة مميزة:

 

1: الاحتمال والصدفة،

2: طبيعة الانتقاء وقوته ونطاقه،

3: التكيف والغائية،

4: الاسمية مقابل «الجوهرية/الماهوية» حول الأنواع،

5: طريقة التغيير التطوري وإيقاعه.

 

أدرك كلٌّ من داروين ونُقّاده أن نهجه في التطور كان مميزًا في كلٍّ من هذه الموضوعات، وما يزال صحيحًا، على الرغم من أن الداروينية قد تطورت بطرق عديدة لم يتوقعها داروين، إلا أن مؤيديها ونقّادها يواصلون تمييزها عن المناهج الأخرى في علم الأحياء التطوري بواسطة التركيز على هذه الثيمات. قد وضِّحَت هذه النقطة في النصف الثاني من هذا المدخل بالنظر في المناقشات الحالية في فلسفة علم الأحياء التطوري حول هذه الموضوعات الخمسة.

 

 

  1. المقدمة

  2. داروين والداروينية

1.2 حياة داروين

2.2 داروينية داروين

3.2 المشاكل الفلسفية مع داروينية داروين

1.3.2 الاحتمالية والصدفة

2.3.2 طبيعة الانتقاء وقوته ونطاقه

3.3.2 الانتقاء والتكيف والغائية

4.3.2 الاسمية والجوهرية او الماهوية

2.3.5 طريقة التغيير التطوري وإيقاعه

  1. خمس مشاكل فلسفية جوهرية اليوم

1.3 دور الفرصة في نظرية التطور

3.2 طبيعة الانتقاء، وقوته، ونطاقه

3.3 الانتقاء والتكيف والغائية

4.3 الأنواع، ومفهوم (الأنواع)


 

1. المقدمة

إن النظريات العلمية كيانات تاريخية، يمكنك غالبًا تحديد الأفراد والوثائق الرئيسية التي تمثل مصادر النظريات الجديدة – مثل أوراق آينشتاين عام 1905، وكوبرنيكوس 1539 «حول دوران الكواكب السماوية de revolutionibus»، و«أصل الأنواع» لداروين. في بعض الأحيان، لكن ليس دائمًا، تميل النظرية في اللغة الشعبية إلى تسميتها على اسم مؤلف هذه الوثائق الأساسية، كما هو الحال مع الداروينية.

لكن مثل كلّ كيان تاريخيّ، تخضع النظريات للتغيير عبر الزمن. في الواقع، قد تخضع النظرية العلمية لمثل هذه التغييرات المهمة بحيث أن النقطة الوحيدة للاستمرار في تسميتها على [حسب] مصدرها، هي تحديد نسبها وأصولها، [ولكن] هذا ليس هو الحال بالتأكيد مع الداروينية، كما قال جان جايون Jean Gayon:

العلاقة بين داروين والداروينية هي في نواحٍ معينة علاقة سببية، بمعنى أن داروين أثّر في المناقشات التي أتت من بعده. ولكن يوجد أيضًا شيء آخر: نوع من التشابه بين داروينية داروين والداروينية التاريخية. حيث يبدو الأمر كما لو أن مساهمة داروين قد قيّدت التطور المفاهيمي والتجريبي للبيولوجيا التطورية بعد ذلك.[i]

 

تحدد الداروينية مجموعة أساسية من المفاهيم والأسس والمبادئ المنهجية التي صاغها تشارلز داروين ابتداءً ودافع عنها، والتي ما تزال تُعرف بنهج معين في الأسئلة التطورية[ii]. سنحتاج إذن إلى أنْ نبدأ بـ داروينية داروين كما وردت في «أصل الأنواع» في عام 1859، حيث سنفحص هذه الموضوعات نفسها كما ناقشها علماء الأحياء التطوريون وفلاسفة البيولوجيا منذ بدايات التركيب الدارويني الجديد في الوقت الحاضر[iii].

لم يكن تشارلز داروين -كما نستخدم المصطلح اليوم- فيلسوفًا، على الرغم من أنه غالبًا ما كان يوصف به خلال حياته[iv]. ومع ذلك، بالنسبة لموسوعة الفلسفة، فإن المطلوب هو مناقشة تأثير الفلسفة في داروينية داروين، وتأثيرها في الموضوعات التي قد نعتبرها نحن و[داروين] -على حد سواء- فلسفية. نركز هنا على تأثير المناقشات الفلسفية حول طبيعة العلم خلال حياة داروين على البحث العلمي والتفكير والكتابة لداروين؛ وعلى أثر ذلك البحث والتفكير والكتابة على الفلسفة. ينبع التفرّغ للقيام بمثل هذه الاركيولوجيا الفلسفية من الاقتناع بأنه إذا كان لمفهوم الداروينية تطبيق مشروع اليوم، فإنه يرجع إلى مجموعة من المبادئ العلمية والفلسفية التي أوضحها داروين، والتي ما تزال مشتركة على نطاق عند من يسمون أنفسهم «الداروينيين» أو «الداروينيين الجدد».

 

2. داروين والداروينية

1.2 حياة داروين

ولد تشارلز داروين في 12 فبراير 1809 وتوفي في 18 أبريل 1882. كانت توجد تغيرات جذرية في ذلك الوقت في الثقافة البريطانية، كما وضعته حياة عائلته في خضم تلك التغييرات. لقد كان جده، إيراسموس داروين Erasmus Darwin، يعيش في غرب إنجلترا جنوب برمنغهام Birmingham، وكان طبيبًا ناجحًا ويحظى باحترام كبير. كان أيضًا راديكاليًا فلسفيًا، حيث دافع عن أفكار التنوير حول المساواة بين الإنسان والحرية، بما في ذلك حرية التفكير بحرية عن وجود الله، وحول الأصول الطبيعية لمخلوقات الأرض. كما كَتَبَ عددًا من الأعمال المشهورة جدًا في التاريخ الطبيعيّ، بعضها في أبيات شعرية/قصائد، حيث دافع فيها عن وجهات النظر حول التقدّم التي تضمنت تكهنات تطورية حول الترقيّ الصاعد للكائنات الحية من البدايات البدائية.

كان إيراسموس داروين من أوائل الأعضاء في مجموعة غير رسمية من المفكرين الأحرار، الذين أطلقوا على أنفسهم اسم المجتمع القمري (Lunar Society)[v]، اجتمعوا بانتظام في برمنغهام لمناقشة كلّ شيء، من أحدث الأفكار الفلسفية والعلمية، إلى أحدث التطورات في التكنولوجيا والصناعة. ضمت الجمعية جيمس وات James Watt وجوزيف بريسلي Joseph Priestly والجد الآخر لتشارلز داروين، جوشيا ويدجوود Josiah Wedgwood. لقد عاش ويدجوود، مثل إيراسموس داروين، في ستافوردشاير Staffordshire، وكان في طَور تطوير أعمال العائلة في صناعة الفخار، إلى مصدر قلق صناعي كبير من خلال تطبيق أفكار علمية وتكنولوجية جديدة لإنتاج «الخزف الصيني china». لقد كانت الميول الدينية للمجموعة «غير مطابقة او متوافقة»، فقد تضمنت عددًا من التوحديين[vi]، وهي طائفة يشير إيراسموس داروين إليها باسم «فِراش من الريش يلتقط المسيحي الساقط». نظر المحافظين في الكنيسة العليا إليهم بريبة، فقد روَّجوا في بريطانيا العظمى للأفكار الثورية الفلسفية والعلمية والسياسية التي تجتاح أوروبا والأمريكتين ترويجًا نشيطًا. حيث قضى معظمهم وقتًا طويلاً في استيعاب أفكار التنوير في إدنبرة واسكتلندا.

في ظل هذه الظروف، ليس من المستغرب أن يسير روبرت داروين Robert Darwin، والد تشارلز، على خطى والده ويصبح طبيبًا، كذلك انتهى به الأمر بالزواج من سوزانا ويدجوود Susannah Wedgwood، والدة تشارلز، حسب جميع التقارير من نسل يوشيا المفضل. حيث كانت تعمل سوزانا في السياسة والفلسفة، فقد عملت على تنظيم تعليم أطفالها في مدينة شروزبري Shrewsbury، هناك أقامت هي وروبرت. ولقد أرسلت أطفالها إلى مدرسة نهارية يديرها خادم توحيديّ، هو القس جورج كيس George Case، وهنا بدأ تشارلز تعليمه. لكن لسوء الحظ، توفيت سوزانا في عام 1817 عندما كان تشارلز في الثامنة من عمره فقط، فنقله والده بعد ذلك إلى مدرسة شروزبري، التي يديرها الدكتور صموئيل بتلر Dr. Samuel Butler، جد الروائي الذي يحمل نفس الاسم (والذي كَتَبَ أحيانًا هِجاء لكتاب داروين). صرح تشارلز في سيرته الذاتية التي كتبها لعائلته: «لا شيء أسوأ قط لتطور عقلي من مدرسة الدكتور بتلر»، وهروبه إلى الشارع، ومن ثم منزله كلما استطاع ذلك.

اعتنى إخوته الأكبر سنًا به جيدًا، تحت رقابة الدكتور اليقظة. وتشير الرسائل المبكرة إلى أنه وشقيقه إيراسموس كانا كيميائيين، هواة متحمسين، وبعد أن ذهب شقيقه إلى كامبريدج كانت رسائلهم غالبًا مليئة بالتجارب المحتملة، وترتيبات شراء المواد الكيميائية والمعدات لـ «مختبرهم»، وكانت رسائلهم مغمورة بمناقشات حول أحدث الاكتشافات. كان هذا شغفًا واضحًا لدرجة أن زملاءه في الفصل أطلقوا عليه لقب «جاز أو غاز GAS». وخلال فصل الصيف، ساعد والده في جولاته لمرضاه، وعندما كان عمره 16 عامًا أرسله والده وشقيقه إلى إدنبرة للحصول على أفضل تعليم طبيّ كان في بريطانيا العظمى يمكن الحصول عليه. احتاج إيراسموس إلى الانتقال من كامبريدج إلى كلية الطب المناسبة لإكمال تعليمه الطبي، وقد أُخرِجَ تشارلز الصغير من مدرسة شروزبري مبكرًا لمرافقة شقيقه إلى إدنبرة، ويبدو أنه كان مستعدًا لاتباع خطى والده وجده في الطب. وصل الشقيقان إلى إدنبرة في أكتوبر عام 1825. غادر إيراسموس بعد السنة الأولى، تاركًا شقيقه بمفرده خلال سنته الثانية في إدنبرة.

قرّر داروين سرًّا في وقتٍ مبكر أنه لا يستطيع ممارسة الطب، إلا أن ميوله الجادة بالفعل تجاه العلم تُعزّزت بشكل كبير في إدنبرة بواسطة بعض المحاضرات العلمية الرائعة في الكيمياء والجيولوجيا وعلم التشريح، بإشراف من الدكتور روبرت جرانت Robert Grant. عَرفَ جرانت بالتأكيد أن تشارلز الشاب هو حفيد إيراسموس داروين، فقد شرح جرانت الأفكار التطورية المستمدة من جان بابتيست لامارك Jean-Baptiste Lamarck، وجدّ تشارلز. إلا أن هبته الأساسية لتشارلز كانت تعريفه على تشريح اللافقاريات البحرية، واستخدام المجهر كأداة علمية، وكأداة مساعدة لتشريح الكائنات الصغيرة للغاية التي أُخرجت من خور فورث[vii]. كما انضم داروين إلى مجتمع إدنبرة العلمي، المجتمع البليني (Plinean society)[viii]، الذي كان جرانت عضوًا بارزًا فيه، وقدم [داروين] محاضرتين أعلن فيهما عن اكتشافات قام بها أثناء عمله مع جرانت. وقد كان هذا الاهتمام باللافقاريات البحرية هاجسًا مدى الحياة، وبلغ ذروته في مساهمته الهائلة المكونة من أربعة مجلدات في علم التشريح المقارن والنظاميات الأحفورية والحيوانية للبرنقيل[ix].

أخيرًا، نُقل نبأ كرهه للطب إلى والده، ثم التحق بكلية كريست Christ College، بجامعة كامبريدج، وذلك للحصول على درجة علمية في اللاهوت، والتي تخرج منها في يناير من عام 1831. وكما هو الحال مع مدرسة شروزبري وإدنبرة، مساره الرسمي من الدراسة كان له تأثير ضئيل جدًا فيه، ولكن أثناء وجوده في كامبريدج، أقام صداقة مع شابين يحاولان إجراء إصلاحات جادة في مناهج العلوم الطبيعية في كامبريدج، القس جون هينسلو John Henslow، المعلّم في علم النبات وعلم المعادن، والقس آدم سيدجويك Adam Sedgwick، وهو رائد مجتمع الجيولوجيين، الآخذ في التوسع بسرعة، وعضو فيه. عامل هينسلو وزوجته تلميذهم داروين كأنه ابنهم تقريبًا، ومن خلال هينسلو، قُدِّمَ  داروين للرجال الذين كانت أفكارهم محل نقاش حاليًا في الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي، بالإضافة إلى الرجال الذين ننظر إليهم على أنهم من أوائل من تبنوا الأسس التاريخية والفلسفية للعلم كنظام متميز، السير جون هيرشل Sir John Herschel والقس ويليام ويويل William Whewell. كما كتب في سيرته الذاتية:

خلال سنتي الأخيرة في كامبريدج، قرأت بعناية واهتمام عميق «السرد الشخصي Personal Narrative» لهومبولت Humboldt. أثار فيّ كتاب «مقدمة لـدراسة الفلسفة الطبيعية Introduction to the Study of Natural Philosophy»[x] للسير هيرشل Herschel حماسة شديدة لإضافة حتى أكثر الإسهامات تواضعًا إلى البنية النبيلة للعلوم الطبيعية. لم يؤثر فيّ كتاب واحد، أو أكثر من عشرة كتب أخرى، [قط] بقدر تأثير هذين الكتابين.

 

في القسم التالي سنناقش تأثير المُثل الفلسفية لهيرشل وتشارلز لايل على داروين.

ولتعزيز تدريبه العلمي، أخذ آدم سيدجويك لداروين في مناسبتين في جولات جيولوجية ممتدة في إنجلترا وويلز. بالإضافة إلى ذلك، طوّر داروين -ما بدأه كشغف هاوٍ غير محترف- وابن عمه ويليام داروين فوكس William Darwin Fox السابق له بعام في كامبريدج؛ جمع الحشرات في علم الحشرات الجاد.

 

2.2 داروينية داروين

شكل معلمو داروين في إدنبره وكامبريدج مواقفه الفلسفية ومسيرته العلمية تشكيلًا حاسمًا. لقد كان هينسلو هو الرابط الأخير لداروين في السلسلة المتصلة بالكابتن بروبرت فيتزروي Robert Fitzroy قائد سفينة إتش إم إس بيجل H. M. S. Beagle. سعى فيتزروي إلى رفيق نبيل يمكنه أيضًا جمع معلومات عن الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي خلال جولة مقترحة حول العالم. في الوقت نفسه كانت رسالة هينسلو إلى داروين، والتي سأله فيها عما إذا كان مهتمًا بالتوصية لهذا المنصب، وصلت إلى منزل داروين بـ (زامونت the Mount)، بينما كان تشارلز داروين يعمل في مسح جيولوجي لشمال ويلز مع آدم سيدجويك. لكن بعد التغلب على مقاومة والده، عُرض على داروين المنصب وقبله.

كان الجمْع بين المراقبة الميدانية الدقيقة، والجمع والتجريب، وتدوين الملاحظات، والقراءة والتفكير، خلال رحلة بيغل لمدة خمس سنوات، ما تحول عبر مقطع عرضي واسع للغاية لبيئات الأرض، هو ما حدد مسار [داروين] لبقية حياته. فقد قرأ خلال الرحلة «مبادئ الجيولوجيا Principles Of Geology» المنشور حديثًا لتشارلز لايل Charles Lyell، وأعاد قراءته، وهو عمل يقع في ثلاثة مجلدات توضح رؤية فلسفية لعلمٍ تاريخيّ تجريبيّ صارم، يتمحور حول خمس أفكار رئيسية:

  1. يبحث الجيولوجي في كلّ من التغيرات الحية وغير الحية التي حدثت خلال تاريخ الأرض.

  2. تتمثل مهامه الرئيسية في تطوير سجل دقيق وشامل لتلك التغييرات، وتغليف وتلخيص تلك المعرفة في قوانين عامة، والبحث عن أسبابها.

  3. يجب أن يقتصر هذا البحث على الأسباب التي يمكن دراستها تجريبيًا -تلك «قيد التشغيل الآن»، كما يضعها لايل في العنوان الفرعي في مبادئ الجيولوجيا.

  4. تشير السجلات أو «الآثار» لماضي الأرض إلى عملية مستمرة للـ«الإدخال» و«الانقراض» للأنواع، ومن مهمة الجيولوجي البحث عن أسباب هذه المدخلات والانقراضات، وفقًا لملاحظة الأفكار في نقطة 3، في الاعلى.

  5. المحاولة الجادة الوحيدة للقيام بذلك وفقًا لفكرة أن الأنواع قادرة على «تعديل غير محدد»، وهي محاولة جان بابتيست لامارك، وقد فشلت لأسباب منهجية. وبالتالي تدعم جميع الأدلة الرأي القائل بأن تنوع الأنواع محدود، وأن نوعًا ما لا يمكن تحويله إلى نوع آخر.

أثّرت هذه الرؤية في داروين بعمق، كما أقرّ عن طيب خاطر. بينما أصبح مقتنعًا بملاحظاته وقراءته أن السجل الأحفوري والتوزيع الحالي للأنواع يمكن أن يكونا فقط بسبب التحوّل التدريجي لنوع إلى آخر، فقد صمّم على صياغة نظرية ترقى إلى مبادئ لايل. لكن الحدث الحاسم الذي أقنعه بأن هذا هو عمل حياته كان على الأرجح خلال زيارة إلى كيب تاون Cape Town في جنوب إفريقيا خلال رحلة عودة بيغل إلى إنجلترا. كان هيرشل John FW Herschel في كيب تاون في مهمة للقيام بها لنصف الكرة الجنوبي كما فعل والده ويليام للشمال، أي لتطوير خريطة نجوم شاملة باستخدام التلسكوبات القوية الجديدة التي طورها والده وعمته. كما ذكرنا سابقًا، تأثر داروين بشدة بـ «الخطاب التمهيدي حول دراسة الفلسفة الطبيعية Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy» لهيرشل، وذلك عندما ظهر لأول مرة قبل عام من إبحاره في رحلة بيغل، وفي دفتر يومياته الخاصة أشار إلى اجتماعاته مع هيرشل خلال التوقف لمدة أسبوع في كيب تاون، في يونيو 1836، باعتبارها من بين الأحداث الأكثر عمقًا في الرحلة بأكملها. قبل خمسة أشهر فقط من لقاء داروين، كان هيرشل قد أنهى قراءة الإصدار الثاني من كتاب مبادئ البيولوجيا لـ لايل. كما أرسل إلى لايل رسالة طويلة مليئة بتعليقات بنّاءة مفصلة. تبدأ الرسالة بمدح لايل لمواجهة قضية «إدخال أنواع جديدة» -التي يسميها هيرشل «لغز الألغاز»- علميًا، وللدعوة إلى أننا نبحث عن «أسباب وسيطة» لشرح هذه «الإدخلات» – رمز للأسباب الطبيعية، على عكس «المعجزية»[xi]. اقتُبِسَ هذا الجزء من الرسالة لتشارلز باباج في «بريدجووتر Bridgewater Treatise»، التي نُشرت عام 1837 بينما كان داروين يكافح من أجل تطوير مثل هذه النظرية. عند قراءة اقتباس هيرشل في باباج، كتب داروين في دفاتر ملاحظاته الخاصة:

باباج (الطبعة الثانية صفحة 226)- يسمي هيرشل ظهور أنواع جديدة بـ لغز الألغاز. وله نص ضخم حول المشكلة.! ياه (Hurrah)- «أسباب وعلل وسيطة»).[xii]

 

لقد كان يدرك بوضوح أن هيرشل يقدم هنا تبريرًا فلسفيًا للمشروع الذي كان داروين يعمل عليه سرًا. وفي الفقرة الأولى من كتاب أصل الأنواع، ينظر داروين إلى الوراء إلى هذه الـ« Hurrah»، وينسب فكرة أن أصل الأنواع هو «لغز الألغاز» إلى «أحد أعظم فلاسفتنا»، دون ذكر هيرشل بالاسم. إن أول ذِكر لإمكانية إيجاد حلّ تطوريّ لهذه المشكلة هو في «دفاتر علم الطيور Ornithological Notebooks» الخاصة به، في مذكرة كتبها بعد وقت قصير من مغادرته كيب تاون[xiii].

كانت المهمة النظرية لداروين، في الوقت الذي فتح فيه دفاتر الأنواع الخاصة به، واضحة بشكل مقبول: حيث إنَّ العملية الوحيدة التي يمكن أن تنتج الأنماط المنهجية في سجل الحفريات، والتوزيع الجغرافي الحيوي الغريب للأنواع التي فهمها الآن على نطاق واسع وعميق، قد كانت عمليةً بطيئة، وتحوّلًا تدريجيًّا للأنواع. لذا احتاج إلى التوصل إلى نظرية سببية طبيعية، من شأنها أن تفسر مثل هذه التحولات، وكان على كلّ عنصر من عناصر هذه النظرية تحديد «الأسباب قيد التشغيل الآن»، وهي الأسباب التي يمكن التحقيق فيها تجريبيًا. وقد كانت المشكلة والقيود المنهجية كان قد أيدها بطله الجيولوجي -والآن صديقه المقرب- تشارلز لايل. وقد دافع عنها فلسفيًا -بطله الفلسفي- السير جون هيرشل.

توقع داروين، بالطبع، ردود أفعال غاضبة من زملائه المحافظين دينيًّا، مثل مُدرس الجيولوجيا القديم سيدجويك، الذي عبّر في مراجعة عن «نفوره العميق من النظرية. بسبب كونها مادية متوغلة وغير متزعزعة؛ لأنها تخلت عن المسار الاستقرائي، المسار الوحيد الذي يؤدي إلى الحقيقة العضوية؛ ولأنها تتنصل تمامًا من الأسباب النهائية، وبالتالي [باقي الأقتباس موضع شك] تشير إلى فهم محبط من جانبها مناصريه». ما لم يكن يتوقعه [داروين] هو رفض لايل الإقرار نظريته علانيةً، ورفض هيرشل الحاسم (وإن كان مهذبًا) لعناصرها الأساسية. لذا بعد أن وضعنا النظرية في شكلها الدارويني، يمكننا النظر في ردود الفعل هذه من أولئك الذين شاركوا -على ما يبدو- معايير داروين الفلسفية حول النظرية العلمية والتفسير والتأكيد.

يمكن وضع النظرية كسلسلة من العناصر السببية التي، بالعمل معًا، ستنتج التحولات المطلوبة:

  • تتكون الأنواع من أفراد يختلفون اختلافًا طفيفًا عن بعضهم البعض، فيما يتعلق بسماتهم العديدة.

  • تميل الأنواع إلى الزيادة في الأعداد عبر الأجيال بمتوالية هندسية[xiv].

  • يُتحَقَّق من هذا الميل باستخدام لغة توماس مالتوس Thomas Malthus حول «مبدأ المجموعة On The Principle Of Population»، من خلال الموارد المحدودة، والمرض، والافتراس، وما إلى ذلك، مما يخلق صراعًا من أجل البقاء بين أعضاء النوع.

  • سيكون لدى بعض الأفراد اختلافات تمنحهم ميزة طفيفة في هذا الصراع، وتنوعات تسمح لهم للوصول لأكثر كفاءة أو أفضل إلى الموارد، ومقاومة أكبر للأمراض، ونجاح أكبر في تجنب الافتراس، وما إلى ذلك.

  • كما سوف يميل هؤلاء الأفراد إلى البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل، وتوالد المزيد من النسل.

  • يميل النسل إلى وراثة تنوع (أو تنوعات) آبائهم.

  • لذلك تميل الاختلافات المواتية إلى أن تُمَرَّر بشكل متكرر أكثر من غيرها، وبالتالي يُحافظ عليها، وهو اتجاه أطلق عليه داروين اسم «الانتقاء الطبيعي».

  • بمرور الوقت، خاصة في بيئة متغيرة ببطء، ستؤدي هذه العملية إلى تغيير طبيعة الأنواع.

  • بالنظر إلى فترة زمنية طويلة بما فيه الكفاية، ستختلف المجموعات المتحدرة من الأنواع عن الأسلاف، بما فيه الكفاية عن بعضها، وعن بعضها بعضا، لتُصنَّف على أنها أنواع مختلفة، وهي عملية قادرة على التكرار إلى أجل غير مسمى. توجد، بالإضافة إلى ذلك، قوى تشجع الاختلاف أو التنوع بين المجموعة المنحدرة، والقضاء على الأصناف الوسيطة.

سوف يُلاحظ أنه لا يوجد عنصر في هذه النظرية غير قادر على التحقق التجريبي – في الواقع، حتى الآن الدراسات التأكيدية المنشورة لهذه العملية تملأ مكتبة صغيرة[xv]. يمكن للمرء أن يفهم لم [هذه النظرية] مشكلة عند المسيحيين المتدينين والأرثوذكس؛ لكن لم [هي مشكلة] عند مُعلّمِي داروين الفلسفيين والعلميين؟ يبدو أنه نموذج الأرثوذكسية الهيرشليي/الـلايلي (نسبة لهيرشل ولايل).

 

3.2 المشاكل الفلسفية مع داروينية داروين

تكمن الإجابة في خمسة عناصر فلسفية مشكلة في النظرية.

 

1.3.2 الاحتمالية[xvi] والصدفة[xvii]

أولاً، لاحظ استخدام لغة «الميول أو النزعات» و«الترددات» في المبادئ المذكورة أعلاه. لقد علّم داروين بشكل خاص أن هيرشل قد أشار إلى نظريته على أنها «قانون مشوش»، على الأرجح إشارة إلى العنصر الكبير الذي يتم لعبه في مبادئه الأساسية عن طريق الصدفة والاحتمال. نظرية داروين، كما نقول اليوم، نظرية «إحصائية Statistical». لا يمكن للمرء أن يقول إنَّ لكلَّ فردٍ تباين إيجابي، سيبقى على قيد الحياة أو سيترك ذرية أكثر من الأفراد بدونه. ولا يمكن للمرء أن يقول إنه لا توجد بيئة تدّعم جميع النسل المنتج في جيلٍ معين، وبالتالي لابد من وجود صراع تنافسي على الدوام. تميل هذه هي الأشياء إلى الحدوث لأسبابٍ واضحة، وهذا يسمح لنا بعمل تنبؤات دقيقة حول الاتجاهات أو الميول أو التوجهات على مستوى المجتمعات، ولكن ليس لتقديم ادعاءات مطلقة حول ما يجب أن يحدث في كلّ حالة. اطمأن فلاسفة العلم إلى نظرية من هذا النوع بعد هيرشل فقط، وما يزال الفهم الفلسفي المناسب لمثل هذه التفسيرات محلَّ نقاش.

 

2.3.2 طبيعة الانتقاء وقوته ونطاقه

جوهر نظرية داروين هو مفهوم الانتقاء الطبيعي (أو الاصطفاء الطبيعي). يبدو أن هذا العنصر الأساسي في نظريته قد حير الجميع تقريبًا، وربما كان هذا بسبب استخدامه لمصطلح الانتقاء (selection). هل يمكن أن يكون -كما كان يتساءل لايل وهيرشل ومدافع داروين الأمريكيّ آسا جراي Asa Gray– وجود «سبب وسيط»، أي مبدأ سببي وضعه الله ودعمه؟ أم أنه، في صميم طبيعته، نقيض مثل هذا المبدأ، كما اعتقد مدرس الجيولوجيا القديم سيدجويك؟ هل يمكن أن تُخلق الأنواع، أم أنها، بطبيعتها، قوة سلبية، تقضي على ما خُلِقَ بالفعل بوسائل أخرى؟ في إحدى نسخه من أصل الأنواع، شَطَبَ ألفريد راسل والاس Alfred Russell Wallace «الانتقاء الطبيعي» وكتب بجواره عبارة «البقاء للأصلح survival of the fittest». لطالما شعر والاس أن «الانتقاء» يستورد بشكلٍ غير لائق مفاهيم مجسمة anthropomorphic للطبيعة، تختار عمدًا بين المتغيّرات في التاريخ الطبيعي. وفي مراجعة مخربة، وافق فليمنج جينكين Fleeming Jenkin بسعادة على مبدأ الانتقاء الطبيعي، لكنه تحدى قوتها في تعديل الأجداد أو الأسلاف إلى الأنواع المتحدرة المولودة، وبالتالي قصر نطاقه على إنتاج الأصناف. وقد تساءل عدد من المراجعين، حتى بعض المتعاطفين منهم، عن إمكانية توسيع النظرية لتفسير تطور تلك الخصائص التي تميز البشر عن أقرب أقربائهم.

 

3.3.2 الانتقاء والتكيف والغائية

علاوة على ذلك، نظرًا لأن داروين كان مولعًا جدًا بوصف الانتقاء الطبيعي بأنه عملية تعمل لصالح كلّ نوع، بدا أن لأتباع داروين آراء متعارضة تمامًا حول ما إذا كانت نظريته قد أزالت الأسباب النهائية من العلوم الطبيعية، أو بثت حياة جديدة فيها. في كلتا الحالتين، يوجد أيضًا خلاف خطير حول ما إذا كان هذا شيئًا جيدًا أم سيئًا[xviii].

 

4.3.2 الاسمية[xix] والجوهرية او الماهوية[xx]

توجد مشكلة فلسفية أساسية تتعلق بالفكرة القائلة بأن نوعًا ما يمكن أن يخضع لسلسلة من التغييرات التي ستجعله يصبح نوعًا آخر أو أكثر. لتوضيح ذلك، انظر بعناية إلى السؤال الأول الذي يرغب تشارلز لايل الإجابة عليه في المجلد الثاني من «مبادئ الجيولوجيا»:

… أولاً، ما إذا كان للأنواع وجود حقيقي ودائم في الطبيعة؛ أو ما إذا كانت قادرة -كما يدعي بعض علماء الطبيعة- على أن تُعدّل إلى أجل غير مسمى في سياق سلسلة طويلة من الأجيال[xxi].

 

يفترض لايل بوضوح أن السماح بالتطور يعني إنكار حقيقة الأنواع وواقعها. فلكي يكون النوع «حقيقيًا»، يجب أن يكون له «وجود دائم في الطبيعة»، أو كما قال في مكان آخر، «… حدود ثابتة، لا يمكن للأحفاد من الآباء العاديين تجاوز هذه الحدود مطلقًا، والانحراف عن النوع نفسه…»[xxii]. وفقًا لهذا الرأي، لقبول التغيير التطوري، يجب أن تشعر بالراحة تجاه مجموعة متنوعة من الاسمية حول الأنواع. ويبدو أن داروين أصبح كذلك[xxiii].

… ومن ثم فإنني أنظر إلى الفروق الفردية، على الرغم من أنها ذات أهمية صغيرة للمنظمين، حيث إنها ذات أهمية عالية بالنسبة لنا، باعتبارها الخطوة الأولى نحو مِثل هذه الأنواع الطفيفة، والتي بالكاد يُعتقد أنها تستحق التدوين في كتب التاريخ الطبيعي. وأنا أنظر إلى الأصناف الأكثر تميزًا واستمرارية في أي مرحلة، كخطوات تؤدي إلى أصناف أكثر تميزًا واستمرارية؛ وفي هذه الأخيرة، تؤدي إلى أنواع فرعية، ومن ثم الأنواع.[xxiv]

 

الثبات أو الاستمرار، كما هو مطبق على الأنواع، هو بالنسبة لداروين مفهوم نسبيّ، ولا توجد حدود ثابتة للتنوع داخل الأنواع. يمكن أن تؤدي الفروق الفردية الموجودة في جميع المجموعات -حال حصولها على الوقت الكافي- إلى ظهور أصناف أكثر ثباتًا واستقرارًا، ويريد مصنّفو (systematists) هذه الأنواع الفرعية، وهذه المجموعات، تصنيفها بأنها أنواع متميزة. علاوة على ذلك، يختتم كتاب «أصل الأنواع» بكلمات قوية جدًا حول هذا الموضوع، وهي كلمات لا بد أن تثير قلق القراء الفلاسفة:

سيتمكن المصنّفون (systematists) من متابعة أعمالهم، كما هو الحال الآن؛ لكن لن يطاردهم الشك الغامض باستمرار فيما إذا كان هذا الشكل أو ذاك في جوهره نوعًا ما…. باختصار، سيتعين علينا التعامل مع الأنواع بنفس الطريقة التي يعامل بها علماء الطبيعة، وهو «جنس الكائن»، الذين يعترفون بأن الأجناس هي مجرد توليفات اصطناعية مصنوعة من أجل الملاءمة. قد لا يكون هذا احتمالا مبهجًا، ولكن يجب علينا على الأقل أن نتحرر من البحث دون جدوى عن جوهر غير مكتشف وغير قابل للكشف لمصطلح الأنواع[xxv].

 

من المؤكد أن لايل، وهيرشل، وويويل، وسيدجويك، والعديد من معاصري داروين، لم يجدوا هذا احتمالًا مبهجًا؛ لأنهم كانوا أصوليين غير متأسفين بشأن الأنواع[xxvi]. يمتلك أعضاء أحد الأنواع «نوعًا» قد حُدِّدَ في الوالدين الأصليين، ويوفر هذا النوع «حدودًا ثابتة» للتنوع. من الواضح أن لايل شَعَرَ أن هذه حقيقة، ويمكن التحقق منها تجريبيًا، حيث معظم الفصول 2-4 من «مبادئ البيولوجيا»-المجلد الثاني، مكرسة لتقديم الدليل على وجود مثل هذه «الحدود الثابتة»؛ وبعد نشر «أصل الأنواع»، جُمِعَتْ هذه الأدلة مرة أخرى في مراجعة فليمينغ جينكين Fleeming Jenkin. فإذا كان الأمر كذلك، فمن السهل إذن تفسير انقراض الأنواع -فهناك حدود ثابتة لقدرة الأنواع على تتبع التغير البيئي. لكن التفسير الطبيعي لنشأة الأنواع أكثر صعوبة، حيث إنه سيلزم، في الأنواع التي تتكاثر جنسيًا، إنتاج طبيعي لزوج جديد من الآباء بنوع جديد. من ناحية أخرى، فإن تبني نوع الاسمية الذي يبدو أن داروين يدعو إليه في الاقتباسات أعلاه، له عواقب غير مرغوب فيها أيضًا. كيف يمكننا صياغة مبادئ موضوعية للتصنيف؟ ما نوع علم الحيوانات والنباتات الذي سيكون ممكنًا إذا لم توجد قوانين ثابتة تتعلق بطبيعتها، وبخصائصها، وسلوكياتها؟ قد خُصِّصَ قدرٌ كبير من الفصل الثاني من «أصل الأنواع» لداروين، لإقناع القارئ بأن أفضل الممارسات الحالية بين علماء النبات وعلماء الحيوان تقبل بعالم طبيعي منظم كما يصر، وليس كما يدعي خصومه:

يجب الاعتراف بأن العديد من الأشكال التي يعتبرها الخبراء ذوو الكفاءة العالية أصنافًا، لها طابع الأنواع تمامًا، لدرجة أن الخبراء الآخرين ذوي الكفاءة العالية يصنفونها بأنها أنواع جيدة وحقيقية[xxvii].

 

هذه نتيجة متوقعة – من منظور داروين- لحقيقة أن الكائنات الحية التي نرغب اليوم في تصنيفها كأنواع، هي مجرد المرحلة الأخيرة من عملية تطورية بطيئة وتدريجية. الكائنات الحية داخل الجنس لها أسلاف مشتركة، وربما أسلاف مشتركة حديثة نسبيًا. وقد يرى بعض علماء الطبيعة عشرة أنواع مع عدد قليل من الأصناف في كلّ منها. كما قد يصنف بعضهم الآخر بعض الأصناف كأنواع، ويقسّم نفس الجنس إلى عشرين نوعًا. يمكن إجراء كلا التصنيفين بأقصى قدرٍ من الموضوعية والعناية من قبل المراقبين المهرة. كما يحب المصنفون أن يقولوا، بعضُنا «بنّاءون lumpers»، وبعضنا الآخر «مقسّمون splitters». لكن الواقع ليس كذلك.

 

5.3.2 طريقة التغيير التطوري وإيقاعه

تشير مسألة الاسميّة مقابل الواقعية فيما يتعلق بالأنواع، إلى جانب أخير من نظرية داروين، التي اختلف معها العديد من المتعاطفين معه، وهو التدرج أو التدريجية Gradualism. لأنه بصرف النظر عما إذا كانت وجهات نظره تنطوي على «الاسمية» حول الأنواع الطبيعية، يبدو أنها تعكس اعتقادًا بأن العملية التطورية يجب أن تكون بطيئة وتدريجية. ربما هنا نرى التأثير الأكثر ديمومة لدراسة داروين الدقيقة لـ«مبادئ الجيولوجيا» لتشارلز لايل أثناء وجوده على ظهر السفينة بيغل. وأشدد بأن العملية التطورية بطيئة و تدريجية؛ لأنه من الواضح يمكن أن تكون العملية التطورية بطيئة، ولكن غير تدريجية، (ربما تكون الفترات الطويلة من الركود التطوري التي تتخللها فترات سريعة جيولوجيًا من الانتواع speciation التي افترضها «نموذج التوازن المتقطع» لإلدريدج وجوولد)؛ يمكن للعملية أيضّا أن تكون سريعةً ولكن تدريجية، (على سبيل المثال، العملية التي أطلق عليها جورج جايلورد سيمبسون George Gaylord Simpson تسمية «التشعب التكيفي adaptive radiation»، حيث تهاجر المجتماعات إلى مواقع بها مجموعة متنوعة من المنافذ غير المستغلة، ويتطورون بسرعة لاستغلال هذه المنافذ). يؤكد داروين مرارًا وتكرارًا أنه يتصور الانتقاء الطبيعي «إضافة اختلافات صغيرة للغاية»، كما يتخيل أن عملية الانتواع ستحدث على مدى لفترة طويلة جدًا من الزمن.

واحدة من أقوى الحجج للإصرار على أن «الداروينية»، كما تُستخدم اليوم، متشابهة مع داروينية داروين، كما يصفها جايون Gayon، هي أن كلّ من هذه الأسئلة ما تزال محل نقاش ساخن، وقد ظلَ طوال تاريخ النظرية. مع كلّ التغييرات المدهشة التي أحدثتها الثورات الجينية والكيميائية الحيوية والجزيئية، ومع تطوير النماذج الرياضية لعلم الوراثة السكانية وعلم البيئة، والتقنيات المتطورة لكل من التحقيق الميداني والمختبري للعمليات التطورية، والتحليل للتصنيفات الفرعية في علم التصنيف. ومع ذلك، يبقى صحيحًا أنه يمكن للمرء أن يجد علماء أحياء تطوريين يلتزمون بـ داروينية داروين، يعرفون أنفسهم [ويعرفهم] منتقديهم. في القسم التالي من هذه المقالة، سأعمل على تطوير صورة لـ الداروينية المعاصرة حول كلّ من هذه السمات المتنازع عليها.

وعلى نفس المنوال، تطورت الداروينية. كمثال على هذه الحقيقة، فكر للحظة في النقاشات المعاصرة حول طبيعة الانتقاء الطبيعي. فما تزال المشاكل التي واجهها الناس مع الانتقاء الطبيعي في القرن التاسع عشر تُعتبر إشكالية، ولكن توجد مجموعة متنوعة من المشكلات التي إما لم تُناقش أو نُوقشت بشكل مختلف تمامًا في القرن التاسع عشر. هل يستطيع الانتقاء الطبيعي أن يعمل على مستويات مختلفة عن مستوى تركيز داروين، الكائنات الحية الفردية؟ هل توجد طريقة غير فارغة لصياغة النظرية بشكل تجريدي؛ وكيف نفهم العلاقات بين مفاهيم الصلاحية والانتقاء والتكيف؟ ما مدى قوة القيود المفروضة على عملية الانتقاء، وما أنواع القيود الموجودة؟  هل هناك محركات أخرى للتغيير التطوري إلى جانب الانتقاء، وإذا كان الأمر كذلك، فما مدى أهميتها؟ على وجه الخصوص، ما مدى أهمية «الانحراف drift»، وكيف يمكننا تمييزه عن الانتقاء؟

 

3. خمس مشاكل فلسفية جوهرية اليوم

تحتاج النظريات إلى كلّ من الجواهر والتاريخ[xxviii].

هكذا يُقرأ عنوان القسم الأول من الفصل الأول من كتاب جولد الضخم «بنية النظرية التطورية The Structure of Evolutionary Theory». الافتتاحية تبدأ بقراءة دقيقة لتبادل الرسائل عام 1863، بين عالم الحفريات هيو فالكونر Hugh Falconer وتشارلز داروين، يشرح جولد في النهاية ما يدور في خلده من خلال عنوان هذا القسم:

باختصار، يجمع «بنية النظرية التطورية» يجمع ما يكفي من الاستقرار لتحقيق الاتساق، مع التغيير بما فيه الكفاية للحفاظ على أي عقل متحمس في وضع دائم من البحث والتحدي[xxix].

 

كان جولد معجبًا بلا خجل بتشارلز داروين، وكان أحد أكثر نقاد «الاصطناع الدارويني الجديد أو التوليف الدارويني الجديد». اُستخدم هنا كلاً من روايته لـ «جوهر الداروينية» في الجزء الأول من هذا التأليف، وحججه من أجل «نظرية التطور المنقحة والموسعة» في الجزء الثاني منها كمحطات وأهداف.

في القسم السابق من هذا المقال، نُظِّمَ النقاش حول المشكلات التي واجهها حلفاء داروين مع الداروينية، وذلك حول خمس قضايا:

 

  1. دور «الصدفة» كعامل في نظرية التطور، والطبيعة الاحتمالية الظاهرة للنظرية.

  2. طبيعة الانتقاء.

  3. مسألة ما إذا كانت تفسيرات الانتقاء/التكيف، غائية.

  4. الوضع الوجودي للأنواع، والحالة المعرفية لمفاهيم الأنواع.

  5. الآثار المترتبة على إصرار داروين على الطبيعة البطيئة والتدريجية للتغير التطوري.

 

يُزعم أن أحد الأسباب الوجيهة للاستمرار في وصف نهج واحد مهيمن في علم الأحياء التطوري، والذي يمثله ما يسمى بـ«الاصطناع الدارويني الجديد»، باسم «الداروينية»، أنَّ أنصارها يؤيدون داروين في هذه القضايا (وفي كثير من القضايا الأقل جوهرية إلى جانب ذلك). هذا في حد ذاته أمر رائع، لكنه أكثر من ذلك لأن الموقف الدارويني من كلّ من هذه القضايا، يقع تحت ضغط من علماء الأحياء التطورية غير الداروينيين اليوم، كما كان في أعقاب صدور «أصل الأنواع». لذلك ليس من المستغرب، بالنظر إلى الموقف كما وصفته للتو، أن المؤرخين والفلاسفة في علم الأحياء قد قدموا مساهمات كبيرة في المناقشة، لا سيما في الإشارة إلى القضايا الفلسفية الكامنة والالتباسات المفاهيمية والغموض التي تقف في طريق حل القضايا المطروحة وأصولها التاريخية.

إنني مقتنع بأن الفهم الكامل للخلافات الفلسفية الأساسية حول هذه الأسئلة لن يأتي إلا من دراسة تاريخية صبورة لكيفية ظهور المواقف «الاصطناعيّة» حول هذه القضايا المختلفة، ومواقف منتقديها. لا أستطيع القيام بهذا هنا. عوضًا من ذلك، سأفترض ببساطة فيما يلي إجابات معينة على هذه الأسئلة ذات الأصول التاريخية. تتضمن قائمة المراجع في نهاية هذا المقال عددًا من الأعمال الممتازة حول هذا الموضوع، لأولئك الذين يشاركوني قناعاتي حول أهميته.

 

1.3 دور الفرصة في نظرية التطور

تتضمن العملية التطورية، كما فهمها داروين؛ توليد الاختلافات (generation of variations)، وعملية إنتاج متباين مستمر وتفاضلي. إحدى الطرق البسيطة للتفكير في الداروينية فيما يتعلق بالمساحة المنطقية للبدائل، هي عن طريق شبكة التنويعات (variation grid) التالية:  

الاختلافات

 

الاستمرارية

تكاثر أو توليد

نزعة صلاحية

داروين

لامارك

آسا جراي

آسا جراي

نزعة غير صلاحية

لامارك

داروين

حيادية

حيادية

 

قد تقودك الشبكة أعلاه إلى استنتاج أن كلاً من النزعة غير الصلاحية لتوليد الاختلافات، والنزعة غير الصلاحية للاستمرارية المتباينة، ستُسمَّى بشكل صحيح «بالصدفة». من خلال معرفة سبب كون ذلك استنتاجًا مضللًا يمكن استخلاصه، نصل إلى قلب مشكلة مفهوم «الصدفة» في الداروينية المعاصرة.

لنبدأ باللغة التي استخدمها داروين عندما رسم نظريته لأول مرة في بداية الفصل الرابع من كتابه «أصل الأنواع»:

هل يمكن، إذن، أن يُعتقد أنه غير محتمل، نظرًا لأن الاختلافات المفيدة للإنسان قد حدثت بلا شك، وأن الاختلافات الأخرى المفيدة بطريقة ما، لكل كائن في معركة الحياة الكبرى والمعقدة، يجب أن تحدث أحيانًا على مدى آلاف الأجيال؟ إذا حدث هذا، فهل يمكننا الشك (مع تذكر أن عددًا كبيرًا من الأفراد يولدون، أكثر مما يمكنهم البقاء على قيد الحياة)، في أن الأفراد الذين يتمتعون بأي ميزة، مهما كانت طفيفة، على الآخرين، سيكون لديهم أفضل فرصة للبقاء على قيد الحياة وإنجاب نوعهم؟[xxx]

 

على عكس معاصري داروين، كان مؤسسو تركيب علم الوراثة المندلي ونظرية الانتقاء الداروينية، سيوال رايت Sewall Wright، ورونالد فيشر Ronald Fisher، وهالدين J. B. S. Haldane، متفقين تمامًا على نظرية الانتقاء التي صيغَت بمثل هذه المصطلحات. حول هذه المسألة، تتفق الداروينية المعاصرة تمامًا مع تشارلز داروين. لاحظ بيانًا واحدًا واضحًا لـ مبدأ الانتقاء الطبيعي من الأدبيات الفلسفية:

إذا أ تكيفت بشكل أفضل من ب مع بيئتهم المشتركة جـ، فعندئذ (على الأرجح) ستحقق أ نجاحًا إنجابيًا أكبر من ب في البيئة جـ.[xxxi]

 

تتداول النظرية على نطاق واسع في الاحتمالات. لنأخذ حالة بسيطة: إذا كانت هناك ثلاث مجموعات محتملة من الأليلات (جمع أليل) في موضع معين في مجتمع ما، فيمكننا وصف نتيجة دورة التكاثر بأنها «فرصة»، إذا حدثت كلّ من المجموعات الثلاثة الممكنة بتردد محدد، بدقة، بواسطة قوانين الاحتمال. في أي حالة من حالات التكاثر، يمكن أن نقول، ما هو النمط الجيني الذي ظهر هو مسألة «صدفة». بالنظر إلى حقيقة أن علماء الأحياء التطورية، لا سيما فيما يتعلق بقدرتهم على أخذ إشاراتهم من علم الوراثة السكانية، يتعاملون مع مجتمعات كبيرة يُنظر إليها على أنها «تجمّعات جينية’»، والتفكير في التطور على أنه تغييرات طويلة المدى في ترددات مجموعات مختلفة من الجينات من جيل إلى جيل. من الواضح، بهذا المعنى، أن الصدفة تتغلغل في الداروينية المعاصرة. توفر نماذج علم الأحياء السكانية وسيلة لتعيين الاحتمالات لنتائج مختلفة، مع إعطاء معلومات حول حجم السكان ومعدلات الطفرات والهجرة، (تُعطى نفسها كمتوسطات وتقديرات). وهذا يعني، كما يلاحظ داروين، أن التكيّف بشكل أفضل نسبيًا يزيد من «فرص» الكائن الحي، أي يزيد من «احتمالية» ترك ذرية قابلة للحياة. إنه لا يضمن ذلك. نظرًا لأن الانتقاء الطبيعي هو «عملية عشوائية»، فإن الداروينيين، من داروين حتى الوقت الحاضر، يصفونه بحق من حيث تأثيره في «فرص» نتيجة معينة، بالنظر إلى المتغيرات مثل ضغط الانتقاء أو حجم المجتمع أو معدلات الطفرات.

ينشأ الارتباك المفاهيمي، مع ذلك، من حقيقة أن «الصدفة» و«العشوائية» غالبًا ما يتناقضان، ليس مع النتائج «الحتمية» ولكن مع النتائج «المختارة». على سبيل المثال، عندما يصف جون بيتي John Beatty «الانحراف العشوائي»، بأنه تغيرات في ترددات الاختلافات بسبب الصدفة في المقطع التالي، فمن المفترض أن لديه شيئًا مثل التباين مع التغييرات في الترددات بسبب الاختيار في الاعتبار:

في مخطط داروين للأشياء، كان الاستدعاء، أو الإرجاع، وأحداث الصدفة، والانتقاء الطبيعي، مراحل متتالية، وليست بديلة للعملية التطورية. لم يكن يوجد سؤال حول أيهما أكثر أهمية في مرحلة معينة. ولكن الآن بعد أن أصبح لدينا مفهوم الانحراف العشوائي الذي سيحل محل الاختلاف العشوائي، فإننا نواجه مثل هذا السؤال. أي، بالنظر إلى التباين بالصدفة، هل التغييرات الإضافية في ترددات تلك التباينات مسألة صدفة، أو أنها بالأحرى مسألة انتقاء طبيعي؟[xxxii].

 

لاحظ أنه في الاقتباس أعلاه، نحصل أولاً على استبدال كلمة «عشوائي» بكلمة «فرصة» في عبارات «التباين العشوائي» و «تباين الصدفة»، ثم على الأقل اقتراح أن مفهوم «الانحراف العشوائي» يمكن وصفه بأنه «التغييرات في ترددات الاختلافات بسبب الصدفة»، حيث تتكون فئة التباين من تغييرات مماثلة بسبب الانتقاء الطبيعي.

فيما يتعلق ب توليد الاختلافات، يُفتتح الفصل الخامس من كتاب «أصل الأنواع» بالدفاع التالي:

لقد تحدثت أحيانًا حتى الآن كما لو أن الاختلافات – الشائعة جدًا، ومتعددة الأشكال، في الكائنات العضوية تحت التدجين، وبدرجة أقل في تلك الموجودة في الحالة الطبيعية – كانت بسبب الصدفة. هذا، بالطبع، تعبير غير صحيح تمامًا، لكنه يعمل على الإقرار بوضوح بجهلنا لسبب كلّ اختلاف معين[xxxiii].

 

يلاحظ داروين هنا أنه على الرغم من أن الحديث عن «اختلافات الصدفة»، قد يبدو وكأنه يستشهد بالصدفة كسبب للتغيرات، إلا أنه في الواقع يعترف ببساطة أنه «يبدو أنه ليس لها سبب محدد». لكن من المهم أن تضع السياق التاريخي في الاعتبار هنا. سواء كان داروين نفسه يغازل فكرة التباين «الموجه» أم لا! فقد كان مدركًا تمامًا لوجهتي نظر يحتاجان إلى التمييز بينهما، وهما مختلفتان تمامًا عن بعضهما بعضا، لكن كلاهما يتمسك بوجهة النظر القائلة بأن الاختلافات نشأت لغرض ما[xxxiv]. كان البديل الأكثر انتشارًا هو ذلك الموجود في اللاهوت الطبيعي. نقلاً عن كتاب «اللاهوت الطبيعي Natural Theology» للقس ويليام بالي William Paley، فيما يتعلق بمثال جميل عن التكيف: «التعديل المحظوظ جدًا لم يكن هدية الصدفة». وبالمثل، من بين أتباع داروين، عالم النبات الأمريكي آسا جراي Asa Gray، في مقال بعنوان «الانتقاء الطبيعي وعلم اللاهوت الطبيعي Natural Selection and Natural Theology»، يستخدم نفس التباين لتقديم المشورة لداروين ضد فكرة «تباين الصدفة»: «… يجب أن ننصح السيد داروين بافتراض، في فلسفة فرضيته، أن الاختلاف قد حدث وفقًا لخطوط مفيدة معينة».

يصر جراي هنا على أنه نظرًا لأن داروين يعترف بأن استخدام مصطلح «فرصة» يشير فقط إلى الجهل بالسبب الحقيقي، وبما أن التكيفات المنتشرة في الطبيعة توحي بالتصميم، يجب على داروين أن يتجنب الاقتراح القائل بأن الاختلافات ناتجة عن الصدفة بمعنى «غياب التصميم»[xxxv].

لا يشير داروين، في الواقع، أبدًا إلى «اختلافات الصدفة» في «أصول الأنواع»، ومع ذلك، سيلاحظ أحيانًا أنه إذا كان للتغيير المفيد «فرص [أي: حدث] الظهور»، فسيتم تفضيله بواسطة الانتقاء (انظر ص 37، 82)، ومع ذلك، فإن ما يفكر فيه داروين واضح من ملاحظاته الختامية في الفصل الخاص بقوانين التباين Laws of Variation:

مهما كان السبب وراء كلّ اختلاف طفيف في النسل من والديهم -ويجب أن يوجد سبب لكل منهما- فإن التراكم المطرد، بواسطة الانتقاء الطبيعي، لمثل هذه الاختلافات، عندما يكون مفيدًا للفرد، هو الذي يؤدي إلى ظهور كلّ التعديلات الأكثر أهمية في الهيكل…”[xxxvi].

 

مهما كان سبب توليد الاختلافات، فإن دور الاختيار هو تراكم تلك الاختلافات الموجودة بالفعل أن يحدث أن تكون مفيدة. كما قال بيتي، فإن توليد الاختلافات واختيارها هي عمليات «متتالية». لكن تسمية توليد الاختلافات عملية «فرصة»، هو استخدام «فرصة» بالمعنى الثاني، بمعنى ليس بالتصميم، وليس لغرض ما.

بصرف النظر عن أولئك الذين حثوا داروين على التخلي عن «الفرصة» لصالح التصميم، فقد كان لديه ضغط للتخلي عن الفرصة من اتجاه آخر، الفلسفة التطورية لجان بابتيست لامارك. إن حجة لامارك هي حجة مادية ضد كون التباين في الطبيعة مسألة صدفة. وفقًا لوجهة نظر لامارك، تظهر الاختلافات في الكائن الحي كاستجابة مباشرة للإجهاد أو الطلب البيئي، مما يؤدي إلى ظهور محفز، والذي بدوره يؤدي إلى استجابة فسيولوجية، والتي يمكن أخيرًا نقلها عن طريق التكاثر إلى النسل. الاختلافات ليست صدفة أو عشوائية؛ لأنها استجابة مناسبة لضغوط بيئية. تشير «الصدفة» هنا إلى عدم وجود علاقة أو ارتباط بالاحتياجات التكيفية، وهي فكرة قريبة من التناقض بين «الصدفة» و«التصميم»، ولكنها متميزة تمامًا من الناحية الوجودية.

غالبًا ما يُستخدم مفهوم «التباين العشوائي» اليوم كمرادف لـ «اختلاف الصدفة» في هذا المعنى الأخير تحديدًا. فيما يلي مثالين لمفهوم الصدفة أو العشوائية كما يستخدمه الداروينيون المعاصرون:

… الطفرة هي عملية عشوائية فيما يتعلق بالاحتياجات التكيفية للأنواع. لذلك، فإن الطفرة وحدها، التي لا يتحكم فيها الانتقاء الطبيعي، من شأنها أن تؤدي إلى انهيار الحياة وانقراضها في نهاية المطاف، وليس في التطور التكيفي أو التقدمي[xxxvii].

 

وبالتالي، قد يكون إنتاج التباينات عملية «فرصة»، حيث يوجد عدد من النتائج المحتملة ذات الاحتمالات القابلة للتخصيص، ولكنها أيضًا عملية «فرصة» بمعنى أن تخصيصات الاحتمالات ليست منحازة بواسطة «الاحتياجات التكيفية» أو «الملائمة».

يهدف المثال الثاني إلى إعادتنا إلى المشكلات المتعلقة بإحساسنا الأول بـ«العشوائية» و«الصدفة». هنا، يميز بطل النظرية المحايدة للتطور الجزيئي موقفه:

… الغالبية العظمى من التغيرات التطورية على المستوى الجزيئي (DNA)، لا تنتج عن الانتقاء الطبيعي الدارويني الذي يعمل على طفرات مفيدة، ولكن، بدلاً من ذلك، من التثبيت العشوائي للطفرات المحايدة بشكل انتقائي أو شبه المحايدة للغاية من خلال الانحراف الجيني العشوائي، والذي ينتج عن أخذ عينات عشوائية من الأمشاج في مجموعات سكانية محدودة[xxxviii].

 

هنا، سوف يُلاحظ أن التركيز ليس على توليد الاختلافات ولكن على إدامة الاختلافات. التباين هو بين أخذ عينات عشوائية من الأمشاج التي تؤدي إلى تثبيت الأليلات المحايدة انتقائيًا، والانتقاء الطبيعي لصالح الاختلافات المفيدة. وهذا يعني أن التناقض بين عمليات «الصدفة» و «الانحياز الملائم»، يُستخدم الآن للتمييز بين الوسائل المختلفة لإدامة بعض الاختلافات. نحن نقارن بين عمليتين لأخذ العينات. عينات الانحراف دون القلق من التكيف؛ عينات الانتقاء تمييزية على أساس الاختلافات في الصلاحية. كلتا العينات «احتمالية» بالطبع، لكن هذا لا يلغي بأي حال من الأحوال التناقض أعلاه.

ومع ذلك، كما أشار بيتي، كان من الشائع جدًا حتى وقت قريب إلى حد ما، وصف الانتقاء الطبيعي بطريقة تجعله غير قابل للتمييز تقريبًا عن الانحراف العشوائي[xxxix]. وُصفت العديد من حسابات الصلاحية النمط الجيني على النحو المحدد من خلال مساهمته النسبية في مجموعة الجينات للأجيال القادمة – حيث يساهم النمط الجيني بنسبة أكبر في كونه الأكثر ملائمة. ولكن بالطبع يمكن أن يكون ذلك بسهولة نتيجة عملية أخذ عينات «عشوائية» -غير منحازة- ملائمة. إن الكائنات الحية التي يمكن اعتبارها «أكثر صلاحية» بهذه الطريقة، لا علاقة لها بالانتقاء الطبيعي. من أجل توفير توصيف مناسب لدور الصدفة في التغيير التطوري، إذن، من الأهمية بمكان توفير حساب أكثر قوة وتعقيدًا للصلاحية. (لمزيد من المعلومات، راجع المدخل الخاص بالصلاحية fitness.) وهذا بدوره يتطلب أن نناقش الشبكة المفاهيمية التي تتضمن مفاهيم التكيف والانتقاء الطبيعي، والتي سننتقل إليها قريبًا.

في الوقت الحالي، دعونا نفترض أن هناك طريقة لتوصيف الصلاحية بحيث يكون هناك سؤال تجريبي جوهري حول الدور الذي يلعبه أخذ العينات العشوائي للأنماط الجينية (أو الأنماط الظاهرية) في التغيير التطوري. وُضِعَت هذه القضية لأول مرة بشكل مباشر أمام علماء الأحياء التطورية من قِبل سيوال رايت في أوائل الثلاثينيات. كما أشار رايت، يمكن للجينات المحايدة فيما يتعلق بالصلاحية، بسبب الطبيعة العشوائية لأي عملية أخذ عينات من المجتمعات، زيادة تمثيلها من جيل إلى آخر. يرتفع احتمال حدوث هذا مع انخفاض حجم المجتمع الفعّال. نظرًا لأن رايت تخيل أن السيناريو المعتاد تمامًا في التغيير التطوري هو تقسيم الأنواع إلى مجموعات صغيرة نسبيًا ومعزولة نسبيًا (أو demes)، مع تكاثر داخلها أكثر بكثير مما هو بين ديميس، فإن احتمالية أن مثل هذه «الأنماط الجينية المحايدة» يمكن أن تصبح ثابتةً عند مستويات عالية نسبيًا كان كبيرًا. على الرغم من أنه خفف تدريجيًا من هذا الجانب من عمله، إلا أن مدرسة مهمة من علماء الوراثة الرياضية السكانية في الستينيات والسبعينيات، أخذت هذه الأفكار وركضت معها، وطوّرت منهجًا «محايدًا» للتغيير التطوري. هذا هو الموقف الذي يتميز به كيمورا Kimura (أحد أكثر المدافعين بلاغة) في المقطع المقتبس أعلاه. ما إذا كانت مثل هذه العملية تلعب دورًا مهمًا في التطور أم لا، فهي ليست قضية فلسفية، لكنها وثيقة الصلة بما إذا كان ينبغي النظر إلى البيولوجيا التطورية على أنها داروينية في الغالب؛ لأنه إذا كان أي رأي محوريًا لـ الداروينية، فهو أن العملية التطورية تسترشد في الغالب بقوة انحياز الصلاحية للانتقاء الطبيعي، والتي تعمل على الاختلافات التي تنشأ عن طريق الصدفة. ننتقل الآن إلى الانتقاء الطبيعي والمفاهيم ذات الصلة.

 

2.3 طبيعة الانتقاء، وقوته، ونطاقه

بطبيعة الحال، فإن أكبر عدد من الإناث سوف يقع على عاتق الذكور الأكثر نشاطًا؛ والأفراد الأقوى من كلا الجنسين، من خلال طرد الأضعف، كما سيستمتعون بأفضل غذاء، وأفضل الظروف، لأنفسهم ولأولادهم. وكان لفصل الشتاء القارس، أو ندرة الغذاء، السبب في إبادة الضعيف وغير الصحي جسديًا، بينما تنّصب كلّ الآثار الجيدة للاختيار والأكثر مهارة.

هل تلك كانت كلام تشارلز داروين؟ لا. هذه هي كلمات جون سبرايت John Sebright، التي صاغها في «فن تحسين سلالات الحيوانات الأليفة The Art of Improving the Breeds of Domestic Animals» عام 1809، وهو عام ميلاد تشارلز داروين وقبل خمسين عامًا من نشر كتاب «أصل الأنواع». يشير داروين إلى هذا المقطع في مذكراته التي تحمل حرف c الخاصة بالأنواع[xl]. سيلاحظ أن سبرايت لا يناقش الانتقاء المحلي، لكنه يقول بوضوح تام أن العمليات التي تؤدي إلى البقاء التفاضلي والتكاثر في الطبيعة سيكون لها «جميع التأثيرات الجيدة للانتقاء الأكثر مهارة». داروين، إذن، لم يكن بحاجة لقراءة مالثوس Thomas Malthus، ليرى ما هو موجود هنا بكل وضوح وصراحة – أي أن الصراع من أجل البقاء في الطبيعة، سيكون له نفس التأثيرات «الانتقائية»، مثل تصرفات المربي المحلي للنباتات والحيوانات.

كما يوضح هذا المقطع وحجة كتاب «أصل الأنواع»، فإن «الانتقاء الطبيعي» بدأ الحياة كنِتاج التفكير التناظري. يرى سبرايت بوضوح أن العمليات الطبيعية التي يصفها سيكون لها نفس تأثيرات اختيار المربي، لكنه ليس على وشك وصف هذه العمليات، كعمليات انتقاء. لقد اتخذ داروين هذه الخطوة، وتبعتها الداروينية.

يشير داروين بنفسه باستمرار إلى «الانتقاء الطبيعي»، كقوة للحفاظ على المزايا والقضاء على الاختلافات الضارة، كما هو مذكور في القسم الأخير من كِتابه، ما إذا كان تغيير معين مفيدًا أو ضارًا، بالمعنى السابق لهذا المصطلح، فهي مسألة «صدفة». وسواء كان التباين مفيد، يُحافظ عليه بالفعل عن طريق الاختيار، فهو، بمعنى آخر للمصطلح، مسألة صدفة أيضًا. بالنسبة لـ الداروينية، فإن الانتقاء هو القدرة، أو القوة التي تحيز البقاء، والتكاثر لصالح الاختلافات المفيدة، أو للتطلع إلى القسم التالي من التكيفات. هذا هو ما يميز الاختيار عن الانحراف.

في دراسة حديثة بعنوان «الانتقاء الطبيعي: المجالات والمستويات والتحديات Natural Selection: Domains, Levels and Challenges» في سلسلة أكسفورد في علم البيئة والتطور، دافع جورج ويليامز George C. Williams بقوة عن نظرية الانتقاء الداروينية، ضد مجموعة متنوعة من التحديات التي ظهرت خلال العقود القليلة الماضية. يمكن تصنيف هذه التحديات في فئتين عريضتين

 

أ- القيود المقترحة على الانتقاء الطبيعي كقوة تطورية.

ب- توسيع نطاق الانتقاء الطبيعي ليشمل «أهدافًا» و«مستويات» جديدة.

 

وتجدر الإشارة إلى أنه في كلتا الحالتين ليس من الواضح أن النظرية نفسها تتطلب التعديل في مواجهة مثل هذه التحديات – بينما من حيث المبدأ قد لا تكون هذه أكثر من مجرد تحديات لنطاق تطبيق النظرية. ومع ذلك، إذا اتضح أن معظم التغييرات التطورية يمكن تفسيرها دون اللجوء إلى الانتقاء الطبيعي، فسيكون هذا أساسًا للجدل بأن البيولوجيا التطورية لم تعد داروينية. وإذا اتضح أن نظرية الانتقاء الطبيعي لا يمكن دمجها إلا مع فهمنا الجديد لعمليات الوراثة والتطور من خلال تعديل شامل لأسسها، فقد يكون من الأفضل رؤية النظرية الجديدة على أنها سليل (سلالة جديدة أو تحديث) معدل لـ الداروينية، بدلًا من الداروينية نفسها. قد تحتاج النظريات إلى الجواهر، كما يدّعي جولد؛ ولكن إذا تغير ما هو أساسي للنظرية، فسيكون جوهرها كذلك. لنقتبس عبارة من بول غريفيث Paul Griffiths، ربما لا يعني ذلك، أن النظريات بحاجة إلى تواريخ وجواهر – ربما ما يحتاجون إليه هو جوهرات تاريخية.

حث ألفريد راسل والاس، داروين بانتظام على التخلي عن مصطلح «الانتقاء» باعتباره مجسمًا مضللًا، واستبداله بتعبير هربرت سبنسر بـ«البقاء للأصلح». وقد ذهب داروين في منتصف الطريق – في الإصدارات اللاحقة أضاف «أو البقاء للأصلح» إلى «الانتقاء الطبيعي» في عنوان الفصل 4 من كتابه. مع تطور النظرية في منتصف القرن العشرين، حُذِفَ تعبير «البقاء للأصلح» تدريجيًّا من أي عرض جاد لنظرية الانتقاء الداروينية. من ناحية أخرى، لعب مفهوم «الصلاحية» دورًا بارزًا وإشكاليًا. في النماذج الرياضية المستخدمة في علم الوراثة السكانية، تشير «الصلاحية» إما إلى قدرات المورثات الجينية مختلفة في مجموعة سكانية إلى ترك ذرية وأحفاد، أو إلى مقاييس من تلك القدرات، التي يمثلها المتغير W. فيما يلي عرض كتابي قياسي للمفاهيم ذات الصلة:

تُعزى الصلاحية في النهج الدارويني الجديد للانتقاء الطبيعي، والذي يشتمل على اعتبار علم الوراثة، إلى أنماط وراثية معينة. يُنسب النمط الجيني الذي يترك معظم المتحدرين إلى قيمة الصلاحية”W = 1“، وجميع الأنماط الجينية الأخرى لها صلاحية، نسبة إلى هذا، أقل من 1. … تقيس الصلاحية الميزة التطورية النسبية لنمط وراثي على آخر، ولكنها غالبًا ما تكون من المهم أيضًا قياس العقوبات النسبية التي تتكبدها الأنماط الجينية المختلفة الخاضعة للانتقاء الطبيعي. هذه العقوبة النسبية هي نتيجة طبيعية للصلاحية، ويشار إليها بمصطلح «مُعامِل الانتقاء». يُعطى الرمز s، ويُحسَب ببساطة عن طريق طرح الصلاحية من 1، وتصبح: s =1 – w.[xli]

 

تكمن المشكلة في حقيقة أن مفهوم الصلاحية يلعب أدوارًا مزدوجة يتم خلطها بشكل مفيد في هذا الاقتباس. عندما يُنظر إلى الصلاحية على أنها مقاييس للقدرات التفاضلية للكائنات ذات الأنماط الجينية المختلفة، لترك أعداد مختلفة من النسل، فإن لغة الصلاحية تشجعنا على افتراض أن «الصلاحية» تشير إلى المزايا الانتقائية النسبية للأنماط الجينية. ومن ناحية أخرى، إذا كانت «الصلاحية» تشير ببساطة إلى مقياس النجاح الإنجابي، فهي تمثيل كمي للتغير التطوري على نطاق صغير في مجموعة سكانية، وتترك مسألة أسباب التغيير مفتوحة تمامًا. ولكن بعد ذلك، قُطِعَت الصلات المفترضة بين مفاهيم الصلاحية والتكيّف والانتقاء الطبيعي. قد تكون «معاملات الانتقاء» لا علاقة لها بالانتقاء؛ ما يمثله W لا علاقة له بالميزة الانتقائية.

ومع ذلك، توجد طريقة لصياغة النظرية في شكلها الحديث، والتي تحافظ بشكل أساسي على الطابع الدارويني. نظرًا لوجود عدد من الطرق المؤكدة التي يمكن أن تتطور بها المجموعات الطبيعية في غياب الانتقاء الطبيعي، ونظرًا لأن موازنة الانتقاء، أي قوى الانتقاء التعويضية، قد تمنع المجتمعات من التطور في وجودها، فمن الواضح أن الإثبات، عن طريق قياس اختلاف معدلات التكاثر بين أعضائها، وأن التكوين الجيني للمجتمعات قد تغير، ولا يثبت أن الانتقاء الطبيعي كان مصدر هذا التغيير؛ ولا تثبت حقيقة أنه لم يتم قياس أي تغيير بأن الانتقاء الطبيعي غير فعّال.

يجب التعامل مع علم الوراثة السكانية والنماذج المرتبطة به على أنها «حركيات»، وليس «ديناميكيات» العمليات التطورية. أي أنها طريقة لإثبات أن المجتمعات إما في حالة توازن أو ليسوا في حالة توازن، وتوفر أدوات متطورة لقياس معدلات التغيير في مجموعة سكانية عبر الأجيال. علاوة على ذلك، مثل علم الحركة لأي نظرية فيزيائية، إذا كانت تؤسس تغييرًا عبر الأجيال، فإنها تخبرنا أيضًا أن هناك أسبابًا يمكن العثور عليها – قد تقدم الخطوط العريضة التفصيلية لتلك المقاييس اقتراحات حول مكان البحث عن هذه الأسباب. ما لا تستطيع فعله بنفسها هو توفير المعرفة بالقوى العاملة. لاستخدام اللغة التي قدمها إليوت سوبر Elliott Sober، فإن الصلاحية، على عكس الانتقاء الطبيعي، خاملة سببيًا. (لمزيد من المعلومات، راجع المدخل الخاص بعلم الوراثة السكانية Population Genetics).

هذا يعني أنه على الرغم من قيمة علم الوراثة السكانية، فلا ينبغي مساواتها بنظرية الانتقاء الطبيعي. في كثير من الأحيان في كلّ من العروض البيولوجية للنظرية والمناقشات الفلسفية لها، يتم نسيان ذلك. على سبيل المثال:

معظم الناس على دراية بالنظرية الأساسية للانتقاء الطبيعي، حيث تختلف الكائنات الحية بطريقة وراثية. تترك بعض المتغيرات ذُريّة أكثر من غيرها؛ لذلك، يتم تمثيل خصائصها بوتيرة أكبر في الجيل القادم[xlii].

 

هذا عرض «للنظرية الأساسية في الانتقاء الطبيعي»، التي لا تشير إلى الانتقاء الطبيعي على الإطلاق!

الانتقاء الطبيعي، إذا كان مشابهًا للمفهوم الدارويني الذي يحمل هذا الاسم، يجب أن يكون محجوزًا للإشارة إلى تفاعل بين سمة متغيرة قابلة للتوريث لنظام عضوي وبيئة ذلك النظام. قد يغير هذا التفاعل أو لا يغير نسب تلك الميزات عبر الأجيال، وقد تتغير هذه النسب لأسباب أخرى غير تلك التفاعلات. لكن يجب أن تفرض فرضية الانتقاء الطبيعي المعقولة بعض مثل هذا التفاعل. سأعطي الكلمة الأخيرة لستيفن جاي جولد Stephen Jay Gould في هذا الموضوع:

… عندما نعتبر الانتقاء الطبيعي عملية سببية، لا يسعنا إلا أن نتساءل لماذا يخلط الكثير من الناس بين الحاجة إلى قياس نتائج الانتقاء الطبيعي من خلال حساب الزيادة التفاضلية لبعض السمات الوراثية (حسابية) مع الآلية التي تنتج نجاحًا تناسليًا نسبيًا (السببية).”[xliii]

 

قُدِّمَ مفهوم الانتقاء الطبيعي إلى هذه النقطة على نطاق واسع بسبب السؤالين المهمين الآخرين المحيطين بالمفهوم الدارويني المعاصر للانتقاء الطبيعي الذي ذكر سابقًا – أسئلة لها علاقة بالقيود المقيدة المحتملة على الانتقاء الطبيعي وحول أنواع الأشياء التي يمكن اعتبارها «تفاعلات» عضوية/بيئية مناسبة في عملية الانتقاء.

إذا افترضنا أن الانتقاء الطبيعي بالنسبة لداروين كان يُنظر إليه بشكل حصري تقريبًا على أنه تفاعل بين الكائنات الحية وبيئاتها العضوية وغير العضوية، فيمكننا إذن أن نرى تحديين لـ الداروينية اليوم فيما يتعلق بمستويات الاختيار. هناك من يجادلون، مثل جي سي ويليامز G. C. Williams وريتشارد دوكينز Richard Dawkins، بأن الانتقاء دائمًا وفقط للجينات. هنا بيان واضح:

هذه المضاعفات [تلك التي أدخلتها تفاعلات الكائن الحي/ البيئة] يُتعامَل معها بشكل أفضل من خلال انتقاء [الكائن الحي] الفردي، ليس كمستوى من الانتقاء بالإضافة إلى مستوى الجين، ولكن كآلية أولية للاختيار على المستوى الجيني[xliv].

 

إن الأسلوب المفضل لدى دوكينز لإثبات نفس النقطة هو الإشارة إلى الكائنات الحية -أو المتفاعلات- باعتبارها مركبات جيناتها، وهي في الواقع مركبات شيدها الجينوم لإدامته. كان الدافع الأصلي لهذا النهج، الواضح بشكل خاص في الكتاب الكلاسيكي «التكيف والانتقاء الطبيعي Adaptation and Natural Selection» لجورج وليم George C. Williams – كان استخدام نوع من استراتيجية شفْرة أوكام (Ockham’s razor) ضد فرضيات انتقاء المجموعة (Group Selection hypotheses)، يوضح أن تأثيرات الانتقاء الجماعي المزعوم يمكن تفسيرها من خلال التفسيرات التي تعمل على مستوى الجينوم. طوال هذا الكتاب، يُقال دائمًا إنَّ اختيار الكتاب يكون من الأليلات الفردية، بغض النظر عن البيئات الدور الذي قد تلعبه في هذه العملية على مستويات مختلفة.  

تعرَّض هذا الرأي لتَحَدٍّ على نطاق واسع من قبل فلاسفة علم الأحياء على كلّ من الأسس المنهجية والمفاهيمية، على الرغم من وجود مؤيدين متحمسين بين الفلاسفة[xlv]. في جميع عمليات الأخذ والعطاء، نادرًا ما يلاحظ أن المدافعين عن هذا الرأي يدعون أنهم يحملون العلم الدارويني[xlvi]. ومع ذلك، فمن المؤكد أنه ليس موقفًا سيدركه داروين – وليس فقط لأنه كان يفتقر إلى نظرية متماسكة لوحدات الوراثة. إنها ليست وجهة نظر داروينية لأن داروين كانت الاختلافات في قدرات الكائنات الحية في مراحل مختلفة من التطور للاستجابة لتحديات الحياة التي كانت لها الأولوية السببية في تفسير التغيير التطوري. بين علماء الأحياء التطورية من «التوليف الدارويني الجديد» فصاعدًا، هم أولئك الذين يؤكدون على دور الكائنات الحية في المجموعات التي تتفاعل بشكل مختلف مع الظروف البيئية المتغيرة باستمرار في إحداث تغييرات في تجمعات الجينات لتلك المجموعات السكانية التي تحمل البطاقات الداروينية.

كما أن لـ الداروينية تحديات من الاتجاه المعاكس. في سبعينيات القرن الماضي، تحدّى عدد من علماء الأحياء الذين يعملون في مجالات علم الأحافير والنظاميات عقيدة الداروينية الجديدة التي يمكن أن تفسر «التطور الكلي» عن طريق الاستقراء طويل المدى من التطور الجزئي. يفتح جولد، على وجه الخصوص، الجزء الثاني من «بنية النظرية التطورية نحو نظرية تطورية منقحة وموسعة» (( The Structure of Evolutionary Theory (Towards a Revised and Expanded Evolutionary Theory)، مع فصل بعنوان «الأنواع كأفراد في نظرية الانتقاء الهرمية». يجمع عنوان الفصل هذا بين أطروحتين مختلفتين من الناحية المفاهيمية: أولاً، الأطروحة التي دافع عنها مايكل جيزلين Michael Ghiselin[xlvii]، والتي دافع عنها وصقلها ديفيد هال David Hull[xlviii]، أن الأنواع، بالمعنى القوي للمصطلح، «أفراد».

وثانيًا، أنه قد يكون هناك اختيار جيدًا بين مجموعات الكائنات الحية، مجموعات qua. يمثل عنوان جولد مثالاً على نهج واحد لاختيار المجموعة – تكون وحدة الاختيار دائمًا هي الفرد، ولكن هناك أفراد غير الكائنات الحية الفردية التي تخضع للاختيار. تظهر نتيجة مختلفة تمامًا إذا افترض المرء أن مجموعات الكائنات الحية مثل أجزاء demes أو مجموعات الأقارب أو الأنواع، على الرغم من أنها ليست أفرادًا، تخضع مع ذلك للاختيار. إضافة إلى التعقيد المفاهيمي، يقترح بعض الباحثين أن يكون مصطلح «انتقاء المجموعة» مقصورًا على العملية، حيث توفر السمات على مستوى المجموعة مزايا لمجموعة واحدة على أخرى، وفي هذه الحالة توجد شروط صارمة تحدد حالات اختيار المجموعة. يعرّف البعض الآخر اختيار المجموعة بشكل أساسي من حيث تأثيرات مستوى المجموعة. وهكذا يظهر هنا نقاش مشابه لما نوقش سابقًا فيما يتعلق بتعريفات «الصلاحية» – من خلال الاختيار الجماعي، فإننا نعني نوعًا مميزًا من العمليات السببية التي يجب تمييزها من الناحية المفاهيمية عن الانتقاء على مستوى الكائن الحي أو الجين الفردي، أم أننا نعني فقط نزعة داخل مجتمعات معينة لبعض المجموعات المحددة جيدًا لتهجير مجموعات أخرى بمرور الوقت[xlix].

 

3.3 الانتقاء والتكيف والغائية

في وقت مبكر من مقدمة «أصل الأنواع»، لاحظ داروين أن الاستنتاج القائل بأن كلّ نوع قد انحدر من الأنواع الأخرى، «حتى لو كان مؤسسًا جيدًا، سيكون غير مُرضٍ، حتى يمكن إظهار كيف عُدِّلَت الأنواع التي لا حصر لها التي تعيش في هذا العالم للحصول على كمال الهيكل والتكيف المشترك الذي يثير إعجابنا بشكل عادل.[l]» يمكن للمرء أن يقول إنَّ هذه كانت الفرضية المركزية لـ الداروينية – لتفسير كلّ من استمرارية التطور والتمايز التكيفي عن طريق نفس المبادئ؛ أو على حد تعبير داروين، لدمج التعارض المفترض بين وحدة النوع وشروط الوجود في نظرية واحدة.

ولكن أُجبر هنا حتى أكثر مؤيدي داروين الموحدين تعاطفًا على تأهيل دعمهم لنظرية النسب بالتعديل عن طريق الانتقاء الطبيعي. في أيام داروين، ربما تكون ردود أفعال آسا جراي وجون هيرشل هي الأكثر إثارة للاهتمام في هذا الصدد. رأى كلا الرجلين في نظرية داروين طريقة لتفسير «لغز الألغاز»، الظهور المنتظم للأنواع الجديدة عن طريق أسباب طبيعية، أو كما قد يقولون، أسباب «وسيطة». ومع ذلك، فقد ارتد كلاهما غريزيًا عن الدور المركزي غير القابل للاختزال لـ«الصدفة» في النظرية. لم يفعلوا ذلك، ولكن كان من الممكن أن يقولوا بسهولة، «الله لا يلعب النرد مع الكون». ولكن كما قال داروين مرارًا وتكرارًا، ولو بلطف، إلى جراي – إذا أمر الله أن الاختلافات يجب أن تكون على طول الخطوط المفيدة، فإن الانتقاء الطبيعي سيكون زائدًا عن الحاجة. علاوة على ذلك، فإن الأدلة من دراسة التباين في السكان المحليين والطبيعيين، تضع كذبة على أي ادعاء بأن الله يوجه كلّ أو معظم الاختلافات على أسس مفيدة. نظرية الانتقاء الداروينية هي عملية من خطوتين – إنتاج التباين غير المرتبط بالمتطلبات التكيفية للكائن الحي، والاستمرار التفاضلي لتلك الاختلافات التي تخدم الاحتياجات التكيفية. مرة أخرى، لن تكون نظرية التطور التي لا يمكن وصفها على هذا النحو نظرية داروينية.

إن طبيعة «تفسيرات الانتقاء» هي موضوع كُرِّسَ له الكثير من الاهتمام الفلسفي في السنوات الأخيرة. هنا أريد أن أركز على سؤال واحد مهم فقط – إلى أي مدى يكون المظهر الغائي لمثل هذه التفسيرات ببساطة، مظهر يخفي عملية سببية لا تلعب فيها الأهداف أي دور؟

إن مظاهر الغائية حاضرة بالتأكيد في التفسيرات الداروينية، ومنذ ذلك الحين تحدث داروين عن الانتقاء الطبيعي الذي يعمل فقط لصالح كلّ كائن. ينبع ظهور الغائية من السهولة التي يعتبر بها كلّ من علم الأحياء التطوري، والفطرة السليمة، أن الحيوانات والنباتات لديها التكيفات التي تقوم بها بسبب بعض الفوائد أو المزايا للكائن الحي الذي توفره تلك التكيفات.

هذا سؤال مثير للجدل، وسأرسم هنا ببساطة حالة مفادها أن التفسيرات الانتقائية لتكيفات غائية بقوة. قد يرغب القارئ المهتم في الرجوع إلى الأدبيات المتعلقة بهذا السؤال المشار إليها في المناقشة والمدرجة في قائمة القراءات المقدمة في نهاية هذا الإدخال. السؤال الذي أعتقد أنه لا يستحق المناقشة هو ما إذا كان يجب استبدال كلمة «الغائية teleology» بكلمة «علم الهدفية أو تيلينومي teleonomy»[li]. من ناحية أصل الكلمة، يتوصلون إلى نفس الشيء؛ والحجج الفلسفية المقدمة لصالح التغيير تستند جميعها إلى افتراضٍ مشكوك فيه تاريخيًا – وهو أن الدفاعات الفلسفية للغائية كانت دائمًا إما إيمانية أو حيوية. يمكن طرح المسألة الفلسفية الجادة ببساطة وبشكل مباشر: في تفسيرات الانتقاء للتكيفات، هل الوظائف التي تخدمها التعديلات هي سمة مركزية وغير قابلة للاختزال للتفسيرات في مثل هذه التفسيرات؟ إذا كان الجواب نعم، فإن التفسيرات غائية[lii].

أفضل مكان للبدء به هو مثال بسيط ولكنه واقعي. في البحث الذي تم إجراؤه على مدار سنوات عديدة والجمع بين العمل الميداني المضني والتجارب المعملية، تمكن جون إندلر John Endler من إثبات أن أنماط الألوان للذكور في مجموعات أسماك الجوبي guppy التي كان يدرسها في الأنهار التي تغذي جنوب الكاريبي، كانت نتيجة للتوازن بين اختيار الشريك واختيار المفترس.

لنأخذ مثالاً مذهلاً، كان قادرًا على اختبار وتأكيد فرضية أن مجموعة من الذكور، بنمط لوني يتطابق مع نمط الحصىَ على قيعان الجداول والبرك التي يسكنها باستثناء البقع الحمراء الساطعة، يكون هذا النمط لأن المفترس الشائع في تلك التجمعات، وهو الجمبري، أعمى اللون بالنسبة للأحمر. لم تضع البقع الحمراء أصحابها في وضع انتقائي، وكانت تجتذب زملائهم[liii]. قد نشير إلى هذا النمط من التلوين على أنه تكيف معقد يخدم وظائف تجنب المفترس وجذب الشريك. ولكن ما هو الدور الذي تلعبه هذه الوظائف في تفسير سبب امتلاك الذكور في هذه المجموعة للتلوين؟

هذا النمط اللوني هو تكيف، حيث يُستخدم هذا المصطلح في الداروينية، إذا كان نتاجًا للانتقاء الطبيعي فقط[liv]. من أجل أن يكون نتاجًا للانتقاء الطبيعي، يجب أن يكون هناك مجموعة متنوعة من الألوان المتاحة في الموارد الوراثية/التنموية للأنواع على نطاق أوسع من هذا النمط المعين، ولكن بما في ذلك هذا النمط. ما هي العوامل الحاسمة إذن، في إنتاج البقاء التفاضلي وتكاثر أسماك الجوبي بهذا النمط المعين؟

يبدو أن الجواب هو النتائج ذات القيمة التي قارنها هذا النمط بالآخرين المتاحين في تعزيز الجدوى والتكاثر. في اللغة الشعبية (واللغة التي يفضلها داروين)، فإن نمط الألوان هذا جيد لذكور أسماك الجوبي التي تمتلكها ولذريتهم، ولهذا السبب يمتلكونها[lv]. تعمل هذه الإجابة على تقوية حسابات «التأثيرات المختارة» أو «مسببات النتائج» لتفسيرات الانتقاء، من خلال التأكيد على أن الانتقاء يتعدى فروق القيمة. يرجع سبب وجود واحد من بين عدد من أنماط الألوان التي لها قيمة صلاحية أعلى إلى قيمة هذا النمط بالنسبة للبقاء والنجاح الإنجابي لمالكيه.

إذن، تفسيرات الانتقاء هي، نوعًا خاصًا من التفسير الغائي، وهو تفسير يكون فيه ذلك الذي من أجل امتلاك سمة ما، ونتائجه القيمة، كما يفسر التباين في استمرارية السمة والحفاظ عليها في المجتمعات.

 

4.3 الأنواع، ومفهوم (الأنواع)

في سرد ​​الموضوعات التي ناقشناها تحت عنوان الداروينية الجديدة، ميزت مسألة الوضع الأنطولوجي للأنواع من الحالة المعرفية لمفهوم الأنواع. على الرغم من أنها أسئلة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، فمن المهم الاحتفاظ بها متميزة. كما سيتضح مع تقدمنا​​، نادرًا ما يُحترم هذا التمييز. علاوة على ذلك، من المهم بنفس القدر التمييز بين مفهوم الأنواع، وفئات السمات التي تنتمي إلى تعريف الأنواع[lvi]. قد يقودنا التقدم في فهمنا النظري إلى إعادة النظر في أنواع السمات الأكثر أهمية لتحديد ما إذا كانت مجموعة من الكائنات الحية نوعًا، وبالتالي ما إذا كانت تستحق تعيين اسم على هذا المستوى التصنيفي. لا ينبغي الافتراض أن مثل هذه التغييرات تشكل تغييرًا في مفهوم الأنواع، على الرغم من أن بعض هذه التغييرات على الأقل قد تقودنا إلى تقييد أو توسيع نطاق الأصناف المصنفة كأنواع. في مساهمته في التوليف الدارويني الجديد، أطلق إرنست ماير Ernst Mayr على الفصل الخامس من كتاب «النظاميات وأصل الأنواع Systematics and the Origin of Species»، عنوان «الفئات المنهجية ومفهوم الأنواع الجديدة». يُذكر أن داروين جعل نقطة معاملة فئة الأنواع على أنها مستمرة مع «تنوع واضح المعالم»، و«الأنواع الفرعية»، وقدم اقتراحًا جذريًا بأن حدوده ستكون مرنة تمامًا. اتخذ ماير نفس المسار، دون الاعتراف صراحةً بداروين، حيث ناقش «المتغيرات الفردية»، و«الأنواع الفرعية»، كأساس لمناقشة مفهوم الأنواع. كما يلاحظ ماير أنه بالنسبة لشخص يدرس العملية التطورية، يعتبر الانتواع speciation منعطفًا حاسمًا؛ «… يعتمد تفسيره لعملية الانتواع إلى حد كبير على ما يعتبره المرحلة الأخيرة من هذه العملية، وهي الأنواع»[lvii]. مع وضع ذلك في الاعتبار، يقدم التعريف التالي، ما يسمى بـ«مفهوم الأنواع البيولوجية» BSC (Biological Species Concept):

«الأنواع هي مجموعات من المجتمعات الطبيعية الفعلية أو التي يحتمل أن تتزاوج، والتي تُعزل تكاثريًا عن مجموعات أخرى مماثلة.[lviii]»

 

كان ماير مدركًا تمامًا لقيود هذا التعريف، وعامله إلى حد ما على أنه «نموذج تنظيمي». لقد قدّم دوبجانسكي Theodosius Dobzhansky في عام 1937 ما ادّعى أن يكون تعريف الأنواع، ولكن الذي يبدو، كما أشار ماير[lix]، وأكثر من ذلك بكثير لتعريف أنواع جديدة:

… تلك المرحلة من العملية التطورية، «حيث يتم فصل مجموعة الأشكال التي كانت موجودة في السابق بالفعل، أو التي من المحتمل أن تتزاوج في مصفوفتين منفصلتين أو أكثر، والتي تكون غير قادرة من الناحية الفسيولوجية على التزاوج.[lx]»

 

قام سيمبسون (1943) وآخرون ببناء المزيد من الطابع التاريخي في هذا المفهوم. هذه كلها، بالطبع، تهدف إلى أن تكون تعريفات لفئة الأنواع، وقد حاولوا تقديم اختبار (أو مقياس)[lxi] يسمح من حيث المبدأ للباحث أن يقرر ما إذا كان يجب تحديد مجموعة من الأفراد من خلال مفهوم واحد على مستوى النوع مثل «الإنسان العاقل homo sapiens». واختبار عضوية الأنواع هو القدرة على التزاوج. الاختبار الذي يميز نوعين هو عدم القدرة على التزاوج. يجعل دوبجانسكي أهمية هذا الاختبار شفافة وجلية – فالانتقال من مجتمع تهجين واحد إلى مجموعتين معزولين تناسليًا هو عملية الانتواع.

الآن في كلّ من هذه التعريفات، يتم إيلاء القليل من الاهتمام للطرق الفعلية التي يستخدمها علماء التصنيف والمنظومون في التمييز بين مختلف الأنواع والأنواع المتميزة، وهو الأمر الذي أولى داروين قدرًا كبيرًا من الاهتمام. من المحتمل أن الاسمية الظاهرية لداروين فيما يتعلق بمفهوم الأنواع قد نشأت من اهتمامه الوثيق بممارسات التصنيف الخاصة به، وتلك الخاصة بالمتخصصين الآخرين. لكن الاسمية تجمع عادة بين وجهة نظر حول أنطولوجيا الأنواع، مع وجهة نظر حول الحالة المعرفية لمفهوم الأنواع. بينما فيما يتعلق بالسؤال الأول، يصر الاسميّ على أنه لا توجد أنواع – فهناك أفراد متشابهون إلى حد ما. فيما يتعلق بالسؤال الثاني، يصر الاسمي عادةً على أن مفهوم الأنواع هو، في أحسن الأحوال، مجموعة مفيدة أو ملائمة لأفراد متشابهين، أو في أسوأ الأحوال، مجموعة تعسفية لأفراد متشابهين. (تم مؤخرًا الدفاع عن حساب بديل مثير للاهتمام لمفهوم الأنواع على أساس نظرية معقدة ومتعددة الأبعاد للتشابه راينز Rheins 2011).

يربط ماير في عمله مناهج مختلفة لمفهوم الأنواع بالتمييز الفلسفي بين الجوهرية والاسمية. حيث تربط الجوهرية بالرأي القائل بأن مفهوم الأنواع يشير إلى كلي أو نوع. تؤدي وجهة النظر هذه للإشارة إلى المفهوم إلى مفهوم الأنواع النموذجية، الذي يتتبعه من لينيوس إلى أفلاطون وأرسطو، والذي يدعي أنه متروك عالميًا الآن[lxii]. وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم إلقاء شك جاد على المؤهلات التاريخية والفلسفية لـ «مفهوم الأنواع النموذجية أو النمطية» لماير[lxiii]. على النقيض من ذلك، توجد الاسمية، التي تجمع بين الرأي القائل بأن الأفراد فقط هم من يوجدون في الطبيعة، وأن الأنواع هي مفاهيم اُخترعِت بغرض تجميع هؤلاء الأفراد بشكل جماعي.

يدّعي ماير أن مفهومه للأنواع البيولوجية BSC يعد تقدمًا في كليهما؛ حيث ترتبط أعضاء الأنواع الفردية ببعضهم بعضا بشكل موضوعي، ليس من خلال علاقة مشتركة بنوعٍ ما، ولكن من خلال العلاقات السببية والتاريخية مع بعضهم البعض. وبالتالي يمكن فهمه على أنه يدافع عن طريقة موضوعية جديدة لفهم الأسس المعرفية لتجميع الأفراد في الأنواع. كما تؤكد طريقة التجميع الجديدة هذه على العلاقات التاريخية والجينية والبيئية المختلفة بين الأفراد، كأساس لتحديد عضوية الأنواع. وزعمه أن هذا أكثر موثوقية وموضوعية من أوجه التشابه في الخصائص المظهرية. هذا منطقي للأهمية التي يضعها في النهاية على حقيقة أن لأنواع البيولوجية BSC تعرف الأنواع بشكل علائقي:

… تُعرَّف الأنواع تعريفًا علائقيًا. فقد تتوافق كلمة الأنواع بشكل وثيق جدًا مع المصطلحات العلائقية الأخرى، على سبيل المثال، كلمة الأخ…. أن تكون نوعًا مختلفًا لا يتعلق بدرجة الاختلاف ولكن بالتميز العلائقي[lxiv].

 

يضع ماير في اعتباره أن الأخوة قد يتشابهون وقد لا يتشابهون؛ تُحدَّد مسألة ما إذا كان الشخصان أخوة، من خلال الروابط التاريخية والجينية لأصل مشترك. لاحظ، مع ذلك، أن هذا ادعاء حول الخصائص، من بين العديد منها، يجب أن تؤخذ على محمل الجد عند تحديد انطباق مفهوم «الأخ» عليها. أي أنه دفاع عن نوع من الجوهرية.

أشار عدد من النقاد إلى أن الجوهرية لا يلزم أن تلتزم بـ«أنواع»، حيث تُفهم على أنها «كُليات في أشياء universalia in re»؛ وعلى حسابات معينة من الجواهر، فإن أي تصنيف للأنواع يفي بمعايير لأنواع البيولوجية BSC يفعل ذلك بحكم بعض الخصائص الأساسية (على الرغم من العلاقات والتاريخية). في أحد الأطراف، جادلا مايكل جازلين وديفيد هال، بأن هذا الهيكل السببي/التاريخي للأنواع يوفر أُسسًا، على الأقل في علم الأحياء التطوري، لاعتبار الأنواع أفرادًا[lxv]. الكائنات الحية ليست أعضاء في فئة أو مجموعة، ولكنها «أجزاء» من وحدة علم الوراثة. من خلال اتباع نهج مختلف تمامًا، لذا جادل دينيس والش Denis Walsh مؤخرًا بأن شكلًا من «الجوهرية التطورية»، الذي يشبه بشكل صارخ جوهرية عمل أرسطو في علم الحيوان، مضمّن في عمل عدد من منظري التطور التطوري[lxvi].

القضية الحاسمة في هذا الجدل حول حساب مفهوم الأنواع الأكثر ملاءمة لـ الداروينية، هي المدى الذي يجب أن تكون فيه عملية التصنيف البيولوجي –علم التصنيف- مستنيرة من خلال التقدم في النظرية البيولوجية. إلى جانب تلك التي نوقشت بالفعل، فإن التعددية المعتدلة المصاحبة لروبرت براندون Robert Brandon وبرنت ميشلر Brent Mischler أو التعددية الأكثر راديكالية التي دافع عنها فيليب كيتشر Philip Kitcher، فقد جادل بأن الأهداف التفسيرية المختلفة في العلوم البيولوجية ستتطلب معايير مختلفة لتحديد ما إذا كانت المجموعة تشكل نوعًا. من ناحية أخرى، يستخدم كلاديستس Cladists اختبارات سلالة محددة بدقة لتحديد رتبة الأنواع[lxvii].

على عكس العديد من الموضوعات الأخرى التي تحدد تاريخ الداروينية، لا يوجد موقف واضح بشأن هذا السؤال يمكن تعريفه على أنه «دارويني» أو «دارويني جديد». في مجموعة أوراق حديثة تدافع عن معظم البدائل التي يجري تطويرها حاليًا[lxviii]، أشك في أن كلّ مؤلف في تلك المجموعة تقريبًا سيعرف عن نفسه على أنه دارويني. قد يكون هذا بسبب اختلاف العديد من المواقف التي يتم الدفاع عنها حاليًا والتي تعود جذورها إلى نظرية داروين وممارساته[lxix].

 


المصادر (الداروينية):

  • Amundson, R., and Lauder, G. 1994, ‘Function without Purpose: The Uses of Causal Role Function in Evolutionary Biology’, Biology and Philosophy, 9: 443–469.
  • Babbage, C., 1837, The Ninth Bridgewater Treatise, London: Murray.
  • Barrett, P. H., and Freeman R. B., (eds.), 1988, The Works of Charles Darwin, Vols. 1–29, New York: New York University Press.
  • Barrett, P. H. et al., (eds.), 1987, Charles Darwin’s Notebooks, 1836–1844: Geology, Transmutation of Species, Metaphysical Enquiries, Ithaca NY: Cornell University Press.
  • Beatty, J., 1984, ‘Chance and Natural Selection’, Philosophy of Science, 51: 183–211.
  • –––, 1992, ‘Teleology and the Relationship Between Biology and the Physical Sciences in the Nineteenth and Twentieth Centuries’, in Durham and Purrington, 113–144.
  • Binswanger H., 1990, The Biological Basis of Teleological Concepts, Los Angeles : ARI Press.
  • Brandon, Robert, 1981, ‘Biological Teleology: Questions and Explanations’, Studies in History and Philosophy of Science, 12: 91–105.
  • –––, 1985, ‘Adaptation Explanations: Are Adaptations for the Good of Replicators or Interactors?’, in Weber and Depew, 81–96.
  • –––, 1990, Adaptation and Environment, Princeton: Princeton University Press.
  • Brandon, R. and Burian, R. (eds.), 1984, Genes, Organisms, Populations: Controversies over the Units of Selection, Cambridge MA: Harvard University Press.
  • Burian, R., 1983, ‘Adaptation’, in Grene, 287–314.
  • Darwin, C., 1859, On the Origin of Species, London: John Murray.
  • Dennett, D., 1995, Darwin’s Dangerous Idea: Evolution and the Meanings of Life, New York: Simon and Shuster.
  • Dobzhansky, T., 1937, Genetics and the Origin of Species, New York: Columbia University Press.
  • –––, 1970, Genetics of the Evolutionary Process, New York: Columbia University Press.
  • Durham, F. and Purrington R. (eds.), 1992, Some Truer Method: Reflections on the Heritage of Newton, New York: Columbia University Press.
  • Eble, G., 1999, ‘On the Dual Nature of Chance in Evolutionary Biology and Paleobiology’, Paleobiology, 25: 75–87.
  • Endler, J. 1983, ‘Natural and sexual selection on color patterns in poeciliid fishes’, Environmental Biology of Fishes, 9: 173–190.
  • Ereshefsky, M. (ed.), 1992, The Units of Evolution: Essays on the Nature of Species, Cambridge MA: Harvard University Press.
  • Gayon, J., 1998,  (الداروينية) Darwinism’s Struggle for Survival: Heredity and the Hypothesis of Natural Selection, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2003, ‘From Darwin to Today in Evolutionary Biology’, in Hodge and Radick, 240–264.
  • Gotthelf, A. and Lennox, J. G., 1987, Philosophical Issues in Aristotle’s Biology, Cambridge: Cambridge University Press.
  •  (داروينية) Grene, M. (ed.), 1983, Dimensions of Darwinism (الداروينية), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Stephen Jay Gould, 2002, The Structure of Evolutionary Theory, Cambridge MA: Harvard University Press.
  • Herbert, S., (ed.), 1980, The Red Notebook of Charles Darwin, Ithaca: Cornell University Press.
  • Herschel, J., 1830/1987, A Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy, Chicago: Chicago University Press.
  • Hodge, J. and Radick, G. (eds.), 2003, The Cambridge Companion to Darwin, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Horowitz, T. and Massey, G., (eds.), 1991, Thought Experiments in Science and Philosophy, Savage MD: Rowman and Littlefield.
  • Hull, D., 2001, Science and Selection: Essays on Biological Evolution and the Philosophy of Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Huxley, L. (ed.), 1901, Life and Letters of Thomas H. Huxley, Vols. I-II, New York: D. Appleton & Co.
  • Keller, E. Fox and Lloyd, E. (eds.), 1992, Keywords in Evolutionary Biology, Cambridge MA,: Harvard University Press.
  • Kimura, M., 1992, ‘Neutralism’, in Fox Keller and Lloyd, 225–230.
  • Kitcher, P., 1993, The Advancement of Science: Science without Legend, Objectivity without Illusions, Oxford: Oxford University Press.
  • Lamarck, J-B., 1809/1984, Zoological Philosophy, Chicago: University of Chicago Press.
  • Laudan, L., 1976, Progress and its Problems, Berkeley: University of California Press.
  • Lennox, James G. 1987, ‘Kinds, forms of kinds, and the more and the less in Aristotle’s biology,’ in Gotthelf and Lennox 1987, 339–359.
  • Lennox, J., 1991, ‘Darwinian Thought Experiments: A Function for Just-so Stories’, in Horowitz and Massey, 223-246.
  • –––, 1993, ‘Darwin was a Teleologist’, Biology and Philosophy 8: 409–422.
  • –––, ‘Philosophy of Biology’, in Salmon et al. 1992, 269–309.
  • –––, 2000, Aristotle’s Philosophy of Biology: Essays on the Origins of Life Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Lennox, J. and Wilson, B., 1994, ‘Natural Selection and the Struggle for Existence’ Studies in History and Philosophy of Science, 25: 65–80.
  • Lyell, C., 1831–3/1991, Principles of Geology, First Edition, Vol. I-III, Chicago: University of Chicago Press.
  • Millstein, R., 2000, ‘Chance and Macroevolution’, Philosophy of Science, 67: 603–624.
  • Ospovat, D., 1980, The Development of Darwin’s Theory: Natural History, Natural Theology, and Natural Selection, 1838–1859, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Rheins, J., 2011, ‘Similarity and Species Concepts’, in Carving Nature at its Joints: Natural Kinds in Metaphysics and Science, in J. Campbell, M. O’Rourke, and M. Slater (eds.), Topics in Contemporary Philosophy (Volume 8), Cambridge, MA: MIT Press, 253–288..
  • Robson, G. C. and Richards, O. W., 1936, The Variation of Animals in Nature, London: Longmans.
  • Salmon, M. et al., 1992, Introduction to Philosophy of Science, Indianapolis: Hackett.
  • Shanahan, T., 1991, ‘Chance as an Explanatory Factor in Evolutionary Biology’, History and Philosophy of the Life Sciences, 13: 249–269.
  • Skelton, P. (ed.), 1993, Evolution: A Biological and Palaeontological Approach, London: Pearson.
  • Sterelny, K. and Griffiths, P., 1999, Sex and Death: An Introduction to Philosophy of Biology, Chicago: Chicago University Press.
  • Uglow, J., 2002, The Lunar Men: Five Friends Whose Curiosity Changed the World, New York: Farrar, Strauss and Giroux.
  • Weber, B. and Depew, D. (eds.), 1985, Evolution at a Crossroads: The New Biology and the New Philosophy of Science, Cambridge MA: MIT Press.
  • George Williams, 1966, Adaptation and Natural Selection: A Critique of Some Current Evolutionary Thought, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 1992, Natural Selection: Domains, Levels, and Challenges, Oxford: Oxford University Press.
  • Walsh, D., 2006, ‘Evolutionary Essentialism’, British Journal for Philosophy of Science, 57: 425–448.
  • Wilkins, J. S., 2009, Species: A History of the Idea, Berkeley: University of California Press.
  • Wilson, D. S., 1984, ‘Individual Selection and the Concept of Structured Demes’, in Brandon and Burian, 272–291.
  • Winsor, M. P., 2001, ‘Cain on Linnaeus: The Scientist-Historian as Unanalysed Entity,’ Studies in the History and Philosophy of Biology and the Biomedical Sciences, 32 (2), 239–25.
  • –––, 2006, ‘Linnaeus’s Biology was not Essentialist’, Annals of the Missouri Botanical Gardens, 93: 2–7.
  • Further Reading
  • Charles Darwin’s Life
  • Browne, E. J. 1995, Charles Darwin: A Biography. Vol. 1: Voyaging, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2000, Charles Darwin: A Biography. Vol. 2: The Power of Place, Princeton: Princeton University Press.
  • Desmond, A. and Moore, J., 1992, Darwin: The Life of a Tormented Evolutionist, New York: Norton.
  • Herbert, S. 2005, Charles Darwin, Geologist, Ithaca: Cornell University Press.
  • Charles Darwin: Primary Sources
  • Barrett, P. H. (ed.), 1977, The Collected Papers of Charles Darwin, 2 Vols., Chicago: University of Chicago Press.
  • Burkhardt, F. (ed.), 1985–2015, The Correspondence of Charles Darwin, Volumes 1–21, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Chancellor, G. and John van Wyhe (eds.), 2009, Charle’s Darwin’s Notebooks from the Voyage of the Beagle, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Keynes, R. (ed.), 2000, Charles Darwin’s Zoology Notes & Specimen Lists from H.M.S. Beagle, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Peckham, M. (ed.), 1959, The Origin of Species by Charles Darwin: A Variorum Text, Philadelphia: University of Pennsylvania Press. [1st Paperback edition, 2006]
  • Weinshank, D. et al. (eds.), 1990, A Concordance to Charles Darwin’s Notebooks, 1836–1844, Ithaca: Cornell University Press.
  • Charles Darwin’s Context
  • Hodge, J. and Radick, G. (eds.), 2003, The Cambridge Companion to Darwin, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Owen, R., 1837/1992, The Hunterian Lectures in Comparative Anatomy, 1837, Chicago: Chicago University Press.
  • Rudwick, M., 1997, George Cuvier, Fossil Bones and Geological Catastrophes, Chicago: University of Chicago Press.
  • Ruse, M., 1999, The Darwinian Revolution: Science Red in Tooth and Claw (Revised edition), Cambridge: Cambridge University Press.
  • Ruse, M. and Richards, R. J. (eds.), 2009, The Cambridge Companion to the Origin of Species, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Snyder, L., 2010, The Philosophical Breakfast Club, New York: Broadway Books.
  • The Evolution of Darwinism
  • Amundson, R., 2005, The Changing Role of the Embryo in Evolutionary Thought: Roots of Evo-Devo, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Depew, D. and Weber, B., 1995, Darwinism Evolving: Systems Dynamics and the Genealogy of Natural Selection, Cambridge MA: MIT Press.
  • Kohn, D. (ed.), 1995, The Darwinian Heritage, Princeton: Princeton University Press.
  • Mayr, E., 1976, Evolution and the Diversity of Life, Cambridge MA: Harvard University Press.
  • Ruse, M. (ed.), 2013, The Cambridge Encyclopedia of Darwin and Evolutionary Thought, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Philosophy and Evolutionary Theory
  • Brandon, R. N., 1996, Concepts and Methods in Evolutionary Biology, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Burian, R. M., 2005, The Epistemology of Development, Evolution, and Genetics, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Ereshefsky, M. (ed.), 1992, The Units of Evolution: Essays on the Nature of Species, Cambridge, MA: MIT Press.
  • Godfrey-Smith, P., 2014, The Philosophy of Biology, Princeton: Princeton University Press.
  • Hull, D. and Ruse, M. (eds.), 1998, The Philosophy of Biology, Oxford: Oxford University Press.
  • Lloyd, E., 1994, The Structure and Confirmation of Evolutionary Theory, 2nd edition Princeton: Princeton University Press.
  • Sober, E., 1984, The Nature of Selection: Evolutionary Theory in Philosophical Focus, Cambridge MA: MIT Press.
  • –––, (ed.), 1994, Conceptual Issues in Evolutionary Biology, 2nd edition, Cambridge MA: MIT Press.
  • –––, 2008, Evidence and Evolution: The Logic Behind the Science, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Walsh, D. M., 2015, Organisms, Agency, and Evolution, Cambridge: Cambridge University Press.

أدوات أكاديمية لمقالة الداروينية

       

How to cite this entry.

       

Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.

       

Look up this entry topic at the Internet Philosophy Ontology Project (InPhO).

       

Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.


مصادر أخـرى على الأنترنت عن الداروينية

Though there are an abundance of web sites on Darwinism, the three most useful sites meeting the highest of academic standards are listed below. The first is the official site for the publication of material in the extensive Darwin Archives at Cambridge University, but has grown to become the default site for Darwin texts and related literature as well. The second is the official site for on-line publication of Darwin’s extensive correspondence. The third site is a very good starting point amd links to sites related to Charles Darwin’s historical context.


مداخـل ذات صلة حول الداروينية

adaptationism | فلسفة البيولوجيا creationism | developmental biology: evolution and development | essential vs. accidental properties | evolution | fitness | individuals and individuation | laws of nature | natural selection | natural selection: units and levels of | scientific explanation | Scottish Philosophy: in the 18th Century | Scottish Philosophy: in the 19th century | species | الانطباعات الغائية في علم الأحياء | Whewell, William

 


الهوامش (الداروينية):

[1] Lennox, James, “Darwinism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2019 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2019/ entries/darwinism/>.

[i] Gayon 2003, 241.

[ii]  وصفت الداروينية بهذا الوصف، لأنها لا تشير إلى نظرية بقدر ما تشير إلى “تقليد بحثي” (Laudan, 1976) أو “ممارسة علمية” (Kitcher 1993)؛ أي، في أي وقت من تاريخها، تتكون الداروينية من مجموعة من النظريات المرتبطة بأنطولوجيا ومنهجية وأهداف مشتركة؛ وبمرور الوقت، يتكون من سلالة من هذه النظريات. يتم استخدام كلمة “نظرية” أعلاه بالمعنى الواسع جدًا الذي ظل داروين يشير فيه إلى “نظريتي” منذ وقت مبكر في دفاتر ملاحظاته. المؤلف.

[iii]  كان مصطلح الداروينية الجديدة يُستَخدَم غالبًا للإشارة إلى النظرية التطورية المعاصرة أعقاب تطور الاصطناع الحديث لعلم الأحياء التطوري من 1918 وحتى 1947. لكن لم يُحَدِّد علماء الأحياء تطبيقهم لمصطلح الداروينية الجديدة على الاصطناع التاريخي الحديث. فعلى سبيل المثال،

  • كتب إرنست ماير: «استخدام مصطلح الداروينية الجديدة للنظرية التركيبية [الاصطناع الحديث في أوائل القرن العشرين] خاطئ، لأن مصطلح الداروينية الجديدة صاغه رومانز في عام 1895 كتسمية لنظرية وايزمان.»
  • في حين تستخدم، الموسوعة البريطانية/بريتانيكا، الداروينية الجديدة للإشارة إلى نظرية التطور الحالية، وليس النسخة القائمة خلال أوائل القرن العشرين.
  • بينما استخدم ريتشارد دوكينز وستيفن جاي غولد المصطلح في مؤلفاتهم ومحاضراتهم للإشارة إلى أشكال البيولوجيا التطورية المعاصرة لفترة كتابتهم. المترجم.

[iv]  صاغ ويليام ويويل William Whewell كلمة «عالم Scientist» خلال حياة داروين، ولكن قلة قليلة من معاصري داروين امتلكها. المؤلف.

[v]  المجتمع القمري Lunar Society: كان ناديًا ومجتمعًا علميًا غير رسمي، مكون من صنّاعيين وفلاسفة طبيعة ومفكّرين، كانوا يجتمعون بانتظام بين 1765 و1813 في برمينغهام بإنجلترا. المترجم.

[vi]  التوحيدية Unitarians: هي حركة لاهوتية مسيحية دينية، تُعتبر الحركة أحيانًا ضمن الطوائف البروتستانتية بسبب أصولها التي تعود إلى حركة الإصلاح، وتعاونها القوي مع المذاهب البروتستانتيَّة الأخرى منذ القرن السادس عشر. المترجم.

في حين هناك وجهات نظر تستبعد التوحيدية من ضمن المذاهب البروتستانتية بسبب طبيعتها اللاثالوثية، وتعتبرها ببساطة حركة مسيحية لاثالوثية.

فقد سميّت كذلك استنادًا إلى مفهومها بوحدانيّة الله حيث ترفض عقيدة التثليث. وكما هو معروف فإن دعاة التوحيد يرفضون العديد من عقائد المذاهب المسيحية التقليدية الأخرى؛ بما في ذلك عقيدة السوتريولوجيا (الأيام الأخيرة) والخطيئة الأصلية (الإنسان مولود بالخطئية)؛ وفي الآونة الأخيرة يرفض أتباع التوحيدية عقيدة عصمة الكتاب المقدس (العصمة تعني الخلو من الخطأ). صنّفت في موسوعة الأديان الأمريكية بين أسرة الكنائس «المسيحيّة الليبراليّة». المترجم.

[vii]  مصب نهر فورث Firth of Forth: هو خور نهر فورث الاسكتلندي الذي يصب في بحر الشمال. المترجم.

[viii]  جمعية بلينيان Plinian Society: كانت جمعية بلينيان ناديًا في جامعة إدنبرة للطلاب المهتمين بالتاريخ الطبيعي. تأسست عام 1823. استمر العديد من أعضائها في الحصول على وظائف بارزة، وأبرزهم تشارلز داروين الذي أعلن عن اكتشافاته العلمية الأولى في المجتمع. المترجم.

[ix]  Barrett & Freeman 1988, vols. 11–13.

البرنقيل Barnacle: هو محار يعيش في المياه المالحة، يلتصق بالأشياء تحت الماء. ويوجد على دعامات أرصفة الموانئ والصخور والسلاحف والحيتان وقيعان السفن. يقضي المهندسون البحريون كثيرا من الوقت في إجراء التجارب لمنع البرنقيل من الالتصاق بالسفن والأرصفة. المترجم.

[x]  أي، كتاب “خطاب تمهيدي حول دراسة الفلسفة الطبيعية A Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy“، في البداية المجلد التمهيدي لـداينيسوس لاردنر Dionysius LardnerCabinet Cyclopedia“. تم نشره خلال الفصل الدراسي الأخير لداروين في كامبريدج. المؤلف.

[xi]  وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في الفصل السادس. من «خطابه التمهيدي Preliminary Discourse»، وهو فصل مخصص للاستقراء واكتشاف الأسباب، أُخِذَ أول مثالين موسعين لهيرشل من المجلد الأول لتشارلز لايل في كتابه «مبادئ الجيولوجيا»، الذي نُشر في عام 1830، وهو نفس العام الذي نُشر فيه الخطاب التمهيدي.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أن عمل لايل هو أولاً وقبل كلّ شيء دفاع عن طريقة جديدة في الجيولوجيا، كذلك لمجموعة جديدة من المبادئ للعلم الوليد. وهكذا فإن عمل لايل يعتبر نموذجيًا في أطروحة عن فلسفة العلم (كما نسميها)، وكان تأثيره على داروين على المستوى الفلسفي بقدر ما كان على المستوى العلمي (كما نقول). المؤلف.

[xii] Barrett et al., 1987, 413; original punctuation.

[xiii]  هناك لغزان جديران بالملاحظة حول رد فعل داروين على رسالة هيرشل:

أولاً، على الرغم من أن مذكرات داروين غير المنشورة عن رحلة السفينة بيغل تعلق على الأهمية الشخصية بالنسبة له للاجتماع والتحدث مع هيرشل في مدينة كيب تاون، فإن مجلة «الأبحاث المنشورة Journal of Researches»، بناءً على اليوميات، أغفلت تمامًا ذكر أيامه (8-15 يونيو)  في كيب تاون. على الرغم من أنني لا أرى أي صلة بالحقيقة، إلا أن النسخة المنشورة من اليوميات ظهرت في عام 1839، بعد عامين من مقالة تشارلز باباج بريدجووتر Bridgewater Treatise، وصيحة فرحة داروين «ياه».

ثانيًا، إن الإشارة في بداية كتاب أصل الأنواع إلى «أحد أعظم فلاسفتنا» ستكون مبهمة للجميع، باستثناء مجموعة من المطلعين، أولئك المطلعين على مقتطفات من رسالة هيرشل إلى لايل، والتي نُشرت في مقالة بريدجووتر. بالنظر إلى أن المقطع قد نُشِر، فلماذا لا نطلق على الفيلسوف الذي دعا أصول الأنواع «لغز الألغاز» هذا؟ سيكون من المثير للاهتمام معرفة النقطة التي قرر فيها داروين استخدام هذه العبارة لتقديم «كتاب الأنواع الكبيرة».

 

باختصار، يبدو أن داروين كان مترددًا في طباعة اسم هيرشل فيما يتعلق بسؤاله عن «الأنواع». لا يُعرف ما إذا كان هذا دليلًا على أنهما ناقشا محتوى الرسالة عندما التقيا في يونيو 1836. ومع ذلك، هناك دليل قوي على أنهم فعلوا ذلك. أحد الإدخالات المبكرة في كتاب («The Red Notebook» صفحة 32، 38؛ نسخة هربرت)، والذي بدأه داروين في اليوم الذي غادرت فيه سفينة بيغل مدينة كيب تاون، يشير إلى «فكرة السير هيرشل التي تمنعها الصخور الرسوبية، وبالتالي العمل البركاني …».

كما تقول ملاحظة هربرت في المقطع: «قبل شهور من [لقاء داروين] وصف هيرشل فكرته الجديدة عن سبب العمل البركاني في رسالة إلى تشارلز لايل بتاريخ 20 فبراير 1836. ومن المحتمل أنه كرر نفس التفسير لداروين في يونيو.» والاحتمال الآخر هو أنه أطلعه على نسخة من الرسالة بأكملها؛ نظرًا لأن كلاهما كانا جيولوجيين محترفين كانا يقرآن للايل بعناية، فقد يكون ذلك بمثابة أساس لمناقشاتهما. (راجع: Herbert 1980, pp. 38, 86). المؤلف.

[xiv]  المعدل أو المتوالية الهندسية 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128؛ بينما المتوالية العددية 2، 3، 4، 5، ، 7، 8… المترجم.

[xv]  ظاهرة أكثر حداثة مما تُقدَّر عادة. في ثيودوسيوس دوبجانسكي Dobzhansky  1937، بعد وصف «الانتقاء المتطرف» لرونالد فيشر Ronald Fisher، اقتبس، على أنه «تباين جيد»، الملاحظة التالية للمشككين في الانتقاء روبسون GC Robson وريتشاردز OW Richards 1936: «لا نعتقد أنه يمكن تجاهل الانتقاء الطبيعي كعامل محتمل في التطور. ومع ذلك، هناك القليل من الأدلة الإيجابية لصالحها… بحيث لا يحق لنا أن نخصص لها الدور المسبب الرئيسي في التطور». المؤلف.

[xvi]  الاحتمال Probability: هو قياس إمكانية وقوع حدث ما. كلما زاد احتمال الحدث، كلما زادت إمكانية وقوع هذا الحدث. المترجم.

[xvii]  الصدفة Chance: الحدث الذي يحدث بدون سبب محدد ومعروف، وبالتالي يتناقض مع كلّ نظرية حتمية التي تسند لكل حدث سبب محدد؛ حدث يقع بشكل مفاجئ. المترجم.

[xviii]  حول هذا أنظر: Beatty 1990 ، Lennox 1993.

[xix]  المذهب الاسمي أو الاسمانيّة أو الاسميّة Nominalism: مصطلح  مشتق من الاسم اللاتيني nomen «الاسم». في الميتافيزيقا، الاسميّة هي وجهة نظر فلسفية تُنكر وجود المسلمات والأشياء المجردة.كما  يعتقد معظم أنصارها أن التفاصيل المادية فقط في المكان والزمان هي حقيقية. المترجم.

[xx]  الماهوية Essentialism: هي وجهة النظر القائلة إن لكل كينونة مجموعة من السمات الضرورية لهويتها ووظيفتها. حيث افترضت المثالية الأفلاطونية أن لجميع الأشياء «ماهية»، أي «فكرة» أو «صورة». كما اقترح أرسطو في كتابه «المقولات» رأيًا مماثلًا مقترحًا وهو وجود جوهر لجميع الأشياء. كما قدمت الماهوية الأساس المنطقي لعلم التصنيف ضمن مجال علم الأحياء والعلوم الطبيعية الأخرى، وذلك أقلّه حتى عصر تشارلز داروين. ما يزال دور الماهوية وأهميتها في علم الأحياء موضع نقاش. المترجم.

[xxi] Lyell 1831, II. 1.

[xxii] Lyell 1831, II. 23.

[xxiii]  اُختُبِرَ داروين كطالب جامعي في مقال جون لوك John Locke عن «الفهم الإنساني». على حد علمي، لم يناقش أبدًا ما إذا كان لهذا أي تأثير على استعداده للتعبير عن الآراء الواردة في هذا الاقتباس. المؤلف.

[xxiv] Darwin 1859, 52.

[xxv]  Darwin 1859, 485.

[xxvi]  هناك توتر مهم للغاية، وقيد الاستكشاف، هنا على الأقل عند لايل وهيرشل، وكلاهما يبدو في كثير من النواحي الأخرى من المؤمنين الأرثوذكس للتجربة الاسكتلندية. المؤلف.

[xxvii] Darwin 1859, 49.

[xxviii] Stephen Jay Gould (2002, 1).

[xxix] Gould 2002, 6.

[xxx] Darwin 1859, 80–81.

[xxxi] Brandon1990, 11.

[xxxii] Beatty 1984, 196.

[xxxiii] Darwin 1859, 131.

[xxxiv]  دوف أوسبوفات Dov Ospovat (1980، 51-53)، بالطبع، يجادل بشكل مقنع بأن داروين تخلى تدريجيًا عن وجهة نظر لاماركية حول أصول التنوع.  المؤلف.

[xxxv]  راجع شاناهان Shanahan 1991، 249-269. قارن إبل Eble  1999، 76-78، الذي يلاحظ عددًا من نفس استخدامات «العشوائية» و«الصدفة»، كتلك التي نوقشت هنا، لكنه يرى علاقاتهم بشكل مختلف تمامًا. فُصِّلَت الأفكار الواردة في Eble 1999 بشكل جيد في (Millstein 2000, 608-613). المؤلف.

[xxxvi] Darwin 1859, 170.

[xxxvii] Dobzhansky 1970, 65.

[xxxviii] Kimura 1992, 225.

[xxxix] cf. Lennox 1992, Lennox and Wilson 1994.

[xl]  Cf. Barrett et al. 1987, 279; and notes 1-4 to notebook page C133.

[xli] Skelton 1993 164.

[xlii] Wilson 1984, 273.

[xliii] Gould 2003, 619.

[xliv] Williams 1993, 16.

[xlv] cf. Dennett 1995.

[xlvi] Gayon 1998 and Gould 2003 are exceptions.

[xlvii] Ghiselin 1997.

[xlviii] Hull 2001.

[xlix] For further discussion, see Sterelny and Griffiths 1999, 151–179; Hull 2001, 49–90; and see the entry on: levels and units of selection.

[l] Darwin 1859, 3.

[li]  يتناقض علم الهدفية أحيانًا مع علم الغائية، حيث يُفهم الأخير على أنه هدف هادف موجه ناتج عن نية بشرية أو إلهية. المترجم.

[lii]  يجب التأكيد هنا على أن هذه المناقشة تقتصر على تفسيرات التكيف ضمن الإطار الدارويني، أي بالإشارة إلى الانتقاء الطبيعي. سواء كانت الأنواع الأخرى من التفسيرات في جوانب أخرى من علم الأحياء غائية أم لا، وإذا كانت كذلك، فإن التفسير سيأخذ نفس الشكل، يبقى مفتوحًا تمامًا. للحصول على فكرة جيدة لهذا السؤال، والدفاع عن فهم متميز للوظيفة البيولوجية في مجال التشكيل المقارن، انظر Amundson and Lauder، 1998. المؤلف.

[liii] Endler 1983, 173–190.

[liv] Williams 1966 261; Brandon 1985; Burian 1983.

[lv] Binswanger 1990; Brandon 1985; Lennox 2002.

[lvi] Rheins 2011.

[lvii] Mayr 1942/1982, 113.

[lviii] Mayr 1942/1982, 120; 1976 518.

[lix] Mayr 1976 481.

[lx] Mayr 1976 312.

[lxi] Mayr 1976 479.

[lxii] 1976 516.

[lxiii] see, e.g. Lennox, 1987; repr. in Lennox 2001b; Winsor 2001, 2006; Walsh 2006; Wilkins 2009.

[lxiv] Mayr 1976, 518.

[lxv]  يقر ماير (1987) بهذا الأمر باعتباره امتدادًا لأفكاره. المؤلف.

[lxvi] Walsh, 2006.

[lxvii] see Rheins 2011.

[lxviii] Ereshefsky 1992.

[lxix] see Beatty 1985; reprinted in Ereshefsky 1992.