المقدمة والفصل الأول من كتاب: (الحكمة الخالدة The Perennial Philosophy) – ألدوس هكسلي / ترجمة: عبد العاطي طلبة

المقدمة والفصل الأول من كتاب: (الحكمة الخالدة The Perennial Philosophy) – ألدوس هكسلي / ترجمة: عبد العاطي طلبة

الحكمة الخالدة

غلاف كتاب (الحكمة الخالدة) لألدوس هكسلي


مقدمة

الحكمة الخالدة تعبير صَاغه  ليبنيز على أنّها الميتافيزيقا التي تُسَلِّم بوجود حقيقة إلهية جوهرية لعالم الأشياء والأرواح والعقول؛ السايكولوجيا التي تقول بوجود شيء داخل الروح يشابه أو يطابق الحقيقة الإلهية؛ الأخلاق التي تنتهي بالإنسان إلى أنْ يعرف أنّ هناك مُشترَكًا باطنيًّا متعاليًا للموجودات جميعها، وهذا المشترَك أزليّ وعالميّ.

إنّ المبادئ التي تقوم عليها الحكمة الخالدة يمكن العثور عليها عند الأمم البدائية حول العالم؛ في معارفهم التقليدية التي يؤمنون بها، وفي أشكالها الأكثر تطوّرا في كل دينٍ من الأديان العُليا.

وقد دُوِّنَت النسخة الأولى من هذا المشترك اللاهوتي -سواء كان اللاهوتُ سابقًا أو تاليًا- قبل أكثر من خمسة وعشرين قرنا مضى. ومنذ ذلك الحين والبحث في هذا الموضوع لا ينضب؛ فقد عُولِج مرات عديدة من وجهة نظر التقاليد الدينية، وبكل اللغات الرئيسَة في آسيا وأوروبا.

في الصفحات التالية جمعتُ عددًا من الاقتباسات المُختارة، وقد انتقيتُها لعظيم أهميّتها؛ ولأنها تُبرِز ملامح أساسية لنظام الحكمة الخالدة العام، وأيضًا بسبب جوهرها الجماليّ، وأنها تستحقّ أن تُتَذَكّر. وقمتُ بترتيب هذه المختارات تحت عناوين عديدة، وضمّنتُها بعض التعليقات لتوضيحها وربط بعضها ببعض وربما لتطويرها، وإن لزم الأمر، فإني أعمل على تفسيرها أيضا.

إنّ المعرفة هي وظيفة الموجود، وعندما تتغيّر حالة العارف، يحدث تغيُّر يناظره في طبيعة المعرفة ومقدارها. على سبيل المثال، يتحوّل الطفل -بفعل النموّ والتعليم- إلى رجل ناضج، ومن بين نتائج هذا التحوُّل حدوث تغيُّر ثوريّ في طريقة معرفته ومقدارها، وفي طبيعة الشيء المعروف أيضا. عندما يكبر الفرد فإن بناءه المعرفي يصبح أكثر منطقيَّة واتَّساقًا، ويزداد محتواه المعرفيّ نفعية وواقعية بشكل كبير.

 

لكن، يقابل تلك المنافع تراجع في جَوْدة الاستيعاب المباشر، وضَعْف في القوّة الحدسيّة وكَسْر لحِدّتها.  فلنعتبر هذا التغيّر في حالته من النوع الذي يمكن أن يُخْضِعه العالِمُ  آليًّا عن طريق مُعِدّاته.

مثلا، لو جُهِّز عالم فلك بمطياف بصري  وعاكس ستين بوصة، فإنّه سيصير إنسانًا خارقًا إذا ما تعلّق الأمر بالقدرة على الإبصار، وبالتالي علينا أن نتوقّع أيضا أنّ المعرفة التي يحوزها هذا المخلوق الإنساني الخارق تختلف كليًّا -من ناحيتي الكم والجودة- عن تلك المعرفة التي يمكن أن يكتسبها فلكيّ آخر بعينه المجرّدة؛ غير المُعَدّلة.

ليستْ  تغيُّرات العارف الفِسْيُولُوجِيّة أو العقليّة هي التغيرات الوحيدة التي قد تؤثّر على معرفته، ولكن لأننا موجودات أخلاقيّة؛ فإن معارفنا تعتمد أيضا على الهيئة التي اخترنا أنفسنا لتكون عليه.

يرى وليم جيمس أنّ الممارسة قد تغيّر أُفُقنا النظري بشكل ثنائيّ؛ فهي من الممكن أنْ تقودنا إلى عوالم جديدة، وقد تعزز فينا قوى جديدة أيضا. ولا يمكن إدراك المعرفة حالة الجمود على ما نحن عليه، ولكن يمكن كسبها عن طريق قوى أعلى، وحياة أَسْمى يمكن تحقيقها أخلاقيًّا.

لعلي أوجز هذا المعنى في هذا القول: “طوبى للأنقياء القلب؛ لأنهم يُعاينون الله”، وقد عبّر الشاعر الصوفيّ جلال الدين الرومي عن الفكرة ذاتها -مستخدمًا مجازًا علميًّا- حين قال: “الحب هو أسطرلاب الأسرار الإلهية”.

أكرر، هذا الكتاب عبارة عن منتخبات من الحكمة الخالدة ، ومع ذلك فإنه لا يحتوي على مقتطفاتٍ كثيرة للمثقفين والأدباء، وعلي الرغم من أننا نطرح فلسفة، فقلّما نقتبس شيئًا من الفلاسفة الكبار، والسبب في ذلك بسيط؛ أنّ الحكمة الخالدة تُعنى في المقام الأول بالوَحْدة، بالحقيقة الإلهية الجوهرية لعالم الكثرة؛ عالم الأشياء والأرواح والعقول، ومن طبيعة هذه الحقيقة الواحدة أنها لا يمكن أن يظفر بها أحد بطريق مباشرة ووقتيّ إلا هؤلاء الذين اختاروا أنْ يخضعوا لشروط خاصة؛ أن يحملوا أنفسهم على الحبّ، وأن يكونوا أنقياء القلب، مساكين بالروح.  

لماذا يجب أن يكون الأمر على هذا النحو؟ إننا لا نعرف، هذه واحدة من الحقائق التي يجب أن نقبلها كما هي، سواء أحببناها أم لا، ولا ضير إنْ بدتْ غير قابلة للتصديق أو بعيدة الاحتمال.

لا شيء يدعونا في الممارسة اليومية أنْ نفترض أنّ الماء يتألّف من الهيدروجين والأُكسجين، ولكن عندما نُخضِع الماء لشيء من المعالجة الصارمة تصبح عناصره المُكوّنة في غاية الوضوح.

كذلك، لا شيء في تجاربنا اليومية يُوحي إلينا أن نفترض أنّ عقل الإنسان العادي ذي الحواس الطبيعية يحتوي في إحدى مكوناته على ما يشابه أو يطابق الحقيقة الجوهرية لعالم الكثرة، ولكن عندما يخضع العقل لشيء من المعالجة الحقيقية يظهر العنصر الإلهي واضحًا كجزء من مكوناته، ولا يتجلّى في العقل نفسه فقط، ولكنه ينعكس أيضا في السلوك الخارجي للعقول الأخرى.

ومن خلال إجراء التجارب الفيزيائية والأخلاقية يمكننا أن نكتشف الطبيعة الجوهرية للمادة وأن نعرف إمكاناتها، كذلك إنْ أردنا أنْ نكتشف الطبيعة الحقيقية للعقل وأن نعرف إمكاناته، علينا أنْ نُجري عليه التجارب السيكولوجية والأخلاقية.

وتظل هذه الإمكانات العقلية كامنة وغير واضحة في الأحوال الطبيعية للحياة الحسّيّة العادية، وإن أردنا إزالة الستار عنها، فإنه علينا أن نفي بشروط خاصّة، وأن نلتزم بقواعد محددة أظهرت لنا الخبرة أنها صحيحة تجريبيًّا.

أما فيما يتعلّق بكبار الفلاسفة والمثقفين والأدباء، هل هناك أيّ دليل على أنهم سلكوا طريق الوفاء بهذه الشروط اللازمة لتلقِّي المعرفة الروحيّة بشكل مباشر؟ إنّ الميتافيزيقي أو الشاعر إنْ أراد أن يعالج الفكرة الرئيسة لموضوع الحكمة الخالدة ، فإنّ تناوله يكون عامًّا، ومن مصادر ليستْ مباشرة.

وقد وُجد في كل عصر من سلك هذا الطريق من  الرجال والنساء وتحققوا بهذه الشروط على أنّها حقائق تجريبية صارخة؛ فآمنوا أنّ المعرفة يُمكِنُ أن تُتَلقّى بشكل مباشر، وترك بعضهم آثارا لهذه الحقيقة التي مُكِّنوا من إدراكها، وحاولوا أنْ يربطوا بين تلك المعارف التي تلقّوها عبر الخبرة بعضها ببعض في نَسَق واحدي شامل.

لذا فإنّ ممثلي هذه الحكمة الخالدة هم هؤلاء الذين نعرفهم بأسماء مثل: قديس، نبي، حكيم، مستنير، هؤلاء فقط؛ وسبب ذلك أنهم عرفوا حقا ما الذي يتحدثون عنه، وليس هذا للفلاسفة أو الأدباء، الذين تجاهلتهم في اختياراتي.

يمكننا التعرف في السياق الهنديّ على مستويين من النصوص المقدسة؛ شروتي Shruti، أو الكتابات الإلهاميّة، التي تمثّل لديهم سلطة؛ لأنها نتاج مباشر للحقيقة المطلقة، وسمرتي  Smriti التي قامت على نصوص شروتي Shruti، ومنهما تُستمد السلطة الروحية.

إن شروتي Shruti كما يقول شانكارا Shankara: “تعتمد على الإدراك المباشر، أما سمرتي Smriti فإنها تقوم بدور استقرائي، وبما أنها استقراء لنص آخر، فإنّها تستمدّ سلطتها من سلطة أخرى غيرها”. وقد اقتبستُ بعض النصوص من شروتي Shruti وسمرتي Smriti  مرات كثيرة وفي مواضع عدة، وألحقتُها بتعليقات تفسيرية.

لسوء الحظ، إنّ الشعور بالألفة مع النصوص المقدسة التقليدية يُنتِج، لا أقول ازدراء لها بالطبع، ولكن من أجل بعض الأغراض العمليّة، فإنّ تلك الألفة تؤدي إلى ما هو قريب من ذلك، أعني أنها تقود إلى نوع من فقدان الشعور بالتبجيل، وغياب للروح، وصَمَمٍ قلبيّ إزاء معاني الكلم المقدس.

ولهذا فإنني عند اختيار المادة التي توضّح عقائد الحكمة الخالدة كما صِيغت عند الغرب؛ فإنني قد ذهبتُ بعيدًا عن الكتاب المقدس إلى مصادر أخرى؛ فاقتبستُ عن السمتري Smriti الكنسية التي تعتمد على شروتي Shruti الكتب القانونية، ولها ميزة عظيمة؛ أنها أقل شهرة، ولذا فهي أكثر حيويّة، بل يمكنني أن أقول أنها أكثر قبولًا من غيرها.

وفوق ذلك، إن أكثر السمرتي Smriti  قد كتبه رجال ونساء صِدّيقون وخالِصون، مِمّن أهَّلُوا أنفسهم لمعرفة ما يعالجونه بطريقة كشفيّة، ومن ثَمّ يمكن  النظر إليه على أنه شكل من أشكال شروتي Shruti  الإلهامي والتحقيقيّ.

وتُعدّ سمرتي Smriti في درجة أعلى بكثير من النصوص اللاهوتية المعترف بها كنسيًّا، وقد وُجِدتْ محاولات في السنوات الأخيرة لتطوير نظام من اللاهوت التجريبي، وعلى الرغم من الدقّة والمهارة العقلية لكُتَّاب مثل سورلي، وأومان، وتيننت، فإنّ هذا الجهد لم يُحقق إلا نجاحًا جزئيًّا.

ولم يكن الأمر أكثر إقناعًا عند مؤيّدي اللاهوت التجريبي على وجه الخصوص، رغم أنهم كانوا أكثر نشاطًا. نلتمس سبب ذلك -كما يظهر لي- في تلك الحقيقة: إنّ اللاهوتيين التجريبيين حصروا أنفسهم بشكل أو بآخر في تجربة لاهوتيي تيار قديم؛ تيّار الجمود، وبتعبير آخر نقول: إنّهم حصروا أنفسهم في تجربة أشخاص لم يتحقَّقُّوا بالشروط اللازمة للمعرفة الروحية.

إنّ الحقيقة التي تأكدتْ أكثر من مرة منذ آلاف السنين خلال التاريخ الديني أنّه لا ينال الحقيقة المطلقة مباشرة إلا هؤلاء الذين حملوا أنفسهم على الحب، وكانوا أنقياء القلب، مساكين بالروح.

ليس من المُسْتَغْرَب إذن أن لا يحقق اللاهوت القائم على تجربة رجال تيار الجمود الحَذِقُونَ الاعتياديون إلا نجاحًا متواضعًا.

إنَّ هذا النوع من اللاهوت التجريبي يقف على قدم المساواة مع علم الفلك التجريبي الذي يتأسّس على المراقبين بالعين المجردة؛ فقد نرصد بهذه العين، غير المدعومة بشيء، بقعة ضبابية باهتة في كوكبة الجوزاء، ولا ننكر أنّ نظرية فلكية قد تقوم اعتمادًا على اكتشاف تلك البقعة الباهتة، ولكن، يستحيل أن يخبرنا هذا النوع من التنظير -مهما بلغت عبقريّته- شيئًا كثيرا عن السّديم الموجود في المجرّة أو خارجها، والذي يمكن رصده بشكل دقيق ومباشر عن طريق التلسكوب والكاميرا والمطياف البصري.

الأمر نفسه هنا كذلك؛ فهذه النظريات التي يضعها تيّار الجمود لعالم الكثرة، والتي تقوم على تَجَلٍّ خافت، لا يمكن لها أن تخبرنا شيئا عن الحقيقة الإلهية التي يمكن لعقل في حالةٍ من الوَجْد واللطف والتواضع أن يدركها مباشرة.

نعم، العلوم الطبيعية علوم تجريبيّة، ولكنها لا تنحصر في خبرة الإنسان حال كونه مجرّد إنسان، في ظروف غير مُعَدّلة، ويعلم الله وحده، لماذا يضطر رجال اللاهوت التجريبيّ أنفسهم أن يُعيقوا جهودهم بهذا القيد، والفشل المستمر لن يبرح عنهم ما داموا محبوسين داخل هذه الحدود البشرية التي تعيق خبرتهم التجريبية، ولا يفيدهم أن يبذلوا قصارى جهدهم كذلك.

ومهما بلغت موهبتهم وعبقرية اختياراتهم؛ فإنّ تلك المواد التي وضعوها موضع عناية، لا يمكن أن نستخلص منها إلا عددًا من الاحتمالات التي يمكن أن نقول في أفضل حالاتها أنّها احتمالات خدّاعة.

إن الموجودات في حالتها الطبيعية لا يمكن لها أن تحقق اليقين الذاتي من الوعي المباشر؛ فتحقيق هذا لا يكون إلا لمن يمتلكون أسطرلابا أخلاقيا يُمكّنهم من تلقّي الأسرار الإلهيّة.

وما دام الواحد منا ليس حكيمًا أو قديسًا، فإنّ أفضل ما يمكنه القيام به أنْ يعكف على دراسة أعمال من كانوا كذلك، هؤلاء الذي عملوا على تهذيب طبائعهم البشريّة؛ فأصبحوا مؤهلين لتلقّي المعارف التي تعجز عنها الطبيعة البشرية المجرّدة.

الفصل الأول: ذاك هو أنت THAT ART THOU

إذا أردنا أنْ ندرس الحكمة الخالدة فإما أن نبدأ من أدناها أو أعلاها، ويمثل السلوك والأخلاق الجزء الأدنى منها، وتمثّل العناية بالحقائق الميتافيزيقيّة جزءها الأعلى، أو أن نسلك طريقًا وسطًا بين هذا وذاك إذا اهتممنا بحلقة الوصل التي يجتمع عندها العقل والمادة، الحركة والفكر، داخل النفس الإنسانية. 

يفضّل معلمو الحكمة العملية مثل غوتاما بوذا الولوج عن طريق البوابة الدّنيا؛ فالاستبصار عنده لا يُجدي، ولا يهمه شيء إلا تخليص قلوب البشر من تأجُّج نيران الجشع والسُّخط والحماقة، ويسلك البوّابة العُليا من امتهنوا وظيفة التفكير والتأمل من أذكياء الفلاسفة واللاهوتيين.

أما عن البوابة الوسطى؛ فيطرقها دعاة ما يُسَمّى بالروحانيّة، ومن هؤلاء: نُسّاك الهند التأمليّون، والمتصوفة المسلمون والكاثوليك في العصور الوسطى المتأخِّرة، وإذا انتقلنا إلى السياق البروتستانتي؛ فإننا نجد رجالًا مثل هانس دينك، وفرانك سيباستيان، وسيباستيان كاستيليو، وكذلك إيفرارد وجون سميث، والكويكرز (جمعية الأصدقاء الدينية) الأولى، وويليام لو.

أي بوابة سنسلك إذن؟ إنها البوابة الوسطى؛ لأنها وسط، ولأنه من خلالها يمكن أن نطرق الموضوع الرئيس لهذا الكتاب. سيكولوجيًّا، نجد لـ الحكمة الخالدة وجودًا في الميتافيزيقا، وفي طرق الحياة الخاصّة والنظام الأخلاقي أيضًا، ومن السهل للعقل أن يتحرك في أيّ اتجاه يناسبه إذا بدأنا بالنقطة التي تلتقي العقائد عندها.

في هذا القسم سنقوم بحصر اهتمامنا في توضيح أهم ملامح هذه السيكولوحيا التقليديّة وأكثرها حضورًا عند القائلين بـ الحكمة الخالدة ، ومع أهمّيتها تلك، فإنها تعد أقل هذه الملامح من الناحية السيكولوجية.

ونود أن نقول إنّ العقيدة المراد توضيحها هنا تنتمي معرفيّا إلى علم الذات autology لا إلى علم النفس Psychology، وليس المراد بالذات هنا الأنا الشخصيّة، بل تلك النفس الأبدية التي تكمن في العمق من النفوس الفردية، وتطابق الحقيقة المتعالية، أو تتشابه معها على الأقل.

بناء على التجربة المباشرة لهؤلاء الذين تحققوا بالشروط الضرورية لتحقيق معرفة كهذه، فإنه قد صِيغ هذا المذهب بإيجاز في التعبير السنسكريتي القائل tat tvam asi (ذاك هو أنت).

يُعبِّر الأتمان عن الذات الداخلية الأبديّة التي لا تختلف شيئًا عن البراهمان؛ المبدأ المطلق للوجود كله، وإنّ منتهى سَعي كل إنسان أن يكتشف حقيقة نفسه وأن يعرف حقًّا ماذا يكون.

ما داخل إلا وفارق، ما اتصل إلا وانفصل.
-إكهرت

يمكن للمتعالي المفارق أن يتداخل دون أيّ حدوث فيه عن طريق حلوله أو أن نكون إياه. إن الحكمة الخالدة تعلمنا أن نعرف أنَّ إدراك المشترك الروحي للأشياء يجب أن يكون ضروريًّا ومُشتهى، وأنه لا يكون في النفس فقط، ولكنه يسرى في عالمنا الخارجي، في ما وراء الروح والمادة؛ في صورته المفارقة للأغيار، في الفردوس الأعلى.

نعم، الله موجود في كل مكان، لكنه كذلك حاضر في قاع العمق من روحك، ولا يمكن لحاسة مجردة أن تحويه، وليس لك اتحاد بالله بها؛ كلا، إنك قد تصل إليه عن طريق ملكاتك الداخلية من الفهم والإرادة والذاكرة، ولكن يستحيل أن تكون هي هي محلّ حضوره فيك.

إنّ جذرًا قامعًا في قعرك، تتدفّق عنه ملكاتك، كخيوط تنبثق عن نقطة، أو كأغصان تنبت من شجرة البدن، يُدعى هذا العمق بالمركز، روح الروح أو قاعها، ذلك العمق يعني الصمديّة والوَحدة، اللاتناهي وخلود روحك، ولأنّ تلك الروح لا تتناهى؛ فهي دائمة السخط، ولا شيء قد يرضيها، ولا يكون لها سكينة إلا بالمطلق؛ الله وحده.
-وليام لو

قد يبدو هذا الاقتباس متناقضا مع ما ذُكِر أعلاه، ولكن التعارض ليس حقيقيًّا؛ فكون الله مفارقًا ومداخلًا في آنٍ فكرتان موجزتان يمكن التسلّي بهما عن طريق الفهم ومن خلال اللغة التي استُخدمت في التعبير، ولا يمكن فهم حقائق هاتين الفكرتين أو اختبارهما إلا عن طريق أعمق جزء في روحك وأكثره مركزية؛ عندئذ تدرك حقيقة أنّ تداخل الله لا يقلّ  شيئا عن مفارقته.

لكن، على الرغم من أنّ هاتين الفكرتين التجريديتين، لا بدّ أنْ يُفْهَما فَهْمًا مجازيًّا يتعلّق بالمكان، إلا أنّ جوهر طبيعة الإدراك الباطنيّ لله على أنّه يتداخل يختلف في النوع عن كونه يفارق، وبالتالي يختلف كلاهما مع المشترك أيضًا من جهة كونه مفارقًا ومداخلًا أيضًا، وكذلك النفس المدرِكة تختلف نوعًا مع “ذلك الذي يتخلل العالم كله”، بلغة البهاغافاد غيتا.

عندما كان شفيتاكيتو في الثانية عشرة من عمره أُرسل إلى معلمه الذي لازمه حتى أصبح في الرابعة والعشرين، وبعد أن تعلَّم كلَّ الفيدا عاد إلى بيته يمتلىء غرورًا، ويرى نفسه قد تعلّم حقًّا، وكان عيَّابًا سليط اللسان.

قال له والده: شفيتاكيتو، يا بُنيّ، يا من تمتلىء علما، وروح النقد لا تفارقك، هل ساءلت نفسك قبلُ عن معرفةٍ هي فوق الطاقة، وعن إدراك لا يُدْرَك، هل حاولتَ أن تَتَعَرَّف على ما لا يُتَعَرَّف؟

قال شفيتاكيتو: علّمني يا سيدي!

أجاب والده قائلًا: خذ قطعة واحدة من الطين، وتعرّف عليها حقًّا، من خلال هذه المعرفة تكون عالمًا بكل ما صُنِع من الطين، وعندئذ تدرك أنّ الاختلاف الحادث لا يعدو اختلاف الاسم؛ فالماهيّة واحدة، هي الطبيعة الطينيّة، يا ولدي، تلك هي المعرفة حقا، أن نعرف الشيء الواحد الذي يستتر بالكثرة.

قال شفيتاكيتو: كيف لأساتذتي أن لا ينقلوا إليَّ تلك المعرفة؟! لا شك أنهم لم يعرفوها؛ لأنهم إن كانوا يملكونها ما بخلوا بها عليّ؛ فيا سيدي، هبني من لدنك علما.

قال الوالد: هاتِ ثمرة واحدة من شجرة التين البنغالي.

  • ها هي يا سيدي.

  • قطِّعْها.

  • قطَّعْتُها، سيِّدي.

  • ماذا ترى في باطنها؟

  • بذورًا صغيرة، تكاد لا تُرَى.

  • قطِّع هذه البذور.

  • قَد قُطِّعَتْ، معلِّمي.

  • هل ترى شيئا؟

  • كلا، لا أكاد أرى شيئا!

قال الأب: يا ولدي، إنّ هذا الجوهر اللطيف الذي لا تكاد تراه باطن الثمرة هو هو أصل شجرة التين الضخمة تلك، وسرُّ انتصابها، وبهذا الجوهر الدقيق مُنِح الوجودُ وجودَه، تلك هي الحقيقة، تلك هي النفس، ذاك هو أنت يا شفيتاكيتو.

صاح شفيتاكيتو: لا تُمسك سيدي، صَلِّ، أخبرني، أوحِ إلي!

أجاب المعلِّم: حسنا يا ولدي، إليك قطعة الملح هذه، ألقِها في الماء، وتعال غدًا في الصباح!

نَفَّذَ الولد طلب أبيه، وفي اليوم الثاني قال الوالد: أين قطعة الملح التي أعطيتك إياها أمس؟ فطفِق الولد يبحث عنها، ولكنه تعثّر، ثم قال: لا شك أنّها ذابت يا سيّدي.

قال الوالد: ذُق ظاهِر الوعاء، ما طعم الماء فيه؟

  • إنه مالح.

  • وماذا عن وسط الإناء، ما مذاقة؟

  • مالح أيضا.

  • ارتشف هذا الجانب من الوعاء، كيف هو؟

  • مالح كذلك.

قال الأب: اسكب وعاء الماء وعُد إليّ مرة أخرى.

قال الولد: إنه الماء هو هو، لم يتغيّر طعمه، والملوحة هي هي لم تتبدّل أبدا!

عندئذ قال المعلم: يا بنيّ، وجسدك مثل ذلك؛ وأنت لا ترى الحقيقة وإن كانت هنالك، هذا هو الحق، تلك هي الذات، يا ولدي، يا شفيتاكيتو، ذاك هو أنت!
-أوبانيشاد شاندوجيا

هذا الذي يريد معرفة (ذاك) الذي هو (أنت) يمكنه أن يسلك طريقًا من طرق ثلاثة؛ الطريق الأول: أن يتأمل باطنه؛ ذاته الشخصية، ثم عليه أنْ يفنى عنها، وأن لا يكون لها ثم وجود، والذات هنا هي التفكير، هي الإرادة، هي الشعور، هذا التخلِّي يؤدّي إلى معرفة الذات، ومن ثمّ الوقوف على عتبات المملكة الإلهية التي تقمع داخله.

أو يمكنه أن يبدأ بـ (ذاك) التي في الخارج؛ فيعمل على إدراك الوَحدة المُتَدَثِّرة بالكثرة؛ الوحدة بالإله مع الإله، وبعدُ، يدرك أنه والعالَم والإله موجود واحد.

والسبيل الأمثل -لا شك في ذلك- هو أن يسعى تُجاه (ذاك) المطلق؛ سالكًا الطريق الداخلي والخارجي معًا؛ عندئذ يستطيع أن يدرك الإله إدراكًا تجريبيًّا في ذاته وفي الخارج حيث الكثرة، ومن ثمّ يدركه في ثباته وحيويّته.

إن الإنسان الذي يمتلىء نورًا يعرف بالناموس حضور الله في أكثر النقاط عمقًا ومركزية داخل روحه، وفي نفس الوقت يدرك أنه والأغيار شيء واحد، وبتعبير أفلوطين:

تأمّل الأشياء، لا في أطوار تغيُّرها، ولكن في وجودها الحقّ، ثم اشهدها في أغيارها، تجد عالم الظواهر كلَّه قابعًا في كلِّ موجود؛ فالكل في كل مكان، وكل شيء هو الكلّ، والكل هو كل شيء، والإنسان محروم أنْ يكون الكلَّ ما دام مُعتقلًا في فرديّته، وإنْ تَعَالَى فوقها؛ فإنَّ وجودَه يتخلّل العالمَ أجمع.

        تستمدّ هذه الفلسفة مصدرها من الحدْس الخفيّ للواحد، سواء قويَ أو ضعف، والواحد هو أساس التعدد ومبدؤه، وليس هذا للفلسفة وحدها، ولكنّ العلم الطبيعي أيضا يتوسّل بالواحد الكامن خلف الكثرة؛ فكل العلوم -بتعبير ميرسون- ليستْ إلا محاولة لتخفيض الماهيّات؛ فالتحقُّق بالواحد الظاهر والباطن؛ المُستتِر بالوضوح، يُكْسِب قيمة حقيقية لكل تأويل للتعدد بمصطلح المبدأ الواحد.         تطورتْ فلسفة الأبانيشاد وقويتْ كثيرًا في البهاغافاد غيتا، ومن خلالها تُبْعَث من جديد، وتم وضعها أخيرًا في نسق مُنْتظِم على يد شانكارا في القرن التاسع للميلاد.         إن التعاليم النظرية والعملية لشانكارا هي هي التي يقول بها الأتباع الحقيقيون لـ الحكمة الخالدة ، وقد لُخِّصت تلك التعاليم في منظومته الطويلة: (فيفيكاشوداماني)، التي تعني (الحكمة العالية – حكمة الدرُّ الثمين The Crest- Jewel of wisdom)، وكل المقاطع التالية قد اقتبستُها من هذا العمل السهل، الملخّص النافع.

الأتمان يسري العالم بأسْرِه، ولا شيء يَتَخَلَّل أَسْرَه، أصل إشراق الأشياء تَدَفُّق نورِه، وهو هو أصل ضَوْئِه وسِرّ حُضُورِه.

الأتمان يسري العالم بأسْرِه، ولا شيء يَتَخَلَّل أَسْرَه، أصل إشراق الأشياء تَدَفُّق نورِه، وهو هو أصل ضَوْئِه وسِرّ حُضُورِه…

وأحادية الحقيقة تقع تحت إمرتِك، ولا تَحَقُّق بها إلا عن طريق قُدرتِك، وإدراكك روح الحقِّ برُوحك مَطيّة، وطَرْق أبواب العارفين خَطيّة؛ فالقمر، عيناك ترى عينَه لا تشُكّ، وعين الآخرين لا ترى بها لا شكّ.

وكل جهل، الأتمان يَرُدُّه، وانبِجَاس الوَجْد والأنا يَحُدُّه…

واعرف الرُّوح الفردية والكونيّة دون انفصام إلى أنْ تَتَحَرَّر؛ فطريق السامخيا[1]، والتعلُّم، وممارسة الدين، واليوجا[2] لا يفيد وإن تَكرَّر.

فَلْيَنْطِقْ إذن كلّ مريض اسم دوائه حتى يندَمِل، وليردِّد كلُّ سالك اسم براهمان المُكْتمِل، هل ينجلي له التحَقُّق؟ لا يُنْجِيك غير التذوُّق!

يشهد الأتمان فناء عقل الفرد وفكره الُمنْسَحِق، ويعاين طلاقة المعرفة، ذاك علم مُستَحق.

وذو الحِكمة يعرف اتّحاد الأتمان والبراهمان، فهما عنده جوهران ليسا يتغايران، وبالوعي خالص النقاء، يُدرَك الحقُّ طَلْقًا في صفاء.
هما حقيقة في الأذهان تحقّقَتْ، وإليهما حثّتْ أقداسُ النُّصوص وأكَّدَتْ.

لا ينضوي البراهمان تحت طبقة أو نَسَب، ولا ينتمي إلى عقيدة أو عشيرة أو سَبَب.
شكلُه لا شكل له، واسمه لا وَسْم له، فوق كل كمال ونقصان، لا يُحيط به مكان، لا يجري عليه زمان، لا تراه حاسّة، ولا تدركه جاسّة.

ذاك هو أنت كل وَقْت، فاشْهَد الحقَّ فيك، لا فَوْت.

الحقيقة ترقد في وعيك كل دهر، ذاك هو أنت، تبصّر بواطن الأمر.

تعجز عنه كل لغة وفكرة؛ لأنّه عَلِيّ، وحدسه لا يكون إلا بنظر قويّ، عين تستضيء بنور وهّاج، تعاين البراهمان بلا إدلاج.

 ذاك هو أنت كل وَقْت، فاشْهَد الحقَّ فيك، لا فَوْت.

واحد وراء كثير، سبب كل تصوير، لا يُسببه شيء، وهو سبب كل شيء.

ذاك هو أنت كل وَقْت، فاشْهَد الحقّ فيك، لا فَوْت.

والبرهمان يفهمه العقل السليم، وأصحاب الفهم القويم.
ورغبة الانفصال عن الأنا مركوزة في أصل فطرتهم، وفي عميق أناهم قديم حقيقتهم، تلك رغبة موجودة، بيْد أنّها مفقودة.

أنا الفاعل وأنا المُخْتَبِر، وكاشف الحق المُسْتَتِر؛ ذاك أصل رقّ الوجود، المعلَّق بميْت ومولود.
اتّحِد مع البراهمان وأخلِصْ تَخْلُص، واتَّصِل به في الأزل والأبد قصد التخلُّص.
واجتثاث الأنا والشوق إلى ذلك في عالم العرفاء، انتَقَوا له وَسْم التَّحَرُّر من وسط الأسماء.

من أنت؟ جسد، ذات، مجموعة من حواسِّ دنُوّ؟
لعمري، هذه تعاريف نِتاج جهل وخلوّ.
كل تعريف لك لا يمتُّ إلى الأتمان بصلة جهل ليس فيه خَيْر.
والعارف من يُغالب ذاته ويفنى بها عنها بالأتمان، هذا نفي الجهل، لا غَيْر.

لا حَوْز للمعارف عن طريق البدن أو التقاليد[3]، أو العالَم، تلك المسالك مَضَلَّة يتوه فيها العالِم.

يرى العارفون هذه المذاهب أغلالَ أغلال، تُوثِق أقدام الطّامحين إلى الفرار وتحطيم أقْفَال.
الحُرُّ من أنجى نفسه، وفكّ إساره وأسْرَه.
-شانكارا

تُشَدِّد الصياغة الطاويّة لـ الحكمة الخالدة على القول بوجود مشترك روحيّ محايث، عالميّ ومتعالٍ يجوب كل الوجود، وهي لا تقل في هذا إلزامًا عن الأبانيشاد والبهاغافاد غيتا وكتابات شانكارا.

وقد اقتبستُ ما يلي من واحدة من أعظم الأعمال الأدييّة الكلاسيكيّة للطاويّة؛ كتاب (جوانغ زي)، والذي كُتِبَ على الأرجح ما بين منعطف القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد.

 

لا تسأل عن المبدأ أين هو؟ فهو موجود في كل وجود، وعلى ذلك هو منعوت بالعالميّة والكليّة والعلوّ؛ فالأشياء جميعها قد قُدِّر لها سلفا أن تكون مُقيَّدة وإن كانتْ مطلقة في ذاتها.

كيف يتجلى المبدأ في الموجودات؟ إنه سبب ترداف أشكاله وصوره، ولكنه ليس هو هو الشكل والصورة، وهو مُؤلِّف كل سبب وانفعال، ولكنّ عينه ليستْ عين الانفعال والسبب، وهو مصدر كل قبض وبسط[4]، ولكنه ليس القبض والبسط ذاته.

وكل كسب يكون منه، لكنه يقبع تحت تصرُّفه، موجود في كل شيء، وفي الوقت نفسه لا يطابق وجودُه وجودًا، ولا يفارق شيئًا وإنْ كان لا يتحيّز.
-جوانغ زي

ولننتقل الآن من الطاوية إلى المهايانا البوذية في الشرق الأقصى والتي نجدها شديدة الارتباط والاقتراب من الطاويّة، وقد ظلّا يتبادلان التأثير والتأثُّر حتى انصهرا أخيرا فيما أصبح معروفا  بالزِن، وبعد قليل سنقتبس من لانكفارترا سوترا، وهو النصّ الذي أوصى به كثيرًا مؤسِّسُ بوذيّة الزِن أتباعَه الأوائلَ، وحثَّهم عليه.

وكل من توسل بالعَقل دون فهم ماهيّة الحقيقة؛ فتعقُّله لا معنى له؛ لأنه يحاكي تائهًا في غياهب غابة “الفينانا”[5]، يعدو يمنة ويسرة فقط ليسوِّغ آراء الأنا.

إنّ النفس تحقق ذاتها في أعمق مكان من الوعي حيث تتجلّى في نقائها، هذا هو “تاثاجات-جربها”[6]، ولا يدخل مملكة بوذا من يستسلم للعقل المجرّد.

النفس جوهر خالص مما يشوب، متحررة من التناهي وعدم التناهي، هذه طبيعتها، لكنّ الموجودات الواعية تأتي وتَعْتَقِل داخلها مملكة بوذا الخالية من الدَّنس، وتمنعها عن التكشُّف.
-لانكفارترا سوترا

ذات طبيعة واحدة، تامّة سائدة، تجوب الكون كلَّه

ذات حقيقة واحدة، كليّة الإحاطة، تحوي باطنها كلَّ حقيقة

وينعكس القمر الحقُّ على ظاهر الماء أينما وُجد، وكلّ انعكاس في حقيقته صورة للقمر الأحد

والبدن المطلق لكلِّ البوذويّين يداخل جميع بنياني

كوني وكونهم كون واحد

ونور الباطن ينكر كل مدح وقدح

مِثْل الفضاء لا يحُدُّه حد، تكمن هنا دواخلنا، وتصون سكينتها وشمولها

تفقدها إن لاحقتَها

لا سلطان لك عليها، ولا خلاص لك منها

وإن تحاولْ أيّ الأمرين، تسلكْ طريقها

وإن تكلمتَ أصابها بُكم، وإنْ تصمتْ تسمع حديثها!

فَلْتَلِجْ بوّابة الخير الأعلى، ها هي مفتوحة، ولا إيصَاد لها.
Ywig-chia Ta-shih

لا أدّعي التخصُّص، وليس المجالُ هنا مجالَ مقارنة عقديّة بين البوذيّة والهندوسيّة، لكن، يكفي أن نشير إلى أنّ الإصرار على أنّ طبيعة الموجود البشري هي البوذا أو اللاأتمان كان حديثًا -فيما يبدو- عن الذات الشخصيّة لا الذات العالميّة.

ولا شك أننا نجد جدلًا مُسْتَعِرا في نصوص بالي المقدّسة حول مفهوم البراهمان، ولكننا لا نكاد نقف عليه في عقائد الفيدانتا، وقد كان هذا الجدل يدور حول قضيّة تَطابُق الأتمان والألوهة، وعدم تَطابُق الأتمان والأنا.

إنّ الفكرة التي يؤمنون بها وينكرها جوتاما هي الطبيعة الجوهرية للنفس الفرديّة وحضورها الأبديّ؛ يقول: “كما أنَّ الغبيَّ يبحث عن مُسْتَقَرِّ الموسيقى في هيكل العود، كذلك يبحث عن الروح داخل السكاندا؛ رُكَامه المادِّيّ والمعنوي المُكَوِّن له”.

لا يُعالِج بوذا مواضيع مثل الأتمان الذي هو البرهمان، وغير ذلك من القضايا الميتافيزيقيّة؛ ذلك لأنّه يُنْكِر البحث في أيّ موضوع لا يتعلّق تعلُّقًا مباشرًا بالتهذيب الأخلاقيّ، أو التطوّر الروحي داخل سِلْك الرهبنة، كهذا الذي أنشأه.

ورغم أنّ هذا الأمر ينطوي على خطورته إلا أنّه قد يكون ذا سحر خاصّ في الوقت نفسه، فعندما تقع أكثر أنواع الحيرة علوًّا وأهمّيّة يأتي التفكير الميتافيزيقي كأمر حتميّ وضرورة نهائيّة.

وقد أدرك الهينايانيون هذا الأمر، وفيما يتعلَّق بممارسة الدين، قام المتأخِّرون منهم بتطوير نسَق فكريّ عظيم وبديع في مجال الأخلاق، والكوزمولجي، والسيكولوجيا أيضا، بُنيَ هذا النسق على افتراضات المثالية الصَّارمة، والزَّعم أن فكرة الإله يُمْكِن الاستغناء عنها.

لكن، كان للأخلاق والتجربة الروحيّة تأثير كبير على النظريّة الفلسفيّة، وتحت تأثير إلهام الخبرة المباشرة، قام كُتاب الهينايانا بمحاولة تسويغ التوجّه نحو الخير المطلق عند التاتاجتا والبوذاسفيّون عن طريق موجودات ليس لها وجود حقيقيّ.

وفي الوقت ذاته قاموا بتوسيع نطاق المثالية الذاتيّة من أجل إيجاد مكان للعقل العالميّ، مع تأهيله بفكرة انعدام الروح، وترسيخ العقيدة التي تقول بضرورة التطهير حتّى يجد العقل الفردي محلَّه من العقل العالميّ أو مملكة بوذا.

كل هذا مع عدم المساس بفكرة نفي الألوهيّة، والتأكيد على أنّ العقل العالمي الذي يمكن إدراكه هو الوعي الجوانيّ لبوذا المطلق، ويرافق هذا العقل قلب عظيم رؤوف؛ يودُّ تحرير كل كائن واعٍ، ويمنح نِعَمَه المُقدَّسة لكل من يبذل جهدًا لتحقيق القدر الإنسانيّ.

وَلْنَقُلْ أنّه بالرغم من شُؤم هذه اللغة إلا أنّ أكثر ما يميّز سوترا الماهايانا أنّها تتضمّن صياغة أصيلة لـ الحكمة الخالدة ، والتي يُمكن القول أنّها -في بعض جوانبها- أكثر كمالًا من غيرها، كما سيأتي بيانُه في فصل (الإله في العالم).

وفي الوقت الذي انتهى فيه الفكر المحمَّديّ في الهند وإيران إلى أنْ تمّ إخصابه بعقيدة محايثة الله للعالم وتَعَالِيه، أُضِيفَتْ إلى الممارسة المحمّديّة فكرتي الانضباط الأخلاقي، والمجاهدة الروحيّة، واللذان من خلالهما تحقَّقَتْ الروح وأضحتْ قادرة على التأمل الروحانيّ وإدراك المعرفة الواحديّة للألوهة.

ومن الحقائق التاريخيّة المُهمّة أنّ الشاعر القديس كابير قدِ ادَّعى الهندوس أنه منهم، وادَّعى المسلمون نفس الأمر؛ يقول:

إنّ من يتعَشَّق ما يكمن خلف الزمان، لا يجنح إلا نحو السِّلم.

مشركو الماضي والحاضر وحدهم، ذوو العقل الرجعيّ، والحلم الطوباوي، هم أصل القهْر وصانعو الحرب.

أمسك، إنّه الواحد الذي يحتلّ كل وجود، وليس من ورائه ثمة شيء غير التيْه.
-كابير

إنّ القدرة على إدراك طبيعة الأشياء وأصل الخير والشر ليستْ حِكرا على العارفين فقط؛ فكل إنسان يعرفها وإنْ بشكل خفي، وهذا مُقرَّر في جوف البناء اللغوي الخاصّ بنا؛ فاللغة عادة -كما أشار ريتشارد ترينش- ليستْ أكثر حكمة من دهماء الناس فقط، ولكنها أحكم من كل الناطقين بها على حد سواء.

وفي بعض الأحيان تنطوي على حقائق كانت قبل ذلك معروفة، ولكن جرى عليها النسيان، وتحمل في بعض حالاتها نُتَفًا من الحقيقة التي لم تكن معروفة بشكل واضح، وتكمن عبقرية مؤطِّريها في أنهم سجَّلوا إشارةَ حقٍّ أثناء لحظة من نشوة كشفيّة.

على سبيل المثال، كم كان عظيمًا اكتشاف أنّ الجذر اللغوي لكلمة “اثنين” تشير ضمنا إلى “الفساد” في اللغات الهندوأوروبّيّة كما أشار دارمستتر؛ فالبادئة اليونانيّة “dys”، مثل: “dyspepsia”، و”dis” اللاتينيّة، مثل: “dishonorable”، كلاهما أُخِذَا من “duo – ثنائي”.

وتأتي الكلمة الشبيهة “bis”؛ فتعطي حسًّا تحقيريًّا في اللغة الفرنسيّة المعاصرة، مثل: “bevue”، والتي تعني: “خطأ فادحًا”، أما حرفيًّا فمعناها: “ازدواج الرُّؤى”، ومتابعة لهذه الفكرة؛ فإنّ الثاني الذي يؤدّي بك إلى الضلال، يمكن أن نجده في كلمات مثل “dubious”، “doubt”، “Zweifel”، وأنْ تشكّ يعني أن تكون ثنائيَّ الرأي، وهذا ما عبّر عنه بنيان في شخصيَّة السيد ذو الوجهين Mr. Facing- both-ways، كما تستخدم العامّية الأمريكية المعاصرة هذا التعبير “ثنائيُّ الوقت Two-Timers”.

وتؤكِّد لغتنا -بحكمة خفيّة وبشكل لا واعٍ- استخلاصات أهل التصوُّف،  وتُعلِن الفساد الجوهريّ للانقسام؛ تلك الكلمة التي يقوم عدوُّنا القديم (اثنان) بالتَّكَشُّف من خلالها بتبجُّح تامّ.

ولنا أنْ نلاحظ هنا، أنّ الاعتقاد بالواحد على المستوى السياسيّ يُعدّ تزييفًا وثنيًّا للدين الحقيقيِّ للوَحْدة على المستويين الذاتيّ والروحيّ.

تقوم الأنظمة الشموليّة بتسويغ وجودها عن طريق التوسُّل بفلسفة أحاديّة تنادي بتأليه الدولة وأنها إله الأرض؛ لذا فإن الخلاص لا يكون إلا من خلال التوحُّد تحت أقدام هذه الدولة الإلهيّة.

وكل وسيلة يمكن لها أن توطِّد دعائم هذا الخضوع لا بد لها أن تكون صحيحة، ولا يهمّ بعد ذلك إن كانتْ ممقوتة في حد ذاتها أم لا، بل عليها أنْ تُوظَّف كذلك دون أدنى تردُّد، تقودنا هذه الأحادية السياسيّة إلى إسراف امتيازيّ، وقوّة القلّة، وذُلّ الكثرة، وتؤدّي إلى استياء داخلي، وحروب خارجيّة.

إنَّ هذه الامتيازات وتلك القوة المفرطة ليست إلا من صنيع الإغراءات المستمرة التي يُمليها الكبر والجشع والخيلاء والقسوة، ويؤدِّي الاضطهادُ إلى الخوف والحقد، والحرب لا تَلِد غير الكراهية والشَّقاء واليأس.

تدمِّرُ مثل هذه المشاعر السلبية الحياة الرُّوحيَّة؛ فالأنقياء القلب، المساكين بالروح وحدهم من يمكنهم التَّحَقُّق بالمعرفة الواحديَّة للإله؛ لذا فإنَّ كل محاولة لإلزام المجتمعات بمزيد من الوَحْدة التي لا يكون أفرادها على أتمِّ استعداد لها، تُعَدُّ -من النَّاحية السيكولوجيَّة- أشبه بالمستحيل، ولا يمكن لهؤلاء الأفراد أنْ يحقِّقوا وحدتهم مع المشترك الروحيِّ، أو حتى مع بعضهم البعض.

ولنحطّ رحالنا الآن بين كتابات المسيحيِّين والصوفيَّة التي تركِّز بشكل أساس على العقل الإنساني وجوهره الإلهي.

أنا الربُّ، ولا يمكنني أنْ أتَعرَّف على ذاتي في أيِّ شيء آخر إلا في الربِّ ذاته.
-القدِّيسة كاترين الجِنويَّة

إنَّ الرُّوح في نواحيها التي تغاير الإله، تغاير ذاتها أيضا.
-القدِّيس برنارد الكليرفويّ

خرجتُ من الله إلى الله، حتَّى صَاحَ كُلِّي فِيَّ مِنِّي: يا أنتَ أنا.
-أبو يزيد البسطامي

هناك روايتان تستحقانِ الذِّكر هنا عن هذا القطب الصوفيِّ: أنه سُئِل أبو يزيد مرة عن عمره، فأجاب: أربع سنين! فقالوا: وكيف هذا؟! فردَّ قائلا: قد كنتُ محجوبًا بالعالَم عن الله مُدَّة سبعين سنة، ولم أتَحَقَّق به إلا خلال السنوات الأربع الماضية. إنَّ المُدَّة التي عاشها أبو يزيد محجوبًا عن الله لا تُعَدُّ ضمنَ حياة الإنسان، وفي مناسبة أخرى، طرق رجلٌ عليه بابَه وهو يصيح: هل أبو يزيد هنا؟ فأجاب أبو يزيد: وهل ثمَّة أحد هنا غير الله؟! 

إذا أردنا قياس الروح فإنه علينا أن نقيسها مع الإله؛ لأنّ الأساس الإلهي والروحي واحد أحد.
-إكهرت

إنّ الإله يحلّ في الروح هناك؛ في الطبيعة المجردة والله الرُّوح.
-الرزبروكي

تغرق الروحُ حتى تغمرها الواحديّة الإلهيّة، ولا تجد لبحر الألوهة قعرًا ولا قاعًا.

ولا تقوى الروح على خوض غمار الخالق؛ ذلك من حقيقة ماهيّتها، وعلينا هنا أن نحجم عن الكلام؛ لأنها فقدت طبيعتها الأولى هناك في جوهر الوَحدة الإلهية حيث لا تُعرَف باسم الروح، لأنها صارتْ موجودًا لا يُحَدّ.
-إكهرت 

العارف والمعروف واحد. يظنُّ العوامُّ ضرورة رؤية  الإله على أنه يقف هناك على مقربة منهم.

قل: أنا والله شيء واحد، وفي المعرفة نتّحد.
-إكهرت

أنا أحيا، لا، لا أعني أنا أنا، وإنما المسيح الذي فِيّ، أو ربَّما نكون أكثر دِقَّة إن استعرنا الفعل بشكل مؤقَّت لنقول: أنا أحيا، لا أعني أنا أنا، بل أعني أنَّ اللوجوس هو الذي يحياني كمُمَثِّل يعيش دوره، وفي هذه الحالة، يتعالى الممثِّل دائمًا بإطلاق فوق دوره.

لا توجد شخصيّات شكسبيريّة في الحياة الحقيقيّة، في الغالب هناك أبطال كاتو، والسيد بريشون، وعمات تشارلي ممَّن يخالون أنفسهم مثل يوليوس قيصر، أو أمير الدنمارك، ولكنَّ الإله رحيم؛ قد منح كل ممثل دراميّ قدرة على التحقّق بقانونه الخاص، قد ينطق جملًا تبدو حمقاء، ولكنها تتحوَّل تحوُّلا روحانيًّا في حضرة المكافىء الإلهيّ لجاريك.

إلهي، كيف يُعْقَل هذا؟ يا خالق العالَم القديم، الفقير إليك؛ كيف تبدِعه على أفضل إمكان ثم لا يجدك أحد؟ ما لك تملأ الوجود بكلامك ولا يُصغي إليك أحد؟ أيكون منك كلُّ هذا القرب ثم لا نُحسُّ بك؟ تمنح ذاتك كلَّ إنسان ولا يعرف اسمك أحد؟ يفرُّون منك ثم يقولون: لا نجدك، يشيحون عنك ثم يقولون لا نراك، يجعلون أصابعهم في آذانهم، ثم يقولون: لا نسمعك!
-هانس دينك

هناك فجوة زمنيَّة واسعة الامتداد تقع فيما بين صوفيي الكاثوليك في القرن الرابع عشر والخامس عشر وكويكرز القرن السابع عشر، تلك الفجوة مُتْرَعَة قبحًا! ولأنّ الدين هو المعنيُّ هنا؛ نقول: وكانتْ مملوءة بالحروب الدينيَّة، والاضطهاد والعسف.

سَدَّ تلك الفجوةَ سلسلةٌ من الرِّجال الذين كَرَّس لهم روفورس جونز  كتابه (الإصلاحيُّون الروحانيُّون Spiritual Reformers) للحديث عن حياتهم وتعاليمهم، ويعدّ هذا الكتابُ الوحيدَ في بابه ممَّا يمكن الوصول إليه بالإنجليزيَّة.

دينك، فرانك، كاستيلو، ويجل، إيفرارد، أفلاطونيُّو كامبريدج… لم تنكسر هذه السلسلة اليسوعيَّة أبدًا رغم عموم القتل والجنون. إنّ الحقائق التي ناقشها كتاب Theologia Germanica -الذي ادَّعى لوثر محبَّتَه، رغم أننا لو حَكَمْنا عليه من خلال مسيرته الحياتيَّه، لوجدنا أنَّه لم يتعلَّم غير النَّزْر القليل منه- سيقول بها الإنجليزيون مرة أخرى خلال الحرب الأهليَّة وتحت حكم الديكتاوتوريَّة الكرومويليَّة.

حلَّقَتِ التقاليد الصوفيَّة -التي كَرَّس لها إصلاحيُّو البروتستانت الروحانيُّون- في سماء الدِّين، واحتلَّتْ هذا الزمان، لا سيَّما عندما تحقَّق جورج فوكس بكشفه الأوَّل العظيم، وأدرك من خلال التجربة المباشرة:

أنَّ نور المسيح الإلهيِّ يحتلُّ كلَّ إنسان، ولقد رأيتُ النور يشعُّ من كلِّ أحد، إنَّ الذين آمنوا به يخرجون من حياة الإثم إلى نور الحياة، ويصبحون أولاد النور! أمَّا من جحد وكفر فإنَّ التَّأثِيمَ يبسط يده عليهم، كيف وقد صُنِعُوا على عين المسيح؟! هذا تحقُّقي بالنور، وهذا ما رأيتُه في فتوح نورانيّة خالصة دون عون إنسان، بل دون عون منِّي أنا! بعد ذلك لم أعرف أين أجد هذه الحقيقة في النصوص المقدسة، ولكن بعدَ قليلِ بحثٍ تحَقَّقْتُ بها.
-من جريدة فوكس

صِيغَتْ عقيدة النور الداخلي صياغة أوضح في كتابات الجيل الثاني من الكويكرز؛ يكتب وليام بِن يقول: “ثمّة شيء أقرب إلينا، أدني إلى العقل أكثر من النصِّ المقدَّس ذاته؛ إنها الكلمة التي محلُّها القلب، ومنها يستمدُّ كُلُّ نصٍّ مُقَدَّسٍ وجودَه”.

وجاء روبرت باركلي بعد ذلك يلتمس شرح التجربة المباشرة لـــ ” tvam asi ذاك هو أنت” بلغة أوغسطين اللاهوتيَّة، وحتى تتناسب مع الحقائق كان لا بد من توسيعها وتهذيبها بشكل كبير.

أعلن باركلي في أطروحتِه الشهيرة أنَّ الإنسان لا يزال موجودًا هابطًا، عاجزًا عن الخير حتى يُحَقِّقَ وَحْدَتَه بالنُّور الإلهيِّ، والمسيح هو ذلك النُّور داخل الرُّوح الإنسانيَّة، والنور عالَميٌّ مثل بذرة الخطيئة، وعنده أن النور الداخليّ يُداخِلُ كلَّ إنسان، لا فرقَ بين وَثَنيٍّ ومسيحيٍ، وحتى هؤلاء الذين لا يعرفون شيئًا عن تاريخ المسيح الحياتيّ في الخارح، ولا خلاصَ إلا لمَن يستسلم لنوره الداخليّ، ويُتِيح للقداسة أن تولد من جديد باطن نفسه.

لا يحتاج الخير أن يَحِلَّ داخل الرُّوح؛ لأنَّه موجود أصلا، ويفتقِر إلى إدراكه.
Theologia Germanica

عندما تُرَدُّ عشرات الآلاف من الأشياء إلى وَحْدَتِها، نرجع إلى الأصل ونبقى هناك حيث كنا على الدوام.
Sen T’sen

لأننا لا نعرف من نكون، ولا نعي أنَّ مملكة السماء تكمن دواخلنا، نسلك مسالك حمقاء، وفي الغالب نتصرَّف بجنون، أو أحايين أخرى، نذهب مذاهب شريرة لا يختصُّ بها غيرُ الإنسان. إننا لا نتحرَّر، ولا ننجو، ولا نستنير حتى نُدركَ الخير القابع داخلنا دائمًا، وحتى نعود إلى المشترك الأبديِّ ونبقى هناك حيث كنَّا دومًا وإن لم نعرف ذلك.

يتكلَّم أفلاطون بنفس المنطق عندما يقول في جمهوريَّتِه أنَّ “فضيلة الحكمة تحتوي أكثر من أيِّ شيء آخر على عنصر إلهي لا يفارقها أبدا”، وفي محاورة ثياتيتوس، يُقَرِّر رأيَه هذا؛ فقد أصَرَّ مِرارا على أنَّ مُمَارسَة الديانة الرُّوحية لا تكون إلا من خلال التَّألُّه؛ فمعرفة الله تعني التَّشَبُّه به، وتعني تعريف أنفسنا بالعنصر الإلهيِّ الذي يُكوِّن ماهيَّة وجودنا، ورغم كل هذا، نختار اللاوعي من خلال جهلنا التطوُّعِيِّ.

السَّالكون إلى الحقِّ هم من يدركون الله بالله والنور بالنُّور.

– فيلون

 

يُوَضِّح الأستاذُ جودانف أنَّ فيلون يُعَدُّ واحدًا من دُعاة الديانة الهلنستيَّة الغامضة بين يهود الشتات حوالي 200 قبل الميلاد، وقد أعيد تفسير التوراة مرة أخرى عام 100 بعد الميلاد بلغة ميتافيزيقيَّة نَسَقِيَّة تَتَأَسَّسُ على الأفلاطونيَّة والفيثاغورية المُحْدَثة والرواقيَّة.

وقد أعاد فيلون تأويل الإله التوراتيِّ الشَّخْصِيِّ، المُفَارِق، القريب من الجِسْمِيَّة، تأويلًا جَعَلَه عقلًا مطلقا، داخليًّا ومتعاليًا كما نجدها تمامًا في الفلسفة الخالدة درجةَ أنَّنا نجدِ عند النُسَّاخ الأرثوذُكس والفريسيِّين -أوساطَ هذا القرن الخطير مِمَّن شهِدوا ذيوع العقائد الفيلونيَّة إزاءَ ابتداء الظُّهور المسيحيِّ وتدمير معبد أورشليم- كَمًّا هائلًا من المقالات الرُّوحانيَّة، بل نجد مثل ذلك حاضرًا عند حُمَاة القانون أيضا.

ولنأتِ إلى الحاخام جليل الشأن هيلِل الَّذي تُقرَأ تعاليمُه عن التواضع ومحبَّة الإله كأنَّها نسخة غَضَّة ناضِجَة من عظات الإنجيل. رُوِي أنه تحدَّث أمام مجمع محاكم المعبد بهذه الكلمات: “كَوْنِي هنا يعني أنَّ يهوه هو المُتَحَدِّث بفم رسوله. الكُلُّ حاضِر هنا، ولو لم أكن موجودًا، ما كان وجودٌ على الإطلاق”.

الحبيب حاضرٌ كُلَّ مكان ويحجبه المُحِبُّ بدوام حضوره
ولا يحيى الحبيب كلَّ حياة إلا بفناء المُحبِّ وانعدام ظهوره
-جلال الدين الرومي

هناك روح الرُّوح، لم يمسّها جسم ولا مادَّة، تَنْهَمِر من الرُّوح، تكمن في الرُّوح، وليستْ شيئا غير روح. يتجلَّى الإله في هذا الأصل مُزدهِرًا وناضِرا في كل نشوة وجلال حضور من ذاتِه.

كنتُ أنزعُ أحيانا إلى تسمية هذا الأصل بخِباء الرُّوح، أو النور الروحانيّ؛ شرارة تتطايَر بين فينة وأخرى، ولكنِّي الآن، أراها أكثر عُلوًّا مما ظَنَنْتُ، أكثرُ علوًّا من السماء والأرض.

ومن أجل تعاليها أراني أقول أنَّها مُنَزَّهَة عن الاسميَّة وعن قيد الشَّكل؛ فهي واحدة وبسيطة مثلما أنَّ الله واحد وبسيط، ولا يُمْكِنُ لأيِّ إنسان مهما بلغ من الحِكمَة أنْ يُعاينَها.
-إكهرت

يمكننا التماسَ الصِّياغات الأُولى لعقائد الفلسفة الخالدة في النظم الفكرية عند الشعوب البدائية غير المتحضرة حول العالم.

نذكر على سبيل المِثال أن الإنسان عند المارويّين يتكوَّن من عناصر أربعة، هذه العناصر تُشَكِّل المبدأ الإلهي الأبديَّ المعروف باسم التويورا، وهي الأنا، أو ظلُّ مِثالٍ، أو النَّفس التي رغم اختفائها بالموت إلا أنها تنجو من الفناء التامّ، ثمَّ يتبعها الجسد أيضا في نهاية الأمر.

ويسمَّى العنصر الإلهي باسم الـ “sican” عند هنود الـ “Oglala”، هذا العنصر يتطابق مع الـ “ton”، أو الجوهر الإلهي للعالم، أما عن العناصر الأخرى للنفس فهي الـ “nagi”، أو العنصر الذاتيَّ، و”niya”، أو الروح الحيوية.

تتَّحِد الـ “sican” من جديد مع المشترك الإلهي لكل الأشياء بعد الموت، وتنجو الـ “nagi” في ظِلال عالم الظاهرة النفسيَّة، أمَّا الـ “niya”؛ فإنَّها تختفي في عالم المادَّة.

ويستحيل أن نتصوَّر في القرن التاسع عشر أنَّ الأُمَمَ الوحشيَّة يمكن أن تستعير شيئًا من ثقافة تعلوها، وعلينا أيضًا أنْ لا نحاكم الماضي بالحاضر، وأنْ نعرف فقط أنَّ الأمم البدائيَّة المعاصرة تقول بفلسفة باطنيَّة واحدية توحيديَّة، وتُحَقِّق مقالة “ذاك هو أنت” في صورها المتعدِّدة.

ولا يعنينا في هذا المقام أن نقول أن تلك الأفكار كان يعتنقها إنسان العصر الحجري القديم أو الحديث ما دمنا لا نملك دليلا يؤيِّد ذلك، كما أنني أرى التفكير المنطقيَّ والمعقولَ يدفعنا إلى القول بتلك الاستدلالات التي يمكن استمدادها من خلال جوانبنا السيكولوجيَّة والفيسيولوجيَّة فحسب.

أثْبَتَ العقلُ الإنسانيُّ قدرتَه على كل شيء، بداية من الحُمق حتى نظريَّة الكوانتم، من ساديَّة (كفاحي) إلى قداسة فيليب نيري، وابتداء بالميتافيزيقا ووصولًا إلى ألعاب الكلمات المتقاطعة، وسياسة القوة، و Missa solemn(مقطوعة لبيتهوفن).

هناك كثير من الأسباب المعقولة التي تجعلنا نقول إنَّ العقل البشريَّ مُتَّصِلٌ بالمُخِّ بوجه من الوجوه، وأنّ المخَّ لم يُصِبه تَغَيُّر من جهة حجمه أو شكله منذ آلاف السنين. يدفعنا هذا إلى استنتاج مُفَادُه أنَّ العقولَ البشريَّةَ -في ماضيها السَّحيق- كانت قادرةً على إجراء كثير من الأنشطة المتعدِّدة والمُتَنوِّعَة، مثلها تماما مثل العقول في وقتنا الراهن.

ورغم ذلك، لا شكَّ أنَّ عقول هذا العصر تُعالِج كثيرًا من المسائل التي كانتْ غائبة عن العقول الإنسانية في العصور الماضية، ولهذا يمكننا أن نعرف بعض الأسباب البيِّنَة التي توضِّح لنا: لماذا نجد ثمة أفكارًا ليستْ معقولة عمليًّا إلا عندما توضع في سياق لغويّ مناسب، أو في قالَب نسَقِيٍّ مفهوم؟

لذلك، إذا لم يتوافر القدر الكافي من هذين الشرطين الضروريَّين، فإنَّ التعبير عن الأفكار يصبح ضربًا من المُحال، ولا يمكن أن يرقى إلى درجة الإقناع، بل إنَّ الرغبة في تطوير هذين الشرطين من أجل التفكير ربما يظلّ غائبًا طول الوقت.

وفيما يبدو أنَّ الرِّجال والنساء -على مرِّ التَّاريخ وما قبل التاريخ- كانوا يملكون القدرة على القيام ببعض الأشياء بشكل تامّ، ورغم ذلك، فإنهم لم ينتبِهوا إلى بعض المشكلات التي وَجد أعقابُهم فيها أنها جديرة بالاهتمام.

على سبيل المِثال، لا يوجد ثمة سبب لافتراض أنَّ العقل البشريَّ قد خضع لأيّ نوع من أنواع التغيُّر التطوُّريّ إذا ما قارنَّاه مثلا بالتغيُّرات الحادثة للهيكل الماديّ لأقدام الحِصان مثلًا خلال مدة جويولوجيَّة طويلة الأمد لا يُقارَن بها شيء أصلًا.

الحقيقة هي أنَّ الإنسان قد حوَّل اهتماماته المعرفيَّة من جانب من جوانب الحقيقة تجاه جانب آخر لها، وكان من نتائج ذلك أنْ تقدَّمت العلوم، وأن أصبحتْ معارفنا وإدراكاتنا مُوَجَّهة بالإرادة إلى حد كبير؛ فإنَّنا نفكر في بعض الأشياء ونعيها؛ لأننا نريد أن نتحقَّق بها وأن نَفهمها، والعقل يجد طريقه ما دامتْ هناك إرادة.

والعقل البشري يملك إمكانات تكاد تكون لا حدَّ لها، لا يَهُمُّ إن استخدمها في إدراك المعرفة الواحديَّة للألوهة، أو أنْ يُصَنِّع قاذف لهب ذاتيّ الحركة، نحن نقدر على كل شيء شرطَ وجود القوة الكافية للإرادة وأن تكون مستمرَّة.

إنَّه لمن الواضح أنَّ كثيرا من الأشياء التي اختار الإنسان الحديث أن يمنحها اهتمامَه لم تكن موضع اهتمام السَّلَف، وبالتَّالي، فإنَّ الوسائل المُعينة على التَّفكير الواضِح والمُثمِر حول هذه الأشياء بقيتْ غير مُكْنَشَفة، ليس فقط في فترة ما قبل التاريخ، ولكن حتى في مُفْتَتَح العصر الحديث.

هناك افتقار شديد إلى لغة مناسبة وإلى نَسَق مَرْجِعيّ مُرْضٍ، وغيابٌ لأي نوع من أنواع الرغبة القوية الثَّابِتة لاكتشاف وسائل التفكير الضروريّة هذه. إليك سببين كافيين يوضِّحان السبب في أنَّ كثيرًا من إمكانات العقل الإنساني التي لا حدَّ لها ظلَّتْ قيْد النسيان لمدة طويلة.

هناك سبب مُقْنِع على مستواه الذَّاتي وعلى مستويات أخرى، وهو أنَّ التفكير الأصيل والمثمر معظمُه تحقق عن طريق أناس ضعفاء جسديًّا، وعن طريق تحوُّل العقل إلى كونه غير عمليّ، وبسبب هذا الأمر.

ومن أجل قيمة التفكير الخالِص، سواء كان تحليليًّا أو تكامُليًّا، فإنه تمَّ اعتباره في كل مكان بشكل أو بآخر، وقامت المجتمعات المتحضرة بتوفير القدر الكافي من الحماية للمفكرين كالحماية من المتاعب العادية للحياة وضغوطاتها الاجتماعية، وكانتِ الخلوة، الدِّير، الكلية، الأكاديمية، مختبرات البحث، صندوق التبرع، الوقف، بجانب رعايته ومنحه أموال دافعي الضرائب، أجهزة رئيسَة استخدمها الناشطون للحفاظ على هذا الطائر النادر، هذا غير توفير المناخ العلمي والفني والفلسفي والديني للمتأمِّل.

أما في كثير من المجتمعات البدائيَّة؛ فإنَّ الأمور تكون صعبة، والمال لا يفيض، والمتأمل الحقيقي هناك عليه أن يواجه عناء الدنيا من أجل الوجود، وأن يواجه الهيمنة المجتمعية أيضا دون حماية، والنتيجة إمّا أنْ يموت صغيرًا أو أن يكون قانطًا مشغولًا بالحفاظ على حياته قدر الإمكان؛ فلا يمكنه بحالٍ أن يصرف اهتمامه إلى شيء آخر.

وعندما يَعُمُّ ذلك؛ فإنَّ الفلسفة التي ستسود هي فلسفة إنسان العمل، إنسان القوة وهيمنة المجتمع. لعل كل هذا يلقي بضوء -نعم قد يكون خافتًا، هذا حقيقي، وهو استنتاج مجرد- على مشكلة خلود الفلسفة الخالدة.

 

 


[1] الفلسفة التأمليّة.

[2] التدريب البدني.

[3] المراد بالتقاليد هنا: الإيمان بالطقوس الدينية، والنصوص الإلهيّة، على أنها مقدّسة لذاتها.

[4] المراد بالقبض والبسط هنا: الموت والولادة، وترادف الأحوال.

[5] الفينانا: الوعي أو الأشكال المختلفة للمعرفة النسبية.

[6] تعني حرفيا: مملكة بوذا أو رحم بوذا.