اسبينوزا وتأسيس النسق في الفلسفة الحديثة – لمرابط احمد سالم

اسبينوزا وتأسيس النسق في الفلسفة الحديثة – لمرابط احمد سالم

باروخ اسبينوزا

الفيلسوف باروخ اسبينوزا


في النص الشهير عن الموجات الثلاثة للحداثة يُرجع ليو شتراوس الفضل في الانزياح عن التفكير السياسي الكلاسيكي وتجاوز ثنائية آثينا والقدس إلى ميكافيلي وهوبز باعتبار أن الأول عُنيّ بتقديم مقاربة واقعية للفلسفة السياسية قطعت مع التقليد السائد طيلة العصور الوسطى ،في حين ارتبط اسم هوبز بصياغة معلمنة للإيمان التوراتي أحالت الخوف والشر الإنساني النابعين من الخطيئة

الأصلية إلى عدوانية وغرور مصدرهما سعي الإنسان لصون حياته ضمن بيئة معادية فهوبز بحسب شتراوس حافظ على العادات والأحاسيس ذات الأصل التوراتي مع اضمحلال وانمحاء الإيمان نفسه (1)

من المعلوم أن شتراوس إنما يناقش الحداثة من وجهة نظر الفلسفة السياسية وإن كان المفهوم أكثر رحابة من أن يتم اختزاله في بُعد واحد كونه يغطي مساحة متنوعة من جغرافيا الفكر الغربي.

فالإجماع يكاد ينعقد على اعتبار رينيه ديكارت المؤسس المنهجي للفلسفة الحديثة(2) من حيث مفارقة الأسلوب المدرسي،كما أن ديكارت لا يصادم فقط الميتودولوجيا الاسكولائية بل يطرح معضلة المنهج في تاريخ  الفلسفة منذ أرسطو على مقصلة الشك ومعيار الوضوح والتميز (Claire et distincte )

وحسبنا الوقوف على بعض الشذرات الديكارتية لاستيضاح طبيعة هذه القطيعة المنهجية،ففي التأمل الثاني من التأملات الفلسفية يبحث ديكارت إمكانية صوغ تعريف جديد للإنسان يكون متماشيا مع قواعد البداهة و الوضوح

 ويستعرض العبارة الأرسطية الشهيرة “الإنسان حيوان ناطق” فبحسب ديكارت لا يحمل التعريف الأرسطي إلا مزيدا من التركيب بحيث ينزلق من مسألة واحدة إلى الخوض دون شعور في مسائل أخرى أصعب وأكثر تعقيدا (3)

لم يعد المنطق إذن -كما يقول القديس توما الإكويني- ذلك الفن الذي يقودنا بسهولة وبدون خطأ في عمليات الاستدلال العقلية (4) إذ يطرح ديكارت البديل الجاهز إنه البديل الرياضي المتمثل في قواعد المنهج الأربعة التي تمكننا من الاستعاضة عن التركيبات والمبادئ المتناثرة المكونة للمنطق الكلاسيكي،(5) عند هذه النقطة بالذات تبرز أصالة الإبداع الديكارتي الذي فتح الطريق أمام إقامة صرح جديد في الفلسفة يستلهم النموذج الرياضي ويسير وفق ضروب مغايرة لقواعد التفكير الكلاسيكية وعند هذه النقطة أيضا سننتقل للحديث عن اسبينوزا ولكن قبل الانتقال إلى اسبينوزا يلزمنا تحديد موقع الديكارتية من الفلسفة الحديثة

فهل يكفي التسليم بأصالة المنهج الرياضي وبفضل ديكارت على كل من جاء بعده للقول بأن ديكارت هو المؤسس الفعلي والأوحد للفلسفة الحديثة ؟

أليست النسقية هي شرط التفكير الجاد كما يقول هيجل(6) ؟

وكيف يستقيم الحديث عن نسق ديكارتي في ظل صمت ديكارت عن قضايا اللاهوت وخلو مذهبه من تصور نسقي واضح للسياسة والأخلاق؟ ألا نجد كل هذه النقائص الديكارتية مكتملة عند اسبينوزا ؟

إن التصور الذي سنحاول البرهنة عليه في هذا المقال يقوم على قناعة راسخة تعتبر اسبينوزا مؤسسا للفلسفة الحديثة

 (comme un fondateur de la philosophie moderne)

ولا نرى في هذا الطرح كبير تعارض مع الرأي السائد حول المنهج الفلسفي عند ديكارت بوصفه اللّبنة الأولى في بناء الفلسفة الحديثة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الفصل بين المنهج (méthode ) وبين النسق (système ) فليس هنالك خلاف حول استفادة اسبينوزا من المنهج الديكارتي غير أن هذا المنهج لم يبسط نفوذه على مختلف جوانب المعرفة إلا مع اسبينوزا،

وهنا في نظرنا يتم التحالف أو التكامل بين ديكارت “المنهج” واسبينوزا “النسق”

وإذا كانت فاطمة حداد الشامخ في أطروحتها القيّمة حول اسبينوزا تكشف منذ البداية أن غرضها الأساسي إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية ضمن النسق السبينوزي وتجاوز تلك الصورة النمطية عن اسبينوزا بما هو فيلسوف ميتافيزيقي مولع با لله(7) فإن مهمتنا هنا لا تبتعد كثيرا عن هذا التوجه إلا أننا سنحاول إعادة الاعتبار للنسق الاسبينوزي برمته بحيث نرى فيه الأساس الذي تشعبت منه مختلف التوجهات الفلسفية اللاحقة فقد ظلت أطروحات اسبينوزا لقرون العلامة الأساسية للممارسات العلمانية(8)،بعبارة انتونيو داماسيو( brand of secular religiosity)

يعتبر فيردناند آلكى (Ferdinand alquè ) أن أول عقبة تواجه كل من يروم رسم الخطوط الأساسية لولادة النسق الاسبينوزي هي المدار الزمني القصير نسبيا لتطور هذا النسق فعلى عكس ديكارت وكانط نجد أن الأفكار الأساسية لاسبينوزا تبلورت في نطاق زمني محدود لا يتجاوز الخمسة عشر عاما، من 1660 وحتى 1675 (9)

ورغم أن آلكي يدعونا إلى التعامل بحذر مع الرسالة القصيرة  (le court traité ) نظرا لغياب التجانس بين فصول الرسالة الأمر الذي يؤشر إلى أن اسبينوزا لم يسعفه الوقت لمراجعة النص الكامل، مع ذلك لا يمكن إقصاء نص الرسالة من محاولة فهم المنظومة الاسبينوزية نظرا لأهميتها في تحديد معالم الطريق الذي سيسير فيه سبينوزا خلال المراحل اللاحقة حيث تبرز مساهمة الرسالة القصيرة في دمج عناصر فلسفية شديدة التباين في وحدة حميمة (10)

ومن خلال هذه الرسالة أيضا تبدأ الواحدية الاسبينوزية (monisme ) في البروز ولو على نحو خجول في مقابل الثنائية الديكارتية (dualisme ) إذ يتحدد الجوهر بوصفه الأساس الأنطولوجي لكل الأحوال(11)

وإذا كانت الرسالة القصيرة تحمل بين طياتها بوادر تكوين النسق الانطلوجي عند سبينوزا،فإن رسالة إصلاح العقل تضعنا ولأول مرة في الفكر الفلسفي الحديث أمام معالم مشروع اتيقي متكامل فاسبينوزا لا يروم الوصول إلى السعادة الذاتية والغبطة بل يتحدد غرضه من خلال البحث فيما إذا كان يوجد خير حقيقي قابل للتوصيل (12) ولكي نفهم خطورة العبارة الأخيرة وأصالتها في نفس الوقت يتوجب علينا العودة مرة أخرى إلى ديكارت فطبيعة الكتابة الديكارتية لا توحي بأي غاية تشاركية اجتماعية وراءها بل إنها تذكرنا أحيانا بنمط الاعترافات القروسطية “فليس غرضي أن أعلّم المنهج الذي يجب على كل فرد اتّباعه لكي يُحكم قيادة عقله ولكن غرضي هو أن أبيّن على أي وجه حاولت قيادة عقلي (13)

والفقرة الأخيرة من حديث الطريقة تكاد تطابق عبارة الإمام الغزالي في المنقذ من الضلال “والغرض الآن حكاية أحوالي فأدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء”.(14)

نريد أن نصل من هذا الاستطراد إلى الكشف عن أصالة التفكير النسقي عند سبينوزا بشكل لم يسبقه إليه أي من فلاسفة عصره والتتبع الباراغرافي لنص إصلاح العقل “الغير مكتمل” يضعنا أمام هاجس مزدوج للكاتب فالفقرات من 1 إلى 10 تُجلى بوضوح الهاجس الإتيقي في المشروع الاسبينوزي إذ لا تناقش هذه الفقرات الجانب الابستيمولوجي للعقل المحض بل تفترض محاكمة للعقل الجمعي في توجهه القيمي تنتهي إلى أن الأشياء التي يلهث الناس وراءها لا تشكل عاملا أساسيا في حفظ كياننا وغالبا ما تكون سببا في هلاك من يملكها وتكون دائما سببا في هلاك من تملكه (15) .

بعد تحديد معالم المشروع الإتيقي وأبعاده الاجتماعية وكذلك وسائله العملية وسلوكياته الظرفية يبدأ سبينوزا في طرح الموضوع الأساسي للرسالة وهو إصلاح العقل بماهو ملكة فردية ليتساوق الإتيقي مع ماهو معرفي ويتحقق الكمال الفردي بشكل متجانس مع الخير الجمعي.الذي تتحدد غايته النهائية في إدراك اتحاد الفكر والطبيعة ومن خلال هذا الضرب الخاص من الإدراك يؤسس اسبينوزا لقيام انطلوجيا محايثة تقطع مع الانطلوجيا العمودية التي سادت الفلسفة الكلاسيكية.

إذا حاولنا إقامة تصنيف خاص لمؤلفات اسبينوزا من حيث التأثير عند النشر و في المجال العمومي فلاشكّ أن رسالة اللاهوت و السياسة ستتصدر هذا التصنيف “تلك الرسالة التي تم تدوينها في جهنم من قبل يهودي مارق وبمساعدة الشيطان(16)

ولعلنا نساير ما ذهب إليه الأستاذ جلال الدين سعيد من أن التأثير والضجة التي أحدثتها رسالة اللاهوت و السياسة إنما يعود إلى نقد اللاهوت أكثر منه إلى نقد السياسة،(17)  وإن كان الغرض الأساسي من تناول المسألة الدينية عند اسبينوزا هو تدجين المجال اللاهوتي

وإخضاعه للسلطة السياسية وإذا كان ميكافيلي قد أسس النظرية السياسية الحديثة من خلال التوكيد على فصل الفعل السياسي عن القناعة الأخلاقية (18)  فإننا لا نبالغ حين نقول إن منهج اسبينوزا سواء من خلال النقد التاريخي لنصوص العهد القديم أو النقد المطلق لحضور اللاهوت في المجال السياسي قد أسس لرؤية نسقية سيسير عليها الفكر السياسي الغربي في تصوره لخصوصية الممارسة الدينية حتى أيامنا هذه، و تجدر في هذا السياق الإشارة إلى أطروحة لويس فوير عن دور اسبينوزا في ظهور الليبرالية (spinoza and the rise of liberalism )

يمكن لقارئ الرسالة اللاهوتية السياسية أن يلمس بسهولة حجم الاشتباك العلائقي لنص الرسالة مع مختلف الاتجاهات الفكرية والدينية سواء تلك السائدة في هولندا ذلك العصر على غرار المذهب الكالفيني فضلا عن الصدام الكبير مع التراث التأويلي داخل المجال اليهودي وكما عدنا قبل قليل إلى النص الديكارتي للكشف عن التفاوت في الأساليب والمنطلقات بين الفيلسوفين وكيف عبّر اسبينوزا بحق عن معنى النسقية يلزمنا هنا أيضا العودة إلى ديكارت “المقتصد” في تناوله لقضايا اللاهوت ويكفينا فقط الوقوف على تحديد الإطار الحاكم للعلاقة بين الفلسفة والدين عند الفيلسوفين.

 ففي الوقت الذي يرى فيه ديكارت أن مهمة الفلسفة تتلخص في البرهنة على إثبات وجود الله وخلود النفس (19)  نجد اسبينوزا يضع على سلّم غاياته الفصل بين الفلسفة والدين “إذ لا توجد صلة قرابة بين الإيمان و اللاهوت من جهة وبين الفلسفة من ناحية  أخرى وهذا أمر لا يمكن أن يجهله من يعلم غاية كل من هذين المبحثين وأساسه(20).

وقد يمكننا هنا الإشارة إلى الموقف التبريري لريتشارد شاخت من أنه يجب ألا نأخذ كلام ديكارت في مقدمة التأملات على عواهنه(21) إذ يمكن أن يكون أسلوب الفيلسوف أقرب إلى التورية منه إلى المصارحة خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسألة الدينية، وبغض النظر عن هذه “التقية الديكارتية” فليس من وجه للمقارنة بين مشروع محدد المنطلقات يستهدف إعادة موضعة الفكر الديني ضمن بناء أنطولوجي صارم وبين مجموعة من النصوص والإشارات المتفاوتة الأهمية يستعرض فيها ديكارت آراءه وتجاربه اللاهوتية.

إن اسبينوزا إذ يُخضع النص الديني لمعيار الفحص اللغوي والتاريخي فإنه بشكل موازي يُخرج مفهوم الإيمان من تحديداته التاريخية ويطرحه في متناول الفرد العادي بحيث يجري تلقائيا إلغاء دور الوسيط اللاهوتي وتحقيق نمط من “المشاعة التأويلية” في السياق ذاته نستحضر أحد المقتطفات المهمة من الرسالة اللاهوتية السياسية والذي حسب ما نرى ساهم ضمن نصوص أخرى في بلورة نمط التدين الذي حكم الفكر الغربي حتى اليوم يقول اسبينوزا

“لما كان الناس مختلفين في تكوينهم الذهني حيث يؤمن أحدهم بمعتقدات لا يؤمن بها الآخر ويحترم أحدهم ما يثير ضحك الآخر فقد انتهيت بالضرورة إلى أنه ينبغي أن تترك لكل فرد حرية الحكم وحقه في تفسير الإيمان كما يفهمه وأن تكون الأعمال وحدها مقياس إيمان كل فرد باتفاقها أو اختلافها مع التقوى”(22)

يضع هذا النص القاعدة الأساسية لنموذج التدين في الفكر الفلسفي والسياسي الحديث ولا نتجنى إذا ما ربطناه بنشأة التصور الليبرابي للدين بوصفه ممارسة فردية تضمن فيها الدولة للأفراد حق اختيار معتقدهم الديني وفق عبارة توماس جيفرسون ” إن جاري لا يلحقه أي أذى مني إذا قلت بأن هنالك عشرين إلها أو لا إله البتة (23)

فالديمقراطية الليبرالية وفق هذا المثال الجيفرسوني تُمكن المواطنين من أن يكونوا متديّنين أو غير متديّنين كما يشاءون  طالما هم غير “متعصّبين”(24)

غير أن اسبينوزا إذ يعيد صياغة العلاقة بين الدولة وبين الدين والفلسفة لا يفوته ضمن رؤية نسقية لمفهوم الخلاص أن يعطى أهمية بالغة للتقوى الدينية فالخلاص إما أن يكون بالعقل وذلك دأب الصفوة وإما أن يكون بالدين الذي يقوم على رؤية امتثالية للطاعة،والفرق بين الشرائع والقانون الإلهي هو أن هذا شامل وضروري في حين أن الأولى ظرفية ومرتبطة بوجود الجماعة والدولة (25)

لا يمكن أن يتم الوصول إلى هذه النتيجة دون زعزعة الحقيقة التاريخية للنص الديني مما يسمح بتراجعه كمصدر أساسي للخلاص وهنا فقط نفهم حرص اسبينوزا على التشكيك في نسبة  الأسفار الخمسة من العهد القديم لموسى فقد كان المنهج   الاسبينوزي الفريد في تناول نصوص العهد القديم ينم عن ممارسة واعية تهدف في الأساس وقبل كل شيء إلى خلخلة الدوغمائية الدينية بغية إقامة يقين عقلاني يطرح العلمانية والتعددية الدينية كمشروع للعصر الحديث، واسبينوزا نفسه لا يخفي قصديته الواضحة من التأكيد على تاريخانية النص فلما كان الكتاب قد وضع من عدة مؤلفين “وعلى قدر أفهام العامة فإن لكل شخص الآن أن يكيفه حسب معتقداته الخاصة إذا كان يرى في ذلك وسيلة لطاعة الله في الأمور المتعلقة   لا يتوانى فرانسوا مورو في وصف عقلانية اسبينوزا بالعقلانية التاريخية المناضلة و الساعية إلى فهم الواقع بشكل عقلي فلا شيء لدينا أفضل من العقل لنفهم الطبيعة بما في ذلك طبيعة الإنسان نفسه(27)

ونضيف نحن من عندنا العقلانية التفهمية وتلك ميزة خاصة بفيلسوفنا أعني القدرة على استيعاب وتفهّم الطبيعة الإنسانية في تقلباتها المتباينة لذلك لا يقيم اسبينوزا صرحه بناء على هذيان فلسفي يصدر عن صوفي متأمل من أعلى برجه العاجي  بل إن منطلقه النسقي إنما يتحدد وفق فهم عميق وواعي  للطبيعة الإنسانية وكذلك رؤية نقدية للتراث الفلسفي تقطع مع الممارسات التجزيئية التي تصنف الانفعالات البشرية كما لو كانت شيئا خارجا عن الطبيعة الإنسانية أو دولة داخل الدولة (un empire dans un empire)  يعود اسبينوزا ليؤكد هذا المعنى في الرسالة السياسية التي لم يكن الهدف منها اختراع الجديد أو بلوغ المستحيل إنما أرادها الفيلسوف إطلالة على السياسة العملية وفق منهج رياضي (29) لذلك لا نجد غضاضة في تبني الصيغة الثلاثية التي وضعتها الأستاذة فاطمة الحداد والتي ترى أن اسبينوزا عالج مفهوم الطبيعة الإنسانية في ثلاثة أبعاد

-الطبيعة الكلية أو الرابطة الأنطولوجية بين الله و الإنسان حيث يتمركز الإنسان في النظام الأنطولوجية كحال متناهي،

-الطبيعة الشخصية أي جملة الانفعالات الطبيعية للإنسان وهنا يظهر مفهوم الكوناتوس كتعبير عن الجهد الذي يبذله الإنسان في سعيه الدؤوب لتحقيق كيانه

وأخيرا الطبيعة السياسية للإنسان بما هو عضو في مجتمعه السياسي (30)

في حاشية القضية 18 من الباب الرابع من الإتيقا تتجلى بوضوح ما سميناه “الطبيعة التفهمية” التي وسمت العقلانية الاسبينوزية حيث العقل لا يطلب منا شيئا خارج طبيعتنا الأصلية أي أن نسعى إلى تحقيق كياننا ضمن مجهود جماعي ذلك أنه إذا اقترن فردان من طبيعة واحدة فإنهما سيكونان فردا أقوى من كل واحد على حدة فلا شيء يكون أنفع للإنسان من الإنسان(31)

أريد في خاتمة هذه الورقة أن أُعيد تسليط الضوء على أطروحة مرّت الإشارة إليها على نحو سريع وأعني هنا كتاب عالم الأعصاب البرتغالي انتونيو داماسيو الذي صدر سنة 2003 و حمل عنوان looking for spinoza,joy sorrow and the feeling brain

و تمت ترجمته إلى الفرنسية تحت عنوان (spinoza avait raison,joie et,tristesse, le cerveau des émotions)

أول ما يجذب القارئ هو أن الكاتب يُقدم على دراسة سبينوزا فمن زاوية علم الأعصاب وبشكل خاص النيروبيولوجيا العصبية (neurobiologie )  ولا يرى المؤلف في ذلك ما يستدعي الاستغراب نظرا إلى أن سبينوزا وثيق الصلة كليّا بأي نقاش عن مشاعر الإنسان و عواطفه (32)

يتحدث داماسيو عن اسبينوزات أربعة

١-اسبينوزا الباحث اللاهوتي الناقم على حالة اللاهوت في عصره والساعي إلى إعادة موضعة الدين في الحياة العامة

٢-سبينوزا المفكر السياسي الذي يقدم مشروعا ديمقراطيا يراعي الطبيعة الإنسانية المتباينة

٣-سبينوزا الفيلسوف الذي يحرص على تقديم تصور أنطولوجي مترابط للكون

٤-سبينوزا النيروبيولوجي الطليعي المتواري خلف حشد من القضايا والحواشي.

إن هذه الأوجه المختلفة لاسبينوزا يمكن وفق ما نرى إعادة تركيبها ضمن برواز واحد يحمل اسم اسبينوزا المؤسس الذي منحت أفكاره البذور الكافية لتشكل المباحث الأساسية الكبرى في الفكر الغربي الحديث، وبشكل أخص تلك المرتبطة بميادين الأنطلوجيا والقيم فضلا عن التأثير الخطير لمفهوم الكوناتوس في الدراسات النفسية والأخلاقية أعني هنا بالأخص تطور براديغم الرغبة مع شوبنهاور ثم نيتشه ناهيك عن حضور اسبينوزي في تكون المثالية  الألمانية ما حدا بريتشارد كرونر إلى القول “بأن المثالية الألمانية هي الاسبينوزية التي تعمل في حقل فلسفة كانط النقدية(٣٣) كل هذه التشابكات المختلفة تستحق في رأينا ليس فقط نظرة جديدة إلى سبينوزا كما فعل داماسيو بل عودة جديدة لاسبينوزا ( Nouveau retour à Spinoza)


المصادر والإحالات

  • 1- Léo strauss,les trois vagues de la modernité,la justice،cahiee
  • philosophies,hors série,septembre 2005
  • وقد ترجم هذا المقال مشروحي الذهبي،تحت عنوان   ثلاثة موجات للحداثة،مجلة حكمة.
  • 2-ريتشارد شاخت،رواد الفلسفة الحديثة،ترجمة،أحمد حمدي محمود،الهيئة المصرية العامة للكتاب،الطبعة الأولى،1997،ص،14.
  • 3-رينيه ديكارت،تأملات في الفلسفة الأولى،ترجمة وتقديم وتعليق،عثمان أمين،تصدير مصطفى لبيب،المركز القومي للترجمة،ص،97.
  • 4-على سامي النشار،المنطق منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة،دار المعرفة الجامعية مصر،الطبعة الأولى،سنة،2000،ص،10.
  • 5-رينيه ديكارت،مقال عن المنهج، ترجمة محمود الخضيري،مراجعة محمد مصطفى حلمي،الطبعة الثانية،1968،دار الكتاب العربي للطباعة والنشر،ص،130،وكذلك الصفحة 93،من ترجمة عمر الشارني الصادرة عن المنظمة العربية للترجمة،مع اختلاف بسيط في الترجمة.
  • 6-هيجل،موسوعة العلوم الفلسفية،ترجمة إمام عبد الفتاح امام،دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الثالثة،2007،المجلد الأول،الفقرة 14.
  • 7-فاطمة حداد-الشامخ،الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا،ترجمة جلال الدين سعيد،مراجعة،صالح مصباح،مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث،الطبعة الثانية 2017،ص،15.
  • 8-Antonio Damasio,looking for spinoza,joy,sorrow,and the feeling brain,published by William
  • heinemann,London 2003.p,280
  • 9-فيردناند آلكييه،دروس السوربون الطبيعة والحقيقة في فلسفة سبينوزا،ترجمة وتقديم وتعليق،أحمد العلمي،أفريقيا الشرق،الدرس الثاني،طبيعة المعرفة العقلية وقيمتها عند سبينوزا.
  • 10-مدخل لقراءة اسبينوز،البكاي ولد عبد المالك ومحمد أحمد الشريف،وهامشه جان كوليروس:حياة اسبينوزا،ص:232.
  • 11-Spinoza,le court traité sur dieu  l’homme
  • et le bèautitude,traduit par,Paul janet,pp:25.
  • 12-اسبينوزا،رسالة في إصلاح العقل،ترجمة جلال الدين سعيد،دار الجنوب للنشر،الطبعة الأولى،الطبعة الأولى،1990،الفقرة،1.
  • 13-ديكارت، مقال في المنهج،مرجع سابق،ص،112.
  • 14-أبو حامد الغزالي،المنقذ من الضلال،تحقيق وتقديم،جميل صليبا وكامل عياد،الطبعة السابعة،دار الاندلس،ص:73.
  • 15-اسبينوزا،إصلاح العقل،مرجع سابق،الفقرة 2.
  • 16-هذه العبارة أوردها جلال الدين سعيد نقلا عن ترجمة هجائية صدرت ضد اسبينوزا،سنة 1672.راجع جلال الدين سعيد،سبينوزا والكتاب المقدس،الدين والأخلاق والسياسة،مؤسسة مؤمنون بلا حدود،الطبعة الأولى،2017،الفصل الأول،ص،28.
  • 17-نفس المرجع،ص،29
  • 18-الطيب بوعزة،نقد الليبرالية،التنوير للطباعة والنشر،الطبعة الأولى،2013،ص،38.
  • 19-ديكارت،تأملات في الفلسفة الأولى،مرجع سابق،مقدمة المؤلف،ص،38.
  • 20-اسبينوزا،رسالة في اللاهوت والسياسة،ترجمة وتقديم،حسن حنفي،مراجعة،فؤاد زكرياء،دار التنوير للطباعة والنشر،الطبعة الأولى،2005،ص،353.
  • 21-ريتشارد شاخت،رواد الفلسفة الحديثة،مرجع سابق،ص،14.
  • 22- اسبينوزا،اللاهوت و السياسة،مرجع سابق،ص،116.
  • 23- عبارة جيفرسون أوردها فتحي المسكيني،في مقاله :أولوية الديمقراطية على الفلسفة “التسامح هو فصل السياسة عن الحقيقة” مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 23،مارس،2019،المصدر الأصلي:
  • Thomas Jefferson, Notes on the State of Virginia, Query XVII, in The Writings of Thomas Jefferson, ed. A. A. Lipscomb and A. E. Bergh (Washington, D. C., 1905), 2: 217.
  • 24-المسكيني،ذات المرجع.
  • 25-اسبينوزا،اللاهوت والسياسية،ص،187،مرجع سابق.
  • 26-اسبينوزا اللاهوت و السياسة،مرجع سابق،ص،346.
  • 27-بيار فرانسوا مورو،اسبينوزا والاسبينوزية،ترجمة جورج كتورة، دار الكتاب الجديدة المتحدة،الطبعة الأولى 2008،ص139
  • 28-اسبينوزا،علم الأخلاق،ترجمة جلال الدين سعيد،المنظمة العربية للترجمة،الطبعة الأولى،2009.تمهيد الباب الثالث.
  • 29-اسبينوزا،الرسالة السياسية،ترجمة عمر مهيبل،مؤسسة مؤمنون بلا حدود سبينوزا للدراسات والأبحاث،الطبعة الأولى،2018،الفقرة الخامسة.
  • 30-فاطمة حداد الشامخ،الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية،مرجع سابق،ص،30.
  • 31-اسبينوزا علم الأخلاق،مرجع سابق،حاشية القضية 18،الباب الرابع
  • 32-damasio,p,8.
  • 32-تطور هيجل الروحي،دراسات مجمعة لكل من ريتشارد كرونر وفريدريك كولبسون وروبرت سولمون،ترجمة امام عبد الفتاح امام،دار التنوير،بيروت الطبعة الأولى،2009،ص،9